ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 22-12-11, 12:10 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني

المحاضرة الأولي
(ماهية العقل ومدارك اليقين)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
من أهم الأمور التي تقرر العقيدة السليمة في نفوس المسلمين، وتسهم في إزالة الخلاف بين المتناظرين، وتقرب القلوب إلى التمسك بالقرآن والسنة على فهم سلف الأمة، حقيقة العلاقة بين العقل والنقل، فالعلاقة بين العقل والنقل تعتبر عاملا حاسما في تحديد هوية المسلم واعتقاده، لاسيما في باب الغيبيات وما يتعلق بالأسماء والصفات، ولأهمية ذلك نتعرف على موقف السلف الصالح من هذه العلاقة وما هو المنهج الصحيح الذي يسلكه الموحد في هذا الموضوع ؟
ما المقصود بالعقل؟
العقل في أصح الآراء : غريزة وضعها الله في قلوب الممتحنين من عباده تابعة للروح موضوعة في الجانب الغيببي من قلب الإنسان لا نعرف كيفيتها، ولكن نتعرف على وجودها ووجود أوصافها من أفعال الإنسان في ظاهر البدن، فيقال هذا عاقل إذا فعل أفعال العقلاء وهذا مجنون إذا لم يتصف بها.
قال تعالى: (أَفَلَمْ يسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلونَ بِهَا)، فالآية تدل على أن العقل موجود في القلب.
قال الثعالبي في الجواهر الحسان: (هذه الآية تقتضى أن العقل في القلب وذلك هو الحق، ولا ينكر أن للدماغ اتصالا بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ).
وقال القرطبى في الجامع لأحكام القرآن: (أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السمع محل الأذن، وقد قيل: إن العقل محله الدماغ وروي ذلك عن أبي حنيفة وما أراها عنه صحيحة) .
والعقل يقوم بتحصيل المعلومات وجمعها من حواس الإنسان ثم يحللها ويصنف الحدث المرافق لها، ثم يخزنها في ذاكرة الإنسان الذي بدوره يقوم باستدعائها حسبما يشاء .
ما هي الغاية الرئيسية من وجود العقل؟ معرفة الإنسان بما ينفعه ويضره، وكيف يحصِّل الخير الأعلى ويدفع عن نفسه الشر الأدنى ويحقق لنفسه الأفضل دائما ؟
ما هي حدود المعرفة بالعقل ؟
العقل هو أساس الجهاز الإدراكى البشرى فهو في القلب يشبه المعالج في الكمبيوتر، والحواس تشبه وسائل إدخال المعلومات أو إخراجها والمخ فيه ذاكرة الإنسان أو ما يشبه القرص الصلب.
والله عز وجل قد خلق الإنسان بجهاز إداركى محدود، تحقيقا لعلة معينة، تمثلت في الابتلاء كما قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الإنسان:2).
العتبات المطلقة للحواس الخمس :
وقد أجريت التجارب والدراسات الحديثة، لتقدير القيم التقريبية للحدود المعينة في المؤثرات الخارجية التي يستقبلها الجهاز الحسي والإدراكى في جسم الإنسان، والتي يطلقون عليها في علم النفس العتبات المطلقة للحواس الخمس فوجدوا الحقائق التالية:
1- أن البصر يدرك به العقل صورة شمعة مضاءة ترى على بعد 30 ميلا في ليل مظلم صاف 290 مليميكرون.
2- أن السمع يدرك به العقل صوت دقة ساعة في ظروف هادئة تماما على بعد 20 قدما.
3- والتذوق يدرك به العقل ملعقة صغيرة من السكر مذابة في جالونين من الماء.
4- الشم يدرك به العقل نقطة عطر منتشرة في غرفة مساحتها 6 أمتار مربعة.
5- وحاسة اللمس يدرك جناح ذبابة يسقط على الصدغ من مسافة 1 سم تقريبا .
فإذا كان الجهاز الإدراكى في الإنسان بهذه الصورة في الدنيا فمن الصعب أن يرى ما وراء ذلك، كالذي يحدث في القبر من عذاب أو نعيم أو يرى الملائكة أو الجن أو عالم الغيب، أو يرى ذات الله وصفاته من باب أولى، ومعلوم أن عدم رؤيته لهذه الأشياء لا يعنى عدم وجودها فالجن مثلا جهازه الإدراكى يختلف عن الإنسان من حيث القوة.
قال تعالى في وصفه: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) (الأعراف:27)، وموسى عليه السلام لما طلب رؤية الله لم يكن الجواب باستحالة الرؤية أو نفيها مطلقا، ولكن النفي معلق بانتهاء الحياة الدنيا، فإن الشيء لا يرى لسببين:

1 - خفاء المرئي وهو ممتنع في حق الله .
2- ضعف الجهاز الإدراكى للرائي .
وهذا هو شأن موسى عليه السلام، ولذلك تجلى الله للجبل الذي يتحمل أقصى درجة ممكنة من ضوء الشمس والذي لا يتحملة الإنسان أكثر من تسع دقائق تقريبا، قال تعالى:
(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ) (الأعراف:143) .
فمن الخطأ طلب البحث عن كيفية الأمور الغيبية أو الذات الإلهية أو صفاتها في الدنيا، لأن النواميس التي أوجدها الله في الكون لا تسمح بذلك اللهم إلا إذا حدث خرق للعادة كأن يرى بعض الرسل الملائكة أو الجنة أو النار أو بعض أمور الغيب أو ما يعجز الإنسان العادي عن إدراكه، كما ورد في حديث عائشة الذي رواه البخاري (قَالَتْ عَائِشَةُ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ) .
أما في الآخرة فالأمر مختلف تماما، إذ أن مدركات الإنسان في الآخرة تختلف عن مدركاته في الدنيا كما صح الخبر عن رسول الله بذلك في الحديث المتفق عليه، حيث قال:
(خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن).
فالإنسان يوم القيامة على صورة آدم طوله ستون زراعا ومن أجل ذلك فإن مداركه وحواسه تتغير بالكيفية التي تناسب أمور الآخرة.
فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم سترون ربكم كما ورد في صحيح البخاري عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)،
علمنا أن إدرك العين المبصرة في الدنيا وقدرتها تختلف عن إدراك العين المبصرة في الآخرة وقدرتها على الرؤية .
من أجل ذلك وجب الإيمان بالرؤية في الآخرة والتسليم بذلك لموافقته للعقل الصريح والنقل الصحيح، وكذلك الحال في بقية الصفات فنؤمن بها ونثبتها لله دون طلب للكيفية.
أما العقل فأقصى حدوده أن يتعرف على الله ووجوده من خلال الأسباب، فهناك عدة أمور يدرك بها العقل حقائق الأشياء ،
مدارك اليقين العقلي :
أولها :البديهيات أو الأوليات .
وذلك كالحكم على أن البعرة تدل يقينا على البعير وأن الأثر يدل يقينا على المسير، ومن هنا كان المسلم على يقين بوجود الله من خلال إثبات وجود الخالق بدلالة المخلوقات، وقد ثبت ذلك بحكم الأوليات أو البديهيات، إن من أكبر المحرمات جريمة الزنى، والحكم فيها لا بد أن يقوم على مفردات يقينية ولا يبنى على أمور ظنية، وقد بين القرآن وسائل إدراك اليقين عند الحكم على المرتكبين لها، فمن ذلك البديهيات وارتباط العلل بالمعلولات، كما قالت مريم للملك عندما قال لها:
(إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لكِ غُلامًا زَكِيًّا قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لي غُلامٌ وَلمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ – بزواج - وَلمْ أَكُنْ بَغِيًّا - بزنا – لأن البديهيات تجعل العاقل يحكم حكما يقينيا بأن الولد لا يأتي إلا من طريق مشروع أو طريق ممنوع ولذلك أكد لها الملك أن ذلك واضح صحيح، وأن حالتها استثناء وأن الله يخلق ما يشاء - قَال كَذَلكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَليَّ هَيِّنٌ وَلنَجْعَلهُ آيَةً للنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا – من أجل ذلك أثبت لها الخالق براءتها، بخرق العادات وظهور المعجزات، وأوحى إليها أنها إذا رأت من أنكر عليها، أن تلزم الصمت وتمتنع عن الكلام، وكل ما عليها أن تشير إلى الغلام وتقول:
(إِنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلنْ أُكَلمَ اليَوْمَ إِنسِيًّا فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِليْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا قَال إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِي الكِتَابَ وَجَعَلنِي نَبِيًّا وَجَعَلنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالدَتِي وَلمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلامُ عَلي يَوْمَ وُلدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا).
سبحان الله أطفل صغير ينطق بهذه الكلمات ؟ ويعرف كل هذه المعلومات، ويفهم لوازم العبارات (إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَل آدَمَ خَلقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لهُ كُنْ فَيَكُونُ)، (ذَلكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْل الحَقِّ الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لهُ كُنْ فَيَكُونُ) .
فالله عز وجل قادر على أن يعلم الناس ما يشاء، فيدركون بأبصارهم ما هو تحت الأرض وفوق السماء، كما قال سبحانه وتعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ) البقرة،
ولكنه من حكمته جعل جهاز الإدراك في الإنسان محدودا، وجعل باب الإطلاع على الغيب بالعقل وحده مسدودا، لكي تكون الحياة نوعا من أنواع الابتلاءات، ويكون أهل العلم بين الناس درجات، فآيات القرآن أثبتت للإنسان جهازا للإدراك شاملا متكاملا أساسه في القلب، أول مهامه إدراك الأشياء ومعرفة الأسماء، وتمييز خصائصها والتعرف على أوصافها، يقول الله تعالى: (أَفَلمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ) وقال أيضاً: (وَلقَدْ ذَرَأْنَا لجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الجِنِّ وَالإِنسِ لهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلئِكَ كَالأَنْعَامِ بَل هُمْ أَضَلُّ أُوْلئِكَ هُمْ الغَافِلُونَ)، فالبديهيات من أبرز الأمور العقلية في الدلالة على وجود الخالق .
ثانيا :من الأمور التي يدرك بها العقل حقائق الأشياء المحسوسات.
وقد جعلها الله وسيلة من وسائل الإثبات، في الحكم على الزانيات المومسات فقال: (وَالذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلدَةً وَلا تَقْبَلُوا لهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلئِكَ هُمْ الفَاسِقُونَ إِلا الذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلكَ وَأَصْلحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
جاء في الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود أنه قَال: (كنَّا ليْلةَ الجُمُعَةِ فِي المَسْجِدِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَال: لوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلمَ جَلدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَل قَتَلتُمُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ، وَاللهِ لأَسْأَلنَّ عَنْهُ رَسُول اللهِ صَلى اللهم عَليْهِ وَسَلمَ، فَلمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَى رَسُول اللهِ صَلى اللهم عَليْهِ وَسَلمَ فَسَأَلهُ، فَقَال يا رسول الله: لوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلمَ جَلدْتُمُوهُ أَوْ قَتَل قَتَلتُمُوهُ أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ، فنزل قول الله تعالى:
(وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلمْ يَكُنْ لهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لمِنْ الصَّادِقِينَ وَالخَامِسَةُ أَنَّ لعْنَةَ اللهِ عَليْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لمِنْ الكَاذِبِينَ وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَليْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ) .
وقد أمر الله عبادة باستخدام المحسوسات التي هى من مكونات الجهاز الإدراكى في النظر إلى الإبداع الكونى، والتأمل في خلق السماوات والتفكر في سائر المخلوقات:
(إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليْل وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولي الأَلبَابِ الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .
وقال تعالى: (أَفَلمْ يَنْظُرُوا إِلى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُل زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لكُل عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ وَالنَّخْل بَاسِقَاتٍ لهَا طَلعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا للعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلدَةً مَيْتًا كَذَلكَ الخُرُوجُ) ق/6: 11.
وقال أيضاً: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلى الإِبِل كَيْفَ خُلقَتْ وَإِلى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلى الجِبَال كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) الغاشية/171:21 .
والحق سبحانه وتعالى يدعوا عباده إلى النظر في آياتة الكونية، والمخلوقات المرئية، بما في ذلك النفس البشرية، فهى في حقيقتها صفحات كونية وأدلة عقلية في كتاب الله الكونى، ودور الإنسان الذي أمر الله به في القرآن هو التفكر والاعتبار والنظر في الآثار، فالأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير، سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على اللطيف الخبير، فدور العقل هنا البحث في المخلوقات وما فيها من حكم وآيات، فإن المفعولات دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات، فالمفعول يدل على الفاعل، والمخلوق يدل على الخالق، وذلك يدل باللزوم على وجود الله وقدرته وعلمه ومشيئته .
ثم ما في المخلوقات من أنواع التغييرات، وما فيها من تنوع في الأشكال والجمال والحسن والكمال، يدل على وجود إرادة للحق في إدارة الملك، كما أن ما فيها من المصالح والغايات والحكم البينات الواضحات، يدل على حكمته وإتقان صنعته، وغير ذلك مما دعانا الله تعالى إلى النظر فيه فقال سبحانه تعالى: (إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليْل وَالنَّهَارِ وَالفُلكِ التِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَل اللهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُل دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) البقرة/164 .
ثالثا : من الأمور التي يدرك بها العقل حقائق الأشياء أيضا المتواترات وخبر العدل الضابط الصادق كعلمنا بوجود مكة والمدينة، فإن العلم بوجودهما علم يقيني، وكذلك بعثة النبي العلم بها علم يقينى، لما ورد فيها من تواتر الأخبار وحملة الآثار، وقد اتفق علماء الحديث على أن الأحاديث المتواترة تدل على اليقين وهى التي رواها جمع يستحيل اتفاقهم على الكذب عن جمع آخر يستحيل اتفاقهم على الكذب إلى نهاية الإسناد إلى رسول الله صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ .
رابعا :من الأمور التي يدرك بها العقل حقائق الأشياء التجريبيات.
وقد يعبر عنها باطراد العادات، وذلك مثل حكمك بأن النار محرقة وأن الشمس مشرقة، وأن الماء ينزل من السماء فيحي الأرض بعد موتها، فهي سنن وعادات وتجربة وممارسات، ولذلك حذرنا الله من العصيان، بما حدث لأعدائه في سالف الزمان، كان مصيرهم الخسف والمسخ والصيحة والنبران فقال تعالى:
(قَدْ خَلتْ مِنْ قَبْلكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ) آل عمران وقال تعالى: (قُل للذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لهُمْ مَا قَدْ سَلفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلينَ) وقال سبحانه : (فَهَل يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأَوَّلينَ فَلنْ تَجِدَ لسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا وَلنْ تَجِدَ لسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلا)، وفي الحديث الصحيح : (لا يُلدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) .
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أن رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال: (إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلى الجَنَّةِ وَإِنَّ العَبْدَ ليَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا وَإِنَّ الكَذِبَ فُجُورٌ وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلى النَّارِ وَإِنَّ العَبْدَ ليَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا)، فغاية ما للعقل النظر في الأسباب والتعرف على دلالتها، ولا يجوز للإنسان أن يتجاوز ذلك كما قال تعالى:
(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) .
لكن لو أردنا أن نتعرف على عالم الغيب وما يحدث في القبر من عذاب أو نعيم أو الملائكة أو الجن أو نتعرف ذات الله أسمائه وصفاته، فهل يصلح العقل لذلك، كما حاولت الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتردية وغيرهم من أتباع الجهمية، سوف يقع في الضلال وسوف يقول على الله بالمحال، فلا بد من طريق آخر هو طريق النقل.
خامسا :من الأمور التي يدرك بها العقل حقائق الأشياء الاعتراف.
صحيح مسلم عن ُرَيْدَةَ قَالَ : (جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ قَالَ فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ قَالَ فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فِيمَ أُطَهِّرُكَ فَقَالَ مِنْ الزِّنَى فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِهِ جُنُونٌ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَقَالَ أَشَرِبَ خَمْرًا فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزَنَيْتَ فَقَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ قَائِلٌ يَقُولُ لَقَدْ هَلَكَ لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ وَقَائِلٌ يَقُولُ مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ قَالَ فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ فَقَالُوا غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ قَالَ ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنْ الْأَزْدِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَقَالَتْ أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ وَمَا ذَاكِ قَالَتْ إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَى فَقَالَ آنْتِ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ لَهَا حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ قَالَ فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ قَالَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَ إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ فَرَجَمَهَا) .
ما المقصود بالنقل ؟ يقصد بالنقل عند علماء العقائد الوحي المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله S ويسمى أيضا بالشرع أو السمع أو الخبر، كقول أبى عمر بن عبد البر: (حديث النزول حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي S)، وكقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والحكم المرتب على النقل الباطل باطل بالإجماع)، وكقوله أيضا عن صفة الكلام ونسبة القول إلى الله تعالى: (فالقول قد ورد في السمع مضافا الى الله .. وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبينت أن ما جاء به الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح) .
فالنقل أو الوحي أو الشرع أو السمع أو الخبر كلها عند علماء العقائد معان مترادفة تدل على كتاب الله وسنة رسوله S، فالنقل هو ما جاءنا من الله يعرفنا فيه عن نفسه وما في عالم الغيب، والعاقل لا بد أن يقر به ويقدمه وسلم له، فلا يوجد من هو أعلم بالله من الله ولا أعلم من رسول الله بالله، فما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات وجب علينا الإيمان به كما أخبر، وما أمرنا الله به كان صلاحنا في أتباعه.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-12-11, 12:18 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الثانية

المحاضرة الثانية

(هل يمكن أن يتعارض العقل مع النقل؟)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
1- العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح والسبب في عدم التعارض.
من المحال أن يتعارض العقل الصريح الواضح مع النقل الصحيح الثابت بل العقل الصريح يشهد للنقل الصحيح ويؤيده، والسبب في ذلك سبب منطقى وهو وحدة المصدر فالذي خلق العقل هو الله، والذي أرسل إليه النقل هو الله وهو سبحانه أعلم بصناعته لعقل الإنسان وأعلم بما يصلحه في كل زمان ومكان، فإذا وضع نظاما ببالغ علمه وحكمته لصلاح صنعته وألزم الإنسان بمنهجه وشرعته، كان من المحال أن يضل الإنسان أو يشقى أو يعيش معيشة ضنكا إذا اتبع هداية الله تعالى كما قال سبحانه: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى)، ومعلوم عند سائر العقلاء أن أولى من يضع نظام التشغيل للمصنوعات صانعها.
قال شيخ الإسلام: (كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح ولكن كثيرا من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده به كان عارفا بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول).
وقال أيضا: (من قال بموجب نصوص القرآن والسنة أمكنه أن يناظر الفلاسفة مناظرة عقلية يقطعهم بها ويتبين له أن العقل الصريح مطابق للسمع الصحيح) .
وقال أيضا: (العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح كما أن المنقول عن الأنبياء عليهم السلام لا يخالف بعضه بعضا ولكن كثير من الناس يظن تناقض ذلك وهؤلاء من الذين اختلفوا فى الكتاب وان الذين اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد) مجموع الفتاوى 7/665.


