ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-10-10, 12:46 AM
عبده نصر الداودي عبده نصر الداودي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-08-06
المشاركات: 41
افتراضي العقل والنقل بين السلف والخلف

الدورة العلمية في العقيدة الإسلامية
للدكتور / محمود عبد الرازق الرضواني
حفظه الله تعالى
مسجد الصحابة – عين شمس
المحاضرة الثالثة
الإثنين 15 ربيع الآخر 1429
21 إبريل 2008



موضوع المحاضرة:

العقل والنقل بين السلف والخلف
عناصر المحاضرة:

• مقدمة
• تحديد ضوابط مصطلح السلف والخلف .
• هل العقل أصل في ثبوت النقل أم العقل أصل في العلم بالنقل؟
• هل العقل مطية للنقل أم أن النقل مطية للعقل؟
• متى يُقدَّم العقل ومتى يُقدَّم النقل؟
• ظهور البدعة سببه حدوث خلل في مسألة تقديم العقل على النقل.
• الأصول الخمسة عند المعتزلة.
• بدع العبادات سبب ظهورها تقديم العقل على النقل في باب الشرائع والأحكام
البحث المطلوب:
أمثلة لبدع الاعتقادات والعبادات .

• مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين ، أما بعد:
في محاضرة الليلة بإذن الله تعالى سوف نتحدث عن بعض العناصر المتعلقة بموضوع العلاقة بين العقل والنقل، نحاول أن نستوفي الموضوع من جميع الجوانب ، كنا تحدثنا في المحاضرتين الماضيتين عن :
• المقصود بالعقل والغاية الرئيسية من وجوده.
• حدود المعرفة بالعقل.
• العتبات المطلقة للحواس الخمس.
• مدارك اليقين العقلي.
• المقصود بالنقل.
• العلاقة بين العقل والنقل ، وهل يٌمكن أن يتعارض العقل مع النقل.
وذكرنا عبارة هامة يجب أن تُحفظ وهي:
"العقل الصريح لا يُعارض النقل الصحيح ، بل يشهد له ويؤيده لأن المصدر واحد فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل ، ومن المحال أن يُرسل إليه ما يُفسده ، وإذا حدث تعارض بين العقل والنقل فذلك لسببين ، لا ثالث لهما ، إما أن النقل لم يثبت وإما أن العقل لم يفهم النقل".
هذه أصولٌ للعقيدة ، فلن تجد إنساناً فطرته سليمة وعقله واضح يختلف معك في هذا ، فالذي صنع العقل هو الله ، والذي أنزل إليه النقل الممثل في الكتاب والسنة كنظام يسير عليه الإنسان فيَسلم في الدنيا والآخرة هو الله ،فمن المحال أن يُرسل إلى صنعته منهجاً يُفسدها ، فالإنسان لا يقبلها على نفسه ، فكيف يقبلها على رب العزة والجلال؟
فأي واحد من المخالفين سيتفق معك على هذا المبدأ ، وسنرتب على ذلك أموراً أخرى .
قضية تقديم العقل على النقل هي التي تُحدد نوعية الناس ، وقد اخترنا أن نبدأ هذه المحاضرات بهذا الموضوع لأن ذلك سيجعلنا على أصولٍ نتفق عليها ، فأي عاقل لن يختلف معنا على هذه الأصول ، فإذا لم يكن الكلام واقعاً على القلب والإنسان يشعر بمنطقيته تجد أن هناك نفوراً وتكثر الأسئلة ، وأما إن كان الكلام واقعاً على القلب تقل الأسئلة وتجد أن ما في صدرك يتفق مع كتاب ربك وترى الأمور في منتهى التوافق ، وهذا ما نريده ، فنحن نريد أن نصل إلى الحق سوياً ولا نريد أن نختلف ، فالله سبحانه وتعالى ابتلانا في هذه الحياة بقضية اتباع الشرائع والأحكام ، وهو سبحانه وتعالى قادرٌ أن يجعل الناس أمةً واحدة (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود:118-119) ، فالاختلاف سيحدث بالتقدير الكوني، فيُنزل الله منهجاً وشرعاً وهو النقل ، وينظر في ابتلاء العقول ، هل سيتبعون النقل؟ فإن اتبعوا النقل فهؤلاء رحمهم الله تبارك وتعالى (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) ، فهذا هو المنهج ، فهل ستسير خلف عقلك أو تتبع شرع ربك؟ ، فإن اتبعت الشرع فستسلم ، ولكن الله قادر على أن يجعل الناس كلهم أمة واحدة كالملائكة.
• تحديد ضوابط مصطلح السلف والخلف .
1. مصطلح "السلف"
السلف في اللغة معناه: ما مضى.
وأما في الاصطلاح فيُطلق على من توفر فيه أمران:
o الأمر الأول: العامل الزمني:
أن يدرك الفترة الزمنية المسماة بعصر خير القرون، والتي قال فيها الرسول : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ، يقول راوي الحديث: فلا أدري أذكر بعد "قرني" قرنين أو ثلاثة.
