ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-08-10, 05:00 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

هذا "بُحيث" صغير متواضع في مناقشة كتاب : (الحديث والقرآن) لكاتب سمى نفسه "ابن قرناس"، وهو ممن أكثر مؤخراً من الكتابة في أبواب التلبيس وإثارة الشبهات حول السنة النبوية.
كنت قد كتبت هذا "البحيث" لفضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور خالد بن منصور الدريس، نسجت فيه على منوال كتابه: (العيوب المنهجية في بحوث المستشرق شاخت حول السنة النبوية)، وسأقوم بعرض هذا "البحيث" بين أيديكم تباعاً، لإثارة الموضوع عند طلاب العلم، وللاستفادة من ملحوظات المشايخ.
وللعلم: فإني سأرفق في نهاية المطاف هذا البحيث مجموعاً في ملف pdf إن شاء الله تعالى، فإلى البحث:-


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته وأزواجه وذريته، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن من سنن الله الكونية الثابتة التي لا تتغير: سنة المدافعة، دفع الخير والإيمان للشر والكفر، ودفع الشر والكفر للخير والإيمان، فلا يزالان يعتلجان ويتصاولان حتى يقضي الله بينهما بما يناسب حكمته البالغة، ويظهر آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، من نصره لأوليائه، وإذلال أعدائه، وعزته ورحمته وحلمه وانتقامه وقوته.
ولم ينقطع أهل الباطل عن محاولة الدفع في صدور النصوص الشرعية والطعن في خواصرها، وجهودهم لم تقتصر على السعي في إنكار أصل الشرع وصحة الرسالة، بل يتطور حالهم من هذه المرحلة إلى محاولة العبث بتأويل النصوص وتفريغها من دلائلها، ولكن الحال معهم كما قال حسان بن ثابت :
باسم الذي لا ديـن إلا دينُه
باسم الذي محـمدٌ رسـولُهُ
خَلُّوا بني الكُفَّار عَنْ سَبِيـلِهِ
اليوم نضربكم على تَأْويـلِهِ
كما ضربنـاكم على تنزيلِهِ
ومن هنا كانت هذه الكتابة المتواضعة؛ في الرد على كتاب وضعه أحد المعاصرين سماه: (الحديث والقرآن)، الطبعة الأولى 2008 إفرنجي، ومنشور في دار الجمل، وهي الدار المعروفة بالمسابقة إلى إخراج الكتب المشبوهة والمشكلة، وعالج فيه الكاتب جملة من المسائل الحديثية التشريعية بحسب وجهة نظره، وكان منهجه فيه بحسب ما ذكره في ثنايا الكتاب: يقوم على عرض نزر يسير من الأحاديث على كتاب الله؛ لإثبات أنّ الحديث لا يمكن أنْ يكون صدر من رسول الله بصورته التي في كتب الحديث..، اكتفى فيه بمناقشة بعض أحاديث البخاري في صحيحه، كممثل للأحاديث السنية..، يورد الحديث ثم يقارنه بما جاء في القرآن في نفس الموضوع..، وقسم الكتاب إلى خمسة أقسام:
1- الأحاديث العامة التي تناولت كافة المواضيع.
2- الأحاديث عن الحكام والسلاطين.
3- صورة رسول الله في كتب الحديث.
4- عن جرأة كتب الحديث على الله.
5- أحاديث الكافي للكليني .
ولأن الكتاب اشتمل على جملة من المغالطات العلمية، وتجاوز الطرائق المعروفة في أروقة العلم عند مناقشة مسألة أو معالجة قضية بحثية، استوجب ذلك التصدي لتلك الكتابة بياناً لما فيها من المجازفة والتضليل، فوجه فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور/خالد بن منصور الدريس، أستاذ الحديث وعلومه بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية من جامعة الملك سعود، إلى العمل على كتابة شيء حول هذا الكتاب لطلاب وطالبات مرحلة الدكتوراه بالقسم، فكان نصيبي منه: أول (100) صفحة فقط.

وقد جعلت البحث على بابين:
الباب الأول: في بيان العيوب المنهجية في كتاب (الحديث والقرآن)، وتحته ستة مباحث:
المبحث الأول: انتزاع النتائج من المسلمات الأولية.
المبحث الثاني: الانتقائية العلمية.
المبحث الثالث: الشك غير المنهجي.
المبحث الرابع: إهمال الأدلة المضادة.
المبحث الخامس: التفسير المتعسف للنصوص.
المبحث السادس: التعميم الفاسد.

والباب الثاني: في دراسة نماذج من الأحاديث المنتقدة في كتابه، على النحو التالي:
 حديث أبي سعيد : (يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار..).
 حديث ابن مسعود : (إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها..).
 حديث ابن عمر : (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها..).
 حديث ابن عباس في قصة صاحب موسى عليه السلام.
 حديث أبي هريرة : (إنما سمي الخضر لأنه..).
 حديث أبي هريرة : (يا رسول الله؛ إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه..).
 حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن: (دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة).

ثم الخاتمة.
وأقدم بين يدي هذا العمل عذراً لما قد يجده الناظر المنصف فيه من نوع حدّة؛ وذلك أمرٌ دفع إليه منهج صاحب (الحديث والقرآن)؛ فإنّ من الكُتَّاب من يلتزم الطرائق المرعيّة في الدراسة، ويبني نتائجه على المقدمات الصحيحة، ملازماً لأدب البحث، ومالكاً لأدواته، فهذا إذا ما نُوقِشَ فإنه يُسلك معه طريق قَرْع الحجة بالحجة، وإقامة سُوقِ البراهين.
ومنهم من إذا كتب فإنه يسلك سبيل مجابهة القطعيات والمسلمات بمحض الظن، ويهجم على ما لم يحط به علماً ولا سبق له به خُبْرٌ؛ مسلطاً سيف الخرْص على رقاب الحقائق، مع تجاوز أساليب أدب البحث والحجاج، ويبني النتائج على مقدمات كسيحة لا تقوم على قدم ولا ساق، فمثل هذا لا تعنيه الحجة ولا البرهان، فتقديمها بين يديه لا تحرك مكامن التفكير عنده، فيحتاج إلى أسلوبٍ يناسب حاله، فيه شيء من عَرْكِ الأُذُن، والصَّفْعِ على القَفَا.
أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يوفق شيخنا الدكتور خالد الدريس، وأن يرفع درجته في الدنيا والآخرة، وأنْ يتولانا جميعاً برحمته وعفوه وستره، وأنْ يجعلنا جنوداً لدينه، ومن أنصار سنة نبيه ، التي هي سفينة نوح عليه السلام، من ركبها فهو الناجي، ومن تخلف عنها فإنه لم يفوِّت إلا نفسه، والحمد لله رب العالمين.

الرياض
فجر يوم الاثنين 9/7/1431هـ
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-08-10, 01:40 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الفصل الأول
بيان العيوب المنهجية في كتاب (الحديث والقرآن):-

المبحث الأول:
انتزاع النتائج من المسلمات الأولية

"لا يخلو أيّ بحث علميّ من مسلّمات أولية أو ما يسمّى بالأفكار القَبْلِيَّة، لا يتكلم عليها الباحث ولا يصرِّح بـها، ولكنه ينطلق منها في معالجة القضايا التي يتطرق لها في بحثه"( 1 )، والباحث إذا أراد أن يكون منصفاً، ويصل إلى نتائج علمية صحيحة تقف على عتبة التحقيق؛ فإنه لا يستسلم لتلك المسلمات؛ وهو بحاجة إلى التأمل في المعطيات العلمية التي بين يديه، ثم يعمل على دراستها بتجرد حتى توصله تلك المعطيات إلى التنائج التي لا يكتشف دقتها أو صحتها إلا بعد هذه الدراسة وتلك المقدمات العلمية.
وهو إن لم يسلك هذا السبيل، بمعنى أنه اعتقد ثم بحث ليصل إلى النتيجة التي اعتقدها فإنه –والحالة هذه- لا يصلح أن يوصف عمله بـ(البحث) لأنه لم يحصل، ولا بـ(العلمي) لأنه على غير المنهجية العلمية المنطقية المفترضة للوصول للحقائق.
وبناء على هذه المقدمة فلننظر في عمل الكاتب الذي ارتضى لنفسه لقب (ابن قرناس)، وهل تحقق في عمله صفة البحث العلمي وشرطه، أم أنه اعتقد ثم قعَّد، وحكم ثم استدل، وزوَّر ما به قرَّر.
فهو في أول صفحة من كتابه، بل في الأسطر الأولى وصل إلى النتيجة التي أراد الوصول إليها بتأليفه هذا الكتاب، وعبر خط النهاية قبل أن يبدأ، فقال عن الحديث النبوي والسنة النبوية؛ أن الإنسان: (لو أتاح لنفسه الفرصة لتقليب أي كتاب من كتب الحديث.. فسيجد قصصاً وأخباراً وأساطير من كل حدب وصوب.. تخالف ما يقوله الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم..)، و(قصص تعكس الزمن الذي اختلقت فيه..)، و(حكايات من نسج الخيال..)، و(قصص من التراث المندائي والإغريقي والمجوسي والهندي ومن كل تراث)، و(أحاديث دخلها الحذف والتغيير والتبديل)، و(قصص لم تنسب للرسول وليس لها أي مغزى)، و(لم يوح للرسول غير القرآن)(2) ، و(لم يكن هناك تفسير لمحمد)(3) ، و(لم يأمر الرسول بكتابة شيء سوى القرآن)(4) ..
هكذا إذاً ! فما الحاجة لتسويد (528) صفحة والنتيجة ها هنا من أول ستة أسطر، وما الحاجة لذلك وهذه التقعيدات"اللملمانية"(5)، قد قطعت طريق البحث، إنه لعناء ليس وراءه كبير طائل.
إنَّ من قرأ مقدمة كتابه هذه كفته في الوصول إلى خلاصة البحث من أوراقه الأولى، دون حاجة لعناء تقليب الكتاب، والتأمل فيما سوف يسوقه من أدلة وبراهين.
إنه لم يترك لنا الفرصة لنشاركه الحكم على الحديث النبوي وقصصه وأخباره، من خلال عرضه أدلة ثبوتها أو افترائها بزعمه، فدلت أسطر كتابه الأولى أنه كان قد بيَّت قرارات ونتائج في ذهنه؛ وهو من خلال هذا الكتاب يسعى للاستدلال لها لا لاختبار صدقيتها، وينطلق من مسلمات عقلية استروح إليها وصغى نحوها قلبه، ولم تسعفه حتى المجاملة العلمية لمحاولة التظاهر بكتم هذه النتائج حتى يتمَّ دراسته، ولكنه قاء دعاواه -التي غلت في قلبه وفارت؛ حتى ملأت منه كل عرق وعصب- نقداً ناجزاً.
ومن هنا فلا يمكن الوثوق بشيء من هذه النتائج التي خلص إليها في كتابه، حيث إنها لم تُعرض في دراسته -المدعاة- للدراسة، وقد كان مقتضى الموضوعية في الدراسات العلمية للأفكار، أنْ تدرس بتجرد كامل، دون تحيُّزٍ إلى خلفية ذهنية تتحكم في مسار النتائج؛ أو تحرف استواء طريقها، ومهما كبر عقل الباحث وصفى ذهنه فإنه لا يمكن أنْ يصل إلى نتيجة صحيحة في مثل هذه الأجواء، لأن ثمت مؤثر خفي يدب بين خلجات النفس، ويوجه الأفكار إلى حيث يريد هو؛ لا إلى حيث يقود التجرد العلمي.



الحواشي:
1- مقتبس من كلام شيخنا الأستاذ الدكتور (خالد الدريس) في ردِّه على المستشرق شاخت.
2- (كتاب الحديث والقرآن لابن قرناس) ص 12.
3- المرجع السابق ص 13.
4- المرجع السابق.
5- كلمة مصنوعة من حرف النفي "لم" الذي أكثر الكاتب من ترداده في تقعيداته.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-08-10, 03:30 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

المبحث الثاني:
الانتقائية العلميّة

"من أخطر العيوب المنهجية في البحث العلمي، أن يتوصل الباحث إلى نتائج محددة عامة تكون مبنية على معلومات مستقاة من مصادر غير متخصصة في موضوع بحثه"( 1 ).
ويكون ذلك الاختيار للمصادر المعيّنة من الباحث انتقاءً وتشهياً من قبله، وليس لسبب مقبول، وليس ثمة سبب مقبول -بطبيعة الحال- يمنع أيّ باحث من مراجعة المصادر المتخصصة في الموضوع الذي يعالجه؛ إلا أن يكون أراد أمراً يخفيه.
فهذا عيب منهجيٌّ معدود في جملة العيوب المنهجية في الدراسات البحثية والحالةُ هذه؛ فما القول لو أن هذا الباحث المدعى نظر في مسألة من علم ليس من تخصصه، وليست له فيه دراسة أو خبرة ودراية؛ ثم هو يهجم على الاستدراك والتصويب في مسائل هذا العلم، وقد بنى كلَّ بحثه على وجهات نظره الخاصَّة؛ ومرئياته الذاتية على البديهة، وعلى ما يقع في فهمه بادي الرأي، بلا تأمل ولا اعتبار، ودون رجوع إلى أي مصدر إطلاقاً !، لا من المصادر المتخصصة ولا من غيرها.. أبداً !، فما الظن بنتائج دراسة هذا منهجها.
وهذا الصنيع من جحود البيِّنات، وردّ الحق بلا برهان؛ وفي معناه يقول ربنا تبارك وتعالى: (قُتل الإنسان ما أكفره)؟؛ قال الإمام العماد ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وهذا لجنس الإنسان المكذِّب؛ لكثرة تكذيبِهِ بلا مُستَنَد، بل بمجرَّد الاستبعاد وعدم العلم)(2)، وهو مشابه لحال الكفار الذين قال الله تبارك وتعالى عنهم: (بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولمَّا يأتهم تأويله)؛ أي: أنهم كذَّبوا به على البديهة قبل التدبُّر ومعرفةِ التأويل(3).
وحتى يظهر قبح مثل هذه الطريقة في المسائل العلمية والبحثية؛ فإنّي أضرب مثلاً لحال هذا الإنسان: كحال رجل من العامة الأميين، وقع في يده كتابٌ في علم الطبّ لأول مرَّة يراه، وطلب من أحد الجالسين أنْ يقرأه عليه، ثم إنه لما استشكل بعض ما في الكتاب؛ واستغرب بعض الاصطلاحات والأدوية= شرع يؤلف كتاباً يردّ فيه المسائل التي استشكلها، ويبطل فيه الأدوية التي لم يسبق له أنْ سمع بها، فيبدي إشكالاته متذاكياً متحذلقاً على طريقة الألمعي في الانتقاد: كيف يمكن لقرص دواء "البندول" يبتلعه الإنسان في بطنه ويعالج ألم رأسه، وفرق بين البطن والرأس!؛ ثم يتنحنح -منتشياً- ويمتخط ويعتدل في جلسته: كيف للأطباء أنْ يدّعوا علم الغيب فيزعمون أنّ هذا الدواء يعالج صداع الرأس ويخفف ألمه، هل نزل عليهم بذلك وحي، أم شهدوا أسرار الغيب..!!.
فهذه مَخْرَقَةٌ وتَحَامُقٌ، وليست من المباحثات العلمية في قَبِيلٍ ولا دَبِير، وجميع هذه الغَبَاوَات والإشكالات لم تنشأ من مشكلٍ حقيقي في المسألة المعينة، وإنما هي أثرٌ للجهل وجِدَّة المعلومة، ولو سألَ أهل الاختصاص لداووا طِبَّهُ، وأنعشوا بالعلم لُبّه، ولكن الحرمان لا نهاية له.
هذا بالضبط نظير ما فعله "ابن قرناس"؛ فليس في كتابه نقل عن أي مصدر من كتب علم الحديث والمصطلح ولا من غيره، ففي أول (100) صفحة من كتابه –وهي مجال هذا الردّ- يلحظ أنه قد خلت كلُّ حواشيه من أي إحالة على أيّ مصدر علمي مطلقاً؛ إلا الإحالات على مواضع الأحاديث المنتقدة من صحيح البخاري(3)، وهذه جُرأةٌ علمية مذمومة، بل هي تحامق وتغرير بالنفس، فهو يناقش مسائل حديثية وفقهية واصطلاحية؛ ولا يمكن علاجها إلا بالرجوع إلى المؤلفات فيها، وهو لم يفعل شيئاً من ذلك.
وهذا كله يضعف الثقة بطريقة علاج المسائل المدروسة، ويسقط الاعتماد على النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه.

الحواشي:
1- مقتبس من كلام شيخنا الأستاذ الدكتور (خالد الدريس) في ردِّه على المستشرق شاخت.
2- تفسير ابن كثير8 / 322.
3- الدر المصون في علم الكتاب المكنون 1 / 2314.
4- يلاحظ أيضاً أنّ الكاتب أحال خلال هذه الصفحات المائة على كتاب آخر له، سماه: (سنة الأولين) في خمسة مواضع، ويبدو أنّ هذا نوع نرجسية حالمة يعاني منها "ابن قرناس"، وأيضاً فهو قد جعل حاشية في صفحة (51)، نقل فيها عن كتاب تقريب التهذيب نقلاً لا علاقة له بالكلام في صلب الكتاب، وعليه فهذه الإحالة لا تعكر ما قررته في الأعلى.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27-08-10, 05:08 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