2- الهداية في قيادة النقل للعقل :
1. قول الله تعالى:(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَليْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (آل عمران:101).
2. قول الله تعالى:(وَإِذَا قِيل لهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَل اللهُ قَالُوا بَل نَتَّبِعُ مَا أَلفَيْنَا عَليْهِ آبَاءَنَا أَوَلوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة:170).
3. قول الله تعالى:(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (لأعراف:3).
4. قول الله تعالى:(وَقَال الذِينَ كَفَرُوا لِلذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلنَحْمِل خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لكَاذِبُونَ وَليَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَليُسْأَلُنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (العنكبوت:13).
5. قول الله تعالى:(وَإِذَا قِيل لهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَل اللهُ قَالُوا بَل نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَليْهِ آبَاءَنَا أَوَلوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذَابِ السَّعِيرِ) (لقمان:21).
6. قول الله تعالى:(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (يس:21).
7. قول الله تعالى:(ذَلِكَ بِأَنَّ الذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا البَاطِل وَأَنَّ الذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ) (محمد:3).
8. قول الله تعالى:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ) (محمد:28).
9. قول الله تعالى:(يَا أَهْل الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُل السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:16).
10. قول الله تعالى:(وَالذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ.أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لمْ يَجْعَلِ اللهُ لهُ نُوراً فَمَا لهُ مِنْ نُورٍ) (النور:40) .
11. قول الله تعالى:(وَإِذَا قِيل لهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَل اللهُ قَالُوا بَل نَتَّبِعُ مَا أَلفَيْنَا عَليْهِ آبَاءَنَا أَوَلوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة:170).
12. قول الله تعالى:(أُولئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَليْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيل وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلى عَليْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا.فَخَلفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلقَوْنَ غَيًّا إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِل صَالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلا يُظْلمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) (مريم:60).
13. قول الله تعالى:(الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُل شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلماً فَاغْفِرْ لِلذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (غافر:8).
14. قول الله تعالى:(الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَل أَعْمَالهُمْ وَالذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّل عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلحَ بَالهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا البَاطِل وَأَنَّ الذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ) (محمد:3).
15. قول الله تعالى:(وَلنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلتَهُمْ قُل إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الذِي جَاءَكَ مِنَ العِلمِ مَا لكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:120).
16. قول الله تعالى:(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَل مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلفَ فِيهِ إِلا الذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة:213).
17. قول الله تعالى:(اللهُ نَزَّل أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23).
18. قول الله تعالى:(وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَل اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُل مَنْ أَنْزَل الكِتَابَ الذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لمْ تَعْلمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلعَبُونَ) (الأنعام:91).
19. قول الله تعالى:(وَمَنْ أَظْلمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلنَا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلى الهُدَى فَلنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) (الكهف:57).
3- السبب الأول للتعارض عدم ثبوت النقل وأمثلة على ذلك
· مثل أن نرى أحاديث مشتملة على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله e وهي كثيرة جدا
1. كقوله في الحديث المكذوب:(من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له) .
2. (ومن فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة في كل مدينة سبعين ألف قصر في كل قصر سبعين ألف حورية). قال ابن القيم: (أمثال هذه المجازفات الباردة لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين:إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقا قصد التنقيص برسول الله e بإضافة مثل هذه الكلمات إليه) .
3. كحديث:(الباذنجان لما أكل له) .
4. (والباذنجان شفاء من كل داء) قبح الله واضعهما فإن هذا لو قاله بعض جهلة الأطباء لسخر الناس منه، ولو أكل الباذنجان للحمى والبرد وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة ولو أكله فقير ليستغني لم يفده غنى، أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم .
5. وكذلك حديث: (إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقة) ولو عطس مئة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي e لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة رجل لم يحكم بصدقه .
6. حديث:(عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب ويكثر الدمعة قدس فيه سبعون نبيا) وقد سئل عبدالله بن المبارك عن هذا الحديث وقيل له إنه يروى عنك فقال: وعني؟! ما أرفع شيئا في العدس، إنه شهوة اليهود ولو قدس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء فكيف بسبعين نبيا وقد سماه الله أدنى البقرة 61 وذم من اختاره على المن والسلوى وجعله قرين الثوم والبصل .
7. وكذلك حديث (اشربوا على الطعام تشبعوا فإن الشرب على الطعام يفسده ويمنع من استقراره في المعدة ومن كمال نضجه) .
8. كحديث (لو كان الأرز رجلا لكان حليما، ما أكله جائع إلا أشبعه) فهذا يصان عنه كلام العقلاء فضلا عن كلام سيد الأنبياء .
9. حديث:(لو يعلم الناس ما في الحلبة لاشتروها بوزنها ذهبا).
10. وحديث: (بئس البقلة الجرجير من أكل منها ليلا بات ونفسه تنازعه، كلوها نهارا وكفوا عنها ليلا).
11. حديث:(فضل الكراث على سائر البقول كفضل البر على الحبوب) .
12. حديث:(إن للقلب فرحة عند أكل اللحم) .
13. حديث (ربيع أمتي العنب والبطيخ) .
14. وحديث (من أكل فولة بقشرها أخرج الله منه من الداء مثلها).
15. وحديث (لا تسبوا الديك فإنه صديق، ولو يعلم بنو آدم ما في صوته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب) .
16. وحديث (من اتخذ ديكا أبيض لم يقربه الشيطان ولا سحر) .
17. وحديث:(إن لله ديكا عنقه مطوية تحت العرش ورجلاه في التخوم) .
18. وحديث :(إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية وإذا رضي أنزله بالعربية) .
19. حديث: (من ولد له مولود فسماه محمدا تبركا كان هو والولد في الجنة)
20. حديث (ما من مسلم دنا من زوجته وهو ينوي إن حبلت منه يسميه محمدا إلا رزقه الله ولدا ذكرا) .
21. ومن ذلك حديث:(إن الناس يوم القيامة يدعون بأمهاتهم لا بآبائهم) والأحاديث الصحيحة بخلافه قال البخاري في صحيحه باب يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم ثم ذكر حديث ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان بن فلان وفي الباب أحاديث أخرى غير ذلك
22. وحديث (من عشق فكتم وعف فمات فهو شهيد) .
فالسبب الأول: أن النقل لم يثبت فينسب مدعى التعارض إلى دين الله ما ليس منه كالذين يتمسكون بأحاديث ضعيفة أو موضوعة وينقلونها للناس دون تمحيص، فماذا يصنع العاقل إذا سمع خطيبا، يذكر في مرة حديثا مرفوعا إلى رسول الله S: (إِنَّ أَوَّل مَا خَلقَ الله القَلمَ، فَقَال لهُ: اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى الأَبَدِ)، ثم يسمعه مرة أخرى يروى حديثا آخر: (أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك)، ثم ثالثا فيه: (أول ما خلق الله نورى)؟ .
لا شك أن العاقل يقف حائرا بين هذه الروايات أي الأشياء خلق أولا ؟ وسيبعث ذلك في نفسه شكا، كما أنه من الخطأ التوفيق بين هذه الروايات قبل البحث عن ثبوتها، وكان يجب على من نقل هذه الروايات أن يتثبت من صحتها أولا، وبالبحث وجد أن الحديث الأول ثابت صحيح (إِنَّ أَوَّل مَا خَلقَ الله القَلمَ، فَقَال لهُ: اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى الأَبَدِ) (وهو حديث صحيح رواه الترمذي وصححه الألباني) .
أما الثاني (أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك) فموضوع باتفاق، كما ذكر العجلونى في كشف الخفا ومزيل الإلباس، وكما ذُكر في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، وأما الثالث (أول ما خلق الله نورى) فهو حديث موضوع أيضا رواه عبدا لرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: (قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء، قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك – خلقه - من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك، ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله..) وعلى هذا المنوال تأتينا اختراعات الصوفية والأباطيل العاطفية، وما شابه ذلك من الأمور البدعية .
فأمثال هذه الأحاديث التي يتناقها غير الراسخين في العلم من الدعاة، هي التي تحدث الفوضى وتدعو إلى تعارض العقل مع النقل، فالعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وينبغي على أهل العلم أن يتقوا الله في نقلهم للأحاديث الضعيفة والموضوعة بحجة ترغيب الناس في الإيمان والطاعة، فإن من أبرز السلبيات التي تظهر من ذلك فتح باب البدعة على مصراعيه، وتشويه الوحي بمصدريه القرآن والسنة .
4- السبب الثاني عدم فهم العقل للنقل وأمثلة على ذلك.
1- الجمع بين نصوص المعية والاستواء وكونه في السماء:(هُوَ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يَعْلمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد:4).قال أبو الحسن الأشعري صفحة 105:(إن قال قائل:ما تقولون في الاستواء ؟ قيل له:نقول:إن الله عز وجل يستوي على عرشه استواء يليق به .. فالسماوات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السماوات قال:(أأمنتم من في السماء) لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات وليس إذا قال:(أأمنتم من في السماء) من يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى الله تعالى ذكر السماوات فقال تعالى:(وجعل القمر فيهن نورا) ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض) .
2- حديث أَبِي هُرَيْرَةَ tأَنَّ رَسُول اللهِ S قَال:(إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَليَغْمِسْهُ كُلهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً) البخاري فى الطب (5782) من معجزات النبى S الطبية التي يجب أن يسجلها له تاريخ الطب بأحرف ذهبية ، ذكره لعامل المرض وعامل الشفاء محمولين على جناحى الذبابة قبل اكتشافهما بأربعة عشر قرنا ، وذكره لتطهير الماء إذا وقع الذباب فيه وتلوث بالجراثيم الموجودة في أحد جناحيه ، فما علينا إلا أن نغمس الذبابة في الماء لإدخال عامل الشفاء الذي يوجد في الجناح الآخر الأمر الذي يؤدي إلى إبادة الجراثيم الموجودة بالماء ، أثبتت التجارب العلمية الحديثة الأسرار الغامضة التي في هذا الحديث ، فهناك خاصية في أحد جناحي الذباب هي أنه يحول البكتريا إلى ناحية منه ، وعلى هذا فإذا سقط الذباب فى شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب أو الطعام ، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأول واحد منها هو مبيد البكتريا ، يحمله الذباب في جوفه قريبا من أحد جناحيه ، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه ، ولذا فإن غمس الذباب كله وطرحه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة به وكاف في إبطال عملها .
3- قال ابن رشد أدلة السمع متعارضة:(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا مَنْ يُطِعِ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلى فَمَا أَرْسَلنَاكَ عَليْهِمْ حَفِيظًا وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّل عَلى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلا) (النساء:78). كيف ندفع هذا التعارض ؟ .
4- ادعاؤهم التعارض في الهداية:(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلمُ بِالمُهْتَدِينَ) (القصص:56)(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِليْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلكِنْ جَعَلنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى:52)كيف ندفع هذا التعارض ؟.
5- ادعاؤهم التعارض في ضرب الأمثال لله:(فَلا تَضْرِبُوا لِلهِ الأَمْثَال إِنَّ اللهَ يَعْلمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلمُونَ) (النحل:74) (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَل لكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى:11)(لِلذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلهِ المَثَلُ الأَعْلى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (النحل:60) (وَهُوَ الذِي يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَليْهِ وَلهُ المَثَلُ الأَعْلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (الروم:27)كيف ندفع هذا التعارض ؟.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22-12-11, 12:20 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الثالثة