وهذه الفترة الزمنية حددها العلماء بأنها من بعد وفاة النبي إلى سنة 221 هـ ، وهذه السنة كان فيها انتقال المذهب الرسمي للدولة الإسلامية من المذهب السلفي إلى المذهب المعتزلي.
فالعصر الذهبي للسلف الصالح كان بداية من عصر النبوة حتى السنة التي فرض فيها المأمون بن هارون الرشيد بدعة القول بخلق القرآن ، وأصبح المذهب الرسمي للدولة هو مذهب المعتزلة في العقيدة.
o الأمر الثاني: العامل المنهجي:
أن يُقدِّم النقل على العقل عند التعارض ، فمن قدَّم النقل على العقل عند التعارض وأدرك عصر خير القرون يقال عنه: من علماء السلف ، فعصر خير القرون هو عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فلا يُطلق لفظ "سلف" على المعاصرين ، فالمعاصرون لا يُطلق عليهم السلف اصطلاحاً .
وقد قلنا أنه لا تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح ، ولو حدث تعارض فسببه عدم ثبوت النقل أو عدم فهم العقل للنقل ، فإن لم يفهم أحد النقل وقال: "أنا أقدم كلام الله على كلامي" ، فهذا يقال عنه بأنه على منهج السلف ، أو بأنه خير خلف لخير سلف.
هل كان هناك من يُقدِّم العقل على النقل في عصر خير القرون؟
نعم، وسنعلم قصتهم في المحاضرات القادمة إن شاء الله تعالى.
2. مصطلح الخلف:
الخلف في اللغة معناه: من أعقب السلف في الزمن.
وأما في الاصطلاح فيُطلق على من توفر فيه أمران:
• الأمر الأول: العامل الزمني:
وهو أن يعقب عصر خير القرون، فمن جاء بعد عصر خير القرون فقد تحقق فيه الشرط الأول من مصطلح "الخلف"، ويبدأ من عصر المعتزلة ثم عصر المتكلمين الأشاعرة والماتريدية ويستمر حتى وقتنا هذا.
• الأمر الثاني: العامل المنهجي:
أن يُقدِّم العقل على النقل عند التعارض.
إذاً ، من قدَّم النقل على العقل عند التعارض : سلفي في المنهج.
ومن قدَّم النقل على العقل عند التعارض وأدرك عصر خير القرون : سلفي في الاصطلاح.
فابن تيمية رحمه الله تعالى ليس من السلف اصطلاحاً ، ولكنه على منهج السلف ، فهو خير خلفٍ لخير سلف ، أما علماء السلف فهم الذين كانوا في عصر خير القرون ، فلا يقال عن أحد المعاصرين أنه من علماء السلف ، بل يقال بأنه على منهج السلف على قدر ما فيه من تصديق الخبر وتنفيذ الأمر.
فابن تيمية رحمه الله تعالى من الخلف زمناً، ومن السلف منهجاً، ولكنه ليس من الخلف اصطلاحاً ولا من السلف اصطلاحاً، أما الأئمة أمثال أحمد والشافعي وسفيان، فمن علماء السلف اصطلاحاً.
وقد يوجد من يتحقق فيه العامل الزمني للسلف ، ولا يتحقق فيه العامل المنهجي مثل الجهم بن صفوان ، فقد كان الجهم يُقدِّم العقل على النقل وعاش في عصر خير القرون ، وهو أساس البدعة في أمة محمد.
والشيخ ابن باز رحمه الله تعالى خير خلف لخير سلف ، فقد جاء بعد عصر السلف ، فهو من الخلف زمناً ، ولكنه من السلف منهجاً .
في الحقيقة ، من أجمل الكتب التي قرأتها كتاب "درء تعارض العقل مع النقل" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولما تقرأ في هذا الكتاب تشعر أن الذي كتبه شخص موسوعي، ولذلك تجد أن الكثيرين غير قادرين على استيعاب كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بسبب تبحره ، فتجد الشخص لا يفهم كلام شيخ الإسلام فيتهمه اتهامات خطيرة جداً.
• هل العقل أصل في ثبوت النقل أم العقل أصل في العلم بالنقل؟
لماذا يُقدَّم العقل على النقل عند أصحاب المدرسة العقلية؟
قالوا: نحن نُقدِّم العقل على النقل لأن العقل أصلٌ في ثبوت النقل ، فلولا العقل ما ثبت النقل ، فلو تعارضت الأدلة السمعية مع الأدلة العقلية والقواطع العقلية ، فإننا نُقدِّم القواطع العقلية على الأدلة السمعية ، فالعقل هو الذي عرَّفنا على النقل ، فلولا العقل ما ثبت النقل .
