ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 17-10-11, 12:22 AM
عبدالمجيد عبدالرحمن المبرد عبدالمجيد عبدالرحمن المبرد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-06-11
المشاركات: 52
افتراضي شرح قاعدة الأمر المطلق المجرد عن القرينة للشيخ وليد السعيدان حفظه الله

شرح قاعدة الأمر المطلق المجرد عن القرينة
تأليف
وليد بن راشد السعيدان
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، ثم أما بعد ، فإنني لا زلت بحمد الله تعالى أنتقي من قواعد الشريعة أوسعها وأكثرها تفريعا ، وأخصها بالشرح والتدليل والتفريع ، من باب الاهتمام بها ، ولا زلت أنادي بأعلى صوتي طلبة العلم بأن يهتموا بالتقعيد والتأصيل ، والتدرب على ذلك ، برد الفروع إلى أصولها والجزئيات إلى كلياتها فإنها الطريقة التي تعطي الطالب العلم في أبهى صوره وأحلى حلله ، ولها من الفوائد والعوائد الطيبة ما قررته في مواضع كثيرة ، فالله الله يا طلبة العلم ، فإن هذا المنهج من أقرب المناهج للرسوخ في العلم ، وأنا في هذه الكتاب الجديدة أحب أن أطلعك يا طالب العلم على قاعدة من كبريات القواعد في الملة الإسلامية ، بل هي نصف الدين ، وهي القاعدة في باب الأمر ، فإن الشريعة إما أن تأمر وإما أن تنهى ، والأمر إما أمر إيجاب أو أمر استحباب ، والنهي إما نهي تحريم أو كراهة ، فصار الأمر نصف التشريع ، وقاعدتنا التي نحن بصدد شرحها الآن تتكلم عن الأصل في أوامر الشريعة ، فما الأصل في الأمر ، وما نص القاعدة فيه ؟ وما الأدلة عليها من الكتاب والسنة ، وما صيغ الأمر ؟ وما القواعد المتفرعة على هذه القاعدة والأصل الكبير وكيف يتم تطبيق هذه القاعدة على الفروع الفقهية والعقدية ؟ كل هذا ستعرفه في هذه الوريقات اليسيرة إن شاء الله تعالى ، وسوف تكون الكتابة في هذه القاعدة على ما اعتدته مني من ذكر نص القاعدة مجزوما به على القول الراجح ، ثم أشرحه القاعدة شرحا إفراديا ، ثم أنتقل منه إلى الشرح الإجمالي ، ثم أنتقل منه إلى قيد الأدلة على صحة القاعدة ، ثم بعد ذلك نبدأ بسرد الفروع الفقهية المخرجة على هذه القاعدة ، مع بعض التفاصيل التي لا بد منها لفهم هذا الأصل الطيب ، وأسميت هذه الوريقات ( رسالة في شرح قاعدة الأمر المطلق عن القرينة ) والله أسأل أن ينفع بها مؤلفها وقارئها وشارحها وأن ينزل فيها البركة تلو البركة ، وأن يشرح لها الصدور ويرزقها ومؤلفها التوفيق والقبول ، والله حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وإلى المقصود من هذه الكتابة من غير تطويل ولا تأخير ، فأقول وبالله تعالى التوفيق ومنه أستمد العون والفضل وحسن التحقيق :- نذكر لك أولا نص القاعدة ، والمرجو منك تكراره عدة مرات حتى تحفظه حفظا لا نسيان بعده إن شاء الله تعالى ، تقول القاعدة :-
{ الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، وبالقرينة يفيد ما تفيده القرينة }
قوله ( الأمر ) عرف العلماء الأمر لغة بأنه الحال أو الشأن ، ومنه قوله تعالى عن فرعون  وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  ويطلق ويراد به الطلب ، وهو المراد هنا ، فالأمر في اللغة هو الطلب ، وأما في الاصطلاح فقد اختلفت عبارات أهل العلم رحمهم الله تعالى فيه ، والأقرب إلى الفهم والصواب إن شاء الله تعالى أن يقال :- طلب الفعل ممن هو دونه ، فقولهم ( طلب الفعل ) أخرج النهي ، لأن النهي طلب الكف عن الفعل ، وقولهم ( ممن هو دونه ، أخرج أمرين :- الأول :- أخرج الدعاء والطلب والسؤال ، لأنها طلب الفعل ممن هو أعلى ، كقول العبد لربه (رب اغفر لي) فهنا فيه طلب للفعل ، وهو المغفرة ، ولكن هل يقال هنا إن العبد أمر الله تعالى بأن يغفر له ؟ والجواب :- بالطبع لا ، بل يقال :- دعا العبد ربه وطلب منه وسأله المغفرة فالأمر هنا صدر من الأدنى - وهو العبد - إلى الأعلى - وهو الله تعالى - فهنا لا يقال فيه (أمر) بل يقال فيه (سأل) أو (دعا) أو (طلب) فالأمر من الأدنى إلى الأعلى يسمى طلب ودعاء وسؤال والثاني :- يخرج طلب الفعل من الآمر لمن يساويه في الرتبة ، كقول الأخ لأخيه من أمه وأبيه مثلا ( أعطني هذا الشيء ) أو قول الطالب لطالب له مجاور له ( أعطني قلما ) ونحو هذا فهذا لا يقال له ( أمر ) بل هذا يسميه أهل العلم ( التماسا ) يعني أنك تلتمس منه أن ينفذ لك ما طلبت منه ، فصار الأمر من حيث صدوره لا يخلو :- إما أن يصدر من الأدنى إلى الأعلى وهذا لا يدخل معنا في تعريف الأمر ، وإما أن يصدر منك إلى من يساويك في الرتبة ، وهذا لا يدخل معنا في تعريف الأمر ، وإما أن يصدر منك إلى من هو أدنى منك في الرتبة ، فهذا هو الذي يدخل معنا في تعريف الأمر ، وهو الذي نعنيه بقولنا ( ممن هو دونه ) فهو قيد مهم في التعريف أخرج صدور الأمر من الأدنى إلى الأعلى ، ومن الإنسان لمن يساويه ، فانتبه لهذا ونضرب لك أمثلة حتى يتضح لك المراد أكثر , الأول :- قول العبد لربه ( رب ارحمني ) هل هذا أمر ؟ والجواب :- لا ، فإن قلت :- ولماذا ؟ فتقول :- لأن الطلب هنا صدر من الأدنى إلى الأعلى فأقول لك :- أحسنت ، الثاني :- لو قال الصاحب لصاحبه ممن يساويه في الرتبة (بعني سيارتك) فهل هذا أمر ؟ والجواب :- لا ، فإن قلت :- ولماذا ؟ فتقول :- لأن الأمر هنا صدر منك إلى من يساويك في الرتبة ، فأقول لك :- أحسنت ، الثالث:- في قوله الله تعالى  وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ  هل هذا أمر ؟ والجواب :- نعم ، فإن قلت لك :- ولماذا ؟ فتقول :- لأن الأمر هنا صدر من الأعلى - وهو الله تعالى - إلى الأدنى - وهو العبد - فأقول لك :- أحسنت ، فهذا بالنسبة إلى تعريف الأمر على القول الراجح ، قوله ( المطلق ) أي المنفك ، لأن المطلق في اللغة هو المنفك عن القيود حسية كانت أو معنوية ، قوله ( عن القرينة ) المراد بها العلامة الظاهرة الدالة على الشيء ، وهي الأمر المقارن لأمر آخر ، والمراد بها هنا ما يصرف الأمر عن بابه الذي هو الوجوب إلى أمر آخر ، وقد تكون دليلا من القرآن أو صحيح السنة أو إجماعا أو فهما عن سلف الأمة وأئمتها ، ولا بد أن تكون هذه القرينة الصارفة للأمر عن بابه إلى باب آخر لا بد وأن تكون قرينة مقبولة ، وأما القرائن التي لا وجه لاعتبارها في الشرع فإنها لا تقبل في صرف الأمر من بابه إلى باب آخر ، كما سيأتي توضيحه وبيانه إن شاء الله تعالى ، قوله ( يفيد الوجوب ) أي يفيد تحتم الفعل ولزومه ، بحيث لا تجوز مخالفته ، وقد عرف أهل العلم رحمهم الله تعالى الوجوب في اللغة بأنه اللزوم والسقوط ، فمن السقوط قول الله تعالى  فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا  أي سقطت لازمة الأرض ، ومن اللزوم قول النبي صلى الله عليه وسلم " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " أي ثابت لازم متأكد ، وأما في الاصطلاح فقد عرفه أهل العلم رحمهم الله تعالى بأنه طلب الفعل على جهة الإلزام ، فقولهم ( طلب الفعل ) يخرج التحريم والكراهة ، لأنها طلب للترك لا للفعل ، وقولهم ( على جهة اللزوم ) يخرج الندب لأنه وإن كان طلبا للفعل ، إلا أنه على غير وجه الإلزام ، قوله ( وبالقرينة ) أي وإن ورد لفظ الأمر مصحوبا بالقرينة الصارفة ، قوله ( يفيد ما تفيده القرينة ) أي ننظر إلى هذه القرينة الصارفة وما تدل عليه فنقول :- إن صيغة الأمر هنا لا يراد بها الأمر بل يراد بها كذا وكذا مما تفيده هذه القرينة الصارفة ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، والله أعلم .
( فصل )
إذا علمت هذا فاعلم بارك الله تعالى فيك أنه إن ورد لفظ الأمر في الكتاب والسنة الصحيحة فإن الأصل أنك أولا تحمله على أنه يفيد الوجوب ، ولا تنتقل من الوجوب إلى أمر آخر إلا إن دلت القرينة الصارفة على أمر آخر ، وهذا في كل ألفاظ الأمر الواردة في الكتاب والسنة ، فأول ما يجب أن يتطرق في فهمك من المعاني هو أن هذه اللفظة تفيد الوجوب ، فاحمله مباشرة على الوجوب ، إلا بالقرينة الصارفة ، فإن دلت القرينة على شيء فاعمل به ، وإلا فاعلم أن الأصل فيها الوجوب ، والمتقرر أن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، ومن قال لك غير ذلك فاعلم أنه إنما يريد أن ينقلك عن الأصل المتقرر إلى أمر آخر ، وانتقاله هذا لا يقبل إلا إن جاء بالدليل الدال على صحته ، فإن جاء به صحيحا قبلناه وعلى العين والرأس ، وإن لم يأت به فنحن نعتذر عن قبول كلامه وانتقاله هذا الذي يدعونا إليه ، لأن المتقرر أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه ، فكل أوامر الشرع تفيد الوجوب ، كما وردت به الأدلة الواردة التي ستراها إن شاء الله تعالى ، إلا تلك الأوامر التي وردت لها القرائن الصارفة ، فإنه تفيد ما أفادته تلك القرينة ، ويبقى ما عداها من الأوامر لا تفيد إلا الوجوب ، فاحفظ هذا فإنه من أفيد ما يحصله الطالب في مسيرته العلمية التقعيدية ، والله أعلم .
( فصل )
فإن قلت :- وما الألفاظ التي تفيد الأمر ، حتى إذا مرت علينا في الكتاب والسنة نعرف إنها من ألفاظ الأمر فنطبق عليها تلك القاعدة ، فأقول :- نعم ، وعلى العين والرأس ، وهذا الفصل مهم جدا ، لأن فهم هذه القاعدة مبني على معرفة ألفاظ الأمر ، وقد قرر أهل العلم رحمهم الله تعالى أن ألفاظ الأمر كثيرة ، وهي كما يلي :-
الأول :- فعل الأمر وما تصرف منه ، والمراد بفعل الأمر أي ( افعل ) والمراد بقولنا ( وما تصرف منه ) أي ما يكون منه على المثنى والجمع والتذكير والتأنيث ، كقولك للمؤنثة الواحدة (افعلي) وللجمع ( افعلن ) ولجمع الذكور ( افعلوا ) وللمثنى ( افعلا ) وهكذا ، وهي أم الصيغ في هذا الباب ، وأكثرها ورودا في الكتاب والسنة ، ومنه قوله تعالى  أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ  وقوله تعالى  وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ  وقوله تعالى  فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ  وقوله تعالى  وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا  وقوله تعالى  فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا  ونحو ذلك .
الثانية :- اسم فعل الأمر ، وهو ما كان متضمنا فعل الأمر ، ولكن لا يدل على فعل الأمر بلفظه بل بمعناه ، كقول المؤذن ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) فإن قوله ( حي ) ليست فعل أمر ، بل هي اسم يتضمن فعل الأمر ، لأنه معناه ( هلموا وتعالوا وأقبلوا ) وكقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله تعالى عنها " مه يا عائشة ، عليكم من الأعمال بما تطيقون ... الحديث " وهو في الصحيح ، فقوله ( مه ) أي اسكتي وغيري هذا الكلام ، فهي ليست فعل أمر ، ولكنه تضمنت فعل الأمر ، فسموه ( اسم فعل الأمر ) وكقولك لمن أكثر الكلام أو تكلم فيما لا يعنيه ( صه ) ومعناه ( اسكت ) ولكنك لم تعبر عنه بفعل الأمر ( اسكت ) ولكن عبرت عنه باسم فعل الأمر ، أي يتضمن فعل الأمر ، وهو قليل في الأدلة ، والله أعلم .
الثالث :- المصدر النائب عن فعل الأمر ، وذلك أن العرب تعبر عن الفعل بالماضي أحيانا وبالمضارع أحيانا وبالأمر أحيانا وبالمصدر أحيانا ، فتقول :- ضرب ، يضرب ، ضربا ، اضرب وتقول :- دخل, يدخل ، ادخل ، دخولا ، والصيغة هنا ليس فعل الأمر ، ولكنها المصدر النائب عن فعل الأمر ، كما قال تعالى  فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ... الآية  فقوله "فضرب" هذا مصدر ، ولكنه يتضمن فعل الأمر ، والتعبير به أبلغ من التعبير بفعل الأمر المباشر أي إن لقيتم الكفار في الحرب فاضربوا رقابهم ، لكنه لم يعبر عن الأمر بفعل الأمر ، وإنما عبر عنه بالمصدر الذي ناب مناب فعل الأمر ، وهذه الصيغة كذلك قليل ورودها في الأدلة مقارنة بالصيغ الأخرى .
الرابعة :- الفعل المضارع المقرون بلام الأمر ، فالأصل أن الفعل المضارع إنما يفيد الحالية والاستقبال ، ولكنه إن سبق بلام الأمر فإنه يفيد الأمر مباشرة ، وهي كثيرة في الأدلة ، ومنه قوله تعالى  وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ  فقوله " فليستعفف" وقوله " فليأكل " هو فعل مضارع مقرون بلام الأمر ، فيفيد الأمر ، ومنه قوله تعالى  فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ  فقوله " فلينفق " فعل مضارع دخلت عليه لام الأمر ، فيفيد الأمر ، وقوله تعالى  وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ  فقوله " فليكتب " فعل مضارع دخلت عليه لام الأمر ، فأفاد الأمر بعد دخولها عليه ، والأمثلة على هذا كثيرة ، وبالجملة فأكثر الصيغ ورودا في الأدلة هي الأولى والرابعة ، وأما الثانية والثالثة فإن ورودها في الأدلة قليل ، والخلاصة أنه إن وردت عليك لفظة من هذه الألفاظ فاعلم أن الشارع يريد بها الأمر ، فاحمل هذه الصيغة مباشرة على الوجوب حتى ترد القرينة الصارفة عن الوجوب إلى أمر آخر ، والله أعلم .
( فصل )
واعلم رحمك الله تعالى وأجزل الله تعالى لك الأجر والمثوبة ووفقنا وإياك للحق استماعا وقبولا أن هذه الصيغ إن أطلقت عن القرينة فإنها تفيد الوجوب ولو كانت مخالفة لمذهب الجمهور ، فلو أن الجمهور رحمهم الله تعالى قالوا في صيغة من الصيغ بأنها تفيد الندب مثلا ، ولا صارف لها عن بابها الأصلي الذي هو الوجوب فاعلم أن الراجح مع من قال بأنه للوجوب ولو كان بخلاف ما قاله الجمهور ، مع أننا والله نعظم قول الجمهور وله في قلبنا مكانة عالية رفيعة ، ولكن كل يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وهذا ستراه كثيرا في التفريع, فالجمهور في مواضع كثيرة يقولون :- إن هذه الصيغة تفيد الندب ، ثم نبحث عن الصارف لها عن بابها الأصلي الذي هو الوجوب ، ولا نجد ، فنخالفهم إلى القول بأنها على بابها الأصل ، أي أنها تفيد الوجوب ، فيعارضنا غيرنا بأن قولكم هذا يخالف قول الجمهور ، فاعلم أننا لا نأبه بقول هذا القائل ، لأن الأصل معنا ، وقول الجمهور ليس فصلا في محل النزاع ، وليس هو من الأقوال المعصومة التي لا بد من الأخذ بها ، فنحن أصلنا أصلا وقعدنا قاعدة ، والأدلة قد دلت على صدقها وصحتها ، فنحن ندور مع هذه القاعدة حيث دارت ، فما ورد له الصارف فنحن نقول:- إنه يفيد ما تفيده تلك القرينة ، وما لم يأت فيه قرينة صارفة فالأصل عندنا فيه أنه يفيد الوجوب ، ولا نعتمد أن من الصوارف عن الوجوب إلى الندب قول الجمهور ، فقول الجمهور يستدل له ، لا به ، كما هو مقرر في موضع آخر ، والمهم أن تعلم بارك الله تعالى فيك أنه ليس من الصوارف المعتمدة قول الجمهور . واعلم كذلك أن صيغة الأمر تفيد الوجوب إن أطلقت حتى وإن كانت في باب الآداب والفضائل ، فليس من الصوارف لها ورودها في باب الآداب والفضائل ، بل هي تفيد الوجوب مطلقا إن لم تأت لها قرينة صارفة ، وليس كونها وردت بإثبات فضيلة من الفضائل أو أدبا من الآداب يوجب ذلك صرفها عن بابها الأصلي إلى باب الندب ، لا ، وهذا نجزم به إن شاء الله تعالى ولنا في ذلك عدة أدلة :-
الأول :- إطلاق الأدلة التي سنذكرها لك إن شاء الله تعالى في سياق التدليل على صحة قاعدتنا فإنها أدلة وردت عامة ومطلقة ، ولم تفصل بين باب وباب ، والأصل المتقرر هو وجب بقاء العموم على عمومه ولا يخصص إلا بدليل ، والأصل المتقرر هو وجوب بقاء المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل ، فالأدلة الدالة على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب وردت عامة ومطلقة فالأصل هو البقاء على الأصل فيها حتى يرد المخصص والمقيد .
الثاني :- أن التفريق بين باب العبادات وباب الآداب ليس له قانون مستقيم ولا ضابط لا ينخرم فإننا لو فتحنا هذا الباب لما كان له شيء يضبطه إلا بالاجتهادات ، وأما شيء في الأدلة يضبط لنا الفرق بين البابين فإنه لا وجود له فيما أظن والله أعلم ، وحيث إن الشريعة لم تفرق بينهما بالفرق الذي لا ينخرم فإنه يعسر جدا علينا أن نقول :- هذا من باب الآداب فالأمر فيه يفيد الندب والاستحباب ، وهذا من باب العبادات فالأمر فيه يفيد الوجوب والتحتم ، ووالله إنني اطلعت على كلام المفرقين بين باب العبادات وباب الآداب فلم أجد بينهم اتفاقا على شيء, ولم أجد ما ترتاح له النفس في التفريق بين البابين ، فالأصل المتقرر عندنا أن التفريق الذي يؤثر في الحكم الشرعي لا بد وأن يكون مستقى من الشرع ، والتقسيم الشرعي لا بد فيه من دليل ، لأنه حكم شرعي ويترتب عليه حكم شرعي ، فلا بد فيه من الدليل الشرعي الذي يثبت صحته، لأن المتقرر أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة ، ومن المعلوم أن من مقاصد الشارع سد أبواب الاختلاف في الدين ، والتفريق بين هذين البابين حيث لم يرد في الأدلة ورد إلى الاجتهادات والعقول والنظر فناهيك عن كثرة الاختلاف الحاصل بسبب هذا وأما لو جعلنا الباب بابا واحدا فإنه سينسد باب الاختلاف ، والله أعلم .
الثالث :- أن المتقرر في الشريعة أن ما كانت حاجة الناس له ماسة فإنه يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبينه بيانا كافيا شافيا قاطعا للعذر ، والتفريق بين باب العبادات وباب الآداب في هذه المسألة مما يشتد حاجة الناس له ، لأننا إن قلنا :- هذا مندوب فإنه يجوز فيه الفعل والترك وإن قلنا :- هذا واجب فإنه لا يجوز فيه إلا الفعل فقط ، والناس يحتاجون الحاجة الكبيرة إلى معرفة الفرق بين ما يجب عليهم فعله ولا يجوز لهم تركه ، وبين ما هم مخيرون فيه بين الفعل والترك ، فلو كان التفريق في هذه المسألة بين باب العبادات وبين باب الآداب من المعتبر في الشرع لكانت الحاجة إلى بيانه ماسة جدا ، ولكننا لا نعرف كلمة واحدة ولا حرفا واحدا عن النبي صلى الله عليه وسلم في التفريق بين باب العبادات وباب الآداب في باب الأمر ، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلق الأمر ويمتثل الصحابة رضي الله عنهم ، ولا يقول لهم :- هذا في باب كذا وهذا في باب كذا ، ومن كان يعرف شيئا في التفريق بينهما فليأت به ، والله أعلم .
الرابع :- أن المتقرر في القواعد أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين كما أنها لا تجمع بين مختلفين وباب الأمر في الدين باب واحد والقول فيه قول واحد ، لا يختلف ولا يفترق ، فكل أمر فهو للوجوب إلا ما ورد له الصارف ، وهذا القول الواحد في كل أمر من أوامر الشريعة ، سواء أكان في باب الآداب أو في باب العبادات ، وأما التفريق بين البابين فإنه تفريق بين المتماثلين وهذا لا تأتي به الشريعة ، فما يقال في باب العبادات فإنه يقال في باب الآداب ، وما يقال في باب الآداب فإنه يقال في باب العبادات ، فالقول في لفظ الأمر فيهما قول واحد ، فإن قلنا :- إنه يفيد الوجوب ، فلنجعله مفيدا للوجوب في كل البابين ، وإن قلنا :- إنه يفيد الندب فلنجعله مفيدا للندب في كلا البابين ، وأما أن نجعله مفيدا للوجوب في باب ومفيدا للندب في باب آخر فإن هذا مما يحتاج إلى دليل ، والله أعلم .
الخامس :- أننا نجد كثيرا من الأوامر التي وردت في باب الآداب ومع ذلك فإنها تفيد الوجوب كما في قوله صلى الله عليه وسلم " يا غلام , سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك " فهنا ثلاثة أوامر كلها في باب الآداب ، ومع ذلك فإننا نقول فيه إنها واجبة ، وليس نحن فقط ، بل نحن وهم ، فالتسمية على الطعام من الواجبات ، والأكل باليمين من الواجبات ، والأكل مما يليك من الواجبات ، مع أنها في باب الآداب ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ... الحديث " أعني بذلك الأدلة الدالة على أن التسمية شرط في حل الذبيحة ، فإنه وإن كانت في باب الآداب إلا أننا نحن وهم نقول :- إن من شروط حل الذبيحة أن يذكر عليها اسم الله تعالى ، والأمثلة على هذا كثيرة ، فانظر يا أخي بعين الإنصاف فهذه أوامر وردت في باب الآداب ومع ذلك فإننا نقول فيه إنها للوجوب ، فهذا يفيدك أن التفريق الذي ذكروه لا دليل عليه ، بل الدليل ورد بخلافه ، والله أعلم .