المحاضرة الثالثة
العقل والنقل بين السلف والخلف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
· المقصود بمصطلح السلف والخلف .
· أيهما يقدم على الآخر العقل أم النقل ؟ أو هل يمكن أن يكون النقل مطية للعقل ؟
موقف الخلف: فخر الدين الرازي: "إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبارات، فإما أن يُجمع بينهما، وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يردا جميعاً، وإما أن يقدم السمع، وهو محال، لأن العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحاً في النقل والعقل جميعاً، فوجب تقديم العقل. ثم النقل إما أن يُتأول وإما أن يفوض وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما ولم يمتنع ارتفاعهما". وذلك عندهم أمر بلا جدال، ومنهج متبع بلا فصال، وليس لتغييره عندهم مجال .
يقولون: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من عبارات المتكلمين والأشعرية، فإما أن نقدم السمع وهو محال، لأن العقل أصل في ثبوت النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا وطعنا في العقل، الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا، فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول وإما أن يفوض، ويقول أبو حامد الغزالي: (قال أبو حامد الغزالي: من أخذ علمه من العبارات والألفاظ ضل ضلالا بعيدا ومن رجع إلى العقل استقام أمره وصلح دينه) .
وهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه من الأشعرية قانونا شاملا، يقيسون عليه كتاب الله وسنة رسوله قياسا كاملا .
· الرد على قولهم: العقل أصل في ثبوت النقل أن نقول: العقل أصل في العلم بالنقل وليس أصلا في ثبوته.
والجواب أنه إذا تعارض العقل والنقل، لجهل العقل بما ورد في النقل، أو غاب عنه الفهم الصحيح للأدلة القرآنية والنبوية، وجب علي المسلم العاقل قبل التعطيل أو التأويل بغير دليل أن يتقى الله، ولا يقدم عقله وهواه، على كتاب الله وسنة رسوله S، فمهمة العقل تجاه النقل لمن صدق في إسلامه، تصديق المنقول إذا كان خبرا، وتنفيذه إذا كان أمرا .
ومن ثم فإن الله إذا عرفنا بنفسه في النقل الصحيح أو عرفنا بشيء مما في عالم الغيب أو عالم الشهادة وجب على كل إنسان مسلم عاقل أن يصدق بالمنقول عن الرسول S تصديقا جازما يبلغ حد اليقين الذي ينافي الشك، ولا يرد الأدلة ويعطلها زاعما أنه من أصحاب المدرسة العقلية التي تحكِّم العقل في كل شيء حتى في باب الأسماء والصفات فيوجب على الله بعقله أشياء، ويجوز له من الصفات ما يشاء ويجعل ما نزل من السماء، في الخبر عن الصفات، دربا من الخيال أو المستحيلات، قال ابن قيم الجوزية في شفاء العليل:
(العقل الصريح موافق للنقل الصحيح والشرعة مطابقة للفطرة يتصادقان ولا يتعارضان خلافا لمن قال: إذا تعارض العقل والوحي قدمنا العقل على الوحي فقبحا لعقل ينقض الوحي حكمه: ويشهد حقا أنه هو كاذب) .
لماذا تقدمون العقل على النقل ؟
قالوا: لأن العقل أصل في ثبوت النقل، فلولا العقل ما ثبتت صحة النقل، ولا صدق العقلاء رسل الله في بلاغهم، ومن ثم وجب عندنا أن يقدم العقل على النقل عند التعارض، وهذا كلام باطل فارغ، لأن النقل لا يتوقف ثبوته على حكم العقل بصدق النقل، فالنقل أو القرآن والسنة أو الوحي ثابت في اللوح المحفوظ قبل وجود العقلاء، سواء صدق به العقلاء أو كذبوه، ولذلك يقول تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لقَسَمٌ لوْ تَعْلمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا المُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالمِينَ أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ).
وأقسم الله به بالكتاب على أنه في أم الكتاب فقال: (حم وَالكِتَابِ المُبِينِ إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لعَلكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لدَيْنَا لعَلِيٌّ حَكِيمٌ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمْ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ وَكَمْ أَرْسَلنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون فَأَهْلكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ) الزخرف .
فالنقل أو ما جاء في القرآن لا يتوقف ثبوته على حكم العقل بصدق الرسل، فإن تكذيبهم يضرهم ولا يضر الرسل، ويؤثر في مصيرهم، ولا يؤثر في صدق الرسل وبلاغهم عن ربهم، روى البخاري من حديث 5752 ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا أنه قَال:
(خَرَجَ عَليْنَا النَّبِيُّ e يَوْمًا فَقَال عُرِضَتْ عَليَّ الأُمَمُ فَجَعَل يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلانِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ ليْسَ مَعَهُ أَحَدٌ – العقلاء لم يصدقوه فهل العيب في الرسول أو العيب فيمن كذبوه - وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي فَقِيل هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ ثُمَّ قِيل لِي انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ فَقِيل لِي انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ فَقِيل هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ وَمَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ) .
موقف السلف: صحيح البخاري ومسلم 4/1736(2217) عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال (جاء رَجُلٌ إلى النبي e فقال إِنَّ أَخِي اسْتَطْلقَ بَطْنُهُ فقال رسول اللهِ e اسْقِهِ عَسَلا فَسَقَاهُ ثُمَّ جَاءَهُ فقال إني سَقَيْتُهُ عَسَلا فلم يَزِدْهُ إلا اسْتِطْلاقًا فقال له ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جاء الرَّابِعَةَ فقال اسْقِهِ عَسَلا فقال لقد سَقَيْتُهُ فلم يَزِدْهُ إلا اسْتِطْلاقًا فقال رسول اللهِ e صَدَقَ الله وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ فَسَقَاهُ فَبَرَأَ) .
العقل لا يقدم على النقل، والعقل ليس أصلا في ثبوت النقل، وإنما العقل أصل في التعرف على النقل والعلم به، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِليْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلمُونَ) (النحل:43)، فلو آمن صاحب العقل بالنقل، وصدق رسل الله في بلاغهم عن ربهم، فهو المنتفع المستفيد، وإلا فلا يلومن إلا نفسه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على فخر الدين الرازي الذي قال العقل أصل في ثبوت النقل ولذلك وجب تقديم العقل على النقل عند التعارض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (عدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها، فما أخبر به الصادق المصدوق S فإنه ثابت سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه، ومن أرسله الله تعالى إلى الناس فهو رسوله سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق وإن لم يصدقه الناس، وما أمر به عن الله، فالله أمر به وإن لم يطعه الناس، فثبوت الرسالة وثبوت صدق الرسول وثبوت ما أخبر به ليس موقوفا على وجودنا أو عقولنا) .
كما أن شأن العقل مع النقل أو الوحي كشأن العامي المستفتى مع الشيخ العالم المفتي، فإذا عرف العامي المستفتى عالما يفتى الناس في أمور دينهم وعقيدتهم، فسأل الناس عن منزله فدله عليه أحد العامة، ثم اختلف المفتي مع العامي الذي دل المستفتى في حكم من ا؟لأحكام، فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي ورد كلام الذي دله على المفتي، فلوا أن من دله على المفتى قال له: الصواب معي خذ برأي ولا تأخذ برأي المفتى، لأنني أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله على قولي طعنت في الأصل الذي عرفك أنه بأنه مفت، فيقول له المستفتي أنت لما شهدت بأنه مفت ودلتني عليه، شهدت بوجوب اتباعه دون اتباعك، وتقليده دون تقليدك، وموافقتي لك في الطريق إلى منزله، لا تستلزم موافقتي لك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، فيجب عليك تقليد المفتى فيما لا مخالفة فيه لشرع الله، فالمفتي يجوز عليه الخطأ في فتواه ولو علمنا خطأه، فالمعصوم في خبره عن الله هو رسول الله e .
فالسلف الصالح لم يجوزوا أبد أن يكون النقل مطية للعقل بحيث يوجه الإنسان آيات القرآن في غير موضعها، ويحول أدلة السنة في غير مسارها الذي جاءت من أجله، كما فعل أصحاب المدرسة العقلية عندما وضعوا أنسقة فكرية في أذهانهم، كفروض يعملون على إثباتها، وغايتهم من البحث في القرآن والسنة، أن يجدوا بين الآيات والأحاديث، ما يؤيد رأيهم، ويقوى عقلهم، فيما ذهب إليه ولو بتعسف، وإن وجدوا في الأدلة ما يخالف مذهبهم قاموا بتأويل الآيات والأحاديث، تأويلا لا تحتمله النصوص، ولا يقوم على دليل واضح، أو قاموا برد الأحاديث الثابتة بالسند الصحيح بزعم أنها ظنية من رواية الآحاد، التي لا تفيد اليقين في أمور الاعتقاد .



· هل السلف أصحاب جمود عقلي؟ ومتى يقدم العقل على النقل؟
وهنا سؤال أخير ربما يطرحه بعض الأشعرية أو المفتون بالعقل من أصحاب المذاهب العلمانية، فربما يقول أحدهم هل معنى ذلك إن العقيدة السلفية، تحارب العقل وتجعله أسيرا للنقل ؟
أين التفتح والانفتاح، أليس للعقل شيء مباح ؟ الغرب تقدموا بالعقل ووصلوا إلى القمر، وهيمنوا علينا ونحن في ذيل البشر ؟ فأيهما يحكم على الأشياء بالحسن والقبح ؟ فنقول لهؤلاء إن العقول تختلف في نظرتها إلى الأشياء حسنا وقبحا، فما يراه العاقل خيرا يراه غيره شرا، ولذلك تتعارض المذاقات وتشتعل الخلافات، فهل الحسن والقبح في الأشياء، مرده إلى النقل فقط دون اعتبار للعقل ؟
والجواب هنا يتعلق بفهمنا للأحكام الشرعية التكليفية، فالواجب والمستحب والمحرم والمكروه هذه الأربعة السيادة فيها للنقل للقرآن والسنة، النقل هو الذي يحكم هنا بحسن الأشياء وقبحها، والعقل تابع فيها للنقل يؤيده ويعضده ولن يجد عاقل في فطرته ما يخالف الأحكام التكليفية أو يعارض الشريعة الإسلامية، أما إذا قُدم العقل على النقل في الواجب والمستحب، والمحرم والمكروه من الأحكام، فسوف تظهر البدعة في الإسلام، وسوف تتغير ملامح الشريعة، وتصبح ألعوبة في يد المبتدع .
وأما دور العقل في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح فهذا مقصور على المباح من الأحكام فقط، فالقيادة والسيادة هنا للعقل والنقل يؤيده ويعضده ويعاونه ويساعده، فقد ثبت عند الإمام مسلم من حديث رافع بن خديج قال: (قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ S المَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْل يَقُولُونَ: يُلقِّحُونَ النَّخْل، فَقَال: مَا تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَال: لعَلكُمْ لوْ لمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ قَال: فَذَكَرُوا ذَلكَ لهُ، فَقَال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ).
وعند مسلم أيضا من حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ S مَرَّ بِقَوْمٍ يُلقِّحُونَ فَقَال: لوْ لمْ تَفْعَلُوا لصَلُحَ، قَال: فَخَرَجَ شِيصًا – أي بلحا لا يؤكل - فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَال: مَا لنَخْلكُمْ ؟ قَالُوا: قُلتَ كَذَا وَكَذَا، قَال: أَنْتُمْ أَعْلمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ) . فالرسول S ترك الحكم بالحسن والقبح إلى عقولهم، واجتهادهم وخبرتهم في الحياة، فآرائهم مقبولة في المباحات من أمور الدنيا، دون بقية الأحكام الشرعية، أو التكليفات الدينية، فنقول لهؤلاء العقلاء، اصعدوا إلى القمر لتكتشفوا أسرار الكون وعظمة الله، وأرسلوا المركبات الفضائيه والتلسكوبات القوية لتراقبوا أعداء الله، وخذوا بأسباب القوة وسائر العلوم التي تنصروا بها دين الله، لكنهم يجاهرون الله بالعصيان، تشبها بالغرب في الكفر والفسوق والعصيان، فأنت أيها المتحرر الذي ترى في الغرب أسوة، هل تأسيت بهم في العلم المادي، أم تشبهت بفسقهم وسميت ذلك تقدما حضاري ؟ تفعل أفعال الكافرين الذين يستحقرون ديننا ويبغضون المؤمنين، فتسير خلفهم شبرا بشر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب دخلته خلفهم، ولبست لباسهم، وتعريت مثلهم وشربت خمرهم، وألفت سكرهم، وطعمت بيسراك طعامهم، وشاهدت في التلفاز رقصهم، ثم قلدتهم وقلد أولادك مجونهم، ونشرت بجهلك فكرهم، وقلدت بغبائك أفعالهم، وخرجت عن وصفك، وواليتهم على بنى جنسك، ثم سميت ذلك حضارة، وعقلا وتحررا واستنارة، ثم تأتى وتقول أنا مسلم متحرر أشهد ألا إله إلا الله، ولن أغير حياتي وسأبقى على هذا إلى يوم وفاتي، أتكذب على نفسك، أين الصدق في عهدك لربك ؟ لا إله إلا الله ليست مجردَ كلمة خرجت من اللسان، لا شروط لها ولا أركان، فالله عز وجل أنعم علي الإنسان بنعمة العقل، وجعل العقل محل التمييز وأساس الإدراك، وجعل له حدودا وقيودا لا يتجاوزها، فإن تجاوزها أصبح نقمة لا نعمة، فعلماء السلف الصالح جوزوا إعمال الفكر والعقل فيما يؤدى إلى إظهار الدين ونصرة المسلمين، والعمل بمقتضى القر
آن والرد على المخالفين، الذين يقدمون آراءهم على كتاب رب العالمين وسنة سيد الأنبياء والمرسلين .
· قاعدة في أصول العقيدة متعلقة بالعلاقة بين العقل والنقل:
1. تقديم العقل على النقل في باب الخبر يؤدي إلى بدع الاعتقادات ومن أمثلة ذلك .
أولا: بدعة المعتزلة في إثبات الأسماء ونفي الصفات .
الأصول الخمسة، ابتدع أهل الاعتزال معني جديدا للتوحيد غير ما عرف بين الصحابة والتابعين وعلماء السلف فقالوا التوحيد إثبات الأسماء ونفي الصفات، فجعلوا القرآن عضين يقبلون منه ما يوافق آراءهم الفاسدة ويعطلون ما يخالفها .
ومعني قولهم بإثبات الأسماء ونفي الصفات أنهم أثبتوا وجود ذات الله فقط بلا أي صفة لها، وجعلوا أسماء الله الدالة عليها أسماء فارغة من الأوصاف بلا مسمي، فقالوا: هو العليم لكن لا يتصف بصفة العلم .ولتبسيط فكرتهم نقول: فلان اسمه سعيد، لكن لو بحثت عن صفة السعادة فيه، فربما يكون سعيدا أو شقيا، فإن كانت الأولى قلنا: سعيد اسم على مسمي، وذاته متصفة بصفة السعادة، وإن كانت الثانية قلنا: سعيد اسم فارغ من المسمي وذات بلا صفة لأنه شقي .
فأسماء الله عند السلف أسماء على مسمي، فهو الغني الذي يتصف بالغني لا الفقر، وهو القوي الذي يتصف بصفة القوة لا الضعف، وهو السميع يتصف بصفة السمع تعالى الله عن ضدها، وهكذا في سائر الأسماء والصفات، ولهذا كانت أسماؤه حسني وعظمي، ولا تكون حسني وعظمي بغير ذلك، قال تعالى: } وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَي فَادْعُوهُ بِهَا {، فدعاء الله بها أن يقول الفقير: يا غني أغنني بفضلك عمن سواك، ولولا يقين الداعي الفقير أن الله غني ولا نظير له في غناه ما دعاه، وأن يقول الضعيف: يا قوي قوني، فلولا يقينه أنه سبحانه لا شبيه له في قوته ما دعاه .
وهكذا يعلم أصحاب الفطرة السليمة أن الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء بسسب العظمة في أوصافه كما قال: } أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءلَهٌ مَعَ الله قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ { [الأعراف:180].
فعلم العقلاء أنه لا يجيب المضطر إذا دعاه، وهو عاجز لا صفة له مطلقا، فمن يجيب أهل الاعتزال إذا كان معبودهم بلا صفة عندهم وأسماؤه فارغة بلا مسمي .
وهذا المذهب الخبيث يترتب عليه أن قوله تعالى: } وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَي فَادْعُوهُ بِهَا { [النمل:62]، لا قيمة له عندهم، وكذلك تعداد الأسماء الحسني في قوله صلي الله عليه وسلم: ( إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنّةَ )، لأن تعداد الأسماء الحسني أو الدعاء بها مبني على إثبات .
وأي نقص في حق الله أعظم من أن يكون الله عز وجل لا صفة له عند المعتزلة - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا- إن الواحد منا لا يقبل هذا على نفسه، فلو قال لك قائل: أنت لا صفة لك عندي، ربما خاصمته دهرا، لأن الفطرة مجبولة على إثبات الأوصاف الحميدة، فمن العجب أن يثبتوا لأنفسهم أجود الأوصاف، وينفون عن الله الذي ليس كمثله شيء سائر أوصاف الكمال، ومن ثم لا بد من الإيمان بصفات الله جميعها، كالإيمان بوجود ذاته، فالقول في الذات كالقول في الصفات سواء بسواء .
ثانيا: بدعة الأشعرية في إثبات بعض الصفات ورد البعض:
ابتدعوا تقسيما عجيبا في صفات الله على أهوائهم، فقالوا: الوجود صفة نفسية، والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية صفات سلبية، والقدرة والإرادة والعلم والحياة والكلام والسمع والبصر صفات معاني أو معنوية، وبقية الصفات الواردة في القرآن والسنة خبرية تدل على التشبيه وظاهرها غير مراد لأنه باطل قبيح لا يثبته العقل، حتى قال قائلهم كما سبق:
وكل نص أوهم التشبيه : أوِّله أو فوِّض ورم تنزيها .
ولو سألناهم: لم أثبتم قدرته سبحانه وإرادته وعلمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره مع أنها وردت في الكتاب والسنة ونفيتم صفة المحبة والرضي والغضب والاستواء والعلو والمجئ وسائر الصفات الخبرية مع أنها أيضا وردت في الكتاب والسنة ؟ قالوا: لأن الصفات التي أثبتناها لا تدل على التشبيه، أما الصفات التي نفيناها تدل على التشبيه، فيقال لهم: العقلاء لا يقرون هذا، فالقول في الصفات كالقول في بعض، فإما أن تقولوا بالتمثيل الباطل في الذات وجميع الصفات كما فعل الممثل وقال: إرادة الله مثل إرادة المخلوق، ومحبته ورضاه وغضبه واستواءه وعلوه وسائر الصفات الخبرية مثل أوصاف المخلوق، ومعلوم أن هذا كذب على الله وقياس باطل محرم .
وإما أن تقولوا كما قال أهل التوحيد: إرادة الله تليق به، وإرادة المخلوق تليق به والله ليس كمثله شيء في إرادته ومحبته ورضاه وغضبه واستواءه وعلوه وسائر الصفات الثابتة في الكتاب والسنة كما هو اعتقاد أهل الحق .
أما أن يأتي صاحب المذهب الأشعري بحجج عقلية سقيمة ينفي بها ما يشاء ويثبت من صفات الله فالعقل لن يسأم من مقارعة الحجة بالحجة، فإن قال: نفيت الغضب لأنه غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا لا يجوز على الخالق سبحانه وتعالى، قيل له: والإرادة التي أثبتها ميل القلب إلي جلب منفعة أو دفع مضرة، وهذا لا يجوز على الخالق سبحانه وتعالى، فإن قال: هذه إرادة المخلوق، أما إرادة الخالق فليست كذلك، قيل له: وهذا الغضب الذي وصفته غضب المخلوق، أما غضب الخالق فليس كذلك، وهذا لازم في كل صفة أثبتها أو نفاها .
· تقديم العقل على النقل في باب الأمر يؤدي إلى بدع العبادات.
وقال شيخ الإسلام أَبو عثمان إِسماعيل الصابوني رحمه الله : (وعَلاماتُ أَهلِ البدَعِ عَلى أَهلها بادية ظاهرة ، وأَظهرُ آياتهم وعَلاماتهم شدَةُ مُعاداتهم لحمَلة أَخبار النبِيِّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واحتقارهم لهُم ، وتَسميتهم حَشويَّة ، وجَهلة ، وظاهرية ، مُشبهة ؛ اعتقادا منهُم في أَخبار رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّها بمعزل عن العلم ، وأَن العلم ما يُلقيهِ الشيطانُ إِليهِم من نتائجِ عُقولهم الفاسدة ، ووساوس صُدورهم المُظلِمَة) .
وقد بينَ الإِمام الشافعي حكم أَهل البدع والأَهواء ، في قوله : (حُكْمي في أَصْحابِ الكَلامِ أَنْ يُضرَبوا بالجريد ، ويُحْمَلوا عَلَى الإِبلِ ، ويُطاف بهم في العشائرِ والقَبائلِ ؛ ويقال هذا جَزاءُ مَنْ تَرَك الكتابَ والسنة ، وأَخَذَ في الكَلام ).
قال الإمام أَحمد بن سنان القطان رحمه الله تعالى : ( لَيْسَ في الدنيا مُبْتَدع ؛ إِلا وهو يُبْغضُ أَهلَ الحَديث ، فإِذا ابْتَدَعَ الرجُلُ نُزِعَتْ حَلاوَةُ الحَديثِ من قَلْبِه) التذكرة للإمام النووي .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (يَأتِي أنَاس يُجادلونكُم بشُبُهات القرآن ؛ خُذوهُم بالسنَنِ ؛ فإِن أَصْحابَ السّنَنِ أَعْلمُ بكتِاب اللهِ) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة .
وقال الفضيل بن عياض: (صاحبُ بدعَة لا تَأمَنْه عَلى دينِكَ ، ولاَ تُشَاورهُ في أَمْرِكَ ، ولاَ تجلس إِليه ، ومَنْ جَلَسَ إِلى صاحِبِ بدعة أَوْرثَهُ اللهُ العَمَى) يعني في قلبه .
وقال عبد الله بن المبارك: (اللَّهُمَ لاَ تَجْعَلْ لِصَاحِبِ بِدْعَة عِنْدي يَدا ؛ فَيُحبه ) .
وقال سفيان الثوري رحمه الله : (مَنْ أصغى سَمْعَهُ إِلَى صَاحب بِدْعَة وهُو يَعْلَمُ أَنهُ صاحِبُ بِدْعَةٍ ؛ نُزِعَتْ مِنْهُ العِصْمَةُ ، ووُكِل إلَى نَفْسِه ) .
وقال الأَوزاعي رحمه الله تعالى : (لاَ تُمكنوا صاحِبَ بِدْعَةٍ منْ جَدَلٍ ؛ فَيورثَ قُلوبَكُم منْ فِتْنَتِهِ ارْتيابا) .
وعن الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى : أَنهُ رأَى قوما يتكلمون في شيء من الكلام فصاح ، وقال : (إِما أَنْ تُجاورونا بِخَيْر ، وَإمَا أَنْ تَقُوموا عنا) .