والإمام الرازي الذي يعتبر إمام مذهب الخلف وهو صاحب القيادة فيه ، وإن كان قد رجع عنه قبل موته ، يقول: "إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية أو السمع والعقل أو النقل والعقل أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية – فعلى زعمهم يستحيل الجمع بين العقل والنقل لأنه اجتماع بين ضدين – يجب أن نُقدِّم العقل على النقل لأن العقل أصل النقل ، فلو قدمنا النقل على العقل فقد قدحنا في العقل الذي هو أصل في ثبوت النقل" .
يقولون: العقل هو الذي عرفنا على الوحي ، وبالعقل عرفنا بأن محمداً رسول الله ، فكيف نقدم كلام الرسول على العقل؟
يقول لهم ابن تيمية رحمه الله تعالى: العقل أصل في العلم بالنقل ، ليس أصلاً في ثبوته ، لأن النقل ثابت قبل وجود العقل .
فالنقل موجود في اللوح المحفوظ قبل ما تُخلق العقول وقبل ما تُخلق البشرية كلها ، فالله يقول: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) (الواقعة:75-78) ، والكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ ، (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) ، فلو كذَّبوا به هل سيؤثر ذلك في النقل؟ أبداً ، فالضرر سيقع على من يُكذِّب بالنقل ، والله تعالى يقول: ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ . أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ . وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ) (الزخرف:4-6) ، فمن أُرسل إلى الأولين من الأنبياء والمرسلين ، هل جاءوا بالعقل أم بالنقل؟ جاءوا بالنقل، قال تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ) فالذين كذَّبوا بالرسول هل أثَّر تكذيبهم في صدق الرسول؟! فالرسول صادق والنقل ثابت سواء صدَّقت أم كذبت ، فالعيب فيك وفي عقلك ، فإن آمنت سيعود الصلاح عليك ، وإن كذَّبت فسيعود الضرر عليك .
ويستدل ابن تيمية رحمه الله تعالى بحديث ابن عباس  في صحيح البخاري قال: خرج علينا النبي يوما فقال: "عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد .........." فلم يُصدق بالرسول الذي جاء من عند الله إلا رجل واحد أو اثنان أو ثلاثة أو رهط، وجاء نبي ولم يصدقه أي أحد ، فهل لأن كل البشر كذبوه أن النقل لم يثبت والرسول ليس بصادق؟؟!!
إذاً قولهم بأن العقل أصل في ثبوت النقل كلام باطل ، بل العقل أصل في التعرف على النقل ، في العلم بالنقل ، فالعقلاء لما سمعوا كلام الرسل أيقنوا به وصدقوه ، ولذلك استجابوا لموسى بكثرة، واستجابوا لنبينا.
ثم قال: "ورأيت سواداً كثيراً سد الأفق فرجوت أن يكون أمتي فقيل هذا موسى وقومه ثم قيل لي انظر فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق فقيل لي انظر هكذا وهكذا فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق فقيل هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ".
فالعقل أصل في العلم بالنقل ، وليس أصلاً في ثبوته ، لأن النقل ثابت قبل وجود العقل ،فهو موجود في اللوح المحفوظ، والرسل صادقون في بلاغهم عن ربهم صدَّق الناس أو لم يُصدقوا ، فالضرر أو النفع يعود على الناس، وليس على أصل الرسالة ، فكيف يُقال بأن العقل هو الذي عرَّفني بالنقل ولذلك نقدِّم العقل على ما جاء به الرسول؟! كيف وأن الرسول صادق ؟ فإن لم تصدق به ، فالعيب في ذهنك وعقلك وليس في كلام رب العزة والجلال ، ولذلك كان السلف يعلمون أن ما أخبر الله به حق ، وأن الله تبارك وتعالى ما أنزل هذا الكتاب إلا لهداية الناس ، فلو ظنَّ أحد أن عقله أو الواقع الذي يراه يتعارض مع كتاب الله ، فالعيب في عقله ، أما كلام الله تبارك وتعالى فحق.
روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبى فقال: إن أخى استطلق بطنه ، فقال رسول الله : "اسقه عسلاً" ، فسقاه ثم جاءه فقال إنى سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقاً ، فقال له ثلاث مرات ثم جاء الرابعة فقال "اسقه عسلا " فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً ، فقال رسول الله: "صدق الله وكذب بطن أخيك". فسقاه فبرأ.
ويقول ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو يرد على الفخر الرازي: "عدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسنا ، فما أخبر به الصادق المصدوق صلي الله عليه وسلم هو ثابت في نفس الأمر سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه ،و من أرسله الله تعالي إلي الناس فهو رسوله سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا وما أخبر به فهو حق وإن لم يصدقه الناس وما أمر به عن الله فالله أمر به وإن لم يطعه الناس" .
فإن أمر الرسول بفعل شئ ولم يستجب أحد ، هل معنى ذلك أن الأمر باطل؟!