المبحث الثالث:
الشك غير المنهجي


يقول شيخنا الأستاذ الدكتور خالد بن منصور الدريس: (يعطي أساتذة المنهجية الشك المنهجي مكانة مهمة، عبّر عنها أحدهم بقوله:(( في كل علم ينبغي أن تكون نقطة البدء هي الشك المنهجي. فكل ما لم يثبت بعد، ينبغي أن يظل مؤقتاً موضوعاً للشك، ولتوكيد قضية ما ينبغي تقديم الأسباب التي تبرر الاعتقاد بأنـها صحيحة صادقة )).
وقد عرف مجمع اللغة العربية الشك المنهجي بأنه:(( مرحلة أساسية من مراحل منهج البحث في الفلسفة، وقوامها تمحيص المعاني والأحكام تمحيصاً تاماً بحيث لا يُقبل منها إلا ما ثبت يقينه، ومن أبرز من قال به الغزالي ثم ديكارت. فعلى الباحث أن يحرر نفسه من الأفكار الخاطئة " بالشك "، وأن يتروَّى فيما يعرض له، فلا يتسرع في حكمه)) (1) ، ويجيب فضيلته عن إشكالية: متى يحكم على العمل بأنّه مشتمل على شك غير منهجي، فيقول: يكون كذلك إذا كان الشك فيه إفراط وإنكار ونفي؛ من دون بيِّنةٍ أو قرينةٍ مقبولة(2) .
فأما الكاتب "ابن قرناس" في كتابه هذا: فقد تَقَلَّبَ في الشك غير المنهجيّ ظَهْراً لبطن، ولم يَبْقَ في جَسَدَه عِرقٌ ولا مِفْصَلٌ إلا وداخَلَهُ فيه الشك في سنة النبي وحديثه، دون أنْ يوجد دليلاً واحداً يقوم عند الحجاج على صدق شكوكه وأوهامه، ولك أنْ تتصوَّر حجم هذه الشكوك في نفسه وهو يردّد عن الحديث النبوي من بداية بحثه عباراتٍ من مثل: ( "أساطير"، "مختلق"، "فيها حذف"، "تبديل"، "تعديل"، "إضافة"، "مبتور"، "نسج الخيال")، سِتْرَكَ يا ربّ، كلُّ هذه الأوهام كيف احتملها قلبٌ واحدٌ اجتمعت فيه وصبر عليها!.
يقول الكاتب في هذا السبيل: (لو ثبت عن الرسول..بطرق قطعية، وهو ما لا يتوافر فيما يسمى بالحديث، ولكننا نقول جدلاً إنه حتى لو ثبت عن الرسول غير القرآن: فلا يمثل دين الله)(3)، فلاحظ كيف استولت عليه هواجيس الشك واحْتَوَشَتْهُ وُحُوشُهُ، حيث إنه يعتقد أنه لو ثبت بشكلٍ قاطع عن الرسول سنةٌ فإنه -مع قطعيَّة ثبوتها- لا يقبله في دين الله!، وهذه مرحلة متقدِّمة من "التَّسْهِيب" (4)، وللعلم فإنّ من شك في القطعيات والمسلمات، ككون الشمس طالعة مثلاً؛ فقد تُوُدِّع من عقله.
ويقول أيضاً عن حديث ابن عباس : (أن النبي سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس)، فقال "ابن قرناس" : (وبطبيعة الحال هذا لم يحدث، ولا يمكن أن يكون حدث)(5) ، وهذا النفي منه: إما أن يكون لخبر غيبيّ بلغه، وإما أن يكون لشهوده الحادثة وثبت عنده عدم حصول السجود، وإما أن يكون لمانع عقلي يقطع بعدم إمكان ذلك؛ وكل هذا لا وجود له في نفس الأمر؛ فبقي أنّ إنكاره لوقوع ذلك مجرّد أهواء وظنون.
وقال أيضاً عن عموم الحديث النبوي: (إنّ الحديث لا يمكن أن يكون صدر من رسول الله) (6) ، هكذا ضَرْبَةَ لازِبٍ: لا يمكن أنْ يكون صدر..، دون أماراتٍ صحيحةٍ للشك، ولا أدلة على الكذب.
ويقول أيضاً : (إنّ ترك الرسول لجزء من الدين المتمثل بـ"الحديث"؛ تتناقله ألسن الفاجر والكافر والمعتوه والكذاب كيفما تشاء، ويضاف عليها وينقص منها؛ اتهام للرسول)(7) ، وانظر هنا كيف أنّ الكاتب حصر رواية الحديث النبوي في أربعة أصناف من البشر؛ وهم:
1- الفاجر.
2- الكافر.
3- المعتوه.
4- الكذاب.
فجمع من أصناف الناس الذين لا يذكرهم علماء الحديث إلا في أبواب من يردُّ حديثه، فيقلب هو ذلك ليجعل علماء الحديث لا يروون سنة النبي إلا من طريق هؤلاء فقط، مع أنّ القسمة العقلية تقتضي وجود أصناف أخرى يحتمل أنْ تشارك في الرواية؛ مثل: الثقة الضابط، والصادق البارّ قويّ الحفظ...الخ، والحقيقة أنَّ تصرُّفه هذا محض تجنٍّ حمل عليه سَلَس الشَّك الذي يعاني منه الكاتب، ونحن بدورنا نسأل الله تعالى أنْ يمُنّ عليه وعلى سائر مرضى المسلمين بالعافية.

الحواشي:
1- من كتاب: العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت 36.
2- المرجع السابق.
3- (الحديث والقرآن) 18.
4- هو ذهاب العقل بسبب لدغ حيّةٍ أو عقرب ونحوها من ذوات السموم، انظر: لسان العرب 1/475.
5- (الحديث والقرآن) 69.
6- (الحديث والقرآن) 21.
7- (الحديث والقرآن) 19-20.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29-08-10, 06:21 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

المبحث الرابع:
إهمال الأدلة المضادة

يقول الأستاذ الدكتور خالد الدريس: (من أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث علمي، هي أن يتجاهل الباحث الأدلة المضادة - يعني المخالفة - لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر، ويصف أحد المفكرين الغربيين العالم أو الباحث الذي يخفي الأدلة التي لا تؤيد نظريته بأنه يعد في عالم العلم "مثل المالي الغشاش، أو المحاسب الذي يزيف في دفاتره في عالم المال")( 1 ).
ومن ذلك مثلاً في هذا الكتاب؛ استدلال الكاتب على بطلان حديث نبوي شريف، أخبر فيه النبي بأمر غيبيّ من أحوال أهل النار (2)، فالكاتب يستدل على بطلانه بأنه خبر غيب والنبي لا يعلم الغيب؛ فيقول: (وكل ما سيحدث في يوم القيامة هو من عالم الغيب، الذي تفرّد الله بعلمه لوحده: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً") (3)، هكذا ويقف الكاتب بالآية على هذا الحدّ، مع كون جواب إشكاله الذي أورده على الحديث؛ موجود في الآية التي تليها مباشرة وهو قد رآها قطعاً، يقول تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول)، فدلت الآية على أنّ الرسول ممن استثني، فلا يظهر الله على غيبه أحداً إلا الرسل الذين ارتضاهم الله لرسالته فإنه يطلعهم على ما يشاء تعالى من غيبه.
فالكاتب لما علم أنّ بطلان استدلاله كامنٌ في الآية التالية: تركها وأعرض عنها، حتى يطمئنّ قلبُهُ إلى انطباق حال كفرة أهل الكتاب عليه؛ في قوله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب وما الله بغافل عما تعملون).
ويقول الكاتب أيضاً في معرض كلام له عن الجنة: (هذا إذا سلمنا أن الجنة عبارة عن بناء محصن، وله أبواب كما يصوّره لنا الحديث) (4)، فالكاتب كما هو ظاهرٌ ينفي عن الجنة حقيقة أمرين اثنين؛ هما:
1- ينفي أنْ تكون عبارة عن بناء.
2- ينفي أنْ يكون لها أبواب حقيقية.
قرّر هذه المسألة عنده دون التفات إلى وجود ما يدل على صدق ذلك أو كذبه، والواقع لكل من عرف القرآن الكريم وقرأه لطلب الهداية منه؛ أنه قد أثبت جميع ما سعى الكاتب هنا لإنكاره، فأما كونها بناء؛ فيقول الله تبارك وتعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية)، وأما كونها لها أبواب؛ فيقول الله تبارك وتعالى: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب)، وقال تعالى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها).
فلاحظ هذا المَزْلَقَ الخطير لمن يزعُمُ دعوةَ الناس إلى لزوم القرآن الكريم، كيف أنه -لما كانت دعوته على غير رِشْدَةٍ ولا سبيلٍ سويّةٍ مستقيمة- وقع في مثل هذا الخطأ الذي يعرفه صبيان الكتاتيب، إذ صرفه الله عن الأدلة التي تدل على أنّ ما حاجَجَ عليه ليس من الحقِّ في وِرْدٍ ولا صَدَر، ولكنه ما تأمل أدلة المسألة التي ينظر فيها، ولا ما يخالفها.

الحواشي:

1- العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت 40-41.
2- وهو حديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري1 / 13: (يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدْ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا أَوْ الْحَيَاةِ شَكَّ مَالِكٌ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً).
3- (الحديث والقرآن) 30.
4- (الحديث والقرآن) 92، في تعليقه على حديث أبي هريرة عند البخاري 3/25، أنّ أبا بكر قال للنبي عن أبواب الجنة: (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا).. الحديث.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30-09-10, 11:17 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

ومن إهمال الكاتب للأدلة المضادة أيضاً؛ ما ذكره تعليقاً على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم فقالوا أعملت من الخير شيئاً؟، قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر..)(1) ، فعلق الكاتب قائلاً: (الملائكة ليس لها الحق بمساءلة البشر ولا محاسبتهم لأن المحاسب هو الله صاحب الحق في العبادة "ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين") (2) .
فيقرر الكاتب هنا بطلان هذا الحديث، مستدلاً على ذلك بأن في الحديث ذكر مساءلة الملائكة للبشر، بينما تلك المساءلة لا تكون للملائكة وإنما هي لله وحده، هكذا يقول.
وهذا محض ظن من الكاتب لا يسنده دليل من القرآن الكريم، بل آيات الكتاب الكريم ناطقة بخطأ هذه الدعوى، ومصرحة بكون الملائكة تسأل الناس وتناقشهم وتجادلهم في الدنيا عند قبض أرواحهم، وفي الآخرة كذلك في جهنم، فمن ذلك على سبيل المثال:
1- قوله تعالى في سورة الأعراف 37: ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين)، فدلت الآية على كون الملائكة تسأل المفترين المكذبين عند توفيهم لهم قائلة " أين ما كنتم تدعون من دون الله"؛ وأنهم يجيبون قائلين " ضلوا عنا".
2- وقال تعالى في غافر 49-50: ( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال)، فلاحظ وقوع السؤال من خزنة النار من الملائكة للكفار الذين فيها، وأنهم يجيبون، وأن الملائكة ترد عليهم وتقرعهم، في محاورة ومجادلة.
3- وقال تعالى في الزمر 71-72: ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين )، أيضاً تسأل الملائكة الموكلة بخزانة النار الكفار عند سوقهم إليها، فإذا ردَّ الكفار بما لا عُذْرَ فيه أُمِرَ بهم إلى النار.
4- وقال تعالى في سورة الأنعام 93: ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون).
5- وقال تعالى في سورة الملك 8-9: ( تكاد تميَّزُ من الغيظ كلّما ألقيَ فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير).
وغيرها من الآيات الدالة على وقوع مساءلة الملائكة للناس، غير أني اكتفيت بما بانت دلالته من النصوص، وتركت من احتمل من ظواهر الأدلة، وكل هذا دال على أن الكاتب لم يول الأدلة المضادة العناية الكاملة، ولا تأمل فيها، وإنما هجم على تقرير ما يريد دون توفية المسألة كفايتها من النظر.



(1) صحيح البخاري 3/57/2077.
(2) الحديث والقرآن 97-98.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-10-10, 06:35 PM
أبو أويس علي الخطيب أبو أويس علي الخطيب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-06-10
المشاركات: 149
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

جزاك الله خيرا على الجهد المبارك
لابن قرناس كتاب اسمه سنة الأولين بين فيه منهجه الذي يعتمد عليه في النقد كما ذكر بعض الإخوة
فهل اطلعت عليه؟
وأين أجده؟
وهل يمكن رفعه على الشبكة؟
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-10-10, 06:20 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

حياك الله أخي: أبا أويس علي الخطيب، شرفت بمرورك..
والكتاب الذي أشرت إليه كثيراً ما يحيل عليه الكاتب ويحتفي به( ! )، وهو موجود ولكنني لم أقرأه..
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-10-10, 06:46 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

ومن ذلك أيضاً:
قول الكاتب تعليقاً على حديث: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين"؛ فقال: (ويكون صوم رمضان عبادة من عبادات ثلاث؛ فرضها الله على الناس، هي: عبادة تؤدى كل يوم خمس مرات، وهي الصلاة، وعبادة سنوية تؤدى كصوم لشهر رمضان، وعبادة لمرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلاً، وهي الحج، والعبادات جزء من الدين الذي يتكون من أوامر ونواهي الله التي جاءت في القرآن، ولا ميزة لأمر على آخر، أو عبادة على أخرى، كما لا ميزة للعبادات أو أي منها على أوامر الله الأخرى التي يتكون منها الدين إلا في مخيلة القصاص..)(1).
وكلامه هذا قد اشتمل على جملة من التناقضات والمغالطات؛ فأمَّا ما في طيِّه من التناقض –وأذكره هنا استطراداً وإلا فليس هذا مكان بحثه-؛ فإنّ الكاتب من خلال سائر كُتُبِهِ، ومن خلال كتابِهِ هذا على وجه الخصوص: يُنْكر السنة النبوية جملةً، ويرُدُّ أحاديثها دون اعتبار لأيٍّ شافعٍ في قبولها، ثم نجده هنا يعود على كل ما بناه بالهدم إذ يقول: ( ويكون صوم رمضان عبادة من عبادات ثلاث؛ فرضها الله على الناس، هي: عبادة تؤدى كل يوم خمس مرات، وهي الصلاة...).
فمن أين للكاتب أن الصلوات المفروضة خمس صلوات؟، هل يجد في القرآن دليلاً واحداً ينصُّ نصَّاً واضحاً على كون الصلوات خمس؟، إنما الذي في القرآن الكريم: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل) (2)؛ فهذه ثلاث صلوات، وقال: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً) (3)، وهذه صلاتين أو ثلاث.
والاستدلال بهذه الآية على كون الصلوات خمس على طريقةِ أهل السنة والجماعة سهلٌ ظاهرٌ ميسورٌ يُراجَعُ في مظانِّه، ولكنْ على منهج الكاتب في الوقوفِ على دلالةِ القرآن الظاهرة فقط: فإنما هذه ثلاث صلوات، وربما قيل إنها صلاتان فقط؛ لأنَّ الثالثة ليس فيها سوى ذكر قراءة القرآن وقتَ الفجر فقط!، فمن أين له أنه ثلاثٌ فضلاً عن كونها خمس في كل يوم وليلة.
يقول الإمام القرطبي في تفسيره: ( ذكر الله سبحانه في كتابه الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها وقراءتها وأسمائها...؛ وهذا كله مجمل أجمله في كتابه، وأحال على نبيه في بيانه؛ فقال جل ذكره: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ"، فبين صلى الله عليه وسلم مواقيت الصلاة، وعدد الركعات والسجدات، وصفة جميع الصلوات فرضها وسننها، وما لا تصح الصلاة إلا به من الفرائض وما يستحب فيها من السنن والفضائل)(4).
وقال أبو الفداء ابن كثير: ( فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلاة الخمسة، فمن قوله: "لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ" وهو: ظلامه، وقيل: غروب الشمس، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله تعالى: "وَقُرْآنَ الْفَجْرِ"، يعني: صلاة الفجر، وقد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترًا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات، على ما عليه عمل أهل الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفًا عن سلف، وقرنًا بعد قرن) (5).
بل ولن يجد الكاتب بين دفتي المصحف حتى: وقت كل صلاة ابتداء وانتهاء، ولا عدد ركعات كل صلاة، ولا عدد السجدات في كل ركعة، ولا هيئاتها، ولا أركانها، ولا ما يقرأ فيها، ولا واجباتها، ولا سننها، ولا نواقضها، إلى غير ذلك من أحكام لا يمكن أن تقام الصلاة بدونها(6) .
ويقول الكاتب أيضاً: (ويكون صوم رمضان عبادة من عبادات ثلاث؛ فرضها الله على الناس، هي... وعبادة لمرة واحدة في العمر.. وهي الحج)، من أين له في القرآن الكريم ما ينصُّ نَصَّاً واضحاً على أنَّ الحج إنما يجب على المكلف مرَّة واحدةً في العمر؟.
والحقيقة أنَّ هاتين الدلالتين لا يمكن لمن أنكَرَ السنة أنْ يُثْبِتَهُمَا من القرآن الكريم نَصَّاً، وهو هنا مضطرٌّ لأحد موقفين منطقييَّن مُطَّردين:
1- أنْ ينكر كون الصلوات خمس، وكون الحج واجباً مرة واحدة في العمر، ويكتفي بما ظهر من دلالة القرآن في هذا الباب وهو كون الصلوات ثلاث فقط، وكون الحج واجباً في وقته من كل سنة.
2- أو أنْ يقرَّ بخطأ قوله بإنكار السنة والحديث.
وإلا فكيف يدّعي بطلان السنة جميعاً؛ ثم هو يعود الآن ليقرَّر أحكاماً لا وجود للنصّ عليها إلا فيما أبطله من السنة، أو بإعمال قواعد أصول الفقه في الاستدلال، وهو لا يقرُّ بصحة شيء من ذلك لزوماً ؟.
وأما ما في كلام الكاتب من المغالطة؛ فهي دعوى عدم تفاضل العبادات، مع إعراضه عن نصوص القرآن الدالة على ضد ما قرره، فهو يقول: (والعبادات جزء من الدين الذي يتكون من أوامر ونواهي الله التي جاءت في القرآن، ولا ميزة لأمر على آخر، أو عبادة على أخرى، كما لا ميزة للعبادات أو أي منها على أوامر الله الأخرى التي يتكون منها الدين إلا في مخيلة القصاص..)، هكذا إذاً، فلا فضل لعبادة على أخرى، ولا ميزة لعبادة على أخرى، وكلها بمرتبة واحدة لاتّحاد مصدرها، وهو يقول هذا مهملاً لجملة وافرة من الآيات الدالة على ثبوت التفاضل بين الأوامر الشرعية، فمن ذلك على سبيل المثال:
أ/ قال الله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتأتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم..) (7)، فهذه الآية اشتملت على مفاضلة بين عبادتين اثنتين:
1- الصدقة في العَلَن: (إن تبدوا الصدقات فَنِعِمَّا هي).
2- الصدقة في السِّرِّ: (وإن تخفوها..).
ثم إنّ الله تبارك وتعالى بيّن أن وقوع عبادة الصدقة في حال السرِّ أفضَلَ وأخيَرَ من وقوع هذه العبادة في حال العَلَنْ: (وإن تخفوها وتأتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم)، فإخفاؤها خير من إبدائها.
ب/ وقال الله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون) (8)، فبين الله تبارك وتعالى أن للدائن مع المستدين المعسر حالتين اثنتين:
1- أن ينظره، فلا يطالبه بالسداد حالاً؛ مراعاة لإعساره: (فنظرة إلى ميسرة).
2- أن يتصدق على هذا المستدين المعسر؛ بإسقاط ماله عليه من مال: (وأن تصدقوا خير لكم).
ونص الآية ظاهر على كون التصدق بالعفو والإسقاط أخير وأفضل : (وأن تصدقوا خير لكم)، فصار التعبد لله بالتصدق على المعسرين أفضل من التعبد له بإنظارهم.
فالغفلة عن كل هذه الآيات التي تناقض ما اهتم الكاتب بتقريره، -مع كونه يظهر التعويل الكامل على القرآن فقط دون غيره، ثم هو قد غابت عنه آيات في ذات الباب الذي يستدل عليه- لدليل كاف على حقيقة عنايته بالقرآن الكريم اطلاعاً ومعرفة ودلالة واحتكاماً، فما الحال في شأن اطلاعه على الحديث النبويّ؛ وهو ينكر وجوده ابتداء فضلاً عن حجيته، لا شك أنه سيكون أبْعَدَ عن الاطلاع عليه والعلم به.