السادس :- سوف أسألك سؤالا ، وهو :- لو أنك فعلت أدبا من الآداب فهل تفعله على أنه عبادة لله تعالى ، أو أنك تفعله على أنه مجرد أدب فقط ؟ والجواب :- بل أنا أفعله تعبدا لله تعالى إذا تلك الآداب التي نصت على فعلها الشريعة ورغبت في فعلها الأدلة هي في حقيقتها عبادات لله تعالى ، فقولنا :- هذا من باب العبادات ، وهذا من باب الآداب كأنه يشعر أن ثمة فرقا بينهما ، مع أن كلا البابين مما يتعبد به لله تعالى ، ألا ترى أن الشريعة أصلا كلها آداب ، ولكن منها ما هو أدب مع الله تعالى ، ومنه ما هو أدب مع النفس ، ومنها ما هو أدب مع المخلوق فالشرع كله آداب ، وهذا مما يفيدك عسر الفرق بين البابين ، فالصلاة عبادة وأدب ، والزكاة عبادة وأدب والحج عبادة وأدب والصوم عبادة وأدب ، والأكل باليمين عبادة وأدب ، والتسمية على الذبيحة عبادة وأدب ، والأكل مما يليك عبادة وأدب ، والأدب مع الزوجة عبادة وأدب والقيام بحق الوالدين والإخوان هو عبادة وأدب ، وهكذا ، فقولهم :- هذا عبادة وهذا أدب ، لا وجه له ، ولا دليل عليه ، فبان لك بهذا أن القول الصحيح والرأي الراجح المليح هو أنه لا فرق بين باب الآداب وباب العبادات ، فلفظ الأمر إن ورد في باب العبادات فإنه يفيد الوجوب حتى يرد الصارف ، ولفظ الأمر إن ورد في باب الآداب فإنه يفيد الوجوب حتى يرد الصارف ، هذا ما توصلنا له بحسب البحث والنظر والتحقيق ، والله أعلم .
( تنبيه ) وقولنا هذا بارك الله تعالى فيك لا يلغي أن بعض الأوامر أكبر من بعض ، فالأمر بالتوحيد أكبر من الأمر بالصلاة ، والأمر بالصلاة أكبر من الأمر بالزكاة والأمر بالزكاة أكبر من الأمر بالصوم وهكذا ، والأمر ببر الوالدين أكبر وأفخم من الأمر بالإحسان إلى الأصدقاء ، وهذا واضح ، فلعل الذين قالوا بالتفريق بين البابين إنما أرادوا أن الأوامر في باب العبادات أكبر من الأوامر في باب الآداب ، فإن كانوا يريدون هذا الحد فلا جرم أنه صحيح ، وأما إن كانوا يفرقون بين ما يفيده الأمر في البابين فليس بصحيح ، والمهم أنه لا بد من الأدب مع أهل العلم فإن أهل العلم رحمهم الله تعالى هم أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، ولهم الفضل بعد الله تعالى ببيان الحق وهداية الخلق ، فالواجب احترامهم وتقديرهم وإنزالهم منزلتهم ، جزاهم الله خير الجزاء وبارك لنا فيهم وفي علمهم ، والله ربنا أعلى وأعلم.
( فصل )
إذا علمت هذا فاعلم أن هذه الصيغة لا تخلو إما أن ترد مجردة عن القرائن وإما أن تكون مقرونة بقرينة ، فإن كانت مقرونة بقرينة فإنها تفيد ما أفادت هذه القرينة ، فإن اقترنت بها قرينة الندب فهي ندب نحو قوله  فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا  فهذا أمر ندب لأنها لما نزلت لم يكاتب النبي r رقيقه وكذلك كثير من الصحابة لم يكاتبوهم مما يدل على أن الأمر فيها للندب ولذلك تجد أن الأصوليين يبحثون معاني هذه الصيغة في باب الأمر ، فيقولون : من معانيها الندب وتقدم والإباحة كقوله تعالى  فَاصْطَادُوا  والتعجيز كقوله تعالى  قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا  والتسخير كقوله تعالى  كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ  والإهانة كقوله تعالى  ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ  والتسوية كقوله تعالى  فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ  والتهديد كقوله تعالى  اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ  ونحوها كالدعاء والإكرام والخبر , فصيغة (افعل) فيما مضى لا تدخل في بحثنا لأنه قد اقترنت قرائن أخرجتها إلى غير بابها الأصلي فإذا اقترن بهذه الصيغة قرائن فإنها تدل على ما دلت عليه القرينة وليس هذا هو مجال بحثنا .
الحالة الثانية : أن تأتي مجردة عن القرائن فإذا وردت مجردة عن القرائن فماذا تفيد ؟ وما هو الأصل فيها حتى نبقى عليه فلا ننتقل عنه حتى يأتينا الناقل ؟ هذا هو ما تفيده هذه القاعدة, وقبل ذلك أقول : اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في صيغة الأمر إذا وردت مجردة عن القرائن ماذا تفيد ؟ فقال بعضهم : هي تفيد الوجوب وهو قول جمهور الأصوليين ، وقيل : بل تفيد الندب وقيل : بل تفيد الإباحة ، وقيل : بل يتوقف فيها إلى ورود القرينة الصارفة لها إلى معنىً من المعاني لأنها حقيقة مشتركة بين معانٍ كثيرة ، والصواب هو القول الأول وما عداه فباطل ، فالقول الصحيح هو أن صيغة الأمر إذا وردت مجردة عن القرائن فإنها تفيد الوجوب ، وهو ما تفيده قاعدتنا هذه ، والدليل على أن هذا القول هو الراجح عدة أمور :
منها : قوله تعالى  فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  فحذر الله تعالى الذين يخالفون أمر النبي r بهذه العقوبة الشديدة وهي إصابتهم بالفتن والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، فهذا يدل على وجوب القيام بأمره وتنفيذه ، وذلك لأن الواجب هو ما يذم تاركه مطلقاً ، أو هو ما توعد بالعقاب على تركه ، فلما توعد الله من خالف الأمر بالعقاب الشديد دل ذلك على وجوب هذا الأمر وأن الأصل فيه الوجوب وهذا هو المطلوب إذ لو لم يكن واجباً لما عاقبهم على مخالفته لكن لما عاقبهم على مخالفته فهذا دليل وجوبه .
ومن الأدلة : قوله تعالى  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ  وقال تعالى في آية أخرى  فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ  وفي آية أخرى  قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ  ووجه الدلالة من ذلك : أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود سارعوا إلى ذلك وامتنع إبليس عن السجود وعارض النص برأيه فوبخه الله وذمه وعاقبه بالطرد واللعنة والإهباط من الجنة فهذه العقوبة بين الله أنها على ترك الأمر فهذا يدل على أن الأمر في قوله  اسْجُدُوا  يفيد الوجوب ولذلك لما خالفه نال ما ناله من التوبيخ والذم والعقوبة ولو كان الأمر الموجه للملائكة لا يفيد الوجوب لقال إبليس : لم تعاقبني على ما لم يجب عليَّ لكن لما لم يقل ذلك دل على أنه كان يفهم منه الوجوب ، ولا يقال : إن إبليس لم يسجد لأنه ليس من الملائكة لأننا نقول هو من الملائكة بوصفه ومن الجن بأصله كما هو اختيار أبي العباس ابن تيمية وهو الراجح ، فلما أمر الله الملائكة بالسجود دخل إبليس في ضمنهم بوصفه ومثاله لكنه خالف الأمر برجوعه إلى أصله ولذلك قال تعالى  إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ … فقرن الحكم بالفاء بعيد وصفٍ مما يدل على أن سبب فسقه هو لأنه من الجن وطبعهم الفسق والمخالفة , وخلاصة الأمر أن إبليس من الملائكة بوصفه ومثاله لكنه من الجن بأصله ، فيكون داخلاً في ضمن الأمر للملائكة بالسجود فلما خالف الأمر وأبى واستكبر لُعِن وطُرِد ومُسِخ على أقبح صورة مما يدل على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب ، والله أعلم .
ومن الأدلة أيضاً : قوله تعالى  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ  فذمهم الله تعالى وتوعدهم بالويل على عدم امتثالهم للأمر مما يدل على أن الأمر يفيد الوجوب لأن علامة الوجوب أن يذم التارك له وهنا ذمهم الله على مخالفة الأمر فدل على أنه للوجوب .
ومن الأدلة أيضاً : قوله تعالى  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً  فالله تعالى هنا أخبر أنه إذا قضى أمراً لم يكن لأحدٍ أن يتخير فيه وجعل مخالفته معصيةً وضلالاً وإذا كانت مخالفة الأمر عصياناً وضلالاً فإن ذلك دليل على أن الأمر يفيد الوجوب لأنه لو لم يفد الوجوب لما كانت مخالفته معصية وضلالاً وهذا واضح .
ومن الأدلة على ذلك : أن النبي r مَرَّ برجل يصلي فدعاه فلم يجبه فلما فرغ من الصلاة قال : (( ما منعك أن تجيبني ؟ )) قال : يا رسول الله كنت في الصلاة ، فقال " أما سمعت الله يقول :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ  " وهذا ظاهر فإنه r عاتبه على مخالفة أمر الله ، والمعاتبة واللوم لا تكون إلا على ترك واجب فدل ذلك على أن قوله تعالى  اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ  على الوجوب إذ لو كان لا يفيد الوجوب لما استحق ذلك الصحابي العتاب ولا اللوم وهذا دليل على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب .
ومن الأدلة أيضاً : حديث أبي هريرة مرفوعاً : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " متفق عليه ، فدل ذلك على أن المشقة تحصل بالأمر للزوم الامتثال حينئذٍ لكنه ترك الأمر ، لوجود المشقة ، فدل ذلك على أن الأمر يفيد الوجوب لأنه لو لم يفد الوجوب لما حصلت المشقة ، لكن لما كان الأمر يفيد الوجوب والوجوب فيه مشقة ترك الأمر به ، والله أعلم.
ومن الأدلة على ذلك : حديث بريرة بعد أن أعتقتها عائشة وكان زوجها عبداً فخيرها النبي r بين مفارقة زوجها وعدمه فاختارت فراقه وكان زوجها مغيث يحبها وكان يمشي خلفها في الأسواق يبكي فلما رأى النبي r ذلك ذهب إلى بريرة فقال لها "لو راجعتيه فإنه أبو أولادك" فقالت : أتأمرني يا رسول الله ، فقال " لا إنما أنا شافع " فقالت : لا حاجة لي فيه . فدل ذلك أنه لو كان أمراً للزمها الطاعة والانقياد ولذلك استفسرت من كلامه هذا : أهو أمر فتمتثل أو لا؟ فأخبرها أنه إنما هو شافع ، فدل ذلك على أن الأمر يفيد الوجوب ، والله أعلم .
ومن الأدلة: التي ذكرها القاضي أبو يعلى في كتابه العظيم العدة على ذلك - أي أن الأمر المطلق يفيد الوجوب - إجماع الصحابة y على ذلك حيث إنهم كانوا يرجعون إلى مجرد الأوامر في الفعل أو الامتناع من غير توقفٍ فكل أمرٍ كانوا يسمعونه من الكتاب والسنة يحملونه على الوجوب ولذلك لم يرد عنهم أنهم كانوا يسألون النبي r عن المراد بهذا الأمر بل كانوا يمتثلون الأمر ويحملونه على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه إلى غيره ولم يعرف منهم منكر لذلك فكان إجماعاً وهذا ثبت في وقائع كثيرة
منها : أنهم استدلوا على وجوب الصلاة عند ذكرها بالأمر المطلق في حديث أنس مرفوعاً " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " .
ومنها : أنهم أجمعوا على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب بقوله r " إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعاً " .
ومنها : أن أبا بكر t استدل على وجوب قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى  وَآتُوا الزَّكَاةَ  وقال " والزكاة من حقها " يقصد : أن الزكاة من جملة حقوق لا إله إلا الله ، ووافقه عمر . ذكره القاضي في العدة .
ومنها : أن عمر t أخذ الجزية من المجوس بقوله r " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعاً . فدلت هذه الوقائع على ما ادعيناه من إجماع الصحابة على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب .
ومن الأدلة أيضاً : قوله تعالى  عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ  فدل على أن مخالفة الأمر معصية وما ذلك إلا لوجوبه وهو المطلوب .
ويدل على أن الأمر المجرد عن القرائن للوجوب من النظر ولغة العرب : أن السيد لو قال لعبده : اسقني ماء ، فامتثل العبد فإنه يستحق المدح والثناء ، وإن لم يمتثل فإنه يستحق الذم والعقوبة ، فرآه العقلاء وهو يعاقبه فقالوا له : لم تعاقبه ؟ فقال : إني أمرته أنه يسقيني ماءً فعصاني ولم يفعل ، فإن هؤلاء يتفقون معه على حسن لومه وعقابه نظراً لمخالفته الأمر فدل ذلك على أنه ما استحق الذم والعقوبة إلا لأنه ترك واجباً لأن الواجب هو الذي يذم على تركه مطلقاً وهذا متقرر في أذهان العقلاء .
فهذه الأدلة تفيدك أيها الطالب إفادةً صريحة أن صيغة الأمر المطلقة أي المتجردة عن القرائن تفيد الوجوب ، فإذا تقرر لك ذلك فاعلم أن هذه القاعدة مطردة في جميع الفروع فكل أمرٍ يمر عليك في الكتاب أو السنة فاحمله على الوجوب إلا إذا ورد الصارف له عن بابه إلى باب آخر ، من غير فرق بين باب العبادات وباب الآداب والله ربنا أعلى وأعلم .
( فصل )
إذا علمت هذا فلم يبق عندنا إلا شرح القاعدة باعتبار التفريع ، والفروع كثيرة جدا ، وقد جمعت لك منها قدرا كبيرا ، فلا تستطل التفريع ، لأن المقصود زيادة التوضيح والتفهيم ، وكل فرع منها يعتبر بمثابة حكم شرعي جديد ، فهو وإن كان مما يتخرج على القاعدة إلا أنك تستفيد منه أيضا الحكم في المسألة التي يقررها النص ، وإن بعض الناس فيه بخل في التفريع ، مع أنه قد فتح الله عليه من العلم الشيء الكثير ، ولكنك لا تراه يذكر لك إلا فرعا أو فرعين ، وهذا أمر لا ينبغي ، بل لا بد من الحرص على تفهيم الطالب حتى يغلب على الظن أن القاعدة قد استقرت في قلبه استقرارا لا مزيد عليه ، وهذا لا يكون إلا بكثرة التفريع ، ولأن تكثير الفروع يستفاد منه - غير ما ذكر - أنك قد لا تتفق مع القارئ الكريم في هذه الفروع القليلة التي اقتصرت عليها ، ولكن مع تكثير الفروع فإنه لا بد وأن تتفق معه في أغلبها ، إن كان قد فهم القاعدة فهما جليا وأحسنت أنت في تخريج الفرع على القاعدة ، والمهم أن الطريقة التي نسير عليها هي تكثير الأدلة والفروع ، فنطرق من ذلك ما استطعنا إليه سبيلا ، فأما تكثير الأدلة فنستفيد منه تقرير صحة القاعدة في قلب الطالب ، وأما تكثير التفريع فنستفيد منه تفيهم الطالب كيفية تخريج الفروع على هذا الأصل المقرر ، واختلاف الطرق في هذه الأمور من جملة خلاف التنوع ، والله ولي التوفيق ، وإلى الفروع ، فأقول وبالله تعالى التوفيق ، ومنه أستمد العون والفضل وحسن التحقيق :-
الفرع الأول: قوله r للغلام الذي رآه تطيش يده في الطعام (( يا غُلام سَمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك )) فهذه ثلاثة أوامر ، الأول : (سم الله) فهو أمر بالتسمية فالأصل فيه الوجوب إذ لا قرينة هنا تصرفه عن بابه ، فنقول : التسمية عند الطعام واجبة وقد دلت أدلة أخرى على هذا الحكم وأكدته بأن ترك التسمية سبب لاستحلال الشيطان للطعام . الثاني : قوله (وكل بيمينك) فهذا أمر فالأصل فيه الوجوب ، فنقول : الأكل باليمين واجب وقد دلت أدلة أخرى على ذلك وأكدته بأن الشيطان يأكل بشماله ، الثالث : (وكل مما يليك) فهذا أمر والأمر يفيد الوجوب ، فنقول : يجب على الإنسان أن لا يأكل إلا مما يليه ، لكن عندنا حديث أنس أن النبي r كان يتتبع الدباء من القصعة ، فظن بعض العلماء أنه صارف للأمر عن الوجوب إلى الندب وهذا ليس بصحيح ، بل الصواب أن يقال : إذا كان الطعام واحداً أي نوع واحد فيجب على الإنسان أن يأكل مما يليه ، وإذا كان الطعام أصنافاً متنوعة فللإنسان حق الاختيار ويأكل مما شاء فالأمر في قوله : (وكل مما يليك) على بابه وهو الوجوب لكن فيما إذا كان الطعام واحداً والله أعلم .
الفرع الثاني : قوله r (( أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما )) رواه الأربعة ، ولأبي داود (( إذا توضأت فمضمض )) فها هنا عدة أوامر , الأول : قوله : (اسبغ الوضوء) أمر بالإسباغ فيكون واجباً والإسباغ هو تعميم العضو بالماء مع الإسالة وهذا صحيح فالأمر فيه يفيد الوجوب , الثاني : قوله : (وخلل بين الأصابع) أمر والأصل أنه يفيد الوجوب لكن نظرنا فوجدنا قرينة تصرفه إلى الندب وهو أن جميع الذين وصفوا وضوءه r لم يذكروا أنه كان يخلل أصابعه مما يدل على أنه لم يكن يواظب عليه إذ لو كان مما يواظب عليه لنقله هؤلاء فلما لم ينقلوه دل على أن قوله : (وخلل بين الأصابع) ليس على بابه الذي هو الوجوب وإنما هو للندب فيكون التخليل مندوباً , الثالث : قوله : (وبالغ في الاستنشاق) هنا أمران : أمر بالاستنشاق ، وأمر بالمبالغة، فأما الأمر بالاستنشاق فهو على بابه وهو الوجوب ويتأيد ذلك بقوله r (( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً )) ، وفي رواية (( ومن توضأ فليستنشق )) وفي رواية (( فليستنشق بمنخريه من الماء )) ، فالأمر بالاستنشاق على بابه وهو الوجوب . فنقول : من واجبات الوضوء الاستنشاق ، وأما المبالغة فأمر بها هنا في حديث لقيط بن صبرة ولكنه لم يأمر بها في حديث أبي هريرة وجميع الواصفين لوضوئه لم يذكروا أنه كان يبالغ في الاستنشاق فدل ذلك على أن المبالغة فيه سنة لورود القرينة الصارفة , الرابع : قوله (إذا توضأت فمضمض) وهذا أمر بالمضمضة والأصل في الأمر المطلق الوجوب ، فنقول : المضمضة واجبة ولم تأت قرينة تصرفه عن بابه بل تأيد ذلك بأحاديث أخرى تفيد أن الأمر بها يراد به الوجوب ، والله أعلم .
الفرع الثالث:- حديث أبي هريرة مرفوعاً " إذا صلى أحدكم الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على شقه الأيمن " فهذا أمر بالاضطجاع بعد سنة الفجر ، والأصل أنه للوجوب، لكن ورد له ما يصرفه عن بابه إلى الندب وذلك في حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال " فأذن بلال فصلى النبي r ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة فصنع كما كان يصنع كل يوم " فهنا لم يضطجع r بعد ركعتي الفجر ففعله هذا صرف الأمر عن بابه إلى الندب ، فنقول : الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر سنة .
الفرع الرابع: قوله r (( صلوا قبل المغرب ، صلوا قبل المغرب ، صلوا قبل المغرب )) ثم قال (( لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة )) رواه البخاري ، فقد أمر r بالصلاة قبل المغرب فالأصل في أمره الوجوب لكنه قال (لمن شاء) وهذه قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب ولو لم ترد هذه اللفظة لقلنا إن الصلاة قبل المغرب واجبة لكن لما وردت القرينة الصارفة للأمر إلى الندب قلنا بها .
الفرع الخامس : قوله r (( توضؤوا من لحوم الإبل )) فهذا أمر بالوضوء من لحمها والأصل في الأمر أنه للوجوب ، ولا أعلم قرينة تصرف الأمر عن بابه فالبقاء عليه هو المتعين ، فنقول : الوضوء من أكل لحم الإبل واجب للأمر به وهذا هو الراجح وهو من مفردات الإمام أحمد .
الفرع السادس : قوله r (( من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ )) على التسليم بأنه يحتج به فإن الأمرين فيه للاستحباب لا للوجوب بدليل قوله في الحديث الآخر (( ليس عليكم من غسل ميتكم غسل فإن ميتكم يموت طاهراً )) ومثله أن أم عطية تولت هي وبعض النساء غسل بنت رسول الله r وذكرت أنه دخل عليهن وأمرهن أن يغسلوها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك وأنه أعطاهن حقوه ولم تذكر أنه أمرهن بعد الفراغ من غسلها أن يغتسلن أو يتوضأن ولو أمرهن لنقلته لنا فلما لم يأمرهن بالاغتسال دل ذلك على عدم وجوبه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وغسلت أسماء بنت عميس رضي الله عنها أبا بكر t وخرجت وسألت الصحابة هل عليها غسل ؟ فقالوا : لا ، فهذا يُعَدُّ صارفاً للأمر في الحديث ، فنقول : من غسل ميتًا فليغتسل استحباباً ومن حمله فليتوضأ استحباباً هذا إذا سلمنا سلامة الحديث للاحتجاج وإلا فقد قال أحمد : لا يصح في هذا الباب شيء ، والله أعلم .
الفرع السابع : قوله r في المذي (( توضأ واغسل ذكرك )) فهذا أمر وهو للوجوب ولا نعلم له صارفاً ، فنقول : من خرج منه مذي فيجب عليه أن يغسل ذكره ويتوضأ للأمر به ، والله أعلم .
الفرع الثامن : قوله r (( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن )) فهذا أمر والأصل فيه الوجوب ، وبه قال بعض أهل العلم ، لكن ورد ما يصرفه عن بابه وهو ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي r سمع مؤذناً يؤذن فقال : الله أكبر الله أكبر ، فقال : على الفطرة ، ثم قال المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله ، فقال : خرجت من النار … فلو كانت الإجابة واجبة لأجابه النبي r .
الفرع التاسع : تحية المسجد ، فقد قال r (( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس )) متفق عليه ، فقد أمر بتحية المسجد ، والأصل في الأمر الوجوب ، وقال به بعض العلماء لكن هناك قرينة تصرف الأمر عن بابه وهو حديث طلحة بن عبيد الله لما سأل النبي r عن الإسلام فقال (( خمس صلوات في اليوم والليلة )) قال : هل عليّ غيرها ، قال (( لا ، إلا أن تطوع )) فوصف ما عدا الصلوات الخمس بأنها تطوع ، وكذلك لما دخل رجل المسجد يوم الجمعة وتخطى رقاب الناس قال له النبي r (( اجلس فقد آذيت وآنيت )) ولم يأمره أن يصلي ركعتين فلو كانت واجبة لأمره بها ، فهاتان القرينتان تصرفان الأمر عن بابه إلى الاستحباب وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، ولو لم يردا ، لقلنا بالوجوب لأن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب.
