ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 14-12-10, 01:05 PM
عصام الصاري عصام الصاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-10
المشاركات: 159
افتراضي هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

ما الأدلةُ الشرعية الواردة في الأمر بإلزاق المصلِّي رِجلَه برِجل جاره في الصلاة جماعةً؟ وإذا كانت هناك أدلةٌ فما المرادُ بها، هل حقيقةُ الإلزاق أو المبالغةُ في سد الفُرجة؟ أرجو الإجابةَ من أهل العلم المتخصصِين، وذلك بذِكر المَصدر أو المَرجِع وتوثيقِه بذِكر الجزء والصفحة، والاِقتصار على كتب الفقهاء المتقدِّمِين، من أصحاب شروح كتُب السنة، أو فقهاء المذاهب، وجزاكم اللهُ خيراً ...
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19-12-10, 01:05 AM
عصام الصاري عصام الصاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-10
المشاركات: 159
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

لم أجدْ ما يدل على ذلك من أدلة الشرع أصلاً، بل وجدتُ ما يدل على طلب المساواة بالأكتاف والأعناق، وهذا خلافُ ما نراه عند كثيرٍ من الإخوة، بل وتجدُ بعضَهم يضايق أخاه في الصلاة ويَشغلُه، فإذا أبعَدَ أحدُهم رِجْلَه تبِعه الآخرُ ليُلزقَ رِجْلَه بها، وهذا ما لم أجدْ له سنداً في الشرع البتةَ، فيا ليتكم تفيدونا في هذا الموضوع، وجزاكم اللهُ خيراً...
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19-12-10, 01:17 AM
أبو عبدالله محمد التميمي أبو عبدالله محمد التميمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-04-03
المشاركات: 225
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

لأجل يستقيم الصف على التراب ..
أما مع الفرشات فالوضع يختلف ..
ولا أعلم دليل يوجبها ..
وهي مشغلة بلا شك
__________________
كلما أخذنا بالرأي والمزاج والذوق بدأ التخبط
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 19-12-10, 10:40 AM
مؤسسة ابن جبرين الخيرية مؤسسة ابن جبرين الخيرية غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-02-09
المشاركات: 525
Arrow رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

(6446)
ســـؤال : يُلاحظ أن بعض المصلين يلصق قدمه بقدم الذي بجواره مماسة هل هذا من السنة؟ أم أن المراد المحاذاة فقط ؟
الجواب: ورد ذلك في حديث أنس عند البخاري برقم 725 مرفوعًا: "أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري" وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه كما ورد في حديث النعمان عند أبي داود، وصححه ابن خزيمة وفيه قال: فلقد رأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه، وعلقه البخاري في باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم، وقال الحافظ في الفتح: المراد بذلك المبالغة في تسوية الصفوف وتقاربها لا حقيقة الالتصاق، ويمكن أن أحدهم يمس منكبه منكب الآخر، فأما القدم والركبة فلا يلزم التماس وذلك لأن البعض قد يتأذى من التلاصق والتقارب الشديد والقصد هو تراص الصفوف وسد الخلل فيها حتى لا تدخل بينهم الشياطين. والله أعلم .

قاله وأملاه
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
__________________
البريد الإلكتروني info@ibn-jebreen.com
جوال ابن جبرين 816661
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 19-12-10, 11:17 AM
بن سالم المدني بن سالم المدني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-02-06
المشاركات: 13
افتراضي رد : هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

في "عون المعبود شرح سنن أبي داوود" ( 2 / 256 ) " :
فهذه الأحاديث فيها دلالة واضحة على اهتمام تسوية الصفوف ، وأنها من إتمام الصلاة ، وعلى أنه لا يتأخر بعضه على بعض ، ولا يتقدم بعضه على بعض ، وعلى أنه يلزق منكبه بمنكب صاحبه ، وقدمه بقدمه ، وركبته بركبته ، لكن اليوم تُركت هذه السنَّة ! ولو فعلت اليوم لنفر الناس كالحُمُر الوحشية !!. فإنا لله وإنا إليه راجعون . "

بل قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه : ( باب إثم من لا يتم الصفوف ) , وساق بسنده عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ : مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : ( مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلا أَنَّكُمْ لا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ ) رواه البخاري (724) .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 19-12-10, 12:31 PM
عصام الصاري عصام الصاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-10
المشاركات: 159
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

والقولُ بأنه حتى لا تَدخلَ بينهم الشياطين، إذا كان بمعنى الدخول الحسي بين المتجافيين في الصف، فبعيدٌ، وإن كان بمعنى أن ابتعادَك عنه وترْكَ فجوةٍ بينكما يؤدي إلى أن يجدَ في صدره شيئاً، فهو صحيحٌ.
أما تسوية الصف فمعناها عدمُ تقدم أحدٍ عن الصف أو تأخُّرِه، وهذا مقصودٌ لذاته شرعاً؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- في بعض الأحاديث:" سووا صفوفَكم فإن تسويةَ الصف من إقامة الصلاة "، وهذا الذي شدَّد الشرعُ على فعلِه، وعدمِ الإخلال به، وقد أَوجبَه بعضُهم، وهو ظاهرُ النصوص، أما إلصاقُ الأرجلِ فمن الوسائل وليس مقصداً شرعياًّ لذاته، وهو غيرُ التسوية؛ فإن المرادَ منه عدمُ تركِ فجوةٍ بين المصلين، ويكون ذلك بأدنى مماسةٍ بالأكتاف.
أما فتحةُ رِجل المصلي فلا تتعدى أكتافَه وخصْرَيه، فإن تعدَّتْ أخذْنا في إيجاد الفُرجة والخلل في الصف، وعليه فلا يصحُّ أن يكون التصاقُ الأرجلِ بين المصلينَ وسيلةً لسد الفرجة في الصلاة ومعياراً لذلك؛ لأنه لا يَلزمُ منه سدُّ الفُرجة، وما زلنا نرى بعضَهم يفتحُ رجلَيه أكثرَ مما بين منكبَيه، فإذا سجد ظهرَتِ الفجوةُ ظهوراً بيِّناً.
وأما ورد عن الصحابةِ من التصاق الأرجل والكعبين والأكتاف فمحمولٌ على المبالغة في ذلك، كما قال ابنُ حجرٍ، والقسطلاّني، والعيني، وغيرُهم من شُراح الحديث؛ إذ لا يُعقَلُ أن تكون الكعبُ في الكعب، بمعنى التصاقِهما ببعضٍ لصوقاً حقيقياًّ؛ لما فيه من المشقة والتشددِ؛ ولاختلاف الناس في الطول والقِصر، ولأن ذلك يحتاجُ إلى أن يكون كعبُ المصلي بارزاً بروزاً واضحاً، وهذا حال المرضى لا الأصحاء، ولا يمكن أن يكون الصحابةُ جميعاً كذلك.
قال الشيخُ التهانوي في كتابه العظيم "إعلاء السنن"(4/319): "ولو حُمل الإلزاقُ على الحقيقة فالمرادُ منه إحداثُه وقتَ الإقامة لتسوية الصف، فإن إحداثَ الإلزاق بين تلك الأعضاءِ طريقُ تحصيل هذه التسوية، ولا دلالةَ في الحديث على إبقائه في الصلاة بعْدَ الشروع فيها، ومن ادَّعَى ذلك قليأتِ بحجةٍ عليه ".
ثم قال التهانوي:" وقولُ أنسٍ:" كان أحدُنا... " وقولُه:" ولقد رأيتُ أحدَنا... " يفيدُ أن الفعلَ المذكورَ كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يبقَ بعْدَه، كما صرَّح به قولُه -أي: أنسٍ- في رواية معمرٍ:" ولو فعلْتَ ذلك بأحدِهم اليومَ لنَفَر كأنه بغلٌ شموسٌ " فلو كان ذلك سُنةً مقصودةً من سُنن الصلاة لم يتركْه الصحابةُ ولم يتنفَّرْ منه أحدٌ. فالصحيحُ ما قلنا: إن ذلك كان للمبالغة في تسوية الصف حين الإقامة، لا بعْدَها في داخل الصلاة. فافهمْ ". انتهى كلام التهانوي.
فانظر كيف أن المعنى محمولٌ على المبالغة في تراصِّ الصفوف، وأن المرادَ أن تلتصق الأكتاف بأدنى مماسةٍ، وأن الحكمةَ من ذلك لئلاّ يتخلل الشيطانُ فيوقعَ بيننا، وأنه لا دلالةَ في الحديث على إبقاء هذه الحالة بعْدَ الشروع في الصلاة، وهذا أيضاً يقع فيه كثيرٌ من الناس، فتراه إذا قام للركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، ينحني وينظرُ إلى قدَمَيه إلى أين صارا، ثم يبالغُ في إلصاقهما أيضاً، وهذا ما أَنزَلَ اللهُ به من سلطانٍ، فأين هي دعوى اتباعِ النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاته، أخذاً بقوله:" صلوا كما رأيتموني أُصلِّي ".
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 19-12-10, 02:39 PM
عبدالله بن عبدالرحمن رمزي عبدالله بن عبدالرحمن رمزي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-11-07
الدولة: السعودية
المشاركات: 1,912
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

11 - أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات الشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله
الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب - الصفحة أو الرقم: 1/232
خلاصة حكم المحدث: [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]

--------------------------------------------------------------------------------

12 - أقيموا الصلاة وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ، ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان ، ومن وصل صفا وصله الله ، ومن قطع صفا قطعه الله
الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: النووي - المصدر: المجموع - الصفحة أو الرقم: 4/301
خلاصة حكم المحدث: بإسناد صحيح

__________________
ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت )
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 19-12-10, 04:32 PM
عصام الصاري عصام الصاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-10
المشاركات: 159
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

أين تعليقُك أخي أبا محمدٍ على هذين الحديثين، والمراد بالفُرجات فيهما: الفجوة بين مناكب المصلين، لا التي بين أقدامهم وأرجُلِهم، كما قد يَظن بعضٌ. والله أعلمُ.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 21-12-10, 08:07 PM
أحمد البرادعى أحمد البرادعى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-09-09
المشاركات: 243
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

السلام عليكم
الأخ عصام ......... هل تريد الإرتواء.....
عليك بهذا ....
http://www.aslein.net/showthread.php?t=4389&
واستمع الى شرح ذلك من الشيخ المقدم من الدقيقة (( 53))
http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=9035
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 04-01-11, 08:30 PM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

الأخ الكريم عصام
إلصاق المصلين جماعة القدم بالقدم وردت به آثار عن الصحابة رضي الله عنهم ذكرتَ أنت بعضها، فلا ينبغي أن يكون هذا الفعل محل إنكار، إنما ينكر على من يبالغ في هذا الأمر مبالغة تخرج به أو بجاره عن الخشوع، كما ينكر على من يصلي منفرداً مثلاً مبالغته في الإتيان بهيئات الصلاة المندوبة على حساب تحصيل الخشوع.
ولا شك أنك ذكرت شيئاً صحيحاً من هذه المبالغات، بل إننا نرى بعض إخواننا إذا وقف يصلي منفرداً باعد بين رجليه مباعدة فاحشة جداً ولا شك أن هذا كله ينافي الاعتدال المأمور به في الصلاة.

سؤالك أخي الكريم هل الإلزاق المنقول عن الصحابة يحمل على حقيقته أم على المبالغة في التسوية، جوابه أنه على الحقيقة مبالغةً في التسوية، وإلا فأين المبالغة في التسوية إذا لم يكن هناك إلصاق؟

وأما ما طلبته من أقوال أهل العلم فيكفيك ترجمة البخاري رحمه الله حيث قال: (باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه).
ويكفيك من أقوالهم لمعرفة أنه على الحقيقة مبالغةً في التسوية قول الحافظ رحمه الله: "المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله ... واستدل بحديث النعمان هذا -يريد رحمه الله رواية أبي داود- على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبي الرجل - وهو عند ملتقى الساق والقدم - وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه ، خلافا لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم).
ويكفي من هذا الحديث أن نفهم مسارعة الصحابة لامتثال أمره عليه الصلاة والسلام وأنهم سلكوا هذا المسلك لتحقيق الأمر فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم، فكيف يتأتى لنا نحن أن ننكر؟

وأصرح من هذا وأوضح من أقوالهم ما قاله الحافظ عن حديث البخاري التالي لما سبق وهو:

(عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري. وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه)

قال الحافظ: (وأخرجه الإسماعيلي من رواية معمر عن حميد بلفظ " قال أنس : فلقد رأيت أحدنا إلخ " وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته ، وزاد معمر في روايته " ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس) .

وهذا موافق لحديث قبل هذا تحت باب (إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف)، وفيه قال أنس رضي الله عنه: "أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري"

قال الحافظ: (قوله : ( وتراصوا ) بتشديد الصاد المهملة أي : تلاصقوا بغير خلل ، ويحتمل أن يكون تأكيدا لقوله " أقيموا ").

وأما ما نقلته عن التهانوي رحمه الله فغير موافق لمقصودك لأنه لم ينف احتمال كون المراد حقيقة الإلزاق، فقد نقلتَ قوله: "فإن إحداثَ الإلزاق بين تلك الأعضاءِ طريقُ تحصيل هذه التسوية"!!
لكنه حمله -والحال كذلك- على وقت إقامة الصلاة دون إبقائه في الصلاة بعد الشروع فيها، وطالب من يقول بذلك بالدليل، وفي الحقيقة فإن كلامه الأخير هو الذي يحتاج لدليل لا العكس، إلا إن كانت تسوية الصفوف مطلوبة قبل الشروع في الصلاة ولا يضير بعد ذلك أن تختلف الصفوف.

أما قوله: " وقولُ أنسٍ:" كان أحدُنا... " وقولُه:" ولقد رأيتُ أحدَنا... " يفيدُ أن الفعلَ المذكورَ كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يبقَ بعْدَه، كما صرَّح به قولُه -أي: أنسٍ- في رواية معمرٍ:" ولو فعلْتَ ذلك بأحدِهم اليومَ لنَفَر كأنه بغلٌ شموسٌ " فلو كان ذلك سُنةً مقصودةً من سُنن الصلاة لم يتركْه الصحابةُ ولم يتنفَّرْ منه أحدٌ"

فغير مسلم، إذ وصف أنس لهذا النافر كأنه بغل شموس فيه إنكار وذم وقدح لا يخفى، ثم إن هذا مما أنكره رضي الله عنه على أهل المدينة في قدمة قدمها عليهم، قال البخاري رحمه الله:
(باب إثم من لم يتم الصفوف
حدثنا معاذ بن أسد قال أخبرنا الفضل بن موسى قال أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي عن بشير بن يسار الأنصاري عن أنس بن مالك أنه قدم المدينة فقيل له ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف)
وقد ظهر لك مما سبق أن الحافظ يقول إن المراد بالتسوية وإقامة الصفوف هو الإلزاق، وهذا السؤال لم يكن من الصحابة وإنما من التابعين، فلا وجه لقول إن الصحابة تركوه، ثم إنه قد أنكر عليهم فعلهم هذا، وأخيراً يقال: إن هذا الأمر -أعني الإلزاق- لو كان سيؤدي إلى محذور كالتنافر بين المصلين أو الانشغال به عن الخشوع فإن تركه يكون متوجهاً.