الحواشي:
(1)- الحديث والقرآن 95.
(2)- هود 114.
(3)- الإسراء 78.
(4)- الجامع لأحكام القرآن 9/112.
(5)- تفسير ابن كثير 5/102، وانظر أيضاً: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للأمين الشنقيطي 5/116-117.
(6)- انظر بحث: شبهات القرآنيين حول السنة النبوية، إعداد : أ.د. محمود محمد مزروعة، ص 52.
(7)- البقرة 271.
(8)- البقرة 280.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-10-10, 07:07 PM
أبو أويس علي الخطيب أبو أويس علي الخطيب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-06-10
المشاركات: 149
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

كيف يمكن الحصول على الكتاب
أفدني وجزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 08-10-10, 10:28 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

حياك الله يا أبا أويس مرة أخرى...
في الحقيقة كنت أظن أن رابط الكتاب موجود عندي ولكني لم أجده..
عموماً: ليس ثمت ما يُندم على فواته..إلا إن كنت تنوي التعقب والرد فقوّاك الله..
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 08-10-10, 11:10 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

المبحث الخامس:
التفسير المتعسف للنصوص

يقول الأستاذ الدكتور خالد الدريس في هذا العيب المنهجي: ( يمكن لأي باحث مبتدئ في قضايا التاريخ أن يقع في سوء فهم لبعض العبارات أو المصطلحات الموجودة في النصوص القديمة، ولكن أساتذة المنهجية وضعوا قواعد في فهم العبارات، أوجبوا على كل باحث في التاريخ أن يراعيها، يقول: "لانجلوا" (( ينبغي أن نتعلم كيف نقاوم الغريزة التي تدفعنا إلى تفسير كل عبارات النص بالمعنى الكلاسيكي أو المعنى العادي...ويقضي المنهج بتعيين المعنى الخاص للكلمات في الوثيقة، ويقوم على بعض مبادئ بسيطة جداً:
1 - إن اللغة في تطور مستمر من شأنه أن يفسدها، ولكل عصر لغته الخاصة التي ينبغي النظر إليها على أنـها نظام خاص من الرموز والعلامات، وعلى هذا فإنه لفهم وثيقة ما، ينبغي معرفة لغة العصر، أعني معنى الألفاظ والصيغ في العصر التي كتبت فيه الوثيقة. ومعنى اللفظ يتعين بجمع المواضع التي استعمل فيها...
2 - والاستعمال اللغوي يمكن أن يختلف من إقليم إلى آخر، ولهذا ينبغي معرفة لغة الإقليم الذي كتبت فيه الوثيقة، أعني المعاني الخاصة المستعملة بـها الألفاظ في الأقاليم المختلفة.
3 - ولكل مؤلف طريقته الخاصة في الكتابة، ولهذا يجب أن ندرس لغة المؤلف، والمعنى الخاص الذي استعمل به الكلمات...
4 – ويختلف معنى التعبير بحسب الموضع الذي يوجد فيه، ولهذا ينبغي ألاّ تفسر كل كلمة وكل جملة، مفردة بل بحسب المعنى العام (السياق)، وقاعدة السياق هذه قاعدة أساسية في التفسير، وتقضي بأنه قبل أن أستعمل جملة من نص أن أقرأ النص كله أولاً...
وهـذه القـواعد لو طبقت بدقـة تؤلف منهجاً دقيـقاً في التفسـير، لا يكاد يترك مجـالاً للخـطأ)
) )( 1 ).
فمن التفسير المتعسف الذي سلكه الكاتب -هداه الله وأصلح قلبه- في هذا الكتاب الذي بين أيدينا -على سبيل المثال-، أنّ الكاتب لما ذكر حديث أبي هريرة في تقبيل النبي للحسن بن علي بن أبي طالب ؛ وفيه: ( فَجَلَسَ –يعني النبي - بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ رضي الله عنها؛ فَقَالَ: أَثَمَّ لُكَعُ؟، أَثَمَّ لُكَعُ؟، فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ؛ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ)( 2)، ففي هذا الحديث: يسأل النبي عن سبطه وريحانته الحسن يريد أنْ تخرجه له أمُّهُ فيراه ويقبِّله، فيسأل رسول الله فيقول: (أَ ثَمَّ) فهذه همزة استفهام، وكلمة (ثَمَّ) بمعنى: هنالك أو هناك(3) ، وأما (لُكَع): فهي كلمة تقال في مثل هذا الموضع للصغير تدليلاً ورحمة، يقول الهروي: (هو الصغير في لغة بني تميم،.. وقال ذلك للحسن على سبيل الإشفاق والرحمة)( 4 )، فصار معنى الجملة بكل بساطة: هل الحسن موجود هناك في البيت؟.
فجاءنا "ابن قرناس" هنا ليستشكل شيئاً في الحديث فأتى بضُحْكَةٍ تَفْتِقُ الأسارير وتُدْمِعُ العيون؛ فقال: (مَنْ هُوَ لُكَعْ؟، ولماذا أَثِمَ؟، ولا كيف عَرَفَ الرسول بأنه أَثِمَ وهو لم يكشف عن قلبه؟) (5) !.
يا لذكريات هَبَنَّقَةَ(6) وأيام أبي غَبْشَان(7) ، عَفَاءً على أخبارهم لقد نُسِيَتْ حتى لا تكادُ تُذْكَر، إلا ما كان من لطافة "ابن قرناسٍ"؛ الذي جَدَّدَ من رُسُومِهِم ما انْدَرَس، وأحيا من ذِكْرِهِمْ ما مَاتَ، فابن قرناس هنا يبدو أنه فهم أنَّ (لُكَع) اسم لشخص وليس وصفاً، وجعل الكلمة من (الإِثْم)، وصار معنى الجملة عنده: وقع في الإثم الشخص المسمى لكع !؛ ففهمها على معنى بعيدٍ لا يدلُّ عليه السياقُ ولا يشيرُ إليه ولو على الاحتمال؛ وذلك أنّ الإِثْمَ بهذا المعنى المزعوم؛ إنما هو: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب( 8)، ويا بُعْدَ ما بين المعنيين.
وأيضاً فمن الأمثلة على هذا العيب المنهجي، أنّ الكاتب حمل معنىً اصطلاحيّاً يتكرر في كتب الحديث وكتب تراجم رواته، غير أنّ الكاتب حَمَلَه -فيما يظهر- على المعنى العامّي الدارج في بعض البيئات، فقال ذامّاً رواة الحديث النبوي، ومبيّناً مبررات تكذيبه لرواياتهم في السنة: (وهناك من دَلَّسَ على الرسول مع سبق الإصرار والترصد) (9).
والحقيقة أنه لم يفهم معنى الكلمة الاصطلاحية "التدليس"؛ إنما سبق إلى ذهنه معنى الكذب والافتراء فاعتَقَدَهُ وفَرِحَ به، وهي إنما تطلق عند أهل الحديث بمعنى: تحديث الراوي عمن عاصره ولم يلقه؛ أو عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمعه منه بصيغة محتملة، ويكون في الواقع إنما سمعه بواسطة راوٍ آخر عن شيخه، ويفعل ذلك لجملةٍ من الأسباب التي عَذَرَ المحدِّثُون ببعضها وعَتِبُوا على الرواة في بعضها الآخر، ولكن ليس من بين هذه الأسباب الداعية للتدليس: قصد الكذب ونسبة الزور أبداً، فإنّ شيئاً من هذا لم يقع فيه المحدثون؛ إلا عند الكذبة الذين قيّد أهل الحديث أسماءهم وأخبارهم ورواياتهم في كتب مستقلّة.

الحواشي:

1- العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت 49-50.
2- (الحديث والقرآن) 8-9، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (3 / 66).
3-قال صاحب لسان العرب 12/79: (و "ثَمَّ" بفتح الثاء: إِشارة إلى المكان؛ قال الله عز وجل "وإِذا رأَيت ثَمَّ رأَيت نَعيماً" )، وانظر تفسير ابن كثير 8/292.
4- انظره في : فتح الباري - ابن حجر - (1 / 184).
5- (الحديث والقرآن) 8-9.
6- بفتح الأول والثاني ثم نون مشدّدة فقاف، واسمه: يزيد بن ثروان، ويقال: ابن مروان، أحد بني قيس ابن ثعلبة، ومن حمقه: أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف، وقال: أخشى أن أضل نفسي؛ ففعلت ذلك لاعرفها به، فحُوِّلت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه؛ فلما أصبح قال: يا أخي أنت أنا، فمن أنا؟، وأضل بعيراً؛ فجعل ينادى: من وجده فهو له، فقيل له: فلم تنشده؟، قال: فأين حلاوة الوجدان!، وانظر: أخبار الحمقى والمغفلين 1/41.
7- أبو غبشان: بفتح الغين المعجمة -وتضم أيضاً-، وبسكون الباء الموحدة، رجل من خزاعة؛ كان يلي سدانة الكعبة قبل قريش، فاجتمع هو وقصي بن كلاب في شِرب بالطائف، فأسكره قصيٌّ، ثم اشترى منه المفاتيح بزق خمر وأشهد عليه، ودفعها قصي لابنه عبد الدار وأرسله في الحين إلى مكة، ثم أفاق أبو غبشان من سكره وهو أندم من الكسعي، فضرب به المثل في الحمق، وفي الندم وخسارة الصفقة، انظر: زهر الأكم في الأمثال و الحكم 1/197، وصبح الأعشى 1/409، وأخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي 1/42.
8- وانظر: المفردات في غريب القرآن 1/10.
9- (الحديث والقرآن) 21-22.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 14-10-10, 01:45 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

المبحث السادس:
التعميم الفاسد

يقول شيخنا الأستاذ الدكتور "خالد بن منصور الدريس" في هذا العيب المنهجي: (من مسلَّمات المنهج العلمي أن التعميم بدون استقراء وأدلة كافية يعد مزلة قدم تفقد الثقة بالباحث الذي يقع منه ذلك، يقول " لانسون ": "إن اليقين يأخذ في التناقص كلما أخذ التعميم في التزايد، وهذه حقيقة تصدق على كل العلوم"، وفي نص آخر له يقول: "نأخذ من المناهج العلمية: الحذر... وأن نكون أقل استسلاماً لأهوائنا، وأقل تسرعاً إلى الجزم"، ويقول الدكتـور شوقي ضيف: "ينبغي الاستقراء الكامل...حتى لا يقع الباحث في تعميمات وأحكام خاطئة" )(1 ).
إنَّ من ضرورات المعقول: أنّ أغلب التعميمات في (الإثبات) أو (النفي) ناشئة عن واحد من أمرين اثنين:
1- إما سعة العلم وتمام الاستيعاب.
2- وإما الجهل وقلة الاطلاع.
وانطلاقاً من هذا التقعيد العلمي المنهجي، فلنقارن هذا بالسلوك البحثي الذي انتهجه "ابن قرناس" في تعميماته -وقد تلاطمت أمواج الإطلاقات المرسلة في كتابته تلاطم البحار-؛ فهو يقول مثلاً: (وأيّ حديث ورد في كتب الحديث، يمكن أن نجد حديثاً آخر يناقضه في نفس الكتاب) (2)، حسناً أيها القرناسي: أوجد لنا حديثاً يناقض قول النبي: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أنْ ينام) (3)، وهو حديث أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"، وأيضاً: فنحن نريدك أنْ توجد ما يعارضه من الحديث ليس في صحيح البخاري فقط؛ بل في كل ما نُسب من الحديث إلى الرسول عند المسلمين، من صحيح أوحسن أو ضعيف أوموضوع مكذوب، وأنت مُمْهَلٌ إلى حِينِ شَيْبِ الغُرَاب، ولن تجد !.
ويقول أيضاً: (لم يوح للرسول غير القرآن) (4)، وهذه مغامرة غير علمية لأنها تتضمن إنكار النبوة أصلاً، و سيأتي شيء من الكلام في هذا بما لا يحتاج للتكرار ، ويقول أيضاً: (لم يأمر الرسول بكتابة شيء سوى القرآن) (5)، وقال: (كل من اتبع المشرع البشري فقد ضل وكفر) (6)، وهو هنا لا يستثني النبي، لأنه قد قال قبلها: (الرسول لا يستطيع أنْ يشرّع بغير ما قال به القرآن) (7)، أي: تشريعه هو القرآن المتلوّ فقط، وبالتالي فاتباع السنة النبوية عنده ضلال وكفر، ويصرّح بعده بصفحات فيقول: (واتباع ما يقوله محمد من غير القرآن يعني أننا عبدناه من دون الله، أو أشركناه في العبادة مع الله) (8).
وقال: (كل من أصدر تشريعاً لا وجود له في القرآن فقد نصب نفسه مشرعاً مع الله وشريكاً له في دينه) (9)، مع كون علماء أهل السنة والجماعة مطبقة أقوالهم على أنّ السنة النبوية تأتي بأحكام زائدة على ما في القرآن، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، والكل وحي من عند الله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
ويقول: (ولم يعرف باسم الحديث، ولم يكتب، لا في زمن الرسول ولا في عصور الخلفاء الأربعة، وبقي يتناقله الناس مشافهة أكثر من 150 سنة) (10)، قال: (فكلها كتب ظنية)(11)، ولم ينتبه المسكين إلى أنَّ هذه الدعوى قال مثلها المستشرقون في التشكيك القرآن الكريم نفسِهِ، وإنكار حفظه وثباته، وبأيّ جواب أجاب هو عن دفاعاً عن القرآن؛ فهو ذاتُهُ جوابُنا دفاعاً عن السنة.
وقال أيضاً: (ولم يكن هناك مسجد في القدس، ولا في كل فلسطين، طوال فترة عصر رسول الله، وعصر الخلفاء الأربعة، وصدر عصر الأمويين) (12)، وهذه قَرْمَطَةٌ في أمور تاريخية قطعية، ولا يمكن الإقرار بوقوع فتح المسلمين للشام وسكناهم لها، ثم إنكار وجود مساجد خلال هذه العقود المتطاولة.
وبناء على ما سبق؛ فإنه لا يمكن الوثوق بنتائج مثل هذه الكتابة لابن قرناس؛ وقد قامت سوقها على إرسال العمومات بلا دراسة ولا تعقل، وإنما هي دعاوى لا يسندها النظر العلمي.

الحواشي:
1- العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت 55.
2- (الحديث والقرآن) 10.
3- صحيح مسلم 1/162، من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري.
4- (الحديث والقرآن) 12.
5- (الحديث والقرآن) 14.
6- المصدر السابق 15.
7- المصدر السابق 14.
8- المصدر السابق 18.
9- المصدر السابق 15.
10- المصدر السابق 16.
11- المصدر السابق 17.
12- المصدر السابق 72.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 14-10-10, 02:00 PM
ابوخالد الحنبلى ابوخالد الحنبلى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-05
الدولة: alex
المشاركات: 1,215
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

ما قصدك بكلمة بحيث (بضم الباء) تصغير بحث
هذا بحث كبير الحجم عالى المقام اخى الزيات
ولعلك تدلل هذا البحث ابتسامة
__________________
قال لى استاذى الدارقطنى
والله إن معاناة الشئ تورث لذة معرفته .
وسالت شيخى فافادنى بانه من المهم الحفظ لان للحفظ اسرارا لا يعرفها الا الحفاظ
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 14-10-10, 06:30 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

مرحبا بأخي أبي خالد الحنبلي.. وسعدت بمرورك..
وأفرح الله قلبك بهذه الابتسامة..
وأما هذا البُحَيث: فقد اصابته التخمة (ابتسامة أيضاً)..
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 15-10-10, 05:40 AM
أبومجاهد الكندري أبومجاهد الكندري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-10-10
المشاركات: 57
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

استغفر الله نسال الله الهداية
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 17-10-10, 09:31 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

آمين..
وحياك الله أخي أبا مجاهد الكندري
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 20-10-10, 11:50 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الفصل الثاني:
(في دراسة نماذج من الأحاديث المنتقدة في كتابه)



