ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 21-07-11, 02:03 AM
أبوخالد أبوخالد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-07-09
المشاركات: 999
افتراضي أضواء على شخصية والدي الشيخ القاضي علي بن قاسم ال طارش الفيفي (كتبها ابنه عبدالله)

تمهيد
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :
هذه ليست سيرة وإنما هي أضواء باهته أسلطها على بعض جوانب حياة والدي فضيلة الشيخ القاضي /علي بن قاسم الفيفي حفظه الله، مما سمعته وعايشته، فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل الإلمام بجميع جوانب سيرته، فذلك شيء أقصر وأعجز عن بلوغه، ولكن وكما قيل (مالا يدرك كله لا يترك جله ) أحببت أن أدلي ببعض ما علق بذاكرتي من أحداث ومعلومات، توضح بعض جوانب هذه الشخصية، التي كان لها دور عظيم وموثر في مجتمعها وعصرها، اجزل الله له الأجر والمثوبة على ما قدم وجعل ذلك في ميزان حسناته .

نسبه كما أورده بنفسه:

علي بن قاسم بن سلمان بن جابر بن جبران بن ساتر بن احمد بن طارش ـ وهو جد العائلة ـ بن احمد بن شريف ـ وهو جد أهل ذراع منفة ـ بن احمد بن حسن بن احمد بن شريف بن خساف ـ وهو جد قبيلة آل خساف ـ بن المودحي ـ وهو جد قبيلتي آل خساف وآل داثر ـ بن مغامر ـ وهو جد قبائل آل مغامرـ الست ـ بن عبيد ـ وهو الجد الجامع لقبائل آل عبيد التسع، ويلاحظ وجود سقط في سلسلة النسب حوالي عشرين جداً تتخلل ما بين المودحي ومغامر ، وما بين مغامر وعبيد لان عبيداً هذا عاصر الرسول صلى الله عليه وسلم ،وإذا أعطينا كل قرن ثلاثة أجداد أتضح السقط ، وعبيد هو ابن سعد الجامع لقبائل فيفاء وبني مالك وبني حريص وقيس ، وربما غيرها وهو ابن الليث بن عبيد بن مالك بن زيد بن أسامة بن ارطأة بن شرحبيل بن حجر بن الربيعة بن سعد بن خولان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة ، ومخلاف خولان يمتد من أطراف صعدة شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً ، ومن مخلاف همدان جنوباً إلى مخلاف جنب شمالاً ، ولم تزل محتفظة بحدودها هذه من العصر الجاهلي إلى اليوم وقد نزحت منها عشائر وانضمت إليها عشائر .
أمه : سلامة بنت سالم بن اسعد بن يزيد بن سليمان بن متعب بن احمد بن شريف بن احمد بن حسن بن احمد بن شريف بن خساف بن مودحي .

مولده ونشأته :

ولد في بيت الرثيد في ذراع منفة في الجهة الشرقية من الجبل الاعلى بفيفاء
، بعد ولدين لم يعيشا هما (اسعد وجابر) وذلك في عام 1348هـ تقريباً وان كان المسجل في هويته انه من مواليد عام 1350هـ لعدم الاهتمام آنذاك بتسجيل تواريخ الولادة وإنما يعرف تاريخ ما يراد تاريخه بربطه بالحوادث المهمة التي تقع ،فيذكر انه ولد في سنة الجراد، وسنة الجراد هذه كانت في عام 1348هـ، وما يرجح انه ولد في هذا العام أنهم كانوا قد أطلقوا عليه اسم جراد، فالشايع عند اختيار الأسماء ربطها بالأحداث المصاحبة لوقت حدوثها، فتجدهم يسمون من الأسماء (جراد وماطر ووجعان ومطرة وشمسة وذرحة وليلى ووشيلة وهليلة) وغيرها من الأسماء التي تربط بحال اللحظة أو الحدث وما توافق مع ساعة الولادة من أحداث، فعارض في تسميته بهذا الاسم والده(جدي) لعدم استساغته لهذا الاسم ،ولرغبته في أن يكون اسمه عليا، على اسم شيخ شمل فيفاء حينها علي بن يحي (رحمه الله)، لمحبته له وتيمناً بشخصيته واعتزازاً باسمه ، فنشأ في هذه الأسرة التي كما سبق وذكرنا أنها فقدت من قبله ولدين، فكان وحيدهما ، ولهذا السبب ولكون والديه قد كانا آخر أسرتيهما،ولما للولد من شأن عظيم في ذلك الزمن، لذلك فقد أحباه وأولياه عناية خاصة حيث نشآه في دلال نوع ما ، ونقول نوع ما! لظروف الحياة الصعبة في ذلك الوقت ، فليس هناك ما يساعد على التدليل، فالحياة كانت صعبة ومليئة بالجوع والفاقة والأمراض واختلال الأمن، وكلها تقف حائلاً دون التدليل المعروف، ولكنه لقي عناية خاصة مميزة،فهما يحوطانه بالكثير منها ويخافان عليه من أي عارض يصيبه، ولو قدرا لصدا عنه حتى هبة الهواء ضناً به أن يصيبه مكروه، ولولا انه ولد لهما بعده مجموعة من الأولاد، مما خفف عنهما بعض ما يجدان ، ومع ذلك فقد كبر وله في نفسيهما مكانة خاصة ،فكانا لا يكلفانه بعمل شاق مما يقوم به عادة أمثاله ومن هم في سنه ،للأسباب السابقة، إضافة إلى ضعف بنيته وكثرة تعرضه للأمراض، لذلك فهو لم يعمل مع والده في الزرع والحرث، وان كان قد قام بالرعي البسيط برغبة منه دون تكليف أو طلب ،وحيث أن والده مزارع فقد كان يقوم بكل الأعمال، ولا يطلب من أبنائه شيئاً من ذلك إلا إذا قاموا به من ذات أنفسهم ، ومما يذكره والدي انه في فترة من الفترات تكاسل عن مواصلة الدراسة وأبدى رغبة في تركها، فلم يجادله جدي في قراره ذلك لمعرفته انه إذا صمم على شيء يستحيل إقناعه بخلافه، ولكنه بادره بإحضار فرسة(مسحاة) صغيرة وناوله إياها قائلاً: مادام هذا قرارك في ترك الدراسة ولا يوجد الآن ما يعطلك عن مساعدتي فأرغب إليك أن تنزل معي إلى المزرعة.
فيقول: عملت معه ذلك اليوم ويوم أو يومين بعده في عمل شاق لم أتعود عليه فراجعت نفسي وعدت إلى كتبي ودراستي .
فهذا أسلوب راق من اساليب التربية الحديثة كان يتقنها جدي رحمه الله فما مدى تقييمه لذلك فيما بعد انظر لما ذكره عنه في مرثيته له رحمه الله اذا يقول :
لم انس والله العظيم **أسلوبك الراقي القويم
وكل شيء في الصميم **في الجد أو في اللعب
إن ارتضيت وجهتي**أطلقت لي حريتي
أو باللتيا والتي**حلت عن التنكب
غذيت جسمي بالحلال**والروح من طيب الخصال
وحطتني في كل حال**بحكمة المؤدب
ذكاؤك الفطري عجب**وطبعك الزاكي غلب
ورأيك الهادي ذهب**لو قسته بالذهب
تنظر للأمر الخطير**نظرة نقّاد بصير
ودونما أي هدير**تدلي برأي طيب
فاخترت لي درب الهدى **والوقت يحكي الاسودا
ولم تطع مفندا**من قاصر الرأي غبي
وما دروا من نصحوا**ومن قلوا وكشحوا
وبهتوا وافتضحوا**عند بلوغ الأرب
ظنوك لا تحبني**وما دروا بالشجن
في القلب إذ ودعتني**ودمعك المنسكب
لكنه الحب الذي **في قلب حر أحوذي
ينظر كل منفذ**حال الرضى والغضب
فالحب ليس عاطفة**أو مقتضى ملاطفة
يبنى على المجازفة**من دونما تحسب
حب وعقل جمعا**فيك لكي تتبعا
أرضى الأمور الأنفعا**مقتفياً للاصوب
مهدت للعلم الطريق **وردت من دون رفيق
في بلدي النائي السحيق**محتملاً للثلب
..........................

ميزاته الشخصية:

كان ذا شخصية متميزة ،فهو حاد الذكاء ،قوي الشخصية والإرادة، إذا عزم على شيء لا يتركه حتى ينجزه فهو لا يشغل نفسه بكثرة التفكير في العواقب بل يسرع في عمل ما أنقدح في ذهنه بدون تقاعس أو تخاذل وإذا بدت صعوبة فلا يستسلم ، بل يحاول ويحاول حتى يصل إلى ما عزم عليه،بل ويفرض شخصيته القوية على من حوله فهو مؤثر،وقائد قوي يتوقع ممن حوله أن يسايروه في بلوغ ما وصل إليه هو، مادامت الفرص التي اتيحت له متاحة لهم، دون أن يأخذ في الاعتبار الفوارق الفردية.
كان يتعلم الشيء بسرعة ويتقنه ويطبقه دون خوف أو تردد أو تفكير في العواقب ،ولو كانت فيه خطورة ،وقد يكون لحماس الشباب الخالي من النظرة المتعقلة دور في كثير من ذلك،إلا أن رغبته الأكيدة في تغيير الواقع إلى الأفضل كان يبرر له المجازفة خصوصاً إذا كانت الحاجة قائمة وملحة ، وقد نال الكثير من النجاح في مقابل بعض الإخفاق ،ولكن كان قصده والمحرك له كما يتضح هو حسن القصد ونبل الهدف،مما جعله يغفل عن كثير من العواقب في بعض الحالات، ولتوضيح بعض مما ذكرنا نورد مثالين هما:
الأول : انه في تلك الأيام لا تتوفر علاجات طبية، إلا ما توارثه الناس من بعض الوصفات العشبية البسيطة، أو الكي أو الحجامة وتجبير الكسور، وبعض المعالجات البدائية التي قد يكون ضررها اكبر من نفعها، ولكن لا حيلة أمامهم غيرها
إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا فما حيلة المضطر إلا ركوبها
فالبيئة بدائية يكتنفها الثالوث المدمر (الفقر والمرض والجهل)، فلا يخلو بيت من مريض أو أكثر، لا حيلة لأهله إلا تمريضه وانتظار احد أمرين: شفائه من ذات نفسه وتغلبه على علته دون تدخل خارجي إلا من الله سبحانه وتعالى ،وإما الموت ، وقد كانت جدتي رحمها الله تمارس بعض هذه التطبيبات البسيطة اجتهادا منها واضطراراً ، فكان والدي بحكم وعيه ،بما وصل إليه من مستوى علمي، ولأسفاره وإطلاعه واختلاطه بالآخرين، يتحرق لما يرى في مجتمعه من حالات مرضيه، يقفون عاجزين أمامها ،ولا يتوفر لديهم شيء لمعالجة أو تخفيف بعض هذه الحالات التي قد تتفاقم حينما لا يوجد ما يضادها من علاجات وأدوية، فكان لاهتمامه واشتغال فكره بما يرى ،حافز ليجدّ في البحث عن ما يساعد به المحتاجين،إلى أن فتحت صيدلية في مدينة جيزان ففرح بها أشد الفرح ، ووجد فيها ضالته ،فكان يشتري منها بعض الأدوية ، كالمضادات الحيوية والمسكنات والضمادات والمطهرات وخلاف ذلك، مما يراه مناسبا ، وبعد استعمالها وإلمامه بشيء من خواصها وتعليمات استخدامها وفوائدها ،طمح لما هو أكثر فائدة حيث رأى أن الحقن قد تكون أكثر ايجابية وأسرع فائدة، فسعى إلى إقناع الصيدلي بعد أن نمت بينهما علاقة صداقة إلى تعليمه كيفية استخدامها، وما أسرع ما أتقن مبادىء ذلك ،من التعقيم والحقن وخلافه،فتعقيمها كان يتطلب مجهوداً كبيراً،حيث يقوم بغليها في الماء للتتعقم ،وقد اشترى من الصيدلية بعض المضادات الحيوية ، فكان يقوم باستخدامها على نطاق ضيق حسب الحاجة وذلك في نطاق الأسرة حيث كان أهله هم حقل تجاربه الأول ،وقد نالني من ذلك نصيب وافر ،وان لم أكن أدري لصغر سني، ولكن عندما وجدت في وركي تحت الجلد حبة صغيرة متجمدة ،و سألت أمي عنها عرفت أنها كانت إحدى تطبيباته في ذلك الزمان .
لقد كان يجتهد ويعالج بما جلبه لمن يحتاج إلى ذلك من أهله وجيرانه ومعارفه لقيام الحاجة وعدم توفر البديل ،وكان ذلك منه خدمة عظيمة قدمها للكثير من أفراد مجتمعه بشجاعة متناهية لا يخالطها تردد أو وجل ،وان كان غير ملم ببعض مكونات هذه الأدوية، وما قد تسببه أو بعضها من آثار جانبيه أو تحسسات خطيرة ،إلى أن عالج في إحدى المرات جاره (علي بن فرح) رحمه الله، فأعطاه حقنة ولم يكن يدري أن لديه حساسية منها ، مما كاد أن يفضي به إلى الموت، فقد دخل في تشنجات قوية ثم غيبوبة، بلغ بها درجة اليأس من حياته ،ولكن الله سلم،وتزامنت هذه الحادثة مع حادثة أخرى مماثلة حيث توفي زميل له عزيز عليه ابن لأمير فيفاء يدعى عبد الله مبارك الدوسري بسبب حقنة بنسلين وكانت عنده حساسية فمات بسببها ، حينئذ أتضح له مدى الخطورة الكامنة فيما يقوم به، دون علم تام لديه وتأهيل كامل، فترك كل ذلك دون رجعة إلا من المضادات البسيطة كالحبوب والشراب وغير ذلك من الأدوية التي تستعمل بالبلع أو على الجلد.
والمثال الثاني الختان : حيث كان المتوارث أن الناس لا يختنون أبناءهم إلا إذا كبروا وبلغوا سن الرجولة ،بل إن بعضهم يتجاوز ذلك ، لأنهم يعتبرون الختان فرصة لإظهار الشجاعة والرجولة والجلد، فينتظر بأحدهم إلى أن يبلغ سنا تساعده على تحمل ذلك، ويجري الختان في يوم مشهود يعلن عنه في الأسواق والتجمعات بوقت طويل ليشهر ويحضره الناس ويسمى (يوم شاهر) وفيه يبرز المختون أمام الناس ممن حضروا لإجراء هذه العملية، ويعاب عليه أي تلكؤ أو إظهار شيء من الاضطراب أو الخوف ، لأنه إن ظهر عليه شيء من ذلك فستبقى وصمة عار لا تفارقه مدى حياته، وتتوارثها ذريته من بعده ،ولن يغفر له مهما أبدى بعدها من صنوف الشجاعة والبطولة ،فكان الوالد بحكم منصبه كقاض، ولوعيه بتغير المفاهيم ،وضرورة تجاوز الكثير من السلبيات، ومنها هذا الموروث الثقيل البشع ، سعى إلي تخفيف أو إلغاء هذه العادة وهذه الاحتفالات السيئة التي يمجها العقل ولا تتقبلها العقول المتحضرة، وان كان لدى الكثير من الناس القناعة بذلك، ولكن كيف الوسيلة للتغيير؟ فكانت خطبه وكلامه ومواعظه الكثيرة تصب في معالجة ذلك ،ولكنها لا توجد القناعة التامة والسريعة في التغيير ،ولا تجدي نفعاً لرسوخ هذا الموروث وتجذره في النفوس ، والناس بحاجة لوجود القدوة وخرق العادة المستحكمة، وبالعمل المطبق أمامهم ليقتدوا به بعد المقارنة بين الجديد وما هم عليه .
لذلك سعى بنفسه ليكون هو القدوة لهم، ولعدم توفر الوسائل المعينة له حينها ،فلا يوجد أطباء كما أوضحنا سابقاً ولا مستشفيات قريبة تقوم بذلك ،لأجل ذلك سعى بنفسه إلى تعلّم كيفية إجراء هذه العملية ، وذلك عن طريق مناقشة المشهورين المتمرسين في إجرائها، فلما أحس من نفسه القدرة ،قام بتنفيذ ماعزم عليه وابتدأ في ذلك بمن هو مسؤول عنه ، فقد بدأ بي شخصياً أنا ولده الكبير، وأنا حينها دون العاشرة ،وولد عمي حسن بن مفرح وهو في مثل سني، فكانت عملية ناجحة ،ومسلكاً موثراً اقتدى به واتبعه فيه الكثير من العقلاء وعلية القوم ،فتسابق الناس على تنفيذه مع أولادهم حتى أصبح مألوفاً، وانتهت تلك العادة السيئة واضمحلت ،وقد استمر والدي في ممارسة عملية الختان لأولاده، إلى أن كاد يفقد ولده احمد بسببها، حيث ختنه وهو في الشهور الأولى من عمره،فنزف كثيراً ولا وسيلة متوفرة لإيقاف هذا النزيف إلى أن شارف على الموت ولكن الله سلم .
لذلك ترك الوالد إجراء مثل هذه العملية،وكان دائما يكرر القول المشهور عن جماعتنا أهل الذراع (أنهم يفرمون ولا يتعلمون ) أي أنك مهما علمت احدهم وحذرته من خطورة ما يقدم عليه فلن يستجيب حتى يعاين الخطر بنفسه فحينها يقتنع ويترك ممارسة ذلك العمل .
ذكاؤه :
كان يتمتع بدرجة عالية من الذكاء ،ويظهر ذلك في تحصيله العلمي في فترة وجيزة ،ونتاجه الفكري ،وفي عمله الوظيفي وفي حياته العامة والخاصة ،فكل ذلك يعود بعد توفيق الله سبحانه وتعالى إلى الدرجة العالية من الذكاء الذي منحه الله (عز وجل) إياه ،وكان في شبابه يبرز الكثير من قدراته في هذا المجال ،وكان يظهر فيما يمارسه من ألعاب كانت تعتمد في معظمها على الذكاء ،والتي كان يميل إليها أكثر من غيرها، حتى أن بعض الأقران الذين لا يعرفونه كما ينبغي ،ولم يستوعبوا سر هذه الألعاب التي يقوم بها،كانوا يرمونه بالسحر لما يرونه من أدائه الذي يبهرهم ، فلما بلغ شيخه فضيلة الشيخ/ حافظ بن أحمد الحكمي (رحمه الله) شيئا من ذلك نبهه إلى خطورته، فقد استدعاه ذات مرة وطلب منه أن يوضح له هذه الألعاب، فلما شرحها له، قال: أعرف أن هذا ذكاء منك ولكن الآخرين قد لا يفقهون ذلك، لذا فقد يرمونك بما رموك به ويشيعونه بين الناس ، فإذا سرت الفرية بين الناس فلن تستطيع بعدها ان تتخلص منها وتمنع الناس من الحديث عنها ورميك بها مهما حاولت على حد قول الشاعر :
قد قيل ما قيل إن صدقاً وان كذباً فما اعتذارك من قول إذا قيل
فأرى أن تمتنع عن مثل هذه الألعاب، أو مع نهاية كل لعبة قبل انصراف الحاضرين تشرح لهم الكيفية التي نفذتها به حتى يزول عنهم أي لبس فلا يشاع عنك ما ليس فيك ،وكان ذكاؤه معيناً له في كل أموره الحياتية العلمية والعملية والاجتماعية ، وقد سخره فيما فيه الخير لنفسه ومجتمعه ــ ولله الحمد ــ.
كان يستوعب دروسه ويتفوق فيها ، حتى فاق أقرانه في الكثير منها، وكان متفوقا في علم الفرائض،وهو علم تقسيم التركات الذي يقوم على العمليات الحسابية في أكثره،وقد كان ذكاؤه معيناً له في هذا المجال،مع أن ما يدرسونه من الحساب هو عبارة عن مبادئ بسيطة عن (الجمع والطرح والضرب والقسمة) قد لا يكفي لإتقان العمليات الحسابية الفرضية الكبيرة التي تتطلب مهارة وقدرة فائقة في العمليات الحسابية ،ومع ذلك فقد طور نفسه فيها وتفوق،حيث أحب هذا العلم وأتقنه،واذكر من تفوقه فيه انه كان يصعب علي في المرحلة الابتدائية حفظ جدول الضرب كما ينبغي، فعلمني طريقة بسيطة ما زلت استفيد منها إلى اليوم واعلمها بعض الأبناء ،ولا ادري هل هي من عنده أو اقتبسها من غيره ، ولكنها غير منتشرة حسب علمي،وهذه الطريقة تعتمد على أصابع اليدين،وتفيد بوضوح في عمليات الضرب من الستة إلى العشرة، فكل يد تمثل احد الرقمين طرفي المسائلة،فالستة تعقد لها احد الأصابع، والسبعة اثنتين، والثمانية ثلاث، والتسعة أربع، والعشرة خمس ،والإصبع التي تعقد المطوية تحسب بعشرة ، والأصابع الأخرى التي لم تعقد في كل يد تعتبر آحاداً فتضرب الأصابع التي لم تعقد من اليد في الأصابع التي تقابلها في اليد الأخرى والناتج منها تضيف العشرات منه على العشرات التي تمثلها الأصابع المعقودة من كل يد وما زاد الذي هو اقل من عشرة يعتبر آحادا فمثلاً : ستة في ستة ،تطوي إصبع في كل يد فيبقى في كل يد أربع أصابع غير معقودة ، فإذا ضربتها أربعة في أربعة يطلع الناتج ستة عشر فتضيف العشرة إلى العشرين التي تمثلها الأصابع المعقودة ويبقى ستة أرقام فتكون النتيجة ستة وثلاثون،وهو حاصل ضرب ستة في ستة كما نعرف،وكذلك العمل في الأرقام الأخرى.
أجزل الله له الأجر والمثوبة
..........................

قوة الشخصية وعلو الهمة :

وهبه الله قوة الشخصية، والهمة العالية،والصبر والتحمل في سبيل الوصول إلى ما يريد وتحقيق ما يسعى إليه، يتضح ذلك فيما بلغه بعد توفيق الله من مكانة علمية واجتماعية، وما أنجزه من نتاج علمي ومادي على مستوى مجتمعه وعلى المستوى الخارجي،وقد يقسو في كثيرٍ من الحالات على نفسه في سبيل تحقيق أهدافه ،ولا يجد لها عذراً إذا ما تقاعست أو فرطت، بل ويريد من الآخرين أن يسيروا على منواله ،في التحصيل العلمي، واستغلال الفرص المتاحة أمامهم ،لذلك تجده يعاتب من يضيع الفرص المتاحة وقد يقسوا عليه في معظم الأحيان وما ذلك إلا من شدة حرصه، فلا يعفي أحداً عن أي قصور أو تقصير في هذا الجانب ،ولا يعتبره إلا تقصير منهم وقلة اهتمام ،وقد يغفل أحياناً عن الفوارق التكوينية بين الأفراد ، من حيث الذكاء والاستيعاب وخلافه ،و يرجع كل إخفاق إلى قصور في الهمة.
نلاحظ قسوته في هذا الجانب واضحة، و إلا فهو في تعامله مع أسرته وعموم الناس رحيماً مرحاً متفتحاً، ولكنه يريد ممن يسعى لتحقيق غاية أن يستفرغ الهمة في الوصول إلى مراده وغايته باستعمال كل ما هو متاح أمامه من فرص علمية وعملية ولا يقبل عذراً لمعتذر، وقد خفّت هذه النزعة لديه فيما بعد،ولعل مرد ذلك اصطدامه في الواقع بكثير من العقليات التي لا يجدي معها هذا الأسلوب، لعدم توفر الإمكانيات الشخصية في هذا الجانب لديهم.
هذه الميزة كانت بارزة لديه في بداية حياته، حتى لقد كان يقسو في سبيلها على نفسه، ثم كان يقسو على إخوانه وأبنائه وبالذات الكبار منهم، ثم بدأ فيما بعد يتفهم الفروق الفردية، ويراعي الجوانب الأخرى لدى الآخرين ،و إذا استحضرنا بعض الأمثلة كشواهد فلا بد أن نعود إلى سنينه الأولى مع إخوانه الذين تولى الإشراف على تربيتهم، وتحصيلهم العلمي بتشجيع من والده رحمه الله، فمن كان منهم سلس القياد ولديه قدرات عقلية وصبر وتحمل نجح ووصل إلى أعلى المراتب، ومن ذلك العم الدكتور سليمان حفظه الله ، ومن كان منهم قوي الشكيمة لا يرضى ولا يرضخ ولا يتقبل الشدة عاند ونفر، ومثاله العم مفرح حفظه الله، فكان الاحتداد بينهما، يصل أحيانا إلى المواجهة ،حتى ذكر لي العم مفرح أن الأمر في بعض الأوقات يصل إلى درجة من العناد والقوة والتمسك بالمواقف ،إلى حد يكاد يفكر معه إلى الاعتداء على الحياة ولكن الله ستر عليهما وسلمهما جميعاً .
وكانت أموره كلها على هذا المنوال، وهي الشدة والحزم، وكم تلقيت منه الكثير من ذلك، مما دعاني في بعض الأحيان إلى الهرب من بين يديه بل والهرب من المنزل، وقد ذاق إخوتي وبالذات الكبار منهم، كمحمد وعبد الرحمن وفيصل ألوانا من ذلك لكنه في الأخير لان قليلا، وتغير أسلوبه فلم يعد يمد يده على أحد إلا نادراً، وفي أضيق الأحوال ولكن أصبحت له هيبة انتقلت من الكبار إلى الصغار ، وفي بعض الحوارات معه كان يعترف بهذا العنف الذي كان يمارسه ويبرره بأنه من زيادة الحرص منه ، وهو الواقع :
أقسو ليزدجروا ومن يكن حازما ***فليقس أحيانا على من يرحم
وقد كان ذلك هو الأسلوب السائد في التربية في تلك الفترة وما سبقها، توارثها الناس واتبعوها، وكانت مجدية في معظم الأحوال لترسبات العنف والقسوة في حياتهم، وكان يبدو منه الأسف على بعض ما حصل منه من القسوة ، ويعترف انه كان على خطأ فيه، ومن ذلك ما أتخذه من أسلوب الشدة مع أول زوجاته رحمها الله، فانه تزوجها وهي صغيرة ، فكان يريد منها السمع والطاعة دون نقاش، والالتزام بما يمليه عليها، ووصل الأمر لصغر سنها، وشدته المبالغ فيها إلى عناد وإصرار منهما ،فكل يريد فرض شخصيته على الآخر، فبقدر قسوته عليها وضربه لها،فهي تعانده وتغيضه بعمل ما يخالف رغبته ،فيزيد هو شدة وهي تزيد تمردا، وبقيا على ذلك كل متمسك بقناعاته وأسلوبه،والنتيجة الحتمية لذلك هو الطلاق ،وقد ندم على ذلك اشد الندم وندمت هي ، ولات ساعة مندم، وقد خرج من تلك التجربة بدرس أثر في حياته وفي أسلوبه وتعامله فيما بعد وبالذات مع المرأة .
فالحياة في تلك الفترة كما بينا مختلفة جداً عن حاضرنا الزاهي، فيومها كان الجهل مطبقاً والنظرة الدونية للمرأة هي السائدة والمتحكمة، والاختلاط من الأمور المعتادة، وهو يريد أن يغير كل هذا الموروث بأسرع ما يمكن، ويريد أن ينشئ مجتمعاً ملتزماً دفعة واحدة قبل أن يمهد لذلك بالدعوة والتوعية،فهو كمن يقف أمام التيار ، أو السيل الجارف ، الذي يجري في مجراه المعتاد ومن يريد صده لابد من مداراته وذك بقوة الصبر والتحمل لكي تستطيع تعديله أو اجتيازه .
فبحكم الشباب وقلة الخبرة والتجارب من بعض الشدة والقسوة في أسلوبه وتعامله وما يؤمله من الآخرين، في أن يتفهموا قصده ويستجيبوا لما يمليه عليهم لأنه الادرى كم يتصور بما هو الأصلح لهم ،فهولا يسمع لوجهة نظرهم ولا يحاول مناقشتهم وإقناعهم بالمنطق والحجة ثم يتدرج بهم بالحكمة للوصول إلى المطلوب منهم، لذلك كان يصطدم بالكثير من العقبات،بل ومن استطاع الهرب من وجهه فعل،فكانت دروس استوعبها ونفعته في مستقبل حياته، فمن ذلك مع ما سبق :
ما نستشفه من ثنايا هذه القصة التي جرت له مع قريبتنا،التي هي بنت عم لجدي (قاسم بن سلمان ) رحمهم الله جميعاً، ولها حكاية غريبة : ففي عام 1410هـ تقريبا زارتنا هذه الجدة لأول مرة ،وهي عجوز كبيرة تجاوزت السبعين ،مستقرة مع زوجها وأبنائها في مدينة الشقيري، فقد ولدت عند أخوالها من بني حريص في جهة العارضة، ولا نعرفها من قبل وهي كذلك، ولكنها سألت حتى تعرفت علينا، وقصتها عجيبة، حيث كان والدها وأخوه قد هربا من فيفاء أثر حادثة قتل حصلت من عمها، فاما القاتل فقتل من احد اقرباء المقتول حين ظفر به في سوق سقام في حقو فيفاء واما اخوه والد بطلة قصتنا فقد استقر به المقام في بلاد حريص الحميرة ، حيث عاش بينهم وتزوج منهم ، فرزق بمريم ، وتوفي وهي طفلة ، فعاشت مع أمها عند أخوالها ولما كبرت ابلغ اخوالها جدنا قاسم بن سلمان (رحمه الله)بأنه أصبح وليها الوحيد واقرب الناس إليها، وأنها تحتاج إلى حفظه لها ورعايتها ،فأخذها وضمها لأسرته.
ولكنها ضاقت من القرار في البيت حيث تعودت على الخروج والاختلاط مع الناس ورفع الصوت بالغناء متى ما عنّ لها ذلك دون مبالاة، فقد كانت تعيش عند أخوالها في بيئة بدوية ليس لديهم هذا التحفظ في الخروج والاختلاط كما هو الشأن في البيئة الجديدة التي وجدت نفسها فيها ،بالإضافة إلى ما وجدته من والدي من الرقابة اللصيقة عليها والشدة المبالغ فيها، طالبا منها الالتزام بكامل الآداب التي يجب أن تتحلى بها وتلتزم ،لكونها امرأة مسلمة محتشمة،فلا تخرج خارج البيت دون حاجة ولا ترفع صوتها فيسمع وبالذات الغناء ولا تختلط بغير المحارم ، فكان صارما، قد يصل به ذلك أحيانا إلى الضرب اذا ما خالفت ،ومع الحجر الذي لم تتعوده من قبل، والشدة المتناهية ،هربت في حين غفلة من أهل البيت ورجعت إلى أخوالها وظلت عندهم حتى خطبت، فطلبوا من ولي أمرها (جدي) الحضور لتزويجها أو توكيل من يعقد عليها، فوكّل اخوالها في ذلك، فتزوجت وعاشت مع زوجها ورزقت بذرية ،وانقطعت أخبارها حتى نسيت ، فلما حضرت وهي في هذا السن فرح بها الكل، وتعرفوا عليها وعلى أبنائها وواصلوهم،والشاهد انه مازال عالقا في مخيلتها معاملة والدي القاسية لها كما تذكر غفر الله لهما .
وأنا كذلك قد وقع لي الكثير من المواقف المشابهة معه ،فكان إذا استدعاني لمراجعة دروسي أمامه، وبالذات إذا ابلغ من بعض المعلمين بإهمال بدر مني أو تكاسل ،فكان يود التاكد بنفسه ، فتظلم الدنيا حينها في عيني ،فمن كثرة خوفي منه تصيبني حالة من الفزع حتى لا أستطيع معها النطق والقراءة، فيتوقف تفكيري، وتشل إرادتي، وتعمى بصيرتي وينقطع صوتي ، خوفاً وفزعاً ورعباً منه، فيزيده ذلك شدة ظناً منه أنما هذا الإعياء بسبب الغباء وعدم الاهتمام ،وتزداد حالتي سوءا، فلا أخرج من لديه إلا وقد ذقت الكثير من الضرب والتوبيخ، وقد أصابتني من ذلك عقدة ، فقد بقيت بعد ذلك فترة وأنا أشعر بالرعب يجتاحني كلما رأيته،حتى أنني كنت أتجنب الالتقاء به إلى أن كبرت وبلغت مبلغ الرجال، واستطعت بصعوبة التخلص من تلك الحالة .
اذكر انه في بعض المرات يحدث بيني وبينه نوع من التصادم والتحدي،وان كان من جانب واحد هو جانبي الضعيف،في محاولة للتغلب على مخاوفي المرضية منه والمتجذرة في قرارة نفسي ،وبالذات عندما كنت في سن المراهقة ، وقد يعود ذلك إلى أسباب منها إثبات الاستقلالية كما أرى ، فمن شدة خوفي منه والرهبة التي تجتاحني عندما أراه، أتصور أنني إذا تغلبت على هذه المخاوف، أكون حينها إنساناً بالغاً له شخصية مستقلة، وكما يسميه علماء الاجتماع (إثبات الذات ) ولابد أنه يشعر بذلك ويسعده كأب ،وكمثال على شيء من ذلك : أنني كنت في بعض الليالي أتسلل خارج البيت بعد أن ينام الجميع،لقضاء الليلة للسمر مع بعض أقراني ، لأشعرهم أنني لست أقل منهم ،فأنا أستطيع الخروج والسمر مثلهم،فأزيح بذلك عن نفسي الشعور بالدونية كما أعتقد،وأني لست أقل عنهم رجولة وحرية في الخروج والدخول من البيت متى ما أردت، فكنت في بعض الأحيان لا اشعر بالوقت، فلا أعود إلا قبيل الفجر، فكان يفقدني بعض الأوقات في صلاة الفجر، فإذا عاد إلى البيت وجدني مستغرقاً في النوم، وفي مرة من المرات أراد أن لا يذهب للمسجد إلا وأنا معه في رفقته حتى لا أتأخر، فلما ناداني للصلاة قبل أن يتوضأ لم استيقظ لان نومي كان ثقيلاً ،فتوضأ وعاد فوجدني مازلت نائماً، فدخل إلى غرفتي وقال لي مهدداً لن أخرج حتى أراك قد قمت ،فقمت فعلاً ولبست ثوبي فلما رآني فعلت ذلك انطلق إلى المسجد، فتبعته مباشرة فلما وصل إلى فناء البيت وشعر أنني في أثره، التفت إلى قائلاً ألا تريد أن تتوضأ، فقلت في تحد ظاهر لا لن أتوضأ فهي صلاة لك ولم تعد صلاة لله، فأرجو أن تقبلها بدون وضوء ، فنظر لي نظرة فيها الكثير من المعاني، ثم تبسم ضاحكاً معقباً بقوله هداك الله وأصلحك، وانطلق إلى المسجد ولم يلق لي بالاً، فتبعته قليلاً ثم رجعت إلى نفسي وتأثرت بردة فعله تلك غير المتوقعة ، وما شعرت به من حنان ومحبه تدفقت علي تلك اللحظة من خلال كلامه وبسمته التي لم أرها من قبل بهذا الشكل، فعدت وتوضأت ولحقت به في المسجد فلم يعلق على الموضوع بعد ذلك ،ولكن تغير أسلوبه معي بعدها وأصبحت صورته تتغير في مخيلتي عن تلك الصورة الرهيبة التي كنت أراه عليها غفر الله له ورفع درجاته.
نعود إلى تلك الخاصية وتأثيرها على شخصيته، ولكن الذي لا يتصور الحياة في تلك الفترة يصعب عليه استيعاب كثير مما نذكر، إن الفترة التي نتحدث عنها قد درج الناس فيها على القسوة والجهل والشدة الغير منضبطة ، فكانت الحياة في تلك الفترة وما سبقها حياة مظلمة يسودها التخلف في جميع نواحي الحياة (العلمية والمادية وحتى الدينية)، فالناس في جهل وضلال وتخلف وفقر وجوع وحرمان ، حياة كلها فتن وعصبيات وعداوات فوق التصور والخيال ،كانوا في انفلات وظلمة وضلال حتى قيض الله سبحانه وتعالى لهم هذه الحكومة التي انتشلتهم مما هم فيه وسعت إلى تنويرهم وتعليمهم وتغيير تفكيرهم وأسلوب حياتهم إلى الأفضل، فوجدت أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالعلم والمعرفة بعد توطيد الأمن ،ولكن مع ذلك تبقى بعض الرواسب من الجهل والعادات والتقاليد نظراً لعزلة الجبال عن التأثر بما حولهم وقلة ذات اليد واتساع الرقعة وتفشي الأمراض الحسية والمعنوية، إضافة إلى صعوبة تغيير ما تعود عليه الناس وإقناعهم بما ينبغي أن يكون عليه ، ولكن الحكومة لم تدخر وسعا في سبيل تحقيق هذا الهدف، فشجعت كل القادرين على العمل لتحقيق هذه الغاية ، وسخرت جهودها وإمكانياتها في هذا الاتجاه، ففي بعض المناطق قيض الله لها أمراء ومسؤولين لديهم نزعة الخير وحب السعي إلى نفع من هم تحت ولايتهم فسعوا للإصلاح بالتوجيه والإرشاد فحققوا من خلال صلاحياتهم التي منحوا إياها كثيرا من النجاح، فكان لهم تأثيرهم الواضح الذي كان النواة الحقيقية فيما وصلنا إليه بفضل الله سبحانه وتعالى ، ففي فيفاء كان للأمير راشد بن خثلان (رحمه الله) (1357هـ )دور كبير وموثر في هذا المجال ، فقد قام بالتعاون مع مشايخ القبائل في بث التعليم في المجتمع، عن طريق إقامة المدارس التي تسمى المعلامة بحيث شجع كل من لديه قدرة على التعليم بالتدريس، وإقامة مدرسة في بيته أو في احد المساجد القريبة ، وإلزام الأهالي بإلحاق أبنائهم بها، فكثرت هذه المدارس التي تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وتعليم القرآن الكريم، فانتشر التعليم بهذه الطريقة واقبل الناس عليه، فتغيرت حال المجتمع إلى الأحسن ، ومما ساعد على هذه الحركة وإقبال الناس عليها ما كان قد قام به شيخ شمل قبائل فيفاء السابق يحي بن شريف (رحمه الله) عندما هاجر إلى قطابر ومعه أبناؤه حيث تعلموا في بعض هجرها العلمية،وتعرف على بعض علمائها ، فلما تولى الشيخة في فيفاء بعد ذلك ،سعى إلى استقطاب بعض طلبة العلم ،ليعلموا الناس ويرشدونهم، وهاجر بعض الأفراد لطلب العلم هناك والى هجر العلم في ضحيان وصعدة وصنعا،فكانت لهم عند عودتهم المكانة والتقدير بين الناس،فكانت دافعا ومشجعا للاخرين بان يحذوا حذوهم ، فانتشر العلم بسبب ذلك الى حد ما، فلما تولى الشيخة الشيخ علي بن يحي (رحمه الله) وكان قد اخذ العلم حين رافق والده ،فسلك طريقته في حث الناس على التعلم ،وساعده على ذلك بعض الأمراء الصالحين حينما انضوت فيفاء تحت الحكم السعودي كما اشرنا من قبل ،فكانت النواة لما سعى إليه ولاة الأمر وشجعوه.
كان الوالد من أوائل من استفادوا من هذا التوجه ،وقد ساعده على ذلك ذكاؤه وإصراره وعلو همته،وتشجيع والديه له،فكان من أوائل من التحق بهذه المدارس ،فكان لهذا بعد توفيق الله الدور الأكبر للوصول إلى ما وصل إليه.
................................