أما قولك:
المعنى محمولٌ على المبالغة في تراصِّ الصفوف، وأن المرادَ أن تلتصق الأكتاف بأدنى مماسةٍ،


فكيف تحصل المبالغة في تراص الصفوف بأدنى مماسة؟
ولا أدري حقيقة لم قبلت التصاق الأكتاف ورددت التصاق الكعبين مع أنهما في سياق واحد؟ فما الدليل على هذا التفريق؟

مما سبق أخي الكريم تعلم أن دعوى متابعة النبي صلى الله عليه وسلم من بعض إخوانك الذين تنكر عليهم ما تنكر ليست دعوى مجردة عن الدليل، بل ظاهر الدليل معهم بخلاف من خالفهم وحمله على غير ظاهره، وتعلم أن لهم في فعلهم هذا سلف من لدن الصحابة مروراً ببعض أجلة أهل العلم، فلا وجه لإنكارك عليهم فضلاً عن التعريض بهم، بل إنهم لو كانوا ينكرون على من خالفهم لكان لهم في ذلك سلف من الصحابة ليس لمخالفيهم مثله.

تنبيهان:
1- قلت أخي الكريم:
والقولُ بأنه حتى لا تَدخلَ بينهم الشياطين، إذا كان بمعنى الدخول الحسي بين المتجافيين في الصف، فبعيدٌ، وإن كان بمعنى أن ابتعادَك عنه وترْكَ فجوةٍ بينكما يؤدي إلى أن يجدَ في صدره شيئاً، فهو صحيحٌ.

القول الأول ليس بعيداً أخي الكريم، بل هو الموافق لظاهر الحديث ولا مسوغ للعدول عنه، وإن كان الثاني صحيحاً أيضاً، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فو الذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الحذف".
فقسَمُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان يراهم في الصلاة من وراء ظهره رؤية حقيقية، وقوله يدخل من خلل الصف أي فرجاته، وتشبيهه الشيطان بالحَذَف وهي غنم صغار سود، كل ذلك يدل على دخول حسي، والله أعلم.

2- جاء في نقل الأخ الكريم مؤسسة ابن جبرين الخيرية:
(وقال الحافظ في الفتح: المراد بذلك المبالغة في تسوية الصفوف وتقاربها لا حقيقة الالتصاق ...)، وهذا الكلام لم أجده في كلام الحافظ وإنما وجدت ما سبق نقله.
والله أعلم.
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 05-01-11, 07:52 PM
عصام الصاري عصام الصاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-10
المشاركات: 159
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

الحمد لله على ما أولى، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد إمام الهدى. وبعدُ:
فإني شاكرٌ لك أخي أبا البراء على هذا الكلام الحسن، والرد الجميل على ما كنتُ سطرتُ في الموضوع، على أني إنما أنكرتُ ما أنكرتُ لما رأيتُ من انقلاب الأمور في الالتزام بأوامر الشرع، حيث تُرك العملُ بما أمَر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من طلب المساواة بالكتفين والأعناق، في أكثرَ من حديثٍ، وقُدِّمَ عليه العملُ بتقرير النبي- صلى الله عليه وسلم- لفعل بعض الصحابة، وهو ما جاء في حديثِ أنسٍ، رضي الله عنه، على أن الصحيحَ حملُ هذا التقرير على الجوازِ دون الندب أو السنية؛ إذ لا يَلزمُ من التقرير الندبُ أو السنية أو الوجوبُ، والمؤكَّدُ عدمُ ورودِ طلبٍ لإلزاق الكعبين يتقوى به هذا التقريرُ، ويُشعر بندبه، فإن سكوت الشارع لا يفيد إلا مجردَ الجواز، فإذا انضاف إلى ذلك دلائلُ أُخرى تدل على غرض الشارع، تعيَّن أن الأفضليةَ ما نص عليه الشارعُ. كما قال بعض العلماء.
ولذلك كان كلامُ البخاري لا يكفيني في شيءٍ أكثرَ من تقرير أصل الجواز؛ ولذلك فسَّره العلماءُ بأنه من الزيادة على المطلوب شرعاً والمبالغةُ في الاِمتثال على أصل المساواة بالأكتاف والأعناق.
وإذا كان الفعلُ محمولاً على الجواز؛ حيث لم يدلُّ على ندبه ما يُشعر بذلك، وكان كثيرٌ من السلف يَنفِرُ من إلزاق الكعبين، كما في حديث أنسٍ، فكيف لا يسَعُ أحدَنا اليومَ إنكارُ هذا الفعل كما أنكَرَه التابعون، حيث رجَّحوا التركَ على الفعل في ذلك، لما علموا من أن إلزاقَ الكعبين إنما يفيد الجوازَ.
على أن التزامَ كثيرٍ من الناس اليومَ إلزاقَ الكعبين بمن بجواره يُعدُّ من الإيذاء المرجحِ لطلب تركه، على أن بعضَهم يتأذى حساًّ بذلك زيادةً على الألم المعنوي، لألمٍ في إصبعه، ونحوِ ذلك، وقد يَكون سببُ الألم ظاهراً.
وإذا كان المقصودُ الشرعيُّ هو عدمَ ترك الفُرَج بين المصلين، فإن ذلك لا يتأتى بإلزاق الأكتاف والمحاذاة بالأعناق، فلمَ ينصرفُ الناس لأمرٍ لا يقع به هذا المقصودُ الشرعيُّ، فهو من الأمور الملهية عن الخشوع في الصلاة.
على أن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين إنما فهِموا أن ذلك أمراً زائداً على طلب الشارع المحاذاة بالأكتاف والأعناق، ولذلك ترَكوا العملَ به؛ لأنه لا يقع به المقصودُ الشرعيُّ، على ما فيه من تشاغلٍ عن جوهر الصلاة، ولو كان ذلك سُنةً ما وَسِع كثيراً من الصحابة أو التابعِين تركُها بهذا لشكل، وهو التنفُّر والتململُ من الإلزاق الحقيقي، وقد أصاب شراحُ الحديث في تفسير الإلزاق بالمحاذاة والتراصّ؛ لِما رأوا من إشكال في حمل إلزاقِ الكعب بالكعب مع إلزاق الركب والمناكب، على الحقيقة، وهو كذلك فإنه من المتعذِّر، وهي هيئةٌ مستحدَثةٌ.
ثم كيف لك أن تقولَ: إن العلاّمةُ التهانوي -رحمه الله- لم ينفِ حقيقةَ الإلزاق، وهو إنما أَثبتَها تنزُّلاً وافتراضاً في الاِستدلال والتفهيم، وانظرْ قولَه:" ولو حُمل الإلزاقُ على الحقيقة فالمرادُ منه إحداثُه وقتَ الإقامة لتسوية الصف "، وانظر قولَه:" والصحيحُ ما قلنا: إن ذلك كان للمبالغة في تسوية الصف حين الإقامة، لا بعْدَها في داخل الصلاة. فافهم ". والذي أَوقعَك في أن تفهمَ من كلام التهانوي خلافَ مراده هو اجتزاؤك لنص كلامه وعدمُ وضعك له في سياقه الصحيحِ.
أما طلبُ التهانوي الاِستدلالَ على إلزاق الكعبين في الصلاة، فهو الصحيح على ما تقتضيه قواعدُ الشرع وأصولُه، إذ لا طلب شرعيٌّ بذلك، وأمور العبادات إنما بنيت على التوقيف والنصِّ الشرعي، لا على الاِختراع والنظر إلى المصالح كما هو الحال في المعاملات، وعليه فلا يحتاج كلامُه إلى دليلٍ؛ لأن معه الأصلُ الشرعيُّ المذكورُ، بل الدليل على مخالفِه، وعليه فلا يقال له: عليك أن تُثبتَ أن الإلزاقَ غيرُ مطلوبٍ فعلُه في الصلاة، وهذا هو مقصودي فهو موافقٌ له لا مخالفٌ. والله أعلمُ.
ثم إن قول الحافظ:" المرادُ بذلك المبالغةُ في تعديل الصف وسدِّ خلله "، يعني: لا على الحقيقة والظاهر، أي: أنهم تراصَّوا في الصفوف حتى لكأنهم ألزَقوا الكعبين بالكعبين. والله أعلمُ.
وأما حديثُ بشير بن يسارٍ فليس فيه ما يدل على أن إنكارَ أنسٍ كان لعدم إلزاق الكعبين، بل قد يكون على عدم إلزاق المناكب بعضِها ببعضٍ، وهو الأقربُ؛ لتبويب البخاري له بقوله:" باب إثم من لم يتمُّ الصفوفَ " فكيف تقول: إن إلزاقَ الكعبين مما أنكَرَه على أهل المدينة بهذا الحديث وليس في الحديث ما يشيرُ إلى ذلك!!؟.
وأقول هنا: إنما أَقرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابةَ على إلزاق كعاب بعضهم ببعضٍ على سبيل الجواز، كما ذكرتُ آنفاً، ولم يُنكِرْ عليهم لعِلمه برضاهم بذلك، أما من سوى ذلك فلا يَلزَمُهم ذلك، قبيقى الحكمُ على أصل الجواز، لا يتعداه، ولا يؤخذ منه حكمٌ بالندب أو السنية؛ لما رأيتَ من كلام جمهور العلماء على عدم حمله على الحقيقة والظاهر، ولذلك ترى التابعين قد تركوا العملَ به.
أما عن سؤالك لماذا آخُذُ بإلزاق الأكتاف دون الكعبين، فقد ألمعْتُ إليه فيما سبَق، ومع ذلك أقول: إنما فرَّقتُ بين الأمرين لأنه يلزمُ من التصاق الأكتاف من سد الخلل في الصف وعدمِ ترك فرجةٍ فيه، ولو لم يكن معه إلزاقٌ للكعبين، بخلاف الاِقتصار على إلزاق الكعبين، فلا يلزمُ منه سدُّ الفُرجة في الصف؛ إذ قد تزيدُ فتحةُ رِجلَيْ أحدِهم على ما بين كتفيه، كما هو المشاهَدُ عند كثيرٍ من المتشدِّدِين في هذا الأمر، بل لا يكون سدُّ الخلل في الصف إلا بإلزاق المناكب والأكتاف.
وإنما أَنكرتُ على إخواني ما أَنكَرْتُ لأني لم أجدْ لإلزاق الكعبين والقدَمَين فائدةً بعْدَ حصول التماس بالمناكب، ولما في ذلك من الإيذاء؛ إذ قد تجدُ أحدَهم يُبعِدُ رِجْلَه عن رِجل جاره فيَتبعُه برِجْلِه، وكأنه غيرُ واقفٍ أمام ربه جل وعلا، بل لو فعَل ذلك أمام وجيهٍ من الناس لعُدَّ من سوء الأدب، فكيف برب العزة سبحانه وتعالى، وهو مما يتضايقُ منه كثيرٌ من الناس على ما شكا لي كثيرٌ منهم، كما هو حالُ التابعين في وصف أنسٍ -رضي الله عنه- لهم، أما أني عرَّضتُ بهم فلا أدري من أين أخذتَ هذا من كلامي، أما أن تتهيأ ذلك فهذا أمرٌ يرجع إليك ولا يصح لك أن تنسبَه إليَّ من غير دليلٍ عليه.
وأما تنبيهُك على أن دخولَ الشيطان بين المصلين من الدخول الحسي، فإنما أَحمِلُ معناه على قوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم "، أي: بفعل الشيطان، على أن الشيطانَ يجري من ابن آدمَ مجرى الدم، كما ورد في بعض الأحاديث، بمعنى أن التباعدَ بين المصلين سببٌ للوسوسة لهم بما يؤدي إلى أن يجدَ أحدُهم في صدره شيئاً من أخيه، وليس معناه أن أُنكِرَ أصلَ وجود الشياطينِ. والله أعلمُ.
وأما تعقيبُك على ما ذكَره مؤسسة ابن جبرين، فلا يصح؛ لأنه لم يلتزم النصَّ، بل نقَل كلامَ الحافظ بمعناه وهو معنى صحيحٌ وفهمٌ دقيقٌ، ولفظُه عند الحافظ في شرحه لتبويب البخاري لحديث أنسٍ. والجوابُ برُمته صحيحٌ لا غبارَ عليه. والله أعلمُ.
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 06-01-11, 01:19 PM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

بارك الله فيك أخي الكريم عصام، وشكر الله لك ما تفضلت به من وصف كلام محاورك، وهو أمر إن دل فإنما يدل على نبل أخلاقك ورحابة صدرك، فجزاك الله خيراً.

كلامي أخي كان لبيان أن ما يفعله هؤلاء الإخوة له أصل، وهو فعل الصحابة رضي الله عنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع إقراره لهم على ذلك، وكان لبيان ما طالبتَ به من أقوال لأهل العلم، ولم يكن لبيان حكمه وهل هو على الجواز أو الندب أو الوجوب، وكان الغرض من هذا البيان هو أن نمتنع عن إنكار أصل الفعل.
أما المبالغة الفاحشة، وأما الحالات الخاصة كمن به مرض، فأنا موافق لك، لكن هذا خارج عن الموضوع، وقد يقال مثله أيضاً في المماسة بالمنكب، لأن من الناس من قد يتأذى بأدنى مماسة لجرح أو حساسية ..إلخ، لذا أخي الكريم فإني أتمنى أن تضع هذه الأمور جانباً، وليكن كلامك عن أصل الفعل لا على ما قد يلابسه من أمور خارجة عنه.
الذي لا يمكن لي أن أفهمه ولا أن أستسيغه حقيقة، هو أن يكون هناك أمر جائز أقر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه، ثم نأتي نحن وننكره، ولو كان الأمر ليس متعلقاً بعبادة من العبادات بل بالمعاملات مثلاً وليس فيه تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان جائزاً على الأصل فليس لك أن تنكره لذاته، فكيف وهو هيئة في الصلاة أقرها النبي صلى الله عليه وسلم!
هذا غير مقبول أخي الكريم، وهو استدراك وتقدم بين يديه عليه السلام، فكيف خفي عليك ذلك؟!
أما نسبتك الإنكار للتابعين فلا أسلم به، فأقصى ما لدينا أن من الناس في زمن أنس من كانوا ينفرون كما وصفهم، وهذا قد يقع ممن لم يصله علم في المسألة، أما أن يُعلم بجواز الفعل وأنه من فعل الصحابة وإقرار النبي عليه السلام، فيبعد جداً إن لم يستحل على التابعين إنكاره!
وهب أنه حصل معاذ الله؟ فكان ماذا؟! نترك إقرار النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة لإنكار من بعدهم؟!
أقول هذا على التنزل معك أن فعل الإلزاق من الصحابة وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز فحسب، وإلا فهذا غير مسلم إذ كيف ينكر أنس ترك فعل جائز؟ بل ويصف النافر منه هذا الوصف القبيح الأشبه بالشتم والسب (بغل شموس)، هذا لا يستقيم أخي الكريم.
فالذي أميل إليه أنه سنة، لأنه عليه السلام لما أمرهم بتسوية الصفوف بادروا جميعهم إلى هذا الفعل الذي رأوا أنه يحقق أمره عليه السلام.
قال الآمدي رحمه الله: (إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، وكانوا يفعلون كذا... فهو عند الأكثرين محمول على فعل الجماعة دون بعضهم، خلافا لبعض الاصوليين.
ويدل على مذهب الأكثرين أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع، لأن فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر، ولا على غيرهم)
الأحكام للآمدي/الشاملة [2 /99]

ولا يخفى أن قول أنس والنعمان رضي الله عنهما كان أحدنا، ورأيت الرجل منا، بمعنى كنا. وحيث كان الأمر كذلك، فإن هيئة الإلزاق هذه تكون هي هيئة صلاة الصحابة في عهده صلى الله عليه وسلم التي أقرها، وهذا ما يقوي سنيتها لا مجرد جوازها.