الحديث الأول:
ساق المؤلف أول حديث ينتقده في الصحيح، وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحيا أو الحياة –شك مالك-، فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)(1).
قال ابن قرناس معلقاً على هذا الحديث النبوي الشريف: ( إذا كان الحديث قال به الرسول، فمن أخبره بخبر الجنة والنار، وهما من عالم القيامة الذي لم يخلق بعد..وكل ما سيحدث في يوم القيامة هو من عالم الغيب الذي تفرد الله سبحانه بعلمه لوحده: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً" الجن 26، ويقول النص: "فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا - أو الحياة-"، أي أنهم أخرجوا وهم على هيئاتهم، ولكن سودت ألوانهم النار، فيكون إلقائهم –كذا- في النهر لكي ينظفهم، وتعود ألوانهم لحالها الطبيعية قبل دخول النار، لكن الحديث يعود ليقول: "فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية"، مما يعني أنه قد أعيد خلقهم من جديد، وأنبتوا كما تنبت الحبة في جانب السيل، وهذا يناقض الكلام السابق الذي ينص على أنهم كانوا مخلوقين وبهيئات، ولكن النار سودتهم.. وبعد الحساب يكون المصير، فمن حقت عليه الشقاوة، بما طسبت –كذا- يداه فهو في النار، ومن حقت عليه السعادة فهو في الجنة، ولن يكون هناك خلق ثالث، ولن ينبتوا كما تنبت الحبة في جانب السيل صفراء ملتوية،.. وستكون وجوه أهل النار مسودة أي مكفهرة، وليست سوداء من الاحتراق، يقول تعالى: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.." ) (2).
لقد استفتح الكاتب كلامه على هذا الحديث بقوله: (إذا كان الحديث قال به الرسول)(3)، يعني أنه الآن سيفترض جدلاً أنّ النبي قد قاله، وسيناقشه بناء على هذا الافتراض، والمفاجأة أنَّ هذا الافتراض لم يكن عاصماً للحديث من تكذيب الكاتب له، فَرَجَعَ ليرُدَّ على الرسول قوله إذ قال: (لن يكون هناك خلق ثالث، ولن ينبتوا كما تنبت الحبة في جانب السيل صفراء ملتوية) (4)!.
فلاحظ أنَّ هذه الجرأة من الكاتب في ردّ الحديث إنما هي: (إذا كان الحديث قال به الرسول)؛ فلا أدري ما الذي بقي ليقوله في تكذيب الحديث لو كان النبي لم يقله، فهل عند من ردّ على النبي خبره وقوله مثقال ذرّة من إيمان، أو في قلبه نصيب للشريعة من تعظيم؟.
أقول: ساق المؤلف الحديث السابق ثم استشكل من الحديث أربعة إشكالات باهتة:
1- من أخبر الرسول بهذا وهو من عالم الغيب الذي تفرد الله بعلمه؟.
2- أنهم ألقوا في نهر الحيا لكي ينظفهم من الاسوداد الذي لحقهم بسبب النار فقط، فكيف يعود الحديث ليخبرنا أنهم قد أعيد خلقهم ثانية: (فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل..)، وهم أصلاً مخلوقون من قبل؟.
3- أنّ سواد وجوه أهل النار بمعنى الاكفهرار لا بمعنى السواد من الاحتراق.
4- أن الناس في الآخرة إما إنسان حقت عليه الشقاوة فهو في النار، وإما إنسان حقت على السعادة فهو في الجنة، فكيف يخبرنا الحديث بوجود خلق ثالث ينبت الناس فيه كما تنبت الحبة في جانب السيل ؟.
وهذه الأسئلة -كما هو ظاهر- جوابها يسير جداً، فأما الأول:
فيقال فيه: الذي أخبر النبي بهذا الأمر الغيبي هو ذات من أخبره بالقرآن الكريم؛ وهو الله تبارك وتعالى، ولا يمكن لمن سلَّم بكون الوحي نزل بالقرآن الكريم من عند الله تعالى أن ينفي نزول الوحي بالسنة النبوية، وذلك أنَّ الوحي جنسٌ، والقرآن نوعٌ منه، والسنة أيضاً نوعٌ آخر منه، فمن أثبت جنسَ الوحي لَزِمَهُ إثباتُ أنواعه، ولا يستقيم له الحال بإثبات الجنس مع إنكار نوعه الذي هو مضمَّن فيه، ويلزمه بإثباته لنوع من أنواع الوحي الرباني لخلقه أن يقرَّ بنظيره –وهو هنا السنة النبوية-؛ وذلك بنفي الفارق بينهما، من جهة أن كليهما وحي نزل على قلب محمد .
وإنما يتمُّ له إنكار السنة بإنكار جنس الوحي، كما قال الله تبارك وتعالى عمن كفر بمحمد من اليهود مع إيمانهم بموسى : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعُلِّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (5).
و الناس -من أهل القبلة- في هذا الباب على أقسام ثلاثة:
1- من أثبت الوحي بكل صوره "قرآناً وسنة".
2- من أنكر الوحي بكل صوره "قرآناً وسنة".
3- من أثبت الوحي بالقرآن، وأنكر الوحي بالسنة.
وأسعد هؤلاء بالحق، وألزمهم لمقتضى النقل والعقل، وأثبتهم على ساق الاطراد هم أصحاب القسم الأول، وأما أصحاب القسم الثاني فبرغم ضلال مذهبهم وتضمنه لإنكار كل النبوات والأنبياء، إلا أنهم وافقوا العقل من جهة واحدة وهي اطراد القول، وأبعد هؤلاء عن الاطراد؛ وأجفاهم لمقتضى النقل والعقل؛ هم أصحاب القسم الثالث –أصحاب ابن قرناس وشيعته-، الذين أثبتوا شيئاً وأنكروا نظيره، ووافقوا على وقوع شيء وعارضوا وقوع مثيله.
فمُنْزِلُ القرآن (الله جل جلاله) هو مُنْزِلُ السنة، والنَّازِلُ بالقرآن(جبريل عليه السلام) هو النَّازِلُ بالسنة، والمُنْزَلُ عليه القرآنُ (محمد ) هو من أُنْزِلَتْ عليه السنة، والنَّازِلُ في القـرآن مِنَ الشَّرَائِعِ –في الجملة- عَيْنُ النَّازِلِ في السُّنة منها، وبرغم كل ذلك إلا أنهم آمنوا –تجوُّزاً (6)- بالقرآن وكفروا بالسنة.
وآيات وجود سُنَّتِهِ -إجمالاً- عظيمةٌ كبيرةٌ باهرةٌ؛ والعلمُ بنَقْلِها قَطْعِيٌّ، لكثرة النَّقَلَة واختلافِ أمْصَارِهِم و أعْصَارِهِم، واستحالةِ تواطُئِهِم على الكذب، فالعلمُ بآياتِ صِدْقِ وُجُودِ سُنَّتِهِ كالعلمِ بِنَفْسِ وُجُودِهِ وظُهُورِهِ و بَلَدِهِ؛ بحيثُ لا تُمْكِنُ المُكَابَرَةُ في ذلك، والمكابِرُ فيهِ في غَايَةِ الوَقَاحَةِ والبَهْتِ، كالمكابرة في وُجُودِ ما يُشَاهِدُهُ الناسُ ولم يُشَاهِدْهُ هُوَ مِن البلاد و الأقاليم و الجبال و الأنهار، فإنْ جَازَ القَدْحُ في ذَلك كُلِّهِ؛ فالقدحُ في وجود الأنبياء كعيسى وموسى عليهما السلام، وآياتِ نُبُوَّتِهِمَا أَجْوَزُ و أَجْوَز، وإنْ امتَنَعَ القدحُ فيهما -عليهما السلام- وفي آياتِ نُبُوَّتِهِمَا فامتِنَاعُهُ في وجود سُنَّةِ محمدٍ وآياتِ نُبُوَّتِهِ أَشَدُّ (7) .
ومن هنا فإن الإيمان بكون الله تبارك وتعالى هو الذي أعلم محمداً بهذا الغيب المذكور في الحديث: ليس من المستعصيات الفكرية التي توجب الوقوف عندها للسؤال، وما معنى إقرار الكاتب بكون النبي هو رسول من عند الله؛ إذا كان لا يفهم أن الله تبارك وتعالى يوحي لنبيه بالأحكام الشرعية والأخبار الغيبية، التي تدل على كونه رسول من عالم الغيب والشهادة.
ثم إنَّ إخبار النبي بالغيب ليس فيه أي معارضة لتفرد الله تعالى بعلم الغيب، وذلك أن الغيب المطلق علمه عنده تقدس وتعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو (8)، وهو مع ذلك يطلع أنبياءه ورسله على بعض ما يشاء من الغيب: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً  إلا من ارتضى من رسول (9).
وأما الإشكال الثاني: فلا أدري من أين فهم الكاتب أن سبب إلقاء من أخرج من النار في نهر الحيا هو التنظيف، ثم أليس من عِرَضِ القَفَا، وكَثَافَةِ الفَهْمِ أن يعتقد إنسانٌ أن من ألقي في نار جهنم -التي فضّلت حرارتها على نار الدنيا بسبعين ضعفاً- فخرج منها بعدما احترق؛ ثم هو بعد خروجه منها لا يحتاج إلا إلى أنْ يُلقى في نهر الحيا: لكي يتنظف فقط؟، أهذه عملية ذهنية يمكن أن تجري في عقل إنسان سوي؟ .
بطبيعة الحال هم قد احترقوا و احتمشوا حتى صاروا حُمَمَاً كما جاء مصرحاً به في ألفاظ أخرى (10)، فلما أخرجوا من النار احتاجوا إلى أنْ يعاد خَلْقُهُم بعد الاحتراق، فيجعل الله سبب ذلك الخلق الجديد أنهم يُلقون في هذا النَّهر فينبتون -بإذن الله- فيه على الوصف النبوي: (كما تنبت الحبة في جانب السيل)، وبه يعلم جواب الإشكال الآخر، فإنهم وإن كانوا قد خلقوا سابقاً، ولكن دخولهم النار أدى إلى احتراقهم وذهاب خلقهم، فيحتاجون إلى خلق جديد، والله تعالى يخلق عباده في الدنيا خلقاً من بعد خلق كما قال الله تعالى: يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث (11)، ووقوع ذلك في الدنيا يدل على إمكان وقوعه في الآخرة على الوجه الذي يريده الله: إنّ ربك فعَّالٌ لما يريد (12).
والكاتب لم تثبت على هذا المقام قَدَمُهُ، فهو بعد أنْ أثبت أنَّ الإلقاء في نهر الحيا لكي يزول لون السواد عنهم؛ رجع مرة أخرى لينفي أصل وقوع الاسوداد بسبب النار، ليدعي أن المراد بالسواد هو اكفهرار وجوههم لا تغير لونها، وهذا صرف للكلام من حقيقته إلى مجازه بلا مسوِّغ ولا دليل، وحمل الكلام على ظاهر معناه هو المتعين، ولا يفهم العربي من سواد الوجه أصالة إلا تغير لونه، وحمله على غير هذا المعنى يحتاج إلى قرينة.
وأما الإشكال الرابع؛ فغايته أن النبي يقول إنهم يخلقون بعد خروجهم من النار خلقاً آخر، والكاتب يقول لا يخلقون خلقاً آخر، وقد صَدَقَ رسولُ الله فيما قال وأخبر، وكذب المخذول (ابن قرناس) فيما زعم.

الحواشي:

1- الحديث في صحيح البخاري 1/ 13: عنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقد تكلم عليه ابن قرناس في كتابه ص 29.
2- الحديث والقرآن 29-31.
3- الحديث والقرآن 29.
4- المرجع السابق 30-31.
5- سورة الأنعام آية 91، ومن فوائد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية ما في الفتاوى 19/165؛ إذ قال: ( إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَاطِبُهُمْ بِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِ، الْمُتَضَمِّنِ إقْرَارِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ، الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ جَدَلٍ بِالْبُرْهَانِ؛ فَإِنَّ الْجَدَلَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يُسَلِّمَ الْخَصْمُ الْمُقَدِّمَاتِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ مَعْرُوفَةٌ؛ فَإِذَا كَانَتْ بَيِّنَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَانَتْ بُرْهَانِيَّةً. وَالْقُرْآنُ لا يُحْتَجُّ فِي مُجَادَلَتِهِ بِمُقَدِّمَةِ لِمُجَرَّدِ تَسْلِيمِ الْخَصْمِ بِهَا -كَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْجَدَلِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ وَغَيْرِهِمْ- بَلْ بِالْقَضَايَا وَالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي تُسَلِّمُهَا النَّاسُ وَهِيَ بُرْهَانِيَّةٌ، و َإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُسَلِّمُهَا وَبَعْضُهُمْ يُنَازِعُ فِيهَا.. كَقَوْلِهِ: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي به موسى..).
6- إنما قلت في إيمانهم بالقرآن (تجوُّزاً) لأنه لا يستقيم إيمانهم بالقرآن ولا يصح مع إنكار السنة النبوية.
7- تضمين مع تغيير لكلامٍ نفيسٍ لابن القيم رحمه الله في إثبات نبوة محمد ، انظر أصله في كتاب هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى 1/185.
8- سورة الأنعام آية 59.
9- سورة الجن آية 26-27.
10- جاء في حديث أبي سعيد الخدري في مسند أحمد 18/395: ( قَالَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ أَوْ قَالَ قَبْضَتَيْنِ نَاسٌ لَمْ يَعْمَلُوا لِلَّهِ خَيْرًا قَطُّ قَدْ احْتَرَقُوا حَتَّى صَارُوا حُمَمًا).
11- سورة الزمر آية 6.
12- سورة هود آية 107.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 21-10-10, 03:25 PM
أبومجاهد الكندري أبومجاهد الكندري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-10-10
المشاركات: 57
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

ابوخالد الحنبلى انت ابوخالد الهاجري اليس كذالك
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 22-10-10, 06:06 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

تصويب:

الأدق في عبارة: (و الناس -من أهل القبلة- في هذا الباب على أقسام ثلاثة:
1- من أثبت الوحي بكل صوره "قرآناً وسنة".
2- من أنكر الوحي بكل صوره "قرآناً وسنة".
3- من أثبت الوحي بالقرآن، وأنكر الوحي بالسنة).
الأدق أن يقال فيها: (والقسمة العقلية تقتضي أن يكون الناس في هذا الباب على أقسام ثلاثة..).
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 24-10-10, 09:36 PM
حفيظ التلمساني السلفي حفيظ التلمساني السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-10-10
الدولة: الجزائر - تلمسان
المشاركات: 39
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

السلم عليكم ورحمة الله وبركاته

أولا:

بارك الله فيك أخي الفاضل على البحث الجيد إذ أتعبتني قراءته وهذا ليس بُحيثا إلا أنه من تواضعك فقط فزادك الله علما وحرصا ومع العلم أني لست أهلا لنقد الموضوع إلا أنه ظاهر لجودة العطاء بالأخذ والرد على هذا المستشرق الخبيث.

وبارك الله في شيخك المبجل الدكتور خالد الدريس وحفظه الله وأدام عليك وعليه الصحة والعافية


ثانيا:

أخي الكريم إن المستشرقين كما هو معلوم ما درسوا لغتنا إلا لضربنا فهو نوع من أنواع الأسلحة لدى الكفار في زمن الدعوة للسلم والسلام الكاذب فلا أراه إلا مخططا ينجرّ به الغافلون الضعفاء للتسليم للقوي الكافر.


ثالثا:

ماذا يكون هذا الذي سمى نفسه ابن قرناس أمام الجهابذة العظماء من علمائنا المتقدمين والمتأخرين وما منزلته العلمية بل لا يدل كتابه هذا إلا على أنه لا يملك منزلة أصلا وفاقد الشيء لا يُنتظر منه العطاء.


رابعا:

الكل يعلم علم اليقين أن هؤلاء الكفار لا يثقون في بعضهم البعض لكثرة فسقهم وضلالهم وهوانهم على الله فعشعش في أنفسهم ألا ثقة في أحد لماذا ----؟؟؟
لأنك تجد في غالب قصصهم ومشاكلهم أن زوجة الرجل فيهم لها حبيب عشيق والعياذ بالله وفي أغلب الأحيان يكون صديقا لزوجها حتى قال الفيلسوف المشهور الذي لا أعلم اسمه فهو مشهور عندهم وليس عندي بشيء قال: (( كل النساء فاسقات إلا أمي وباحترام )) ولهذا عدم الثقة مبدأ من مبادئهم، عليهم من الله ما يستحقون.

فهل أخي الفاضل تنتظر من هؤلاء أن يكون لهم شيء يسمى: ((يرويه العدل الضابط عن مثله إلا منتهاه)) والله كلا.


أخي الفاضل طاب سعيك ومسعاك ووفقك الله لدحض عدو الله أيا من كان وجزاك الله خيرا لما جاد به قلمك.

وصل اللهم وسلم على نبي الأمة محمد وآله.
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 28-10-10, 08:09 PM
صلاح الدين بن محمد الشامي صلاح الدين بن محمد الشامي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-10-10
المشاركات: 140
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 28-10-10, 09:06 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

حياكما الله أخوي الكريمين: (حفيظ التلمساني السلفي) و(صلاح الدين بن محمد الشامي)، وشرفني مروركما..
ونسأل الله الهداية، ونحن جميعاً بحاجة إلى التواصي على لزوم السنة والذب عنها، والتصدي لما يثار حولها من شبه وتلبيسات..
ودمتم جميعاً في رعاية الله
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 28-10-10, 09:22 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الحديث الثاني:

حديث عبدالله بن مسعود أن النبي قال: ( إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ كَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ تَسْخَرُ مِنِّي أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي وَأَنْتَ الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَكَانَ يَقُولُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً ) (1).
في هذا الحديث كرر الكاتب الإشكال الذي اعترض به على الحديث السابق ولكن بعبارة أبسط؛ فقال: (كيف عرف الرسول بآخر أهل النار خروجاً منها ودخوله الجنة، فالرسول لا يعلم الغيب..والجنة والنار لم تخلقا بعد "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات"، وحتى لو افترضنا أنهما مخلوقتان الآن فقد ولد ومات مليارات البشر.. وسيولد ويموت مليارات أخرى قبل أن تقوم الساعة..فكيف عرف الرسول آخر أهل النار خروجاً منها، والذي قد لا يكون قد خلق بعد) (2).
وجواب هذه الاعتراض قد سبق ذكره مفصَّلاً في الحديث السابق؛ و خلاصته: أن النبي رسول الله، ويطلعه الله تعالى على هذه الأخبار الغيبية من أحوال الناس، كما قال الله تعالى: قد نبأنا الله من أخباركم (3) ، وقال: وإذ أسرَّ النبيّ إلى بعض أزواجِهِ حديثاً فلمَّا نَبَّأتْ بِهِ وأَظْهَرَهُ اللهُ عليه عَرَّفَ بَعضَهُ وأعْرَضَ عن بعض فلمَّا نَبَّأهَا بِهِ قالت مَنْ أنْبَأَكَ هذا قال نَبَّأَنِيَ العليمُ الخبيرُ (4).
وإطلاع الله نبيّه على هذه الأخبار من الغيوب: لحكم ربانية كثيرة يعلمها الله؛ منها: ابتلاء العباد واختبارهم لإظهار من يصدِّقُ رسلَهُ ومن يكذِّبُهُم في أخبارهم، ولا أحد أشد ظلماً ممن كذَّب بالصدق الذي جاءت به الرسل، بأَمَارَاتِهِ التي تلوحُ لكلِّ ذِيْ عَيْنٍ وتَسْطَع: فمن أظلم ممن كَذَبَ على الله وكَذَّبَ بالصِّدْقِ إذْ جَاءَه أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوَىً للكافرين (5).
والكاتب –هداه الله وردّه للحق- يظنّ أنّ المراد بالحديث: الإخبار عن عين شخصٍ محدَّدٍ سيكون هو آخر أهل النار خروجاً منها، وأنَّ هذا الشخص المعيَّن يعَْلَمُ أنَّهُ هو نفسُهُ المعنيُّ بالحديث؛ وبالتالي فكيف يكونُ الحديث صحيحاً وهذا الرَّجُلُ بيدِهِ أنْ يُفْسِـدَ كل هذا بأنْ يؤمن ويذعن-مثلاً-؛ وبالتالي لا يكونُ هناك دخولٌ للنار أصلاً !.
هذا الفهم –فيما بدا لي- هو الذي سبق إلى ذهن "ابن قرناس"، ولذا فأنت تراه يقول: (فقد ولد ومات مليارات البشر.. وسيولد ويموت مليارات أخرى قبل أن تقوم الساعة..وكلهم سيكون لديهم الخيار المطلق في عمل ما يشاءون..ولن يعلم أحد من البشر.. ما مصيرهم إلا يوم الحساب..وبعد الحساب لا قبله سيعلم كل إنسان مصيره..) (6).
والواقع أن الحديث إخبار عن جِنْسٍ لا عَنْ عَينٍ، وشأن اسم الجنس كشأن النكرات: لا يدل على واحد معين (7)، فهو يُبَيِّنُ أنَّهُ سيكون من أجناس الناس جنسٌ هو آخر من يخرج من النار، وآخر من يدخل الجنة، ثم قد يكون هذا الجنس واحد وقد يكون عددهم بالعشرات أو المئات أو ما لا يعلمه إلا الله، وبمقتضى المعلوم من الشريعة بالضرورة فإن هؤلاء الجنس من الناس لا يعلمون في الدنيا ما مصيرهم، وأنهم سيكونون من هؤلاء الذين يدخلون الجنة آخراً، يقول الحافظ ابن حجر: (قال عياض: جاء نحو هذا في آخر من يجوز على الصراط ..، قال: فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان، وإما نوعان أو جنسان، وعبّر فيه بالواحد عن الجماعة لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك..)(8)، قال الحافظ معلقاً على كلام القاضي عياض: (قلت: وقع عند مسلم من رواية أنس عن ابن مسعود ما يقوِّي الاحتمال الثاني؛ .. وعند الحاكم من طريق مسروق عن ابن مسعود ما يقتضي الجمع) (9) .
وحتى لو سلمنا بأنّ المراد شخصاً معيّناً يكون آخر أهل النار خروجاً منها، فإنّ الله تبارك وتعالى قد علم عينه واسمه قطعاً، فإنْ أقررت لي بهذه المقدِّمة: فقد خُصِمْتَ بلا مَنَاص؛ ذلك أنّ الله تبارك وتعالى الذي عَلِمَ هذه الحقيقة وتعيينها لا مانع نقليٌّ ولا عقليٌّ يمنع من أنْ يطلع الله نبيَّه محمداً على هذا الأمر، لحكمة يريدها، كما أطلعه على القرآن الكريم.