ولذلك نقول: لا تغتر بالكثرة ، ومن المواقف التي تُحكى عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عندما فرضوا على الناس بدعة القول بخلق القرآن ، وألزموا الناس بالسيف ، فمن لم يقل بأن القرآن مخلوق يُقتل ، واختبروا العلماء ولم يثبت إلا الإمام أحمد ومحمد بن نوح ، أنه في يوم من الأيام أُخرج أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح من سجن بغداد متوجهين إلي الخليفة المأمون ، وكان بطرسوس أحد المدن في شمال الشام تقع على نهر طرسوس ، حيث كان المأمون وقتها في طريقه لغزو الروم ، فأكَّد إسحاق بن إبراهيم قيودهما وجمعهما في الحديد في سلسلة واحدة وعلى بعير واحد متعادلين ، الإمام أحمد في ناحية ومحمد بن نوح في الناحية الأخرى ، في صورة مذرية مشينة تدل على مدي الغضب الذي هيمن على المأمون ونائبه ، ومدي الثبات الذي عليه إمام أهل السنة وصاحبه ، وفي الطريق قيل لأحمد : ألا تري الباطل كيف ظهر على الحق؟ قال : كلا ، إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل قلوب الرجال من الهدي إلي الضلال ، وقلوبنا بعد لازمة للحق .
ونصره الله سبحانه وتعالى ، ولو كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى وافقهم على ما يريدون لكان إجماعاً، لأنه الوحيد في هذه الأمة الذي وقف هذا الموقف ، والنبي يقول: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ، ودعا الله تعالى على المأمون فاستجاب الله تعالى له ، ما أن انتهى من دعائه إلا استجاب الله له ، ومات المأمون في نفس الليلة .
فأكد ذلك للناس أن الله ينصر من كان على الحق وإن كان واحداً ، فليس الأمر بالكثرة ، فلو أن نبياً جاء بشرع الله ولم يستجب الناس ، فعلى الإنسان ألا يتبع الكثرة ولكن يتبع الحق والدليل.
ونحن نقول هذا الكلام حتى تميزوا هذه القضية يا إخوان ، فليس لنا ثقة إلا فيما جاء به الشيخ من الدليل، سواء من القرآن أو ما ثبت عن النبي ، وما عدا ذلك لا يلزمنا ، فالحق لا يُعرف بالرجال، ولكن يُعرف الرجال بالحق.
ولنضرب مثالاً ذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى ليبين أن العقل أصل في العلم بالنقل وليس أصلاً في ثبوت النقل:
لو أراد أحد أن يسأل عن طبيب متخصص في مرض خطير ، فدلَّه رجل عامي على طبيب متخصص وأثنى عليه وعلى مهارته ، فهل هذا الرجل العامي هنا بمثابة الطبيب أم أنه دالٌ على الطبيب؟ دالٌ على الطبيب.
فذهب المريض إلى الطبيب وأعطاه علاجاً لمرضه ، فلَم يُعجب هذا الرجل العامي ، فقال للمريض: لا تسمع لهذا الطبيب ، واسمع لي أنا ، فأنا الذي دللت عليه.
فهنا تعارض قول العامي مع قول الطبيب ، فلا يقول المريض : سألتزم بما يقوله لي العامي ، لأنه هو الذي دلَّني على الطبيب.
ولذلك يقال لهذا العامي : طالما أنك دللت على هذا الطبيب المتخصص ، فهذه شهادة منك على أنه هو المرجع ، ولست أنت المرجع لأنك دللت عليه .
إذاً ، لا يقال بأنه إذا تعارض العقل مع النقل نتبع العقل لأنه صدَّق بالنقل.
فهذا هو المثل الذي ضربه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في درء تعارض العقل والنقل ، وهو كلام جميل جداً.
• هل العقل مطية للنقل أم أن النقل مطية للعقل؟
أي من الذي يوجِّه الآخر ويهيمن عليه؟ ، فنقول: "مطية" كمن يمسك بدابة ويسوقها ، فمن الذي يسوق الآخر ؟ هل العقل هو الذي يسوق النقل أم أن النقل هو الذي يسوق العقل؟
العقل مطية للنقل ، فالنقل هو الذي يوجهه ، فطريقة السلف الصالح أننا نحمل النقل فوق رؤوسنا ، ونجعل أنفسنا مطية لكتاب ربنا ، فإذا قال أحد: سآخذ من القرآن ما يعجبني ، فهو بذلك يريد أن يوجِّه النقل حسبما يشاء ، وهذا خطر كبير جداً على فهم طريقة السلف الصالح .
• متى يُقدَّم العقل ومتى يُقدَّم النقل؟
إن قال قائل: هل معنى هذا الكلام أن يكون الإنسان متحجراً ، عنده جمود عقلي ، لا يفكر؟
نقول: لا ، لأن الشرع (المتمثل في الكتاب والسنة) لما أنزله الله على ألسنة الرسل راعى فيه هذه المسألة وهذه الجزئية .