الفرع العاشر: أن النبي r أمر الجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ والحديث صحيح ، فهذا أمر والأمر يفيد الوجوب لكن بحثنا فوجدنا أن له صارفاً وهو حديث عائشة رضي الله عنها " أن النبي r كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماءً " رواه الأربعة بسندٍ حسن ، فهذه القرينة صرفت الأمر عن بابه إلى الندب وهو الصواب ولو لم ترد لقلنا بالوجوب لأن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب .
الفرع الحادي عشر : حديث أبي هريرة مرفوعاً " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر " فهذا أمر بالانتثار وهو للوجوب ولا أعلم له صارفاً عن بابه إلى الندب بل تأيد الأمر القولي بالفعل الدائم ، فنقول : الاستننثار واجب من واجبات الوضوء لأنه أمر به والأمر يفيد الوجوب إذا خلا عن القرينة .
الفرع الثاني عشر: قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان وهو يتكلم عن مسائل زكاة الفطر ، فقال (أما حكمها فهي فرض عين عند أحمد والشافعي وعند أبي حنيفة هي واجب على اصطلاحه أي ما وجب بالسنة.وعند المالكية واجبة وقيل: سنة. قال في مختصر خليل بن إسحاق يجب بالسنة صاع إلخ.والسبب في اختلافهم هذا هل هي داخلة في عموم  وَآتُوا الزَّكَاةَ  أي شرعت بأصل مشروعية الزكاة في الكتاب والسنة أم أنها شرعت بنص مستقل عنها.فمن قال بفرضيتها قال إنها داخلة في عموم إيجاب الزكاة ومن قال بوجوبها فهذا اصطلاح للأحناف ولا يختلف الأمر في نتيجة التكليف إلا أن عندهم لا يكفر بجحودها.وقال المالكية: يجب بالسنة صاع من بر إلخ، أي: أن وجوبها بالسنة لا بالكتاب.وعندهم: لا يقاتل أهل بلد على منعها ويقتل من جحد مشروعيتها وهذا هو الفرق بينهم وبين الأحناف. ولكن في عبارة مالك في الموطأ إطلاق الوجوب أنه قال: أحسن ما سمعت فيما يجب على الرجل من زكاة الفطر أن الرجل يؤدي ذلك عن كل من يضمن نفقته إلخ.ومن أسباب الخلاف بين الأئمة رحمهم الله نصوص السنة منها قولهم فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير الحديث.فلفظة (فرض) أخذ منها من قال بالفرضية وأخذ منها الآخرون بمعنى قدر لأن الفرض القدر والقطع.وحديث قيس بن سعد بن عبادة عند النسائي قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله.فمن قال بالوجوب والفرض قال الأمر للأول للوجوب وفرضية زكاة المال شملتها بعمومها فلم يحتج معها لتجديد أمر ولم تنسخ فنهى عنها وبقيت على الوجوب الأول ،وحديث: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" فمن لم يقل بفرضيتها قال إنها طهرة للصائم وطعمة للمساكين فهي لعلة مربوطة بها وتفوت بفوات وقتها ولو كانت فرضا لما فاتت بفوات الوقت وأجاب الآخرون بأن ذلك على سبيل الحث على المبادرة لأدائها ولا مانع من أن تكون فرضا وأن تكون طهرة.ويشهد لهذا قوله تعالى  خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا  فهي فريضة وهي طهرة والراجح من ذلك كله أنها فرض للفظ الحديث فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم "زكاة الفطر صاعا من تمر" لأن لفظ فرض إن كان ابتداء فهو للوجوب وإن كان بمعنى قدر فيكون الوجوب بعموم آيات الزكاة وهو أقوى.وحديث خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بصدقة الفطر صاعا من تمر. الحديث رواه أبو داود والأمر للوجوب ولا صارف له هنا. وقد قال النووي إن القول بالوجوب هو قول جمهور العلماء وهذا هو القول الذي تبرأ به الذمة ويخرج به العبد من العهدة والله تعالى أعلم ) قلت :- وهو الحق بلا ريب ، لأن الأمر بها لا صارف له عن بابه ، والمتقرر أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، والله أعلم .
الثالث عشر : اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في إتمام صوم النفل ، مع اتفاقهم على أن إكماله هو الأفضل والأكمل، ولكن هل إتمامه واجب ، بحيث لا يجوز قطعه مع الشروع فيه إلا بعذر ، أم أنه يجوز قطعه ولو بلا عذر؟ فيه خلاف ، ومذهب الجمهور الجواز ولو بلا عذر ومذهب الحنفية المنع إلا بعذر ، الحنفيَّة تمسَّكوا بهذه الآية الكريمة في أنَّ صوم النَّفل يجب إتمامه بقوله تعالى  أَتِمُّواْ الصيام  والأمر للوجوب فيتناول كُلَّ صيام .وأجيبوا بأنَّ هذا إنما ورد في بيان أحكام صوم الفرض؛ بدليل أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال « الصائم المتطوِّع أمير نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر » وعن أمِّ هانىء : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابِ فَشَرِبَ ، ثُمَّ ناوَلَهَا ، فَشَرِبَتْ ، فقالت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَا إنِّي كُنْتُ صَائِمَةً وَلَكِنْ كَرِهْتُ أن أرُدَّ سُؤْرَكَ ، فقال « إنْ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ ، فاقْضي مَكَانَهَُ ، وإنْ كَانَ تَطَوُّعاً ، فإن شِئْتِ فاقْضي ، وإنْ شِئْتِ فَلاَ تَقْضِي » وهذان الحديثان صرفا الأمر في صوم النفل من وجوب الإتمام إلى ندبيته فقط ، مع أن الأمر يفيد الوجوب ، إلا أنه هنا مصروف عن الوجوب إلى الندب لما رويناه لك من الأحاديث ، فالصحيح في هذه المسألة هو قول الجمهور بل والصحيح عندنا أن النفل لا يلزم بالشروع إلا في النسكين ، والله أعلم .
الرابع عشر :- اعلم رحمك الله تعالى أنه يجب على المكلف بالصلاة أن يترك البيع بعد نداء الجمعة الثاني ، وهو الأذان الذي يكون والإمام على المنبر ، وهذا الوجوب هو الحق في هذه المسألة إن شاء الله تعالى ودليله قوله تعالى  وَذَرُوا الْبَيْعَ  فقوله " وذروا " أمر ، والمتقرر أن الأمر يفيد الوجوب ، ولا صارف لهذا الأمرم عن بابه ، فحيث لا صارف ، فالأصل هو البقاء على الأصل فيه حتى يرد الناقل ، والله أعلم .
الخامس عشر : روى أصحاب الصحيح وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه «أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ، فدخل رجل فصلى ، فسلم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فردَّ ، وقال : ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ ، فرجع فصلى كما صلى ، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فردَّه وقال : ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ - فرجع ثلاثا - فقال : والذي بعثك بالحق ، ما أُحسن غيرَه، فعلِّمْني ، فقال : إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر ، ثم اقرأ ما تيسَّرَ معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تعتدلَ قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، وافعل ذلك في صلاتك كلِّها» وفي رواية بنحوه ، وفيه «وعليك السلام ، ارجع -وفيه- : فإذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبَّر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن.. وذكر نحوه وزاد في آخره - بعد قوله : حتى تطمئن جالسا - ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلِّها» أخرجه الجماعة إلا الموطأ. وزاد مع غيره من الأدلة أبو داود في رواية له «فإذا فعلت هذه تمت صلاتك ، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك». وهذا يسميه العلماء ( حديث المسيء صلاته ، وقد جعله أهل العلم رحمهم الله عمدة في معرفة أركان الصلاة وواجباتها ، فما ورد فيه من الأوامر والواجبات فهو الواجب في الصلاة ، وما لم يرد فيه من الأوامر فإنه ليس بواجب ، قال الشوكاني رحمه الله تعالى (وقد تقرر أن حديث المسيء هو المرجع في معرفة واجبات الصلاة وأن كل ما هو مذكور فيه واجب وما خرج عنه وقامت عليه أدلة تدل على وجوبه ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله في شرحه في الموضع الذي سيذكره فيه المصنف ) وقال في النيل أيضا (قال ابن دقيق العيد : تقرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه وعدم وجوب ما لم يذكر فيه فأما وجوب ما ذكر فيه فلتعلق الأمر به وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك بمجرد كون الأصل عدم الوجوب بل لأمر زائد على ذلك وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وتعريف لواجبات الصلاة وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر ويقوي مرتبة الحصر أنه صلى الله عليه و سلم ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي وما لم يتعلق به إساءته من واجبات الصلاة . وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت به الإساءة فقط . فإذا تقرر هذا فكل موضع اختلفت العلماء في وجوبه وكان مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه وكل موضع اختلفوا في عدم وجوبه ولم يكن مذكورا في هذا الحديث فلنا أنن،تمسك به في عدم وجوبه لكونه غير مذكور على ما تقدم من كونه موضع تعليم ثم قال : إلا أن على طالب التحقيق ثلاث وظائف : أحدها أن يجمع طرق الحديث ويحصي الأمور المذكورة فيه ويأخذ بالزائد فالزائد فإن الأخذ بالزائد واجب . ثانيها إذا أقام دليلا على أحد الأمرين إما الوجوب أو عدم الوجوب فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى وهذا عند النفي يجب التحرز فيه أكثر فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به قال : وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر فالمقدم صيغة الأمر وإن كان يمكن أن يقال الحديث دليل على عدم الوجوب ويحمل صيغة الأمر على الندب ثم ضعفه بأنه إنما يتم إذا كان عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر وليس كذلك فإن عدم الذكر إنما يدل على عدم الوجوب وهو غير عدم الذكر في نفس الأمر فيقدم ما دل على الوجوب لأنه إثبات لزيادة يتعين العمل بها - ثم قال الشوكاني رحمه الله تعالى معلقا على كلام ابن دقيق هذا - والوظائف التي أرشد إليها قد امتثلنا رسمه فيها فجمعنا من طرق هذا الحديث في هذا الشرح عند الكلام على مفرداته ما تدعو الحاجة إليه وتظهر للاختلاف في ألفاظه مزيد فائدة وعملنا بالزائد فالزائد من ألفاظه فوجدنا الخارج عما اشتمل عليه حديث الباب . الشهادتين بعد الوضوء . وتكبير الانتقال . والتسميع . والإقامة . وقراءة الفاتحة . ووضع اليدين على الركبتين حال الركوع . ومد الظهر . وتمكين السجود . وجلسة الاستراحة . وفرش الفخذ . والتشهد الأوسط . والأمر بالتحميد والتكبير والتهليل والتمجيد عند عدم استطاعة القراءة . وقد تقدم الكلام على جميعها إلا التشهد الأوسط وجلسة الاستراحة وفرش الفخذ فسيأتي الكلام على ذلك . والخارج عن جميع ألفاظه من الواجبات المتفق عليها كما قال الحافظ والنووي النية . والقعود الأخير . ومن المختلف فيها التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه . والسلام في آخر الصلاة . وقد قدمنا الكلام على النية في الوضوء وسيأتي الكلام على الثلاثة الأخيرة . وأما قوله أنها تقدم صيغة الأمر إذا جاءت في حديث آخر واختياره لذلك من دون تفصيل فنحن لا نوافقه بل نقول إذا جاءت صيغة أمر قاضية بوجوب زائد على ما في هذا الحديث فإن كانت متقدمة على تاريخه كان صارفا لها إلى الندب لأن اقتصاره صلى الله عليه وسلم في التعليم على غيرها وتركه لها من أعظم المشعرات بعدم وجوب ما تضمنته لما تقرر من أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإن كانت متأخرة عنه فهو غير صالح لصرفها لأن الواجبات الشرعية ما زالت تتجدد وقتا فوقتا وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة وغيره أعني الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر عليها في مقام التعليم والسؤال عن جميع الواجبات واللازم باطل فالملزوم مثله . وإن كانت صيغة الأمر الواردة بوجوب زيادة على هذا الحديث غير معلومة التقدم عليه ولا التأخر ولا المقارنة فهذا محل الإشكال ومقام الاحتمال والأصل عدم الوجوب والبراءة منه حتى يقوم دليل يوجب الانتقال عن الأصل والبراءة ولا شك أن الدليل المفيد للزيادة على حديث المسيء إذا التبس تاريخه محتمل لتقدمه عليه وتأخره فلا ينتهض للاستدلال به على الوجوب وهذا التفصيل لا بد منه وترك مراعاته خارج عن الاعتدال إلى حد الإفراط أو التفريط لأن قصر الواجبات على حديث المسيء فقط وإهدار الأدلة الواردة بعده تخيلا لصلاحيته لصرف كل دليل يرد بعده دالا على الوجوب سد لباب التشريع ورد لما تجدد من واجبات الصلاة ومنع للشارع من إيجاب شيء منها وهو باطل لما عرفت من تجدد الواجبات في الأوقات ، والقول بوجوب كل ما ورد الأمر به من غير تفصيل يؤدي إلى إيجاب كل أقوال الصلاة وأفعالها التي ثبتت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من غير فرق بين أن يكون ثبوتها قبل حديث المسيء أو بعده لأنها بيان للأمر القرآني أعني قوله تعالى {أقيموا الصلاة} ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وهو باطل لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهكذا الكلام في كل دليل يقضي بوجوب أمر خارج عن حديث المسيء ليس بصيغة الأمر كالتوعد على الترك أو الذم لمن لم يفعل . وهكذا يفصل في كل دليل يقتضي عدم وجوب شيء مما اشتمل عليه حديث المسيء أو تحريمه إن فرضنا وجوده ) ا.هـ. كلامه رحمه الله تعالى . وعليه فإنه لا غنى لطالب العلم عن النظر في هذا الحديث ولا غنى له عن النظر في جميع رواياته وألفاظه ، والنظر فيها صحة وضعفا فما ورد فيه من الأوامر فإنه واجب ، ما لم يرد منها فأنه ينظر فإن ورد به الأمر في غيره فهو واجب ، وإلا فيقال فيه إنه سنة ، والله أعلم .
السادس عشر : اعلم رحمك الله تعالى أن الواجب على الجاهل بالحكم الشرعي أن يسأل أهل العلم به ، فلا يجوز له الإقدام على ما لا يدري عن حقيقة حاله من الأمور ، بل لا بد وجوبا من سؤال أهل العلم عن الحكم الشرعي في المسائل الشرعية، فمن فعل الأمر على عواهنه كيفما اتفق من غير سؤال أهل العلم مع قدرته على الوصول لهم وسؤالهم ، فإنه آثم يستحق العقوبة التعزيرية التي تردعه وأمثاله عن اللعب بالشريعة ، فإن قلت :- من أين أتيت بهذا الوجوب ؟ فأقول :- أتينا به من قوله تعالى وتقدس  فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  فقوله " فاسألوا " أمر والمتقرر أن الأمر يفيد الوجوب إلا لصارف ، ولا صارف هنا ، بل الأدلة الكثيرة قد دلت على أهمية التعلم ومدح العلم والتعليم ، والله أعلم .
السابع عشر: مما استدل به أهل العلم رحمهم الله تعالى على وجوب الختان قوله تعالى  ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  والختان من ملة إبراهيم ، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اختتن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام بعدما أتت عليه ثمانون ، واختتن بالقدوم " فحيث كان الختان من ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فيكون من جملة الواجبات على هذه الأمة ، لأن الله تعالى أمر نبيها أن يتبع ملة إبراهيم ، والأمر يفيد الوجوب ، والختان من ملة إبراهيم فيكون واجبا ، والأمر للنبي صلى الله عليه ومسلم أمر له ولأمته ، لأن المتقرر أن كل حكم ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يثبت في حق الأمة تبعا إلا بدليل الاختصاص ، وهذا استدلال صحيح إن شاء الله تعالى ، فانظر كيف استفاد أهل العلم رحمهم الله تعالى الوجوب من الأمر في قول الله تعالى  أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  والله أعلم .
الفرع الثامن عشر : قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن حكم اغتسال العائن للمعين ، أي المصاب بالعين ، فقال رحمه الله تعالى (وقد اختلف العلماء فى العائن هل يجبر على الوضوء للمعين أم لا واحتج من أوجبه بقوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم هذه وإذا استغسلتم فاغسلوا وبرواية الموطأ التى ذكرناها أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالوضوء والأمر للوجوب قال المازري والصحيح عندي الوجوب ويبعد الخلاف فيه إذا خشي على المعين الهلاك وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبرء به أو كان الشرع أخبر به خبرا عاما ولم يكن زوال الهلاك إلا بوضوء العائن فانه يصير من باب من تعين عليه إحياء نفس مشرفة على الهلاك وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر فهذا أولى وبهذا التقرير يرتفع الخلاف فيه هذا آخر كلام المازري) قلت :- والحق هو الوجوب ، فمن تحقق اتهامه بالعين وأن هو المتسبب بإصابة هذا الشخص المعين ، فإنه يجب عليه عند طلب اغتساله أن يباشر ويغسل بعض بدنه ، لأن قوله " فاغتسلوا " هذا أمر ، وقد تقرر في الأصول أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، ولا نعلم صارفا يصرف هذا الأمر عن بابه إلى الاستحباب ، بل تأيد هذا الأمر بالأحاديث والنصوص الكثيرة المفيدة لكف الأذى وبذل الندى والتعاون على البر والتقوى وإنقاذ النفس المعصومة من الهلكة ، والله أعلم .
التاسع عشر : قوله صلى الله عليه وسلم (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) رواه البخاري ، فيه أمر وهو قوله ( صلوا ) فيحمل ذلك الأمر على الوجوب ، فكل فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فإنه واجب إلا ما دلت القرائن على أنه سنة فيخرج من هذا العموم ، ويبقى باقي الأفعال والأقوال على الوجوب لهذا الأمر ، وكذلك حديث المسيء صلاته خرج مخرج الأمر فقال صلى الله عليه وسلم له (( أسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن… الخ )) كل ذلك خرج بصيغة الأمر فيحمل على الوجوب إلا فيما وردت فيه قرينة تصرفه عن بابه إلى الندب فيحمل على الندب ، والله أعلم .
الفرع الموفي للعشرين : قوله صلى الله عليه وسلم (( خذوا عني مناسككم )) دليل على أن كل شيء فعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أنه للوجوب لأمره بأخذه ، والأمر للوجوب إلا فيما وردت القرائن بصرفه عن بابه إلى الندب فيحمل عليه ، والله أعلم .
الحادي والعشرون : قوله تعالى في العبيد  فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا  دليل على وجوب مكاتبة السيد عبده إن علم فيه قدرة على الكسب والعمل حتى يؤدي ما عليه ، لكن هذا الأمر أعني قوله تعالى  فَكَاتِبُوهُمْ  ليس على بابه وهو الوجوب ؛ لأنه دلت القرينة على أنه للندب وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الأمر لم يكاتب عبيده ، ولا الصحابة أيضًا كاتبوا عبيدهم ، فلو كان الأمر واجبًا لامتثلوه أتم امتثال ، لكن عدم امتثالهم صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب ، فتكون مكاتبة السيد لعبده بالشرط المذكور في الآية مستحبة لا واجبة .
الثاني والعشرون : قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده )) فقوله ( فليغسل ) صيغة من صيغ الأمر وهو الفعل المضارع المقرون بلام الأمر ، فيدل على أن غسل اليدين بعد الاستيقاظ من نوم الليل خاصة واجب ثلاثًا ، لأن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب إلا بقرينة، ولم تأت قرينة تصرف هذا الأمر عن بابه ، فقلنا أنه يفيد الوجوب ، والله أعلم .
الثالث والعشرون : القول الصحيح إن شاء الله تعالى هو أن الولي يجب عليه أمر من تحت يده من الصغار بالصلاة إن بلغوا سبع سنين ، ويجب عليه عقوبتهم على تركها إن بلغوا عشر سنين ويجب عليه كذلك التفريق بينهم في المضاجع ، أي في الأماكن التي ينامون فيها ، وهذا الأمر من الواجبات في حق الولي ، وبرهان هذا الإيجاب قوله صلى الله عليه وسلم " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع " والحديث سنده جيد ، فقوله " مروا " وقوله " واضربوهم " وقوله " وفرقوا " هذه كلها أوامر والمتقرر في لفظ الأمر أنه يفيد الوجوب إلا لصارف ، ولا نعلم صارفا للأمر هنا عن بابه إلى الندب ، وحيث لا صارف ، فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، والله تعالى أعلى وأعلم .
الرابع والعشرون : لقد تقرر عند أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الأعمال لا تقبل إلا بشرطي الإخلاص والمتابعة ، فالإخلاص والمتابعة هما شرطا قبول العمل ، لأن الله تعالى أمر بهما ، وأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم ، والأمر يفيد الوجوب ، قال تعالى  وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء  وقال تعالى  قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ  وقال تعالى  وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  والنصوص في هذا المعنى كثيرة ، وكلها مما يفيد أن الإخلاص والمتابعة من أهم واجبات العمل ، وهما شرطان متلازمان في كل عبادة ، والله أعلم .
الخامس والعشرون : قال عبدالعزيز بخاري رحمه الله تعالى في كشف الأسرار عن أصول الفخر البزدوي رحم الله الجميع رحمة واسعة ، وهو يتكلم عن حكم قتال البغاة من الخوارج وغيرهم قال رفع الله درجته في الفردوس الأعلى ( قوله - أي البزدوي - " ووجبت المجاهدة لمحاربتهم" أي لأجل محاربتهم يعني إنما وجبت مقاتلتهم بطريق الدفع لا أن تجب ابتداء كما تجب مقاتلة الكفار فإن عليا رضي الله عنه قال للخوارج في خطبته ولن نقاتلكم حتى تقاتلونا يعني حتى تعزموا على القتال بالتجمع والتحيز عن أهل العدل فدل أنهم ما لم يعزموا على الخروج لا يتعرض لهم بالقتل والحبس فإذا تجمعوا وعزموا على الخروج وجب على كل من يقوى على القتال أن يقاتلهم مع إمام المسلمين لقوله تعالى  فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ  والأمر للوجوب ولأنهم قصدوا أذى المسلمين وتهييج الفتنة وإماطة الأذى وتسكين الفتنة من أبواب الدين. وخروجهم معصية ففي القيام بقتالهم نهي عن المنكر وهو فرض) قلت :- وما قاله حق ، وهو مذهب أهل السنة رحمهم الله تعالى ، والله أعلم.
السادس والعشرون : القول الصحيح أن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا إحداها بتراب من الواجبات ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " فليغسله سبعا أولاهن بالتراب " والصحيح أن إراقة الماء من الإناء الذي ولغ فيه الكلب من الواجبات أيضا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإراقته فقال " فليرقه ، ثم ليغسله سبع مرات " فهذه الأوامر لا بد وأن يحكم لها بما هو متقرر في باب الأمر ، من أن الأمر يفيد الوجوب إلا لصارف ، ولا نعلم صارفا يصح أن يعتمد عليه في هذا الباب ، فحيث لا صارف فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، والله أعلم .