وقال الرازي رحمه الله: (قول الصحابي كنا نفعل كذا فالظاهر أنه قصد أن يعلمنا بهذا الكلام شرعا ولن يكون كذلك إلا وقد كانوا يفعلونه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بذلك ومع أنه صلى الله عليه وسلم ما كان ينكر ذلك عليهم وهذا يقتضي كونه شرعا عاما)
المحصول للرازي/الشاملة [4 /449].

قلتَ:
اقتباس:
وإذا كان المقصودُ الشرعيُّ هو عدمَ ترك الفُرَج بين المصلين، فإن ذلك لا يتأتى بإلزاق الأكتاف والمحاذاة بالأعناق، فلمَ ينصرفُ الناس لأمرٍ لا يقع به هذا المقصودُ الشرعيُّ، فهو من الأمور الملهية عن الخشوع في الصلاة
الصحابة رضي الله عنهم وجدوه يتأتى بهذا الإلزاق، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقولك إنه من الأمور الملهية كلام خطير جداً آمل أن تعيد فيه النظر!

وقلتَ:
اقتباس:
على أن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين إنما فهِموا أن ذلك أمراً زائداً على طلب الشارع المحاذاة بالأكتاف والأعناق، ولذلك ترَكوا العملَ به؛
وهذه دعوى عريضة أخي الكريم، أما الصحابة فلا أحسب أنه يوجد حرف واحد يدل على أنهم تركوا ذلك، فإن كان لديك فبينه مشكوراً.
وأما التابعون فقول أنس رضي الله عنه وإنكاره على النافر ليس فيه دليل على أن هذا هو فعل التابعين جملة وإن كان قد يدل على فشو الأمر، وقد صح عنه قوله: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات"، فهذا لا يعني أن زمن التابعين كانوا كلهم كذلك، لكنه دليل على فشو الأمر، ولا يبعد أن يفشو ترك سنة في مجتمع التابعين، بل قد ثبت ما هو أشد من ذلك مثل تأخير الصلاة كما هو معلوم.
وأيضاً فترك الشيء غير إنكاره، وقد اتفقنا على أنه أنكر عليهم عدم إقامة الصفوف فهل ستقول إن تركهم لإقامتها إنكار لإقامتها؟ وهل تظن بهم أنهم بقوا على عدم إقامتها بعد أن أجابهم؟
أما أنا فأظن أن من سمع منهم إنكار أنس للنافر صار يبادر للإلزاق.
وأما الأئمة المتبوعون فأرجو أن تنقل لنا شيئًا من تركهم العمل به.

قلتَ:

اقتباس:
وأقول هنا: إنما أَقرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابةَ على إلزاق كعاب بعضهم ببعضٍ على سبيل الجواز، كما ذكرتُ آنفاً، ولم يُنكِرْ عليهم لعِلمه برضاهم بذلك، أما من سوى ذلك فلا يَلزَمُهم ذلك، قبيقى الحكمُ على أصل الجواز، لا يتعداه، ولا يؤخذ منه حكمٌ بالندب أو السنية؛ لما رأيتَ من كلام جمهور العلماء على عدم حمله على الحقيقة والظاهر، ولذلك ترى التابعين قد تركوا العملَ به.
ألا ترى أخي الكريم أن الكلام متناقض؟ فهذا الذي رضيه الصحابة أليس هو الإلزاق الحقيقي الذي قلتَ إنه لا يلزم غيرهم؟ فكيف لا يحمله الجمهور على الحقيقة؟ وقد تردد قولك في مشاركاتك بين حقيقة الإلزاق وعدمها أكثر من مرة، فإما هذه وإما هذه.
ثم أين كلام الجمهور الذي تشير إليه؟

على أن هذا الذي نسبته للجمهور يقابله زعم آخر:
((ذهب الجمهور إلى أنّه يستحبّ تسوية الصّفوف في صلاة الجماعة بحيث لا يتقدّم بعض المصلّين على البعض الآخر ، ويعتدل القائمون في الصّفّ على سمت واحد مع التّراصّ ، وهو تلاصق المنكب بالمنكب ، والقدم بالقدم ، والكعب بالكعب حتّى لا يكون في الصّفّ خلل ولا فرجة ، ويستحبّ للإمام أن يأمر بذلك...))
الموسوعة الفقهية الكويتية (مادة صف)/الشاملة [2 /9514]

وأنا وإن كنت لا أدري صحة نسبة هذا الكلام للجمهور إلا أن هذا هو الذي أقوله، فبالنسبة للفرج في الصف أخي الكريم فلا فرق بين أن تكون بين الأكتاف أو بين الأقدام، وسواء كانت هنا أو هناك أو في الاثنين فهي فرجة، ولو أن المصلين اعتدلوا في صلاتهم اعتدال الصحابة وكانت أقدامهم بحذاء أكتافهم، وغالبوا ما وصفته "بالأذى المعنوي" -الذي هو في ظني سبب تشنيع أنس رضي الله عنه- لالتصقت الأكتاف بالأكتاف والأقدام بالأقدام ولاستوت الصفوف ولما حصلت الفرج التي نراها في مساجدنا ولاستقامت القلوب وما اختلفت، والله أعلم.

أما قولي إنك عرَّضت بهم فهذا الذي فهمته من قولك: فأين هي دعوى اتباعِ النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاته، أخذاً بقوله:" صلوا كما رأيتموني أُصلِّي ".
فإن لم تكن عنيت ذلك، فأستغفر الله وأعتذر منك.

أما كلام التهانوي رحمه الله فلم أفهمه على غير مراده ولم أضعه في غير موضعه إن شاء الله؛ فالنص الذي نقلتَه يشعر بأنه يرجح أن هذا الإلصاق ليس على حقيقته عنده، لكنه لا يحيل أن يكون المراد هو حقيقة الإلصاق وإن كان مرجوحاً عنده، وأنا قلتُ: "لم ينف احتمال كون المراد حقيقة الإلزاق"، ولم أقل ما نسبته إلي: "لم ينفِ حقيقةَ الإلزاق"، وفرق شاسع بين العبارتين كما لا يخفى.
أما أنت فقد قلتَ قبل نقلك عنه: "لا يُعقَلُ أن تكون الكعبُ في الكعب، بمعنى التصاقِهما ببعضٍ لصوقاً حقيقياًّ" لذا قلتُ لك إن قوله: "فإن إحداثَ الإلزاق بين تلك الأعضاءِ طريقُ تحصيل هذه التسوية" مخالف لمقصودك، وعنيت بذلك قولك إنه لا يعقل، وقولك إن التسوية لا تحصل بذلك.

أما قولك:
QUOTE]أما طلبُ التهانوي الاِستدلالَ على إلزاق الكعبين في الصلاة، فهو الصحيح على ما تقتضيه قواعدُ الشرع وأصولُه، إذ لا طلب شرعيٌّ بذلك، وأمور العبادات إنما بنيت على التوقيف والنصِّ الشرعي، لا على الاِختراع والنظر إلى المصالح كما هو الحال في المعاملات، وعليه فلا يحتاج كلامُه إلى دليلٍ؛ لأن معه الأصلُ الشرعيُّ المذكورُ، بل الدليل على مخالفِه، وعليه فلا يقال له: عليك أن تُثبتَ أن الإلزاقَ غيرُ مطلوبٍ فعلُه في الصلاة، وهذا هو مقصودي فهو موافقٌ له لا مخالفٌ.[[/QUOTE]

فيبعد بنا جداً أخي الكريم عما نحن فيه وعن كلامه، فهو الآن يتكلم تنزلاً ويقول لمن يأخذ بالقول المرجوح عنده إن هذا الإلصاق الحقيقي إن ترجح عندك فهو عند الإقامة قبل الشروع في الصلاة و"لا دلالةَ في الحديث على إبقائه في الصلاة بعْدَ الشروع فيها، ومن ادَّعَى ذلك قليأتِ بحجةٍ عليه"، فهو لا يريد دليلاً على أصل الإلصاق لأن الدليل موجود بين يديه -كلام أنس وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم- وهو يحاور مخالفه حول توجيهه، فكلامك عن قواعد الشر وأصوله غريب هنا جداً!
الذي يريده هو الدليل على بقائه أثناء الصلاة، وهذا الذي أنكرتُه، لأنه إما أن تكون تسوية الصفوف مطلوبة من أول الصلاة لآخرها بحيث يتدارك أي خلل يقع أثناءها وإما لا.
فإن كان الأول فعلى القول المرجوح الذي تنزل معه يلزم الإلصاق في كل الركعات لأنه جعله طريق تحصيل التسوية والدليل واحد قبل الشروع وبعده، أما الثاني فهو الذي يحتاج لدليل يبين أن التسوية مطلوبة في أول الصلاة فحسب.

وبالنسبة لكلام الحافظ رحمه الله فأنا أستغرب جداً من صنيعك أخي الكريم، فقد أتيتك من كلامه ما يدلك على أنه يقول بالإلصاق الحقيقي وأنه المراد بتسوية الصفوف -خلافاً لما تذهب إليه- ولونت لك مواضع الشواهد من كلامه، لكنك لم تعلق على ذلك بشيء وجعلتَه من القائلين إن الإلزاق ليس على الحقيقة فقلتَ:

قول الحافظ:" المرادُ بذلك المبالغةُ في تعديل الصف وسدِّ خلله "، يعني: لا على الحقيقة والظاهر، أي: أنهم تراصَّوا في الصفوف حتى لكأنهم ألزَقوا الكعبين بالكعبين. والله أعلمُ.
وهذا من جملة ترددك في وصف حالهم؛ إلصاق حقيقي ينفر منه النافر ولا يلزم غيرهم، أم "لكأنهم"؟
وأنت أخي الكريم أخذت طرفاً من كلام الحافظ فهمت منه ما يوافق رأيك وتركت كلامه الواضح الصريح في بيان مراده حيث قال:
(قال أنس : فلقد رأيت أحدنا إلخ " وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته ، وزاد معمر في روايته " ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس)
فقول أنس رضي الله عنه "كان أحدنا يلزق ..." يبين عند الحافظ المراد بإقامة الصف وتسويته، والاحتجاج به صح لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلامه الذي قبله عن كون الكعب عند ملتقى الساق والقدم وأنه الذي يمكن إلزاقه يبين لك مراده أيضاً، فليتك تراجع ما نقلته لك عنه في المشاركة السابقة بتروٍّ.
وإنكاري على ما ذكره الأخ الكريم مؤسسة ابن جبرين كان لأنه غير موافق لقول الحافظ في المسألة، فتنبه بارك الله فيك لهذا الأمر كي لا تنسب للحافظ ما لا يقوله.

أما قولك:
اقتباس:
وأما حديثُ بشير بن يسارٍ فليس فيه ما يدل على أن إنكارَ أنسٍ كان لعدم إلزاق الكعبين، بل قد يكون على عدم إلزاق المناكب بعضِها ببعضٍ، وهو الأقربُ؛ لتبويب البخاري له بقوله:" باب إثم من لم يتمُّ الصفوفَ " فكيف تقول: إن إلزاقَ الكعبين مما أنكَرَه على أهل المدينة بهذا الحديث وليس في الحديث ما يشيرُ إلى ذلك!!؟
فأقول إن أنساً رضي الله عنه قد أنكر عليهم عدم إقامة الصفوف وقد أتيتك بكلام الحافظ الذي عد فيه قول أنس (وكان أحدنا يلزق منكبه بمكنب صاحبه وكعبه بكعبه) مبيناً للمراد بإقامة وتسوية الصفوف، فإذا أنكر عليهم رضي الله عنه عدم إقامتها فإنه يكون -على كلام الحافظ- ينكر عليهم عدم إلزاق كل منهما لا واحداً دون الآخر.
وهذا ما كنت قلتُه سابقاً:
(قال: ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف)
وقد ظهر لك مما سبق أن الحافظ يقول إن المراد بالتسوية وإقامة الصفوف هو الإلزاق.


فيكون إنكار أنس على عدم إقامة الصفوف بإلزاق المناكب والأقدام.

تنبيه:
قولك إن هذا الإلزاق ليس على حقيقته مخالف لكثير من أقوال أهل العلم من الفقهاء، فإنك كثيراً ما تجدهم في باب الوضوء يستدلون بأثر أنس رضي الله عنه على كون الكعبين هما العظمان الناتئان عن جانبي الرجل رداً على من يزعم أن الكعب في ظاهر القدم، وتكون حجتهم في ذلك أنهما اللذان يمكن أن يلزقهما الرجل مع أخيه في الصلاة بخلاف الذي في ظاهر القدم، مما يعني أنهم يحملون الإلزاق على الحقيقة.

وأخيراً
فالمسألة أخي الكريم هينة وهي تتعلق بهيئة في الصلاة ثبتت عن مجموع الصحابة وأقرها النبي صلى الله عليه سلم، فمن رأى أنها سنة وحافظ عليها فلا تثريب عليه ما لم يؤدِّ الأمر إلى بعض ما ذكر سابقاً، وإن دعا لتطبيق هذه السنة فلا تثريب عليه أيضاً.
ومن رأى جوازها فحسب فلا تثريب عليه إن تركها ولكن لا ينبغي له أن ينكرها لأن الجائز ليس من حقه أن ينكر، والإنكار إما يصح على ما يقع من تجاوز أو تنطع أو إكراه للآخرين أو تضييع للخشوع لتحصيل هذه الهيئة.

والله أعلم.
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 07-01-11, 06:42 AM
عصام الصاري عصام الصاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-10
المشاركات: 159
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