الحواشي:

1- صحيح البخاري- طوق النجاة - (8 / 117).
2- الحديث والقرآن ص 32.
3- التوبة 94.
4- سورة التحريم 3.
5-سورة الزمر آية 32.
6- الحديث والقرآن 31-32.
7- انظر: النحو الوافي عباس حسن 1 / 281، وقال الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه "جامع الدروس العربية" 20/1: (اسمُ الجنسِ هو الذي لا يختصُّ بواحد دون آخرَ من أفراد جنسه كرجل وامرأة ودار وكتاب وحصان).
8- فتح الباري - ابن حجر - (11 / 443).
9- المصدر السابق.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 03-11-10, 05:37 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الحديث الثالث:

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ) (1).
لقد عنون "ابن قرناس" على هذا الحديث بقوله: (أحاجي وألغاز) كذا، ثم علق عليه قائلاً: (فما الفائدة العلمية أو التشريعية المرجوة من إدراج مثل هذه الحكاية؟ وأين هي العلاقة بين هذا الحديث ودين الله وتشريعاته التي لا مجال فيها للأحاجي والألغاز..) (2).
وكما هي عادة "ابن قرناس" أنه يسوق الحديث النبوي؛ ثم يمطره بوابل من الأسئلة التي لا يضيف بها فائدة ولا يحكي من خلالها علماً، وإنما هي في حقيقتها: مجرَّدُ حكايةٍ منه لِجَهْلِ نفسِهِ، وأنت تراه هنا يسلك ذات السبيل فيقول: (ما الفائدة..)، و(أين هي العلاقة..).. هكذا يرسل الإشكالات دون أنْ يُكلِّفَ نفسَهُ بـ: "بيان" هذه الفائدة التي يسأل عنها أو حتى "دحضها"، و لا حاول "إيجاد" تلك العلاقة التي يستفسر عنها أو حتى "إبطالها"، وإنما أراح نفسه واتكأ على "كيف" و"أين" و"لماذا"، وليست هذه الطريقة من العلم في شيء، وكلُّ أحدٍ يستطيع أنْ يستشكل على هذا النحو على الحديث النبوي وعلى القرآن الكريم أيضاً، ولكن ليس كلُّ أحد يُهْدَى لشرح دلالتهما، وتوضيح مراد الله ورسوله منهما على الوجه الصحيح.
والذي يقال جواباً على ما أورده الكاتب: أنَّ هذا الحديث خبرٌ عن كلام دار في مجلس كان فيه النبي وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، وأنّ النبي سأل أصحابه هذا السؤال اللطيف: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي)؟، وفي طرح النبي مثل هذه الأسئلة على أصحابه ملاطفة لهم، وفيه تنبيه إلى العلاقة الرابطة بين المسلم وبين هذه الشجرة "النخلة" وهي: عموم النفع وعظم البركة، مع كونها من أساليب التعليم واختبار حضور الذهن، وقد نصَّت على مثل هذه الطرائق التعليمية الدراساتُ التربوية الحديثة، ولذا فقد ساقه البخاري في أحد المواضع من كتاب "العلم" في صحيحه؛ و ترجم عليه بـ: (بَاب طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ) (3).
وأيضاً فإنّ الإمام البخاري ساق هذا الحديث الشريف للاستدلال به على مسألة اصطلاحية في علوم الرواية، وهي: هل قول المحدث عند الرواية "حدثنا" كقوله "أخبرنا"؛ أم أنّ بينهما فرقاً من جهة ثبوت اتصال الرواية بين المحدث وشيخه الذي يروي عنه؟، ولذلك فقد أخـرج البخـاري هذا الحـديث في موضع آخـر من صحيحه تحت بـاب : (بَاب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا) (4).
يقول الحافظ ابن بطال –مبيّناً هذه المسألة الكبيرة التي أشار لها البخاري بسطر واحد- : (اختلف العلماء في هذا الباب، فروى ابن وهب عن مالك أن "حدثنا" و"أخبرنا" سواء، وهو قول الكوفيين، وذهبت طائفة إلى الفرق بينهما، وقالوا : "حدثنا" لا يكون إلا مشافهة، و"أخبرنا" قد يكون مشافهةً وكتابًا وتبليغًا) (5).
ومن دِقَّة الإمام البخاري أنه أراد بيان الجواب على هذه المسألة الاصطلاحية الدقيقة من خلال هذا الحديث؛ الذي يستدل بجمع ألفاظه أنّ "حدثنا" و "أخبرنا" كلاهما سواءٌ في ثبوت اتصال الرواية، يقول الحافظ ابن حجر: (فإن قيل: فمن أين تظهر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومحصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصريحة؛ وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور؟، فالجواب: أنّ ذلك يستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظ عبد الله بن دينار المذكور في الباب: " فحدثوني ما هي" ؛ وفي رواية نافع عند المؤلف في التفسير: " أخبروني "؛ وفي رواية عند الإسماعيلي: " أنبئوني "؛ وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم: " حدثوني ما هي"؛ وقال فيها: " فقالوا أخبرنا بها"، فدلَّ ذلك على أنَّ التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء) (6).
فلاحظ هذه الدقة المتناهية من الإمام البخاري، حيث روى هذا الحديث لبيان هذه المسألة الدقيقة في علوم الرواية، والتي ينبني عليها الحكم باتصال أو انقطاع جملة كبيرة جداً من أحاديث السنة النبوية الشريفة، ولاحظ أيضاً سلامة أفهام أهل العلم من المحدثين؛ حيث تنبهوا لمراد البخاري وشرحوه، وبطبيعة الحال: فإن مثل هذا العلم –في دقته ومتانته- لا يَسْتَوْعِبُهُ عقل ما تمرس العلم ولا اشتغل بدقائقه، ولا قلب فيه سوء ظن بالسنة النبوية الشريفة، ولا قلب فيه سوء ظن بالسنة النبوية الشريفة، ولذا فأنت واجِدٌ في هذا الجنس من الناس من يتعجَّب من وجود مثل هذه الأحاديث في صحيح الإمام البخاري؛ ويسأل بخَرَقٍ بارد: (ما الفائدة العلمية أو التشريعية المرجوة من إدراج مثل هذه الحكاية؟)، ولا يستحي من كثافة فهمه لدقائق العلم ووسائل التعليم حتى يصرِّح بتسمية مثل هذه الأسئلة النبوية "أحاجٍ وألغاز" !!، ولك أنْ تعجب إذا علمت أنَّ مثل هذه الإشكالات السطحية هي التي حملت "ابن قرناس" هداه الله على الحكم على هذا الحديث –بمجرد عدم فهمه له- أنه كذب مختلق، فسبحان من جعل العقل قيد اللسان.

الحواشي:

1-الحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1 / 22).
2-الحديث والقرآن 33.
3-صحيح البخاري 1/22.
4-المرجع السابق.
5-شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (1 / 140).
6-فتح الباري لابن حجر 1/144.
7-يقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة 1/396: (فالثَّوَلُ داءٌ يصيب الشّاةَ فتسترخي أعضاؤها، وقد يكون في الذُّكْرَانِ أيضاً، يقال تيسٌ أثْوَلُ، وربّما قالوا للأحمق البطيء الخَيْر أثْوَل).
8-العُرَام الجهل، والعَرِمُ الجاهلُ، انظر: لسان العرب 12/394.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 08-11-10, 02:24 PM
حفيظ التلمساني السلفي حفيظ التلمساني السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-10-10
الدولة: الجزائر - تلمسان
المشاركات: 39
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف حالك أخي الفاضل مع هذا البحث إن شاء الله تكون بخير.

تعليقا على ما فات:

أقسم بالله أخي الفاضل أني أقرأ الترهات التي يطلقها أو كما سميتها أخي بالإشكالات وأضحك بدون الالتفات إلى ردك عليه ولا أراه يستفيق

المسكين لا يعلم أن الله يحيط من شاء من رسله بالغيب رصدا.

أسأل الله الكريم أن يوفقك لما هو آت

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 10-11-10, 05:43 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

مرحباً بأخي الكريم (حفيظ التلمساني السلفي) وحفظك الله من كل مكروه، وأما أنا ففي نعمة من الله وعافية..
وأما هذا الرجل المردود عليه:
فشبهه التي يثيرها برغم سقوطها وضعفها إلا أنك لو لاحظت تتابع بعض الأصاغر على تلقفها في المنتديات واحتفاؤهم بالكاتب في مواقع على الشبكة؛لبانت الحاجة إلى التصدي لبيان زيف كتاباته رحمة به وببقية إخواننا المغترين به..
ومن هنا فأنا أدعو طلاب العلم المباركين إلى الاشتغال بتزييف كتبه الأخرى المنتشرة على الشبكة، فإن في ذلك ذب عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم..
وأسأل الله تعالى أن يهدي ابن قرناس ويصلح قلبه ويكفيه شر نفسه آمين..
ودمت طيباً..
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 10-11-10, 10:31 AM
حفيظ التلمساني السلفي حفيظ التلمساني السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-10-10
الدولة: الجزائر - تلمسان
المشاركات: 39
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه

والحمد لله على عافيتك أخي الفاضل وأدام عليكم النعمة نعمتان في الدنيا والآخرة

أخي الحبيب

لا تفهم من كلامي أني أدعوك للتوقف عن الرد على المبطلين كلا وألف كلا فالرد على مثل هؤلاء الحثالة موجود في سلف الأمة مقر في كتبهم جزاهم عنا كل خير.

وأعلم علم اليقين من كتاباتك أنه لا صغيرة مع الإصرار كما أنه لا كبيرة مع الاستغفار

وإنما أنا كشخص وحدي فقط لا ألتفت لما يقول لأني أعلم أنه لن ينفعني وأيضا لست أهلا للرد على المواضيع بهذا النحو.

جزاك الله خيرا وبارك الله في أعمالك الصالحة للذب على سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلام

دمت في حفظ الرحمن ورعايته وأقرئ السلام للشيخ الدكتور خالد الدريس حفظه الله إن أمكنك ذلك

واعلموا أني أحبكم في الله حبا أطمع أن أستظل به تحت ظل الرحمن رغم بعد المكان والزمان وقلة المعرفة


وصلى الله وسلم على نبي الأمة محمد وآله.
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 11-11-10, 12:16 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

أخي: (حفيظ التلمساني السلفي) سلمت وسلم الله قلبك..
قصدك واضح وصحيح بارك الله فيك ورفع قدرك..
وسلامك يصل إن شاء الله تعالى.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 11-11-10, 12:56 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الحديث الرابع:

(حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شَأْنَهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى لا..) (1) الحديث.

في البداية شرع الكاتب يستدل على أنَّ القصة التي تناظر فيها ابن عباس مع الحرِّ بن قيس إنما وقعت متأخرة حال شهرة ابن عباس وكبره (2) ، ليخلص من هذا المقدمة إلى أنَّ المناظرة في خبر موسى -عليه السلام- مع صاحبه وقعت بعد وفاة النبي ، إذاً فليس هو نقلٌ عن خبر الوحي وإنما هو رجم بالغيب وتخرُّص، وعليه فتسمية صاحب موسى -عليه السلام- "خضراً" كذبٌ !.
يقول "ابن قرناس" في هذا: (مناسبة الحديث هي أن ابن عباس تمارى مع رجل اسمه الحرّ بن قيس –أي كان بينهما اختلاف أو رهان- حول اسم صاحب موسى الذي ذكر في سورة الكهف، وكان هذا رجماً بالغيب بعد موت رسول الله، لأن شهرة ابن عباس ومجالسه التي يجتمع فيها الناس لم تظهر إلا في عهد عليّ بن أبي طالب وما بعده) (3).
ولذا فقد عقَّب على هذه المقدِّمة التي ألمح إليها بقوله: (وقصص الأمم السابقة إذا لم ينزل بها قرآن على الرسول فهي من أنباء الغيب التي لا يعلمها، ولذا فالرسول لم يعلم اسم صاحب موسى..) (4).
فأما قوله: (لأن شهرة ابن عباس ومجالسه التي يجتمع فيها الناس لم تظهر إلا في عهد عليّ بن أبي طالب وما بعده)، فهي مقدمة غير مسلمة، وهي تفيد أن ابن عباس إنما اشتهر وعمره 37 سنة على أقل تقدير، وذلك أن علي بن أبي طالب تولى الخلافة آخر سنة 35هـ، وابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات (5)، فيكون عمره عند تولي علي بن أبي طالب الخلافة قرابة 37 عاماً.
وهذا التقدير للسنّ التي اشتهر فيها ابن عباس بعيد –والعلم عند الله تعالى-، فإنه قد عرف بالعلم واشتهر به قبل هذا التاريخ بكثير في حياة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما-، وما قصة إدناء عمر له وسؤاله بحضرة كبار أصحاب النبي عن تفسير سورة النصر عنا ببعيدة، وهي دالّة على ظهور نبوغه مبكراً قبل أنْ يتمّ العشرين من عمره، أو بعدها بقليل.
وكذلك قصة كراهيته لتسارع الناس في حفظ القرآن في مجلس عمر ، وانتهار عمر له ، وفيها يقول ابن عباس : (فاضطجعت على فراشي.. فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين؛ فخرجت فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا ؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت، فأني أستغفر الله، وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتخبرني، قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة، يَحْتَقُّوا، ومتى ما يَحْتَقُّوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك، لقد كنت أكتمها الناس حتى جئت بها) (6).
وأما في خلافة عثمان بن عفان؛ فقد روى ابن سعد في الطبقات بإسناده عن عمرو بن دينار: (أن أهل المدينة كلموا ابن عباس أن يحج بهم، فدخل على عثمان، فأمره، فحج، ثم رجع، فوجد عثمان قد قتل) (7)، وهذا كله ظاهر في الدلالة على أنّ ابن عباس قد ظهرت مكانته في العلم في مرحلة متقدمة، وسواء كان ذلك أو لم يكن؛ فهذا لا أثر له في ثبوت دلالة الخبر، إذ إن ابن عباس -في الحديث الذي معنا- ناقل لا منشئ كما سيتضح.
ثم على فرض التسليم بكون ابن عباس إنما عرف بالعلم واشتهر في مرحلة متأخرة؛ فإن "ابن قرناس" قد أَكَدَّ نفسه بالتأمل في كيفية إبطال القصة فقط؛ فتشاغل في سبيل ذلك بمعرفة سنِّ ابن عباس..الخ، ولم يكلِّف نفسه إكمال قراءة بقية الحديث، والذي جاء فيه دواء عيِّه وجواب سؤاله، وبيان أنّ تسمية صاحب موسى -عليه السلام- لم تكن تكهناً من ابن عباس ولا رجماً بالغيب، وهو قوله في الحديث: (فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ.. هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟، قَالَ: نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى عليه السلام فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى لا، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ..) (8).
فالحديث فيه أنّ تسمية صاحب موسى -عليه السلام- بالخضر؛ جاءت مرفوعة للنبي فيما يرويه عن ربِّه -تبارك وتعالى-، وهو (ما ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحي)، ومجيء الرواية المرفوعة عن النبي من طريق أبيّ بن كعب؛ يدل على ابن عباس كان قد سمعه من النبي، أو أُخبر من أحد الصحابة -رضي الله عنهم- ، فتكلم في المسألة بناء على هذا العلم السابق، ثم أراد التثبت في ذلك من أبيِّ بن كعب ؛ فلا هو برجم بالغيب ولا تخرُّصٌ، ولا هو كلام بغير علم كما أحب أنْ يظهره "ابن قرناس".
ثم لاحظ إشارة الكاتب الماكرة، والتي أدرجها ضمن كلامه؛ فتسلَّلَتْ بين ثنايا كلامِهِ كما يتسلل الصِّلُّ بين أَحْرَاجِ التِّبْن؛ فقال: (وقصص الأمم السابقة إذا لم ينزل بها قرآن على الرسول فهي من أنباء الغيب التي لا يعلمها)؛ فجعل سبيل علم النبي بالأخبار والقصص مصدره الوحيد هو القرآن الكريم فقط، ويلزم على قوله هذا إحدى بَوَاقِع ثلاث:
1- أنَّ كل ما أوحى الله تعالى به إلى النبي من قصص الأنبياء فهو قرآن، وعليه فأحاديث النبي التي قصَّ فيها أخبار الأنبياء وأممهم كلها داخلة في مسمى القرآن، وهذا ما لم يقل به أحد، ولا يروق للكاتب أصلاً، وهو قد فرَّ من إثبات ما هو دونه.
2- أنَّ النبي لم يوح إليه شيء غير القرآن، وهذا إبطال لأكثر الشريعة -التي يتعبد بها "ابن قرناس"- ولا وجود لتفاصيلها في القرآن الكريم.
3- أنَّ كل ما أخبر به النبي مما أطلعه الله عليه من أخبار الأمم السابقة؛ ولم ينزل فيه قرآن فهو باطل؛ لأنه غيب والنبي لا يعلم الغيب!، وهذا تحكُّمٌ وتناقضٌ، فمصدر العلم واحدٌ وهو (الوحي)؛ أفيكون إذا جاء في القرآن فهو مقبول، وإذا جاء في كلام رسول الله فهو مردود !!.
والواقع أنّ هذا البغي يمتدُّ لإبطال كلام النبي كله –مما سوى القرآن-، من تعليمه للصحابة -رضي الله عنهم- بقوله وفعله، وشرحه لهم تفاصيل الشرائع والأحكام التي وردت في القرآن الكريم، وهذا كله قد سبق الكلام عليه.
وهذا كله دال على أن الكاتب لا يُعْتَمَدُ على نتائجه وما خَلَصَ إليه في هذا السبيل؛ إذ إنه يستند في نقض جبال الحقائق على شبهٍ أوهى من بيت العنكبوت، في مسائل لم يحسن فهمها، أو تعامى عما يبطل كلامه في ثناياها.
ولكن لا حيلة في من تَجَلْبَبَ مِعْطَفَ الأُستاذ، وأَدَارَ على رأسه كَوْرَ عِمَامَةِ العَالم، وهو مبتدئٌ في مدارج التعليم، كما قيل:
مَا لي أرَاكَ عَلى المسَائِلِ عَـارِمَاً تَسْـُطو عَلَيها بالجَهَـالَةِ بَـاذِ(9)
وأراكَ تَنْتَحِلُ الفَضِيـلَةَ حَـالماً تَغْـدُو بِثَوبِ الشَّيْخِ والأُسْتَاذِ(10)


الحواشي:
1- انظر الحديث والقرآن 34، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1 / 26).
2- سنُّ ابن عباس عند حصول هذه الحادثة على أقل الأحوال (21)، وعلى أكثر ما قيل (34)، وذلك أنّ في القصة أنهما سألا أبيَّ بن كعب؛ وأبيٌّ اختلف في سنة وفاته، وأقل ما قيل في سنة وفاته هو سنة (19هـ)، وأكثر ما قيل سنة (33هـ).
3- الحديث والقرآن 35.
4-(الحديث والقرآن) 35.
5- هذا الذي اعتمده الذهبي في السير 3/332، وروى الطبراني10/233/10567، وأبو نعيم معرفة الصحابة 3/1701 من طريق يحيى بن بكير قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (وُلِدْتُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وَنَحْنُ فِي الشِّعْبِ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ)، ولكن إسناده منقطع كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/464/15530، ويغني عنه ما في صحيح البخاري 1 / 26/76 عن ابن عباس أنه قال: (أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ)، فدل الحديث على أنّه كان قد ناهز الاحتلام عام حجة الوداع، وقد أخرج البلاذري في أنساب الأشراف 1/458 بإسناده عن الواقدي أنه قال: (لا خلاف أنه ولد في الشعب، وبنو هاشم محصورون، فولد قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ألا تراه يقول: وقد راهقنا الاحتلام)، قال الذهبي في السير 3/335 بعد نقله لقول الواقدي فقال: (وهذا أثبت مما نقله أبو بشر في سنه).
6- سير أعلام النبلاء 3/349.
7- انظره في سير أعلام النبلاء 3/349، وقد ساق إسناد ابن سعد.
8- انظر الحديث والقرآن 34، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1 / 26).
9- (باذَ) الرجل (يبوذُ): إِذا تعدى على الناس، وانظر: لسان العرب - (3 / 478).
10- البيتان لراقمه.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 11-11-10, 11:29 AM
حفيظ التلمساني السلفي حفيظ التلمساني السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-10-10
الدولة: الجزائر - تلمسان
المشاركات: 39
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخا الفضل جوزيت خيرا

قولك: أفيكون إذا جاء في القرآن فهو مقبول، وإذا جاء في كلام رسول الله فهو مردود !!.

أعلق على هذا بكلام أعجبني لا أعلم صاحبه إلا ظنا.