تعليمه :

اتجه للتعليم المتوفر في ذلك الوقت مبكراً حيث ألحقه والده بالمدرسة (المعلامة) صغيراً في بيت الوادي عند المعلم (علي بن حسين آل مدهش الخسافي ـ رحمه الله ـ) لكنه ما لبث أن انقطع عن هذه المدرسة نظراً لصغر سنه وبعدها عن بيته، فعهد به الى المعلم (أحمد بن فرح الابياتي )في بيت السقف المجاور لبيته ، ثم لما كان سجيناً (رهينة) في النفيعة التحق بمدرسة المعلم (حسن بن أحمد آل خفشه الأبياتي ـ رحمه الله ـ في بيت شيحه ببقعة العذر، وفي هذه الأثناء صعد إلى فيفاء الداعية المصلح الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي (رحمه الله ) وافتتح مدرسة النفيعة وبعد تأسيسها عهد بالتعليم فيها إلى المعلم الشيخ القاضي (محمد بن يحي القرني) يعاونه بعض طلبة العلم وهي أول مدرسة يفتتحها فضيلة الشيخ عبد الله القرعاوي (رحمه الله ) في فيفاء، ثم هاجر منها إلى صامطة ولازم التعلم فيها على عدة مشايخ منهم فضيلة الشيخ (عبد الله بن محمد القرعاوي ـ رحمه الله ـ ) وفضيلة الشيخ (حافظ بن أحمد الحكمي ـ رحمه الله ـ) ،والكثير من المشايخ في هذه المدرسة،ومنهم (الشيخ محمد بن أحمد الحكمي ،والشيخ محمد بن إبراهيم جردي ، والشيخ شيبان بن علي عريشي، والشيخ حسين بن عبد الله الحكمي،والشيخ ناصر بن خلوفة طياش،والشيخ حسن بن زيد النجمي،والشيخ القاضي حسين بن محمد النجمي،والشيخ القاضي منصور بهلول مدخلي ،والشيخ عثمان حملي ،والشيخ أحمد المنصوري اليماني،والشيخ إسحاق بن بشري الهرري ـ رحمهم الله جميعاً ــ ) ولازم كثيراً الشيخ حافظ بن احمد الحكمي، وانتقل معه إلى مدينة بيش عندما استقر مدرساً بها ، وتعلم وثابر وجد واجتهد وتغرب وسافر وصبر حتى نال حظاً كبيراً من العلم، في علوم القرآن الكريم والحديث والفقه والأصول واللغة والأدب ،ولما أحس منه شيخه الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي بأنه قد بلغ درجة من العلم يستحق معها إجازته فيما تلقاه من الحديث وغيره من العلوم بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجازه بالرواية عنه ، وقد اثبت هذه الرواية بمؤلف قيم قام بنشره بعنوان ( الإرشاد إلى طريق الرواية والإسناد ).
وبعد ما تعلم قام بالتعليم فقد مارس التعليم أثناء وبعد التخرج ،ثم قام بالإشراف على مدارس فضيلة الشيخ عبد الله القرعاوي في المنطقة الجبلية فيفاء وبني مالك وتوسع في افتتاحها ، ثم شارك في نشر التعليم العام بنين وبنات في جميع مراحله حتى عم التعليم كل مناطق فيفاء بفضل الله ثم بسبب ما بذله من جهود مع ما هيأته الدولة الرشيدة حفظها الله وأيدها من أسباب لنشر التعليم .
وتفصيلا مبسطا لبعض ما ذكرنا نوجزه فيما يلي :
أولا: ألحقه والده بمعلامة الشيخ علي بن حسين آل مدهش ولبعد المكان وصغر سنه لم يستطع الاستمرار مما حدا بوالده أن يطلب من جارهم الشيخ احمد بن فرح تدريسه في بيتهم السقف فكان له ذلك، حيث فرغ له جزء من وقته ليستمع منه إلى ما أتقنه من قراءة ثم يعطيه درساً جديداً حتى اجتاز أكثر من نصف القرآن الكريم، ويذكر انه في عام 1359هـ عندما وقعت الزلازل المشهورة في فيفاء كان قد بلغ حينها سورة الكهف، وفي هذا السن المبكر تطلب سجنه بدلا من والده كرهينة حتى يلقى القبض على قاتل الأمير لكونه من قبيلته ، وكان السجن في مقر المركز بالنفيعة، ولما رأى فيه الأمير(بن ناهض) من صغر سن، مع نجابة وتعلق بالعلم حيث كان المصحف لا يفارقه ، سمح له بالالتحاق بمعلامة الشيخ حسن بن أحمد المقامة في بيت شيحه في بقعة العذر،المجاورة للمركز، وهي من ضمن المدارس التي شجع على إنشائها أمير فيفاء السابق راشد الخثلان وشيخ شمل فيفاء علي بن يحي (رحمهما الله)، وهناك واصل استكمال قراءة القران الكريم وبعض مبادئ العلوم الدينية واستمر فيها حتى بعد أن أطلق سراحه وسراح الرهان بانتهاء المشكلة الموجبة لذلك.
وفي هذه الأثناء وبالتحديد في عام 1363هـ صعد إلى فيفاء الداعية المصلح الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي (رحمه الله ) فأسس مدرسة النفيعة حيث التحق بها بعد تردد .

قصته مع هذه المدرسة :

يروي قصته مع بداية تعلمه في هذه المدرسة فقال : انه أصيب بصدمة عظيمة في أول يوم التحق به في هذه المدرسة، فقد حضر ضمن من حضر من الطلاب ،ولديه شعور بأنه قد أتقن حفظ القرآن الكريم ولم يعد في حاجة إلى من يعلمه فيه ، ولكنه من أول لقاء مع فضيلة الشيخ القرعاوي الذي طلب منه قراءة سورة الفاتحة،فعجز عن اجتياز البسملة بقراءة صحيحة فما بالك بغيرها من سور القرآن الكريم، لأنهم كانوا في دراستهم السابقة يقرؤون القرآن حدراً دون الاهتمام بالتجويد، أو اهتماما بالمخارج الصحيحة للحروف،وإنما يهذّونه هذّاً، مما أشعره بقصوره ومدى حاجتة إلى تعلم هذا العلم الذي ينقصه، وهو ما حصل، إضافة إلى ما وجده في هذه المدرسة من العلوم الجديدة والدروس المفيدة في الحديث والفقه والتوحيد واللغة العربية،حيث اقبل عليها برغبة ونهم ، وكان من ضمن الطلاب المتفوقين الذين تم اختيارهم للانتقال إلى المدرسة الأم في صامطة ،حيث أنتقل إليها وتلقى الكثير من العلوم فيها برغبة وهمة عالية مما جعله يتفوق في طلب العلم .
ثانياً: من أسلوب الشيخ القرعاوي رحمه الله مع طلابه، أنه يكلف بعض الطلاب المتفوقين إعادة الدروس على زملائهم بعد فراغ الشيخ من إلقائها ، أو يكلفهم بتدريس مجموعة من صغار الطلاب منفردين في أحد العلوم ،أو يرسلهم إلى احد القرى المحتاجة ليقيم فيها الواحد ويصلي بالناس ويدّرسهم ، وقد كلّف الوالد بهذه الأدوار جميعها، فكان يعيد بعض الدروس بعد شيخه الشيخ حافظ الحكمي (رحمه الله)، فإذا فرغ الشيخ من إلقاء الدرس طلب منه أن يعيده بعده وبحضور الشيخ، فكان هذا الأسلوب من أنجح الأساليب في الاجتهاد في طلب العلم والحرص على فهم الدرس وفي تربية الدارس على تنمية الثقة في نفسه، ومن ثم معرفة مدى تحصيله من العلوم والمعارف ،وهي طريقة تثير الحماس والتنافس بين الطلاب ،فيتعلمون تحت إشراف معلمهم كيف يوصلون المعلومة إلى الآخرين، وقد يخصص لبعضهم ركناً من المدرسة يدرس فيه بعض الطلاب أو يدرس مادة من المواد ، وفي مرحلة تالية يرسله إلى إحدى القرى لافتتاح مدرسة، أو مدرساً مع غيره في مدرسة قائمة بعد ما يكون قد اطمأن على حصيلته العلمية ، وقد أرسل الوالد إلى قرية رملان التابعة لدرب بني شعبة، فقام بافتتاح مدرسة فيها فدرس الصغار ورتب لكبارهم بعض الدروس الدينية ،إضافة إلى إمامة مسجدهم والخطابة فيه ،وقد بقي في هذه القرية فترة لا بأس بها أحب أهلها وأحبوه، وفي أثناء ذلك مر بهذه القرية بعض مشايخ فيفاء وهم في طريقهم عائدين من سفر، وسمعوا الثناء عليه من أهل هذه القرية ، فلما عادوا إلى فيفاء اخبروا أميرها بخبره ، وطلبوا منه أن يطلبه من الشيخ القرعاوي فهم أولى به وأكثر حاجة إليه، لتعليم أبنائهم وإمامة مسجدهم ،وهو ما حدث حيث تم نقله إلى فيفاء،فجدد افتتاح مدرستها بجامع النفيعة بفيفاء بجوار مركز الإمارة بطرف السوق، ومارس التدريس فيها ونجح نجاحاً باهراً، وقد تعلق بطلابه لما وجده فيهم من الذكاء والجدية والأثر الطيب لاجتهاده في تعليمهم ، وهم بدورهم أحبوه وتعلقوا به ، ولكن لم يستمر في المدرسة طويلاً حيث طلبه شيخه فضيلة الشيخ حافظ الحكمي (رحمه الله)،بان يلتحق به في أم الخشب لكي يستكمل تحصيله العلمي، فمازال بحاجة لذلك والطريق أمامه مفتوحا،وقد حرص عليه شيخه لما عرف عنه من تميز و ذكاء ومثابرة، وكانت تلك نظرة وفراسة من شيخه لم تخب ولله الحمد.
ثالثاً: بعد أن عين قاض في فيفاء، فبالإضافة إلى عمله هذا فقد كلفه شيخه القرعاوي بفتح مدارس في الأماكن المحتاجة مع الإشراف على مدارسه في المناطق الجبلية فيفاء وبني مالك، فقام بفتح عدة مدارس وتوسع في ذلك حسب الاحتياج والإمكانيات ،واختيار المعلمين ومتابعتهم، ومتابعة تحصيل الطلاب وانتظامهم، وصرف الرواتب والمكافآت، وكل ما يلزم لهذه المدارس واستمر على ذلك حتى أقفلت هذه المدارس، وبدأت المعارف بفتح المدارس النظامية .

لمحة موجزة عن مدارس الشيخ القرعاوي في فيفاء :

1ـ مدرسة النفيعة بجوار مركز الامارة والسوق:وهي أول مدرسة افتتحها الشيخ القرعاوي بفيفاء عام 1363هـ كما اسلفنا وكان الوالد من اوائل من التحق بها وكان من معلميها فضيلة الشيخ محمد بن يحي القرني ، واستمرت لما يقارب السنتين، وفي عام 1368هـ أعاد الوالد افتتاحها بنفسه مدرسا فيها عندما كلفه الشيخ القرعاوي بذلك ولكن لم يستمر طويلا حيث استدعاه شيخه الشيخ حافظ للعودة الى اكمال تحصيله العلمي، فاوكل للعم مفرح بن قاسم الاشراف عليها، ثم تلاه العم سليمان بن قاسم فترة بسيطة .
فلما عاد الوالد مشرفا على هذه المدارس بعد تعيينه قاضيا للبلدة، كانت هذه المدرسة من ضمن المدارس واكبرها ،وكان يقوم بالتعليم فيها ثلاثة معلمين هم : موسى بن حسن يحيى السنحاني ومنصور بنحاوي ويحيى بن أحمد الداثري ، وقد توسع في افتتاح المدارس على مراحل حسب الحاجة وتلامكانيات ،حتى بلغت ما يقارب العشرين مدرسة بنين وبنات على النحو التالي :
2ـ مدرسة مروح بجوار منزل شيخ الشمل: ويعلّم فيها سليمان بن أحمد المشرومي.
3ـ مدرسة ذراع آل يحيى علي : ويعلّم فيها حسين بن ضيف الله الفيفي
4ـ مدرسةمرباه : ويعلّم فيها محمد بن يحيى احمد الخسافي . 5ـ مدرسة عروان : ويعلّم فيها أحمد بن يحيى احمد الخسافي .
6ـ مدرسة ذراع منفة : ويعلّم فيها فضيلة الشيخ علي بن أحمد يزيد آل شحره
7ـ مدرسة الحيداني:ويعلّم فيها فضيلة الشيخ محمد بن أحمد يحيى السنحاني.
8ـ مدرسة نيد العقية بآل ظلمة: ويعلّم فيها مسعود بن ماطرالشراحيلي
9ـ مدرسة كرعان : ويعلّم فيها إبراهيم بن سالم أحمد العمري .
10ـ مدرسةثاهر الفراج بالعمريين : ويعلّم فيها محمد بن حسن علي العمري
11ـ مدرسة المجرم بآل شراحيل: ويعلّم فيها متعب بنحيان الشراحيلي
12ـ مدرسة الجوة بآل شراحيل: ويعلّم فيها يحيى بن سلمان الشراحيلي
13ـ مدرسةنيد الضالع بآل عبدل: ويعلّم فيها سليمان بن جابر العبدلي
14ـ مدرسة المغاشي بآل عبدل: ويعلّم فيها عبداللهبن شريف العبدلي
15ـ مدرسة المروة بآل الثويع: ويعلّم فيها جابر بن شريف الثويعي
16ـ مدرسة قرضة بآل حرب ويعلّم فيها سالم بن حسن رايح الحربي
17ـ مدرسة الخشعة بآل الحكم: وهي من اكبر المدارس وفيها أربعة معلمين وهمأحمد بن علي سالم الخسافي وقاسم بن محمد الحكمي وعلي بن جابر المشنوي وحسن بن محمدالحكمي ثم اضيف لهم عبدالله بن شريف العبدلي وملحق بهذه المدرسة مدرسة للبنات تدرس فيها معلمتين تحت اشراف الشيخ احمد بن علي هما ابنته (أم عبد الله) حرم الشيخ فرحان بن سليمان والثانية زوجته فيما بعد أم د/عبدالله واخت الشيخين يحي محمد الحكمي وسلمان محمد الحكمي .
18ـ مدرسة الكوابسة : ويعلّم فيها سليمان بن أحمد يزيد آل شحره
19ـ مدرسة البنات في النفيعة: فتحت اولا في منزل العزورية في بقعة العذر ثم انتقلت الى منزل معشم والمعلمة فيها عافية بنت فرح كريمة الاستاذ/احمد بن فرح والأستاذ حسن بن فرح وكان يعين الوالد على الاشراف وتفاقد هذه المدارس والمدارس الاخرى في بني مالك والمراقبة عليها وصرف الرواتب والمكافآت كل من فضيلة الشيخ علي بن احمد يزيد آل شحرة زميله ورفيق دربه والعم مفرح بن قاسم .
رابعاً: عندما عزمت الدولة على تعميم التعليم النظامي وفتح المدارس في الجهات المحتاجة كان يحول دون ذلك في بعض المناطق ومنها فيفاء ما يلي :
· وعي الناس بأهمية التعليم الحديث فاغلبهم لم يعرف قيمته وبالتالي لا يهتم بالمطالبة به .
· عدم وجود مبان صالحة لافتتاح هذه المدارس .
· عدم وجود مؤهلين للتدريس في تلك المدارس التي يراد فتحها .
· تتعاظم هذه المشاكل وتبرز أكثر وضوحا في القطاع الجبلي كفيفاء التي تنعدم فيها وسائل المواصلات من دواب واليات وذلك يحد دون وصول المعلم والاثاث والكتب وغيرها .
فكانت له أدواره الهامة والموثرة في المساعدة على حل وتذليل هذه المشاكل أو معظمها، حيث سعى بكل ما أوتي من جهد ومكانة في التوسع في فتح هذه المدارس، وتذليل كل ما يعترض فتحها من صعوبات، حيث قام بتشجيع الأهالي على المطالبة بفتحها وسعى إلى تهيئة ما يلزم لها من مبان وخلاف ذلك،فقد أبدى له مدير التعليم بمنطقة جازان (الاستاذ محمد بن سالم العطاس) أن عدم توفر المباني في كثير من المواقع في فيفاء يحول دون فتح المدارس بها، وتم التفاهم بينهما على تذليل تلك المعوقات ، حيث سعى الوالد بجهده وماله إلى إقامة هذه المباني في الأماكن التي يرى أنها محتاجة لذلك، وحث أهل تلك الجهات على بناء المقرات المناسبة أو التعاون معهم في ذلك فزالت اكبر العقبات، فكان لذلك اكبر الأثر في افتتاح الكثير من هذه المدارس، وما هي إلا فترة حتى غدت المدارس تعم اغلب مناطق فيفاء بجميع مراحلها،فدوره عظيم في هذا المجال لا ينكر، ــ جزاه الله كل خير وجعلها في موازين حسناته ــ ،وهنا يظهر دوره العظيم وما كان يبذله من تضحيات بدنية ومالية وفكرية على كل المستويات،ويظهر ذلك جليا عندما سعى لفتح مدارس تعليم البنات فقد كانت بدايات هذا النوع من التعليم في فيفاء شاقة بل وشبه مستحيلة ، لكنه سعى بكل همة ونشاط لفتح أول مدرسة لتعليم البنات في فيفاء،حيث كان يلح في المطالبة ،التي تقدم بها إلى مندوبية التعليم بمنطقة جازان في ذلك الوقت، والى إدارة التعليم بالمنطقة الجنوبية في عسير ،وفي الرئاسة العامة لتعليم البنات بالرياض ، بل ولدى المقام السامي ،لكن أعذار المسؤلين التي كانت تقف أمام تحقيق مطالباته هي عدم توفر المعلمة من بنات فيفاء، وتعذر وصول المعلمات المتعاقدات للتدريس في هذه المدرسة لصعوبة المواصلات ، ومع إلحاحه وكثرة إصراره فقد قام مدير عام تعليم البنات بالمنطقة الجنوبية انذاك الشيخ قاسم بن علي شماخي ومندوب تعليم البنات بمنطقة جازان الشيخ عيسى بن رديف شماخي (مدير عام تعليم البنات في المنطقة فيما بعد) بزيارة فيفاء على الطبيعة في معيته وقاما بالصعود من جوة آل شراحيل نهاية طريق السيارة،وتفاعلوا معه حول حاجة المنطقة الى هذا النوع من التعليم ،واتفقوا على أن يسعى الى توفير المعلمات اللآتي يرضين بالعمل في فيفاء ،على أن تكمل الإدارة التعاقد معهن عند حضورهن معلمات رسميات لهذه المدرسة.
بعد أن حصل على هذه الموافقة المبدئية قام بالبحث عن تلك المعلمات حيث اتفق مع بعض المعلمين المصريين المتعاقدين في بعض مدارس فيفاء على إحضار زوجاتهم المؤهلات، ووعدهم بضمان التعاقد معهن، ولإغرائهم تكفل لهم بتوفير السكن المناسب مجانا لمدة عام ،وما يلزمه من إضاءة ومياه ، وغير ذلك الكثير من المحفزات الأخرى ،وفعلا احضر اثنان من هؤلاء زوجتيهما،ولكن لما يستطيعا الاستمرار حيث كان صعودهم عن طريق عيبان وصادف عند وصولهم امطار وصواعق رهيبة فعادتا من يومهما ورجعتا الى مصر ، ولكنه لم ييأس ففي العام التالي اعاد الكرة مع اخرين ، وفعلا احضرا زوجتيهما وتم التعاقد معهما من قبل تعليم البنات، وفتحت المدرسة الأولى بفيفاء، وذلك في عام 1397هـ ،وقد وفّى لهم بما التزم به ،ولازالتا هاتان المعلمتان تحتفظان بذكرى هذه الحادثة وما لقينه من حسن المعاملة من الوالد والأهالي ،حتى إن إحداهما حضرت إلى المملكة في عام 1427هـ، لزيارة ابنتها المقيمة في مدينة الرياض، ولأداء العمرة،فاستضافهما الوالد وزج ابنتها بمنزله في مكة المكرمة ، فلما أبدت رغبة في زيارة فيفاء، رتب لها بعض الأخوة والأخوات ذلك واصطحبوها معهم، فزارت فيفاء بعد مضي (22) سنة من مغادرتها لها، وانبهرت بما رأته في فيفاء من تقدم ونهضة وعمران في جميع المجالات.
نورد هذا من باب الإشارة إلى ما قدم من المشاركات وان كانت بهذا الايجاز لا تعطي الصورة الكاملة ، بل قد لا يتخيل معظم ابناء هذا الجيل ما كان عليه الحال في الماضي القريب قبل ثلاثين سنة فقط ، فالحمد الله فقد انحلت تلك المشاكل وتلك العقبات، وذلك بفتح الطرق والتطور العمراني الذي نعيشه اليوم ،حيث أشرعت الأبواب على مصراعيها لتعليم الفتى والفتاة في هذه الجبال حتى بلغت فيه مراحل متقدمة ، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم بحمد الله وتوفيقه .
و كانت له أيضا مشاركات فاعلة في تهيئة المباني لكثير من الدوائر الحكومية حيث كان عدم وجود المباني المناسبة يقف عائقا أمام إيجاد الكثير من المرافق الحكومية والمدارس،فكانت له المشاركة والدور الفعال في التغلب على هذه المشكلة ،وذلك بتشجيع الآخرين على توفيرها، أو مساعدتهم على ذلك، أو القيام بذلك بنفسه.
هذه هي بعض أدواره في هذا المجال، وهو ديدنه في كل ما فيه مصلحة بلده،سواء في التعليم أو في المجالات الأخرى ،وهو لا يتحدث عن ذلك ولا يفاخر وإنما يرى ذلك اقل ما يجب تقديمه لأهل بلده ،وهو يرجو الأجر والمثوبة من الله لا من أحد سواه ، وما بذله في فتح أول مدرسة للبنات لتكون نواة لما بعدها بذل كذلك جهوداً أخر في فتح المعهد العلمي في فيفاء ولفتحة قصة .

قصة فتح المعهد العلمي:

كان أهل فيفاء ينتمون للمذهب الزيدي لان من تعلم منهم قبل العهد السعودي تعلم في اليمن والمذهب الزيدي منتشر في اليمن ، والذين تعلموا في اليمن علموه للناس في فيفاء ، وبقي اغلب الناس متمسكين به تقليداً ولما قامت ثورة اليمن في عام 1382هـ نزح كثير من السادة وطلبة العلم إلى فيفاء فتعزز هذا المذهب وارتفعت شعائره بالآذان والصلاة وغير ذلك ،فأراد المسؤلون منع الناس من التمذهب بالمذهب الزيدي واخذ رأي الوالد في ذلك باعتباره قاضي البلد فأبدى رأيه بان العقيدة لا تنتزع من القلوب بالقوة ولكن بالدعوة والتعليم واقترح لمعالجة ذلك إيجاد الأمور التالية :
1. إيجاد معهد علمي لتعليم الناشئة الجديدة .
2. تعيين أئمة للمساجد يختارون ويعلمون .
3. فتح مركز للدعوة والإرشاد.
4. فتح مركز لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فوافق المسؤلون على ذلك وصدر الأمر السامي بفتح المعهد العلمي , ولما وصل الأمر إلى المسؤولين نظروا لفتحه من الناحية الإجرائية ورؤوا بان فتح المعهد تحول دونه عقبات منها عدم وجود مبنى مناسب وصعوبة الطرق لوصول المدرسين والتجهيزات ولا يوجد من المدارس الابتدائية ما يمول المعهد من الطلاب فحولوا المعهد إلى مدينة صبيا باعتبارها مدينة كبيرة ووسائل نجاحه متوفرة فلما علم الوالد بذلك سعى لاستصدار أمر آخر واخبر المسؤولين بان فتحه كان لمعالجة أمر يستأهل التضحية واستعد بالمبنى وتذليل الصعاب التي تتعلق بنقل الأثاث والتجهيزات وقد كان ذلك وفتح ولله الحمد، جعل الله كل ذلك في ميزان حسناته وعظم له الأجر والمثوبة في كل ما عمل وقدم .
وقد قال عن المعهد عند افتتاحه شعرا منه :
اهـلاً بهـذا المعهـدمـن معقـل مشيـد**مشعل نـور وهـدىمــلألأ بالـرشـد
تهتـز فيفـاء جـذلاًبصرحـه المـمـرد**فيا لـه مـن منهـلللعلم عـذب المـورد
نعـب مـن معينـهالصافي النقي الجيـد**ومن لبا الوحيين مـانسمو بـه ونهتـدي
فالعلم اغلـى مطلـبومنـقـذ ومـرفـد**يزكو به لـب الفتـىويشتفي القلب الصدي
هـو الحيـاة والنمـاوالجهل كالوأد الردي**أكرم به مـن تحفـةقـد اهديـت للبـلـد
مـن قائـد مـوفـقورائــد مـســدد**حقـق مـن آمالنـاما لـم يـدر بالخلـد
ويسـر العلـم لـنـافصار سلس المقـود**فسر بنـا يـا ملكـيفي نهجك المحمـدي
وقـر عينـاً ستـرىثمـار هـذا المعهـد**سيثمر الغرس جنـىفـي وقتـه المحـدد
كم عبقري قد تـرىوفـاضـل مـسـود**وكفـوء فـي عمـلومـبـدع مـجـدد
وبـاحـث محـقـقوعـالـم مجتـهـد**ينبيك عمـق فهمـهوذهـنـه المـتـقـد
ورأيـه ممحـصـاًعن طيب اصل المحتد**وقـدمـاً ياقومـنـاولتهنئـي يـا بلـدي
خامساً : لقد كان معلماً في حياته كلها،من خلال عمله كقاض في محكمته، وإماما وخطيبا في مسجده، وواعظا ومفت، ومن خلال كتبه ومولفاته ودروسه ومحاضراته، ومن خلال مجالسه الخاصة والعامة، فهي لا تخلو من العلم والتعليم والوعظ والإرشاد والتوجيه ومن الفوائد المتعددة، فكان يتيح الفرصة للمناقشات والحوار، ولا يمانع من يرغب في القراءة عليه من طلاب العلم، بل ويجيز من طلب منه الإجازة ممن رآه أهلاً لذلك،بما أجازه فيه شيخه فضيلة الشيخ عبد الله القرعاوي (رحمه الله)،وما أجازه فيه شيخه العلامة محمد بن أحمد بن هادي الدرابه (رحمه الله ) أحد علماء ضحيان الذي أجازه في بعض كتبه ومروياته، عندما كان مقيماً في فيفاء أثناء أحداث ثورة اليمن في الثمانينات بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية .
................................

بعض شيوخه:

نورد سيرة ذاتية وترجمات مختصرة لبعض مشايخه وكان بعضهم قد ترجم لهم في كتابه (الإرشاد إلى طريق الرواية والإسناد) بقوله : (يسعدني ويشرفني في هذا الثبت أن اعرّف ببعض مشايخي الذين تلقيت العلم على أيديهم ورويت عنهم مباشرة ونهلت من علمهم واستفدت من كل واحد منهم في جانب من جوانب المعرفة اذكر ذلك اعترافاً بفضلهم وتنويهاً بمكانتهم العلمية مع أن شهرتهم تغني عن بعض ذلك ولكنه من تحصيل الحاصل) :
1ـ الشيخ العلامة عبد الله بن محمد القرعاوي
ولد بعنيزة في 11/12/1315هـ ونشأ يتيم الأب في حجر أمه التي عنيت بتربيته وتعليمه ، وتلقى العلم على كثير من الشيوخ من أبرزهم الشيخ العلامة عبد الله بن مانع والشيخ العلامة عبد الله السليم والشيخ العلامة عمر السليم والشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ العلامة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ والشيخ العلامة عبد العزيز بن بشر والشيخ العلامة محمد بن مانع والشيخ العلامة عبد الله العنقري، وتلقى التعليم في المدرسة الرحمانية في بمبي بالهند وحصل على إجازته العلمية من كبير مشايخها احمد الله أمير القرشي الدهلوي، وبعد رجوعه إلى بلده قام برحلات علمية ثم قام بتأسيس مدارس الجنوب بالمملكة العربية السعودية وقد تخرج على يديه عدد كبير من طلبة العلم ، توفي رحمه الله بالرياض عام 1389هـ عن عمر يناهز 74سنة وقد رثاه الوالد بقصيدة منشورة في ديوانه الطيف العابر مطلعها :
مصابك أدمى فؤادي الحزين**وفاضت له من عيوني عيون
2ــ الشيخ العلامة حافظ بن احمد علي الحكمي
من قبيلة الحكامية الشهيرة بالمخلاف السليماني ولد في شهر رمضان 1342هـ بقرية السلام من ضواحي المضايا وتلقى تعليمه الأول على يد والده في مسقط رأسه ثم تفرغ لطلب العلم على يد العلامة الشيخ عبد الله القرعاوي مؤسس مدارس الجنوب حتى أصبح له شان في العلم والمعرفة حتى أصبح ساعد شيخه الأيمن في التدريس والإشراف على هذه المدارس والقيام بها، وله مولفات عديدة تدل على غزارة علمه من أهمها معارج القبول توفي رحمه الله في مكة المكرمة يوم السبت 18/12/1377هـ عن عمر يناهز 35سنة.
3ـ الفقيه علي بن حسين بن جابر آل مدهش الهذلي الفيفي
من قبيلة الخساف ولد بفيفاء وتعلم مبادئ القراءة والكتابة بها ، ثم ارتحل لطلب العلم إلى ضحيان باليمن وأحرز نصيبا من العلم والمعرفة ، كان له كتّاب بفيفاء ،توفي رحمه الله حوالي عام 1368هـ عن عمر يناهز 70 سنة .
4ـ الشيخ القاضي محمد بن هادي الدرابة الفضلي
قاضي محكمة مجز ببني جماعة باليمن تلقى تعليمه على علماء ضحيان مسقط رأسه وحصل على إجازة عامة من الإمام الحسن بن يحي القاسمي وتولى القضاء في عهد الإمامين يحي حميد الدين واحمد حميد الدين وبقي على ذلك حتى قامت الثورة باليمن عام 1382هـ فحصل على مضايقات من الدولة الجديدة مما اضطره للهجرة إلى فيفاء والإقامة بها فترة ثم عاد إلى اليمن وتوفي بضحيان (محافظة صعدة) عام 1399هـ عن عمر يناهز 90سنة رحمه الله ، كان له مشاركة في الأدب والشعر والتأليف وقد رثاه الوالد بقصيدة منشورة في ديوان الطيف العابر مطلعها:
أي خطب قد اقضّ المضجعا**أي كلم للحشا قد مزعا
5ـ الشيخ القاضي حسن بن احمد بن علي آل خفشة الابياتي الفيفي
ولد بفيفاء عام 1330هـ وتلقى مبادئ القراءة والكتابة وختم القرآن على يد سلمان بن يحي المشرومي بفيفاء ثم ارتحل لطلب العلم إلى ضحيان باليمن وأحرز نصيبا من العلم والمعرفة ، وكان له كتّاب للتدريس في منزلهم (شيحة) ببقعة العذر، ثم التحق بالعمل في محكمة فيفاء بوظيفة كاتب عام 1363هـ إلى أن أحيل للتقاعد بناء على طلبه عام 1387هـ،توفي رحمه الله بفيفاء في شهر رجب 1416هـ عن عمر يناهز 85 سنة وقد رثاه الوالد بقصيدة في ديوان باقة شعر وإشعاع فكر مطلعها :
آه من رزء عظيم الأثر**غائر الجرح به قلبي فري
6ـ الشيخ احمد بن فرح اسعد الابياتي الفيفي
ولد بفيفاء عام 1340هـ وتلقى مبادئ العلوم وختم القرآن الكريم في فيفاء على يد السيد العلامة عبد الله بن أحسن مشكاع وكان له كتّاب للتدريس ثم جاور بمكة المكرمة ولازم حلقات العلماء في الحرم الشريف إلى أن التحق بالعمل الحكومي موظفا بديوان المظالم في الرياض عام 1374هـ ثم انتقل إلى وزارة الدفاع والطيران عام 1394هـ ثم تعين مديرا لمدرسة الأبناء بالخرج ثم انتقل إلى الثانوية العسكرية كمشرف بها إلى جانب عمله إمام وخطيب لمسجدها حتى أحيل للتقاعد عام 1407هـ .
7ـ الشيخ القاضي احمد بن علي بن احمد الحازمي
ولد بقرية العريش التابعة لمحافظة صبياء عام 1333هـ وتلقى مبادئ العلوم على علماء المخلاف السليماني ثم التحق بدار العلوم بصنعاء واخذ عن علمائها ومنهم العلامة عبدالعزيز بن على بن إبراهيم والعلامة عبد القادر بن عبد الله والقاضي محمد بن علي الشرفي والقاضي يحي بن محمد العنسي وغيرهم وتولى القضاء في كل من محكمة فرسان ثم محكمة بلغازي ثم محكمة فيفاء إلى أن أحيل للتقاعد في عام 1373هـ له باع طويل في الشعر والأدب توفي رحمه الله يوم الاثنين 10/3/1410هـ ورثاه الوالد بقصيدة في ديوان ومض الخاطر مطلعها:
هذه الدنيا كطيف عابر أو كحلم أو كضيف زائر
8 ـ فضيلة الشيخ القاضي محمد بن يحي القرني
سافر من بلاده بلقرن إلى اليمن لطلب العلم ومكث فترة هناك وفي أثناء عودته إلى بلده مر بصامطة ووجدها عامرة بمدارس الشيخ عبد الله القرعاوي فأحب أن يلتحق بها وتتلمذ على الشيخ واستفاد منه فائدة كبيرة ومرت الأيام وأصبح مدرساً بمدارس الشيخ بمنطقة فيفاء والدرب ومن ثم التحق بالقضاء لمدة أربعين سنة حتى أصبح على مرتبة قاضي تمييز ورئيساً لمحكمة صبيا وبقي كذلك إلى أن طلب الإعفاء من عمل القضاء حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية واجزل له الثواب .