شكراً أخي أبا البراء، على هذا الحوار الذي لا أريدُ منه إلا أن أصلَ إلى عين الحقيقة، فأبدأُ من حيث انتهيتَ من قولِك:" لأن الجائز ليس من حقه أن ينكر "، وأقول: بل الذي من حقه أن يُنكَرَ هو ارتكابُ المنهيِّ، وليس تركُ إلزاق الكعبين كذلك، وليس قولُ أنسٍ:" بغلٌ شموسٌ "، بإنكارٍ، بل وصفٌ لحالِ التابعين؛ إذْ كيف يُنكِرُ على ترك سُنةٍ؛ ولذلك يقال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، لا عن المكروه أو خلاف الأولى ونحوِ ذلك.
ثم كيف يتأتى أن تحملَ فعلَ إلزاق الكعبين من الصحابة على أنه فعلُ الجميع، وترفضَ حمْلَ نفورِ التابعين منه على أنه فعلُ الجميع أيضاً، هذا محضُ تحكُّمٍ، بل هذا أبلغُ في الشمول؛ لقوله:" ولو فعلْتَ ذلك بأحدهم " !!!.
ثم إن التسويةَ بين الصفوف وإلزاقَ الكعبين ليست مطلوبةً شرعاً في أثناء الصلاة، كما جاء في تعبيرك، بل هي قبل الصلاة، وإن وجدْتَ نصاًّ بطلب المساواة والمحاذاة داخلَها فاذكرْه لي، ولك الجزاءُ الحسن من الله تعالى، ولذلك قلتُ لك: إن التهانوي قد سار على وَفق القواعد والأصول الشرعية، من أن العبادةَ لا يُشرَعُ فيها ما لم يقل دليلٌ على طلبه شرعاً، وهذا صحيحٌ لا غبارَ عليه، ولا يختلفُ فيه أحدٌ من أهل العلم فيما أرى؛ لأنه من التشاغل عن المقصودِ الذي هو الخشوع، ومن الأمور المنافية للأدب، والفقهاءُ يَعُدُّونَ تلك التسويةَ من الحركات الممتنِعة في الصلاة ؛ ومن كان له دليلٌ على مطلوبية إلزاق الكعبين داخلَ الصلاة فليأتِ به، بل هو خاصٌّ بما قبلَ الصلاة، وهذا عكسُ المشاهَد من جميع الإخوة في الصلاة،وهذا محلُّ الإنكارِ في هذا.
ثم أرجوك أخي أبا البراء، ألاَّ تخلِطَ في فهم معنى كلام التهانوي، فهم قد أَنكَرَ حمْلَ الإلزاق على الحقيقة، والذي أكَّد لي أنك لم تفهمْ كلامَ التهانوي، فهو لم يقل بالتسوية في أول الصلاة، بل عند إقامتها؛ لأن التسويةَ من متعلقات الإقامة، لا من أعمال الصلاة.
وقد خطَّأَ التهانوي حمْلَ إلزاق الكعبين على الحقيقة، ثم افتَرض أنه صحيحٌ، والاِفتراضُ يَستلزمُ عدمَ الصحة أصلاً، فكأنه قال: ولو فرَضْنا أن حمْلَ الإلزاقِ على الحقيقة... إلخ، وهو لا يعني أنه يقولُ به كما هو معلومٌ ولو على سبيل المرجوحية. فليُتنبَّهْ لفهم الألفاظ والعبارات بدقةٍ.
ثم إذا كان إنكارُكَ لكلام التهانوي حيث لم يجدْ في الحديث ما يدل على إبقاء الإلزاق في الصلاة بعْدَ الشروع فيها "لأنه إما أن تكون تسوية الصفوف مطلوبة من أول الصلاة لآخرها بحيث يتدارك أي خلل يقع أثناءها وإما لا. فإن كان الأول فعلى القول المرجوح الذي تنزل معه يلزم الإلصاق في كل الركعات لأنه جعله طريق تحصيل التسوية ".
أقول: انتبهْ إلى كلامه، فإنه لم يجعلْ الإلزاقَ على المعنى المقابلِ للصحيح، طريقاً إلى تسوية الصفوفِ داخلَ الصلاة، بل نص على أنه طريقٌ للتسوية وقتَ الإقامة فقطْ، أما داخلَ الصلاةِ فيحتاجُ إلى دليلٍ آخرَ، ولا دلالةَ في الحديث عليه، ومن ادَّعي ذلك فليأتِ بحجةٍ عليه.
ثم إن إنكارَ التهانوي ومن معه من الفقهاءِ -ومنهم الحافظُ ابنُ حجرٍ على ما يأتي بيانُه بياناً شافياً- في حملِ إلزاق الكعبين والرُكَب على حقيقته، هو إنكارٌ لأصل فعل الإلزاق على حقيقته، فكيف يقال:" إن الغرض من هذا البيان أن نمتنعَ عن إنكار أصل الفعل "، وقد أنكَرَه جمهورُ الفقهاء وشراحِ الحديث، ومنهم ابن حجرٍ، والعيني في عمدة القاري (5/259)، والقسطلاني في إرشاد الساري(2/67)، وخطاب السبكي في المنهل العذب المورود(5/53)، والسهارنفوري في بذل المجهود (4/330)، والكشميري في فيض الباري (2/236)، وابنُ عابدين في رد المحتار (1/444)، وغير ذلك من كتب العلماء، ألا يسعني ما وَسِع هؤلاءِ الجلة من الأئمة والفقهاء، وهذا يدل على أنه ليس فيه تقديمٌ على قول رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- وتقريرِه، وأنه لم يخْفَ عليَّ ما يؤدي إليه هذا الكلامُ.
ثم إن قولَ أنسٍ:" وكان أحدُنا يُلزقُ كعبَه بكعب صاحبه "، لا يفعلُه من يَحمِله على ظاهره، كما فعَل الصحابةُ في وصف أنسٍ نفسِه حسب فهمهم، بل يُلزِقون أصابعَهم وأطرافَ أقدامهم فقط، وليس ذلك عملاً بقول أنسٍ، على أن ظاهرَ قول أنسٍ فيه من المشقة ما فيه، وهي مرفوعةٌ بنصوص الشرع القطعيةِ النافية للحرج.
ثم إن هنا وقفةً مهمةً في قولِ أنسٍ في وصف حال التابعين:" ولو فعَلْتَ ذلك بأحدهم اليومَ لنَفَر... "، فيه أن أنساً قد ترَك فِعْلَ ذلك في عهد التابعين؛ لقوله:" ولو فعَلْتَ "؛ لأن "لو" حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ، أي: أنه امتنَع عن إلصاق كعبيه خشيةَ أن يَنفرَ المصلي المجاوِرُ ويُبعِدَ قدمَه، ولو اعتَقد أنسٌ أن إلزاقَ الكعبين سنةٌ مقصودةٌ بذاتها من سنن الصلاة لمَا ترَكَه مطلقاً، وأنتَ تراه قد تركَ ذلك لأجْل خشية الخوف من نفور المصلي الذي بجواره.
أو أنه تركَ ذلك لفقهه ورجاحة عقله؛ لأن في حدوث النفور بفعل حقيقة الإلزاق، الذي هو سنةٌ متممةٌ، ذهابَ خشوع المجاور وحضورِ قلبه بين يدي الله تعالى بسببٍ منه هو، وتلك إذايةٌ ظاهرةٌ، فلا يريد أن يتمسكَ بسُنةٍ يكون في التمسكِ بها إذهابٌ لخشوعهم، وقد قيل بوجوب الخشوع في الصلاة، فيكون في فعله إتيانٌ بسنةٍ ووقوعٌ في محظورٍ أو مكروهٍ، وهو فقهٌ حسنٌ لما فيه من تقديم ترك المنهي على فعل السُنة.
ثم إن قولَك بأن "المسألةَ هيِّنةٌ"، ليس في محله؛ إذ كيف يقال ذلك في أمرٍ يُؤدي إلى ذهاب خشوعِ كثيرٍ من الناس في صلواتهم، على أنه قد فُهم فهماً غيرَ صحيحٍ من قبَل كثيرٍ من المتشددين، وزِيدَ في الصلاةِ حكمٌ لم يوجدْ له أصلٌ، وتلك بدعةٌ في الدِين، وهو دعوى طلبِ الشارع فعلَ الإلزاق داخلَ الصلاة، والمشروعُ المحاذاةُ عند الإقامة قبْلَ الدخول في الصلاة فقطْ، ولو فُهمَتِ المسألةُ فهماً صحيحاً لما كان لي أن أخوضَ في الموضوعِ من أساسه؛ لأن أقوالَ العلماءِ في ذلك واضحةٌ جليةٌ.
ومن أعجب العجب أن تُنكِرَ أن تركَ إلزاق الكعبين على الحقيقة من فعل التابعين، أو أنه من ترك جملتهم، مع أن هذا ظاهرٌ ظهورَ الشمس في رابعة النهار من قول أنس:" ولو فعلْتَ ذلك بأحدهم "، المقتضي أنه لو فعَلَه بأيِّ واحدٍ من التابعين لنَفَر منه، فهو يقتضي العمومَ، وأنتَ حملْتَه على بعضِهم بقولك:" من الناس "، فلا أدري كيف ساغ لك حملُ اللفظ على غير معناه، واعتقادُك أو حسنُ ظنك بهم في أمرٍ غير ثابتٍ ليس من الفقه والرجاحة.
على أنه لو سُمح لك بحمل حدوث النفور على بعض التابعين لحُمل فعلُ الصحابة لإلزاق كعابهم ببعضٍ في قولِ أنس:" كان أحدُنا يُلزقُ كعبَه بكعب صاحبه "، على أنه من فعل بعضهم لا جميعِهم، ولو سُلِّم حملُه على البعض في الجهتين لضاعتِ الحجةُ أو ضعُفتْ كثيراً، ثم إن إلزاقَ الكعبين قد ترَكَه أنسٌ نفسُه زمنَ التابعين، كما هو ظاهرٌ أيضاً من قوله:" ولو فعَلْتَ"، ولو كان سُنةً ما كان يسوغُ له تركُها.
ثم إن من أوهى التعليلات وأضعف الحجج والبينات، ما جاء في قولك عن عدم فعل التابعين للإلزاق:" قد يقع ممن لم يصله علمٌ في المسألة "؛ إذ كيف لا يصلُ التابعيَّ علمٌ بسُنةٍ تتعلق بالصلاة والحالُ أن جميعَ الصحابة يفعلون ذلك، مع معايشتهم لهم وصلاتهم معهم، ثم لو كان الأمرُ كذلك لأخبَرَ من لا عِلمَ له من التابعين بذلك أنسٌ، أو لأخبَرَهم بقيةُ التابعين ممن له علمٌ بالمسألة، لا أدري كيف ساغ لك أن تقول هذا، فتفطَّنْ جزاك اللهُ خيراً.
أما مسألةُ كونِ الإلزاق من الأمور الُملهيةِ والشاغلة عن المقصود الأهم في الصلاة وهو الخشوع، فقد أعدتُ فيها النظرَ وسرَّحتُ فيها الفِكرَ، على أني لو وجدتُ نفسي مجانباً للصواب لرجعتُ عن ذلك ولصرَّحتُ بخطأي في هذا الملتقى، ولا أجدُ في ذلك غضاضةً، والحمدُ لله، إلا أني وجدتُ نفسي على حالٍ هي أظهرُ من ذي قبلٍ، وهو أن ترْكَ أنسٍ للإلزاق في عهد التابعين كان لما يؤدي إليه هذا الإلزاقُ من حدوث النفور المشابهِ لنفور البغل الشموس، ولا شكَّ أن النفورَ الشديدَ من المصلِّي المشابهَ لنفور البغل الشموس مما يُلهِي المصلي ويَشغَلُه عن الخشوع في الصلاة. فتنبَّهْ لذلك ودقِّقِ النظرَ.
ثم أخي أبا البراء، كيف تميلُ إلى أن الإلزاقَ سُنةٌ وأن الصحابةَ لمّا سمِعوا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- طلبَ المحاذاة وتسويةِ الصفوف بادروا إلى إلزاق كعابِهم؟!!، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرْهم بالمحاذاة بالكعبين أصلاً، ولم يأتِ ذلك عنه في أيِّ نصٍّ، بل أمرَهم بالمحاذاة بالأعناق والمناكب، فكيف تتركُ ما هو أمرٌ مباشرٌ وصريحُ، وتَذهبُ إلى تقريرٍ يحتملُ معناه أن يكون فيه الإلزاقُ حقيقياًّ ويحتملُ ألاَّ يكونَ كذلك، على أنه لو حُمل على أن المرادَ الحقيقةُ لكان معارضاً لِترك أنسٍ مع أنه سُنةٌ، ومعارضاً لفعل جميع التابعين.
وقولك:" وهب أنه حصَل -أي: تركُ إلزاق الكعبين- معاذ الله، فكان ماذا؟ " فيه اتهامٌ لجميع التابعين أو غالبيتِهم على الأقل على ما فُهم من كلام أنسٍ نفسِه في وصفِ حالهم.
وكذلك قد يقال في حديث أنسٍ: إن هذا إقرارٌ على فعلٍ وقع من الصحابةِ، ولم يوجَدْ فيه نصٌّ، ولا عمومَ في الأفعال كما يقول الأصوليون، إنما العمومُ في محل النطق، فيكون تشريعُ إلزاق الكعبين خاصاًّ بهم.

ثم كيف تقول: إنه لا فرقَ بين أن تكون الفُرجةُ بين المناكب أو بين الكعبين؟، وقد ثبَت الأولُ بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- وثبَت الآخرُ بتقريرٍ يحتملُ ويحتملُ، وقد بيَّنتُ أنه لا يَلزمُ من تلاصق الكعبين نفيُ وجود الفُرجة، بخلاف المحاذاة بالمناكب فإنه يَلزمُ منها نفيُ وجود الفُرجة، والفُرْجةُ هي: ما يسعُ ثالثاً أو بعضَه. كما هو مفهومٌ من كلام الأئمةِ، فكيف يمكن أن تكونَ فرجةٌ عند إلزاق المناكب، أما عند الإكتفاء بإلزاق الكعبين فقد يفتحُ كلٌّ منهما رِجْلَيه فتكون هناك فجوةٌ وفرجةٌ تسع لشخصٍ ثالثٍ أو بعضِه، وهذا محلُّ النهي عن إحداث الفُرَج في الصف.

أما رأيُ الحافظ ابن حجرٍ -رحمه الله- فلم أجتزِئْ منه شيئاً، وما نقلْتَه لا يفيدُ في بيان رأيه أصلاً، فضلاً عن أن يكون في بيان معنى الإلزاق، فإنه لا يَضر في فهم كلامه، والحمدُ لله، وإليكَ البيانَ، فقد افتتَح كلامَه شارحاً ترجمةَ الإمام البخاري:"( باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف )" بقوله:" المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله "، أي: أن المرادَ بإلزاق الكعبين هو المحاذاةُ بين المنكبين، كما هو نصُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في أكثر الأحاديث، ولم يردْ فيها نصٌّ بطلب الإلزاق، فوقعَتِ المبالغةُ في المحاذاة حتى وقع الإلزاقُ، وهو وإن كان لا ينافي المحاذاةَ ليس مطلوباً شرعاً لمن لم يأتِ به.
وأما قولُه:" وبهذا يتم الاِحتجاجُ به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته "، فهو بيانٌ لجهةِ الاِستدلال بالحديث على معنى إقامة الصف وتسويتِه، ولا يَلزَمُ أن يكون ذلك قولَه؛ بدليل قوله قبْلَ ذلك:" والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف "، ويؤيدُ المعنى الأولَ الذي هو اعتدال القائمين وعدمُ تقدم بعضِهم وتأخر بعضِهم حديثُ مسلمٍ:" فرأى رجُلاً بادياً صدرُه من الصف، فقال: عبادَ الله، لتُسوُّنَّ صفوفَكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم "، ويؤيد معنى الالتزاق حديثُ أنسٍ هذا، فهو هنا يقررُ أدلةَ القولين، فبهذا يتبين أن قولَه أوَّلاً من أنه مبالغةٌ هو رأيُه في المسألة، أو أنه تفسيرٌ لكلام الإمام البخاري، وبهذا لا يصح أن تقول: إني أخذتُ منه ما يوافقُ رأيي وتركتُ كلامَه الصريحَ، فليس هذا من دأبي. بل العكسُ هو الصحيحُ، والحمدُ لله رب العالمين. والآنَ أين الصريحُ من كلامه، هل كلامُه المطلَق في تفسير الإلزاق حيث قال:" المرادُ بذلك "، أو تعليقُه على الحديث بما يبيِّنُ منه وجهَ الاِستدلال به عند من يقول به، وليس هو ممن يرى ذلك. ولذلك كان ما ذكَره مؤسسة ابن جبرين صحيحاً وفي محله.
وأما حديثُ بشيرٍ فقد خلطْتَ فيه خلطاً كبيراً، ما كان يجب أن تخوضَ فيه بمثل الذي ذكرْتَ، فقولُك" وقد ظهر لك مما سبق أن الحافظ يقول إن المراد بالتسوية وإقامة الصفوف هو الإلزاق "، قد تبيَّنَ أن هذا ليس قولاً لابن حجرٍ، بل هو تقريرٌ لموضع الاِحتجاج عند من احتَجَّ به، وهو أنه كان ذلك الإلزاقُ في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ويكفي في بيان معنى الحديث أن البخاريَّ بوَّب له بقوله:" بابُ إثم من لا يتمُّ الصفوفَ "، فظهر بهذا أنه أَنكَرَ عليهم إقامةَ الصفوف، أي: تسويتَها وتقدُّمَ بعضِهم على بعضٍ، ولا يصحُّ حملُ إنكار أنس على عدم إلزاق الكعبين؛ لأنه لم يقل أحدٌ بوجوبه؛ حتى يَستلزِمَ الإثم. والله أعلمُ.
ودعواك أني بحمل الإلزاق على غير حقيقته مخالفٌ لقول أهل العلم من الفقهاء، قد يكون ذلك صحيحاً، إلا أني أحملُه على المبالغة في الاِمتثال.