وهذا من التعصب المذهبي ، إذ من طباع البشر و أخلاقهم : أن يألفوا ما أخذوه بالرّضا و التّسليم ، و يأنسوا به ، فإذا وجدوا لهم مخالفاً فيه ، تعصّبوا له ، ووجّهوا قواهم إلى استنباط ما يؤيّده و يثبته ، ويدفع عنه حجج المخالفين لهم فيه ، لا يلتفتون إلى تحري الحق ، واستبانة الصّواب ، فيما تنازعوا فيه.


وبارك الله فيك وزادك علما

إن شاء الله مجد الأمة قريب بالتصفية والتربية وإبادة القرن إلى القرن من عبدة الدولار والله يتكفل بالزمان

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 11-11-10, 11:11 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

أحسنت أخي حفيظ التلمساني السلفي، والواقع أن ما أشرت إليه هو لون من ألوان الهوى الذي قد يستلجّ بصاحبه حتى لا يدع منه مفصل إلا دخله، فيغلق منه منافذ العلم فلا ينتفع بقلب ولا سمع ولا بصر، نسأل الله أن يسلمنا جميعاً والمسلمين من كل سوء.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 11-11-10, 11:34 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الحديث الخامس:

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ابْنُ الْأَصْبِهَانِيِّ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ) (1).
لما أورد الكاتب هذا الحديث قال: (وقد اختُلِقَ هذا الحديثُ فقط لكي يُورِدَ سبباً لاسم الخَضِر، الذي اختلق ليكون اسماً لصاحب موسى، وإلا لا يمكن أنْ تتحوّل الفروة البيضاء إلى خضراء لأنّ شخصاً جلس عليها..) (2)، وظاهرٌ محاكمةُ الكاتبِ الحديثَ الشريفَ إلى المقرَّر السابق الذي ارتسم في ذهنه، فقد هَجَمَ على الحكم على هذا الحديث بأنه "مختلق"، وكرَّر هذا الحكم مرَّة أخرى بعد أقل من عشر كلمات، دون أنْ يورد دليلاً علميّاً واحداً على دعوى الاختلاق والكذب.
ثم لما رجع ليبين السبب الذي حمله على الحكم بكون الحديث مختلق؛ جاء بضُحْكَةٍ تدل على عجمة في الفهم؛ فقال: (لا يمكن أنْ تتحول الفروة البيضاء إلى خضراء لأن شخصاً جلس عليها)!، إذ إنّ الحديث يتكلّم عن شخص معيّن له وصف مُحدّد (الخَضِر عليه السلام)؛ و"ابن قرناس" يطلق قيود الكلام ويُعَمِّمُ مَعْنَاهُ ليجعله (شخصاً) أيَّ شخص!.
ثم هو هنا لم يبيِّن لنا ما معنى كلمة "الفروة" في الحديث؛ حتى يظهر لنا هل يمكن أنْ تتحوَّل إلى خضراء أم لا؛ وأنا يختلج في قلبي شعور أكاد أجزم بمقتضاه؛ وهو أنَّ "ابن قرناس" أصلاً ما فهم المراد بـ"الفروة" على الوجه الصحيح، وأنه لما سمع في الحديث كلمة "فَرْوَة" قَفَزَ إلى ذهنه "الفَرْوَةَ" التي يطلقها العامَّة في بلادنا على نوع من البرود والجِبَاب، وبطبيعة الحال فليس هذا هو المعنى الذي أراده النبي في الحديث، وإنما عنى بـ"الفروة": الأرض القاحلة أو الأرض التي يبس نباتها حتى تهشَّم، وفي كتاب لسان العرب يقول ابن منظور: (الفَرْوَة: الأَرض البيضاء التي ليس فيها نبات ولا فَرْش، وفي الحديث: أَن الخَضِر عليه السلام "جلس على فَرْوة بيضاء فاهتزت تحته خَضْراء"، قال عبد الرزاق: أَراد بـ"الفَرْوة" الأَرضَ اليابسةَ، وقال غيره: يعني الهَشيم اليابس من النَّبات شَبَّهَهُ بالفَروة؛ والفَروةُ: قطعة نبات مجتمعة يابسة) (3).
وبناء على تفسير الفروة بهذا المعنى: فهل يمكن لفروةٍ من الأرض يابسةٍ كهذه أن تتحوَّل إلى خضراء بمجرّد جلوس الخضر -عليه السلام- عليها ؟، الجواب: أما عادةً فلا؛ وأما على سبيل الإعجاز فَنَعَمْ، والعقل لا يُحيل هذا ولا يمنعه، والنقلُ دلَّ على وقوعه وتحقُّقه كما في الحديث، وإنْ كان ذلك خلاف العادة.
والله تعالى قد ذكر في كتابه أسباباً لحياة الأرض فقال تعالى: وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وقال تقدَّس وتعالى: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وقال: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً، فالأرض اليَبَس يَقْلِبُ اللهُ حالها إلى خضراء ناضرةٍ بأسباب يشاؤها تبارك وتعالى، كالمطر المغيث وهذا هو الأصل في ذلك، وقد يقدِّر الله تعالى حصول المسبّب بغير سببه المعتاد لإثبات كمال ربوبيته وقدرته, فهو خالق الأسباب ومسبّبَاتها، وهذا الحديث الذي بين أيدينا يبيّن فيه النبي أنّ الله تعالى جعل جلوس الخضر -عليه السلام- على الأرض القاحلة سبباً لعود مُصْفَرِّ نَبَاتِها إلى خُضْرَتِه.
ولا عجب؛ فقد دل القرآن الكريم على أنواع من هذا الجنس في أفعال الله تعالى، كما جعل الله تعالى ضرب قتيل بني إسرائيل ببعض البقرة الميِّتة سبباً لحياته من جديد (4)، وكما جعل ضرب موسى -عليه السلام- بعصاه: على البحر سبباً لانفلاقه (5)، وعلى الحجر سبباً لتفجُّر ينابيع الماء منه (6)، وجعل ألقاء أمِّ موسى لرضيعها موسى -عليه السلام- في البحر المغرِقِ سبباً لنجاته (7)، والتقاط آل فرعون لطريدهم موسى -عليه السلام- من اليمِّ وقدرتهم عليه سبباً لسلامة حياته (8)، وجعل ركض أيوب -عليه السلام- برجله في الأرض سبباً لانفجار مُغْتَسَلٍ من الماء بارِدٍ وشَرَاب (9)، وجعل هَزَّ مريم المرأة النُّفَسَاء الضعيفة لجذعِ النَّخْلَة المَتِين سبباً لتساقُط الرُّطب الجَنِيّ (10)، إلى غيرها من الأفعال التي لابَسَتْهَا أحوالٌ تَمْنَعُ من تحقُّق آثارها ومسبّبَاتِهَا؛ ومع ذلك تحققت لأنّ الله تعالى أراد ذلك، يقول الإمام ابن القيم: (والربُّ تعالى يخلق ما يشاء ويختار، ويصوِّرُ خلقَهُ في الأرحام كيف يشاء، بأسباب قدّرَهَا وحِكَمٍ دبَّرَهَا، وإذا شاء أنْ يَسْلُبَ تلك الأسباب قواها سَلَبَهَا، وإذا شاء أنْ يقطع مُسَبَّبَاتِهَا عنها قَطَعَهَا، وإذا شاء أنْ يُهَيِّئَ لها أسباباً أُخرى تُقَاوِمُهَا وتُعَارِضُها فَعَلَ، فإنه الفَعَّالُ لما يريد) (11) .
فليس في الحديث –بحمد الله تعالى- ما يوجب الحكم عليه بالبطلان لا من جهة الإسناد ولا من جهة المتن؛ ولكن ما الحيلةُ إذا كانت سُنَّةُ رسول الله تُعْرَضُ على مُسْتَامِي الخِرَق، وأرباب المَطَارِفِ والبِطَان، لتَجْرِيَ أحكامُهُم على رقابها قبولاً أو ردّاً، ولقد صدق -والله- الأول إذ قال:
عفاءً على هذا الزمانِ فإنهُ ... زمانُ عقوقٍ لا زمانُ حقوقِ
(12)

الحواشي:
1- (الحديث والقرآن) 36، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (4 / 156).
2- المرجع السابق.
3- لسان العرب - (15 / 151).
4- قال تعالى: (وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون)، سورة البقرة آية 72-73.
5- قال تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم)، سورة الشعراء آية 63.
6- قال تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً)، سورة البقرة آية 60 .
7- قال تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين)، سورة القصص آية 7.
8- قال تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً..) الآية 8 من سورة القصص.
9- قال تعالى: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب)، سورة ص آية 42.
10- قال تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً)، سورة مريم آية 25.
11- التبيان في أقسام القرآن - (1 / 203)
12- البيت لمحمود سامي البارودي، وانظر: البديع في نقد الشعر 1 / 3.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 12-11-10, 06:46 PM
حفيظ التلمساني السلفي حفيظ التلمساني السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-10-10
الدولة: الجزائر - تلمسان
المشاركات: 39
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ويعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي الفاضل أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة

أريد تعقيبا صغير جدا على ما بعض مقالتك وأرجو القبول وإن أخطأت فأرجو العذر والتوضيح:

قولك:
وبناء على تفسير الفروة بهذا المعنى: فهل يمكن لفروةٍ من الأرض يابسةٍ كهذه أن تتحوَّل إلى خضراء بمجرّد جلوس الخضر -عليه السلام- عليها ؟، الجواب: أما عادةً فلا؛ وأما على سبيل الإعجاز فَنَعَمْ، والعقل لا يُحيل هذا ولا يمنعه، والنقلُ دلَّ على وقوعه وتحقُّقه كما في الحديث،((( وإنْ كان ذلك خلاف العادة.)))

قد علمنا ما عُلم من الفروة جزاك الله خيرا فقد كان غائبا عني وما أكثر ماغاب عني إلا أن أمثالكم أخي الفاضل ممن ينيرون الظلمة ويكشفون الغمة من طلبة العلم الربانيين مع كثرتهم وقلتهم وضعفي الشديد في طلب العلم يتضح لي الغائب أو بعضه بإذن الله فجزاكم عنا خير الجزاء وأوفره وأجله وإنا لكم متتبعون متبعون إلا ما شاء الله.

أما بالنسبة لما وضعته بين أقواس فلا أرى أنه كذلك وإنما أرى (والرأي يؤخذ ويرد منه) أن في هذا المقام فعل المعجزات (مع أني أعلم أنها ما سميت بمعجزات إلا لأنها ليست من العادة ) من العلي القدير سبحانه عادة عندهم أو بالأحرى في زمان المتقدمين من البشر لما ورد في كتاب الجليل من قصصهم ومنها ما ذكرت فيما تأخر من مقالك والمقام لا يسمح بذكرها كلها وما أكثرها فلم يؤمنوا بها خلافا لزماننا فلم يبق منها مما سبق من الأزمنة شيء.

فأظن أنه تجدر الإشارة إلى خلاف العادة بزمن معين أو وقت مخصوص والله أعلم.

لم أستطع التعمق أكثر فرأسي يؤلمني لجهلي وتناقض الأفكار فيه فسامحني (أنا أضحك تبسما)

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
__________________
كتبت يدي وقد علمت يوم كتابتي أن يدي تفنى ويبقى كتابها
فإن كتبت خيرا فلها أجرها وإن كتبت شرا فعليها عقابها
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 13-11-10, 05:17 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

من جديد أحييك أخي حفيظ التلمساني السلفي..
بارك الله فيك وزادنا وإياكم علماً وعملاً: نحن جميعاً طلاب في مدارج العلم، ونلتقي هنا للتواصي على البر والتقوى، ويستفيد بعضنا من بعض..
وأما ما استشكلته -حفظك الله- وهو أن الخوارق والمعجزات كانت عند بني إسرائيل كثيرة وقد اعتادوا عليها.. الخ، فإن هذا الكلام صحيح فيما أعلم، ولكن ليس هذا هو المراد بعبارة (عادة) في جملة: (وبناء على تفسير الفروة بهذا المعنى: فهل يمكن لفروةٍ من الأرض يابسةٍ كهذه أن تتحوَّل إلى خضراء بمجرّد جلوس الخضر -عليه السلام- عليها ؟، الجواب: أما عادةً فلا؛ وأما على سبيل الإعجاز فَنَعَمْ، والعقل لا يُحيل هذا ولا يمنعه، والنقلُ دلَّ على وقوعه وتحقُّقه كما في الحديث، وإنْ كان ذلك خلاف العادة)، بل المراد بها في هذا السياق: العادة الكونية التي خلق الله الدنيا عليها، ولذلك فإن معجزات الرسل عليهم السلام فيها خرق للعادة، فالماء خَلَقَهُ الله تعالى عُنْصُراً سَيّالاً.. وخُرِقَتْ هذه العادة لموسى عليه السلام حيث أُمسك له البحر فلم يَسِلْ، والنار تحرق عادةً.. ولكن خُرِقَت تلك العادة فيها لإبراهيم الخليل -عليه السلام- فعادت عليه برداً وسلاماً.. وهكذا، وبناء عليه فمهما تكررت تلك المعجزات فهي مخالفة للعادة الكونية.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 13-11-10, 02:27 PM
حفيظ التلمساني السلفي حفيظ التلمساني السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-10-10
الدولة: الجزائر - تلمسان
المشاركات: 39
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ويعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي الفاضل أحسن الله إليك وزادك قضلا وفضلا جزيلا

أعتذر فقد أخطأت وسلمت يمينك على ما خط قلمك

وعند حق فلو كانت من العادة لكثرتها ما خرقت نواميس الكون بمشيئة العلي الجبار

فنتيجة لما سبق:

مهما كثرت المعجزات وتألّفت عليها القلوب والأنظار ما كانت من العادة لخرقها القوانين بإذن الله والله أعلم.

جزاك المولى خير الجزاء وأكرر اعتذاري فما أكثر خطئي

ولله الحمد المنة لوجود من ينصح بأدب وكرم من أمثالكم

وفقكم المولى عز وجل لما فيه صلاح العباد والبلاد

وعندي رجاء عندكم أخونا الفاضل، كنت قد كتبت بعض المقالات، ونشرتها على النت، ولَكَمْ أودّ أن تطلع عليها

لتجد ليَ الأخطاء، وتسدد لي الطريق، للرجوع إلى الصواب مادامتُ لم أغرغر، وإن كان خيرا فلا تزكي على الله أحدا.

وأعلم أن في وقتكم ضيق ولربما تشتُّتُ اتباه، فخذ ماشئت من الوقت فإن لم تستطع أعذرتك وليس لي إلا المحبة في الله أهديتك.

وإليك الروابط

http://www.startimes.com/f.aspx?t=26079217 تدارك نفسك بتصحيح نيتك ومراجعتها
http://www.startimes.com/f.aspx?t=25928114 مفهوم التصفية والتربية
http://www.startimes.com/f.aspx?t=25969140 الشباب المسلم
http://www.startimes.com/f.aspx?t=26045309 أعتذر لا أستطيع البقاء عندي موعد أو موعدان
http://www.startimes.com/f.aspx?t=25950444 من يومياتي في اغتنام الوقت

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
__________________
كتبت يدي وقد علمت يوم كتابتي أن يدي تفنى ويبقى كتابها
فإن كتبت خيرا فلها أجرها وإن كتبت شرا فعليها عقابها
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 14-11-10, 06:24 AM
أبو أويس علي الخطيب أبو أويس علي الخطيب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-06-10
المشاركات: 149
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

بدلالة الأخ أبي حامد الحمادي وفقه الله تعالى تم الحصول على كتاب سنة الأولين لابن قرناس، لمن أراد الاطلاع للرد والتعقب هذا هو الرابط
http://www.4shared.com/document/SRyPDytd/______.htm
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 23-11-10, 09:36 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

بارك الله فيك أخي حفيظ التلمساني السلفي، وأشكرك على سعة صدرك، وأما ما عرضته من كتاباتك فهذا لطف وتواضع منك، وقد اطلعت عليها وأسأل الله أن يستعملنا وإياك في ما يرضيه آمين.
وأما أنت يا أخي أبا أويس علي الخطيب: فسلمت على إضافتك رابط الكتاب، وسلم الكريم أبو حامد الحمادي أيضاً على دلالته، والذي أظنه أن الحجة قامت على من يمكنه البيان من المشايخ لمخالفات مثل هذه الأطروحات..
شكراً لكما ..
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 23-11-10, 11:37 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الحديث السادس:

ساق في هذا الموضع حديثين اثنين؛ هما: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ، قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطْتُهُ قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ ضُمَّهُ، فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ) (1)، و: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وِعَاءَيْنِ؛ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ) (2)، وعنون عليهما فقال: (بعض نصوص دين الله تحوي أسراراً غامضة وخطيرة) (3).
قلت: يشير "ابن قرناس" هنا إلى تكذيب الحديث الأول؛ من جهة أنّ الخبر يثبت طريقة لمعالجة النسيان تخالف ما دلَّ عليه القرآن الكريم؛ فيقول: (القاص ينقل على لسان أبي هريرة أنه أصبح لا ينسى أيَّ حديث يسمعه، بعد أن غرف الرسول بيديه من الهواء، ثم وضعها في ردائه وضمَّه، بينما القرآن يرشد النبي صلوات الله عليه إلى كيفية مختلفة لمعالجة النسيان: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً"، ولو كان الرسول لديه قدرة سحرية يجعل الغير لا ينسون بمجرد غرفة بيديه من الهواء؛ فلماذا ينسى هو؟) (4).
و الجواب على ما ذكره الكاتب من وجوه:
الأول: أنّ الكاتب جعل من أمارات بطلان خبر أبي هريرة : دلالته على طريقة لعلاج النسيان تختلف عن الطريقة التي دل عليها القرآن، وهذا فهم عجيب؛ فكأنّ الطريقة الوحيدة لمعالجة النسيان عند الكاتب هو ما ذكر في الآية فقط وهو: ذِكْرُ اللهِ تعالى، وبالتالي فكل خبرٍ أو حديث يدلُّ على طريقة أخرى سواها لعلاج النسيان فذلك أمارة على بطلان الخبر، وكأنّ علاج النسيان أمر غيبيٌّ محضٌ مبناه على النقل، ولا علاقة للتجريب فيه، وهذا اعتمادٌ -في ردّ الحديث- على غير معتمد، نعم: ليس كل ما صلح علاجاً للنسيان تصح نسبته للنبي، ولكن ليس هذا فَرْضُ النقاش ها هنا، إنما فرض المسألة: هل ورود علاج للنسيان في الحديث النبوي يختلف عما ذكر في القرآن يكون دليلاً على بطلان الحديث؟، أقول: هكذا يزعم" ابن قرناس".
الثاني: أنَّ الحديث يدل على إثبات حفظ أبي هريرة للحديث الذي هو دين وشرع، وليس فيه إشارة إلى حفظ مطلق لكل شيء من الكلام مما يرتبط بالتشريع وغيره، وكذا فإنّ نسيان النبي الذي أشارت له الآية لا علاقة له بالشرع والدين –على ما سيأتي بيانه-، ومن هنا فمقابلة ما في الخبر من إثبات الحفظ لأبي هريرة بما في الآية من إثبات النسيان الذي هو صفة بشرية للنبي في ما لا يرتبط بالتشريع؛ هو نوع مغالطة.
وإلا فهل يقول الكاتب أنَّ هذه الآية: (واذكر ربك إذا نسيت) (5) تدلُّ على أنّ النبي يجوز أنْ ينسى شيئاً من التشريع قبل تبليغه؟.
الذي يظهر أنه لا يقول بهذا، والآية يقطع بحملها على نسيان لا يرتبط بالتشريع أصلاً، إذ الشرع محفوظٌ نصّاً، وبناء عليه فجهة الحفظ المثبت لأبي هريرة منفكة عن جهة النسيان المثبت للنبي ، فلا يصح قول الكاتب: (ولو كان الرسول لديه قدرة .. يجعل الغير لا ينسون بمجرد غرفة بيديه من الهواء؛ فلماذا ينسى هو)، يوضحه ما بعده:
الثالث: لا دلالة في الحديث على أنَّ أبا هريرة لا يداخله ما يداخل طبائع البشر من النسيان في كل شيء، وإنما الحديث -عند النظر في بقيَّة رواياته- يظهر منه أنه مخصوص بعدم نسيان كلام النبي فقط، يقول الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث أنه: (ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء من الحديث وغيره، ووقع في رواية ابن عيينة وغيره.. "فو الذي بعثه بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه"، وفي رواية يونس عند مسلم "فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثني به"، وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث) (6).
ومع ذلك فقد كان أبو هريرة قوي الحافظة نظيف الذهن؛ (خاصة بعد أن دعا له الرسول بالحفظ وعدم النسيان .. فكان حافظاً متقناً ضابطاً لما يرويه .. يدل على ذلك قصة امتحان مروان له، فيما رواه الحاكم عن أبى الزُّعَيْزِعَة كاتب مروان بن الحكم، أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة فأقعدني خلف السرير، وجعل يسأله وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول؛ دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدَّم ولا آخَّر"، وقد نقل هذه القصة الذهبي في سير أعلام النبلاء، ثم عقَّبَ بقوله : "قلت هكذا فليكن الحفظ"، وهذه القصة نقلها أيضاً ابن حجر في الإصابة، وابن كثير في البداية، وهى تدل على قوة حفظه وإتقانه) (7).
الرابع: ليس في الحديث ما يدل على أنّ كل من خشي النسيان وأراد الحفظ شرع له أنْ يبسط ثوبه..الخ فيكون حافظاً، وإنما هو شيء خصَّ به النبي أبا هريرة -راويةُ الإسلام على رَغْمِ مَعَاطِسِ المستشرقين وأَزْلامِهِمْ، ولا أَرْغَمَ اللهُ إلا تلك الأُنُوفَ- في شكلٍ من أشكال تحقّق وَعْدِ الله تعالى بحفظ الشرع، وبناء عليه فليس الحديث بياناً لطريقة من طرق علاج النسيان لكل أحد؛ وإنما هي معجزة خاصة.
الخامس: هل يسلَّم القول بأنّ الآية فيها كلام عن أصل النسيان على وجه العموم -كما أفهمه تصرُّف "ابن قرناس"-، أم أنها تتحدث عن حالة نسيان خاص لذكر محدد.
الحقيقة أنَّ الآية في سياقها تتحدث عن نسيان مخصوص، لذكر محدد وهو أحد ثلاثة أشياء على ما ذكره الإمام القرطبي في تفسيره:
إما الاستثناء وهو قول: (إنْ شاء الله).
وإما قول: (وقل عسى أنْ يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً) (8).
وإما دعاء مأمور به دون هذا التخصيص (9).
وأما النسيان الوارد في الآية؛ فالذي ذكره المفسرون في معناه يدور حول:
1- نسيان خصوص الاستثناء إذا قال (سأفعل كذا).
2- نسيان خصوص الاستثناء في حال اليمين تعييناً.
3- عموم نسيان أيّ شيء.
4- أنّه بمعنى العصيان.
5- أنه بمعنى الترك.
6- أنه بمعنى الغضب (10).
و الذي يجزم به فيما دلَّ عليه ظاهر الآية في سياقها: أنها تأديب من الله تبارك وتعالى لنبيّه ؛ عهد إليه أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة، إلا أن يصله بمشيئة الله، لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله، وهذا هو قول الجمهور (11).
يقول شيخ المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري: (اختلف أهل التأويل في معناه؛ فقال بعضهم: واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين.. وقال آخرون: معناه: واذكر ربك إذا عصيت) (12)، والذي رجحه ابن جرير هو عموم معنى القول الأول، يقول رحمه الله: (وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره، لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك) (13).
ويقول العلامة الأمين الشنقيطي: (في هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير؛ الأول: أن هذه الآية الكريمة متعلقة بما قبلها، والمعنى: أنك إن قلت سأفعل غداً كذا ونسيت أن تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل إن شاء الله.. وهذا القول هو الظاهر،.. القول الثاني: أن الآية لا تعلق لها بما قبلها؛ أن المعنى: إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر الله، لأن النسيان من الشيطان) (14)، وبكلٍ قال قائل من السلف رحمهم الله.
والأولى في معنى الآية –فيما أظنه والعلم عند الله تعالى- أنْ تكون متصلة بمعنى الكلام الذي سيقت فيه في تعليم الاستثناء تحديداً، وأما القول بأنّ في الآية توجيهاً لما يقال عند النسيان مطلقاً فهو قول له حظ من النظر؛ إلا أن فيه فصلاً للجملة من سياقها وهو خلاف الأصل، إضافة على كونه قولاً حكاه الماوردي دون نسبته إلى قائل (15).
وبأيّ وجه من الأقوال قلتَ؛ فإنه لا يدلُّ واحدٌ منها على أنّ الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه؛ عن المعجزة النبوية في حفظ أبي هريرة : حديثٌ باطلٌ؛ لأنه دلّ على طريقةِ علاجٍ للنسيان تخالفُ الطريقة التي أرشدت إليها الآية، ولا قائل بهذا من الفرق المنتسبة للسنة مطلقاً، وجملة القول: أنَّ "ابن قرناس" حمل الآية على أضعف ما قيل في معناها، مما يضعف كل ما بناه على هذا الحمل.
ومما يحسن ذكره هنا فيما يرتبط بنسبة النسيان للنبي قول الإمام ابن عطية الأندلسي: (والصحيح في هذا: أنَّ نِسيَانَ النبي صلى الله عليه وسلم لما أرادَ اللهُ تعالى أنْ يَنْسَاهُ ولم يُرِدْ أنْ يُثْبَتَ قُرآناً جائزٌ؛ فأمَّا النِّسيانُ الذي هو آفَةٌ في البَشَر: فالنبيّ صلى الله عليه وسلم معصومٌ منه قبل التبليغ وبعد التبليغ؛ ما لم يَحْفَظْهُ أَحَدٌ من أصحابِهِ، وأما بعد أنْ يُحْفَظَ فَجَائِزٌ عليه ما يجوزُ على البَشَر، لأنَّه قد بَلَّغَ وأَدَّى الأمانة) (16)، ويقول الإمام العيني: (وقال الجمهور: جاز النسيان عليه أي على النبي صلى الله عليه وسلم فيما ليس طريقه البلاغ والتعليم، بشرط ألا يُقَرَّ عليه، بل لا بدَّ أنْ يُذَكِّرَه... وأما نسيان ما بَلَّغَهُ -كما في هذا الحديث- فهو جائز بلا خلاف) (17).
السادس: بناء على طريقة "ابن قرناس" في ضرب النصوص بعضها ببعض؛ دون إعمال طرائق الجمع والترجيح المرعية عند أهل العلم؛ فيمكن أن يُقال هنا : أثبت الكاتب النّسيان للنبي من قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) (18)؛ دون التفات إلى معارضة ذلك لقول الله تعالى: (سنقرؤك فلا تنسى) (19)!، ولا شك أنّ الآيتين ليس بينهما تعارض حقيقي، ولكني قصدت بيان فساد طريقة "ابن قرناس" في التعامل مع النصوص عند ظهور تعارضها.

وجملة القول أنَّ حديث أبي هريرة هذا دل على أمرين اثنين –وليس في واحد منهما ما يخالف دلالة القرآن- وهما:
1- أن الحديث فيه معجزة للنبي ، ودليل من دلائل نبوته.
2- أن فيه خصوصية لأبي هريرة في حفظ الحديث النبويّ.
و وقوع المعجزة للأنبياء عموماً؛ ولنبينا محمد خاصة متحقق نقلاً كما أخبر به القرآن الكريم في غير ما آية منه، وأيضاً فليس في العقل ما يُحِيْلُهُ لا سيما وفَرْضُ المسألة أنّ المخالف مقرٌّ بصدق النبوات، ومقتضى ذلك أنّ الله تعالى يؤيّد رسله وأنبياءه بما يوجب على الناس تصديقهم والإيمان بهم، من الأدلة والبراهين والمعجزات، وهذا الحديث صوَّر نوعاً من تلك المعجزات فما وجه الإنكار؟.
ومن بديع تشابه الأقوال:
أنك ترى "ابن قرناس" هنا يضع قَدَمَهُ على آثار خُطَى كفار قريش في مجابهة معجزات الرُّسل؛ إذ قالوا عن النبي -فيما أتاهم به من الآيات- إنه ساحر: (وإنْ يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) (20)، فيجيء "ابن قرناس" ليجعل من الفرضيات المترتبة على القول بصحة الحديث: أنْ يكون النبي عنده قدرات سحرية؛ فيقول: (ولو كان الرسول لديه قدرة سحرية يجعل الغير لا ينسون بمجرد غرفة بيديه من الهواء؛ فلماذا ينسى هو؟) !!.
وصدق الله جل وعلا: (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم) (21)، وهل معجزات رسول الله تشابه أسحار المشعبذين؟، وإنما حال الكاتب كما قيل :
وأرَاكَ قَـدْ عَمِيَتْ عُيُونُكَ لا تَرَى دَرْبَ الهـدايةِ وَهْيَ رَحْبٌ سَبْسَبُ(22)
وعـلى الغِـوايَةِ واعْوِجَاجِ سَبِيلِهَا تَيْـسٌ يَنِـبُّ(23) وثَعْـلَبٌ يَتَقَلَّبُ (24)
وأما الحديث الآخر الذي ذكره الكاتب، وهو حديث أبي هريرة : (حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وِعَاءَيْنِ؛ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ)، وقد علَّق عليه بقوله: (فما الحكمة من ذلك الجانب المخفي من الدين، أو الأسرار الخطيرة التي أسرَّها الله لرسوله الذي أسرّها لأبي هريرة دون بقية الناس، وعندما مات دفنت معه، والرواية جاءت تحت باب سماه البخاري "حفظ العلم"، فهل هكذا يحفظ الله العلم؟) (25).
قلت: إنَّ الله تعالى لا يُسأل عما أبداه لخلقه من العلم لِمَ أبداه، ولا عَمَّا شَرَعَ سَتْرَهُ عنهم -لعدم حاجتهم إليه -لِمَ شرع إخفاءه، يقول الله تعالى: (لا يُسألُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسألون) (26).
وقد بيَّن تقدَّس وتعالى أنه قد أخفى عن نبيّه سيما بعض أهل النفاق لحكمةٍ بالغةٍ يعلَمُهَا: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مَرَدُوا على النفاق لا تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم) (27)، وقال تعالى: (ولو نشاء لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيْمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القول والله يعلم أعمالكُمْ) (28).
ولْيَحْمَدِ اللهَ أمثالُ "ابن قرناس"؛ ولْيقطِّعْ ساعاتِهِ شُكراً؛ أنّ الله تقدّس وتعالى قد أخفى هذه الحقيقة النِّفاقِيَّةَ المُسْتَسِرَّةَ في القلوبِ وبين الجوانح -عند البعض- فلم يُطْلِعْ عليها الناس، وإلا فلو أنّ كُلَّ مَنْ أخفى نِفَاقَهُ؛ فَضَحَهُ اللهُ وأظهَرَ مَكْنُونَ قلبه على وجهه وسِيْمَاهُ: لكان الحالُ كما قال الله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلاً) (29)، وربما لو تمَّ ذلك الإغراء الربّانيّ بالمنافقين: لما رأينا كثيراً من خفافيش النِّفاق الآن وهم يقدحون في الشَّرع، ويهدمون السنة، مُسْتَسِرِّينَ بالأسماء والألقاب المستعارة.
وحديث أبي هريرة هذا الثاني الذي ذكره "الكاتب"؛ مطابق تماماً للتبويب الذي بوَّبه الإمام البخاري عليه "حفظ العلم"؛ وذلك أنّ الحديث دل على أن أبا هريرة قد بثَّ أحد هذين الوعاءين، فهذا البثُّ هو عين حفظ العلم -الذي يحتاج الناس إليه في دينهم- من الضياع، وأما الوعاء الآخر فقد كَتَمَهُ حفظاً له أيضاً؛ لأنه مما لا يحتاج الناس إليه في دينهم من أخبار المستقبل.
وفي هذا المعنى يقول الحافظ ابن حجر: (وحمل العلماء الوعاء الذي لم يَبُثَّهُ؛ على الأحاديث التي فيها تبيينُ أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرِّحُ به؛ خوفاً على نفسه منهم، كقوله: "أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان"، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة) (30)، قال الحافظ: (وإنما أراد أبو هريرة بقوله: "قطع"؛ أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عَيْبَهُ لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أنّ الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها، لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم) (31).
وعلى كل حال: فما اعتمد عليه "ابن قرناس" –هدى الله قلبه- في التشكيك في ثبوت هذين الحديثين؛ ليس شيءٌ منه قائمٌ ولا صحيح، وإنما هي أوهامٌ وظنونٌ لا تَصْمُدُ عند التحقيق.

الحواشي:

1-(الحديث والقرآن) 36، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1 / 35).
2-المصدر السابق 37، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1 / 35).
3-المصدر السابق.
4-(الحديث والقرآن) 37.
5-سورة الكهف آية 24.
6-فتح الباري - ابن حجر - (1 / 215).
7-السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام والرد عليها لعماد الشربيني، ص 593، من النسخة الإلكترونية.
8-سورة الكهف آية 24.
9-انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/385-386.
10-قال ابن الجوزي في زاد المسير 5 / 128: (وللمفسرين في معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى إذا نسيت الاستثناء، ثم ذكرت فقل إن شاء الله، ولو كان بعد يوم أو شهر أو سنة، قاله سعيد بن جبير والجمهور، والثاني: أن معنى إذا نسيت إذا غضبت، قاله عكرمة، قال ابن الأنباري: وليس ببعيد؛ لأن الغضب ينتج النسيان، والثالث: إذا نسيت الشيء فاذكر الله ليذكرك إياه، حكاه الماوردي).
11-انظر: زاد المسير لابن الجوزي 5/128.
12-تفسير الطبري - (17 / 645).
13-تفسير الطبري - (17 / 646).
14-أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (19 / 118).
15-زاد المسير لابن الجوزي 5/128.
16-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (1 / 178).
17-عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني 29/ 144.
18-سورة الكهف آية 24.
19-سورة الأعلى آية 6.
20-سورة القمر آية 2.
21-سورة البقرة آية 118.
22-قال صاحب لسان العرب - (1 / 460): (السَّبْسَبُ: الأَرضُ المُسْتَوِية).
23-قال صاحب لسان العرب - (1 / 747): (نَبَّ التَّيْسُ يَنِبُّ نَبّاً ونَبِيباً ونُباباً ونَبْنَبَ: صاحَ عند الهِيَاجِ).
24-البيتان للعبد الفقير راقم هذا الردّ.
25-(الحديث والقرآن) 38.
26-سورة الأنبياء آية 23.
27-سورة التوبة آية 101.
28-سورة محمد آية 30.
29-سورة الأحزاب آية 60.
30-فتح الباري - ابن حجر - (1 / 216).
31-المصدر السابق.
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 09-12-10, 04:54 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الحديث السابع:

(سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ؛ فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ؛ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ) (1).