وقال إِمام أَهل السُّنَة أَحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : (إِن أَهلَ البدَعِ والأَهْواءِ ؛ لاَ يَنْبَغي أَنْ يُسْتَعانَ بِهِم في شَيء مِنْ أمورِ المُسْلميَنَ ؛ فإن في ذَلِكَ أَعْظَم الضرر علَى الدين) .

وقال الإمام عبد الرحمن بن مهدى رحمه الله تعالى : (إِنه لَيْسَ في أَصْحاب الأَهْواءِ شَر مِنْ أَصْحابِ جَهم ؛ يُريدون عَلى أَنْ يَقُولوا : لَيسَ في السَماءِ شَيء : أَرى وَاللهِ أَلا يُنَاكَحُوا ، وَلاَ يُوَارثُوا).
وقال أَبو قلابة البصري رحمه الله تعالى : (لاَ تُجالسوا أَهلَ الأَهْواء ؛ فَإِنكم إن لَمْ تَدْخلوا فيما دَخَلوا فيه لبسوا عَلَيْكُم مَا تَعْرِفون).
وقال أَبو محمد الحسين بن مسعود ابن الفرَّاء البغوي : (قَدْ مَضىَ الصحابةُ والتابعونَ وأَتْباعُهم وعُلماءُ السُّنَةِ عَلَى معُاداةِ أَهلِ البِدَعِ ومُهاجَرَتهِم..كلّ عبادة لم يَتَعبدْ بها أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وآله وسلم- فلاَ تَتَعبَّدوا بها ؛ فإِن الأَوَّلَ لَمْ يَدع للآخِر مَقالا ؛ فاتَّقوا اللهَ يا مَعْشَر القرَّاء ، خُذوا طَريقَ مَنْ كان قَبلكُم)
وعن ابن الماجشون ، قال : سمعت مالكا يقول : (مَن ابْتَدَعَ في الإِسلام بدعة يَراها حَسَنة؛ فَقَدْ زَعَمَ أَن مُحمّدا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خانَ الرّسالةَ ؛ لأَن اللهَ يقولُ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، فما لَم يَكُنْ يَوْمَئذ دينا فَلا يكُونُ اليَوْمَ دينا) .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 22-12-11, 12:23 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الرابعة

المحاضرة الرابعة
طريقة الصحابة في فهم العقيدة
منهج الصحابة والتابعين في فهم القرآن والسنة .
حقيقة الإسلام في القرون الفاضلة قبل قيام الفرق والمذاهب كانت ممثلة في تصديق الصحابة لخبر الله وتنفيذ أمره، فتصديق الخبر هو معنى الإيمان، وتنفيذ الأمر هو معنى الإسلام، وهذا المنهج يعتبر منهجا إيمانيا فطريا مبنيا على الفهم الدقيق لحقيقة الإسلام والإيمان، فهم كانوا يصدقون خبر الله ورسوله e تصديقا جازما ينفي الوهم والشك والظن، وينفذون الأمر تنفيذا كاملا يقوم على الطاعة والإخلاص والحب بحيث تنسجم فطرتهم النقية مع توجيه النصوص القرآنية والنبوية .
ذلك المبدأ ـ أعني مبدأ تصديق الخبر وتنفيذ الأمر بعيدا عن الفلسفات العقلية والآراء الكلامية التي أحدثتها مختلف الفرق الإسلامية ـ هو غاية من جاء بعدهم وسلك دربهم في مختلف العصور، مهما تنوعت كلماته أو بدت اعتقاداته في توحيد الله U والعمل بأحكامه، فالمسلم الصادق في عصر خير القرون عندما يشهد ألا إله إلا الله فإنه يكون قد عقد في نفسه عقدا أن الله U هو المعبود الحق الذي يصدق في خبره دون تكذيب، والذي يطاع في أمره دون عصيان، وتلك حقيقة الإيمان التي نزل بها القرآن وفهمها أصحاب اللسان .
وقد بين ابن القيم رحمه الله أن أساس التوحيد والهداية التي منَّ الله U بها على عباده يقوم على تصديق خبر الله من غير اعتراض شبهة، وامتثال أمره من غير اعتراض شهوة، ثم يقول: (وعلى هذين الأصلين مدار الإيمان، وهما تصديق الخبر وطاعة الأمر) ([1]) .
ولما كان الصحابة y هم أهل الفصاحة واللسان، وقد خاطبهم الله U بنوعي الكلام في القرآن فإن منهجهم في مسائل التوحيد والإيمان هو تصديق الخبر وتنفيذ الأمر، فلو أخبرهم الله عن شيء صدقوه تصديقا جازما يبلغ حد اليقين ن، وهذا ما عرف لاحقا عند المتمسكين بمنهج السلف الصالح بتوحيد العلم والخبر، أو توحيد المعرفة والإثبات، أو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أو غير ذلك من مسميات واصطلاحات .
والصحابة y لو أمرهم الله بشيء نفذوه تنفيذا كاملا بالقلب واللسان والجوارح وهو ما عرف لاحقا بتوحيد العبادة، أو توحيد الإلوهية، أو توحيد القصد والطلب لأن غاية التوحيد العظمى وطريقة السلف المثلى التي جاهدوا المخالفين لإلزامهم بها أن يثبتوا ما أثبته الله U لنفسه بتصديق خبره، وأن يطيعوا الله فيما أمر به على لسان نبيه e، وقد أجمع الصحابة y إجماعا سكوتيا دون مخالف أن يصدقوا خبر ربهم وبلاغ نبيهم، وأن ينفذوا أمر معبودهم عن خضوع وتسليم ومحبة وتعظيم، ولم يكن بينهم من دان بغير ذلك، ومن شك في ذلك فما قدرهم حق قدرهم، وما أدرك حقيقة إيمانهم وإسلامهم رضي الله عنهم أجمعين.
· الإيمان عند الصحابة في أبسط صوره هو تصديق الخبر وتنفيذ الطلب
الخبر هو ما يحتمل الصدق أو الكذب ويتطلب التصديق:
الوهم . الشك . الظن . علم اليقين . عين اليقين . حق اليقين .
قال تعالى:} وَقَوْلهِمْ إِنَّا قَتَلنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُول اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لهُمْ وَإِنَّ الذِينَ اخْتَلفُوا فِيهِ لفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لهُمْ بِهِ مِنْ عِلمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً{ (النساء:157) .
وقال:} وَإِذَا قِيل إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ{ (الجاثية:32).
وقال:} وَلوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَل صَالحاً إِنَّا مُوقِنُونَ{ (السجدة:12).
وقال تعالى:}وَاسْتَبَقَا البَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلفَيَا سَيِّدَهَا لدَى البَابِ قَالتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَليمٌ قَال هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَلمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَال إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخَاطِئِينَ{ (يوسف:26).
وقال تعالى:}فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَال أَحَطتُ بِمَا لمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُل شَيْءٍ وَلهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ للشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيل فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلا يَسْجُدُوا للهِ الذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلنُونَ اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ قَال سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلقِهِ إِليْهِمْ ثُمَّ تَوَل عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ{ (النمل:27) .
· موقف الصحابة من خبر الله ورسوله e:
روى الإمام البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنه قَال: (لمَّا نَزَلتْ:}وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ{, صَعِدَ النَّبِيُّ e عَلى الصَّفَا ف، َجَعَل يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ لبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَل الرَّجُلُ إِذَا لمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَل رَسُولا ليَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَال: أَرَأَيْتَكُمْ لوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَليْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَليْكَ إِلا صِدْقًا، قَال فَإِنِّي نَذِيرٌ لكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَال أَبُو لهَبٍ: تَبًّا لكَ سَائِرَ اليَوْمِ أَلهَذَا جَمَعْتَنَا ؟ فَنَزَلتْ: }تَبَّتْ يَدَا أَبِي لهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ { 15/357 .
وروى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلةَ الأُسَيِّدِيِّ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُول اللهِ e أنه قَال: (لقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَال: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلةُ ؟ قَال: قُلتُ نَافَقَ حَنْظَلةُ، قَال: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ ؟ قَال قُلتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُول اللهِ eيُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُول اللهِ eعَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَال أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لنَلقَى مِثْل هَذَا، فَانْطَلقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلنَا عَلى رَسُول اللهِ eقُلتُ: نافَقَ حَنْظَلةُ يَا رَسُول اللهِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ e: وَمَا ذَاكَ ؟ قُلتُ: يَا رَسُول اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَال رَسُولُ اللهِ e: وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لوْ تَدُومُونَ عَلى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لصَافَحَتْكُمْ المَلائِكَةُ عَلى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلكِنْ يَا حَنْظَلةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلاثَ مَرَّاتٍ) 13/303 .
وروى البخاري من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ e فَقَال: (أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ ؟ فَقَال: اسْقِهِ عَسَلا، ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَال: اسْقِهِ عَسَلا، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالثَةَ فَقَال: اسْقِهِ عَسَلا، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَال: قَدْ فَعَلتُ، فَقَال: صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسَلا، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ) . وفي رواية عند ابن ماجة جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ e فَقَال: (إِنَّ أَخِي اسْتَطْلقَ بَطْنُهُ فَقَال: اسْقِهِ عَسَلا، فَسَقَاهُ، فَقَال: إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلمْ يَزِدْهُ إِلا اسْتِطْلاقًا، فَقَال: صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ) . والرسول eيعني قوله تعالى: } يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلفٌ أَلوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ للنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلكَ لآيَةً لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ { (النحل:69)
بل كان رسول الله يذكر في فضل تصديق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما يؤمنان بكل ما أخبر به النبي ثقة منه فيهما كما ورد في الصحيحين من حديث َأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَال:(صَلى رَسُولُ اللهِ e صَلاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَل عَلى النَّاسِ فَقَال: بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقَالتْ: إِنَّا لمْ نُخْلقْ لهَذَا إِنَّمَا خُلقْنَا للحَرْثِ، فَقَال النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ بَقَرَةٌ تَكَلمُ ؟ فَقَال: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ ؟ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، فَطَلبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَقَال لهُ الذِّئْبُ: هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لا رَاعِيَ لهَا غَيْرِي، فَقَال النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ ذِئْبٌ يَتَكَلمُ ؟ قَال: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ) .
وعند ابن ماجة وصححه الألباني من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ e قَال: (إِنَّ المَيِّتَ يَصِيرُ إِلى القَبْرِ، فَيُجْلسُ الرَّجُلُ الصَّالحُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلا مَشْعُوفٍ ثُمَّ يُقَالُ لهُ: فِيمَ كُنْتَ ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الإِسْلامِ فَيُقَالُ لهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ e، جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَالُ لهُ: هَل رَأَيْتَ اللهَ ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللهَ، فَيُفْرَجُ لهُ فُرْجَةٌ قِبَل النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِليْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لهُ: انْظُرْ إِلى مَا وَقَاكَ اللهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لهُ قِبَل الجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، وَيُقَالُ لهُ عَلى اليَقِينِ كُنْتَ، وَعَليْهِ مُتَّ، وَعَليْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَيُجْلسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْعُوفًا، فَيُقَالُ لهُ: فِيمَ كُنْتَ ؟ فَيَقُولُ لا أَدْرِي، فَيُقَالُ لهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلا فَقُلتُهُ، فَيُفْرَجُ لهُ قِبَل الجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لهُ: انْظُرْ إِلى مَا صَرَفَ اللهُ عَنْكَ ثُمَّ يُفْرَجُ لهُ فُرْجَةٌ قِبَل النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِليْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ عَلى الشَّكِّ كُنْتَ وَعَليْهِ مُتَّ وَعَليْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى) 12/339 .