تنبيهٌ مهمٌّ:
نرى اليومَ معظمَ المساجد يسوون صفوفَهم بأطراف أصابع المصلين ولا يبالون بمحاذاة الكعاب، فلا تقع المحاذاةُ في بقية الجسم، كما لا يكون محاذاةٌ بالمناكب أصلاً، وذلك راجعٌ إلى اختلاف طُول أرجلِ المصلين غالباً، وهذا عندي من الأمور المعكوسة التي يجب أن تُردَّ إلى الشرع، ولم أجدْ ما يدل على خلافه في الشرع. والله أعلمُ.
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 09-01-11, 11:53 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عصام الصاري مشاهدة المشاركة
شكراً أخي أبا البراء، على هذا الحوار الذي لا أريدُ منه إلا أن أصلَ إلى عين الحقيقة،
بارك الله فيك أخي الكريم، ووفقني وإياك للحق والصواب

كنتُ وما زلتُ أرى أن المسألة -لو وضعت في حجمها الصحيح- هينة، لذا كنتُ أود الاكتفاء بما سبق أن ذكرتُه؛ ثم بدا لي أنه قد يكون في مواصلة الكلام شيء من الفائدة إن شاء الله.

ولكن قبل أن أعلق على مشاركتك الأخيرة أرجو أن تبين لي مرادك من قولك:

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عصام الصاري مشاهدة المشاركة
ودعواك أني بحمل الإلزاق على غير حقيقته مخالفٌ لقول أهل العلم من الفقهاء، قد يكون ذلك صحيحاً، إلا أني أحملُه على المبالغة في الاِمتثال.

فماذا تقصد بحمله على المبالغة في الامتثال؟
وهل تقصد بقولك "ذلك"، أنه قد يكون صحيحاً أن الفقهاء يحملون الإلزاق على حقيقته ولست متأكداً، أم تقصد أنه قد يكون صحيحاً أنك تخالفهم بمعنى أنك تقر أنهم يحملونه على الحقيقة؟

وأرجو منك أخي الكريم أن تبين لي بوضوح يزيل ما في كلامك خلال مشاركاتك من لبس:

هل هل تقول إن الصحابة كانوا يلزقون أقدامهم على الحقيقة وإن هذا الفعل كان مبالغة منهم في امتثال الأمر بتسوية الصفوف؟
أم تقول إنهم لم يكونوا يلزقونها على الحقيقة وإن كلام أنس والنعمان رضي الله عنهما من باب المبالغة لا أكثر؟
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 09-01-11, 02:20 PM
محمد بن الحناوي محمد بن الحناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-07
المشاركات: 31
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

جزاكم الله خيرا فكم أحب أهل العلم وإن كنت لست منهم
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 09-01-11, 10:35 PM
فلاح حسن البغدادي فلاح حسن البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-10-09
المشاركات: 2,650
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق اللأرجل في الصلاة جماعةً...

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء الكناني مشاهدة المشاركة
وأخيراً
فالمسألة أخي الكريم هينة وهي تتعلق بهيئة في الصلاة ثبتت عن مجموع الصحابة وأقرها النبي صلى الله عليه سلم، فمن رأى أنها سنة وحافظ عليها فلا تثريب عليه ما لم يؤدِّ الأمر إلى بعض ما ذكر سابقاً، وإن دعا لتطبيق هذه السنة فلا تثريب عليه أيضاً.
ومن رأى جوازها فحسب فلا تثريب عليه إن تركها ولكن لا ينبغي له أن ينكرها لأن الجائز ليس من حقه أن ينكر، والإنكار إما يصح على ما يقع من تجاوز أو تنطع أو إكراه للآخرين أو تضييع للخشوع لتحصيل هذه الهيئة.

والله أعلم.
بارك الله فيك شيخنا الحبيب وزادك علماً ...وحلماً... وصبراً

ورزقنا والمسلمين رحابة صدرك
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 10-01-11, 11:53 PM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

الأخوان الكريمان محمد وفلاح
بارك الله فيكما ونفع بكما ورزقنا وإياكم والمسلمين العلم وجملنا بالحلم
بالنسبة لي فلست شيخاً ولست من أهل العلم

جزاكما الله خيراً
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 12-01-11, 03:55 PM
عصام الصاري عصام الصاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-10
المشاركات: 159
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعدُ:
فالشكر موصولٌ لك أخي أبي البراء، وللحناوي من بعدك والصدقُ معدِنُه الوفاء، وكل من شارك في الموضوع ولو بكلمةِ تشجيعٍ لأهل العلم فله التحيةُ والدعاءُ، فالعلم رحمٌ بين أهله الأصفياء النُبَلاء.
أما الجواب عن سؤالك -وأنتَ إن شاء الله كما وصفَكَ محبُّوك في الملتقى- فهو أن المسألة قضيتان، لا لَبْسَ بينهما ولا خفاءَ، الأولى: روايةُ إلزاقِ الركبتين مع الكعبين والمنكبين، فهذه التي لا يتأتى حملُها عند كثيرٍ من الفقهاء على الحقيقة؛ لاختلاف حالِ المصلين من قِصَرٍ وطُولٍ، لتعذر تلاصق الرُكَبُ معه، على أن حصولَ صورتها في الخارج مما فيه مشقةٌ بالغةٌ.
الثانية: الرواية المجرَّدةُ عن إلزاق الركبتين فهذه أحمِلُها على الحقيقة، لكنها على جهة المبالغة في امتثال أمر الشارع، ومعنى ذلك: أن إلزاقَ الكعبين زيادةٌ في سد الخلل على إلزاق المناكب، ولم يأمرْ بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويُحملُ سكوتُه -عليه الصلاة والسلام- عنها بانشغاله بما هو المقصودُ شرعاً، من استواء الصف بحيث لا يتقدمُ أحدٌ على أحدٍ، ومن سد الفُرَج بين المصلين، مما أمَر به في قوله:" حاذوا بين المناكب وسُدُّوا الخَلل "، وقد نَصَّ علماءُ الأصول على أن من شروط اعتبار السكوت تقريراً ألاّ يكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- منشغلاً ببيان حكم شرعيٍّ مستغرقاً فيه، فيرى في تلك الحال فعلاً فلا يتعرض له؛ لانشغاله عنه بتقرير أمرٍ آخرَ؛ إذ لا يمكنه أن يقرر جميع الموانع مرةً واحدةً، فتركُ التعرض لذلك الأمر لا يكون إثباتَ شرعٍ، حتى يُظنَّ أنه تقريرٌ منه، فسكوته إنما يكون تقريراً إذا لم يكن ثَمهْ للسكوت محْملاً سوى التقريرِ ورفعِ الحرج. كذا قال ابن القُشيري.
ولو سُلِّم أنه تقريرٌ فإنما يفيد كما يقول القاضي الباقلاني والإمام الجُويني، رفْعَ الحرج، وتَوقَّفَ بعضُهم في حمله على الإباحة الشرعية، وحمَلَه آخرون على الإباحة بمعنى براءة الذمة، فلا يكون إلزاق الكعبين مطلوباً شرعاً عنده، وعلى أنه محمولٌ على الإباحة الشرعية قال بعضُهم: لا عمومَ في التقرير لغير من أَقرَّه النبي -عليه السلام-؛ إذ ليس في التقرير صيغةُ عمومٍ، فيكون هذا الفعلُ خاصاًّ بالصحابة -رضي الله عنهم- وهذا ما يُفسِّرُ نفورَ التابعين منه فإنهم من خيرة الأمة، وعندي أن هذا التأويلَ فقهٌ حسنٌ لما فيه من التوفيقِ بين ما ظاهرُه التعارض بين الصحابة والتابعين كما في فهم أنسٍ -رضي الله عنه-.
وإذا كنتُ قد أجبتُك إلى مطلوبك وبيَّنتُ مقصودي من عبارتي في المشاركة السابقة، فيا ليتك تبادلني بمثل ذلك فيما كتبتُه لك فيها وفي هذه. مع شكري الجزيل على إثرائك لهذا الموضوع، فأُشهِدُ اللهَ أني لولاك ما انطلَق لساني بشيءٍ من مسائل العلم في هذا الموضوع، وَلمَا تبيَّن لكثيرٍ أن المسألة على غير ما كانوا يَفهمون. والله أعلمُ.
ملحوظةٌ: أرجو من الإخوة الكرام المشاركين في هذا الملتقى والقارئين لهذه المادّة العلمية، أعني مشاركتي في هذا الموضوع، وخاصةً طلبةَ العلم، التوجيهَ والتسديدَ في كل صدقٍ وتجرُّدٍ عن العصبيةِ، ومن غير أن تحملكم بعضُ عباراتي في معرض الاِستدلال أو نتائجُ بحثي، على تصنيفي بما لا يليقُ بأخٍ لا سابقَ معرفةٍ لكم به سوى عباراتٍ قالها في هذا الملتقى الرحْب، وإن كان هذا لا يعنيني في شيءٍ، بل ألتمسُ منكم الإجادةَ والإفادةَ، والمطَّلعُ على السرائر هو اللهُ، فهو العالمُ بمقصَدي في طلب العلم وتتبُّعي لآثارِ السلف بحسب ما يؤدي إليه الفهمُ الصحيح للكتاب والسُنة، لا بالأهواء والرغبات.
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 18-01-11, 11:49 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عصام الصاري مشاهدة المشاركة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعدُ:
فالشكر موصولٌ لك أخي أبي البراء، وللحناوي من بعدك والصدقُ معدِنُه الوفاء، وكل من شارك في الموضوع ولو بكلمةِ تشجيعٍ لأهل العلم فله التحيةُ والدعاءُ، فالعلم رحمٌ بين أهله الأصفياء النُبَلاء.
أما الجواب عن سؤالك -وأنتَ إن شاء الله كما وصفَكَ محبُّوك في الملتقى- فهو أن المسألة قضيتان، لا لَبْسَ بينهما ولا خفاءَ، الأولى: روايةُ إلزاقِ الركبتين مع الكعبين والمنكبين، فهذه التي لا يتأتى حملُها عند كثيرٍ من الفقهاء على الحقيقة؛ لاختلاف حالِ المصلين من قِصَرٍ وطُولٍ، لتعذر تلاصق الرُكَبُ معه، على أن حصولَ صورتها في الخارج مما فيه مشقةٌ بالغةٌ.
الثانية: الرواية المجرَّدةُ عن إلزاق الركبتين فهذه أحمِلُها على الحقيقة، لكنها على جهة المبالغة في امتثال أمر الشارع، ومعنى ذلك: أن إلزاقَ الكعبين زيادةٌ في سد الخلل على إلزاق المناكب، ولم يأمرْ بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويُحملُ سكوتُه -عليه الصلاة والسلام- عنها بانشغاله بما هو المقصودُ شرعاً، من استواء الصف بحيث لا يتقدمُ أحدٌ على أحدٍ، ومن سد الفُرَج بين المصلين، مما أمَر به في قوله:" حاذوا بين المناكب وسُدُّوا الخَلل "، وقد نَصَّ علماءُ الأصول على أن من شروط اعتبار السكوت تقريراً ألاّ يكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- منشغلاً ببيان حكم شرعيٍّ مستغرقاً فيه، فيرى في تلك الحال فعلاً فلا يتعرض له؛ لانشغاله عنه بتقرير أمرٍ آخرَ؛ إذ لا يمكنه أن يقرر جميع الموانع مرةً واحدةً، فتركُ التعرض لذلك الأمر لا يكون إثباتَ شرعٍ، حتى يُظنَّ أنه تقريرٌ منه، فسكوته إنما يكون تقريراً إذا لم يكن ثَمهْ للسكوت محْملاً سوى التقريرِ ورفعِ الحرج. كذا قال ابن القُشيري.
ولو سُلِّم أنه تقريرٌ فإنما يفيد كما يقول القاضي الباقلاني والإمام الجُويني، رفْعَ الحرج، وتَوقَّفَ بعضُهم في حمله على الإباحة الشرعية، وحمَلَه آخرون على الإباحة بمعنى براءة الذمة، فلا يكون إلزاق الكعبين مطلوباً شرعاً عنده، وعلى أنه محمولٌ على الإباحة الشرعية قال بعضُهم: لا عمومَ في التقرير لغير من أَقرَّه النبي -عليه السلام-؛ إذ ليس في التقرير صيغةُ عمومٍ، فيكون هذا الفعلُ خاصاًّ بالصحابة -رضي الله عنهم- وهذا ما يُفسِّرُ نفورَ التابعين منه فإنهم من خيرة الأمة، وعندي أن هذا التأويلَ فقهٌ حسنٌ لما فيه من التوفيقِ بين ما ظاهرُه التعارض بين الصحابة والتابعين كما في فهم أنسٍ -رضي الله عنه-.
وإذا كنتُ قد أجبتُك إلى مطلوبك وبيَّنتُ مقصودي من عبارتي في المشاركة السابقة، فيا ليتك تبادلني بمثل ذلك فيما كتبتُه لك فيها وفي هذه. مع شكري الجزيل على إثرائك لهذا الموضوع، فأُشهِدُ اللهَ أني لولاك ما انطلَق لساني بشيءٍ من مسائل العلم في هذا الموضوع، وَلمَا تبيَّن لكثيرٍ أن المسألة على غير ما كانوا يَفهمون. والله أعلمُ.
ملحوظةٌ: أرجو من الإخوة الكرام المشاركين في هذا الملتقى والقارئين لهذه المادّة العلمية، أعني مشاركتي في هذا الموضوع، وخاصةً طلبةَ العلم، التوجيهَ والتسديدَ في كل صدقٍ وتجرُّدٍ عن العصبيةِ، ومن غير أن تحملكم بعضُ عباراتي في معرض الاِستدلال أو نتائجُ بحثي، على تصنيفي بما لا يليقُ بأخٍ لا سابقَ معرفةٍ لكم به سوى عباراتٍ قالها في هذا الملتقى الرحْب، وإن كان هذا لا يعنيني في شيءٍ، بل ألتمسُ منكم الإجادةَ والإفادةَ، والمطَّلعُ على السرائر هو اللهُ، فهو العالمُ بمقصَدي في طلب العلم وتتبُّعي لآثارِ السلف بحسب ما يؤدي إليه الفهمُ الصحيح للكتاب والسُنة، لا بالأهواء والرغبات.
بارك الله فيك أخي الكريم عصام

خلق رفيع وأدب جم

أسأل الله عز وجل أن يبلغك بأخلاقك هذه منازل الصديقين ومجاورة سيد المرسلين -بأبي هو وأمي-

ثم إنني أعتذر إليك لتأخري في الرد على مشاركتك وذلك بسبب سفري ... فلم أطلع عليها إلا اللحظة ... وأنا الآن في بلد جديد وظروف جديدة ...

فصبراً بارك الله فيك، عسى أن أستطيع تلبية طلبك الكريم قريباً

نفعني الله وإياك وإخواننا القراء بما نكتب وجعله خالصاً لوجهه الكريم

اللهم آمين
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 21-01-11, 11:12 PM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

أخي الكريم عصام
قبل البدء في الرد على مشاركتيك الكريمتين أود التأكيد على حسن ظني بك وأنك لا تريد إلا الحق وأنك تكتب ما أداك إليه بحثك ونظرك المتجرد، وأدعو الله عز وجل أن أكون كذلك؛ على أن هذا لا يمنعني أن أبدي من الانتقادات لكلامك ما قد يوحي بخلاف حسن ظني، وهو إيحاء خاطئ، فالمراد من النقد -وإن كثر- بيان ما أراه صواباً والتعاون على البر والتقوى، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، فأرجو من الجميع أن يضع هذين الأمرين في حسبانه، والله المستعان.

