ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-08-11, 03:31 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله


قال المصنف-رحمه الله- : [ كتاب الصيام ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فيقول المصنف-رحمه الله- : [ كتاب الصيام ] : تقدم تعريف الكتاب ، وبيان اصطلاح العلماء-رحمة الله عليهم- فيه .
ومعنى قوله : [ كتاب الصيام ] : أنه سيذكر جملة من المسائل والأحكام المتعلقة بعبادة الصيام فبعد أن فرغ من بيان أحكام الصلاة وأحكام الزكاة شرع في بيان أحكام الصيام ، وهذا الترتيب مستند إلى الشرع فإن النبي-r- جعل الزكاة قرينة الصلاة ، ثم أتبع الصيام بها كما في حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- في الصحيح .
والصيام في اللغة صله الإمساك ، تقول : صام عن الكلام إذا أمسك عنه . وصام عن السير إذا وقف وصام عن الأكل والشرب إذا أمسك عن الأكل والشرب ، فأصل الصيام في لغة العرب : الإمساك ، ومنه قوله-تعالى- : { فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً } أي إمساكاً عن الكلام ويقولون : صامت الخيل إذا أمسكت عن الصهيل ، ومنه قول الشاعر :
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلكُ الُّلجُمَا
فقوله : ( خيل صيام ) أي ممسكة عن الصهيل ، فأصل الصيام هو الإمساك .
وأما في الشريعة فالمراد بالصيام : إمساك مخصوص ، من شخص مخصوص ، بنية مخصوصة .
فقولهم-رحمة الله عليهم- : ( الصيام إمساك مخصوص ) وذلك أن الإمساك يطلق ويقيد ، فتقول : أمْسَكَ - بالمعنى المطلق - فيشمل كل إمساك سواءً كان عن أكل أو شرب أو كلام أو سير ، فلما قلت : إمساك مخصوص فهمنا أنه يتقيد بشيء معين ، وهو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج ، فالصائم يمتنع من الأكل ومن الشرب وما في حكمهما ، وكذلك يمتنع عن شهوة الفرج .
والأصل في ذلك : قوله-تعالى- في الحديث القدسي : (( يدع طعامه ، وشرابه ، وشهوته من أجلي )) فأصل الصيام الإمساك عن هذه الأشياء ، ولذلك قالوا : إمساك مخصوص ، فلو قالوا : إمساك عن المفطرات يقولون : إنه قد يكون فيه إجمال ، ومن هنا قالوا : إمساك مخصوص حتى تكون دلالة الخصوصية يفهم منها ما يقصده الشرع بهذا الإمساك المعين .
( من شخص مخصوص ) : وهو المكلف ، والصبي يروض على الصيام كما في حديث أنس-t- حينما كانوا يعللونهم باللعب إلى منتصف النهار يروضونهم على الصيام ، ولايجب الصوم على الصغير ؛ لأنه غير مكلف ؛ وإنما يجب على المكلف - وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك - .
قوله : ( بنية مخصوصة ) : النية تطلق بمعنيين :
المعنى الأول : نية التعبد والتقرب لله-U- بإخلاص العمل ، وهذا هو الذي يسميه العلماء ( الإخلاص ) فإذا قال العلماء : الإخلاص أرادو بذلك خلوص النية بمعنى أن لايقصد غير الله-U- والعلماء-رحمة الله عليهم- لما قالوا : بنية مخصوصة ليس مرادهم قضية الإخلاص ؛ لأن التعبد والتقرب معلوم بداهة فلما قلت تعريف الصيام في الشرع فهمنا أن المراد بذلك التعبد ، ولذلك لايقصدون هذا المعنى الخاص وإنما يقصدون بقولهم ( بنية مخصوصة ) أن تبين هل تنوي الفريضة أو تنوي النافلة ؟ وإذا كانت نيتك بهذا الصيام الفريضة فما هي هذه الفريضة ؟ أهي صيام رمضان ؟ أو كفارة قتل ؟ أو كفارة ظهار ؟ أو كفارة جماع ؟ أو صيام نذر واجب ؟ ثم إذا كانت النية نافلة فما هي هذه النافلة ؟ أهي عاشوراء ؟ أو عرفة ؟ أو الاثنين والخميس ؟ ... وهكذا فُهِمَ مرادهم بقولهم : بنية مخصوصة أي تعيين المراد من هذا الصوم في الشرع ؛ لأنك لما قلت : تعريف الصيام في الشرع ، أو الصيام شرعاً فالمراد بذلك في حدود الشريعة ، فالشريعة تقصد من هذا الصوم إما شيئاً مطلقاً أو تقصد به شيئاً مقيداً ، والمطلق كالنافلة المطلقة ، فالتقرب إلى الله-U- بصيام النافلة المطلقة كصيام يوم وإفطار يوم ، والنافلة المقيدة كعاشوراء والاثنين والخميس والثلاث الأيام البيض من كل شهر .
والفريضة إما أن تكون فريضة محدوة كصيام رمضان وإما فريضة يلزم الإنسان نفسه بها كالنذر ، وإما أن تكون داخلة عليه بسبب الإخلال كصيام الكفارات والنذور ونحوها .
يقول العلماء : الصيام إمساك مخصوص لما قالوا إمساك مخصوص على هذا الوجه المخصوص الذي هو النية المخصوصة بالفريضة والنافلة خرج الإمساك عن الطعام لمعنى الصحة كأن يصوم الإنسان ويمتنع من الأكل والشرب لتقوية بدنه أو تخفيف وزنه أو نحو ذلك من النوايا الدنيوية فهذا ليس بصيام شرعي ، فمن قصد من صيامه أن تقوى نفسه أو يستجم بدنه فإنه غير متقرب لله-U- ؛ لكن لو نوى أن يصوم يوماً ويفطر يوماً ثم كانت نية الدنيا وهي صلاح بدنه وذهاب الأمراض عن جسده جعلها تبعاً لم يضر ؛ لأن نية الدنيا إذا وقعت تبعاً لا تضر كما لو قصد الإنسان عبادة كطلب العلم يقصد منه طلب العلم ثم بعد طلبه للعلم تكون هناك حوافر مادية أو تكون هناك رواتب فهذه لا تؤثر إذا كانت تبعاً ؛ لأن الله-I- يقول : { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُم } فقال العلماء : إذا دخلت النية تبعاً لاتؤثر ، فالمقصود أن حقيقة الصيام في الشرع هي مخصوصة بهذا الوجه .
قال-رحمه الله- : [ كتاب الصيام ] : فرض الله-U- الصيام بكتابه وعلى لسان رسوله-r- وأجمعت الأمة على أن الصيام فريضة من فرائض الله-U- أعني صيام رمضان .
أما دليل وجوبه من كتاب الله : فقوله-I- : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } و { كُتِبَ } بمعنى فُرِضَ ، وقوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } أي أوجبناه وفرضناه .
وكذلك ثبتت السُّنة بفرضيته : كما في قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته )) ، وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر أن النبي-r- قال : (( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان )) فنص-عليه الصلاة والسلام- على اعتبار صيام رمضان ركناً من أركان الإسلام ، وفي حديث أحمد في مسنده أن رجلاً ثائر الرأس دخل على المسجد يسمع لصوته دوي فسأل النبي-r- عن الإسلام فقال : (( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان ))فدلت هذه النصوص على أن صام رمضان فريضة .
وأجمع العلماء-رحمهم الله- على أن صيام رمضان يعتبر ركناً من أركان الإسلام ، وأنه من الفرائض التي أوجب الله-U- على عباده ، كان الأمر في أول الأمر فرض على الناس صيام يوم عاشوراء ، ثم نسخ صيام عاشوراء بصيام رمضان ، وقال بعض العلماء : لا بل فرض عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وهي الأيام البيض ، ثم نسخ ذلك بصيام رمضان ، والصحيح هو القول الأول أن الناس كانوا مطالبين بصيام يوم عاشوراء فريضة كما في حديث معاوية في الصحيح : " أن النبي-r- رقى المنبر وقال : (( إن الله فرض عليكم صيام يومكم هذا في ساعتي هذه )) فأوجب الله على الناس صيام يوم عاشوراء ، ثم نسخ بصيام شهر رمضان ، وهذا النوع من النسخ يمثل له العلماء يعتبر أحد أنواع النسخ وهو ( نسخ الأخف بالأثقل ) ؛ لأن النسخ ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : نسخ إلى بدل .
والقسم الثاني : ونسخ إلى غير بدل .
فالنسخ إلى بدل إما أن يكون إلى بدل مساوٍ أو بدل أثقل أو بدل أخف ، فمثال البدل المساوي كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة فإن التوجه مساوٍ وإن كانت فضيلة الكعبة أعظم من فضيلة بيت المقدس فهذا يسمونه من النسخ إلى مثل ، ونسخ الأخف بالأثقل منع منه بعض الأصولين وقالوا : إن الشريعة شريعة رحمة ولاينسخ الأخف بالأثقل ، والصحيح أنه ينسخ الأخف بالأثقل بدليل فرضية شهر رمضان فقد كان المفروض يوماً واحداً فنسخ بثلاثين يوماً فأوجب الله على الناس صيام شهر كامل فهذا يعبتره العلماء دليلاً على جواز نسخ الأخف بالأثقل ، وقد ينسخ الأثقل بالأخف - وهذا كثير - كما في مصابرة الواحد للعشرة نسخت بمصابرته للاثنين فهذا النسخ يعتبره العلماء من نسخ الأخف بالأثقل .
والذي فرض الله-U- صيامه ثلاثون يوماً ، وقد تكون تسعةً وعشرين إذا كان الشهر ناقصاً وسواءً كان كاملاً أو ناقصاً فإنه أثقل من صيام يوم واحد هذه الفرضية لشهر رمضان وقعت في السنة الثانية من الهجرة في اليوم الثاني قيل لليلتين خلتا من شهر شعبان مـن السنة الثانية فرض الله على المسلمين صيام شهر رمضان وأوجب عليهم ذلك ، وصام النبي-r- تسع رمضانات كاملة ، وفي هذه السنة وهي السنة الثانية هي التي وقعت فيها غزوة بدر الكبرى وفيها كانت فرضية الصيام ، قال العلماء : إن الله-U- فرض صيام رمضان لحكم عظيمة وغايات جليلة كريمة أعظمها وأجلها على الإطلاق ما جعل الله في الصيام من معنى الإخلاص لوجهه الكريم ، فإن الإنسان إذا تعود على الشيء وأصبح ديدناً له ارتاضت نفسه على الكريم ، فإن الإنسان إذا تعود على ذلك الشيء خيراً كان أو شراً فإذا عُوِّد على الخير كان على خير ، وإن عُوِّد على شر-والعياذ بالله- كان على شر فالصيام من أعظم حكمه وأجلها وأشرفها أنه يعود الإنسان على الإخلاص لله-U- ؛ والسبب في ذلك أنه أخفى العبادات ، ويستطيع الإنسان أن يتظاهر بالصيام أمام الناس وأن يفطر في بيته وأن يأكل في غيبة عن نظر الناس ومع ذلك يصوم ، فكأنه يُعَوَّد بهذه العبادة على إرادة وجه الله الكريم ، ولذلك قال-r- في الحديث القدسي عن الله -تعالى- أنه قال : (( كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم ، فإنه لي ، وأنا أجزي به )) قال العلماء قوله : (( فإنه لي )) أي أنه يقع خالصاً لوجه الله-U- ، وسر الإنسان في قوته إذا تغلب على نفسه فإذا أردت أن ترى الإنسان القوي الذي يستطيع أن ينال الطاعة بيسر وسهولة بعد توفيق الله-U- فانظر إلى من قهر هواه ، وأصبحت نفسه تحت أمره ولم يصبح تحت أمر نفسه ، وقد أشار الله-تعالى- إلى ذلك بقوله : { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } فإذا أصبحت النفس تحت أمرك وتحت نهيك فقد ملكت كثيراً من الخير وأصبحت نفسك مستجيبة لطاعة الله ؛ لأنك تأمرها وتنهاها فتأتمر وتنتهى لكن المصيبة إذا كان الأمر على العكس فكأن الصيام حينما يصوم الإنسان تصبح نفسه تحته ؛ لأن النفس تريد شهوة الأكل وشهوة الشرب وشهوة الفرج ومع ذلك يكبحها ويمنعها فيقوى سلطان الإنسان على نفسه وهذا يقع في كثير من العبادات فالإنسان يشتهي - مثلاً - النوم فتجده في غاية من نومه وراحته واستجمامه يأتيه أمر الله أن يقوم إلى صلاة الفجر فيقوم ويقهر نفسه فإذا قهر نفسه استجابت نفسه لما بعد ذلك من الأوامر في سائر يومه ، ثم بعد ذلك لذة الأكل والشرب تأتيه فريضة الله-U- بالامتناع عن طعامه وشرابه فيصوم ، ثم تأتيه شهوة المال فيأتيه أمر الله بإخراج الزكاة فيخرجها ثم شهوة الأهل والأولاد والأوطان فيأتيه أمر الله بالخروج عنهم والتغرب عنهم في الحج إلى بيت الله الحرام فإذا انتزع الإنسان نفسه من الهوى وأصبحت نفسه تحت أمره ونهيه استطاع أن يأمرها فتأتمر وينهاها فتنـزجر ، ولذلك الناس على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : منهم مـن أصبح هواه تحت أمره كما أشار الله إلى هذا الصنف - وهم السعداء - في قوله-تعالى- : { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى @ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } .
والقسم الثاني : قسم هواه غالب عليه ، وقد أشار الله-U- إلى هذا القسم بقوله : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } فهذا-نسأل الله السلامة والعافية- لا يبالي الله به في أي أودية الدنيا هلك ، ولذلك تجد بعض أهل الشهوات تقول له : - يا أخي - هذا حرام وهذا لايجوز فيقول : أنا اعلم أنه حرام وأنه لايجوز ؛ ولكن لا أستطيع أن أتركه ، ومعنى أنه لايستطيع أن يتركه معناه أنه قد بلغ مرتبة من المراتب التي لايستطيع فيها أن يأمر نفسه فتستجيب له فأصبح هواه هو الذي يأمره وشهوته هي التي تحكمه -نسأل الله السلامة والعافية- .
وأما القسم الثالث : فهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فهؤلاء إلى أمر الله-U- إن شاء عذبهم فبعدله ، وإن شاء عفا عنهم فبمحض فضله فهؤلاء هم الذين تارة يغلبون الهوى ، وتارة يغلبهم الهوى ،وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، إن غلبوا الهوى كانوا على الصلاح ، وإن غلبهم الهوى كانوا على الطلاح ، ولذلك لا يأمن الواحد منهم أن تأتيه منيته على هواه ، أو تأتيه منيته على طاعة ربه ، ولذلك مثل هؤلاء على خطر إن لم يتداركهم الله-U- برحمته ، فالمقصود أن الصيام يربي في النفس القدرة على الهوى وقهر الهوى حتى تكون النفس مستجيبة ، قال العلماء : من امتنع عن الطعام والشراب والجماع مع أن الله أحل له من مال حلال أن يطعم وأن يشرب وأن يجامع أهله وزوجته فإنه إذا منع نفسه عن هذا الحلال أقدر من أن يمنع نفسه بتوفيق الله عن الحرام فإذا كان يمكث هذه المدة ثلاثين يوماً أو تسعاً وعشرين يوماً وهو لايقترب من طعامه ولا شرابه ولاشهوة فرجه فإنه قادر بإذن الله-U- إذا دعته نفسه إلى الحرام أن يمتنع عن المأكل الحرام والمشرب الحرام ، وكذلك فعل الحرام من الشهوات التي لم يأذن الله-U- بها .
وفي الصيام خير كثير ، فإنه يذكر الأغنياء بالفقراء ويذكرهم بالمحتاجين فإن الإنسان إذا جاع وعطش مع قدرته أو علمه أنه في آخر النهار سيجد الطعام وسيجد الشراب فإنه سيتذكر الفقير الذي لايجد طعاماً ولا شراباً ، ولذلك قالوا : إن هذا الصيام فيه مصلحة عظيمة للإنسان من جهة تذكره للضعفاء خاصةً إذا كان من الأغنياء والأثرياء فإن الغني ربما ينسى إخوانه من الضعفاء والفقراء بسبب ما فيه من الغنى كما قال-تعالى- : { كَلاَّ إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى@ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى } فالإنسان إذا استغنى أصابه الطغيان ولكن إذا جاع كما يجوع الفقير وظمئ كما يظمأ الفقير دعاه ذلك إلى أن يتذكر هؤلاء الضعفاء فيعطف عليهم ، ثم إن الصيام يُذَكِّر بالله-Y- ويُذَكِّر بالآخرة ، ولذلك كان بعض العلماء-رحمة الله عليهم- يبكي إذا انتصف النهار ؛ لأنه يتذكر إذا وقف بين يدي الله-U- واشتد الحر وعظم ظمأ الناس في عرصات يوم القيامة ، فهو يذكر بالله-I- ، فلأجل هذه الحكم العظيمة والغايات الجليلة الكريمة شرع الله الصيام ، وأخبر-I- أنه سبيل لأعظم وأحب الأشياء إليه وهو تقواه فقال-تعالى- : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي جعلناه سبباً للتقوى ، وما خرج الإنسان بزاد من الدنيا أحب إلى الله-U- من تقواه كما قال-سبحانه- : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} فإذا كان الصوم يزيد من التقوى فمعناه أنه يزيد من أمرين وهما تحصيل فرائض الله والانكفاف والامتناع عن محارم الله-I- .
كانت فرضية الصيام في أول الأمر إذا صام الإنسان يصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، فإذا غابت الشمس وأفطر إذا نام ولو بعد مغيب الشمس وبلحظة واحدة حرم عليه الأكل والشرب إلى اليوم الثاني فكانت هـذه هي فرضية الصيام في أول الأمر ، ثم إن الله خفف ذلك فقال : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } إلى قـوله-سبحانه- : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر } فخفف هذا الصيام ؛ والسبب في ذلك قصة الصحابي الذي أغمي عليه حينما جاء من عمله وكان في فلاحته وزراعته فلما جاء آخر النهار سأل امرأته الطعام ، فذهبت لتحضر الطعام له ، فأصابه الغشي من التعب والعناء ، فنام فجاءت فقالت له : ويلك ! أنمت ؟! فلما أصبح في اليوم الثاني أصبح مجهداً منهكاً ، فغشي عليه في منتصف النهار ، فخفف الله-U- عن عباده ، وهذا من نسخ الأثقل بالأخف ، فخفف الله-U- الفرضية وجعلها من طلوع الفجر الصادق إلى مغيب الشمس ، وهذا هو الذي استقر عليه حكم الله-U- لهذه الأمة إلى قيام الساعة .
والصيام في الأمم الماضية يكون بالإمساك عن الكلام كما في قوله-تعالى- : { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً } ، واختلف العلماء-رحمهم الله تعالى- في قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } قال بعض العلماء : الشبه في قـوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } من حيث الفرضية أي ألزمناكم بالصيام كما ألزمنا من قبلكم - وإن كان هناك فرق بينكم وبينهم في الصفة - ، وقال بعض العلماء : بل إن الفرضية في أولها كانت كفرضية أهل الكتاب ، ثم نسخت بعد ذلك .
[ يجب صوم رمضان برؤية هلاله ] : الواجب تقدم تعريفه ، وهذا الوجوب الذي نبه عليه المصنف على سبيل الفرضية أنه يثاب فاعله ويعاقب تاركه ، وإذا ترك صيام رمضان عامداً متعمداً فأفطر ولو يوماً واحداً لم يقضه صيام الدهر ولو صامه بمعنى أن الله لايعطيه ثواب ذلك اليوم ولو صام الدهر كاملاً ؛ لكن يجب عليه قضاء ذلك اليوم ؛ لأن الله-U- فرض علينا صيام الشهر كاملاً ، ولا يسقط هذا الشهر إلا بدليل .
وأما حديث : (( من أفطر يوماً من رمضان لم يقضه صيام الدهر )) فقد خرج مخرج الوعيد وهو المخرج الذي يسمى بـ ( المبالغة ) وله نظائر كقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( الحج عرفة )) فإنه لما قال : (( الحج عرفة )) ليس معناه أن الحج فقط في عرفة وحدها ؛ إنما هو على سبيل المبالغة وليس المراد به التحديد والقصر ، وقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( لم يقضه صيام الدهر ))يعني أنه لو صام مهما صام ، ما دام أنه أفطر عامداً متعمداً فإنه لاينال الفضل في قضاء ذلك اليوم بخلاف ما إذا أفطر بعذر ، فإنه إذا صام يوماً بدلاً عن هذا اليوم فإنه يصبح كأنه صام رمضان نفسه وهذا لوجود العذر فإذا كان بدون عذر فإن الله لا يُبَلِّغه مرتبة من كان معذوراً ، أما إسقاط الفرض عنه فإنه قول ضعيف ومخالف للأصل ، فإن النبي-r- بين لنا أن الحقوق واجبه وأن حقوق الله دين على المكلف كما في الحديث الصحيح أنه قال : (( فدين الله أحق أن يقضى )) فهذا نص صحيح صريح على أن العبد إذا أخل بواجب أن عليه ديناً ، وأن عليه أن يقضي هذا الدين ، وأن يقوم به على وجهه ولما كان الحديث محتملاً بقينا على الأصل من وجوب مطالبته بصيام رمضان .
[ رمضان ] : اختلف العلماء فيه :
قال بعض العلماء : هو مأخوذ من الرمضاء والمراد بذلك شدة الحر ؛ والسبب في هذا أن العرب كانت تسمى هذا الشهر في الجاهلية شهر ( نائق ) وهو الشهر التاسع من الأشهر القمرية ، ثم لما فرض الله صيام رمضان وافقت السنة الثانية سنة حرٍ وشدة من الحر ، فسموه رمضاناً من هذا .
الوجه الثاني : قيل سمي رمضان ؛ لأنه يرمض الذنوب ، وفيه حديث أنس بن مالك-t- أن النبي-r- قال : (( إنما سمي رمضاناً ؛ لأنه يرمض الذنوب )) بمعنى يحرقها ويذهبها ؛ ولكنه حديث ضعيف ، بل فيه راوٍ كذاب ، ولذلك لايعول عليه ، ولا يعمل به .
القول الثالث : أنه سمي رمضان قيل : إن اسم رمضان اسم من أسماء الله-U- وفيه - أيضاً - حديث ضعيف ، وأصح هذه الأقوال القول الأول ، أنه سمي رمضان من الرمضاء وهي شدة الحر ؛ لأنه وافق هذا الشهر التاسع زماناً شديد الحر حينما فرض الله على عباده .
ولما قال-رحمه الله- : [ يجب صوم رمضان ] : للعلماء قولان :
قال بعض العلماء : لايجوز أن تقول : دخل رمضان ، وخرج رمضان ، وانتصف رمضان .
واستدلوا بالحديث الذي تقدمت الإشارة إليه : (( لاتقولوا : جاء رمضان ؛ فإنه اسم من أسماء الله )) وهذا حديث ضعيف .
والصحيح أنه يجوز أن يقول : جاء رمضان ، ومضى رمضان ، وانتصف رمضان ؛ لأن السُّنة دلت على جواز ذلك وترجم له الإمام البخاري-رحمه الله- في صحيحه .
والدليل على جواز ذلك : قوله-عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي هريرة في الصحيح : (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة ))وفي الحديث الصحيح عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه قال : (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))وفي الصحيح قوله - أيضاً - (( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم مـن ذنبه )) فلأجل هذا دلت النصوص على جواز قولك : جاء رمضان ، وخرج رمضان ، وانتصف رمضان ، ولاحرج عليك في ذلك ؛ لكن بعض العلماء يقولون : الأفضل أن يقول : شهر رمضان ، فيضيف لفظ الشهر ؛ لأن الله-I- نص على ذلك فقال : (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن )) فقالوا : المستحب أن يضيف كلمة الشهر ، وهذا على سبيل الكمال والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب .
قال-رحمه الله- : [ يجب صوم رمضان برؤية هلاله ] : الباء سببية أي بسبب رؤية هلاله .
الشهور تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : شهور شمسية .
القسم الثاني : شهور قمرية .
والشهور القمرية هي اثنا عشر شهراً ، وهي السنة القمرية هذه الشهور القمرية هي التي رتب الشرع عليها الأحكام ، ولم يرتبها على الشهور الشمسية فالشريعة ترتب أحكامها على الشهور القمرية ، فمثلاً في عدة المرأة الآيسة من الحيض إذا كانت ثلاثة أشهر فإنها تعتد بالأشهر القمرية ولا تعتد بالإجماع بالأشهر الشمسية ، وهكذا بالنسبة للمرأة المحتدة في الوفاة أربعة أشهر وعشر فإنها تحتد بالأشهر القمرية ، ولاتحتد بالأشهر الشمسية ، وهكذا صـيام شهرين متتابعين في كفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة الجماع في نهار رمضان فإنها تكون بالأشهر القمرية ، ولا تكون بالأشهر الشمسية ، والأشهر القمرية تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : أشهر كاملة وهي التي استتمت العدد ثلاثين يوماً .
والقسم الثاني : أشهر ناقصة ، وهي التي رؤي الهلال دالاً على نقصانها ، تستتم تسعةً وعشرين يوماً ، فالفرق بينها يوم واحد ، وهو الذي يسمى بيوم الشك ؛ والسبب في ذلك أن القمر له منازل ودرجات ، فإذا غابت الشمس وسقطت قبل القمر فمعنى ذلك أنه قد دخل الشهر التالي ، وبناءً على ذلك تكون منـزلته منـزلة الشهر التالي ، أما لو سقط قبل الشمس فمعنى ذلك أنه قد بقيت له درجة ، وحينئذٍ يكون الشهر كاملاً ، وبناءً على ذلك لايمكن أن يحكم بدخول الشهر إلا بأحد أمرين في الأشهر القمرية :
الأول : إما كمال العدد للشهر السابق ، تُتِمُّ له ثلاثون يوماً .
الثاني : أن يُرى الهلال ليلة الثلاثين ، فتكون رؤيته دليلاً على أن الشهر الماضي ناقص وحينئذٍ تعده تسعةً وعشرين يوماً ، وقد أشار الله-تعالى- إلى ذلك بقوله : { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } فهو على منازل ودرجات ، فإذا سقطت الشمس قبله وبقي فمعنى ذلك أن الشهر كامل وأن هذه الليلة للشهر التالي ؛ لأن درجته التي كانت بعد مغيبه بارتفاعه ورؤي في تلك الليلة فمعناه أنه للشهر التالي ؛ لكن لو سقط مع الشمس أو قبل الشمس فمعنى ذلك أنه قـد بقيت له درجة ، فحينئذٍ لابد من الليلة الثلاثين التي تكون فيها درجة القمر كاملاً ، وإذا وجدت هاتان العلاماتان حكم بما يترتب عليهما ، ونقول بكمال الشهر ، وحينئذٍ يحكم بوجوب صيام شهر رمضان .
فقال المصنف-رحمه الله- : [ يجب صوم رمضان برؤية هلاله ] : يعني إذا رؤي الهلال ليلة الثلاثين فحينئذٍ يثبت عندنا أن شهر رمضان قد دخل .
الدليل على ذلك : قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ))فقوله : (( صوموا لرؤيته )) اللام تعليلية أي بسبب رؤيته فجعل الرؤية سبباً في وجوب الصوم فمن رأى الهلال ليلة الثلاثين فإنه حينئذٍ يثبت دخول رمضان برؤيته على تفصيل عند العلماء هل يشترط العدد أو لا يشترط ؟
قال المصنف-رحمه الله- : [ يجب صوم رمضان برؤية هلاله ] : إذا لم يُرِ الهلال فلا يخلو من حالتين :
الحالة الأولى : أن تكون السماء صحواً ليلة الثلاثين ؛ لأن الإشكال كله في ليلة الثلاثين فليلة الثلاثين من شعبان التي هي آخر شهر شعبان يترآى الناس الهلال فإن رؤي الهلال فلا إشكال ، وإذا لم ير الهلال فلا تخلو السماء من حالتين :
الحالة الأولى : أن تكون السماء صحواً ، والسماء الصحو : هي الواضحة التي لاغيم فيها ولا قتر ، والقتر : هو الغبار ونحو ذلك كالدخان الذي يحجب الرؤية ، فالسماء إذا كانت صحواً والرؤية ممكنة وتراءينا الهلال ولم نره فحينئذٍ بالإجماع على أن الليلة تعتبر من شعبان ، وأنها لا تعتبر من شهر رمضان ، ولايحكم بدخول شهر رمضان بالإجماع .
لكن الحالة الثانية : وهي أن تكون السماء فيها غيم أو يكون فيها قتر من غبار كما يقع في بعض الأحيان يأتي العجاج والريح بالغبار والأتربة فلا يتمكن الناس من رؤية السماء ، أو يكون هناك حريق أو دخان فلا يتمكن الناس من رؤية السماء ، فإذا حصل الحائل الذي يسمى الحائل سواءً من غيم أو قتر أو دخان فما الحكم ؟
للعلماء قولان :
القول الأول : قال بعض العلماء : إذا كانت السماء مغيمة أو كان بها قتر فإنه يحكم بتمام شهر شعبان وهذا هو مذهب جمهور العلماء ومنهم الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والظاهرية ، وطائفة من أهل الحديث أنه إذا كانت ليلة الثلاثين ولم نر الهلال سواءً كانت السماء صحواً أو كانت مغيمة فيها قتر ، أو ليس فيها شيء فالحكم عندهم سواء أنهم يتمون عدد شعبان ثلاثين يوماً .
واستدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه قال : (( فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة )) وفي رواية : (( فأكملوا عدة شبعان ثلاثين يوماً ))وجه الدلالة : أن النبي-r- قال : (( فإن غم عليكم )) فنص على أنه إذا لم ير الهلال ولو كان هناك غيم أننا نتم العدة ثلاثين يوماً هذا الدليل الأول .
أما الدليل الثاني : قالوا الأصل في الشهر ثلاثون يوماً الأصل أن الشهر كامل حتى يدل الدليل على أنه ناقص ، فالنقص خلاف الأصل ؛ والقاعدة في الشرع : " أن الأصل بقاء ما كان على ما كان " ، فنحن الأصل أننا في شعبان ونشك هل دخل رمضان أو لا ؟ فلما كانت العدة ناقصة يقول يجب علينا إكمال العدة ؛ لأنه الأصل ، وعلى هذا فيجب إتمام شعبان ثلاثين يوماً .
القول الثاني : قالوا : إذا كان هناك غيم أو قتر فإنه يصام ذلك اليوم ويحسب من رمضان ، وهذا هو قول الإمام أحمد-رحمة الله عليه- ، واختاره طائفة من أصحابه على أنه إذا كانت السماء مغيمة أو بها قتر أنه يجب صوم ذلك اليوم لاحتمال كونه من رمضان .
واستدلوا : برواية : (( فإن غم عليكم فاقدروا له )) قالوا قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( فاقدروا له )) القدر هو التضييق ، تقول العرب : قدر الشيء إذا ضيقه ، ومنه قوله-تعالى- : { وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } حينما عَلَّم داود صنعة اللبوس التي تكون لمنع ضربات السيوف ونحوها قال : { وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } يعني ضيق حلق السرد حتى لايصاب الإنسان إذا طعن أو جرح ، فالتقدير هو التضييق ، ومنه قوله-تعالى- : { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه } أي ضيق عليه ، ولذلك قال-تعالى- : { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } { يَبْسُطُ } بمعنى أنه يغني { وَيَقْدِرُ } بمعنى يضييق ، فالقدر التضييق ، فلما قال : (( إن غم عليكم فاقدروا له )) قالوا معنى ذلك : أننا نضييق شهر شعبان ولا نعده كاملاً ونجعله تسعاً وعشرين ثم ندخل في شهر رمضان .
واستدلوا - أيضاً - بأن النبي-r- قال كما في الصحيحين : (( إنا أمة أمية )) وهذا الحديث يحتاج إلى تأمل ، وهو أن وصف الأمية لأمة النبي-r- وصف شرف وليس بوصف نقص على خلاف ما يظنه بعض الناس اليوم أن الأمية وصف نقص والواقع هناك فرق بين الجهل والأمية ، فالشخص قد يكون أمياً وهو عالم ، فإن النبي-r- كان أمياً وهو أعلم من على وجه الأرض ، قال-تعالى- : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً } وهذا وصف شرف لايظن أنه نقص . قوله : (( إنا أمة أمية )) يثبت هذا ، ولذلك الأنسب أن يقال محو الجهل ؛ لأنه أنسب حتى لايظن الناس أنها صفة نقص قال : (( إنا أمة أمية : لانكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا )) قال الراوي : أشار بيديه ثلاثاً هكذا يعني ثلاثين يوماً ، وهكذا أي أشار ثلاث مرات ، قال : ثم قبض إبهامه في الثالثة أي أن الشهر ثلاثين ويكون أيضاً تسعاً وعشرين ، ففي المرة الأولى التي أشار ثلاث مرات-عليه الصلاة والسلام- أي أن الشهر يكون كاملاً ويكون ناقصاً قال أصحاب القول الثاني إنه لما قال : (( الشهر هكذا وهكذا )) فمعناه أن اليقين أن الشهر تسع وعشرون ، والشك في الثلاثين فالأصل في الشهر تسع وعشرون عندهم وحينئذٍ يكون كمال الشهر بتسع وعشرين ؛ لكن اليوم الثلاثين مشكوك فيه قالوا : فحينئذٍ نوجب على الناس صيام هذا اليوم لاحتمال كونه من رمضان .
والذي يترجح - والعلم عند الله - هو قول الجمهور أنه إذا حال بين الناس وبين رؤية الهلال غيم أو قتر أنه لايجب عليهم صيام يوم الثلاثين .
والدليل على ذلك : نهي النبي-r- في حديث عبدالله ابن عمر في الصحيحين : (( لاتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين )) فهذا يدل على أننا لانصوم يوم الشك ، وهذا نهي تحريم كما سيأتي .
وإذا ثبت أن الأصل كون الشهر ثلاثين كما في الحديث الصحيح في قوله-عليه الصلاة والسلام- :(( صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ))هذا نص صريح فالقول الذي يقول إن العدة تكمل ثلاثين يوماً أقوى ؛ لأنه اعتمد الأصل .
وأما رواية : (( فاقدروا له )) فإن القدر يطلق بمعنيين :
الأول : إما أن يراد به التضييق .
الثاني : وإما أن يراد به الحساب تقول قدر يعني احسب لي هذا الشيء وبين لي حقيقته وأعطني قدره وحقه من العدد والحساب ، فلما كان قـوله-عليه الصلاة والسلام- : (( اقدروا له )) وكانت المسألة مسألة حسابية حمل قوله : (( اقدروا له )) على الحساب ؛ لأن القاعدة : " أن مبنى الحديث قرينة على معناه " فلما كان الحديث منبنياً على الحساب وعندنا معنى للقدر بمعنى التضييق والقدر يعني التقدير وهو الحساب حملناه على معنى الحساب ؛ ولأن القاعدة في الأصول : " أنه إذا تردد الحديث بين معنيين معنى يخالف به نصوصاً أخرى ومعنىً يوافق وجب صرفه على المعنى الموافق " فلما جاءنا حديث : (( أكملوا العدة ثلاثين )) فسر المراد بقوله : (( اقدروا له )) أي اجعلوا لشعبان قدره فيكون قوله : (( اقدروا له )) أي أعطوا شعبان قدره بمعنى أكملوا عدة شعبان فاتفقت رواية التقدير مع رواية الإكمال ، وبناءً على ذلك فإنه إذا حال بيننا وبين رؤية الهلال في ليلة الثلاثين غيم أو قتر فإننا نكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً .
قال-رحمه الله- : [ ويجب صوم رمضان برؤيه هلاله ] : رؤية الهلال أمر من الأمور المهمة التي ينبغي أن يحافظ الناس عليها ؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية تتوقف على هذه الرؤية ، ومن هنا قال العلماء : إن رؤية هلال الشهور كرمضان وذي الحجة ونحوها تعتبر من فروض الكفاية بحيث لو أن أهل بلد قصروا فيها فإنهم يأثمون جيمعاً ، فتساهُل الناس في ترائي الهلال يعتبر من المنكرات ، ومن الخطأ الشائع الذائع بل ينبغي على طلاب العلم أن يحيوا هذه السُّنة ، وكان الناس إلى عهد قريب إذا كان اليوم التاسع والعشرين أو ليلة الثلاثين يخرجون إلى الصحراء لإحياء هذه السُّنة ، يخرج طلاب العلم والثقات ينظرون ، وحبذا لو يسألون أهل الخبرة ويعرفون منازل القمر قبل مغيبه في الأيام التي تسبق أيام الرؤية حتى يكون عندهم إلمام ومعرفة ، ثم بعد ذلك يخرجون لرؤية الهلال ويعرفون درجاته ومنازله حتى يمكنهم أن يثبتوا هذا الأمر لأنهم إذا لم يقوموا بذلك فإنه قد يوجد الهلال ولايتراءاه الناس فيضيع حق الله-U- وصيام هذه الأيام مركب على وجود هذه الرؤية ، وبناءً على ذلك قال العلماء : لاينبغي التساهل في ترائي الهلال ، بل إذا تساهل الناس أو انشغلوا ينبغي توصية أناس ولو بالأجرة ؛ لأن فروض الكفايات إذا لم يوجد من يقوم بها شرع إعطاء الأجرة لمن يقوم بهذه الرؤية لكي يثبت به حق الله-U- من صيام الأيام المفروضة .
[ فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين ] : وهذا بالإجماع أنهم يصبحون مفطرين ، وهذا اليوم هو يوم الشك وهو يوم الثلاثين ويحرم صومه ، سمي يوم الشك ؛ لأن ليلته تحتمل أن تكون من رمضان ، وتحتمل أن تكون من شعبان واليوم نفسه متحمل أن يكون من رمضان فيصام ، ويحتمل أن يكون من شعبان فيفطر ، وقد نهى رسول الله-r- عن صومه ؛ لأن هذا اليوم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- : (( لاتَقَدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين ، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه ))وقال عمار بن ياسر-t وعن أبيه- : " مـن صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم-r- " ، وهذا يدل على أنه يحرم صيام يوم الشك ، والعلماء مجمعون من حيث الأصل على كراهة الصوم .
واختلفوا في التحريم ، فكانت أسماء وعاشة-رضي الله عنهما- يريان الجواز ، وأنه لاحرج على الإنسان أن يصوم يوم الشك ، ويعتذر لهما بعدم علمها بالحديث الذي نهى النبي-r- فيه عن صوم يوم الشك .
وقال بعض العلماء : يجوز صومه مع الكراهة ؛ ولكن ظاهر الحديث أنه حرام ، وأنه لايجوز له أن يصومه .
بل قال بعض العلماء : أنه يأثم بدل أن يؤجر وهذا هو الصحيح ؛ لأن النبي-r- قال : (( لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين )) وهذا نهى ، والأصل في النهي أنه يدل على التحريم .
قال العلماء : حرم النبي-r- صيام يوم الشك ؛ لأنه ذريعة للتنطع والغلو ولما فيه من مشابهة أهل الكتاب ؛ لأن أهل الكتاب فرض عليهم الصيام عدد أيام فزادوا فيها فلما زادوا فيها ابتدعوا في دين الله ما ليس منه وهذا على سبيل الشك والوسوسة .
وقال بعض العلماء : إنما حَرُم صيام يوم الشك لما فيه من إدخال الوسوسة على الناس ، وبناء الشريعة على الوسوسة ؛ لأنه ليس من رمضان فيصومه وهو يعتقد أنه من رمضان ، ويدل على ذلك قوله : (( إلا رجل كان يصم صوماً فليصمه ))فدل على أنه غير قاصد لرمضان ، فكأنه يستثنيه إذا لم يقصد أنه من رمضان ، وهذا هو الأولى ، والصحيح أنه لايجوز صيام يوم الشك وأن صومه حرام على ظاهر النهي إلا إذا وافق صوم إنسان ، كأن تكون مـن عادتك أن تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فوافق يوم الشك يوم الاثنين أو يوم الخميس فتصوم ولاحرج ، أو يكون من عادتك أن تصوم يوماً وتفطر يوماً فأفطرت يوم التاسع والعشرين ووافق أن الثلاثين شك وثبت أنه ليس من رمضان فأحببت أن تصومه فحينئذٍ لاحرج ، وعلى هذا فإن الإنسان إذا كان من عادته أن يصوم أو نذر نذراً فإنه يصوم ولا حرج عليه ، وأما ما عدا ذلك فإنه باق على الأصل الموجب للحرمة والمنع .
[ وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه ] : [ وإن حال ] : الحائل هو الذي يمنع من رؤية الشيء ، فإن حال بينه وبين رؤيته غيم أو قتر أو دخان كحريق ونحو ذلك فتمتلئ سحب الدخان في السماء فتحجب رؤية الهلال خاصةً إذا كان في جهة المغرب أو كان هناك عجاج من غبار أو نحوه فهذا كله على ظاهر مذهب الإمام أحمد-رحمة الله عليه- أنه يصام .
والصحيح أنه لايصام كمذهب الجمهور لما ذكرناه من السُّنة الصحيحة عن رسول الله-r- .
[ وإن رؤي نهاراً فهو لليلة المقبلة ] : وإن رؤي الهلال نهاراً فهو لليلة المقبلة ومسألة رؤية الهلال نهاراً إما أن يكون قبل الزوال أو بعد الزوال .
اختلف السلف-رحمة الله عليهم- في رؤية الهلال نهاراً :
فمنهم من قال : إذا رؤي الهلال نهاراً قبل الزوال وجب قضاء هذا اليوم وإذا رؤي بعد الزوال فإنه يكون لليلة التالية .
ومنهم من قال : إذا رؤي قبل الزوال أو بعد الزوال فهو لليلة التالية ، وهذا هو الصحيح كمذهب الحنابلة ، والشافعية ، وطائفة من أصحاب الإمام مالك-رحمة الله على الجميع- أنه إذا رؤي في النهار سواءً قبل الزوال أو بعد الزوال أنه لليلة القادمة ، وأنه لا يعد دليلاً على أن يوم الشك من رمضان .
والأصل في ذلك : أن النبي-r- قال : (( صوموا لرؤيته )) فجعل الصيام على الكمال معنى ذلك أن الرؤية قد وقعت بالليل ؛ لأنه لو رؤي في النهار لايمكن الصيام ، وعلى هذا فيكون قوله : (( صوما لرؤيته )) يدل على أن الرؤية ؛ إنما تكون بالليل ؛ لأنه إذا رؤي نهاراً فهو إلى أقرب الليلتين ، ولا شك أنه أقرب إلى الليلة التي تلي من الليلة التي مضت باحتساب البداية لاباحتساب النهاية .
[ وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم ] : [ وإذا رآه أهل بلد ] : أي رأى الهلال أهل بلد لزم الناس في ذلك البلد أن يصوموا مثل رؤي في مكة فيلزم جميع أهل مكة أو رؤي في المدينة فيلزم جميع أهل المدينة وهكذا بالنسبة لبقية البلدان فإذا رؤي في موضع لزم أهله .
لكن السؤال : إذا تعددت الأمصار كأن يكون رؤيته في المشرق هل يصوم أهل المغرب لرؤية أهل المشرق أو لايصوموا ؟
للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال :
القول الأول : منهم من كل أهل بلد يرجعون إلى رؤيتهم فمثلاً أهل الجزيرة يرجعون إلى رؤيتهم إن رأوه لزمتهم الرؤية في خاصتهم ولا تلزم أهل الشام أو أهل المغرب ولا أهل المشرق والعبرة في كل مصر وقطر بحسبه ، وهذا دليله حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه قدم عليه كريب من الشام فسأل كريباً متى رأيتم الهلال فأخبره أنهم رأوه ليلة الجمعة فقال ابن عباس-رضي الله عنهما- ؛ لكنا رأيناه ليلة السبت فقال : ألا تعتد بـرؤيتنا ؟ فقال : لا ... هكذا أمرنا رسول الله-r- ففصل رؤية بلده عن رؤية غيرهم قالوا : فهذا يدل على أن كل قطر ومنطقة بحسبها وهذا هو الذي تدل عليه الرواية الصحيحة في قول ابن عباس-رضي الله عنهما- ويدل عليه الأصل ؛ لأن المطالع مختلفة والمنازل متباعدة بل قد يكون هناك فرق بين البلدين بقدر يومين وحينئذٍ يصعب أن تلزم أهل المشرق بأهل المغرب ، فلما وجد التفاوت دل على أنه لايمكن جعلهم بمثابة المكان الواحد إذْ لو قلت إن قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( صوموا لرؤيته )) على العموم فمعنى ذلك أن يصوم أهل الأرض كلهم برؤية بلد واحد بل برؤية قرية واحدة وهذا لاشك أنه غير مراد ؛ لأنه قد يكون في بلد اليوم ثمانية وعشرين ويكون في بلد في المغرب اليوم ثلاثين ، فيكون الفارق يومين ولايمكن بحال أن نقول لأهل يوم ثمانية وعشرين أن يصوموا برؤية الذين هم من بعدهم ، وعلى هذا قالوا : إن كل بلد يعتد برؤيته .
القول الثاني : أن رؤية البلد الواحد رؤية للجميع .
واحتجوا بقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )) وقالوا : هذا يدل على أن الجميع تكون رؤيتهم واحدة .
والقول الثالث : التفصيل قالوا : إذا تقاربت الأماكن وكانت المنـزلة واحدة فإنه يصام برؤية البلد الواحد ، والعكس بالعكس ، وقالوا : لأنهم إذا كانوا في منـزلة واحدة أمكننا أن نلزمهم بقوله : (( صوموا لرؤيته ))أي نلزمهم بالعموم .
والذي يترجح والعلم عند الله أن لكل أهل بلد رؤيتهم ؛ وذلك لأن النبي-r- قصد من قوله : (( صوموا لرؤيته ))أن رؤية الرجل الواحد في البلد الواحد رؤية لجميعه ، وليس المراد أنها رؤية لجميع من في الأرض إِذْ لا يختلف إثنان أن الليل يكون هنا النهار ويكون عند غيرنا ، وتتفاوت الأماكن يوماً ويومين ، ولذلك لايمكننا أن نقول : إن حديث : (( صوموا لرؤيته )) على العموم ، يقول العلماء : إن العموم قد يخص بدلالة الحس وقد يدل الحس على تخصيصه ويمثل لها أهل الأصول بقوله-تعالى- : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } قالوا : هذا العموم مخصص بالحس ؛ لأنها مادمرت كل شيء ؛ وإنما دمرت كل شيء عذاباً ونكالاً وإلا كان ما دمرت الأرض لأنه قال : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } فهذا عام يشمل كل شيء في الأرض ومع ذلك قالوا : هذا العام مخصص بدلالة الحس بدليل الوجود .
كذلك - أيضاً - دليل الحس عندنا هنا لايمكننا أن نقول : إن رؤية بلد رؤية للجميع وهذه المسألة يقع فيها خطأ كثير وخلط كبير ، ولذلك تجد المسلمين في مشرق الأرض ينقسمون قرابة ثلاثة فرق :
فرقة تقول نصوم مع بلد كذا .
فرقة تقول : نصوم مع بلد كذا .
وفرقة تقول : لانصوم لا ببلد كذا ولا بغيره بل نصوم برؤيتنا .
والصحيح الذي يظهر - والله أعلم - من خلال النصوص وسنة النبي-r- وهديه التي تقطع النـزاع أن كل بلد ملزمون بالرؤية ، فإذا رأوا الهلال فالحمد لله وحينئذٍ يلزمهم ما يلزم الرائي من صيام ذلك الشهر .
وأما إذا لم يروا الهلال فإنهم باقون على الأصل ؛ لأن النبي-r- قال : (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم )) فنجعل لكل بلد رؤيتهم ولو أن كل منطقة تراءت الهلال مثلاً منطقة المشرق تترآه ومنطقة المغرب تترآه فإن ثبت عندهم فبها ونعمت ، وإن لم يثبت أكملوا العدة فكل على خير ، أما لو قلنا : إن رؤية بلد هي رؤية لغيره يتنازعون هل نتبع هذا البلد أو نتبع هذا البلد ؟ نعتد بهذه الرؤية أو هذه الرؤية ؟ ، ولذلك تقع كثير من الفتن والمشاكل بسبب جعل الرؤية الواحدة رؤية للجميع والذي يظهر من خلال السُّنة خاصةً حديث ابن عباس الذي قال فيه النبي-r- : (( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل )) يقول لا نفى هذا وقال : هكذا أمرنا رسول الله-r- فصار تفسيراً لقوله : (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )) أي صوموا يا أهل الشام لرؤيتكم ، وصوموا يا أهل الحجاز لرؤيتكم ، فجعل لكل أهل منطقة رؤيتهم وهذا هو الذي يندفع به الإشكال ويزول به اللبس إذا جُعل لكل بلد رؤيتهم المعتبرة ، وحينئذٍ إذا رأوا الهلال عملوا بالرؤية ، وإذا لم يروه أكملوا العدة ثلاثين يوماً .
[ ويصام برؤية عدل ولو أنثى ] : ويصام برؤية عدل يصام شهر رمضان إذا رآه شخص واحد ، والعدل يراد به من يجتنب الكبائر ويتقي في غالب حاله الصغائر :
العدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الأغلب الصغائر
فإذا كان مجتنباً للكبائر وهي المعاصي الكبيرة كالقتل والزنى وشرب الخمر ونحوها من كبائر الذنوب لايفعلها فهو عدل ، ويجتنب في غالب حاله الصغائر ، لماذا يقول العلماء : يجتنب في غالب الحال الصغائر ؟ لأنه لايمكن لأحد أن يسلم من الصغائر ، وقد أشار النبي-r- بقوله في حديث عنه : (( إن تغفر اللهم تغفر جَمّاً ، وأيُّ عبد لك ما ألمَّا )) ، (( إن تغفر اللهم تغفر جماً ))أي شيئاً كثير ، (( وأي عبد لك ما ألما )) أيْ أيُّ عبد من عبادك لم يصب اللمم وهي صغائر الذنوب ، فلايمكن لإنسان أن يسلم من صغائر الذنوب .
وصغائر الذنوب لها أمثلة ، مثل النظرة وإن كان بعض العلماء يفاوتها بحسبها ، فالنظر إلى العورة المغلظة ليس كالنظر إلى الوجه ونحو ذلك ، فالمقصود أنه إذا اتقى في غالب حاله صغائر الذنوب فهو عدل ، أما لو أصر على الصغيرة وداوم عليها فإنه لايكون عدلاً ، ولذلك قالوا : لا كبيرة مع الاستغفار ، ولاصغيرة مع الإصرار ، فإن صغائر الذنوب تهلك صاحبها كما أن الجبال تكون من دقائق الحصى فإن هلاك الإنسان قـد يكون بصغائر الذنوب ، ولذلك يقول ابن عباس-رضي الله عنهما- : لا تنظر إلى معصيتك ؛ ولكن انظر إلى من عصيت ، فإذا كان الإنسان نظر إلى عظمة الله-I- فإن الصغيرة كأنها كبيرة ؛ لكن إذا استخف بذلك ونظر إلى أنها شيء يسير فقد تهلكه وتوبقه-نسأل الله السلامة والعافية- ، فالعدل هو الذي يتقي في غالب حاله صغائر الذنوب ويمتنع من كبائر الذنوب ، فإذا كان كذلك فهو العدل الذي تقبل شهادته ، وهو الرضي الذي يُعتد بشهادته وقد أشار الله إليهما بقوله-تعالى- : { وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ } ، وقوله : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } فلا يُرضى إلا العدل .
وقوله : [ برؤية عدل ] : معناه أنه إذا شهد غير العدل لاتقبل شهادته ؛ والسبب في رد غير العدل هو الذي يفعل كبائر الذنوب سواءً كانت قولية كأن يكون إنساناً نماماً-والعياذ بالله- فالنميمة تعتبر من كبائر الذنوب ، أو كثير الاغتياب للناس دائماً يقع في أعراض الناس فيغتابهم فهذا لاتقبل شهادته ، والفعلية كشرب الخمر والزنى فإن هذه تسقط عدالته وتوجب رد شهادته ، السبب في هذا يقول العلماء : أنه إذا كان جريئاً على هذه الكبيرة فمن باب أولى أن يجرؤ على الكذب ، ومن هنا كأن وجود هذه الكبيرة يعتبر دليلاً على أنه غير مأمون ؛ لأنه إذا لم يؤتمن على حق الله ، كذلك من باب أولى أن لا يكون أميناً على حقوق الناس .
لكن الحنفية-رحمة الله عليهم- عندهم تفصيل في الفاسق يقولون : إن الفاسق ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : فاسق تحصل بفسقه التهمة .
والقسم الثاني : فاسق لا تحصل بفسقه التهمة ، فالفاسق الذي تحصل بفسقه التهمة كأن يكون معروفاً بالكذب ، ومعروفاً بالذنوب التي هي من الكبائر والفاسق الذي لاتحصل التهمة به كأن يكون إنساناً يشرب الخمر مثلاً ؛ ولكنه لايكذب ، وهذا يقع ، فإنك قد ترى بعض الناس عاصياً وترى على سمته أنه ليس بمطيع ولكنه أمين وتجده من أبر الناس بوالديه ، ومحافظاً على العهد لايكذب ولايغش ، فتجد مظهره على أن عنده بعض الإخلال ؛ ولكن تجد في نفسه وفي قرارة قلبه ما لاتجده عند من يوصف بكونه صالحاً ، وقد تجد الإنسان على سمت أو ظاهره طيب ولكنه كذاب أو غشاش أو خائن-والعياذ بالله- أو سارق أو شارب خمر في الخفية ، فلذلك الحنفية-رحمة الله عليهم- يفصلون فيقولون : العبرة بالأمانة فإذا عرف بالصدق ولو كان يشرب الخمر ولـو كان يزني نقبل شهادته ؛ لأنه لما عرف بالصدق غلب على الظن أنه صادق فيما يقول ، ولذلك قالوا : لاتقوى التهمة في رد شهادته وحينئذٍ لا نردها ، والذي يظهر والله أعلم أنه لاتقبل شهادة من طعن في عدالته لقوله-تعالى- : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } فأمرنا بالتثبت والتبين والتروي في خبر هذا النوع فدل على عدم قبوله ؛ لأن التثبت والتروي نوع من الرد ؛ لأنه لم يقبلها مباشرة ، وعلى هذا فالصحيح مذهب الجمهور أنه لاتقبل شهادته سواءً كان ممن يغلب على الظن صدقه أو لا يغلب على الظن صدقه .