بعض طلابه:

لم يمارس التعليم كمدرس متفرغ إلا فترة محدودة وهي الفترة التي سبقت عمله الوظيفي كقاض وذلك في المدرسة التي افتتحها في رملان بتوجيه من شيخه عبد الله بن محمد القرعاوي وكذلك مدرسة فيفاء التي استأنف فتحها والتعليم فيها ، وهي لا تتجاوز في مدتها السنتين ولكنها كانت بفضل الله مباركة، وبعد ما تولى القضاء في فيفاء أصبحت له مكانة عند الناس فأخذ بعض الأفراد يرتبون دروساً عنده في المسجد المجاور لبيته الرثيد ومن هولاء على سبيل الإجمال لا الحصر (محمد بن احمد السنحاني ،السيد حسين بن ضيف الله ، مسعود بن ماطر الشراحيلي ، سالم بن حسن رايح الحربي ،سليمان بن جبر الظلمي ، ومن جيرانه الشيخ حسين بن محمد الظلمي ، وعلي بن شريف الكدفي ، وجابر بن شريف الكدفي ) وغيرهم كثير، وزاد هذا عندما عين مشرفاً على مدارس القرعاوي ، وكذلك لما عهد إليه تعيين أئمة المساجد وكذلك المؤذنين فيما بعد، فحرص بعضهم على تلقي الدروس عنده ليتأهل للعمل وليحوز على تزكيته ، وقد كان منهم أفراد تعلموا على المذهب الزيدي فحرص على تصحيح معلوماتهم ومفاهيمهم في العقيدة والعبادة ، وفعلا استطاع ان يصقل معلوماتهم على مذهب أهل السنة والجماعة وكانوا عونا له على نشر التعليم والدعوة والإرشاد في فيفاء .
وهناك مجموعة اخرى تلقوا التعليم والتوجيه منه وكانوا لازالوا في سن التعليم وقد استفادوا من تعليمه وتوجيهه، (فقد درس على يديه مجموعة من الطلاب واستفادوا من علمه) فمنهم من واصل التعليم حتى حصل على أعلى الدرجات العلمية ، ومنهم من توقف عند مستوى معين ، وسنحاول التعريف بمن برز من هولاء على قدر معرفتي وهو تعريف موجز بهم فمنهم :
1. الشيخ الدكتور القاضي سليمان بن قاسم الفيفي
شقيق الوالد ولد بفيفاء عام 1357هـ واخذ عنه مبادئ القراءة والكتابة ثم تبعه إلى بيش عندما عاد إليها لمواصلة تحصيله العلمي ،والتحق بمدارس الشيخ القرعاوي في أم الخشب ببيش ثم صامطة ،فلما افتتح المعهد العلمي بصامطة عام 1374هـ التحق به ودرس به المراحل الابتدائي (تمهيدي) ومتوسط وثانوي ،وتخرج منه عام 82/83هـ ، وقد تخلل المرحلة الثانوية انقطاع عن الدراسة حيث تزوج وتوظف ،ثم التحق بكلية العلوم الشرعية بالرياض وتحصل على ليسانس الشريعة بتقدير امتياز عام 86/1387هـ، وعين ملازما قضائياً في المحكمة الكبرى بالرياض، وواصل تعليمه بالمعهد العالي للقضاء بالرياض حيث حصل على الماجستير عام 1390هـ،كما حصل على درجة الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر بالقاهرة عام 1404هـ .
عمل على وظيفة مقدر شجاج، ثم كاتب في محكمة فيفاء من 18/1/1375هـ إلى 29/6/1384هـ ، وبعد تخرجه من كلية العلوم الشرعية عين ملازماً قضائياً في المحكمة الكبرى بالرياض وفي هذه الاثناء درس في المعهد العالي للقضاء وتخرج منه في عام 1390هـ وقد عين قاضيا منتدبا للمحكمة الشرعية بأم القيوين في دولة الأمارات العربية المتحدة ، وكلف أثنائها في فترات متفرقة بعمل المحكمة الشرعية براس الخيمة، والمحكمة الشرعية بعجمان، والمحكمة الشرعية بفلج المعلا بالأمارات، وقد عاد من دولة الأمارات آخر عام1410هـ،وعين رئيسا للمحكمة المستعجلة بمدينة الطائف، ثم عضوا في المحكمة الكبرى بالطائف،وفي عام 1418هـ رقي على درجة قاضي تمييز في محكمة التمييز بالرياض،وعمل فيها عضوا في دائرة الأحوال الشخصية والأوقاف ،ثم رئيسا للدائرة الجزائية الثانية حتى أحيل للتقاعد لبلوغه سن التقاعد ،واستقر بعد التقاعد في مكة المكرمة،وافتتح بها مكتباً للمحاماة ،له أنشطة في الإذاعة والتلفزيون ، وله مولفات دينية واجتماعية بعضها طبع والبعض الآخر لم يطبع تزيد على (15) مؤلفاً، ومارس الإمامة والخطابة في فترات متفرقة.
2. الشيخ القاضي فرحان بن سليمان بن حسن سالم الخسافي الفيفي
ولد بفيفاء في شهر رجب عام 1357هـ، وفي أوائل عام 1369هـ التحق بمدرسة الوالد الشيخ على بن قاسم في النفيعة، ودرس بها حوالي سبعة اشهر ثم انقطع عنها لوفاة والده رحمه الله ولظروف أسرته، فلما رغب في استئناف الدراسة كانت مدرسة الوالد قد أقفلت، فدرس فترة بسيطة لدى جابر بن حسن المشرومي صاحب حمزة ، وفي أوائل عام 1374هـ طلب من الوالد أن يعينه على السفر إلى صامطة مع سليمان لمواصلة الدراسة وهو ما تم، فالتحق بالمعهد العلمي بصامطة وتخرج منه، ثم التحق بكلية العلوم الشرعية حتى تخرج منها عام 1386/1387هـ ،وعمل بعد تخرجه مدرسا بالمعهد العلمي ببلجرشي، ثم انتقل عام 1390هـ إلى المعهد العلمي بالطائف ، ثم انتقل عام 1392هـ إلى إدارة تعليم البنات بالطائف موجها تربويا، ثم رئيسا للقسم، ثم مراقبا تعليميا، وعمل مساعدا لمدير عام تعليم البنات بالطائف،ثم سابق على وظيفة مدير عام التعليم الأهلي برئاسة تعليم البنات ونجح فيها ،وتم توجيهه مساعدا لمدير عام التعليم بالمنطقة الشرقية ،وفي عام 1399هـ انتقل إلى ديوان المظالم بالمنطقة الغربية بجده،وفي عام 1400هـ رقي على وظيفة مدير عام فرع ديوان المظالم بالمنطقة الغربية بالمرتبة الثانية عشرة ، وفي عام 1404هـ انتقل إلى السلك القضائي بديوان المظالم على درجة وكيل محكمة (أ)، وقد تدرج في السلم القضائي حتى صدر القرار السامي بترقيته على وظيفة نائب مساعد بدرجة قاضي تمييز اعتبارا من 28/11/1422هـ بالديوان العام بالرياض ،وبقي في هذا العمل حتى أحيل للتقاعد عام 1426هـ لبلوغه سن التقاعد ، واستقر بعد ذلك في مدينة جدة ثم انتقل الى مكة المكرمة واستقر بها الان وله مكتب محاماة ، وله الكثير من الأنشطة والمولفات الثقافية والدينية ، وقد عمل إماما وخطيبا لعدة مساجد على فترات متعددة .
3. الشيخ علي بن فرحان سالم السلعي الفيفي
ولد عام 1351هـ تقريباً تعلم مبادى القراْءة والكتابة في كتاب احمد بن يزيد آل شحرة ، والتحق بمدرسة القرعاوي بفيفاء عندما أنشئت عام 1363هـ وقد درس على يد الوالد عندما كلف بالتدريس في هذه المدرسة ،ثم رحل لطلب العلم إلى بيش وضمد ولما فتح المعهد العلمي بصامطة عام 1374هـ كان من أول دفعة التحقت به إلى أن اخذ الثانوية ثم التحق بكلية العلوم الشرعية بالرياض وحصل على البكالوريوس عام 87/88هـ ، وبعد تخرجه عين مدرسا بالمعهد العلمي بنجران إلى أن وافاه الأجل عام 1397هـ رحمه الله وكان على جانب من التقوى والصلاح .
4. الاستاذ حسن بن فرح اسعد الابياتي الفيفي
ولد بفيفاء عام 1359هـ وتعلم مبادىء القراءة والكتابة بفيفاء على يد الوالد ثم رحل إلى بيش والتحق بالمدرسة السلفية هناك, ولما فتح المعهد العلمي بصامطة التحق به ودرس فيه المراحل الابتدائية (التمهيدي) والمتوسطة والثانوية ثم التحق بكلية اللغة العربية بالرياض وتخرج منها عام 1388هـ وقد عين معلما في أبها وعمل مديرا للمتوسطة الثانية بها ثم انتقل عام 1395هـ إلى فيفاء بناء على طلبه حيث عين مديرا لمتوسطة فيفاء وقد كان له دور كبير في افتتاح ثانوية فيفاء ،وكان له نشاط في تعليم وتربية الطلاب، واستمر في هذا العمل إلى أن أحيل على التقاعد عام 1417هـ،وهو شاعر مجيد ،وله الكثير من المشاركات والأدوار الإصلاحية في مجتمعه قولاً وفعلاً ،وقد اختير عضوا في المجلس البلدي في بلدته فيفاء عام 1427هـ، وهو شيخ لعشائر الأبيات .
..................................

مع المساجد:

للمسجد دور عظيم وموثر في حياة المسلم وكان اول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم عند وصوله للمدينة مهاجرا أن بنى المسجد في المكان الذي بركت فيه ناقته القصوى، فعند وصوله صلى الله عليه وسلم الى المدينة كان كل من الانصار يريده ان ينزل لديه فكان كل ياخذ بزمام الناقه فكان يقول لهم صلى الله عليه وسلم معتذرا دعوها فانها مامورة،فسارت حتى بركت في هذا المكان مكان مسجده صلى الله عليه وسلم فسال عن اصحاب الارض ثم ساومهم على شرائها وابتدر ببناء مسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان هو المصلى والسكن والمدرسة والقيادة ومجلس الحكم والشورى ،فالمسجد من هذا المنطلق هو عنوان المسلم حوله تدور حياته ولا يفارقه إذا ما أراد الصلاح والنجاح والفلاح في الدنيا والاخرة .
الوالد أولى المسجد الكثير من عنايته وجهده فهو اولاً تعلم فيه ثم علّم فيه ،ولقد عمّر المسجد حسياً ومعنوياً ،ومنحه اهتماما خاصا وكبيرا يليق به وبمكانته ، فلو استعرضنا بعض جهوده في هذا الجانب من حيث بنائه وتوسعته نلخصه فيما يلي :
1. مسجد الرثيد : الرثيد هو منزل جدي وجدتي رحمهما الله، فلما تولى والدي القضاء سكن معهما في ذلك المنزل وبادر الى بناء مسجد بجواره ليقيم فيه الصلاة ويحيي فيه حلقات التعليم والمذاكرة لبعض طلبة العلم الذين يجتمعون حوله من جيرانه ومن طلبة العلم من معلمي مدارس القرعاوي الذين رغبوا في الاستزادة من بعض العلوم في التوحيد والتفسير والحديث والفقه وفي النحو،فكان يرتب لهم دروسا خاصة فيه،وان كانت هذه الحلقات غير منتظمة لانشغاله في معظم الاوقات بعمله الوظيفي ولكنها دامت فترة طويلة الى ان انتقل الى سكنه الجديد بالنفيعة في عام 1379هـ تقريباً ، وهذا المسجد ما زال قائما الى تاريخه.
2. جامع نيد اللمة : (جامع سماحة الشيخ / عبد العزيز بن باز رحمه الله حالياً ) انشأه الوالد في أوئل الثمانينات الهجرية على نفقته الخاصة لخلو هذا الجهة من وجود مسجد مع الكثافة السكانية فيها وقد وسعه اكثر من مرة كلما ضاق بجماعته، وقد سعى الى تشجيع بعض جيران المسجد في تخصيص اوقاف لهذا المسجد ليكون ريعها عائد لمصالحه ومتطلباته من صيانة وفرش وترميم وغيرها ،وقد قام بتهيئة مصلى للعيد بجوارالمسجد ، ومع وصول طرق السيارت الى هذا المكان فيما بعد سعى بعض اهل الخير الى بنائه وتوسعته حتى استدخل فيه كامل الارض الموقوفة ومصلى العيد كما هو مشاهد وقائم اليوم .
3. جامع النفيعة : جامع المركز والسوق كان مسجدا صغيرا مبنيا بالحجارة ومسقوفا بالاخشاب ومقضضا بالنورة لا نوافذ له ،وكان مبنيا فوق صخرة صلدة مائلة، فكان يضيق بجماعته مما يضطر معظمهم للصلاة على ظهره وخارجه،فاهمه امره وهو جار المسجد وإمامه وقاض البلدة فقام بتوسعته على نفقته الخاصة مع بعض المشاركات البسيطة لقلة ذات اليد لدى معظم الناس في ذلك الحين حيث تزامن مع فترة انقطاع الامطار وتازم ظروف كثير من الناس بسبب ذلك ، وكان يواجه العمل والبناء الكثير من الصعوبة والمشقة بسبب المكان حيث اضطر إلى تكسير الصخرة التي كان عليها المسجد القديم وهي عملية شاقة حينها لعدم توفر الوسائل المعينة، فهو يرغب في زيادة المساحة لتتحقق الفائدة من هذا المشروع مما رفع التكاليف، وحالت ظروف الوقت كما ذكرنا في صعوبة دعمه من الآخرين من ابناء البلد ،مما دعاه إلى رفع الأمر لجلالة الملك فيصل رحمه الله طالبا منه المعونة بان يعينه بأخشاب قلعة العبسية التي تهدمت وانتهب الكثير منها، فوهبه اياها واعانه كذلك بمبلغ عشرة الآف ريال، وكان حينذاك مبلغ كبير استطاع به ان يكمل الجامع ،ولكن لم تمضي فترة بسيطة حتى ان هذه التوسعة لم تعد تفي بالمطلوب، فقد ضاق المسجد بجماعته، فقام بتوسعته مرة اخرى ،وغير سقفه بالخشب المستورد الذي ابتداء يصل الى البلدة يحمل على ظهور الرجال من سوق عيبان، ومع وصول طرق السيارات فيما بعد وتحسن الاوضاع سعى الى اعداد مخططات حديثة للمسجد وقام بعرضها على اهل الخير في البلد وخارجه للتبرع ببنائه وتم له ذلك بحمد الله وتوفيقه على ما هو عليه اليوم .
4. ذو وديف : البيت الكائن فوق سوق النفيعة،فقد كان الموقع بناء كبيرا متعدد الادوار عبارة عن قلعة كبيرة تملكته الدولة حيث اشترته من ملاكه الأصليين فكان يتخذ سكنا من قبل اخوياء الأمارة وبعض موظفيها ولكن لإهمال صيانته فقد تساقط بعض اجزائه وتحول الى خرابة ولم يعد صالحا للسكن بل اصبح خطرا على من حوله فهو معرض للانهيار في أي لحظة، فتقدم الوالد بطلبه منحه فتمت الموافقة له على ذلك، وقام بازالة البناء السابق وبنى مكانه بيته الحالي فلما استقرفيه وسكن اعاد بناء المسجد المجاور له وكان مسجدا صغيرا مبنيا بالحجارة كامثاله من المساجد والبيوت فقام ببنائه وتوسعته بالخرسانة المسلحة وعمل له بعض الملاحق المهمة كخزان للمياه وحمامات، على الصورة التي هو عليها اليوم.
5. مسجد الحبيل الاسود :يقع في جبل بالحكم حيث اشترى الارض المجاورة له فسعى الى توسعته وبنائه بالخرسانة المسلحة ، وقد سعى بعض المحسنين فيما بعد الى إحداث مسجد بديل عنه في مكان بارز على الشارع العام ليستفيد منه المارة من هذا الطريق .
6. جامع المرويغة بالسربة : لمّا كثر السكان بهذا المكان عندما انتقل اليه بعض سكان قرية السربة ولم يكن به مسجدا وهو مكان مهم يقع على الشارع العام الصاعد من عيبان على طريق حاذر، فقد سعى بطلب من سكانه لدى بعض المحسنين (الجميح) فتبرع بمبلغ فقام الوالد بالمقاولة عليه والاشراف على تنفيذه ،ولكنه فيما بعد ضاق بجماعته فسعي بعض المحسنين الى بناء مسجد اخر بجاوره وحول جزء من هذا المسجد الى مكان لتجهيز الجنائز .
7. جامع الفرحة بالدفرة: مسجد الفرحة بالدفرة مسجد جامع قديم ضاق بجماعته فسعى الى ايجاد المتبرع الذي قام بتوسعته وبنائه بالخرسانة المسلحة كما هو عليه اليوم.
8. مسجد آل الثويع : تشارك مع بعض اهل هذه الجهة في بناء مدرسة ابتدائية لتعليم البنات فلما فتحت واصبح الناس يترددون عليها لاحضار بناتهم من والي المدرسة وسكن بعض محارم المعلمات هناك ولم يكن يوجد مكان أو مسجد قريب يصلون فيه فقام ببناء مسجد في هذا الموقع مهيء بالماء ودورات المياه وهو يقع على الطريق العام لجبل آل الثويع .
وله جهود مختلفة في بناء وتوسعة الكثير من المساجد في عدة جهات وكان يستعين به الكثير من الناس في السعي بجهده وماله في هذا المجال، جعل الله كل ذلك في موازين حسناته وبنى له بها بيوتا في الجنة .

حب التطوير :

كان الوالد شغوفا بالتطوير والتجديد، فهو يأخذ بكل جديد نافع، فنجد انه قد جلب لمجتمعه الكثير من المخترعات الحديثة النافعة، فان لم يكن الأول فهو من الأوائل، فقد جلب الكثير من المخترعات واستخدمها وعرّف الناس عليها،وان كان المجتمع الفيفي مجتمع عاش عزلة طويلة ، ولكنه مع ذلك مجتمع متحضر يقبل الجديد ويستوعبه بسهولة ثم يطوره لصالحة بخلاف كثير من المجتمعات الاخرى التي تحارب كل جديد ولا تهضمها الا بصوعبة على قول القائل (والناس أعداء لما جهلوا)،ومن الأشياء الجديدة التي جلبها الوالد مما يدل على تفتح ذهنه ما يلي :
أولا: الراديو(المذياع) فقد اقتنى الراديو ،وكان هذا المذياع حينها يلزمه الكثير من الجهد في الإعداد والتجهيز ليعمل، فيحتاج إلى بطارية كبيرة من النوع الجاف ، ويحتاج إلى تمديدات هوائية حتى يتمكن من التقاط الإرسال من المحطات القليلة، وكانت نظرة الناس لهذا الجهاز العجيب مستغربة لعدم قناعتهم به أو عدم الجدوى التي يراها معظمهم من وجوده.

موقف خاله من الراديو:

فخاله علي بن شريف الكدفي الفيفي (اخو أمه من الرضاع) فقد كان له رأي في اقتناء الوالد للراديو وانشغاله به عن القراءة في الكتب التي كانت في حوزته ، وقد كان من الأشخاص الذين يعتز الوالد برأيهم لرجاحة عقله ونظرته الحصيفة الناقدة، فقد ناقشه في عتاب المحب ،بعدما سأله عن السبب الذي دعاه لشراء هذا الراديو،فلما أجابه بأنه يرغب في سماع أخبار العالم ،وسماع الأحاديث والوعظ وما يبث فيه من معلومات وآداب مفيدة، فرد عليه أن هذا ليس تبريرا مقنعا ،فأما الأخبار فما كان منها من عيبان وما وراءه فلا تهمنا حتى نحرص على معرفتها ، وأما ما كان من عيبان وما دونه إلى جهتنا فسنعلمه ولن يخفى علينا أمره ( وعيبان الذي يقصده هو السوق الأسبوعي المعروف الواقع في أسفل الجبل من الجهة الغربية ) وأما العلم الذي تسمعه من الراديو فليس في هذا المذياع أكثر مما هو موجود في بطون الكتب التي لديك، فلا يشغلك هذا الراديو عن القرءاة وتعليم الناس المحتاجين إلى علمك ، وهذه نظرة واعية بعقلية راقية، فقد نبهه إلى ما قد يشغله عما هو أهم وهو طلب العلم وتعليم الناس وتوعيتهم بأمور دينهم ودنياهم ،وقد يشغل اهتمامه بالراديو ويضيع عليه الكثير من وقته في الاستماع إليه ونفهم مما ذكره خاله بأن المجتمع في ذلك الوقت مجتمع منغلق على نفسه فأقصى حدود اهتمامات الناس في فيفاء لا تتجاوز سوق عيبان، (كان من اكبر الأسواق حينذاك في القطاع الجبلي) ، وهذه هي نظرة ذلك الجيل الذي يرى أن ما تجاوز هذه النقطة لا يهمهم ولا ينفعهم معرفته ولا يضرهم الجهل به، بعكس جيل الوالد وما تلته من الأجيال الذين وجدوا في عهد تطورت فيه وسائل المعرفة والاتصال وبناء عليه فقد تفتحت آفاقهم المعرفية واتسعت نظرتهم واهتماماتهم لتعم العالم بأكمله ، فهذا العصر هو عصر التواصل والترابط بين الشعوب، ولو عزلت نفسك عن الآخرين فلن يتركوك وينعزلوا عنك، فنحن في عصر (أصبح العالم فيه قرية) ، لذلك استقرأ الوالد هذا العصر وهذا الانفتاح لتوسع مداركه بالعلم، ولخروجه من بيئته وكثرة أسفاره للمدن الأخرى في المنطقة كجازان وصامطة وبقية المدن، ومكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض، مما جعله يلم بالكثير من الأمور ويلحظ المبتكرات الحديثة ومدى تسهيلها للكثير من أمور الحياة ، فسعى للوصول بمجتمعة إلى ما وصلت إليه المجتمعات الأخرى واللحاق بهذه المجتمعات التي سبقتهم في شتى الميادين ،لذلك عمد إلى جلب وتملك الكثير من الوسائل والمبتكرات الحديثة، وشجع الآخرين على جلبها ،لما يرى فيها من منفعة عامة وما يتطلبه مجارات المجتمع حوله ولانها تسهل الكثير من نواحي الحياة فكان هذا دافعه،وبالإضافة إلى ما ذكرنا، وكما اهتم بالراديو فقد اهتم بالمبتكرات الحديثة الأخرى ،فقد جلب الفوانيس بجميع أنواعها والاتاريك، وجلب مكينة لطحن الحبوب ،حيث كان الناس يعانون من طحن الحبوب ،ففي كل بيت لابد من وجود رحى(رايد)، تشقى بها ربة البيت في طحن ما يلزم الأسرة من الحبوب يوميا بطريقة مرهقة وصعبة،لذلك كانت الطواحين من المخترعات الضرورية التي جلبت وخدمت الناس كثيرا ،وأحس الناس بفوائدها الجمة ،وان لم يكن هو أول من جلب طاحونا فقد سبقه حسن بن حسين الابياتي صاحب بيت القحيزة ثم الوالد وبعد ذلك تتابع الناس في جلب هذه الخدمة للناس ومن أوائلهم سلمان يحي الابياتي في بقعة العذر، ومحمد يحي الخسافي صاحب مرباه، ثم انتشرت وعمت جميع نواحي الجبل وخففت العبء عن الناس وبالذات ربات البيوت .
وقد احضر أيضا فيما بعد (دينمو) لتوليد الكهرباء شغله على مكينة الطاحون ،وجلب معها ما يلزم من المعدات والتمديدات (كيبلات وسلوك ولمبات) وكان يهدف من ذلك الاستفادة وتشجيع الناس على إدخال خدمة الكهرباء ،ولكنه لم ينجح في ذلك لعدة أسباب أهمها: عدم قناعة الناس بهذه الخدمة،وعدم الجدوى في نظرهم منها، ففائدتها محدودة حيث كانت قاصرة على الاضاءه فقط ولفترة قصيرة لا تتجاوز الساعتين أو الثلاث من أول الليل ،لذلك لم يتشجعوا في الاشتراك فيها،لذلك اقتصر على إدخال الكهرباء لبيته واحضر بعض الأجهزة الكهربائية (غسالة ومكواة للثياب) حيث كان الغسيل يتم يدويا ، وأما الكواية فلم تكن معروفة عند معظم الناس وكان لديه هو مكواة على الجمر،وهي مكواة تعبأ بالجمر حتى تحتمي، وواحدة اخرى تحمى على لهب النار، فإذا حميت مررت على الثياب ، وقد جلب أول ثلاجة على الغاز ودفايات على الغاز ، وهو أول من جلب قدر الضغط للطبخ، واحضر معه لذلك دافوراً كبيراً خاصا لهذا القدر فالناس كانت تطبخ على الحطب فقط ، بل هو أول من اقتنى آلة تصوير (فوتوغرافي) فقد اضطر لذلك للالتقاط بعض المناظر من فيفاء، لنشرها ضمن مواضيعه التي يعدها لمجلة المنهل عن فيفاء، والتي نشرت حينها في الثمانينات الهجرية،بل كان يكلف بعض الأشخاص بعد تدريبهم على كيفية استخدامها، لالتقاط بعض الصور في المناسبات كالختان وغيره ، واذكر من هولاء يحي بن هادي الابياتي،ثم تملك آلة تصوير فورية وذلك عندما وجد بان الصور العادية تكلفه عناء الوقت والجهد وقد لا تكون حسب ما يرغب ،فقد كان يرسل الأفلام إلى احد الاستوديوهات بجازان أو غيرها لتحميضها وطبعها، وفي ذلك الكثير من المشقة وعدم الاطمئنان إلى وضوحها أو مناسبتها لما كان يرغب إبرازه في الصورة، فكانت هذه الآلة الفورية أسرع في إنجاز المطلوب.
بل إن بنيان بيته في النفيعة المعروف باسم الطائف في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات الهجرية،كان مختلفا عما ألفه الناس في بناء بيوتهم ،فقد صممه واعده إعدادا حديثا بالنسبة لمعيار ذلك الزمن، من حيث توزيع الغرف بما لم يكن معروفا، فهو أول من بنى خزانا للمياه داخل البيت، وأول من عمل المراحيض داخل البيت، وعمل له التمديدات الصحية، بل وجهزها بأدوات السباكة للغسل والاغتسال، وتغلب على كثير من صعوبات عدم توفر بعض التجهيزات، كخزانات المياه المتنقلة (حنفيات ) لتمديدات الشبكة حيث اضطر إلى بناء خزان علوي صغير من الحجارة، ليمدد منه المياه التي تغذي هذه المراحيض ، وكان من أول من استخدم الاسمنت في هذا المنزل، وعمل للمجلس كنبات ثابتة من الخامات الطبيعية المتوفرة( الخشب المحلي ولبسها بالمشمع) ،وركب في البيت بعض التجهيزات الحديثة كالأجراس (المنبه) التي تعمل على البطاريات الصغيرة(حجر) يستخدمها لطلب القهوة أو استدعاء احد الأولاد أو خلافه ،بل وركب تلفون يصل بين بعض الغرف يعمل على بطاريات ، ولكن كانت كثيرا ما تتلف بسبب الصواعق وما أكثرها في هذه الجبال .
ولما بدأ في بناء بيوته وكان البناء في ذلك الوقت يعتمد على الموجودات المتوفرة ومنها الحجارة التي هي (المادة الأساسية للبناء) ،وهي تتطلب الكثير من الجهد والعناء، وتتطلب الكثير من المعدات الحديدية المختلفة كالزبر والعتل الصغيرة والكبيرة وأدوات الحرق لتكسير الصخور ، وتقطيعها إلى مقاسات مختلفة وقطع صغيرة مناسبة للبناء بها ، فقد كان يحرص على توفير هذه الوسائل والأدوات مع ندرتها، وجلب كل ما رأى انه يفيد في هذا المجال، وطور دافورا كبيرا حيث جعل شعلته في طرف ماسورة طويلة يسهل التحكم بها وإدخالها بسهولة إلى المكان المناسب تحت الصخرة المراد تكسيرها، وبذلك سهل العمل للعمال وكان أسرع في الإنجاز، وفي نفس الوقت خفف من استهلاك الأخشاب وغيرها التي كانت تستخدم لهذه العملية ولا تعطي النتائج المرجوة .
كذلك سعى إلى توفير بعض الرافعات لرفع الصخور ، والعربيات التي تدفع باليد على عجلات لنقل الأحجار ومواد البناء، مما سهل العمل ولفت أنظار الناس إلى الاستعانة بالكثير من المخترعات الحديثة في مثل هذا المجال وغيره ، وقد كان المجتمع متميز يتقبل الجديد ،ويسعى إلى التجديد والتطوير متى ما أمكنه ذلك ،فهو يبادر إلى استخدام كل ما يعين ويسهل الحياة دون تردد، وقد كان الوالد من ضمن هذا المجتمع المتفتح ، بل هو في مكان القدوة فيه، لمكانته العلمية والوظيفية والاجتماعية،فأحدث فيهم الكثير من النقلات التحديثية، بما ادخله عليهم من المخترعات التي سهلت عليهم الكثير من أمور حياتهم ، واستطرادا لما ذكرنا من مشاركاته في جلب المخترعات الحديثة المفيدة ،نتابع بعض ما نتذكر من ذلك كشواهد ،فقد استخدم الميكرفون (أي مكبر الصوت) في المسجد للآذان والخطبة، وتدرج في ذلك من المكرفونات التي تشغل على بطاريات جافة لعدم توفر الكهرباء، ثم على البطاريات السائلة لتعطي نتائج أفضل، إلى الأجهزة الحديثة عندما توفرت الكهرباء ، و تعلم الكتابة على الآلة الكاتبة حتى أتقنها، واستخدمها في أعماله الرسمية والخاصة ، ثم تعلم على الكمبيوتر في وقت مبكر واقتناه واستخدمه ،واستفاد منه بشكل كبير في بحوثه وتاليفاته وفي مكتبه وأعماله الخاصة والعامة ، وقد حرص على توفير آلة الحرث الصغيرة ،التي تتناسب مع مدرجات الجبل الصغيرة الضيقة، حيث شجع بعض المختصين في بيع الأدوات الزراعية على جلبها ولكنها لم تكن مجدية كما كان يتصور .
هذا ويصعب في الحقيقة إحصاء كل جهوده في هذا المجال لتعددها وكثرتها وكثرة المخترعات في هذا العصر في كل المجالات ونواحي الحياة ، فقد كان دوما يتطلع إلى كل جديد ويحاول الاستفادة منه و تطويعه لما يناسب حاجته، فاذكر انه كان إذا وجد بعض الاستطلاعات العلمية التي تنشر في بعض المجلات التي كان يشترك فيها ويحرص على اقتناءها كقافلة الزيت التي تصدر عن شركة ارامكو بالظهران ، أو مجلة المنهل أو اليمامة أو المجتمع وغيرها من المجلات التي كان مشتركا فيها وتصله عن طريق البريد، كان يهتم بهذه الاستطلاعات ويبحث عن الاستزادة من المعلومات عنها، أما بالمكاتبات أو الاتصال، وكان يتحدث عن هذه المخترعات أو التصورات ألمستقبليه بإعجاب وانبهار، واذكر من ذلك انه في مرة من المرات وجد موضوعا يتحدث عن فكرة اختراع كرسي طائر يحمل شخصا ليتنقل به من مكان إلى آخر، ولا يأخذ إلا حيزاً صغيراً وغير مكلف اقتصادياً، وكان الموضوع يتحدث عن تصنيعه وانه في طريقه إلى التسويق، فأعجب به أيما إعجاب، وكان يتلهف إلى معرفة المزيد عنه،لأنه وجد انه يتناسب مع بيئتنا الجبلية المحرومة من كل وسائل المواصلات في ذلك الوقت.
كل هذه الجوانب من شخصيته، التي كشفنا عن بعضها فيما مضى، تنبئ عن أفق واسع،وذهن متفتح ، وحب للتطوير إلى درجة انه يعشقه، فلا يكاد يقنع بالوضع الذي هو عليه حتى يبحث عن كل جديد ويسعى إلى الاستفادة منه،طالما انه يسهل عليه وعلى الآخرين أمور الحياة ، فكان لا يخلو بيته من المبتكرات والمخترعات الحديثة، ويسعى إلى استخدامها فلا يجّد جديداً ذو نفع إلا وجلبه مهما كلفه ذلك من جهد ونفقات ،وشجع الآخرين على ذلك ، بل واختم بشاهد قد يندرج تحت أكثر من عنوان مما سبق من جوانب شخصيته ،لما فيه من الدلالات ولكن نضعه هنا لتعلقه بالمبتكرات الحديثة وإصراره على إتقان التعامل معها آلا وهو قيادة السيارة ،فلما بدأ شق الطرق في فيفاء عام 1400هـ تقريبا أحس بحاجته إلى تعلم قيادة السيارة ليستفيد منها في قضاء حوائجه، فترجم تلك الرغبة إلى واقع ملموس فبادر إلى اشتراء سيارة، وسعى إلى تعلم قيادتها وكان حينها قد تجاوز الخمسين من العمر،ومعلوم مدى صعوبة تعلم ذلك في هذا السن،وفي مثل طبيعة بلاد فيفاء الجبلية الوعرة، ومع ذلك أصر على النجاح في ما عزم عليه،مع ما تعرض له في هذه البدايات من حوادث انقلاب فقد انقلبت به السيارة مرتين احدهما في وادي جورى والثانية في النفيعة، ومع ذلك لم يتوقف عن إصراره وتصميمه على النجاح نظراً لرغبته الأكيدة وجموح نفسه القوية، كل ذلك مع ما يسمعه أما مباشرة أو تلميحا من تحذيرات وتثبيطات ،لكن ذلك لم يفت في عضده،ويقلل من عزمه وقد نجح وأصبح يعتمد على نفسه في قيادة سيارته ،وما ذلك إلا دليل على علو همته وثقتة القوية بنفسه،وعزيمته وإصراره على النجاح .
ولنتعرف اكثر على فلسفته في هذا الجانب ومدى استيعابه لكل جديد ونظرته الايجابية له نورد شيئا من قصيدته عن احد هذه المبتكرات في هذا العصر وهي التلفون وما نعرفه اليوم وكيف اصبح من الوسائل الموثرة والمهمة في حياتنا يقول ذلك في عام 1403هـ :
ألـو نعـم ألـو نعـم** كم خدمة اسدى وكـم
يسعى الـى حاجاتنـا** فـي دأب بـلا سـام
نلتقـط الارقـام فـي** يسـر بهـا ونستلـم
سماعـة تـرن بـالأذن** لهـا احلـى نغـم
ترفعـهـا لمسـمـع**ولاقط الصـوت لفـم
تطـل عـن طريقـه**وتلتقـي كـل الامـم
وتنقضي الحاجات في**يسر به بيـن النسـم
يأتـي بمـن نطلبـه**فورا ولم تسـع قـدم
من مشرق أو مغـرب**أو يمن أو من شـأم
في البر والبحروفـي**الافلاك أو بين السدم
نطوي به الدنيا ولـمن**جد مـع البعـد ألـم
ونختطـي حـواجـزاً**ونمتطي شبـه العـدم
ونلتقـي بمـن نشـا**عن كثـب فمـا بفـم
ألم يكـن ألـو نعـم**نعمى ومن اسمى النعم
ألم يكن في عصرنـا**رمـز الرقـي للقمـم
وخدمـة اخـرى لـه**في نظري من ذا اهم
اذا دعتـك حـاجـة**الى المدير المحتـرم
تـروم طـرق بابـه**من بعد شق المزدحم
من اعجزتـه حيلـة**وكان من اهل الفهـم
يأتي الـى محجوبـه**عن رغم انف بالرقـم
فانمـا ألــو نـعـم**من دون اذن تقتحـم
ألم تكـن ألـو نعـم**نعمى ومن اسمى النعم
ومن يلـم ألـو نعـم**لفعـل مخلـوق قـزم
مشاكـس معـاكـس**فقـد تعـدى وظلـم
فالذنب ذنـب غيرهـا**وهي براء يا ابن عم
لله مــن مخـتـرع**كم خدمة اسدى وكـم
..................
لم يكن من أصحاب النظرة القاصرة المحدودة ولم يكن في سعيه طلب الإصلاح مقتصراً على أهله وبلدته مع اهتمامه ببلدته وعشيرته الاقربين ، بل كان يعين ويوجه ويساعد كل من يسعى لفعل الخير في أي مكان ومن أي إنسان، وكان يبذل نفسه وماله لوصول الآخرين إلى الخير، وقد كان لسان كل المناطق الجبلية في منطقة جازان ،تجد ذلك جلياً في قصائده التي كان يلقيها أمام المسؤلين في المناسبات وفي كتاباته ومطالباته التطويرية وكان بالفعل يمثل هذا القطاع خير تمثيل بل قد مثله رسميا عندما اختير هو والشيخ محمد بن احمد السلمي الريثي عضوين في مجلس المنطقة فكانا لسان القطاع الجبيلي بكامله.
بل لا يكاد ذكر ساق الغراب يفارق عباراته ومطالباته وكلماته وأشعاره، وساق الغراب هذا هو كامل القطاع الجبلي في منطقة جازان ، والذي ينقصه الكثير من الخدمات أسوة ببقية المنطقة بسبب بعده ولصعوبة تضاريسه، لذلك كان يسعى دوما إلى أن يلحق ببقية الركب،وينعم اهله بما ينعم به الآخرون مما وفرته لهم الدولة حفظها الله ، وقد تحقق بحمد الله الكثير مما كان يرجوه.
ولإيضاح النزر البسيط من مجهوداته في ما ذكرناه ، انه في بداية عمله الوظيفي كقاض لفيفاء ،كلفه شيخه فضيلة الشيخ عبد الله القرعاوي (رحمه الله) بالإشراف على مدارس القطاع الجبلي فيفا وبني مالك فقام بعمله على خير وجه، ورعى هذه المدارس رعاية تامة دون تفريق بين جهة وأخرى فكان يفتتح هذه المدارس في الأماكن المحتاجة، وكان يزورها ويشرف على الدراسة فيها، ومتابعة معلميها وتوزيع مخصصاتهم ومكافآت الطلاب فيها ،فيوصلها بنفسه ليتخذ من ذلك سببا للتوجيه والإرشاد ،أو يكلف من يقوم بذلك نيابة عنه، وكان يقوم بالرقابة على الدراسة والاختبارات للطلاب ، واستمر في تقديم الخدمات لكامل القطاع في كل المجالات، حتى اتخذه مشايخ القبائل في هذه المناطق مستشارا لهم لما وجدوا فيه من النظرة الصائبة وغير المتحيزة، التي تحب الخير للجميع وتعين عليه ،فهو المتحدث في معظم المطالبات باسم كامل القطاع في سبيل النهوض بهم وحصولهم على ما ينقصهم من طرق ومدارس ومستشفيات وخدمات عامة ،بل اهتمامه يشمل كامل المنطقة ، نورد كشاهد قصيدته ،التي أعدها ليلقيها أمام خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله ،أثناء زيارته التي كانت مقررة للمنطقة في عام 1409هـ ،والتي أجلت حينها لظروف خاصة، وقد قال فيها:
يوم من الدهر في تاريـخ جـازان ** أغر بـاه عظيـم القـدر والشـأن
يوم تنفـس عـن صبـح أشعتـه ** تألقـت بسنـى حـب وعـرفـان
يوم به ازدهرت ربوعنـا وزهـت ** واستبشرت بلقـاء القائـد البانـي
فهد المفدى حبيب الشعـب رائـده ** زعيم نهضتـه فـي كـل ميـدان
من سلة الخبز من ارض التهائم من ** سهوله الفيح ذات الشيـح والبـان
من الموسم مـن أقصـى مرافئـه ** ومـن جزائـر فرسـان لذهبـان
ومـن مدائنـه صبيـا وسامـطـة ** أبـي عريـش وأريـاف وشطـآن
إلـى شوامخـه الشمـاء زاهيـة ** بحسنها الفذ لا من صنـع إنسـان
من السلاوين من فيفا الجمال إلـى ** قيس فعبس ومـن كتفـى لطـلان
ومن صماد إلى قصي إلـى حشـر ** للريث مـن قهـر منهـا لزهـوان
ومن مصيدة من جورى ومن ضمد ** ومن قـرى ووعـال ثـم شهـدان
ومن دفـا يخـرف بيـش لنافيـة ** ومن وساع إلـى بيـض فرمـلان
ومن جد خاشـر حبـس إلـى قيـر** بني صهيف ومن فيـض لعثـوان
من الصهاليل من خشل ومـن ليـة ** كذاك مـن خلـب أيضـا لنخـلان
من سمـرة عتـود وكـل منتجـع ** وغابـة وشناخـيـب وشعـبـان
ومـن حقـول وأدغـال واشفيـة ** من ثغرك الباسم الزاهي لظهـران
تبخترت وانتشـت تيهـا بطلعتكـم ** يضوع منها شـذى روح وريحـان
فأهنأ مليكي بعرش أنـت صانعـه ** في كل قلـب وإحسـاس ووجـدان
ولنهن نحـن بهـذا الملتقـى فلـه ** مـا بعـده دونمـا شـك ونكـران
فاليوم يومـك ياجـازان فأبتهجـي ** ورددي غبطـة آيـات شـكـران
اليـوم يـوم لـه بعـد ومنطلـق ** ودفـعـة لمشـاريـع وعـمـران
آن الأوان لكيمـا تنهضـي قدمـا ** وتلحقي الركب من قاص ومن دان
فما تهامة في عين المليـك سـوى ** نجـد ومـا مضـر إلا كقحـطـان
أبنـاء مملكـة أرسـى قواعدهـا ** في ظل عـدل وإحسـان وإيمـان
صقر الجزيرة محـي مجـد امتنـا ** عبد العزيز الإمام المصلح البانـي
وشيد الصـرح أنجـال لـه نجـب ** شم الأنوف علـى صلـد وصـوان
من العقيدة والحـب الـذي أتلفـت ** به القلـوب فعـم الخيـر أوطانـي
فيـا أبـا فيصـل تفديـك أنفسنـا ** أنظر إلينا بعيـن الوالـد الحانـي
نحن بخير وفي امـن وفـي رغـد ** وانعم لـم تعـد تحصـى بـأوزان
لكـن تضاريـس بلـدان مبعثـرة ** شلت خطانا بقيد البائـس العانـي
حتى اللجان إذا ما كلفـت قصـرت ** بها العزائم عـن مسـح وتبيـان
بنو قضاعة من ساق الغراب وهـم ** أحفاد من ذكروا في وفـد خـولان
وشاركـوا فـي فتوحـات مقدسـة ** وجاهـدوا أهـل كفـران وطغيـان
قبائل لـم تـزل تخفـى مجاهلهـا ** مكرتنـيـن بـأدغـال ووديــان
من الحـدود إلـى ارض السـراة ** ومن برك الغماد إلى أطراف نجران
تقوقعوا يا طويل العمر مـن زمـن ** ساد الظلام به مـن شـر أزمـان
أزمان جهـل وفقـر لا مثيـل لـه ** والجهل والفقر يا بئس الضجيعـان
ولم يزل بعضهم يحيا على شظـف ** قصورهم لم تزل أعمـاق غيـران
لم يعرفوا لبـس سـروال وكوفيـة ** ولا انتعـالاً وتفصيـل قمـصـان
ولا اغتسال بصابـون ولا كتبـوا ** ولا تلـوا سـورا مـن آي قـرآن
أو يشربوا الماء صفوا لـم تلوثـه ** بعض القذورات من روث وديـدان
وان يكونوا بهذا الوضع قد قنعـوا ** فـذاك مدعـاة إشفـاق وتحنـان
لأنهم ألفوا الحـال الـذي نشئـوا ** عليـه مـن عهـد آبـا وجـدان
وهـم خليـة نحـل فـي كثافتهـم ** وطاقـة فـذة عظمـى ذوو شـان
أعراقهـم قحـة لـم تختلـط أبـدا ** بأجنبـي ولـم تصبـغ بـألـوان
وهم أشداء في الهيجـاء واحدهـم ** عند اللقاء كعفريـت مـن الجـان
والصدق والصبر والإخلاص ديدنهم ** مـن انقيـاد وإيفـاء وإذعــان
فأحي ميتا فمن احي المـوات لـه ** ونمهـم بنـمـا العـصـر والآن
صغهم وصنهم ودعهم في أماكنهـم ** مثل النفائس من مـاس وعقيـان
واضرب بهم من تشا عند اللـزوم ** كمن يحيد عن منهج الإسلام فتـان
وادفع بخطتهـم وارفـع مكانتهـم ** وامسح بيمناك من بؤس وحرمـان
إن لم تنلهم يد الإصلاح من يدكـم ** ساموا كأنعامهم من غيـر رعيـان
إن لم تغثهم وتمسح عن كواهلهـم ** تلك العوامل هل مـن منقـذ ثـان
غير ألآله الذي أجرى علـى يدكـم ** صنائع الخير مـن بـر وإحسـان
واهنا بما كسبت يمناك مـن منـن ** ومن أيـاد ومـن تثقيـل ميـزان