فلنبدأ أخي الكريم من مشاركتك الأخيرة التي أجبت فيها على سؤالي:
"هل تقول إن الصحابة كانوا يلزقون أقدامهم على الحقيقة وإن هذا الفعل كان مبالغة منهم في امتثال الأمر بتسوية الصفوف؟"
ففرقت في جوابك بين إلصاق الكعبين فحسب وبين إلصاقهما وإلصاق الركبتين كما جاء في بعض الروايات، وأنا لن أتعرض هنا لرواية إلزاق الركبتين لأن مدار حديثنا إنما كان عن إلزاق الكعبين، وإن شئت أن أبين لك رأيي فيها أفعل إن شاء لله بعد أن ننتهي من أصل الحوار.
جوابك عن إلزاق الكعبين كان:
"الرواية المجرَّدةُ عن إلزاق الركبتين فهذه أحمِلُها على الحقيقة، لكنها على جهة المبالغة في امتثال أمر الشارع، ومعنى ذلك: أن إلزاقَ الكعبين زيادةٌ في سد الخلل على إلزاق المناكب"
أقول:
1- هذا الحمل هو الصواب إن شاء الله، لكنني أنبه هنا إلى أنه يناقض ما صرحت به في مثل قولك: "وأما ما ورد عن الصحابةِ من التصاق الأرجل والكعبين والأكتاف فمحمولٌ على المبالغة في ذلك، ... إذ لا يُعقَلُ أن تكون الكعبُ في الكعب، بمعنى التصاقِهما ببعضٍ لصوقاً حقيقياًّ"، وقد سبق أن أشرتُ إلى ما حواه كلامك من تردد حول هذا الأمر وهو ما يشكل بكل تأكيد إرباكاً لمحاورك الذي يحاول تلمس موقفك من المسألة.
2- جوابك هذا مطابق لما كنتُ قلته في مشاركتي الأولى: "أنه على الحقيقة مبالغةً في التسوية"، وذلك رداً على سؤالك في أول الموضوع: "ما المرادُ بها، هل حقيقةُ الإلزاق أو المبالغةُ في سد الفُرجة؟"
3- قولك إن إلزاق الكعبين زيادة في سد الخلل ومبالغة في امتثال أمر الشارع يطابق ما كنت قلتُه وأنكرته علي سابقاً، وانظر إلى هذا التناقض الصارخ بين قولك هذا وبين قولك –معترضاً علي فهم كلام الحافظ-: (ثم إن قول الحافظ:" المرادُ بذلك المبالغةُ في تعديل الصف وسدِّ خلله "، يعني: لا على الحقيقة والظاهر)، حيث كنتُ قد قلتُ: "ويكفيك من أقوالهم لمعرفة أنه على الحقيقة مبالغةً في التسوية قول الحافظ رحمه الله: "المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله"، فانظر كيف فسرت كلام الحافظ المشابه لكلامك على غير المعنى الذي تريده من نفس الكلام، فجعلت كلامه يعني لا على الحقيقة بينما كلامك أنت –وهو نفسه- يعني على الحقيقة!! وهذه مشكلة كبيرة جداً.
4- هذا يجرنا إلى نقطة سيأتي لها مزيد بيان إن شاء الله وهي أنني لم أفهم كلام الحافظ على غير مراده، وإنكار ذلك فيه تمادٍ في التناقض.
5- الأمر المهم والخطير هنا أن إقرارك أخيراً بأن إلزاق الصحابة كان حقيقياً ينبغي أن يردك عن الأوصاف السيئة التي وصفت بها أصل الفعل وأنه ملهٍ عن الخشوع! ويا عجباً، أيجمع الصحابة على فعل أمر مله عن الخشوع وننال نحن فضل الحفاظ على الخشوع دونهم؟

فالآن أخي الكريم ما دمنا متفقَين على كون هذا الإلزاق حقيقياً فلننظر إلى المسألة نظرة شاملة لكل جوانبها، ذلك أن الأوامر النبوية الشريفة المتعلقة بالمسألة لم تكن بلفظ واحد، وإنما بألفاظ متعددة تعطي بمجموعها معنىً متكاملاً مراداً من الشارع الحكيم، فلنستعرض شيئاً من هذه الألفاظ محاولة لمعرفة المراد.
1- لتسون صفوفكم
قال الحافظ: (المراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد ، أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف كما سيأتي).
وليس هناك تعارض بين العبارتين حتى نرجح أحدهما على الأخرى، إذ كلا المعنيين مطلوب من الأمر بالتسوية، ولا شك أن المعنى الأول هو الموافق للفظ الحديث، بينما الثاني أمر زائد يستفاد من دليل آخر، وحيث إن المطلوب من تسوية الصفوف هو مجموع ما جاء في المسألة، وحيث إن هذا الأمر استقر في الأذهان لتكرره خمس مرات في اليوم، فإن الأمر بالتسوية منفرداً صار مفهماً طلب الإتيان بمجموع المأمور به.
2- أقيموا الصفوف
قال الحافظ: (أي : عدلوا ، يقال أقام العود إذا عدله وسواه) .
وهذا والله أعلم كسابقه.
3- أقيموا صفوفكم وتراصوا
قال الحافظ: (وتراصوا، بتشديد الصاد المهملة أي : تلاصقوا بغير خلل ، ويحتمل أن يكون تأكيدا لقوله " أقيموا " والمراد " بأقيموا " سووا).
والصواب -والله أعلم- هو المعنى الأول الذي قواه الحافظ، وذلك لأنه الموافق للفظ الحديث ولأن فيه زيادة في المعنى بخلاف التوكيد، وزيادة المعنى أولى.
وهذا اللفظ أخي الكريم واضح الدلالة في أن هذا الفعل المطلوب فيه مشاركة بين المصلي ومن بجواره، والالتصاق والتراص لا يتأتى أن نحمله على جزء دون آخر من الجسم، ولا يستقيم لتحقيقه أن نقول: "بأدنى تماس" كما ذكرتَ مرة.
4- أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان
أما محاذاة المناكب فالذي أفهمه أن تكون على سوية واحدة ولا يخفى أن هذا لا يتأتى إلا عند تساوي الأطوال فالمراد هو محاذاة المصلين ووقوفهم على سوية واحدة بحيث لا يتقدم أحد على أحد، ومحاذاة المناكب إن أمكن هو سبيل ووسيلة لذلك، ومحاذاة الأعناق مثله.
أما سد الخلل فهو المراد من التراص، والمراد منه عدم ترك فرجات بين المصلين يمر منها الشيطان لما لهذا المرور من أثر، حيث يوقع الاختلاف بين قلوب المصلين؛ وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الشياطين التي تمر بين المصلين وصفاً حسياً وشبهها بالحَذَف، مما يدل على أنها تمر مروراً حقيقياً بين الفرجات، والحذف غنم صغار سود كما سبق، وهي بالتأكيد لن تمر طائرة بين مناكب المصلين لكنها تسير على الأرض وتمر من الفرجات بين المصلين "عند أرجلهم"، فيكون عدم ترك فرجة بين أرجل المصلين تكفي لمرور مثل هذه الأغنام مطلوباً بهذا الحديث.
ولا يعترض على هذا بأنه يلزم أن يلصق المصلي رجلي نفسه كي لا تمر الشياطين لأنه صلى الله عليه وسلم قيد هذا المرور بصفوف الصلاة بين المصلي وصاحبه.
وأما قولك: "والفُرْجةُ هي: ما يسعُ ثالثاً أو بعضَه. كما هو مفهومٌ من كلام الأئمةِ ... وهذا محلُّ النهي عن إحداث الفُرَج في الصف"
فلا أدري ما مستنده، وقصر الفرجة المنهي عن إحداثها على ما ذكرت، بعيد جداً عن دلالات النصوص، لأن مثل هذه الفرجة فاحشة جداً، وقول "بعضه" لا ضابط له إن كان يراد ما يماثل بعضه، أما إن كان على الحقيقة فلا أتصور كيف يقف رجل في الصلاة وبعضه فقط في الصف.
على أن التراص المطلوب وعدم ترك فرجة تمر منها الحذف لا يعني بالضرورة إلصاق الكعب بالكعب، لإمكان منعها من المرور بما هو أقل من هذا الإلزاق، لكنه لا ينافيه فهو أمر مسكوت عنه، ولو فُعل – مع بقية الأمور- فإنه يؤدي إلى التراص المطلوب بلا ريب.
فالآن نخلص مما سبق أن أمر النبي صلى الله عيه وسلم هو بتسوية الصفوف واعتدالها على سوية واحدة بحيث لا يتقدم بعض المصلين على بعض ولو بصدر بادٍ، وبالتراص فيما بين المصلين أي بالتصاقهم ببعضهم ما أمكنهم ذلك، التصاقاً لا يترك بين المصلين فرجاً تكفي لمرور الحذف.
هذا الأمر النبوي تكرر كثيراً على سمع الصحابة حتى وعوا مراد النبي صلى الله عليه وسلم وصار ديدنهم المحافظة على الإتيان به، لذا صارت هيئة صلاتهم ثابتة واضحة ماثلة للعيان، لا يتخلف منهم أحد عن الإتيان بها، وإن تخلف نُبِّه على ذلك، يدلك على ذلك قول أنس والنعمان رضي الله عنهما: "كان أحدنا"، "فلقد رأيت الرجل منا"، أي أن هذا كان ديدنهم على الدوام، ولو أنهما قالا مثلاً: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحدنا أو فلقد رأيت الرجل منا، لما صح أن أقول ذلك لأن هذا قد يكون في هذه الصلاة بعينها لضيق المكان مثلاً.
وها هنا ملمح آخر كنتُ قد أشرت إليه في إحدى المشاركات وهو أن فعل الصحابة رضي الله عنهم هذا كان مؤدى ما فهموه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف، لأن عبارتي أنس والنعمان رضي الله عنهما قد أتيتا في سياق لا ينبغي أن نغفل عنه.
قال الحافظ: "قال النعمان بن بشير: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه فقال : أقيموا صفوفكم ثلاثا ، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم .
قال : فلقد رأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه "
وفي صحيح البخاري قال أنس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه".
أي أنهم بادروا لامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بما رأوه محققاً للأمر بتسوية الصفوف.
وأنت أخي الكريم لو تأملت في هذه الهيئة التي ذكرتها لك آنفاً؛ وقوف باعتدال دون تفريج الرجلين تفريجاً زائداً بل بمحاذاة المنكبين، ثم التصاق المصلين بعضهم ببعض قدر المستطاع بالمناكب والكعاب، لرأيت الصف مستوياً؛ لا يتقدم أحد على أحد، متراصاً؛ لا فرجات فيه؛ محققاً لمجموع ما جاء في المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما إلزاق المناكب فقط أو الأقدام فقط فلا يحقق كل ذلك، بل قد يحقق بعضه دون بعض.

أما بالنسبة لرأي الحافظ رحمه الله فأنا أختلف معك تماماً، ولا أحسب أنك أصبت مراده من كلامه البتة.
نقطة البداية هي معرفة رأي الحافظ في الإلزاق المذكور في كلام أنس والنعمان رضي الله عنهما، وقد سبق لك قول إنه ينكر أن يكون إلزاق الكعبين على الحقيقة ولم تأت على هذه الدعوى بدليل، بينما دعواي أنه يحمله على الحقيقة وقد أتيتك بكلامه في هذه النقطة من المشاركة الأولى وأعيدها هنا للفائدة:
قال: (واستدل بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبي الرجل - وهو عند ملتقى الساق والقدم - وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه ، خلافا لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم ، وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم وأثبته بعضهم في مسألة الحج لا الوضوء ، وأنكر الأصمعي قول من زعم أن الكعب في ظهر القدم).
فهل هذا كلام من لا يحمله على الحقيقة؟
وأنت قد وافقتني مؤخراً على كون كثير من أهل العلم حملوا الإلزاق على الحقيقة وذلك باستدلالهم بأثر أنس رضي الله عنه على كون الكعب هو هذا، فلماذا تستثني الحافظ من هؤلاء العلماء وصنيعه كصنيعهم؟
أرجو ألا تقول إن هذا ليس قوله بل هو يأتي بدليل من استدل به، لأن هذا ليس مسلكاً سليماً في فهم كلام العلماء، إذ لو كان ينكر ذلك أو يقول بخلافه لاعترض عليه وبين الصواب الذي يعتقده، فأنت بزعمك أنه ينكر كونه على الحقيقة تقوِّله ما لم يقل.
وإليك فصل الخطاب في هذه النقطة، قال رحمه الله في (باب مسح الرأس كله): (والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم ، وحكى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك ، وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله ، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون من الرد على من زعم ذلك، ومن أوضح الأدلة فيه حديث النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصف في الصلاة "فرأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه").
وتنبه لقوله "صفة الصف في الصلاة" مع جزمه بصحة الحديث، يظهر لك خطأ ما ذهبتَ إليه، وصحة ما ذهبتُ إليه من كونه يحمله على الحقيقة.

اقتباس:
فقد افتتَح كلامَه شارحاً ترجمةَ الإمام البخاري:"( باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف )" بقوله:" المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله "، أي: أن المرادَ بإلزاق الكعبين هو المحاذاةُ بين المنكبين، كما هو نصُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في أكثر الأحاديث، ولم يردْ فيها نصٌّ بطلب الإلزاق، فوقعَتِ المبالغةُ في المحاذاة حتى وقع الإلزاقُ، وهو وإن كان لا ينافي المحاذاةَ ليس مطلوباً شرعاً لمن لم يأتِ به.
ها أنت تفسر كلامه بوقوع المبالغة حتى وقع الإلزاق أي أنه قائل بالإلزاق الحقيقي، فتنبه لما يتكرر في كلامك من تناقض، بارك الله فيك.

اقتباس:
وأما قولُه:" وبهذا يتم الاِحتجاجُ به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته "، فهو بيانٌ لجهةِ الاِستدلال بالحديث على معنى إقامة الصف وتسويتِه، ولا يَلزَمُ أن يكون ذلك قولَه؛ بدليل قوله قبْلَ ذلك:" والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف "، ويؤيدُ المعنى الأولَ الذي هو اعتدال القائمين وعدمُ تقدم بعضِهم وتأخر بعضِهم حديثُ مسلمٍ:" فرأى رجُلاً بادياً صدرُه من الصف، فقال: عبادَ الله، لتُسوُّنَّ صفوفَكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم "، ويؤيد معنى الالتزاق حديثُ أنسٍ هذا، فهو هنا يقررُ أدلةَ القولين، فبهذا يتبين أن قولَه أوَّلاً من أنه مبالغةٌ هو رأيُه في المسألة
بينتُ آنفاً أن لا تعارض بين المعنيين وأن كليهما مطلوب من الأمر بالتسوية، وقولك "ولا يلزم أن يكون ذلك قوله" ضعيف، ولو سلمنا فإنه يكون والحالة كذلك محتمل، فأي الاحتمالين أرجح؟
إن عادة الحافظ إذا أتى بقول لا يوافق عليه أن يبين ما فيه ويضعفه، فهل فعل هنا شيئاً من ذلك؟
إليك كلامه كاملاً مرة أخرى:
عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري. وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه
قوله : ( عن أنس
رواه سعيد بن منصور عن هشيم فصرح فيه بتحديث أنس لحميد وفيه الزيادة التي في آخره وهي قوله " وكان أحدنا إلخ " وصرح بأنها من قول أنس . وأخرجه الإسماعيلي من رواية معمر عن حميد بلفظ " قال أنس : فلقد رأيت أحدنا إلخ " وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته ، وزاد معمر في روايته " ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس "

فأين اعتراضه على هذا الاحتجاج، وهو قد جزم بأن هذا التصريح أفاد ما أفاد؟
ثم هل تعرف ما فاتك هنا؟ فاتك أن أول ما يعنيه الحافظ أن أنساً رضي الله عنه بين أن هذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم محتجاً بذلك على فعل الإلزاق، أي أن أنساً قال ما قال ليحتج به، وعد ثانية مشكوراً لكلام الآمدي، قال رحمه الله: (إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا... الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض الاحتجاج).
ثم أين ذا التعارض المتوهم في كلام الحافظ بين تعديل الصف بقيام المصلين على سمت واحد وبين سد الخلل وهو –كما سبق- قد فسر به الأمر بالتراص، أين التعارض حتى تجعل كلامه عرضاً لقولين يرجح بينهما؟
وأما أن هذا الفعل من المبالغة في التسوية فلا أنازعك في ذلك، ولكن هذا لا يعني أنه ينكر أو يعترض على هذه المبالغة.
والذي يحسم كل هذا هو قوله السابق: "حديث النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصف في الصلاة " فرأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه".
فهل سترجع عن قولك الآن؟ أرجو ذلك.