فمتى يُقدَّم العقل على النقل ومتى يُقدَّم النقل على العقل؟ أو نقول : أيهما يحكم على الأشياء بالحسن والقبح، العقل أم النقل؟
هذه مسألة من أهم المسائل التي تضبط قضايا العقيدة ، فهل الشرع جاء بتقديم النقل فقط وإلغاء العقل؟ وهل منهج السلف مبني على الجمود العقلي؟
نقول : لا ، بل إن فيه قمة الإبداع العقلي ، لماذا؟
إن مسألة تمييز الحسن والقبيح ، وأن نفعل كذا ولا نفعل كذا معتمدة على المصلحة ، وهذه المسألة موجودة في البشر لا يستطيع أحد أن يدفعها عن نفسه ، فمن الذي يحدد الضوابط التي نميز بها بين الحسن والقبيح؟
إن قلنا بأن العقل هو الذي يحدد هذه الضوابط ، فسيظهر ما يسمى بالقانون الوضعي ، فالقانون الوضعي عبارة عن أن مجموعة من العقلاء اجتمعوا ووضعوا نظاماً ، وقالوا للناس بأن يفعلوا كذا ولا يفعلوا كذا ، ففي أي دولة يجب أن يكون هناك مجموعة من القوانين تحدد ضوابط الخير والشر ، فبالنسبة للقوانين الوضعية الذي يحدد هذه الضوابط هم البشر ، فالقوانين الوضعية كلها تجعل مرجعية الحكم على الأشياء بالحسن والقبح إلى العقل ، ولذلك تختلف الأمور ، فتجد في الدول الغربية يباح الزنا واللواط ويباح شرب الخمر ، ولذلك جاءت أمراض لا حصر لها ، وكل ما كان القانون أقرب إلى الشرع والنقل كلما كان فيه عصمة.
فالله لما يقول لنا : افعلوا كذا ، ولا تفعلوا كذا ، فإنه يحدد الحسن فعلاً ، لأن المصلحة في ذلك لا ترجع إلى الله تعالى ، وإنما ترجع إلى العبد نفسه ، في حين أن الذين يضعون القوانين الوضعية أحياناً ما يضعون هذه القوانين لمصلحتهم ، وليس لمصلحة الناس ، فقد تتغير كل هذه القوانين في لحظة لمصلحة من وضعها ، أما رب العزة والجلال فليس له مصلحة في أن يقول لك افعل كذا أو لا تفعل كذا ، فالنفع سيعود عليك ، ولذلك فالقوانين في الإسلام شرعية ، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) (يوسف:40) ، وهذا ينبغي أن يكون إلزاماً ، لأنه سبحانه رب والكل عبد له ، وإذا نظرنا إلى ذلك نظرة عقلية فسنجد أن العقل يقول بأن توجيه الخالق للمخلوق أفضل من توجيه المخلوق للمخلوق، فالحسن والقبح مرده إلى النقل ، وشتَّان بين قانون شرعي وقانون وضعي.
إن قال قائل: هل هذا مطلق؟ بمعنى أن العقل ليس له دور في التمييز؟
نقول: لا ، له دور ، فدور العقل في أنه يؤيد النقل في ذلك ، فيقول بأن قوانين السماء التي نزلت من عند الله هي أفضل لي.
الأحكام التكليفية تنقسم إلى خمسة أحكام :
1. الواجب: هو ما أمر به الشرع على سبيل الحتم والإلزام.
أو : هو ما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه ، مثل : الصلاة والزكاة ، قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (البقرة:110) .
2. المندوب (المستحب) : هو ما أمر به الشرع لا على سبيل الحتم والإلزام.
أو: ما يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه ، مثل الصلاة قبل المغرب ، فقد قال: صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب ، ثم قال: "لمن شاء" ، فطالما أنه خيَّر فيها ، فالأمر يكون للاستحباب.
3. الحرام: هو ما نهى عنه الشرع على سبيل الحتم والإلزام.
مثل قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) (الإسراء:32).
4. المكروه: هو ما نهى عنه الشرع لا على سبيل الحتم والإلزام.
مثل نهيه عن أكل البصل والثوم .
5. المباح : وهو ما يُخيَّر فيه بين الفعل والترك ، فلا يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه.
الأحكام الشرعية التكليفية (الواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات) القيادة فيها للنقل والعقل تابع يشهد لها ويؤيدها ، فالله أمر بالصلاة ، ففيها خير كثير ، والعقل يؤيد ذلك ، ولنضرب لذلك مثالاً : في فرنسا يدخل الناس يصلون صلاة الجماعة ، فتجد رجالاً ونساءً أمام المسجد غير مسلمين يفعلون كما يفعل المسلمون في قيامهم وركوعهم وسجودهم ، لماذا يفعلون ذلك؟
لأن أطباء المفاصل قالوا لهم بأن علاج خشونة المفاصل هو أداء ما يفعله المسلمون في صلاتهم خمس مرات يومياً.