شجاعته :

كان كما ذكرنا يتمتع بشخصية قوية وطموح متوثب، وكان يدعم كل ذلك الكثير من الشجاعة التي وهبه الله إياها في قلبه وفكره وجنانه، فلا يتهيب أبدا ولا يقف الخوف عائقا له عن شيء مهما كان مادام مومناً به ،وكأنّ الخوف لا يعرف إليه سبيلا إلا خوفه من الله سبحانه وتعالى ،فكان يبدي وجهة نظره مهما كانت، ويفصح عما يجده صوابا ولو لم يوافقه عليه الآخرون دون خوف أو مواربة، ولكن باسلوب الحوار والاقناع بما يتوافق مع المقام ، وكان يحسن التصرف في أموره كلها، مما ينم عن العقل والحكمة المقرونة بالشجاعة، يسير في ذلك وهو مرتاح الضمير والوجدان دون تردد أو تلعثم ، وتبرز شجاعته بوضوح في المواقف المتعددة التي لا تفقده تفكيره المنطقي السليم مهما كان .
لقد كانت شجاعته تلك جبلة منذ طفولته، وصقلها والداه، فمنحاه الثقة بنفسه وبثها فيه، فتربى عليها ومارسها في جميع ادوار حياته، واختلطت بجميع جوانب شخصيته ، فلا ينفك عنها ولا تنفك عنه، يسيرها العقل والعلم والحلم .
لديه استقلالية في تفكيره، وحرية في تطبيق ما يراه مناسبا، يدعمه في ذلك تلك الثقة المطلقة له من والديه، بعد أن عرفا حسن تدبيره وصواب فكره ، فأصبحت جبلة فيه وخلق سار عليه ،لقد واجه الكثير من المحكات التي أبرزت هذه الخواص لديه .
من أول المواقف التي تعرض لها وتحملها بصبر وشجاعة ذلك الموقف عندما اخذ رهينة مكان والده وهو صغير لا يتجاوز الثانية عشرة،حيث حبس فترة في سجن فيفاء،وذلك عندما قتل ابن عمهم(مفرح بن يزيد) أمير مركز فيفاء ثم هرب،فأخذت بعض قرابة القاتل كرهائن حتى يتم إحضاره ،على ان يقوم البعض الاخر بالبحث عنه واحضاره ، فبقي في السجن إلى أن قتل القاتل .
ومن ذلك أيضا : انه كان يسافر لطلب العلم ويتنقل من بلدة إلى أخرى منذ صغره ،حتى انتقد بعض الناس على والده كيف يسمح له بالسفر وحده وهو في هذا العمر فقد سافر إلى صامطة وبيش وغيرها من مدن المنطقة، وكان في معظم أسفاره هذه وحيدا لا رفيق له ولا انيس وهو سفر شاق ومتعب ومخيف،ولم تكن متوفرة وسائل النقل ولا الاتصالات بل كانت توجد مخاوف ولصوص وحيوانات مفترسة وجوع، فلولا ما كان عليه من شجاعة وعزيمة وقوة شخصية وعدم تردد وجبن لما استطاع الإقدام على ذلك، ولكن صفاته وشخصيته المتوثبة الشجاعة وقوة جنانه تجعله لا يتوقف عند هذه الأمور، ولا تحول دون تحقيق طموحه في حياته العامة وممارسته لمهامه الوظيفية، وقد برزت هذه الخاصية بوضوح،عندما تولى القضاء ومعلوم ما في القضاء من احتكاك مباشر مع اصحاب القضايا وبالذات إذا كان القاضي في بلدته ومع أهله وأقاربه ،وقد قيل (من عرفك صغيراً احتقرك كبيراً) وهذه ألمقوله كانت تنطبق عليه، ولكن نجاحه ومميزات شخصيته القوية ، وسيره بالعدل في كل أموره مع كل الناس ، وسعيه لما فيه مصالحهم ،كل ذلك جعله متميزاً مع ان من تولى القضاء عرضة لسخط كثير من الناس كما قال ابن الوردي :
إن نصف الناس أعداء لمنولي الأحكام هذا إن عـدل
وقد ظهر تميزه ونجاحه في احترام الناس له ويظهر ذلك جلياً في حفل التوديع الذي أقامه أهالي فيفاء له، عند انتقاله للعمل في محكمة التمييز بمكة المكرمة وظهر ايضاً فيما يردده المعجبون به بعدما تم ترقيته على وظيفة قاضي تمييز، من إطراء وثناء صادر من قلوب صادقة محبة، معترفة بالجميل .
إن القاضي مهما عمل لن يرضى عنه كل الناس ،لان القاضي لا بد أن يحكم لواحد من الخصمين ،فإذا كان هناك مظلوم ففي المقابل ظالم ،ومن لم يكسب القضية يبقى ساخطاً على القاضي وارضاء الجميع يكون مستحيلاً ولذلك قد يتخذ بعضهم من القاضي موقفا عدائياً،بل قد يسعى إلى تحين الفرص للانتقام من هذا القاضي ، ولاشك ان الوالد كان يشعر بذلك ويعرفه ،بل ويحسه في كثير من المواقف وفلتات الألسن، ومع ذلك لم يوثر فيه ذلك أو يزحزحه عن طريقه المستقيم، بل مارس حياته ووظيفته دون تغيير أو تأثر، مع اتخاذه الوسائل الكفيلة بما يقف أمام كل ما قد يوثر عليه،فهو شجاع القلب قوي الإيمان كثير الاتكال على ربه ، تراه يتحرك مع الناس وبينهم ويمارس حياته في بيته وفي محكمته وفي سوقة ومسجده وشارعه وفي كل وقت ومكان ، بشكل طبيعي دون تغيير، رافعا رأسه معتزا بنفسه ،لا يعيقه خوف أو يعتريه وجل عن قول الحق والحكم به ، مهما قيل ومهما هدد أو ارجف المرجفون .
بل ومن الأشياء التي تبرز بوضوح بعض ما ذكرنا ، انه في ذلك الوقت كانت العناية الصحية غير متوفرة حيث يضطر الناس إلى العناية بمرضاهم،ومن ليس له قريب يعتني به فتراه عالة على المحسنين،وإن كان مريضا نفسيا، فهو يهيم في الطرق دون عقل، وقد يوذي الناس ويتعرض لهم ،وبما أن السوق المجاور لمنزلنا هو المقصد لكثير من هولاء حيث يحتلون الدكاكين الموجودة فيه ويقيمون فيها حتى تمتلي بالكثير منهم، ولما للقاضي من دور ومكانة لدى الناس في إحقاق الحق ونشر العدل، فلا يغيب أللجوء إليه عند كثير من هولاء المرضى ،الذين يشعرون بمظالم وقعت عليهم سواء كانت حقيقية أو وهميه ، فيرون أن القاضي هو الذي سينصفهم فيها ولا ريب في ذلك إن كانت حقيقية ، لذلك يكثرون التردد عليه والتعرض له في كل وقت وحين ، يشكون عليه ما يحسون به وما يتصورونه وقع بهم ،ومنهم من يشكل خطراً لكنه مع ذلك يقابلهم ويحاورهم ويتبسط معهم، ويرضيهم بمناقشاتهم والتواصل معهم، مع قيامه بما يستطيع من ادوار تزيل أو تخفف عنهم بعض ما هم فيه ، وقد يتردد عليه الواحد منهم عدة مرات في أوقات مختلفة، وفي مواضيع متعددة، وقد يستغل بعضهم من قبل من لا يحب القاضي فيشحن قلبه ويملؤه غيظاً ،ليصلوا من خلالهم إلى ما لم يستطيعوا الوصول إليه بأنفسهم من إلحاق الضرر بالقاضي وبعض هولاء المرضى قد يشكل خطراًً لذلك تجد أهاليهم يسبقونهم إليه ليحذرونه منهم،ومع ذلك فلم يكن يحتجب عن احد خوفا أو رهبة، بل يقابلهم كعادته ويؤثر عليهم بقوة شخصيته واعتداده بنفسه، ولا يذهبون من عنده إلا وهم راضون منه وعنه .
من القصص التي تحضرني والتي تدل على شجاعته واعتداده بنفسه وإفصاحه عن رأيه دون خوف أو تردد أو وجل، أن هناك قضية أقيمت لديه في المحكمة فيها ظلم من احد الخصوم للآخر، مكنه على ذلك انه حلف يمينا فاجرة، فصدر الحكم لصالحه، فأحس الخصم بالظلم والغبن الذي حاق به بسبب ذلك ،فرفع يديه داعيا وطلب من الحضور التامين على دعائه، فكان ! فقد دعا على أن الظالم منهما لا يصل إلى بيته هذا اليوم إلا وقد أصابته مصيبة تدل الناس على ظلمه، فامّن الحاضرون ، بل إن خصمه أمّن ضمنهم رافعا بها صوته ، وما إن خرجوا من المحكمة حتى جرى خصام بين ابني هذا الحالف ،احتدم واشتد فاعتدى احدهما على الآخر فقتله وجرح والده، فحمل الأب إلى المستشفى والابن إلى المقبرة والجاني إلى السجن،فكان لتلك الحادثة وقع كبير بين الناس، وتأثر الوالد كثيراً لمعايشته للقضية من أولها إلى ما انتهت إليه، فضمّن ذلك قصيدة شعرية، بعنوان قصة وعبرة، تحكي ما استشفه من هذه الحادثة،وقد نشرها في احد دواوينه المطبوعة، فلما اطلع عليها الجاني بعد خروجه من السجن لعفو والده عنه وانتهاء الحق العام ،لم يعجبه ذلك واعتبره تشهيراً به ،وكان رجلا عدوانيا غير متزن التصرفات لا يؤمن شره ، فكان يتردد على الوالد عدة مرات ، طالبا منه حذفها من الديوان ، وأكثر الطلب والنقاش والتوعد،فحاول إقناعه بالتي هي أحسن ثم اعلمه باستحالة ذلك ،وأخيرا لما لم يجد نتيجة، ورأى صلابة الرأي والمنطق سكت .
وهذا كشاهد فقط وإلا كم من خصومات تحدث في المحكمة ومشاجرات تصل أحيانا إلى استخدام الأسلحة، فكان يسيطر على الوضع بقوة شخصيته وحزمه وشجاعته.
........................
وتتجلى شجاعته أيضاً في الدفاع عن حقوقه عندما يتطلب الامر ذلك حيث لا يصبر على الضيم ولا يتوانى في اتخاذ كل الوسائل والسبل التي يرى أنها تؤدي الى انصافه،و نورد من ذلك نموذجا لرسالة رفعها لولي الأمر (الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله ) تتعلق بتظلمه من احالته على التقاعد قبل بلوغ سن التقاعد وذلك بدون سبب يعلمه،أحس بان ذلك إجحافا وحيفا لحق به ،وشعر أن فيه قدحاً وباباً للقالة فتح عليه ،فقد وجد أن ما صدر ضده ليس له مبرر من نظام، وإنما هو نتيجة استماع القيل والقال من المغرضين والحاقدين والاجتهاد الشخصي الذي لا يستند على شرع ولا نظام وهذا نصه :
"بسم الله الرحمن الرحيم
إمامنا العادل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود
أيده الله بنصره وتوفيقه أمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ...
لقد نعم شعب المملكة العربية السعودية بحكم أسرتكم القائم على العدل الذي قامت به السموات والأرض، والذي من ابرز سماته إكرام العلماء وصون كرامتهم وحماية حقوقهم منذ أن تأسست دولتكم الغراء في عهد الإمامين العظيمين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله فكتب لهما العز والنصر والتمكين ، تحقيقاً لوعد الله الصادق (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ).
وأي نصر لله أعظم وأنبل وأبر وأتقى من نصر وعاة شرع الله وورثة أنبيائه ورسله، وحملة منهجه الذي اختاره لعباده شرعة ومنهاجاً واختارته حكومتنا الرشيدة دستوراً ونظام حياة.
وقد برزت هذه السمة العظيمة في ابهى معانيها في عهدكم الميمون، وحق لكم أن ترفعوا قدر من رفع الله قدره وأعلى مكانته بقوله عز شانه: (يرفع الله الذين امنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) .
وحق لنا معشر طلبة العلم أن نثق وتطمئن نفوسنا بأننا نأوي إلى ركن شديد يرعى حقوقنا ويذب عنها وينتصر لها لأننا من صنع أيديكم وثمار غرسكم ، فأنتم ملجؤنا بعد الله لحماية ظهورنا ،ونحن نتفانا في خدمتكم وخدمة المنهج الذي تسيرون عليه، ومتفيأ ظلال حكم عادل نعتز به ونعمل من اجله بكل ما أوتينا من قوة وإخلاص وعزم، وفي كل ما من شأنه عز الإسلام والمسلمين ورفعة الوطن وترسيخ دعائم هذا الكيان الذي نعيش في ظله الوارف ، الممثل للخلافة الإسلامية .
لقد قام مؤسس هذا الكيان جلالة والدكم بتوحيد أطراف هذه المملكة وضم بعضها إلى بعض ولمّ شعثها وجمع شتاتها وأزال أسباب العنصرية والفرقة والاختلاف بين أبنائها، وجعلهم في الحقوق والواجبات سواء لا فرق بين شماليهم وجنوبيهم ونجديهم وتهاميهم عملا بقوله سبحانه: (إن أكرمكم عند الله اتقاكم انه عليم خبير) ، فعاشوا ولله الحمد أخوة متحابين على أساس ثابت من العدل والمساواة .
وثبت رجال أسرتكم الرواد على هذا المبدأ الشريف ، وكان لمقامكم الكريم رأي ثاقب، واختيار صائب ، في تولية الصالحين من العلماء العاملين من مختلف المناطق في المراكز القيادية للأمة، لتتظافر الجهود، ويكتمل البناء، وتذوب العنصرية، ويسود العدل والنظام بين الجميع .
ولكننا مع كل أسف نلمس من بعض الفئات أنها تنظر إلينا نحن أبناء جنوب المملكة ــ جازان ــ عامة وطلبة العلم خاصة بعين الاحتقار والازدراء، ويتعالون علينا، ويروننا طبقة دونهم وكأننا لم ننهل معهم من معين واحد ، وننتمي إلى عرق واحد، ويرفرف فوق رؤسنا علم واحد، ونسير خلف قيادة واحدة لا تفرق بين مواطن وآخر ، وكلما دنا احدنا من منصب خافوا مزاحمته لهم ، والصقوا به التهم ليتخلصوا منه ويستأثروا بقربهم منكم وخدمتهم لكم ، في حين أن الذي من فئتهم يحتضنونه ويخفون سواءته ويتسترون عليه، ولم يعاملونا بمعيار واحد بدون تحايل على نظام، أو تحامل على أشخاص ، ومقامكم الكريم لا يرضى لنا منهم هذا التفريق العنصري وانتم ولاة امرنا ورعاة حقوقنا ، وقادة مسيرتنا الظافرة وأزمة أمورنا جميعاً في أيديكم .
يا خادم الحرمين الشريفين لقد آن لي بعد هذا التمهيد أن أبثكم شجوى واشرح لكم مظلمتي: لقد علمت أن مجلس القضاء الأعلى أصدر قرار من ضمن قراراته في جلسته الأخيرة بإحالتي على التقاعد، لا لأني بلغت السن النظامية للتقاعد، ولا لضعف في بدني ، أو قصور في علمي ، أو كلل في ذهني، أو وهن في قواي، أو تقصير في عملي ، ولا لمبرر وجيه أعلمه تقبله النفس الأبية، ويرتضيه الضمير الحي ، وما ذلك إلا أنني أول طالب علم من منطقة ـــ جازان ـــ صار عضواً في هيئة التمييز وشغل منصب رئيس دائرة فيها، وقد بقي لدي بقية من طاقة ، ومتسع من الوقت للعمل قبل بلوغ سن التقاعد ، ورغم تأخر ترقيتي من قبل المجلس إلى درجة قاضي تمييز فترة طويلة سيراً على ما اعتاده بان لا يرقى أحدا من أبناء هذا الاقليم إلى قاضي تمييز إلا إذا لم يبق بينه وبين التقاعد إلا قليل.
كما شملت قراراته أخي الدكتور سليمان بن قاسم الفيفي رئيس المحكمة المستعجلة بالطائف الذي استبعدت ترقيته إلى درجة قاضي تمييز التي يستحقها منذ زمن وقدم عليه من هو أقل منه مستوى وسناً وخدمة ويفوقهم بدرجتين علميتين هما درجة الماجستير والدكتواره ونقل من رئيس محكمة إلى عضو قضائي ، فأين العدل المتوخى من المجلس في هذا الحال وأين التمسك بتطبيق الضوابط التي حددها نظام القضاء للترقية .
يا خادم الحرمين الشريفين : قال الله تعالى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) ولقد ظلمنا حقاً ، ولا أحب التحدث عن نفسي ولكن الضرورة الجأ تني إلى ذلك.
لقد كلفت بتولي القضاء في عهد جلالة والدكم الملك عبد العزيز في عام 1372هـ ومارسته عمليا في منطقة فيفاء بجدارة ولله الحمد إلى أن رفعت في وقت متأخر في عام 1406هـ إلى قاضي تمييز في هيئة التمييز بالمنطقة الغربية رئيساً للدائرة الحقوقية الثالثة ، وقد قمت بالخدمة في مجال القضاء في منطقة نائية وعرة متأخرة وحققت من خلال عملي فيها ما لم يحققه غيري من الإصلاحات في مجالات الدعوة والإرشاد والتربية والتعليم وتقويم المعوج وإصلاح الفاسد من الأمور في حدود الطاقة والفضل في ذلك يعود لتوفيق الله تعالى لي ثم لحكومتنا الرشيدة التي اتاحت لي فرص الإصلاح وهيأت لي الظروف المناسبة للعمل ، فأديت بعض الواجب لمجتمعي وديني ووطني وحكومتي.
وهاءنا اليوم وقد جاوزت الستين من العمر وبلغت السن التي تعتبر قمة الاستواء والنضج، وأبعد ما يكون عن السفه والطيش إذا بي أفاجأ بما ليس في الحسبان وأمس في شرفي وكرامتي وسمعتي وينال من قدري عند من يكبرني ويتخذني له مثلاً وقدوة صالحة وأسوة حسنة ، انه إجراء تنفطر له القلوب والأكباد ويندى له الجبين ، ولا يحسن بي السكوت عليه بحال من الأحوال لا من حيث المادة فانا أدرك أن رزقي بيد الله سبحانه وأنني الآن أصبحت اعمل بدون مقابل لان معاشي التقاعدي فوق صافي راتبي وأنا على راس العمل ، ولكن شرفي أغلى عندي من أي ثمن ، ومازلت أتلمس الأسباب التي بنى عليها مجلس القضاء الأعلى قرارية المذكورين ....
(لقد أورد الكثير من الأمور المنطقية والشواهد الواضحة على ما حاق به من ظلم في هذا المجال رأينا عدم إيرادها هنا لكونها لا تفيد المتلقي ) إلى أن يقول :
خادم الحرمين الشريفين لقد عدت إلى الأنظمة التي تحمي حقوق الموظف وتصون كرامته بما في ذلك نظام القضاء فوجدتها تكفل لرجل القضاء حريته وحصانته واستقلاليته وانه لا سلطان عليه لغير أحكام الشريعة الإسلامية،والأنظمة المرعية ، وانه ليس لأحد أن يتدخل في القضاء وان القضاة غير قابلين للعزل ولا إنهاء الخدمة إلا في حالات مبينة في النظام لا ينطبق بحقي شيء منها .
ومجمل القول وخلاصته أناشدكم الله يا خادم الحرمين في حمايتي من الاتهامات الباطلة وصون سمعتي وكرامتي في حدود نظام القضاء الذي يكفل للقاضي حقوقه ويحمي شرفه وذلك بعدم إحالتي على التقاعد بالصورة التي صدر بها القرار الموحي بفقد الثقة والاعتبار حتى ابلغ السن النظامية طبق المادة51 من نظام القضاء أو مواجهتي بأي اتهام ضدي وإعطائي حق الدفاع عن النفس والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
رئيس الدائرة الحقوقية الثالثة
بهيئة التمييز بالمنطقة الغربية
علي بن قاسم سلمان الفيفي ".
وقد أمضي قرار الإحالة وتقبله بكل رحابة وصبر وإيمان ولم يهزه أو يؤثر فيه بل استأنف حياته في المجال الذي يتقنه (المحاماة) ونجح نجاحا باهرا فيها، وقد لخص ردة فعله في قصيدته بعنوان (كم قتيل للهوى طلت دماه) التي نشرها في ديوانه المطبوع (باقة شعر وإشعاع فكر) لمن أراد أن يطلع عليها كاملة وسنورد شيئا منها لتدليل على ما اشرنا إليه في المقدمة من قوة إيمانه وشجاعة قلبه ، ومنها :
سر على النهج السويّ في الحياة**واتق الله الـذي ترجـو رضـاه
واستقـم وأدأب ولا تحـزن ولا**تبتئس يوماً ولا تخـش سـواه
إلى أن يقول:
وأسال التاريخ تسمع عجبـاً**عن سعاة دنّسوا شمّـا أبـاه
كيف صاغوا شبها من نسجهم**وأجادوا حبكها عنـد الـولاه
إلى أن يقول:

فاصطبر مسترجعـاً مستكفيـاً**يا الذي ديست عياناً كبريـاه
ولتطب نفسـاً وقـل مبتهـلاً**من يكن مستنصراً ربّي كفـاه
والذي للخيـر يرجـى نفعـه**نابه مـن دون كرسـي قـلاه
والمجـالات تجـد أبوابـهـا**أشرعت في كل منحًى واتجاه
ولتكن في مستوى البلوى وفي**ثقـة كبـرى بتأيـيـد الالاه
وادع ربّا لـم يهمـش أحـداً**أو يضق ذرعاً بعبد قد بـراه
ربّ عـدّل كـل شـان حاقـد**أو أرح منه وعجـل منتهـاه
هـذه نفثـة مـفـؤد شـكـا**بثه يا من يجيب مـن دعـاه

...................................