السابع والعشرون : القول الصحيح أن الذباب إن وقع في الشراب وأراد صاحبه الشرب منه فإنه يجب عليه لزاما أن يغمس الذباب كله فيه ، ثم يطرحه خارجا ، وقلنا بالوجوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ، ثم ليطرحه ، فإن في أحد جناحيه شفاء ، وفي الآخر داء " رواه البخاري ، ولأبي داود " وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء ، ولا عبرة بمن شكك في صحة هذا الحديث أو استحى من ذكره أمام الناس ، فإن حق هذا الصنف من الناس أن يغمس أنفه مع الذباب أو يغمس الذباب في أنفه ، وليخسأ من يطعن فيما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل مخالفته لعقله الذي هو أصلا في أسته والله الموفق والهادي ، وهو أعلى وأعلم .والمهم أن قوله " فليغمسه كله " وقوله " ثم ليطرحه " كلها أوامر ، والأمر يفيد الوجوب ، ولا صارف هنا يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب والله أعلم .
الثامن والعشرون : قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى في الشرح الممتع في حكم تذكير الإمام حال النسيان والسهو (مسألة: هل يجب على المأموم أن يُنبِّه إمامه إذا قام إلى زائدة أو لا يجب؟الجواب: يجب أن ينبِّهَه، لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «إذا نسيتُ فذكِّرُوني» والأمر للوجوب) والله أعلم .
التاسع والعشرون: القول الصحيح أن طواف الوداع من واجبات الحج ، فلا يجوز للآفاقي الخروج من الحرم لأهله بعد أداء فريضة الحج إلا بعد أن يطوف بالبيت سبعا ، ويجعله آخر أعماله ، وبرهان هذا الإيجاب قول ابن عباس رصي الله عنهما :- أمروا بأن يكون آخر عهدهم بالبيت ، أي الطواف ، إلا أنه خفف عن الحائض ، فقوله " أمروا " يفيد الوجوب ، ولا صارف لهذا الأمر عن بابه إلى الندب ، والأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، ويؤيده قول أم المؤمنين " كان الناس يصدرون -يعني يسافرون- من فجاج منى وعرفات . فأمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافا" فدل على أنه واجب ، وهذا مذهب جمهور العلماء رحمهم الله . فلا يخرج إلا بعد أن يطوف طواف الوداع ، هذا بالنسبة لهذا النوع من الطواف أنه واجب ، ويكون وجوبه عند الخروج عند السفر والذهاب إلى البلد والله أعلم .
الفرع الموفي للثلاثين: اختلف أهل العلم في الأمر بالغسل يوم الجمعة هل هو للوجوب أو للندب فذهب أهل الظاهر إلى وجوب الغسل يوم الجمعة متمسكين بظاهر حديث " من أتى الجمعة فليغتسل " وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد المتفق عليه " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " وحكاه ابن حزم عن عمر وجمع من الصحابة .وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مؤكدة ، وقال ابن عبد البر في التمهيد (أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب وفي ذلك ما يكفي ويغني عن الإكثار ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السنة ومعنى الكتاب وهذا مفهوم عند ذوي الألباب إلا أن العلماء مع إجماعهم على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب اختلفوا فيه هل هو مسنون للأمة أم هو استحباب وفضل أو كان لعلة فارتفعت وليس بفرض ، فذهب مالك والثوري وجماعة من أهل العلم إلى أنه سنة مؤكدة لأنها قد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده والمسلمون فاستحبوها وندبوا إليها وهذا سبيل السنن المذكورة فمن حجة من ذهب إلى هذا المذهب حديث أبي هريرة رضي الله عنه " من أغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ..إلخ الحديث " ا.هـ. قلت : ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب عليه فضلاً ومن لم يفعل ذلك حرم الفضل فقط ولم يرتب عليه إثماً في تركه . ومما يستدل به على عدم الوجوب ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من إنكار عمر رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه التأخر فقال ( إني شغلت فلم انقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأت فقال عمر والوضوء أيضاً وقد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل ) أما وجه الدلالة منه فالذي يظهر أن عمر رضي الله عنه إنما احتج على عثمان رضي الله عنه في ترك سنة مع أنه من السابقين ولم يحتج عليه في ترك فرض قال النووي (وفيه إشارة إلى أنه إنما ترك الغسل لأنه يستحب ، فرأى اشتغاله بقصد الجمعة أولى من أن يجلس للغسل بعد النداء ولهذا لم يأمره عمر رضي الله عنه بالرجوع للغسل ) وقال أيضاً (واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة منها حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل وقد ذكره مسلم وهذا الرجل هو عثمان بن عفان ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر وحاضروا الجمعة وهم أهل الحل والعقد ولو كان واجباً لما تركه ولألزموه )ا.هـ. يعني لألزموه بالرجوع للاغتسال ومن هذا يتبين للناظر أن غسل الجمعة ليس فرضاً ولا شرطاً في صحة الجمعة وإنما هو سنة يثاب من فعلها ولا يعاقب من تركها ، ومن الأدلة على أنه ليس بواجب أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحسن عن سمرة " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل " وهو حديث حسن ، ومن الصوارف أيضا ما رواه مسلم في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم " من توضأ ثم أتى الجمعة ... الحديث " وهو نص في الموضوع ، ومن ادعى أن لفظة " من توضأ " لفظة شاذة فإنه مطالب الدليل الدال على صحة هذه الدعوى ، والمهم أن القول الصحيح في هذه المسألة هو أن غسل يوم الجمعة سنة متأكدة وليس بفريضة واجبة ، وأما حديث " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " فإن الوجوب هنا معناها التأكد، فهو سنة مؤكدة ، جمعا بين الأدلة ، فلو لم تكن تلك الصوارف لقلنا إن صيغة الأمر الواردة في غسل يوم الجمعة تفيد الوجوب ، ولكن لما ورد الصارف قلنا بأن هذه الصيغة مصروفة من الوجوب إلى الندب ، والله أعلم .
الحادي والثلاثون : اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في الأمر بالإسراع بالجنازة الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم " اسرعوا بالجنازة ، فإنها إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه ، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم " متفق عليه ، فقوله " أسرعوا " هل يفيد الندب أو الوجوب ؟ فيه خلاف ، فذهب الجمهور إلى أنه للندب ، وذهب الظاهرية وبعض أهل العلم إلى أنه يفيد الوجوب ، والأقرب إن شاء الله تعالى أنه للوجوب ، لأن المتقرر في القواعد أن الأمر المتجرد عن القرينة يفيد الوجوب ، ولا أعلم لهذا الأمر صارفا عن بابه إلى الاستحباب ، وحيث لا صارف فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، وأنت خبير بأن مذهب الجمهور لا يصلح أن يكون من الصوارف كما قدمنا لك ، وأنت خبير أيضا بأن ورود الأمر في باب الآداب أيضا لا يصلح أن يكون من الصوارف له عن الوجوب إلى الاستحباب ، بل السلف رحمهم الله تعالى طبقوا هذا الأمر تطبيقا عمليا ، فكانوا يسرعون بالجنازة ، ولكن ليس هو الإسراع الذي يشين بالرجل ، ويخاف منه على الجنازة من السقوط ، بل هو الإسراع قليلا بما دون الخبب ، ولهذا قال ابن دقيق العيد وذلك بحيث لا ينتهي الإسراع إلى شدة يخاف منها حدوث مفسدة بالميت وقد جعل الله لكل شيء قدراً ، وهو ما يفعله المسلمون في الأقطار ، فإنهم يسرعون إذا حملوا الجنازة تطبيقا لهذا الحديث ، قال الألباني رحمه الله تعالى (قلت : ظاهر الأمر الوجوب وبه قال ابن حزم ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب فوقفنا عنده ) وقال ابن القيم في زاد المعاد ( وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب : اليهود ) والله أعلم .
الثاني والثلاثون : قال النبي صلى الله عليه وسلم " مطل الغني ظلم ، ومن أحيل على مليء فليحتل" وهو ما يسميه أهل العلم رحمهم الله تعالى بعقد الحوالة ، وهي نقل الدين من ذمة المدين إلى ذمة مدين آخر ، بمعنى أن زيدا مثلا استدان مني عشرة آلاف ريال ، ولما حل وقت السداد أحالني زيد في سدادها على عمرو ، لأن زيدا له عند عمرو عشرة آلاف ريال فإن حولني زيد على عمرو لأستوفي الحق منه ، فهل يجب علي التحول ، بمعنى أنه لا يجوز لي أن أطلب زيدا بعد هذا التحويل بما عليه من الدين ، هذا هو الحوالة ، التي ينص عليها الفقهاء رحمهم الله تعالى في كتبهم ، وإنما شرحتها لك حتى تفهم ما الذي نتكلم عنه ، إذا علمت هذا ، فهل الأمر في قوله "فليحتل" يفيد الوجوب ، أو لا يفيد إلا الندب ؟ اختلف العلماء في هذا الأمر فذهبت الظاهرية إلى وجوب ذلك على من أحيل على مليء أي وجوب قبول الحوالة وذهب الجمهور من الفقهاء إلى أنه أمر ندب لما فيه من الإحسان إلى المحيل لتحصيل مقصوده وهو تحويل الحق عنه والإحسان لا يجب فكان مندوباً ، ولكن القول الصحيح إن شاء الله تعالى هو القول بالوجوب ، ولكنه مشروط بشروط مذكورة في كتب الفقه ، منها :- أن يكون المحال عليه واجدا للسداد، الثاني:- أن يكون باذلا للحق من حين طلبه ، فلا يكون معروفا بالمماطلة والتلاعب ، الثالث :- أن يكون الدين في ذمة المحال عليه بقدر الدين الذي في ذمة المحيل ، أو أزيد ، المهم أنه لا يكون أنقص ، فإن قلت :- وهل لا بد من رضا المحال ، والمحال عليه ؟ فأقول:- إن عملية الحوالة لا يشترط فيها إلا رضا المحيل فقط ، وهو في مثالنا السابق ( زيد ) وأما المحال، وهو في المثال ( أنا ) أو المحال عليه ، وهو في المثال ( عمرو ) فإنه لا يشرط رضانا ، بل يجب على المحال والمحال عليه قبول هذه الحوالة وعدم النقاش فيها فيما إن كانت شروطها متوفرة ، لأن الأمر في قوله "فليتبع" أمر وجوب ، إذ لا صارف له عن بابه إلى الندب ، ولا حق للمحال أن يعارض في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا حق للمحال عليه أن يناقش في هذه الحوالة فيقبلها أو يرفضها لأن الأمر مفصول من قبل الشرع ، ولا خيرة لهما فيه ، والله أعلم . الثالث والثلاثون : أقول :- قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ " وفي رواية " فإنه أنشط للعود " فهل الأمر في قوله " فليتوضأ " على الوجوب بمعنى أنه لا يجوز له الجماع الثاني إلا بعد أن يتوضأ ، أو أن الأمر على الندب والاستحباب ؟ فيه خلاف ، قال المباركفوري رحمه الله تعالى في التحفة (اختلف العلماء في الوضوء بينهما فقال أبو يوسف لا يستحب وقال الجمهور يستحب وقال بن حبيب المالكي وأهل الظاهر يجب ، وقال الجمهور إن الأمر بالوضوء في هذا الحديث للاستحباب لا للوجوب ، واستدلوا على ذلك بما رواه الطحاوي عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يجامع ثم يعود ولا يتوضأ واستدل بن خزيمة على أن الأمر فيه بالوضوء للندب بما رواه في هذا الحديث فقال "فإنه أنشط للعود" فدل على أن الأمر للإرشاد أو للندب وحديث الباب حجة على أبي يوسف ) والأقرب عندي في هذه المسألة إن شاء الله تعالى هو ما ذهب له الجمهور ، وهو أن الأمر في هذا الحديث ليس على بابه الذي هو الوجوب والتحتم ، وإنما هو الندب المؤكد ، والصارف للأمر عن بابه عدة أشياء ، الأول :- أنه قال " فإنه أنشط للعود " ويفهم من هذا أن من كان قويا بالأصالة لشدة الرغبة وقوة الطبع ، فإنه لا يحتاج إلى الوضوء بينهما ، لانتفاء العلة في حقه ، فإنه أصلا نشيط ، ولا يحتاج إلى ما يزيد في نشاطه ، وهذا يفيد أن الأمر للندب لا للوجوب ، إذ لو كان للوجوب لوجب على الجميع ، الثاني :- أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتى نساءه جميعا بغسل واحد ، والحديث صحيح ، وظاهر هذا الحديث أنه لم يتوضأ بين الجماعين ، مع أنه ليس في الحديث ما ينفيه ، ولكن الظاهر لا يدل عليه ، فلهذا قلنا :- بأن الأمر هنا للندب لا للوجوب ، والله أعلم .
الرابع والثلاثون : الأمر في قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا رأيتم الجنازة فقوموا " فهل الأمر هنا للوجوب أو الندب؟ أقول:- فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى على أقوال والقول الصحيح منها إن شاء الله تعالى أن القيام لها ليس للوجوب ، بل هو للندب ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالقيام لها ، ثم قعد وأمر بالقعود ، وهذا ليس نسخا لكل أحاديث الأمر بالقيام ، بل هو نسخ للوجوب فقط ، والمتقرر أنه إن نسخ الوجوب ثبت الاستحباب ، فالقيام لها إنما نسخ وجوبه فقط ، وأما استحبابه فباق ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم القعود مع مرور الجنازة في عدة أحاديث ، مما يفيد أن الأمر ليس على الوجوب ، بل على الاستحباب ، قال الإمام الألباني رحمه الله تعالى (والقيام لها منسوخ، وهو على نوعين:
أ - قيام الجالس إذا مرت به.
ب - وقيام المشيع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الارض.والدليل على ذلك حديث علي رضي الله عنه، وله ألفاظ: الأول: " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنازة فقمنا، ثم جلس فجلسنا ".أخرجه مسلم وابن ماجه والطحاوي والطيالسي وأحمد, الثاني: " كان يقوم في الجنائز، ثم جلس بعد "رواه مالك وعنه الشافعي في " الأم " وأبو داود, الثالث: من طريق واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: " شهدت جنازة في بني سلمة، فقمت، فقال لي نافع بن جبير: اجلس فإني سأخبرك في هذا بثبت، حدثني مسعود بن الحكم الزرقي أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه برحبة الكوفة وهو يقول " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس "أخرجه الشافعي وأحمد والطحاوي وابن حبان في " صحيحه " هذا الوجه بلفظ آخر وهو, الرابع: " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الجنائز حتى توضع، وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك، وأمر هم بالقعود ". الخامس: من طريق إسماعيل بن مسعود بن الحكم الزرقي عن أبيه قال " شهدت جنازة بالعراق، فرأيت رجالا قياما ينتظرون أن توضع، ورأيت علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يشير إليهم أن اجلسوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالجلوس بعد القيام " أخرجه الطحاوي بسند حسن)ا.هـ. كلامه رحمه الله تعالى .والمراد بالنسخ هنا ، نسخ الوجوب لا نسخ الندب ،ولأن المتقرر أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن ، وأن لا يصار إلى النسخ مع إمكانية الجمع بين الأدلة , والله أعلم .
الخامس والثلاثون : قال الله تبارك وتعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ  فقوله " فاكتبوه " هذا أمر ، فهل هو للوجوب أو للاستحباب ؟ فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى ، قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان (ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب. ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله  وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ  الآية؛ لأن الرهن لا يجب إجماعا وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبا. وصرح بعدم الوجوب بقوله  فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  الآية، فالتحقيق أن الأمر في قوله {فَاكْتُبُوهُ} للندب والإرشاد؛ لأن لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعا، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس ) وهو الأقرب إن شاء الله تعالى والله أعلم .
السادس والثلاثون : لقد وردت الأدلة آمرة باتخاذ السترة أمام المصلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم " فهل الأوامر في هذه الأحاديث الواردة في هذا الباب تفيد الوجوب أو الاستحباب ؟ أقول ، فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى عن هذه المسألة فقال (السترة للمأموم ليست بمشروعة لأن سترة الإمام سترةٌ له ولمن وراءه وأما للإمام والمنفرد فهي مشروعة فيسن أن لا يصلي إلا إلى سترة ولكنها ليست بواجبة على القول الراجح الذي عليه جمهور أهل العلم لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في منى إلى غير جدار وكان راكباً على حمار أتان أي أنثى فمر بين يدي بعض الصف فلم ينكر ذلك عليه أحد فقوله إلى غير جدار قال بعض أهل العلم إنما أراد رضي الله عنه إلى غير سترة لأن الغالب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن منى ليس فيها بناء ولحديث أبي سعيد "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه" فقوله إذا صلى إلى شيء يستره يدل على أن الصلاة إلى السترة ليست بلازمة وإلا لما احتيج إلى القيد وعلى هذا فيكون الأمر بالسترة أمراً للندب وليس للوجوب هذا هو القول الراجح في اتخاذ السترة وأما قول السائل هل يكفي الخط فنقول إنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر باتخاذ السترة وقال فإن لم يجد فليخط خطاً وهذا الحديث علله بعض العلماء وطعن فيه بأنه مضطرب ولكن ابن حجر في بلوغ المرام قال (لم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن) ولهذا لو كان الإنسان ليس عنده ما يكون شاخصاً يجعله سترة فليخط خطاً وإذا لم يكن له سترة فله حق بمقدار ما ينتهي إليه سجوده وما وراء ذلك فليس له حقٌ في منع الناس من المرور به إلا إذا كان يصلي على سجادة أو نحوها فإن له الحق في منع من يمر على هذه السجادة) والله أعلم .
السابع والثلاثون : قوله تعالى  فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ  هل الأمر هنا يفيد الوجوب أم ماذا ؟ والجواب :- أن الأمر هنا لا يفيد الوجوب ولا الندب ، بل يفيد الإباحة فقط ، وذلك أنه قد تقرر في الأصول أن الأمر بعد الحظر يفيد ما كان يفيده قبل الحظر والجماع كان قبل النهي عنه مباح ، ثم حرم بسبب الحيض ، ثم عاد الشارع وأمر به بعد الطهر والاغتسال ، فهذا أمر بعد منع ، والأمر بعد المنع يفيد الإباحة ، وعليه :- فمن جملة الصوارف للأمر عن بابه إلى الإباحة وروده بعد المنع ، كما هنا ، وكما في قوله تعالى  وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ  فإن الصيد كان حلالا في الأصل ، ثم حرمه الله تعالى على المحرم ، ثم عاد فأمره الله تعالى به بعد تحلله من النسك ، فهو أمر بعد منع ، والمتقرر أن الأمر بعد المنع يفيد الجواز فقط وكما في قوله صلى الله عليه وسلم " كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة، ألا فكلوا وادخروا " فقوله " وادخروا " أمر بعد حظر ، أي منع ، فيفيد جواز الادخار فقط ، لأن ادخار شيء من لحم الأضاحي كان مباحا ، ثم منع من أجل الدافة ، وهم الفقراء من الأعراب وغيرهم ، ثم عاد فأمر به مرة أخرى ، فلا يفيد بعد الأمر به إلا ما كان يفيده قبل النهي عنه وقد كان قبل النهي عنه مباحا ، فهو الآن مباح ، لأن المتقرر أن الأمر بعد الحظر يفيد ما كان يفيده قبل الحظر ، وكما في قوله تعالى  فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ  أي بالبيع والشراء ، وقد كان نهى عنه قبل ذلك بقوله  وَذَرُوا الْبَيْعَ  فالبيع هنا مأمور به ، ولكنه مأمور به من بعد منع ، فهو أمر بعد حظر ، والأمر بعد الحظر يفيد ما كان يفيده قبل الحظر ، والبيع كان قبل المنع جائزا ، فهو بعد الأمر به كذلك مباح ، والله أعلم .
الثامن والثلاثون : سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى عن حكم الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة ؟ فأجاب بقوله (الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة واجب لأن النبي، صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة حجة الوداع وطاف وسعى أمر كل من لم يسق الهدي أن يقصر ثم يحلق فلما أمرهم أن يقصروا والأصل في الأمر للوجوب دل على أنه لابد من التقصير، ويدل لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم حين أُحصروا في غزوة الحديبية أمرهم أن يحلقوا حتى أنه صلى الله عليه وسلم غضب حين توانوا في ذلك، وأما هل الأفضل في العمرة التقصير أو الحلق فالأفضل الحلق إلا للمتمتع الذي قدم متأخراً، فإن الأفضل في حقه التقصير من أجل أن يتوفر الحلق للحج) وهو كما قال ، والله أعلم .
التاسع والثلاثون : قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ في شأن الشهداء " زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ " وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ " رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ , أَوْ فِي حَلْقِهِ , فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ , قَالَ : وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رواه أبو داود أقول :- اختلف الفقهاء في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفن الشهداء في ثيابهم , هل هو على سبيل الاستحباب والأولوية , أم على سبيل الوجوب ؟ على قولين , الأول : أنه على سبيل الاستحباب , قال به الشافعية وبعض الحنابلة ، قال النووي ( ثم وليه بالخيار إن شاء كفنه بما عليه , وإن شاء نزعه وكفنه بغيره , وتركه أفضل ) وقال ابن قدامة ( وليس هذا بحتم , لكنه الأولى , وللولي أن ينزع عنه ثيابه ويكفنه بغيرها ) واستدلوا على عدم الوجوب بما رواه أحمد عن الزبير أن أمه صفية ( وهي أخت حمزة ) أتت يوم أحد بثوبين وقالت : هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْتُ بِهِمَا لأَخِي حَمْزَةَ فَقَدْ بَلَغَنِي مَقْتَلُهُ فَكَفِّنُوهُ فِيهِمَا , قَالَ : فَجِئْنَا بِالثَّوْبَيْنِ لِنُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ فَإِذَا إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ قَتِيلٌ قَدْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِحَمْزَةَ , قَالَ : فَوَجَدْنَا غَضَاضَةً وَحَيَاءً أَنْ نكَفِّنَ حَمْزَةَ فِي ثَوْبَيْنِ وَالأَنْصَارِيُّ لا كَفَنَ لَهُ , فَقُلْنَا : لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ وَلِلأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ فَقَدَرْنَاهُمَا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الآخَرِ فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي صَارَ لَهُ . القول الثاني : أن الأمر على سبيل الوجوب , وهو مذهب المالكية والحنابلة واختاره ابن القيم والشوكاني, قال المرداوي ( والصحيح في المذهب أنه يجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها ) وقال الإمام مالك ( إن أراد وليه أن يزيد على ما عليه وقد حصل له ما يجزئ في الكفن لم يكن له ذلك , ولا يزاد عليه شيء ) وقال الشوكاني ( والظاهر أن الأمر بدفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب للوجوب) وأجابوا عن حديث حمزة : بأنه كفن في كفن آخر لأن الكفار كانوا مثلوا به وبقروا بطنه , واستخرجوا كبده , وأخذوا ثيابه , فلذلك كفن في كفن آخر . قاله ابن القيم وقال ابن رشد ( من عراه العدو لا رخصة في ترك تكفينه , بل ذلك لازم , كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء يوم أحد اثنان في ثوب ) والقول الصحيح هو القول الثاني ، وهو أن الأمر للوجوب ، إذ لا صارف للأمر هنا عن بابه ، والله أعلم .