ولكن هنا مسألة : ذكرها شيخ الإسلام-رحمه الله- وأشار إليها ابن فرحون في التبصرة وغيرهما من العلماء كصاحب معين الحكام الذي هو الطرابلسي في كتابه مناهج القضاء لو انتشر الفسق وعم الفسق وأصبح من الصعوبة أن تجد العدل مثلاً ولو وقع شيء في مكان لاتجد فيه العدل أو قد لاتجد العدل إلا بصعوبة ، وجاء شهود من نفس المكان هذا الذين هم فسّاق فهل نقبل شهادتهم أم لا ؟
قرر شيخ الإسلام ابن تيميه أنه إذا عم الفسق وانتشر أنه يقبل أمثل الفساق يعني ممن يعرف بالمحافظة أو يعرف بالصدق ، أو يعرف بالانضباط فتقبل شهادته ويعمل بها وهذا في الحقيقة أصل قوي ؛ لأنه تدعو الحاجة إليه وهذا الذي يسمونه المسائل التي تعم بها البلوى وهي مفرعة على القاعدة المعروفة : " أن الأمر إذا ضاق اتسع ، وإذا اتسع ضاق " فإذا كان الناس في سعة والعدول كثيرون حينئذٍ نضيق على الناس في الشهادة ، أما إذا كان الأمر على العكس ؛ العدول قليل والعكس أكثر فحينئذٍ يتسع الأمر ونحكم بقبول شهادة من هو أمثل .
[ ويصام برؤية عدل ] : فلو جاءنا رجل واحد وشهد أنه رأى هلال رمضان هل يصام أو لا يصام ؟
للعلماء وجهان :
الوجه الأول : الجمهور على أن شهادة الواحد تقبل ، وأن هذا ليس من باب الشهادة ؛ وإنما هو من باب الخبر ويرون أن دخول رمضان يكون من باب الخير لا من باب الشهادة ، ولأن الشهادة لابد فيها من التعدد ولا تقبل شهادة الواحد ، والشرع دائماً يقبل العدد ، وبناءً على ذلك قالوا : تقبل شهادة الواحد لحديث ابن عمر-رضي الله عنهما- : أنه رأى الهلال وأخبر النبي-r- فصامه وأمر الناس بصيامه فدل على قبول شهادة الواحد في دخول شهر رمضان ، وفيه حديث الأعرابي أنه شهد عند النبي-r- فقال له : (( أتشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ؟ ))قال : نعم قال : (( يا بلال قم فأذن بالناس أن يصوموا غداً )) ولكنه حديث ضعيف ، ولكن حديث ابن عمر أقوى منه وصححه غير واحد من العلماء منهم الحاكم ، وغيره ، وهو يدل على أن شهادة الواحد يثبت بها شهر رمضان إذا قلنا : إن قبول شهادته إنما هـو من باب الخبر لامن باب الشهادة فحينئذٍ يقال بقبول شهادة الأنثى ، فلو أن امرأة شهدت برؤية الهلال قبلت شهادتها ؛ لكن لا من باب الشهادة .
الفرق بينهما : أن الشهادة يشترط فيها العدد .
- وأيضاً - لابد أن يحكم القاضي بها فيأتي إلى مجلس القضاء ويشهد ، ويثبت الدخول بشهادته .
ثالثاً : يكون بلفظ أشهد أني رأيت الهلال ويصف رؤيته على وجه تنتفي به التهمة ، هذا بالنسبة لأصول الشهادة.
ويشترط فيها العدد فلا يقبل أقل من شاهدين .
ويشترط فيها الذكورية ولاتقبل شهادة الأنثى ؛ لأن الأنثى شهادتها على نوعين :
النوع الأول : إن كانت في الأموال وما يتبع الأموال قبلت شهادتها .
النوع الثاني : وإن كانت في غير الأموال فالإناث لاتقبل شهادتهن لحكمة من الله-I- ؛ والسبب في ذلك : مثلاً الجنايات القتل السرقة الزنا لاتقبل فيها شهادة النساء .
والدليل على ذلك : أن الله-I- في آية النور أمرنا باستشهاد أربعة على الزنا ، فلو كانت المرأة تشهد لقال أو ثمانية ؛ لكن في الأموال في آية البقرة قال-I- : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } فَنـزَّل المرأتين منـزلة الرجل الواحد قال-تعالى- : { تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى } وفي قراءة : { فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى } أي أن شهادتها معها بمثابة الرجل { تُذْكِرُهَا } أي تنـزلها منـزلة الذَّكَر ؛ والسبب في هذا قوله : { تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا } والسبب في ذلك : أن الله-U- جبل النساء على العاطفة وفيهن من الضعف واللين ما جعله الله-U- لحكمة لصلاح هذا الكون فلايستقيم الكون باثنين بصفات واحدة متماثلة ؛ لأن هذا يفضي إلى مفاسد لايعلمها إلا الله-I- ولكن جعل الله في المرأة العاطفة واللين حتى تقوم على الذرية ويصلح بصلاحها الذرية فهذا اللين والضعف في مكان كامل وفي مكان ناقص ، فإذا جاءت المرأة تشهد فإنها لاتستطيع لأن فيها العاطفة ، ولذلك يقول العلماء : إنها إذا خوصمت لو خاصم الرجل المرأة فإنها تخاصمة تعطيه الكلمتين والثلاث ثم تضيع تبكي وتستولي عليها العاطفة ولاتستطيع أن تكمل كلامها ؛ والسبب في هذا أن الله-I- جبلها على هذا لحكمة منه-سبحانه- رفقاً بالأولاد وبالذرية فتجد من صفاتها وعطفها على ولدها ما لايستطيع الرجل أن ينـزل منـزلتها ، وهذا لحكمة منه-I- ، ولما كانت الشهادة تحتاج إلى تروٍ وتثبت ، فالشاهد يرى الدماء ويرى الأشلاء ويرى القطع ، فإذا كانت المرأة ضعيفة القلب لاتستطيع أن تتحمل هذا ، ولذلك بمجرد أن ترى هذه الأشياء تصرخ ولربما تصاب بشيء في رؤيتها مما يؤدي إلى التأثير في شهادتها ، ومن هنا منعت من الشهادة في غير الأموال ، وعلى هذا جماهير العلماء-رحمة الله عليهم- وظاهر القرآن يدل عليه فلو كانت شهادة المرأة في غير الأموال مقبولة لنص الله-I- على البدلية .
والصحيح أن شهادتهن قاصرة على الأموال وما في حكم الأموال كالشهادة على الوصية التي تتضمن إثبات مال فهذه يمكن أن يثبت بها ، إذا شهدن بأن الميت أوصى لفلان بنصف ماله أو بربع ماله أو بثلث ماله ونحو ذلك فهذه شهادة وإن لم تكن مالية محضة لكنها آيلة إلى المال ، وهي التي يسمونها الشهادة في حكم المال .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-08-11, 03:34 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

الدرس الثاني
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم يُر الهلال ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فلا زال المصنف-رحمه الله- يبين لنا الأحكام المتعلقة برؤية الهلال ، فبعد أن بين الأحكام المتعلقة بثبوت شهر رمضان ودخوله شرع في بيان ما يتعلق بالخروج من شهر رمضان ، والأصل أن الخروج من شهر رمضان يكون بتمام الشهر ثلاثين يوماً ، وذلك أنهم إذا صاموا ثلاثين يوماً فقد تمَّ الشهر وحينئذٍ يكون ما بعده من شوال قطعاً ، وأما العلامة الثانية فهي أن يشهد العدلان برؤية هلال شهر شوال ، فإذا شهد العدلان أنهما رأيا هلال شهر شوال فإن الناس يفطرون ؛ لأن النبي-- قال : (( فإن شهد عدلان فصوموا وإن شهد عدلان فأفطروا )) .
فجعل رؤية العدلين موجبة لثبوت دخول شهر شوال وانتهاء شهر رمضان .
لكن هنا مسألة وهي إذا شهد عدل واحد ، ثم أكمل الناس العدة ثلاثين يوماً من رمضان ولم يروا الهلال :
قال العلماء : هذه أمارة على خطأ الشاهد ، ويعتبر هذا دليلاً على أن الشاهد قد أخطأ في شهادته ، ومن هنا فإنه يجب عليهم أن يتموا العدة لظهور خطأ الشهادة ، وهكذا الحال على المسألة التي ذكرناها : لو كان هناك غيم ليلة الثلاثين من شهر شعبان ولم يتمكنوا من رؤية الهلال فإن المذهب على ما قرره المصنف أن يصام ذلك اليوم .
وإن كان الصحيح أنه لا يصام ؛ لكن على القول بصيامه لو صاموا ثم أتمّوا العدة ثلاثين يوماً وتراءوا الهلال ليلة الواحد من شوال على تمام الشهر فلم يروه قالوا : هذا يدل على أن شهر شعبان يعتبر كاملاً وحينئذٍ يتمّون عدة رمضان ثلاثين يوماً فلا يفطروا .
وعلى هذا هناك حالتان ذكرهما المصنف :
الحالة الأولى : أن يشهد عدل واحد ثم نحكم بدخول شهر رمضان ، ثم نتراءى الهلال بعد تمام العدة ثلاثين يوماً نتراءه الهلال ليلة شوال فلا نراه وعلى هذا تبين لنا خطأ الشاهد الواحد ، لأن الخطأ في الشاهد الواحد أكثر منه من الخطأ في الشاهدين ، ولذلك قالوا : إذا لم يُر الهلال في الليلة الأولى من شوال بعد تمام العدة فقد ظهر خطأ هذا الشاهد ، وحينئذٍ يلزمون بتمام شهر رمضان ثلاثين يوماً وهذا على سبيل الاحتياط ، وهذه قاعدة أن بعض العلماء يحتاط في الخروج من شهر رمضان أكثر من احتياطه في دخول شهر رمضان ، ولذلك يرون أنهم في هذه الحالة يتمون العدة ثلاثين يوماً حتى يخرجوا من الصوم بيقين .
[ أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا ] : أو صاموا لأجل غيم هذا على المذهب المرجوح ، وإن كان الصحيح أنه إذا كان هناك غيم ليلة الثلاثين من شعبان أنه يجب إتمام عدة شعبان ثلاثين يوماً .
[ ومن رأى وحده هلال رمضان ورَدَّ قوله ، أو رأى هلال شوال صامه ] : هذه مسألة مفرعة على الشاهد الواحد ، لو أن إنساناً رأى هلال شهر رمضان أو رأى هلال شهر شوال فجاء يشهد فلم تقبل شهادته وردّت وهو متأكد أنه قد رأى الهلال ، فحينئذٍ في يقين نفسه أن رمضان قد دخل ولكن في حكم الشرع على الظاهر أن رمضان لم يدخل فهل نوجب عليه في خاصة نفسه أن يصوم هذا اليوم أو لا يصوم ؟
للعلماء أقوال :
القول الأول : منهم من يقول نوجب عليه الصيام ؛ لأنه قد تحقق من دخول شهر رمضان ، ولذلك هو متعبد لله-- بما تحققه ، وقد أوجب الله على من رأى الهلال أن يصوم ، وقد تحقق من رؤيته وأن هذه الليلة من رمضان فلا وجه لإسقاط الصوم عنه ، قالوا فحينئذٍ يلزمه أن يصوم .
القول الثاني : العبرة بجماعة المسلمين ؛ لأن النبي-- قال : (( صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته )) ، قالوا كما لو أنهم تراءوا الهلال فلم يروه مع أنه رمضان حقيقة قالوا : فقد تعبدهم الله-- بالدخول فحينئذ لا نوجب عليه صيام هذا اليوم ؛ لأنه ليس من رمضان حكماً .
والقول الثالث يفصّل فيقول : دخول رمضان أوجب عليه الصيام وفي خروجه لا يفطر احتياطاً ، وهذا المذهب من أقوى المذاهب ، وهو التفريق بين الدخول وبين الخروج ؛ والسبب في هذا أن الدخول تقبل فيه شهادة الواحد كما ذكرنا وأنه من باب الخبر ، ولذلك نقول من رأى هلال رمضان وحده كما لو كان مسافراً فرآه وحده فبالإجماع أنه يصوم مع أنه في هذه الحالة لم يثبت شهر رمضان عند الجميع ، فنقول : إذا رآه في الدخول وجب عليه أن يصوم ؛ لأن الدخول تقبل فيه شهادة الواحد ، أما الخروج فقد قال-- : (( فطركم يوم تفطرون )) فرد الأمر إلى جماعة المسلمين ، ففي الخروج لا نقول له : إنه يفطر ؛ وإنما يبقى مع جماعة المسلمين ؛ لأن الفطر للجميع ، بخلاف دخول شهر رمضان .
ولذلك نقول : إنه قد ثبت في ذمته صيام اليوم الأول من رمضان بيقين ؛ لأنه قد استيقن برؤية الهلال بنفسه ، وحينئذٍ نوجب عليه الصيام دخولاً ولكننا لا نوجب عليه الفطر خروجاً ؛ لأن الفطر مقيد بالجماعة ، فيفطر إذا ثبتت رؤيته مع رؤية غيره وحكم بها ولا يفطر إذا ردّت شهادته ، أو كان شاهداً واحداً ولم تقبل شهادة الواحد - طبعاً - هناك مذهب من يقول بأنه يفطر فيفطر سراً ؛ ولكن القول بالتفصيل اعتمادا على السُّنة أقوى وأظهر ، لأن النبي-- قبل شهادة ابن عمر وحده في دخول شهر رمضان فألزم الجماعة بشهادة ابن عمر ، فلأن نلزم الشاهد نفسه والرائي نفسه من باب أولى وأحرى ، ولكن في الخروج ردنا النبي-- إلى جماعة المسلمين فقال : (( فطركم يوم تفطرون )) فجعل الفطر لجماعة المسلمين كلهم كما لو رأى هلال ذي الحجة ، مثلاً رأى هلال ذي الحجة ليلة الخميس والناس لم يروه ، ثم بعد ذلك أصبح وقوف الناس متأخراً عن وقوفه ، فإننا نقول لا يصح وقوفه وحده لأن الوقوف بجماعة المسلمين ، وعلى هذا فإنه يصح أن يصوم وحده ولا يصح أن يفطر وحده .
قد يشكل على هذا مسألة وهي كيف نحكم بالظاهر ونترك الباطن هذه مسألة الشرع في بعض الأحيان يحكم بالظاهر ويعطى الحكم على الظاهر ، ويلغي الحقيقة والباطن ، مثال ذلك لو أن رجلاً-والعياذ بالله- رأى امرأة على الزنى وقد رآها بعينه وشهد أنها زانية ، أو شهد رجلان أو ثلاثة أنها زانية فأتي بها إلى القاضي ، فلم تعترف وأنكرت ، فإنه بالإجماع يجلد هؤلاء الثلاثة ويعتبرون قَذَفَة ، والله-تعالى- يقول : { فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ } . فوصفهم بأنهم كاذبين بالنسبة للظاهر لكنهم في الحقيقة والباطن أنهم صادقون ، ولذلك يعطى الحكم للظاهر ولكن الباطن مردّه إلى الله-- ومن أمثلته قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فإنما أقضي له على نحو مما أسمع )) . فدل على أن حكم الظاهر لا يبيح الباطن كما أن الباطن لا يبيح حكم الظاهر ، وعلى هذا فرقت الشريعة ، فما كان الشرع معتبراً فيه لشهادة الواحد وهو دخول شهر رمضان نعتبره ملزماً بالصيام برؤيته كما لو رآه وحده في الصحراء وأصبح في اليوم الذي يليه فإنهم كلهم يقولون : إنه يصوم .
أما بالنسبة لخروج رمضان فقد جاء النص باعتبار الشاهدين ، ولم يأت استثناء كالدخول ، فالدخول جاء فيه استثناء حديث ابن عمر فقبلت فيه شهادة الواحد ، وأما الخروج فلم يأت فيه استثناء ، فبقينا على الأصل من كونه مطالباً بصيام هذا اليوم الذي هو الثلاثين والأصل أن الشهر كامل ، وعلى هذا يقولون : إنه يقيّد بجماعة المسلمين لورود النص بتأكيد الجماعة ، ففي الخروج ورد النص بتأكيد الجماعة وفي الدخول ورد النص بالاعتداد بشهادة الواحد ، فخفف في الدخول ولم يخفف في الخروج ، وهذا هو الذي يسميه العلماء مذهب الاحتياط ، والاحتياط ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : إما احتياط ينبني على دفع الشبهة والبعد عن الريبة .
والأصل فيه : قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )) ، وقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )) .
والقسم الثاني : وإما أن يكون احتياطاً مستنداً إلى النصوص فلما جاء النص بقبول شهادة الواحد دخولاً احتطنا ، وقلنا : يجب عليه الصوم ؛ لأنه يصوم فكان الاحتياط أن يصوم ؛ بخلاف ما لو قلنا له أفطر لأنه لو أفطر ربما أفطر يوماً من رمضان ولكن في الخروج نقول له : يبقى على صيامه ، فأصبح الاحتياط هنا مستنداً إلى أصل الشرع ، فكان اعتباره أولى وأحرى مع الأصل الذي دلّ على أنه ينبغي للمسلم أن يخرج من الريبة والشبهة .
قوله-رحمه الله- [ ويلزم ] : يعني يجب ، وهو فريضة الله-- على كل مسلم ، فالكافر لا يلزمه صوم بمعنى أنه لا يصح منه صومه إلا بعد أن يحقق أصل الدين وهو التوحيد ، فلو صام الدهر كله وهو لم يوحد الله فلا عبرة بصيامه { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً } فالكافر لا يعتد بصومـه ولا بطاعته حتى يسلم ، فإن أسلم أثناء الشهر وجب عليه أن يصوم ما بقي ، ولا يجب عليه قضاء ما مضى ، وإن أسلم أثناء اليوم وجب عليه الإمساك بعد إسلامه ، وقضاء ذلك اليوم ، وهذا مبني على حديث يوم عاشوراء الذي رواه معاوية-- أنه روى عن النبي-- أنه لما كان يوم عاشوراء قال : (( إن الله فرض عليكم صيام هذا اليوم ، فمن أصبح منكم صائماً فليتم صومه ومن أصبح منكم مفطراً فليمسك بقية يومه )) .
قالوا : فيجب على الكافر أن يمسك بقية اليوم ثم يقضي هذا اليوم ؛ لأنه لو أسلم لما قبل غروب الشمس بلحظة فقد وجب عليه قضاء هذا اليوم ، ولذلك يقولون : إنه يطالب بالقضاء ، وأما بالنسبة للأيام التي مضت فإنه لا يطالب بقضائها لوجود الانفصال ، وفرق بين المتصل والمنفصل فإن إفطاره في اليوم نفسه متصل ، وإلزامه بقضاء ما مضى من رمضان منفصل ، فوجبت عليه العبادة المتصلة دون العبادة المنفصلة .
قوله-رحمه الله- [ مكلف ] : يشترط بعد الإسلام أن يكون مكلفاً ، والتكليف يكون بالعقل والبلوغ .
وكُلُّ تَكْلِفٍ بِشَرْطِ العَقْلِ مَعَ البُلُوْغِ بِدَمٍ أوْ حَمْلِ
فإذا قيل : مكلف . يتضمن ذلك كونه عاقلاً ، وكونه بالغاً ، فلا يجب الصوم على صبي ولا يجب الصوم على مجنون ، أما الصبي فالسُّنة إذا أطاق الصوم أن يعوّد عليه منذ الصغر كما في حديث أنس- وأرضاه- أنهم كانوا يروضونهم على الصيام ويعطونهم اللعب يلعبون بها ، وهم صبيان ، ولكن ينبغي أن يكون مطيقاً لذلك ، أما إذا كان صغير السن يتضرر بإمساكه ولو بعض اليوم فإنه لا يُحمّل ما فوق طاقته لأن هذا يزعجه ولربما يجعله يكره هذه العبادة ، ولذلك إذا أطاقها وألفها فإنه يحبب فيها كما أُمر الأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة لسبع تعويداً لهم على هذه العبادة ، وترويضاً لهم عليها ، فيعوّد الصبي الصيام من الصغر كأن يكون ابن العاشرة والحادي عشر أو يكون دون ذلك إذا أحب هذه العبادة وألفها وإذا صام فإنه يشجعه وليه على ذلك ويعينه عليه لما فيه من تحصيل مقصود الشرع من تحبيب العبادة على نفسه وتعويده عليها .
فيشترط أن يكون بالغاً ، وأن يكون عاقلاً ، فالمجنون لا نطالبه بالصوم سواءً كان جنونه بأن بلغ مجنوناً أو طرأ عليه الجنون فلا يطالب بالصوم ، وهكذا لو كان كبير سن فأصبح يضيع ويخلط ، فإذا أصبح يضيّع ويخلط وحصل له هذا التضييع والخلط والجنون أثناء الصوم فإنه لا يعتبر ملزماً بصيام ذلك اليوم سواءً كان جنونه مسترسلاً أو متقطعاً لكن إذا كان جنونه متقطعاً بأن طرأ عليه الجنون في نصف رمضان فالنصف الذي جنّ فيه ليس عليه قضاؤه والنصف الذي كان فيه مفيقاً فإنه بطالب بصيامه ، ثم لو أفاق بعد ذلك لو كان مجنوناً الشهر كاملاً ثم أفاق فإننا لا نطالبه بقضاء ذلك الشهر ؛ لأن المجنون حال جنونه غير مكلف .
مسألة : هل المغمى عليه في حكم المجنون أو في حكم النائم ؟
للعلماء في هذه المسألة قولان ، ومثال هذه المسألة كما يقع الآن-نسأل الله السلامة والعافية وأن يمنّ على مرضى المسلمين بالشفاء والعافية- مثل ما يقع في موت الدماغ الآن ، فبعضهم لربما يستمر الشهر والشهرين والثلاثة بل يستمر السنة بكاملها ، وقد يستمر سنوات وهو تحت هذه الأجهزة قد مات دماغه ولا يعقل ، فمثل هذا لا يطالب بصوم طويل بل لا يطالب أولياؤه لا بقضاء ولا بإطعام ؛ لأنه لم يجب عليه الصوم أصلاً إذا فقد وقرر الأطباء أنه قد فقد عقله ، فإنه في هذه الحالة لا يطالب بقضاء ولا يطالب أولياؤه - أيضاً - بالصيام عنه ولا بالإطعام عنه ؛ لأنه غير مكلف بالصوم أصلاً ، وأما بالنسبة للجنون المتقطع فحكمه ما ذكرناه أنه في حال إفاقته يطالب بالصوم ولا يطالب بالقضاء إن أفاق أثناء اليوم ، وبالنسبة للأيام التي هو فيها كالعاقل يطالب فيها بالصوم كالعاقل سواءً بسواء .
قوله-رحمه الله- [ قادر ] : أي يشترط في الصائم أن يكون قادراً على الصوم ، فخرج من هذا المريض ، فإن المريض لا يلزم بالصوم إذا كان مرضه لا يستطيع معه الصوم سواء كان لا يستطيع بالكلية كأن يخشى على نفسه الموت ، أو كان المرض يوجب الحرج والمشقة عليه إن صام ، فهناك نوعان من المرض :
النوع الأول : إذا قرر الأطباء أنه لو صام يهلك كما يقع في بعض الحالات التي-نسأل الله السلامة والعافية- يكون فيها فشل الكلى بحيث يقرر الأطباء أنـه في حالة خطرة بحيث لو انقطع عن الماء أن مصيره إلى الموت والهلاك ، وهكذا إذا كان معه مرض قلب أو كان حديث عهد بعمليات يحتاج إلى الاستمرار على دوائها فمثل هؤلاء يلزمهم الفطر ، ويجب عليه أن يفطر إن قال الطبيب : إنه يهلك لو صام ؛ لأن تعاطي الأسباب الموجبة للهلاك لا يؤمر به شرعاً ، ولذلك قال العلماء : من ترك أكل الميتة وهو مضطر لها حتى مات يحكم بكونه قاتلاً لنفسه-والعياذ بالله- لأنه قد تحقق أو غلب على ظنه أنه يموت فتعاطى أسباب الهلاك .
وقد أشار شيخ الإسلام-رحمة الله عليه- إلى هذا القول أنه لا يجوز للمسلم إذا توقفت نجاته على أمر أن يتعاطى أسباب فوات النفس ؛ لأن-- يقول : { وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ، فليس في دين الله ولا في شريعة الله أن نلزم إنساناً بالصوم على وجهٍ يوجب هلاكه ، ولذلك أسقط الله الصوم في حال المرض لمكان المشقة الفادحة ، فلأن يسقط في حال الخوف على النفس من باب أولى وأحرى ، وعلى هذا فإنه إذا كان المرض مخوفاً بحيث يخشى على صاحبه أن يهلك فإنه لا يصوم .
وأما إذا كان يجد المشقة والحرج فإنه يخير ما بين الفطر والصوم ، والأفضل له أن يفطر لما فيه من الأخذ برخصة الله-- ولأن النبي-- عتب على الرجل أن شق على نفسه في الصوم وقال : (( ليس من البر الصيام في السفر )) أي على من يشق عليه ويحرجه أما لو كان في حال مرضه يطيق الصوم والصوم عليه يسير بدون مشقة ولا حرج فالأصل فيه أنه مطالب بالصوم ولا يرخص له .
مثاله : لو أن إنساناً كسرت يده فهذا في حكم المريض لكن كسر اليد لا يتأثر بالصوم ، فنقول : إنه يجب عليه أن يصوم إلا في حالة ما إذا كان عنده ألم شديد وتوقف على علاج يسكن له هذا الألم ، فرخص بعض العلماء-رحمهم الله- في تسكينه من باب دفع الحرج والله-تعالى- يقول : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } فلابد وأن يكون قادراً ، فإذا كان قادراً فإنه يجب عليه .
والدليل على اشتراط القدرة : قوله-تعالى- : { يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } وقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( اكلفوا من الأعمال ما تطيقون )) فأمرنا أن نتكلف من الأعمال والعبادات ما نطيقه وقال : (( إن المُنْبَتّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع )) فالشخص الذي يصوم وهو غير قادر سينتهي به الأمر إما أن يهلك وإما أن يؤدي العبادة على مضض وسامة وملل ولربما يترتب ضرر أعظم من تركه للصوم .
قوله-رحمه الله- : [ وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك ] : البينة مأخوذة من البيان ، يقال : بان الصبح إذا اتضح ضوؤه ، والشيء البين هو الواضح ، والبينة هي الدليل الذي يظهر صدق الدعوى ، ويكشف وجه الحق ، فلو أن اثنين اختصما عند القاضي فادعى أحدهما على الآخر شيئاً ، كأن يقول : لي على فلان ألف ريال ديناً فقال فلان : لا ليس له عندي شيء وأنكر ، فجاء المدعي بشاهدين عدلين ، فنقول : هذه بينة أظهرت صدق الدعوى لأنه لما قال : لي على فلان ألف ريال احتمل أن يكون صادقاً واحتمل أن يكون كاذباً ، والأصل أن المدعى عليه بريء حتى يثبت أنه مدان بهذا الحق ، فلما جاء بالبينة أظهرت صدق الدعوى ، والظهور الغلبة كما قال-تعالى- : { فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } أي غالبين ، فكأن صدق الدعوى وكذبها في منـزلة واحدة عند الإدعاء فلما جاء بالبينة أظهرت صـدق الدعوى وكشفت وجه الحق ؛ لأنه لما قال : لي على فلان ألف ريال فقال : فلان ليس له علي ألف التبس وجه الحق ، فلما قام الشاهدان انكشف أن الحق مع من قال : لي على فلان ألف ، فعلى هذا قالوا : إن البينة هي ما يظهر صدق الدعوى ويكشف الحق ، والأصل في البينة أن تكون بشهادة العدلين الذكرين على الشروط المعتبرة والرجل والمرأتان والأربع نسوة يكونون شهوداً وبينةً في الأموال وما يرجع إلى الأموال كما ذكرناه في مجلسنا الماضي ؛ لكن قد تكون البينة امرأة واحدة كالشهادة على الرضاعة كما قال -- : (( كيف وقد قيل ..؟! )) فقد قبل شهادة المرأة الواحدة ، فلو قالت امرأة أرضعتك وفلانة فإنه يثبت حينئذٍ أنها أخت لك ، وهكذا لو أن امرأة قابلة ( وهي التي تشرف على الولادة ) شهدت بأن المولود استهل صارخاً " فإن المولود والجنين لا يرث إلا إذا تحققنا من حياته ولا نتحقق من حياته إلا إذا عاش لحظة واحدة بعد ولادته فلو ولد ميتاً لم يكن له شيء فنحتاج لكي نثبت الميراث له أن يستهل صارخاً بأن يحدث منه الصوت أو الحركة التي تدل على الحياة - على خلاف عند العلماء -حال ولادته " فإذا شهدت امرأة واحدة أنه استهل صارخاً قُبلت شهادتها في الاستهلال ، قالوا : لمكان الضرورة والحاجة كما قبلنا شهادة المرضعة فهذه من المسائل التي تكون فيها البينة قاصرة وناقصة .
وعلى هذا فالبينة شاهدان عدلان قاما بالشهادة على وجهها أنهما قد رأيا الهلال ليلة البارحة ، والناس لم يروا الهلال فأصبحوا مفطرين في يوم الثلاثين من شعبان ، فجاءت البينة وشهدت عند القاضي أنها رأت الهلال ليلة البارحة ، وأن هذا اليوم من رمضان ، فيأمر القاضي بالنداء في الناس أن يمسكوا .
والدليل على ذلك : أن النبي-- قال : (( إن الله فرض عليكم صوم هذا اليوم - يعني يوم عاشوراء - فمن أصبح منكم صائماً ، فليتم صومه ، ومن أصبح منكم مفطراً فليمسك بقية يومه )) فإن هؤلاء الذين أفطروا أفطروا في أول الأمر وهم لا يظنون أن الصوم واجب بل على يقين بأنهم يفطرون وكان الصيام تخييرياً لا إلزاماً فلما أمرهم النبي-- أمرهم بالإمساك بقية اليوم ، قالوا : فيعذر أهل البلدة إذا لم يروا الهلال أول اليوم لمكان عدم العلم . فإذا علموا وتحققوا فقد تبين أن هذا اليوم يجب عليهم صيامه فعذروا بالفطر بأوله ، ولا يعذرون بالفطر في باقيه فيلزمهم الإمساك بقية اليوم على ظاهر حديث معاوية-- ثم يلزمهم قضاء هذا اليوم ؛ لأن القاعدة في الشرع : " أنه لا عبرة بالظن البيّن خطؤه " أي لا عبرة بالظن الذي بان أنه خطأ فهم بنوا على غلبة الظن أن شعبان كامل ، ثم تبين أن هذا الظن خاطئ ، وقد تحقق أن هذا اليوم من رمضان فنعذرهم ؛ لأن القاعـدة : " أن الشيء إذا جاز لعذر يقدر بقدره " فجاز لهم أن يفطروا أول اليوم لأنهم معذورون بعدم العلم فلما زال السبب الذي من أجله عُذروا رجعوا إلى الأصل من كونهم مخاطبين بإتمام العدة ، وعلى هذا قالوا : يلزمهم الصوم بقية اليوم ويلزمهم قضاء هذا اليوم لأن الله أوجب عليهم صيام رمضان كاملاً ، وقال : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فهؤلاء مطالبون بصيام رمضان كاملاً ، وهذا اليوم من رمضان ولا وجه لإسقاطه .
وقال بعض العلماء : يمسكون بقية اليوم ولا يقضون ؛ لأن النبي-- لم يأمر الصحابة بقضاء يوم عاشوراء وهذا مذهب مرجوح ، والجمهور على أنهم يقضون ووجه كونه مرجوحاً :
أولاً : يجاب عن حديث معاوية من وجهين :
الوجه الأول : أنه يحتمل أن النبي-- أمرهم بالقضاء ويحتمل أنه لم يأمرهم " والسكوت عن النقل لا يدل على عدم الوجود " كما هو معلوم في الأصول ، وعلى هذا قالوا : إنه قد يكون سكت للعلم به بداهة أنهم مطالبون بالقضاء .
الوجه الثاني : أن هناك فرقاً بين استئناف التشريع وبين ثبوت التشريع ، فقالوا : إن التشريع استؤنف في أثناء اليوم بخلاف بقية الأمة فإنهم مطالبون بصيام الشهر كاملاً ؛ لأن التشريع موجود وإنما سقط عنهم القضاء لأن التشريع استؤنف ففرق بين كون التشريع مستأنفا وبين كونه ثابتاً ، فعلى هذا قالوا : إنه يجب عليهم قضاء هذا اليوم ؛ لأن الأصل أنهم مطالبون بصيام ثلاثين يوماً بخلاف أهل يوم عاشوراء فإنهم لم يطالبوا به في الأصل وعلى هذا فُرق بين الإلزام بصيام اليوم إذا قامت البينة وبين عدم ورود أمر النبي-- بالقضاء في حديث يوم عاشوراء .
[ والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه ] : [ والقضاء على كل من صار في أثناءه ] : بمعنى أنه لو أصبح إنسان صائماً يوم الشك ، ثم تبين أن هذا اليوم من رمضان أي أنه من شعبان قالوا : يلزمه أن يقضي لأنه صام يوم الشك على نيةٍ مترددةٍ والنية المترددة لا تسقط الجزم فإن الإنسان إذا قال يحتمل أنه من رمضان ويحتمل أنه ليس من رمضان فأنا أصومه ، فإن كان من رمضان ففرض وإن كان من شعبان فنفل فأصبحت نيته ليست بمتمحضة بالفرض وقد نوى النفل أثناءها ؛ لأنه يقول : إن كان من شعبان فنفل فقد أدخل نية النفل عليه فقالوا : لم تتمحض نيته بالفرض ولا تصح نية الفريضة إلا متمحضة فيلزمه القضاء ، وقد ألزم النبي-- بالنية في الصوم فقال-عليه الصلاة والسلام- : (( من لم يبّيت النية بالليل فلا صوم له )) كما هو حديث ميمونة وهو حديث صحيح فلما ألزمنا بتبيت النية فالنية للفريضة فريضة ولا تكون مترددة وهذا قد نوى على التردد فلم تقع نيته وفق النية المعتبرة شرعاً ، فألزم الجمهور بقضاء هذا اليوم ويلزمه حينئذٍ أن يقضي هذا اليوم وهذا معنى قول العلماء يلزم القضاء للجميع ، لكن لو أن إنساناً رأى الهلال وحده فأصبح ناوياً صيام رمضان وقدم عليهم وهم مفطرون أول اليوم فأمسك ثم ثبت بالبينة أنه من رمضان فإن صومه يجزئه ولا يلزمه القضاء .
[ وكذا حائض ونفساء طهرتا ] : وكذا المرأة الحائض والنفساء ، فإنها إذا طهرت أثناء يوم رمضان فإنه يلزمها إمساك بقية اليوم وقضاؤه . وذلك أن المرأة الحائض سقط عنها الصوم أثناء تلبسها بالعذر ، والقاعدة في الشرع : " أن ما جاز لعذر بطل بزواله " فمثلاً جاز للإنسان أن يسأل الناس إذا أصابته حاجة فإذا تبرع الناس له حتى سُدت هذه الحاجة حرم عليه أن يسأل لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( حتى يمسك قواماً من عيش )) فلما أمسك القوام من العيش رجع إلى الأصل من كون السؤال حراماً عليه قالوا : كذلك ما جاز لحاجة وعذر ، فإنه قد جاز للمرأة الحائض والنفساء أن تفطر لمكان العذر وهو الحيض والنفاس ، فإذا زال العذر وهو الحيض والنفاس وطهرت رجعت إلى الأصل من كونها مطالبة بالإمساك فيجب عليها أن تمسك بقية اليوم ثم بعد ذلك تقضي هذا اليوم وهكذا المسافر إذا قدم من سفره فإن الله أباح الفطر للمسافرين إذا كانوا على سفر فإذا قدموا وزال عنهم وصف السفر بقوا على الأصل من كونهم مطالبين بالإمساك بقية اليوم كما أمر النبي-- الإمساك بقية يوم عاشوراء ، ولذلك قالوا : حكم المسافر والمرأة الحائض والنفساء حكم صيام يوم عاشوراء كما ورد عن النبي -- ولا وجه للتفريق بالتعليل والنظر ، ولذلك يُبقى على الأصل الذي دل عليه حديث عاشوراء وهذا المذهب وهو مذهب الجمهور هو أقوى المذاهب وأعدلها إضافة إلى أنه يرجع إلى الأصل ، ودائماً الفقه أقوى الأقوال فيه ما يقوى الأصل أو يشهد الأصل باعتباره فالأصل أنه مطالب بالإمساك وهذا شهر إمساك وصوم ، ولذلك لايفرق بين أجزاء النهار كاملة أو ناقصة فإذا جاز أن يفطر أو يأكل في حالة معينة على صفة معينة وزالت هذه الحالة والصفة وجب عليه أن يرجع إلى الإمساك الذي هو أصل الشهر ، فالشهر إنما سمي بشهر الإمساك لكون الصائم يمسك فيه ، ولذلك الأصل أنه يلزمه الإمساك فإذا جاز له أن يأكل لسفر أو مرض أو جاز للمرأة أن تأكل لحيض أو نفاس وزال الحيض والنفاس والسفر والمرض رجع إلى الأصل من كونه مطالباً بالإمساك .
[ ومسافر قدم مفطراً ] : وهكذا لو سافر إنسان وقدم من سفره أثناء اليوم فإنه يلزمه أن يمسك بقية اليوم لأنه جاز له الفطر أثناء السفر { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فجعل المريض والمسافر معذوراً أثناء السفر والمـرض ، فإذا زال السفر وزال المرض رجع إلى الأصل من كونه مطالباً بالإمساك في هذا اليوم .
[ ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه ] : هذا النوع الثاني ممن يرخص له أن يفطر في شهر رمضان وهو المريض الذي لا يرجى برؤه من المرض ، والكبير الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم ، فبالنسبة للمريض الذي لا يرجى برؤه كمن به فشل في الكلى-نسأل الله السلامة والعافية- أو معه مرض مزمن لا يمكنه أن يمسك عن الطعام والشراب فهذا يلزمه أن يطعم ، فيعدل من الصوم إلى الإطعام لقوله-تعالى- : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } وفي قراءة { وعلى الذين يطَّيَّقونه } وفي قراءة { وعلى الذين يطّوّقونه } والمراد بهذه القراءات أنهم يجدون المشقة والعناء ويتكلفون ما في طاقتهم ووسعهم للصوم ، فهؤلاء أوجب الله عليهم أن يطعموا المسكين فيعدلون من الصيام إلى الإطعام فيفطرون ، ولا يكون الصوم واجباً عليهم لا أداءً ولا قضاءً فيسقط عنهم الصوم بالكلية .
المريض الذي لا يرجى برؤه لأنه إذا أفطر لا يستطيع أن ينتقل إلى بدل ، فالمرض معه ، والعذر مستديم معه وهكذا الكبير الشيخ الهرم فإنه يفطر ولا يلزمه أن يقضي ؛ وإنما يعدل هذان الشخصان أو هذان النوعان إلى الفطر بدون قضاء ؛ لأن الله-- أوجب عليهم الإطعام ولم يوجب عليهم الصيام لظاهر آية البقرة التي ذكرناها .
[ أطعم لكل يوم مسكيناً ] : إطعام المساكين له صور : إن شاء في كل يوم أن يرتب طعامه ويعطيه للمسكين وإن شاء جمع في آخر رمضان ثلاثين مسكيناً وأطعمهم أو مرّ على الثلاثين وأطعمهم دفعة واحدة ، لكن لو أنه من بداية رمضان أخذ طعام الثلاثين وفرقه على ثلاثين ناوياً به الشهر كاملاً لم يُجزه لأنه لا يجب عليه الإطعام إلا بالإخلال وذلك بفطره في اليوم ، فلا يطعم إلا بعد فطره ، ولذلك قالوا إذا أراد أن يطعم كل يوم إنما يُطعم بعد طلوع الفجر ؛ لأنه يفطر بعد طلوع الفجر وحينئذٍ يكون متوجهاً عليه الخطاب بالإطعام . أما قبل الفجر فإنه لا يُطعم لو كان قبل تبين الفجر الصادق فإنه لايطعم ؛ إنما يطعم بعد طلوع الفجر لأنه يتعين عليه حينئذٍ أن يطعم ، أما لو أطعم قبل فإنه في هذه الحالة يكون إطعامه نافلة ، ولا يكون فريضة لأن الله لم يوجب عليه الإطعام بعد كما لو صلى قبل دخول الوقت ، وبناءً على ذلك قالوا : العبرة بوقت الصوم فإذا دخل عليه وقت صوم هذا اليوم أطعم عن هذا اليوم فلو أراد أن يقدم لم يصح ذلك منه ووقع إطعامه نافلة لا فريضة .
وأما لو أخر وأطعم عن ثلاثين يوماً دفعة واحدة فيأتي على وجهين :
الوجه الأول : أن يجمع طعام ثلاثين يوماً ويعطيه لمسكين واحد .
الوجه الثاني : أن يجمع طعام الثلاثين ويفرقه على الثلاثين ، فإن فرق طعام الثلاثين على الثلاثين أجزأه ، وأما إذا أطعم مسكيناً طعام ثلاثين يوم فلا يجزيه إلا عن يوم واحد لأن كل يوم يخاطب فيه يحسبه ، فعلى هذا يجب عليه أن يطعم ثلاثين مسكيناً إذا كان الشهر كاملاً وتسعة وعشرين مسكيناً إذا كان الشهر ناقصاً ، والأفضل والأولى أن يطعم كل مسكين في يومه لكن لو أخر إلى آخر رمضان يُجزيه الإطعام لكن هل يأثم أو لا يأثم ؟
قال بعض العلماء بالإثم للتأخير ، ويصح إطعامه .
وقال بعض العلماء : يجوز له التأخير .
لكن القول بإثمه من الوجاهه بمكان والقوة بمكان ، وبناءً على ذلك فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً .
قوله-رحمه الله- [ ويسن لمريض يضره ] : ويسن الفطر لمريض لأن الله-تعالى- يقول : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فأمرنا الله-- أن نعدل في حال المرض والسفر إلى الفطر لكن هل ذلك على سبيل الوجوب أو على سبيل التخيير ؟
للعلماء قولان :
القول الأول : قال جمهور العلماء من كان مريضاً أو على سفر إن شاء أفطر ، وإن شاء صام ، هذا مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة .
القول الثاني : قال بعض العلماء : المسافر لا يصح منه أن يصوم ولو صام في السفر بطل صيامه ويجب عليه القضاء ؛ لأنه لا يصح من المسافر أن يصوم لأن الله يقول : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي أنه يجب عليه أن يفطر ويكون صومه في عدةٍ من أيام أخر وهذا مذهب الظاهرية .
والصحيح مذهب الجمهور ، وذلك لأن السنة فسرت القرآن وبينت المراد منه وذلك أن النبي-- خرج مع أصحابه مسافراً قال أنس : " فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " وفي الصحيح أن عمرو بن حمزة سأل النبي-- فقال : إني أطيق الصوم في السفر فقال-عليه الصلاة والسلام- : (( إن شئت فصم وإن شئت فأفطر )) فخيره-- ولم يلزم عليه الفطر فدل على أن الإنسان مخير لكن إذا حصل الحرج والمشقة للإنسان في السفر فإنه يعدل إلى الفطر ، وقد يجب عليه ذلك ؛ لأن النبي-- لما صام حتى بلغ كراع الغميم وهو موضع بين مكة والمدينة أقرب إلى مكة منه إلى المدينة وكراع الغميم هو كراع البحر أقرب إلى جهة عسفان ، المسافة ما بين المدينة وعسفان تقرب من سبع مراحل أو ثمان مراحل وثمان مراحل قرابة ثمانية أيام وكلها كان يصومها-عليه الصلاة والسلام- فلما بلغ كراع الغميم واشتد الصوم على المسافرين من أصحابه أفطر-عليه الصلاة والسلام- وأٌخبر أن أقواماً لا يزالون صائمين ، فقال-عليه الصلاة والسلام- : (( أولئك العصاة أولئك العصاة )) وهذا لأن اليوم كان شديد الحر والقر ، عظيم الضرر على المسافرين ، فكان المنبغي أن يأخذوا برخصة الله-- عليهم فصار تكلفهم الصيام فيه حرج ومشقة على النفس .
ومن هنا قال العلماء : نفرق في المسافر ، فإذا كان السفر يحرجه ويتعبه ويشق عليه أن يصوم فيه فإنه يعدل إلى الفطر .
وقال بعضهم : بالوجوب كما ذكرنا ، وأما إذا كان يجد المشقة ولا تصل به إلى الحرج فهو مخير بين أن يفطر وبين ألا يفطر .
بقيت الحالة الثالثة : وهي أن يسافر وهو مرتاح لا يجد عناءً ولا مشقةً كما هو الحال في وسائل السفر الموجودة الآن فهل يجوز له أن يفطر ؟
الجواب : نعم يجوز له أن يفطر ؛ لأن الشرع علّق العلة بالغالب والقاعدة في الأصول في مثل هذه الرخص : " أنه لا يلتفت فيها إلى نادر الصور " ؛ لأن نادر الصور أن المسافر يرتاح والواقع أن المسافر له عناءان وعليه مشقتان : مشقة ظاهرة ، ومشقة باطنة .
أما المشقة الظاهرة : فهي التعب في التحمل والنـزول والغربة .
وأما المشقة الباطنة : فهي مشقة التعب النفسي في بعده عن أهله وتغربه عن وطنه وإقدامه على هذا المكان الموحش والأرض القفراء التي لا أنيس فيها ولا جليس ، فهذا يرهق النفس ويتعبها وإن كان في الظاهر مرتاحاً مستجماً ، فالشرع علق الرخصة بوجود السفر ، فنحن نقول : من شاء أن يصوم ومن شاء أن يفطر ، ولو كان في حالة من الراحة والاستجمام لأن الله-- جعل للمسافر أن يفطر بغض النظر عن كونه مرتاحاً أو غير مرتاح ، ولذلك لا نفرق بين المرتاح وغيره لأن التفريق بين المرتاح وغيره مبني على الاجتهاد والنظر والقول باعتبار الظاهر من النص أولى وأحرى ، ولذلك من الخطأ ما يقع فيه بعض الناس من الإنكار على المسافر المرتاح أنه يفطر وهذا خطأ ولا يقبل ؛ لأن الله-تعالى- أباح للمسافر أن يفطر ، ولم يفرق بين مسافر وآخر فنبقى برخصة الله-- التي رخص لعباده ، ولذلك لا يجوز لأحد أن ينكر على مسافر أن يفطر ولـو كان في أقصى الراحة وأقصى الاستجمام ؛ لأن الله-- أحل له ذلك فلا نلزمه بما لم يلزمه الله-- به نقول هو بالخيار إن شاء أفطر وإن شاء صام والأفضل له إذا كان في سفر مرتاحاً أن يصوم ؛ لأن النبي-- صام في السفر ولأن ذلك يبرئ ذمته وإبراء الذمة أولى من شغلها ، فكونه يبرئ ذمته بالعاجل أفضل ولأنه لا يضمن أن يبقى ، ولذلك كونه يخلي نفسه من المسؤولية والتبعة فهو أفضل له وأولى وأحرى ، فعلى هذا قالوا : الأفضل له أن يصوم ولا يفطر .
[ ولمسافر يقصر ] : وكذلك يباح الفطر للمسافر بشرط أن يكون سفره سفر قصر وسفر القصر ذكرناه في صلاة المسافر وهو أن يكون المكان الذي يقطعه في سفره مسيرة يوم وليلة على الإبل المعتادة ، وهذا يقرب من خمس وسبعين إلى ثمانين كيلو ، فمن قصد بلده ومدينة تبعد عن مدينته ما بين خمس وسبعين إلى ثمانين كيلو فإنه يباح له أن يفطر ، وأما إذا كانت المدينة تبعد عنه أقل من ذلك كسبعين كيلو أو ستين كيلو فإنه لا يفطر ، ولو كان الفرق يسيراً ككيلو أو نصف كيلو عن المسافة المعتبرة فإنه لا يفطر ، وقد استغرب بعض المتأخرين ذلك ، وقالوا : إنه كيف تحدد مسافة السفر فنقول - لشخص قصد مدينة تبعد أربعاً وسبعين كيلو - : لا يفطر ومن قصد مدينة تبعد خمساً وسبعين كيلو يفطر تقول : هذا تفريق من التشريع ، ولذلك لما سئل عبدالله بن عباس-- عن القصر في السفر من مكة إلى الجموم ومرّ الظهران قال- وأرضاه- : لا ، ولكن إلى جدة وعسفان والطائف . فأجاز-- القصر إلى جدة وكانت تبعد مسافة القصر ، والطائف لأنها تبعد مسافة القصر وعسفان لأن عسفان كان بينها وبين مكة مرحلة ، والمرحلة هي مسيرة اليوم والليلة الكاملة يسمونها مسيرة اليوم الكامل ، هذه مرحلة كاملة كانت بين عسفان ومكة ، فأجاز القصر في هذه المسافة ولم يجز دونها ، وكان ابن عمر كذلك كان يقصر إذا ذهب لمزرعته بوادي ريم ، وريم تبعد عن المدينة فوق السبعين كيلو ، وهي مسافة المرحلة الكاملة ، وعلى هذا فإننا نقول : إن الله-- أباح للمسافر أن يفطر ولكننا لا نجيز في كل سفر الفطر ما لم يكن هذا السفر معتبراً شرعاً ، والسفر المعتبر شرعاً هو ما بلغ مسيرة اليوم والليلة .
والدليل على اعتبار الشرع له : أن النبي-- قال : (( لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة )) فلو كان ما دون مسيرة اليوم والليلة يسمى سفراً لقال-عليه الصلاة والسلام- : لا يحل لامرأة أن تسافر يوماً لا يحل لامرأة أن تسافر نهاراً ، لا يحل لامرأة أن تسافر ليلة ، لايحل لامرأة أن تخرج من المدينة ولو كان كل خروج المدينة سفراً لقال : لا يحل لامرأة أن تخرج من المدينة ، فلما قال-عليه الصلاة والسلام- : (( أن تسافر )) وقيّد بقوله : (( مسيرة يوم وليلة )) أخذ منه جمهور العلماء أن السفر هو مسيرة اليوم والليلة ، فمن قصد من بلده موضعاً يبعد مسيرة اليوم ، والليلة من خمس وسبعين كيلو إلى ثمانين كيلو فإنه يقصر ويفطر ، ويشترط في هذا السفر ألا يكون سفر معصية ، فإن سفر المعصية لا يجوز للإنسان أن يفطر فيه لأنه ليس بسفر معتبرٍ شرعاً ، فإن بلغ به الحرج والمشقة والضيق حل له الفطر من باب آخر لا من باب السفر .
والأصل في ذلك : أن الشرع لم يأذن له بهذا السفر فصار كغير المسافر ؛ وإنما يحل له أن يقصر والفطر إذا كان سفره هذا سفراً شرعياً يعني يعتبره الشرع سفراً ، وأما ما لم يعتبره الشرع سفراً فإنه لا يفطر فيه كالسفر إلى حرام وقطيعة رحم وعقوق والدين ، فمثل هذه الأسفار لا يترخص صاحبها فيها ولا يجوز له أن يفطر ، ولا أن يقصر الصلاة كما قررناه في باب صلاة المسافر .
[ وإن نوى حاضر صيام يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر ] : هذا مذهب جماهير من أهل العلم-رحمة لله عليهم- أنه إذا أقام ثم طرأ عليه السفر في أثناء اليوم فإنه يجوز له أن يفطر ، فلا يشترط في المسافر أن يكون قد بيت النية للسفر ، فلو طرأ عليك السفر أثناء اليوم حل لك أن تفطر بمجرد خروجك من المدينة .
والأصل في ذلك : أن الله-تعالى- يقول : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } فوصف الإنسان بكونه على سفر ، وذهب بعض أصحاب النبي-- إلى جواز الفطر في داخل المدينة .
وكان بعض العلماء يقول : بجواز الفطر بالنية وهذا من أضعف المذاهب ؛ لأنه يخالف نص القرآن وهدي النبي -- فإن النص القرآن الثابت في كتاب الله-- أنه وصف الإنسان بكونه على سفر ، والذي على سفر لا يكون مسافراً إلا إذا أسفر والإنسان لا نقول : إنه على سفر إلا إذا خرج وأسفر ، والإسفار يتحقق بخروجك من آخر عمران المدينة ، فإذا خرجت من آخر عمران المدينة حل لك أن تفطر ، وأما إذا كنت داخل المدينة فإنه لم يتحقق كونك مسافراً ، ولذلك يقولون : إنه لا يعتبر مرخصاً له الفطر إلا إذا جاوز آخر العمران ، وقد بينا ضوابط مجاوزة آخر العمران في باب صلاة المسافر بكتاب الصلاة ، وبينا ضابط ذلك وما أثر عن بعض أصحاب النبي-- كأبي بصرة الغفاري-- من كونه أفطر وهو يرى البنيان ، قال العلماء في جوابه إن قوله : " إن ذلك من السُّنة " مراده أنه لا يشترط أن يغيب عن نظرك رؤية العمران ، فهناك مسألتان :
المسألة الأولى : خروجك من المدينة .
والمسألة الثانية : إذا خرجت من المدينة هل يشترط أن تغيّب العمران ؟ بمعنى أنك تبعد تبعد حتى إذا نظرت لا ترى أثراً للعمران أم أن العبرة بمجرد خروجك ؟
فظاهر ما جاء عن أبي بصرة أنه حينما كان على مركبه وسفينته على الدجى أنه كان يرى العمران ، فدل على أن رؤية العمران لا تسقط الرخصة ، وهذا صحيح ويقول به الجمهور ، أن العبرة بمجاوزتك للعمران وأن رؤيتك له ولو كنت على متر من العمران جاز لك أن تفطر ، فلا يشترط عدم الرؤية ، وفرق بين مسألة الرؤية وبين مسألة النية ومما يدل على أن الشرع في الرخص في السفر أنه أعطى رخصتين الرخصة الأولى قصر الصلاة ، والرخصة الثانية الفطر في الصوم ، وكلاهما من جنس العبادة ، ومع هذا في الصلاة فإنه بالإجماع لا يقصر الصلاة وهو في المدينة ولو كانت نيته السفر يدل على ذلك أن النبي-- صلى الظهر بالمدينة أربع ركعات مع أنه ناوٍ للسفر لحجة الوداع ، فصلى العصر بذي الحليفة ركعتين فمع ذلك كونه أصبح ذلك اليوم وهو ناوياً للسفر لم يقصر الصلاة ، ولذلك في الصوم لو أصبح وهو ناوٍ للسفر لا يباح له الفطر ما لم يخرج من المدينة ويجاوز عمرانها على الصفة التي ذكرنها في باب صلاة المسافر .
[ وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط ] : [ وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه ] : أي قضتا ذلك اليوم ، ولا يلزمهما إطعام .
الحامل والمرضع في فطرهما لا يخلو الفطر من ثلاثة أحوال :
الحالة الأولى : أن يكون الخوف على أنفسهما .
الحالة الثانية : أن يكون الخوف على الولد .
الحالة الثالثة : أن يكون الخوف على النفس مع الولد .
فإن كان خوفهما على أنفسهما أو على أنفسهما مع الولد فإنه يباح لهما الفطر والقضاء بدون إطعام ؛ لأن العذر متصل بهما ، وإن خافتا على الولد أفطرتا وقضتا وأطعمتا ، وهذا على ظاهر آية البقرة فإن قول ابن عباس-رضي الله عنهما- كان يرى أنها باقية في الحامل والمرضع في آية الطاقة { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } قـال : إن المرأة الحامل عليها أن تطعم المسكين ، وهذا في حالة ما إذا كانت مفطرة عن نفسها .