ثقته بنفسه :

كان ذو شخصية قوية وواثق بنفسه إلى ابعد الحدود ،لما وهبه الله سبحانه وتعالى إياه، ولما اكتسبه ونماه، وبما هيئاه له والداه رحمهما الله، فقد أحسنا تربيته وأولياه ثقة كبيرة لما وجدا فيه من أمارة النجابة والذكاء وحسن التصرف،حيث استشعرا فيه مميزات النبوغ والفطنة من صغره،فنميا فيه ذلك ، وكان عند حسن ظنهما ولم يخيب أمالهما،بل كانت هذه الثقة في محلها ،فمنذ صغره وهو ينعم بتلك الثقة منهما فيما رأياه أهلاً له، بل كان سندا لهما ومعينا لهما طوال حياتهما، ، فما من شيء يريده ويطمح اليه إلا وأعطياه فيه مطلق الحرية يختار لنفسه ما يراه مناسباً،دون تدخل منهما، ثم يؤيدانه فيما يختار ويشجعانه عليه ،ويظهران له اعتزازهما بما اختاره،بل ويشعرانه بان اختياره هو عين الصواب ،فلا يظهرا له أي معارضة أو تردد فيما ارتأه، فزاده ذلك ثقة بنفسه وأعطاه قوة إرادة لتنفيذ ما اختاره ،مما جعله يصل إلى درجة عالية من الثقة بالنفس والاعتداد بالرأي وقوة في الشخصية .
لنستعرض بعض الأمثلة على ما ذكرنا ،فانه عندما اخبرهما بما عرض عليه من السفر إلى صامطة لمواصلة دراسته فيها،لكونه من الطلاب المتميزين في مدرسة فيفاء التي أنشأها الشيخ القرعاوي، حيث وجه الشيخ القرعاوي معلمه بهذه المدرسة الشيخ محمد بن يحي القرني إلى اختيار النابهين من طلابه واصطحابهم معه لمواصلة تحصيلهم العلمي بصامطة،فكان الوالد من ضمنهم ،فلما استأذن والديه، تركا له مطلق الحرية في اختيار ما يراه مناسبا لنفسه، وقالا له (دلك الله على الخير فيما تختار لنفسك)، فلما اختار السفر شجعاها ولم يظهرا له جزعهما لفراقه أو تخوفهما من اغترابه، بل تصبرا وتحملا الم الفراق، مما زاده ثقة فيما اختار، وإصراراً منه وسعياً جاداً إلى النجاح والتفوق،فهما زرعا فيه الثقة بنفسه، فأثمرت تفوقاً ونجاحاً وقوة شخصية وعزيمة، ونفس قيادية وثابة، وثقة بنفسه وبتفكيره, بل بلغا في زرع تلك الثقة في نفسه أنهما كان يوكلان له حل أي إشكال يبرز لهما في حياتهما ويطلبان منه معالجته ،وقد لا يعجزهما حل ذلك الإشكال ،ولكنهما يقصدان اشعاره بحصافة رايه وثقتهما فيه، فهما يربيانه ويزرعان فيه الثقة بنفسه،ليكون ذو شخصية واثقة لما سينتظره في مستقبل حياته ، من اجل هذا اصبح يتصرف تصرف الواثق بنفسه.
وعندما اصبح رجلاً ظهرت قدراته على حسن التصرف ونورد لذلك مثالين قام بهما ونجح فيهما:
الاول: كانت والدته يرحمها الله، قد ورثت نصيباً من ماء المورد المسمى (معّين آل احمد) وينطقونه (معينا احمد)، فإذا تأخرت الأمطار وشحت الآبار، تمسك كل من له قسم أو نصيب في احد الموارد بحقه في ذلك، ففي أواخر الستينات الهجرية من القرن الماضي قلّت الأمطار، مما تسبب في تشاح الناس على الموارد التي يملكونها، فكان يشارك الوالدة في ملك هذا المعين مجموعة دور من أبناء عمومتها الذين تسلسل فيهم هذا الورث ،بل نقول إليهن لأنهن بنات أعمام، وهن أهل بيت المداحل، وأهل بيت السقف، وأهل بيت الحمراء، و(جدتي)صاحبة بيت الرثيد ،فكل هولاء قد ورثن هذه الانصباء في هذا المورد، منذ أجيال قديمة، بالسماع فقط ،دون أن يكون هناك ما يثبت ذلك كتابة ،والناس بطبعهم في الغالب يتظالمون إذا ما وجد احدهم الفرصة، أو ضعف من الشخص المقابل ،فالكثير لا يتوانا عن استغلال المواقف في إيقاع الظلم بالآخر إلا ما رحم ربك ،وذلك ما حصل ، فقد اتفق الشركاء على إخراج ابنة عمهم والدة الوالد من نصيبها، ومنعوها من اخذ حصتها المقررة لها بموجب هذه التركة، بدعوى أنها لا تدلي للمورث بما يدلون به إليه من القربى، فهم الأحق منها وهم الأولى بهذا الماء دونها ،اشتد الأمر عليها وعلى زوجها فالحاجة شديدة إلى الماء، ولا يعرفون وسيلة للخروج من هذا المأزق فالحيلة قليلة، ولابد من التصرف فالأمر جد خطير لهما،ولكن كيف السبيل ، لم يخطر على بالهما في هذه الحالة إلا ولدهما ، ولكن أين هو الآن ؟ فهو مسافر لطلب العلم، وهما يثقان به إذا حضر ولاشك سيجد الحل المناسب،وسيثبت حصتهم الأكيدة في هذا الماء ،عملت هي وزوجها على جانبين ،الأول الاسنتصار بمن سيوقف هذا الحضر عليهما في الوقت الحاضر حتى يتم البت في صحة هذه الدعوى من عدمها،والثاني هو إثبات حقها وبطلان دعوى هولاء في حرمانها من نصيبها، لأجل ذلك سعت أولاً بالاتجاه إلى شيخ قبيلة آل ظلمة جارهم الشيخ سليمان بن علي الظلمي رحمه الله لمكانته في المجتمع وقوة شخصيته ،ولكون والدها أوصى بها إلى أسرته لحفظها ومناصرتها والدفاع عنها لكونها كانت وحيدة ولا يوجد لها عضيد أو قريب من الرجال يدافع عنها ، ولما كان يدلي به اليهما من نسب فهم أخواله ،فجاء وقته الآن فقد التجأت إليه ليقف معها ويعينها على رفع أمرها لولاة الأمر لإنصافها وإحالتها مع خصومها إلى المحكمة لتحكم بما تراه ، والاستمرار على الوضع الحالي من قسمة الماء على ما هم عليها من قبل ،حتى يصدر بينهم حكم فاصل ،وهو ما حصل فقد وقف معهما وقفة جادة ،وأما التصرف الثاني فانهما كتبا رسالة إلى ولدهما (علي) يستعجلانه في الحضور، وكتدليل له على أن الأمر جد خطير يتطلب حضوره سريعا ،فقد رمزا له بإحراق طرف الرسالة، حسب ما هو متعارف عليه في ذلك الوقت أن الأمر لا يتحمل التأخير،فلما وصلت الرسالة بادر في الحضور، وكانت القضية قد أحيلت إلى المحكمة الشرعية بناء على مسعى شيخ آل ظلمة وفاء لمن استجارت به ، وقد استطاع الوالد كسب هذه القضية لوالدته بعد أن اثبت أحقيتها في هذا البير من خلال إثباته حصر الورثة الذين يحق لهم الاستفادة من هذا الماء، وسلسل النسب لكل واحد منهم حتى أوصله إلى المورث الأساسي ،وبذلك أبطل دعواهم ضد والدته واثبت حقها في نصيبها من هذا المورد ،فانكشفت عنها الغمة وانزاح عن كاهلها هم ما جرى، بل أتضح أن لها نصيب أكثر مما كانت تأخذه من قبل لكونها أكثر قربا من بعض الأخريات ولكنها لم تطالب بذلك.
فنلاحظ أن والديه هما في هذا المثال وثقا به،واطمئنا بأنه سيوصلهما إلي اخذ حقهما لوعيه وعلمه، فكان أهل لثقتهما، فقد عرف كيف يتوصل إلى حل هذا الإشكال بطريقة صحيحة، مبنية على أصول المواريث وأصول التحاكم بما لديه من علم ومعرفة ، وكان له ذلك درس عملي لما درسه ولمدى ما وصل إليه من قدرات، وزاد من ثقته بنفسه.
الثاني: أما القضية الثانية،فهي تتعلق ببيت والده المسمى خفرة الذي آل إليه بالتعصيب، فهو بيت عمه ،الذي خلف بنات وزوجه فلما توفين عاد إليه ارثاً بالتعصيب لكونه اقرب رجل وارث، وهذا البيت له حكاية طويلة ملخصها أن والد جدي وعمه توفيا في وقت متقارب، في سنة جوع ومرض، وذلك في العشرينات من القرن الماضي وكان بيتيهما متجاورين احدهما المسمى (نعيمة) وهو البيت الكبير الكائن بقمة ذراع منفة وهو لوالد جدي، وبيت (خفرة) لأخيه وهو بيت صغير مجاور لنعيمة في الجهة الشرقية منه، ولما لم يكن لهما من الورثة إلا جدي وأخ له صغير والبقية نساء فقط ، وكانت الأمور صعبة جدا يكتنفها الخوف والفتن والجوع والأمراض، فكان جدي هو المعيل الوحيد لكل هؤلاء مع صغر سنه في ذلك الوقت ،ومع ذلك فقد أدى دوره كما ينبغي فكانت زوجة عمه تقدر له هذا الجهد الذي يبذله لها ولبناتها وهو ليس ملزما بذلك، فاتفقت معه من باب رد الجميل بأنه إذا واصل العناية بها وببناتها إلى أن يموت من يموت أو يتزوج من يتزوج فالبيت (خفرة ) يكون له مقابل ذلك، وقد تم ذلك فقد أوفى بما التزم به لهن فرعاهن أتم رعاية حتى تزوجن البنات والى أن ماتت أمهن ثم توفين بعدها، وبالتالي أصبح البيت ملكا له،حسب ما تم عليه الاتفاق ،وهو في الحقيقة الوارث الوحيد لهذا البيت بالتعصيب لكونه اقرب رجل معصب لهن بعد موتهن حيث لا يوجد لهن وارث غيره،ولما انضوت فيفاء تحت حكم آل سعود وفقهم الله، وساد الأمن والأمان، تحركت بعض المطامع لدى بعض الناس ،وظنوا أنهم سيصلون إلى ما يريدون، باستغلال القوانين المطبقة لدى هذه الحكومة، وينزلونها على أمور سبقت هذا العصر، لأنها لو طبقت فستكون مدخلا لهم في الوصول إلى ما يرغبون ،فلما كان لأحدى بنات عم جدي بنت ، أغراها من له مطامع وأهداف إلى أن توكله ليرفع عنها قضية ضد جدي تطالبه بإرثها من جدها لامها في هذا البيت ، لأنها أصبحت الوارث الوحيد كما يظنون ، وهو ما تم فقد رفع باسمها مطالبة في المحكمة الشرعية ،فاستنجد جدي بوالدي في هذه القضية وسلمه كل الحقائق ليكون المحامي عنه ،وفي أول جلسة حضرها أمام القاضي وبعد أن انتهى المدّعون من دعواهم، كانت إجابته حاسمه ومنهية لهذه الدعوى ولأمثالها، مما لو فتحت فلن ترتاح المحكمة من آلاف القضايا أمثالها ،لقد كانت إجابته على دعواهم بان وجه سؤالا للقاضي عن مدى أحقيته في النظر في القضايا التي سبقت عهد الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله ،لانه يعلم بان هناك أوامر تقضي بعدم فتح مثل هذه القضايا فلما علم القاضي بان القضية سبقت هذا العهد بأكثر من ثلاثين سنة،صرف النظر عنها نهائيا وانتهت المشكلة ،مع انه أوضح للقاضي أن جدي هو الوارث الوحيد لهذا البيت بالتعصيب ، وللعلم فقد اعتذرت هذه البنت وأهلها لجدي عن هذا التصرف الذي أقحمت فيه جهلا منها لصغر سنها عن إدراك ما كان يرمي إليه هولاء وندمت وقبل منها عذرها .
تبرز هذه الثقة التي أولياه إياها في سائر أمور حياتهم، فقد أوكلا إليه الإشراف على تربية إخوانه وتوجيههم ،ومنحاه الثقة للقيام بذلك، فكانت ولاشك تهيئة له للأدوار التي سيقوم به في مستقبل حياته،وقد أكسبته الثقة المطلقة في نفسه والدراية المطلقة بإمكانياته وقدراته فأطلق لنفسه العنان فيما بعد وهو واثق بتصرفاته تمام الثقة .

الدعابة والمرح:

يحب الدعابة وتستثيره النكتة ويستوعبها ويؤلفها، فهو ذو نفس مرحة شفافة، لا يخلو مجلسه من الدعابة والمرح، وبالذات المجالس الخاصة، إن كان خالي الذهن من المشاغل والهموم، ويحلو له ذلك في الأسفار، ولكن ذلك يكون بمقدار، (ساعة فساعة) فإذا جد الجد أو جلس في مجلس الحكم تغير الوضع وساد الحزم والالتزام والهيبة والصمت, وكأنّ على رؤوسهم الطير ، بعكس المجالس الخاصة مع أهله وضيفه وخاصته، فهو ذو روح مرحة وضحك وتبسط، مما يضفي جواً من السعادة والألفة على مجالسه، لا يمل الجالس فيها وكان يتيح الفرصة للكل بالمشاركة والسعادة ،ولعل ما أورده في دواوينه من حوارات فكاهية،كحواره مع فضيلة الشيخ القاضي على بن مديش بجوي، أو مع بعض الشعراء الشعبيين كالشاعر سليمان بن حسين الداثري ،أو على بن جحمة المالكي رحمه الله أو على بن سلمان العمامي خير شاهد على ذلك .
وكان حفظه الله يستعمل الحوار في تثبيت معلومات معينة كحواره شعراً عن علم الاجتماع ، وقد يعالج بذلك قضايا اجتماعية وعادات سيئة كما حصل منه في الحوار المبين بين الدخان والتخزين ، وما حاور به بعض المولعين باستعمال القات وفند ما في هذه العادة من السلبيات والسيئات في حوار ضاحك يناسب القوم ومن هو على شاكلتهم ، وهذا أسلوب حكيم من أساليبه في الدعوة وتغيير بعض العادات السيئة .
...................................

توليه القضاء:

تأهل علمياً إلى درجة كبيرة في العلوم الشرعية واللغة العربية ،وذلك في مدارس فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي رحمه الله، حيث لازمه ولازم الشيخ حافظ الحكمي (رحمهما الله) ،ولما راى فيه شيخه القرعاوي الاهلية لتولي القضاء رشحه ضمن الذين رشحهم للقضاء،عندما طلب منه ذلك صاحب الجلالة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله ،حيث اختار المتفوقين منهم وكان هو من ضمنهم ، فصدرت موافقة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله على تعيينهم قضاة ، وصدر قرار تعيين الوالد وكيلاً للمحكمة الشرعية بفيفاء عام 1372هـ، ثم صدر أمر ملكي فيما بعد بتعيينه قاضياً في نفس المحكمة، وكانت المحاكم أيامها في بداياتها وهي بدايات بسيطة، فلا يوجد لمعظمها مقار رسمية ولا سجلات وقيود، إنما تخضع في معظمها لاجتهادات القاضي وخبرته ،فان كان قاضياً منظماً مجتهداً سرى ذلك على إجراءات محكمته ،والعكس بالعكس ،فعندما استلم الوالد القضاء وكان من النوع المنظم المؤثر، فقد فرض احترامه بحسن ادائه في عمله ، وكان في حاجة لذلك لكونه قاضياً في بلده الذين يعرفونه من صغره،وقد قيل (من عرفك صغيرا احتقرك كبيراً) ،وبفضل ما بذل من جهد لإثبات الذات وتنظيم العمل ،فقد استطاع تغيير كثير من المفاهيم عن دور المحكمة ،أمام المسئولين في البلدة وأمام المشايخ والأفراد،فسعى إلى توفير المقر المستقل للمحكمة، حيث لم يكن لها مقر مستقل، بل القاضي يجلس للخصوم حيثما اتفق، في بيته أو في المسجد أو الشارع أو مركز الإمارة،واستحدث السجلات والقيود والضبوطات التي لا توجد في المحكمة من قبل،فابتدأ يبرز دور القاضي والمحكمة شيئا فشيئا، حتى أصبح لها الدور الكبير المؤثر الذي يحسب له ألف حساب، فكانت ملاذاً قوياً للمظلومين يجدون فيها الحماية والإنصاف والقوة ،وذلك بخلاف ما كان سائداً قبل توليه القضاء فقد كان لا يحوّل للمحكمة إلا النادر من الأمور التي لا تأثير لها، وقد يكون ذلك لعدة أسباب أهمها عدم تواجد القاضي في أكثر الأحوال أو عدم توفر مقر للمحكمة ، أو أن كثيراً من أمراء المراكز أقوياء في شخصياتهم ،ولديهم الكثير من الصلاحيات الممنوحة لهم،إما لأهمية المكان الذي هم فيه ،أو بعده عن المركز ولابد في بعض الحالات من التصرف السريع ،والبت فيما يعرض من حالات دون إبطاء ،أو لأن الأمير كان يشعر بعدم وجود الرقيب عليه والمحاسب له في كثير من الأوقات،إما لبعده عن مركز القيادة ،أو لقصور وعي الناس وجهلهم عن كيفية إيصال شكواهم لمن ينصفهم إذا لحق بهم ضيم أو ظلم ،لذلك كان الأمير يفرض رأيه في معظم الأمور أو كلها في هذه النواحي النائية فهو الكل في الكل، إذ هو الحاكم والمنفذ سواء أصاب أم اخطأ فلا معقب في معظم الأحوال ، ولجهل الناس وغفلتهم عن كثير من حقوقهم، يجعلهم يتقبلون ما يصدر من هولاء الأمراء دون نقاش أو جدال ، نورد قصة توضح جانباً من ذلك وما يرتكب من الكثير من المظالم ، ولا أحد يعلم عنها إلا الله سبحانه وتعالى ، قصة يرويها الوالد حضر مشاهد منها فيقول : انه أول ما عين قاضيا للبلدة، ولا يوجد كما ذكرنا مقر للمحكمة ،فكان يحضر لمركز الإمارة وبالذات يوم السوق الأسبوعي، حيث مقر المركز في طرف هذا السوق (النفيعة) ،وكان المشايخ كذلك يحضرون في هذا اليوم ،فيسلمون على الأمير قبل بداية السوق ، ويطلعوه على ما لديهم من أمور أو مشاكل، ويسمعون ما لديه من تعليمات و أوامر جديدة ، ثم ينصرفون إلى السوق لقضاء أمورهم الخاصة،وكان الوالد يحرص على هذا الحضور، بسبب وضعه الوظيفي وللإطلاع على ما يستجد، ولما قد يحتاج إليه في أمر من اختصاصه وطبيعة عمله ، فلا يخلو من الفائدة بما يطرح ويناقش من الأمور المهمة في هذا الاجتماع الأسبوعي ،فيكون على إطلاع تام على الأحوال العامة والمشاكل العارضة، فيقول عن ذلك اليوم، انه بعد اكتمال المجلس بروّاده ،فالأمير جالس في صدر المجلس ، والوالد عن يساره، ومشايخ القبائل وموظفي الدوائر الحكومية قد أمتلأ بهم المجلس ،الكل جلوس على الدكات المرتفعه في جنبات المجلس ، والأخوياء واقفون في الأطراف والزوايا،وفي هذه اللحظة يقتحم عليهم شخص،لم ينتبه له معظمهم إلا وهو واقف في وسط المجلس ،ممسكاً بيده ظرفا يرفعه إلى الأعلى، رافعا صوته مخاطبا الأمير ملتفتا إلى الحضور بقوله : هذا خطاب من أمير العموم بجيزان للأمير، اشهدوا يا من حضر أني سلمته له بيده، ثم يتقدم خطوات فيناول المظروف للأمير، ويرجع القهقرا ويجلس على الأرض في وسط المجلس، في مقابل الأمير وأمام الجميع، فساد الصمت المجلس وكأن على رؤوسهم الطير ،فاخذ الأمير الخطاب متبسماً تبسم المغضب، فلما أجال فيه نظره أعادة في مظروفه، ثم وضعه تحت المسند المتكئ عليه، وواصل حديثه الذي انقطع مع دخول هذا الرجل،متظاهراً في نفس الوقت وكأنّ الأمر طبيعي وان شيئاً لم يحدث، مظهراً عدم الاهتمام أو الاكتراث بما حصل ، والرجل على وضعه ساكن في مكانه وسط المجلس ، وبعد مضي فترة ليست بالقصيرة ،وعلى حين غرة من الجميع، سحب الأمير عصاً غليظة كانت مركوزة عند قدميه، واهوي بها على راس هذا الرجل بضربة واحدة قوية ،فإذا الرجل منكبا على وجهه ممسكا برأسه والدم يجري غزيرا منه، وهو يصيح اهذه هي العدالة اهذا هو الإنصاف ،فقام الحضور من المشايخ وغيرهم والتفوا حول الأمير يحاولون منعه عن مواصلة الضرب، والأخويا قد أحاطوا بالرجل وحملوه إلى خارج المجلس وذهبوا به إلى السجن ، يقول الوالد : جرى كل ذلك بسرعة فلم نستوعب الموضوع ، فلما انجلى الأمر أتضح أن هذا الرجل مظلوم وله قصة عجيبة ،فالخطاب الذي سلمه للأمير كان توجيهاً من أمارة المنطقة على شكواه مما لحق به من ظلم ،فقد كتب له خطاب إلى نفس الأمير، ليسلمه له مناولة وعلى يد شهود للإفادة عن شكواه وإنصافه مما يشتكي منه،لأنه سبق واشتكى قبل ذلك ولم يجد إنصافا، بل سجن وضرب ولم يطلق حتى كتب تعهدا بعدم العودة إلى الشكوى مرة أخرى، لذلك طلبت منه أمارة المنطقة أن لا يسلم الخطاب هذه المرة إلا على يد شهود، وهو المشهد الذي حضرته وتسبب له فيما أصابه في رأسه ، فلما أخذ من قبل الاخوياء الى السجن ، يقول الوالد علمت منه فيما بعد عندما قابلته وسألته عن حقيقة وضعه ، انه لم يخرج من السجن إلا بعد بضعة اشهر عندما كتب تعهداً للمرة الثانية، واحضر كفيلا بعدم الشكوى مرة أخرى ،و يقول الوالد أنني عندما سمعت حكايته وجدت قضيته عجيبة وغريبة ، وتتلخص : في أن له أخاً سرق على أخت لهما بقرة ، ثم باعها ليستعين بقيمتها في استخراج حفيظة نفوس، كي يستطيع البحث عن وظيفة عسكرية، فلما اشتكته أخته ورفعت أمرها إلى الأمير بواسطة شيخ قبيلتها ، تم استدعاء السارق وكان قد انفق كامل المبلغ ، ولمعرفة شيخه أن أخاه هذا لديه قدرة مالية، أشار على الأمير بأن يلزمه بكفالة أخيه ليتم إخراجه من السجن، فاضطر إلى كفالة أخيه تحت الضغوط المشددة عليه من قبلهما ،فلما تأكدوا أن أخاه المكفول قد سافر، استدعي الكفيل وطلب منه إحضار أخيه، فلما تعذر عليه ذلك بسبب سفره خارج البلدة، الزموه بدفع قيمة البقرة ، فلما رفض أودعوه السجن حتى دفع قيمتها ، فلما خرج من السجن ذهب إلى أمارة المنطقة، مشتكيا ما حل به ،فأحالت الأمارة شكواه على أمير المركز للإفادة ،فلما أحضرها إلى الأمير ضربه وسجنه لكونه اشتكاه، وبقي حتى تعهد بعدم العودة إلى ذلك، فلما اخرج من السجن بادر إلى النزول مرة أخرى، وأعلمهم بما جرى له، فطلبوا منه أن لا يسلم الخطاب إلا بحضور شهود، وهو ما قام به فقد تحين الفرصة في هذا اليوم ،يوم السوق الأسبوعي ورآه انسب الأوقات،ليشهد الحاضرون على تسليمه الخطاب للامير فلما اجتمع المشايخ لدى الأمير، وجرى له ما جرى ولم يعد يجرؤ لا هو ولا غيره على الشكوى من الأمير مهما أوقع بهم من ظلم ،فهذا هو الوضع السائد في معظم الحالات، فالأمير هو الحاكم وهو صاحب الامر والنهي ولا يستطيع أحد يشتكي مما يحصل لما يشاهد من القمع والتسلط ولبعد المسافات وعدم وجود الوسائل للاتصال السريع بالمسؤلين والا فالملك عبد العزيز رحمه الله ،قد عمم على الناس أن من لحق به ظلم أو خلافه من أي أحد حتى من أبنائه ، فليرفع له برقية بذلك ، وعمم على الامراء بأنه لا يعترض أحد على رفع شكوى أو ينقص مما جاء في شكواه أو يخفف من حدتها ، بل أوجب أن ترفع هذه البرقيات مجانا دون مقابل مادي من المشتكي،ولكن البعض استغل مركزه، وبناء على تلك التصرفات تحدث المظالم الكثيرة والمشاكل العديدة، وخير شاهد إضافة إلى ما سبق ما جرى من قتل أحد أمراء فيفاء في عام 1360هـ لبعض هذه الأسباب، فقد جرت خصومة بين اثنين داخل السوق ،فاحدهما يطلب من الآخر سداد دينه المستحق عليه، وهو لا يستطع ذلك فاحتدم الخصام بينهما، فلما شاهد صاحب الدين الأمير وهو يمر بالسوق، سارع إليه مشتكيا خصمه ، فما كان من الأمير بعد نقاش مختصر مع المدين إلا أن أمر أخوياه ببطحه في السوق وجلده، فكان المضروب يقاوم ويستعطف في أن لا يجلد ويهان أمام الناس في السوق، وكان يستجير بالحضور بأن يتدخلوا ويتوسطوا لدى الأمير في إنقاذه من هذا الموقف المهين الذي سيحل به، وكان من ضمن الحضور أخوه حيث قام هذا الأخ يستعطف الأمير في الكف عن أخيه ، وانه مستعد بتسديد كامل المبلغ لصاحبه بدلا من أخيه، ولكن الأمير رفض كل التوسلات ،فطلب منه إذا كان ولابد من جلده بان يتم ذلك داخل المركز أو داخل السجن وليس في السوق أمام الناس، حتى أنه حضر أخ لصاحب الدين وتحمل الدين لأخيه، ولكن الأمير رفض ولم يستمع لتوسلاتهم وشفاعاتهم، بل أصر على تنفيذ جلده بنفسه، فما كان من أخ المجلود إلا ان هجم على الأمير فطعنه عدة طعنات في ظهره كانت سببا في وفاته، وانطلق هاربا في قصة مشهورة ليس هذا مكان سردها.
وعلى العموم فتلك حالات فردية تحدث من بعض الأمراء، في بعض الجهات البعيدة في الأطراف، لأن بعضهم يرى انه صاحب السلطة المطلقة، والناس يجهلون الطريقة التي يمكن ان يشتكون بها سوء التصرف من العاملين، ولا يوجد قاض يطبق الأحكام الشرعية ويكون المرجع فيها وعين الرقيب في تنفيذها، بحيث يلجأ الناس اليه فيما يقع لهم من ظلم، سواء من بعضهم البعض أو من الأمراء أو المشايخ ، وقد يوجد قاض أو انظمة وتعليمات من ولي الامر لكن القاضي ان وجد لا يطبق تلك النظم والتعليمات،إما لعدم تواجده باستمرار ،أو لضعف شخصيته ،فمعظمهم كان دوره مقتصراً على الاستشارات البسيطة او الفتوى او شيء من هذا القبيل ، ولما ولي الوالد القضاء سعى من البداية في تطبيق الانظمة والتعليمات وإبراز دوره، كقاض له مكانة وسلطة تحمي الضعيف والمظلوم ،ويقر العدل، والحكم به حسب اختصاصات القضاة ،فكان يتدخل فيما يحق له التدخل فيه ويصلح الفاسد منه، ويقوّم المعوج حسب صلاحياته، وبما يمليه عليه دينه وعمله ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة ، والسياسة والكياسة المطلوبة مع شيء من الحوارات والمماحكات والمكاتبات والأخذ والعطاء، حتى بدأ يبرز دوره في المجتمع ،ويفرض مكانته الحقيقية كقاض، فقد صحح الكثير من السلبيات، وأصبح حصناً وملجئاً للمظلومين والضعفاء، وقد نجح نجاحاً باهراً في ذلك.
وكان له أسلوب عظيم في القضاء، توصل إليه من خلال خبرة طويلة، امتدت لسنين عديدة، فقد كانت أحكامه قوية، ملمة بكل نواحي القضية، يندر أن يعترض عليها الخصوم لإصابتها عين الحق ،وان اعترض معترض فقد لا يقبل أعتراضه من هيئة التمييز لاكتمال اجراء القضية من جميع جوانبها الإجرائية وتنزيل الحكم بما يتوافق معها ، وهو يتبع أسلوب الإصلاح في البداية ما وسعه ذلك وإنهاء المشكلة بتراض من الأطراف، فان لم يجد ذلك فتح للخصوم الترافع في دعواهم بحيث يستمع لكل منهم ويناقشه حتى تتضح الدعوى،ثم يستمع إلى إجابة الخصم، وان احتد النقاش بين الخصوم تغافل عنهم بطريقة ذكية بحيث لا يشعرون، فكان يتشاغل عنهم إما بكتابة شي ما، أو رصد موضوع آخر، ويدعهم يتمادون في نقاشهم ولججهم وتعاتبهم ،حتى إذا أحس منهم فتوراً وميلاً إلى الصمت والتهدئة، حرك الموضوع بسؤال ذكي كأنه غير مقصود يثير به أحدهما، فينطلق في الحديث بالإجابة،وقد تكون إجابته لها ردة فعل على الآخر، فينطلق الجدال والنقاش بينهما، وقد يفصحان من خلال تبادلهما النقاش عن بعض ما لا يريدان، ويظهران خبايا قد تجلي القضية دون قصد منهما ،وهو أثنائها يرصد بعض ما يقولان مما يهمه وله علاقة بالقضية ،دون أن يحسا ثم يناقشهما على ضوء ه ،ويقررهما به ولا يستطيعان حينها التنصل عما قالا، فتتضح القضية في معظم الأحيان، ويحكم بينهما على بينة ،فمن الناس من لا يستطيع الإفصاح عن كل ما في نفسه في الحالات الرسمية، وفي مثل هذه الحالة ومع زوال الرسميات كما يظن، واتساع الجدل مع خصمه،ينطلق و يستطيع التعبير بكل سهولة،فيفصح عن مكنون نفسه دون تحفظ،وإذا كان الخصم من النوع الماكر العميق القعر كما يقال،فكان يتعامل معه بأسلوب تأجيل الجلسات وتطويلها حتى يلين جانيه ويتضح منه ما كان يحرص على ستره،فيصل إلى استجلاء الحقيقة، ويشعر الخصمان أنهما قد استكملا كل ما يريدان قوله، وبالتالي يكون الحكم قد اسقط على المشكلة بعد الوصول إلى اصل الخصومة،وفي الغالب ينال الحكم رضا الطرفين ،وكانت سياسته في ذلك كما شرحها لمن سأله في بعض المجالس الخاصة ،من باب الممازحة وهذا الشخص من كثيري المشاكل ممن يكثر تردده على المحكمة، فعندما قال له إنني في بعض الأحيان أراك عرفت المشكلة وقررت الحكم، ومع ذلك فأنت لا تفصح عن ذلك بل تطوّل وتسأل وتسأل عن أشياء، وتتأكد من أمور وتطلب بيانات، فأريد أن أفهم لماذا كل ذلك ؟ فأجابه ضاحكاً : أرأيت الجزار إذا أراد أن ينحر ثوراً، ألا تراه قبل أن يقدم على ذلك يربّطه ويحكم وثاق رجليه ويديه، حتى إذا تأكد من ذلك نحره، قال بلى، قال فلماذا تظنه يفعل ذلك ،فأجاب حتى لا يقاوم ويلحق الضرر به ، قال فان القاضي كذلك يفعل،فهو لا يحكم حتى يثبّت الخصوم ويحكم قيودهم ، وهذه القيود هي ما يصدر من قبلهم من اعترافات تكون مستمسكا تدينهم وتشد وثاقهم ،وتكون سبباً لإصدار الحكم عليهم ،فإذا لم تكن هذه الاعترافات قوية فلن يسهل التحكم فيهم، فقد يقاوم الواحد منهم ويلحق الضرر بمن حوله .
...................................
ومن خلال منصبه كقاض كانت له الأدوار المتعددة والمؤثرة في كل أمور البلدة، وصحح الكثير من السلبيات، ووقف سداً منيعاً أمام كل مخالفة فيها إضرار بالمواطن ومن ذلك كأمثلة:
1ـ مع جباية الزكاة:
دوره في تصحيح وضع جباية الزكاة ،حيث كان بعض موظفي المالية وبعض مشايخ القبايل قد اتخذوا الزكاة غنيمة لهم،بل توسعوا في هذا المجال فكان يظلم المواطن بإلزامه ما لا يلزم ، فيرهقونه ،بل ويفرضون الزكاة في أشياء ليست واجبة فيها ، أو على أناس لا تجب عليهم، فإذا استحصلوها وصارت بين أيديهم أكلوها بينهم بالباطل، ولا يصل منها إلى بيت المال أو إلى مصارفها الحقيقة إلا النزر البسيط ،في حيل شيطانية قد استمرأ وها وحبكوها وأحكموا توزيع الأدوار فيما بينهم فيها ،فكان دور الوالد بصفته قاضي البلدة أن تمسك بدور المحكمة الرئيسي كجهة اختصاص تشارك في أعمال الجباية ،فالنظام ينص على وجود عضو من المحكمة يشارك في جميع أعمال لجان الجباية ،من تقدير الزكاة وتحديد مقدارها وعلى من تلزم، ثم في جبايتها وجمعها وإدخالها في مستودعات المالية، وبعد ذلك صرفها على مستحقيها، فكانوا فيما مضى يستبعدون هذا المندوب ويرون توقيعه أمراً شكلياً على الأوراق والمستندات فقط ،دون أن يكون له دور أو علم بما يجري ،فلما اطلع الوالد على هذا وسمع بعض ما يقومون به من مخالفات ،وإجحاف بحق المواطن وحق الدولة، وما يمارسونه من أكل أموال الناس بالباطل، وعلى مخالفتهم الكثير من التعليمات ومنها مشاركة المحكمة في أعمال هذه اللجان كجهة شرعية رقابية،فتدخل وكان تدخله من الأسباب الرئيسية في تصحيح الوضع، فكلف احد موظفي المحكمة مندوبا عنها يشارك مع هذه اللجان،وأوصاه أن يكون له دور رقابي إشرافي مباشر في جميع المراحل، وان يكون له تأثير في الالتزام بالتعليمات ومطابقة أعمالهم لمقتضى الشريعة الإسلامية ،ومقتضى الأنظمة، وان لا يوقع على أي أوراق تخص هذه العمليات إلا بعد إطلاعه التام على صحة الأجراء المتبع فيها ، لذلك كان هناك الكثير من التصادم مع المندوب ولما لم يجدي معهم تجاهلوه وسيروا أعمالهم دون الرجوع إليه، ثم عملوا محاضر فيما بينهم يظهرون فيها تعنت مندوب المحكمة ، وعدم تعاونه في تسيير الأعمال كما ينبغي مما اضطرهم إلى العمل بدونه، فعندها قام الوالد بإبلاغ مرجعه بما عومل به مندوبه، وإيضاحه للمخالفات التي ترتكب ،والتي لم يوافقهم عليها مندوب المحكمة ،ومن خلال هذه المكاتبات من قبله وقبلهم ، واستشعار الناس بوجود من يدعمهم ويقف معهم في إحقاق الحق، ويوصل شكواهم إلى من ينصفهم ، تحركوا وتفاعلت الأمور وكلفت لجان وزارية للإطلاع على هذه الحقائق من الواقع ومن أفواه الناس ومن الأطراف المعنية، فتكشفت أمور ومخالفات كثيرة فبادر المسئولون إلى تصحيحها وإزاحتها عن كواهل المواطنين ، فعادت الأمور إلى الوضع الصحيح، وكان دور القاضي والمحكمة هو الدور الأكبر والموثر في ذلك، وقد تخلل ذلك الكثير من المشاكل التي أثيرت ضده والبلبلات الطويلة والعريضة، ولكنه صمد حتى انجلت الحقيقة وصحح الوضع .
يلخص ذلك بعض ما ورد في قصيدة الشيخ حسن فرح الفيفي الرائعة في حفل وداع الوالد الذي أقامه أهالي فيفاء عند انتقاله إلى مكة المكرمة قاضي تمييز
ومنها:
وهـل ثلاثـون عامـاً ثـم أربعـة**تنسى لكم وهي فينا الروح والزهـر
بالعدل بالعلـم بالإصـلاح عامـرة**لأنت فيها لقومي البُصـر والبصـر
فمذ توليت في فيفـا القضـاء بـدا**لنا بكـم نيـر تهـدى بـه البشـر
حكمت بالقسط لم تعـرف مجاملـة**لذي وجاهة أو قربـى وان كـدروا
لا لم تكن قاضياً موقـوف محكمـة**بل مصلحاً تشهد الآثـار والسيـر
يكفيك فخرا بان قـد قمـت تنقذنـا**من معشر أمعنوا في الظلم واقتدروا
حتى الزكاة استباحوهـا لأنفسهـم**وهم يرون حبيس الفقـر يحتضـر
واستبعدوا من لجان الخرص أنزههم**إن قيل ماذا وكيف الأمر ما الخبـر
ما ذاك إلا لكـي تجبـى مضاعفـة***منـا ليدخـروا منهـا ويتـجـروا
تأتي كواشينهـم يأتـي مسلسلهـا**تروى وتكشف ما يبكي له الحجـر
سوق النفيعة من حنبوص مضطرب**والقرمطيون قد جاروا وقد بطـروا
إذ لا مبـلـغ يشكـوهـم لقمتـنـا**فالسجن والضرب مولى من له نظر
لم يهنـك النـوم والإذلال يخنقنـا**والظلـم ينهشنـا حينـاً ويعتصـر
هـززت سيفـك إيذانـا بحربهمـو**إن لم يؤبوا إلى الرشد الذي هجروا
لكنهم ما ارعووا واستهتروا وبغوا**واستصغروا عزمك الفتاك واحتقروا
القرمطيـون ظلـوا فـي عمايتهـم**ولم يعوا أنـه قـد أحـدق الخطـر
فقمت في ثورة عصماء ضد همـوا**تعيـد للنـاس عـدلاً كـاد يندثـر
وأدركوا حينها أن لـن يتـاح لهـم**حمى رعوه فثاروا فيك ما انتهـروا
وناصبوك عـداء صارخـا شرسـا**تألبوا زمـرا يـا بئسـت الزمـر
وبيتـوا لكمـوا مـا بيـتـوا وإذا**ما بيتوه غلا فـي فضحـه السفـر
حاربتهم مخلصـا والحـق رائدكـم**بسيف عدل سعـودي بـه دحـروا
اولاكـه المقرنيـون تـذود بــه**عن الشريعة والعدل الذي نشـروا
وصنت ثغرك يا منصور وانطمست**جحافل السوء لا يدرى لهـا خبـر
2ـ مع مشكلة القات:
كان القات في فيفاء شجرة معتادة ،لا يلقي لها بال كثير من الناس ،فليس لها قيمة تذكر ،واهتمامهم بها كان قليلاً ،فزراعتها نادرة ومحدودة ،تجدها متفرقة في أطراف المزارع هنا وهناك ،تتخلل الأشجار الأخرى المثمرة ،كالبن والموز والفركس، ولا أحد يشتري إنتاجها فمن أراد أن يبيعها فعليه جلبها إلى سوق عيبان ،في سفح الجبل حيث يشتريها بعض أهل اليمن وبعض أهل تهامة ،ولا يستخدمها في فيفاء إلا قلة من الناس في بعض المناسبات الكبيرة،بل يحكى أنهم كانوا لا يعرفون كيف يستخدمونها،ويحتقرون من يشاهدونه يأكلها، لقباحة منظره، ويشبهونه بالثور لوجه الشبه بينهما في الاجترار والمضغ، إلى أن شاهدوا بعض جنود إمام اليمن أثناء احتلالهم لفيفاء في عام 1352هـ يستخدمونها فاقتبسوها منهم، لكونها منتشرة في معظم مناطق اليمن المجاور ،ويكثر الاهتمام بها لديهم،لمعرفتهم القديمة بها.
فللقات مجالسه الخاصة وجلساته المنتظمة ،حيث تغلغل في حياتهم الاجتماعية بشكل كبير، ومن أجل ذلك تطرق إليه الكثير من علمائهم تحريماً أو إباحة، وتناولته أقلام أدبائهم وشعرائهم مدحاً وقدحاً،وقد انتشر الكثير من ذلك بين الناس ، ومن ذلك ما كان بين فضيلة الشيخ حافظ بن احمد الحكمي رحمه الله وبعض علماء وأدباء اليمن ،حيث اشتد النقاش والسجال بينهم تحريماً وتحليلاً،فكل يدلي فيه بدلوه مستدلاً بالكثير من الأدلة النقلية والعقلية،وكان الوالد حينها يدرس في صامطة ،ملازماً للشيخ حافظ ،فتفاعل مع الموضوع واطلع من خلال ما دار على الكثير من الجوانب المتعددة المتعلقة بهذه الشجرة ، وتفتح ذهنه على الكثير من المشاكل المترتبة عليها ، فلما عين قاضياً في فيفاء عايش الكثير من ذلك على الواقع، واتضحت الصورة أكثر وأكثر ،وقد تزامن تعيينه في هذا المنصب مع بداية صدور المرسوم الملكي من جلالة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله، بتحريم القات زراعة واستعمالاً وبيعاً، وبحكم وظيفته وبحكم قناعاته، سعى في توعية الناس وتنبيههم إلى خطورته وأضراره ،فكانت له الأدوار المتعددة والكبيرة ،من خلال خطبه المنبرية في مسجده ، وأشعاره وأحاديثه الخاصة والعامة، وكان من أبرز ذلك ما سطره في ديوانه (الحوار المبين في أضرار القات والتدخين )الذي تطرق فيه بأسلوب حواري بديع في تشخيص وبيان أضرار كل من القات والدخان ،واشتهر هذا الديوان وكان له تأثير كبير على كثير من الناس،وأما أدواره العملية فمتعددة ومنها:
فقد حرص على إزالته من كل مزارعه ،واهم الادوار والذي سعى من خلاله الى جلب المصلحة والخير لابناء فيفاء ، عندما تم اختياره عضوا في اللجنة التي أمر بها الملك فيصل رحمه الله لدراسة تظلم أهالي فيفاء عند صدور أوامره بضرورة البدء في إزالة القات حسب مقتضى المرسوم الملكي، وقد اتخذت هذه اللجنة قرارها بعد تحاورها مع مشايخ فيفاء باقتراح البدائل التي يرون أنها كفيلة بضمان البدائل المناسبة التي تكفل لهم بمشيئة الله الحياة الهانئة بعد إزالة هذه الشجرة وهذا نص القرار:
"بسم الله الرحمن الرحيم ـ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد: فبناء على استدعاء معالي أمير منطقة جيزان الشيخ تركي بن احمد السديري لنا نحن كلا من علي مديش بجوي الرئيس المساعد لمحاكم منطقة جازان وإبراهيم محمد خلوفة طياش القاضي بالمحكمة الكبرى بجازان وعلي بن قاسم الفيفي قاضي محكمة فيفاء ، وطلبه منا الاجتماع بمشايخ فيفاء للبحث معهم في موضوع شجرة القات وتبيين الوجهة الشرعية نحوها وما فيها من مفاسد ومضار صحية واجتماعية ومالية ،فقد تم الاجتماع بهم وحضر معنا كل من أمير بني مالك عبد الله بن عبد العزيز بن قزيز وأمير فيفاء سليمان بن عبد الله البشري وكان ممن حضر الاجتماع من مشايخ فيفاء شيخ شمل فيفاء الشيخ حسن بن علي يحي الفيفي، وشيخ قبيلة العمريين الشيخ يحي بن سالم العمري، وشيخ قبيلة آل عبدل الشيخ سلمان بن يزيد العبدلي، وشيخ قبيلة آل الثويع الشيخ يحي بن اسعد الثويعي، وشيخ قبيلة آل مشنية الشيخ جابر بن سالم المشنوي، وشيخ قبيلة بالحكم الشيخ محمد بن احمد الحكمي، وشيخ قبيلة آل حرب الشيخ محمد بن علي يحي الحربي،
وجرى إيضاح ما يجب إيضاحه لهم من مضار هذه الشجرة صحياً واجتماعياً ومالياً وما تقضي به تعاليم الشريعة السمحة من تحريم المفاسد وان الدولة اعزها الله لم تأمر بالقضاء عليها ومحاربتها إلا بعد ما تبين لها وتأكد لديها ذلك حرصاً منها على صالح رعاياها وإبراءً لذمتها نحوهم وقد قرر المشايخ المذكورين اقتناعهم بوجاهة نظر الدولة في محاربة هذه الشجرة وإنها لم تفعل ذلك إلا إتباعا للصالح العام وأنهم لا يعارضون في هذه واستئصاله والقضاء عليه إلا أنهم أثبتوا في معرض كلامهم من الصعوبات التي تعترضهم في سبيل استئصاله والقضاء عليه وذكروا منها :
1. كثرة أشجاره في المنطقة الجبلية وانه يغطي مساحات واسعة بغابات أشجاره مع ضخامتها وتعمق جذورها بين الصخور ومرور زمن طويل على تعمقها وعملية استئصالها تحتاج إلى جهد ومال كبيرين فوق حدود طاقتهم .
2. كونها مصدر قوتهم وقوت عوائلهم وبعد صدور الأوامر بشأنه قلت قدراتهم لأن نسبتها إلى بقية المزروعات الأخرى تقدر بأكثر من 90%.
3. إن صعوبة المواصلات وضخامة تكاليف الحاجيات من فيفاء واليها تحول دون نجاح أي زراعة أخرى حيث أن زراعة الخضروات والفواكه كالموز والعنبروت والقشطة والخوخ ونحوها مثلا تحتاج إلى سرعة تسويقها ولصعوبة المسالك قد تفسد قبل وصولها إلى الأسواق المحلية المجاورة وأجرة نقل الصندوق من الفاكهة إلى السهل تزيد على قيمته عند البيع مما يجعل أي زراعة أخرى كاسدة ولا تغطي نفقة النقل فضلا عن الحصول على فائدة من ورائها.
4. قلة الماء وأن إيجاد زراعة بديلة تحتاج إلى سقي الشتلات حتى تنمو وتتمكن في الأرض.
5. عدم وجود مرشدين زراعيين يرشدون المزارعين إلى الزراعة المناسبة لمنطقتهم والى الطرق والأساليب الزراعية الحديثة .
وبعد تدوال الآراء معهم واستعراض وجهات نظرهم ومناقشتها مع سابق معرفتنا الشخصية بظروف هذه المنطقة الجبلية وحالة أهلها المعيشية ووعورة مسالكها رأينا ما يأتي:
1. وجاهة ما ذكره المشايخ المذكورون عن ظروف منطقتهم وانتشار هذه الشجرة فيها بكثرة واتساع رقعتها وتطاول زمن وجودها فيها وتعمق جذور هذه الشجرة بين صخورها وأن عملية استئصالها شاق ويحتاج إلى جهد ومال فوق طاقة أهلها وانه ينبغي على الدولة أن تأخذ بأيديهم إلى شاطىء السلامة وان تساعدهم على الصعوبات التي تعترضهم وأن تتحمل نفقات اقتلاع الأشجار فتقدر لكل مزارع نفقة اقتلاع أشجاره وتغطية نفقات الاقتلاع ونفقة استصلاح الأرض بعد القلع على دفعات بحيث تكون آخر دفعات مع اقتلاع آخر شجرة.
2. إعطاء كل أسرة إعانة شهرية تساعدهم على تخطي الفترة الانتقالية بسلام تقدر حسب عدد أفرادها من قبل لجنة أمينة تعرف حالة المنطقة تضمن لهم الحياة الكريمة وتكفل لهم متطلبات المأكل والمشرب والعيش خلال الفترة ما بين اقتلاع أشجار القات إلى أن توجد زراعة بديلة تدر عليهم وتقدر هذه الفترة بنحو خمس سنوات .
3. تجند وزارة المواصلات اكبر عدد ممكن من الآليات للإسراع بشق الطرقات المؤدية من فيفاء واليها وبني مالك وبني الغازي لان الطرق هي شريان الحياة لتوقف أي تغيير في حياة هذه المنطقة عليها وهي الحل الجذري بالدرجة الأولى والسبيل الوحيد لتشجيع المزارعين على استبدال شجرة القات بالزراعة النافعة وتكفل لهم سرعة وصول إنتاجهم الزراعي إلى مناطق الاستهلاك وبأجور ونفقات معقولة وإتباع الأساليب الزراعية الحديثة.
4. من المعروف أن فيفاء لا توجد بها مياه جوفية ولاعيون جارية وإنما اعتمادهم في سقي مزارعهم وشربهم من مياه الأمطار وإذا تأخرت الأمطار ارتفعت تكاليف الماء وماتت الأشجار ولذلك فان إيجاد محابس لحفظ مياه الأمطار للانتفاع بها وقت الحاجة هو الوسيلة الوحيدة لتجنب الأزمات والإبقاء على سلامة المزروعات عند قلة الأمطار.
5. على وزارة الزراعة أن تولي هذه المنطقة عناية خاصة بإيجاد فرقة ثابتة في فيفاء من المرشدين الزراعيين والبيطريين لإرشاد الأهالي إلى الأساليب الزراعية الحديثة وتجنيب مزارعهم وحيواناتهم الآفات، مع تزويدهم بالشتلات والبذور المناسبة لمناخ المنطقة وبالإعانات المشجعة للإكثار من المزروعات الأكثر ملائمة وبالمبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية الزراعية التي تحفز المزارع إلى استبدال أشجار القات بالزراعة النافعة.
وبما أن الحكومة اعزها الله تعالى حريصة على إسعاد أبناء شعبها وتوفير ما فيه راحتهم وصلاحهم فإننا نرى أن تؤخذ هذه التوصيات والحلول بعين الاعتبار لأن في الأخذ بها كما نرى شخصياً إحياءً لأمة تحرص الدولة على أن تكون لبنة صالحة في المجتمع وفيه إنقاذ لعشرات الآلاف من البشر من داء عضال وبيل طالما حرصت الدولة أيدها الله على إنقاذها منه وإنها في نظرنا إن أخذت به سوف لا يكلفها شيئا يذكر في سبيل الصالح العام وهي الحريصة دائما على مافيه الخير والنفع العام وصلاح المسلمين في الداخل والخارج .
هذا ما اتفق عليه الرأي وحصلت به القناعة من مشايخ فيفاء الحاضرين وحصل عليه التوقيع منا ومنهم بحضور جميع المذكورين والشيخ حسين بن جابر الكبيشي الخالدي والشيخ سالم بن علي السعيدي وبالله التوفيق حرر في 4/10/1395هـ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .ــ عليه توقيعات كل من ذكروا أعلاه" .
وقد وافق جلالة الملك خالد رحمه الله على جميع مقترحات هذه اللجنة واعتمد تنفيذها بإصدار أوامره بإنشاء هيئة تطوير وتعمير منطقة فيفاء ،التي كان من أهدافها ومهامها الإشراف على إيجاد البدائل لتحقيق تلك الغاية .
ومع ذلك فلم يسلم من الاتهامات والتشكيك من أهل المشكلة (أهل البلدة) ومن بعض المسؤولين ،الذين لا يستوعبون حجم المشكلة وتغلغلها في حياة أهل هذه البلدة ،فكل يراه مقصراً ومخطأ فيما يفعل ،فهولاء يقولون انه يقف ضدهم ، وهولاء يقولون انه يستطيع عمل أكثر مما عمل فهو لدى الجميع مقصر ،ولكنه يتمثل منطوق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (من طلب رضا الناس ولو بسخط الله سخط الله عليه واسخط الناس عليه ومن طلب رضا الله ولو بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه ) وهو يتمثلة حقيقة في كل أقواله وأفعاله ويعرف أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، ولديه قناعة تامة بالنتائج في نهاية المطاف وهو ما تكشف لكثير من هولاء المعارضون.
استمر قاضياً ناجحاً لأكثر من أربع وثلاثين سنه في فيفاء وحدها،أسس فيها وكون وأثبت الدور المهم للقاضي، فكان ملجأ للمظلومين، ويداً للعدالة، وعينا لولاة الأمر، تنقل كل ما فيه المصلحة لهم وللمواطن، وتغيرت أمور وأمور بفضل جهوده في منصبه إلى الأفضل والأمثل، وكانت له الأدوار المتعدد الناجحة في كل ذلك، وفي كل نواحي الحياة المتعددة سواء الإدارية أو التعليمية أو الاجتماعية، وبرز ذلك بوضوح عندما ودعه المشايخ والأهالي في عام 1407هـ عندما رقي إلى قاضي تمييز في هيئة التمييز بمنطقة مكة المكرمة، في حفل كبير ألقيت فيه الكثير من الكلمات والقصائد الصادقة والمعبرة ،أوضحت ما يكنونه له من محبة وعرفان، ولما بلغه في نفوسهم من مكانة عالية .
...................................