الفرع الموفي للأربعين : سئلت اللجنة الدائمة عن حكم إعفاء اللحية في الإسلام وهل يأثم من يحلقها أو لا؟ فأجابوا بقولهم ( الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.. وبعد: ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس » رواه أحمد ومسلم وقال صلى الله عليه وسلم « خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب » رواه أحمد والبخاري ومسلم . والصحيح أن الأمر للوجوب كما هو الأصل فيه وخاصة إذا أحتفت به قرائن كما في هذين الحديثين فمن حلق لحيته فقد أساء وخالف مقتضى الفطرة باتفاق المسلمين وأثم بحلقه لها ) وقالوا في موضع آخر ( إنه من المستقر في الشرع المطهر وجوب إعفاء اللحية بدلالة الفطرة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوفير اللحية ، والأصل في الأمر أنه للوجوب ، والأمر بمخالفة المشركين من المجوس وغيرهم ، والأصل في النهي أنه للتحريم ، وأنه يحرم على المسلم التعرض للحيته بحلق أو قص أو نتف لمخالفته الدلائل المذكورة ، وأدلة هذا الحكم كما يأتي : أما دلالة الفطرة : فقد ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية والسواك » الحديث . رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم . وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت من صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه « كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية » وفي لفظ « كثير شعر اللحية » وكانت قراءته صلى الله عليه وسلم في الصلاة السرية يعرفها من خلفه باضطراب لحيته ، كما في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي معمر رضي الله عنه . وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم : فقد كثرت السنن الصحيحة بذلك صريحة في الأمر بها بلفظ « أعفوا اللحى » ولفظ " أرخوا " ولفظ " وفروا " ولفظ "أوفوا" وهذه الألفاظ تعني عدم التعرض للحية بحلق أو قص أو نتف . وهذا الأمر بإعفاء اللحية قد حكى الإجماع على وجوبه ابن حزم رحمه الله تعالى ، كما نقله عنه ابن مفلح رحمه الله تعالى في الفروع ، لهذا فيجب على كل مسلم إعفاء لحيته ؛ إبقاء للفطرة ، وتأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في فعله ، وامتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم بإعفائها ومعلوم أن الأمر يقتضي الوجوب حتى يوجد صارف لذلك عن أصله ولا نعلم ما يصرفه عن ذلك وأنه لا يجوز لمسلم التعرض للحية بحلق أو قص أو نتف ، فإن ذلك حرام على المسلم فعله ؛ لمخالفته الدلائل المذكورة، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن مشابهة المشركين من المجوس وغيرهم ، وأصل النهي للتحريم حتى يوجد صارف له عن أصله ، ولا نعلم دليلا يصلح للاحتجاج به يصرفه عن ذلك الأصل . وبناء على ما ذكر فإن القول بجواز قص ما زاد على القبضة قول معارض لهذه الأدلة الجلية من السنة النبوية ، والله سبحانه وتعالى يقول  وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا ،هَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا  وقوله عز شأنه  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  ويقول عز من قائل  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ  فالواجب على المسلم طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وترك الالتفات إلى ما يخالف الأدلة الشرعية فإن الواجب هو اتباع المعصوم صلى الله عليه وسلم كما أن ما ذهب إليه المؤلف من كراهة الصبغ بالسواد قول مخالف للصواب ؛ لأن الأدلة من السنة صحيحة صريحة في النهي عنه وأصل النهي للتحريم ، ولم يوجد دليل صارف عنه .لهذا رأت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء إصدار هذه الفتوى ؛ بيانا للسنة ونصرة لها وتحذيرا من الاغترار بالأقوال المهجورة المخالفة للسنة ومنها ما ذهب إليه صاحب الكتاب المذكور ، وننصحه بأن عليه مراجعة الحق والرجوع إليه والكف عن نشر مثل هذا الرأي الذي يخالف السنة القولية والفعلية ، وما جرى عليه عامة المسلمين من الصدر الأول الصحابة رضي الله عنهم إلى عصرنا ، ولما في نشر الآراء المخالفة للأدلة الشرعية من ترقيق الديانة وتجرئة الناس على مخالفة السنة . وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ) والله أعلم .
الحادي والأربعون : وسئلوا أيضا عن حكم الوضوء من مس الذكر ، فأجابوا بقولهم ( الراجح من أقوال العلماء في هذه المسألة قول الجمهور، وهو نقض وضوء من مس ذكره ؛ لأن حديث « ما هو إلا بضعة منك » ضعيف، لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على أن من مس ذكره فعليه الوضوء. والأصل أن الأمر للوجوب وعلى تقدير عدم ضعفه فهو منسوخ بحديث « من مس ذكره فليتوضأ ») وهو كما قالوا ، والله أعلم .
الثاني والأربعون : وسئلوا أيضا سؤالا هذا نصه :- الله تعالى يقول في القرآن الكريم وقوله حق  فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى  إلى آخر الآية، وهل القراءة المذكورة في هذه الآية متعلقة بصلاة النافلة أو الفريضة؟ فأجابوا بقولهم ( آية  إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ … إلى آخرها، نزلت في صلاة الليل وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن أساء في صلاته « إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن » الحديث فأمره بقراءة المتيسر من القرآن بعد تكبيرة الإحرام والمراد بذلك الفاتحة، والأمر للوجوب، والصلاة عامة للفريضة والنافلة فدل ذلك على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقا، وبين ذلك وأكده حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب »رواه البخاري ومسلم وغيرهما )
الثالث والأربعون : وسئلوا أيضا عن الأمر الوارد بقراءة المعوذتين دبر الصلاة ، هل هو للوجوب أو للندب ؟ فأجابوا بقولهم ( الأمر في الحديث بقراءة المعوذتين دبر كل صلاة للاستحباب وليس للوجوب وهذا لإجماع المسلمين على عدم وجوب هذه القراءة ) والله أعلم .
الرابع والأربعون : قوله صلى الله عليه وسلم " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم " هذا أمر ، والأصل أنه يفيد الوجوب ، ولكن الصارف له عن الوجوب إلى الاستحباب إجماع أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن التيامن في الوضوء ليس من الواجبات ، بل من المندوبات ، والإجماع من الأدلة الشرعية التي تصلح أن تصرف الأمر عن بابه إلى الاستحباب ، ولا عبرة بخلاف ابن حزم لأنه مسبوق بالإجماع في هذه المسألة ، فالقول بأن التيامن في الضوء فيما هو كالعضو الواحد كاليدين والرجلين هو مندوب فقط ، فلو أخل به فلا حرج ، فالتَّيَامُن في الوضوء بِغَسْلِ اليُمنى قبل اليُسرى فمستحبٌّ؛ لأنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم كان يُحِبُّ التَّيامُنَ فِي كُلّ شَيْءٍ وَأَمَرَ بِه المسلمين، وحرص على تنفيذه؛ فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحِبّ التَّيامُن فِي تنعُّلِه وترجُّله وطهوره، وفِي شأْنِه كُلّه" متَّفق عليه. وهو مذهب الجمهور؛ قال النووي ( قاعدة الشرع المستمرَّة استحبابُ البداءة باليمين فِي كُلّ ما كان من باب التَّكريم والتَّزيين، وما كان بِضِدّها استحبَّ فيه التَّياسر، قال: وأَجْمَع العُلماءُ على أنَّ تقديمَ اليمين في الوضوء سُنَّة، مَنْ خالفها فاتَهُ الفضلُ وتمَّ وضوؤُه ) والله أعلم .
الخامس والأربعون : سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى عن حكم تأخير الزواج هل يأثم من يفعله ؟ فأجاب رحمه الله تعالى بقوله ( تأخير الزواج للرجل إذا كان قادرا قدرة مالية وبدنية مخالف لتوجيه الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " واختلف العلماء رحمهم الله في الشاب الذي له شهوة وقدرة على النكاح هل يأثم في تأخيره أو لا يأثم فمنهم من قال إنه يأثم لأن الأمر فيه للوجوب وتأخير الواجب محرم ومنهم من قال إنه لا يأثم لأن الأمر فيه للإرشاد إلا أن يخاف الزنا بتركه فحينئذٍ يجب عليه درءاً لهذه المفسدة وعلى كل حال فإن نصيحتي لإخواني الذين أعطاهم الله عز وجل المال وعندهم شهوة أن يتزوجوا إن كانوا لم يتزوجوا أول مرة فليتزوجوا وليبادروا وإن كان عندهم زوجات وكانوا محتاجين إلى زوجات أخرى فإنهم يتزوجون وقد أباح الله لهم أن يتزوجوا أربعا والنبي عليه الصلاة والسلام حث على كثرة الأولاد في الأمة الإسلامية وقال " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " فلا شك أن تعدد الزوجات سبب لكثرة الأولاد وصح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال "خير هذه الأمة أكثرها نساء" ولكن التعدد جائز أو محمود ومشروع بشرط أن يكون الإنسان قادراً على العدل قدرة بدنية وقدرة مالية فإن خاف أن لا يعدل فقد قال الله تعالى  فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا  )
السادس والأربعون : أقول :- قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات في أحاديث كثيرة، منها :- ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية ، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور والحُدَيَّا " وما رواه مسلم وغيره أن رجلاً سأل ابن عمر رضي الله عنهما: ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ قال حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب والحية، قال: وفي الصلاة أيضاً، وما رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم " أمر بقتل الأسودين في الصلاة : الحية والعقرب" وفي هذه الأحاديث يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الحيات، والأصل في الأوامر أنها للوجوب ، ولذلك فإنه يجب على كل من رأى هذه الحيات أن يقتلها إن استطاع ذلك ، اتقاءً لشرها ودفعاً لضررها عن الناس ، إذ لو تركها لربما أصابت إنساناً فألحقت به الأذى ، أو تعرضت لحيوان فأهلكته، ونحو ذلك. وبهذا يتبين المقصود من أمر النبي صلى الله عليه وسلم من قتل الحيات ، وهو: دفع ضررها وخطرها وأذاها عن الناس. ومن قال إن الأوامر في هذه الأحاديث لا تفيد إلا الندب فإنه مطالب بالدليل الدال على صحة دعواه ، لأن المتقرر أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، والله أعلم .
السابع والأربعون : اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في مسألة نقض المرأة لرأسها في الغسل الواجب ، فذهب البعض إلى القول بالوجوب ، مستدلين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة بنقض شعرها ، في قوله " انقضي شعرك وامتشطي " وبأمره لأسماء بدلك شعرها دلكا شديدا وذهب بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى إلى القول بأن النقض من المندوبات إن كان الماء يتخلل لأصول الشعر بلا نقض ، وأما إن كان الماء لا يصل إلى أصول الشعر إلا بالنقض فالواجب نقضه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله تعالى، فإن قلت :- وما الصارف للأمر في الأحاديث السابقة من الوجوب إلى الندب ؟ فأقول :- الصارف لها حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم " إني امرأة أشد ظفر رأسي ، أفأنقضه لغسل الجنابة - وفي رواية والحيضة - فقال " لا ، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " رواه مسلم ، فتجويزه لها أن تغتسل بلا نقض لشعرها دليل على أن الأمر بالنقض ليس على بابه وإنما هو مصروف عنه إلى الندب، ولكن أقول :- إن استحباب النقض في غسل الحيض آكد من استحباب النقض في غسل الجنابة ، قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى ( الراجح في الدليل عدم وجوب نقضه في المحيض كعدم وجوبه في الجنابة، إِلا أَنه في المحيض مشروع للأَدلة، والأَمر فيه ليس للوجوب، بدليل حديث أُم سلمة ((إِنِّيْ امْرَأَة)) وهذا اختيار صاحب الإنصاف والزركشي. وأَما الجنابة فليس مندوبًا في حقها النقض وكان يراه عبدالله بن عمرو وكانت عائشة تقول: أَفلا أَمرهن أَن يحلقنه. الحاصل أَنه ليس مشروعًا في الجنابة وهو متأَكد في المحيض وتأَكده يختلف قوةً وضعفًا بحسب بعده عن النقض وقربه ) .
الثامن والأربعون : سئل الإمام الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عن حكم صلاة الوتر؟ فأجاب رحمه الله تعالى بقوله ( قال عليه الصلاة السلام " إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ فَصَلُّوهَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ " يدل ظاهر الأمر في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَصَلُّوهَا) على وجوب صلاة الوتر , وبذلك قال الحنفية , خلافاً للجماهير , ولولا أنه ثبت بالأدلة القاطعة كقول الله تعالى في حديث المعراج " هن خمس في العمل خمسون في الأجر لا يبدل القول لدي " متفق عليه , وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابي حين قال : لا أزيد عليهن ولا أنقص " أفلح الرجل إن صدق " متفق عليه حصر الصلوات المفروضات في كل يوم وليلة بخمس صلوات لكان قول الحنفية أقرب إلى الصواب , ولذلك فلا بد من القول بأن الأمر هنا ليس للوجوب , بل لتأكيد الاستحباب , وكم من أوامر كريمة صرفت من الوجوب بأدنى من تلك الأدلة القاطعة وقد انفك الأحناف عنها بقولهم : إنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات الخمس بل هو واسطة بينها وبين السنن , أضعف من هذه ثبوتاً , وأقوى من تلك تأكيداً. فليعلم أن قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث , لا تعرفه الصحابة ولا السلف الصالح , وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتاً وجزاء , كما هو مفصل في كتبهم. وإن قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذب يوم القيامة عذاباً دون عذاب تارك الفرض , كما هو مذهبهم في اجتهادهم , وحينئذ يقال لهم : وكيف يصح ذلك مع قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس ( أفلح الرجل ) ؟ وكيف يلتقي الفلاح مع العذاب ؟ فلا شك أن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا وحده كاف لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة , ولهذا اتفق جماهير العلماء على سنيته وعدم وجوبه , وهو الحق. نقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام بالوتر , وعدم التهاون عنه , لهذا الحديث وغيره , والله أعلم)ا.هـ. كلامه رحمه الله تعالى, فبان لك بهذا أن الوتر من السنن المؤكدة ، لأن صيغة الأمر به قد ورد لها ما يصرفها عن بابها إلا الندب ، والله أعلم .
التاسع والأربعون : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «من سأل بالله فأعطوه ؛ ومن استعاذ بالله ؛ فأعيذوه ، ومن دعاكم ؛ فأجيبوه ، ومن صنع إليكم معروفا ؛ فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئوه ، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه » رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح ، قال الشيخ محمد رحمه الله تعالى ( قوله " فأعطوه " الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا على المسؤول ؛ لأن في إعطائه إجابة لحاجته وتعظيما لله عز وجل الذي سأل به .ولا يشترط أن يكون سؤاله بلفظ الجلالة بل بكل اسم يختص بالله ، كما قال الملك الذي جاء إلى الأبرص والقرع والأعمى « أسألك بالذي أعطاك كذا وكذا » ) والله أعلم .
الفرع الموفي للخمسين : عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ (( تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ . فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ , فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ لِيُشْهِدَه عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ " أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ ؟" قَالَ : لا. قَالَ " اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ " فَرَجَعَ أَبِي , فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ " وَفِي لَفْظٍ " فَلا تُشْهِدْنِي إذاً , فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ " هذا الحديث فيه مشروعية العدل بين الأولاد [ ذكوراً وإناثاً ] في العطية وهذا بالإجماع . واختلفوا هل هي واجبة أم مستحبة, القول الأول : أن المساواة واجبة في عطية الأولاد .فلا يجوز أن يعطي الولد دون البنت ، أو البنت دون الولد ، أو ولد دون ولد .قال الشوكاني (وبه صرح البخاري ، وهو قول طاووس والثوري وأحمد وإسحاق وبعض المالكية) واستدلوا : بقوله " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " القول الثاني : أن التسوية مستحبة لا واجبة وهذا مذهب الجمهور وعلى هذا القول : فلو أعطى ولداً ولم يعط الآخر ، فلا يحرم ، وإذا أعطى ولداً دون بنت ، فلا يحرم وحملوا الأمر في حديث الباب على الاستحباب .وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري :
منها : أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده ، حكاه ابن عبد البر ، وتعقب : بأن كثيراً من طرق الحديث مصرحة بالبعضية ، كما في حديث الباب ( تصدق علي أبي ببعض ماله)
ومنها : أن العطية المذكورة لم تنجز ،وإنما جاء بشير يستشير النبي ( في ذلك فأشار عليه بأن لا يفعل فترك .وتعقب :بأن أمر النبي له بالارتجاع يشعر بالتنجيز .
ومنها : أن قوله " أشهد على هذا غيري " إذن بالإشهاد على ذلك ، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام ، وكأنه قال : لا أشهد لأن الإمام ليس من شأنه أن يحكم . وتعقب :أن الإذن المذكور المراد به التوبيخ ، لما تدل عليه بقية الروايات .وغيرها من الأجوبة الضعيفة . والراجح القول الأول ، لأن الأمر في قوله " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " لا صارف له ، بل يدل عليه ويؤيده الأدلة العامة الآمرة بالعدل ، وحيث لا صارف لها فالأصل هو البقاء على الوجوب حتى يرد الناقل ، والله تعالى أعلى وأعلم .
الفرع الحادي والخمسون : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ , وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ " مَهْيَمْ "؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً , فَقَالَ " مَا أَصْدَقْتَهَا "؟ قَالَ : وَزْنَ نوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ " فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ , أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ " وقد اختلف العلماء في حكمها على قولين :القول الأول : أنها مستحبة .وهذا مذهب جماهير العلماء .لقوله ( أولم ...) وهذا أمر ، وأقل أحواله الاستحباب . القول الثاني : أنها واجبة .وهذا مذهب الظاهرية . لقوله لعبد الرحمن بن عوف ( أولم ... ) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب ولقوله " إنه لا بد للعروس من وليمة " . رواه أحمد قال ابن حجر ( سنده لا بأس به ) والراجح الأول . قالوا : إن الأمر في حديث ( أولم ... ) للاستحباب ، بدليل أنه ( أمر بالشاة ، ولا خلاف أنه لا يجب عليه الإيلام بالشاة ، وقد أولم بغير الشاة مع أنه أمر بها .ففي حديث أنس : أنه " أولم على صفية وكانت وليمته حيساً " وفي الصحيح أنه " أولم على امرأة من نسائه بمدين شعير " فهذه الصوارف تصلح أن تكون صارفة الأمر عن بابه الذي هو الوجوب إلى باب الندب والله أعلم .
الفرع الثاني والخمسون : قال النبي صلى الله عليه وسلم" اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " هذا أمر فهل يفيد الوجوب والتحتم ، أم الندب والاستحباب فقط ؟ قال في تأسيس الأحكام (يؤخذ من هذا الحديث وجوب ختم صلاة الليل بالوتر وجعله في آخرها ، وقد اختلفوا في ذلك هل هو على الإيجاب أم على الندب ؟ . فذهب جماعة إلى وجوب جعل الصلاة من آخر الليل وتراً واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً " حكى ذلك عنهم المروزي في قيام الليل ، وقال : منهم إسحاق بن إبراهيم وجماعة من أصحابنا يذهبون إلى هذا وهؤلاء يأمرون من أوتر من أول الليل ثم قام آخره أن يشفع وتره بركعة ثم يصلي مثنى ، فإذا كان آخر صلاته أوتر ، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة منهم عثمان بن عفان قال : إني إذا أردت أن أقوم من الليل أوترت بركعة فإذا قمت ضممت إليها ركعة ، فما شبهتها إلا بالغريبة من الإبل تضم إلى الإبل وفعله عبد الله بن عمر وأخبر أنه من رأيه لا رواية وهو مروي أيضاً أي الشفع بركعة عن أبي سعيد الخدري وعروة بن الزبير ، وأسامة بن زيد وأبى ذلك الأكثرون وقالوا : إذا أوتر أول الليل ثم قام آخر الليل فصلى ركعة أخرى لتشفع وتره الأول بعد السلام والكلام والحدث والنوم لم تشفعه بعد ما ذُكر بل تكون وتراً آخراً ، فإذا أوتر من آخر صلاته كان قد صلى ثلاثة أوتار وخالفوا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا وتران في ليلة " وعن ابن عباس أنه لما بلغه فعل ابن عمر لم يعجبه وقال ابن عمر يوتر في ليلة ثلاثة أوتار . وهؤلاء يقولون إن أوتر ثم قام من آخر الليل صلى شفعاً حتى يصبح فإنه إذا صلى شفعاً إلى الوتر يكون قد قطع صلاته على الوتر وممن قال بهذا القول عبد الله بن عباس وعائشة وأبو هريرة ورافع بن خديج وأبو بكر الصديق وعمار بن ياسر وعائذ ابن عمرو ومن التابعين سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن قال محمد بن نصر وهذا مذهب الشافعي وأحمد وهو أحب إليّ وإن شفع وتره إتباعاً للأخبار التي رويناها رأيته جائزاً . وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن الشعبي أنه سئل عن نقص الوتر فقال إنما أمرنا بالإبرام ولم نؤمر بالنقص وروى عدم النقض عمن ذكروا سابقاً وعن سعد بن أبي وقاص وعلقمة والحسن وإبراهيم النخعي ومكحول وقال الترمذي وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وأحمد وابن المبارك وهذا أصح لأنه روى من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بعد الوتر ركعتين . قلت : الصلاة بعد الوتر قد أخرجها مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي في حديث سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها وأخرجه أبو داود من طريق علقمة بن وقاص عن عائشة وأخرج الترمذي وأحمد وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين زاد ابن ماجة وهو جالس من طريق الحسن عن أمه عن أم سلمة وحكى الساعاتي تصحيحه عن الدارقطني وأخرج أحمد أيضاً عن أبي أمامة رضي الله عنه الركعتين بعد الوتر وهو جالس وقال فقرأ بـ { إذا زلزلت } و { قل يا أيها الكافرون } وإذ قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد الوتر ركعتين فالجمع بين هذه الأحاديث وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " أن هذه الأحاديث التي أثبتت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد الوتر ركعتين صرفت الأمر في قوله اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً من الإيجاب إلى الندبية إذ أن فعله كان بياناً للجواز . هذا هو رأي الجمهور قال النووي الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما صلى الله عليه وسلم بعد الوتر جالساً لبيان الجواز ولم يواظب على ذلك وأبى ذلك الشوكاني في النيل فقال أما الأحاديث التي فيها الأمر للأمة بجعل آخر صلاة الليل وترا فلا معارضة بينها وبين فعله صلى الله عليه وسلم للركعتين بعد الوتر لما تقرر في الأصول أن فعله لا يعارض القول الخاص بالأمة بلا معنى للاستنكار .اهـ. وأقول : الحق أن الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم التشريع إلا ما دل الدليل على خصوصيته به ولا دليل على الخصوصية هنا فلم يبق سوى التشريع وبذلك يترجح قول من قال أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها لبيان الجواز وخلاصة هذا البحث أن حديث "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" محمول على الاستحباب وأن الأفضل في الوتر أن يكون آخر صلاة الليل شفعاً ، وأن من أوتر أول الليل وقام في آخره تشرع له الصلاة شفعً ، وأن نقص الوتر لا يمكن ولا يشرع بل هو اجتهاد من غير معصوم خالف النص . والله أعلم )ا.هـ. كلامه رحمه الله تعالى ، وهو تحقيق طيب ، لا مزيد عليه ، والخلاصة منه أن الأمر في قوله " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " ليس على الوجوب ، لأنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس ، والجمع بين الأدلة واجب ما أمكن ، فنحمل الأمر في الحديث على الندب والصارف له هو فعله صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .
الثالث والخمسون : في قول الله تعالى  وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ  قال الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله تعالى في تفسيره الطيب التحرير والتنوير ( واختلف العلماء في مدلول قوله {وشاورهم} هل هو للوجوب أو للندب، وهل هو خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ، أو عام له ولولاة أمور الأمة كلهم. فذهب المالكية إلى الوجوب والعموم، قال ابن خوير منداد: واجب على الولاة المشاورة، فيشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدين، ويشاورون وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ويشاورون وجوه الناس فيما يتعلق بمصالحهم ويشاورون وجوه الكتاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. وأشار ابن العربي إلى وجوبها بأنها سبب للصواب فقال: والشورى مسبار العقل وسبب الصواب. يشير إلى أننا مأمورون بتحري الصواب في مصالح الأمة، وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب. وقال ابن عطية: الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. وهذا ما لا اختلاف فيه. واعترض عليه ابن عرفة قوله: فعزله واجب، ولم يعترض كونها واجبة، إلا أن ابن عطية ذكر تلك جازما به وابن عرفة اعترضه بالقياس على قول علماء الكلام بعدم عزل الأمير إذا ظهر فسقه، يعني ولا يزيد ترك الشورى على كونه ترك واجب فهو فسق. وقلت: من حفظ حجة على من لم يحفظ، وإن القياس فيه فارق معتبر فإن الفسق مضرته قاصرة على النفس وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات، ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب والأصل عندهم عدم الخصوصية في التشريع إلا لدليل. وعن الشافعي أن هذا للاستحباب، ولتقتدي به الأمة، وهو عام للرسول وغيره، تطييبا لنفوس أصحابه ورفعا لأقدارهم، وروي مثله عن قتادة، والربيع، وابن إسحاق. ورد هذا أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصاص بقوله: لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا جهدهم في استنباط الصواب عما سئلوا عنه، ثم لم يكن معمولا به، لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم، بل فيه إيحاشهم فالمشاورة لم تفقد شيئا فهذا تأويل ساقط. وقال النووي، في صدر كتاب الصلاة من شرح مسلم: الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار. وقال الفخر: ظاهر الأمر أنه للوجوب. ولم ينسب العلماء للحنفية قولا في هذا الأمر إلا أن الجصاص قال في كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى  وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ  هذا يدل على جلالة موقع المشورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصلاة ويدل على أننا مأمورون بها. ومجموع كلامي الجصاص يدل أن مذهب أبي حنيفة وجوبها. ومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنبي صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسفيان، وإنما أمر بها ليقتدي به غيره وتشيع في أمته وذلك فيما لا وحي فيه. وقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لبدر، وفي الخروج إلى أحد، وفي شأن الأسرى يوم بدرا، واستشار عموم الجيش في رد سبي هوازن. والظاهر أنها لا تكون في الأحكام الشرعية لأن الأحكام إن كانت بوحي فظاهر، وإن كانت اجتهادية، بناء على جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم في الأمور الشرعية، فالاجتهاد إنما يستند للأدلة لا للآراء وإذا كان المجتهد من أمته لا يستشير في اجتهاده، فكيف تجب الاستشارة على النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطأ عليه فإنه لا يقر على خطأ باتفاق العلماء. ولم يزل من سنة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في مصالح المسلمين، قال البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم، وكان القراء أصحاب مشورة عمر: كهولا أو شبانا، وكان وقافا عند كتاب الله. وأخرج الخطيب عن علي قال: قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بعدك لم ينزل فيه القرآن ولم يسمع منك فيه شيء قال: "اجمعوا له العابد من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد". واستشار أبو بكر في قتال أهل الردة، وتشاور الصحابة في أمر الخليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بعده في ستة عينهم، وجعل مراقبة الشورى لخمسين من الأنصار، وكان عمر يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور، ويتمثل لهم في كتبه بقول الشاعر لم أقف على أسمه:
خليلي ليس الرأي في صدر واحد أشيرا علي بالذي تريان
هذا والشورى مما جبل الله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطرة على محبة الصلاح وتطلب النجاح في المساعي )ا.هـ. كلامه ، والقول الصحيح إن شاء الله تعالى هو القول بالوجوب لأنه أمر ، والمتقرر أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، ولأنها من باب تحقيق المصالح العامة للمسلمين ، ولأنها أبعد عن الهوى وتحكيم الرأي ، وأما دعوى أن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فليس بشيء ، لأن المتقرر أن كل حكم في حقه صلى الله عليه وسلم ، فإنه يثبت في حق الأمة تبعا إلا بدليل الاختصاص ، فالحق في هذه المسألة أن مبدأ الشورى من جملة الواجبات على ولي الأمر ، وهي عامة في الولاة وأصحاب الأمر من الحكام ، والله أعلم .
الرابع والخمسون : القول الصحيح أن الولي على مال اليتيم إن كان فقيرا فله أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف ، أي له أجرة مثله بلا وكس ولا شطط ، وإن كان غنيا لا يحتاج فالأصل وجوب الاستعفاف عن مال اليتيم فيعمل في مال اليتيم بالمجان ، لأن الله تعالى يقول  وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ  والأمر هنا للوجوب ، ولا صارف له عن بابه ، والقول الصحيح أن دفع الولي المال لليتيم عند إيناس الرشد منه واختباره والتأكد من رشده أمر واجب ، فلا تجوز المماطلة ولا المماحلة ، ولا يجوز التأخير الذي لا داعي له ، وليحذر كل الحذر من ذلك فإن الله تعالى يقول  إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا  والله تعالى يقول  فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ  والأمر هنا يفيد الوجوب ولا شك ولا نعلم فيه خلافا ، والقول الصحيح أنه لا بد من الإشهاد بعد دفع المال كاملا موفرا، خروجا من هوة الخلاف والدعاوى التي لا يجنى منها إلا التفرق وتصرم الأواصر ، ولأن الله تعالى يأمرنا بذلك في قوله تعالى  َإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا  والأمر بالإشهاد هنا أمر وجوب وحتم ، قطعا لمادة الفساد ، وحفظا لمال اليتيم ، وتبرئة لذمة الولي، ولا نعلم للأمر هنا صارفا يصرفه عن بابه إلا الندب ، فبان لك إن شاء الله تعالى أن الأوامر الثلاثة الواردة في هذه الآية كلها على الوجوب والحتم ، فلا يجوز الإخلال بها ، لأن المتقرر في القواعد أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، والله أعلم .
الخامس والخمسون : القول الصحيح أن القراءة في الصلاة من الواجبات ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " وهذا أمر والأمر يفيد الوجوب ، ولكنه أمر مطلق ، وقد قيدت القراءة الواجبة في الصلاة بالفاتحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وحديث " كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج - ثلاثا - غير تمام ... الحديث " والقول الصحيح أن من لم يستطع أن يأخذ شيئا من القرآن فالواجب عليه أن يقول في موضع قراءة الفاتحة ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها في قوله " فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله تعالى وكبره وهلله " وقد تقرر في القواعد أنه إن تعذر الأصل فإنه يصار إلى البدل ، والله أعلم .
السادس والخمسون : القول الصحيح أن الداخل للمجلس إن كان المجلس ضيقا وقال :- تفسحوا ، فالواجب على من في المجلس فعل ذلك ، لأن الله تعالى يقول  إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ  وهذا أمر ، والأمر يفيد الوجوب ، ولا نعلم صارفا يصرفه عن بابه إلى الندب ، والقول الصحيح أن صاحب المكان إن قال لمن في بيته :- انشزوا أي قوموا وانهضوا ، وهو كناية عن القيام من المجلس ، فالواجب على من في المجلس فعل هذا لأن صاحب البيت له الحق في هذا ، ولأن الله تعالى يقول  وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا  وهذا أمر ، والمتقرر أن الأمر يفيد الوجوب ، ولا نعلم له صارفا يصرفه عن بابه ، ومن كان عنده شيء من الصوارف المقبولة في هذين الأمرين فليتفضل بها ، ولا يقول لنا :- إنه أمر ورد في باب الآداب فيكون على الندب . لأننا سنقول :- لقد قدمنا لك الجواب عن هذا الكلام في أول الرسالة ، والله أعلم .
السابع والخمسون : لقد أمر الله تعالى بالأكل من الهدي في قوله تعالى  فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ  فهل الأمر هنا يفيد الوجوب أو الندب فقط ؟ أجاب عن ذلك الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان بقوله ( قال مقيده عفا الله عنه :- أقوى القولين دليلاً: وجوب الأكل والإطعام من الهدايا والضحايا، لأن الله تعالى قال {فَكُلُوا مِنْهَا} في موضعين. وقد قدمنا أن الشرع واللغة دلا على أن صيغة افعل: تدل على الوجوب إلا لدليل صارف عن الوجوب وذكرنا الآيات الدالة على ذلك كقوله  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  وأوضحنا جميع أدلة ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، منها آية الحج التي ذكرنا عندها مسائل الحج. ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده " أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مائة من الإبل فأمر بقطعة لحم من كل واحدة، منها فأكل منها وشرب من مرقها " وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة، من تلك الإبل الكثيرة إلا وقد أكل منها أو شرب من مرقها، وهذا يدل على أن الأمر في قوله {فَكُلُوا مِنْهَا} ليس لمجرد الاستحباب والتخيير، إذ لو كان كذلك لاكتفي بالأكل من بعضها، وشرب مرقه دون بعض، وكذلك الإطعام فالأظهر فيه الوجوب. والحاصل: أن المشهور عند الأصوليين: أن صيغة افعل: تدل على الوجوب إلا لصارف عنه، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين، ولم يقم دليل يجب الرجوع إليه صارف عن الوجوب وكذلك الإطعام، هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية، وقد دلت عليها أدلة الوحي، كما قدمنا إيضاحه. وقال أبو حيان في البحر المحيط: والظاهر وجوب الأكل والإطعام وقيل باستحبابهما. وقيل: باستحباب الأكل، ووجوب الإطعام والأظهر أنه: لا تحديد للقدر الذي يأكله والقدر الذي يتصدق به، فيأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، وقد قال بعض أهل العلم: يتصدق بالنصف، ويأكل النصف، واستدل لذلك بقوله تعالى:  فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ  قال: فجزأها نصفين نصف له، ونصف للفقراء، وقال بعضهم: يجعلها ثلاثة أجزاء، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث، واستدل بقوله تعالى:  فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ  فجزأها ثلاثة أجزاء، ثلث له، وثلث للقانع، وثلث للمعتر. هكذا قالوا وأظهرها الأول، والعلم عند الله تعالى ) قلت :- وحسبك به ولا مزيد عليه والله أعلم .
الثامن والخمسون : قلت في كتابي الإفادة الشرعية في بعض الأحكام الطبية في مبحث ذكر التدابير المقررة في الشريعة والتي يتم بها حفظ الصحة وتتحقق بها السلامة ( فمن ذلك:- الإرشاد لتغطية الإناء وإيكاء السقاء وذلك لحفظ الطعام من التلوث الذي قد يضر بصحة الإنسان فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال:- أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن من النقيع ليس مخمراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألا خمرته؟ ولو تعرض عليه عوداً )) قال أبو حميد:- إنما أمر بالأسقية أن توكأ ليلاً والأبواب أن تغلق ليلاً. رواه مسلم وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( غطوا الإناء وأوكوا السقاء وأغلقوا الأبواب وأطفئوا السراج فإن الشيطان لا يحل سقاءً ولا يفتح باباً ولا يكشف إناءً فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداًَ ويذكر اسم الله فليفعل )) متفق عليه, وفي رواية (( فأكفئوا الإناء أو خمروا الإناء )) وفي لفظٍ (( وخمروا الطعام والشراب )) وفي طرقٍ أخرى (( وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئاً )) وفي رواية ((غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناءٍ ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء )) وقوله في هذه الأحاديث (( غطوا )) وقوله (( أوكوا )) ونحوها لا يخفى عليك أنها صيغة أمر وقد تقرر في الأصول أن الأمر للوجوب إلا لصارف أو قرينة ولا أعلم هناك ما يوجب الانصراف عن الوجوب إلى الاستحباب, نعم ذهب أكثر أهل العلم إلى الاستحباب لكن أنت خبير بأن مذهب الأكثر ليس من جملة الصوارف, وبناءً عليه فالصحيح في حكم التغطية والإيكاء أنه للوجوب ومن قال بالاستحباب فليذكر الصارف والله المستعان ) .
التاسع والخمسون : قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن المسائل في قوله تعالى وتقدس اسمه  فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  وذكر المسألة الأولى والثانية ، ثم قال في المسألة الثالثة ( المسألة الثالثة : الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، ووجه الاستدلال به أن نقول : تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك ، إنما قلنا إن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف ، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى  فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب ، والأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب ، فثبت أن مخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب ) وهو كما قال رحمه الله تعالى ، فإن الأمر في قوله "فليحذر" يفيد الوجوب ، بل ويفيد أن الأمر يفيد الوجوب ، والله أعلم .
الفرع الموفي للستين : لقد استدل الفقهاء رحمهم الله تعالى على وجوب إزالة الخارج بالحجر أو بالماء بالأمر في قوله صلى الله عليه وسلم " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه " وفي رواية " فليستطب " لأن هذا أمر والأمر يفيد الوجوب ، وبقوله صلى الله عليه وسلم " إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا " رواه أحمد من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما ، والأمر هنا يفيد الوجوب ، وبنحو هذه الأدلة الآمرة بإزالة الخارج بالحجر أو بالماء ، وهو استدلال صحيح ، لأن المتقرر في القواعد أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، والله أعلم .
الحادي والستون : أقول :- اعلم رحمك الله تعالى إنك إن أردت إزالة الخارج بالحجر فعليك واجبان لا بد منهما جميعا ، وأيهما حصل قبل صاحبه فالواجب تحصيل الآخر :- الإنقاء واستيفاء ثلاث مسحات ، وبرهان ذلك حديث سلمان الفارسي السابق ، وفيه " وأن نستنجي بثلاثة أحجار " وهذا أمر وهو للوجوب ، وعن جابر مرفوعا " إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا " رواه أحمد ،وفي حديث عائشة " فليستطب بثلاثة أحجار " وفي الحديث " فليذهب معه بثلاثة أحجار " وفي حديث ابن مسعود " فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار " وفي حديث خزيمة بن ثابت " بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع " وكل هذه الأحاديث خرجت مخرج الأمر وهو للوجوب إلا لصارف، فإن قلت :- فبأي شيء استدل الحنفية على قولهم بالاكتفاء بالحجرين ؟ فأقول :- من أوضح أدلتهم على ذلك أن ابن مسعود لما لم يجد إلا الحجرين قال :- فأتيته بروثة ، فأخذهما وألقى الروثة وقال " هذا رجس " أو " ركس" وهو عند البخاري ، فقالوا :- فاكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بالحجرين ، وأقول :- هذا ليس بصحيح ، لأن الإمام أحمد روى هذا الحديث بزيادة " ائتني بحجر " أي ثالث ، وهي زيادة من الثقة ، وقد تقرر في القواعد أن الزيادة من الثقة مقبولة ، فالحق في هذه المسألة أنه لا بد من ثلاث مسحات ، ولا يجوز النقص عنها وأما الإنقاء ، فلحديث " فليستطب " ونحوه ، ولأن الأحجار إنما شرعت لإزالة أثر الخارج، وقد ذكر أهل العلم من أصحابنا أن الإنقاء في الحجر هو :- أن يبقى أثر لا يزله إلا الماء ، أي أن يذهب الخارج عينا وجرما ، وأما الريح فإن الحجر لا يقطعها ، فبقاء الريح بعد الإنقاء واستيفاء الثلاث معفو عنه شرعا ، والله أعلم .
الثاني والستون : القول الصحيح والرأي الراجح المليح هو أنه يشترط لمن أراد الحج عن غيره أنه لا بد أولا أن يكون قد حج عن نفسه ، فلا يجوز له تقديم غيره على نفسه في النسك ، بل لا بد وأن تبرأ ذمته أولا منه ثم إن شاء حج عن غيره ، وهذا أمر واجب ، بل حتى لو أحرم عن غيره من لم يحج عن نفسه فإن النسك ينقلب له ، والدليل على الوجوب حديث ابن عباس والمعروف بحديث شبرمة ، وأن رجلا قال :- لبيك عن شبرمة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " من شبرمة ؟" فقال :- أخ لي ، أو قريب لي ، فقال " أحججت عن نفسك ؟" قال :- لا ، فقال "حج عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة" فقوله " حج عن نفسك " أمر ، والأمر يفيد الوجوب فيجب على المكلف أن يقدم الحج عن نفسه على الحج عن غيره ، وأما الأمر في قوله " ثم حج عن شبرمة " فإنه لا يفيد الوجوب ، لإجماع أهل العلم رحمهم الله تعالى أنه لا يجب على أحد أن يحج عن أحد بالأصالة ، والله أعلم.
الثالث والستون : اعلم رحمك الله تعالى أن من واجبات الشريعة أن يستنزه العبد من البول، وأن يتحفظ من رشاشه ، وأن يستجمر منه قبل رفع سراويله ، والدليل على الوجوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه " رواه الدارقطني ، وهذا أمر والمتقرر أن الأمر يفيد الوجوب ، مع أن العقوبة البليغة قد ثبتت شرعا لمن يهمل في ذلك ، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في حديث صاحبي القبرين وأنهما يعذبان ... والحديث معروف ، والله أعلم.
الرابع والستون : اعلم رحمك الله تعالى أن الآنية التي تحققنا عن يقين أو عن غلبة ظن أنها نجسة فإنه لا يجوز لنا استعمالها إلا بعد غسلها لتزول عين النجاسة عنها ، فغسل الآنية النجسة عن يقين أو عن غلبة ظن من الأمور الواجبة التي لا خيار للعبد فيها ، وهذا الوجوب استفدناه من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال :- قلت :- يا رسول الله ، إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ فقال " لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيه " متفق عليه ولأحمد وأبي داود :- إنا بأرض أهل الكتاب ، وإنهم يأكلون في آنيتهم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بقدورهم وآنيتهم ؟ فقال " إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا " والرحض الغسل ، وللترمذي :- سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس فقال " أنقوها غسلا واطبخوا فيها " فالأوامر هنا تفيد الوجوب ، لأن المتقرر أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، وهو محمول على الآنية النجسة ، والله أعلم .
الخامس والستون : قال النبي صلى الله عليه وسلم " توضؤا مما مست النار " فهذا أمر ، فهل هو للوجوب أو لا ؟ أقول :- نعم هو للوجوب لو لم تأت القرينة الصارفة له من الوجوب إلى الندب ، وهي أنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحما طبخ على النار ولم يتوضأ ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم احتز من كتف شاة فأكل منها ، فدعي إلى الصلاة ، فقام وطرح السكين ، وصلى ولم يتوضأ ... والأحاديث في هذا كثيرة ، وهذه الأحاديث على القول الصحيح إنما نسخت الوجوب فقط ، والمتقرر أنه إن نسخ الوجوب بقي الاستحباب ، واختاره أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فنجعل الأحاديث الآمرة بالوضوء مما مست النار تفيد الاستحباب والندب ، والصارف للأمر فيها هي الأحاديث الواردة في أنه صلى بعد أكل اللحم المطبوخ على النار ولم يتوضأ ، والله أعلم .
السادس والستون : قلت في كتابي أحكام المسلم الجديد ( هل يجب على المسلم الجديد أن يغتسل بعد إسلامه ؟ والجواب أقول :- فيه خلاف ، والأصح والله أعلم أنه يجب عليه أن يغتسل والدليل على ذلك أن ثمامة بن أثال عندما أسلم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل ورواية الاغتسال وإن لم تكن في الصحيحين إلا أنها صحت في غيرهما ، وكذلك عندما أسلم قيس بن عاصم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل ، وكذلك لما أسلم أسيد بن حضير وسعد بن معاذ قالا بعد إسلامهما :- كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر ؟ فقال لهما مصعب وأسعد بن زرارة :- نغتسل ونشهد شهادة الحق ، وهذا يدل على ظهور الأمر وانتشاره ، وقد تقرر أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم على الواحد حكم على جميع الأمة إلا بدليل الاختصاص، وتقرر أن الحديث إذا صح ولم ينسخ وجب العمل به ، لأنه حجة في ذاته ، ولو كان في مسألة تعم بها البلوى ، لأن الحق هو أن حديث الآحاد حجة فيما تعم به البلوى ، ولأن الكافر في الغالب لا يخلو من جنابة وغسله منها حال كفره لا يصح ، فوجب عليه الغسل بعد الإسلام . والله أعلم )
السابع والستون : في قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " فقوله " أبردوا " أمر ، فهل هو للوجوب ؟ أقول :- نعم هو للوجوب لو لم يرد له الصارف ، والصارف هو إجماع أهل العلم رحمهم الله تعالى على صحة الصلاة المفروضة في أي جزء من أجزاء وقتها المختار ، فمتى ما أوقع المكلف الصلاة في أي جزء من أجزاء وقتها فقد برئت ذمته ، وهذا الإجماع يدل على أن الأمر بالإبراد بالظهر في شدة الحر لا يراد به الوجوب والتحتم ، بل يراد به الندب والاستحباب ، والله أعلم .
الثامن والستون : قال الله تعالى  وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى  فهذا أمر ، والأمر يفيد الوجوب ، ولكن هذا الأمر ورد له ما يصرفه من الوجوب إلى الندب ، وهو إجماع أهل العلم رحمهم الله تعالى على صحة ركعتي الطواف في أي جهة من جهات الكعبة ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على هذه الآية من صحيح البخاري رحمه الله تعالى ( والأمر دال على الوجوب لكن انعقد الإجماع على جواز الصلاة إلى جميع جهات الكعبة فدل على عدم التخصيص وهذا بناء على أن المراد بمقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه وهو موجود إلى الآن وقال مجاهد المراد بمقام إبراهيم الحرم كله والأول أصح وقد ثبت دليله عند مسلم من حديث جابر وسيأتي عند المصنف أيضا قوله مصلى أي قبلة قاله الحسن البصري وغيره وبه يتم الاستدلال وقال مجاهد أي مدعى يدعي عنده ولا يصح حمله على مكان الصلاة لأنه لا يصلي فيه بل عنده ويترجح قول الحسن بأنه جار على المعنى الشرعي واستدل المصنف على عدم التخصيص أيضا بصلاته صلى الله عليه و سلم داخل الكعبة فلو تعين استقبال المقام لما صحت هناك لأنه كان حينئذ غير مستقبله وهذا هو السر في إيراد حديث بن عمر عن بلال في هذا الباب وقد روى الأزرقي في أخبار مكة بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن حتى جاء سيل في خلافه عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة فأتى به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه وبنى حوله فاستقر ثم إلى الآن ) .