فخالف جمهور العلماء والجمهور على أنه إذا أفطرت المرأة الحامل والمرضع خوفاً على أنفسهما أن الواجب عليها القضاء دون الإطعام كالمسافر والمريض ، ولذلك العذر متصل بهما ، أما إذا خافتا على الولد وحده ولم يكن الخوف على النفس فإنه حينئذٍ يلزمهما الإطعام والقضاء عن ذلك اليوم ، قالوا : الإطعام لمكان انفصال العذر ، وأما بالنسبة للقضاء فلكون اليوم واجباً عليهما بالأصل .
[ وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً ] : المرضع في بعض الأحيان تكون صحتها طيبة وهي قادرة على الصوم ولكنها تخاف أنها إن صامت أن الولد لا يجد اللبن ويتضرر لصيامها ، فقالوا : حينئذٍ يكون فطرها لعلة منفصلة عنها وهو الولد ، وهكذا بالنسبة للحامل تُطيق الصوم في نفسها ولكنها تخشى أن الولد يتضرر ، ويقول الطبيب : في هذا الشهر إذا صمتي يتضرر الولد ، فلا تصومين ، فحينئذٍ يكون الخوف على الولد وليس على المرأة الحامل فيكون العذر في كلتا الصورتين منفصلاً لا متصلاً بالمرأة نفسها .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-08-11, 03:38 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

الدرس الثالث
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ ومن نوى الصوم ثم جنّ أو أغمي عليه جميع النهار ولم يفق جزءاً منه لم يصح صومه ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد :
فقد ذكر المصنف-رحمه الله- هذه المسألة وهي مسألة جنون الصائم وإغمائه وصورة ذلك أن ينوي الإنسان الصوم لفريضة كرمضان أو نذر أو كفارة ثم إذا أصبح يغمى عليه ويستمر إغماؤه النهار كله ، وهكذا لو أصابه جنون ولم يفق من جنونه إلا بعد مغيب الشمس فإنه يبطل صومه بهذا الإغماء وبهذا الجنون ؛ والسبب في ذلك كما ذكر العلماء-رحمهم الله- أنه تزول النية ويزول منه القصد ولا يستصحب وإن كانت هناك مسائل يقال فيها باستصحاب الحكم في المغمى عليه والمجنون كالإسلام والردة ونحو ذلك .
ولكن هذه المسألة لا يحكم فيها بالاستصحاب ، وحينئذٍ يسقط عنه هذا اليوم ، ولذلك لا يصح صومه ولا يعتد به لمكان فوات النية بزوال الإدراك والشعور .
[ لا إن نام جميع النهار ] : اختلف العلماء في الصائم إذا نام جميع النهار :
فمنهم من قال : إن النائم يصح صومه ، وبناءً على ذلك فلو نام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قالوا : صومه صحيح بخلاف المجنون والمغمى عليه ، وهذا التفريق مبني على الأصل ؛ وذلك أن الصحابة كانوا ينامون ولم يحكم النبي-- بانتقاض الصوم بالنوم ، والإجماع قائم على أن النوم المعتبر كالنوم بين الظهر والعصر والنوم ضحوة ونوم القيلولة أنه لا يبطل الصوم .
ولكن الخلاف إذا نام أكثر النهار أو نام كل النهار فصحح جمع من العلماء-رحمهم الله- التفريق بين الجنون والإغماء والنوم ، فقالوا : إن النوم لا يبطل ، بخلاف الجنون والإغماء .
وقال بعض العلماء : إذا نام أكثر النهار أو أغلب النهار أو كل النهار بطل صومه ؛ وذلك لأن المغتفر في النوم ما كان معتاداً ، وما خرج عن العادة فإنه يرجع إلى الأصل ، فيكون في حكم المجنون والمغمى عليه فيبطل صومه .
[ ويلزم المغمى عليه القضاء فقط ] : أما بالنسبة للمجنون فبالإجماع أنه لا يطالب بالقضاء ، لو أن إنساناً يصيبه الجنون متقطعاً ، فجن من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس فإن صومه لا يعتد به حتى ولو صام ، ولا يلزمه قضاء هذا اليوم .
وأما بالنسبة للمغمى عليه فللعلماء فيه قولان :
القول الأول : من أهل العلم من يقول : إن المغمى عليه يأخذ حكم المجنون ، وبناءً على ذلك لا يلزمه قضاء ، ولا يصح صومه .
والقول الثاني : قال بعض العلماء المغمى عليه في حكم النائم فصومه صحيح .
والذي يترجح - والعلم عند الله - أن المغمى عليه في حكم المجنون ، وبناءً على ذلك لا يطالب بالقضاء ، ولا يصح صومه وعلى هذا فما اشتهر في هذه الأيام مما يسمى بـ ( موت السرير أو موت الدماغ ) فيكون الإنسان قد زال شعوره وليس فيه إلا نبضات قلبه ويحكم الأطباء بموت دماغه ، وقد يستمر في جهاز الإنعاش شهوراً ، وقد يستمر سنوات ، فمثل هذا غير مكلف ، ولا يلزم بالقضاء ولا يلزم أهله بالقضاء أو الإطعام عنه وإنما يسقط عنه التكليف بمجرد موت دماغه ، وتقرير الأطباء لذلك .
[ ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب ] : شرع المصنف-رحمه الله- بهذه الجملة في بيان المسائل والأحكام المتعلقة بنية الصائم ؛ والسبب في ذلك أن الصوم عبادة والعبادة لا تصح إلا بنية ، وبيان أحكام العبادة التي لها نية يستلزم بيان حكم النية وحدودها وضوابطها فالصوم لايصح إلا بنية وينقسم الصوم إلى قسمين :
القسم الأول : صوم فريضة .
والقسم الثاني : صوم نافلة .
فكل القسمين لا يصح إلا بنية ، فلو أن إنساناً أضرب عن الطعام واستمر إضرابه يوماً كاملاً فإننا لا نقول : إنه صائم ولا يحكم بصومه لا نافلة ولا فريضة ؛ لأنه لم يقصد التقرب إلى الله-- بهذا الامتناع وهكذا لو امتنع عن الطعام والشراب ليخفف وزنه أو خوفاً من الطعام والشراب أن يضره في جسده ، فمثل هذا لو استمر يوماً كاملاً لا نحكم بكونه عبادة لأنه لم ينو التقرب لله-- .
أما بالنسبة للصوم الذي فرضه الله على المكلف فإنه لا يُجزئه ولا يصح منه إلا إذا بيت النية بالليل بالصوم .
والدليل على ذلك : قوله-- : { وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وقوله-- : { فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ } ، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة : أن الله أمر بإخلاص العبادة لوجهه ، والإخلاص يتوقف على النية فلا عبادة إلا بنية والصوم عبادة إذاً لا يصح إلا بنية .
وأما دليل السُّنة : فحديث أم المؤمنين حفصة-رضي الله عنها وأرضاها- أن النبي-- قال : (( من لم يُبَيِّتِ النية بالليل فلا صوم له )) وفي رواية (( من لم يجمع النية بالليل فلا صوم له )) وجه الدلالة من هذا الحديث : أن النبي -- حكم بعدم صحة الصوم إذا لم يبيت صاحبه النية بالليل ، وثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب-- أن النبي-- قال : (( إنما الأعمال بالنيات )) والصوم عمل .
ومن أدلة السُّنة - أيضاً - : ما ثبت في الصحيح من الحديث القدسي أن الله-تعالى- يقول : (( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي )) فقال : (( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي )) أي قاصداً التقرب لي فدل أنه لا صوم شرعاً إلا إذا قصد أن يترك الطعام والشراب لوجه الله-- ، ولذلك فضل العلماء الصوم حتى قال بعض فقهاء الشافعية وهو أحد الأوجه في مذهب الإمام الشافعي : أن الصوم أفضل من الصلاة ؛ والسبب في ذلك هذا الحديث قالوا : لأن الله-تعالى- يقول : (( إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به )) قالوا : وأفضل الأعمال وأحبها إلى الله الإخلاص الذي هو التوحيد ، فلما كان الصوم قائماً على الإخلاص وروحه ولبه للإخلاص قالوا : شرف وفضل على الصلاة من هذا الوجه ، والصحيح أن الصلاة أفضل من الصيام لأن النبي-- قال : (( استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة )) ولما ثبت في الصحيحين من قوله : " سألت النبي-- أي العمل أحب إلى الله ؟ " قال : (( الصلاة على وقتها )) فالمقصود أن الصوم لا يصح إلا بنية .
والصوم ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : الفريضة .
القسم الثاني : والنافلة .
أما الفريضة فلا تصح إلا بنية وجهاً واحداً ، وأما النافلة ففيها قولان للعلماء-رحمة الله عليهم- :
القول الأول : منهم من يقول : لابد من تبييت النية في النافلة فلو أردت أن تصوم الاثنين أو الخميس تقرباً إلى الله-- فلا بد وأن تنوي بليلة الاثنين وليلة الخميس أن تنوي أن تصوم من الغد .
القول الثاني : وقال به جمع من العلماء : يصح أن يصوم النافلة وينشئ نيتها وهو لم يجمع النية بالليل - وسيأتي إن شاء الله بيان هذه المسألة في صيام النافلة - وهو الصحيح لما ثبت عن النبي-- من حديث أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أنه قال : (( هل عندكم شيء )) قالت : لا ، قال : (( إني إذاً صائم )) وقال هذا في النهار فدل على أن صوم النافلة يجوز أن ينشئ الإنسان صومه ، وأنه لا يجب عليه أن يبيت النية بالليل فلو أصبحت يوم الاثنين وأنت لا تدري أنه الاثنين ، ثم قيل لك بعد صلاة الفجر وأنت لم تطعم شيئاً قيل لك : هذا يوم الاثنين ، فقلت : إني إذاً صائم أو أستمر بقية يومي صائماً صح صومك ، وهكذا لو أصبحت ولم تجد فطوراً ، وكنت قد أصبحت من بعد طلوع الفجر لم تأكل شيئاً ، فلما لم تجد طعاماً أو شيئاً تفطر به قلت إني إذاً صائم أو أستمر بقية يومي صائماً صح ذلك وأجزأك ؛ لأنه فعل النبي-- ، ويعتبر حديث أم المؤمنين عائشة مخصصاً لحديث أم المؤمنين حفصة ، فنقول : الأصل تبييت النية بالليل لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( من لم يبيت النية بالليل فلا صوم له )) لكن يستثنى صيام النافلة لحديث أم المؤمنين عائشة الصحيح فصيام النافلة يجوز لك أن تنشئه بعد طلوع الفجر ، ولا حرج عليك في ذلك .
[ ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب ] : في نية الصوم مسائل :
المسألة الأولى : عرفنا أنها واجبة ، ودليل وجوبها ما تقدم من دليل الكتاب والسُّنة .
المسألة الثانية : إن هناك فرقاً بين صوم الفريضة والنافلة ، فصوم الفريضة لابد فيه من تبييت هذه النية بالليل ، وصوم النافلة يجوز أن تنشئه ولو لم تبيت النية بالليل .
المسألة الثالثة : إذا قلنا : لابد وأن تبيت النية بالليل فمن المعلوم أن ليلة الصيام تبتدئ من مغيب الشمس ، والسؤال هل تبيت النية بمجرد مغيب الشمس أم العبرة بما بعد منتصف الليل ؟
بعض العلماء يقول : تبييت النية يكون من بعد منتصف الليل ؛ لأنك لا تدخل في الليلة القابلة إلا من بعد منتصف الليل ، ولذلك قالوا : صـح طواف الإفاضة بعد منتصف الليل في ليلة النحر ، ولا يصح قبل منتصف الليل ؛ لأن النبي-- إنما أذن للظعن بعد منتصف الليل ، وكذلك بالنسبة للمبيت قالوا : لابد وأن يكون قد بَيَّتَ النية من بعد منتصف الليل ، والعبرة بمنتصف الليل الثاني لا بمنتصفه الأول .
وقال جمعٌ من العلماء - وهو الوجه الثاني - : إنه يجوز أن تبيت النية بمجرد مغيب الشمس لليوم السابق وذلك على ظاهر قوله-عليه الصلاة والسلام- في حديث أم المؤمنين حفصة : (( من لم يبيت النية بالليل )) والشخص يوصف بكونه بات وبيّت من بعد مغيب الشمس ، ولذلك قالوا : لو نوى بعد مغيب الشمس أجزأته النية وهذا هو الصحيح أن العبرة بمغيب الشمس فمن نوى قبل منتصف الليل الثاني ، فإن نيته صحيحة معتبرة .
وفائدة هذا الخلاف : أنه لو نوى في النصف الأول ثم نام قبل النصف الثاني واستيقظ بعد أذان الفجر ، فعلى القول الأول الذي يشترط النصف الثاني : لا يصح وعلى القول الثاني يصح ، وعلى هذا فلا بد من تبييت النية سواءً وقعت في النصف الأول أو النصف الثاني .
قوله-رحمه الله- [ تعيين ] : إذا عرفنا أن النية لازمة فأنت تقصد في قرارة قلبك أن تصوم هذا اليوم قربة لله-- ، هذه نية ثم بعد النية شيء يسمى ( التعيين ) والتعيين : أن تحدد صومك فريضة أم نافلة فإن كان فريضة هل هو عن رمضان أو هو عن كفارة أو هو عن نذر ، فيكون تحديدك وتعيينك للنية ببيان نوعية هذا الفرض الذي تريد صيامه ، فإن كنت في رمضان نويت أن تصوم الغد من رمضان ، وإن كنت في كفارة نويته صياماً عن كفارة جماعٍ أو كفارة قتل أو كفارة ظهار أو غير ذلك ، فالمقصود أن المراد أن تعين هل نيتك لفريضة أو نافلة ، ثم إذا عينتها فريضة هل هذه الفريضة لرمضان أو لنذر أو لكفارة أو نحو ذلك من الصيام الواجب ، هذا معنى تعيين النية أي أنه يُعين ما هو المراد من هذا الصوم الواجب إن كان واجباً ، وإن كان نافلة هل هي نافلة معينة مقصودة كصوم الاثنين والخميس والأيام البيض من كل شهر وعاشوراء وعرفة أم أنه يريد نافلة مطلقة كأن يصوم تقرباً إلى الله-- بغض النظر عن قصد ذلك اليوم المتنفل به وهذا هو الذي يقصده المصنف بمسألة التعيين كما أنك إذا صليت أربع ركعات عن فريضة فلا بد وأن تحدد هل هي ظهرٌ أو عصرٌ أو عشاءٌ فقالوا : يجب عليه تعيين الصوم كما يجب عليه تعيين فريضة الصلاة .
[ لصوم كل يوم واجب لا نية الفريضة ] : [ لصوم كل يوم واجب ] : هـذا في رمضان ، وقال بعض العلماء : إذا دخل رمضان تنوي من أول رمضان صيام الثلاثين يوماً ويجزئك وهذا هو مذهب الحنفية-رحمة الله عليهم- وقالوا : إن الشهر كأن المحل لايسع لغير رمضان ، فعندهم أن صيام رمضان يجزيك أن تنوي من أول الشهر وتكون نية لجميع الشهر ؛ لأن رمضان لا يسع لصيام غيره فالنية لا تنصرف إلا إلى رمضان قالوا : فلا يحتاج أن يجدد النية كل ليلة وهذا هو مذهب الحنفية-رحمة الله عليهم- ، والصحيح مذهب الجمهور لعموم قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( من لم يبيت النية بالليل فلا صوم له )) فبين أنه لابد من تبييت النية في الصوم وهذا شامل للفريضة كما ذكرنا ، ولم يفصل النبي-- بين صيام رمضان ولا غيره .
قوله-رحمه الله- [ لا نية الفريضة ] : فإن الإنسان إذا نوى في الفريضة الفريضة تحتاج إلى تعيين من جهة النوع وهي بالنسبة للنافلة ، لكن نوى مطلق الفريضة لا يجزئه .
قوله : [ لانية الفريضة ] : يعني ينوي مطلق الفرض لايجزئه ؛ لأنه لو نوى مطلق الفرض احتمل أن يكون رمضاناً واحتمل أن يكون صيام كفارة واحتمل أن يكون صياماً عن كفارة قتل أو ظهار أو يمين أو نذر ، ولذلك قالوا : إنه لايجزئه أن يقول مثلاً في نفسه نويت أن أصوم هذا اليوم لأنه فرض ، ولا يُبين هل هو فرض عن رمضان أو فرض عن كفارة أو فرض من كفارة عتق أو ظهار أو نحو ذلك هذه النية يقولون : فإنه فيها نوع من الإبهام ، فلابد وأن يُعين ما هو مراده بالفرض .
[ ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده ] : النافلة ضد الفريضة ، والمراد بذلك الصوم غير الواجب ، ويشمل هذا النافلة المقصودة والمعينة والنافلة غير المقصودة ، وهي النافلة المُطلقة ؛ لأن الصوم ينقسم نفله إلى قسمين :
الأول : قسم مقصود مثل نافلة الاثنين ونافلة الخميس والأيام البيض من كل شهر وعاشوراء وعرفة ونحو ذلك من الأيام المقصودة لفضلها أو ندب النبي-- إلى صيامها .
والثاني : قسم غير مقصود وهي النافلة المطلقة كأن ينوي تقرباً إلى الله كأن تصبح في يوم شديد الحر فتذكرت قول النبي-- (( من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عن وجهه النار سبعين خريفاً )) فأردت أن تصوم هذا اليوم قربة لله-- فإذا فعلت ذلك فإنه يجزئك لأنها نافلة مطلقة فتنويها نافلة مطلقة ولا يلزمك التعيين .
في النوافل المطلقة والمقصودة يجوز إذا أصبحت بالنهار أن تنوي : فلو أن إنساناً لم يعلم أن اليوم هو عاشوراء أو لم يعلم أن اليوم هو يوم عرفة وعلم بعد طلوع الفجر ، فأمسك دون أن يكون قد أكل أو شرب ، فأمسك ونوى أن يتم صومه أجزأه ذلك لأن النافلة لا يشترط فيها تبييت النية بالليل كالفريضة .
[ ولو نوى إن كان غداً من رمضان فهو فرضي لم يجزئه ] : هذه مسألة من مسائل النية .
فالنية أول شيء : أنها واجبة .
ثانياً : يشترط فيها التعيين .
ثالثاً : يشترط فيها الوقت والزمان على حسب تفصيل العلماء ، فمن يشترط النصف الثاني ففي النصف الثاني ومن لا يشترط يقول : أن تكون بالليل - بغض النظر عن كونها في النصف الأول أو الثاني - فهذا يسمى شرط الزمان وهناك شرط وهو الجزم ، والجزم أن لا تكون نيته مترددة ، فيقول - في ليلة الثلاثين - : إن كان غداً من رمضان فإني قد نويت أن أصومه وإذا لم يكن رمضان فإنها نافلة فيقول في نفسه وقرارة قلبه سأصبح صائماً فإن كان هذا اليوم من رمضان فهذا فرضي وإن كان من غير رمضان فهو نافلة وقربة لله-- ، هذه نية مترددة والشك والتـردد في النية يبطلها ؛ لأن النبي-- قال : (( إنما الأعمال بالنيات )) والأصل في النية أن تكون بالجزم ؛ لأن الشخص إذا تردد في نيته لم ينو لأنه إذا تردد لم يثبت وعلى هذا ليس بناوٍ للفرض ، ولا بناوٍ للنافلة فلو أصبح واليوم من رمضان فإن نيته بالليل لم تتمحض برمضان ، ولو أصبح واليوم من غير رمضان فإنه يصح نافلة عند من يقول بجواز صوم يوم الشك وقد بينا أنه لا يجوز ذلك ، المقصود أن التردد في النية يبطلها .
وعلى هذا فلو سألك سائل : وقال : لما كانت ليلة الثلاثين بيتُّ النية بالليل لصيام الثلاثين وقلت في نفسي : إن كان من رمضان فهذا فرضي وإن كان من شعبان فهو نافلة وقربة لربي ، قال : فأصبحت فإذا باليوم من رمضان هل صومي صحيح ؟ تقول : يلزمك القضاء لأن النية شرط في صحة الصوم لدلالة الكتاب والسُّنة ، وثانياً : أن نيتك لم تقع على الوجه المعتبر شرعاً فكأنك لم تنو ؛ لأن التردد في النية يبطلها .
قوله-رحمه الله- [ ومن نوى الإفطار أفطر] : هذه مسألة خلافية :
قال بعض العلماء : إن نية الإفطار أثناء اليوم كالتردد في النية ، فمن نوى أن يفطر يصبح كأنه تردد في النية .
وبعضهم يقول : لم يصبح متردداً بل أبطل النية ورفعها ، قالوا بناءً على ذلك يبطل صومه ، وهو اختيار المصنف -رحمه الله- .
ومن أهل العلم من قال : إن نية الفطر مغتفرة ؛ لأن النبي-- قال : (( إن الله عفا لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل )) فهذا قد حدثته نفسه ولم يتكلم ولم يعمل .
وأُجيب بأن هذا الحديث المراد به بما يكون من جنس الأشياء التي تبطل بالأقوال والأفعال لكن الإبطال هنا متعلق بعمل القلب ، وإذا تعلق بعمل القلب خرج الحديث عن موضع النـزاع كما لا يخفى .
قال-رحمه الله- [ باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة ] : يقول-رحمه الله- : [ باب ما يفسد الصوم ] : أي يبطله ، فبعد أن بين لنا أن الله فرض علينا صيام رمضان وبين لنا المسائل المتعلقة بهذه الفرضية شرع-رحمه الله- في بيان ما يوجب فساد الصوم ويبطله ويوجب الكفارة ؛ لأن ما يبطل الصوم يأتي على صور :
فصورة يفسد الصوم ويلزم صاحبه بالقضاء ، وتارة يفسده الصوم ويلزم صاحبه بالقضاء مع الكفارة ، وبناءً على ذلك جمع بينهما ؛ لأن الكفارة مترتبة على وجود الإفساد للصوم كما هو الحال في المجامع كمن جامع أهله في نهار رمضان وهو صائم فإن إيجاب الكفارة عليه مرتب على كونه أفسد صيامه .
فقال-رحمه الله- [ باب ما يفسد الصوم ] : أي سواء كان نافلة أو فريضة .
[ ويوجب الكفارة ] : أي يوجب على صاحبه أن يُكَفَّر ، والكفارة مأخوذة من الكَفْر ، وكَفَر الشي إذا ستره وسمي الكافر كافراً لأن يستر نعمة الله-- عليه والكَفْر هو الستر ، ومنه قول الشاعر :
فِيْ لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَاَمُهَا ..........
أي ستر نجومها غمامها ، وسمي المزارع كافراً ؛ لأنه يكفر البذر حينما يبذره يستره ويُغيبه في الأرض .
والكفارة عقوبة شرعية اختلف العلماء-رحمة الله عليهم- فيها ، فبعض العلماء يقول : إن الله شرعها عقوبة للمُخل بالطاعة كما هو الحال في الصيام فيمن جامع أهله في نهار رمضان عاقبه الله-- بذلك .
ومنهم من قال : شرعها الله جبراً للنقص الموجود في العبادة .
ومنهم من جمع بين الأمرين فقال : الكفارات عقوبات وزواجر ومكملات ، فهي عقوبة لمن فعل ، وزجرٌ لغيره أن يفعل ، وتكميل للنقص الموجود في الإخلال في العبادة ، ولذلك قالوا : إن من جامع أهله في نهار رمضان جعل الله كفارته عتق الرقبة ، وهذا من أبلغ ما يكون قالوا ؛ لأنه إذا أعتق الرقبة اعتقه الله من النار وكأنه حينما تقحّم المجامعة لأهله متعمداً مخلاً بفريضة الله تقحّم نار الله-- فجعل الله الرقبة فكاكاً له من النار ، ولذلك ثبت في الحديث أن من أعتق يُعتق بمن أعتقه حتى العضو بالعضو ، يعتق كل عضو بعضوه .
ومن هنا قالوا : اشترط الله فيمن قتل المؤمن خطأً أن يعتق رقبة مؤمنة ، ولم يشترط الإيمان في كفارة الظهار قالوا لمكان العتق ، كذلك - أيضاً - قالوا : نزَّل الله-- عند فقد العتق نزل مكانه صيام شهرين متتابعين ، فكأن هذا اليوم يقوم بمقامه ستون يوماً متتابعة ، وهذا يدل على حرمة شهر رمضان ، وحرمة الإفطار في شهر رمضان قالوا : ومن هنا تكون الكفارة أشبه بالتكميل للنقص مع ما فيها من معنى الزجر ، فإن الناس ينـزجرون ، ولذلك جعلت هذه الكفارات جوابر وجعلت عقوبة وجعلت زواجر للمكلفين أن يقعوا في حدود الله ومحارمه بالإخلال بالفرائض والواجبات أو الانتهاك للحدود والمحرمات .
يقول-رحمه الله- [ باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة ] : كأنه يقول في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بما يخل بصوم الإنسان ويوجب بطلانه .
[ من أكل أو شرب ] : أي من أكل وهو صائم أو شرب بشرط أن يكون ذاكراً لصومه ، فلو كان ناسياً أنه صائم فالجمهور على أن صومه صحيح ؛ لأن النبي-- قال : (( من أكل أو شرب وهو ناسٍ فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه )) فهذا يدل على أن الناسي إذا أكل أو شرب في نهار رمضان أو غيره أن صيامه صحيح ؛ والسبب في ذلك أن النسيان يعتبر عذراً له بنص الشرع ، وهذه من المسائل التي يُسقط فيها النسيان الضمان .
قال-رحمه الله- [ من أكل ] : سواءً وقع الأكل كثيراً أو قليلاً ولو أخذ جزءً يسيراً من الطعام ، وجاوز به اللهاة وهي اللحمة المتدلية في أعلى الحلق ، وهذه اللهاة الفاصل بين أول الجوف وبين الفم ، فإذا تجاوز اللهاة فإنه يحكم بفطره .
قوله-رحمه الله- [ أو شرب ] : الشرب للمائعات والأكل للجامدات يستوي في ذلك القليل والكثير ولو قطرة ماء أحس أنها بلغت الحلق فإنه يفطر بإجماع العلماء-رحمة الله عليهم- ، وعلى هذا [ من أكل أو شرب ] هذا فيه إطلاق شامل لكل ما يصدق عليه أنه أكل أو شرب سواء كان قليلاً أو كان كثيراً يغذي أو لا يغذي يحصل به الارتفاق للبدن أو لا يحصل ، وفي حكم الأكل والشرب أن يدخله تداوياً كما لو بخ على حلقه ذرات من الماء لربو ونحو ذلك كالبخاخ المعروف للربو ، فإن هذه القطرات وإن قيل إنها هواء لكنها ماء ، وتعتبر في حكم الماء ، ورطوبتها واصلة إلى الحلق مندية له موجبة للفطر ، وهذا قول جمهور العلماء-رحمة الله عليهم- .
وقال بعض المتأخرين : إنها لا تفطر ؛ والسبب في ذلك قالوا : إن هذا هواء ؛ ولكن بسؤال أهل الخبرة يقولون فيه من المركبات ما هو غريب عن الهواء ، ولذلك : ولو كان هواءً لما كان دواءً ، لأنه لو كان هواءً مجرداً لكان الإنسان يتداوى بدونه لأن الهواء داخلٌ إليه داخل فدل على أنه هواء ودواء ولذلك قالوا : إن مادته لها جرم كالدخان ونحو ذلك ، بناءً عليه قالوا : لو أنه بخ فإنه يعتبر غير مفطر ، وبسؤال أهل الخبرة والرجوع إليهم فإنها مواد مركبة وتتحلل ويمتصها ما في الحلق ثم بعد ذلك يحصل بها رفق البدن والتداوي ، وعلى ذلك فكل ما جاوز اللهاة من ماء أو جامد أو دخان له جرم كالعود والشراب المحرم - كل ذلك يوجب الفطر .
ومن يفرق يقول هذا دواء أو هذا هواء يحتاج إلى دليل ؛ والسبب في ذلك أن الإجماع منعقد على أن من أخذ قطرة من دواء وقطرها في حلقه أنه يفطر ، فدل على أن كونه يغذي أو لا يغذي لا معنى له ، وأن العبرة بكونه يمسك ، فإذا جاوزت قطرة واحدة حلقه فقد أفطر .
دليلنا على ذلك السُّنة الصحيحة : في قوله-عليه الصلاة والسلام- في حديث لقيط ابن صبرة (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) فأنت إذا لاحظت هذا الحديث وتأملته فإن الذي يبالغ في الاستنشاق يحصل منه الغلط اليسير ببلوغ الذرة اليسيرة لحلقة ومع ذلك قال له : (( إلا أن تكون صائماً )) ، ومن هنا أخذ جماهير العلماء على أن قليل المفطر وكثير على حد سواء ، وكأن الشرع قصد أن هذا حد لحرمة ، لا يجاوزها مطعوم ولا مشروب بل ولا دخان له جرم ، فإذا جاوزها فقد خرج عن كونه ممسكاً صائماً على الوجه المعتبر شرعاً ، وعلى هذا حكم جماهير العلماء بفطره .
وبناءً على ذلك من أكل أو شرب فالحكم هنا يشمل كل ما يحصل به الأكل أو الشرب ولو كان شيئاً يسيراً كما قلنا قطرات الماء اليسيرة أو قطرات البخات التي لها ذرة فإنها توجب الفطر وتوجب الحكم بفطره .
[ أو استعط ] : السعوط يكون عن طريق الأنف ، فلو أنه استعط عن طريق أنفه سواءً بلغ إلى دماغه كما هو الحال في بعض الأمراض يتداوى بها كما هو موجود في القديم يضعون - مثلاً - السمن في أنف الإنسان علاجاً لخياشيمه في بعض الأحـوال يضعونها ، فهذا الجفاف الذي يعالج بهذه المادة لو أنه استنشقه إلى أن بلغ الدماغ قالوا : يعتبر منفذاً .
ودليلنا على ذلك : حديث لقيط بن صبرة ، وهذا مذهب جمهور العلماء-رحمة الله عليهم- من الأئمة الأربعة على أنه إذا استعط في حلقه ونزل إلى حلقه ووجد طعمه في الحق أنه يفطر ؛ لأن النبي-- قال : (( بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) وفي هذا الحديث نقطة تحتاج إلى تأمل ، وذلك أن العلماء المتقدمين-رحمة الله عليهم- ينظرون إلى علة الحكم أي السبب الذي يحكم بكون الإنسان مفطراً به ، وما لا يعد فطراً ، يعني ما هو الشي الذي جعل النبي-- يحكم بالفطر في بعض الأحوال ولا يحكم بالفطر في بعضها يقولون : حديث لقيط بن صبرة نحن بالخيار بين أمرين :
الأمر الأول : إما نقول الشرع يوجب فطر الإنسان إذا تناول الشيء عن طريق معين وهو الفم والمنفذ ، ولذلك هذا المذهب يقوم على اعتبار الجهة التي يدخل منها المفطر .
بعضهم يقول : لا ، العبرة عندي بما يدخل إلى البدن بغض النظر عن جهة دخوله سواءً دخل من أعلى البدن أو أسفل البدن ما دام أنه مادة مفطرة كالمغذيات والأدوية فإنه يعتبر مفطراً ، ومنهم من قال : أعتبر مجموع الأمرين ، وفقه هذه المسألة أنك إذا جئت تتأمل حديث لقيط ابن صبره الذي اعتمده جماهير السلف-رحمة الله عليهم- والخلف ، وتجد كتب الفقهاء-رحمة الله عليهم- والفتاوى مشحونة بالفتوى يفطر من أخلّ بصيامه بغير الفم والأنف قالوا ؛ لأن حديث لقيط بن صبرة حكم النبي-- فيه بالتأثير في الصوم بغير المدخل المعتاد ، فإن دخول الماء عن طريق الأنف مدخل غير معتاد ، فقالوا : لو جئنا نتأمل هذا الحديث إن جئت تقول : لابد وأن يكون الشيء الذي يأكله الإنسان ويشربه يقوي البدن ويرفقه نرد عليك بأن القطرات اليسيرة لا تقوي البدن ولا ترفق به ونرد عليك بأن الإجماع بأنه مجرد مجاوزة اللهاة لقطرة واحدة الإجماع حاصل على أنه يفطر ، إذاً كون المادة بذاتها مادة معينة غير وارد .
بقي مسألة أن تقول العبرة بالدخول بغض النظر عن كون الداخل دواءً أو طعاماً قليلاً أو كثيراً ، السبب في هذا تقول : إن النبي-- منع من دخول القطرة اليسيرة عن طريق الأنف ، فدل على أن الجوف ممنوع أن يصل إليه الشيء ، وعلى هذا تُفرع فتقول : يستوي عندي أن يصل للجوف من أعلى البدن أو من أسفله ، يعترض المعترض ويقول : لو حقنه بحقنه فإنها لا تصل إلى داخل الجوف إذا كانت في العضل . والمراد بها علاج موضعي لالتهاب أو نحو ذلك .
يرد عليك ويقول : القطرة إذا دخلت مع الأنف في الاستنشاق لا تصل إلى الجوف وإنما تمتص عن طريق الأمعاء قبل وصولها إلى الجوف ، فكأن الشرع قصد من الصوم الإمساك المطلق .
ومن هنا نجد الفرق بين مسلك المتقدمين والمتأخرين فنجد المتقدمين يشددون في وصول الشيء إلى البدن ؛ لأن حقيقة الصوم إمساك وهذا الإمساك استنبطوه من جهة المعنى ، فقد يخفى هذا المعنى على بعض العلماء فيقول : لا دليل على كون الكحل يفطر أو على كون القطرة تفطر ، نقول : الشرع نبه ولو كان كل أمر يحتاج إلى دليل لم تكن هناك حاجة للعلماء ؛ وإنما الفقه أن يفقه ويفهم (( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين )) فاجتهد العلماء من نص ولم يجتهدوا من رأي مجرد فالعلماء تأملوا حديث لقيط بن صبرة فظهر لهم أنه لا عبرة بالفم ؛ لأن الأنف ليس بمدخل لطعام ولا شراب ، ودائماً الشرع ينبه بالنظير على نظيره ، ولذلك الفطر بالفم مدخل معتاد والفطر بالأنف بالاستنشاق مدخل غير معتاد ، فكأنه لما استنشق ونزل إلى حلقه صار الوصول إلى البدن موجباً للفطر ، فقالوا : إذا قَطّر القطارة في عينه أفطر إن وجد طعمها في حلقه ، وإن وضع الكحل في عينه فوجد طعمه في حلقه أفطر لأنه قد وصل إلى جوفه ، فهذا هو فقه المسألة ، فليست المسألة كما يظن البعض أن هذا اجتهاد من العلماء ولا دليل عليه ولا نص ، طبعاً من لم يظهر له هذا المعنى لم تظهر له العلة عنده لا دليل حسب اجتهاده ورأيه ؛ لكن الأئمة والعلماء-رحمة الله عليهم- المتقدمين الذين قرروا ذلك وبسطوه وبينوه وشرحوه إنما ركبوه من هذا الحديث وهو حديث لقيط بن صبرة ، ولذلك تجد من يقول إن الإبرة لا تفطر إذا كانت في العضل ، قيل لهم : لو كانت مغذية قالوا : تفطر ، فتناقضوا لأنهم إذا قالوا : إن الإبرة تدخل من غير المدخل المعتاد نقضهم قولهم : إن الإبرة المغذية تفطر ، فإن قالوا (كونها مغذية) رددنا بأن الوصول إلى البدن لا يلتفت فيه إلى كونه مغذياً أو كونه غير مغذ ، ولذلك هذه المسألة من جهة النظر والإمعان في حديث لقيط بن صبرة تدل دلالة واضحة على رجحان مذهب جماهير السلف-رحمة الله عليهم- والأئمة المتقدمين الذين كانوا يفرعون هذه المسألة على حديث لقيط بن صبرة ومن رجع إلى الشروحات والمطولات يجد ذلك جلياً ، ولذلك تتعارض أنظار العلماء في تحديد الوصول إلى الجوف وتجدهم يختلفون كما - سيأتي إن شاء الله في ضوابط مفسدات الصوم - .
ومن هنا أقول لا ينبغي الاستعجال في الحكم على كون الأئمة المتقدمين-رحمة الله عليهم- يقولون بالمسألة بدون دليل ، كان السلف-رحمة الله عليهم- أورع وأخشى لله وأتقى لله-سبحانه- من أن يقولوا في دين الله ما لا علم لهم وينبغي أن يعلم كل طالب أن الأئمة المتقدمين-رحمة الله عليهم- أصون لدين الله وأحفظ لدين الله من أن يجرؤوا على تحليل حرام أو تحريم حلال بمحض الرأي أبداً هذا لا يمكن أن يكون لأئمة السلف-رحمة الله عليهم- ، ومنهم الأئمة الأربعة-رحمهم الله- وقد قرر ذلك شيخ الإسلام-رحمة الله عليه- في رفع الملام وفي مجموع الفتاوى وتكـلم كلاماً نفيساً في هذا أن الأئمة-رحمة الله عليهم- اجتهدوا واجتهاداتهم كانت مبنية على النصوص ، ولذلك الشرع مبني على الفقه والفهم ، قال-- : (( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين )) فهم فيهمون العلل ويقولون : كيف يقول النبي-- : (( بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) ؟! ما كان هذا عبثاً . لابد وأن هناك معنىً من كون الشرع ينبه على أن الوصول إلى الجوف يستوي فيه أن يكون من المدخل المعتاد والمدخل غير المعتاد ، وإذا قلت : إن الأنف مدخل غير معتاد تقول الوصول إلى الجوف عندي مفطر ، وفي الحقيقة إذا تأملت هذا القول وجدت قوته خاصة في هذه الأزمنة ، فلو جئت تقول : العبرة عندي بالأكل والشرب والعبرة عندي بأن يأكل ويشرب من فمه وما سوى ذلك فليس بفطر ، فبكل سهولة يمكن لأي شخص أن يتناول الإبر المغذية ويحكم بكونه صائماً ولا تستطيع أن تجد طمأنينة في قلبك لإنسان يأخذ الإبرة المغذية وتقول : إنه ليس بمفطر بل تجد فيه من القوة ما تجده في الشخص الذي يفطر بل قد تكون أبلغ في الوصول للبدن من الطعام والشراب ، ولذلك البر طمأنينة ، وتجد الإنسان لا يطمئن أن يفتي لإنسان يتناول الإبر المغذية ويقول : إنه ليس بمفطر ، فإن قلت : إن هذه الإبر المغذية وصلت إلى البدن من غير طريق المعتاد يلزمك في كل وصول إلى الجوف بطريق المعتاد أو غير معتاد أن تحكم بكونه مفطراً ، فإن قلت هذه مغذية رُد عليك بأن الشرع لا يفرق بين المغذي وغير المغذي بل قالوا حتى لو أن الغبار دخل وقصد مثل ما يحصل لبعضهم يتداوى ببعض الطين ، فلو أخذ طيناً أدخله في فمه أو أكلته المرأة الحامل تداوياً به فإنه يحكم بفطرها ، فهل الطين من جنس ما يؤكل أو يشرب؟!
الطين ليس من جنس ما يؤكل ولا من جنس ما يشرب ؛ ولكن فعلته تداوياً ونحكم بكونها مفطرة ، كذلك - أيضاً - دخان العود أو الدخان المحرم إذا شربه فإنه يعتبر له جرم وتتحلل مادته في اللعاب وتدخل إلى مناسم الإنسان ويغتذي به الإنسان كما أنه يغتذي بالدواء دواءً يغتذي بهذا السم قاتلاً وداءً فكما أنه إذا اغتذى بالبخار تداوياً أفطر ، كذلك إذا اغتذى بالدخان المحرم داءً فإنه يفطر .
فإذاً المسألة من جهة النظر رجوعاً إلى حديث لقيط بن صبرة إذا تُؤُمل ودقق فيه ظهر أن الشرع يُلغي المدخل المعتاد بدليل الأنف فإنـه ليس مدخلاً معتاداً للشراب وإذا ألغى المدخل المعتاد تقول : العبرة عندي بوصول الجوف ، وعلى هذا نجد العلماء-رحمة الله عليهم- يتكلمون على الإدخال للجوف من طريق أسفل البدن - كما سيأتي إن شاء الله - ومن طريق الأنف ومن طريق العين وهكذا بالنسبة لقطرات الأذن - كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه وتفصيله - .
[ أو احتقن ] : وهي الحقنة كأن تكون حقنة في الدبر ، فهذه قالوا : إنها توجب الفطر لأنها تصل إلى الجوف ويغتذى بها الإنسان ويـرتفق بها دواءً وعلاجاً فكما أنه يرتفق بالدواء من أعلاه يرتفق به من أسفله ، ولذلك قالوا : إنه إذا احتقن بالحقنة من أسفل بدنه فإنه يعتبر مفطراً .
[ أو اكتحل بما يصل إلى حلقه ] : [ اكتحل ] : أي وضع الكحل في عينيه أو إحدى العينين ووصل إلى الحلق هذا الشرط لكن لو اكتحل قبل غروب الشمس بنصف ساعة ولم يجد طعم الكحل إلا بعد غروبها بنصف ساعة أو بساعة أو بلحظة فإننا لا نحكم بفطره لأنه لم يصل هذا المفطر إلى المكان إلا بعد انتهاء وقت الصوم ، فصومه صحيح ، ولو اكتحل بالليل ووجد الطعم بالنهار لم يفطر ؛ وذلك لأن الدخول كان بالليل ولا عبرة بالوصول ولا تأثير له لأن الإمساك الذي خوطب به المكلف قد تحقق فإن الإمساك في أثناء النهار لأن حقيقة الصوم الإمساك ، ولذلك نجد الجماهير يقولون : بالفطر في هذه الأحول لأنها ليست بإمساك ، فالإنسان إذا أدخل الكحل يعتبر مفطراً إذا وجد طعم الكحل في يومه ، أما إذا وجده بعد اليوم أو وضعه في الليل ووجده في النهار فإنه لا يفطر .
[ أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله ] : أو أدخل إلى جوفه أي شيء كان سواء كان مما يغتذى به البدن أو لا يغتذى به البدن ، من أي موضع أي سواءً من أعلى البدن أو أوسط البدن أو أسفل البدن ، فكل ما وصل إلى الجوف فإنه يوجب الفطر .
والدليل في ذلك : ما ذكرناه من حديث لقيط بن صبرة فكأن حقيقة الصوم في الشرع إمساك ومن أدخل إلى جوفه شيئاً ليس بممسك سواءً كان الشيء يؤكل أو يشرب أو كان من غير ما يؤكل أو يشرب ، فكل ذلك يوجب فطر الإنسان ويحكم بفطره .
قوله-رحمه الله- [ غير إحليله ] : الإحليل هو مجرى البول من الذكر ، واختلف فيه ولما قال الإحليل فهو بالنسبة للرجل ، وأما بالنسبة للمرأة فالإيلاج في فرجها يوجب الفطر كالدبر بخلاف فرج قُبُل الرجل .
فاختلف العلماء في الإحليل :
فقال بعضهم : إنه لا يصل إلى الجوف وليس بنافذ إلى الجوف لمكان الرشح الذي يكون عن طريق الكلية قالوا : وهذا لا يوجب فطره ، ومن هنا استثنى المصنف-رحمه الله- الإدخال عن طريق الإحليل بالنسبة للرجل .
[ أو استقاء ] : [ استقاء ] : أي طلب القي بخلاف ما إذا ذرعه القيء وغلبه ، فهناك فرق بين كون الإنسان يستقيء يعني يستدعي القيء ويطلب القيء بإدخال إصبع أو نحو ذلك مما يقيء بسببه فهذا يعتبر استقاءً أما كونه يغلبه القيء لشيء غالب عليه من رؤية شيء أو سماع شيء أو شم شيء فيتقيأ ، فهذا لا يوجب فطره ؛ لأنه ليس بيده وليس بإرادته .
وأما إذا استقاء فإنه يعتبر مفطراً ، وبهذا القول قال عامة العلماء-رحمة الله عليهم- : أن من استقاء أنه يفطر ، وحكى بعض العلماء الإجماع عليه كما ذكر ذلك الإمام ابن المنذر-رحمة الله عليه- وفيه الحديث : (( من استقاء فقاء فقد أفطر )) .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-08-11, 03:40 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

الدرس الرابع
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ أو استقاء أو استمنى ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فلا زال المصنف-رحمه الله- يبين لنا ما يوجب فساد صوم الصائم .
فقال-رحمه الله- [ أو استقاء ] : تقدم أن طلب القيء يعتبر موجباً لفساد الصوم والأصل في ذلك ما ثبت في حديث أبي هريرة-- أن النبي-- قال : (( من استقاء فقاء فليقضي )) فقد دل هذا الحديث على أن الصوم يفسد بالقيء ، وهناك فرق بين من استقاء وبين من ذرعه القيء ، فالإنسان له حالتان :
الحالة الأولى : أن يستدعي القيء ، وذلك بإدخال أُصبع أو نحو ذلك من الأفعال التي تحركه ، فيقيء ما في بطنه ، فإذا استقاء بمعنى أنه تعاطى الأسباب التي يستدعي بها القيء فإنه حينئذٍ يعتبر مفطراً وعليه قضاء ذلك اليوم .
الحالة الثانية : بالنسبة لمن ذرعه القيء وغلبه سواء سمع ما يكره أو رأى ما يوجب اشمئزازه ونفرته فذرعه القيء فقاء فكل هؤلاء يعتبرون في حكم المعذورين ، ولذلك لا يجب عليهم القضاء ، وحكي الإجماع على هذه المسألة - أعني مسألة القيء - فقالوا بالتفريق بين من ذرعه القيء وغلبه وبين من تعاطى أسباب القيء ، فإذا تعاطى وجب عليه القضاء وإذا غلبه القيء فلا قضاء عليه .
قوله-رحمه الله- [ أو استمنى ] : الاستمناء استفعال من المني وهو أن يطلب خروج المني والمراد بذلك أن يحرك شهوته إما يبد أو بتحكك على أرض أو على جدار أو نحو ذلك كل ذلك يعتبر استمناءً ، وكانت العرب في الجاهلية تسميه جلد عميرة يكنون به عن استخراج المني ومنه قول الشاعر :
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لا أَنِيسَ بِهِ فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لاعَيْبٌ ولا حَرَجُ
فجاء الإسلام بتحريم هذه العادة المشينة القبيحة ، فقال-- : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ  إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ  فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } فبين-- أن من طلب شهوته وكان طلبه خارجاً عما أحل الله من الزوجة والسرّية فإنه يعتبر معتدياً لحدود الله-- ، وهذا القول قال به أئمة السلف ، وفسروا به الآية ، وقالوا : إنها تدل على تحريم الاستمناء ، وقد وردت أحاديث في تحريم هذه العادة حتى إن بعض العلماء جمع طرقها وقال : إنها يقوي بعضها بعضاً بحيث تدل على أن للحديث أصلاً في التحريم .
والشاهد من هذه المسألة أن من حرك شهوته بنفسه أو عن طريق زوجه ، استمنى بها بمفاخذة أو نحو ذلك فإنه يجب عليه قضاء ذلك اليوم إذا خرج منه المني .
والدليل على ذلك : أن النبي-- قال في الحديث القدسي عن الله-تعالى- في حق الصائم : (( يدع طعامه وشرابه وشهوته )) فلما قال : (( وشهوته )) أطلق فشمل الشهوة الكبرى سواءً كانت عن طريق الجماع أو كانت عن طريق الاستمناء ، فإذا أنزل المني فقد حصلت شهوته وهي شهوة كبرى ، وبناءً على ذلك يعتبر غير صائم لأن الصائم يدع هذه الشهوة ، ومن استمنى لم يدع هذه الشهوة ، وبناءً عليه فإن الاستمناء يعتبر من موجبات الفطر.
وشذّ الظاهرية-رحمة الله عليهم- فقال بعض فقهائهم : إن الاستمناء ليس بحرام ، ولا يوجب الفطر ، ولاشك أن النصوص التي قدمناها تدل على حرمته إضافة إلى ما ثبت في الصحيحين من قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم )) فلو كان الاستمناء جائزاً لقال : فعليه بالاستمناء ، فدلت هذه النصوص من الكتاب والسُّنة على تحريم الاستمناء ، ودل حديث النبي-- فيما يرويه عن ربه وهو ثابت في الصحيح على أن من استمنى أنـه يعتبر مفطراً ، وعلى هذا فإنه يستوي أن يستمني بنفسه أو يستمني بواسطة الغير ، فكل ما استدعى به خروج منيه يعتبر موجباً لفطره إذا خرج ذلك المني ، والعبرة بخروج المني ، ولم يخرج المني فلو استمنى أو حرك شهوته ولم يخرج المني فإن الشهوة لم تقع على الصورة الكاملة ، فلا ينتقض صومه ولا يلزمه القضاء ولكنه يعتبر ناقص الأجر بمثل هذا كما ذكر ذلك بعض العلماء-رحمة الله عليهم- .
[ أو باشر فأمنى أو أمذى ] : أو باشر امرأته فأمنى أو أمذى ، المباشرة مفاعلة من البشرة ، والمراد بها أن تلي بشرته بشرة المرأة ، فتتحرك شهوته فينـزل ، وهذا يكون فيه المضاجعة التي لا جماع فيها ، فإذا باشر امرأته فكأنه تعاطى السبب للفطر كما لو استقاء أو استمنى ، ولذلك إذا أنزل المني سواءً بمباشرة أو استمناء فإنه يعتبر مفطراً .
والدليل على كونه إذا باشر وأنزل أنه يعتبر مفطراً ما تقدم من حديث الشهوة حيث دلت هذه السُّنة الصحيحة على أن الصائم لا يقضي شهوته بإنزال المني ولا بالجماع ، فإذا باشر زوجته وأنزل منيه فإنه حينئذٍ يعتبر مفطراً ويلزمه القضاء .
لكن قوله-رحمه الله- [ أو أمذى ] : المذي هي القطرات القليلة اللزجة التي تخرج عند بداية الشهوة ، بخلاف المني الذي يخرج دفقاً عند الشهوة واللذة الكبرى ، فإذا حصل المني أفطر في قول جماهير العلماء كما ذكرنا ، أما لو حصل المذي كان يباشر زوجته فخرج منه المذي قطرة أو قطرات فإنه يعتبر مفطراً في قول الحنابلة ، والمالكية .
وذهب الحنفية ، والشافعية إلى أنه غير مفطر ، وهو الصحيح أن من باشر فأمذى أو نظر إلى شيء فأمذى أن المذي لا يوجب الفطر ؛ لأن المذي ليس كمال الشهوة وبذلك لا ينتقض صومه .
[ أو كرر النظر فأنزل ] : أو كرر النظر إلى ما يُشتهى فأنزل لماذا قال : [ كرر ] ؟
التكرار يحصل بالمرة الثانية ؛ وذلك لأنه في المرة الأولى عفو ومما يشق التحرز عنه ، فلو نظر إلى زوجته فأعجبته فبمجرد نظره إليها أنزل قالوا : إن هذا يعتبر ليس بيده ، وغالباً يكون مثل ذرعة القيء فاغتفروه ، وأما إذا كرر النظر فكأنه قصد الفطر ، فلو تابع النظرة بعد النظرة فإنه يحرك شهوته كما يحركها المباشر والمستمني ، فإن حصل إنزال على هذا الوجه فإنه يجب عليه القضاء .
[ أو حجم أو احتجم وظهر دم ] : أو حجم غيره أو احتجم لنفسه ، فهناك حاجم وهناك محجوم والحجامة تكون بمص الدم ، وهي من الجراحات القديمة وقد ثبتت السنة عن النبي-- بأنها من الأدوية فقال-عليه الصلاة والسلام- : (( إن يكن الشفاء ففي أربعة : ففي شرطة من محجم أو آية من كتاب أو شربة من عسل أو كية من نار ولا أحب أن أكتوي )) فالحجامة من أنواع العلاج ، ولا تزال إلى يومنا هذا وهي من أنواع الجراحة العامة تسمى من تخصصات الجراحة العامة في عصرنا الحاضر ، وقد أقرتها الشريعة وحمدت العلاج بها ، وهي تقوم على مص جزء من الجسم ، يختلف العلاج بها فتكون في الرأس ، وتكون في الظهر ، وتكون في أسافل البدن ، وتحجم المواضع على حسب الأمراض والأدواء فلكل داء ومرض مكان معين ، ولربما لو تحرك عنه أو عدل عنه جاء بداءٍ أعظم من المرض الذي يريد أن يعالج من أجله ، ففي الرأس مواضع لو حُجمت شفي الإنسان من ثقل النوم ومن أمراض الصداع ، وفيه مواضع لو حُجمت أصابه النسيان ولربما ذهبت ذاكرته ، ولذلك هي تعتبر من أنواع العلاج لكن بشرط ألا يحتجم الإنسان إلا عند إنسان يعرفها فهي خطيرة ، فكما أنها تأتي بالنفع قد تأتى بالضرر ، وهذه الحجامة تعتبر محل خلاف بين العلماء-رحمة الله عليهم- ، هل إذا احتجم الإنسان أو حجم غيره يعتبر مفطراً أو لا ؟
ففي ذلك سنن وآثار عن النبي-- مختلفة ، فقد جاء في حديث أحمد وأبي داود منها أن النبي-- قال : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) وهذا الحديث رواه بضعة عشر من أصحاب النبي-- أوصلهم الإمام الحافظ الزيلعي-رحمة الله عليه- إلى ثمانية عشر من أصحاب النبي-- كلهم روى عنه هذا الحديث إلا أن أكثر هذه الأحاديث ضعيفة ولا يقوى سنده ؛ ولكن هناك أحاديث حكم بتحسينها وجزم بعض العلماء والحفاظ بتصحيحها ، فقد صححها الإمام أحمد-رحمة الله عليه- والإمام البخاري حُكي عنه تصحيح حديث الحجامة في الفطر وغيرهما من الأئمة-رحمة الله على الجميع- ، والعمل على ثبوت قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) قالوا فقوله : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) يدل على أن من حجم أو احتجم أنه يعتبر مفطراً ، ووجه ذلك أن الحاجم وهو الشخص الذي يقوم بالحجامة ( طبيب الحجامة ) لا يأمن من ازدراد الدم ، لأن الحجامة تحتاج إلى مص الدم فيُشرَّط الموضع ثم يُمص الدم الفاسد ، فلا يأمن من أن يمص شيئاً من ذلك الدم ، وأما المحجوم فلأن الحجامة تضعف بدنه وتنهك قوته ، ولذلك قالوا : إنه يعتبر مفطراً ، ويستوي الحكم في الحاجم والمحجوم .
وذهب جمهور العلماء-رحمة الله عليهم- وهو قول طائفة من أصحاب النبي-- كأنس وغيره أن هذا الحديث حديث : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) منسوخ .
ومنهم من يقول : إن حديث : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) يُخرج على غير الفطر الحقيقي ، واختلفوا :
الوجه الأول : قالت طائفة : إن هذا الحديث ورد في سبب مخصوص ، وذلك أن النبي-- مرّ بالبقيع كما في بعض الروايات على حاجم ومحجوم وسمعها يغتابان الناس وهما صائمان فقال-عليه الصلاة والسلام- : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) أي أنهما بغيبتهما للناس قد أذهبا أجر صيامهما فكأنهما أفطرا ، والعرب تقول : أفطر وتقول : أصبح وتقول : أمسى وهو لم يمس ولم يفطر ولم يصبح حقيقة ؛ وإنما المراد أنه أشفى أو تعاطى شيئاً يفوّت المقصود كما في حـال الصائم هنا أنه لما تعاطى الغيبة كأنه ذهبت حسناته فكأنه لم يصم أصلاً ، ولذلك قال-- : (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه )) .