نخلص مما سبق أن الحافظ رحمه الله يقول إن إلزاق الصحابة إلزاق حقيقي، وهو لا يفرق بين إلزاق المناكب وإلزاق الكعبين، كما أن الصحابة لم يفرقوا، ويقول إنهم فعلوه مبالغة في امتثال الأمر بتسوية الصفوف، وإن قيامهم بهذا الفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل فعلهم حجة في معرفة المراد بإقامة الصفوف وتسويتها، وهو ألا يتقدم أحد على أحد في الصف وألا يترك المصلين بينهم فرجاً، وهذا متحقق بإلزاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، والله أعلم.

اقتباس:
فأبدأُ من حيث انتهيتَ من قولِك:" لأن الجائز ليس من حقه أن ينكر "، وأقول: بل الذي من حقه أن يُنكَرَ هو ارتكابُ المنهيِّ، وليس تركُ إلزاق الكعبين كذلك، وليس قولُ أنسٍ:" بغلٌ شموسٌ "، بإنكارٍ، بل وصفٌ لحالِ التابعين؛ إذْ كيف يُنكِرُ على ترك سُنةٍ؛ ولذلك يقال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، لا عن المكروه أو خلاف الأولى ونحوِ ذلك.
أقول:
1- كلامي كان عمن يقول بجواز الإلصاق -وأنت منهم- فهل يصح الإنكار على فعل الجائز؟ لم تجبني. والصواب أنه لا يصح أن ينكر أحد فعل أمر يراه هو جائزاً.
2- أما السنة فإنه يمكن الإنكار على تركها، وهذا الإنكار لا يعني أن التارك يأثم بتركه لإتيانه بمنكر، ولا أدري وجه اعتراضك على هذا الأمر؛ وبين يديك في كلام الحافظ رحمه الله حول مسألتنا ما يفيد، قال رحمه الله: "قوله : ( باب إثم من لم يتم الصفوف )
قال ابن رشيد : ... وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة ... (قال الحافظ:) وأما قول ابن بطال : إن تسوية الصفوف لما كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها المدح عليها دل على أن تاركها يستحق الذم ، فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثما ... وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن
وقال تعليقاً على قول ابن حزم: ما كان عمر وبلال يضربان أحدا على ترك غير الواجب (قال:) فيه نظر ، لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة
فتح الباري لابن حجر [3 /75]

تنبيه: رد الحافظ بعض كلام ابن رشيد وابن بطال كما رد كلام ابن حزم رحم الله الجميع، لكن هذا الرد ليس لما نحن بصدده من الإنكار على ترك السنة من عدمه، فهو لم ينكر إمكان وقوع الإنكار على ترك السنة.

أما قولك إن كلمة أنس رضي الله عنه –بغل شموس- ليست إنكاراً وأنها من باب الوصف فحسب، فمن العجائب، إذ بم استحق النافر هذا الوصف القبيح من أنس رضي الله عنه لو لم يكن ينكر عليه فعله؟

اقتباس:
ثم كيف يتأتى أن تحملَ فعلَ إلزاق الكعبين من الصحابة على أنه فعلُ الجميع، وترفضَ حمْلَ نفورِ التابعين منه على أنه فعلُ الجميع أيضاً، هذا محضُ تحكُّمٍ، بل هذا أبلغُ في الشمول؛ لقوله:"ولوفعلْتَ ذلك بأحدهم!!!
اقتباس:
ومن أعجب العجب أن تُنكِرَ أن تركَ إلزاق الكعبين على الحقيقة من فعل التابعين، أو أنه من ترك جملتهم، مع أن هذا ظاهرٌ ظهورَ الشمس في رابعة النهار من قول أنس:" ولو فعلْتَ ذلك بأحدهم "، المقتضي أنه لو فعَلَه بأيِّ واحدٍ من التابعين لنَفَر منه، فهو يقتضي العمومَ، وأنتَ حملْتَه على بعضِهم بقولك:" من الناس "، فلا أدري كيف ساغ لك حملُ اللفظ على غير معناه
1- أما أن الإلزاق كان من فعل جميع الصحابة فقد سبق كلام الآمدي الذي لم تعلق عليه، فأعيده هنا للأهمية
قال الآمدي رحمه الله: (إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، وكانوا يفعلون كذا... فهو عند الأكثرين محمول على فعل الجماعة دون بعضهم، خلافا لبعض الاصوليين.
ويدل على مذهب الأكثرين أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع، لأن فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر، ولا على غيرهم)
الأحكام للآمدي/الشاملة [2 /99]
2- وأما قولك "أبلغ في الشمول" فلا يصح بحال، ذلك أن قول الصحابي "كنا" أو "كان الرجل منا" وما أشبه واضح في الدلالة على إرادة الصحابة، وأما قول أنس للتابعي: "ولو فعلتَ ذلك بأحدهم اليوم"، فالفرق بينه وبين الأول أمور:
أولها أنه يحصر هذا النفور في هذا الزمن الذي قيلت فيه الكلمة، ومعلوم أن أنساً رضي الله عنه كان من أواخر من مات من الصحابة فيكون قد لقيه صغار التابعين في آخر عمره كما لقيه كبارهم، ونحن لا ندري متى قال كلمته هذه فيحتمل أنها قيلت في زمن صغار التابعين ولا سبيل البتة لإثبات أن هذا النفور وقع في طبقات التابعين كلها.
الثاني أن أنساً رضي الله عنه لم يلقَ كل التابعين الذين كانوا منتشرين على مساحات واسعة في الأمصار ولا يصح حمل كلمته على من لم يلقه منهم، هذا من البدهيات.
الثالث أنه لا يمكن حمل كلمته على كل من لقيهم في زمن كلمته هذه لأنه من شبه المستحيل أن يكون رضي الله عنه قد صلى إلى جوارهم جميعاً ليحكم عليهم جميعاً لكن كلمته تدل على فشو الأمر.
الرابع أنه ليس كل من كان في زمن التابعين يكون تابعياً، بل التابعي هو من صحب الصحابي، أو هو من لقيه وإن لم يصحبه، على الخلاف في المسألة، وكلما تقدم الزمان ومات من الصحابة من مات صار التابعون قلة في أهل زمانهم وهذا موافق لقولي "من الناس في زمن أنس من كانوا ينفرون".
الخامس أن قوله "بأحدهم" لا يعني بالضرورة كل من صلى إلى جوارهم في هذا الزمن لأنه يحتمل: "بأحد هؤلاء الذين لا يلزقون أقدامهم"، وهذا شبيه بما نسمعه من الإخوة الذين يتمسكون بهذا الفعل في زماننا حيث يستعيرون عبارة أنس رضي الله عنه في وصف حال المصلين اليوم وهذا لا يعني أنهم يعنونهم جميعاً لأنهم هم أنفسهم ليسوا داخلين في مرادهم، كما أنه يوجد في المصلين من لا ينفر من هذا الفعل وإن لم يحرص عليه.
وبما سبق يعرف مدى المبالغة في قولك: "ظاهر ظهور الشمس ...إلخ"!! ويعلم الفرق الشاسع بين قول الصحابي "كنا" وعبارة أنس رضي الله عنه، ويعلم أنني لم أحمل اللفظ على غير معناه إن شاء الله.


اقتباس:
ثم إن إلزاقَ الكعبين قد ترَكَه أنسٌ نفسُه زمنَ التابعين، كما هو ظاهرٌ أيضاً من قوله:" ولو فعَلْتَ"
الجزم بترك أنس رضي الله عنه لا يصح، لأنه رضي الله عنه يوجه كلامه للتابعي، ولا يلزم منه أن يكون هو من يعاني من هذا النافر، لاحتمال أن يكون أصحابه قد أخذوا عنه الإلزاق فلن ينفروا منه بطبيعة الحال.

اقتباس:
ثم إن من أوهى التعليلات وأضعف الحجج والبينات، ما جاء في قولك عن عدم فعل التابعين للإلزاق:" قد يقع ممن لم يصله علمٌ في المسألة "؛ إذ كيف لا يصلُ التابعيَّ علمٌ بسُنةٍ تتعلق بالصلاة والحالُ أن جميعَ الصحابة يفعلون ذلك، مع معايشتهم لهم وصلاتهم معهم، ثم لو كان الأمرُ كذلك لأخبَرَ من لا عِلمَ له من التابعين بذلك أنسٌ، أو لأخبَرَهم بقيةُ التابعين ممن له علمٌ بالمسألة، لا أدري كيف ساغ لك أن تقول هذا، فتفطَّنْ جزاك اللهُ خيراً.
بداية لاأسلم لك إنزال كلامي على كل التابعين لما سبق بيانه، ثم إن قولي يا أخي من باب إحسان الظن، وإلا فقد سبق أن أشرت في مشاركة سابقة إلى وقوع ما هو أعظم مخالفة من ذلك، فهما كان الجواب هنا فهو هناك كذلك، وإليك كلام الحافظ رحمه الله في شرحه لحديث إنكار أنس رضي الله عنه عدم إقامة الصفوف، قال:
(تنبيه ) :
هذه القدمة لأنس غير القدمة التي تقدم ذكرها في " باب وقت العصر " ، فإن ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول وقت العصر كما مضى ، وهذا الإنكار أيضا غير الإنكار الذي تقدم ذكره في " باب تضييع الصلاة عن وقتها " حيث قال " لا أعرف شيئا مما كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا الصلاة وقد ضيعت " فإن ذاك كان بالشام وهذا بالمدينة ، وهذا يدل على أن أهل المدينة كانوا في ذلك الزمان أمثل من غيرهم في التمسك بالسنن .
فتح الباري لابن حجر [3 /76]


اقتباس:
ثم إن التسويةَ بين الصفوف وإلزاقَ الكعبين ليست مطلوبةً شرعاً في أثناء الصلاة، كما جاء في تعبيرك، بل هي قبل الصلاة، وإن وجدْتَ نصاًّ بطلب المساواة والمحاذاة داخلَها فاذكرْه لي، ولك الجزاءُ الحسن من الله تعالى
أخي الكريم
بداية لا بد من التفرقة بين التسوية المطلوبة بالنص، وبين إلزاق الكعبين الذي جاء من الصحابة مبالغة في التسوية والامتثال لهذا النص، فأنا لا أجعلهما على سوية واحدة، وأنا إذا قلتُ وأعدت القول إن مسألة الإلزاق هينة فإنني لا أقول ذلك عن أصل التسوية، فاعوجاج الصفوف وعدم إقامتها وتسويتها ليس بالأمر الهين.
ثم ما هي الصفوف المأمور بتسويتها؟ وما هي الصفوف المتوعد على عدم تسويتها باختلاف القلوب؟ هل هي صفوف المصلين داخل الصلاة أم خارجها؟ أنا والله لم أكن أتصور أن يأتي أحد بمثل هذا الذي تقوله، لأنه يلزم من قولك أن المصلين إن سووا صفوفهم قبل الإحرام ثم أحرموا مع حصول خلل وعدم تسوية في الصلاة فإنهم يكونون قد أتوا بالمطلوب شرعاً من الأمر بالتسوية، فأي عجب هذا!
أما النص الذي تطلبه فإن كل النصوص الآمرة بتسوية الصفوف هي هذا النص الذي تطلبه، لأنه من المعلوم بداهة أن الصف المطلوب تسويته في كل الأحاديث هو صف الصلاة، وإلا فما معنى أن يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتسوية ويقول: "فإني أراكم من وراء ظهري"؟
قال الحافظ: " قوله : ( فإني أراكم) فيه إشارة إلى سبب الأمر بذلك أي : إنما أمرت بذلك ؛ لأني تحققت منكم خلافه" فهل هذا في الصلاة أم خارجها؟!!
ولكن مع ذلك سوف آتيك بنص فيه لفظ (في الصلاة) وهو ليس بعيداً عن يدك!
فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "... وأقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة"
صحيح البخاري/الشاملة [3 /149]

اقتباس:
لم تفهمْ كلامَ التهانوي، فهو لم يقل بالتسوية في أول الصلاة، بل عند إقامتها؛ لأن التسويةَ من متعلقات الإقامة، لا من أعمال الصلاة
فائدة:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عصام الصاري مشاهدة المشاركة
هذه عبادةٌ طُلب فيها محاذاةُ الكعبين في الركعة الأولى فقطْ،... وقد نصَّ الفقيه التهانوي في كتابه "إعلاء السنن" على أنه لا دليلَ على طلب المحاذاة بالكعبين في القرآن ولا في السُنة في غير الركعة الأولى.
لاتعليق!!