موقفهم الصحابة في باب الأمر والطلب:

الطلب هو ما لا يحتمل الصدق أو الكذب ويتطلب التنفيذ
قال تعالى:}فَليَحْذَرِ الذِينَ يُخَالفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ{(النور:63).
روى مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قَال: (بَايَعْنَا رَسُول اللهِ e عَلى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ وَالمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلى أَثَرَةٍ عَليْنَا، وَعَلى أَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلهُ، وَعَلى أَنْ نَقُول بِالحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لا نَخَافُ فِي اللهِ لوْمَةَ لائِمٍ) 9/373 .
وعنده من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e قال: (عَلى المَرْءِ المُسْلمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) .
روى البخاري 20/87 من حديث أبي هُرَيْرَةَ t أنه كَانَ يَقُولُ: (أَاللهِ الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلى الأَرْضِ مِنْ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلى بَطْنِي مِنْ الجُوعِ، وَلقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلى طَرِيقِهِمْ الذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلتُهُ إِلا ليُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلمْ يَفْعَل، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلتُهُ إِلا ليُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلمْ يَفْعَل، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو القَاسِمِ e ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَال: يَا أَبَا هِرٍّ، قُلتُ: لبَّيْكَ يَا رَسُول اللهِ، قَال: الحَقْ، وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَل فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لي، فَدَخَل فَوَجَدَ لبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَال: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللبَنُ ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لكَ فُلانٌ أَوْ فُلانَةُ، قَال: أَبَا هِرٍّ، قُلتُ: لبَّيْكَ يَا رَسُول اللهِ، قَال: الحَقْ إِلى أَهْل الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لي .
قَال: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلامِ، لا يَأْوُونَ إِلى أَهْلٍ وَلا مَالٍ، وَلا عَلى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِليْهِمْ وَلمْ يَتَنَاوَل مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَل إِليْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلكَ فَقُلتُ: وَمَا هَذَا اللبَنُ فِي أَهْل الصُّفَّةِ، كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي، فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللبَنِ، وَلمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولهِ e بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالسَهُمْ مِنْ البَيْتِ، قَال: يَا أَبَا هِرٍّ، قُلتُ: لبَّيْكَ يَا رَسُول اللهِ، قَال: خُذْ فَأَعْطِهِمْ، قَال: فَأَخَذْتُ القَدَحَ، فَجَعَلتُ أُعْطِيهِ الرَّجُل فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَليَّ القَدَحَ فَأُعْطِيهِ الرَّجُل فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَليَّ القَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَليَّ القَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلى النَّبِيِّ e وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ القَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِليَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَال: أَبَا هِرٍّ، قُلتُ: لبَّيْكَ يَا رَسُول اللهِ، قَال: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ، قُلتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُول اللهِ، قَال: اقْعُدْ فَاشْرَبْ، فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَال: اشْرَبْ فَشَرِبْتُ، فَمَا زَال يَقُولُ اشْرَبْ حَتَّى قُلتُ: لا وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَجِدُ لهُ مَسْلكًا، قَال:فَأَرِنِي فَأَعْطَيْتُهُ القَدَحَ فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الفَضْلةَ) .
روى الإمام مالك في موطأه من حديث ابْنِ أَبِي مُليْكَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَجْذُومَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ بِالبَيْتِ فَقَال لهَا: يَا أَمَةَ اللهِ لا تُؤْذِي النَّاسَ لوْ جَلسْتِ فِي بَيْتِكِ، فَجَلسَتْ فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ بَعْدَ ذَلكَ فَقَال لهَا: إِنَّ الذِي كَانَ قَدْ نَهَاكِ قَدْ مَاتَ فَاخْرُجِي، فَقَالتْ:مَا كُنْتُ لأُطِيعَهُ حَيًّا وَأَعْصِيَهُ مَيِّتًا 3/302 .
ما معنى الإيمان في حديث سفيان؟
وقد كان إرشاد النبي e لأصحابه يهدف إلى التسليم للوحي والإيمان به دون نزاع وأن صلاحهم يكمن في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله e، روى مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي t أنه قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِى فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ ؟ ـ وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ غَيْرَكَ قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ) ([2]) .
وأصل الاستقامة الاعتدال على الطريق الذي رسمه النبي e لأصحابه في خط مستقيم، ولا يكون الاعتدال إلا بشمولية الإيمان بكل ما ورد عن الله ورسوله من أخبار والتسليم لكل ما جاء عنهما من تشريعات وأوامر ؛ فإن التقصير في جانب سيؤدي إلى المبالغة أو الانحراف في جانب آخر.
روى أحمد وصححه الألباني من حديث ابن مسعود t أنه قال: (خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ e خَطًّا ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: } وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ { [الأنعام:153]) ([3]) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الكلام فى باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفى والإثبات، والكلام فى الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفيا وإثباتا، والانسان يجد فى نفسه الفرق بين النفى والإثبات والتصديق والتكذيب وبين الحب والبغض والحض والمنع حتى ان الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة ومعروف عند أصناف المتكلمين فى العلم كما ذكر ذلك الفقهاء فى كتاب الأيمان وكما ذكره المقسمون للكلام من اهل النظر والنحو والبيان فذكروا أن الكلام نوعان خبر وانشاء والخبر دائر بين النفى والاثبات والأنشاء أمر أو نهى أو اباحة، وإذا كان كذلك فلا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب اثباته له من صفات الكمال وينفى عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال ولا بد له فى أحكامه) .
وقد ظل أمر السلف الصالح في القرون الفاضلة على نهج الوسطية والاعتدال والشمولية، يسيرون بفضل الله على درب نبيهم، يلتزمون بالسنة لا يقصرون فيها ولا يهونون منها، ويحذرون من البدعة وينبهون على خطورتها .
وظلت أمور العقيدة على هذا الحال صافية نقية والأمة الإسلامية تؤدي حقيقة العبودية التي أرادها الله U من استخلاف البشرية، حتى ظهر أثر الحاقدين في التشويش على عقيدة المؤمنين، وبرز فكر الجاهلين الذين يقدمون آراءهم وأهواءهم على كل نص قرآني أو حديث نبوي، فكان من أبرزهم في التاريخ الإسلامي عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أسهم في تفرق الأمة الإسلامية، وكان سببا مباشرا في ظهور الشيعة والخوارج كأبرز فرقتين ضالتين بين الطوائف الإسلامية .
سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك

نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني

(1) مفتاح دار السعادة 1/40 .

(1) مسلم في الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام 1/65 (38) .

(1) مسند الإمام أحمد 1/435 (4142)، وانظر تصحيح الألباني في شرح العقيدة الطحاوية 587 .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22-12-11, 12:27 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الخامسة

المحاضرة الخامسة
تاريخ المذهب العقلي
· بدعة الجهمية وظهور المدرسة العقلية؟
أساس البلاء وسبب الشقاء وحامل لواء مقدمي الآراء على كتاب الله وسنة رسوله e رجل يدعى الجهم بن صفوان الخرساني الذي توفى في نهاية الربع الأول من القرن الثاني الهجري ([1]) .
وكان الجهم متحذلقا كثير الكلام والجدال، ولم يكن له علم ولا مجالسة لأهل العلم بل كلامه وجداله أساسه الرأي والهوى، ويذكر العلماء أن الجهم استمد فكره من طريقين:
أحدهما طريق يهودي، والآخر طريق وثني، فقد تربّى الجهم بن صفوان على يد أستاذه الجعد بن درهم، وهو رجل من المنكرين لأوصاف الله بحجة نفي التشبيه، أخذ جل أفكاره وآراءه عن أبان بن سمعان الذي كان تلميذا لطالوت بن أخت لبيد بن الأعصم الساحر اليهودي الذي سحر النبي e في مشط ومشاطة .
قال ابن تيمية: (أصل مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فان أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام أعنى أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى بمعنى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم ابن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي، وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم) ([2]) .
وقد تجلى حقد اليهود بعد هزيمتهم والقضاء عليهم في إقدامهم على إيذاء النبي e بسحرهم وطرقهم المعهودة في الغدر والوقيعة بين أبناء الأمة، روى الإمام البخاري من حديث عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أنها قَالتْ: (سَحَرَ رَسُول اللهِ e رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لهُ لبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، حتى كَانَ رَسُولُ اللهِ e يُخَيَّلُ إِليْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلهُ ـ تقصد الجماع حيث يظن النبي e أنه على جنابة ـ حتى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ ليْلةٍ وَهُوَ عِنْدِي، لكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا، ثُمَّ قَال: يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْليَّ، فَقَال أَحَدُهُمَا لصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُل؟ فَقَال: مَطْبُوبٌ، قَال: مَنْ طَبَّهُ ؟ قَال: لبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَال: فِي أَيِّ شَيْءٍ ؟ قَال: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلعِ نَخْلةٍ ذَكَرٍ، قَال: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَال: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ، فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ e فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَال: يَا عَائِشَةُ، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، قُلتُ: يَا رَسُول اللهِ أَفَلا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَال: قَدْ عَافَانِي اللهُ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ على النَّاسِ فِيهِ شَرًّا، فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ) ([3]) .
وفي رواية أخرى عند البخاري: (فَقُلتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ ؟ فَقَال: لا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلكَ على النَّاسِ شَرًّا، ثُمَّ دُفِنَتِ البِئْرُ) ([4]) .
ذلك السحر إنما صدر عن حقد يهودي امتد ليفرق كلمة الأمة بظهور عبد الله بن سبأ اليهودي ثم امتد ليصل إلى الجعد بن درهم وتلميذه الجهم بن صفوان، فعقائد الجهم ونظرياته إنما هي تشكيك في العقيدة واعتراض على الوحي استقاها من أسس يهودية بعيدة كل البعد عن منهج الصحابة في العقيدة الإسلامية .