التاسع والستون : قال الشنقيطي رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن فروع في أحكام التلبية ( اعلم أنه ينبغي للرجال رفع أصواتهم بالتلبية، لما رواه مالك في الموطأ، والشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم. من حديث خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه السائب بن خلاد بن سويد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية " ولفظ مالك في موطئه " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي، أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال " يريد أحدهما. وقال الترمذي في هذا الحديث: حديث حسن صحيح، وجمهور أهل العلم على أن هذا الأمر المذكور في الحديث للاستحباب، وذهب الظاهرية إلى أنه للوجوب، والقاعدة المقررة في الأصول مع الظاهرية، وهي أن الأمر يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وأما النساء فلا ينبغي لهن رفع الصوت بالتلبية كما عليه جماهير أهل العلم.قال مالك في موطئه: إنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوتِ بالتلبية، لِتُسمِع المرأة نفْسَها، وعلل بعض أهل العلم خفض المرأة صوتها بالتلبية بخوف الافتتان بصوتها.وقال الرافعي في شرحه الكبير المسمى فتح العزيز في شرح الوجيز: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، ولا يرفع حيث يجهد ويقطع صوته، والنساء يقتصرن على إسماع أنفسهن، ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة.قال القاضي الروياني: ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم، لأن صوتها ليس بعورة خلافاً لبعض أصحابنا اهـ. وذكر نحوه النووي عن الروياني ثم قال: وكذا قال غيره: لا يحرم لكن يكره صرح به الدارمي، والقاضي أبو الطيب والبندنيجي، ويخفض الخنثى صوته كالمرأة ذكره صاحب البيان وهو ظاهر.قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما المرأة الشابة الرخيمة الصوت، فلا شك أن صوتها من مفاتن النساء ولا يجوز لها رفعه بحال، ومن المعلوم أن الصوت الرخيم من محاسن النساء ومفاتنها، ولأجل ذلك يكثر ذكره في التشبيب بالنساء)ا.هـ. كلامه رحمه الله تعالى .
الفرع الموفي للسبعين : وقال رحمه الله تعالى في الأضواء ( والأمر في قوله في هذه الآية  وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً  الظاهر أنه للوجوب وهو كذلك، فالتوبة واجبة على كل مكلف، من كل ذنب اقترفه، وتأخيرها لا يجوز فتجب منه التوبة أيضا ) وهو الحق ولا شك .
الحادي والسبعون : اعلم رحمك الله تعالى أن الأمر في قوله تعالى في آية الصيام  وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ  فقوله " فكلوا " وقوله "واشربوا" هذه أوامر ، ولكنها هنا لا تفيد إلا الإباحة ، لأنها أمر من بعد نهي ، فإن الصائم كان ممنوعا من الأكل والشرب في النهار ، ثم أمر به بعد ذلك في الليل ، فهذا أمر بعد حظر والمتقرر في الأصول أن الأمر بعد الحظر يفيد ما كان يفيده قبل الحظر ، وقد كان حكم الأكل والشرب قبل الحظر مباحا ، فهو الآن مباح ،والله أعلم.
الثاني والسبعون : من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بتسوية الصفوف ، فقال عليه الصلاة والسلام " سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " وعن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل علينا وجهه قبل أن يكبر فيقول " تراصوا واعتدلوا " وعن النعمان بن بشير قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يسوي صفوفنا كأنما يسوي به القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوما فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف فقال ": عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " رواه الجماعة إلا البخاري فإن له منه " لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " ولأحمد وأبي داود في رواية قال : فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه وركبته بركبته ومنكبه بمنكبه . فهذه الأحاديث تفيد أن تسوية الصفوف من الواجبات التي لا بد منها في الصلاة ، وذلك لأمور منها:- أن قوله "سووا " وقوله " تراصوا" وقوله " اعتدلوا" كل هذه أوامر ، والمتقرر أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، ولا نعلم صارف له عن بابه ، بل تأيد الوجوب بما سيأتي إن شاء الله تعالى ، ومنها :- أنه علق تمام الصلاة بتسوية الصفوف ، فقال " فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " أي من تمامها الواجب الذي لا بد منه ، ومن المعلوم أن إتمام الصلاة من الواجبات ولا يتم هذا الواجب إلا بتسوية الصفوف ، فيكون تسوية الصفوف من الواجبات ، لأن المتقرر عند أهل العلم رحمهم الله تعالى أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ومنها :- أنه توعد على عدم التسوية بالوعيد الذي ذكره الدليل السابق ، ومن المعلوم المتقرر أن علامات الواجب العقوبة على الترك ، فلما توعد على ترك التسوية فهمنا من هذا الوعيد أنه من الواجبات ، والله أعلم .
الثالث والسبعون : أقول :- قال بعض العلماء ( إنه ينبغي للمسلم أن يكون مستعداً لصلاته معتنياً بوقتها بحيث يوفق بينه وبين وقت الطعام، فلا يشتغل بالطعام في الوقت الذي يعلم أن الصلاة تقام فيه، لكن لو حضر الطعام وأقيمت الصلاة استحب له تقديم الطعام لا سيما إذا كانت نفسه تتوق إليه، أو كان الطعام يفسده التأخير، ثم يصلي بعد انتهائه منه، هذا إذا حضرت الصلاة قبل أن يبدأ بالطعام، فما بالك بمن أقيمت الصلاة عليه وهو يتعشى، ففي الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء. متفق عليه، وفي لفظ البخاري : إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه. وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام. وللبخاري أيضاً: إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة. قال ابن حجر في فتح الباري: قوله: فابدؤوا بالعشاء حمل الجمهور هذا الأمر على الندب، ثم اختلفوا فمنهم من قيده بمن كان محتاجاً إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية وزاد الغزالي: ما إذا خشي فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وعليه يدل فعل ابن عمر . انتهى. وقال ابن قدامة في المغني: إذا حضر العشاء في وقت الصلاة فالمستحب أن يبدأ بالعشاء قبل الصلاة، ليكون أفرغ لقلبه وأحضر لباله، ولا يستحب أن يعجل عن عشائه أو غدائه، فإن أنساً روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم " انتهى. ومن هذا يعلم أن الصواب كان مع من أكملوا عشاءهم ثم صلوا بعد ذلك قبل أن يفوت الوقت، والدليل على ذلك هو ما ذكرنا، وأن التأخير عن حضور الصلاة هنا مشروع بسبب الاشتغال بالطعام في حق الفرد فكيف بالجماعة، ثم إن ما استدل به من قطع العشاء وذهب إلى الصلاة ليس حديثاً، ولكنه من كلام وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى كما في حلية الأولياء ففيها: وقال وكيع: من تهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك منه. انتهى والله ربنا أعلى وأعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
الرابع والسبعون : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " وقال ابن شهاب : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول آمين . رواه الجماعة إلا أن الترمذي لم يذكر قول ابن شهاب . وفي رواية " إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه أحمد والنسائي ، فهل الأمر بالتأمين يفيد الوجوب أو لا ؟ قال الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار في بيان فوائد هذه الأحاديث ( والحديث يدل على مشروعية التأمين قال الحافظ : وهذا الأمر عند الجمهور للندب . وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملا بظاهر الأمر . وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي . والظاهر من الحديث الوجوب على المأموم فقط لكن لا مطلقا بل مقيدا بأن يؤمن الإمام وأما الإمام والمنفرد فمندوب فقط وحكى المهدي في البحر عن العترة جميعا أن التأمين بدعة وقد عرفت ثبوته عن علي عليه السلام من فعله وروايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتب أهل البيت وغيرهم على أنه قد حكى السيد العلامة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير عن الإمام مهدي محمد بن المطهر وهو أحد أئمتهم المشاهير أنه قال في كتابه الرياض الندية : إن رواة التأمين جم غفير قال : وهو مذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى انتهى ، وقد استدل صاحب البحر على أن التأمين بدعة بحديث معاوية بن الحكم السلمي إن هذه صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ولا يشك أن أحاديث التأمين خاصة وهذا عام وإن كانت أحاديثه الواردة عن جمع من الصحابة لا يقوى بعضها على تخصيص حديث واحد من الصحابة مع أنها مندرجة تحت العمومات القاضية بمشروعية مطلق الدعاء في الصلاة لأن التأمين دعاء فليس في الصلاة تشهد وقد أثبتته العترة فما هو جوابهم في إثباته فهو الجواب في إثبات ذلك على أن المراد بكلام الناس في الحديث هو تكليمهم لأنه اسم مصدر كلم لا تكلم ، ويدل على أن ذلك السبب المذكور في الحديث . وأما القدح في مشروعية التأمين بأنه من طريق وائل بن حجر فهو ثابت من طريق غيره في كتب أهل البيت وغيرها فإنه مروي من جهة ذلك العدد الكثير) وأنا أجد نفسي إلى ما قاله الشيخ الشوكاني ، والله أعلم .
الخامس والسبعون : عن ابن عباس قال " أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعرا ولا ثوبا الجبهة واليدين والركبتين والرجلين " أخرجاه وفي لفظ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين والقدمين " متفق عليه . وفي رواية " أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين " رواه مسلم والنسائي والحديث يدل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة ، لأن لفظة ( أمرت ) صريحة في إرادة الوجوب ، ولا صارف يصرف هذا الأمر عن بابه إلى الندب ، فيجب السجود على الجبهة على الصحيح خلافا للحنفية ، فإنهم لا يقولون به ، ويجب السجود على الأنف على الصحيح خلافا للجمهور ، ويجب السجود على بقية الأعضاء ، لأن المتقرر لأن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، قال الشوكاني رحمه الله تعالى في النيل ( والحديث يدل على وجوب السجود على السبعة الأعضاء جميعا ) والله أعلم
السادس والسبعون : القاعدة المتقررة عند أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى أنه لا يجوز الحلف بالمخلوقات ، بل لا يجوز الحلف إلا باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته ، وبناء عليه :- فالقول الصحيح أن من حلف بغير الله تعالى فإنه لا كفارة فيه عند أهل السنة ، بل كفارتها أن يقول ( لا إله إلا الله ) وذلك لأنه جرح توحيده ، فإما أن يكون حلفه بتعظيم كتعظيم الله تعالى فمن فعل هذا فقد كفر وأشرك وخلع ربقة الإسلام من عنقه بالكلية ، فتكون كلمة التوحيد مجددة له الإسلام ، وأما إن كان هذا الحلف مما جرى على لسانه ولا يقصد به التعظيم ، فإنه من الشرك الأصغر ، فيكون قول كلمة التوحيد بعده من جوابر الكسر الذي حصل ، والسؤال هنا :- هل قول ( لا إله إلا الله ) بعد الحلف بغير الله تعالى من الواجبات المتحتمات أو من المندوبات المستحبات ؟ أقول :- الحق الحقيق بالقبول هو أنها من الواجبات المتحتمات ، وأنه إن لم يقلها فهو آثم لأنه قد أخل بالواجب ، وبرهان هذا الإيجاب الأمر بها في قوله صلى الله عليه وسلم " من حَلَفَ فقال في حلفه : واللات فليَقُلْ : لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه : تعال أُقامِرْك فليَتَصَدَّق " فهذان أمران واجبان , الأول :- أن من حلف بغير الله تعالى فإنه لا كفارة ليمينه هذه إلا بأن يقول ( لا إله إلا الله ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بها في هذا الحديث ، والمتقرر أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، الثاني :- أن من قال لصاحبه( تعال أقامرك ) أي ألعب معك لعبة القمار ، والعياذ بالله ، فإن الواجب عليه في هذه الحالة أن يتصدق بشيء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر به في الحديث ، والأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ، وقلنا ( يتصدق بشيء ) لأنه غير محدد في الحديث مقدار هذه الصدقة والمتقرر أن الأصل وجوب بقاء المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل ، ولكن عندي أنه لو تصدق بالمال الذي عزم المقامرة عليه لكان هو الأولى ، وبيان هذا أنه قد عزم أن يعصي الله تعالى بهذا المال ، فمعاملة للنفس الأمارة بالسوء بنقيض قصدها وحتى ينقلب الأمر على الشيطان لا بد وأن يبذل هذا المال في سبيل الله تعالى ، لأنه كان سيبذل في سبيل الشيطان والهوى والمعصية فتحولت الدفة بفضل الله تعالى ، إلى طريق الخير ، فكما أنه كان سينفق المال الكثير في المقامرة وهي معصية فلأن يبذل هذا المال كله في الطاعة من باب أولى وأحرى ، والأمر إلى الله تعالى من قبل ومن بعد ، ولكن كما ذكرت لك أنه لا تقدير في الصدقة ، وإنما الكلام السابق من باب الاستحسان فقط ، والله أعلم .
السابع والسبعون : عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ... وفي رواية قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم " لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ, فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا. بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ?" ... وقد اختلفت كلمة أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة ، فذهب قوم إلى الاستحباب ، أي أنه إن اشتريت تمرا وقبل قبضه نزل عليه أمر الله تعالى من السماء ففسد ، وكنت أنت قد دفعت ثمنه ، فهل يجب على البائع أن يرد عليك الثمن كله ، أو أن رد الثمن من باب الاستحباب ؟ فقال قوم بهذا ، وقال قوم بهذا ، والصحيح في هذه المسألة هو الوقوف على لفظ الأمر وما يفيده في الشريعة ، وهو أن قوله " أمر " يفيد الوجوب ، فوضع الجوائح من الأمور الواجبة ، ويؤيد الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى " بم تأخذ مال أخيك بغير حق " وهذا دليل على أن البائع لو لم يرد المال إلى المشتري ، لكان هذا من أكل المال بالباطل ، وأنت خبير بأن هذا من الأمور المحرمة لأن الله تعالى يقول  وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ  وأكل المال بالباطل له صور كثيرة ، ومنها:- تلك الصورة التي ذكرها الحديث ، وأي ذنب للمشتري أن يؤخذ ماله بغير حق ، بل اسمع إلى قوله " فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا " والمتقرر أن قوله " لا يحل " يرادف قوله (يحرم هذا) فإن قلت :- وما ذنب البائع أيضا ؟ فأقول :- هذا أمر الله وقضاؤه ، وقد نزل على ثمرته وهي لا تزال في ضمانه ، والله تعالى هو الحكم العدل الذي لا يظلم أحدا ، وقضاء الشرع كله حق وعدل وإن كنا لا نعرف حقيقة الحكمة فيه ، لأننا مؤمنون أن ربنا جل وعلا هو الحكيم في قضائه وقدره وحكمه ، والمهم أن لفظة " أمر " هنا تفيد الوجوب ، يعني أنه لا يحل للبائع شيء من مال المشتري ، بل يحب عليه أن يرده كله إن كان قد قبضه ، وإن لم يقبضه فلا حق له بالمطالبة به ، والله ربنا أعلى وأعلم .
الثامن والسبعون : القول الصحيح إن شاء الله تعالى هو أن الإشهاد على الرجعة من الأمور الواجبة ، فالرجعة لا تصح مع الكتمان بحال ، أفاده أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى ، وسدا لذريعة التلاعب بأمر الطلاق والرجعة، وبرهان هذا الإيجاب هو المر به في قوله تعالى  وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  والأمر هنا يفيد الوجوب ، ولا أعلم له صارفا عن الوجوب إلى الندب، والله أعلم .
التاسع والسبعون : في قول الله تعالى  فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  هذا الأمر في الآية يفيد الوجوب ، مع أنه أمر بعد منع ، ولكنه قد تقرر لنا سابقا أن الأمر بعد الحظر يفيد ما كان يفيده قبل الحظر ، وقتال المشركين قبل الأشهر الحرم كان من الواجبات ، فيكون حكمه بعد فك الحظر من الواجبات أيضا ، والله أعلم .
الفرع الموفي للثمانين : عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال " أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أطلق أحداهما " رواه الخمسة إلا النسائي . وفي لفظ الترمذي " اختر أيتهما شئت " وعن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال " أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يختار منهن أربعا " رواه أحمد وابن ماجه والترمذي ، وهذا هو حكم الله تعالى فيمن كان بهذه الحالة، والأمر في قوله " فأمرني " وقوله " فأمره " كله للوجوب ، أي يجب أن يتخير منهن أربعا إن كن أكثر أو واحدة من الأختين إن كان تحته أختان ، وهو شريعة في كل من كان تحته من لا يجوز الجمع بينهن من النساء ، فإن أبى أن يختار وأصر على بقائهن تحته فإن الحاكم يجبره على الاختيار بالحبس والتعزير ، وبما يراه مناسبا لحالته ، وأظن أن الفقهاء رحمهم الله تعالى قد نصوا على أن الحاكم لا حق له في أن يتولى الاختيار هو بنفسه ، لأن الأمر يرجه إلى شهوة الزوج ورغبته، قال الشوكاني رحمه الله تعالى في النيل ( وحديث الضحاك استدل به تحريم الجمع بين الأختين ولا أعرف في ذلك خلافا وهو نص القرآن قال الله تعالى وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ فإذا أسلم كافر وعنده أختان أجبر على تطليق إحداهما وفي ترك استفصاله عن المتقدمة منهما من المتأخرة دليل على أنه يحكم لعقود الكفار بالصحة وإن لم توافق الإسلام فإذا أسلموا أجرينا عليهم في الأنكحة أحكام المسلمين , وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي وأحمد وداود وذهبت العترة وأبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي والزهري وأحد قولي الشافعي إلى أنه لا يقر من أنكحة الكفار إلا ما وافق الإسلام فيقولون إذا أسلم الكافر وتحته أختان وجب عليه إرسال من تأخر عقدها وكذلك إذا كان تحته أكثر من خمس أمسك من تقدم العقد عليها منهن وأرسل من تأخر عقدها إذا كانت خامسة أو نحو ذلك وإذا وقع العقد على الأختين أو على أكثر من أربع مرة واحدة بطل وأمسك من شاء من الأختين وأرسل من شاء وأمسك أربعا من الزوجات يختارهن ويرسل الباقيات والظاهر ما قاله الأولون لتركه صلى الله عليه وآله وسلم للاستفصال في حديث الضحاك وحديث غيلان ولما في قوله " أختر أيتهما " وفي قوله " أختر أربعا " من الإطلاق ) والله أعلم .
الحادي والثمانون : ما الحكم لو أخر دفع مال أمر بدفعه ؟ قال في الإنصاف في الإجابة عن هذا السؤال ( لو أخر دفع مال أمر بدفعه بلا عذر ضمن كما تقدم نظيره في الوديعة وهذا الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب.وقيل: لا يضمن واختاره أبو المعالي بناء على اختصاص الوجوب بأمر الشرع.قلت: الأمر المجرد عن القرينة هل يقتضي الوجوب أم لا؟ فيه خمسة عشر قولا للعلماء. من جملتها: أن أمر الشارع للوجوب دون غيره كما اختاره أبو المعالي.والصحيح من المذهب: أنه للوجوب مطلقا ) قلت :- وهو الحق ، والله أعلم .
الثاني والثمانون : اعلم رحمك الله تعالى أن النكاح سنة، لمن له شهوة ولا يخاف على نفسه العنت أي الزنا، فهو سنة في مذهب جماهير العلماء، وقال الظاهرية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه كأبي بكر عبد العزيز وأبي حفص البرمكي وابن أبي موسى من أصحاب الإمام أحمد: أن النكاح لمن له شهوة وعنده قدرة مالية على ذلك فإنه واجب في حقه واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " والشاهد قوله ( فليتزوج ) والأمر للوجوب، وهذا القول هو الأظهر لموافقته لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ( فليتزوج ) والجمهور حملوا الأمر الوارد في الحديث على الاستحباب والأظهر أنه للوجوب.وأما إذا كان غير قادر على النكاح بماله فلا يجب عليه النكاح بل يستحب، لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة " والباءة هي مؤنة النكاح من مهر وغيره، فقد أوجب الزواج على من استطاع الباءة، فدل على أن الفقير لا يجب عليه، لكن يستحب له، وقد قال تعالى  إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ  هذا إن كان له شهوة، وأما من لا شهوة له كالعنين الذي لا يأتي النساء، أو الكبير الهرم فلا يجب النكاح ولا يستحب في حقهم، وذلك لزوال المعنى المقتضي للإيجاب والاستحباب فيكون مباحاً في حقه لكن من غير أن يترتب على هذا ضرر على المرأة، فإن طلبت الطلاق ، فإن فيه مصلحة له بقيام هذه المرأة بشأنه وهي أيضاً لها مصلحة بإنفاق هذا الزوج عليها، إذن من لا شهوة له وعنده قدرة مالية فإن النكاح يباح وقد يستحب حيث كان في ذلك مصلحة ظاهرة للمرأة كأن تكون المرأة محتاجة ، والمهم أن الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم " فليتزوج " يفيد الوجوب بالشرط المذكور قبلا ، والله أعلم .
الثالث والثمانون : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة " وتوضئي لكل صلاة " فقالوا: "توضئي" أمر, والأصل في الأمر أنه للوجوب، وبناءً على ذلك: يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، هذا القول الأول ، والمراد أي وقت كل صلاة ، فكلما دخل عليها وقت الصلاة فإنها مأمورة بالوضوء ، ثم تصلي ما شاءت في هذا الوقت من النوافل حتى يخرج هذا الوقت ، ثم تفعل في الوقت الثاني ما فعلته في الوقت الأول وهكذا ، فالأمر في قوله " وتوضئي " يفيد الوجوب ، لأنه لا صارف له ، بل في حديث أسماء بنت عميس في شأن المستحاضة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وتتوضأ فيما بين ذلك " وقد استفدنا من هذا الحديث حكما عاما في كل من حدثه دائم ، وقررنا في هذا قاعدة تقول ( من حدثه دائم فإنه يتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي ولا يضر خروج حدثه ) والله تعالى أعلم .
الرابع والثمانون : القول الصحيح والرأي الراجح المليح هو أن سجود السهو من واجبات الصلاة إن كان السهو حصل فيما يبطل عمده الصلاة ، يعني أنه إن وقع منك السهو في صورة من الصور فاسأل نفسك :- لقد فعلت هذه الصورة سهوا ، ولكن مال الحكم لو أنني فعلتها عمدا ، فإن كان الجواب :- بطلان الصلاة مع العمد فاعلم أن سجود السهو لهذه الصورة من الواجبات ، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها في غير ما حديث ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين فليجعلها واحدة وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها ثنتين وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين " وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان " رواه أحمد ومسلم وعن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: صلَّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( قال إبراهيم : لا أدري زاد أو نقص ) فلما سلم قيل له : يا رسول الله حدث في الصلاة شيء قال " لا وما ذاك " قالوا : صليت كذا وكذا فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل علينا بوجهه فقال " إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين " رواه الجماعة إلا الترمذي . وفي لفظ ابن ماجه ومسلم في رواية " فلينظر أقرب ذلك إلى الصواب " وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الشيطان يدخل بين ابن آدم وبين نفسه فلا يدري كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم " فهذه الأوامر كلها تفيد الوجوب ، لأن المتقرر أن الأمر المطلق يفيد الوجوب ، ولا أعلم قرينة تصرف الأمر عن بابه ، وقد فصلنا القول في أحوال سجود السهو في رسالة مستقلة ، والله أعلم .