الوجه الثاني - وهو أقوى الوجوه - : أن قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) المراد به أنهما أوشكا على الفطر كما تقول أصبحت أصبحت أي ويحك كدت أن تصبح كما في حديث ابن أم مكتوم (( وكان لا يؤذن إلا إذا قيل له : أصبحت أصبحت )) وهذا موجود في لغة العرب إلى يومنا هذا ، فإنك تقول للرجل : هلكت ! هلكت ! وأنت لا تقصد أنه هلك حقيقة ، كأن يكون قريباً من نار أو قريباً من بلده فتقول لـه : احترقت ! احترقت ! وهو لم يحترق حقيقة ؛ وإنما المراد أنه في موضع يعرضه للاحتراق ، قالوا : فقوله : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) أي أن الحاجم لا يأمن من ازدراد الدم ، والمحجوم لا يأمن من الضعف الذي يفضي به إلى الفطر ، وهذا يسميه تأويل الحديث بما يدل عليه الحال ، فإن الحال يدل دلالةً واضحةً على أنه سينهك بدن المحجوم ، ولا يأمن الحاجم من ازدراد الدم ، ولذلك لا تستطيع أن تقول : إن الحاجم أفطر حقيقة ؛ لأن المفطر حقيقة يأكل أو يشرب أو يتعاطى شهوة توجب فطره ، فلما كان الحاجم والمحجوم لا يأكلان ولا يشربان وإنما فيهما معنىً يفضي بهما إلى الضعف الذي ينتهي إلى الفطر قَوِيَ حمل الحديث على هذا الوجه .
وهناك وجه ثالث وهو من أقوى الأوجه ويختاره جمع من الأئمة-رحمة الله عليهم- كما أشار إليه الإمام ابن حزم الظاهري وغيره وهو أن حديث : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) كان في أول الإسلام ثم نسخ ، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أنس بن مالك- وأرضاه- ، ولذلك قال " إنما كان رخصة " وكذلك مثل حديث أبي سعيد الخدري قال " ثم رُخص في الحجامة " قالوا فقوله " ثم رخص في الحجامة " يدل على أن الأمر كان في الأول عزيمة ثم خفف فيه ، وهذا هو القول الأقوى والأوجه في هذه المسألة ، إضافة إلى أنه ثبت في الصحيح في حديث ابن عباس " أن النبي-- احتجم وهو صائم " وابن عباس من صغار الصحابة ، ولذلك قالوا : إنه يقوى أن يكون حديث الناسخ متأخراً عن المنسوخ وهو حديث الرخصة الذي ذكرناه عن أنس بن مالك ، وأبي سعيد الخدري-رضي الله عنهما- ، وعلى هذا الوجه فإن الحجامة كانت في أول الأمر موجبة لفطر الحاجم والمحجوم ثم نسخ ذلك وأصبحت رخصة كما قال أنس : " ثم رخص بَعْدُ في الحجامة " وعليه فإنه إذا احتجم الإنسان أو حجم غيره فإنه لا يعتبر مفطراً .
لكن على القول بأن الحجامة تفطر قالوا : لا تكون مفطرة إلا إذا مص الدم - أعني الحاجم - ، فلو أنه فصده بمعنى قطع منه العرق وجرى الدم ، لأن الحجامة تكون للأوعية ، والفصد يكون في العروق .
والفرق بين الحجامة والفصد : أن الحجامة تكون لأوعية الدم فتمتص ما هناك من الدم الفاسد .
وأما بالنسبة للفصد فإنه يكون للعروق ، فالفصد لايعتبر موجباً لفطر الفاصد ؛ لأنه لايمص .
ولكن هل يكون الفصد مؤثراً في صيام المفصود ؟
قال بعض العلماء : الفصد يلتحق بالحجامة من جهة أنه ينهك بدن المفصود بل قد يكون الفصد أقوى وأبلغ في التأثير على الجسم من الحجامة لأنه يتصل بالعروق ، وجريان الدم في العروق أشد من جريانه في الأوعية وتضرر الإنسان بالفصد أعظم من تضرره بالحجامة ، على القول بأن الفصد يوجب الفطر فإن من تبرع بدمه يدخل في هذا ؛ لأن الفصد إخراج للدم من العرق ، والتبرع بالدم إخراج للدم من العروق ، وعلى هذا فإنهم يقولون : إذا خرج منه الدم على هذا الوجه فإنه يعتبر مفطراً ، لكن لو خرج الدم بغير اختياره كرعاف ونزيف من جرح ونحو ذلك قالوا لا يعتبر مفطراً لأنه هناك أدخل الضرر على نفسه ، بخلاف ما إذا غلبه الرعاف أو طعن أو جرح فإنه لا يعتبر مفطراً .
[ وظهر دم عامداً ذاكراً لصومه فسد] : يشترط في الحجامة - كما قلنا - أن يظهر الدم ، ومفهوم قوله : [ وظهر دم ] أنه إذا كان الحال لم يظهر الدم فإنه لا يعتبر مفطراً ، ومثال ذلك لو أنه شرطه ثم أذن المغرب فخرج الدم بعد أذان المغرب فإنه لا يعتبر مفطراً ؛ لأن خروج الدم الذي ينبني عليه الحكم بالفطر ؛ إنما وقع بعد الأذان ، وعليه فإنه لا يعتبر مفطراً من هذا الوجه ، وأما لو شرطه وخرج الدم قبل الأذان ولو بلحظة فإنه يعتبر مفطراً على هذا القول .
قوله-رحمه الله- [ عامداً ] : أي متعمداً للحجامة ، فلو أكره عليها لم يؤثر .
قوله-رحمه الله- [ ذاكراً لصومه فسد ] : فلو كان ناسياً لم يؤثر ، وقد قلنا إن الصحيح في هذا كله أن الحجامة لا توجب الفطر .
قوله-رحمه الله- [ لا ناسياً ] : لأن النبي-- قال : (( من أكل أو شرب في نهار رمضان وهو ناسٍ فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه )) فإذا كان الأكل والشرب مع النسيان لا يوجب الفطر فكذلك الحجامة مع النسيان لا توجب الفطر .
قوله-رحمه الله- [ أو مكرهاً ] : المكره ضد المختار وهو الذي يأتي الشيء بغير اختياره ، والإكراه له شروط ، فـإذا تحققت شروط الإكراه المعتبرة شرعاً فإنه يسقط عنه التكليف في قول جماعة من أهل العلم-رحمة الله عليهم- ، وأصول الشريعة دالة على ذلك ، فقد قال الله-تعالى- : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } فأسقط الله المؤاخذة بالردة وهي كلمة الكفر إذا كان الإنسان مكرهاً عليها فمن باب أولى فروع الشريعة ، فإذا كان الإكراه لا يوجب الكفر فمن باب أولى أن لا يوجب الفطر ولا غيره من الإخلالات .
[ أو طار إلى حلقه ذباب ] : كأن يتكلم الإنسان فلا يشعر إلا والذباب قد دخل في حلقه فقد غلبه فهذا لايؤثر.
[ أو غبار ] : فالغبار إذا قصده فإن له جرم ومادة ويوجب هذا الفطر ، وقد قررنا هذه المسألة أن النبي-- جعل قطرات الاستنشاق يحظر على الإنسان أن يتعاطى أسبابها في الأنف ؛ والسبب في ذلك أن لها جرماً ، ويستوي في ذلك القليل والكثير ، ولذلك لو أخذ قليلاً من الطين وطعمه وجاوز اللهاة فإنه يفطر بلا إشكال فكذلك لو قصد الغبار فلحسه أو لعقه أو فتح فمه له قاصداً دخوله فإنه يعتبر مفطراً .
[ أو فكر فأنزل ] : أو فكر فأنزل وهذا مما يشق التحرز إذا طار الغبار أو طار الذباب أو فكر فأنزل فإنه مما يشق التحرز والتوقي عنه ، والأصل في الشريعة : أنه لا حرج فيها ، فإننا لو قلنا أن الإنسان إذا فكر يجب عليه القضاء إذا أنزل فإن هذا مما يشق التحرز عنه كحديث العهد بالعرس أو حديث العهد بالجماع قبل الفجر ، فمثل هذا إذا دهم عليه التفكير فإنه يعتبر مما يشق التحرز عنه كمسألة الغبار .
المصنف يقصد من هذا كما ذكرناه غير مرة أن الفقهاء لما يأتون بهذه الصور مرادهم أن تأخذ القاعدة والأصل ، وهو أن الفطر يكون بالاختيار ، ولذلك أنظر في قوله : [ لا ناسياً أو مكرهاً ] ثم بعد ذلك قال : [ أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار ] تأمل قوله : [ مكرهاً ] ثم أتبع بعدها طيران الغبار والذباب فتفهم من هذا دقة المصنف أن مراده أن يجعلك في دائرة معينة ، وهي أن يفرق في الفطر بين ما يغلب الإنسان وبين ما لا يغلبه ، فإذا سألك السائل عن شيء غلبه وشيء يشق التحرز عنه فإنه يعتبر في حكم المعذور ، وأما إذا كان شيئاً يمكن توقيه وتحفظه منه فإنه يعتبر مفطراً .
[ أو احتلم ] : فإن الاحتلام مما يشق التحرز عنه ، والاحتلام أن يرى الإنسان وهو نائم ما يحرك شهـوته فينـزل ، فإذا احتلم على هذا الوجه فإنه لا يفسد صومه لأن النبي-- قال : (( رفع القلم عن ثلاثه ... وذكر منهم (( النائم حتى يستيقظ )) .
وقد أجمع العلماء على أن من نام واحتلم أنه لا يجب عليه الفطر ، وبناءً على ذلك إذا تقرر هذا كأن الإجماع يدلنا على أن الشريعة تفرق بين ما يغلب الإنسان وبين ما لا يغلبه ، فهذا الشيء الذي هو الاحتلام أو طيران الغبار كأن تمشي في صحراء أو نحوها ولايمكنك التوقي منه فهذا كله مما يعفى عنه .
[ أو أصبح في فيه طعام فلفظه ] : وهذا يحصل بعد السحور فيؤذن أذان الفجر ولا يزال بقايا الطعام في فمك وخاصة فيما يكون بين الأسنان ، فإذا لفظه فإنه لا يؤثر في صومه لكنه لو بلعه وازدرده فإنه يعتبر مفطراً .
[ أو اغتسل ] : أو اغتسل بالماء فإن الاغتسال بالماء لا يوجب الفطر ، ولذلك اغتسل النبي-- وهو صائم ، وكان عمر بن الخطاب-- مع ابن عباس-- يجلسان في البرك بين مكة والمدينة يتنافسان أيهما أطول نفساً وهما ينغمسان في الماء ؛ والسبب في ذلك أنه ليس بمشرب ولا بأكل حقيقة ، ولا في حكم الأكل والشرب ، وعلى هذا فإن الانغماس في الماء والسباحة لا توجب الفطر ، وهكذا لو اغتسل فرش الماء وصبه عليه فإن هذا كله مما لا يوجب الفطر ؛ والسبب في هذا أنه يصب الماء على ظاهر الجسد ، وقد دلت الشريعة على أن صب الماء على ظاهر الجسد لا يوجب الفطر ، ولذلك من تمضمض وهو صائم بالإجماع لا يفطر ؛ لأن الفم من ظاهر فكذلك إذا صب الماء على ظاهره .
قوله-رحمه الله- [ أو تمضمض أو استنثر أو زاد على الثلاث أو بالغ فدخل الماء في حلقة لم يفسد ] : لو أنه تمضمض أو استنشق فله حالتان :
الحالة الأولى : أن يتمضمض ويستنشق بدون تكلف فهذا لايفطر عند العلماء-رحمة الله عليهم- في قول الجماهير.
الحالة الثانية : أن يكون تمضمضه واستنشاقه بطريقة فيها تكلف ومبالغة فللعلماء وجهان :
منهم من يقول : إذا بالغ أفطر وهذا يفهم من السُّنة ، ولذلك قال رسول الله-- في حديث لقيط بن صبره (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) قالوا : ففي هذه الحالة يعتبر مفطراً ، وهـذا القول هو أحوط القولين ، وهو خلاف ما اختاره المصنف-رحمة الله عليه- ، وعليه فإنه إذا بالغ في المضمضة فغرغر بالماء ، فأحس بالماء في حلقه فإنه يعتبر مفطراً ، وهكذا لو بالغ في الاستنشاق فوجد طعم ذرات الماء في حلقه فإنه يعتبر مفطراً على أصح قولي العلماء ؛ لأنه تعاطى السبب للإخلال ، وقد نهى النبي-- عن هذا السبب ، فدل على أنه إذا ارتكب المحظور وخالف النهي أنه يعتبر مفطراً .
قوله-رحمه الله- [ أو زاد على الثلاث ] : قالوا لأن الزيادة على الثلاث تعتبر غير مشروعة ، فكأنه إذا زاد عن الثلاث فكأنه زاد وبالغ فكما أنه لا يشرع له المبالغة في الاستنشاق والمضمضة حال الصيام ، كذلك - أيضاً - إذا بالغ فزاد على الثلاث فإنها محظورة شرعاً كالمبالغة في الاستنشاق المأذون به شرعاً ، فيفطر هنا كما يفطر هناك سواءً بسواء لتعاطي السبب .
[ ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر صح صومه ] : استيقظ رجل من الليل فشك هل طلع الفجر فيمسك أو لا زال الليل فيأكل ؟
فبالإجماع على أنه يعتبر نفسه بالليل ويأكل ويشرب ، وحينئذٍ لا يخلو من أحوال :
الحالة الأولى : أن يتبين له الليل أو النهار .
الحالة الثانية : أن لا يتبين له شيء ، فإذا لم يتبين له شيء مثل أن يقوم في جوف الليل ولا يدري هل طلع الفجر أو لم يطلع ، فيشرب أو يأكل ثم يرجع فينام ويستيقظ بعد صلاة الفجر أو الناس في صلاة الفجر ، فلا يدري حينما قام فأكل أو شرب هل وقع أكله وشربه بعد تبين الفجر فيعتبر مفطراً أو وقع قبل الفجر فهو صائم ؟
بالإجماع يعتبر نفسه أنه في الليل ويحل له الأكل والشرب ، وإذا لم يتبين له شيء فصومه صحيح .
والدليل على ذلك : أن الأصل بقاء الليل حتى يتحقق من أن النهار قد طلع ، والله أمرنا أن نبقى على اليقين ، والشك لا عبرة به ، وأصول الشريعة دالة عليه ونصوص الكتاب والسُّنة تقتضي ذلك أن العبرة باليقين وأن الشك لايلتفت إليه ، ومن قواعد الشريعة : " اليقين لا يزال بالشك " ، وتفرع عليها قولهم : " الأصل بقاء ما كان على ما كان " ، فالأصل بقاء الليل ونحكم بكونه يحل له الأكل والشرب والجماع حتى يتحقق أنه قد أصبح فينتقل من يقين الحل إلى يقين التحريم ، فإن لم يتبين له شيء ونام ثم أصبح فإننا نقول : الأصل فيه والغالب فيه أنه في الليل حتى يتحقق أنه قد أخل فيطالب بالقضاء ، والأصل براءة ذمته .
الحالة الثانية : أن يتبين له الأمر ، فإن تبين له الأمر لا يخلو من صور :
الصورة الأولى : أن يأكل ويشرب ثم يتبين له أن الفجر لم يطلع ، مثال ذلك استيقظت فأكلت أو شربت على أن الليل باقٍ ثم نظرت في الساعة أو سمعت الأذان الأول فقد تبين لك أن الفجر لم يطلع فحينئذٍ بالإجماع لا يؤثر لأنه أكل وشرب في وقت مأذون به شرعاً .
الصورة الثانية : أن يتبين له أن النهار قد طلع فاختلف العلماء :
قال بعضهم صومه صحيح .
وقال الجمهور : عليه القضاء لأنه تعاطى سبباً يُلزم فيه تقصير ، فألزم بعاقبة التقصير ، وتوضيح ذلك أنه لو تحرى لتبين له أن الفجر قد طلع ، فلما قصر فإنه يُلزم بعاقبة تقصيره ويلزمه القضاء لأن الله-تعالى- أوجب عليه أن يمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وهذا لم يمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس حقيقة ، فيُلزم بالقضاء ، وهذا هو أصح أقوال العلماء-رحمة الله عليهم- ؛ لأنه قصر ويلزم بعاقبه تقصيره ويلزمه القضاء .
[ لا إن أكل شاكاً في غروب الشمس ] : لو أن إنساناً غابت الشمس في الغيم خاصةً في النهار الذي يكون فيه غيم وفي الأزمنة التي لم يكن فيها ساعات أو يكون الإنسان ليست عنده ساعة فحينئذٍ يشك هل غابت الشمس أو لم تغب ؟ فالأصل واليقين أنه في النهار فنقول له : يحرم عليك الأكل والشرب حتى تتحقق أو يغلب على ظنك أن الليل قد أقبل وأن الشمس قد غابت .
بناءً على ذلك إذا أمكن أن يرجع إلى ساعة ونحوها فلا يجوز له أن يفطر حتى يتحقق عن طريق الساعة .
وأما إذا لم توجد ساعة فإنه يُقدر الزمان ، وتقدير الزمان أن يحسب فيجلس إلى فترة يغلب على ظنه أن الشمس قد غابت .
والدليل على ذلك : حديث الدجال (( أنه يمكث أربعين يوماً يوم ، منها كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامنا )) ، قالوا : - يا رسول الله - هذا اليوم الذي هو كسنة أتُجزينا فيه صلاة يوم قال : (( لا ولكن اقدروا قدره )) قال العلماء : فيه دليل على أن الصائم يرجع إلى التقدير إذا تعذر عليه الضبط بالحقيقة ، فتقدر زماناً يغلب على ظنك أن الشمس قد غابت فيه ، فإذا قدرت هذا الزمان تفطر بعده ، فإن أفطرت فلا تخلو من حالتين :
الحالة الأولى : أن يتبين لك الأمر أو لا يتبين مثل ما تقدم معنا في السحور ، فإن لم يتبين لك شيء وغلب على ظنك أن الشمس قد غابت فصومك صحيح ، لأن الله تعبدنا بغلبة الظن ، ولم يظهر ما يدل على بطلان الصوم وفساده .
الحالة الثانية : أن يتبين لك الأمر ، فيتبين أن تقديرك صحيح فمثلاً لو أنك أكلت هذه اللحظة ثم دخل عليك رجل فسألته : كم الساعة ؟ قال : الساعة السادسة ، وغروب الشمس يكون السادسة إلا ربعاً ، فما بين أكلك وإخباره لك وقت يدل على أن أكلك وشربك قد وقع بعد الغروب قطعاً ، فحينئذٍ تبين لك صحة اجتهادك ، فصومك صحيح .
الحالة الثانية : أن يتبين لك أن الشمس لم تغب وأن النهار لا زال باقياً وأن أكلك وشربك وقع في حال النهار فللعلماء قولان مشهوران :
قال بعضهم : إنه يلزمه القضاء لأنه قصر فيُلزم بعاقبة تقصيره كمسألتنا في السحور ، وكذلك فيه حديث البخاري وسئل هشام بن عروة-رحمة الله عليه- أَقضوا ذلك اليوم ؟ قال : ليس في القضاء شك ، أو ما من القضاء بُد ، قالوا : فهذا يدل على أن يُلزم بالقضاء ، وهذا أقوى ، ولذلك قال عمر : الخطب يسير ، أي قضاء يوم مكانه وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس لما فيه من الورع ولما فيه من إعمال الأصل من مطالبة الصائم بالضمان لتقصيره لأنه قصر نوع تقصير ؛ إذ لو تحرى كمال التحري لتبين له أن النهار ما زال باقياً ، والقاعدة : " لا عبرة بالظن البين خطؤه " .
وتوضيح ذلك : أن الصوم حقٌ لله وحق الله دين على المخلوق ودلت السنة الصحيحة على هذا الأصل فيحفظ هذا أن الصوم حق لله ، ولذلك قال النبي-- في الحج : (( أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنتِ قاضيته ؟ )) ، قالت : نعم قـال : (( فدين الله أحق أن يقضى )) فجعل الحج الذي هو ركن الإسلام ديناً ، والصوم ركن الإسلام ، ودين على المخلوق ، وعلى هذا إذا كان الصوم دين وحق لله-- فإنك لو كنت في دين المخلوق وظننت أنك قضيته حقه ثم تبين أنك لم توفه وأن هناك نقص ألزمت بكمال النقص فحق الله أولى ، ولذلك قال-- : (( فدين الله أحق أن يقضى )) فإذاً قد دلت أصول الشريعة على أنه يطالب بالقضاء لأنه لم يصم اليوم على وجهه ولأنه قصر ، إذ لو تحرى كمال التحري لتبين له أن النهار ما زال باقياً ولأنه حق لله-- لا يسقط بالظن الخاطئ فيلزمه القضاء .
لو قال قائل : ما فائدة الخطأ ؟
تقول خطؤه يسقط الإثم عليه وكونه لا إثم عليه لا يسقط الضمان كما لو قتل إنساناً خطأً نقول : قَتْلُه بالخطأ يسقط الإثم عليه ؛ لكن الضمان لهذه النفس يجب عليه ضمانها ، ومن هنا نرى أن أصول الشريعة تجعل المخطئ يُلزم بالضمان ، ولذلك حتى في قتل الخطأ تلزمه الشريعة بعتق الرقبة فإذا لم يجد صام شهرين متتابعين لمكان الإخلال ، لأنه ما من مخطئ إلا وقد قصر نوع تقصير ، وعلى هذا قوي أن يقال : إنه يطالب بقضاء ذلك اليوم ، ولما فيه من براءة الذمة والقيام بحق الله-- على أتم وجوهه .
[ أو معتقداً أنه ليلٌ فبان نهاراً ] : مثل ما ذكرنا في مسألتنا أكل أو شرب ظاناً أن الشمس قد غابت ثم تبين له أن الشمس أنها لم تغب فإنه يلزم بقضاء ذلك اليوم خلافاً لما اختاره-رحمة الله عليه- بأنه لا قضاء عليه .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-08-11, 03:42 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

الدرس الخامس
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ فصل : ومن جامع في نهار رمضان في قُبُل أو دبر فعليه القضاء والكفارة ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن الله حرم على الصائم أن يجامع زوجته ، ولذلك يعتبر الجماع موجباً لفساد الصوم ، وقد ذكرنا أدلة الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة على تحريم ذلك على الصائم .
وبقي السؤال : لو وقع هذا الإخلال من الصائم فما حكمه ؟
فقال-رحمه الله- [ ومن جامع في نهار رمضان في قبل أو دبر ] : هذا الفصل خصه المصنف-رحمة الله عليه- بالإخلال بالشهوة ، وابتدأ بالشهوة الكبرى لورود النص بالعقوبة فيها ، ثم تدرج بعد ذلك إلى المسائل المتفرعة على الجماع في نهار رمضان .
أما بالنسبة لقوله [ ومن جامع ] : فلا يتحقق الجماع إلا بإيلاج القبل ، والعبرة بالحشفة ، وهي رأس الذكر ، وقد فرع العلماء-رحمهم الله- على إيلاجها أكثر من ثمانين حكماً ، ومنها وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ، وذلك بتحقق الإيلاج بالصورة التي ذكرناها .
قال-رحمه الله- [ ومن جامع ] : سواءً كان جماعه لزوجته وهو الجماع المأذون به شرعاً في الأصل ، والمحرم في الزمان في نهار رمضان أو كان جماعه وطئاً لشهوة كأن يجامع امرأة يظنها زوجته أو يظنها سريّته ، أو يكون جماعه بالحرام-والعياذ بالله- كالزنا ، فإن وقع الجماع في مأذون به شرعاً كزوجته ، أو معذور به شرعاً من حيث وجود الشبهة كوطء من ظنها زوجة له ، فيترتب الحكم بالقضاء إجماعاً ، وكذلك بالكفارة ، وأما بالنسبة للزنا -والعياذ بالله- فقد اجتمعت فيه موبقات :
أولها : كونه أخل بهذا الركن من أركان الإسلام وهو صومه الذي فرضه الله عليه .
وأما الموبقة الثانية والجريمة الثانية : كونه زنى-والعياذ بالله- فيكون هناك عدة إخلالات :
أولها : تعمده للفطر ووقوع الفطر بأشنع صوره وهو الجماع .
وثانياً : كونه-والعياذ بالله- بحرام ، وكذلك الحال لو وقع الوطأ في الدبر .
ويستوي الجماع في القبل أن يكون من حية أو ميتة ، وهذا قول جماهير العلماء-رحمة الله عليهم- أنه لو حصل الإيلاج بامرأة وهي ميتة فإنه يحكم بكونه مجامعاً إعمالاً للصورة ، كما لو جامعها وهي نائمة أو مجنونة ، ولذلك يجب عليه القضاء وتجب عليه الكفار ، وهكذا بالنسبة لوطء الدبر فإنه يوجب القضاء والكفارة والحد الشرعي على الأصل الذي هو مقرر شرعاً في باب الجنايات - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - .
قال-رحمه الله- [ ومن جامع في نهار رمضان ] : الشافعية ، والحنابلة على أن الكفارة تختص برمضان ، وأما عدا رمضان فإنه لا يأخذ حكم رمضان .
وقالت المالكية ، والحنفية إن الله-- أوجب على من جامع في نهار رمضان الكفارة ، والعبرة بكونه أخل بفريضة الله-- وهو الصوم الواجب فقاس بعضهم على ذلك قضاء رمضان ، وصيام الكفارات ، وصيام النذر الواجب فقالوا : لو صام قضاءً عن رمضان وجامع امرأته في اليوم الذي هو قضاء عن رمضان فإنه تلزمه الكفارة كما تلزم من جامع في نهار رمضان ، وقالوا : إن الله-- جعل هذا اليوم بدلاً عن يوم رمضان ، ولذلك قالوا : إذا وقع الإخلال في القضاء فهو إخلال كإخلال الأداء ، والقاعدة تقول : " القضاء يحكي الأداء " ، فإذا كان القضاء يحكي الأداء ، والشرع نزّل القاضي منـزلة المؤدي فإننا كذلك نحكم بأن الإخلال بالقضاء كالإخلال بالأداء .
وأصح القولين - والعلم عند الله - القول بعدم وجوب الكفارة على من جامع في قضاء رمضان وأن الحكم يختص برمضان دون غيره ؛ والسبب في ذلك ظاهر النص فإن النبي-- لما جاءه السائل يستفتيه أخبره أنه واقع أهله في نهار رمضان وهو صائم ، أي والحال أنه صائم ، فاجتمع فيه شرط الزمان وهو كونه مجامعاً في نهار رمضان ، والأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها ، فالأصل ألا نوجب على المكلفين كفارة ولا نعاقبهم بعقوبة وتشغل الذمم بأدائها والقيام بها حتى يدل الدليل على ذلك ، فلما دل الدليل على شغل الذمم في نهار رمضان بقي ما عدا رمضان آخذاً حكم الأصل من مطالبته بالقضاء ولكنه لا يخلو من الإثم ، فلو كان في نهار القضاء وجامع أهله أو أفطر متعمداً بدون عذر لا يخلو من الإثم كما نص على ذلك جمع من العلماء-رحمة الله عليهم- .
قوله-رحمه الله- [ في نهار رمضان ] : خرج من ذلك الجماع في الليل فإنه بالإجماع ليس فيه كفارة ، والحكم مختص بالنهار ، والمراد بالنهار من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس فإذا طلع الفجر الصادق فإنه يبتدئ حكم اليوم الذي أوجب الله صيامه .
[ من جامع في نهار رمضان في قبل أو دبر ] : هذا كما ذكرنا أنه مذهب جمهور العلماء .
وخـالف بعض الأئمة فقال : من وطء في الدبر سواءً زوجته أو غيرها فإنه يعتبر مخلاً بالصوم ولا تجب عليه كفارة ، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الكفارة عليه بل هو أشد وأشنع .
ومن هنا يقول الأئمة-رحمة الله عليهم- إن الله أوجب الكفارة على من جامع في نهار رمضان في فرج حلال ، فنبه بالجماع في الفرج الحلال على ما هو أشد منه وهو الجماع في فرج حرام أو وطءٍ في الدبر .
[ وإن جامع دون الفرج فأنزل ] : هذه المسألة ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لها وهو ضابط الجماع من الناحية الشرعية ؛ لأن مسائل الجماع تترتب عليها أحكام في العبادات وأحكام في المعاملات فبعض من الناس يظن أن مجرد مس الفرج للفرج أنه يوجب الغسل وأنه لو وضع العضو على العضو أنه يجب عليه الغسل ، وبعضهم يعتقد أنه لو حصل مس للعضو بالعضو أنه يجب عليه الحد وأنه قد زنى ، وهذا كله خلاف الأصل .
الأصل الشرعي أنه لا يتحقق الجماع إلا بإيلاج رأس الذكر وهو الذي حده العلماء-رحمة الله عليهم- بقولهم : بإيلاج الحشفة وهي رأس الذكر أو قدرها من مقطوعه ، ولذلك لا يثبت حد الزنا إلا إذا سأل القاضي وتحقق أنه قد حصل إيلاج لهذا القدر ، وبناءً على ذلك نبه الشرع على هذا بقوله : (( إذا مس الختان الختان )) وفي رواية : (( إذا جاوز الختان الختان )) وفي رواية (( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل )) ، وكل ذلك كما يقول الأئمة -رحمة الله عليهم- : يُعتبر من باب التنبيه على إيلاج رأس العضو ، فلو كان مقطوع الرأس فقدره حكماً ؛ لأن الشرع ينـزِّل الشيء بالتقدير عند العجز عن الشيء بعينه ، فإذا كان يتعذر فيه ذلك الشيء لقطع أو خِلقة - لم يوجد فيه - فإنه يُنَـزَّل قدرها من مقطوعه ، بناءً على ذلك إذا حصل الإيلاج لهذا القدر ثبت الحد وثبت الإحصان .
لو أن رجلاً بكراً تزوج امرأة ودخل عليها وحصل منه إيلاج برأس العضو فقط ولو لم تفتض البكارة فإنه يثبت كونه ثيباً ويعطى حكم الثيب وإذا زنى يرجم ولا يجلد كالبكر فهناك ثمانون حكماً كلها مفرعة على هذه المسألة ونحن نذكرها ونبينها لترتب الأحكام الشرعية عليها ، فلابد من حصول هذا القدر فقوله-رحمه الله- هنا : [ ومن جامع ] المراد به تحقق هذا الشرط .
وأما قوله [ ومن جامع في غير القبل والدبر ] : كما هو الحال في المفاخذة كما يسميها العلماء أو المباشرة دون إيلاج ، فهذه في الأصل الشرعي لا تسمى مجامعة ، فالمجامعة لا تتحقق إلا بالإيلاج لكنها في الصورة مجامعة ؛ لأن الجماع سمي جماعاً من الاجتماع المقصود أن المصنف-رحمه الله- تجوّز في هذه العبارة .
وقال [ وإن جامع دون الفرج ] : فلا يحصل الجماع في غير القبل والدبر ولكنه تَجَوّز في العبارة وإلا لو وقع الجماع ثبتت الكفارة ، وإنما الصورة هنا ألا يقع الجماع ، كأن يضع العضو على العضو دون إيلاج أو - مثلاً - يضعه مفاخذة كما ذكر العلماء-رحمة الله عليهم- ، فهذا كله لا يوجب الكفارة وهذا هو مذهب الشافعية ، والحنابلة-رحمة الله عليهم- .
وذهب المالكية إلى أن من فاخذ امرأته أو استمنى بيدها أنه يعتبر منتهكاً لحرمة شهر رمضان ، والشرع أوجب الكفارة على من جامع أهله في نهار رمضان ليس من الجماع فقط ؛ وإنما للجماع ولكونه انتهك حرمة شهر رمضان ، فاستوى عندهم أن يكون قد جامع أو يكون باشر امرأته ثم أنزل بمفاخذة أو غير ذلك حال المضاجعة ، فعندهم يجب عليه في هذه الحالة أن يُكَفِّر لأنه قد حصل المحذور من انتهاك حرمة الشهر بالفطر عمداً بالإنزال ، وهكذا بالنسبة للمفاخذة وما في حكم ذلك من صور الاستمتاع .
المصنف-رحمه الله- يتكلم على مسألة شرعية دلت النصوص عليها وهي وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ، يلزمه حينئذٍ أن يتكلم على الصور التي لا تتحقق بها المجامعة وكأنه حينما يبين لك حكم المفاخذة والمضاجعة بدون إيلاج كأنه يضع لك الحدود التي إذا وصل المكلف إليها وجبت عليه الكفارة ، وإذا لم يجاوزها ولم يصل إليها فإنه يعتبر مطالباً بالقضاء إذا حصل إنزال ، ولا تجب عليه الكفارة لما ذكرنا .
قوله-رحمه الله- [ وإن جامع دون الفرج فأنزل ] : هذا شرط لكن لو جامع دون الفرج كأن فاخذها وضاجعها ولكن لم يحصل إيلاج ولا إنزال فيعتبر صومه صحيحاً ، ولو حصل منه مذي فإن المذي قدمنا أن الصحيح أنه لا يوجب الكفارة ، ولا يوجب القضاء ، فالمذي والمني لا يوجب كفارة ولكن يختص المني بإيجاب القضاء ، وأما المذي فيه التوبة والاستغفار ، ولا شيء على المكلف من جهة العقوبات والكفارات .
[ أو كانت المرأة معذورة ] : إذا كانت المرأة معذورة في الجماع فإنه لا يجب عليها كفارة ، وتعذر المرأة بالإكراه ، والأصل أنه لا يجوز لها أن تمكّن الزوج منها في نهار رمضان ، لأن الله حرم عليها أن تستمتع بهذه الشهوة ، وحرم على الزوج أن يستمتع بها ، وحينئذٍ إذا طاوعته أعانته على الإثم والعدوان فأعانته على انتهاك حد الله-- وإصابة حرماته ، ومن هنا يجب عليها أن تدفعه بل قالوا تدفعه بقدر ما تستطيع حتى ولو أنه حاول فرمته على الأرض وألقته على الأرض لم يكن عليها شيء ، وتنصحه وتذكره بالله-- وتعظه بلسانها ، فإن طاولها بفعله وأرادها بفعله فإنها تدفعه بيدها وتدفعه برجلها ما استطاعت شريطة ألا يحصل الضرر ، بل قال بعض العلماء : حتى ولو حصل ضرر لأنه هو المتعاطي للسبب بالإخلال بحد الله-- والانتهاك لحرمته فيجوز لها أن تدفعه ولو كان ذلك بدفعه برجلها أو دفعه بيدها ولو حصل ضرر .
قال بعض الأئمة : إنها تعذر في هذا الضرر ، وتعتبر هذه الصورة من الصور المستثناة في إعراض المرأة عن طاعة زوجها ؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فهذه معصية لله-- بل متعلقة بفرض وركن من أركان الإسلام وهو الصيام ، ولذلك ينبغي عليها أن تتعاطى الأسباب في دفعه فإذا كانت مغلوبة على أمرها كأن تكون نائمة أو مكرهة فغالبها ووقع عليها ولم تستطع دفعه فقالوا إنها في هذه الحالة تعذر ، وهذا أصل عند العلماء-رحمة الله عليهم- ، وإن كان بعضهم يُفَصِّل ويفرق بين مسائل الجماع وبين مسائل الزنى في إكراه المرأة - كما سيأتي إن شاء الله - في ذكر الخلاف بين جمهور العلماء ، والحنفية في ضابط إكراه المرأة في مسألة الزنى ، فالمقصود أنها تدفع وترد زوجها ما أمكنها فإن غلبها فلا كفارة عليها ؛ ولكن عليها القضاء لحصول الشهوة واللذة ولا تلزمها الكفارة .
[ أو جامع من نوى الصوم في سفره ] : رجل سافر وكان قد نوى أول اليوم أن يصوم فقال بعض العلماء لماذا ذكر نية الصوم ؟ لأن بعض العلماء يفرق في المسافر بين أن ينوي أو لا ينوي ؟ فإذا نوى السفر ونوى الفطر فلا إشكال لكن لو نوى الصوم ونوى السفر فقال : إنه مسافر غداً إلى المدينة مثلاً فلما نوى أصبح وفي نيته أن يصوم ، قالوا يلزمه أن يتم صومه ، ففي هذه الحالة لو تلبس بالرخصة وهي ( حال السفر ) وخرج من مكة وجاوزها وأفطر ثم أراد أن يجامع زوجته وهما في حال السفر فلا شيء عليه لأنه معذور ، وفي هذه الحالة لا يعتبر مفطراً بالجماع على وجه محرم وإنما أفطر على وجهٍ يعذر فيه شرعاً ، لكن لو دخل المدينة يستوي في ذلك أن يكون دخوله للمدينة آخر النهار أو وسط النهار دخل المدينة أو وصل إلى بلده فهل يُمسك ولا يجوز له أن يجامع أم يجوز له أن يجامع ؟
جمهور العلماء على أنه يجب عليه الإمساك ، وقد ذكرنا هذه المسألة وذكرنا دليلها الصحيح من حديث صوم يوم عاشوراء وبينا الوجه الذي استند العلماء-رحمة الله عليهم- فيه على تحريم الأكل والشرب في هذه الحالة ، فإذا أكل أو شرب فإنه يأثم ، ولو جامع زوجته في هذه الحالة بعد أن استقر أو وصل إلى مدينته أو نزل .
فقال بعض العلماء : إنه لا تلزمه الكفارة ولكنه يعتبر آثماً على القول بوجوب الإمساك ، أما عند من لا يرى وجوب الإمساك بقية اليوم ويقول قد أفطر وأصبح مفطراً فإنه لا يرى عليه إثماً ولا يلزمه بالاستغفار والتوبة .
فتلخص من هذا أن المسافر إذا قدم قبل نهاية اليوم وكان قد أفطر في سفره فإنه يلزمه الإمساك بقية اليوم فإن وقع منه الجماع في هذه البقية من اليوم فللعلماء وجهان :
الوجه الأول يقول : لا حرج عليه ولا إثم بل لو شاء أن يجامع اختياراً لا حرج عليه .
الوجه الثاني يقول : إنه يجب عليه الإمساك فإذا جامع أهله فإنه يعتبر آثماً شرعاً وعليه التوبة والاستغفار ولكن لا تجب عليه الكفارة لأنه لم يفطر بجماع على الوجه المحذور .
[ وإن جامع في يومين ] : جامع امرأته متعمداً في اليوم الأول وجامعها في اليوم الثاني فهذا جماع تكرر في يومين وفي محلين مختلفين قد أوجب الله-- عليه صيام اليوم الأول وصيام اليوم الثاني فانتهك الحرمة في اليوم الأول وانتهك الحرمة في اليوم الثاني فعليه كفارتان سواءً كفّر عن اليوم الأول أو لم يكفر .
وأما لو جامع في اليوم الواحد وتكرر منه الجماع في اليوم الواحد فإنه لا تجب عليه سوى كفارة واحدة سواءً كَفَّر عن الجماع الأول أو لم يُكَفِّر .
مثال ذلك لو جامع امرأته أول النهار ثم جامعها وسط النهار ثم جامعها آخر النهار قبل غروب الشمس هذه ثلاث مرات فتجب عليه كفارة واحدة لأنه قد أفطر وحصل الإخلال باليوم الأول وتلزمه الكفارة من ثم وأما بقية اليوم فإنه لا تلزمه فيه كفارة هذا بالنسبة للجماع .
من الصور التي ذكرها العلماء لو جامع أربع زوجات في يوم واحد فإنه تلزمه كفارة واحدة بالنسبة لنفسه وأما بالنسبة للنساء فعلى التفصيل الذي ذكرناه في المرأة أن المرأة طاوعت واختارت فعليها كفارة غير كفارة زوجها .
وأما إذا كانت دافعت ومانعت :
فمن العلماء من يقول : إنه يجب عليه أن يكفر عنها .
ومنهم من يقول : لا تجب عليه الكفارة على ظاهر حديث الذي جامع امرأته في نهار رمضان وهو صائم .
[ أو كرره في يوم ولم يكفر فكفارة واحدة في الثانية وفي الأولى اثنتان ] : فكفارة واحدة في الثانية وهي أن يجامع أكثر من مرة في يوم واحد .
وقال بعض العلماء إن جامع أكثر من مرة في يوم واحد نظرنا : فإن كفر عن الجماع الأول لزمته الكفارة عن الجماع الثاني وهذا مذهب مرجوح ، والصحيح أنه إذا كرر الجماع في اليوم الواحد ولو عشر مرات فإنه تلزمه كفارة واحدة ولكنه في إخلاله بحق الله-- قد تكرر إخلاله عشر مرات ، ولذلك عليه الندم والاستغفار والتوبة إلى الله-- من هذا الوجه ، وأما بالنسبة للكفارة فلا تلزمه إلا كفارة واحدة ولا يلزمه إلا القضاء والكفارة ليوم واحد .
الذين يقولون : إنـه تتكرر الكفارة يقولون إذا كفر عن الجماع الأول وحصل الجماع الثاني بعده فعليه كفارة ثانية ، كأن يجامع في أول النهار في الساعة الثامنة صباحاً ثم يكفر في العاشرة ثم يجامع في الثانية عشر وفي الواحدة وفي الثانية وفي الثالثة قالوا لما كفر عن الجماع الأول في الساعة الثامنة فإنه يتكرر عليه وحينئذٍ تلزمه كفارة عن الجماع الثاني الذي وقع منه في بقية اليوم والصحيح ما ذكرناه أن اليوم الواحد له كفارة واحدة سواءً وقع الجماع مرة أو وقع مرات وذلك لأنه إخلال واحد وقد أفطر ذلك اليوم بجماعه الأول فكأنه بجماعه الثاني والثالث والرابع والجماع المتكرر قد وقع جماعه المتكرر بعد جماعه الأول وهو مفطر ولم يقع وهو صائم ، ولذلك لا تجب عليه الكفارة من هذا الوجه .
[ وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فكفارة ثانية ] : الصحيح أنه ليس عليه كفارة ثانية وأن الكفارة الأولى تغنيه لأنه قد أفطر ذلك اليوم ووقع جماعه الثاني وهو مفطر وشرطه أن يقع جماعه وهو صائم .
[ وكذلك مـن لزمه الإمساك إذا جامع ] : كما ذكرنا فيمن دخل المدينة أو وصل إلى مدينته وقد بقي بقية اليوم ، قالوا : يعتبر في حكم الصائم فلو وقع منه جماع في بقية اليوم تلزمه الكفارة والصحيح ما ذكرناه وأشرنا إليه سابقاً أنه لا تلزمه الكفارة لأنه قد أفطر ذلك اليوم وإنما تجب الكفارة على من صام لا على من أفطر .
[ ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط ] : بعد أن بين لنا-رحمه الله- وجوب الكفارة في الجماع يرد السؤال : لو تكرر الجماع ما الحكم ؟
فقال لك : إما أن يتكرر في أيام متكررة أو يتكرر في يوم واحد فإن تكرر في يوم واحد إما أن يكفر عن الجماع الأول أو لا يكفر ، فبين حكم هذه الصور كلها ، ثم شرع-رحمه الله- في مسألة وهي لو أن إنساناً جامع امرأته في نهار رمضان في أوله وهو غير معذور بالفطر ، فجامع ووقع منه الإخلال على وجه تلزم به الكفارة ، وقبل أن تغيب الشمس طرأ عليه عذر يُعذر فيه بالفطر كما لو جنّ أو سافر أو مرض فهل نقول : بأن العبرة باليوم كاملاً إلى تمامه ، فإن قلنا العبرة باليوم إلى تمامه وكماله فحينئذٍ هذا اليوم يباح له الفطر بالمجنون وبالسفر وبالمرض قالوا إذا قلنا : إن العبرة باليوم بتمامه فهذا اليوم لم يوجب الله عليه صيامه لأنه آل أمره إلى الرخصة فتسقط عنه الكفارة من هذا الوجه ، وهذا وجه شاذ عند العلماء يحكى في مذهب الشافعية-رحمة الله عليهم- ؛ لكن عندهم تفصيل أشار إليه الإمام النووي-رحمه الله- في الروضة .
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن من جامع في أول اليوم ثم طرأ عليه عذر يبيح له الفطر أنه تلزمه الكفارة ، لأن الإخلال وقع في صورة هو مكلف فيها ، وقد حصل الإخلال والانتهاك لحد الله-- وأنت ترى أن المجامع في نهار رمضان لما يعاقب هذه العقوبة إنما عوقب للزجر عما وقع منه من الجرأة على حدود الله ، والجرأة قد وقعت في أول اليوم ، ولا عبرة بطريان العذر بعد ذلك ، ومن هنا طريان الأعذار لا يؤثر ، وهذه من صور مسائل طريان الأعذار التي توجب زوال الحكم أو زوال الوصف ولها نظائر كثيرة منها لو حكم القاضي ثم جن ولم ينفذ الحكم ، ومنها لو أن الشهود شهدوا عند القاضي ثم ماتوا أو شهدوا ثم جنّوا أو شهدوا وطرأ عليهم فسق بعد الشهادة وثبوتها عند القاضي هذه كلها مسائل تسمى مسألة ( طريان العذر ) وهذه تقع في العبادات وتقع في المعاملات ، فتارة يعتبر الطريان مؤثراً وتارة لا يعتبر مؤثراً - وسنذكر جملة من هذه المسائل إن شاء الله - مسألة طريان العذر إذا جاء كتاب القضاء ، وقد تتخلل هذه المسألة في بعض أبواب المعاملات المالية .
لكن الذي يعنينا هنا أن الشرع قصد عقوبة هذا المخالف بانتهاكه لحدود الله-- وقد انتهك حد الله-- وجاوز الحدود بجماعه لامرأته في حال تكليفه وحال مؤاخذته فثبتت وتعلقت بذمته الكفارة ، فكونه يطرأ له العذر آخر النهار أو يطرأ له العذر ولو بعد الإخلال بلحظة فهذا كله لا يؤثر لأن العبرة بالحال والإبتداء لا بالانتهاء في هذه الصورة ومن هنا تلزمه الكفارة حتى ولو طرأ عليه العذر .
[ ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان ] : فلا تجب بالاستمناء ولا تجب بالمفاخذة وغير ذلك من صور الاستمتاع فلا تجب إلا بالجماع ولا تجب أيضا إلا في صوم رمضان أداءً لا قضاءً فلا يدخل في ذلك حكم الواجبات ، وقد أشرنا إلى هذه المسألة والخلاف بين الحنفية ، والمالكية من جهة ، وبين الشافعية ، والحنابلة من وجه آخر ، ولذلك يأخذها طالب العلم قاعدة أو ضابطاً ، يقولون لا كفارة على الصائم إلا إذا وقع جماع وفي رمضان ، فلا تلزمه الكفارة إذا كان في غير رمضان ، ولو كان صوم فرض ، ولو كان قضاءً عن رمضان ولا تلزمه في غير الجماع كما قلنا في الاستمناء ونحو ذلك فهذا لا تجب فيه الكفارة لأن المذهب عندهم متعلق بصورة معينة ، وهذه المسألة تعتبر من مسائل القياس في الكفارات وهي مسألة أصولية فالشافعية ، والحنابلة لا يرون القياس في هذه المسألة .
والمالكية ، والحنفية يرون القياس ، والعلة عندهم انتهاك حرمة الشهر ، فكأن الذين قالوا بوجوب الكفارة في غير رمضان يرون أنه إذا صام قضاءً أو صام واجباً فإنه ينتهك الحرمة كما ينتهكها من جامع في نهار رمضان ولا فرق هذا صوم فرضه الله وهذا صوم فرضه الله فاستوى أن يكون من رمضان أو غير رمضان ، ثم قالوا أيضاً لما كانت العبرة بالشهوة فيستوي أن يخرج منه المني سواءً كان ذلك بجماع أو مفاخذة أو غيرها كالاستمناء ، وقالوا أيضاً يستوي عندنا الجماع وغيره مما تحصل به اللذة أو يحصل به الإنزال فنوجب عليه القضاء ونوجب عليه الكفارة من هذا الوجه والصحيح ما ذكرناه من الاقتصار على مورد النص ؛ لأن الأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها وإلزام الكفارة بها ، وهنا قوي الدليل على البقاء على الصورة التي ورد السؤال عنها لرسول الله-- ، وألزم فيها المجامع بالكفارة فنقتصر عليها دون غيرها .
[ وهي عتق رقبة ] : وهي أي الكفارة عتق رقبة والرقبة منهم من يشترط فيها الإيمان قياساً على رقبة كفارة القتل ، وهذه المسألة من المسائل التي يختلف العلماء-رحمة الله عليهم- فيها ، الأمر بعتق الرقبة يأتي على صورتين :
الصورة الأول : صورة يكون فيها مقيداً كما في صورة كفارة القتل { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } فاشترط الله-- أن تكون الرقبة مؤمنة .
الصورة الثانية : صورة ترد الرقبة مطلقة كما في آية المظاهر من امرأته بتحرير رقبة ، وكذلك - أيضاً - قوله-عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيحين : (( أتجد رقبة )) أو (( أعتق رقبة )) كما في الروايات فهذا الإطلاق للعلماء فيه قولان ومذهبان :
الأول : منهم من يقول المطلق هنا في مسألة المجامع في نهار رمضان أحمله على المقيد الوارد في كفارة القتل فلا كفارة بالعتق إلا إذا كانت الرقبة مؤمنة .
واستدلوا بما ثبت عنه في الحديث-- لما سأل الجارية فقال : (( أين الله ؟ )) فقالت في السماء قال : (( اعتقها فإنها مؤمنة )) .فقوله : (( فإنها )) جملة تعليلية أي لأنها مؤمنة ، فكأنها لو لم تكن مؤمنة لما أمره بعتقها ، وهذا من جهة النظر له وجهه ، أي أنك إذا نظرت إلى النصوص وترأها له وجهه ؛ لكن الأولين يجيبون عن هذا ويقولون : إن الرجل أراد أن يُعْتِقَ اختيارا لا إيجاباً وإلزاماً ، فلما أراد أن يعتق باختياره فالأفضل والأكمل أن تكون الرقبة مؤمنة حتى يكون عتقها معيناً لها على الطاعة والخير فيتحقق المقصود من عتق النافلة .
وأما عتق الفريضة فالمراد به حصول العتق ، وحصول الغرم المالي فإن الإنسان يغرم بفوات عبيده لأنه كانت العبيد بمثابة الأموال وينتفع الإنسان بهم ويرتفق فيتضرر بماله ، كما أُلزم عند فقدها والعجز عن الصيام شهرين متتابعين بإطعام ستين مسكيناً وهذا غرم مالي ، فقالوا المقصود أن يغرم وحينئذٍ لا يحملون المطلق على المقيد ويقولون : لو كان عتق المظاهر يشترط فيه الإيمان أو عتق الكفارة في نهار رمضان يشترط فيها الإيمان لنبه الشرع على ذلك ولم يسكت عليه فكيف هناك يقول تحرير رقبة مؤمنة وهنا يطلق ، قالوا : فلو كان مقيداً بوصف الإيمان لقيده ، وهذا المذهب يقويه أن عتق الرقبة المؤمنة في القتل له قصد وذلك أن من أعتق رقبة أُعتق بها من النار حتى يعتق العضو بالعضو كما جاء في الخبر حتى إن الفرج يعتق بالفرج .
ومن هنا قالوا لما كان القاتل كأنه أورد نفسه النار بقتله لأخيه المسلم فإنه حينئذٍ يكفر بعتق الرقبة المؤمنة وكأنه يعتق نفسه من النار ، أشكل على هذا أنها كفارة خطأ والقاتل ليس بمتعمد فقالوا الخطأ لا يخلو من تقصير ؛ لأن القاتل خطأً لو تحرى وتفقد لم يخل منه من تقصير ، ولذلك لزمته الكفارة لوجود التقصير والإخلال ، فمن هنا قالوا : يجبر هذا الإخلال بكونه يعتق الرقبة المؤمنة حتى يَعْتَق بها من النار ، وأيَّاً ما كان فالقول بعدم التقييد له قوة وله وجاهة لإطلاق النصوص وحمل المطلق على المقيد أحوط القولين ، لكن القول بالإطلاق من القوة بمكان ، وعلى هذا فيلزمه عتق الرقبة .
عتق الرقبة يستوي فيه أن تكون صغيرة أو تكون كبيرة فيستوي فيها حتى لو كانت صبية صغيرة في عتق رقبة القتل إذا كانت مولودة من أم مؤمنة فإن الصبيان يلتحقون بأمهاتهم فإذا كانت أمها مؤمنة أو والداها مؤمنين فإنه حينئذٍ يعتق هذه الرقبة وتكون موصوفة بكونها مؤمنة وهذا الوصف لصبيان المسلمين بالإيمان يسميه العلماء الوصف التقديري وقد تكلم على هذه المسألة الإمام العز بن عبدالسلام في كتابه النفيس " قواعد الأحكام " في مسألة التقديرات : التقدير تنـزيل المعدوم منـزلة الموجود ومن أمثلته الصبيان إذا كانوا في ديار المسلمين فإننا نعطيهم حكم الإسلام فمن وجد لقيطاً في بلد مسلم أعطاه حكم أولاد المسلمين ومن وجد لقيطاً في بلد كافر أعطاه حكم أولاد الكافرين لماذا ؟ من باب التقدير ؛ ولكنه وإن لم يكن حقيقة أنه يحكم له بالإيمان لكنه يكون من باب التقدير ، إضافة إلى أن النص يقول : (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )) فهم يقولون إن الأولاد يتبعون الوالدين تقديراً من باب الأحكام الشرعية فهنا لو أراد أن يعتق رقبة ولو كانت صغيرة فإنه يجوز عتقها وهذا القول يختاره أئمة منهم الإمام ابن جرير الطبري-رحمة الله عليه- في تفسيره ، وعلى هذا فيجوز عتق الصغار من أولاد المسلمين إذا كانوا أرقاء ويكون لها وصف الإيمان بالحكم التقديري .
وهنا لو جامع امرأته في نهار رمضان فأعتق صبياً أو أعتق صبية أجزأه ؛ لأن النبي-- قال : (( اعتق رقبة )) وفي رواية (( أتجد رقبة )) فهذا فيه إطلاق فشمل الذكر والأنثى ، فالرقبة التي تعتق تشمل الذكور وتشمل الإناث فلو أعتق جارية صح وأجزأه ولو أعتق ذكراً صح وأجزأه فكل يجزءه لأن الشرع أطلق .
وهذه الرقبة اختلف العلماء هل يشترط سلامتها من العيوب أو لا يشترط ، فبعض العلماء يقول : لا يصح العتق إلا إذا كانت سالمة من عيوب النقص ، وعيوب النقص تكون في الأخلاق وتكون في الجسد ، لأن العيوب في الأرقاء تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : عيوب مؤثرة .