أما الطريق الثاني الذي استمد منه الجهم بن صفوان فكره فهو طريق وثني ظهر إثر احتكاكه بالمشركين، فالجهم لقي أناسا من المشركين يقال لهم السمنية نسبة إلى قرية بالهند تسمى سُومَنَات، وهي فرقة تعبد الأصنام وتقول بتناسخ الأرواح وتنكر الوحي والدين، جرت بينهم وبين الجهم مناظرة عقلية، لما عرفوا الجهم قالوا له: نكلمك ونناظرك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلها ؟ قال الجهم: نعم قالوا له: فهل رأيت إلهك ؟ قال: لا، قالوا: فهل سمعت كلامه ؟ قال: لا قالوا: فهل شممت له رائحة ؟ قال: لا، قالوا: فوجدت له حسا ؟ قال: لا، قالوا: فما يدريك أنه إله ؟ فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ([5]) .
وقد استدرك الجهم بن صفوان حجة كحجة النصارى الذين يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو الله، وأن الله يحل فيه، فإذا أراد الله أمرا دخل في عيسى فتكلم على لسانه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائبة عن الأبصار، فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة وقال لمن ناظره من السمنية: ألست تزعم أن فيك روحا؟ قال السمني: نعم، فقال له: هل رأيت روحك ؟ قال: لا، قال: فسمعت كلامها؟ قال: لا، قال: فوجدت لها حسا ؟ قال: لا، قال: فكذلك الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، وهو في كل مكان، فالمخلوقات بمثابة الجسد والله U في داخلها بمثابة الروح ([6]) .
شككوه في دينه حتى ترك الصلاة أربعين يوما، وقال: لا أصلي لمن لا أعرفه ثم اشتق هذا الكلام فأنكر عليه الوالي فقال: إذا ثبت عندي من أعبده صليت له فضرب عنقه ([7]) .
قال أبو معاذ البلخي: (كان جهم على معبر ترمذ ـ بلد من نواحي إيران ـ وكان رجلا كوفي الأصل فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسه لأهل العلم، وكان قد تناقل كلام المتكلمين وكلمه السمنية، فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده؟ فدخل البيت لا يخرج كذا وكذا، ثم خرج عليهم بعد أيام فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء) ([8]) .
الرد على شبهة السمنية:
وكان يكفي الجهم بن صفوان في الرد على السمنية أن يقول: إن الله يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا لأنه اختبرنا فيها وابتلانا بها، فلو رأيناه أو رأينا ملائكته أو رأينا جنته وعذابه دون حجاب لما كان لقيام السماوات والأرض بهذه الكيفية أو بهذا الوضع الذي فطرنا عليه أي معنى يذكر ولذلك قال U: } الذي خَلقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ ليَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُو العزيز الغَفُورُ { [الملك:2]، وقال أيضا: } ألمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ { [إبراهيم:19]، فكيف يتحقق معنى الابتلاء أو الإيمان بالله ونحن نراه ؟
وإذا كان الله لا يرى في الدنيا ابتلاءا فإنه يرى في الآخرة جزاء وإكراما لأهل طاعته كما قال: } وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ { [القيامة:22/23]، وقد تواترت الأحاديث النبوية الصحيحة في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة .
ومن ثم فإن العلة في عدم إدراك الكيفية ليست عدم وجودها ولا استحالة رؤية الله U، ولكن العلة قصور الجهاز الإدراكي البشري في الحياة الدنيا عن إدراك حقائق الغيب، فقد خلق الله الإنسان بمدارك محدودة لتحقيق علة معينة تمثلت في حقيقة الابتلاء كما قال U: } إِنَّا خَلقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَليهِ فَجَعَلنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً { [الإنسان:2] .
وما يعنينا الآن أنه بهذا الفكر العقلي الخبيث الذي زعم به الجهم بن صفوان أن الله حل في مخلوقاته وهو بذاته في كل مكان نظر في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فما ظن أنه يوافق رأيه من النصوص احتج بها وما ظن أنه يخالف مذهبه منها أنكرها وعطلها عن مدلولها وإن كانت تلك النصوص من السنة فالويل لها فقد اتهمها بأنها أمور ظنية وآحاد معنعنة لا تدل على اعتقاد فوجد قوله تعالى: } وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ { [الحديد:4] فأخذه حجة لرأيه في الحلول والاتحاد، وكذلك قوله: } لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ اْلأبْصَارَ { [الأنعام:13]، فبنى عليه نفي صفات الله وتعطيلها ووجد قوله U: } الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى { [طه:5]، وقوله تعالى: } تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِليْهِ { [المعارج:4] يخالف ما ذهب إليه من القول بالحلول، ماذا صنع الجهم بتلك النصوص؟
قال أبو نعيم البلخي وكان قد أدرك جهما: (كان للجهم صاحب يكرمه ويقدمه على غيره فإذا هو قد هجره وخاصمه فقلت له: لقد كان يكرمك، فقال: إنه جاء منه ما لا يتحمل بينما هو يقرأ سورة طه والمصحف في حجره إذ أتى على هذه الآية: }} الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى { [طه:5]، قال: لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصحف لفعلت فاحتملت هذه، ثم إنه بينما يقرأ آية أخرى إذ قال: ما أظرف محمدا حين قالها ثم بينما هو يقرأ القصص والمصحف في حجره إذ مر بذكر موسى U فدفع المصحف بيديه ورجليه، وقال: أي شيء هذا ؟ ذكره هنا فلم يتم ذكره وذكره هنا فلم يتم ذكره) ([9]) .
وقد أخذ الجهم بن صفوان كما ذكرنا عن أستاذه الجعد بن درهم الذي قال بنفي أوصاف الله U وعطل الآيات عن مدلولها وقال بخلق القرآن، قال أبو القاسم اللالكائي: (ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق جعد بن درهم ثم جهم بن صفوان) ([10]) .
والجهم بن صفوان إليه تنسب طائفة الجهمية الذين قالوا لا قدرة للعبد أصلا بل هو بمنزلة الجمادات، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما حتى لا يبقى موجود سوى الله تعالى، وقال أبو الحسن الأشعري: (قول الجهمية الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة ودارت السفينة وزالت الشمس وإنما فعل ذلك بالشجرة والسفينة والشمس الله سبحانه وتعالى، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ([11]) .
وكان جهم يقف على الجذامى ويشاهد ما هم فيهم من البلايا ويقول: (أرحم الراحمين يفعل مثل هذا ([12])، يعني أنه ليس هناك رحمة في الحقيقة ولا حكمة، وأن الأمر راجع إلى الجبر وإلى محض المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة .
وقد قتل الجعد بن درهم حدا وذلك لكفره الصريح بآيات الله وتكذيبها، قتله خالد بن عبد الله القسري أمير بلاده في يوم عيد الأضحى بعد أن استفتى علماء زمانه حيث خطب الناس وقال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم ؛ فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسي تكليما ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بعد أن استفتى علماء زمانه من السلف الصالح ([13]) .
ويذكر الذهبي: (أن الجعد بن درهم هو أول من ابتدع بأن الله ما اتخذ إبراهيم خليلا ولا كلم موسى وأن ذلك لا يجوز على الله، قال المدائني: كان زنديقا، وقال له وهب: إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله أن له يدا وأن له عينا ما قلنا ذلك ثم لم يلبث الجعد أن قتل وصلب) ([14]) .
أما الجهم بن صفوان انتقل إلى ترمذ أحد البلدان في إيران، وبدأ الدعوة لمذهبه فانتشرت فيها عقائد الإنكار والتعطيل لكلام الله، ثم وجد لدعوته أتباعا ومريدين من العامة والدهماء والجاهلين في مدن أخرى من مدن إيران، ثم انتشرت أفكاره في بغداد وبقية البلدان، فالجهمية فرقة ظهرت في أواخر الحكم الأموي ومؤسسها الجهم بن صفوان الترمذي السمرقندي وقد مات مقتولا، قتله سالم بن الأحوز في آخر أيام الدولة الأموية ([15]) .
وقد تفرعت من فرقة الجهمية فرق عديدة انقسمت إلى أكثر من عشر فرق كل فرقة اتخذت لنفسها مسلكا فكريا خاصا وعقيدة مستقلة، لكن أبرز عقائد الجهمية هي القول بنفي صفات الله U، وأن الإنسان لا يقدر على شيء، وهو مجبور مسير مقهور في فعله لا يوصف بالاستطاعة والقدرة، وأن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو معرفة الله حتى لو كفر الإنسان باللسان، وقالوا أيضا بأن القرآن مخلوق ([16]) .
والقصد مما سبق أن الجهم بن صفوان زعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو في سنة رسوله e فهو مشبه، وأن التوحيد يكمن في نفي هذه الصفات متمسكا بزعمه بقول الله تعالى: } ليْسَ كَمِثْلهِ شيء { [الشورى:11] سواء كان النفي نفيا واضحا، أو كان بتأويل القرآن على غير معناه ولي أعناق النصوص بغير ما تحتمل، فزعم الجهم أن الله في كل مكان كما الروح في الجسد .
وهذا كلام باطل من جميع الوجوه لأن الله سبحانه وتعالى لا يحل في مخلوقاته فقد ثبت أنه بذاته في السماء فوق العرش، وعرشه فوق الماء، والماء فوق السماء السابعة وهو سبحانه في سمائه يدبر أمر مخلوقاته ويعلم ما هم عليه .
قال أبو عمر الطلمنكي: (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: } وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ { [الحديد:4] ونحو ذلك من القرآن أنه علمه وأن الله تعالى فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء، وقال أهل السنة في قوله: } الرَّحْمَنُ على العَرْشِ اسْتَوَى { [طه:5]: إن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز) ([17]) .
وقال أبو زرعة الرازي: (إن الله U على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسول الله eبلا كيف أحاط بكل شيء علما، وإنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء) ([18]) .
وقال أبو نعيم الأصبهاني: (طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ثم قال: فما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي e في العرش واستواء الله يقولون بها ويثبتونها من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه .. وقال أيضا: وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه مستو عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية أنه بكل مكان خلافا لما نزل في كتابه) ([19]) .
وقال أبو الحسن الأشعري عند قوله: } أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ {: (السماوات فوقها العرش، ولما كان العرش فوق السماوات، قال أأمنتم من في السماء لأنه على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: } أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ { يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات) ([20]) .
وقال يحى بن معاذ الرازي: (إن الله على العرش بائن من خلقه، قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء أو هالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان) ([21]) .
وقد أضل الجهم بن صفوان خلقا كثيرا وتبعه على قوله رجل يقال له واصل بن عطاء، ورجل آخر يقال له عمرو بن عبيد وإليهما ينسب مذهب المعتزلة، فما هي قصة المعتزلة ؟ وكيف نشأت وما أصولهم في العقيدة ؟ وكيف دعوا الناس إلى القول بخلق القرآن ؟ وكيف امتحنوا أئمة أهل السنة وقتلوا كثيرا من أهل الإيمان؟
· كيف ظهرت المعتزلة وقوة انتشار المدرسة العقلية ؟
علمنا مما سبق أن الجهم بن صفوان قدم عقله ورأيه على الأدلة القرآنية والنبوية عندما أجاب السمنية بجهله إجابة خاطئة كاذبة، وزعم أن الله بذاته في كل مكان وأنه لا صفة له حتى لا يشبه الإنسان، ثم نظر هذا المفتون إلى القرآن فما تصور أنه يوافق مذهبه جعله دليلا وبرهان، وما خالفه صرح برده ونفيه من القرآن .
وقد تبنى فكر الجهمية واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وإليهما ينسب مذهب الاعتزال، فالمُعْتَزِلة أتباع واصل بن عطاء الغزال (ت:131هـ) الذي كان تلميذا للحسن البصري، وكان متكلما مفوها بليغا على الرغم من كونه كان عاجزا عن النطق ببعض الحروف، فكان ينطق الراء غينا، فينطق: شراب بارد شغاب باغد، ومن عجيب ما كان من واصل، أنه كان يخلص كلامه وينقيه من حرف الراء، لقدرته العجيبة على انتقاء الكلام حتى قال أحد الشعراء من أتباعه يمدحه:
عليم بإبدال الحروف وقامع: لكل خطيب يقلب الحق باطله ([22]) .
وقال آخر:
ويجعل البر قمحا في تصرفه: وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يُطِقْ مطرا والقَولُ يَعْجُلُه: فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر ([23]) .
كان واصل بن عطاء ضمن الطلاب في حلقة الشيخ الحسن البصري وهو من علماء السلف الصالح، فجاء إلى الحلقة رجل من عامة المسلمين يسأل عن الحكم الشرعي في مرتكب الكبيرة ؟
ومعلوم أن أهل السنة والجماعة يقولون بأن مرتكب الكبيرة مسلم فاسق لا يخرج عن الملة، والخوارج يقولون: مرتكب الكبيرة كافر بالله العظيم مخلد في النار، وقبل أن يجيب الشيخ البصري قام واصل بن عطاء دون أدب ولا حياء، وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا هو مؤمن ولا هو كافر، هو في منزلة بين المنزلتين ([24]) .
أجاب واصل بعقله دون احترام لشيخه ودون علم أو نظر في كتاب الله وسنة رسوله e، عند ذلك رده الحسن البصري وبين حكم مرتكب الكبيرة، وبدلا من أن يرجع إلى شيخه ويعتذر عن سوء أدبه أخذته العزة بالإثم واعتزل الحسن البصري وجلس إلى سارية من سواري المسجد في البصرة، وانضم إليه بعد ذلك رجل آخر يقال له عمرو بن عبيد، واجتمع إلى واصل بن عطاء أراذل الناس من أتباع الجهم بن صفوان، فكان الحسن البصري يقول: اعتزلنا واصل، اعتزلنا واصل، وكان بقية طلاب العلم من تلاميذ الحسن البصري يطلقون عليهم المعتزلة، فارتسم عليهم هذا الاصطلاح عند عامة المسلمين([25]) .
وكان هؤلاء المعتزلة يدعون الزهد والصلاح والنصح والإصلاح، وكان لهم صلة بالحكام في الدولة العباسية، تلك الصحبة أو الصداقة بين رؤوس المعتزلة وخلفاء بني العباس أثارت حفيظتهم في الأخذ بمشورتهم والعمل بنصيحتهم، وقد أدت هذه الثقة إلى بدعة كبرى وطامة عظمى مرت بالأمة الإسلامية وعصفت بها في القرن الثالث الهجري ولا زالت تعاني من آثارها حتى الآن .
شرح الأصول الخمسة عند المعتزلة .
وقد أسس المعتزلة مذهبهم على خمسة أصول رنانة وشعارات فتانة، اغتر بها كثير من المسلمين في الماضي وكثير من العلمانيين في الحاضر:
الأصل الأول: التوحيد فقد زعموا فيه أنهم أهلُ التوحيد وخاصتُه، والمنزهون لربهم عن التشبيه، وخلاصة رأيهم في التوحيد أن الله تعالى لا صفة له لأنه منزه عن الشبيه والمثيل كما قال: } ليس كمثله شيء { [الشورى:11]، وهذا توحيد يناقض الفطرة ولا ينطلي إلا على أذهان السفهاء، بل هو توحيد يسخر منه جميع العقلاء فهل يصح أن تقول مثلا ولله المثل الأعلى: الأمير لا نظير له أبد، فيقال لك في ماذا؟ أو ما الذي انفرد به ؟ فتقول: ولا شيء، أو لا صفة له أصلا .
ولا نظن عاقلا يقبل ذلك على نفسه فضلا عن ربه، فالعقلاء يمدون غيرهم بإثبات الصفات التي تليق بهم، والموحدون لله حقا يحمدون ربهم بإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا، أما توحيد المعتزلة فتوحيد معكوس يزعمون فيه أنهم يمدحون ربهم وهم في حقيقة أمرهم يذمونه ويصفونه بصفات النقص التي لا يرضاه عاقل لنفسه، وقد أداهم توحيدهم هذا إلى القول بنفي صفة الكلام عن الله سبحانه وتعالى والقول بخلق القرآن وزعموا أنه مخلوق كسائر المخلوقات ([26]) .
الأصل الثاني: العدل ومعناه على رأيهم أن الله لا يخلق أفعال العباد، فعطلوا قوله تعالى: } وَاللهُ خَلقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ { [الصافات:96]، وستروا تحت شعار العدل نفي التقدير وعلم المقادير، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به إذ لو خلقه ثم عذبهم عليه كان ذلك جورا وظلما والله تعالى عدل لا يظلم ولا يجور .
وقد يفتن العامة بأصلهم هذا كما فعل العلمانيون والماديون الذين لا يؤمنون بالتقدير وجريان المقادير، أو كما هو منتشر بين العامة من العبارات التي يرددها الفاسقون كقول بعضهم: قدر أحمق الخطى سحقت هامتي خطاه، وهذه الكلمة كفيلة وحدها بإخراج قائلها من ملة الإسلام إن كان يدرك معناها ويفهم لوازمها، أو كقول بعضهم بجهلهم: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، وكأن أفعال الله أسيرة أو مرهونة بأفعال عباده، وقد قال الله في كتابه: } وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً { [الإنسان:30]، وقال: } وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ { [التكوير:29]، وقال تعالى: } وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ { [الأنعام:111]، وقال: } وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً { [الكهف:23/24] .
لا فرق بين كلام هؤلاء وكلام المعتزلة فهذا الأصل الفاسد الذي رفعوا فيه شعار العدل، يلزمهم فيه أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يريده، فيريد الشيء ولا يكون ولازمه وصفه سبحانه بالعجز في مقابل وصفهم بمطلق المشيئة والحرية ونفي كونها مشيئة محدودة ومقيدة بالاختيار بين طريقين، طريق الخير أو الشر، أو طريق الإيمان أو الكفر، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، قال تعالى: } إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً { [الإنسان:3]، وقال: } هُوَ الذِي خَلقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ { [التغابن:2]([27]) .
الأصل الثالث: المنزلة بين المنزلتين ويقصدون به أن مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين الإيمان والكفر، خرج من الإيمان ولم يدخل الكفر فليس بمؤمن ولا كافر وقد قرر ذلك الأصل واصل بن عطاء رأس المعتزلة لما رد على السائل في حلقة الشيخ الحسن البصري .
أما حكم مرتكب الكبير في الآخرة فهم يتفقون في ذلك مع الخوارج حيث يقولون بأنه مخلد في النار، ولا يخرج منها أبدا، ولا تجوز فيه شفاعة النبي e، والفرق بين المذهبين أن الخوارج يقولون بأن مرتكب الكبيرة في الدنيا كافر خارج من الملة والمعتزلة يقولون هو في منزلة بين المنزلتين، أو بين الإيمان والكفر ([28]) .
الأصل الرابع: إنفاذ الوعيد ويقصدون به حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة ويعني عندهم أن الله U يجب عليه أن يعاقب مرتكب الكبيرة من المسلمين ويخلده في النار أبد الآبدين، ولا يجوز أن يخرجه من النار بشفاعة أحد من المؤمنين حتى لو كان الشافع سيد الأنبياء والمرسلين، فهم يشبهون الخوارج في قولهم: إذا توعد الله بعض عبيده وعيدا فلا يجوز ألا يعذبهم ويخلف وعيده، وكأنه سبحانه مقيد لا يعفو عمن يشاء ولا يغفر لمن يشاء، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ([29]) .
الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا الشعار الرنان الذي يفتن به كل إنسان يقصدون به الدعوة إلى أصولهم الخمسة، فالمعروف عندهم هو من اعتنق أصولهم ودان بها، والمنكر عندهم هو اتباع مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وقد أدى بهم هذا الأصل أن يجوزوا مسلك الخوارج في الخروج على حكام المسلمين وخلفائهم بالسيف ([30]) .
· كيف ظهرت البدعة الكبرى ؟
لما تأصلت فكرة الجهم عند المعتزلة في استقلال العقل بإثبات الصفات أو نفيها وتشبعوا بالرغبة في تعطيل النصوص وردها محتجين بأن إثباتها يدل على التشبيه وأنواع المحال، وأن ظاهر النصوص باطل واعتقاده ضلال، رتبوا على هذا الأصل نفي أوصاف الكمال، فنفوا رؤية رب العزة والجلال وردوا الأخبار وأنكروا الآثار التي ثبتت في رؤية الله يوم القيامة، وقالوا أيضا بنفي صفة الكلام عن الله، وجعلوه عاجزا عن التكلم بالقرآن بحجة أنه لو كان متكلما في زعمهم لكان له فم ولسان، وأن إثبات صفة الكلام تشبيه لله بالإنسان .
وقد استفحل أمرهم وكثر عددهم وانتشر في البلاد خبرهم، ومن المؤسف أن خلفاء الدولة العباسية قربوهم وجعلوهم في أعلى المناصب القيادية متعللين بأنهم كانوا يجادلون المخالفين مجادلة عقلية، وكانوا يغلبون الزنادقة والشيعة والجبرية في كثير من المناظرات الكلامية وأن شيوخ الحديث تعجز عن ذلك .
وفي بداية القرن الثالث الهجري تصادق المأمون بن هارون ـ وهو من أبرز خلفاء الدولة العباسية ـ تصادق مع بعض دعاة المعتزلة، وذلك قبل أن يكون خليفة المسلمين، فقرب إليه رجلا يقال له بشر بن غياث المرييسي ذا أصل يهودي، وكان هذا الرجل قد نظر في صفات الله بالفكر الجهمي، فغلب عليه وقال به وانسلخ من دواعي التقوى والإيمان وأعلن القول بخلق القرآن ودعا إليه حتى كان عينَ الجهمية في عصره، وكان عالمَهم المقتدى بأمره، فمقته أهل العلم وناظروه، وحكم عليه بعضهم بالفسق وكفروه .
تقوم فكرة الجهمية في القول بخلق القرآن على منهجهم في نفي الصفات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله e ومنها صفة الكلام، فهم زعموا أن الله لو كان متكلما لكان له فم ولسان، ومن ثم لا بد من نفي صفة الكلام عنه طلبا للتوحيد .
وقد وصل الأمر ببعضهم إلى محاولته تحريف القرآن حتى لا يؤمن بتلك الصفة فقال لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: أريدك أن تقرأ هذه الآية: } وَكَلمَ اللهُ مُوسَى تَكْليمَا { [النساء:164] بنصب لفظ الجلالة، وذلك ليكون موسى u هو المتكلم، أما الرب عنده فلا يتكلم ؛ لأن الكلام لا يكون إلا بفم ولسان حسب زعمه فقال أبو عمرو: هب أني وافقتك في ذلك، فماذا تفعل بقوله تعالى: } وَلمَّا جَاءَ مُوسَى لمِيقَاتِنَا وَكَلمَهُ رَبُّه { [الأعراف:143] فبهت المعتزلي ؟ ([31]) .
ومعلوم عند السلف أن الله يتكلم بكيفية تليق بجلاله، يعلمها هو ونجهلها نحن لأننا ما رأيناه وما رأينا له نظيرا ؛ فهو سبحانه كما قال: } ليْسَ كَمِثْلهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { [الشورى:11]، ولا يلزم من إثبات صفة الكلام التشبيه والتجسيم كما هو اعتقاد المعتزلة، بل أخبرنا الله تبارك وتعالى أن بعض المخلوقات تتكلم بدون فم أو لسان، فقال تعالى: } اليَوْمَ نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون { [يس:65]، فنحن نؤمن أنها تتكلم ولا نعلم كيف تتكلم، قد أنطقها الله كما أنطق كل شيء، ولذلك قال تعالى: } وَقَالُوا لجُلُودِهِمْ لمَ شَهِدتُمْ عَليْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الذي أَنْطَقَ كُل شيء { [فصلت:21]، فالأيدي والأرجل والجلود تتكلم بلا فم يخرج منه الصوت المعتمد على مقاطع الحروف، ولكن قياس الخالق على المخلوق قياس تمثيلي أو شمولي قياس فاسد لا يجوز في باب العقائد الغيبية .
كما أن صفة الكلام من لوازم الكمال وضدها من أوصاف النقص والله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته، ولهذا ذم بني إسرائيل لاتخاذهم عجلا إلها من دون الله، وأول عيبة ذكرها الله له كونه لا يتكلم فقال تعالى: } وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُليِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لهُ خُوَارٌ أَلمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً { [الأعراف:148]، فكان عجز العجل عن الكلام من صفات النقص التي يستدل بها على عدم ألوهيته، ومن ثم إذا كان الكلام وصف كمال لدى المخلوق فالخالق أولى بوصف الكلام والكمال منه، وقد أثبتت نصوص القرآن والسنة صفة الكلام لله U، فالآيات والأحاديث التي لا حصر لها تدل على أن الله يتكلم متى شاء وإذا شاء وكيف شاء، وأنه سبحانه يتكلم بحرف وصوت يسمع، سمعه جبريل من الله U، وسمعه موسى u، وسمعه محمد e، فلا عبرة بقول المعتزلة في زعمهم إن القرآن مخلوق خلقه الله ولم يتكلم به فإنهم يعارضون القرآن وما جاء في صريح النصوص كقوله تعالى: } تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ { [البقرة:253]، وآيات القرآن أكثر من أن تحصى .
ومن حديث عدي بن حاتم t أن رسول الله e قال: (ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلمهُ ربهُ ليس بينَهُ وبينَهُ ترجمان، فينظرُ أيمنَ منهُ فلا يرى إلاّ ما قدَّمَ من عمله، وينظرُ أَشْأَمَ منه فلا يَرَى إلا ما قدَّمَ، وينظرُ بين يديه فلا يرى إلاَّ النارَ تِلقاء وجهه، فاتَّقوا النار ولو بِشقِّ تمرة) ([32]) .

سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني








(1) انظر ترجمته في أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات لمرعي بن يوسف الكرمي المقدسي ص230، إثبات صفة العلو لابن قدامة ص131، إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد لمحمد القاسمي ص289، التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد آل معمر ص166 الرد على القائلين بوحدة الوجود لعلي الحنفي ص30، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 3/105، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص293، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري ص542، البداية والنهاية لابن كثير 9/350 .