فهم يُعملون عقولهم فقط ، ويقومون بأفعال الصلاة دون الإيمان بها ، ولكن لأن العقل رأى أن الصلاة تساعد في علاج الإنسان فعلوا ذلك ، فهذا فيه دلالة العقل على صحة ما ورد في النقل ، وبالإضافة إلى أن ذلك ذكر لله وخضوع وحالة إيمانية جميلة يشعر بها الإنسان عندما يصلي.
وأما المباحات ، فالقيادة فيها للعقل والنقل تابع يؤيدها.
أخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث رافع بن خديج  قال: قدم نبى الله المدينة وهم يَأبُرُون النخل (يلقحون النخل) ....
ففي وقت معين يلقحون النخل بأن يضعوا الطلع من النخلة الذكر في النخلة الأنثى حتى يحدث التلقيح الذي يحدث في النبات.
فقال: "ما تصنعون؟" قالوا: كنا نصنعه قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً " ، فتركوه فنفضت أو فنقصت (وفي رواية: فخرج شيصاً) ، فذكروا ذلك له فقال: "إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشىء من دينكم فخذوا به....."
ففي حالة الواجب أو المستحب أو المحرم أو المكروه وجب الالتزام بالنقل.
قال: وإذا أمرتكم بشىء من رأى فإنما أنا بشر ، أنتم أعلم بأمر دنياكم"
فهنا يُقدَّم صاحب الخبرة والعقل ، ففي المباح يُقَدَّم العقل.
فمثلاً ، إذا لم يكن هناك طبيب كفء في مجال معين إلا طبيب نصراني عنده خبرة ، فلا يقول أحد : لن أذهب إليه ولو مت ، فإن هذا جهل ، لأن الله سبحانه وتعالى جعلها أسباباً ، ولا عصبية في ذلك ، فكون الطبيب غير مسلم لا يعني أن أحاربه فيما منَّ الله تبارك وتعالى به عليه ، وإن لم يكن له أجر في الآخرة على ذلك، ولكنه يُقدَّم لأنه صاحب خبرة وكفاءة.
• ظهور البدعة سببه حدوث خلل في مسألة تقديم العقل على النقل.
إذا قُدِّم العقل على النقل في موطن تقديم النقل على العقل تظهر البدعة ، ففي باب الشرع المتمثل في الواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات القيادة فيه للنقل ، وفي باب الشرع أمرنا الله أن نُصدِّق خبره ، فطالما أن هناك أمر إلزامي بتصديق خبر الله فلا يجوز تقديم العقل على خبر الله ، لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بنفسه منا ، فلو قدَّم إنسان عقله على تصديقه لخبر الله فقد خالف أمر الله في تصديق خبره.
فلو قدَّم العقل على النقل في باب الأخبار ظهرت بدع الاعتقادات ، فالله تعرفنا على وجوده بالعقل من خلال الأسباب كما قال الأعرابي : "البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ، ألا تدل على اللطيف الخبير" ، فهذه الآثار دلَّت على خالقها ، وتعرفنا على وجوده بالعقل ، ولكن إذا أردنا أن نتعرف على أسماء الله وأوصافه يجب علينا أن نرجع للنقل ، فلو أن الله لم يُرسل نقلاً ليعرفنا به ما عرفناه بعقولنا أبداً ، ولضلَّ الناس .
فإذا أراد أحد أن يتبع عقله في التعرف على أسماء الله وصفاته ، فسيقول مثلاً : هل الله له اسم أم لا؟ هل يُسمَّى الله عاقلاً ؟ ، فيقول: لا يصلح ، لأن العقل مشتق من العِقال ، والعِقال معناه الربط ، والربط في حق الله محال، إذاً هل يُسمَّى حكيماً ؟ فالله يجب أن يكون حكيماً ، ولكن الحكيم مشتق من حكمة اللجام ، وحكمة اللجام هي الحديدة التي توضع في فم الدابة لتمنعها من الحركة ، فلا يُسمَّى الله حكيماً ، فهل يُسمَّى سميعاً ؟ لا ، لأنه لو كان سميعاً لكان بأذن.................
ثم يقول: إذاً ، أفضل شئ ألا نثبت لله أي صفة .
وهذا هو مذهب المعتزلة ، فمذهب المعتزلة مبني على نفي أوصاف الله ، فيقولون: "ليس له سمع ولا بصر ولا حياة ... " ، فيثبتون الذات وينفون الأوصاف ، ويسمون ذلك بالتوحيد.
نقول: هذا ليس توحيداً ، هذا بدعة في الاعتقاد.

الأصول الخمسة عند المعتزلة.
1. التوحيد.
2. العدل.
3. المنزلة بين المنزلتين.
4. إنفاذ الوعيد.
5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عن المعتزلة: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل ويُقال: هذا جزاء من ترك كتاب الله وسنة رسوله وأقبل على علم الكلام .
التوحيد عندهم يقتضي نفي صفات الحق سبحانه وتعالى ، فنحن نريد أن نعرف الله ولم نره ، فيجب أن يأتينا خبر من الله تعالى يُعرِّفنا بنفسه ، والمفروض علينا تصديق هذا الخبر.