التفتيش والمحاماة:

أثناء عمله قاضياً في فيفاء عام 1405هـ كلف من قبل وزارة العدل القيام بجولة تفتيشية شملت جميع محاكم منطقة الطائف ومنطقة الباحة ومنطقة عسير ومنطقة نجران وتكللت بحمد الله بالنجاح وأوضحت مدى المكانة التي بلغها والثقة الكبيرة من قبل المسؤولين في قدراته وخبراته التي كانت من اكبر المبررات لتكليفه بهذه الجولة .
وأما المحاماة فبعد أن أحيل إلى التقاعد في عام 1414هـ افتتح مكتبا للمحاماة في مكة المكرمة، وقد نال هذا المكتب شهرة كبيرة لدى الناس في معظم مناطق المملكة لنجاحاته المتواصلة في اللوائح التي يقدمها والاستشارات أو المرافعات التي يحضرها والتي تصدر عن خبرة عريقة تتجاوز الأربعين عاماً .
وقد كانت بداية هذا المكتب مكتباً صغيراً افتتحه في جزء من بيته في مكة المكرمة بعد أن حصل على رخصة ممارسة المحاماة، وقد سعى إلى تنظيم أعماله من البداية بتحديد دوام ثابت صباحا ومساء وأرشفة المعاملات ليسهل الرجوع إليها في أي وقت وأحسن استغلال التقنية الحديثة من حاسب آلي وخلافه فلم تمضي فترة إلا واشتهر هذا المكتب واتسعت أعماله وتشعبت وكثرت حتى لم يعد المكتب يفي بمتطلباته مما اضطره إلى استئجار مكتب خارج البيت فاستأجر مكتباً كبيراً على شارع العزيزية العام في مكة المكرمة في مكان بارز واستعان ببعض الموظفين وتوالت نجاحاته في مكة المكرمة وفي جدة والطائف والرياض وجازان وعسير ونجران والشرقية ومعظم مناطق المملكة ، إلى أن تأخرت صحته وقل نشاطه مما اضطره إلى تقليص الأعمال وقصرها على اللوائح والاستشارات فقط وأعاد المكتب إلى البيت .

المكاتبات والرسائل:

يتميز في رسائله بالدقة مع الاختصار الشديد والتركيز القوي (خير الكلام ما قل ودل) فبعد الاستفتاح والسلام يورد الموضوع الموجب لإرسال الرسالة دون زيادة أو نقصان، فبحكم عمله الرسمي كقاض والمكاتبات الحكومية الرسمية أصبح ذلك عادة لدية , فلا يتوسع خارج موضوع الرسالة الرئيسي ومع ذلك فهي وافية مفهومة لا لبس فيها ولا غموض مع أنها قد لا تتجاوز الأسطر المعدودة .
ولكنه ولكل مقام مقال يختلف أسلوبه من رسالة إلى أخرى حسب مقتضى الحال وحسب المخاطب، فما ذكرناه أعلاه يخص الرسائل الشخصية لإخوانه وأبنائه ومعارفه، كرسائل شخصية ذات هدف محدد، فلا يقتضي الأمر التكلف، ولكن له أسلوبه البديع الراقي المعبر، حسب الغرض من الرسالة والمرسلة إليه، فقد اطلعت على الكثير من هذه الرسائل الموجهة إلى ولاة الأمر حفظهم الله وبعض الوزراء والعلماء والأدباء،فهي قمة في الأسلوب والوضوح ،شاملة مستوفية الكمال ، ولا اعني أن الرسائل الاخوانية التي سبق ذكرها قاصرة، فجميع مكاتباته وافيه تستوعب كل ما يحتاجه الموضوع من بيان وإيضاح، فلا ينقصها شيء في هذا المجال وان كانت على شكل توقيعات ولكنها توقيعات مركزة لما يريد قوله دون خلل .
سنورد نموذجين احدهما من الرسائل الخاصة والأخرى رسالة موجه لقمة الهرم في هذه الأمة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله مما رأى انه فرض عليه، من واجب النصيحة تجاه مليكه وبلده وأمته ،مع انه سبق إيراد نموذج مماثل في موضوع (شجاعته) فزيادة الخير خير فإلى النصين :
1ـ (رسالة خاصة)
"الولد العزيز عبد الله علي قاسم الفيفي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد:
نخبركم أننا نزلنا الوالد إلى مستشفى جيزان وعلاجه مستمر وصحته متحسنة ، وأخبار الديره وأهلنا جميعا على خير ما يرام ، وفي الختام سلم لنا على أخوالك والشيخ يحي والبنت وأولادها والولد حسن وكل عزيز والسلام ـــ التوقيع 29/12/1397هـ".
2ـ (النموذج الثاني)
"إلى حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك /فهد بن عبد العزيز آل سعود أيده الله بنصره .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد :
أود أن أقدم لمقامكم الكريم عرضاً موقعاً من بعض المتضررين من أهالي فيفاء الذين اقتطعت بعض ممتلكاتهم لصالح الطريق التي قامت بشقها هيئة تطوير وتعمير منطقة فيفاء ولم تصرف التعويضات المستحقة لهم بناء على رغبتهم موضحا بعض النقاط التي يتذمرون منها لكوني من المعايشين لقضيتهم الملمين بكافة جوانبها ملخصا ذلك فيما يلي :
أولا: حينما صدرت الأوامر السامية بمنع القات زراعة واستعمالاً حدثت مشاكل بالنسبة لأهل فيفاء لكونه زراعة رئيسية لهم من قبل عهد الحكومة السعودية فاستحضر معالي أمير جيزان تركي السديري نخبة من القضاة ومشايخ وأعيان فيفاء لمقر أمارة المنطقة وطلب من القضاة دراسة وضع أهل فيفاء ووضع الأسس لحل المشكلة بما يكفل التخلص من زراعته بدون لحوق ضرر مجحف بالأهالي وكنت من ضمن القضاة المشاركين فتوصلنا إلى الحل المناسب بموجب المحضر المقدم لمعالي الأمير بتاريخ 4/10/1395هـ المرفقة صورته المتضمن شق الطرق الموصلة للقبائل والأحياء وتوفير الخدمات العامة لهم التي من أهمها إيجاد مصادر الماء اللازم للشرب والزراعة البديلة والاستفادة من مياه الأمطار بعمل خزانات متعددة وسدود صغيرة لحفظها والانتفاع بها والأخذ بأيدي المزارعين المتضررين إلى شاطئ السلام ، وعلى ضوء تلك التوصيات أنشئت هيئة تطوير وتعمير فيفاء ، وأوصى أول محضر اجتماع لمجلس إدارتها المرفق بحصر الأعمال المطلوبة بتعمير وتطوير المنطقة من الطرق والأشجار البديلة وإقامة السدود وإنشاء المدارس والمساجد والمستشفيات والمجمعات القروية وما إلى ذلك من الخدمات العامة ورصد المبالغ اللازمة لها وللمشاريع التطويرية الأخرى وصرف التعويضات ومساعدات الأسر وجميع ما يتطلبه المشروع وقد قوبلت هذه الخطوات بارتياح بالغ من جميع المهتمين بهذا الموضوع .
ثانياً: لما بدأت الهيئة في تنفيذ برنامجها وقعت في أخطاء جسيمة استفزت بها الأهالي وأثارت سخطهم وخيبت آمالهم ولم تحاول تلافيها حتى تراكمت ومن أهمها :
1. شق الطرق بصفة ارتجالية بدون تخطيط مسبق لها ، وبدون تحديد مساراتها، وبدون حصر للمتلكات المقتطعة لصالحها ، وإجراء رفع مساحي لها وتمييز حيازة عن حيازة ،وقبل الحصول على موافقة سامية حسب التعليمات المرعية في عدم وضع اليد على الممتلكات قبل الموافقة واعتماد التعويضات عنها في الموازنة ومضت السنوات الطويلة ولم تصرف لهم التعويضات المقدرة .
2. عدم الالتفات لصرخات الأهالي وتظلماتهم بل كانت تقابلهم بخشونة ونفرزة فساءت العلاقات بينها وبينهم وانعدم التعاون.
3. عدم إلزام المقاول بالتقيد ببنود العقد في المحافظة على الممتلكات ونقل القطعيات وعمل الجدران الساندة لحماية الممتلكات .
4. جرف الصخور والقطعيات والإلقاء بها على الممتلكات التي تحت الخط مما نتج عنه إتلاف مآت المدرجات الزراعية البعيدة من الخط .
5. لجأت إلى معالجة المشكلة بأساليب أخرى غير ما أوصى به محضر مجلس الإدارة فنتج عن ذلك مفاسد اكبر من مفسدة القات ، والقواعد الشرعية لا تجيز إزالة المفسدة بمفسدة أعظم منها.
6. إيهام المسؤلين بأن المواطنين شرسون وانه لابد من جنود ترافق الآليات من الشرطة والإمارة لا لقاء القبض على من يعترض الآليات وإيداعه في السجن واستصدرت موافقة بذلك فعم الذعر والخوف وساد التوتر.
7. تحويل مسار الخط من ملك إلى ملك عن طريق الوساطات والطرق الملتوية فاستشرى الفساد .
8. جلبت الشتلات وصرفت المساعدات والأسمدة ونحوها للمزارعين وتعهدت بري الشتلات عن طريق الوايتات ، واندفع الأهالي برغبة شديدة واخذوا القروض الزراعية ثم عجزت الهيئة عن ملاحقة ري المزارع فماتت الأشجار وذهبت الأموال وجهود المواطنين والمسئولين سدى وتراكمت الديون على المواطنين بسبب ذلك .
9. أخرت ماحقه التقديم من توفير مصادر ثابتة للري قبل توفير الشتلات فضاعت جهود عشر سنوات بدون ثمرة وأصبح الأهالي لا يصدقون ما يقال لهم باعتباره مجرد دعاية.
10. عندما أحست الهيئة بالوقوع في الخطأ لم تحاول تلافيه بل أعلنت فشل الخطة وأوقفت الري عن المزارع بتاريخ 25/4/1407هـ بموجب تقرير مدير محطة التجارب الزراعية المرفق المؤرخ في 2/4/1407هـ فأصاب الأهالي إحباط وخيبة أمل.
11. بعد شكايات ومطالبات شكلت لجنة لتقدير أسعار الأراضي المقتطعة لصالح الطرق والأضرار الناجمة عنها فقدرت اللجنة الطريق الرئيسي فقط الذي نفذته الهيئة عن طريق المقاول ولم تقدر الطرق الفرعية التي نفذتها الهيئة نفسها بمعداتها ، ثم أن اللجنة لم تقدر تكاليف المدرجات المتلفة وتحتسبها كمنشأت وتصنيفها إلى قيمة الأرض في حين أن بناء المدرجات وما تتطلبه من قطع حجر البناء ونقله ونقل التراب الصالح للزراعة على ظهور الرجال يعتبر اشق من بناء المنازل .
12. مما زاد الطين بلة في عهد مدير الهيئة الحالي انه لم يحاول تصحيح الأخطاء وإنما قام بنقل التجارب الزراعية ونشاطات الهيئة إلى السهول والقبائل المجاورة البعيدة عن نطاق المشكلة والاكتفاء بالتهديد بقطع الخدمات العامة من ماء وكهرباء وقروض وصرف النظر عن توفير البدائل فازداد الأمر سوءا واشتد الخلاف بين الهيئة وبين المواطنين وكاد ينعدم التعاون بينهم وازدادت الأمور تعقيدا وابتعادا عن الحل السليم.
ثالثاً : عندما أحسست أنا وبعض القضاة والأساتذة من أبناء فيفاء بوجود فجوة بين الهيئة والمواطنين والانحراف بالبرنامج عن مساره الصحيح الموصل إلى الغاية التي أنشئت الهيئة من اجلها ، وخوفا من تراكم التواترات إلى درجة الانفجار قمنا بتدارس الوضع السائد بما فيه من ايجابيات وسلبيات وعرضنا ما توصلنا إليه لسمو نائب وزير الداخلية بموجب التقرير المرفق صورته وأوضحنا الحلول التي نتوقع أنها توصل إلى الغاية المنشودة والى الحل الجذري للمشكلة وهي حلول منطقية وعادلة لو تحري الدقة في تنفيذها وفيما يلي ملخص لأهم النقاط التي أشتمل عليها :
أولاً : تلافي الأخطاء التي وقعت فيها هيئة التطوير في برنامجا لتطوير وتعمير فيفاء ، وإيجاد البدائل التي تكفلت بها الدولة اجتذاذاً لأسباب التنافر بين الهيئة والمواطنين وذلك بإتباع الخطوات التالية :
1. التركيز على شق الطرق الفرعية لكل جبل وقبيلة وناحية عن طريق مقاولين أو بمعدات الهيئة وهي وصلات صغيرة تقدر كل وصلة ببضعة كيلوات، لان الطرق هي الخطوة الأولى والاهم لإيصال الخدمات للمزارعين وبدونها لا يمكن حصول تطوير ولا بدائل وبذلك تبقى القضية معلقة ويستشري الفساد.
2. إجراء تخطيط مسبق لكل وصلة وتحديد مسارها وحصر الممتلكات المقتطعة لها ، ويعطى كل صاحب ملك بيانا بما اقتطع من أرضه ولو لم يعتمد له تعويض إلا في موازنات قادمة لئلا يتعرقل سير العملية عن الوصول إلى الأهداف المقصودة ، وسداً لباب التلاعب وحفظا لحقوق أرباب الممتلكات.
3. عدم جرف القطعيات على المدرجات المجاورة لئلا يستفز الناس إذ أن هذه المدرجات تحفة أثرية لا ينبغي التفريط فيها ولأنها لم تقم إلا بجهود مضنية ولتعلق أربابها بها فقد يموت الشخص جوعا ولا يفرط في مدرج واحد ويبيع حياته دفاعا عنه ، وعلى الجهة المنفذة أن تنقل القطعية إلى أماكن غير مضرة بالممتلكات كالمتبع في كل مكان .
4. تشغيل أبناء المنطقة في بناء الجدران الساندة وتصريف السيول وإعادة ما تهدم من المدرجات ،جنبا إلى جنب مع المعدات التي تقوم بتكسير الصخور وإحضار حجر البناء والمواد اللازمة له تقليصا للأضرار ، وإشراكا للمواطن في المسئولية، وليحس بحرص الهيئة على عدم الإضرار به ، وليجد دخلاً يقتات منه، وحتى لا ينصرفوا إلى ترويج القات والى الطرق الملتوية طلبا للقمة العيش.
ثانياً: توفير مصادر الماء كخطوة ثانية لان الماء هو أساس المشكلة ، ولا يمكن إيجاد زراعة بديلة بدون ماء ويمكن ذلك على النحو التالي:
1. مساعدة كل مزارع على بناء خزان مسلح يتناسب مع مدرجاته الزراعية حجما ومكانا ، عن طريق البنك الزراعي ويعمل له سواقي للاحتفاظ فيه بجزء من مياه الأمطار كحل عاجل وتحل هذه الإعانة محل الإعانة على الآلات في المناطق الأخرى، فيسقي منه شتلاته عند تأخر الأمطار ويسقي منه الزراعة المحملة عليها من الخضار والزهور التي سوف تدر عليه مردودا عاجلا يقتات منه ، ويسقي دوابه أيضا ، وهذه الوسيلة ناجحة 100% ومجربة مع الإرشاد إلى الري بالتنقيط ومناخ المنطقة يساعد على ذلك .
2. الإسراع بمشروع الحل الجذري لمشكلة الماء الذي قامت بدراسته وزارة الزراعة وأوصت به محطة التجارب الزراعية في الهيئة.
ثالثا: الخطوة الثالثة إعادة تنشيط الزراعة البديلة على نحو ما قامت به الهيئة سابقا وهي طريقة سليمة لو لم تقدم ماحقة التأخير وتؤخر ما حقه التقديم، والتركيز على المناطق التي تعتمد على زراعة القات لا على السهول التي لا تعاني المشكلة كما فعلت الهيئة الآن وتحرص على الزراعة المألوفة عند المزارع والمستهلك وعمل الوسائل لإنجاحها بنحو ما يلي :
1. التركيز على زراعة العنب والرمان والخوخ والتين والليمون والسفرجل ونحوها وهي زراعة مضمونة النجاح وتأتي بمرود طيب ويحمل عليها الخضار والبقول التي تأتي بمردود سريع يوميا.
2. تشجيع زراعة الرياحين والزهور وهي زراعة تقليدية مألوفة وكان يوجد منها عشرات الأصناف في فيفاء .
3. تشجيع زراعة الحبوب المختلفة من ذرة ودخن وبر وشعير ونحوها والإرشاد إلى استصلاح الأراضي الزراعية في السهول لينصرف إليها مجموعة من الناس الذين كانوا يفيدون من القات إفادة جانبية.
4. صرف الإعانات التشجيعية وتصريف الإنتاج وحمايته وإيجاد وسائل حفظ وتسويق ومصانع استقطار الروايح العطرية والتوجيه إلى إنشاء جمعيات زراعية ويكون مثل هذا من نشاط الهيئة المشجعة على الإقبال على هذا النوع من الزراعة .
5. الإرشاد إلى تربية النحل والتشجيع عليه لتوفر الزهور البرية ذات النكهة الممتازة وملاحظة أن قيمة العسل المحلي تعادل أكثر من خمسة أضعافه من العسل المستورد لجودتة وطيبة نكهته.
6. إنشاء وحدة زراعية تابعة لوزارة الزراعة والمياه تعنى بشئون الزراعة والمياه في المنطقة .
رابعاً : تعميم التعليم الابتدائي بنين وبنات ليشمل كافة القبائل وإجراء مسح لمعرفة المناطق المحتاجة بطريقة منظمة بحيث لا تتكثف المدارس في جهة وجهة أخرى محرومة.
خامساً : إيجاد بدائل منوعة أخرى عن طريق الإسراع بصرف التعويضات ليتمكن الحاصل على تعويض من بناء مقهى أو مطعم أو منزل يؤجره أو محطة أو ورشة يجنى منها مردودا حتى لا ينصرف إلى الممارسات الغير مشروعة نتيجة الحاجة والبطالة والفراغ .
سادساً : عمل مخططات سكنية عن طريق البلدية وتسهيل عملية الإقراض من صندوق التنمية ورفع القرض بما يتناسب مع تكاليف والتغاضي عن بعض الشروط التي تعوق الاقتراض كاشتراط أن تكون القطعة على شارع ، أو الإلزام بارتدادات معينة تمشيا مع ظروف المنطقة وعورتها وضيق المساحات فيها .
سابعا: احتواء الشباب من التسيب والانصراف إلى الممارسات غير المشروعة وذلك:
1. عن طريق التوعية الشاملة بواسطة دعاة من أهل الحكمة والبصيرة بأساليب الدعوة المقنعة بحيث تعد الهيئة المكان المناسب لإقامة المحاضرات والندوات ، والتنسيق لذلك مع الرئاسة العامة لهيئات الأمر المعروف ، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ووزارة الحج والأوقاف .
2. احتواء الشباب الذين لم يلتحقوا بالتعليم أو العمل الحكومي أو تسيبوا من المدارس وذلك بالتنسيق مع التعليم الفني المهني وإيجاد مركز بالقرب من مقر الهيئة ليستفيد منه القطاع الجبلي عموما.
3. التنسيق مع رعاية الشباب لإيجاد ناد رياضي وثقافي بالقرب من مقر الهيئة يشتمل على مسجد ومكتبة وقاعة محاضرات يفيد منه القطاع الجبلي عموما.
سادساً : إيجاد جو ملائم يمتص النفرة الموجود بين الهيئة والمواطنين بسبب الظروف التي سبقت الإشارة إليها وذلك :
1. بان يعين وكيل لمدير هيئة لتطوير من طلبة العلم الجامعيين من أبناء فيفاء ممن عرفوا بالرزانة وبعد النظر والإدراك الواعي لنفسيات أبناء المنطقة وظروفهم ووسائل الإقناع وطرق التعامل معهم ولو لفترة معينة وأرشح أن يكون احد رجلين في بداية الأمر إما الدكتور سليمان قاسم الفيفي الذي يعمل قاضياً في الأمارات العربية المتحدة ،أو الشيخ فرحان بن سليمان الفيفي الذي يعمل مستشاراً في ديوان المظالم بجده ليكون اقرب إلى نفوس أبناء المنطقة واقدر على التعامل معهم.
2. إيجاد علاقات عامة في الهيئة من ذوي الكفاءات المؤهلة في علوم النفس والاجتماع.
3. انتخاب مجلس بلدي من الطبقة الواعية المثقفة من رؤساء القبائل لوضع الحلول المناسبة لما قد يعترض الهيئة من صعوبات أو مشاكل ليشعروا بمشاركتهم في المسئولية.
سابعاً: الحرص على أن يكون اقتلاع أشجار القات عن طريق أربابها بطريق التدرج وكسر طوق الجمود وتشجيع المبادر إلى التجاوب بإزالة أشجاره بمساعدات كنفقة الإزالة واستصلاح الأرض ومكافأته بمبلغ من المال عن كل شجرة قام بإزالتها تسلم له على ثلاث دفعات أول دفعة عند القيام بحصر أشجار مزرعته عن طريق لجنة بمعرفة الهيئة وثاني دفعة عند الانتصاف من عملية الإزالة، والدفعة الأخيرة عند الانتهاء من العملية ، ثم يؤخذ منه تعهد بعدم العودة لزراعته وإنذاره بالتعرض لأقصى العقوبات وإعادة المبلغ الذي حصل عليه، مع تبسيط العملية بحيث لا يلزم بصكوك ملكية ونحو ذلك من التعقيدات ، ولو اتبع هذا الأسلوب وفتح باب التنافس لكانت المشكلة قد انتهت منذ زمن بعيد، وبأقل كلفة، وبدون إثارة أو استفزاز لان أصحاب الضمائر الفاسدة لا يريدون انتهاء المشكلة واستئصال جذورها.
ولا يفوتني هنا أن أنبه إلى أن القبائل السعودية واليمنية يغار بعضهم من بعض ويشتم بعضهم بعضا وإذا أزالوه بأنفسهم عن طواعية وطيب نفس وحصلوا على البدائل النافعة شعروا بالارتياح والغبطة ولم يتعرضوا للمقت والسخرية من جيرانهم ،فتؤتى البيوت من أبوابها بأسلوب حكيم وواع بدون استفزاز ولا إثارة مع إتباع الخطوات التي أسلفنا فبإتباعها يحصل المقصود من اقرب الطرق .
هذا ما أردت عرضه من الرأي المدعوم بالوثائق إلى جانب الشكوى المقدمة من المتضررين ، والرأي الاتم والأكمل لله ثم لمقامكم الكريم وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت.
حفظكم الله وسدد خطاكم ووفقكم لخير الإسلام والمسلمين ،،،
مقدم العرض
تحريراً في 22/2/1409هـ علي بن قاسم الفيفي /عضو تمييز
العنوان : هيئة التمييز بالمنطقة الغربية / رئيس الدائرة الحقوقية الثالثة. ".
..................................