(2) مجموع الفتاوى 5/20 .

(3) البخاري في كتاب الطب، باب السحر5/2174 (5430) .

(4) البخاري في بدأ الخلق، باب صفة إبليس وجنوده 3/1192 (3095) .

(5) انظر الرد على الزنادقة والجهمية 1/19، بيان تلبيس الجهمية 1/318، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 4/218، درء التعارض 2/409 .

(6) السابق 1/19 .

(7) الوافي في الوفيات 1/1557 .

(8) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لا بن جماعة ص34 .

(9) انظر العلو للعلي الغفار ص154 .

(10) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة 2/312 .

(11) انظر إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة ص34 .

(12) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم 2/177 .

(13) انظر أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات ص78 .

(14) تاريخ الإسلام 1/861 .

(15) تاريخ دمشق لابن عساكر 64/225، الملل والنحل للشهرستاني 1/20، والوافي بالوفيات 1/460 .

(16) التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، طاهر بن محمد الإسفراييني ص107.

(17) انظر العلو للعلي الغفار ص246 .

(18) إثبات صفة العلو لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ص 125 .

(19) أقاويل الثقات للكرمي ص89 .

(20) الإبانة عن أصول الديانة ص105 .

(21) العلو للعلي الغفار ص190 .

(22) وفيات الأعيان وأنباء الزمان لأبي العباس شمس الدين بن خلكان 6/7 .

(23) السابق 6/8 .

(24) النجوم الزاهرة 1/314 بتصرف .

(25) التحرير والتنوير 1/159 بتصرف .

(26) انظر المزيد عن هذا الأصل في التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص37 .

(27) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص520 بتصرف .

(28) انظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص37 بتصرف .

(29) السابق ص38 بتصرف .

(30) مجموع الفتاوى13/126بتصرف .

(31) السابق168 .

(32) الموضع السابق 6/2729 (7074) .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 22-12-11, 12:31 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة السادسة

المحاضرة السادسة
علم التوحيد وأنواعه وتصنيفاته

· المقصود بعلم التوحيد لغة واصطلاحا.
التوحيد لغة: مصدر وحد يوحد أي أفرد الشيء يفرده، فالمتوحد هو المنفرد بوصفه المباين لغيره، والمقصود بتوحيد الصحابة لربهم أنهم أفردوا الله عن غيره بما أثبته لنفسه من أنواع الكمال في العبودية والربوبية والأسماء والصفات، فهو وحده رب العالمين المستحق للعبادة، كما قال: } إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {(الفاتحة: 5)، وهو المتوحد في أسمائه وصفاته كما قال تعالى: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {(الشورى: 11)، فهم يؤمنون بأنه سبحانه وتعالى منفرد بالخلق والتدبير وإليه يرجع الأمر والتقدير، وشهدوا ألا إله إلا الله وأنه لا معبود بحق سواه .
أما علم التوحيد اصطلاحا: (هو علم يعرف به طريقة الصحابة والتابعين في توحيد الله بالعبودية وإثبات العقائد الإيمانية بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المتبدعين في العبادات والمخالفين في الاعتقادات بالأدلة النقلية والعقلية) ([1]) .
· المصطلحات التي تدل على علم التوحيد .
يعتبر علم التوحيد اصطلاحا سائدا بين السلف منذ عصر النبوة، فالصحابة y كانوا علي دراية تامة بما يجب معرفته في توحيد الله وكيفية الدعوة إليه ومناقشة المخالفين فيه، وقد أفرد الإمام البخاري رحمه الله (ت:256) بابا في الصحيح في كتاب التوحيد قال فيه: (باب ما جاء في دعاء النبي e أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى)،e ثم عقب بحديث عبد الله بن عباس t لما بعث النبي e معاذ بن جبل t إلى اليمن قال له: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إلى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ تعالى) ([2]) .
ولا شك أن معاذ بن جبل t كان خبيرا في هذا العلم بالصورة التي تناسب إتمام الدعوة التي بعث من أجلها، والتي يترتب علي نجاحها دخول الآلاف من أهل الكتاب في دين الله وإلا ما كلفه النبي e بهذه الأمر العظيم .
وقد تتابع أهل العلم عبر القرون المختلفة على التأليف في هذا الفن تحت مصطلح التوحيد سواء كانوا من السلفيين أو ممن خالفهم من المتكلمين، فالإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت:311) ألف كتابا على نهج السلف الصالح عنون له: (كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب U)، وكتب أبو منصور الماتريدي (ت:333) كتابا سماه: (التوحيد) وانتهج فيه طريقة المتكلمين الذين يقدمون العقل في إثبات الحجج والبراهين .
وقد بقي اصطلاح (علم التوحيد) دائرا بين المتقدمين والمتأخرين منذ عصر النبوة إلى وقتنا هذا، وتجدر الإشارة إلى كتابين ألفا تحت ذلك الاصطلاح في القرنين الماضيين، وهما: (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت:1206) حيث وضعه على نهج السلف الصالح لما انتشر شرك الجاهلية في الجزيرة العربية، وفي المقابل نجد على مذهب الأشعرية رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده (ت:1323)، وقد أطلقت عدة اصطلاحات أخرى على هذا العلم من قبل علماء السلف أو المخالفين لهم يتمثل أبرزها فيما يلي:
1- علم العقيدة: فالعقيدة هي عقد القلب على تصديق خبر الرب وتنفيذ أمره، والإيمان به إيمانا لا يقبل الشك مع الثبات عليه .
وكثير من علماء السلف والخلف استخدم هذا الاصطلاح كل على وجهته أو منهجه في التعامل مع النصوص، فمن علماء السلف الإمام أحمد بن حنبل (ت:241) له كتاب بعنوان: (العقيدة) ([3] وكذلك كتاب: (العقيدة الطحاوية) للإمام أبي جعفر بن سلامة الأزدي الطحاوي (ت:321)، وكتاب: (اعتقاد أئمة الحديث) لأبي بكر الإسماعيلي (ت:371) .
وقد اشتهر مصطلح العقيدة بين المتمسكين بمنهج السلف حتى اقترن بهم وأصبح التعرف على العقيدة سمتهم بين الناس وميزانهم المقدم في مسألة الولاء والبراء، كما برزت فيما بعد كتب أخرى كثيرة على منهج السلف الصالح اشتهرت شهرة واسعة بين الناس ككتاب: (الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث) للإمام البيهقي (ت:458)، وكتاب (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت:728)، وكتاب: (عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة) للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت:1206)، وغير ذلك كثير ممن كتبوا في العقيدة على منهج السلف الصالح .
كما تردد هذا المصطلح أيضا بين المنتهجين لطريقة الخلف من المتكلمين، فكتب أبو حامد الغزالي (ت:505) كتابه المسمي: (قواعد العقائد)، وكذلك (العقيدة الأصفهانية) التي ألفها الشيخ أبو عبد الله شمس الدين الأصفهاني (ت:688) وهو أحد رؤوس علماء الكلام وقد شرحها شيخ الإسلام ابن تيمية وخالفه فيها في كتابه المعروف (شرح العقيدة الأصفهانية) .
2- الفقه الأكبر: في بداية القرن الثاني الهجري ظهرت عقيدة الجهمية بظهور أصلها الجعد بن درهم (ت:125) فهو أول من قال بخلق القرآن ونفي أوصاف الله بحجة التنزيه والتوحيد ونفي التشبيه، وقد تبني فكره تلميذه الجهم بن صفوان (ت:128) إلا أن الجعد لم ينل شهرة الجهم .وقد كان مصطلح الفقه عند السلف يعني العلم بالدين وأحكام العبودية التي وردت بها الأدلة القرآنية والنبوية , ثم جاء المتأخرون من الفقهاء وغيرهم وحصروه بمعرفة الأحكام الشرعية التكليفية المكتسبة من أدلتها التفصيلية دون تعرض منهم لتفصيل مسائل العقيدة، فظهر في المقابل مصطلح الفقه الأكبر لبيان أهمية التوحيد قبل القول والعمل والرد على الجهمية وأتباعهم .
ويعتبر الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثاب (ت:150) أول من أطلق هذا اللفظ في كتابه الفقه الأكبر، قال رحمه الله في الكشف عن ذلك المعنى الاصطلاحي: (الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه U خير من أن يجمع العلم الكثير) ([4]) .
قال أبو مطيع الحكم البلخي: (قلت:فأخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: يتعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة .. وذكر مسائل في الإيمان ثم ذكر مسائل في القدر) ([5] ونسب بعضهم الفقه الأكبر لأبي مطيع الحكم البلخي الذي ذكر فيه أراء أبي حنيفة وأقواله في التوحيد، وهو متن صغير شرحه الكثير من الأحناف ([6] غير أن الشاهد هنا أن اصطلاح الفقه الأكبر بعد أن ظهر في القرن الثاني الهجري اشتهر على ألسنة العلماء وأصبح مرادفا لعلم التوحيد والعقيدة عند السلف الصالح وأتباعهم .
3- السنة: بمعنى سنة الدلالة والطريقة المسلوكة، وقد أطلق لفظ السنة على علم التوحيد وعرف به في أواخر القرن الثاني الهجري وبداية القرن الثالث، وذلك حين بلورت المعتزلة آرائها الفكرية في خمسة أصول عقلية كان أولها ادعاء التوحيد، فقد رتبوا عليه القول بخلق القرآن وتعطيل السنة، وردوا ما ثبت عن رسول الله e في باب الصفات وعطلوه بحجة أنها من أخبار الآحاد التي لا تدل على اليقين في أمور الاعتقاد، مما دفع أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد (ت:241) أن يطلقوا مصطلح السنة على مسائل التوحيد والعقيدة تمييزا لها عن أصول المعتزلة التي أسفرت عن تعطيل السنة وردها، فألف الإمام أحمد بن حنبل كتابه أصول السنة قال في مقدمته: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله e والإقتداء بهم، وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات في الدين والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هو الإتباع وترك الهوى، ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها لا يقال لم ولا كيف ؟) ([7]) .
وكذلك الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني (ت:287) كتب في الرد على المعتزلة كتابا سماه: (السنة) حيث جاءت مسائله عن الإيمان بالقدر ورؤية الله تعالى في الآخرة ومسائل أخرى في صفات الله U يقف منها أهل الاعتزال موقف التعطيل .
وعلى الوتيرة نفسها جاء لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت:310) كتابه (صريح السنة) قال فيه: (فأول ما نبدأ بالقول فيه من ذلك عندنا، القرآن كلام الله وتنزيله إذ كان من معاني توحيده، فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق كيف كتب وحيث تلي وفي أي موضع قرئ .. فمن قال غير ذلك أو ادعي أن قرآنا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه، أو أضمره في نفسه، أو قاله بلسانه دائنا به فهو بالله كافر حلال الدم بريء من الله والله منه بريء) ([8]) .
وكذلك كتاب: (السنة) لأبي عبد الله بن نصر المروزي (ت:294)، ومثله أيضا كتاب: (السنة) لأبي بكر الخلال (ت:311)، وكتاب: (شرح السنة) لأبي محمد الحسن بن على بن خلف البربهاري (ت:329)، وكل هؤلاء يؤكدون على أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، وأن من السنة لزوم الجماعة، ومن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالا مضلا، وأن الأساس الذي بنيت عليه الجماعة أصحاب محمد e رحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع وكل بدعة ضلالة، والضلال وأهله في النار ([9]) .
وهناك كتب كثيرة باسم السنة كاصطلاح يرادف معنى التوحيد والعقيدة، وكلها كما هو ملاحظ ألفت في القرن الثالث الهجري وحتى منتصف القرن الرابع، وهو عصر سيطرة المعتزلة وولادة المذهب الأشعري وظهور أركانه واستقرار بنيانه .
4- الإيمان: أطلق مصطلح الإيمان على مسائل التوحيد والعقيدة لأنها قضايا تتعلق بتصديق القلب واستعداده للعمل، وهذان ركانان أساسيان في صلاح الإنسان وقد تداول علماء السلف ذلك الاصطلاح منذ وقت مبكر وأطلقوه على مؤلفاتهم , فمن ذلك كتاب: (الإيمان ومعالمه وسنته واستكمال درجات) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت:223) وكتاب الإيمان لمحمد بن يحيي بن أبي عمر العدني (ت:243)، والإيمان لمحمد بن إسحاق بن يحيي بن منده (ت:395)، وكتاب: (الإيمان وأصول) لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت:429)، وكتاب شعب الإيمان لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت:458) .
ثم كتابان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت:728) وهما (الإيمان الأوسط) (والإيمان الأكبر)، وأيضا كتاب: (تنبيه الوسنان إلى شعب الإيمان) للشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي (ت:936) وغير ذلك كثير ([10]) .
5- أصول الدين: الأصول جمع أصل وهو في اللغة ما يُفتقر إليه ولا يفتقر هو إلى غيره، وفي الشرع ما يبني عليه غيره ولا يبني هو على غيره، وعلى هذا فأصول الدين قوام أركانه وأساس بنيانه ([11] ومن العجب أن اصطلاح (أصول الدين) الذي اشتهر ولا يزال مشتهرا حتى سميت باسمه الكليات الجامعية في سائر البلاد الإسلامية هو في حقيقته من صنع المتكلمين الأشعرية .
فإذا كان مصطلح الأصول قد اشتهر بين السلف مرتبطا بالفقه إلا أن اقترانه بالدين كان أشعري المنشأ والتكوين، فأغلب الذين ابتدعوه واستعملوه كانوا من متكلمي الأشعرية، وكانوا يرغبون أن تكون أصولهم العقلية متميزة عن الأصول الخمسة عند المعتزلة، حيث اعتبروا أنفسهم أهل السنة والجماعة الذين جمعوا حسب زعمهم بين عقيدة السلف أو أصحاب المدرسة النقلية وعقيدة المعتزلة أصحاب المدرسة العقلية فابتدعوا أصولا عقلية أخرى أثبتوا بها سبع صفات فقط إرضاء للسلف، وعطلوا باقي النصوص التي تدل على الصفات الخبرية إرضاء للمعتزلة، رافعين شعار التأويل وبحجة أن هذه النصوص توهم التشبيه والتمثيل وظاهرها باطل مستحيل، ثم أطلقوا على أصولهم في التوحيد الجديد الذي ابتدعوه مصطلح: (أصول الدين) .
وأول من عرف عنه هذا الاصطلاح هو أبو القاسم عبيد الله بن أحمد البلخي (ت:319) إذ أنه ألف كتابا سماه: (أوائل الأدلة في أصول الدين)، وقام بشرحه أبو بكر بن فورك الأصبهاني (ت:406)، وكلاهما ضليعان في المذهب الأشعري ([12]) .
وقد ألف أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد النيسابوري (ت:478) كتابا سماه: (الغنية في أصول الدين)، نسجه أيضا على طريقة الأشعرية ومنهجهم، قال في بدايته: (فصل في بيان العبارات المصطلح عليها بين أهل الأصول منها: العالم هو اسم لكل موجود سوى الله تعالى، وينقسم قسمين: جواهر وأعراض، فالجوهر كل ذي حجم متحيز، والحيز تقدير المكان، ومعناه أنه لا يجوز أن يكون عين ذلك الجوهر حيث هو، وأما العرض فالمعاني القائمة بالجواهر كالطعوم والروائح والألوان، والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يتصور تجزئته عقلا، ولا تقدير تجزئته وهما، وأما الجسم فهو المؤلف، وأقل الجسم جوهران بينهما تأليف ... الخ) ([13])، ثم بدأ يطبق تلك الأصول العقلية أو الفلسفية على ذات الله U وصفاته وأفعاله، فينفي بها ما يشاء ويثبت مستخدما منهج التأويل سواء تيسر له الدليل أو لم يتيسر، فالهدف الأعلى هو التعطيل لأن الإثبات في اعتقاده تشبيه وتمثيل .
وعلى الوتيرة نفسها ألف جمال الدين أحمد بن سعيد (ت:593) كتابا سماه: (أصول الدين) انتهج فيه مذهب المتكلمين من الأشعرية وطريقتهم في الغيبيات، ومما جاء فيه: (فصل صانع العالم لا يقال له: أين هو؟ لأن أين يستخبر به عن المكان ولا مكان ل) ([14])، هكذا حتى لو عارض ذلك سؤال النبي e للجارية أين الله؟ ([15]) .
وقال حاجي خليفة عن كتاب فخر الدين الرازي: (الأربعين في أصول الدين للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت:606)، ألفه لولده محمد ورتبه على أربعين مسألة من مسائل الكلام) ([16] ومعلوم أن الرازي من أعمدة المذهب الأشعري .
وقال ياقوت الحموي في ترجمة الجويني (ت:874): (أبو المعالي عبد الملك بن يوسف الجويني إمام الحرمين، أشهر من علم في رأسه نار، كان قليل الرواية معرضا عن الحديث وصنف التصانيف المشهورة نحو الشامل في أصول الدين على مذهب الأشعري والإرشاد وغير ذلك) ([17]) .
6- الشريعة: الشريعة للآجري، قال محمد بن الحسين الآجري رحمه الله: (كتاب الإيمان والتصديق بأن الله عز وجل كلم موسى عليه السلام الحمد لله المحمود على كل حال، وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم أما بعد فإنه من ادعى أنه مسلم ثم زعم أن الله عز وجل لم يكلم موسى فقد كفر، يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإن قال قائل: لم ؟ قيل: لأنه رد القرآن وجحده، ورد السنة، وخالف جميع علماء المسلمين، وزاغ عن الحق، وكان ممن قال الله عز وجل: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (1) وأما الحجة عليهم من القرآن: فإن الله جل وعز قال في سورة النساء: وكلم الله موسى تكليما (2) وقال عز وجل في سورة الأعراف: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك (3) وقال عز وجل: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي (4))
وقال في نهاية الكتاب: (وبهذا وبجميع ما رسمته في كتابنا هذا وهو كتاب الشريعة ثلاثة وعشرون جزءا ندين الله عز وجل، وننصح إخواننا من أهل السنة والجماعة، من أهل القرآن وأهل الحديث وأهل الفقه وجميع المستورين في ذلك ؛ فمن قبل فحظه من الخير إن شاء الله، ومن رغب عنه أو عن شيء منه فنعوذ بالله منه، وأقول له كما قال نبي من أنبياء الله عز وجل لقومه لما نصحهم فقال ( فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد).
6- علم الكلام: لما ظهرت مذاهب الضلال في باب العقيدة على يد الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية، وبنوا أصول عقيدتهم على الحجج العقلية والكلام الفاسد في باب الغيبيات ونفي الصفات، ولم يستندوا إلى ما ورد في الأدلة القرآنية والنبوية إلا باعتبارها دليلا ثانويا وليس أساسيا في إثبات العقائد، بل ما وافقهم منها أخذوه وما خالفهم عطلوه، أطلق هؤلاء وغيرهم على مسائل التوحيد والعقيدة علم الكلام لكثرة الجدل بين الطوائف المختلفة في مسائله، أو لأن أعظم مسألة من قضايا هذا العلم حصل فيها النزاع هو كلام الله سبحانه وتعالى .
وهذه التسمية ليست معتمدة عند السلف الصالح أهل السنة والجماعة بل آراؤهم مجتمعة على ذم الكلام وأهله الذين عارضوا به الكتاب والسنة، وتجدر الإشارة إلى أن السلف لم يمنعوا الاحتجاج بالأدلة العقلية لتأييد الأصول القرآنية والنبوية وشرح مضمونها وبيانها، وإنما منعوا أن تكون الأصل الذي يبنى عليه عقيدة المسلم في الغيبيات أو الأسماء والصفات أو يعارض بها الأدلة النقلية .
قال ابن الجوزي: (وقد تنوعت أحوال المتكلمين وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشكوك وببعضهم إلى الإلحاد، ولم تسكت القدماء من فقهاء هذه الأمة عن الكلام عجزا ولكنهم رأوا أنه لا يشفي غليلا ثم يرد الصحيح عليلا، فأمسكوا عنه ونهوا عن الخوض فيه حتى قال الشافعي رحمه الله: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام ... وقال: حكمي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام، وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب كلام أبدا علماء الكلام زنادقة) ([18]).
وقد حذر أتباع السلف الصالح من هذا علم الكلام وألفوا كتبا في ذمه وتقبيحه منها كتاب أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة وعنوانه: (تحريم النظر في كتب الكلام)، وفي المقابل تجد من كتب ليحذر من صعوبته وأنه للخواص كما فعل أبو حامد الغزالي في كتابه: (إلجام العوام عن علم الكلام) .
وقد ألفت كتب كثيرة من قبل المتكلمين في هذا العلم معتبرين إياه علم التوحيد الأمثل الذي نزل به جبريل على محمد بن عبد الله e، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر كتاب: (نهاية الإقدام في علم الكلام) لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت:548)، وكذلك كتاب: (الداعي إلى الإسلام في أصول علم الكلام)، لأبي البركات بن محمد الدفع (ت:577) ([19])، وأيضا كتاب: (مطية النقل وعطية العقل في علم الكلام)، لمحمد بن إبراهيم الصوفي (ت:622)، وكتاب: (غاية المرام في علم الكلام) لسيف الدين أبي الحسن الآمدي (631)، وكتاب: (زبدة الكلام في علم الكلام) لصفي الدين الهندي (ت:715)، وكذلك: (علم الكرام في علم الكلام) للشيخ زين الدين المالطي (ت:788)، (والمواقف في علم الكلام) للعلامة عضد الدين الإيجي (ت:1000) ([20]) .
وقال صديق بن حسن القنوجي: (علم أصول الدين المسمي بعلم الكلام، هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها وموضوعه الموجود من حيث هو موجود) ([21]) .
تلك أغلب المصطلحات التي وردت علما على علم التوحيد تعبر عن التطور التاريخي للمراحل التي مر بها، وقد كان السلف الصالح على أعلى درجات التوحيد والإيمان وكان اللفظ الشائع بينهم لفظ الإسلام والإيمان، تعبيرا عن خضوعهم لله وحده وعدم الإشراك به، والإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة مما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله .
· مفهوم الألوهية بين السلف ومخالفيهم .