والقسم الثاني : وعيوب غير مؤثرة ، فالعيوب غير المؤثرة هي العيوب اليسيرة التي لا يتوقف عليها مصلحة الانتفاع بالرقيق مثل أن يكون لا يعرف الكتابة ولا يعرف القراءة فهذا ليس بعيب مؤثر لأنه لا يمنعه من الانتفاع به في مصالح خدمته .
والعيوب المؤثرة تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : نقص الجسد أو العيب الَخْلقي فإما أن يكون عيباً خِلْقياً وهو نقص الجسد كالشلل والعمى والعرج فهذا نقص خلقي .
القسم الثاني : النقص الخُلقي كأن يكون مجنوناً فإنه لا يستطيع أن يضبط مشاعره ولا يستطيع أن يضبط أقواله وأفعاله وتصرفاته فهذا النقص الذي هو الجسدي أو الخُلقي إذا وجد في الرقيق فبعض العلماء يقول : لا يجزئه ويشترط أن تكون الرقبة كاملة سالمة من العيوب .
وبعض العلماء يقول : لو أعتق مشلولاً أجزأه ولو كان أعمى أو كان مجنوناً كل ذلك يجزئه ؛ لأن النبي-- قـال : (( أعتق رقبة )) وهذا مطلق يشمل الرقبة الكاملة والناقصة ، وفي الحقيقة لا شك أن المذهب الذي يرى كمال الخلقة وسلامة الإنسان من العيوب المؤثرة هو أسلم وأحوط وأولى بالاعتبار .
[ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ] : الرقبة إذا كان الإنسان لا يجد قيمتها وأهديت له أو أعطيت له هدية ونحلة فإنه حينئذٍ يكفر بعتقها ولو جاءته على سبيل الهدية فإنها تجزئه ، وإذا ملكها قبل أن يشرع في الصوم فإنه يجب عليه أن يكفر بعتق الرقبة .
[ فإن لم يجد ] : كفارة الجماع في نهار رمضان مرتبة ، وهذا مذهب جماهير السلف والخلف-رحمة الله عليهم- أن كفارة الجماع في نهار رمضان مرتبة ، وأفتى بعض العلماء بالانتقال إلى صيام شهرين متتابعين مع إمكان العتق وفعل ذلك استحساناً كما حصل للإمام الحافظ المحدث يحيى بن يحيى بن كثير الليثي-رحمة الله عليه- في قصته مع عبدالرحمن الأموي والي الأندلس ، فإنه استفتاه في الجماع في نهار رمضان فقال تصوم شهرين متتابعين ، وكان إمام القضاة في زمانه ولما أفتى بهذه الفتوى عجب العلماء الذين معه وسكتوا هيبة له وظنوا أن له مساغاً من الاجتهاد فلما خرج راجعوه فقال إننا لو قلنا له أعتق رقبة لجامع وخف عليه الأمر وهان عليه كل يوم أن يجامع ويعتق رقبة ، وأما إذا أمرته بالصيام فإنه يحفظ حدود الله ومحارم الله أن ينتهكها فأمرته بالصوم لعظيم مشقته عليه ولأنه أدعى أو أمكن لزجره من الوقوع في هذا المحظور والحقيقة أن هذه فتوى مردودة وباطلة قد نبه العلماء وأئمة الأصول على ذلك حتى إن صاحب المستصفى ذكرها مثالاً للتعليل الباطل والفاسد لأنها في مقابل النص ، والشرع إذا أمر بالعتق نأمر بالعتق ، وليس لأحد أن يجاوز حكم الله ورسوله-- ، ولا وجه لهذا الاجتهاد ولا وجه لمثل هذه الاستحسانات ، ولا شك أن الأصل يلزمنا أن نأمره بالعتق ولو كان قادراً على العتق ، ولو كان غنياً لأن الله أعلم بخلقه وأحكم في حكمه-- وهو يعلم أن هناك الغني الذي لا يضره أن يعتق الرقاب ولو جامع كل يوم ولكننا نقول بما أمرنا الله-- به من الفتوى وما ثبت به النص الصحيح عن رسول الله-- .
ومن هنا ننبه على أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب الاستحسانات والآراء المصادمة للنصوص وأنه ينبغي على المسلم أن يتقيد بكتاب الله وسنة رسوله-- خاصة في الفتوى والقضاء ونحو ذلك من الأمور التي يكون فيها الإنسان مؤتمناً على شرع الله-- فليس لأحد كائناً من كان أن يُدْخِل في دين الله ما ليس منه ، ولو كان برأي واستحسان ، ولذلك قال الإمام الشافعي " من استحسن فقد شَرَّع " وكان أئمة السلف-رحمة الله عليهم- يشددون على أهل الرأي من هذا الباب ، إذا كان الرأي فاسداً مصادماً للنص من كتاب الله وسنة النبي-- ، لكن الآراء التي يفهمها الإنسان من النص فهذه آراء شرعية بدليل قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( إذا اجتهد الحاكم )) وبدليل قوله : (( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين )) فأنت تفهم من قوله : (( يفقهه )) يعني يفهمه ، فمعنى ذلك أنه نظر في النص ففهم شيئاً فهذا يدل على أن الرأي إذا استخلص من الشرع فحيهلا ونعما به والإنسان مجزيٌ عليه خيراً إن أصاب كان له أجران ، وإن أخطأ كان له أجر واحد .
أما إنسان يأتي إلى نص عندك في الكتاب والسُّنة وترى الواقع أو الحياة تقتضي أن تغير أو تأتي بشيء أثقل حتى يكون أزجر فهذا كله من المصادمة لشرع الله-- والاعتداء لحدوده الله ، ولا يجوز للمسلم أن يتقحّم النار على بصيرة فيأتي بهواه ورأيه في دين الله-- حيث يؤتمن على الفتوى أو يؤتمن على قضائه ، فهذا أمر ينبغي الحذر منه ، فأي شيء تعلم أن فيه نصاً في الكتاب والسُّنة وأن الشرع ألزمك بهذا النص فلا تتقدم ولا تتأخر لأنك ( كقاضٍ أو مفتٍ أو معلم ) لا يجوز لك أن تتجاوز ما علمت والذي علمته من كتاب الله وسنة النبي-- ينبغي أن تخبر به ، فإن خرجت عن الكتاب والسنة إلى محض رأيك واجتهادك وخالفت ما نص الله عليه في كتابه أو نص عليه رسوله لله-- في سنته الصحيحة فهذا-نسأل الله السلامة والعافية- عين الهلاك وعين الضلال ولا يجوز للمسلم أن يترك هذه المحجّة التي دل عليها نص الكتاب والسُّنة ، وهذا أمر مهم جداً لطلاب العلم دائماً ينبغي عليهم أن يضعوا نصب أعينهم أنهم مؤتمنون على شرع الله-- ولا يجوز أن يستحسن أو يستصوب شيئاً ويجتهد فيه إلا إذا أذن له الشرع بالرأي والاجتهاد .
[ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ] : فإن لم يستطع عتق الرقبة فليصم شهرين متتابعين .
والشهران لهما صورتان :
الصورة الأولى : أن يستفتح الشهر من أوله كأن يبدأ من أول شهر محرم أو شهر صفر أو شهر ربيع فإذا ابتدأ بأول محرم فحينئذٍ العبرة بالشهر ناقصاً أو كاملاً فلو ابتدأ من محرم وتبين أن محرماً تسعة وعشرون يوماً فقد صام شهراً وحينئذٍ إذا انتهى شهر صفر فقد تمّ صيامه وأدى الكفارة على وجهها ولو كان شهر محرم وصفر ناقصين ، فلو صام ثمانية وخمسين يوماً تسع وعشرون لشهر محرم وتسعٌ وعشرون لشهر صفر اجزأه ذلك وهذا بإجماع العلماء لأن النبي-- قال : (( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا فأشار بيده في الأول إلى الثلاثين والثاني عقد الإبهام تسعاً وعشرين )) فدل على أن من صام تسعاً وعشرين يوماً ورئي الهلال للشهر الأول والشهر الثاني فإنه حينئذٍ يجزئه ويكون صيامه ثمانية وخمسين يوماً ويجزيه عن الكفارة .
الصورة الثانية : أن يستفتح صيام الشهرين المتتابعين أثناء الشهر ، كأن يبدأ في العاشر من محرم ، فإذا ابتدأ في العاشر من محرم لا يتم شهره الأول إلا في العاشر من شهر صفر ولا ينتهي شهره الثاني إلا في العاشر من ربيع الأول وحينئذٍ يؤقت بالأيام ويلزمه في هذه الصورة الثانية أن يصوم ستين يوماً كاملاً .
بقيت مسألة وهي : أنه يشترط في هذه الشهرين التتابع ، والتتابع ألا يفطر فيهما فلو أفطر قبل إتمامهما بيوم واحد لزمه أن يستأنف العدد من جديد ، فلو جاء في يوم تسعة وعشرين من شهر صفر وأفطر فإنه حينئذٍ يلزمه أن يقضي ويعود من جديد ويصوم الشهرين متتابعين وذلك لنص النبي-- على ذلك في حديث المجامع لأهله في نهار رمضان ، حيث أمره أن يصـوم شهرين متتابعين فقال : - يا رسول الله - وهل أوقعني فيما أنا فيه إلا الصوم ؟! أو كان رجلاً يصبر لا على النساء فكأنه اعتذر بأنه لايستطيع الصوم فحينئذٍ يلزمه أن يصوم الشهرين متتابعين ، وإذا كان قد أفطر ولو قبل تمامهما بيوم واحد .
لكن بقي السؤال : لو أنه ابتدأ صيام الشهرين المتتابعين في كفارة الجماع أو كفارة القتل أو كفارة الظهار في شعبان ودخل عليه رمضان فهل يقطع رمضان التتابع ؟
الجواب : لا يقطع شهر رمضان التتابع ويصوم شهر رمضان كاملاً ، فإذا انتهى شهر رمضان .
يرد السؤال : هل يفطر يوم العيد أو لا يفطر ؟
الجواب : للعلماء وجهان أصحهما أنه يفطر يوم العيد ثم بعد ذلك يتم ويبني على ما مضى ، فلو صام شهر شعبان كاملاً ثم صام رمضان ، فإذا أفطر أثناء رمضان لسفر أو نحوه فإنه لا يقطع التتابع ولا يؤثر في التتابع حتى يتم رمضان ، فإذا أتم رمضان ودخل عليه العيد فإن يوم العيد يحرم الصوم فيه وحينئذٍ لو صام يوم العيد لا يجزئه عن صوم التتابع وإذا كان لا يجزيه بنص الشـرع ؛ لأن الشرع حرم صيام هذا اليوم فحينئذٍ يسقط عنه صيام يوم العيد ، ويصبح يوم العيد وجوده وعدمه على حد سواء فحينئذٍ يفطر فيه كما أفطرت المرأة الحائض فإن المرأة الحائض لا تستطيع أن تصوم ستين يوماً متواصلة لأن الحيض يأتيها في الغالب أي غالب النساء فحينئذٍ يكون وجود هذا العذر الشرعي منـزل منـزلة العذر الحسي ، فلما كان الحيض لا يقطع التتابع لدخوله بغير اختيار المكلف كذلك دخول يوم العيد لا يقطع التتابع على من ابتدأ في شهر شعبان ، فيفطر يوم العيد ثم يتم العدد من بعد يوم العيد فإذا أتم العدد من بعد يوم العيد لم يقطع تتابعه فطره لذلك اليوم .
المسألة الثانية : المرأة الحائض والنفساء لا يقطع التتابع حيضها ونفاسها ، فإنها تصوم الشهرين المتتابعين في كفاراتها ، وإذا صامت الشهرين المتتابعين وقطع ذلك الحيض فإنها تفطر في أيام حيضها وصومها تبنيه بعد انتهاء أيام الحيض ، لكن لو أن إنساناً ابتدأ صومـه في شهر محرم ثم أصابه المرض أثناء صيامه فهل يقطع المرض التتابع أولا ، وجهان للعلماء :
الوجه الأول : قالوا بعضهم لا يقطع كما هو الحال في المرأة الحائض وهذا قوي من جهة النظر .
الوجه الثاني : وقال بعضهم يقطع لأن العبرة بالصورة وهي التتابع فيلزمه حينئذٍ أن يستأنف العدد بعد صحته وقوته ، والأقوى أنه لا يقطع إذا كان المرض يضر به أن يصوم معه ويرخص له بالفطر على عدد الأيام التي مرضها ، ثم بعد ذلك يبني بعد انتهاء هذه الأيام أعني أيام فطره بعذر المرض .
[ شهرين متتابعين ] : يصوم شهرين كاملين متتابعين بالصورة التي ذكرناها ، قال بعض العلماء : إن الشهرين بمثابة الفدية لهذا اليوم الذي أفطره ، ولذلك وجب عليه أن يصوم فإذا لم يستطع أطعم ستين مسكيناً وكأن كل مسكين عن يوم فأنت إذا نظرت إلى عدد الشهـرين فإنه ستون يوماً والمساكين الذين يلزم إطعامهم ستون مسكيناً ، وكل مسكين يأخذ ربع صاع كما سيأتي فكأنها فدية عن فطر ذلك اليوم وكأن فطره ذلك اليوم يفديه بصيام الشهرين المتتابعين .
قال بعض العلماء : وفي هذا دليل على تعظيم فرائض الله-- وأنه لا يجوز للمسلم أن يتساهل في أداء حقوق الله-- ، وأنه إذا تساهل فيها وأفطر من دون عذر أو ترك ما أوجب الله عليه من دون عذر أنه ولو قضى ذلك الشيء فإنه لا ينـزل منـزلته خاصة إذا كان متعمداً ، ومن هنا ورد حديث أبي هريرة-- (( من أفطر يوماً من رمضان لم يقضه صيام الدهر ولو صامه )) أي أنه لا ينـزل منـزلة ذلك اليوم من حيث الفضل وحصول الثواب .
[ فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ] : عدم الاستطاعة يكون إما لمرض كإنسان عنده فشل الكلى مثلاً فهذا لا يستطيع أن يصوم ، وقرر الأطباء أنه إذا صام يموت ، فهذا يجوز لـه أن يعدل من الصيام إلى إطعام ستين مسكيناً ، وهكذا الحال لو كان شديد الشهوة لا يصبر على النساء فلو صام لا يستطيع الصبر ستين يوماً رخص له أن ينتقل لأن المجامع قال " وهل أوقعني فيما أنا فيه إلا الصوم ؟! " وقالوا : إنه عدل عن الصيام إلى الإطعام لعدم القدرة على الصبر وهو شديد الشهوة والشبق ، فإذا وجد العذر من المرض أو وجد العذر من شدة الشهوة وعدم الصبر على النساء انتقل إلى الإطعام .
[ إطعام ستين مسكيناً ] : يطعم كل مسكين ربع صاع وذلك لما جاء في رواية الموطأ أن الذي جامع أهله في نهار رمضان أمره النبي-- أن يطعم ستين مسكيناً فاشتكى إلى النبي-- أنه لا يجد (( أتجد ما تطعم به ستين مسكيناً )) قال : " لا " فأتي النبي-- بعرق ، والعرق مثل المكتل مثل ما تسمى في عرفنا اليوم القفّه وهي القفه الكبيرة تكون من الخوص ونحوه ، وهذه القفاف الكبيرة كان يُحمل فيها التمر ، والناس في القديم كانوا يحملون فيها التمور والثمار ، فأتي النبي-- بعرق ، فأمره النبي-- أن يتصدق به ، والعرق فيه خمسة عشر صاعاً وهذا كما جاء في رواية الموطأ أن العرق كالمكتل فيه خمسة عشر صاعاً ، فإذا كان هذا العرق فيه خمسة عشر صاعاً فمعنى ذلك أنك لو قسمته على ستين فكل مسكين سيكون نصيبه ربع صاع ، والصاع الذي يخُرج في آخر رمضان ربعه وربع الصاع يسمى بالمد ، وهذا المد هو الصاع النبوي الصغير ، لأن هناك صاع نبوي صغير وكبير فالصغير هو الذي ضبطه العلماء بقولهم : هو ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين ، وسمى مداً لهذا فهذا القدر هو قدر المد النبوي الذي كان النبي-- يتوضأ به هذا القدر تعطيه لمسكين ، فإذا أطعم يطعم ستين مسكيناً لكل مسكين ربع صاع ، فإذا فعل ذلك فقد أجزأه .
[ فإن لم يجد سقطت ] : إن لم يجد لفقر وعوز ليس عنده ما يشتري به الطعام ويتصدق به على الفقراء سقطت عنه الكفارة ، وذلك لأن النبي-- لما اشتكى له المجامع لأهله في نهار رمضان فلما أتي-عليه الصلاة والسلام- بعرق أمره أن يأخذه وأن يتصدق به فقال : - يا رسول الله - أعلى أفقر مني ؟! والله ما بين لابيتها رجل أفقر مني ، وفي رواية : أهل بيت أفقر منا ، اللابتان مثنى لابة وذلك لأن المدينة بين حرتين وهي التي تسمى في يومنا هذا بالحرة الشرقية والحرة الغربية ، والحرة الشرقية كانت تسمى في القديم حرة واقم وهي التي وقعت فيها الواقعة أيام يزيد ، وفيها قول قيس الرُّقَّيات :
فإِنْ تَقْتُلُونَا يَوْمَ حَرَّةِ وَاقِمٍ فِإنا عَلى الإِسْلاَمِ أَوَّلِ مَنْ قُتِلْ
الثانية حرة الوبرة وهي الحرة الغربية ، ومراده ما بين لابتيها يعني ما بين الحرتين الحرة الغربية والحرة الشرقية كأنه يريد المدينة كلها ، والسبب في ذلك أن مساكن المدينة كانت لا تجاوز الحرتين فأمره النبي
-- أن يأخذه ويطعمه لأهله ، وهذا من رحمة الله-- بعباده .
لكن هذه المسألة من خصوصيات هذا الرجل كما نبه العلماء-رحمة الله عليهم- ، وإلا لو أنه أُعطي مكتلاً فلا يصح للعالم أن يقول له : خذه إلى أهلك ، لو أن إنساناً جاء يسألك وعليه كفارة ، ثم تصدق عليه أحد بمكتل وقال هو فقير ، تقول له : تجب عليك الكفارة ؛ لأن هذا كما يقولون صورة عين وقضايا الأعيان لا تصلح دليلاً للعموم ، فهذه سماحة من الشرع ويسر من الله-- أجراه على لسان رسوله-- كما نبه الأئمة-رحمة الله عليهم- في شرح الحديث على أن هذا الحكم يختص بهذا الرجل ، أما من أُهدي له هذا القدر الذي يستطيع به التكفير أو أعطي مالاً يستطيع به التكفير فقال أريد أن آخذه لنفسي فإنه لا يستحل ذلك ويجب عليه أن يكفر الكفارة التي أوجب الله وفرض عليه .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-08-11, 03:44 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

الدرس السادس

P
قال المصنف-رحمه الله- : [ باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء ] :

الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
يقول-رحمه الله- [ باب ما يكره ] : أي ما يكره على الصائم أن يفعله حال صيامه سواءً كان لنافلة أو فريضة ، والمكروه هو الذي تعافه النفوس ، وكره فلان فلاناً إذا وجد فيه ما يوجب نفرته منه .
وأما المكروه في الشريعة : فهو الذي نهى الشرع عنه نهياً غير جازم ، وهذا المكروه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله ، وكأن المصنف-رحمه الله- يريد أن يبين لنا بعض الأمور التي لا يستحب للصائم أن يفعلها وإذا تركها بقصد التقرب فإنه يثاب شرعاً ، ولكنها لا توجب فطره .
وقوله [ ويستحب ] : ضد المكروه فالذي أمر الشرع به من الأقوال والأفعال إن كان جازماً فهو واجب ، وإن كان غير جازم فهو مندوب ومستحب ، وحكمه أنه يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه .
وقوله [ يستحب ] : أي يستحب للصائم أن يفعله ، أو يستحب للصائم أن يقوله ، والسبب في ذلك أن الصيام فيه أمور محرمة وفيه أمور مكروهة وفيه أمور واجبة وفيه أمور مستحبة وفيه أمور مباحة ، ولذلك تكلم-رحمة الله عليه- في الأبواب الماضية عن الأمور المحرمة والأمور الواجبة ، وبعد بيانه لكلا القسمين شرع في بيان ما يكره وما يستحب .
ولكن السؤال لماذا قال : [ باب ما يكره ] : فقدم المكروه على المستحب ، والتقديم للشيء فيه دلالة على شرفه في الغالب ، فتقديم المكروه ؛ لأن الصيام يقوم على الترك ، ولذلك المكروه ألصق بمادة الصيام من المستحب الذي يطلب فيه الفعل في الغالب .
وقوله-رحمه الله- [ وحكم القضاء ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل المتعلقة بقضاء صيام رمضان ، والسبب في ذلك أن المكلف لا يخلو من حالتين :
الحالة الأولى : أن يوقع صيام الفريضة في زمانه المعتبر على وجهه المعتد به شرعاً فحينئذٍ لا إشكال ، ويسمى هذا الصيام منه صيام الأداء .
الحالة الثانية : أن لا يوقعه فيوجد العذر الشرعي الذي يبيح له الفطر من مرضٍ أو سفر أو غير ذلك فيفطر ، فإذا أفطر توجه عليه خطاب الشرع أن يقضي أياماً أخر على عدد الأيام التي أفطرها من غير رمضان فحينئذٍ ينتقل من رمضان إلى غير رمضان .
ويرد السؤال : عن هذه الأيام والأحكام المتعلقة بها هل تنـزل منـزلة أيام رمضان أو لا تنـزل ؟
ذلك - أيضاً - من جهة كون الذي يقضي إذا أفطر متعمداً هل يجوز له ذلك أو لا يجوز ؟ وما الحكم على فطره إذا وقع على هذا الوجه ؟
يقول-رحمه الله- [ باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء ] : جمعها-رحمة الله عليه- في هذا الموضع لتجانسها فإن المكروه والمستحب يتضادان في الغالب وإن كان هناك صور يكون فيها المستحب لا يضاد المكروه .
قوله-رحمه الله- [ يكره جمع ريقه فيبتلعه ] : يكره للصائم أن يجمع ريقه ، الريق : لعاب أوجده الله في الفم يكون بأصله لعاباً قوي المادة أو يتحلل مع حركة الفم ، وهذا اللعاب أوجده الله-- لحكمة ، وإذا أراد الإنسان أن ينظر إلى عظيم نعمة الله عليه بهذا اللعاب فلينظر إلى ساعته في شدة الظهيرة وقد جف حلقه من لعابه كيف يكون حاله ، فلو أن الله خلقه على هذه الصفة لوجد من المشقة والعناء ما لا يخفى ، ولكنه أحسن كل شيء خلقه-- وتبارك وهو أحسن الخالقين ، فخلقه على هذه الصفة فجعل اللعاب في فمه يمكنه من الكلام ويدفع عنه مشقة يبس حلقه وصعوبة كلامه ، ولذلك تجد من جف لعابه أو قل - خاصة في أحوال الصيام وشدة الظمأ - يصعب عليه الحديث ويصعب عليه الكلام فهذا اللعاب والريق له حالتان :
الحالة الأولى : أن يتركه المكلف على خلقة الله-- فيرتفق به في حال يُبس حلقه أو يُبس فمه فيجريه على المألوف المعتاد المعروف وهذه الحالة لا إشكال فيها بإجماع العلماء أن اللعاب يعتبر غير مؤثر في الصيام ولو بلعه الإنسان ؛ لأنه مما يشق التحرز عنه ، ولذلك يمثل العلماء له بما يشق التحرز عنه في الصيام واغتفروا في حكمه اللعاب اليسير ، الذي يكون من فضلة الطعام إذا شق عنه التحرز في الصلاة وهكذا ما يكون بين الأسنان في الصلاة ، اغتفروه ووظر اللبن الذي يكون من دسامة مادة اللبن بين الأسنان اغتفروه في الصلاة ، وأما في الصيام فقالوا : إنه إذا بزغ الفجر وانتهى وقت السحور فإنه يتمضمض إن بقيت مادة الطعام في فمه لأن اللعاب متصل بممنوع وهو وإن كان لعاباً في أصله لكنه خرج عن الأصل بامتزاجه مع المادة التي هي مادة الطعام ، وعلى هذا قالوا : إن اللعاب في هذه الحالة يجب إزالته إما ببصاق أو بغسل الفم بالمضمضة ، ولذلك ورد عنه-عليه الصلاة والسلام- تمضمضه قبل الصلاة من وظر اللبن ودسومته .
الحالة الثانية للريق : أن يجمعه فيبلعه وهو صائم فهذا الجمع للريق يعتبر متردداً بين أصلين ، يحتاج تقرير هذين الأصلين إلى أمر مهم لابد من بيانه ، حاصله أن فم الإنسان يعتبر من خارج الجسد ولا يعتبر من داخل الجسد .
وتوضيح ذلك : أنك في الصيام تحتاج أن تفرق بين خارج البدن وداخل البدن حتى تستطيع أن تفتي في مسائل الصيام ، وهذا أمر مهم لطالب العلم وللعالم ، ولا يستطيع أن يفتي في مسائل الفطر حتى يقرر ما هو الذي من خارج البدن وما هو الذي من داخله الذي إذا وصل إليه الغريب حكم بفطر الصائم بسبب ذلك ، فالفم دلت الأدلة على أنه من خارج ، إذا قلت : إنه من خارج فأي شيء يصل إليه من المفطرات لا يضر ولا يؤثر ما لم يتجاوز الحد المعتبر شرعاً وهي اللهاة ، واللهاة هي اللحمة المتدلية عند بداية الحلق ، فهي فاصل بين داخل البدن وبين خارج البدن ، وخارج البدن هو الفم ، فما كان دون اللهاة فهو من داخل ، وبناءً على ذلك لو استقاء فخرج القيء إلى فمه ورد ولو يسيراً من القيء إلى جوفه ورده إلى ما وراء اللهاة فقد أفطر وهذا بإجماع العلماء أنه إذا رد مادة القيء إلى داخل البدن بعد وصولها إلى الفم أنه يفطر لأنه بمجرد وصولها إلى الفم خرجت عن البدن .
إذاً تثبت أن هناك داخل وخارج ، الداخل ما دون اللهاة من جهة الجوف ، والخارج ما قبل اللهاة من جهة الفم ، على هذا فالريق إذا كان موجوداً في الفم فليس عندنا إشكال حتى ولو جمعه ثم أداره في فمه ثم بصقه ، لا إشكال لأن الأمر كله في خارج البدن ، لكن الإشكال لو جمع هذا الريق ثم ابتلعه بعد ذلك فهذا الفعل يتردد بين وجهين أحدهما يقتضي الحكم بالفطر والثاني يقتضي عدم الحكم بالفطر ، فأما كونه مقتضياً للفطر فهم يقولون هذا اللعاب مادة متعلقة بخارج البدن ، وكونها تنـزل يسيراً يسيراً ، وكون الإنسان يبلع ريقه يسيراً يسيراً قالوا : هذا على المعروف المألوف الذي يشق التحرز عنه ، فرخص الشرع فيه ، لكن كونه يجمع باختياره وقدرته وتمكنه ثم يبلع كما لو أفضل الجسم فضلة ثم بلعها ، فهم يقولون اللعاب فضلة الجسم وهذا بالإجماع أنه فضلة من الجسم فكما أن فضلة الجسم (كالقيء) إذا خرجت إلى الفم ثم ردت أنه تفطر ، قالوا : اللعاب إذا جُمِعَ خرج عن الرخصة ، فالرخصة فيه أن يكون متحللاً لترطيب الفم لكن إذا جمعه فإنه يقصد ما يقصده الشارب أو يقصده من يريد بَلَّ حلقه ، فخرج عن كونه مادة للفم إلى كونه مادة للحلق فأفطر من هذا الوجه ، قالوا : أشبه ما لو إذا خرج القيء ثم رده إلى داخل البدن ، والوجه الثاني الذي يقتضي أنه لا يفطر أن تقول : هذا اللعاب مادة تسامح الشرع فيها ، والإجماع منعقد على أن اللعاب الذي في داخل البدن لو بلعه الإنسان قليلاً قليلاً أنه لا يفطر ، فلا فرق عندي بين أن يبلعه دفعة واحدة وبين أن يبلعه شيئاً فشيئاً ، إذاً عندك وجهان أحدهما يقتضي الحظر والحكم بالفطر والثاني يقتضي الإباحة وأنه لا يوجب فطر صاحبه ، القاعدة عند بعض العلماء : " أنه إذا تردد الفعل أو القول بين مأذون به شرعاً وبين غير مأذون به شرعاً وهو المحرم - وأصبح بينهما فيه شبه من هذا وشبه من هذا - أنه يكره " ، هذا ضابط للمكروه عند بعض العلماء ، ولذلك مثلاً يمثلون بإسبال الإزار قال-- : (( ما أسفل الكعبين ففي النار )) وأجاز الأزرة إذا كانت فوق الكعبين ، وقد ثبت عنه أنه قال : (( أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه )) فإذا ارتفع الإزار عن الكعبين فالإجماع على حله ، وإذا نزل على الكعبين فإنه يعتبر داخلاً في قوله : (( ما أسفل الكعبين ففي النار )) لو أنه وصل إلى الكعبين ولم يجاوز ولم يرتفع عنهما وكان محاذياً للكعبين فليس عندك نص يقتضي التحريم وليس عندك نص يقتضي الإباحة ، فإذا جئت تقول : أبيحه أجابك المجيب بأن الشرع أباح ما فوق الكعبين ، وإذا قلت أحرمه أجابك المعترض بأن الذي حرمه الشرع ما أسفل الكعبين قالوا فيصبح بين الحظر والإباحة فهو مكروه فيسكت عنه الشرع لتردده بين الحظر والإباحة فيقولون : هو مكروه ، فإذاً كأن المكروه يتردد بين الحلال والحرام ويتردد بين الحظر والإباحة فجمع الريق فيه وجه لأن تجيزه وفيه وجه لأن تمنعه فإن قلت الشرع رخص في الريق لمكان مشقة التحرز والتوقي فإن الريق المجموع لا يشق التحرز عنه لأنه بإمكانه أن يبصقه قالوا : فحينئذٍ كأنه قصد الإخلال فيعتبر هذا الوجه يقتضي الحظر ، وتقول : الريق مأذون به شرعاً فيستوي أن يكون مجموعاً أو متفرقاً فهذا الوجه يقتضي الإباحة فأصبح جمع الريق مكروهاً من هذا الوجه ، فهذا هو وجه كون العلماء-رحمة الله عليهم- ينصون على كراهية مثل هذه الأمور ، ويستشكل بعض طلاب العلم كيف يحكم بالكراهة بما لا نص فيه ، وهذا مسلك يدل على ورع السلف والأئمة-رحمة الله عليهم- هذا مسلك ، ولذلك لما تكلم العلماء ما هو ضابط المكروه كان قول بعض العلماء طبعاً أن يرد النص بالنهي غير الجازم هذا لا إشكال فيه .
لكن هناك صور وهي المتردد بين الحظر والإباحة يؤكدون هذا أن الشرع قصد الترك ، ولذلك قال-- : (( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )) فالفقيه لا يستطيع أن يقول هذا حرام وإذا قال : هو حلال وجد في نفسه الشبهة فتردد .
ولذلك إذا قال لك قائل : أجمع الريق وأبلعه ستجد في نفسك الشبهة لكن ما تستطيع أن تقول : إنه حرام ، فالبر طمأنينة ، قالوا فوجود هذه الشبهة كونه يجمع الريق كأنك تفهم منه أنه في حكم من يُدخل من خارج البدن الغريب عنه ، لأن الذي ليس بغريب أن يترك اللعاب على طبيعته ، لكن كونه يجمع وكونه يزدرد قالوا هذا يقتضي الشبهة ومن هنا يقوى القول بكون جمع الريق من مكروهات الصيام .
بلع الريق له ثلاثة أحوال :
الحالة المعروفة المألوفة لا إشكال فيها لكن هناك حالتان يذكرها العلماء وهي أن يجمع الريق من داخل أي من داخل الفم .
والحالة الثانية : أن يخرج هذا المجُتْمَعِ إلى خارج الفم ، فأما إذا كان الريق في داخل الفم وجمعه وبلعه وازدرده فمثل ما ذكرنا أنه مكروه ، لكن لو جمع الريق فأخرجه بلسانه أو جاوز شفتيه ثم رده فإنه يفطر في قول جماهير أهل العلم-رحمة الله عليهم- ، لأنه إذا أخرجه عن الفم فإنه حينئذٍ يخرج عن الرخصة وجهاً واحداً عند أهل العلم فيعتبر خارجاً عن اللعاب المرخص به شرعاً ، لأن الذي يشق التحرز عنه ما كان في داخل الفم ، أما إذا خرج قالوا : إنه يفطر ، وعلى هذا يقولون : إنه إذا خرج الريق من خارج الفم فإنه يفطر .
ما فائدة أن العلماء-رحمة الله عليهم- يقولون : الريق يجمع من داخل أو يجمع من خارج ؟
قد يقول قائل : إنه من القبيح على الإنسان أن يخرج الريق من فمه ثم يرده ، وهذه المسائل يذكرها العلماء لأمور قد يحتاج إليها الفقهاء ، فمثلاً في زماننا قد توجد أحوال في بعض الأحيان بعض الآلات قد تقوم بشفط ما في الفم وإعادته إليه وتكريره عليه ، فإذا كان الشفط يكون في داخل الفم كما يكون في بعض من يكون في أجهزة الإنعاش يحتاج إلى وجود بعض المواد التي تكون في فمه فهذا الشفط والإعادة إذا كانت الآلة التي تشفط تشفط المادة إلى خارج الفم وتجاوزه فيرد فيه الكلام ، وإن كانت في داخل الفم ولا تجاوزه فلا إشكال فيها ، فالمقصود أن مسألة جمع الريق لا تخلو من هاتين الصورتين ، إن خرج الريق وجاوز حد الشفتين أفطر وجهاً واحداً وإن لم يجاوزه فإنه يرد فيه ما ذكرناه من الحكم بالكراهة ولا يحكم بفطر صاحبه .
[ ويحرم بلع النخامة ويفطر بها فقط إن وصلت إلى فمه ] : هناك مادة ثانية من فضلة الفم وهو المخاط الذي يكون في الخياشيم وفي الأنف ، وقد يخرج من الصدر كالبلغم ، فأما بالنسبة للمخاط الذي يكون في الخياشيم فإنه لا يخلو من حالتين :
الحالة الأولى : أن يكون سحب الإنسان له إلى الجوف مباشرة ، كما لو يستنشق ثم يذهب إلى جوفه دون أن يمر بفمه فهذا بالإجماع لا يفطر ولو كان للنخامة جرم كما هي القطع الصغيرة التي تتجلط من المخاط فهذا لا يفطر .
الحالة الثانية : أن تكون النخامة قد خرجت إلى الفم ، فإن خرجت إلى الفم وأدارها في فمه فلا يخلو من حالتين : الأمر الأول : إما أن يديرها في فمه ثم يبلعها وهذا هو الذي حكم المصنف عليه أنه يحرم وأنه يوجب الفطر إن بلعها ، وهناك وجه ثانٍ أنه لا يفطر ويرون أن الفم مغتفر كالأنف والذي اختاره المصنف من القوة بمكان لأن الأصول تقتضيه .
الأمر الثاني : أن يخرجه إلى الشفتين كما ذكرنا كأن يخرج لسانه وعليه نخامة ثم يزدردها فإنه يفطر في قول جماهير العلماء-رحمة الله عليهم- وجهاً واحداً ، على هذا يفرق في النخامة بين هاتين الحالتين .
أما بالنسبة للبلغم الذي يكون من الصدر فإن كح وأخرجه إلى حلقه دون أن يصل إلى فمه ويجاوز لهاته فلا إشكال إن إزدرد مباشرة ، وأما إذا أخرجه إلى فمه ففيه الكلام الذي ذكرناه والصحيح والأقوى أنه يفطر ، كما لو أخرج القيء ثم رده ، وبناءً على ذلك فإن النخامة والبلغم يفصل فيهما هذا التفصيل .
[ ويكره ذوق طعام بلا حاجة ] : نفس الشيء إذا نظرت إلى ذوق الطعام فأنت ترى أن الذي يذوق الطعام فيه شبه لأنه إذا ذاقه وازدرده فلا إشكال أنه يفطر بالإجماع كأن يتحسى شراباً أو طعاماً يذوقه ، ثم بعد ذلك يزدرده ويجاوز اللهاة بالإجماع أنه يفطر .
الحالة الثانية : أن يذوق الطعام ثم يغسل الفم مباشرة ويلقيه فهذا فيه خلاف بين العلماء-رحمة الله عليهم- ، والصحيح كما أفتى به ابن عباس-رضي الله عنهما- وطائفة من السلف أنه لا حرج ولا بأس أن يذوق الإنسان الطعام لكن بشرط أنه بعد ذوقه يغسل فمه وتذهب المادة التي ذاقها ، أما إذا لم تذهب وبقيت المادة وتحللت في اللعاب ووجد طعم الطعام في حلقه فقد أفطر .
[ ومضغ علك قوي ] : العلك هو اللبان ، والعلك منه ما يكون دواءً ومنه ما يستعمل لغير الدواء والعلاج .
أما بالنسبة لما يستعمل دواءً كاللبان المر فهذا له فوائد في الصدر وله فوائد للجوف ويستخدم كعلاج .
وهناك النوع الثاني الذي لا يقصد منه التداوي وهو ما يستعمل من باب الترفيه عن النفس فهذا يشدد فيه بعض العلماء لما فيه مـن شبه من قوم لوط ولا يحفظ في ذلك نص صحيح يدل على ثبوت هذا ، لكنه من خوارم المروءة ، يعني أن الحياء والمروءة أن لا يستعمله من له مكانة كالوالد أمام أولاده وهكذا الأم أمام بناتها وصغارها وهكذا طالب العلم والعالم ومن له مكانة بين الناس ، فمضغ اللبان يسقط مروءته ويدل على قلة حيائه ، قال -- : (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت )) وضابط ذلك : أن يفعله أمام الناس كما أشار إلى ذلك بعض العلماء بقوله :
وما أُبِيْحَ وَهْوَ فيِ العيَانِ يَِقْدَحُ فيِ مروءةِ الإنسانِ
فكونه يمضغ اللبان أمام الناس فهذا يوجب سقوط عدالته والجرح في شهادته ، ويدل على نقص عقله لأن العقل يمنع من فعل هذه الأمور أمام الناس ، وبالنسبة للتحريم لأن أهل لوط يفعلون ذلك فهذا لم يثبت به نص صحيح والأصل الجواز ولا حرج في مضغه ، وكون الإنسان يمضغ اللبان لا حرج لكن لا يفعل ذلك أمام الناس ، وأما لو كان صغير السن والأحداث ونحوهم فهذا مما جرت العادة باغتفاره .
والدليل على الجواز : أن الله سخر لبني آدم الارتفاق بالمطعوم والمشروب ما لم يدل الدليل على التحريم وهذا مما يطعم .
وأما اللبان الذي يتداوى به كمرضى السكر ونحوهم حيث يحتاجون إلى وجود اللعاب في فمهم وهكذا بالنسبة للبان المر الذي يتداوى به الإنسان فهذا لا إشكال فيه ، بقي السؤال اللبان أو العلك له حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون قـوياً ومادته متحللة ، وهذه الحالة أوضح ما تكون حينما يأخذ الإنسان العلك في بدايته ، فإنه يجد قوة المادة ويجد تحللها في فمه ، ويجد أثرها في فكه فتجد اللعاب يسيل بسبب قوة المادة فإذا كان اللعاب حلواً سال لعابه ، فتجد قوة المادة مؤثرة ، هذا هو المتحلل .
الحالة الثانية : غير المتحلل وهو الذي لا تجد له طعماً ، فإذا نظرت إلى هذا اللبان كاللبان المر إذا علكه الإنسان وأخذ في علكه ربع ساعة تقريباً أصبح مادة يعلكها المقصود منها في الغالب جريان اللعاب ، ولا تجد هناك طعماً قوياً ومادة مؤثرة ، فهذا معنى المتحلل والقوي والضعيف وغير المتحلل ، فاللبان في بدايته يكون متحللاً قوياً .
فائدة هذا التفصيل : أنه لو كان قبل أذان الفجر يعلك اللبان فعلكه وذهبت قوته ثم أذن عليه الفجر وهو في فمه ولا يجد إلا إسالة اللعاب ولا يجد لمادة اللبان أثراً فهذا أضعف مما لو كان في بداية العلك ، فيفرق بين الذي له مادة تتحلل والذي ليست له مادة ، وتوضيح ذلك أن الفم من خارج كما قررناه فكونه يُجْرِي اللعاب في داخل فمه عن طريق اللبان فهذا لا يؤثر ما لم يكن للبان مادة ، ويصبح طعم الريق بها ثم يزدرد هذه المادة فيفطر .
وأما إذا كان مادة جافة خاصة لو شرب الماء بعد مضغ اللبان بربع ساعة تقريباً أو عشر دقائق فإنه يصبح اللبان جافاً ومادته جافة ولا تتحلل وحينئذٍ يضعف عن التأثير بخلاف ما لو إذا كان في بدايته .
[ وإن وجد طعمهما في حلقه أفطر ] : إن وجد طعم العلك سواءً كان قوياً أو ضعيفاً يعني المتحلل وغير المتحلل إن وجد طعمه في حلقه أفطر وجهاً واحداً ، والسبب في ذلك أنه بوصول هذه المادة إلى الحلق فإنه يعتبر في حكم من طعم الطعام ووجد طعم الطعام في حلقه .
قوله [ ويحرم العلك المتحلل إن بلع ريقه ] : قال يكره إذا لم يكن قوياً ، وأما إذا كان متحللاً فإنه يحرم إن بلع ريقه ، أما لو أجراه في فمه ثم لفظه ولفظ ما فيه فهذا لا يؤثر .
[ وتكره القبلة لمن تحرك شهوته ] : [ وتكره القبلة ] : وهي تكون بالفم ، لمن ؟ أي للشخص الذي تحرك القبلة شهوته الشخص إذا قبّل لا يخلو من أحوال :
الحالة الأولى : ألا يأمن من نفسه أن يجامع أهله فتقوى شهوته ويندفع إلى درجة لا يأمن معها أن يفسد صومه بالجماع .
الحالة الثانية : أن تتحرك شهوته إلى درجة لا تصل إلى الجماع ولكن ينـزل فيستطيع أن يحبس نفسه عن الجماع لكن لا يستطيع أن يحبس نفسه عن الإنزال كسريع القذف كما ذكر بعض العلماء وهو الذي يسرع قذفه عند بداية شهوته .
الحالة الثالثة : أن يكون قوياً مالكاً لإربه فلا ينـزل ويأمن أن يقع منه الجماع .
هذه ثلاثة أحوال في الشهوة بالنسبة للشخص الذي تقع منه الشهوة ، إما أن تحركه حتى يصل إلى غايتها من الجماع ، وإما أن تحركه فيصل إلى الإنزال ولا تؤدي به إلى الجماع ، وإما أن تحركه فيجد النشوة ؛ ولكن لايصل إلى الإنزال ولا يقع منه جماع .
أما الذي لا تحرك القبلة شهوته فهو الشخص الذي لا يجد الانتشاء في التقبيل كأن يقبل لعاطفة فيقبل أبناءه أو يقبل بناته فهذه ليست بقبلة شهوة ؛ لأن التقبيل يكون لمعان أن يقبل محبة أو شهوة وهي قبلة الزوج لزوجته ، والعكس أو يقبل لرحمة كتقبيل الأب لابنه أو يقبل لعاطفة وهي صورة العكس تقبيل الابن لأبيه أو يقبل لهيبة وإجلال كأن يقبل جبهة العالم أو يده فهذه أحوال للمقبل .
لكن الذي يتكلم العلماء عنه التقبيل للمرأة وهو تقبيل الشهوة ، أما لو رأى المرأة في حزن ورحمها وعطف عليها فقبّلها من باب العطف والحنان فإنه خارج عن مسألتنا وحمل بعض العلماء عليه تقبيل النبي-- لعائشة قبل أن يدخل إلى المسجد فقالوا إن هذا التقبيل من النبي-- ليس تقبيل محبة وإنما هو صدق مودة من النبي-- لها وليس يقصد منه تحريك الشهوة أو ما يكون بين الرجل وامرأته من باب الشهوة ؛ لأن النبي-- كان إذا أذن عليه المؤذن كما قالت : لا يعرفنا ، أي أنه-عليه الصلاة والسلام- كان يشتغل بأمر الصلاة ، فالتقبيل الذي يبحثه العلماء في هذا الموضع تقبيل الشهوة ولا يريدون منه مطلق التقبيل ، فلو قبل الأب ابنه فإن قبلته قبلة عطف وحنان وشفقة كما قال-- لما قال له الرجل : إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم قال : (( أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك )) فوصف التقبيل بكونه رحمة وهذا لايتكلم العلماء عنه ، وكذا إذا قبلت الأم ابنتها إذا رآها في حزن ونحو ذلك ، فإذا كان التقبيل للشهوة فقد ثبت عن النبي-- أنه قبل وهو صائم وهو ثابت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- يرويه هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير أن عائشة-رضي الله عنها- قالت : كان النبي-- يقبل وهو صائم ، فسألها عروة-- وقال : ما أرُأه إلا أنت ، قال فضحكت-رضي الله عنها وأرضاها- .
ما فائدة سؤال عروة-- بهذا الأسلوب ؟
لأنه قد يقول البعض : ما الداعي أن يقول عروة ذلك ؟ الواقع أننا استفدنا من سؤال عروة-- هذا أنها رواية متصلة لا منفصلة ؛ لأنه قـد تحكي أم المؤمنين شيئاً من حاله-عليه الصلاة والسلام- عن غيرها من أمهات المؤمنين ؛ لكن كونها تضحك فهذا يدل على أنه وقع منها مع النبي-- فتكون الرواية متصلة ويكون الفعل بينها وبين النبي-- مباشرة وهذا يدل على أنه لا حرج أن يقبل الصائم زوجه ، لكن قالت أم المؤمنين-رضي الله عنها- " ولقد كان أملككم لإرْبه " ، وفي رواية " لأرْبه " ، وقيل" لأرَبِه " واختلف العلماء فيه على وجهين :
قيل : الأرب هو العضو ، أرادت أنه لا ينـزل-عليه الصلاة والسلام- .
وقيل شهوته يعني الشهوة مطلقاً ، فإذا قلت : إن المراد من الأرب العضو فيكون مرادها أن يتحفظ من الإنزال فيدل على أن يقبل للشهوة ؛ ولكن بشرط أن يأمن الإنزال ، وإن قلت إن المراد بها مطلق الشهوة لأن النبي-- قبّل فحينئذٍ تشمل الشهوة المنبعثة للتقبيل والشهوة التي يكون منها للجماع ، فحينئذٍ تقول : إنه قَبَل لمعنىً غير كأن يقبل لعطف أو لحنان أو نحو ذلك ، والأول أقوى ، وعلى هذا فإنه لو قبل زوجته للشهوة لا حرج لكن فيه تفصيل إن غلب على ظنه أنه يجامع أو يقع في الجماع فلا يجوز له أن يقبل وذلك لأن " الوسائل تأخذ حكم مقاصدها " فإنك لو قلت الشرع يأذن للرجل أن يقبل زوجته مع أنه يغلب على ظنه أنه سيقع معها في الجماع وإفساد الصيام فهذا مما لم يأذن الله-- به ، وحينئذٍ يتناقض الشرع ، ولذلك نبهت أم المؤمنين-رضي الله عنها- على هذا فقالت : " كان أملككم لإربه " وكأنها تريد أن تفرق بين من يملك النفس ومن لا يملك النفس وبين من يقدر على حفظ نفسه ومن لا يقدر على حفظ نفسه ، وقد دل الشرع على أن تعاطي السبب يوجب الضمان للإنسان ، وأن الإنسان ينبغي عليه أن يتحفظ عن الأسباب التي تفضي به إلى الإخلال سواءً بالمأمورات أو بالمنهيات .
وبناءً على ذلك لما غلب على ظنه أنه يفسد صيامه بالجماع أو بالإنزال فإنه لا يقبّل ، فلو اعترض معترض وقال هذا ليس بصحيح لأن النبي-- قبّل فلا داعي لأن نفرق بين من يقع وبين من لا يقع ، نقول : إذا استدللت بفعله-عليه الصلاة والسلام- فيلزمك الاستدلال به كاملاً ، والذي وقع من النبي-- شيئان : التقبيل مع التحفظ ، والذي نتكلم فيه التقبيل مع عدم التحفظ ، فصورة النص فيها محافظة ولا إخلال فيها ، والصورة التي ذكرها العلماء واستثناها مما فيه الإخلال فبقيت على الأصل الموجب للمنع ، وهكذا لو أنه لم يأمن أن ينـزل ؛ لأن إنزاله يفضي به إلى الفطر فاستوى أن لا يأمن الجماع ولا يأمن الإنزال ففي هذه الأحوال يمنع منه .
وأما بالنسبة لما ورد في حديث أبي داود بتفريقه-عليه الصلاة والسلام- بين الشيخ وبين الشاب فحديث ضعيف لكن متنه صحيح ، وأصول الشريعة دالة على أن الذي لا يملك نفسه أنه لا يقبل ، وأما بالنسبة للذي يملك نفسه ويقدر فإنه لا حرج عليه أن يقبل ويقع منه ذلك .
قوله [ ويجب اجتناب كذب وغيبة وشتم ] : ويجب على الصائم أن يجتنب الكذب وهو محرم على المسلم سواءً كان صائماً أو مفطراً ، ولكن لماذا يقول المصنف-رحمه الله- [ ويجب اجتناب كذب ] ؟
وتوضيح ذلك : أن الكذب محرم في أصل الشرع ولكنه في رمضان أو في حال الصيام المفروض إذا كذب أصابه وزران وعليه إثمان ، الإثم الأول من جهة كونه كاذباً ، والإثم الثاني عدم رعايته لحرمة صيامه ، ولذلك يضيفه العلماء في باب الصيام تأكيداً وإلا فالكذب محرم مطلقاً ، والكذب : هو مخالفة الخبر للواقع فيقول محمد في الدار ، والواقع أنه ليس في الدار والواقع يعني الذي حدث وحصل أو الخارج عن الكلام الذي يوصف به ذلك ، فلو قلت محمد ليس بالدار أو محمد موجود بالـدار ومحمد موجود في حال النفي أو غير موجود في حال الإثبات فهذا كذب ، فإن كان عالماً بأنه ليس بموجود فأخبر بالوجود والعكس ، والكذب محرم مطلقاً ، قال الله-تعالى- : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } وقال-عليه الصلاة والسلام- كما في الحـديث الصحيح : (( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة )) ، وقوله : (( يهدي إلى البر )) يعني يهدي لكل خير ، فقلّ أن تجد إنساناً لسانه صدوق إلا وجدته أكثر الناس حرصاً على الطاعة ، وقلّ أن تجد إنساناً كذوباً يوفق للخير ، فغالباً ما تجد الصادق في قوله الأمين في خبره موفقاً للخير ، لأنه قد سدّ عن نفسه إثم لسانه ، ولما أراد أن يصف النبي-- كمال المسلم قال : (( المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه )) فمن أذية المسلمين باللسان الكذب عليهم فيخبرهم بأمور ليس لها حقيقة فهذا من الكذب وأشد ما يكون الكذب إذا كان على الله وعلى رسوله-عليه الصلاة والسلام- بتحليل الحرام أو تحريم الحلال ، فهذا من أعظم الكذب-نسأل الله السلامة والعافية- ، وهو من كبائر الذنوب التي توّعد الله عليها باللعنة والغضب-نسأل الله السلامة والعافية- قال-عليه الصلاة والسلام- : (( وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً )) ، فالإنسان الذي لا يبالي بالكلام الذي يخرج منه ويتكلم بما لا حقيقة له فإن هذا الفعل منه اعتداء لحدود الله في لسانه فيفجر بلسانه ، وقد ثبت في الحديث عن سفيان بن عبدالله-- أنه سأل النبي-- وقال : ما أخوف ما تخاف عليّ ؟ قال : (( هذا )) . أي لسانك ؟ وإذا كذب وتحرى الكذب -نسأل الله السلامة والعافية- فإنه يهدي إلى الفجور ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب الله عند الله كذاباً قال-- : (( إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ))-فنسأل الله السلامة والعافية - .
فإذا كذب لسانه-- اعوجت جوارحه وهذا يشهد له ما جاء في الحديث عنه-عليه الصلاة والسلام- أن الأعضاء تكفّر اللسان في صباح كل يوم وتقول : اتق الله فينا يا هذا اتق الله فينا فإنما نحن بك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا فهذا يدل على خطر الكذب ولذلك قال : (( وإن الكذب ليهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً )) .
فالكذب حرام سواءً كان في الصيام أو غيره ولكنه في الصيام أشد ، وهو كبيرة من كبائر الذنوب ، واختلف العلماء متى يكون الكذب كبيرة ، فبعض العلماء يقول : كبيرة ولو بمرة واحدة فمن كذب الكذبة الواحدة فإنه -نسأل الله السلامة والعافية- يعتبر فاسقاً مردود الشهادة مقدوح العدالة .
وقال بعض العلماء : لابد وأن يتكرر الكذب ثلاث مرات ، ولذلك قال-عليه الصلاة ولسلام- : (( ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً )) فالناس فيهم كاذب وفيهم كذاب وفيهم كذوب ، فالكذاب والكذوب هو الذي يتكرر منه الكذب وهي صيغة فعّال تدل على الكثرة وعلى القصد لذلك الشيء ، فبعض العلماء يرى أنه لا يعتبر من كبائر الذنوب إلا بالثلاث ، ولكن الأقوى أنه يفرّق في نوعية الكذب ، فبعض الكذبات تعتبر كبيرة بمرة واحدة ، وبعضها لا تعتبر كبيرة إلا بالتكرار ، فالكذب على رسول الله-- ولو بحديث واحد يعتبر كبيرة حتى ولو روى حديثاً وهو يعلم أنه ضعيف ونسبه إلى النبي-عليه الصلاة والسلام- وسكت على ذلك وأقره أو عبّر بصيغة تدل على ثبوته وهو يعتقد أن النبي-عليه الصلاة والسلام- لم يقله فقد كذب على رسول الله-نسأل الله السلامة والعافية- .
قوله [ ويجب اجتناب كذب ] : قال بعض العلماء : من كذب وهو صائم فقد أفطر لأن النبي-- قال : (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )) قالوا : فإذا كذب فقد انتقض صيامه وهذا مذهب بعض أهل الظاهر وبعض أهل الحديث-رحمة الله عليهم- ، وجماهير السلف على أن الكذب لا يوجب الفطر ولكنه ينقص أجر الصائم ويخل بثوابه الكامل وقد يمنع من قبول الله لصيامه-نسأل الله السلامة والعافية- ؛ لأن الله-تبارك وتعالى- يقول : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ } وقال-- : { اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } فجعل الصدق من تقواه-- من باب عطف الخاص على العام ، وعلى هذا قالوا : إنه لا يأمن لو كذب مرة واحدة وهو صائم أن يرد الله صيامه عليه ولا يتقبله ، وإذا لم يُتَقَبّل العمل فكأن الإنسان لم يعمله-نسأل الله السلامة والعافية- .