عنون الكاتب "ابن قرناس" على هذا الحديث بطريقة مثيرة؛ فقال: (أم المؤمنين عائشة تتعرَّى أمام أخيها ورجل معه) (2)، ثم يقول معلقاً: (إذا كان الحجاب ساتر (3) لا يرى من خلاله، فلا فائدة من غسلها، لأنهما لن يريا كيفية الغسل، وإن كان الحجاب شفاف (4) يرى من خلاله، فقد سمحت أم المؤمنين لأخيها ولرجل معه بالنظر إلى ما حرم الله من جسدها، فهل يؤخذ الدين من أم المؤمنين بهذه الطريقة؟، ..ولو كانت القصة قد حدثت بالفعل فيكفي أن تشرح أم المؤمنين لهما طريقة الغسل بعباراتها دون حاجة للتعري المخالف للحشمة والدين، .. ولم نستفد من نص الحديث عن (5) كيفية غسل الرسول من الجنابة..، وبالنسبة للغسل من الجنابة فلا حاجة لسؤال أم المؤمنين ولا حتى الرسول عنه..) (6).
والجواب على هذه الشبه –ومن الله تعالى أستمد العون والتأييد- أنْ يقال:
إنَّ أصل السياق الذي جاءت فيه هذه القصة هو: الاختلاف في مسألة مقدار الماء الذي كان النبي يغتسل فيه، وقد كانت عند بعض التابعين في تلك الفترة مسألة مشكلة، من جهة استبعاد البعض أنْ يمكن الإنسان الاغتسال -فقط- بصاع من الماء، يعني: بأربعة أمداد فقط وهو ما يعادل قرابة اللتر، ومما يدل على هذا ما جاء في صحيح البخاري: أنَّ أَبُا جَعْفَرٍ الباقر محمد بن علي بن الحسين كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ؛ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: "كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا؛ وَخَيْرٌ مِنْكَ" (7)، يقصد النبي .
وهذا هو المعنى الذي لأجله روى البخاري هذا الحديث تحت باب: "الغسل بالصاع ونحوه"، وفي حالٍ من ذلك الجدل الدائر في مقدار ما يغتسل به؛ جاء أبو سلمة ودخل على أمّ المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها وعن أبيها، ومعه أحد إخوانها، يسألانها عن صفة غسل النبي.
وعائشة رضي الله عنها لم تكتف ببيان جواب سؤالهم بالقول؛ حتى زادت الأمر توضيحاً بأنْ أرتهم صفة غسل رسول الله كمَّاً (صاع من ماء)؛ وكيفاً (وأفاضت على رأسها)، وفي رواية أحمد في المسند: (وأفرغت على رأسها ثلاثا) (8)، وأفهمتهم بذلك أنّ الاغتسال بمثل هذه الكمية ممكن وواقع (9)، وهذا من أبلغ طرائق التعليم، وأوضحها وأثبتها في قلب المتعلم، كما هو مقرَّرٌ في الكتابات والبحوث التربوية المعاصرة.
وهنا ثلاث مسائل؛ لا بدّ من النظر فيها:
الأولى: تعيين أخي عائشة رضي الله عنها هذا، ومن يكون.
الثانية: من هو أبو سلمة هذا، وهل هو من محارم أم المؤمنين –رضي الله عنها- أم لا؟.
الثالثة: وهل يلزم من الحديث وقوع تَعَرٍّ، أو كشف للعورات؟.
وللإجابة على هذا المسائل يلزم مراجعة كتب شروحات الحديث، وأقوال أهل الحديث والتواريخ والأنساب، ومن المجازفة والخطأ البيِّن أنْ يتكلم الإنسان في مثل هذه المسائل المبنيّة على النقل والخبر بعقله المجرَّد؛ فكيف إذا انضاف إلى ذلك ضحالة علم وضعف اطلاع وفساد فهم؛ ودون حجة قائمة: يثبت وينكر، ويتهم ويزوِّر.
فأما أخو أم المؤمنين هذا: فقد جاء في مسند أحمد وغيره زيادة تبيّن وصفه: (دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ عَلَى عَائِشَةَ) (10)، فهو أحد إخوانها من الرضاعة من أبناء أبي القُعَيس، وأبو القعيس هذا هو والد عائشة -رضي الله عنها-من الرضاعة (11)، وأخوه "أفلح" هو عمُّها من الرضاعة (12).
وأما أبو سلمة فهو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، وقيل اسـمه "عبد الله"، وهو ابن أخت عائشة -رضي الله عنها- من الرضاعة؛ أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهم جميعاً- ، فعائشة خالته (13).
فصار هاذان الرجلان اللذان دخلا على عائشة -رضي الله عنها- كلاهما من محارمها، فليس ثمت رجل غريب كما أجلب به "ابن قرناس"، مع كون الإمام ابن رجب الحنبلي رجَّح -فوق ذلك- أنْ يكون أبا سلمة إذ ذاك غلاماً صغيراً، فيقول رحمه الله: (والظاهر : أن أبا سلمة كانَ إذ ذاك صغيراً دون البلوغ) (14)، ويقول الأستاذ محمد عبد الودود: (وقد يكون في وقت هذه القصة صغيراً دون البلوغ؛ لأنه ولد سنة بضع وعشرين للهجرة، ولأنّ أمَّهُ من الرضاعة -أم كلثوم- لم تولد إلا بعد وفاة والدها -رضي الله عنه وأرضاه- كما هو مشهور) (15).
وأما المسألة الثالثة؛ فيقال فيها: إنه لا يلزم من وقوع الاغتسال حصول اطلاعهما على شيء من العورة التي لا يحل لذي المحرم الاطلاع عليها، وغاية ما هنالك أنها أرتهما ما يحاجان إلى العلم به من إمكان أرواء شعر الرأس بهذا المقدار من الماء، يقول الإمام الحافظ ابن رجب: (قـالَ القرطبي: ظاهر هذا الحديث أنهما - يعني : أبا سلمة وأخا عائشة - أدركا عملها في رأسها و أعلى جسدها، مما يحل لذي المحرم أنْ يطّلع عليهِ من ذوات محارمه، وأبو سلمة ابن أخيها نسباً، والآخر أخوها من الرضاعة، وتحقّقا بالسماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد، ولولا ذَلِكَ لاكتفت بتعليمهما بالقول، ولم تحتج إلى ذَلِكَ الفعل) (16).
وليس من لازم ذلك أصلاً وقوع تعرٍّ من أمّ المؤمنين -رضي الله عنها-، والاغتسال بالماء لا يفتقر صحة إطلاقه إلى نزع الثياب كلها، بل الظاهر أنها صبت على رأسها من الماء بعد أنْ نزعت ما تعتجر به على رأسها فقط، ثم لو ثبت ذلك جدلاً؛ فقد جاء النص في رواية الصحيحين وغيرهما على أنَّ أبا سلمة وأخا عائشة كانا جميعاً من وراء حجاب -كما سبق-.
ومهما يكن من شيء، ومهما قلت من قول في بيان هذه الحادثة وكيفية حصولها، فدعك من تقليب القول فيها وإطالته، ولا يلبسنّ عليك الكاتب بالاشتغال بهذه التفاصيل؛ لأن "ابن قرناس" هنا لا يعنيه أكثر من أنْ يبطل الحديث، بغض النظر عن حقيقة دلالته الصحيحة، ولذلك فقد فزع في سبيل إبطال السنة النبوية هنا إلى قول شنيع يقفُّ منه شعر البدن استنكاراً وتعظيماً، حيث التفت إلى الحديث التفاتة الضبع، وقد استجمع العزم على الفتك بالسنة وافتراسها؛ فقال: (وبالنسبة للغسل من الجنابة فلا حاجة لسؤال أم المؤمنين ولا حتى الرسول عنه..)!!.
أحقاً لسنا بحاجة لسؤال رسول الله عما أنزل الله في كتابه من صفة غسل الجنابة؟، أفليس الله تبارك وتعالى قد قال في محكم تنزيله: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (17)، فالذكر هو القرآن، وأما البيان النبوي فهو قطعاً أمر آخر غير ما نزل إليهم من القرآن، وإنما هو شرح وتفصيل صادر من النبي لمعنى ما نزل إلينا من القرآن الكريم، وهو السنة النبوية الشريفة، ولكن "ابن قرناس" يرى أنه لا حاجة لهذه الغاية الربانية، وأنها محض عبث، تعالى الله عن قوله علواً كبيراً.
ثم إنه لو كان الكتاب بيِّناً قائماً بنفسه في الدلالة والبيان: فما الحاجة لإرسال الرسول معه أصلاً، وهو بيِّنٌ واضح ظاهر، ألم يكن إنزال الكتاب وحده كافياً في قيام الحجة على الخلق، وفي اعتقاد مثل هذا القول إبطال لأصل النبوات والرسالات، ولذا فإنه يُشَكُّ في صحة الاعتقاد في أبواب النبوات عند من ينكر السنة.
وعلى كل حال فما ذكر هنا فيه الإجابة الوافية عن الحديثين الآخرين اللذين ذكرهما الكاتب حول غسل الجنابة، وهما حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ، وحديث ابن عباس في غسل ميمونة رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم، ولا حاجة بي للوقوف معهما وقد ذكرت كلاماً جامعاً يصلح الجواب به عن ذينك الحديثين.
وبه يظهر سقوط ما استشكله الكاتب من هذه الأحاديث، وأن ما اعتمد عليه في الحكم عليها بالبطلان غير قائم عند التحقيق، وأنه لم يبن نتائجه على مقدمات علمية صحيحة، وأنّ أدلةً بهذا القدر من الضعف وانعدام التحقيق والافتقار إلى المنهجية كيف يستند إليها عند النظر في مسائل ثبوت السنة النبوية، التي أسست قواعدها وأصولها على بنيان تتابعت أجيال على مدى ثلاثة عشر قرناً على غربلته وتنقيته وتقويمه.
عفـــاءٌ على الدُّنيا إذا المرءُ لم يعشْ بِها بَطَلاً يَحْمِي الْحَقِيْقَة َ شَدّهُ
منَ العـارِ أنْ يرضى الفتى بمذلَّة ٍ وفى السَّــيفِ ما يكفي لأمرٍ يعدُّهُ (18)


الحواشي:

1- صحيح البخاري- طوق النجاة - (1 / 60)، وهو في (الحديث والقرآن) ص39 .
2- (الحديث والقرآن) 39.
3- كذا .
4- كذا .
5- (عن) هنا لا وجه لها.
6-(الحديث والقرآن) 39-40.
7- صحيح البخاري- طوق النجاة - (1 / 60).
8- مسند أحمد بن حنبل - (6 / 71).
9- ينظر للفائدة كلام الشيخ محمد محمد عبد الودود في فتاوى واستشارات الإسلام اليوم، وهو موجود على الشاملة (5 / 128)، وقد استفدت منه في هذا الجواب.
10- مسند أحمد - الرسالة - (40 / 490).
11- فتح الباري لابن حجر 9/140.
12- انظر تفصيل ذلك في فتح الباري لابن حجر 9/150-151.
13- انظر: التمهيد لابن عبد البر 7/61، وسير أعلام النبلاء 4/288، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري - (5 / 205).
14- فتح الباري ـ لابن رجب - (1 / 248).
15- من فتاوى واستشارات له على موقع الإسلام اليوم، وهي موجودة على الشاملة برقم (5 / 129).
16- فتح الباري ـ لابن رجب - (1 / 248).
17- سورة النحل آية 44.
18- دواوين الشعر العربي على مر العصور - (26 / 52).
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #41  
قديم 10-12-10, 11:16 PM
ماجد بن علي الغامدي ماجد بن علي الغامدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-06-10
المشاركات: 20
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

أخي الفاضل : صلاح
رفع الله قدرك و أعلى ذكرك و جزاك جنته كما نصرت سنة النبي - صلى الله عليه و سلم - .
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 11-12-10, 05:15 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

وأنت فمرحباً بك أخي المفضال: ماجد بن علي الغامدي ولك بمثل هذه الدعوات المباركة..
وأما فضيلة نصرة سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهو شرف يتطلبه العاقل.. ولكن أين الذي يوفق له أو يصدق فيه، ذاك شرف تقصر الأعمال عنه.. ولكن الله تبارك وتعالى كريم رحيم..
سلمت أخي ماجد..
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 05-01-11, 04:11 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الخاتمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته إلى يوم الدين وبعد:
فهذا جهد المقلّ، وعمل المقصّر الوجل، سلكت فيه سبيل الذابِّين عن دين الله -فيما أظن-؛ عسى أنْ أحشر معهم يوم القيامة، وحرصت فيه على توخي سنة العدل قدر ما استطعت، وإني لأرغب إلى الله تبارك وتعالى أنْ تكون مثل هذه الكتابات سبباً في صحوة القلوب، وعودة إخواننا الذين شطت بهم السبل عن صراط الله المستقيم، وأنْ تلين لذكر الله قلوبنا وقلوبهم، فإنّ الحق شريف ولا يوفق له إلا كل مؤمن توّاب، ويصرف عنه كل متكبر على الحق جبار، وكل مسرف مرتاب.
من خلال ما سبق يظهر للمتأمل جملة من الخلاصات حول كتاب ابن قرناس "الحديث والقرآن"؛ فمن ذلك:
1- أن الكاتب لم يراع في محاولة الوصول إلى نتائجه أن ينتهج طريقة البحث العلمي الصحيح، وإنما عمد إلى مقررات كان قد زورها قبل في عقله، ثم إنه عاد في البحث إلى تقريرها دون دراستها، ودون الاستسلام لما تقود إليه المقدمات العلمية الصحيحة، وهذا تحكم يفقد الثقة في سلامة نتائج كتابته.
2- أن الكاتب ابن قرناس مارس لوناً صارخاً من الانتقائية العلمية، حيث إنه بنى نتائجه على معلومات ليست مستقاة من مصادر علمية متخصصة؛ وإنما اعتمد على عقله المجرد، فخلى كتابه من النقول المتخصصة في علوم الحديث والاصطلاح.
3- أن الكاتب اعتمد في بناء نتائجه على شك غير منهجي ولا علمي، وإنما هو شك فيه إفراط وإنكار ونفي؛ من دون بيِّنةٍ أو قرينةٍ مقبولة، مما جعل نتائجه مجرد هدم بلا روية.
4- أن الكاتب سلك في عمله أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث علمي، وهي أنه تجاهل الأدلة المضادة لرأيه، فقرر وجهات نظره الخاصة مع قيام المعارض الراجح أمام عينيه يبرق ويلوح وهو معرض عنه لا يراه أو يتعامى عنه، مما نمّ عن إهمال بالغ و تحيز مرفوض.
5- أن الكاتب تعسف عند تفسيره لبعض النصوص والأحاديث، فحملها على معانٍ عجيبة، وتفاسير ملتوية، فصار يعيب النص ويبطله بناء على معنى باطل وتفسير لا قيمة له ولا وجود؛ أقحمه في دلالة النص، مع كون النص لا يدل عليه لا من قريب ولا من بعيد.
6- أن الكاتب حشى بحثه بتعميمات وأحكام مطلقة مرسلة لا خطام لها ولا زمام، مما جعل كتابته أشبه ما تكون بكلام من يظن أنه لا يسأل عن شيء منه أبداً، وربما كانت كتابته تحت الاسم المستعار من أكبر الدوافع لمثل هذا السلوك غير العلمي.
7- أن الكاتب لا يحمل في كتاباته علماً جديداً، ولا تحتوي بحوثه على أي أفكار تجديدية، وإنما هو صريع لبعض كتاب الذين سبقوه في الهجوم على الصحيحين، فهو ينهج على منوالهم، ولذا فأنت تراه يبوح بكونه أحد صراعى كتابات نيازي عز الدين عندما قال في منتدى محاورhttp://www.muhawer.net/forum/showthread.php?t=22633: (إلا أني أجد نفسي أقرب لكتابات نيازي عز الدين الذي أتفق معه في مسارات كثيرة، وأسعى لأن ألتقيه أو أتصل به)، والحقيقة أنه ليس فقط يتفق معه ولكنه -وبعبارة أبعد عن المجاملة العلمية- يأخذ عنه ويتبع جرّته، فالكاتب فهم طريقة نيازي في النقد وتشربها ثم جاء لأمثلة جديدة من الأحاديث ليطبق عليها الطريقة النيازية في النقد، ولذا فكثير من هؤلاء الذين أشهروا أسلحة كالة في نقد السنة؛ لو صدق مع نفسه وأحال في حواشيه على الكتب التي يعتمد عليها لوجدنا مثل هذا الاسم وغيره يتردد كثيراً.
وأخيراً هي دعوة صادقة من قلب محب مشفق لأخي "ابن قرناس": أدعو نفسي وإياه فيها إلى وجوب توخي الحذر في سلوك مثل هذه السبل التي الخطأ فيها دائر بين مخوفات مهلكات، ولنقف أخي ابن قرناس لحظة تأمل وتفكر في ساعة الوقوف بين يدي الله تعالى، فيسألنا: (ويوم ينادينهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين)..
وهل درست آلات العلم التي يفهم بها وعنها كلام الله تعالى: من أبواب اللغة وعلومها وعلوم التفسير وأصوله وقواعده وأصول الفقه وأبوابه، وقبل ذلك كله هل أحاط أحدنا بقدر كاف من علوم الاعتقاد وتفاصيلها..الخ مما يكون للإنسان فيه حجة عند الله تعالى وعند الناس أنه إذا ما قال بقول فإنما صدر فيه عن علم واف قائم على قاعدة متينة راسخة من العلوم الشرعية..
دعوة لنجاة النفس.. قبل يوم الحسرة والآزفة.. إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع.. أسأل الله أن يكتب لي ولأخي ابن قرناس ولسائر إخواننا المسلمين السلامة و العافية، وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل.
فيا أيها الناظر قد عرفت السبب الدافع للكتابة، والأمر الحامل على الردّ، مع ضيق الوقت وقلة البضاعة، فما وجدت فيه من خلل ونقص علم؛ فاكسه جلباب سترك ثم عذرك ثم نصحك، والله الهادي إلى سواء السبيل، اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
بقلم الفقير إلى ربه كاتب هذه السطور:
صلاح بن علي بن عبد الله الزيات
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 11-02-11, 12:12 AM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الأساتذة والمشايخ الأفاضل: بعد أن تمَّ "البحيث" على ما فيه، فهذا هو في ملف pdf ، كما سبق أن وعدت، وقد حاولت تعديل ما تيسر منه وتهذيب عباراته، أسأل الله تعالى أن يبارك لي ولكم في العلم والعمر وفي كل ما أنعم به وتفضل.
ولا زال قلم التعديل مفتوحاً إذا ظهر ما يوجبه.
الملفات المرفقة
نوع الملف: pdf بعثرة هباء ابن قرناس الذي لبس به على الناسpdf.pdf‏ (535.9 كيلوبايت, المشاهدات 279)
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 12-02-11, 01:10 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

ولعموم الفائدة: فهذا ردٌّ جميل آخر في الملتقى على الكاتب "ابن قرناس"، بقلم أدبي رصين فيما أحسب، للأخ الحمادي بارك الله في قلمه على هذا الرابط للفائدة: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=224220
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #46  
قديم 13-04-11, 08:55 PM
أبو ذر القاهري أبو ذر القاهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-07-10
المشاركات: 299
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

جزى الله خيرا أخانا صلاح الزيات على هذا المجهود الرائع
رد مع اقتباس
  #47  
قديم 15-04-11, 09:03 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

جزاك الله خيراً أخي الفاضل أباذر القاهري وبارك عمرك، وأشكرك على المرور..
ولا زال البحث في الحقيقة يحتاج إلى النقد -إن وجد- وبيان الملاحظات..
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #48  
قديم 01-07-11, 11:16 PM
صلاح الزيات صلاح الزيات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-06-04
المشاركات: 84
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

الصواب: البحث يحتاج إلى النقد بدون: (إن وجد) !
(ابتسامة)
__________________
علم الحديث فخار لا يضيعه** إلا بليد له سعي إلى الخطل
alzayat218@gmail.com
رد مع اقتباس
  #49  
قديم 02-06-12, 10:58 PM
محمدنورسويد محمدنورسويد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-03-11
المشاركات: 28
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

أشكر الأخ صلاح الزيات على هذا الرد المتزن والهادئ والعلمي
وله من اسمه نصيب كبير إن شاء الله تعالى
وأهم رد عندما انتقد فهم الكاتب للحديث أثم لكع
ففي كتاب مقياس اللغة لابن فارس -على ما أظن- أنه كان يحاور خصمه أولا في اللغة
فإذا ثبت جهله في اللغة فتنتهي المناقشة والمناظرة والحوار
===
تواضع الأخ صلاح الزيات فقال عن بحثه مصغراً إياه إلى بُحيث والصحيح أنه بحث
لأن البحيث يسمى مقالة
===========
كنت في حوار مع العلمانيين فقال أحدهم كل علمكم هو عن فلان وعن فلان
فأجبته
بل كل العلوم هي عن قلان
فالأخبار عن وكالات الأنباء
والكتب العلمية تقول عن العالم الفلاني وأجرى التجربة الفلانية
والفارق أننا وضعنا شروطا للـ عن ابتاعنا
وأنتم مشيتم سبهلالا فتتبعون أية عن
============
الذي دفعني للبحث عن ابن قرناس أن أحد خريجي الشريعة تبنى أقواله
فقلت له من اتيت بهذا الكلام فقال من ابن قرناس
وابن قرناس يشترك مع منكري السنة
وكما قال العلامة علي القاري رحمه الله
لما عجز أعداء الاسلام عن التشكيك في القرآن الكريم بدؤوا بالتشكيك في معانيه
فالمعركة هي معركة المعاني
وقد أخبرني نائب الحزب الشيوعي في أحد البلدان والآن أصبح مصليا
بأنه صدرت تعاليم لأبناء الحزب الشيوعي بعد سقوط الشيوعية بالتوجه
إلى فلسفة الاسلام فلسفة شيوعية
وانا أقول معركتنا الآن على الأجيال الصاعدة
فكلما عملنا على هدايتهم وبنائهم بناء علميا رصينا توسعت القاعدة الاسلامية
ولذلك وضعت كتابا (منهج التربية النبوية للطفل) للمساعدة على تنشئة الأجيال وفق المنهج النبوي
وليس وفق المناهج الغربية
واشكر ملتقى الحديث على رفع الكتاب إلا انهم رفعو الطبعة القديمة جدا
وقد تم طبعه منذ عام 1996 مجلدين كبيرين في دار ابن كثير بدمشق ودار الوفاء بالمنصورة
فحبذا من يرفعه مشكورا مأجورا
وأهم العلوم لتسليح الشباب هي علومة الآلة فالرجاء الاهتمام بها وهي
اللغة العربية- المنطق- أصول الفقه-اصول الحديث- أصول التفسير
=============
أكرر شكري لاستمتاعي بقراءة هذا البحث القيم
وأتمنى للأخ صلاح مستقبلا طيبا
كما اشكر جميع الذين أجروا مداخلات خفيفة
وأتمنى للجميع التوفيق والثبات على الحق
والله ولي التوفيق
ولا حول ولا قوة إلا بالله
رد مع اقتباس
  #50  
قديم 28-01-14, 10:59 AM
الطيماوي الطيماوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-06-05
المشاركات: 7,002
افتراضي رد: بعثرة هباء "ابن قرناس" الذي لبس به على الناس

جزاك الله خيرا على هذا الرد الماتع
وبارك الله فيك
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
لبس , الذي , الناس , ابن قرناس , بعثرة , على , هباء

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:38 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.