الخامس والثمانون : قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي رحمه الله تعالى في شرحه على الزاد في مبحث صلاة الخوف ( صلاة الخوف على صفات، لكن سنذكر منها المشروع: الصفة الأولى: أن يقسم الإمام الجيش إلى طائفتين، فيكون الجيش صفين: الصف الأول يلي الإمام، والثاني من بعده، ويصلون وهم حاملون للسلاح، فتقام الصلاة وكل واحد معه سلاحه الذي لا يزعجه في صلاته، كالسلاح الذي يدفع به العدو ولا يمنعه من الركوع والسجود، ولا يمنعه من أداء أركان الصلوات: وقد اختلف العلماء في حكم حملة سلاحه، فقال بعضهم: يجب عليهم أن يأخذوا السلاح لظاهر قوله سبحانه وتعالى  وَخُذُوا حِذْرَكُمْ  فأمر سبحانه وتعالى بأخذ الحذر وقال تعالى  وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ  فكونه يأمر بأخذ السلاح يدل على الوجوب؛ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب، وهذا مذهب الظاهرية وطائفة، وهو أقوى القولين، أنهم يأخذون السلاح ) وهو كما قال رحمه الله تعالى .
السادس والثمانون : القول الصحيح عندي والله تعالى أعلم أن الأمر بالأخذ من الشارب أمر وجوب وتحتم ، وبرهان هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فقال " جزوا الشوارب " وقوله " أحفوا الشوارب " وغيرها ، وهذه الأوامر تفيد الوجوب ، ويؤيد هذا القول ما رواه أحمد والنسائي بسند صحيح من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال :- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " والمتقرر أن قوله في بعض الأمور ( من فعله فليس منا ) دليل على التحريم ، ولكن ورد ما يقيد هذا التحريم بما زاد على الأربعين ليلة فالأخذ من الشارب فيما دون ذلك من السنة ، وأما ما زاد عليها فهو من الواجبات ، ففي الصحيح من حديث انس بن مالك رضي الله عنه قال :- وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة . ولأحمد وأبي داود : وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمتقرر أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن ، وبما قلناه يجتمع شملها ويتآلف نظامها ، والله أعلى وأعلم .
السابع والثمانون : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لا يشربن أحدكم قائما فمن نسى فليستقيء " وعن ابن عباس سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم وفى الرواية الأخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من زمزم وهو قائم وفي صحيح البخاري أن عليا رضى الله عنه شرب قائما وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت . قال النووي رحمه الله تعالى ( على أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالا باطلة وزاد حتى تجاسر ورام أن يضعف بعضها وادعى فيها دعاوى باطلة لا غرض لنا فى ذكرها ولا وجه لإشاعة الأباطيل والغلطات في تفسير السنن بل نذكر الصواب ويشار إلى التحذير من الاغترار بما خالفه وليس في هذه الأحاديث بحمد الله تعالى إشكال ولا فيها ضعف بل كلها صحيحة والصواب فيها أن النهى فيها محمول على كراهة التنزيه وأما شربه صلى الله عليه وسلم قائما فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض وهذا الذي ذكرناه يتعين المصير إليه وأما من زعم نسخا أو غيره فقد غلط غلطا فاحشا وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث لو ثبت التاريخ وأنى له بذلك والله أعلم فإن قيل كيف يكون الشرب قائما مكروها وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم فالجواب أن فعله صلى الله عليه و سلم إذا كان بيانا للجواز لا يكون مكروها بل البيان واجب عليه صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مكروها وقد ثبت عنه أنه صلى الله عليه و سلم توضأ مرة مرة وطاف على بعير مع أن الإجماع على أن الوضوء ثلاثا والطواف ماشيا أكمل ونظائر هذا غير منحصرة فكان صلى الله عليه وسلم ينبه على جواز الشيء مرة أو مرات ويواظب على الأفضل منه وهكذا كان أكثر وضوئه صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا وأكثر طوافه ماشيا وأكثر شربه جالسا وهذا واضح لا يتشكك فيه من له أدنى نسبة إلى علم والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم " فمن نسى فليستقىء " فمحمول على الاستحباب والندب فيستحب لمن شرب قائما أن يتقايأه لهذا الحديث الصحيح الصريح فان الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب وأما قول القاضي عياض لا خلاف بين أهل العلم أن من شرب ناسيا ليس عليه أن يتقيأه فأشار بذلك إلى تضعيف الحديث فلا يلتفت إلى إشارته وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع كونها مستحبة فإن ادعى مدع منع الاستحباب فهو مجازف لا يلتفت إليه فمن أين له الإجماع على منع الاستحباب وكيف تترك هذه السنة الصحيحة الصريحة بالتوهمات والدعاوى والترهات ثم اعلم أنه تستحب الاستقاءة لمن شرب قائما ناسيا أو متعمدا وذكر الناسي فى الحديث ليس المراد به أن القاصد يخالفه بل للتنبيه به على غيره بطريق الأولى لأنه إذا أمر به الناسي وهو غير مخاطب فالعامد المخاطب المكلف أولى وهذا واضح لاشك فيه ) وبه تعلم أن الأمر بالاستقاءة بعد الشرب واقفا ليس على بابه الذي هو الوجوب ، بل هو مصروف منه إلى الندب ، لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم شرب قائما فلم يستقئ ، والله أعلم .
الثامن والثمانون : لا خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى فيما نعلم على أن غسل الميت من فروض الكفايات ، وهذا الوجوب دليله الإجماع ، وكذلك الأمر به في قوله عليه الصلاة والسلام لمن يغسلن ابنته لما ماتت " اغسلنها ثلاثا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك " وقال في المحرم الذي سقط عن راحلته فمات " اغسلوه بماء وسدر " وهذه الأوامر مطلقة عن الصارف ، والمتقرر أن الأمر المجرد عن القرينة يفيد الوجوب ، وعليه عمل المسلمين خالفا عن سالف ، والله أعلم .
التاسع والثمانون : قال ابن رشد رحمه الله تعالى في بداية المجتهد ( اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق, واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة, وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة, وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنها من فروض الصلاة وسبب الخلاف في ذلك تعارض الآثار واختلافهم في مفهوم قوله تعالى  يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ  هل الأمر بذلك على الوجوب أو على الندب؟ فمن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة, واحتج لذلك بأن سبب نزول هذه الآية كان أن المرأة كانت تطوف بالبيت عريانة وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي زينة, واحتج لذلك بما جاء في الحديث من أنه كان رجال يصلون مع النبي عليه الصلاة والسلام عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان, ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا قالوا: ولذلك من لم يجد ما به يستر عورته لم يختلف في أنه يصلي واختلف فيمن عدم الطهارة هل يصلي أم لا يصلي؟) قلت :- والقول الصحيح أن الآية تفيد الوجوب فيما هو من ستر العورة الواجب سترها ، وتفيد الندب فيما زاد على العورة الواجب سترها ، والله أعلم .
الفرع الموفي للتسعين : في قوله الله تعالى  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  وما أشبهها من الآيات الآمرة باتباع طريق محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآيات فيها برد اليقين بأنه لا يجوز اتباع الطرق المخالفة لطريق محمد عليه الصلاة والسلام وأن كل نحلة غير نحلته ، وأي ملة سوى ملته فإنه زيغ وضلال وبعد عن طريق الحق والهدى وفي هذا قطع لألسنة من يدعو إلى وحدة التقريب بين الأديان ، وأن كل أحد يعبد الله تعالى لما هو عليه من الدين وإن كان مخالفا لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا يجوز لأحد أن ينكر على المخالف له في العقيدة ، وأنه لا بد من فرض التعايش السلمي بين الطوائف المختلفة في عقيدتها ، وأن لكل دينه الذي يراه حقا ، إلى غير ذلك من الخرافات التي لا برهان لها ولا نص يعضدها ، وإنما هو الهوى والتخرص في دين الله تعالى ، فترى الواحد منهم يلوك لسانه بهذا الكلام كما تلوكه البقرة ، وهو لا يدري عن المخالفة التي يتضمنها كلامه ، وهذه الدعوى باطلة ، ولا خير فيها ، وهي عارية عن الحق ، بل هي مصادمة للحق ، فإن الحق أن المنهج واحد وطريق النجاة واحد ولا طريق إلى الله تعالى ولا إلى الجنة إلا باتباع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز لأحد أن يخالف منهجه ولا يتبع غير ملته ، والواجب الإنكار على من يتبع غير شريعته ، ولا يحل السكوت عنه بوجه من الوجوه ، ولكن لا بد وأن يكون الإنكار منبثقا من النصوص الشرعية ومراعاة المصالح والمفاسد ، وأما أن نتميع في دين الله ونترك الأمر على الغارب فلا ، وألف لا ، فإن هذه الأوامر الواردة في الآيات والآمرة باتباع محمد صلى الله عليه وسلم كلها تفيد الوجوب ، ولا يجوز لأحد من علماء الشرع التساهل في ذلك ، كما نسمعه من بعض أهل العلم المعاصرين ، بل الواجب علينا رد الناس إلى حياض الكتاب والسنة ، والوقوف في وجه تلك الدعاوى التي يراد منها نسف الدين ومخالفة هدي سيد المرسلين ، ولكن بالعقل المضبوط بالنص وهدي السلف الصالح ، لا بالعنف والقتل الذي لا يجوز في الشرع ، وقد انقسم الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقسام ، على طرفي نقيض ووسط ، وخير الأمور أوساطها، فمن الناس من صار ينكر هذه الأشياء بالتفجير والتكفير والقتل ، وهذا أمر لا جرم أنك تعلم كلام أهل العلم فيه ، وصار قسم يقولون :- لا بد من التعايش مع الطرف الآخر وإزالة الأحقاد القلبية بين الطوائف ، وترك كل ذي عقيدة على ما هو عليه ، لهم دينهم ولنا ديننا ، فلا ينكر عليه ، وهذا أمر مرفوض ، وأما الوسط وهم خيار هذه الأمة من العلماء والصالحين من الأمراء فإنهم قالوا :- لا بد من دعوة الناس إلى الحق ، ولا بد من رد الناس إلى الكتاب والسنة ، ولا بد من الإنكار على من خالف الشريعة بعقيدة أو عمل ، ولكن لا بد من اتباع الكتاب والسنة في مسألة الإنكار ، ولا بد من النظر في هدي السلف الصالح في الإنكار ، فلا إفراط ولا تفريط في ذلك ، فلا نترك الأمر مفتوحا لأصحاب الدعوات الباطلة ، ولا ننكر عليهم الإنكار المرفوض الذي لا يقره الدين ، بل لا بد من مراعاة الضوابط الشرعية والنصوص المرعية وهدي خير البرية وهذا هو الحق في هذه المسألة التي صارت من فتن الزمان ، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ، والمقصود أن الأوامر باتباع المعصوم صلى الله عليه وسلم تفيد الوجوب ، وهي قاطعة للطريق على كل الدعاوى التي تخالف ذلك ، والله المستعان .
الحادي والتسعون : قال صلى الله عليه وسلم " إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا " رواه مسلم ، فهل الأمر هنا للوجوب ؟ أقول :- القول الصحيح أنه للندب لا للوجوب ، فإن قلت :- وما الصارف ؟ فأقول :- لأنه صلى الله عليه وسلم كان أحيانا يقتصر على صلاة ركعتين بعد الجمعة في بيته ، كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ففي الحديث " وركعتين بعد الجمعة في بيته " ولحديث " خمس صلوات كتبهن الله على العباد " وفي الحديث " خمس صلوات في اليوم والليلة " لما سأله الأعرابي عن الإسلام ، وهو في الصحيح ومن باب الفائدة أقول :- لقد اختار أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أن من صلى بعد الجمعة في بيته فالسنة له الاقتصار على ركعتين ، ومن صلى بعد الجمعة في المسجد فالسنة له أن يصلي أربعا ، وبما قال أقول ، والله أعلم .
الثاني والتسعون : عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار القسم. أو المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام ونهانا عن خواتيم - أو عن تختم - بالذهب وعن الشرب بالفضة وعن المياثر وعن القسي وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج" وهو في الصحيح ، وقد خرج مخرج الأمر ، والمتقرر أن الأمر يفيد الوجوب ، وعلى ذلك :- فالقول الصحيح أن عيادة المريض من واجبات الكفاية ، واختاره شيخ الإسلام ، والقول الصحيح أن اتباع الجنازة من واجبات الكفاية أيضا ، واختاره شيخ الإسلام ، والقول الصحيح أن تشميت العاطس من واجبات الكفاية ، ولكن لما نظرنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم " فحق على كل من سمعه أن يقول له يرحمك الله " علمنا أنه من الأمور المؤكدة في حق كل من سمع أخاه المسلم يعطس ويحمد الله ، والقول الصحيح أن إبرار المقسم من الأمور الواجبة إن لم يكن ثمة مانع شرعي أو عرفي ، ولا ضرر على المقسم عليه في تنفيذ وإبرار قسم أخيه ، والقول الصحيح أن ابتداء السلام من الأمور الواجبة ، ورده كذلك من الأمور الواجبة ، وما اشتهر عن الفقهاء من قولهم ( ابتداء السلام سنة ) فإنه يحتاج إلى دليل ، لأن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الوجوب ولا صارف نعلمه يصرف هذا الأمر عن بابه ، والقول الصحيح أن الأمر بنصر المظلوم أمر وجوب ولكن كل أمر في الشرع فإنه مقيد بالقدرة ، فنصر المظلوم واجب في حق القادر على نصره لأن الأمر به يفيد الوجوب ، والقول الصحيح أن إجابة الدعوة من الأمور الواجبة بشرط القدرة وأن لا يكون فيها ثمة منكر ، والمهم أن الأوامر في هذا الحديث كلها تفيد الوجوب ، كما أن النواهي فيه كلها تفيد التحريم ، والله أعلم .
الثالث والتسعون : عن أبي الشعثاء قال كنا مع أبي هريرة في المسجد فخرج رجل حين أذن المؤذن فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم ثم قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي، وأخرج ابن ماجة عن عثمان ابن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أدرك الآذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق ..." فقوله في الحديث " أمرنا رسول الله " هذا الأمر يفيد الوجوب ، أي يجب على من كان في المسجد إن سمع الأذان وهو فيه أن لا يخرج منه إلا لما له حاجة ، ويؤيد هذا وصف أبي هريرة رضي الله عنه من فعل هذا بأنه عاص ، ومن المعلوم أن الوصف بالعصيان لا يكون إلا على مخالفة الأمر الواجب ، والله أعلم .
الرابع والتسعون : قال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن مسألة الأمر بقطع الخف للمحرم ، هل هو للوجوب أو للتحريم ؟ قال رحمه الله تعالى ( السنة أن يحرم الذكر في نعلين لأنه جاء عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه قال " ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين " فالأفضل أن يحرم في نعلين حتى يتوقى الشوك والرمضاء والشيء البارد، فإن لم يحرم في نعلين فلا حرج عليه، فإن لم يجد نعلين جاز له أن يحرم في خفين وهل يقطعهما أم لا؟ على خلاف بين أهل العلم وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين " وجاء في خطبته في حجة الوداع في عرفات أنه أمر من لم يجد نعلين أن يلبس الخفين ولم يأمر بقطعهما فاختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم أن الأمر الأول منسوخ فله أن يلبس من دون قطع وقال آخرون ليس بمنسوخ ولكنه للندب لا للوجوب بدليل سكوته عنه في عرفات. والأرجح إن شاء الله أنَّ القطع منسوخ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في عرفات وقد حضر خطبته الجمع الغفير من الناس من الحاضرة والبادية ممن لم يحضر خطبته في المدينة التي أمر فيها بالقطع، فلو كان القطع واجباً أو مشروعاً لبينه للأمة، فلما سكت عن ذلك في عرفات دل على أنه منسوخ، وأن الله جل وعلا عفا وسامح العباد عن القطع لم فيه من إفساد الخف والله أعلم. أما المرأة فلا حرج عليها إذا لبست الخفين أو الشُرَّاب لأنها عورة ولكن تمنع من شيئين من النقاب ومن القفازين لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقال " لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين " والنقاب هو الشيء الذي يصنع للوجه كالبرقع فلا تلبسه وهي محرمة ولكن عليها أن تغطي وجهها بما تشاء عند وجود الرجال الأجانب سوى النقاب لأن وجهها عورة فإذا كانت بعيدة عن الرجال كشفت وجهها، ولا يجوز لها أن تضع عليه النقاب ولا البرقع ولا يجوز لها أن تلبس القفازين وهما غشاءان يصنعان لليدين فلا تلبسهما المحرمة ولكن تغطي يديها بشيء آخر ) والله أعلم .
الخامس والتسعون : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مسألة زيارة القبور " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر بالآخرة " رواه الترمذي وصححه ، والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت " رواه مسلم , فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالزيارة في هذين الحديثين حمله أكثر أهل العلم على الندب، وحمله ابن حزم على الوجوب ، ولكن الحق أنها للندب ، لأنها أمر بعد منع ، فيفيد ما كان يفيده قبل المنع ، وقد كانت زيارة القبور على الإباحة ، فهي بعد فك المنع تفيد الإباحة ولكن لما كانت محققة لتذكر الآخرة وللدعاء للأموات ، ارتفع حكمها من الإباحة إلى الندب وهو الذي عليه أكثر المحققين من العلماء ، والله أعلم .
السادس والتسعون : القول الصحيح أن الاستماع للإمام في القراءة الجهرية من الواجبات ، فلا يجوز للمأموم أن يقرأ حال جهر إمامه بالقراءة ، إلا في الفاتحة فقط ، فالواجب على المأموم قراءتها في السرية والجهرية ، والدليل على هذا الإيجاب قوله تعالى  وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  فقوله " فاستمعوا " أمر ، والمتقرر أن الأمر يفيد الوجوب ، وقد حكى الإمام أحمد رحمه الله تعالى الإجماع على أن هذه الآية في الصلاة ، ولكن أقول :- حتى مع هذا الإجماع ، فإن المتقرر عند أهل العلم رحمهم الله تعالى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعليه فالقول الراجح عندي في هذه المسألة أنه يجب الاستماع للقرآن حتى خارج الصلاة ، والله أعلم .
السابع والتسعون : قال النبي صلى الله عليه وسلم " من سألكم بالله تعالى فأعطوه " فما حكم إعطاء من سألنا بالله ؟ أقول :- قلت في إتحاف أهل الألباب جوابا على هذا السؤال ( من سألنا بالله تعالى فلا يخلو: إما أن يكون السؤال بالله من معين لمعين في أمر يسوغ بذله، كأن يسأل زيد عمرًا بالله أن يعطيه كذا وكذا، فهذا تجب إجابته ويحرم رده، لكن هذا الواجب مشروط بالقدرة والاستطاعة، وذلك لقوله  «من سأل بالله فأعطوه» الحديث، والأمر يفيد الوجوب ولأنه لما سألك بالله فإنه يكون بذلك قد سألك بالعظيم الكبير الذي لا أعظم ولا أكبر منه، فإجابة سؤاله تعظيم لله تعالى وتعظيم ذلك من إكمال التوحيد ومن تحقيق التوحيد.وأما إذا كان السؤال من معين لغير معين، كالذين يقفون في المساجد ويسألون المصلين بالله، فهؤلاء تستحب إجابتهم ويكره ردهم، هذا إذا لم يغلب على الظن كذبهم. وأما إذا سألنا أحد بالله في أمرٍ محرم كإسقاط حدٍ بعد ثبوته عند ولاة الأمر أو سألنا بالله أن نؤويه بعد أن أحدث حدثاً في البلد يوجب عقوبته والأخذ على يديه ونحو ذلك، فهذا تحرم إجابته ويجب رده ولا كرامة، بل وتجب عقوبته لأنه مستخف بالله تعالى حيث جعل السؤال به وسيلة للتوصل لأمور محرمة، فهو مستخف بمقام الألوهية والربوبية ورده حينئذٍ من تعظيم الله جل وعلا، والله أعلم ) .
الثامن والتسعون : قال الله تعالى في محكم كتابه  وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا  قوله " ويرضعن أولادهن" خبر معناه الأمر، قيل: هو على الوجوب، وقيل: على الندب وهو الصحيح إذا لم يلحق الرضيع من ذلك ضرر، وإذا لحقه بذلك ضرر فلا تقطع عنه الرضاعة قبل الحولين، يدل عليه قوله تعالى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وعلى والد الرضيع الإنفاق عليه بواسطة أمه المطلقة التي ترضعه وتحضنه، قال تعالى وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال القرطبي : وعلى الأب وجوباً نفقة الولد وأجرة المرضع والحاضنة إن كان له مال، وهي أحق بالحضانة ما دامت لم تتزوج. والحاصل: أن الأفضل والأكمل أن ترضع ابنتها مدة سنتين كاملتين إذا لم يشق عليها ذلك أو يضر بها، ويجوز لها أن تفطمها قبل ذلك إذا لم يلحق ذلك ضررا بالبنت، ولها الحق الكامل في المطالبة بالنفقة من أبي البنت، وإذا لم يستجب فلها أن ترفع الأمر إلى القاضي لينصفها ويأخذ لها حقها.
التاسع والتسعون : سئلت اللجنة الدائمة عن الأوامر في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري « إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم . . ثم جاء فيه : وأطفئوا مصابيحكم » فهل هذا الأمر للوجوب ؟ وإن كان للاستحباب فما هي القرينة الصارفة له عن الوجوب ؟ فأجابوا بقولهم ( هذه الأوامر الواردة في الحديث محمولة على الندب والإرشاد عند أكثر العلماء ، كما نص عليه جماعة من أهل العلم ، منهم : ابن مفلح في الفروع والحافظ ابن حجر في فتح الباري والله أعلم )
الفرع الموفي للمائة : قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فيكظم ما استطاع ... الحديث " فهذا الأمر هنا هل هو على الوجوب أو الندب ؟ أقول :- فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى على أقوال ، والأقرب عندي أنه للوجوب ، ومن قال بالندب فليأت بالصارف الدال على إرادة الندب ، والله أعلم .
وبه تنتهي الفروع على هذه القاعدة الكبيرة ، وقد حاولت جهدي في تيسير فهمها لك بما قدرت عليه ، فالعذر العذر مما تراه من النقص والتقصير ، وأستغفر الله تعالى من الزلل في القول والعمل ، وأسأله جل وعلا أن يرفع نزل أهل العلم وأن يغفر لهم المغفرة الكاملة ، وأن يجزيهم عنا وعن المسلمين خير الجزاء ، وأن ينفعنا بعلمهم ، وأن يبارك في جهودهم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، وقد وقع الفراغ منها بعد العصر في اليوم الثالث عشر من شهر شعبان عام ثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة ، والله أعلم .
................
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-01-12, 02:21 AM
المرحبي المرحبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-07-07
المشاركات: 1
افتراضي رد: شرح قاعدة الأمر المطلق المجرد عن القرينة للشيخ وليد السعيدان حفظه الله

أيها الشيخ الجليل كتب الله أجرك ورفع قدرك
هل من الممكن أن أجد المراجع لمن فرق بين الأمر في العبادات يقتضي الوجوب والأمر في الآداب والأخلاق يقتضي الندب
وجزاك الله خيراً
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
للشيخ , الأمر , المخرج , الله , المطلق , السعيدان , القرينة , حفظه , شرح , وليد , قاعدة

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:42 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.