[ وغيبة وشتم ] : ويجب اجتناب الغيبة بالنسبة للصائم فلا يغتاب الناس والغيبة لها حالتان :
الحالة الأولى : أن تكون باللسان .
والحالة الثانية : أن تكون بالجوارح والأركان ، فأما الغيبة باللسان فهو أن يذكر أخاه بما يكره ، كأن يقول مثلاً فلان قصير فلان سمين فلان أعرج فلان أعور بشرط أن لا يكون من باب التمييز المحتاج إليه أو اشتهر بذلك فهذا يعتبر من الغيبة إذا ذكر نقصاً خِلقياً أو خُلقياً ، النقص الخَلْقي هو ما كان في صفاته الخلقية مثل ما ذكرنا فلان قصير ، أما النقص الخُلقي فينقسم إلى قسمين ما يتصل بالشرع وما يكون من أحوال الإنسان ولا يتصل بالشرع فالنقص الخُلقي المتصل بالشرع كأن يقول فلان فاسق وفلان فاجر -نسأل الله السلامة والعافية- فيتهمه بالفجور وبالفسق حتى ولو كان فاجراً فهي غيبة ، أما إذا لم يكن فاسقاً ولم يكن فاجراً فإنه يعتبر جامعاً بين السوأتين والعظيمتين الغيبة والبهتان-نسأل الله السلامة والعافية- ، فهذا من أعظم ما يكون كما أخبر-عليه الصلاة والسلام- قال : - يا رسول الله - أرأيت إن كان فيه ما أقول ؟ قال : (( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته )) فهذا النقص المتعلق بالدين ، أما النقص الخُلقي الذي لا يتصل بالدين كأن يقول فلان عجل فلان يستعجل في رأيه فلان لا يشاور فهذا عيب في الإنسان لكنه لا يتصل بالدين ولا يعتبر قادحاً دينياً فلان مستبد برأيه ، فهذا يعتبر من الغيبة لكنه ليس بعيب ديني إنما هو عيب خُلقي لا يتصل بالدين هذه الغيبة باللسان .
أما الغيبة بالجوارح والأركان تكون باليد كأن يشير فلان قصير وإلى ذلك أشار النبي-عليه الصلاة والسلام- بقوله لما أشارت أم المؤمنين أنها قصيرة قال : (( والذي نفسي بيده لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لأنتنته )) أي أن هذا الفعل منك تعيّرين به هذه الأمة من إماء الله بالقصر (( لو مزجت بماء البحر )) أي بما فيها من الأذية للمؤمنة وأذية المؤمن عظيمة عند الله-- (( لو مزجت بماء البحر )) لو كانت شيئاً حسّياً يظهر قذره للعيان ووضع هذا القدر في البحر الذي يعرف بكثرة الماء ولا يتغير قال : (( لأنتنته )) أي لوجد نتنه وضرره ، فهذا يدل على خطر الغيبة فهذا غيبة اليد ، غيبة اللسان مثل أن يتكلم يأتي الشخص وهذا يقع عند حكاية أحوال الناس فتجده يحكي لهجة الشخص أو يحكي أسلوبه في الكلام كأن يكون رجلاً أعجمياً فيتكلم كلاماً أعجمياً كأنه يحاكيه في الكلام أو يكون في لسانه رت أو لثغ فيأتي بالرت واللثغ على أساس أنه يحكي كلامه ، فهذا كله من الغيبة-نسأل الله السلامة والعافية- وآخذ حكمها ، فكما تقع الغيبة بالكلام تقع كذلك بالجوارح والأركان فبعض الناس يظن أن الغيبة لا تقع إلا بالكلام والواقع أنها أعم من هذا كله ، لأن النبي-- جعل الإشارة غيبة ومن هنا قال العلماء : إن الفعل آخذ حكم القول لأن المراد أن تحفظ حرمة أخيك المسلم ويستوي في ذلك أن يكون انتهاكها بالقول أو يكون انتهاكها بالفعل ، بل إن انتهاكها بالفعل في بعض الأحيان أشد من انتهاكها بالقول ، والغيبة لا خير فيها ، فلا يغتاب الناس إلا إنسان دنيء لأن الإنسان الكامل في خلقه والكامل في أدبه مع الناس يحفظ لسانه عن أذية المسلمين ويصونه عن الوقيعة في أعراضهم ، وعلى ذلك يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه فكما أنه يكره أن يُذكر عند الناس كذلك يكره أن يذكر الناس بما لا يحبوه ، فهذه الغيبة محرمة وبالإجماع أنها من كبائر الذنوب .
واختلفوا متى تكون كبيرة ؟
قال بعض العلماء : كبيرة بحسب الأشخاص فغيبة العلماء سواءً كانت باللسان أو كانت بالجوارح والأركان يقصد تحقير عالم أو انتقاصه فقالوا : هذا يعتبر كبيرة ولو بمرة واحدة ، فذكر العالم بما يكره في غيبته يعتبر كبيرة ولو بمرة واحدة وذلك لعظيم حرمتهم عند الله-- ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه لما قال المنافقون : ما رأينا مثل قرآئنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء ، فأنزل الله-- : { قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ  لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } قالوا لأن القراء وُقع في عرضهم ووقعت الغيبة فيهم لأنهم قراء لكتاب الله وكأن الأذية لهم من جهة الشرع ، فكذلك العلماء والقضاة ، والناس يقعون في الغيبة وهم لا يشعرون فتجد الواحد يقول : القضاة لا يعرفون أو الدعاة لا يعرفون فإذا قال : القضاة فإنه قد اغتاب جميع من يقضي على وجه الأرض في شريعة الإسلام ، وهكذا إذا قال : إنهم لا يحسنون الفتوى عن العلماء فإنه يعتبر متحملاً لوزر جميع العلماء إذا وصفهم بكونه... ، ولذلك الأمر خطير جداً فإذا ذكرت جنساً معيناً قلت : جنس كذا لا يفهمون ، جنس كذا يسرقون ، وجنس كذا يفعلون ، جنس كذا يتركون ، جنس كذا ، جنس كذا طوال أو قصار فهذه غيبة لتلك الأمة كلها لأنك وصفتهم جميعاً وشهدت عليهم بهذا فالأمر خطير جداً والله-تعالى- يقول : { سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } فالإنسان يتكلم وهـو لا يدري يظن أن الأمر سهل ، ومن هنا أشار النبي-عليه الصلاة والسلام- في قوله : (( والذي نفسي بيده إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً يهوي بها أبعد مما بين المشرق والمغرب في نار جهنم )) بالكلمة الواحدة فهذا أمر صعب ، قال بعض العلماء : إن العبد يبيت قائماً ويصبح صائماً وحسناته قد ذهبت بغيبة واحدة كأن يغتاب أمة بكاملها-والعياذ بالله- ، فالأمر جد خطير ، وعلى طالب العلم والعلماء والدعاة أن ينصحوا الناس وأن يذكروهم فهذا أمر مما حرمه الله-- ، فإذا وقع فيه الصائم .
قال بعض العلماء : فسد صيامه وأفطر ولزمه القضاء وهو قول ضعيف ، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أنه يأثم وصيامه صحيح .
قوله [ وشتم ] : الشتم له حالتان :
الحالة الأول : إما أن يكون شتماً يوجب النقص للمشتوم في دينه وعرضه كأن يشتمه شتيمة كفر-والعياذ بالله- فيصفه بالكفر فهذا من أشد الشتم ، وهو الذي أشار النبي-عليه الصلاة والسلام- إليه أنه : (( إذا قال لأخيه المسلم يا كافر إن كان كما قال وإلا حارت عليه )) يعني رجعت عليه-والعياذ بالله- ، فهذا أعظم الشتم وهو الشتم بالعيب الديني الموجب للخروج من الملة ، وبعده الشتم بالفسق كأن يشتمه بعيب فيه فسق كشرب خمر أو زنا أو غير ذلك فهذا من كبائر الذنوب ومنه قذف المحصنات الغافلات المؤمنات وهو الذي توعد الله عليه باللعنة والغضب والعذاب العظيم في الدنيا والآخرة-نسأل الله السلامة والعافية- ، فهذا من أشد أنواع الشتم ويليه بعد ذلك الشتم بالمحقرات قد يكون الشتم غير مباشر قد يكون بالتشبيه كأن يصفه بوصف يقصد به المنقصة فهذا من الشتم لأنه يتضمن الانتقاص والعيب فهذا كله مما يحرم على الصائم ، ولذلك كان بعض العلماء يكره ويتقي أن يعنف الطالب في رمضان أو هو صائم كله خوفاً أن يكون منقصاً لأجره وموجباً لذهاب كمال ثوابه ، حتى كان بعضهم يتورع ويتقي أن يقول للطالب أنت لم تفهم ، فهذا كله خوف لأنه عيب وانتقاص ؛ لأن الشتم أصله الانتقاص ، وعلى هذا ينبغي للصائم أن يتحفظ في أذيته لإخوانه المسلمين بالشتم واللعن والسب ، وقد ثبت في الحديث عنه-عليه الصلاة والسلام- قال : (( إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة )) (( إن اللعانين )) أي الذين يكثرون اللعن (( لايكونوا شفعاء ولا شهداء يوم القيامة )) -نسأل الله السلامة والعافية- فحرمهما الله من هاتين المرتبتين الكريمتين اللتين يحتاجهما الإنسان أحوج ما يكون لقرابته كأبنائه وبناته يريد أن يشفع لهم بخروج من النار أو في عذاب استحقوه فلا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة والشهادة مرتبة شرف وكمال وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يتحفظ من اللعن واللعنة إذا خرجت من الفم لا تعود ، وإذا خرجت من اللسان إن كان الملعون كما ذكر أصابته ، وأما إذا لم يكن كذلك رجعت للذي قالها-نسأل الله العافية والسلامة- .
أما الدليل على أنه لا يسب ولا يشتم : قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم )) والجهل أن يسب الناس لأنه فعل الجاهلية والجهل من الجاهلية ، فمراده بأن لا يجهل أي لا يقول قولاً فيه جهل كالغيبة والشتم ، والصخبُ رفع الصوت ، فهذه السُّنة تدل على أنه ينبغي أن يتحفظ فإذا استفزه الغير وحركه للانتقام ذكّر نفسه بالصيام فقال : (( إني صائم )) أي نطق فقال : (( إني صائم )) فذكّر أخاه المسلم أن يتقي الله فيه وأن لا يجمع له بين ذنبين بين كونه يسبه وينتقصه ويحركه لإفساد صومه ويقول بذلك ويسمعه هذا ، وكذلك - أيضاً - يقول له : إني صائم حتى يذكّره بتقوى الله-- خاصةً إذا كان صائماً مثله .
قوله [ وسُن لمن شتم أن يقول إني صائم ] : إذا وقع السباب والمخاصمة بين اثنين فهناك سنن تتعلق بالذي شتم وسُب وسنن تتعلق بالذي يتكلم ويَشْتِم فالأصل ينبغي أن الإنسان لا يشتم الناس كما ذكرنا ، وإذا كان صائماً فإن الأمر في حقه أشد فإن تعدى وشتم سن للذي يُشتم أن يقول : إني صائم إني صائم بعد أن بين لنا أنه يحرم على الإنسان أن يسب الغير ويشتمه في حال الصيام ويصخب ويجهل ، شرع في بيان ما ينبغي على من خوطب بالجهل فسُب أو شتم أو انتهك عرضه أن يقول بلسانه ( إني صائم إني صائم ) لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( فإن سابه أحـد أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم )) والصحيح أن يقول ذلك بلسانه ويُسمعها للشخص ، وقيل : يقولها في نفسه وهذا ضعيف ؛ لأن الأصل حمل اللفظ على الحقيقة حتى يدل الدليل على غيرها .
وقوله [ فليقل ] : القول هو اللفظ ، والكلام النفسي الذي في داخل الإنسان ليس بلفظ لأنه لم يلفظه وقد قال -تعالى- : { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ } فوصف القول بأنه يُلفظ ، وقد قال-عليه الصلاة والسلام- : (( فليقل )) معناه فليلفظ هذا اللفظ فيقول : (( إني صائم إني صائم )) فإذا قال في نفسه إني صائم فمعنى ذلك أنه لم يلفظ وحينئذٍ لم يقل فلا يعتبر مصيباً للسُّنة من هذا الوجه .
قوله [ وتأخير سحور ] : أي وسن له أن يؤخر السحور ، والسحور فعول من السحر ، والسحر آخر الليل قبل الفجر بساعة ، تزيد أو تنقص على حسب طول الليل وقصره في الشتاء والصيف ، والسحر هو السدس الأخير من الليل ، فتقسم الليل على ثلاثة أجزاء ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر ، ثم بعد ذلك تأخذ نصف الجزء الأخير وهو السدس ، هذا السدس هو السحر الذي انتهى إليه وتره-عليه الصلاة والسلام- كما قالت أم المؤمنين عائشة كما في الصحيحين : " من كل الليل قد أوتر رسول الله-- من أوله وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر " فهو أفضل الأوقات لذكر الله-- كما قال-تعالى- : { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } سُمي السحور سحوراً لوقوعه في هذا الوقت ، والعرب تسمي الشيء بزمانه كما سميت صلاة الضحى لأنها تقع في الضحى ، وعيد الأضحى لأن الأضحية تذبح في الضحى في أول النهار ، فالمقصود أنه سمي السحور سحوراً بهذا والسحور فعل الأكل في وقت السحر سواءً كان كثيراً أو قليلاً فمن أكل تمرة واحدة فقد تسحر ؛ لأن النبي-عليه الصلاة والسلام- ذكر هذا فقال : (( ولو بتمرة )) فهو إذا أكل في السحور ولو تمرة واحدة فقد تسحر والأفضل أن يؤخر الأكل إلى هذا الوقت لأنه إذا أخر الأكل إلى هذا الوقت قويت نفسه على العبادات وعلى الطاعات ؛ ولأنه يخالف اليهود والنصارى في شريعة من قبلنا لأنهم كانوا لا يأكلون إذا استيقظوا من نومهم وإنما يمسكون لأنه كان في شريعتهم إذا نام حرُمَ عليه الأكل إلى اليوم الثاني ، ولذلك قال-عليه الصلاة والسلام- : (( فرق ما بيننا وبينهم طعمة السحر )) فهو يطعم ولو تمرة حتى يخالف اليهود وحينئذٍ تكون فضيلة وقربة لله-- .
والأكل في وقت السحور مما يعين على أداء الفريضة وهي فريضة الفجر ؛ لأن الإنسان إذا تسحر وحافظ على السحور فإنه أدعى أن يحفظ صلاته وأن يتمكن من أدائها ، لكنه إذا تسحر أول الليل ربما تساهل وقصر حتى يذهب وقت الفجر عليه أو تفوته الجماعة فلا يصلي معها ، فالمقصود أن الأفضل له أن يتسحر لكن لو أكل من الليل ثم نام واستيقظ في السحر ولم يأكل وواصل فإنه لا إثم عليه لأنه قال سنة : أي أنها يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها ولا توجب الإخلال فهذه من السنن والفضائل أن يؤخر السحور بحيث يكون بمجرد انتهائه من السحور يكون قد دخل وقت الفجر وهذا من أفضل ما يكون .
لكن ينبغي أن يكون ذلك مع حفظ وقت الفجر ، أما إذا كان يتساهل ولايضبط الوقت وعلى شبهة فيتحرى ويتحفظ فالمقصود أن تأخير السحور شرطه أن يضبط الوقت ، أما إذا كان على وجه لا يأمن منه الإخلال فإنه يمنع منه لأنه لا يُعقل أن يطلب السنة على وجهٍ يضيع به فريضة الله-- وهذا الركن من أركان الإسلام ، فالمقصود أنه يؤخر السحور على وجه يحفظ به الوقت .
قوله [ وتعجيل فطر على رطب ] : ويسن أن يعجل الفطر من صيامه فبمجرد مغيب الشمس يبادر بالفطر ، وقال بعض العلماء : بذهاب الصفرة التي تكون بعد المغيب حتى يُقبل الليل ، قالوا : وهذا هو السر في قوله : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } أي مع إمساك جزء يسير من الليل ، وعناه النبي-- بقوله : (( إذا أدبر النهار من ها هنا - وأشار إلى المغرب - وأقبل الليل من هاهنا - وأشار إلى المشرق - فقد أفطر الصائم )) ويبادر إلى الفطر وأحب العباد إلى الله أعجلهم فطراً كما ورد في الخبر عنه-عليه الصلاة والسلام- ، فهذه من الفضائل لما فيه من الأخذ برخصة الله-- وترك التنطع في الدين والتشدد لأن التنطع لا خير فيه وهو يهلك صاحبه كما قال-عليه الصلاة والسلام- : (( هلك المتنطعون )) ولا ينبغي للإنسان إذا وَقّت له الشرع شيئاً أن يجاوزه فحينئذٍ وقّت له أن يبقى صائماً إلى مغيب الشمس ، فإذا غابت الشمس أخذ برخصة الله-- فأفطر .
قوله [ على رطب ] : السُّنة أن يكون على رطب ، والرطب أفضل من التمر فإذا لم يجد الرطبات فالتمر ، فإذا لم يجد التمر حسا حسوات من ماء لحديث أنس-- عن النبي-- أنه كان إذا أفطر أفطر على رطبات فإن لم يَكُن - أي لم يجدها-عليه الصلاة والسلام- أفطر على تمرات فإن لم يَكُن حسا حسوات من ماء-صلوات الله وسلامه عليه- ، وكان بعض العلماء يذكر في الطب النبوي أن للرطب خاصية طيبة للجسم وأنه يقابل ما في جوف الإنسان من الشدة والحرارة ويصلح بذلك البدن ويرتفق به بخلاف الماء وبخلاف غيره من المشروبات ، فإنها إذا نزلت تنـزل بسرعة ويفاجأ بها أعضاء الإنسان في جوفه ، فيستحبون أن يسبق بالرطب ، لأن الرطب أقل انسياباً من التمر والتمر أسرع انسياباً ، ثم في التمر فضائل من جهة كونه هضيماً كما أخبر الله-- : { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } فهذا الطلع إذا كان رطباً فهو أفضل وأكمل ، والرطب هو الذي يستوي بعضه ، تعرفون أول ما يكون في ثمرة النخل البُسَر ويسمى البلح وهو الذي يكون عند الإزهاء من اصفرار أو احمرار فتبقى البلحة على حالها ويضربها اللون فهذه مرتبة الإزهاء ، وبعد أن تزهي تبدأ تستوي قليلاً قليلاً فيبدأ طرفها الأسفل ، وبعض الثمرات تبدأ بالترطيب من أعلاها وبعضها يبدأ بالترطيب من أوسطها حكمة من الله-- وهذا من أبلغ الآيات التي تدل على الطبيعيين الذين يقولون : الطبيعة ، ومن خيرات الطبيعة ، وما هذه الطبيعة التي ليست بخالقة ولا رازقه فلو كانت طبيعية لكان الرطب إما أن يستوي من أسفل أو أعلى أو أوسط يتفق على حالة واحدة ، فهذا الاختلاف في الألوان والأشكال والخلقة والاختلاف في الصور والاختلاف في الترطيب كما في الثمر يدل على وحدانية الله-- ووجوده لأن هذا يدل على وجود من فرق بين هذه الأحوال ، ولذلك جعل الله الاختلاف آية على وحدانية الله-- ، فالمقصود أنه يبدأ يُرْطِب أسفلها ، فلو كان ولو في بداية الرطب يكون أخذ حكم هذه الفضيلة إذا لم يجد غيره ، أما إذا كان بلحاً كامل البلح فلا يستحب لأن البلح يَيْبس في الحلق وله أثر يضر بالإنسان لكنه إذا كان رطباً فإن لين الاستواء يقابل خشونة ما فيه من البلح فيعتدلا ويكون نزوله إلى الأمعاء برفق ، هذا يذكره بعض العلماء في الطب النبوي ، وبعده التمر فإن التمر ينساب أكثر من الرطب ، والشيء إذا جاء على رفقٍ للبدن صلح وانتفع به البدن ، يقولون : فإذا انساب برفق انتفعت به الأمعاء فامتصته الأمعاء قبل وصوله ويكون هذا أكثر وأبلغ في الرفق بالبدن ، فجاءت الشريعة بطب الأرواح وطب الأبدان ، فكان هديه-عليه الصلاة والسلام- أن يبدأ بالرطب ثم التمر ثم الماء وكرهوا أن يفطر على شيء فيه نار ، وفيه حديث تكلم العلماء على سنده والأطباء يؤكدون أنه لا يستقيم ؛ لأن الجوف حار بسبب الصيام فإذا شرب الحار فإنه لا يكون مما يحمد للبدن ، وكان بعض الأطباء القدماء يذكرون هذا وأشار إليه بعض الأئمة-رحمة الله عليهم- في شرح حديث أنس-- وبين السبب في كونه-عليه الصلاة والسلام- يفطر على هذا الوجه ، فلا يستحبون الفطر بما فيه نار أو الأشياء الحارة لأنه لا يأمن منها الضرر على نفسه .
قوله [ فإن عدم فتمر فإن عدم فماء وقول ما ورد ] : أي يسن أن يقول ما ورد (( ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله )) وأما حديث : (( اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا )) فهو حديث ضعيف ، وإنما يدعو الإنسان بما تيسر وليس في ذلك توقيت ولكن الهدي على أنه إذا انتهى الإنسان من العبادة يُرجى له القبول ، ولذلك إذا انتهى من الصلاة قبل أن يُسلم شرع له الدعاء ، قال-عليه الصلاة والسلام- : (( ثم ليتخير من المسألة ما شاء )) وَجُعِل هذا الموضع من موضع مظان الإجابة كما قال-عليه الصلاة والسلام- لما سئل عن مواضع الإجابة أي الدعاء أسمع قال : (( وأدبار الصلوات المكتوبات )) قيل أدبار الصلوات المكتوبات يعني عند آخر الصلاة فهذا من مواضع الإجابة ، وبعد الصلاة الزكاة ، ولذلك وقال-تعالى- : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } فإذا أدى الزكاة دعا النبي-- لمن أداها كأنه كلما انتهى من الفريضة وقام بحق الله كأن الله-- يرحمه ويكون ذلك عاجل المكافأة له في الدنيا وفي الصيام إذا انتهى من صيامه رجي له القبول ، وفي الحج تجده إذا انتهى من موقفه بعرفة وأصبح في يوم العيد كان صبحه الذي هو تمام عشية عرفة يصلي صلاة الصبح ثم يقف-عليه الصلاة والسلام- بالمشعر وكان دعاؤه ، قال بعض السلف : شهدت هذا الموضع ستين عامـاً أسأل الله أن لا يجعله آخر العهد به فيردني الله إليه وإني لأستحي أن أسأله فرجع فمات من عامه ، وكذلك أثر عن الثوري-رحمه الله- ، فالمقصود أنهم يقولون : إن انتهاء الإنسان من الطاعة والقربة مظنة الإجابة ، ولذلك يقولون في الصيام : إذا انتهى من أداء صيامه يدعو وليس فيه توقيت أي ليس هناك لفظ معين يُحد به وإنما يدعو بما تيسر .
قوله [ ويستحب القضاء متتابعاً ] : ويستحب أن يقضي رمضان متتابعاً هذا الاستحباب لما فيه من براءة الإنسان في ذمته وأدائه لحق الله-- فإنه لا يأمن الموت ، ووجه الاستحباب أنه بادر لأداء حق الله-- ، وما تقرب عبد إلى الله بشيء أحب إليه مما افترض فكونه يترك التأخير ويبادر بالتقديم فهذا أفضل وأكمل ، ولذلك قالوا باستحباب أن يكون القضاء متتابعاً ؛ لأنه إذا ابتدأ بعد انتهاء أيام العيد وابتدأ بقضاء رمضان في اليوم الأول وأفطر بعده في اليوم الثاني فقد تأخر عن إبراء ذمته فكان خلاف الأفضل ، والأفضل والأكمل أن يبادر ، وأن يكون قضاؤه متتابعاً ، ولكن ليس بلازم ، فلو قضى رمضان متفرقاً أجزأه لأن الله-- قال : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وبالإجماع على أن المراد بها أي أيام ما دام أنها تصح للقضاء ، فيستوي في ذلك أن تقع مرتبه أو تقع مع وجود الفاصل بالفطر .
لكن هنا مسألة : وهي أن البعض ربما يؤخر قضاء رمضان إلى أوقات يكون القضاء فيها أخف كأن يؤخر إلى أيام الشتاء يطـول ليلها ويقصر نهارها فيكون تأذيه بضرر الصيام والعطش أقل وأخف ، قالوا : يفوته الأفضل والأكمل .
قوله [ ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر ] : أي لا يجوز أن يؤخر قضاء رمضان إلى دخول رمضان آخر من غير أن يوجد له عذر ، أما لو وجد له عذر فإنه يجوز له ذلك .
وتوضيح هذا : أن قضاء رمضان إذا أفطر الإنسان يوماً بعذر أو يومين أو أكثر فإننا نقول له : أنت بالخيار أن تقضي متى ما شئت بشرط أن لا يدخل عليك رمضان الثاني وأنت لم تصم .
والدليل على ذلك : حديث عائشة-رضي الله عنها- في الصحيح قولها : " إن كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله-- مني " فكانت تؤخر قضاء رمضان إلى شعبان وهذا يدل على أن القضاء موسع ، ولذلك يذكر العلماء هذه المسألة مثالاً على الواجب الموسع ، ودل على هذا القرآن في قوله : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } لكن إطلاق القرآن يُقيد بما جاء عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- بما ذكرناه من أن شرطه ألا يدخل رمضان آخر ، فإذا دخل رمضان آخر ولم يصم نظرنا ، نقول له أنت حرٌ في صيامك كيف شئت ، إن شئت أن تصوم من الشهر الأول أو الثاني أو الثالث فأنت بالخيار ، لكن إذا دخل شعبان فحينئذٍ ننظر فيك إن بقي من شعبان قدر الأيام التي عليك من رمضان الأول وجب عليك الصيام فلو كانت عليه عشرة أيام فإنه يجب عليه أن يصوم من اليوم التاسع عشر ، لأن اليوم الثلاثين يحتمل أن يكون من رمضان ويحتمل أن يكون من شعبان ، وحينئذٍ يصوم يوم عشرين والواحد والعشرين ثم ما بعده حتى يتم العدة ، وأما إذا كان عليه مثلاً خمسة أيام فنقول له حينئذٍ من الرابع والعشرين فيصوم اليوم الرابع والعشرين والخامس والعشرين والسادس والعشرين حتى لا يصل إلى يوم الشك لاحتمال أن يكون من رمضان ، فإذا بقي على قدر الأيام التي عليه من شعبان تعين عليه الصوم وهذا يمثل له العلماء يقولون : الواجب الموسع يصير مضيقاً في آخره إذا بقي على قدر فعله ، كالصلاة إذا دخل وقتها فإن الإنسان إذا لم يكن ملزماً بالجماعة كأن يكون في سفر أو نحوه إذا أخرها إلى آخر وقتها لا حرج ، فحينئذٍ إذا بقي على قدر فعلها تعينت عليه وانتقل الواجب الموسع إلى الواجب المضيق ، والسؤال إذا بقي من شعبان على قدر الأيام التي عليه لا يخلو من حالتين :
الحالة الأول : إما أن يقول لا أريد أن أصوم-نسأل الله السلامة والعافية- ويترك الصيام مع القدرة عليه فهو آثم شرعاً وسيأتي بيان حكمه .
وأما الحالة الثانية : وهي أن يكون معذوراً كالمرأة الحائض يصيبها الحيض أو تصير نفساء في هذه الفترة ، فإذا كان معذوراً فحينئذٍ ينتقل إلى ما بعد رمضان الثاني ويكون قضاؤه إلى ما بعد رمضان الثاني ولا إثم عليه هذا إذا جاء قدر الأيام التي عليه قبل رمضان الثاني وعنده عذر .
فمن سألك وقال لم أستطع قضاء رمضان الأول حتى دخل رمضان الثاني تقول : فيك تفصيل إن كنت قد قصرت عند بقاء المدة التي عليك من رمضان الأول قبل رمضان الثاني فحينئذٍ أنت آثم شرعاً ، وهل عليه الكفارة أولا ؟
قولان :
القول الأول : الجمهور على أنه يكفّر فيُطعم عن كل يوم ربع صاع ، وإذا كان عليه أربعة أيام يطعم صاعاً كاملاً لكل مسكين يعطيه ربع صاع .
القول الثاني : وقال بعض العلماء : لا يجب عليه إلا القضاء والاستغفار ، وهذا أقوى لأن الحديث الذي دلّ على الكفارة ضعيف ؛ ولكن العمل عند جماهير العلماء على المطالبة بالكفارة ، وإذا كفّر فهو أفضل حتى يخرج من الخلاف .
[ فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ] : كما ذكرنا .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-08-11, 03:45 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

الدرس السابع
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ وإن مات وعليه صوم ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فلا زال المصنف-رحمه الله- يبين جملة من الأحكام المتعلقة بقضاء الصوم .
فقال-رحمه الله- [ وإن مات وعليه صوم ] : إن مات المكلف وفي ذمته صوم واجب عليه كصوم رمضان أو صوم نذر فإنه يصوم عنه وليه لما ثبت في الصحيح من حديث عبدالله بن عباس-رضي الله عنهما- أن النبي-- قال : (( من مات وعليه صوم صام عنه وليه )) فأمر النبي-- الولي أن يحل محل مُوْليه إذا مات ذلك المولي ولم يصم ، وهذا أصل عند جمع من العلماء-رحمهم الله- إلا أن بعض أهل العلم فرّق بين صوم رمضان وصوم النذر ، ورأوا أن حكم الحديث يعتبر خاصاً بصوم النذر ، ولكن الصحيح أن الحكم عام في كل صيام مفروض ، وذلك لأن النبي-- إنما ورد السؤال عن صوم النذر فنبه به على سائر الصيام المفروض .
وثانياً : لأن القاعدة : " أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " فكون السؤال ورد على النبي-- عن صيام النذر لايقتضي تخصيص الحكم به إذا كانت العلة في النذر وغيره واحدة ، والسبب في ذلك أن النبي-- أمر في صيام النذر بالقضاء بعد الموت ، وذلك لكون النذر ديناً كما بين النبي-- ذلك بقوله : (( أرأيت لو كان على أمك دين )) فدل هذا على أنه لا فرق بين صوم النذر وغيره ، وأن المهم أن يكون الصوم واجباً على الميت ، فيشمل صوم رمضان وصوم النذر ، ويستوي في هذا الولي أن يكون ذكراً أو أنثى ، ويستوي في الميت أن يكون ذكراً أو أنثى ، فالرجل يقضي عن المرأة والمرأة تقضي عن الرجل ، فالولد يقضي عن والدته والبنت الأنثى تقضي عن والدها ؛ وذلك لأن النبي-- قال : (( من مات وعليه صوم صام عنه وليه )) والمراد بذلك جنس الولي .
قوله [ أو حج ] : أي من مات وعليه حج سواء كان حج فرض كأن يموت ولم يحج ، ومن مات ولم يحج فعلى حالتين :
الحالة الأولى : أن يكون مستطيعاً الحج وفرّط في ذلك حتى مات فحينئذٍ يجب أن يُخْرَج من ماله على قدر الحج عنه ويحجج عنه .
والحالة الثانية : أن يموت ولم يجب عليه حج ، وذلك بأن لا يتمكن لعجز مالي ويكون معذوراً ولا يجب عليه الحج ، ومـن ثم قالوا : إنه لا يجب عليه أن يُحج عنه ، وهكذا لو كانت امرأة فلا يجب أن يحجج عنها بعد الموت ، فيستوي الرجال والنساء ، المقصود أنه لا يؤمر الولي بالحج عن مُوليه إلا إذا وجب الحج عن ذلك المُولي .
وأما إذا كان الحج غير واجب عليه فلا يجب على ورثته ، لأن القاعدة : " أن البدل يأخذ حكم مبدله " فالولي بدل عن الأصيل الذي هو الميت ، فإذا لم يجب الحج عن الميت فمن باب أولى أن لا يجب على ورثته ، وعلى هذا فإنه إذا وجب الحج عن ميت ولم يحج وفرّط حَجّ عنه وليه ، وهكذا إذا كان الحج واجباً بالنذر كأن يكون حَجّ حجة الإسلام ثم قال لله علي أن أحج - وأطلق فحينئذٍ في ذمته الحج ، ثم مات فيبقى النذر في ذمته على القول ببقائه بعد الموت وإن كان بعض العلماء يسقطه لأنه قد صار في عداد ما لا يملكه ، ويسقط عنه كما يسقط النذر إذا لم يكن في ملك الإنسان ففي هذه الحالة إذا لزمه الحج يُحج عنه إذا قصر وفرط في الحج ، ويؤخذ من ماله على قدر ما يحج به الغير عنه .
وللعلماء تفصيل في مسألة المفرّط في الحج :
فإذا كان الذي فرط في الحج وهو الميت قد وجب عليه الحج من ميقات بعيد فإن وليه ومن يريد أن يحج عنه ينبغي عليه أن يحرم بالحج من هذا الميقات البعيد ، ومثاله لو أنه فرط في الحج وهو من أهل المدينة وقصر في ذلك ، ومات ولم يحج فإن وليه إذا أراد أن يحج عنه وكان من أهل الطائف أو من أهل الرياض مثلاً فإن ميقات الطائف والرياض أقرب من ميقات المدينة فحينئذٍ يلزمه أن يحرم من ميقات المدينة ، لأن الحج وجب على الأصل من المدينة من ميقات الأبعد فلا يحج من هو مُبْدَل عنه مما هو دون الميقات الأبعد الواجب على تفصيل - سنتعرض له إن شاء الله في مسائل الحج والمناسك - .
قوله [ أو اعتكاف ] : أو نذر أن يعتكف قالوا استحب لوليه أن يعتكف عنه وهذا مبني على العبادات البدنية التي يدخلها التناوب ، وأما إذا كانت العبادة بدنية لا تمكن فيها النيابة فلا ينـزل الولي منـزلة الميت ، كأن يموت وعليه صلاة فإنه بالإجماع لا يقضي الصلاة عن الميت ؛ لأنها عبادة بدنية محضة ، ورخص في الصوم لورود النص ، وقيس الاعتكاف على الصوم ونزل منـزلته وإلا فالأصل أن العبادات البدنية لا ينـزل فيها الولي منـزلة الميت ؛ وإنما جاز ذلك في العبادات البدنية المُشْتَرِكة مع المال كالحج والصوم لورود النص باستثنائه وبقي ما عدا ذلك على الأصل الموجب لعدم دخول النيابة فيه .
قوله [ أو صلاة نذر ] : أو كان عليه صلاة نذر ، فللعلماء وجهان في الصلاة أصحهما أن الصلاة لا تقضى عن الميت ، بعض أهل العلم يفرق بين الصلاة المفروضة في الأصل وبين الصلاة التي فرضها المكلف على نفسه ، ووجه ذلك : أنهم يسلمون بأن الأصل في العبادات البدنية أنه لا تدخلها النيابة ، فلا يصلي حي عن ميت ، ولا يصلي حي عن حي ، لكن ورد الحديث أن المرأة لما سألت النبي-- عن وليّها الذي مات وعليه صوم نذر فأمرها النبي-- أن تصوم عنه ، قالوا : فهذا يدل على أن العبادة البدنية المحضة وهي الصوم تدخلها النيابة إذا كانت نذراً لأن السؤال وقع من المرأة عن النذر ، فأبقوا الفريضة على الأصل ، ثم قالوا بأن النذر ينـزل فيه الولي منـزلة مُوليه إذا توفي ولم يفعله ، وبناءً على ذلك ألحقوا الصلاة المنذورة إذا نذر أن يصلي مائة ركعة أو يصلي عشرين ركعة ونحو ذلك وتوفي ولم يقم بهذه الصلاة يقوم وليه بالصلاة عنه ، والأول أشبه وأقوى أنه لا تدخل النيابة في مثل هذا .
قوله [ استحب لوليه قضاؤه ] : استحب لوليه أن ينـزل منـزلة الميت فيقوم بقضاء ما على الميت ، وفي بعض الأحيان لا بد من الإفراد في الولي ، وفي بعض الأحيان يمكن للأولياء أن يقتسموا ما على ميتهم فلو كان على ميتهم صوم مائة يوم وهذا الصوم نذره مفرقاً فإنه في هذه الحالة يمكن أن تفرق المائة على الأولياء فيصوم هذا عشرة أيام وهذا عشرة أيام حتى يتم العدد ، وأما إذا كان الصوم لا يدخله الاشتراك كأن ينذر صيام شهر بعينه فإنه في هذه الحالة لا يمكن أن يتأتى القيام بهذا النذر إلا من واحد من الأولياء ، فحينئذ ينتدب أحدهم ويصوم عن ميته .
قال المصنف-رحمه الله- : [ باب صوم التطوع ] : التطوع : تفعّل من الطاعة ، والمراد بذلك زيادة الطاعة والتقرب لله-- بفعل الصوم ، وتوضيحه أن الصوم ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : أوجبه الله-- وفرضه على المكلف كصيام رمضان وصيام الكفارات وصيام النذر يلزم المكلف به نفسه فيجب عليه القيام به .
وقسم ثانٍ : لا يجب على المكلف وهو صيام النافلة ، وصيام النافلة منه ما هو مطلق كأن يصوم من الأيام ما شاء فهذا لا إشكال فيه ومنه ما هو مقيد ندب الشرع إليه وحث العباد عليه وهذا أفضل من النوع الذي قبله .
يقول المصنف-رحمه الله- : [ باب صوم التطوع ] : فالتطوع زيادة الطاعة والتقرب إلى الله-- بفعل الصوم ، فلما فرغ المصنف-رحمه الله- من بيان أحكام الصيام إذا كان واجباً شرع-رحمه الله- في بيان أحكام ومسائل الصوم الذي لا يجب على المكلف .
يقول العلماء : إن صيام التطوع تجبر به الفريضة ، فلو أن إنساناً أخل بصوم الفرض جبر الله نقص صيام الفريضة بصيام النافلة .
واستدلوا لذلك : بما ثبت في الحديث عنه-عليه الصلاة والسلام- : (( أن أول ما يحاسب عنه العبد من عمله الصلاة فإن كان فيها نقص قال الله لملائكته انظروا هل لعبدي من تطوع )) قالوا : فهذا يدل على أن نقص الفرائض يكمل به من النوافل والتطوع ؛ لأن النبي-عليه الصلاة والسلام- قال : (( ثم سائر عمله على ذلك )) قالوا فهذا يدل على أن سائر الأعمال يفرق بين فرضها ونفلها فيكون نفلها مكملاً لفريضتها ، وعلى هذا فصيام التطوع من فوائده أن الله يجبر به كسر العبد في الفرائض ، ثم إن صيام التطوع زيادة قربة وامتثال وطاعة لله -- فتزيد من محبة الله للعبد كما في الحديث الصحيح : (( ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه )) فالتقرب بالنوافل يزيد من حسنات العبد ويرفع من درجته ، ويوجب محبة الله للعبد وبقدر حرص الإنسان على فعل النوافل والطاعات كان أقرب لمحبة الله فأولى الناس بمحبة الله من حافظ على النوافل وأكثر منها فهذا هو أولى الناس بمحبة الله-- له ؛ والسبب في ذلك أنه يفعل شيئاً لم يلزمه الله به وترك له الخيار فصدق في طاعته لله -- وصدق في محبته لله-- فتطوع ويشمل ذلك الطاعات البدنية من صلاة وصيام والنوافل المالية كالصدقات التي ينفقه الإنسان من ماله ونحو ذلك من القرب .
كأن المصنف يقول في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بصيام التطوع ،وقد ذهب بعض العلماء إلى أن أفضل الطاعات وأشرفها هو الصيام ؛ والسبب في ذلك أنهم قالوا : إن الصيام يقوم على الإخلاص والإخلاص هو أحب الأعمال إلى الله-- حتى قال بعض أصحاب الإمام الشافعي-رحمة الله على الجميع- : " إن الصيام أفضل من الصلاة ؛ والسبب في ذلك أن الصلاة ربما دخلها الرياء " ، كما قال-تعالى : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } ولكن في الصيام قال الله-- في الحديث القدسي : (( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )) ففضلوا الصيام ، وقالوا : إنه من أفضل الطاعات فريضة ونافلة ، ففي الفرائض هو أفضل من بقية الفرائض وفي النوافل نافلته أفضل من بقية النوافل ، وعلى هذا خرّجوا أن الاستكثار من الصوم أفضل من الاستكثار من بقية النوافل إذا كانت تشغل عنه ، والصحيح أن الصلاة أفضل من الصيام لأن النبي-- قال : (( استقيموا لله ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة )) ولأنها عماد الدين ، ولأن النبي-- لما سئل كما في الصحيحين : من حديث عبدالله بن مسعود-- أي العمل أحب إلى الله-- ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) فالصلاة أفضل من الصيام ؛ لكن المراد هنا الإشارة إلى تفضيل صيام التطوع ، ولا شك في أن صيام التطوع له فضيلة عظيمة ومنـزلة شريفة كريمة ولا يحافظ على الصيام لوجه الله-- إلا مؤمن ، وقد قال-عليه الصلاة والسلام- : (( من صام يوماً في سبيل الله شديداً حره بعد الله عن وجهه النار سبعين خريفاً )) فهذا يدل على فضيلة الطاعة والتقرب لله-- بالصيام .
قوله [ يسن صيام أيام البيض ] : أي من هدي النبي-- صيام أيام البيض وأيام البيض هي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ، وقال بعض العلماء : هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر ، والصحيح الأول أن أيام البيض هي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر .
وقد ثبت بذلك حديث الترمذي وحديث أبي ذر الذي حسنه غير واحد من الأئمة أن النبي-- أمره بصيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ، وُصفت هذه الأيام بكونها أيام بيض ؛ لأن السماء تبيضّ من شدة ضياء القمر ؛ والسبب في ذلك اكتمال ضوئه ، قال العلماء : إن صيامها سنة ومستحب .
وذهب الإمام مالك-رحمة الله عليه- وطائفة من أصحابه إلى المنع من صيام أيام البيض وتحريها ، ولعل الإمام مالك-رحمه الله- لم يبلغه الحديث في ذلك ، وإن كان بعض العلماء يرى أن الإمام مالك كان يشدد في صيام أيام البيض أول الأمر ، ثم لما ثبتت عنده السُّنة خفّف في ذلك بل روي عنه أنه كان يصومها وقال بعض أصحابه : إنما منع منها أول الأمر لأنه لم تثبت عنده السُّنة ، وهذا عذر لبعض الأئمة أنه ربما يؤثر عنه القول بخلاف السنة لعدم اطلاعه عليها كما قرر ذلك شيخ الإسلام-رحمه الله- في كتابه النفيس ( رفع الملام ) ، وكذلك صاحب كتاب ( الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ) بين الأئمة-رحمة الله عليهم- ، فالمقصود أن الصحيح أن صيام أيام البيض قربة ومستحب وأنه ليس بممنوع وللعلماء في أيام البيض وجهان :
الوجه الأول : بعضهم يقول : أيام البيض هي الأيام الثلاثة التي ندب إلى صيامها من كل شهر كما في الصحيح من حديث أبي هريرة-- : " أوصاني خليلي رسول الله-- بثلاث أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن أوتر قبل أن أنام وبركعتي الضحى" فقوله : (( ثلاثة أيام من كل شهر )) الصحيح أنها هي الأيام البيض وأن أفضل ما يكون من صيام ثلاثة أيام من كل شهر أن تكون الأيام البيض .
وقال بعض العلماء : بل إن الأيام البيض غير الأيام الثلاث ، والصحيح أنها هي الثلاث لحديث أبي ذر-- : (( إذا صمت ثلاثاً من كل شهر فصم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر )) فهذا حديث صريح في أن الأيام الثلاثة من كل شهر أفضل ما تكون الأيام البيض ، وقد جاءت السنة بخلاف نوعي وليس فيه تضاد في الروايات والأحاديث ، فقد ثبت عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه كان يصوم الثلاثة أيام من غرة كل شهر ، وجاء في رواية أنه كان يصوم السبت والأحد والإثنين إذا وافقت أول الشهر فإذا كان الشهر الثاني صام الثلاثاء والأربعاء والخميس .
قال الحافظ ابن حجر-رحمة الله عليه- : لعل الحكمة في ذلك أن يعدل بين الأيام-صلوات الله وسلامه عليه- فكان إذا وافق بداية الشهر صام السبت والأحد والإثنين كما جاءت عنه الرواية ، وإذا كان الشهر الذي يليه صام الثلاثاء والأربعاء والخميس ، وجاءت الرواية أنه كان يصوم الثلاثة الأيام من غرة كل شهر فيقول بعض العلماء هذه الثلاث التي هي من كل شهر تنوعت السُّنة فتارة تكون من غرة الشهر ، وتارة تكون من أوسط الشهر في الأيام البيض ، وتارة تكون من آخر الشهر ، والخلاف هنا خلاف تنوع وليس بخلاف تضاد بأن تحمل على أيام مخصوصة ، فالصحيح والأقوى أن النبي-- فعل جميع ذلك توسعة لأن الناس يختلفون في أحوالهم ، فمنهم من يتيسر له أن يصوم غرة الثلاثة أيام من كل شهر ، قالوا : إنما كانت الغرة لأنها مبادرة بالخير ، لأن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر سنة مستحبة فالأفضل أن تبادر بها في أول لأنه مسارعة إلى الخير ومسابقة إلى الطاعة وذلك مندوب ومرغوب فيه ، ويكون صيام الإنسان له على هذا الوجه قربة وطاعة .
وأما إذا لم يتيسر لك صيام الغرة فإنك تصوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر أي تنتقل إلى منتصف الشهر ، فإذا لم يتيسر لك أوله وأوسطه من صمت آخره والأمر في ذلك واسع ، وعلى هذا فإن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر الأفضل أن تكون الأيام البيض ولا حرج أن تكون من غرة الشهر لورود السُّنة عن النبي-- في ذلك وصيام الثلاثة الأيام البيض ذكر بعض العلماء كما نبه عليه بعض الأطباء ومنهم الحكيم الترمذي في كتابه (المنهيات) إلى أن هذه الأيام وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر يكتمل فيها ضياء القمر ويكثر فيها الأرق ويشتد فيها هيجان الدم فالصوم يخفف من هذا ويكون فيه لطف بالبدن ، فجمعت السنة بين خير الدين والدنيا ، وعلى هذا ففي صيام الأيام البيض علة أخرى مع كونها قربة لله-- فإنها تتضمن الرفق بالبدن من هيجان الدم في ليالي البيض عند اكتمال واشتداد الضوء ، ولذلك بعد الخامس عشر ينكسر ضوء القمر ، ويكون الأرق أخف من الأيام الثالث عشر والرابع والخامس عشر وهذا أمر معروف لمن جرّب ذلك في النوم تحت السماء مباشرة فإن الأرق في هذه الأيام يشتد ويكون أكثر من غيرها كما لا يخفى .
قوله [ والإثنين والخميس ] : أي ويسن صيام يومي الإثنين والخميس وهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله-- وقد كان النبي-- يصوم الإثنين والخميس وقال كما في الحديث الصحيح عنه : (( تعرض الأعمال على الله في كل إثنين وخميس )) وجاء في الرواية الأخرى : (( تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً إلا اثنين بينهما شحناء فيقال أَنْظِرا هذين حتى يصطلحا أَنْظِرا هذين حتى يصطلحا )) وهذا من شؤم القطيعة-والعياذ بالله- ، قال بعض العلماء : يشمل هذا أن تكون القطيعة في حدود الأيام المسموح بها وهي حدود الثلاثة الأيام أو تكون قد جاوزت ، قالوا : إذا كانت في حدود الثلاثة الأيام أن توافق يوم اثنين فتكون بينه وبين رجل قطيعة فيقطعه يوماً ويوافق ذلك يوم إثنين فيمنع من حصول هذا الخير من إصابة الرحمة له-نسأل الله السلامة والعافية- ، وقد جاءت في السُّنة ثلاثة أدلة تدل على شؤم القطيعة أولها حديث أبي داود (( هجر المسلم سنة كسفك دمه )) وقد صححه غير واحد من العلماء-رحمة الله عليهم- ، يقولون : إنه إذا هجر المسلم أخاه سنة كاملة تتراكم عليهم الذنوب حتى تصل في جرمها وقدرها جرم من قتل نفساً-والعياذ بالله- بدون حق لأنه لا يأمن خلال هذه السنة من الحقد عليه والضغينة عليه فتجتمع عليه مظالم القلب ومظالم اللسان فلا يأمن من غيبته ولا يأمن من الوقيعة فيه مع ما في القطيعة نفسها من إثم ، وأما النص الثاني فحديث ليلة القدر فإن النبي-- أراه الله ليلة القدر فأثناء بيانها له تلاحى رجلان واختصما ووقعت بينهما الفتنة وهما أُبي وأبي حدرد الأسلمي-رضي الله عنهما- في دَيْن لهما فتخاصما وتشاجرا حتى ارتفعت أصواتهما في المسجد فشوشا على رسول الله-- ورُفعت ليلة القدر .
قال بعض العلماء : فمن شؤم الخصام والخلاف أن الله رفع هذا الخير العظيم عن الأمة .
وأما الأمر الثالث : فهذا الحديث وهو كونه تعرض الأعمال على الله في كل اثنين وخميس فلا يغفر للإنسان إذا كان قاطعاً لأخيه ، وأما بالنسبة لصيام الإثنين والخميس فمندوب إليه ومفضّل لمكان عرض الأعمال على الله-- ، قال-عليه الصلاة والسلام- : (( فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم )) أي والحال أني صائم ، قال بعض العلماء : لأنه إذا عُرِضَ العمل وهو صائم فهو مظنة أن يُرحم العبد وأن يتجاوز الله-- عن إساءته وأن يتقبل ما كان من طاعته فيحصل على الخيرين فإن كان عبداً طائعاً فهو أحرى أن يتقبل الله طاعته والقبول هو خير ما يطلبه الإنسان من ربه إذا عمل العمل ، وأما إن مسيئاً فيكون مظنة أن يرحمه الله-- ويغفر له .
قوله [ وست من شوال ] : أي يندب له صيام ست من شوال لأن النبي-- قال كما في الصحيح : (( من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كمن صام الدهر )) والست من شوال يستوي أن تقع مرتبة أو تقع متفرقة ، ويجزئه أن يصوم الإثنين والخميس ينوي بها الست من شوال ، وينوي بها أن يعرض عمله وهو صائم فيحصل على الفضيلتين ، لأن المقصود من صيام الإثنين والخميس أن يعرض العمل والعبد صائم وهذا يقع في حالة نيته كونها عن ست من شوال ، وتقع الست من شوال إذا كان الإنسان عليه قضاء من رمضان فلو أخر قضاء رمضان ولم يصمه وصام ستاً من شوال قبل فإنه يجزئه ، ويحصّل هذه الفضيلة والخير ؛ لأن قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( من صام رمضان )) خرج مخرج الغالب يعني على الأصل من صيامه أو يقال : إن قوله : (( من صام رمضان )) يشمل صيام رمضان بعينه وصيام القضاء ، وقال بعض العلماء - كما هو مذهب طائفة من الحنابلة ، والشافعية - لا تجزيء أن يصوم الست قبل صيام رمضان وذلك لأنه لم يصم رمضان ولأنه لا يتأتى منه أن يتنفل وعليه فريضة ، والصحيح أنه يجزئ أن يصوم ستاً من شوال قبل القضاء لأن قوله : (( من صام رمضان )) لو أخذ بظاهره لم يدخل النساء في هذه الفضيلة ؛ لأن المرأة لابد وأن يأتيها العذر أثناء رمضان ، فلابد وأن يكون عليها قضاء ، فإذا قيل إنها إذا صامت بعد انتهاء يوم العيد صامت قضاءها ثم صامت الست إنها قد صامت رمضان وحينئذٍ يحصل لها الفضل نقول يستوي أن تصوم من شعبان أو تصوم من غيره ، ويكون قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( من صام رمضان )) على غير ظاهره ؛ وإنما المراد أن يجمع العدد وهو ست وثلاثون ، فإذا كان الإنسان قد صام ستاً وثلاثين من رمضان يستوي أن تكون أصلاً أو قضاءً وستاً من شوال فحينئذٍ يكون محصلاً لهذه الفضيلة سواء سبق القضاء أو تأخر ، ومن الأدلة على ذلك أنه لو قيل بأنه لابد من تقدم القضاء فإن المرأة النفساء يأتيها النفاس ويستمر معها شهر رمضان كله وقد يستمر معها خمسة وعشرين يوماً مثلاً فكيف ستصوم ستاً من شوال ؟
لا يتأتى لها بحال أن تصيب هذا الفضل ، فعلمنا أن المراد من ذلك إنما هو المبادرة بالخير بصيام رمضان أصلاً أو قضاءً ، ويستوي في ذلك أن يكون قضاؤه من شوال أو يكون قضاؤه من غير شوال ، أما كونه يتنفل وعليه فرض فهذا لا إشكال فيه ؛ لأن الفرض إذا كان موسعاً فإنه لا حرج أن يتنفل صاحبه بدليل ما لو أذن على الإنسان أذان الظهر فإنه يصلي الراتبة القبلية مع أنه مخاطب بالفرض ، قالوا لأن الوقت واسع وقضاء رمضان وقته واسع كما ثبتت بذلك السُّنة الصحيحة في حديث أم المؤمنين عائشة : " إن كان يكون عليّ الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله-- مني " والإجماع على هذا ، وبناءً على ذلك فلا حرج أن يصوم القضاء بعد صيام الست ، وحديث عائشة : " إن كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان " يدل دلالة واضحة على أنها كانت تتنفل قبل الفريضة ، ولذلك كانت تصوم الست لأن النبي-- كان يندب إليها والغالب أنها كانت تصوم ، وثبت عنها في الرواية أنها صامت يوم عرفة ، وعلى هذا فإن الصحيح والأقوى أنه يجوز أن يؤخر القضاء إلى ما بعد الست لكن الأفضل والأكمل للإنسان أن يقدم قضاء رمضان ثم يصوم الست من بعد ذلك ، وهذا أكمل من عدة وجوه بغض النظر عن كونه خروجاً من الخلاف فإنه أفضل لما فيه من المعاجلة والمبادرة بإبراء الذمة وذلك مندوب إليه شرعاً .
صيام ست من شوال مندوب إليه خلافاً للمالكية الذين يشددون في صيام ست من شوال وأُثر عن الإمام مالك أنه كره صيام الست من شوال ، وللعلماء خلاف في سبب كراهية هذا الإمام لصيام الست فقيل إن الناس كانوا بمجرد فطرهم بعد يوم العيد يبتدئون صيام الست كما يفعله البعض الآن فأصبح الناس في أيام العيد يضيقون على أنفسهم مع أنها أيام عيد ، ولذلك كره هذه المبادرة والمعاجلة بصيام الست بمجرد انتهاء يوم العيد .