وأما المعتزلة فيقولون: لا تصدق ، لأنك لو أثبت صفة لله تعالى لأشبه المخلوقات ، فلو أثبتنا لله تعالى السمع لأثبتنا له الأذن .
نقول: الإنسان يسمع بأذن لأننا نراه ونرى كيفية سمعه ، ولا يشترط لكل شئ يسمع أن تكون له أذن ، فالمسجلات الحديثة تسمع الصوت وتسجله بدون أذن ، فالله تعالى يسمع ولكن لا نعلم الكيفية، والذي يسأل عن الكيفية مبتدع.
جاء رجل للإمام مالك وقال له : "الرحمن على العرش استوى" ، كيف استوى؟
فكيف للإمام مالك أن يجيب عن هذا السؤال؟! ، فلكي يجيب الإمام عن هذا السؤال يلزم أمران: إما أن يراه أو أن يرى مثيله ، والرسول يقول: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" ، ولا يوجد مثيلٌ لله جل وعلا ، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى:11) ، فهناك كيفية لسمع الله تعالى يعلمها الله ولا نعلمها نحن لأننا لم نرها.
فإن قال قائل : ما هو شكل العرش؟
نقول: لا نعلم ، وسنعلم ذلك بإذن الله تعالى في الآخرة ، قال تعالى: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) (الحاقة:17) ، وقال: "سبعة يظلهم الله في عرشه ، يوم لا ظل إلا ظله..." ، وقال: "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" .
فأطرق الإمام مالك رحمه الله تعالى وعلاه الرحضاء (أي: العرق) وقال له: الاستواء معلوم (أي: معلومٌ معناه أنه علا وارتفع فوق عرشه كما أخبر عن نفسه ) والكيف مجهول (أي مجهول لنا ، فهناك كيفية معلومة لله ، فلو نفى أحد الكيفية فقد نفى الصفة) والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا مبتدعاً ، ثم أُمر به فأُخرج.
فهذا لأنه أراد أن يُقدِّم عقله على كتاب ربه في باب الخبر ، والمفروض أن يُقدَّم النقل على العقل.
فالتوحيد عند المعتزلة هو نفي أوصاف الله ، وهذا يدل على فساد عقولهم ، فلو قام أحد بين الناس وقال: ابني لا نظير له ، فقيل له : في أي شئ؟ ، فقال: "ليس له أي صفة" ، فهل هذا مدح؟؟ ، هذا هو مذهب المعتزلة ، بخلاف ما إذا قال: ابني لا نظير له في علمه وأخلاقه ، فبذلك وحَّده في وصف .
فالله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ، في ماذا؟ قال تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ، فليس كمثله شئ في سمعه وبصره ، والمعتزلي نفسه لا يفرح إذا قال له أحد: أنت ليس لك أي صفة ، ولا يقبل ذلك على نفسه ، فكيف نقبل ذلك على ربنا سبحانه وتعالى ؟! ، فيقولون بأن التوحيد هو أن تثبت الأسماء وتنفي الصفات.
والعدل عندهم بأن تقول بأن الله لم يخلق أفعال العباد ، وأن العبد هو الذي يخلق فعله.
أما المنزلة بين المنزلتين فبدعة عقلية أيضاً ، فمرتكب الكبيرة عندهم لا مسلم ولا كافر ، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين ، وأما في الآخرة فهو في النار مخلَّد ، لماذا؟
لإنفاذ الوعيد ، فطالما أن الله قال بأنه سيدخل النار فسيدخل النار ، ولذلك أنكروا الشفاعة وأنه من الممكن أن يخرج ناس من النار ، مع أن الأمة قد أجمعت على الشفاعة.
وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالمعروف هو مذهب المعتزلة الذي فيه تقديم العقل على النقل ، والمنكر هو أن تقدم النقل على العقل ، فجعلوا مذهب السلف منكراً ، فهذه من بدع العقائد، وسببها تقديم العقل على النقل في باب الأخبار.
وكذلك من أمثلة بدع العقائد ، بدعة الأشعرية الذين قالوا بإثبات سبع صفات ونفي الباقي، لماذا؟
قالوا: لأن العقل دلَّ عليهم ، وأما الباقي فموهمة للتشبيه :
وكل نص أوهم التشبيه أوِّله أو فَوِّض ورُم تنزيهاً
• بدع العبادات سبب ظهورها تقديم العقل على النقل في باب الشرائع والأحكام
فإذا قُدِّم العقل على النقل في باب الواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات تظهر بدع العبادات، وهذا كثيرٌ جداً، فهناك بدع في الصلاة وبدع في الزكاة وبدع في الصيام ...، وهذه البدع سببها أن الرسول أمر بأوامر ، فترك هؤلاء منهج الرسول وبعقولهم فعلوا أشياءً بحسن نية يظنون أنها أفضل من كلام الرسول ، ومن أمثلة ذلك:
قراءة سورة الفاتحة للأموات،فالنبي لما ذهب لزيارة الأموات قال: "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، غفر الله لنا ولكم" ، فهذا الذي قاله النبي ،ولم يقرأ الفاتحة.