اقتباس:
ثم إن إنكارَ ... ومن معه من الفقهاءِ -ومنهم الحافظُ ابنُ حجرٍ على ما يأتي بيانُه بياناً شافياً- في حملِ إلزاق الكعبين والرُكَب على حقيقته... وقد أنكَرَه جمهورُ الفقهاء وشراحِ الحديث، ومنهم ابن حجرٍ، والعيني في عمدة القاري (5/259)، والقسطلاني في إرشاد الساري(2/67)،
بداية فإن كلامنا عن إلزاق الكعبين لا الركب، ثم إن واحداً ممن ذكرتهم أعلاه –عليهم رحمة الله- لم ينكره، أما الحافظ فقد بينت ذلك من كلامه، وأما العيني والقسطلاني فكلامهما الذي وقفت عليه لا يخرج عما قاله الحافظ، فإن فاتني الإنكار في كلامهم فأرجو أن تأتينا بكلامهم الصريح في الإنكار مع التوثيق، وكذا ليتك توثق ما أنكرته عليك سابقاً وهو قولك:
على أن السلف من الصحابة ... والأئمة المتبوعين ... ترَكوا العملَ به؛


اقتباس:
وخطاب السبكي في المنهل العذب المورود(5/53)، والسهارنفوري في بذل المجهود (4/330)، والكشميري في فيض الباري (2/236)، وابنُ عابدين في رد المحتار (1/444)، وغير ذلك من كتب العلماء، ألا يسعني ما وَسِع هؤلاءِ الجلة من الأئمة والفقهاء، وهذا يدل على أنه ليس فيه تقديمٌ على قول رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- وتقريرِه، وأنه لم يخْفَ عليَّ ما يؤدي إليه هذا الكلامُ.
أدعو الله عز وجل أن ينير بصيرتي وبصيرتك ويجنبنا مواقع الزلل، أما بالنسبة لي فلا يسعك أن تنكر فعلاً فعله صحابي واحد واشتهر عنه ولم ينكره عليه أحد من الصحابة، فكيف بفعل أجمع الصحابة على فعله، فكيف بفعل أجمعوا على فعله وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه؟!
ثم... لئن اجتمع أهل الأرض جميعاً بعد ذلك على إنكاره فلا قيمة لإنكارهم جميعاً عندي، ومن أنكره من أهل العلم فألتمس له المعاذير وأدعو الله له بالمغفرة ... كلمة ألقى الله عز وجل بها، بل هي من أرجى ما ألقاه به!
ثم أخي الكريم أين كلامك هذا من كلامك في غير هذا الموضوع: كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر؟!
صورة المسألة هكذا:
فعل أجمع عليه الصحابة وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه، يقابله إنكار ذا الفعل من جلة من الأئمة والفقهاء -على التسليم بذلك-؛ فإلى أي جانب يميل الإنسان؟ وما هو عذرك عند الله عز وجل إن سألك يوم القيامة لم تركت تقرير رسولي، بل لم أنكرت ما أقره؟
قال فلان وقال فلان؟!!! إنا لله وإنا إليه راجعون.
أبمثل هذا ينجو المرء يوم القيامة؟
أخي الكريم
لا يؤمن المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وإني والله لك ناصح أمين، وإنني والله مشفق عليك ... فهلا أعدت النظر مرات ومرات؟
فإنه إن لم يكن هذا هو عين التقدم بين يدي رسول الله فما هو؟!!!!!!

اقتباس:
على أن ظاهرَ قول أنسٍ فيه من المشقة ما فيه، وهي مرفوعةٌ بنصوص الشرع القطعيةِ النافية للحرج
ليست كل مشقة مرفوعة، بل إن كثيراً من التكاليف لا يخفى ما فيها من المشقة كالصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك، لكنها مشقة محتملة فهذه غير مرفوعة، وإلصاق الكعبين والكتفين من هذا النوع.


اقتباس:
ثم إن قولَك بأن "المسألةَ هيِّنةٌ"، ليس في محله؛ إذ كيف يقال ذلك في أمرٍ يُؤدي إلى ذهاب خشوعِ كثيرٍ من الناس في صلواتهم
الذي يؤدي إلى ذهاب الخشوع هو مطاردة المصلي لرجل جاره، وغير ذلك من الأمور التي أنكرها معك، كالمبالغة في فتح الرجلين، أما أصل الإلزاق –إلزاق المنكبين والكعبين مع الاعتدال في التفريج بين الرِّجلين- فليس مذهباً للخشوع، وإنني أقسم لك أنني إذا قدر لي أن أصلي بجوار من هذه حاله يأتيني من الخشوع وطمأنينة القلب ما الله به عليم، ولا أقول هذا تزكية للنفس والعياذ بالله، ولكن من ذاق عرف.

اقتباس:
ثم أخي أبا البراء، كيف تميلُ إلى أن الإلزاقَ سُنةٌ وأن الصحابةَ لمّا سمِعوا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- طلبَ المحاذاة وتسويةِ الصفوف بادروا إلى إلزاق كعابِهم؟!!، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرْهم بالمحاذاة بالكعبين أصلاً، ولم يأتِ ذلك عنه في أيِّ نصٍّ، بل أمرَهم بالمحاذاة بالأعناق والمناكب، فكيف تتركُ ما هو أمرٌ مباشرٌ وصريحُ، وتَذهبُ إلى تقريرٍ يحتملُ معناه أن يكون فيه الإلزاقُ حقيقياًّ ويحتملُ ألاَّ يكونَ كذلك، على أنه لو حُمل على أن المرادَ الحقيقةُ لكان معارضاً لِترك أنسٍ مع أنه سُنةٌ، ومعارضاً لفعل جميع التابعين.
أخي الكريم
سبق الجواب عن هذا؛ إلزاق المناكب والكعاب هو الاستجابة العملية لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف، ولو كان لا يحقق مراده لبين لهم، أو كان فيه محذور لبين لهم كذلك؛ وفعلهم هذا هيئة من هيئات الصلاة يراها كل واحد منهم ظاهرة، قال ابن بطال رحمه الله: "... وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه »، هذه الأحاديث تفسر قوله عليه السلام: « تراصوا فى الصف » ، وهذه هيئة التراص" شرح ابن بطال [3 /427]، وسبق قول الحافظ: "حديث النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصف في الصلاة".
فالذي يجعلها سنة؛ أنها هيئة في الصلاة عمل الصحابة جميعاً بها وأقرهم عليه الصلاة والسلام عليها، ولو كان الأمر خارجاً عن كونها هيئة في الصلاة قاموا بها لتحقيق أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لربما احتمل الأمر الجواز فحسب.
ثم أنا لم أترك الأمر المباشر والصريح –غفر الله لك- وقد قلتُ سابقاً:
"ولو أن المصلين اعتدلوا في صلاتهم اعتدال الصحابة ... لالتصقت الأكتاف بالأكتاف والأقدام بالأقدام ولاستوت الصفوف ولما حصلت الفرج التي نراها في مساجدنا ولاستقامت القلوب وما اختلفت، والله أعلم".
وأما الإلزاق فهو على الحقيقة بلا ريب، وكل من قال غير ذلك فقوله خطأ محض، فكلام أنس والنعمان لا يحتمل سوى الحقيقة، ولا دليل على أن جميع التابعين تركوه، ولو وجد الدليل على ذلك فقد فعله من هو خير منهم، ولا دليل على ترك أنس له كما سبق، ولو صح أنه تركه فقد وجهتَ تركه توجيهاً حسناً، وقد سبق لي أن قلتُ قبل توجيهك هذا:
"وأخيراً يقال: إن هذا الأمر -أعني الإلزاق- لو كان سيؤدي إلى محذور كالتنافر بين المصلين أو الانشغال به عن الخشوع فإن تركه يكون متوجهاً".

اقتباس:
وقولك:" وهب أنه حصَل -أي: تركُ إلزاق الكعبين- معاذ الله، فكان ماذا؟ " فيه اتهامٌ لجميع التابعين أو غالبيتِهم على الأقل على ما فُهم من كلام أنسٍ نفسِه في وصفِ حالهم.
أما هذه "-أي: تركُ إلزاق الكعبين-" فمن عندك، وليست هي المرة الأولى التي تنسب لي فيها ما لم أقل، فتنبه بارك الله فيك، أما أنا فقد قلت: "أما نسبتك الإنكار للتابعين فلا أسلم به... وهب أنه حصل معاذ الله؟ فكان ماذا؟! نترك إقرار النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة لإنكار من بعدهم؟!"

فالكلام عن الإنكار لا الترك، وعلى الحالين فلا أدري عن أي اتهام تتحدث!


اقتباس:
الثانية: الرواية المجرَّدةُ عن إلزاق الركبتين فهذه أحمِلُها على الحقيقة، لكنها على جهة المبالغة في امتثال أمر الشارع، ومعنى ذلك: أن إلزاقَ الكعبين زيادةٌ في سد الخلل على إلزاق المناكب، ولم يأمرْ بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويُحملُ سكوتُه -عليه الصلاة والسلام- عنها بانشغاله بما هو المقصودُ شرعاً، من استواء الصف بحيث لا يتقدمُ أحدٌ على أحدٍ، ومن سد الفُرَج بين المصلين، مما أمَر به في قوله:" حاذوا بين المناكب وسُدُّوا الخَلل "، وقد نَصَّ علماءُ الأصول على أن من شروط اعتبار السكوت تقريراً ألاّ يكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- منشغلاً ببيان حكم شرعيٍّ مستغرقاً فيه، فيرى في تلك الحال فعلاً فلا يتعرض له؛ لانشغاله عنه بتقرير أمرٍ آخرَ؛ إذ لا يمكنه أن يقرر جميع الموانع مرةً واحدةً، فتركُ التعرض لذلك الأمر لا يكون إثباتَ شرعٍ، حتى يُظنَّ أنه تقريرٌ منه، فسكوته إنما يكون تقريراً إذا لم يكن ثَمهْ للسكوت محْملاً سوى التقريرِ ورفعِ الحرج. كذا قال ابن القُشيري.
يا أخي الكريم
إن فعل الصحابة الذي نحن بصدده لم يحدث مرة واحدة فريدة بل كان هو ديدنهم، وهم فعلوه لظنهم أنه يحقق استواء الصفوف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عليه السلام عندما يأمرهم بتسوية الصفوف لا يكون مشغولاً بأمر آخر لأن حركتهم إنما هي لتحقيق مراده، فالحركة هذه ليست شيئاً آخر بل على العكس ملاحظة تحركهم هو بعينه الذي يشغله هنا عليه الصلاة والسلام، وإن كنت في شك من ذلك فأخبرني عن الشيء الذي يشغله صلى الله عليه وسم ساعة أمرهم بالاستواء.
ولا أدري حقيقة كيف تقيس الأمور؟
فليست المسألة أن نأتي بكلام لأهل العلم، بل المطلوب أن يكون كلامهم متنزلاً على ما نحن فيه!

[QUOTE][وكذلك قد يقال في حديث أنسٍ: إن هذا إقرارٌ على فعلٍ وقع من الصحابةِ، ولم يوجَدْ فيه نصٌّ، ولا عمومَ في الأفعال كما يقول الأصوليون، إنما العمومُ في محل النطق، فيكون تشريعُ إلزاق الكعبين خاصاًّ بهم./QUOTE]

أخي الكريم
هذا الذي قاله الأصوليون قالوه في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة له بما نحن فيه، وهو فعل مجموع الصحابة فعلاً في الصلاة ومداومتهم عليه بمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره.

اقتباس:
ولو سُلِّم أنه تقريرٌ فإنما يفيد كما يقول القاضي الباقلاني والإمام الجُويني، رفْعَ الحرج، وتَوقَّفَ بعضُهم في حمله على الإباحة الشرعية، وحمَلَه آخرون على الإباحة بمعنى براءة الذمة، فلا يكون إلزاق الكعبين مطلوباً شرعاً عنده، وعلى أنه محمولٌ على الإباحة الشرعية قال بعضُهم: لا عمومَ في التقرير لغير من أَقرَّه النبي -عليه السلام-؛ إذ ليس في التقرير صيغةُ عمومٍ، فيكون هذا الفعلُ خاصاًّ بالصحابة -رضي الله عنهم-
أخي الكريم
هذا الذي ذكرته إنما يتعلق بالتقرير للواحد ونحن هنا في حالة مختلفة تماماً لأن التقرير كان لمجموع الصحابة، ولم يكن مرة واحدة، وفي هذا قال الزركشي رحمه الله: "قال ابن السمعاني : إذا قال الصحابي : كانوا يفعلون كذا ، وأضافه إلى عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان مما لا يخفى مثله حمل على الإقرار ، ويكون شرعا لنا.]" البحر المحيط [5 /187.

والذي له أوثق تعلق بما نحن فيه هو ما نقلته لك عن الآمدي والرازي، وأعيد هنا كلام الرازي حيث قال: (قول الصحابي كنا نفعل كذا فالظاهر أنه قصد أن يعلمنا بهذا الكلام شرعا ولن يكون كذلك إلا وقد كانوا يفعلونه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بذلك ومع أنه صلى الله عليه وسلم ما كان ينكر ذلك عليهم وهذا يقتضي كونه شرعا عاما)
المحصول للرازي/الشاملة [4 /449].

* كل الإحالات تعتمد على برنامج الشاملة
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 22-01-11, 02:34 AM
العجيل العجيل غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-11-05
المشاركات: 195
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

جزى الله خيرا الشيخ الأستاذ عصام على هذا السبك الذي يدل على عمق في الأصول والمقاصد.
__________________
اللهم صل على رسول الله وآله وصحبه وسلم.
mhammadaojil@yahoo.com
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 23-01-11, 05:07 PM
الفهمَ الصحيحَ الفهمَ الصحيحَ غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-04
المشاركات: 2,644
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

وفق الله الجميع ونفع بهم.


قال الإمام الشاطبي: إن تحكيم الرجال، من غير التفاتٍ إلى كونِهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعا = ضلال. وإن الحجة القاطعة والحَكَم الأعلى، هو الشرع لا غير.

وقال الأستاذ البوشيخي: ( .. لا بدّ من الفهم الصحيح لهذه النصوص – الوحي وما استنبط منه – ثم التقويم الصحيح للقسم البشري منها، ثم التوظيف الصحيح بعدُ في حركة الاستئناف التاريخي ).

وهنا أوامر نبوية شريفة تأمر: بإقامة الصفوف .. وبتسوية الصفوف ... وسد الخلل ... والنهي عن ترك فرجات للشيطان ... والمحاذاة بالمناكب .. والتراصّ ...

فكان التطبيق من قوم رضي الله عنهم ورضوا عنه ... يصفه شاهد عيان كريم رضي الله عنه بقوله: وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه ... وقال صحابي فاضل آخر: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه ...

أعقب ذلك وختمه بختام المسك شهادة نبينا الحبيب وأسوتنا وقدوتنا - صلى الله عليه وآله وسلم - تقر صحة هذا التطبيق، فقال الصاحب الكريم: ... حتى رأَى أَنَّا قَد عَقَلْنَا عنه ....

فكانت الألفة والأخوة الإيمانية، واجتماع الكلمة تحوط هذا المجتمع الفريد.

ثم أخبر المخبر الصادق رضي الله عنه أن هذا قد تغير ... ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس ... وهذا المخبر الأمين هو الذي أخبرنا عن حبيبنا الكريم - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ... إنها السنن الربانية لا تحابي أحدًا ... والأمر في ذلك كله نسبي ...

ثم اجتهد كرام أفاضل في زماننا وقبله في الأخذ بالدين العتيق ... فكان .... وكان ...
__________________
[ بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ]
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 23-01-11, 05:22 PM
فلاح حسن البغدادي فلاح حسن البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-10-09
المشاركات: 2,650
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الفهمَ الصحيحَ;[COLOR=darkred
[/COLOR]

ثم أخبر المخبر الصادق رضي الله عنه أن هذا قد تغير ... ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس ... وهذا المخبر الأمين هو الذي أخبرنا عن حبيبنا الكريم - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ... إنها السنن الربانية لا تحابي أحدًا ... والأمر في ذلك كله نسبي ...

ثم اجتهد كرام أفاضل في زماننا وقبله في الأخذ بالدين العتيق ... فكان .... وكان ...
بارك الله فيكم

اللهم وفقنا لاتباع المهاجرين والأنصار بإحسان
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 24-01-11, 07:50 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

الشيخ الفاضل الفهم الصحيح

مروركم الكريم هنا -بغض النظر عن موقفكم من المسألة- سرني أيما سرور ...
وأنا المعجب بقلمكم وعلمكم وفضلكم من سنين ... بصمت!

وخير وصف لما كتبتم وما كتبتُ ... ما قل وكفى خير مما كثر وألهى

جزاكم الله خيراً ونفع بكم

محبكم
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 14-05-11, 06:34 AM
ابن العنبر ابن العنبر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-04-07
المشاركات: 382
افتراضي رد: هل هناك أدلةٌ شرعيةٌ تأمرُ بإلزاق الأرجل في الصلاة جماعة

حقيقة هذه مسألة مهمة
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ليلةٌ , اللأرجل , الصلاة , بأمرٍ , بإلزاق , جماعةً , شرعيةٌ , هناك

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:39 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.