وقال بعضهم : إنما كره متابعتها بعد العيد حتى لا يُظن أنها من رمضان فيأتي زمان يعتقد الناس أنها كالفرض والواجب فكان من باب سد الذرائع ومن أصول مالك-رحمة الله عليه- التي بنى عليه مذهبه القول بسد الذرائع ، فكان يقول بالمنع من الصيام على هذا الوجه سداً للذريعة ، وقيل إنه كان يكره تتابعها ، وهي أن يصومها ستاً سرداً وراء بعضها حتى لا يعتقد أن ذلك فرض ، والصحيح أنه يُشرع أن يصوم ستاً من شوال سواء أوقعها متتابعة أو أوقعها بعد يوم العيد ، أو فرقها لأن السنة أطلقت ، لكن الأفضل الذي تطمئن إليه النفس أن الإنسان يترك أيام العيد للفرح والسرور ، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي-- أنه نهى عن صيام منى نهى عن صومها للحجاج وقال : (( إنها أيام أكل وشرب )) كما جاء في حديث عبدالله بن حذافة (( فلا تصوموها )) فإذا كانت أيام منى الثلاثة لقربها من يوم العيد أخذت هذا الحكم فإن أيام الفطر لا تبعد إذا كانت قريبة ، ولذلك تجد الناس يتضايقون إذا زارهم الإنسان في أيام العيد فعرضوا عليه ضيافتهم وأحبوا أن يصيب من طعامهم وضيافتهم فقال : إني صائم ، وقد جاء عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه لما دعاه الأنصاري لإصابة طعامه ومعه بعض أصحابه فقال : فتنحى عن القوم وقال إني صائم - أي نافلة - فقال له النبي-- : (( إن أخاك قد تكلّف لك فأفطر وصم غيره )) فالخواطر تنكسر فحينما يدخل الضيف في أيام العيد خاصة في اليوم الثاني والثالث الأيام القريبة من العيد فإن الإنسان يأنس ويرتاح إذا رأى ضيفه يصيب من ضيافته ، فهذا في النفس منه شيء كونه يبادر مباشرة في اليوم الثاني والثالث بالصيام فهذا لا يخلو من نظر ، لكن الأفضل والأكمل أن الإنسان يطيّب خواطر الناس وقد تقع في هذا اليوم الثاني والثالث بعض الولائم للقرابة وقد يكون قريباً له حق على الإنسان كأعمامه وأخواله وقد يكون هناك ضيف عليهم فيحبون أن يكون الإنسان موجوداً يشاركهم في ضيافتهم ، فمثل هذه الأمور من مراعاة صلة الرحم وإدخال السرور على القرابة لا شك أن فيها فضيلة أفضل من النافلة والقاعدة : " أنه إذا تعارضت الفضيلتان المتساويتان - فضلاً عن أن صلة الرحم لاشك أنها من أفضل القربات وأجلها وأحبها إلى الله-- وكانت إحداهما يمكن تداركها في وقت غير الوقت الذي تزاحم فيه الأخرى أُخرت التي يمكن تداركها " ، فصيام ست من شوال وسّع الشرع فيه على العباد وجعله مطلقاً من شوال كله ، فأي شوال يجزئ ما عدا يوم العيد ، وبناءً على ذلك لا وجه أن الإنسان يضيق على نفسه في صلة رحمه وإدخال السرور على قرابته ومن يزورهم في يوم العيد فيؤخر هذه الست إلى ما بعد اليوم الثالث أو الأيام القريبة من العيد لأن الناس تحتاجها لإدخال السرور وإكرام الضيف ، ولا شك أن مراعاة ذلك لا يخلو الإنسان فيه من حصول الأجر الذي قد يفوق بعض الطاعات كما لا يخفى .
قوله [ وشهر المحرم ] : لأن النبي-- ندب إلى صيام شهر الله المحرم وهو أول الشهور من السنة القمرية وهو شهر الله المحرم ، لأن النبي-- بين أن أفضل الصوم بعد شهر رمضان صوم شهر الله المحرم ، والأفضل أن يستكثر من الصيام من شهر محرم وأفضله يوم عاشوراء كما سينبه عليه المصنف-رحمة الله عليه- .
قال العلماء : إن هذا الشهر اختص بفضيلة ، ولذلك يحرص الإنسان على صيامه وهو من الأشهر الحرم ، والأشهر الحرم ثلاث منها سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة وشهر الله المحرم ، وواحد فرد وهو رجب كما ثبت ذلك عن النبي-- في خطبته يوم حجة الوداع .
قوله : [ وآكده العاشر ثم التاسع ] : آكد صيام شهر الله المحرم أن يصوم اليوم العاشر ( عاشوراء ) فيوم عاشوراء هو أفضل وهو اليوم الذي نجى الله فيه موسى من فرعون كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي-- لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء فسأل عن ذلك فقالوا : إنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون فقال-- : (( نحن أولى بموسى منكم )) فصامه وأمر بصيامه ، وللعلماء في عاشوراء قولان :
القول الأول يقول : إن يوم عاشوراء كان فريضة في أول الأمر ثم نسخ برمضان .
والقول الثاني يقول : لم يكن فريضة وإنما كان سنة .
والصحيح القول الأول أنه كان فريضة ثم نسخت فرضيته برمضان وأصبح مستحباً .
والدليل على ذلك : أن النبي-- أمر الصحابة فقال : (( هذا يوم كتب الله عليكم صيامه فمن أصبح منكم صائماً فليتم صومه ومن أصبح منكم مفطراً فليمسك بقية يومه )) فهذا حديث صريح في الدلالة على أنه كان فريضة ، وهذا في السنة الأولى من الهجرة ، وفي السنة الثانية نزلت فرضية شهر رمضان فنسخت فرضية صيام عاشوراء وبقي صوم يوم عاشوراء على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب ، وصيام عاشوراء من شكر الله-- على نعمته فصامه-عليه الصلاة والسلام- شكراً لله-- لأن الله-- دمغ فيه الباطل ونصر فيه الحق وأظهر فيه أولياءه وكبت فيه أعداءه فهو شكر لله-- على عظيم نعمته وجزيل منته ، والمسلم يفرح بما يصيب إخوانه المسلمين من الخير والنعمة وتصيبه الغبطة بذلك وهذا يدل على أن الأنبياء كانوا كالأمة الواحدة وأن فرحه-عليه الصلاة والسلام- إنما هو تبع لفرح نبي الله وكَليِمه موسى-عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام- ، ثم لما صام عاشوراء بعد ذلك قال-عليه الصلاة والسلام- : (( لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع )) أي لأصومن التاسع مع العاشر ؛ لأن الأصل بقاء العاشر ولم ينص على رفع العاشر فقال : (( لأصومن التاسع )) بلفظ محتمل أن يصوم التاسع وحده أو يصوم التاسع والعاشر فبقي ما كان على ما كان ، فلما كانت النصوص تنص على العاشر وتبين فضيلة العاشر وأن صومه يكفّر السنة الماضية كما جاء الخبر بذلك عن النبي-- بقي العاشر كما هو ، فصار قوله : (( لأصومن التاسع )) أي لأصومن التاسع مع العاشر مخالفة لليهود ، وذلك أنه-عليه الصلاة والسلام- كان في أول الأمر يحب موافقة أهل الكتاب خاصة حينما كان بمكة لأن أهل الكتاب كانوا أهل دين سماوي ، وكان المشركون على الوثنية ، فكان يحب موافقة أهل الكتاب لإغاظة أهل الشرك والوثنية ، فلما انتقل إلى المدينة كان اليهود يؤذون رسول الله-- ويزعمون أنه يأخذ من دينهم فأصبحت الموافقة هنا محظورة وقصد-عليه الصلاة والسلام- مخالفتهم ومن ذلك قوله : (( لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع )) أي لأصومن التاسع والعاشر مخالفة لليهود .
قوله [ وتسع من ذي الحجة ] : أي يندب صيام التسعة الأيام ، اليوم الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع من أول شهر ذي الحجة وأما اليوم العاشر فهو يوم عيد النحر ، وبالإجماع لا يجوز صومه ؛ لأن النبي-- نهى عن صوم يومين : يوم عيد الفطر ، ويوم عيد الأضحى وهما يوم ضيافة من الله-- وكرامة ولذلك لا يصومهما المؤمن ؛ وإنما يفطر فيهما ، ويجب الفطر فيهما حتى ولو كان الإنسان يصوم صيام كفارة ، ككفارة القتل ، فلو صام صيام كفارة القتل فابتدأ صيامه بشهر ذي القعدة وأتم شهر ذي القعدة ، ثم شرع في شهر ذي الحجة فإنه إذا كان يوم النحر وهو يوم العيد اليوم العاشر وجب عليه الفطر ولا يقطع ذلك تتابع صيامه ، فيصوم التسعة الأيام الأول من شهر ذي الحجة وما ورد عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- من النفي لا يقتضي عدم السنية للصوم ؛ لأن النبي-- قال كما في الحديث الصحيح (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله-- من عشر من ذي الحجة )) ، قالوا : - يا رسول الله - ولا الجهاد في سبيل الله ؟ ، قال : (( ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع بشيء من ذلك )) فدل هذا الحديث على فضيلة العمل الصالح المطلق في العشر ، ولم يفرق-صلوات الله وسلامه عليه- بين الصوم ولا غيره ، والأصل أن العام يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه ، وما ورد عن أم المؤمنين من نفي صومه للعشر من ذي الحجة فهذا مبلغ علمها ، وأياً ما كان لا يبعد أن النبي-- يترك صيام الشيء مع سنيته وفضيلته ، ألا تُراه-عليه الصلاة والسلام- فضل صيام نبي الله داود ولم يكن يصوم يوماً ويفطر يوماً فندب إلى ذلك بالقول ، فنقول صيام تسع من ذي الحجة مندوب إليه بالقول لا يفتقر إلى دلالة الفعل ، فنفي وجود الصوم منه-عليه الصلاة والسلام- لتسع دلالة النفي لا تقتضي عدم الوجود فهو مبلغ علم ؛ ولأنه-عليه الصلاة والسلام- إن لم يكن يصمها فقد دل على فضيلة صيامها بالقول فلم يفتقر ذلك إلى وقوع الفعل منه كصيام يوم وإفطار يوم ندب إلى ذلك وفضله وجعله من أفضل الصيام وأحبه إلى الله-- وهو صيام نبي الله داود صيام يوم وإفطار يوم ومع ذلك لم يكن يفعل ذلك-عليه الصلاة والسلام- ، ولأنه-عليه الصلاة والسلام- كان يحب أن يفعل العمل ويتركه خشية أن يفترض على الأمة كما ثبت في الحديث الصحيح عنه عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها وأرضاها- ، وعلى هذا فإنه لا يكره صيام تسع من ذي الحجة بل من الأفضل صيامها وإذا كان يوم النحر فإنه يجب فطره ولا يجوز صومه .
قوله [ ويوم عرفة لغير حاج بها ] : ويسن صيام يوم عرفة لغير حاج بها أي أن فضيلة صيام يوم عرفة ثبتت بها السُّنة عن النبي-- ومن صام يوم عرفة فإنه يكفر السنة الماضية والسنة الباقية قال : (( أحتسب عند الله أن يكفر السنة الماضية والسنة الباقية )) ولكن الحاج الأفضل له أن يفطر ؛ لأن النبي-- شرب قدح اللبن وهو واقف بعرفة-صلوات الله وسلامه عليه- ، وذلك لما اختصم الصحابة هل هو صائم أو مفطر فبُعث إليه بقدح من لبن فشربه-- وهو قائم يدعو عشية عرفة ، فدل هذا على أن السُّنة والأفضل والأكمل أن لا يصوم ، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أنها كانت تصوم يوم عرفة ولكن الأفضل كما روى مالك في الموطأ : " كانت تصوم يوم عرفة حتى إذا أبيض ما بينها وبين الحاج - يعني دفع الناس من عرفة وأفاضوا - دعت بفطورها فأفطرت " ، ولا شك أن الأفضل والسنة والأكمل أن لا يصوم يوم عرفة ؛ والسبب في ذلك أنه إذا صام يوم عرفة فإنه يضعف عن الدعاء ويضعف عن الذكر وتأتي ساعات العشي وهي أفضل ما في الموقف والإنسان منهك ، وقد يشتغل بتهيئة فطوره قبل غروب الشمس وهذا الوقت وقت دعاء ووقت ابتهال ومناجاة لله-- ، ولذلك التقوي بالفطر أفضـل ؛ لأنه يحقق المقصود من النسك من إصابة الدعاء ورجاء الإجابة في مثل هذا الموقف ، ومن هنا كانت سنة النبي-- على الفطر ولذلك أفطر ، ومن هنا قال العلماء الأفضل أن يحج الإنسان راكباً مع أن الحج ماشياً أكثر مشقة وأكثر تعباً والأصول تقتضي أنه أعظم أجراً لكنهم قالوا : الأفضل أن يكون راكباً لأنه إذا كان راكباً قوي على العبادة وتأسى بالنبي-- .
قوله [ وأفضله صوم يوم وفطر يوم ] : وأفضل صيام التطوع صوم يوم وفطر يوم وبذلك ثبتت السُّنة الصحيحة كما في الصحيح عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه قال : (( أحب الصيام إلى الله صيام نبي الله داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً )) ، وهذا أقصى ما يكون من صيام النافلة ، ولا أفضل من هذا الصيام ، أي لا يشرع أن يصوم الأيام كلها ، ولذلك قال : (( لا صام من صام الأبد )) ولا يجوز صيام الدهر ؛ لأن النبي-- نهى عن ذلك ؛ وإنما يصوم الإنسان يوماً ويفطر يوماً ، وهذا يدل على سماحة هذا الدين ويسره وأنه لا خير في التنطع والتشدد في العبادات ، ولذلك لما قال الرجل : أما أنا فأصوم ولا أفطر قال-عليه الصلاة والسلام- : (( هلك المتنطعون )) فلا يجوز أن يصوم ويسرد الصوم ؛ وإنما يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أقصى ما يؤذن فيه في صيام التطوع ؛ لأن عبدالله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما- لما سأل النبي-- أنه يطيق أكثر من صيام يوم وإفطار يوم قال -عليه الصلاة والسلام- : (( لا أفضل من هذا )) فأمره أن يقتصر على هذه الفضيلة التي هي غاية الصوم وهي أن يصوم ويوماً ويفطر يوماً ، ويستوي في ذلك أن يوافق يوم الإثنين أو لا يوافقه ، فإذا كان الإنسان يريد أن يصوم يوماً ويفطر يوماً فإنه يمسك ذلك ويسير عليه سواء وافق الإثنين والخميس أو خالفه لأنه يحصل أعلى المراتب في الصيام ، ولذلك يقولون : يغتفر ما دونها من الفضائل ، وتصبح مندرجة تحت هذا الصوم تحقيقاً لفضيلة الشرع ، لأنه لو أدخل الإثنين كان يكون صائماً يوم الأحد ومفطراً يوم الإثنين وصائماً يوم الثلاثاء فحينئذٍ لو صام الأحد ، ثم أتبعه بالإثنين حينئذٍ تفوته فضيلة هي أكمل من صيام الإثنين فقالوا : الأفضل أن يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وإذا صام الإثنين كأنه صام الأبد لأنه يعتبر كأنه سرد الصوم وهذا هو الأفضل .
وقال بعض العلماء : يجمع بين الفضيلتين فيصوم يوماً ويفطر يوماً ويصوم الإثنين والخميس إن لم يوافقهما الصيام وهذا له وجهه أعني القول الثاني أن له وجهاً ، فلو صام يوماً وأفطر يوماً وصام الإثنين والخميس فلا حرج عليه كما لو لم يوافق صومه يوم عرفة ويوم عاشوراء فإنهم يقولون يصوم ذلك اليوم ولا حرج عليه .
قوله [ ويكـره إفراد رجب ] : كان شهر رجب تعظمه العرب في الجاهلية ، ولذلك بقيت هذه العادة في الإسلام ، ونُهي عن إفراد رجب وتخصيصه بالعبادات ، وكان عمر- وأرضاه- يضرب على أيدي المترجبين - أي الذين يفضلون شهر رجب - ويخصونه بالصيام ويلزمهم بالفطر وكان-- شديداً عليهم في ذلك ، وحُق له إحياءً للسُّنة وإماتة للبدعة فلم يكن-عليه الصلاة والسلام- يخص رجباً بفضائل وتوسع الناس في ذلك حتى فضلوا هذا الشهر على غيره من الشهور ولا شك أنه شهر حرام ومن الأشهر الحرم ولكن لا يُخص بالعبادات ولا يخص بالأذكار ولا يخص بالصلوات ولا يعتقد في أيامه ولا في لياليه لأنه لم تثبت بذلك نصوص صحيحة لا في الكتاب ولا في السنة ، والأحاديث التي وردت في تخصيص شهر رجب بالصيام والقيام والفضائل في منتصفه وفي ليلة سبع وعشرين كلها من الأحاديث الضعيفة بل المكذوبة والموضوعة على رسول الله-- والتي لا يجوز لمسلم أن يعتقد نسبتها إلى رسول الله-- فضلاً عن أن يتدين ويتقرب إلى الله-- بها ، فلا يجوز له أن يفرد شهر رجب بالصيام لكن لو صام فيه الإثنين والخميس وحصّل الأيام البيض فلا حرج لأن هذا في رجب وغيره على حدٍ سواء .
قوله [ والجمعة ] : وكذلك الجمعة لا يجوز إفرادها بصوم لأن النبي-- لما دخل على أم المؤمنين وهي صائمة سألها هل صامت الخميس قالت لا قال : (( وهل تريدين أن تصومي الغد ؟ )) قالت : لا قال : (( فأفطري )) فأمرها بالفطر وهذا يدل على حرمة تخصيص يوم الجمعة بصيام ولا يشرع تخصيص يوم الجمعة بالصيام لأن هذا يؤدي إلى الغلو فيه .
وقال بعض العلماء : بل النهي لأن يوم الجمعة يوم فيه الصلاة فإذا صام ضعف عن الصلاة ، والأقوى أن العلة هي الاعتقاد في اليوم والمبالغة فيه بدليل أنه لو كان من أجل الجمعة لكان مشروعاً للنساء لأنه لا جمعة عليهن ، وبناءً على ذلك فالذي يقوى ويترجح أن العلة هي الغلو في اليوم وهو يوم عيد للمسلمين وهو أفضل أيام الأسبوع كما لا يخفى ، وبعض العلماء يقول : إن العلة كونه عيداً والعيد لا يصام لكن ما ذكرناه من خوف الغلو في هذا اليوم هو الأولى والأحرى ، وإذا كان نذر صوم يوم من الشهر كالخامس عشر والثاني عشر والثالث عشر ووافق نذره يوم الجمعة جاز له لأنه فرض وهكذا إذا صام يوماً قبله وهو يوم الخميس أو يوماً بعده وهو يوم السبت وهذا يدل على أنه لا حرج عليه .
قوله [ والسبت ] : وكذلك يحرم أن يَخصُ السبت بصوم وذلك لأن اليهود تعظم هذا اليوم ، فإذا صام يوم السبت كما لو قصد الجمعة ؛ لأنه إذا حُظر علينا أن نصوم يوم الجمعة وهو يوم عيدنا ، كذلك يحظر علينا أن نخص يوم السبت بصيام لما فيه من معنى التعظيم كما ذكرنا في الجمعة ، لكن لو أن يوم السبت وافق يوماً من الأيام البيض فإنه يشرع صيامه وهكذا لو صام الجمعة وأحب أن يصوم معها السبت فلا حرج عليه ، لأن النصوص صحيحة في الدلالة على ذلك ، وأما نهيه-عليه الصلاة والسلام- في قوله : (( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم )) فهو حديث تكلم العلماء على سنده وفيه اضطراب والعمل عند جمع من أهل العلم على ضعفه لقوة الاضطراب فيه لكن على القول بتحسينه وثبوته أنه حسن فإن القاعدة : " أن الحديث الحسن لا يُعارض ما هو أصح منه " والأدلة صحيحة صريحة في صيام عاشوراء وصيام يوم عرفة وهي ثابتة في الصحيحين ، ولا شك أن الحديث الحسن لا يرتقي إلى معارضة الحديث الثابت الصحيح ، كما قال بعض الفضلاء في الحديث الحسن :
وهو في الحجة كالصحيح ودونه إن صير للترجيح
فإذا جئنا ننظر إلى قوله : (( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم )) نظرنا إليه مع أمره-عليه الصلاة والسلام- بصيام يوم عاشوراء وندبه إلى صيام يوم عرفة فإننا نرى أن هذه النصوص أقوى وأسعد وأوفق للسُّنة ، وأما المبالغة في النهي إلى درجة أن البعض منع بعض الناس في الأعوام الماضية أن يصوم يوم عرفة لأنه وافق السبت لأن النبي-- نهى عن ذلك فهذا ضعيف ؛ لأنه تقديم للحديث المختلف في إسناده على الأحاديث التي هي أصح وأثبت إضافة إلى أن عمل جماهير السلف-رحمة الله عليهم- من الأمة والعلماء والأجلاء على أنه لا حرج في صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء ولو وافقت يوم السبت ذلك أحدٌ منهم إذا وافقت يوم السبت ولم ينص على المنع منه ، إضافة إلى أن السُّنة لم تنص على ذلك فإن النبي-- قال : (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) ومن المعلوم أن صوم عرفة وعاشوراء قد يوافق السبت فقد ندب إلى صيامهما ولم يقل إلا أن يوافق السبت ، وهو-عليه الصلاة والسلام- أرعى لحرمات الله ، ومذهب بعض المحدثين وأئمة أهل الحديث كأبي داود وغيره أن النهي عن صيام يوم السبت منسوخ وقد أشار إلى ذلك بعد روايته للحديث ، أشار إلى أنه كان أول الأمر ثم نسخ ذلك وحينئذٍ لا إشكال ولا يعتبر معارضاً لما هو أصح وأثبت .
قوله [ والشك ] : المراد بذلك يوم الشك وهو اليوم الثلاثين لأنه يشك فيه هل هو من رمضان أو ليس من رمضان وقد ذكرنا هذه المسألة وبينا ما ثبت عن النبي-- من الأحاديث الصحيحة كحديث عبدالله بن عمر أن النبي-- قال : (( لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين )) وفي الحديث الصحيح : " من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم-- " وبينا خلاف العلماء-رحمة الله عليهم- في مسألة صيام يوم الشك ، وأشار المصنف إلى هذه المسألة هنا لأن صيام يوم الشك يكون على سبيل النافلة في حالة تحقق أنه من شعبان وليس من رمضان .
قوله [ وعيد الكفار ] : أي ولا يجوز صوم يوم عيد الكفار ؛ لأنه تعظيم لأعيادهم ، ولا يجوز للمسلم أن يشابه الكفار في تعظيمهم لأيام أعيادهم .
قوله [ ويحرم صوم العيدين ولو في فرض ] : ويحرم على المسلم أن يصوم يومي العيد ، والمراد بذلك يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى وذلك لأنهما يوم ضيافة من الله-- فيوم عيد الفطر يفطر الناس فيه من الصوم ، ويوم عيد الأضحى فإن المسلم يأكل من أضحيته التي تقرب فيها لله-- ، ويحرم عليه أن يصوم يوم النحر ويوم الفطر ولو كان في صيام فرض ، فلو كان عليه كفارة قتل فصام شهر شعبان كاملاً ثم صام رمضان ثم أراد أن يستتم الشهر الثاني بشوال فإنه يفطر يوم العيد ثم يصوم اليوم الثاني من العيد ويُتبع صيامه بعد ذلك ، وعلى هذا فلو نذر وقال : لله علي أن أصوم يوم عيد الفطر أو يوم عيد النحر فإنه لا يصوم اليومين ؛ لأنه معصية وقد نهى النبي-- عن صوم هذين اليومين .
قوله [ وصيام أيام التشريق إلا عن دم متعة وقران ] : ولا يصام أيام التشريق كما في حديث عبدالله بن حذافة-- أن النبي-- أمره أن ينادي : " إن أيام منى أيام أكل وشرب " وفي رواية " وبعال " فهي أيام أكل وشرب فلا يصومها الإنسان وإنما يفطر فيها إلا الحاج إذا كان لم يجد دم المتعة ولا دم القران فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله ، فالثلاث الأيام من الحج يصومها إذا أحرم بحجه في اليوم السادس مثلاً أن يصوم اليوم السادس والسابع والثامن فإذا لم يتيسر له ذلك فإنه يصوم أيام التشريق ويشمل ذلك اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-08-11, 03:48 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

الدرس الثامن
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فقد بين المصنف-رحمه الله- بهذه العبارة أن الشروع في الفريضة يمنع من قطعها ، وهذا أصل قد دل عليه قوله-- : { وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ولا شك أن العبادة من حيث هي في الأصل إذا شرع الإنسان فيها أنه يحرص على إتمامها وكمالها ، وإذا أحب الله العبد ووفقه للطاعة والخير والبر ، فمن دلائل حبه له أن يعينه على فعل ذلك الخير ، فإذا أراد أن يتمم عليه النعمة ويكملها أعانه على تكميل ذلك الخير .
الفرض ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : مضيق .
والقسم الثاني : موسع .
فالمضيق يلزم فعله في وقته الذي ضيق الشرع فيه ، ولا يجوز للمكلف أن يؤخره .
وأما الواجب الموسع كقضاء رمضان فإنه يجب عليك أن تقضي ما فاتك من أيام رمضان إلا أن هذا القضاء لا تطالب به مباشرة بعد انتهاء شهر الصوم ؛ وإنما يوسع الله عليك في قضائه إلى رمضان الآخر ، فهو واجب موسع وفرض موسع ، وهكذا لو أذن عليك أذان الظهر وأنت في أول الوقت فإنه فرض موسع . أي أنه بالخيار أن تؤخره . ما لم يكن ذلك سبباً في تفويت جماعة أو نحوه إذا كان يجب على الإنسان أن يشهدها . فالمقصود أن الواجب الموسع عبر المصنف به لكي ينبه على أن الواجب المضيق من باب أولى وأحرى .
[ ولا يلزم في النفل ] : بناء على العبارة الأولى ، فلو أن إنساناً كان عليه صيام يوم من رمضان ، فإن هذا اليوم فرض عليه أن تقضيه ، وقضاؤه موسع فأنت بالخيار أن تصوم مباشرة بعد يوم العيد ، وبين أن تؤخره القضاء إلى شعبان ، فلو أنك بادرت وصمت هذا اليوم في شوال ، فإنك بشروعك فيه لا يجوز لك أن تقطعه ولا أن تفطر فيه .
قوله-رحمه الله- [ ولا يلزم في النفل ] : إذا صام الإنسان صوم نفل فهل يلزمه بمجرد شروعه في صوم النفل أن يتمه أو لا يلزمه الإتمام ؟
قولان عند العلماء-رحمة الله عليهم- ، وتعرف هذه المسألة عند أهل العلم-رحمهم الله- بـ ( مسألة الشروع في النوافل ) ، وأوردوا عليها السؤال المشهور : هل الشروع في النوافل يصيّرها فرائض أو لا ؟
القول الأول : مذهب طائفة من العلماء : أن الشروع في النوافل يصيرها فرائض .
القول الثاني : وذهب طائفة من العلماء : أن الشروع في النوافل لا يصيرها فرائض .
ومحل الخلاف : إذا بدأ بالنافلة .
ومن أمثلة ذلك . لو أن إنساناً أحرم بنافلة في الضحى مثلاً فإنه لا يجب عليه إتمامها ، فلو أنه عرض له العارض فسلَّم منها ومضى فإنه لا حرج عليه على القول الثاني .
وأما على القول الأول فيأثم ، لأن الشروع فيها ملزم بإتمامها ، وهكذا في الصوم ، فمن شرع في صوم نافلة كأن يصوم الاثنين والخميس ، فلما صمت الاثنين أو صمت الخميس طـرأ عليك ما يوجب فطرك من غير عارض لازم ، كأن تقول : أحب أن أفطر . ولم يكن ذلك لمرض أو عذر ، فعلى القول بأن الشروع في النوافل لا يصيرها فرائض لا يجوز لك الفطر ويجب عليك أن تتم صوم ذلك اليوم ، وعلى القول بأن الشروع في النوافل لا يصيرها فرائض ، وهو الصحيح فإنه لا يجب عليك الإتمام ، وأنت بالخيار إن شئت أفطرت وإن شئت أتممت . وهذا الأصل في الصوم أن صوم النافلة أنت بالخيار ، إن شئت أتممت الصوم وإن شئت أفطرت ، والأفضل أن تتم .
والدليل على جواز فطرك في صوم النافلة إذا شرعت فيه : أن النبي-- قال : (( المتطوع أمير نفسه )) فدل هذا الحديث على أن الخيار لمن تطوع ، ولكن الأفضل والأكمل للمسلم إذا بدأ خيراً ألا يقفل بابه على نفسه ، ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يحرص على شكر نعمة الله عليه بالطاعة ، فأي عمل خير يفتحه الله عليك من نافلة أو بر فلا تقطعه ما استطعت لاتمامه سبيلاً ، ولذلك هذه المسألة يقع فيها بعض الأخيار خاصةً إذا عرضت لهم أمور فيها خير ومصلحة فتجد الإمام إذا أمّ بالناس يعتبر باب خير له أن يتقدم عن الناس وأن يؤمهم وأن يعظهم وأن يخطب فيهم فقلّ أن تجد الشيطان يترك مثل هذا ، فيأتيه من باب الخير فيسوّل له ترك هذا العمل أو الإعراض عنه بحجة الاشتغال بغيره ، وهذا لا شك أنه يقفل على نفسه باب الخير ويحرم نفسه من باب خير عظيم ، وهكذا إذا فتح الله عليك باب خير في دعوة أو بر أو قربة ونحو ذلك مما يحتسب فيه الأجر عند الله . إياك أن تكون سبباً في قفل باب الخير عليك ، فلو كنت مشتغلاً بالصدقات وتفريج كربات المسلمين وستر عوراتهم فجاءك الشيطان وقال لك : اترك هذا وأقبل على كذا وكذا . فانظر-رحمك الله- في أمرك وارجع إلى العلماء ولا تستعجل لأنه قلّ أن يوفق إنسان لباب خير فيقفله عليه ثم يوفق له ثانية . قلّ أن يعطى الإنسان باب خير فيقفله على نفسه ويعطاه ثانية ، لأنه إذا تسبب في قفل باب الخير على نفسه كأنه أعرض عن نعمة الله ، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه ، ولذلك تجد الإنسان إذا كان مذبذباً في أموره كلما فتح الله عليه باب خير قفله على نفسه ، قلّ أن تجده موفقاً ، وقلّ أن يصيب الكمالات في أمور الطاعة والبر ، فالمنبغي على الإنسان دائماً إذا وجد أن الله هيأ له باب خير كالصلاة والصيام وقيام الليل ألاّ يسعى في قفل هذا الباب على نفسه ، فإن حيل بينه وبين هذا الخير عذر كمرض أو شغل أو نحو ذلك مما هو آكد ، فإنه يندم ويشتكي إلى الله-- أنه لو كان فارغاً لقام بهذا الخير حتى يجمع الله له بين الحسنيين ويُبَلِّغه أجر الطاعتين ، والله كريم وفضله عظيم ، وكلما حسنت نية الإنسان بلغ من الخير الشيء الكثير . فهذه الجملة المقصود منها أن الإنسان إذا بدأ بالطاعة هو مخير بين أن يتمها وهذا أفضل بإجماع العلماء ، وبين أن يتركها ، وهذا دون الكمال ، ولكنه لا يجب عليك أن تتم لأن الطاعات ليست بواجبة في أصـل الشرع ، إلا شيئاً واحداً استثناه العلماء من النوافل يجب عليك أن تتمه بمجرد دخولك فيه ولو كان نافلة ، وهو النسك ، والمراد به الحج والعمرة ، فمن أحرم بحج نافلة أو أحرم بعمرة نافلة ، فإنه يجب عليه إتمامهما ولا يحل إلا بإتمامهما إلا فيما استثنى الله من المحصر وما في حكمه ، فلو أن إنساناً اعتمر بعمرة في رمضان- مثلاً - ثم جاء فوجد الزحام ، فقال : لا أريد أن أتمها ، ولبس ثيابه ومضى والعمرة نافلة فقال : ما دامت نافلة فإني لا أتمها ورجع إلى أهله فإنه لا يزال محرماً حتى يتحلل من عمرته ، وجميع ما يصيب من محظورات الإحرام فإنه يجب عليه أن يفتدي عنه ولو مضت عليه على هذه العمرة أيام وأسابيع وشهور ، فإنه لا يزال مخاطباً بنص كتاب الله -- بإتمامها ، كما في قوله-سبحانه- : (( وأتموا الحج والعمرة لله )) أجمع العلماء على أن الحج والعمرة إذا كانا نافلتين أنه يجب على من شرع فيهما أن يتمهما ، وعلى هذا فإن العلماء استثنوا من مسألة الشروع في النوافل ، الحج والعمرة إذا كانا نافلتين ، فيجب على الإنسان أن يتمهما ولا يخرج منهما إلا بالتحلل أو بالصورة التي أذن الله فيها في مسائل الإحصار ، كما وقع للنبي-- في الحديبية .
قوله-رحمه الله- : [ ولا قضاء فاسده إلا الحج ] : ولا يجب عليه قضاء الفاسد من الطاعة ، لو أن إنساناً صلى ركعتين وتبين لـه فسادها فإنه لا يجب عليه قضاء الركعتين ، وأما الحج والعمرة فإنه يجب عليه قضاء الفاسد منهما .
توضيح ذلك : لو أن إنساناً أحرم بالحج أو أحرم بالعمرة وقد نوى النافلة ، ثم أفسد حجه النافلة أو عمرته النافلة وذلك بالوطء والجماع ، فلو أنه أحرم مع زوجه في عمرة وهذه العمرة نافلة له ولزوجة ثم جامع زوجته فقد فسدت عمرته لكنها نافلة فيقال له : يجب عليه أن يمضي في هذا الفاسد وأن يتمه ثم ينشئ بعد ذلك عمرة بدلاً عن هذه العمرة . وهذا هو ظاهر القرآن في قوله-تعالى- : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } قال العلماء : وردت الآية الكريمة عامة تأمر بالإتمام للفاسد ، والصحيح على حد سواء ، فيجب عليه أن يتم عمرته الفاسدة ويتم أيضاً حجه الفاسد . وعليه القضاء ، وبـذلك أفتى عبدالله بن عباس ، وعبدالله بن عمر في الرجل لما جامع أهله ، وهو أصله قضاء عمر-- قال : عليه أن يتم حجه وأن يمضي في حجه حتى يتمه ، ثم يأتي بحج من عام قابل ، ويهدي ويفترقا . أي أنه لا يحج مع امرأته في السنة القادمة عقوبة له وخوفاً من الوقوع من باب تعاطي الأسباب لحفظ الحق لله-- .
[ وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ] : حديث المصنف عن الصوم ولما بين أحكام الصوم المفروض والصوم النافلة شرع فيما يتبع الصوم من قيام رمضان ، وقيام رمضان في الأصل يراد به تحصيل فضيلة الشهر كله ، وفضيلة ليلة القدر على وجه الخصوص ، وقد أشار النبي-- إلى هذا بقوله : (( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) وقال أيضاً في الصحيح : (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) فلما انتهى من أحكام الصيام شرع في بيان ما هو ملحق في الصيام من قيامه . وهذا القيام - أعني صلاة الليل - قد تقدم معنا في باب صلاة التطوع ، فناسب أن يلحق ما هو تابع في رمضان في آخره ، وهو قيام ليلة القدر .
فقال-رحمه الله- : [ وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر ] : أولاً ليلة القدر سميت بليلة القدر بذلك لعظيم قدرها ومكانها عند الله-- ، ولذلك شرفها الله-- فجعل قيامها خيراً من ألف شهر يقومه الإنسان ، ولا شك أن هذا يدل دلالة واضحة على أن الله فضلها واختارها من بين الليالي ، ولذلك قال الإمام ابن القيم-رحمه الله- في تفسير قـوله-تعالى- : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } إن الله اختار من الليالي ، ليالي العشر الأواخر ، واختار من الليالي العشر ليلة القدر ، وقال بعض المفسرين في قوله-تعالى- : { وَالْفَجْرِ  وَلَيَالٍ عَشْرٍ } هي ليالي العشر الأواخر من رمضان ، أقسم الله-- بها لشرفها وعظيم قدرها ومكانها ، لاشتمالها على أعظم ليلة وأفضل ليلة وهي ليلة القدر ، والله-- اختار من الناس ، واختار من الجماد ، واختار من الأزمنة ، واختار من الأمكنة ما شاء-- . فاختار من أيام الأسبوع يوم الجمعة واختار من ليالي السنة ليالي العشر ، واختار من ليالي العشر ليلة القدر ، واختار من الأيام أيام العشر من ذي الحجة ، فأيام العشر من ذي الحجة أيام مفضلة ، واختار من أيام العشر من ذي الحجة يوم عرفة . فكان اختيار الله-- لجميعها شاملة ، فإذا نظرت إلى الأيام ، كانت الأيام العشر من ذي الحجة أفضل وفضيلتها في النهار آكد ، وذلك لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله-- من عشر ذي الحجة )) وخصت ليالي العشر بفضيلة الليل دون النهار ، وهذا الذي دعا بعض العلماء إلى قوله : إن أيام عشر من ذي الحجة أفضل من العشر الأواخر ، وذلك لأن العشر الأواخر وفضيلتها في الليل .
وأما عشر من ذي الحجة ففضيلتها عامة شاملة لليل والنهار لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( ما من أيام )) فشمل ذلك النهار والليل .
وأما بالنسبة لليالي ، فالفضيلة لليالي العشر وبها ورد القسم ، وأفضل ليالي العشر ليلة القدر بإجماع العلماء-رحمة الله عليهم- ، وأفضل أيام العشر من ذي الحجة يوم عرفة ، وهذا التفضيل لله فيه الحكمة البالغة ، والله-- فضل ليلة القدر وندب إلى إحيائها وذلك في كتابه وعلى لسان رسول الله-- ، كما في قوله-سبحانه- : { أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ  لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } فوصفها بأنها : { خَيْرٌ } وقوله : { خَيْرٌ } في لغة العرب خير بمعنى أخير فالعرب تقـول : فلان خير من فلان ، أي أخير . وتقول : فلان شر من فلان أي أشر كما في قول أبي طالب يمدح النبي-- في البائية المشهورة :
أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّا وَجُدْنا مُحَمَّداً نَبِيّاً كَمُوْسَى خطَّ في أَوَّلِ الكُتْبِ
وَأن عليه في العباد مُحَبَّةً وَلاَ خَيْرَ مِمَّنْ خَصَّهُ الله بالحُبِّ
أي ولا أخير ممن خصه الله بالحب ، فلما قـال الله في ليلة القدر : { خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } أي أخير من ألف شهر ، وهذا يدل على فضيلتها وعظيم شأنها عند ربها ، وقال بعض العلماء : ليلة القدر من التقدير ؛ لأن الله-- يقدر فيها الأرزاق والأمور ، وهي ليلة العام التي يكون فيها التقدير من عام إلى عام ، والله أعلم بما يكتب فيها من سعادة السعداء ومن شقاء الأشقياء ، ولذلك فضلت وَشُرِّفَت بهذا .
وقوله : [ ترجى ليلة القدر ] : أخفى الله ليلة القدر وهذا لحكمة منه-- .
قال العلماء : وهذا الخفاء لكي يجتهد الناس في الطاعة فلا يقتصرون على ليلة من بين الليالي ولا يجعلون طاعتهم مقصورة عليها ، فإذا علموا أنها في العشر الأواخر اجتهدوا في العشر الأواخر كلها ، وهذا هو مقصود الشرع . المراد به إحياء الليالي كاملة ، وعلى هذا فإن الأفضل أن يحرص على قيام ليالي العشر لما ثبت عن النبي-- أنه اعتكف العشر الأواخر من رمضان ، والوتر آكد . وذلك لنص النبي-- عليه ، وللعلماء في الوتر وجهان :
الوجه الأول : منهم من يقول : الوتر بعدد الشهر فيبتدئ بالليلة الحادية والعشرين ، ثم بعدها ثلاث وعشرون ثم بعدها خمس وعشرون ثم بعدها سبع وعشرون ثم بعدها تسع وعشرون . وقيل : الوتر لما بقي من الشهر فيشمل ذلك ليلة ثمانٍ وعشرين لأنها تبقى بعدها ليلة واحدة ، ويشمل ذلك ليلة الثلاثين وليلة الثماني والعشرين وليلة ست وعشرين وليلة أربع وعشرين وليلة اثنتين وعشرين ، وذلك بسبب كون الباقي وتراً إذا نظرت إلى العدد ، ومن هنا قال العلماء : إنها تشمل الأوتار والأشفاع لاحتمال النص لأن النبي-- قال : (( في ثالثة تبقى ، في خامسة تبقى )) والثالثة التي تبقى هي ليلة ست وعشرين ، والخامسة التي تبقى هي ليلة أربع وعشرين ، وقس على هذا . فمن هنا قال العلماء : شمل الأمر بالوتر ما بقي وشمل عدد الشهر ، ومن هنا بقيت محتملة للعشر الأواخر كلها . وأقوى الأقوال : أنها تنتقل ، وذلك لأن النصوص قوية جداً في إثبات ليلة الحادي والعشرين ، وإثبات ليلة سبع والعشرين ، ولذلك لا يمكن التوفيق بين هذه النصوص إلا بمسألة الانتقال ، وهذا قول جمع من السلف-رحمة الله عليهم- وجمع من الأئمة ؛ لأنه لايمكن الجمع بين هذه النصوص إلا على هذا الوجه مع أن هناك بعض الأدلة يقوي ليلة خمس وعشرين ، وهناك بعض الأدلة يدل على إحدى وعشرين ، وهو ثابت في الصحيح . وليلة سبع وعشرين وهو آكدها وأقواها لورود كثير من الأدلة فدل هذا على وجود مسألة الانتقال ، والمسلم يتحرى هذه الليلة ويحرص على قيام العشر الأواخر طلباً لفضليتها ، ولا شك أن الله-- يختص بفضله من شاء ، وإذا حسنت نية الإنسان وصدق مع الله ، فإن الله يصدق معه .
[ وأوتاره آكد وليلة سبع وعشرين أبلغ ] : وأوتار العشر الأواخر آكد هذه الأوتار قلنا للعلماء فيها وجهان : بعضهم يقول : الوتر لما بقي ، فيشمل ليلة الثلاثين وليلة ثمانٍ وعشرين ، وليلة ست وعشرين ، وليلة أربع وعشرين ، وليلة اثنتين وعشرين . وقيل : الوتر بعدد الشهر فيشمل ليلة إحدى وعشرين ، وثلاث وعشرين ، وخمس وعشرين ، وسبع وعشرين ، وتسع وعشرين . هذان قولان للعلماء-رحمة الله عليهم- : لأن السُّنة وردت بهما في حديث : (( التمسوها في الوتر من العشر الأواخر )) وكذلك تفصيله في قوله : (( في ثالثة تبقى ، في خامسة تبقى )) ومن قال : إنها ليلة إحدى وعشرين فقد استدل عليها بحديث المطر (( أريت أني أسجد صبيحتها على ماء وطين )) فوكف مسجد رسول الله-- ليلة إحدى وعشرين وأُري الماء والطين في جبهته-صلوات الله وسلامه عليه- في مسجده .
فهذا يقوي قول من قال : إحدى وعشرين . ومنهم من قال : سبع وعشرون ، وهذا القول يقول به جمع من السلف-رحمهم الله- ، ويختاره بعض الأئمة كما نبه المصنف-رحمه الله- والذي يظهر - والله أعلم - أنها تنتقل خلال العشر وأن ليالي العشر محتملة . وهذا لله فيه حكمة بالغة ، فلو علم الناس ليلة القدر لأهلك بعضهم بعضاً بالدعاء ، ولتسلط السفهاء بمسائل الدنيا وحوائج الدنيا ، وكذلك خمل الناس عن إحياء العشر الأواخر ، والعناية بغيرها ، فمن حكمة الله-- أنه جعلها مخفية ، وقد أطلع الله نبيه-- عليها ثم رفعت ، وسبب رفعها : أنه تلاحى رجلان وهما أبيّ وأبي حدرة الأسلمي-رضي الله عنهما- . فلما تلاحى أي حصلت بينهما الخصومة داخل المسجد في الدِّين ، كشف النبي-- الستار من قبته التي كان يعتكف فيها ، فأمر-عليه الصلاة والسلام- بالوضع من الدّين وأمر المديون أن يقوم بالقضاء . وقال لأصحابه : (( أُريت ليلتكم هذه فتلاحى رجلان ، فرفعت ، وعسى أن يكون خير )) أي عسى الله أن يجعل الخير في رفعها ، ولا شك أنه خير عظيم ، إذ صرف الله -- الناس إلى الاشتغال بإحياء الليالي العشر وهذا أعظم في أجورهم إلا أن الإنسان إذا أحيا ليالي العشر كاملة فلا شك أنه مصيب لليلة القدر ، وأنه سينال هذه الفضيلة بلا إشكال لنص النبي-- على كونها داخل العشر .
[ ويدعو فيها بما ورد ] : ويدعو في ليلة القدر إذا أريها بما ورد . والسبب في ذلك أن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- . قالت : - يا رسول الله - أرأيت لو أني ليلة القدر ما أقول . قال : (( قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني )) فقالت : أريت ليلة القدر استدل بعض العلماء بقولها : " أريت " على أن السُّنة دالة على أن لليلة القدر أمارات وعلامات وأن الإنسان يتبين بهذه العلامات أن الليلة ليلة القدر لأن عائشة-رضي الله عنها- قالت : " أريت ليلة القدر " وتوسع العوام في ذلك وأحدثوا في ذلك بدعاً وأموراً لا أصل لها في الشرع في الدلالة على ليالي القدر ، والصحيح أن هذا أمر موقوف عنه ومسكوت عنه والله أعلم بالعلامات التي تكون والتي تقع ، ولكن من أهل العلم-رحمة الله عليهم- من قال : إن الله وصف هذه الليلة بنـزول الملائكة ، والملائكة سكينة ، والسكينة تغشى معها الطمأنينة للناس خاصة في المساجد . قالوا : الغالب أن الإنسان يجد من انشراح الصدر وطمأنينة القلب ما لا يجده في غيرها من الليالي لأن الملائكة تتنـزل ، ولا شك أن السكينة إذا تنـزلت فإن فيها الثبات وفيها الطمأنينة ويجد الناس أثر ذلك فهذه من العلامات التي استؤنس فيها بورود نص القرآن بقوله -سبحانه- : { تَنَـزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ } لكن المنبغي الوقوف في مثل هذا على مورد النص لأنه هو الأصل .
قال المصنف-رحمه الله- : [ باب الاعتكاف ] : الاعتكاف : مأخوذ من قولهم : عكف على الشئ يعكف عكوفاً ، إذا لزم ذلك الشيء سواء كان خيراً أو شراً ، كما قال-سبحانه- : { هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } أي عليها عاكفـون ملازمون لها ، والاعتكاف : هو لزوم المسجد للطاعة والقربى والتقرب لله-- .
فهو لزوم مخصوص ، من شخص مخصوص ، في وقت مخصوص ، وهذا اللزوم المخصوص المراد به لزوم المساجد ، وهذه القربة والطاعة مستحبة ولها فضيلتها ، وأجمع العلماء-رحمهم الله- على أنها من الطاعات والقرب المستحبة لثبوت فضيلتها في كتاب الله-- وكذلك هدي رسول الله-- .
أما الكتاب فقوله-سبحانه- : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } فقال-سبحانه- : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } وهذا يدل على شرف وفضل العكوف والاعتكاف في المسجد ، وكذلك - أيضاً - ثبت عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه اعتكف واعتكف معه أصحابه-رضي الله عنهم- فهي من السنن التي يقتدى ويؤتسى فيها بالنبي-- واعتكف أزواجه-رضي الله عنهن وأرضاهن- ، وأجمع العلماء على فضيلة الاعتكاف ، ولم يرد في الاعتكاف أحاديث صحيحة ، ولذلك لم يثبت عن النبي-- في فضيلة الاعتكاف نصوص صحيحة ، كما نص على ذلك الأئمة-رحمة الله عليهم- ومنهم الإمام أحمد قال : لا أعلم فيه شيئاً صحيحاً . يعني في فضيلة الاعتكاف وما يكون فيه من الأجر ، إلا أن هناك بعض الأحاديث التي تدل على الفضيلة ، وما خلت من كلام وما خلت من مطعن ، والاعتكاف قربة وطاعة شرعها الله-- لعظيم ما يحصل فيها من الخير والبر للإنسان ، فالإنسان إذا اعتكف في بيت الله-- لزم طاعة الله-سبحانه- ولزم أفضل الطاعات وأشـرفها وأحبها إلى الله-- وهي ذكره ، كما قال-عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح عنه : (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وخير لكم من إنفاق الورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضرب رقابكم وتضربوا رقابهم )) ، قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : (( ذكر الله )) ولو لم يكن في فضل هذه الطاعة إلا قوله-سبحانه- : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } لكفى فإن الإنسان إذا لزم بيت الله فقد لزم أحب البيوت إلى الله-سبحانه- كما في الحديث الصحيح : (( أحب البلاد إلى الله مساجدها )) فهو يلزم أحب البلاد لفعل أحب الطاعات ولا شك أنه سيصيب من ذلك الخير في دينه ودنياه وآخرته فالإنسان إذا لزم المساجد معتكفاً على الوجه المعتبر وأدى لهذه العبادة حقها وقام بها وأقامها على وجهها ، فإنه أسعد الناس بما يكون فيها من الخير ، ولذلك من الناس من اعتكف فخرج من اعتكافه بصيام النهار وقيام الليل ، ومنهم من خرج من الاعتكاف بختم كتاب الله-- كل ثلاث ليال ، ومنهم من خرج من الاعتكاف بلزوم ذكر الله-- لأنك إذا استمررت عشر ليال وأنت في طاعة الله صائم النهار قائم الليل والناس حولك وهم يذكرون الله-سبحانه- ويعينونك على الطاعة والذكر حتى لو أنك سئمت أو مللت نظرت إلى غيرك ووجدته مجداً مشمراً في الخير قويت نفسك على الخير وانبعثت على الطاعة والبر ، وهذا يجعلك مستديماً للطاعة فتمر عليك العشر الليالي وأنت محافظ على ختم كتاب الله كل ثلاث ليال فتجد لذة العبودية لله والأنس بالله-- ولذة مناجاته وحلاوة دعائه وذكره-سبحانه- فتخرج منشرح الصدر مطمئن القلب وقد وجدت خيراً كثيراً ما غفل عنه الغافلون .
فإذا كان الإنسان كامل العقل سوي الفطرة ووجد هذه اللذة فإنه لايفرط فيها ، ويقول الله-- ندبنا إلى الخير في كل زمان ومكان إلى الطاعة في كل زمان ومكان فيخرج وهو أقوى ما يكون على العبادة ، وأقوى ما يكون على الذكر ، ولذلك منهم من يحافظ على ختم القرآن كل ثلاث ليال ، لأنه اعتاد ذلك في اعتكافه فقويت نفسه على ذلك بعد الاعتكاف ، ومـن هنا قال العلماء : إن الاعتكاف يعين على الخير ويقوي النفوس على الطاعة والبر ، وهذا هو الاعتكاف الحق الـذي يخرج الإنسان منه وهو أقرب ما يكون على طاعة الله وأقرى ما يكون إلى الخير ، وَذِكْرُ المصنف لهـذا الباب في كتاب الصوم واضح ؛ لأن الاعتكاف إنما فعله النبي-- في شهر الصوم ، ولذلك السُّنة في الاعتكاف أن يكـون في رمضان تأسياً بالنبي-- ، ولا بأس بالاعتكاف في غير رمضان ؛ لأن النبي-- اعتكف عشراً من شوال .
قال بعض العلماء : في هذا دليل على مشروعية الاعتكاف في رمضان وغير رمضان ، ولأن الله-- قال : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } ولم يفرق بين اعتكاف وآخر فالمعتكف في أي زمان هو على طاعة الله-- وبره ، ولا يخص ذلك رمضان على سبيل اللزوم ، لكن الأفضل الائتساء بالنبي-- والحرص على الاعتكاف في رمضان ما لم تكن هناك أمور آكد من الاعتكاف كبر الوالدين والقيام على الأهل في نفقاتهم ، ونحو ذلك من الحقوق الواجبة ، فإذا كان عند الإنسان والدان يحتاجان إليه ويحتاجان إلى بره وقربه فإنه يقدم بر الوالدين على الاعتكاف ؛ لأن بر الوالدين فريضة فرضها الله-- وقرنها بتوحيده وألزم عباده بها ، وحثهم وحضهم عليها ، وأكد هذا الحث والحض ، وأما الاعتكاف فإنه سنة ومندوب إليه ولا يشتغل بالمندوب على وجه يضيع به الحق الواجب بإجماع العلماء-رحمهم الله- ؛ وإنما يتقرب إلى الله بما فرض ، ولذلك لا يعتكف الإنسان إلا بعد أن يكون قائماً بحقوق نفسه وحقوق أهله وحقوق الناس ، فإذا كان على هذا الوجه فَنِعْمَ الاعتكاف ، ثم إنه إذا دخل إلى معتكفه عليه أن يعلم أن هذا الاعتكاف ينبغي أن يتقيد بالضوابط الشرعية ، وأن يكون قائماً فيه بالواجبات على أتم وجوهها وأكملها .