الخطابة :

الخطابة كانت ومازالت وسيلة عظيمة من وسائل التعليم والتبصير، وقد كانت من الوسائل المهمة التي ركز عليها الوالد في تعليم الناس وتوعيتهم وتبصيرهم وتصحيح أوضاعهم، ومعالجة الكثير من السلبيات،وتوجيههم إلى الصالح لدنياهم وأخراهم ،وقد مارس ذلك على فترات طويلة تقارب الستين عاما،مارسها صغيرا لحاجة المجتمع إليه في ذلك الوقت ،لقلة المتعلمين وندرتهم وعدم توفر من يستطيع القيام بواجب الخطابة في يوم الجمعة وفي الأعياد، ولو وجد من يقرأ ويكتب فلاتكن لديه القدرة على ارتقاء المنبر، وذلك أمر عام في معظم المجتمعات في ذلك الوقت لقلة المتعلمين، حتى إن جامع النفيعة وهو في قلب المركز، واكبر جوامع فيفاء، لا يجدون في بعض الجمع من يلقي الخطبة، فيبحثون بين الحضور عن الذي يستطيع أن يقرأها لهم ، وقد يضطرون إلى صلاتها ظهراً، فكان الوالد لديه القدرة منذ صغره للقيام بذلك،لإتقانه للقرأة الجيدة والجرأة على مواجهة الناس، فكانوا يفرحون به إذا حضر معهم لأجل ذلك ،وكانت الخطب في ذلك الوقت عبارة عن الخطب المطبوعة، المتوارثة من العهد المملوكي والعثماني ،المحتوية على الكثير من السجع والمحسنات البديعية ، يتغنى به معظم الخطباء ولا يخرج منها المتلقي بكثير فائدة ، فكان الوالد مع صغر سنه يحسن القراءة،فإذا ما حضر للصلاة في هذا المسجد، مع أن سكنه في الجهة الشرقية من الجبل، فهو يكفيهم مئونة البحث والترقب عمن سيلقي الخطبة، لأنه سيقوم بذلك ، ويذكر أنه في أحد الأعياد، حضر لصلاة العيد في نيد الدارة ،وكان القاضي غائبا ولم يجدوا من يصلي بهم العيد ،فرآه أمير البلدة مبارك بن عبد الله الدوسري فأمره أن يصلي بهم فصلى بهم، وألقى الخطبة دون تردد أو تلعثم ،فأعجب به الكثير من الناس وبالذات كبار السن،وأثنوا عليه ومنهم كما يذكر محمد بن حسن آل القاضي رحمه الله ،الذي قال مخاطبا الناس: انظروا لولا هذا الصغير لما وجدنا من يصلي بنا اليوم، وأردف معلقا وناصحا أين الذين دفعوا مبالغ لإعفاء أولادهم من الدراسة، يقصد بذلك ما فعله بعض الآباء عندما الزمهم أمير البلدة بالاتفاق مع مشايخ القبائل بإدخال أبنائهم إلى المدارس (المعلامة) للتعلم، فبعض منهم دفعوا رشا ومبالغ لإعفاء أبناءهم من ذلك ، لقصر نظرهم وجهلهم بفضل العلم وقلة وعيهم ، ففضلوا الحاضر القريب وحاجتهم الحالية لا بناءهم في مساعدتهم في أعمال الزراعة أو الرعي عن تعليمهم.
الوالد أثناء الدراسة وجهه شيخه، الشيخ عبد الله القرعاوي إلى قرية رملان مدرسا وإماما وخطيبا لمسجدهم، فكان يصلي بهم الجمع والأعياد، ثم نقل بعدها إلى فيفاء مدرسا وإماما وخطيبا لجامع النفيعة جامع المركز، فقام بالخطابة فيه، ولما عاد بعد سنوات قاضياً للبلدة،قام بإمامة هذا الجامع، فكان يخطب بهم الجمع والأعياد، وقد استمر على ذلك حتى انتقل إلى مكة قاضي تمييز، وفي مكة واصل الإمامة في جامع بحي العدل بالغسالة لأكثر من عشر سنوات، كل هذه الفترة كان يستغل دوره كخطيب في ما ينفع الناس، من التوجيهات والأمر بالمعروف والنهي عن المخالفات والنصح والإرشاد وكل ما يهم مجتمعه وأمر المسلمين، وكان يعالجها بموضوعيه فيخاطب المتلقي أيا كان بما يفهمه الكل، سواء المثقف أو العامي والكبير و الصغير والعالم والجاهل، فيبّسط الأمور ليفهمها الكل دون إخلال ، وينتقل بهم من المحسوسات التي يعرفونها إلى المقصود الذي يرغب إيصاله لهم، وما توصل بذلك إلا من خلال ممارسة طويلة مع علم غزير وفهم سليم، في مجتمع ترقى به من خلال ما يقول ويفعل إلى مستوى عال من الفهم والإدراك، حتى انك تتعجب في بعض الحالات عندما تناقش بعضهم من مستوى الإدراك والإلمام لديهم بمستجدات العصر ومشاكل العالم، وما ذلك إلا من خلال الدربة لمداركهم التي لابد من أن يكون له دور في بعض جوانبها من خلال خطبه وأحاديثه، ولم تكن سهلة ميسورة بل يذكر انه عندما ابتدأ التجديد في اختيار الخطب، والانتقال من الخطب القديمة المطبوعة التي سار عليها الناس وألفوها ،وإعداد خطب تتناسب مع الحاضر واحتياج مجتمعه ليفهموها ويستفيدوا منها، واجه الكثير من العنت والتعليقات اللاذعة من البعض،لظنهم انه لا يصح غير ما ساروا عليه من الخطب المألوفة لديهم ، فأصبحوا ينظرون إليها بقدسية معينة ولا يعترفون بغيرها ، حتى قال قائلهم عن خطبه: إن هذه لم تعد خطباً بل كلام عابث يجمعه من الصحف والجرايد، بل توجس بعض كبار السن من العوام أن صلاتهم في هذه الحالة لن تجزئهم ، ولكنه استمر على النهج الذي اختطه ،ومع الوقت أحس الناس بالفائدة التي يخرجون به من خلال ما يسمعون، مما جعلهم يقبلون على خطبه ويغيرون نظرتهم،بل وسعى أئمة المساجد الأخرى إلى الاقتداء به في ذلك ،وكان بعضهم يطلب منه شيئاً من هذه الخطب ليلقيها في مسجده، ولقد تنبه أخيرا إلى جمع هذه الخطب ولديه الكثير منها، تعد بالمئات تعالج الكثير من الأمور في جميع جوانب الحياة،وهو يحرص على ترتيبها وفهرستها ومحاولة إخراجها في كتاب بمشيئة الله .
ولم يقصر خطبه على الجمع والأعياد،بل كان خطيبا في الكثير من المناسبات حتى كان لسان مجتمعه في الاحتفالات وأمام الضيوف والمسئولين .

الشعر :

لديه تذوق للشعر، ومن تذوقه له وفرط إعجابه به ،نظمه ونمّى ملكته فيه ، حتى بلغ فيه درجة عالية من الإتقان والإبداع والقوة، وكانت بداياته في ذلك كما يحكي، متعبة وفيها الكثير من المعاناة والجهد، فقد كان يبذل جهدا مضاعفا،ويعرك قريحته ويحفزها،حتى انه عند بناء القصيدة ،ليتملك عليه ذلك جميع أحاسيسه وكيانه،وتستوعب كل تفكيره ووقته وجهده ، حتى تخرج كما يريد وبما يرضيه عنها، فتتولد لديه المعاني والكلمات ، فيعيد ويكرر ويحذف ويضيف، ويمرر كل ذلك على معايير الشعر من وزن وقافيه وعروض ،إلى أن يشعر انه وصل فيها إلى الدرجة التي يرضى عنها، نظما ووزنا وقافيه، ثم يعرض ذلك على من يثق به ممن لديهم إلمام بهذا الفن، واستمر على ذلك حتى مهر في الشعر وطاوعه كما يحب ويرغب ، وحتى أصبحت تطاوعه القوافي وتنقاد له على ما يحب ويرضى، فأبدع فيها إلى أن وصل درجة عالية ومتقدمة، يعضده في كل ذلك موهبة وذكاء ورغبة طامحة، وتمكنه من اللغة العربية والعروض والقافية، وتضلعه في البلاغة والأدب والعلوم الدينية والدنيوية، فبرز وأبدع نظما ونقدا في جميع أنواع الشعر وفنونه،فنظم في الأراجيز العلمية، وفي الوصف والغزل والرثاء والمناسبات، وفي معالجة القضايا ألاجتماعيه والسياسية، يبتكر ويحاور ويرد، ويشطر أشعار غيره فيضيف ويبدع ،ويحب إثارة المواضيع التي تثري الساحة الأدبية، ويتداخل مع الآخرين فيما يثيرونه ويتفوق في كثير من ذلك ،وكأمثلة نذكر : تداخله في ما أثير بين بعض الشعراء عن علم الاجتماع ، وعن أم كلثوم المغنية عندما توفيت وبالغ البعض في رثائها وعارضهم آخرون،ومشاركاته في بعض ما أثير عن القات،وغير ذلك مما تحتويه الكثير من دواوينه المتعدد التي بلغت (4) دواوين ،فقد حوت الكثير والكثير في جميع الأبواب والفنون، وتطرق خلالها إلى العديد من المواضيع ،مما يعطي المطلع صورة كاملة على علو كعبه، وقوة سبكه، وجزالة شعره، وسعة إطلاعه وثقافته، وكان تقديم الأديب الكبير الشاعر حسين عرب رحمه الله لديوان شعره (ومض الخاطر) خير شاهد على ذلك ، نقتبس منه قوله : ( حين طلب مني فضيلة الشيخ علي بن قاسم الفيفي تقديم ديوانه الشعري تهيبت لأن عهدي بالعلماء والفقهاء بالأخص،أن تكون عباراتهم يعتريها شيء من الازدواجية بين لغة العلم والفقه ولغة الأدب والشعر إلا ما ندر منهم ،ممن يجمع بين الصناعتين صناعة الفقه والقضاء ،وصناعة الأدب والشعر وما يخالجها من عواطف، لأن عبارة الشعر والأدب رقيقة، وعبارة الفقه والعلم والقضاء دقيقة، وفرق بين الحالتين ، وقلّ من يستطيع الجمع بين العبارتين ،مع التفريق بينهما، إذا اقتضى الأمر ..... إلى أن يقول : ولكن فوجئت أن الرجل إمام في الصناعتين في القضاء والأدب ... ــ وبعد أن يستطرد في الحديث عن أسلوبه الفذ كما يقول في التأليف في الكتب ذات الصبغة العلمية الدينية ــ يقول : ومع ذلك استطاع أن يتفرغ للشعر الذي هو ديوان العرب، ليتحف القراء بنفحات ندية ،تفوح من أبيات الديوان وقصائده وسطوره ومعانيه، بما تنطوي عليه من تعبير رائع يجمع بين الرأي والحكمة والغرض والمعنى ، في جملة جميلة ، ما على من يرتادها إلا أن يتجول بين أرجائها ، ويقطف ما لذ وطاب من أزاهير الشعر ورياحين الأدب، جمع الشاعر الفاضل ديوانه الذي يجمع الروائع من قصائده وكل قصائده روائع، وسماه (ومض الخاطر) ...... ) إلى آخر هذا الكلام الجميل الرائع ،من ناقد خبير لا يجامل ولا يحابي برأيه.
هذا وما يلقاه المطلع والمتصفح لدواوينه ،من متعة وفائدة وحكمة ،لأكبر دليل وشاهد على علو كعبه في هذا المجال ،والدرجة التي بلغها .
وقد أقام الكثير من الأمسيات الأدبية والشعرية الناجحة بدعوات رسمية من الأندية الأدبية في مكة المكرمة وعسير وجازان والطائف ومن لجان التنشيط السياحي في النماص وتنومة .

التأليف:

أحب القراءة وعشقها، فلا تكاد تجده في خلوة إلا والكتاب رفيقه ،يقرأ في كل مجال، وفي كل فن وعلم، ويفهم ويستوعب، ففي العلوم الشرعية، واللغة العربية والآداب والشعر، والتاريخ والعلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية،فمكتبته عامرة بكل جديد،بل مكتباته فلديه مكتبة ضخمة في فيفاء، نقلت معظم كتبها بعد انتقاله إلى مكة إلى بيتي بالنفيعة بتوجيه منه واستفدت منها كثيراً، وكوّن له مكتبة أخرى ضخمة في بيته بمكة المكرمة ،فهو يحرص على اقتناء المراجع وأمهات الكتب، وكل جديد يصدر، في الشريعة والأدب والتاريخ والسير والرحلات وكل الفنون، وكان في بداية حياته العلمية ومع ندرة الكتب يستنسخ ما يجد منها،فقد استنسخ الكثير من مولفات شيخه فضيلة الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله، فكان يكتبها بخط جميل متقن، ويتفنن في صناعة الأحبار النادرة، فكان يصنعها بنفسه من موجودات البيئة ،فيدخل عليها الألوان الجذابة من الأحمر والغامق والأزرق تتزين بها كتاباته، حتى إن كثيراً من كتب شيخه فقدت ووجدت منسوخة لديه بخط يده ، وعندما صدرت الموافقة الملكية على طباعة كتب فضيلة الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله، في المطابع الحكومية بمكة المكرمة، في نهاية الستينات وبداية السبعينات الهجرية، اصطحبه معه مع من اختار من طلابه الذين يثق بهم ، ليعينوه على مراجعتها في صورتها النهائية قبل الطبع ، كل ذلك نمّى لديه ملكة وأصول التأليف، وشجعه على طرق هذا الباب واقتحامه لما اكتملت لديه أدواته ومادته ،فكانت لديه رسائل قصيرة وكتابات اجتماعية وأدبية وتاريخية، نشرها في بعض الصحف والدوريات، كمجلة المنهل واليمامة وقافلة الزيت (ارامكو)، والصحف كالجزيرة والرياض وعكاظ والندوة وأم القرى والمدينة، وكان له أسلوب أدبي وعلمي رائع ،فلا يغفل احدهما على حساب الآخر، فهو يستوعب الموضوع ثم يعرضه عرضا شيقا ممتعا على طريقة السهل الممتنع كما يقال، وقد خصص له باب ثابت في مجلة المنهل، كتب من خلاله عن تاريخ فيفاء وأنسابها وعاداتها وتقاليدها وكل ما يتعلق بنواحي الحياة فيها ، وكتب في كل المجالات العلمية والأدبية ، في الشعر وفي اللغة والأدب والتاريخ وفي العلوم الشرعية، وشارك في كل ما يثار من مواضيع علمية أو أدبية، مدعماً أقواله وآرائه بالأدلة من القرآن والحديث وأقوال العلماء، ويرجح ما يحتاج منها إلى ترجيح، ويبدي وجهة نظره فيما يعرض بوضوح تام وبدون مواربة أو تردد ، يدعمه في ذلك تمكنه من الأدوات المطلوبة، وتحصيله العلمي الكبير، وصفاء ذهنه وتوقد فهمه .
ولديه حصيلة كبيرة من المؤلفات التي تم طبعها والتي هي جاهزة للطبع والتي ما زالت مسودات في جميع الفنون والعلوم ومن ذلك :
1. ديوان الطيف العابر(مطبوع1403هـ).
2. ديوان الحوار المبين عن أضرار التدخين والتخزين(مطبوع 1403هـ).
3. السمط الحاوي عن أسلوب الداعية القرعاوي(مطبوع 1410هـ).
4. ديوان ومض الخاطر(مطبوع 1413هـ).
5. كتاب باقة من التراث الشعبي بفيفاء (مطبوع 1416هـ).
6. الربا وأنواعه (مطبوع 1416هـ).
7. تقويم زراعي لأهل فيفاء وما جاورها(مطبوع 1416هـ).
8. تحقيق رسالة مفتاح دار السلام بتحقيق شهادتي الإسلام للشيخ/حافظ بن احمد الحكمي رحمه الله (مطبوع 1416هـ) .
9. القضاء بين النظرية والتطبيق ضمن محاضرات ألقيت في النادي الثقافي الأدبي بمكة المكرمة (مطبوع 1421هـ).
10. ديوان باقة شعر من إشعاع فكر (مطبوع 1421هـ).
11. تخليد الوفاء لأهل فيفاء الشرفاء بتدوين وقائع الاحتفاء(مطبوع 1421هـ).
12. واجب الشباب (مطبوع 1421هـ).
13. تقنين الأحكام الشرعية(مطبوع 1421هـ).
14. الحكمة المستشفة من اصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم خاتما للرسل ورسولا إلى الناس كافة من مكة المشرفة (مطبوع 1421هـ).
15. تحقيق مخطوطة حكم التطليقات الثلاث إذا وقعت في وقت واحد للشيخ احمد بن علي عبد الفتاح الحازمي (مطبوع 1425هـ).
16. الإرشاد إلى طريق الرواية والإسناد(مطبوع 1425هـ).
17. فيفاء بين الأمس واليوم . (مخطوط )
18. الحكم القبلي في فيفاء قبل الحكم السعودي(مخطوط )
19. ديوان خطب (مخطوط )
20. مجموعة مقالات وبحوث وفتاوي ومحاضرات وأمسيات شعرية ورحلات بعضها نشر وبعضها لم يزل مخطوطا .
...................................

حياته الاجتماعية :

تزوج عدة نساء، وجمع بين كامل النصاب، واستبدل زوج بزوج، ينشد في معظم ذلك الذرية الصالحة، وقد منحه الله الكثير من ذلك، حتى بلغ أبناؤه الموجودين على قيد الحياة حتى تاريخه (48) ابناً ما بين ذكر وأنثى، والكثير من الأحفاد والأسباط .
وزوجاته على النحو التالي :
1. عافية بنت سالم الظلمي رحمها الله أول زوجاته لم تستمر حياتهما الزوجية طويلاً ولم يرزقا بأولاد.
2. مريم بنت يحي الثويعي استمر زواجهما ما يقارب خمسين عاما ورزقا من الأولاد (13) الأحياء منهم (6) أولاد و(5) بنات .
3. فاطمة بنت سليمان الخسافي استمر زواجهما أكثر من خمسة عشر عاماً ورزقا (5) أبناء الأحياء ولد و(3) بنات .
4. مريم بنت حسن الأبياتي رحمها الله استمر زواجهما ما يقارب أربعين سنة ورزقا (15) ابناً الأحياء منهم ((4) أولاد و(6) بنات .
5. مريم بنت حسن المثيبي رزقا (13) ابناً الأحياء منهم (6) أولاد و(6) بنات .
6. آمنة بنت عبد الله اليماني لم يستمر زواجهما إلا أياما معدودة .
7. مريم بنت محمد الثويعي رزقا (6) أبناء ولدين و(4) بنات .
8. خيرة بنت حسن العبدلي رزقا (5) أبناء (3) أولاد (2) بنت .

تعريفاً ببعض أبنائه:
أـ من الأبناء:
1. عبد الله :
ولد في فيفاء ببيت الرثيد عام 1376هـ درس بفيفاء الابتدائية ثم درس فترة محدودة في المعهد العلمي بصامطة ثم انتقل إلى المعهد العلمي بالطائف ثم انتقل إلى معهد إمام الدعوة بالرياض واخذ منه الشهادة الثانوية والتحق بكلية العلوم الشرعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وتخرج منها عام 1401هـ ،وعين حينها رئيسا لمركز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفيفاء وبقي به لمدة أربع سنوات ثم انتقل للعمل بتعليم البنات مندوبا لتعليم البنات بفيفاء ومشرفا على مدارس قطاع بني مالك وبلغازي لمدة سبع سنوات ،ثم كلف بالعمل مديرا لإدارة كليات البنات بمنطقة جازان ومشرفا على الكلية المتوسطة للبنات بصامطة ،لمدة خمس سنوات ،ثم رقي لرئاسة تعليم البنات بالرياض الوكالة المساعدة للتطوير التربوي ،ولم يبقى فيها إلا شهرين فقط، حيث كلف بالعمل مديرا لإدارة تعليم البنات بمحافظة النماص لمدة أربع سنوات حيث طلب إعفائه ، وعاد إلى عمله في الرياض،وكلف بالعمل مديرا لوحدة العلاقات التربوية ومدير لشعبة التأليف بوكالة التطوير التربوي بالرئاسة،حتى رقي إلى الإدارة العامة للتعليم العام إدارة مدارس تحفيظ القرآن الكريم ،ثم كلف بالعمل مدير لإدارتها في العام 1427هـ ومازال ،له كتابات بسيطة لم تطبع ومجموعة خطب،حيث عمل إماما وخطيبا لجامع النفيعة بفيفاء لمدة عشر سنوات ،له من الأبناء (12) سبعة أولاد وخمس بنات (وهو كاتب هذا الموضوع).
2. محمد:
ولد في فيفاء ببيت الرثيد عام 1381هـ درس المرحلة الابتدائية بفيفاء ،واخذ الثانوية من معهد راس الخيمة بدولة الإمارات العربية المتحدة ،يعمل بمستشفى فيفاء العام ،مدير قسم الأغذية م6،وهو شاعر شعبي مجيد له الكثير من الدرر في هذا المجال وله ديوان يعده للطبع ،له من الأبناء (3) ولدين وبنت .
3. عبد الرحمن :
ولد في فيفاء ببيت الطائف عام 1383هـ درس المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية بها ،تخرج من كلية التربية جامعة الملك سعود عام 1408هـ بكالوريوس تربية خاصة ،وعمل بعد التخرج معلما في معهد التربية الفكرية بابها ،ثم انتقل إلى الوزارة بالرياض مشرفا تربويا بالإدارة العامة للتربية الخاصة ومازال ،له من الأبناء (5) أربع أولاد وبنت .
4. فيصل :
ولد في فيفاء ببيت الطائف عام 1385هـ درس المرحلة الابتدائية بفيفاء والمرحلة المتوسطة والثانوية من المعهد العلمي بفيفاء ،عمل في مندوبية تعليم البنات بفيفاء ،وكلف بالعمل مندوبا للتعليم بها لفترة ،مازال يعمل موظفا بالمندوبية م6،له من الأبناء (8) سبعة أولاد وبنت.
5. حسن :
ولد في فيفاء ببيت الطائف في 21/5/1386هـ درس المرحلة الابتدائية بفيفاء ،والمرحلة المتوسطة والثانوية من المعهد العلمي بفيفاء ،تحصل على البكالوريوس في الاقتصاد من كلية الشريعة وأصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فرع أبها عام 1410هـ ،دبلوم رقابة مالية من معهد الإدارة بالرياض عام 1413هـ وهو يعادل الماجستير،عمل بعد التخرج في وزارة المالية مراقب إيرادات وهو الآن مدير إدارة مراقبة الإيرادات ،له من الأبناء (4) بنات.
6. احمد:
ولد في فيفاء ببيت المبادي عام 1389هـ ،درس المرحلة الابتدائية بفيفاء ،والمرحلة المتوسطة والثانوية من المعهد العلمي بفيفاء ،حاصل على بكالوريوس لغة عربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام 1413هـ ،عمل بعد التخرج معلما بالرياض ثم انتقل إلى مكة المكرمة ومازال،شاعر مجيد له العديد من القصائد المخطوطة وله ديوان شعر مطبوع بعنوان (سحابه) ينشر كثير من أشعاره وكتاباته في المنتديات المحلية والعربية وينشر بعض أشعاره باسم (احمد الطارش)،له من الأبناء (4) ثلاث أولاد وبنت.
7. خالد:
ولد في فيفاء ببيت بسمان في 5/2/1391هـ ،درس المرحلة الابتدائية في فيفاء ، والمتوسطة من معهد فيفاء العلمي والثانوية من معهد مكة المكرمة العلمي ،حصل على بكالوريوس شريعة من جامعة أم القرى بمكة المكرمة ،وعمل بعد التخرج معلما في كل من مدينة عرعر ثم الظهران بالمنطقة الشرقية ،ثم انتقل لمكة المكرمة ومازال ،له ولع بالفروسية ويجيد ركوب الخيل ويملك بعض الأفراس ،له من الأبناء (2) ولد وبنت.
8. منير:
ولد في فيفاء ببيت الطائف عام 1391هـ درس الابتدائية في فيفاء ،والمرحلة المتوسطة والثانوية بالمعهد العلمي بفيفاء ،وحصل على البكالوريوس من جامعة أم القرى كلية الشريعة وأصول الدين /قسم الدعوة والثقافة عام 1414هـ ،عمل معلما بعد التخرج في كل من القنفذة ثم فيفاء ثم مكة المكرمة في مدارس الفلاح ومازال،له كتابات جيدة عن طريق المنتديات ،له من الأبناء (3)) اولاد.
9. نبيل:
ولد في فيفاء ببيت الطائف في 25/5/1392هـ درس الابتدائية إلى رابعة ابتدائية بمدرسة النفيعة ثم أكمل الابتدائية بالمعهد العلمي بفيفاء وكذلك المرحلة المتوسطة والثانوية بثانوية فيفاء قسم علمي ،ثم التحق بجامعة الملك سعود بالرياض كلية العلوم الطبية التطبيقية (تخصص علوم إشعاعية )تخرج منها عام 1416هـ واخذ الماجستير من جامعة سري ببريطانيا 1425هـ تخصص فيزياء طبية،وهو يحضر للدكتوراه من الولايات المتحدة الامريكية عمل بعد تخرجه 1416هـ في مستشفى ارامكو (شركة الزيت العربية السعودية ) ولازال وهو عضو منتخب في مجلس الجمعية السعودية العلمية للفيزياء ،له نشاطات أدبية ويكتب ويشارك في الكثير من المنتديات المحلية والعربية في مجالات الأدب وله شعر جيد له من الأبناء ولد.
10. فهد:
ولد في فيفاء ببيت المربوعة في 1/12/1394هـ درس الابتدائية بفيفاء واستكملها في مكة ثم التحق بالمعهد العلمي بمكة المكرمة والتحق بكلية الشريعة جامعة أم القرى ونال البكالوريوس منها عام 1418هـ والتحق بمعهد الإدارة بالرياض دبلوم أنظمة لمدة سنتين ثم دبلوم عالي في التحقيق والادعاء العام، والتحق بالعمل في هيئة التحقيق والادعاء العام بجازان ثم انتقل إلى مكة وقد عمل لفترة في القريات ثم عاد إلى مكة المكرمة ولازال،له رسالة في الماجستير(دبلوم الأنظمة) بعنوان: ( تطبيق الأحكام الشرعية وأثرها في تحقيق العدل في المجتمع)، وحضر رسالة الدكتوراه في رسالة بعنوان: (الشورى وعلاقاتها بالديموقراطية وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية) ، له من الأبناء ثلاثة ولدين وبنت
11. إبراهيم :
ولد في فيفاء ببيت بسمان في 16/1/1395هـ درس الابتدائية في فيفاء وأكمل الابتدائية من خامسة إلى أول متوسط في معهد فيفاء العلمي واستكمل المتوسط والثانوي بالمعهد العلمي بمكة المكرمة ،التحق بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية واخذ البكالوريوس منها عام 1417هـ وبعدها التحق بالعمل مدرسا في المنطقة الشرقية لمدة عام، ثم انتقل للعمل في هيئة التحقيق والادعاء العام بحائل لأكثر من ست سنوات، ثم انتقل إلى الهيئة بمكة المكرمة وما يزال فيها ،حصل على دبلوم أنظمة جنائية من معهد الإدارة العامة، له من الأبناء ثلاثة ولد وابنتين.
12. حافظ:
ولد في فيفاء ببيت المربوعة في 19/3/1397هـ درس الابتدائية بفيفاء واستكملها بمكة المكرمة والمتوسطة والثانوية من مدارس تحفيظ القران الكريم بمكة المكرمة ثم التحق بكلية الشرعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض واخذ البكالوريوس منها عام 1419هـ ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء ونال الماجستير منه عام 1422هـ بتقدير جيد جدا من شعبة الأنظمة ثم دبلوم في القانون الدولي من معهد الدراسات الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية لمدة شهرين، عمل باحث بالإدارة العامة للجنسية في وكالة الأحوال المدنية ثم مستشار قانوني بنفس الوكالة، يعمل حاليا مساعدا لمدير عام الإدارة العامة للجنسية ومازال، له من البحوث رسالة ماجستير بعنوان (اكتساب الجنسية ــ دراسة مقارنة بين الفقه والنظام ) بحث بعنوان (حقوق المطلقة في الشريعة الإسلامية) وبحث بعنوان(خطاب التكليف) وبحث بعنوان(مفهوم العبادة في الإسلام) له من الأبناء اثنين ولد وبنت.
13. عبد الرحيم :
ولد في فيفاء ببيت المربوعة في 27/7/1401هـ درس الابتدائية بمكة المكرمة والمرحلتين المتوسطة والثانوية ثم التحق بالكلية التقنية وحصل على دبلوم تخصص قوى كهربائية عام 1425هـ ،ثم دورة تأهيل قائد قطارات بالموسسة العامة للخطوط الحديدية لمدة عام ويعمل الآن قائد قطارات بالرياض له من الأبناء ولد.
14. عمر:
ولد في فيفاء ببيت المربوعة في 25/11/1402هـ درس المرحلة الابتدائية بمكة المكرمة وكذلك المرحلتين المتوسطة والثانوية ثم التحق بالكلية التقنية وحصل على دبلوم تخصص قوى كهربائية عام 1425هـ ،ثم دورة تأهيل قائد قطارات بالموسسة العامة للخطوط الحديدية لمدة عام ويعمل الآن قائد قطارات بالرياض وله من الأبناء ابنتين .
15.(عبدالصمد،أنور،حسام،سعود،وائل،تركي،يوسف،عبد المجيد)مازالوا في الطلب في المراحل الجامعية والثانوية والمتوسطة والابتدائية.
ب ـ من البنات:
1. سلامة (أم عبد الله ) من مواليد فيفاء عام 1375هـ زوجها فضيلة الشيخ / يحي بن حسين ضيف الله لها من الأبناء ستة أولاد وثمان بنات .
2. محسنة (أم عبد الله ) من مواليد فيفاء عام 1377هـ زوجها الاستاذ/ حسن بن فرح اسعد الابياتي لها من الأبناء ثلاثة أولاد وبنتين .
3. عافية (أم محمد) من مواليد فيفاء عام 1378هـ زوجها الاستاذ /سليمان شريف حسن الخسافي لها من الأبناء ولدين وأربع بنات .
4. عائشة (أم عبد الله) من مواليد فيفاء عام 1379هـ زوجها الشيخ /احمد بن سليمان قاسم آل طارش لها من الابناء ولدين وخمس بنات .
5. أمنه (أم إياد): من مواليد فيفاء في عام 1383هـ لديها الشهادة الابتدائية من التعليم العام وعدة شهادات في مجالات أخرى ومنها : دبلوم إنجليزي من أمريكا أثناء مرافقة زوجها المبتعث هناك ،دبلوم خياطة من المعهد المهني لمدة سنتين ، دورة طباعة من جمعية الوفاء ودورة في السراميك من جمعية النهضة ، لها عدة أنشطة ثقافية ومنها : المشاركة في مهرجان الجنادرية للتراث الشعبي مشرفة على البيت الجبلي في منطقة جازان لمدة ثلاث سنوات ومثلت فيفاء في اليوم الوطني في جمعية النهضة في حفل كبير ،لها مشاركات في الإذاعة وفي احتفالات الأعياد لأبناء فيفاء في الرياض ،زوجها الاستاذ/حسن بن مفرح آل طارش لها ولد وبنت.
6. فايزة (أم البراء) من مواليد فيفاء 1387هـ زوجها الاستاذ /عبد الله جابر علي الابياتي لها من الأبناء أربعة أولاد وبنتين .
7. زهراء (أم حسان): من مواليد فيفاء في 21/1/1389هـ حاصلة على دبلوم معهد المعلمات الثانوي بفيفاء وعملت في التدريس بمدارس فيفاء فترة ثم استقالت،زوجها الاستاذ/عبد الله بن حسن آل خفشه الابياتي لها من الأبناء خمسة ولدين وثلاث بنات .
8. لطيفة (أم عبد الاله): من مواليد فيفاء في 6/3/1393هـ بكالوريوس لغة عربية من كلية التربية للبنات بمكة المكرمة عام 1416هـ عملت في التدريس بمتوسطة العدوين بفيفاء وفي عام 1417هـ كلفت بالعمل مديرة لمكتب الإشراف التربوي بفيفاء وما زالت، عضو بمجلس إدارة التربية والتعليم بمنطقة جازان ،حاصلة على عدة دورات منها: الدورة التاهيلية للإشراف التربوي ، دورة في الإملاء وأسلوب الصياغة، دورة في التخطيط الاستراتيجي في الميدان التربوي ،دورة التميز الإداري والسلوكي للمدير المعاصر، دورة نحو قيادة تربوية متميزة ، حضور اللقاء التربوي للاتصال الإنساني في بيئة العمل ، زوجها الاستاذ/احمد حسن السنحاني المثيبي لها من الأبناء أربعة ولدين وبنتين.
9. منى (أم عبد الله): من مواليد فيفاء في 29/3/1395هـ حاصلة على دبلوم معهد المعلمات الثانوي بفيفاء عام 1413هـ بتقدير ممتاز وعملت في التدريس بالابتدائية والمتوسطة الثانية بفيفاء عامي 1414ـ1415هـ ثم استقالت ، وحصلت على بكالوريوس شريعة انتساب من جامعة الملك خالد بأبها كلية الشريعة وأصول الدين للعام الجامعي 1419/1420هـ ،زوجها الدكتور/محمد يحي الحكمي لها من الأبناء أربعة ولد وثلاثة بنات .
10. جوهره (أم غسان): من مواليد فيفاء عام 1396هـ حاصلة على بكالوريوس تربية خاصة تخصص صعوبات تعلم عام 1421هـ دبلوم حاسب آلي عام 1423هـ لا تعمل زوجها الاستاذ/سلمان يحي الداثري لها من الأبناء أربعة ثلاثة أولاد وبنت .
11. وفاء (أم عبد الله): من مواليد فيفاء عام 1397هـ حاصلة على دبلوم معهد المعلمات الثانوي بفيفاء عام 1415/1416هـ تعمل معلمة بمدارس فيفاء ومازالت ،زوجها الاستاذ/محمد جابر الخسافي لها ثلاثة أبناء ولدين وبنت.
12. سلوى (أم معاذ): من مواليد فيفاء في 14/1/1399هـ حاصلة على بكالوريوس في التربية والاقتصاد المنزلي تخصص سكن وإدارة منزل ودورة في الحاسب الآلي ودورة في إدارة المشاريع الصغيرة من المنزل ، لا تعمل ،زوجها الاستاذ/موسى احمد قاسم آل طارش لها من الأولاد ثلاثة ولد وبنتين .
13. زينب (أم مازن):من مواليد فيفاء عام 1401هـ حاصله على بكالوريوس كلية العلوم الاجتماعية قسم الخدمة الاجتماعية جامعة أم القرى بمكة المكرمة ،زوجها الدكتور/حسن بن يحي الشريفي لها من الأبناء ثلاثة ولد وبنتين.
14. هدى (أم مصعب): من مواليد فيفاء في 16/4/1403هـ حاصلة على بكالوريوس في التربية والاقتصاد المنزلي تخصص ملابس ونسيج تعمل في جمعية النهضة الخيرية بالرياض ، زوجها الاستاذ/محمد احمد قاسم آل طارش لها ولد .
15. عفاف (أم عبد الله) من مواليد فيفاء 1404هـ حاصلة على بكالوريوس شريعة جامعة أم القرى بمكة المكرمة زوجها الاستاذ/ احمد بن محمد الكبكبي ولها ولد .
16. (أمينة ،جميلة ،سناء ،دلال، بشرى ،ريم،نهى،أسماء ،تسنيم ،طيف ، شذى ) ما زلن في الطلب في المراحل في الجامعة والثانوية والمتوسطة والابتدائية .