ولذلك يقال لمن يفعل ذلك : إن كانت قراءة الفاتحة أفضل من كلام الرسول ، فأنتم تتهمون الرسول بالتقصير ، وحاشاه ، وإن كان كلام الرسول أفضل ، فقد تركت الأفضل وذهبت خلف عقلك ، ولنضرب مثالاً للتوضيح:
رجل اشترى الطابق السابع في عمارة ، وأجَّر عمالاً لتجهيز هذا الطابق ، فقرر رئيس العمال أن يُجهز الطابق الأول بدلاً من الطابق السابع ، وأنهى تجهيز الطابق الأول بإتقان ودقة ، فعند عودة صاحب الطابق السابع أخبروه بأنهم قاموا بتجهيز الطابق الأول ، فقال لهم: إذاً ، الأجرة تأخذونها من صاحب الدور الأول.
فلا يوجد عاقل يفعل مثل ما فعل هؤلاء العمال ، وهذا في أمور الدنيا ، فلماذا في أمور الدين لا يُلتزم بالشرائع والأحكام ، فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وموافقاً لسنة النبي.
قال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل الصابوني : "علامات أهل البدع على أهلها بادية ظاهرة ، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي واحتقارهم لهم ،واستخفافهم بهم ، وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة ، وظاهرية ومشبِّهة اعتقاداً منهم في أخبار رسول الله أنها بمعزل عن العلم ، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة ووساوس صدورهم المظلمة وهواجس قلوبهم الخالية من الخير وكلماتهم وحججهم الباطلة" .
والإمام أحمد بن سنان القطان يقول: "ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يُبغض أهل الحديث ، فإذا ابتدع الرجل نُزعت حلاوة الحديث من قلبه" .
ويقول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: "صاحب البدعة لا تأمنه على دينك ، ولا تشاوره في أمرك ، ولا تجلس إليه ، ومن جلس إلى صاحب بدعة أورثه الله العمى " .
وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: " اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يداً فيحبه قلبي" .
ونختم المحاضرة بهذه القصة : بعدما مات الخليفة المأمون بسبب دعاء أحمد بن حنبل عليه ، تولى الخلافة من بعده المعتصم ، وكان المأمون قد أوصى المعتصم قبل موته بأن يسير على مذهبه وألا يترك أحمد بن حنبل حتى يجيبه إلى القول بخلق القرآن ، فسجنه لمدة ثلاث سنوات ، وناظروه في آخر خمسة أيام من رمضان ، فكانوا يأتون له بكلام عقلي ، فيرد عليهم بالقرآن والسنة ، فكان مما احتج عليهم أحمد في مناظرته لهم بين يدي الخليفة المعتصم حديث الرؤية ، الذي رواه بسنده عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال : " كنا عند النبي ، فنظر إلى القمر ليلة - يعني البدر – فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" . وأحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة ، لكن لما سمع الحديث قاضي القضاة أحمد ابن أبي دؤاد انصرف متوجها إلي على بن المديني ، وهو من كبار المحدثين ، مستغلاً أزمته ومحنته وانقطاع راتبه من الدولة لمدة عامين بسبب وقفته للحق وعدم الاستجابة إلي القول بخلق القرآن ، أعطاه عشرة آلاف درهم وما تأخر من مستحقاته ، وقال لعلى : هذه هدية من أمير المؤمنين ، ثم قال له : يا أبا الحسن ما تقول في حديث الرؤية ؟ قال على : حديث صحيح ، قال قاضي القضاة : هل عندك فيه شيء ؟
قال على : يعفني القاضي من هذا ، قال قاضي القضاة : يا أبا الحسن هذه حاجة الدهر فاجعل مخرجاً لضعفه ، ولم يزل به حتى قال على : في الإسناد من لا يعول عليه ولا على ما يرويه وهو قيس بن حازم إنما كان أعرابياً ، ففرح ابن أبي دؤاد وذهب مسرعا إلي مجلس المعتصم يجرح قيساً وينفي صحة الحديث، فعلم أحمد جهله ، لأن المحدثين جميعا يعدلون قيساً فهو من أجود التابعين إسناداً .
ولذلك تأمل في عبارة ابن المبارك رحمه الله تعالى: " اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يداً فأحبه".
قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: " لا تمكنوا صاحب بدعة من جدل ، فيُورث قلوبكم من فتنته ارتياباً" .
قال ابن الماجشون رحمه الله تعالى: "سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة ، فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ، لأن الله يقول (اليوم أكملت لكم دينكم) ، فما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً" .
إذاً ، تقديم العقل على النقل في باب الأخبار يؤدي إلى بدع في الاعتقادات ، وتقديم العقل على النقل في باب الأوامر يؤدي إلى بدع العبادات.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
السلف , العقل , بين , والخلف , والنقل

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:41 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.