فأول ما ينبغي على المعتكف أن تكون نيته وطويته وسريرته خالصة لله-- وأحب ما يكون عنده أن لا تسمع به أذن ولا تراه عين ولا يعلم أحد أنه معتكف ، وذلك من كمال إخلاصه ، وهذا هو الذي دعا بعض السلف لما سئل عن الإخلاص . قال : أن يتمنى العبد أن عمله بينه وبين الله لا يعلم به أحد . وهذا كمال الإخلاص ، فتدخل إلى المسجد ولا يشعر أحد بك أنك معتكف على قدر استطاعتك ، على خلاف ما يفعله البعض-أصلحهم الله- في هذا الزمان فتجد الرجل يحدث بالاعتكاف قبل أن يفعله-نسأل الله السلامة والعافية- ، ويقول : إذا كانت العشر الأواخر سنعتكف في مكة أو نعتكف في المدينة أو نحو ذلك ، وهذا لا يأمن صاحبه من الغرور ولا يأمن من الرياء ولا يأمن من الإدلاء على الله-- بطاعته ، بل المنبغي على الإنسان أن يحفظ طاعته ، وأن يجعلها خالصة لوجه الله-- وهذا هو أصل الدين الذي لايقبل الله دنياً سواه ، فإن الإنسان إذا راءى راءى الله به ، وإذا سمّع سمّع الله به كما قال-- : (( من راءى راءى الله به ، ومن سمّع سمّع الله به )) فإذا كان الإنسان يخرج إلى معتكفه وهو يريد وجه الله فإنه ينال أجره حتى يعود إلى بيته . فقد خرج في حسبة وطاعة وقربة لله-- فخطواته مكتوبة وأوقاته مكتوبة حتى نومه في المسجد يكون عبادة له لأنه قد اعتكف ولزم المسجد في طاعة الله-- وهذا لا شك أنه مقرون بإخلاص النية لله-- وكلما خلصت نية الإنسان نال من التوفيق في الاعتكاف بقدرها ، ولذلك تجد البعض من الأخيار إذا دخل الاعتكاف وقد حدث الناس باعتكافه أو دخل وفي نيته أن يجلس مع زيد أو عمرو وأن يؤانس الأصحاب والأحباب ونحو ذلك وجدته ينصرف كثيراً عن ذكر الله -- ولا يوفق إلا في النـزر القليل بالخشوع والإنابة إلى الله-- ولا شك أن هذا كما قال الله-تعالى- : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } فمن كانت نيته خالصة وغيرّها للأنس بالناس ولإضاعة الأوقات بالجلوس مع زيد وعمرو ، فإن الله يغير ما به من حلاوة طاعته ولذة مناجاته ، وإذا علم المعتكف أنه سيأنس بالناس فليعلم أن الأنس بالله أعظم من الأنس بالناس ، وإذا كان جلوس الإنسان مع زيد وعمرو يدخل السرور عليه فإن الصلاة وإحياء الوقت بذكر الله أعظم سروراً وأنساً وبهجة وطمأنينة في قلب من فعل ذلك ، فليحرص الإنسان على أن يقوم بهذه العبادة على وجهها ، كذلك - أيضاً - ينبغي عليه أن يحفظ هذه العبادة من العوارض التي تصرفه عن ذكر الله-- فلا ينبغي عليه أن يكون خاملاً يكثر من النوم ويكثر من فضول النفس التي تريدها من شهواتها من مأكل ومشرب ونحو ذلك ، بل عليه أن يحمل نفسه على العزيمة وأن يقويها على الطاعة ، وأن يعد أيامه التي يعتكفها ، ويقول يا نفس كأنه يناجي نفسه كم نامت ؟‍ وكم ارتاحت ؟‍ وكم استجمت ؟‍ فلتجعل هذه الأيام من السنة في طاعة الله-- خالصة لوجهه . والاعتكاف له شروط وله واجبات ينبغي توفرها وسينبه المصنف-رحمه الله- على جميع هذه الشروط والواجبات ، إلا أن المنبغي على الإنسان أن يحرص في اعتكافه على السؤال عن السُّنة وتحري هدي رسول الله-- فيه .
قوله-رحمه الله- [ وهو لزوم مسجد لطاعة لله تعالى ] : [ وهو ] : الضمير عائد للاعتكاف كأنه يقول-رحمه الله- : حقيقة الاعتكاف عندنا معشر الفقهاء والعلماء لزوم المسجد والمسجد مَفْعِل من السجود ، والمراد بذلك المسجد المعهود ، وليس المراد به كل موضع يسجد عليه ؛ لأن النبي-- قال : (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) فالمراد بالمسجد هنا المعهود الذهني وهو المسجد المعروف الذي إذا أطلق في الشرع انصرف إليه الحكم ، فلا يشمل المصلى ، والمصلى هو الذي تفعل فيه بعض الصلوات دون بعضها ، فالمُصَلَّى لا يعتكف فيه أي ليس محلاً للاعتكاف ، ودليل ذلك قوله-سبحانه- : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فدل على أن الاعتكاف يختص بالمساجد ، وبناءً عليه قالوا : لو كان المعتكف مصلى فإنه لايعتكف فيه ؛ وإنما يعتكف في المسجد ، والمسجد ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : مسجد يجُمَّع فيه .
والقسم الثاني : مسجد لا يجمع فيه . والمراد بقولنا : يجمّع فيه أي تصلى فيه صلاة الجمعة ، فالمسجد التي تصلى فيه الجمعة بالإجماع يعتكف فيه . وأما المسجد الذي لا يجمّع فيه ، ففيه تفصيل :
إن كان قد أوجب على نفسه أن يعتكف العشر الأواخر فحينئذٍ ينصرف إلى مسجد يجمّع فيه ؛ والسبب في ذلك أنه إذا نذر اعتكاف العشر الأواخر أو أوجبها على نفسه ، فإن هذه أي العشر الأيام ستتخللها الجمعة قطعاً ، وبناءً على ذلك لا بد وأن يكون في موضع أو مسجد يجمّع فيه ، ومن هنا يقولون : إنه لابد وأن يكون اعتكافه للعشر كاملة في مسجد يجمّع فيه ، هذا وجهه ، لأنه لو اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة فسيكون مضطراً إلى الخروج لصلاة الجمعة ، وحينئذٍ يفسد اعتكافه بالخروج ، إذا كان قد نذر اعتكاف العشر كاملة ، أما إذا كان اعتكافه اعتكاف طاعة وقربة ولم يقصد به العشر كاملة ، فإنه يصح في المسجد الذي يجمّع فيه والمسجد الذي لا تكون فيه الجمعة ، لكن بشرط أن تكون فيه جماعة ، لأنه مخاطب بشهود الصلاة مع الجماعة وبناءً على ذلك فلابد وأن يكون اعتكافه في موضع تكون فيه الجماعة الصلوات الخمس ، وعلى هذا فلا يصح الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجمعة ، إن كان مريداً الاعتكاف العشر كاملة أو أوجبها على نفسه ، وأما بالنسبة للمسجد الذي لا يجمّع فيه وتقام فيه الجماعة ، فإن الاعتكاف فيه صحيح إذا لم يكن قد أوجبه على نفسه وفرضه .
وقوله [ لطاعة الله ] : اللام للتعليل أي لزوم المسجد من أجل طاعة الله-تعالى- .
والطاعة هنا نكرة شاملة ، لكل طاعة لله-- أي لكل أمر مشروع سواء كان من الأقوال أو الأفعال .
أما الأقوال فيشمل ذلك قراءة القرآن ، والتسبيح والتحميد والتكبير والاستغفار ونحو ذلك من القرب القولية .
وكذلك - أيضاً - يشمل الطاعة التي هي القرب الفعلية ومن أفضلها وأحبها إلى الله-- الصلاة ، كما قال -عليه الصلاة والسلام- : (( استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة )) فمن أفضل الطاعات التي يداوم عليه المعتكف ، كثرة الصلاة فإن كثرة الصلاة تزيد من صلة العبد بربه كما في الحديث عنه-عليه الصلاة والسلام- فيما يريه عن ربه (( وما تقرب إلىّ عبدي بشئ أحب إلىّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه )) الحديث . فيحرص العبد على طاعة الله-- سواء كان قولاً أو فعلاً ، وكذلك الاعتقاد ، الطاعة بالقلب كذكر الله في قلبه وكالنظر في ملكوت الله-- والتفكر في عظمة الله-- كل ذلك يعتبر من الطاعة والقربة كما أثنى-- على عباده الأخيار من أولي الألباب الذين يذكرونه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ويثنون على الله-- بما هو أهله من ذكره وتعظيمه-- .
وقوله [ لطاعة الله ] : خرجت المعصية ، فلا يجوز للمعتكف إذا كان معتكفاً أو غير معتكف لكنه في الاعتكاف أشد ، فالغيبة في المسجد أعظم من الغيبة خارج المسجد ، وهكذا أذية المسلم في المسجد بلسانه كسب الناس وشتمهم ، وهذا ما يقع فيه بعض الجهال-أصلحهم الله- في حجز الأماكن حينما يحجزونها بغير حق ، فإذا جاء أحد وقعد فيها سبوه وشتموه ، ونسوا حقوق المسلم على أخيه المسلم ، ولم يرعوا فيه حق الإسلام ولربما كان ذلك على سبيل الظلم فتجده يحجز المكان الذي يسعه ويسع غيره ، فإذا جاء الغير وجلس فيه ، أقام الدنيا وأقعدها ، فانتهك حد الله-- ومحارم الله بسبه وشتمه وأذيته وانتقاصه وعيبه ولا شك أن هذا يعود صاحبه بالوزر العظيم ، فلا يجوز أذية الناس باللسان (( والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه )) فالمسلم يحفظ لسانه عن أذية المسلمين والنيل منهم والانتقاص لهم ، وإذا زلّوا عليه وأخطؤوا فزاحمه إنسان في الصف الأول ، أو نحو ذلك ، فليذكره بالله-- وليقل : يا أخي اتق الله ، لأن الله سائلنا عما نقول ومحاسبنا عما نقول . فبدلاً من أن تبادر الإنسان بالأذية والسب والشتم وكشف عورته وأذيته فبادره بالنصيحة وذكره بالله-- حتى تعذر إلى الله ، فإذا أصر وأبى فحينئذٍ يخير الإنسان بين أمرين : بين أن يعفو عنه إذا أخطأ عليه ، وهذا أحسن وبين أن يقتص منه وهذا حسن ، ولذلك قال-تعالى- : { فَبَشِّرْ عِبَادِ  الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } ففي القرآن حسـن وأحسن ، فالحسن { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } والأحسن { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } فهذا أكمل وأعظم وهو أكثر قربة لله-- وأرضى لله-- فإذا كان الإنسان معتكافاً ، وجاء وأحد وجلس في مكانه وهذا المكان تركته لقضاء الحاجة فقط ، وأما ما عدا ذلك فلا يجوز حجز المكان فيه فإذا خرج الإنسان لقضاء حاجته ثم جاء ووجد الغير قد جلس مكانه فليقل : أصلحك الله يا أخي هذا مكاني فإذا أصر وأبى ذكره بالله ، وقل له : يا أخي لا يجوز لك أن تجلس ؛ لأن النبي-- يقول : (( إذا قام أحدكم من مجلسه لحاجته فهو أحق به إذا عاد إليه )) فتذكره بالسُّنة . وتقيم عليه الحجة فإن أبى فاعلم-رحمك الله- . أن الأجر من الله ، وأن الله يعلم أن هذا المكان مكانك وأنك في الصف الأول ولو كنت في آخر الصفوف ، فما دمت قد صرفت عن حقك بالظلم ، فإن الله-- سيؤتيك أجرك ، والله مطّلع على السرائر والضمائر ، فلا يجوز لك أن تضيع الأجر عليك ، فإذا كان الإنسان معتكفاً فليحذر من مثل هذه الآفات . وليعلم كما قال هذا الإمام الجليل : أن الاعتكاف للطاعة وليس للأذية ولا للتشويش على الناس ولا للتضيق عليهم ولا شك أن أذية المسلمين عامة لا تجوز فكيف إذا كانت في المساجد ؟‍
[ مسنون ] : أي أن هذا الاعتكاف إذا كان لزوماً للمسجد لطاعة الله التي شرعها الله مسنون أي هو سنة وقد دل على سنيته وشرعيته دليل الكتاب كما قلنا ودليل السُّنة من هديه-- ، ولذلك قال لأصحابه : (( فمن كان معتكفاً فليعتكف معنا )) أي ليعتكف العشر الباقية كما في حديث أبي موسى في الصحيح حينما نزل عليه الوحي-صلوات الله وسلامه عليه- ؛ لأنه اعتكف أول الشهر ثم اعتكف أوسطه ثم نزل عليه جبريل بالوحي من السماء (( إن الذي تطلبه - يعني ليلة القدر - أمامك )) أي أمامك فاطلبه فدل هذا على فضيلة العشر ، وفيه دليل على مشروعية الاعتكاف وفضيلته .
قوله-رحمه الله- [ ويصح بلا صوم ] : أي يصح الاعتكاف بلا صوم . وهذا له صور :
الصورة الأولى : أن تعتكف في الليل مجرداً عن النهار . وقد ثبت بذلك الحديث الصحيح عن عمر-- كما في الصحيح لما سأل النبي-- : أنه نذر أن يعتكف ليلة ، فأمره النبي-- : أن يوفي بنذره . فدل هذا على مسألتين :
المسألة الأولى : أن الاعتكاف لا يشترط له الصوم ، وهذا هو أصح قولي العلماء ، خلافاً للحنفية ، والمالكية -رحمة الله عليهم- ، الذين يقولون : باشتراط الصوم لصحة الاعتكاف .
المسألة الثانية : أنه يجوز أن تعتكف أجزاء النهار ؛ لأنه إذا لم يشترط الصوم فإنه يجوز لك أن تعتكف أجزاء النهار ؛ لأن الليل جزء من اليوم ، فدل على جواز اعتكاف جزء من اليوم سواء كان ليلة كاملة أو كان نهاراً كاملاً أو كان ساعة كاملة . بل قال العلماء : لو أن إنساناً دخل الفريضة فنوى أن يعتكف مدة جلوسه في المسجد ، فإنه معتكف ويكون له فضل الاعتكاف إذا نوى ذلك . وذلك لإطلاق الكتاب والسُّنة . والأفضل والأكمل التأسي بالنبي-- في الاعتكاف الكامل خاصةً في العشر الأواخر .
قوله-رحمه الله- [ ويلزمان بالنذر ] : ويلزم الاعتكاف ويلزم الصوم بالنذر ، فالاعتكاف نافلة ولا ينتقل من كونـه نافلة إلى الوجوب إلا في صور منها : النذر ، فإذا نذر وقال : لله عليّ أن اعتكف يوماً . فقال بعض العلماء : إذا قال : لله عليّ أن اعتكف يوماً فلا بد وأن يكون صائماً فيه . وقال بعض العلماء : يغنيه أن يعتكف اليوم بدون صيام ، وهكذا لو قال : لله عليَّ أن اعتكف ليلة ، فإنه يجزئه أن يعتكف الليل ولا يلزمه الصوم في هذه المسألة ، إنما يلزمه الصوم إذا نوى النهار .
فقال بعض العلماء : إذا نوى اعتكاف النهار كاملاً فإنه يصوم ، والصحيح أنه يلزمه الصوم ويلزمه الاعتكاف بالنذر ، أي إذا نذر وصرّح في نذره أنه يكون صائماً فإنه يلزمه الاعتكاف بالصوم ، وإلاّ أجزأه ولو جزء النهار . فلو قال : لله عليّ أن اعتكف في النهار فإنه يصدق عليه أنه معتكف ويتم نذره ولو بساعة واحدة من النهار .
[ ولا يصح إلاّ في مسجد يجمّع فيه ] : [ ولا يصح إلا في مسجد يجمّع فيه ] : لأنه إذا اعتكف في مسجد لاتقام فيه الجماعة فإن معنى ذلك أنه سيترك فريضة الله من شهود الصلاة مع الجماعة ، وكذلك - أيضاً - إذا اعتكف العشر الأواخر في مسجد تقام فيه الجماعة ولا تقام فيه الجمعة ، فمظنة أن يترك الجمعة في يوم الجمعة ، واستثنى بعض العلماء من ذلك . المريض المعذور في الجمعة ، قالوا : يجوز أن يعتكف العشر الأواخر في مسجد لا يجمع فيه ، لأنه إذا حضرت الجمعة صلاها ظهراً ، ولا يجب على مثله أن يشهد الجمعة .
قوله-رحمه الله- : [ إلا المرأة ففي كل مسجد ] : [ إلا المرأة ] : فإنه يجوز لها أن تعتكف في كل مسجد والأصل في جواز الاعتكاف للنساء . أن الله-تعالى- عمم في قوله-سبحانه- : { وَالْعَاكِفِينَ } فشمل هذا رجال والنساء .
وكذلك السُّنة عن النبي-- : فإنه أقر نسائه على الاعتكاف معه-صلوات الله وسلامه عليه- ، وإنما عاتبهن في الغيرة ومنافسة بعضهن لبعضهن وقال : (( آلبر أردتن )) وهذا يدل على مشروعية اعتكاف المرأة ولكن بشرط ألا يكون في النية دخل . كأن يكون ذلك على سبيل المضارة . كأن يكون بين الضرتين كما وقع لأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن وأرضاهن- ، واعتكاف المرأة جائز ؛ لكن بشرط أن لا يؤدي إلى المحاذير الشرعية كمخالطة الرجال .
وكذلك - أيضاً - وقـوع الفتة والمحظور ، والأفضل للمرأة أن تلزم بيتها كما قال-تعالى- : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } فالأفضل للمرأة أن تكون في بيتها ، والأفضل أن تصلي في مسجدها في بيتها في مخدعها ، فهذا أفضل لها وأكمل وأفضل لغيرها لأن الخير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال . وكلما سُتِرَ النساء عن الرجال كان ذلك أحفظ لدين الرجال وأحفظ لدين النساء . فما ترك النبي-- بعده فتنة أضر على الرجال من فتنة النساء ولذلك الأفضل للمرأة أن تلزم بيتها . فإن أحبت أن تعتكف فلا حرج ، ولكن بشرط ألا يؤدي اعتكافها إلى فوات الحقوق الواجبة عليها ، فإن كان هناك حق لزوج فإنها لا تعتكف وإنما تؤدي حق بعلها وزوجها ، لأن الله فرض عليها القيام بحق بعلها ولا يعقل أن تنصرف من الواجب إلى النفل فالله يُتَقَّربُ إليه بما افترض وإذا نوت المرأة في نفسها أنه لولا شغل زوجها لاعتكفت كتب الله أجرها كما قال-عليه الصلاة والسلام- : (( إن بالمدينة رجـالاً ما سلكتم شعباً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم إلا شركوكم الأجر )) . قالوا : - يا رسول الله - ، كيف وهم بالمدينة ؟ قال : (( حبسهم العذر )) .
فالمرأة التي يحبسها عذر زوجها والقيام بحقوق زوجها ، أجرها كامل . وهكذا لو حبسها تربيتها لأطفالها وقيامها بحقوق أطفالها ، فإن أجرها كامل . فكم من متمن للخير الله مبلغه درجته ولعل الله لحكمة أن يصرف المرأة عن شهود المساجد حتى تنصرف عن الفتنة ، ويكتب لها الأجر بالنية ، فلا يجوز للمرأة أن تخرج للاعتكاف ، وتضيع حقوق أولادها أو حقوق زوجها ، فلا شك أنها مطالبة بالحقوق المفروضة قبل القيام بالنوافل والمستحبات .
[ سوى مسجد بيتها ] : أي يجوز لها أن تعتكف في كل مسجد لأنه لا تجب عليها الجمعة ، ولا تجب عليها الجماعة ، إلا مسجد بيتها فلا يصح لها أن تعتكف فيه . لأن المراد بالمساجد ، المساجد المعهودة ، ومسجد بيتها يعني مخدعها الذي تصلي فيه ليس بمحل للإعتكاف ؛ لأن الاعتكاف إنما هو في المساجد المعهودة .
[ ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة وأفضلها المسجد الحرام فمسجد المدينة ، فالمسجد الأقصى لم يلزمه فيه ] : أي ومن نذر الاعتكاف . فقال : لله عليّ أن اعتكف فإنه لا يلزمه الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة . لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) ، ولذلك خص الله-- هذه المساجد . فلا يجوز شد الرحال للقرب المتعلقة بالمواضع ، إلا هذه المساجد . فلا تشد الرحال للمشاهد ولا للقبور ولا لزيارتها ، ولا كذلك للدعاء عندها ، ولا للذبح عندها ، وكل ذلك مما يعتقد أنه قربة لا يجوز فعله ؛ لأن النبي-- قال : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) بل إن بعض هذه الأفعال يفضي إلى الشرك والخروج من الملة-والعياذ بالله- . وكفر صاحبه . كأن يشد الرحل للذبح عند القبر أو دعاء صاحب القبر أو التوسل لصاحب القبر بالذبح والاستغاثة والاستجارة به-نسأل الله السلامة والعافية- مما وقع فيه كثير من الجهال-نسأل الله السلامة والعافية- في الأزمنة المتأخرة ، ولا شك أن هذا الأمر تُنْقَضُ به عرى الإسلام ويوجب خروج صاحبه من الملة-نسأل الله السلامة والعافية- ، فالمقصود أن يشـد الرحل للاعتكاف . ولو أوجب ذلك على نفسه . فقال : لله عليّ أن اعتكف في مسجد قباء فإنه لا يلزمه أن يذهب إلى مسجد قباء وأن يعتكف فيه . فإذا نوى في أي مسجد أو نذر لأي مسجد فإنه يغنيه أحد هذه المساجد الثلاثة . إلا إذا نوى أفضلها فلا يغني المفضول عن الأفضل . فلو نوى أن يعتكف في مسجد بيت المقدس فإن الصلاة فيه بخمسمائة فيجزئه أن يعتكف في مسجد النبي-- وفيه الأثر ، وكذلك - أيضاً - لو نوى أن يعتكف في مسجد النبي-- فإنه يغنيه أن يعتكف في مسجد الكعبة وهذا على الأصل الذي ذكرناه ، لأن الأعلى يغني عن الأدنى ، ولا يغني الأدنى عن الأعلى فالعكس لا يصح ، فلو نوى أن يعتكف في المسجد الحرام فإنه لا يجزئه أن يعتكف في مسجد النبي-- لأنه ينتقل من الأعلى إلى الأدنى .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-08-11, 03:50 PM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

الدرس التاسع
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه وعكسه بعكسه ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فقد بين المصنف-رحمه الله- بهذه المسألة حكم نذر الاعتكاف ، فالشخص إذا نذر الاعتكاف في مسجد وكان هذا المسجد أفضل من غيره فإنه لا يجزئه أن ينصرف إلى ما دونه ، ومثال ذلك أن ينوي الاعتكاف في المسجد الحرام فإنه لا يجزئه أن ينصرف إلى مسجد المدينة ، وكذلك لو نوى الاعتكاف في مسجد رسول-- لم يجزه أن ينصرف إلى ما دونه من سائر المساجد غير المسجد الحرام ، والأصل في ذلك أنه إذا نوى الأفضل أنه لا تبرأ ذمته إلا به أو بما هو أفضل منه ، ولذلك إذا نوى الاعتكاف في مسجد النبي-- وانصرف إلى مسجد الكعبة فإنه قد حصل فضيلة مسجد النبي-- وزيادة ، حيث فضل الله مسجد الكعبة على مسجد النبي-- بمضاعفة الصلاة ، وفضل الله-- المسجد الحرام على مسجد النبي-- بوجود عبادة الطواف ، ولذلك اختص بهاتين الفضيلتين اللتين لا يشاركه فيهما غيره من سائر المساجد ، فمن نوى الاعتكاف في مسجد النبي-- جاز له أن ينصرف إلى مسجد مكة وهو المسجد الحرام .
ولا يجزيه أن ينصرف من مسجد النبي-- إلى الأقصى أو إلى غيره من سائر المساجد ماعدا مسجد الكعبة ، وفي ذلك سنة ثابتة عن النبي-- حيث أمر الصحابي حينما نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى أن يعتكف في مسجده-- .
وقوله-رحمه الله- [ وعكسه بعكسه ] : فإنه إذا نوى الأقل جاز له أن ينصرف إلى الأعلى كما ذكرنا ومن نوى الأعلى لا ينصرف إلى الأدنى . فالحكم في هذا على ما ذكرناه .
[ ومن نذر زماناً معيناً دخل معتكفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره ] : لما بين لنا-رحمه الله- أحكام الاعتكاف المنذور من جهة المكان شرع في بيان أحكام الاعتكاف الواجب من جهة الزمان فالاعتكاف فيه جانبان :
أولاً : من جهة المكان حيث يتقيد بالمسجد وإذا تقيد بالمسجد فلا يخلو :
إما أن ينوي مسجداً مطلقاً فلا إشكال وحينئذٍ يجزيه أي مسجد .
وإما أن يعين ، فإن عين إما أن يحدد ما هو أقل فيجزيه ما هو أعلى على التفصيل الذي ذكرناه . بعد أن فرغ من بيان هذا الحكم المتعلق بالمكان شرع في بيان الأحكام المتعلقة بالزمان .
فلو أن رجلاً نذر أن يعتكف يوماً كاملاً أي نهاراً بليلته فإنه إذا قال : لله علىّ أن أعتكف يوم الأحد أو الإثنين أو الثلاثاء فإنه يدخل قبل مغيب الشمس من يوم السبت وذلك لأن يوم الأحد . يبدأ من ليلة الأحد ، وليلة الأحد إنما تكون بمغيب شمس يوم السبت ، فإذا أراد أن يعتكف الليلة كاملة فلابد وأن يكون بكامل جسمه في داخل المسجد من أول الزمان ، ولا يتأتي ذلك إلا بالدخول قبل غروب الشمس ، فإن دخل بعد غروب الشمس فإنه لم يعتكف الليلة كاملة ، ولذلك من نوى العشر الأواخر فإنه يدخل قبل مغيب شمس يوم العشرين ، وأما الدخول إلى المعتكف نفسه وهي القبة التي كان النبي-- يعتكف فيها فقد كان يدخل بعد فجر ليلة الحادي والعشرين ، فالشاهد من هذا أن السُّنة لمن نوى الاعتكاف يوماً كاملاً أن يدخل قبل مغيب شمس اليوم الذي قبله حتى يحُصِّل الليلة كاملة ، وهكذا بالنسبة لآخر الزمان ، لأن الاعتكاف فيه أول زمانه وفيه آخر زمانه ، فأنت إذا ألزمت نفسك باعتكاف يوم كامل فإن الله فرض عليك أن تستغرق الزمان بكامله ، فأوله قبل مغيب الشمس وآخره بعد مغيب الشمس من اليوم الذي نويته ، فإن كنت ناوياً يوم الأحد فإنك تدخل قبل مغيب الشمس تحصيلاً لأول الزمان من يوم السبت ، ثم إذا غابت الشمس من يوم الأحد فقد تم نهارك وحينئذ يجوز لك الخروج ، فإن خرج قبل مغيب الشمس لم يستتم اعتكافه على الوجه المعتبر .
وعلى هذا فإن المعتكف للعشر الأواخر إذا ألزم نفسه بها ونذرها فإنه يخرج بعد مغيب الشمس من آخر يوم من رمضان ، وحينئذٍ لا يخلو الشهر من حالتين :
الحالة الأولى : أن يكون تاماً ثلاثين يوماً ، فإن تم الشهر ثلاثين يوماً فحينئذ تنتظر إلى مغيب شمس الثلاثين فإن غابت شمس يوم الثلاثين من رمضان فاخرج بعد المغيب ، فبمجرد أذان المغرب ينتهي الاعتكاف الواجب عليك ، وحينئذٍ إذا صليت المغرب جاز لك أن تنصرف .
الحالة الثانية : إذا كانت الليلة ليلة شك فتنتظر إلى ثبوت كونها ليلة الفطر فإذا جاء الخبر أنها ليلة الفطر في الساعة التاسعة أو الساعة الثامنة أو الساعة العاشرة فتخرج بمجرد علمك أنها ليلة العيد . وذلك لأنك لما تحققت أنها ليلة العيد لم يجب عليك اعتكافها ولا تلزم بها .
[ ولا يخرج المعتكف إلا لما لابد له منه ] : المعتكف حبس نفسه لطاعة الله وفر من الدنيا وشواغلها إلى مرضات الله ومحبته فالمنبغي عليه أن يحقق هذه العبادة وأن يقوم بها على الوجه الذي يرضي الله-- حتى يكون أسعد الناس بالقبول منه-- فإنها نعمة من الله إذا وفق عبده لاغتنام هذا الاعتكاف في ذكره وشكره وحسن عبادته ثم تقبل منه ، ولا يتقبل الله إلا من المتقين الذين حفظوا حقوق العبادات ، وقاموا بها على أتمّ وجوهها على الوجه الذي يرضي الله-- ، فإذا كان المعتكف في اعتكافه فإنه لا يجوز له أن يخرج من المسجد إلا لضرورة وحاجة وهذا مجمع عليه بين أهل العلم ، لأن حقيقة الاعتكاف هذا اللفظ الشرعي المتضمن للعبادة الشرعية يدل على اللزوم وعلى المكث ، ولذلك كان-- لا يخرج من المسجد إلا لحاجة وضرورة كما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها وأرضاها- : " كان لا يخرج إلا لحاجته " والمراد بالحاجة البول والغائط ، فإذا احتاج إلى بول أو غائط فإنه يجوز له أن يخرج ؛ والسبب في ذلك أن المساجد لا يجوز قضاء الحاجة فيها ، ولذلك نهى النبي-- لما بال الأعرابي في مسجده-- وأنكر الصحابة عليه ذلك أقرهم ولكن أنكر عليهم أنهم يريدون قطعه عن البول ، أما كون البول في المسجد لا يجوز فهذا محل إجماع والله-تعالى- نبه إلى ذلك بقوله : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } فلا يجوز للمعتكف أن يقضي حاجته داخل المسجد فإذا كان لا يجوز له ذلك فمعنى ذلك أنه لا بد له من الخروج وإذا كان لابد له من الخروج فإن الخروج يكون مسموحاً وجائزاً ، فلو قلنا إنه يحرم على المعتكف أن يخرج لقضاء حاجته لما استطاع إنسان أن يعتكف ؛ لأنه ما من إنسان إلا وهو مضطر لقضاء حاجته ، ولا يمكنه أن يحبس هذه الحاجة لأن ذلك ربما أهلكه وأتلف نفسه ، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجوز له أن يخرج لقضاء الحاجة من بول وغائط ، وفي حكم ذلك ما يضطر إليه من الأكل والشرب إذا لم يجد أحداً يقوم بإحضار الطعام والشراب إليه فإنه لابد له من الأكل ولابد له من الشرب ، فإذا لم يجد طعاماً ولا شراباً جاز له أن يخرج ، فإن قلنا إن السُّنة قد دلت على جواز الخروج للحاجة وأنه يجوز له أن يقضي حاجته فإن الأصل يقتضي أن ما أبيح للحاجة والضرورة يقدر بقدرها .
ومن هنا فصّل العلماء فقالوا : إذا اضطر للخروج لقضاء البول أو الغائط فلا تخلوا أماكن قضاء البول والغائط من حالتين :
الحالة الأولى : أن تكون قريبة .
الحالة الثانية : أن تكون بعيدة .
فإن كانت قريبة فإنه يقضي حاجته فيها بلا إشكال ، لأن قربها من المسجد لا إشكال في جواز قضاء الحاجة فيه . كأن تكون لاتبعد عن المسجد إلا يسيراً أما إذا كانت بعيدة فإنه يختار أقربها ، ولا يجوز له أن ينصرف إلى المكان الأبعد . مع وجود الأقرب ، فلو اختار منـزله أو شقته أو عمارته أو بيته وهو بعيد عن المسجد أبعد من دورة مياه قريبة لم يجز له ذلك ؛ والسبب في هذا أنه إذا خرج لقضاء حاجته فقد استغل الوقت الذي يجب صرفه في الاعتكاف لقضاء الحاجة " وما أبيح للحاجة يقدر بقدرها " . فكأنه يترفه ويزداد في الوقت المسموح له ، فلما سُمِحَ له أن يقضي حاجته في الأقرب لم يجز له أن يقضي حاجته في الأبعد ، وهذا أصل عام وقاعدة عامة عند العلماء : " أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها " ، ولذلك قالوا : إذا أراد الشخص أن يطعن في الشاهد وعلم فيه أكثر من جُرْحَةٍ ترد شهادته وبعضها أشد من بعض فإنه يختار أقل شيء لأن كشف العورات مأذون به بقدر الحاجة ، وكذلك من أكل المخمصة والمجاعة قالوا : إنه يأكل ويسد رمقه ولا يجوز له أن يتزود لأن الزاد زائد عن حاجته والأصل أنه محرم فأبيح له قدر الحاجة ، فالأصل أنه محرم على المسلم أن يخرج من المسجد ما دام معتكفاً ، وأبيح له أن يخرج لقضاء حاجته ، فكأنه حينما اختار المكان الأبعد فإنه حرم عليه هذا المكان لأن الذي أجاز له الشرع إنما هو الأقرب ، وعلى هذا لا يجوز الانصراف إلى دورات المياه البعيدة مع وجود القريبة إلا في حالات :
الحالة الأولى : أن تكون شديدة الزحام . ويكون الإنسان شديد الحصر أو يتضرر بالانتظار في الزحام لضيق نسمٍ أو وجود ضرر من وجود بعض الروائح الكريهة أو نحو ذلك فيجوز له حينئذ أن يختار شقته أو يختار عمارته إذا لم يكن بعدها متفاحشاً ، كذلك الحكم إذا كان محتاجاً للطعام والشراب فلو كان يتيسر له أن يطعم في مطعم وهو قريب من المسجد فحينئذ ننظر إن كان جلوسه في المطعم يجحف بمثله كالعالم وطالب العلم ومن هو قدوة فتسقط مروءته بهذا المكان فيجوز له أن ينصرف إلى شقته وبيته لأنه يتضرر بالجلوس في هذا المكان فوجوده وعدمه على حد سواء .
وأما إذا كان يمكنه أن يأكل فيه ولا يستضر بذلك والمكان محفوظ ولا يجد غضاضة فيه فإنه لا يجوز له أن ينصرف إلى مطعم أبعد مع وجود الأقرب ، فالقاعدة أن هذا الشخص جاز له أن يفارق المسجد لضرورة ، وإذا جاز له لضرورة لا يجوز له أن يتمادى أكثر منها ، ومن هنا فرع العلماء أنه إذا خرج للاستحمام ومن أجل أن يستحم أو يغير ثيابه ولم يستضر بالثياب التي عليه فإنه يفسد اعتكافه .
لكن لو خرج لقضاء الحاجة وأخذ ثيابه معه من أجل أن يزيل العرق والنتن عنه واحتاج لذلك أو عليه جنابة فحينئذٍ لا إشكال . لكن أن يخرج من معتكفه من أجل أن يستحم ومن أجل أن يترفه بالاستحمام لشدة الحر أو نحو ذلك فلا ، وإنما يخرج بقدر الحاجة والضرورة لقضاء الحاجة أو إصابة الطعام ونحو ذلك .
والدليل على هذا : أن رسول الله-- كما ثبت في حديث السنن أنه كان إذا خرج من معتكفه إلى بيته (( لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة وإنما يكون لما لابد منه )) وعلى هذا فإنه لو تأمل الإنسان عيادة المريض وكذلك شهود الجنازة فإنها قد تصل في بعض الأحيان إلى مقام الحاجة وقد يحتاج المريض منك أن تواسيه وتسليه ومع ذلك لم يكن-عليه الصلاة والسلام- من هديه أن يُعَرِّج على المريض أو يجلس عند المريض وإنما كان يسأل وهو مار كيف فلان ؟ ولا يعـرج-صلوات الله وسلامه عليه- ، وهذا أصل يخل به البعض بسبب الجهل بأحكام الاعتكاف ، ولذلك تجد الإنسان يدخل إلى معتكفه ويخرج وقد تكون حالته هي هي ، لم يتغير لأنه لم يستشعر أنه في عبادة تلزمه بالتقيد والانضباط بالحدود الشرعية بحيث لا ينصرف عن هذه العبادة لا بقلبه ولا قالبه فلذلك ينبغي على المسلم أن يحفظ هذه الأحكام وهو أنه لا يجوز له أن يفارق المسجد إلا من ضرورة وحاجة فإن وُجدت الضرورة والحاجة جاز له أن يخرج ، أما إذا اشترط في اعتكافه بأن قال : أنه يشترط أن يتصل على أهله أو يتفقد حال أهله فللعلماء قولان : منهم من قال الأصل الشرعي أن المعتكف لا يجوز له أن يخرج ولا يجوز له أن يترفه وقد أجاز النبي-- الاشتراط في الحج ولم يجزه للمعتكف فُنْبقي الاعتكاف على ظاهر النصوص ولا نجيز لأحد أن يشترط فيه ، ويُضَعِّفون القياس في هذا .
ومنهم من يقول : نقيس الاعتكاف على الحج فكما أجاز النبي-- في الحج أن تشترط المرأة فإنه يجوز للمعتكف أن يشترط . والقول الأول ألزم للأصل وذلك أنه أوفق ، إلا أنه لو قال قائل : لو أن المعتكف أثناء اعتكافه أو عند دخوله للمعتكف كانت عنده بنت مريضة أو أم مريضة أو والد مريض وخشي عليه أو كان هو نفسه مريض وخشي على نفسه فاشترط كان القياس هنا أقرب إلى الصواب ؛ لأن حديث ضباعة-رضي الله عنها- قالت : " إني أريد الحج وأنا شاكية " فكأنها ألزمت نفسها مع وجود المرض بخلاف من دخل العبادة وهو صحيح قادر فكأن الشرع أعطى هذا المكلف حينما دخل في العبادة وهو ضعيف أعطاه فسحة لأنه دخل فيها مع وجود الضرر فألزم نفسه ما لم يَلْزَمْه ، ولذلك يقوى أن يقال بالجواز على القول بجواز الاشتراط أن يكون في حالة وجود العذر عند الدخول تحقيقاً لدلالة النص الذي هو أصل في مباحث الاشتراط .
[ ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه ] : [ ولا يعود مريضاً ] : فإذا كان عند مريض من أهله ودخل البيت لحاجته له أن يسأل كيف فلان ؟ أو كيف حالك يا فلان ؟ وهو مار ولا يعرج عليه لا يقصد إلى غرفته ولا يجلس عنده ؛ ولكن لو أنه وهو مار في الطريق أو في الصالة سأل عنه أو سأل زوجته عن أبنائه فلا حرج ، أما أن يقصد عيادته فلا ، وفي حكم ذلك أن يخرج من اعتكافه بقصد الاتصال على أهله للاطمئنان على مريض فإنه في حكم العيادة ، ولذلك لا يعود وهذا أصل ، وقد قالت أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- حينما بينت سنة المعتكف قالت : أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يخرج إلا لما لابد له منه هذه ثلاثة أمور مضت السُّنة في المعتكف أن لا يعود المريض وأن لايشهد الجنازة وأن لايخرج من معتكفه إلا لما لابد منه يعني الأمر الضروري .
قوله-رحمه الله- [ إلا أن يشترطه ] : وهو أحد الوجهين عند العلماء-رحمة الله عليهم- قياساً على الحج .
[ وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه ] : بعد أن بين-رحمه الله- حقيقة الاعتكاف والأمور التي ينبغي على المعتكف أن يلتزم بها في اعتكافه شرع في بيان ما يفسد الاعتكاف ، فيفسد الاعتكاف الجماع ، فإن حصل جماع بينه وبين زوجه أو جماع محرم-والعياذ بالله- فقد فسد الاعتكاف بإجماع العلماء-رحمهم الله- ، والأصل في ذلك أن المعتكف لا يجوز له أن يجامع لقوله-- : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فحرم الله على المعتكف أن يباشر أهله ، فدل على حرمة المباشرة ، والمراد بالمباشرة هنا بالإجماع على أنها إذا بلغت غايتها وهي المباشرة بالجماع أنها محرمة .
وقال بعض العلماء : إنها مُحَرِّمَة للمباشرة التي يراد بها الاستمتاع إعمالاً للعموم في قوله : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ } كالتقبيل والهمز والغمز ونحو ذلك من الأفعال التي تكون مقدمات للاستمتاع بالمرأة ، وهذا على ظاهر قوله : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ } ومن هنا تنقسم المباشرة إلى قسمين :
القسم الأول : أن تكون المباشرة مفضية إلى الجماع أو من مقدمات الجماع ، كالتقبيل ونحوه فهذه بالإجماع لا تجوز ، فبالإجماع لا يجوز للمعتكف أن يقبل زوجه ولا يجوز له أن يستمتع على سبيل إثارة الشهوة .
القسم الثاني : أن تكون المباشرة لغير الشهوة كأن تسرح المرأة شعر زوجها أو يدني رأسه من المسجد لزوجته لتسرح شعره أو تغسل يده أو نحو ذلك فيحصل اللمس والمباشرة لكنها ليست مقصودة للاستمتاع فهذه جائزة بالإجماع لأن النبي-- كما ثبت في الصحيح : " كان يدني لأم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- رأسه فترجله وهو معتكف في المسجد -صلوات الله وسلامه عليه- " ، فإن جامع بطل اعتكافه ، وأما إن باشر ولم يجامع كأن يقبل أو نحو ذلك فإذا باشرها ولم يجامع وحصلت مقدمات الاستمتاع فلا يخلو من ضربين :
الضرب الأول : أن ينـزل فيفسد اعتكافه .
الضرب الثاني : أن لا ينـزل ، فللعلماء فيه قولان أصحهما أن اعتكافه لا يفسد .
[ وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه ] : إذا جامع فللعلماء قولان :
القول الأول : أنه يفسد اعتكافه ولا شيء عليه وهو مذهب الجمهور .
القول الثاني : يقول يفسد اعتكافه وتلزمه كفارة الجماع في نهار رمضان .
القول الأول مذهب الجمهور أنه لاشيء عليه إذا جامع وهو معتكف ، والقول الثاني : رواية عن الإمام أحمد .
والصحيح القول الأول : أن من جامع زوجته وهو معتكف أنه يفسد اعتكافه ولا يجب عليه أن يكفر لأن الكفارة خاصة بالجماع في نهار رمضان على ظاهر السُّنة الثابتة عن النبي-- والأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها . فالأصل أن ذمته بريئة من المطالبة بالكفارة ولا دليل على شغلها بالجماع في الاعتكاف إذْ لو كان الجماع في الاعتكاف موجباً للتكفير لما سكت الشرع عن ذلك .
محل الخلاف في مسألة الكفارة وعدمها : إذا وقع الجماع ليلاً ، أما لو وقع جماع المعتكف في نهار رمضان وهو صائم فإنه تجب عليه الكفارة للإخلال بصيامه لا من باب الاعتكاف ، وفرق بين كونها تجب للإخلال بالصيام وبين كونها تجب من أجل الاعتكاف .
على هذا لو سألك سائل وقال : اعتكف رجل وجامع زوجته فما الذي يجب عليه ؟
تقول له : فسد اعتكافه بالإجماع .
وأما إذا جامع فلا يخلو من حالتين :
الحالة الأولى : إن وقع جماعه في نهار رمضان وهو صائم لزمته الكفارة من أجل الصيام لا من أجل الاعتكاف .
الحالة الثانية : إن وقع جماعه في الليل فإنه لا تجب عليه الكفارة على أصح القولين وهو مذهب جمهور العلماء-رحمة الله عليهم- .
[ ويستحب اشتغاله بالقرب واجتناب ما لا يعنيه ] : يستحب الأفضل والأكمل والأعظم أجر للمعتكف أن يشتغل بالقرب وهي كل ما يقرب إلى الله-- من الاعتقاد والأقوال والأعمال الظاهرة ، فمن الاعتقاد التفكر في عظمة الله-- ، وكذلك استشعار عظيم فضل الله عليك فإن الإنسان لو تفكر وتأمل وتدبر في نعم الله-- المغدقة عليه فعظّم الله وهابه وخشي منه-سبحانه- كان هذا منه عبادة وقربة حتى قال بعض العلماء : أعمال القلوب أعظم من أعمال الجوارح فأعمال القلوب من تعظيم الله-- والخوف منه وخشيته وحبه وإجلاله أعظم من أعمال الجوارح .
ولذلك غفر الله-- لعبده لما عظمه كما في الحديث الصحيح (( أن عبداً قال لأبنائه : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني وذروا نصفي في البر ونصفي في البحر فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين قال : فلما مات صنعوا به ذلك ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فقال الله للبحر : اجمع ما فيك وقال للبر : اجمع ما فيك فإذا هو قائم بين يدي الله . قال الله : عبدي ما حملك على ما صنعت ؟ قال : خوفك يارب . قال : قد غفرت لك )) قالوا : فهذه أعمال القلوب فالإنسان إذا عظّم الله وهابه وأجلّه ، ولذلك أثنى الله على أهل هذه العبادة فقال : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } فالتفكر والتدبر وهذه من أعمال القلوب فإذا كان الإنسان في معتكفه وتفكر في عظمة الله وتذكر ذنوبه واساءته وتفريطه في جنب الله وذرفت عيناه من خشية الله فهذه قربة ، كذلك إذا سبح وهلل وحمد وكبر وأثنى على الله بما هو أهله فهي قربة بلسانه ، وهكذا إذا قام يصلي فركع وسجد وتلا كتاب ربه فهي قربة بجوارحه ، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله-- .
فالمقصود انصراف الإنسان في معتكفه إلى الله-- ، وهي عبادة مخصوصة المراد منها أن يستكثر الإنسان فيها من طاعة الله-- فيستحب له يعني الأفضل والأكمل ؛ لكن لو أن المعتكف تحدث وقتاً في شيء من الدنيا وكان ذلك منه بقدر فإن هذا لا يفسد الاعتكاف ؛ لأن النبي-- قام مع أم المؤمنين صفية-رضي الله عنها- يَقْلِبُها وكانت تأتيه وهو معتكف فكان -- يتحدث معها ويباسطها ثم يقوم يقلبها كما ثبت في الصحيحين عنه ذلك . فهذا من سماحة الإسلام فالإسلام دين وسط ليس فيه رهبنة بحيث يقبل الإنسان إقبالاً كلياً ينصرف فيه عن أموره الضروية وعن الأمور التي هي من جبلة البشر ، فإن النصارى غلت في العبادة حتى أصبحت في مقام الرهبنة ، والإسلام لا يريد هذا من المسلم فلا رهبانية في الإسلام ؛ وإنما يريد المسلم أن يعبد الله ولكن لا يصل إلى درجة الغلو ولا إلى درجة التنطع ؛ وإنما إلى درجة معتبرة يصل الإنسان بها إلى مرضات الله-- متأسياً ومقتدياً بنبي الرحمة-صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين- فيستحب له الاشتغال بالقرب الظاهرة والباطنة التي يحبها الله ويرضاها ويستجمع أمرين هامين :
الأمر الأول : الندم على من الذنوب والعصيان فإن الإنسان في ساعة رحمة وفي أوقات مظنة أن يرحمه الله-- برحمته فإن مواسم الخير وساعات الطاعة والبر مظنة الرحمة ؛ لأن الله فضلها وشرفها واختارها لحكمة منه -سبحانه- ، ولذلك قال-- : (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة )) كما في الصحيح من حديث أبي هريرة .
قال بعض العلماء : وأعظم ما تكون الرحمة إذا كانت العشر الأواخر لأن الله اختار من الشهر العشر الأواخر فإذا كان الإنسان معتكفاً في العشر الأواخر واستجمع نفسه في الإقبال على الله فإنه يندم على ما فات من الذنوب والعصيان لعله أن يخرج من معتكفه كيوم ولدته أمه ، لأن المقصود من الاعتكاف أن يصيب ليلة القدر ومن أصاب ليلة القدر وقامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، فكم من أناس تشرق عليهم الشمس في صبيحة ليلة القدر وقد خرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم فهذا هو المقصود من ليلة القدر ، والمقصود من الاعتكاف أن الإنسان يصيب رحمة الله-- وعفوه ومغفرته .
الأمر الثاني الذي يستجمعه : الإكثار من الدعاء وسؤال الله العافية فيما بقي من العمر . ويتضرع إلى الله-- أن يحسن له الخاتمة فيما بقي له من عمره كما قال-تعالى- : { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ } فالإنسان إذا نظر إلى ما هو قادم عليه من عمره خاف من الفتن ما ظهر منها وما بطن وخاف أن يختم له بخاتمة السوء وخاف أن تزل القدم بعد ثبوتها فلذلك يخشى من الله-- فيما هو قادم عليه ويسأل الله -- أن يلطف به . فإذا حصّل المتعكف هذا الشعور وهو الندم على ما فات احتقر نفسه في جنب الله واحتقر العبادة التي يقومها في طاعة الله-- وأيضاً أحسن الظن بالله-- أن يرحمه وأن يغفر له ، فهذه أمور كلها تعين على شغل الوقت بذكر الله-- وعليه أن ينصرف إلى الله بكليته ، فإذا جاء من يشغله عن ذكر الله أو جاءه أصحابه أو أحبابه ورأى منهم الإفراط في الجلوس وإضاعة الوقت والتفريط في الأوقات فلا يحرص على مثلهم وإنما يفر عنهم ، ولذلك كلما كان الإنسان بعيداً عن الخلطة كلما كان آنس بالله-- ومن كان أنسه بالناس أعظم من أنسه بالله فلا خير فيه ، إنما يكون الأنس بالله-- وإذا كنت تستشعر أن أصحابك وأحبابك يدخلون السرور عليك فوالله سرورهم لا يكون شيئاً أمام سرورك بالله-- وإذا أحس الإنسان هذا الإحساس فإنه يقبل على الله بكليته .
الأمر الآخر : أن تستشعر أنك ما تركت الوالدين ولا الأولاد ولا القرابات ولا الأبناء والبنات من أجل إضاعة الوقت في القيل والقال ، وشغل الأوقات في الأمور التي قد يكون فيها الغيبة والنميمة والأمور المحرمة إنما تركت الوالدين وتركت الأولاد من أجل ذكر الله ومن أجل طاعة الله فيستحب للإنسان أن يستشعر هذا الشعور حتى يستفرغ همته للخير والطاعة والبر نسأل الله التوفيق فإن العبد لا يستطيع أن يصيب الخير إلا بتوفيق الله-- .
فكم من محب للخير لا يوفق له فيحال بينه وبين التوفيق للخير بسبب الذنوب - نسأل الله العظيم أن لا يحول بيننا وبين رحمته بما كان من ذنوبنا واساءتنا - .
قوله-رحمه الله- [ واجتناب ما لا يعنيه ] : هذا أصل عام ؛ لأن النبي-- يقول : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) أي من كماله وجلاله وفضله من علو مرتبة الإنسان في الإسلام وإذا أردت أن ترى المسلم الكامل فانظر إلى الذي لا يشتغل بشيء لا يعنيه ، فالله-- كلفك نفسك وكلفك الناس أن تأمرهم بالخير وتنهاهم عن الشر استجابة لأمر الله-- ، وما وراء ذلك من لمز الناس وأذيتهم أو الاشتغال بفضول الدنيا فهذا مما لا يعنيك ، ولذلك إذا فَرَّغ الإنسان نفسه لما يعنيه ساد ، قيل للأحنف بن قيس : كيف سدت ؟ قال : بتركي لما لا يعنيني . قال له رجل : كيف سدت قومك وأنت قصير ؟ أي ذميم أي أنك قصير الخلقة ؟
فكان جوابه-رحمة الله عليه- : كان الأحنف من سادات العرب ومن أهل الحلم والفضل فقال كلمة عظيمة في جواب هذا السائل المحتقر له المزدري له في صورته فقال له : بتركي لما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيني .
فهذا الأمر وهو خلقة الله-- لا تعنيني وأنت اشتغلت بها مع أنها لا تعنيني أنا فسدت قومي حينما تركت الفضول وتركت الاشتغال بالناس وهمزهم ولمزهم واحتقارهم والوقيعة فيهم سدت قومي وسدت الناس فالسيد الذي يتبوأ المنـزلة العالية هو الذي يسلم الناس منه وإذا سلم الناس منك أحبوك وهابوك وكما كنت عفيفاً عن أعراضهم عفيفاً عن عيوبهم فإنهم يعفون عن أعراضك ويعفون عن عيوبك كما قال الإمام مالك : أعرف أقواماً عندهم عيوب ، ستروا عيوب الناس فستر الله عيوبهم وأعرف أناساً لا عيوب عندهم تكلموا في عيوب الناس وكشفوها فكشف الله عيوبهم أي أوجد الناس لهم عيوباً ليست لهم ، فلذلك الإنسان الذي يشتغل بما لا يعنيه خاصة الكلام في الناس وتتبع عثراتهم والوقيعة فيهم خاصةً إذا كانت غيبة ونميمة وأشد ما تكون إذا كانت للعلماء وطلاب العلم والفضلاء من الكلام في الأئمة بعض الأحيان يجلس المعتكفون ويقعون في الغيبة وهم لا يشعرون فلان طوّل بنا وفلان قصّر وفلان تلاوته أحسن من فلان وفلان أفضل من فلان ، وليت فلاناً قرأ بكذا ولم يقرأ بكذا وفلان يخطيء فهذه أمور يقع الإنسان فيها في الغيبة وهو لايشعر قال : - يا رسول الله - أَوَ إنّا مؤاخذون بما نقول ؟ قال : (( ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوهم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم )) ، فاللسان يشتغل بما لايعني الإنسان ، ولذلك ينبغي على المسلم أن يعلم أن الاعتكاف لله لا لأي شيء سواه ، فيشتغل بالأمور التي تعنيه ويترك عنه فضول الحديث كان السلف-رحمة الله عليهم- يخافون من فضول الحديث كخوفهم من الأمور المحرمة خوف الاشتغال بها فترديهم إلى الحرام ، ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يوطن نفسه سواءً كان معتكفاً أو غير معتكف خاصةً طلاب العلم وأهل الفضل ؛ لأن الناس تنظر إليهم أنهم القدوة والشاب الملتزم الصالح إذا كان بين أهله وإخوانه وقرابته ينظرون إليه أنه قدوة فإذا وجدوه يكثر من ذكر الدنيا ومن العقارات والبيع والشراء سقط من أعين الناس واحتقرته وازدرته ، فترك الفضول وما لا يعني لايختص بالمعتكف بل إنه أمر ينبغي للإنسان أن يكون عليه خاصةً إذا كان من أهل الفضل ، ولذلك يقول العلماء : الأمر في أهل العلم وأهل الفضل آكد كالأئمة والخطباء والوعاظ والدعاة والعلماء ونحوهم هؤلاء ينبغي عليهم أن يتحفظوا في ألسنتهم وفيما يتكلمون فيه وفيما يسمعونه فإذا جلس الإنسان في المجلس ووجد فضول الكلام وفضول الأحاديث اشتغل بما يعنيه من ذكر الله-- والتسبيح والاستغفار قال : " كنا نعد للنبي-- في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة أستغفر الله أستغفر الله ، لأنه قدوة كان إمام الخير وكان معلم الخير فكان إذا جلس أستغفر الله فما كان يشتغل بما لا يعنيه-صلوات الله وسلامه عليه- ، فالمنبغي على الإنسان أن يحرص على هذه الخلة فالمعتكف إذا حافظ في هذه العشرة الأيام على أنه لايشتغل بمالا يعنيه قد يستمر على هذه الخصلة الكريمة طيلة حياته ؛ لأن الاعتكاف مدرسة فإذا كان وطن نفسه في خلال العشرة أيام أن يستجمع قواه فيضغط على نفسه وعلى شهوته فينضبط في سلوكه وأقواله وأفعاله يبقى أثر هذه الطاعة ومن دلائل قبول الاعتكاف أن تجد المعتكف يخرج بخصلة من خصال الخير بل يخرج بخصال فإذا تعوّد على أنه معتكف وأنه مراقب في أقواله وأفعاله قد يبقى من هذا الشعور .
يقول العلماء : وهذا هو المقصود من الاعتكاف أن المعتكف حينما يُلْزَم بمكان ويستشعر أنه ينبغي أن يستفرغ جميع جهده يحس كأنه في الدنيا من حيث هو مخلوق ينبغي أن يستفرغ وقته في ذكر الله-- فمثل هذه المواسم وهذه المواقف تعين الإنسان على أن يضبط نفسه ويضبط شهوته في الكلام والحديث فلايسترسل فيما لايعنيه .
- نسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل - .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 14-07-12, 08:43 AM
صالح الرويلي صالح الرويلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 689
افتراضي رد: شرحٌ كتاب الصيام من زاد المستقنع شرحه فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

يرفع للمناسبة
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
محمد , الأخبار , المستقنع , الله , الصيام , الشيخ , الشنقيطي , حفظه , زاد , شرحٌ , شرحه , فضيلة , كتاب

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:43 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.