الخاتمة

وبعد فهذه لمحات موجزة، عن بعض جوانب شخصيته ، وهي في الحقيقة جوانب توضح عظمة هذا الرجل، لا أقولها لأنه والدي ،فانا في الحقيقة في كل مرة انظر في أحد هذه الجوانب المح عظمةً ونبوغاً لم أكن لأعرفه من قبل، واكتشف جانبا كنت أجهله، مما يزيدني فخراً به، وإعجاباً بشخصيته ،فهي جوانب لو نظر إليها الإنسان بتجرد لوجد ان كل جانب منها يمثل شخصية مستقلة، بمعنى أننا لو نزّلنا جانباً واحداً من هذه الجوانب المتعددة على شخصية واحدة لكفتها، فهو ذو شخصية متعددة الجوانب، تعبر عن شخصيات متعددة تقوم كل منها بدورها بكل اقتدار، وكل نجاح، دون تعارض مع بقية الجوانب والشخصيات الأخرى، بل هي متكاملة في مجملها تعطيك إنساناً واحداً ذا شخصية قوية متكاملة، تتبلور عن شخصية الوالد فضيلة الشيخ القاضي علي بن قاسم الفيفي، كل من عاشره وعرفه عن قرب يتعجب من قدراته المتعددة ،وإبداعه وحسن تنظيمه لوقته واستغلاله لكل لحظة فيه، وتوفيقه بين العمل الرسمي وأعماله الخاصة المتعددة، ومجاملاته ومتابعاته لأسرته وأبنائه، وقراءاته وتأليفه وشعره، فهو لا يكاد يفتر فكل وقته مشغول وكل وقته متواجد مع الآخرين، فلا تطغى هذه على هذه، أعطاه الله الكثير من العزيمة والقوة والإصرار والإبداع والذكاء والاستيعاب.
حفظه الله بحفظه ، وجعلنا من البارين به ، وجمعنا وإياه ووالديه وأحياؤنا وأمواتنا جميعاً في جنات النعيم .


((تنويه وشكر))

شكر وتقدير لكل من زودني بمعلومة أو ملاحظة أو توجيهات أو تشجيع واخص من هولاء فضيلة الشيخ د/ سليمان بن قاسم وفضيلة الشيخ /فرحان بن سليمان والأخوة الأعزاء عبد الرحمن بن علي وخالد بن علي والأخت الغالية لطيفة بنت علي على ما زودوني به من ملاحظات سواء شفوية أو كتابية وتصحيحات لغوية أو إملائية على المسودات ومن زودوني ببعض الصور ومنهم الشيخ احمد محمد الحكمي، والمهندس يحي سليمان آل طارش، والاستاذ يحي محمد الدرابه، والاستاذ احمد سلمان المشنوي، والاستاذ حسن سليمان العبدلي، والاستاذ عبد الله علي فرحان آل سلعي، والاستاذ احمد يحي الابياتي، والاستاذ محمد عبد الله السنحاني، والاستاذ محمد سالم حسن الحربي ،والعمة الغالية عافية بنت فرح الابياتي، وكل من نفحني بكلمة تشجيع ولا أنسى شكر الولدين بدر ومصلح عبد الله على لما قاما به في إعداد الحلقات والصور وتصميم الغلاف، والبنت الغالية ندى احمد سليمان على جهدها المشكور في إعداد وتنظيم الصور المرفقة.
والشكر موصول لكل من اطلع وعلق وداخل .
جعله الله خالصاً لوجهه الكريم ووفاء لبعض ما لصاحب السيرة علي من فضل أعجز عن ترجمته فضلا على حقه كأب أجزل الله له الثواب ورفع له الدرجات وجعله في أعلى الجنات في الفردوس الأعلى منها وجمعنا وإياه ووالديه وكل ذرياته وأزواجه وإخوانه ومعلميه في جنات النعيم . والله الهادي إلى سواء السبيل ،،،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،


[هذه مجموع مقالات كتبها ابنه عبدالله على أربع عشرة حلقة في ملتقى فيفا ]
__________________
بلغت مشاركاتي الألف؛فوجب الكف"لاأقول إلى اللقاءلكن وداعًا"
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21-07-11, 02:13 AM
أبوخالد أبوخالد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-07-09
المشاركات: 999
افتراضي رد: أضواء على شخصية والدي الشيخ القاضي علي بن قاسم ال طارش الفيفي (كتبها ابنه عبدالله)

[لقاء مع الشيخ في جريدة الندوة]
ابن الفلاّح الذي أصبح قاضياً للتمييز الفيفي لـ( الندوة ) :
الملك فيصل وجّه باقتراحي للتخلص من زراعة القات في فيفاء
عملت 40 عاماً في سلك القضاء وتمييز الأحكام وبدأت العمل وأنا في الثالثة والعشرين من العمر
لم أكن قاضياً فحسب بل ساهمت في كل ما من شأنه خدمة فيفاء وأهلهــا بالـرفع للمسؤولين والمتـابعة الشخصيــة
حوار : أحمد الأحمدي

ضيف محطات لهذا الأسبوع شخصية عصامية من أولئك الرجال الذين نحتوا الصخر بأناملهم فقد التمس دروب العلم والمعرفة منذ نعومة أظفاره بجده واجتهاده وبدعم وتشجيع من والده الذي كان يعمل فلاحاً ولكنه كان قارئاً منتظماً للقرآن الكريم وصاحب تقوى واستقامة.. فعلى الرغم من عدم وجود مدارس نظامية في قريته ألحقه والده عند بلوغه السابعة من عمره بدروس وحلقات مشايخ عصره من العلماء فختم القرآن الكريم على أيديهم وكذلك حفظ المتون في التوحيد والفقه وأصول الفقه وتفسير الحديث والمصطلحات الفقهية والأصولية والفرضية والتجويدية والسير واللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وخط وإملاء وغير ذلك من العلوم النافعة ثم التحق بالمدارس النظامية وعمل مدرساً ومعيداً وإماماً وخطيباً وهو لايزال على مقاعد الدراسة واشرف على مدارس الشيخ عبدالله القرعاوي بمحافظة فيفاء بمنطقة جازان ثم عمل قاضياً في محكمة فيفاء في أوائل عام 1373هـ وتدرج في أعمال القضاء حتى رقي إلى درجة قاضي تمييز بمحكمة تمييز الأحكام الشرعية بالمنطقة الغربية ومقرها مدينة مكة المكرمة حيث باشر عمله في تلك المحكمة رئيساً للدائرة الحقوقية الثالثة والذي استمر بالعمل بها حتى تقاعد من العمل القضائي وتفرغ لأموره الخاصة وفتح مكتباً للمحاماة والاستشارات الشرعية والذي يعتبر أول قاضي تمييز على مستوى مناطق المملكة يفتح مكتباً للمحاماة إنه فضيلة الشيخ علي بن قاسم بن سلمان آل طارش الفيفي والذي استضفناه عبر هذا اللقاء وتعرفنا على محطاته الدراسية والعملية والاجتماعية فإلى مضامين الحوار:
ابن فلّاّح
| في الطفولة يحلم الإنسان كثيراً ويحلق في سماء الخيال حيث يريد أن يكوّن مستقبله.. فكيف كانت طفولتك.. وماذا كانت أحلامك؟
|| لقد كانت طفولتي طفولة فطرية سليمة وكان والدي فلاحاً وكان قارئاً للقرآن الكريم وصاحب تقوى واستقامة وكان حين يراني أذاكر دروسي يقوم بالعمل نيابة عني كي لايشغلني عن طلب العلم وكانت والدتي تساعد الوالد في حراثة الأرض والقيام بمسؤوليات البيت أما أحلامي الطفولية فلم تتجاوز المحيط الذي حولي حيث كانت الفرص آنذاك محدودة جداً.
الترابط والتكاتف
| ماهي أبرز ملامح فترة الصبا والشباب والدراسة؟
|| من أبرز ملامح هذه الفترة البساطة في التعامل وخلو الذهن من الأشغال حيث كانت بلدتنا (فيفاء) عبارة عن مجتمع مترابط متكاتف، الملهيات فيه محدودة وقليلة جداً ووسائل الإعلام في ذلك الوقت معدومة ووسائل الاتصال لاتكون إلا عن طريق المسافرين في أندر الأحوال وكان المجتمع مجتمعاً ريفياً قروياً تغلب عليه الطيبة والعفوية والصدق في التعامل مما جعل الذهن حاضراً وقابلاً لتلقي العلوم وتحليلها وتصورها ومن ثم تطبيقها وتعليمها للآخرين وقد كنت في فترة شبابي حريصاً كل الحرص على أن أنهي تعليمي حتى أبدأ الحياة العلمية واتفرغ للتعليم وللزواج وتكوين نواة أسرة وأما بالنسبة لبداية دراستي فأنا أولاً من مواليد قرية (الرثيد من ذراع منفة) ببلدة فيفاء التابعة لمنطقة جازان وعند بلوغي السابعة من العمر ألحقني والدي بكتاب الشيخ العلامة أحمد بن فرح بن أسعد الأبياتي الفيفي فختمت القرآن الكريم على يديه وتعلمت مبادئ القراءة والكتابة ثم التحقت بمعلامة العلامة الفقيه القاضي الشيخ حسن بن أحمد المغامري الفيفي فأعدت عليه قراءة القرآن الكريم بإجادة أكثر وأخذت على يديه بعض المبادئ، في أمور الدين وعندما أسس الشيخ عبدالله القرعاوي أول مدرسة علمية (بفيفاء) الحقني والدي بهذه المدرسة فجودت القرآن الكريم وحفظت بعض المتون في التوحيد والفقه والتجويد والفرائض والسير والمصطلح والنحو، كما درست مبادئ الخط والإملاء والحساب ثم ارتحلت وأنا في الثانية عشرة من عمري إلى بلدة (سامطة) ولازمت فضيلة الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي حتى أوائل عام 1373هـ وأخذت واستفدت منه كثيراً في علوم الشريعة الإسلامية من فقه وأصول وتفسير وحديث ومصطلحات فقهية وأصولية وفرضية وتجويد وسير ولغة عربية من نحو وصرف وبلاغة وخط وإملاء.. إلخ. وكما أسلفت القول فقد كنت في شبابي حريصاً على أن أنهي تعليمي حتى ابدأ الحياة العملية وتكوين أسرة حيث كانت بدايتي عندما كنت طالباً حيث أصبحت معيداً في مدارس الشيخ عبدالله القرعاوي فاتيح لي التدريس أثناء الطلب من شهر رجب من عام 1367هـ ثم مدرساً منفرداً في مدرستي (الملحاء والفرشة) ثم مدرساً وإماماً وخطيباً في كل من (رملان وفيفاء) لفترات متقطعة ثم بدأت العمل قاضياً في المحكمة الشرعية بفيفاء في أوائل عام 1373هـ مع قيامي بالإمامة بجامع فيفاء وترتيب الدروس والإشراف على مدارس الشيخ عبدالله القرعاوي في فيفاء إلى أن تم ترفيعي إلى درجة قاضي تمييز ورئيساً للدائرة الحقوقية الثالثة بمحكمة تمييز الأحكام الشرعية بالمنطقة الغربية ومقرها مدينة مكة المكرمة وكان ذلك في أواخر عام 1406هـ. وقد باشرت العمل في المحكمة مع قيامي بالخطابة أيضاً في مسجد حي العدل بمكة المكرمة وفي عام 1414هـ تقاعدت عن العمل القضائي وتفرغت لأموري الخاصة وقمت بفتح مكتب خاص للمحاماة والاستشارات وكنت أول قاضٍ على درجة قاضي تمييز يفتح مكتباً للمحاماة على مستوى المملكة ولازلت أمارس عملي في هذا المكتب وقد كان لي شرف تعييني عضواً في مجلس إمارة منطقة جازان للفترة الثانية لتأسيس المجلس.
البداية مع القضاء
| بدايات الإنسان عادة ما تكون صعبة فكيف كانت بداياتك وما هي التحديات التي واجهتك؟
|| لعل أصعب شيء واجهني هو عندما توليت القضاء في بلدة فيفاء حيث كان عمري لايتجاوز الثلاثة والعشرين عاماً وفي مجتمع قبلي تغلب عليه الأمية. كما أنني حللت محل شخص له مكانته وقبوله لدى المجتمع هناك. كما أن توليّ لمنصب القضاء كان وسيلة لي لعمل بعض الاصلاحات التي انتفع بها الناس فقد كنت أول قاضٍ دونت أحكامه في سجل الأحكام باستثناء بعض الصكوك وكان القاضي الذي قبلي لايواظب على عمله لأنه غير مقيم في فيفاء فزالت هذه الظاهرة وارتاح الناس وقد هيأ الله لي إصلاح بعض الأعمال في فيفاء حيث كانت إدارة الأعمال يشوبها بعض الفساد وكان يتصدر لفصل الخصومات بين الناس الأمراء والمشايخ وكان القائمون على السلطة يفرضون على المواطنين مكوساً وعقوبات مالية وضرائب مستغلين سذاجة الناس وطاعتهم العمياء لمن بيده السلطة. والقاضي من أكثر الناس قدرة على خدمة المجتمع من خلال عمله لأن كلمته مسموعة ومؤثرة ولذلك فقد هيأ الله لي القيام بإنجازات كثيرة ما كنت لأقدر عليها لو لم أكن قاضياً ولقد حرصت طوال مدة عملي قاضياً في بلدة فيفاء أن لا أكون قاضياً فحسب بل كنت أقوم بمشاركة أعيان البلد في كل ما من شأنه خدمة هذه البلدة ورفعتها وتوفير الخدمات العامة لأهلها بالرأي والتدبر والمشورة والرفع للمسؤولين والمتابعة وقد حظيت فيفاء بالكثير من المرافق والخدمات التي سعيت فيها وتابعتها والناس عنها غافلون وقد استغللت في سبيل ذلك جميع الظروف والملابسات التي تخدم ما أسعى إلى تحقيقه. كما كنت أقوم بالتوعية الدعوية عن طريق الخطابة والدروس الخاصة وأثناء الاجتماعات واللقاءات وفي مجلس الحكم وفي كل مناسبة في كل ما من شأنه ترسيخ العقيدة واجتناب البدع واتباع السنة وترك مخالفاتها وتشجيع الشباب على طلب العلم وفي تشذيب العادات والتقاليد. وقد كان لذلك أثر ملموس يعرفه العقلاء الذين عايشوا الظروف القاسية التي كانت قائمة ولكن لايعرف ذلك إلا من عايش تلك الأحوال. كما أنه ومن خلال إشرافي على مدارس فيفاء وبني مالك التابعة لإدارة مدارس الجنوب التي أسسها الشيخ عبدالله القرعاوي رحمه الله والتي تمكن من خلالها من تغطية كل بقعة وجبل وقبيلة وقرية وهجرة وفتح مدرستين للبنات احداهما تدرس فيها شقيقة الأستاذ حسن بن فرح الفيفي والثانية حرم الشيخ احمد بن علي الفيفي وكانت هاتان المدرستان النواة الأولى لتعليم الفتاة في بلدة فيفاء وبذلك دخل التعليم كل بيت وصار لذلك أثر ملموس في القضاء على البدع والتمسك بالسنة إلى أن جاء التعليم النظامي فأجريت مسحاً للجهات المحتاجة إلى مدارس إذ كانت صلتي وطيدة بمدير عام إدارة التعليم بمنطقة جازان الأستاذ محمد سالم العطاس الذي خدم القطاع الجبلي خدمة جليلة وأصر على فتح المدارس في المناطق الوعرة وتغلب على مشكلة رفض المدرسين للتدريس باعطائهم بدلات مغرية ومنح الطلاب مكافآت مغرية أيضاً لتحفيزهم من قبل أهلهم للدراسة ولإعانتهم على تأمين المتطلبات اللازمة. وقد التمس سعادته مني بالنسبة لفيفاء تذليل عقبة عدم توفر المباني المدرسية فكرست جهودي على توفير المباني المدرسية في كل جهة محتاجة لمدرسة سواء عن طريق تشجيع أهل الجهة المحتاجة بالدعم أو المشاركة أو القيام شخصياً بالبناء مع تعسره في ذلك الوقت ومضاعفة التكاليف لوعورة الطرق وتحقق المرام بهذا النهج وقد شكرني سعادته على تلك الجهود ولازلت احتفظ بخطاب الشكر حتى الآن. وقد كنت أحرص كل الحرص على استغلال كل الظواهر والملاحظات كما كانت تردني استفسارات سرية عن تلك الملاحظات وكنت أؤكد وجودها وأؤيد معالجتها ووضع الحلول المناسبة لها التي اتوقع أن يوافق عليها المسـؤولون ومن ذلك طلبي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق عما رفعه بعض الدعاة عن وجود بعض البدع والخرافات وأشياء مخالفة للدعوة السلفية وقدمت تقريراً وافياً أوجبنا فيه باستئصال تلك الظاهرة جذرياً بانشاء معهد علمي ومركز لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومركز للدعوة والإرشاد والتوسع في فتح المدارس. وقد صدر الأمر السامي الكريم بالموافقة على تلك التوصيات وتمخض عن هذا التوجه اختفاء تلك الظواهر اللافتة للانتباه.
كما هيأ الله لي أيضاً عندما صدر نظام الأوقاف وصدور الأمر السامي الكريم بتثبيت المؤذنين الموجودين على رأس العمل الذين لاتنطبق عليهم الشروط على مراتب مناسبة لهم وقد تم العمل على تحسين وضعهم مستقبلاً وكنت آنذاك عضواً مع مندوبي وزارتي المالية والحج والأوقاف فاستطعت بحكم عضويتي أن اثبت في المساجد والجوامع أئمة ومؤذنين وفتح حلقات علمية للأئمة والمؤذنين لتحسين تلاوتهم حيث تم إلقاء الدروس عليهم في العقيدة والفقه وكان لهذه الطريقة الدور الفعال في رفع مستوى هؤلاء.
فيفاء والقات
وحينما صدرت الأوامر السامية الكريمة بمنع زراعة القات واستعماله كانت فيفاء من البلدان التي يزرع فيها القات في جنوب المملكة وكانت قد عقدت عدة اجتماعات متتالية في بلدة فيفاء حول منع زراعة القات بها وقد رفعت اقتراحاً إلى جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله عن كيفية التخلص من القات وقد تم الأخذ بهذا المقترح الذي نال استحساناً كبيراً من معالي أمير منطقة جازان آنذاك الشيخ تركي السديري ومعالي أمير منطقة نجران آنذاك الشيخ خالد السديري وقد تم العرض عنه لجلالة الملك فيصل ووجد استجابة من ولاة الأمر فتمحض عنه انشاء هيئة لتطوير وتعمير منطقة فيفاء والتي تمخض عن إيجادها تنفيذ العديد من المشاريع والخدمات إلا أن استعجال الهيئة في إيجاد البدائل الزراعية قبل العمل على بناء خزانات المياه فشلت البدائل الزراعية لعدم توفر المياه ولذلك بقيت مشكلة القات عالقة.
شخصية حافظ حكمي
| ماهي الشخصية التي أثرت فيك؟
|| يختلط الإنسان في حياته بأناس كثر قد يؤثرون في حياته وفي شخصيته ولكن أبرز من أثر في شخصيتي فضيلة العلامة الشيخ حافظ بن احمد الحكمي رحمه الله فقد كان له فضل وتأثير كبير عليّ اسأل الله عز وجل أن يجزيه عني خير الجزاء وأن يتغمده بواسع رحمته وغفرانه.
قاضي تمييز
| ما هو أبرز عمل رسمي توليته وكم كان راتبك آنذاك؟
||أبرز عمل توليته هو القضاء وآخر ذلك قبيل تقاعدي قاضي تمييز ورئيساً للدائرة الحقوقية الثالثة بمحكمة تمييز الأحكام الشرعية بالمنطقة الغربية. أما أول راتب استلمته فهو مبلغ ستمائة ريال فقط لاغير.
دخول المحاماة
| ماهو القرار الذي اتخذته ولايزال عالقاً في ذهنك؟
|| مواقف الحياة وصعوباتها لاتتوقف وكلها أمور تحتم على الإنسان اتخاذ قرارات قد تكون صائبة أو العكس ومن أبرز القرارات التي اتخذتها ولاتزال عالقة في الذهن قد يكون قراري دخول مجال المحاماة بعد رحلة طويلة مع القضاء زادت عن الأربعين عاماً. حيث واجهت معارضة ونقداً لدخولي مجال المحاماة من قبل زملائي وأقاربي كان لهما تأثير في نفسي ولكن ولله الحمد والمنة لم اندم على اتخاذ هذا القرار علماً بأن الكثير ممن وجهوا لي اللوم والنقد حين اتخاذي لهذا القرار سلكوا فيما بعد مسلكي.
اجتهاد وكفاح
| ماهي ابرز محطات حياتك الشخصية والاجتماعية والعملية؟
|| الحياة كلها عمل واجتهاد وكفاح وكلما ينتهي الانسان من مرحلة ينتقل إلى مرحلة جديدة والحياة بدون عمل وأمل عناء وتعب وقديماً قال الشاعر العربي:
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل
الحب أساس الحياة
| الحب في نظرك كيف يكون؟
|| الحب هو أساس الحياة وأساس العمل فبدون الحب لاتبنى المجتمعات وبدون الحب لايعمل الانسان والحب في نظري يكون بالاخلاص والصدق في جميع التعاملات إذ إن الحب في نظري ليس مقتصراً في حب المرء لزوجته وأبنائه بل يتعداه إلى أكبر من ذلك وهو حبه لربه عزوجل ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وحبه لولاة الأمر ولوطنه ولمجتمعه وللقريب والبعيد.
أعتذر ولا اتخلف
| ما هو الموعد الذي تتعمد دائماً التخلف عنه ولماذا؟
|| لا اعمد إلى التخلف عن أي موعد مهما قلت أهميته ولا أذكر أنني تخلفت ولله الحمد والمنة عن أي موعد متعمداً إطلاقاً فإذا كانت ظروفي لاتسمح أو لاتتيح لي حضور الموعد فإنني أقدم اعتذاري مبكراً وقبل وقت كافٍ.
عمل ومثابرة
| هل هناك هدف تمنيت تحقيقه وفشلت فيه؟
|| الحمد لله أنا قانع وأشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه التي لاتعد ولاتحصى فالانسان في هذه الحياة يعمل ويثابر والباقي بتوفيق الله وتقديره والحمد لله والشكر على توفيقه.
حفل التكريم أجمل هدية
| ما هي أجمل هدية قدمت لك وهل تمارس عادة الهدايا؟
|| أجمل هدية تلقيتها هو ذلك الحفل التكريمي الذي كرمني به شيخ شمل قبائل فيفاء ومشايخ القبائل وأبناء فيفاء من طلاب ومدرسين وموظفين وقد أقيم لي هذا الحفل بمناسبة ترقيتي إلى قاضي تمييز وانتقالي للعمل بمحكمة تمييز الأحكام الشرعية بالمنطقة الغربية بمكة المكرمة حيث قاموا بنصب مخيم كبير للاحتفال في (بقعة آل قزاعة بفيفاء) حيث تم توزيع عدد من بطاقات الدعوات لحضور الحفل وكان حفلاً شعبياً كبيراً عبر فيه الأهالي بأهازيجهم ورقصاتهم الشعبية عما تجيش به نفوسهم الطيبة من محبة وتقدير وكانت وقائع هذا الحفل الخطابي أيضاً حافلة بالكلمات والقصائد الشعرية المؤثرة وقد جمعت وقائع هذا الحفل في كتاب تخليداً لوفاء أهل الوفاء الشرفاء. وبالنسبة لي شخصياً فإنني أمارس الهدية عندما يكون هناك سبب متمثلاً لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (تهادوا تحابوا).
قليل البكاء
| هل أنت ممن يبكون ومتى آخر مرة ذرفت فيها عيناك الدموع؟
|| لست ممن يبكون فأنا قليل البكاء إن لم يكن ذلك نادراً مني ولكنني أحزن عند فقد الأحبة.
التربية الإسلامية
| ما الذي تحرص عليه في تربية أولادك؟
|| أحرص على تربيتهم تربية إسلامية صالحة عن طريق الحرص على تعليمهم تعليماً مميزاً وضرب المثل والقدوة الصالحة لهم وضرب الأمثال لهم فيما يتوافق مع الواقع وحثهم وتحفيزهم على الانضباط في المجتمع والالتزام بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وحفزهم لارتقاء الصعب على قول الشاعر:
وما في الكون شيء مستحيل
ولاصعب على عزم الرجال
مدرسة الرسول
| ماهي الفلسفة التي تؤسس عليها هذه التربية؟
|| مدرسة رسولنا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
مع الأبناء والزوجات
| فراغك أين تقضيه وما هي الصفة التي لاتريد أن تراها في جيل اليوم؟
|| أقضيه مع أبنائي وزوجاتي وفي مكتبتي المنزلية وفي التأليف متمثلاً قول الباري عزوجل (وإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) أما الصفة التي لاتعجبني في أبناء جيل اليوم فهي الاتكالية والاعتماد على الغير.
دليل الفلاح
| ما هو آخر كتاب فرغت من قراءته؟
|| لقد فرغت للتو من قراءة كتاب قيم بعنوان (دليل أرباب الفلاح).
غذاء القلوب والعقول
| وماذا تمثل لك القراءة والاطلاع؟
|| القراءة هي غذاء القلوب والعقول وهي الشيء الذي يربطك بالعالم وتراثه حاضراً وماضياً ومستقبلاً.
تعميق الصداقات
| تنظم وزارة الثقافة والإعلام أسابيع ثقافية مع عدد من الدول العربية والصديقة فكيف يرى فضيلتكم نتائجها على المشهد الثقافي السعودي؟
|| لاشك أن لهذه الأسابيع الثقافية دوراً بارزاً في تعميق الصداقات بين الدول العربية والصديقة كما أنها تعمق الجذور التاريخية لمجتمعاتنا العربية التي يجمعنا بهم لسان واحد وأمل وألم واحد وثقافة واحدة وتاريخ واحد.
أساس النجاح
| ثقافة الحوار بين المواطن ومؤسسات الدولة كيف يمكن تفعيلها لبناء مجتمع يقوم على المشاركة والحضارة الإنسانية؟
|| لاشك أن الحوار هو أساس النجاح والدولة تبنت هذا المبدأ عبر مجلس الشورى والمجالس المفتوحة ومجالس إمارات المناطق ومركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني وذلك سعياً منها إلى تحقيق آمال وتطلعات أبناء هذا الوطن وتعميق المشاركة الشعبية بين أطياف وأطراف المجتمع السعودي.
الحذر والحيطة
| سوق المال في المملكة يصنف بين الحذر والترقب ذلك لوجود بعض المشاركين فيه الذين يغلب على سلوكهم التلاعب فضلاً عن عدم الشفافية التي لاغنى عنها لأسواق المال على الجانب الآخر فهيئة سوق المال تصدر التعليمات والإرشادات بين الحين والآخر فما هي نصائحكم التي تبدونها للمتعاملين مع سوق المال؟
|| المتعاملون مع سوق الأسهم يجب عليهم تحري الحلال أولاً ثم الحذر والحيطة وعدم التفريط في الأموال التي يكسبونها لأنهم مؤتمنون عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لاتزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع.. عن ماله من أين اكتسبه وماذا فعل به؟) ولاشك أن التفريط في الأموال بالمضاربة بها في سوق الأسهم من غير دراية أو خبرة كمن يذهب للمعركة من غير سلاح وكمن يودي بنفسه للتهلكة كما أن مؤسسات الدولة تتحمل مسؤولياتها أيضاً حيث إنه يجب عليها المحافظة على مكتسبات المواطنين ومدخراتهم كما أن السلوكيات التي تتم ممارستها من قبل المتعاملين مع الأسهم لاتتوافق مع تعاليمنا الإسلامية السمحة فالغش والتغرير والتدليس كل ذلك محرم شرعاً وممحق للبركة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من غشنا فليس منا) كما قال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم (لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه).
الأبدان والعقول
| قطاع الشباب يمثل مستقبل الوطن ولهذا القطاع قضاياه المتنوعة والملحة فكيف يمكن وضع استراتيجية متوسطة وطويلة المدى لمواجهة مشكلات الشباب؟
|| الشباب هم المستقبل وهم حاضرنا وعلى سواعدهم تبنى الأوطان. ولاشك أن الرئاسة العامة لرعاية الشباب تتحمل مسؤولية عظيمة لاحدود لها ونظام الرئاسة فيه ما يشفي العليل ويروي الغليل لكن للأسف الشديد فقد جرى صرف مقدرات هذا القطاع على رياضة الأبدان دون رياضة العقول والقلوب.
تقدير المصلحة العامة
| المجالس البلدية مردودها ضعيف فمتى يتم تفعيلها لخدمة المواطن؟
| المجالس البلدية تقوم بدور طيب في مجال الأعمال والمهمات المناطة بها وعلى العموم جميع المجالس تقوم بذلك كالمجالس البلدية ومجالس إمارات المناطق. وبالمناسبة فقد كنت عضواً في مجلس إمارة منطقة جازان منذ عام 1421هـ ولمدة أربع سنوات وقد اطلعت عن قرب على ما يدور في جلسات هذا المجلس من مناقشات ومداولات وكان لي مشاركة فيها لكن يجدر الإشارة إلى أن هذه المجالس هي مجالس استشارية تتكون من عدة لجان تقوم برفع التوصيات والمقترحات لسمو أمير المنطقة ولايوجد لآرائهم أو مقترحاتهم صفة الإلزام بل إنها تخضع لتقدير المصلحة العامة.
جهود موفقة
| طرأ مؤخراً على بعض شبابنا بعض الانحرافات الفكرية التي نتج عنها في النهاية قضايا الإرهاب والتطرف فكيف يتم معالجتها؟
|| لقد اعجبني الدور الفعال الذي تقوم به الدولة والمتمثل في معالجة الانحراف الفكري الذي أوصل شبابنا إلى الإرهاب والتطرف حيث قامت الدولة أعزها الله بفتح ذراعيها للشباب وقامت بتوجيههم عبر وسائل الإعلام بكافة قنواتها المسموعة والمرئية والمقروءة عن طريق الحوار معهم ومناقشتهم للوصول بهم إلى قناعة أن السلوك الذي سلكوه سلوك خاطئ وقد تمخض عن ذلك أن عادت مجموعة منهم إلى جادة الصواب وفي الجانب الأمني قامت برفع كفاءة رجال الأمن وضربت بكل قوة ويقظة على منابع الإرهاب والتطرف وقدمت العديد من النجاحات التي تعتبر مفخرة لرجال الأمن في هذه البلاد بل إنها قدمت ضربات استباقية للقضاء على هذه الفئات الضالة وهذا منهج إسلامي اقتدت فيه حكومتنا الرشيدة بسيدنا علي رضي الله عنه في المنهج الذي تعامل به مع الخوارج ورجع معه عدد كبير منهم.
الاعتصام بحبل الله
| الغلاء استشرى في الآونة الأخيرة فما هي السبل الكفيلة بمحاربة ذلك؟
|| السبيل الوحيد في محاربة الغلاء هو الاعتصام بحبل الله عزوجل ومحاربة الظلم والفساد واخراج الصدقات والزكوات لأن الغلاء لايكون إلا بسبب ابتعاد الناس عن المنهج القويم لقول الله عزوجل (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) فهذا السبب الرئيسي المباشر لهذا الغلاء. وهناك أسباب أخرى ثانوية وهي أسباب غير مباشرة كارتفاع معدلات الطلب على الطاقة وارتفاع العملات الأجنبية بما فيها اليورو والين مقابل الدولار وانفاق الدولة على المشاريع الحكومية مما زاد قيمة المعروض النقدي في البلاد وزيادة معدلات التضخم لنسب عالية.
دخول الجنة
| ما هي الطموحات والمشاريع التي يود فضيلتكم تحقيقها مستقبلاً؟
|| أشكر الله عزوجل على هذه النعمة التي متعني بها ورضا الله هو غايتي ومنتهى أملي ومستقبلي ودخول الجنة بمشيئة الله تعالى هو ما اطمح إليه. فالانسان في هذه الحياة يعمل بلا كلل أو ملل طالما بقي فيه عرق ينبض بالحياة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً وأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) نسأل الله العفو والعافية وحسن الختام. كما لايفوتني هنا أن أشكر لكم هذه الاستضافة لتسليط الضوء الصحفي على الجوانب الاجتماعية والعملية والعلمية لأبناء المجتمع من خلال صحيفتكم الغراء هذه الصحيفة المكية العريقة واسأل الله للجميع التوفيق والنجاح وأن يجعل عملنا خالصاً في رضا الله عزوجل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر
__________________
بلغت مشاركاتي الألف؛فوجب الكف"لاأقول إلى اللقاءلكن وداعًا"
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-07-11, 02:20 AM
أبوخالد أبوخالد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-07-09
المشاركات: 999
افتراضي رد: أضواء على شخصية والدي الشيخ القاضي علي بن قاسم ال طارش الفيفي (كتبها ابنه عبدالله)

ترجمة فضيلة الشيخ القاضي المعمَّر علي بن قاسم الفيفي
__________________
بلغت مشاركاتي الألف؛فوجب الكف"لاأقول إلى اللقاءلكن وداعًا"
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-07-11, 02:32 AM
مختار العبد مختار العبد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-07-11
المشاركات: 64
افتراضي رد: أضواء على شخصية والدي الشيخ القاضي علي بن قاسم ال طارش الفيفي (كتبها ابنه عبدالله)

ما شاء الله
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 21-07-11, 02:40 AM
أبوخالد أبوخالد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-07-09
المشاركات: 999
افتراضي رد: أضواء على شخصية والدي الشيخ القاضي علي بن قاسم ال طارش الفيفي (كتبها ابنه عبدالله)

"من دفتر الذكريات" كتبها الشيخ المعمر علي بن قاسم الفيفي
__________________
بلغت مشاركاتي الألف؛فوجب الكف"لاأقول إلى اللقاءلكن وداعًا"
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 21-07-11, 02:54 AM
أبوخالد أبوخالد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-07-09
المشاركات: 999
افتراضي رد: أضواء على شخصية والدي الشيخ القاضي علي بن قاسم ال طارش الفيفي (كتبها ابنه عبدالله)

ومن أراد الاستزادة في مشايخ الشيخ خاصة الذين روى عنهم، والنظر في ترجمته بنفسه فعليه بثبته المسمى:
"الإرشاد الى طرق الرواية والاسناد" وهو ثبت الشيخ المعمر علي بن قاسم الفيفي
__________________
بلغت مشاركاتي الألف؛فوجب الكف"لاأقول إلى اللقاءلكن وداعًا"
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23-07-11, 12:15 AM
محمود بن محمد حمدان محمود بن محمد حمدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-04-10
الدولة: قطاع غـزَّة - فلســطين .
المشاركات: 714
افتراضي رد: أضواء على شخصية والدي الشيخ القاضي علي بن قاسم ال طارش الفيفي (كتبها ابنه عبدالله)

حفظَ اللَّهُ مُجيزنا القَاضي علي الفَيفي، وأطالَ عمرهُ على الصَّالحات .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 20-02-14, 09:03 PM
عادل المكي عادل المكي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-11
المشاركات: 367
افتراضي رد: أضواء على شخصية والدي الشيخ القاضي علي بن قاسم ال طارش الفيفي (كتبها ابنه عبدالله)

اللهم احفظ شيخنا علي الفيفي
وانفعنا بعلمه
***
جزاكم الله خيرا يا أبا خالد
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:01 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.