توحيد الألوهية سمي بذلك عند السلف لأنه المقصود بقول العبد لا إله إلا الله فالإله هو المعبود بحق الذي يدعى وحده لا شريك له، وتوحيد الألوهية عندهم هو توحيد العبادة لله وتجريدها له وحده، وتلك هي الغاية التي دعت إليها الرسل ونزلت من أجلها الكتب، وإنما قلنا إن هذا اعتقاد السلف في معنى الألوهية لأن السلف اعتمدوا في تقرير ما ذهبوا إليه على نص كتاب الله وما صح في سنة رسوله e، قال تعالى: } اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ {(التوبة: 31)، وقال U} إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي {(طه: 14)، وقال سبحانه وتعالى: } وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ {(الأنبياء: 25).
وقال: } وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {(القصص: 88)، وقال U} هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {(غافر: 65)، وقال تعالى: } رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً {(المزمل: 9).
ومما ورد في سنة رسول الله e في بيان معنى لا إله إلا الله وأنه لا معبود بحق سواه ما رواه البخاري من حديث ابن عباس t لما بعث النبي e معاذ بن جبل t إلى اليمن قال له: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إلى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ تعالى) ([22])، وفي رواية أخرى توضح أن توحيد العبادة هو معنى لا إله إلا الله قال رسول الله e لمعاذ t: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ .. الحديث) ([23])، وعند مسلم من حديث أبي مالك عن أبيه t أن رسول الله e قال: (مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى الله) ([24]) .
وروى البخاري من حديث أبي سفيان t لما سأله هرقل ملك الروم عن النبي e قال: (مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ؟ قُلْت:يَقُولُ اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ) ([25]) .
قال ابن تيمية: (لا إله إلا أنت فيه إثبات انفراده بالإلهية، والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته ففيها إثبات إحسانه إلى العباد، فإن الإله هو المألوه والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزمك أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل) ([26]) .
وقد يتنوع معنى لا إله إلا الله أو مفهوم الألوهية عند قائليه ولا يعني به ما سبق عند السلف الصالح، فمنهم من جعل الألوهية بمعنى الربوبية وحصرها في إفراد الله بالخالقية، ومنهم من يعني أنه لا موجود إلا الله على اعتبار أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق حالة ظهوره بأشكال متعددة وكثرة متنوعة، ومنهم من يعني بها العلة الأولي أو العق الفعال، فليس كل من قال لا إله إلا الله يعني بها ما أراده الله في كتابه أو أراده رسوله e في سنته ([27]) .
فالألوهية عند الخلف المعروفين بأهل النظر والكلام الذين اتبعوا فلاسفة اليونان جعلوها بمعنى الخالق أو القادر على الاختراع ([28] وجعلوا غاية التوحيد عندهم إثبات أن صانع العالم واحد، وأن الواحد الحقيقي هو الشيء الذي لا ينقسم .
واحتجوا على وحدانية الإله بما يسمي بدليل التمانع، وهو من الأدلة العقلية في إثبات توحيد الربوبية، وملخصه أنا لو قدرنا إلهين اثنين وفرضنا أمرين متضادين وقدرنا إرادة أحدهما لأحد الأمرين، وإرادة الثاني للثاني فلا يخلو من أمور ثلاثة، إما أن تنفذ إرادتهما أو لا تنفذ إرادتهما أو تنفذ إرادة أحدهما دون الآخر، واستحال أن تنفذ إرادتهما لاستحالة اجتماع الضدين، واستحال أيضا ألا تنفذ إرادتهما لتمانع الإلهين وخلو المحل عن كلا الضدين، فإذا بطل القسمان تعين الثالث وهو أن تنفذ إرادة أحدهما دون الآخر، فالذي لا تنفذ إرادته فهو المغلوب المقهور المستكره والذي نفذت إرادته فهو الإله القادر على تحصيل ما يشاء وذلك عندهم مضمون قوله تعالى: } لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا {(الأنبياء: 22)([29]) .
قال ابن أبي العز الحنفي معقبا على الاستدلال بالآية السابقة كحجة على دليل التمانع: (وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره، وهو أنه لو كان للعالم صانعان .. الخ، وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل: أرباب، وأيضا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواء لفسدتا، وأيضا فانه قال لفسدتا، وهذا فساد بعد الوجود ولم يقل لم يوجدا) ([30]) .
وقد بين أيضا في معرض الرد أن الآية دلت على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة بل لا يكون الإله إلا واحدا، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله سبحانه وتعالى، وأن فساد السماوات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه إنما هو بالعدل وبه قامت السماوات والأرض، وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد ([31]) .
وقد بين الله U أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وكانوا يعتقدون أن الله خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم كما قال تعالى في شأنهم: } وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّي يُؤْفَكُون {(العنكبوت:61)، فالقلوب مفطورة على الإقرار بالخالق أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، ولم يذهب إلى غير ذلك طائفة معروفة من بني آدم، بل الأمر كما قالت الرسل لأممهم كما ذكر الله U في شأنهم: } قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض { (إبراهيم/10) .
وهذا فرعون الذي تظاهر بإنكار الصانع وتجاهله كان مستيقنا بالله في الباطن كما قال له موسي u} لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَل َ هَؤُلاء إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا { (الإسراء: 10)، وقال تعالى: } وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ { (النمل/14) ([32]) .
وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن هؤلاء المتكلمين المتأخرين الذين خلطوا الفلسفة بالكلام كثر اضطرابهم وازدادت شكوكهم وحيرتهم بحسب ما ازدادوا به من ظلمة هؤلاء المتفلسفة .. وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه، وهذا التوحيد كان يقر به المشركون، وهم مع هذا يعبدون غيره، وإنما التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، وأن يعبد الله وحده لا يشركون به شيئا فيكون الدين كله لله، ولا يخاف إلا الله ولا يدعى إلا الله، ويكون الله أحب إلى العبد من كل شيء فيحبون لله ويبغضون لله، ويعبدون الله، ويتوكلون عليه ([33]) .
ومن ثم فإن توحيد الربوبية والأسماء والصفات في عرف السلف من قبيل الوسيلة وليس من قبيل الغاية، فمعرفة المعبود والإقرار بأن الله U خالق كل شيء وأنه ليس للعالم صانعان هو حق لا ريب فيه، ولكن ذلك وسيلة إلى توحيد العبادة وتحقيق الغاية من خلق الإنسان، فمعني لا إله إلا الله عند السلف الصالح لا معبود بحق إلا الله، وعند الخلف معناها لا خالق إلا الله .
أما عند غلاة الصوفية فإنها تعني لا موجود إلا الله، حيث ذهب فريق من الصوفية يتزعمهم محي الدين بن عربي الأندلسي (ت:638) إلى أن الله هو هذا الوجود بعينه وهو ظاهر في أشكال متعددة وكثرة متنوعة وأنه لا موجود إلا هو .
أما الكثرة المشاهدة في العالم من أنواع المخلوقات فهي على زعمهم وَهْمٌ يحكم أصحاب العقول القاصرة وهي في حقيقتها مظاهر لله فقط، أو مرآة ويري نفسه فيها ويتعين للآخرين من خلالها، أو أثواب يلبسها ويخلعها وقتما يشاء، فهو السماء بما فيها من شمس وقمر ونجوم، وهو السحاب الذي نراه بين السماء والأرض عند الصفاء والغيوم لا فرق بين الأنداد والأضداد، ولا فرق بين الرب والعباد، فالعابد عندهم هو المعبود والذاكر هو المذكور، كما يقول ابن عربي: (ما في الوجود مثل ما في الوجود ضد فإن الوجود حقيقة واحدة والشيء لا يضاد نفس) ([34] ويقول أيضا:
فإنا أعبدٌ حقا وإن الله مولانا:
وإنا عينه فاعلم إذا ما قلت إنسانا
فلا تحجب بإنسان فقد أعطاك برهانا:
فكن حقا وكن خلقا تكن بالله رحمانا ([35]) .
ويزعم هؤلاء أنه كلما فنيت صورة من وجود الله وخلعها عن نفسه لبس صورة أخرى، وكذلك يظل يلبس صورة ويخلع أخرى بلا انقطاع، وهذا حكم منه اقتضاه لظهور هذا الوجود، لكي لا يكون موجود إلا هو .
ويلزم على هذا المذهب الخبيث تأليه جميع الأشياء وعبادتها فلا مانع عند ذلك أن يكون المعبود إنسانا أو وحيوانا أو ملكا أو شيطانا حجرا، ولذا يري هؤلاء الزنادقة أن الأديان كلها حق، وأن المجوس عابدي النيران والمشركين عابدي الأوثان والنصارى عابدي الصلبان وغيرهم من أهل الشرك ليسوا كفار ضلالا، بل مذاهبهم هي عين التوحيد والإيمان، لأنهم حين عبدوا النار والحجارة والصلبان ما عبدوا إلا الله U تعالى الله عن قولهم، فتلك المعبودات عندهم تجليات ظهرت بها الذات الإلهية .
والتوحيد في زعمهم أن تعبد جميعا وأن تعظم جميعا، والشرك الضلال عندهم أن تخصص بعض هذه المظاهر بالعبادة دون بعض، فالكفر عندهم ليس هو عبادة غير الله، ولكنه ستر حقيقة المعبود بتخصيص بعض مجاليه بالعبادة دون البعض الآخر . وحكم هؤلاء الزنادقة أيضا بأن إمام الموحدين هو فرعون، لأنه كان يشاهد عين الحقيقة حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولم يكن كاذبا في دعواه أنه هو الله، بل كان في أعلى مقامات التوحيد، وقد أغرق في البحر تطهيرا له من الشرك عندما هم بالإسلام في لحظاته الأخيرة وتوهم الغيرية، وزعموا أيضا أن موسي u لم يلم قومه على عبادة العجل ولم ينكرها عليهم ([36] ومعلوم أن تلك العقيدة كفر صريح بآيات القرآن التي نطقت بموت فرعون على الكفر، وأنه لم ينفعه إيمانه حين أدركه الغرق، وأن الله إنما نجاه ببدنه ليكون عبرة ماثلة للأجيال من بعده .فهؤلاء الغلاة من الصوفية لما شهدوا ألا إله إلا الله وضعوها على معنى الخبيث فيغتر الجاهل بشهادتهم ويظن أنهم يقصدون ما قصده أصحاب محمد بن عبد الله e ومن سار على دربهم.
وعلى شاكلة الصوفية في تأويلاتهم الباطنية فسر الفلاسفة كابن سينا والفارابي وغيرهما معنى الألوهية في كلمة التوحيد، فالإله عندهم هو بذاته علة تامة أزلية للعالم بما فيه من الحوادث المتجددة، وقد فاضت المخلوقات عن الذات الإلهية أو ما يسمونها بالعلة الأولية أو المبدأ الأول أو واجب الوجود فاضت بالعلل والمعلولات بعدها، وكل علة عندهم أكسبت معلولها قوة الإيجاد والإعداد لما بعدها في تسلسل متصل، وليس العالم عندهم ناتجا عن علم وإرادة وقدرة اتصف بها خالقه، ولكنه صدر عنه صدور المعلول عن علته، فهو سبحانه وتعالى عندهم العلة الأولى التي لا يقوم بها شيء من الصفات والأفعال.
ولما قرروا أن العالم معلول لعلة قديمة أزلية، قالوا أيضا بقدم العالم وأنه لم يزل مع الله أزلا وأبدا، فالرب على أصلهم والعالم متلازمان كل منهما شرط في الآخر، والرب محتاج إلى العالم كما أن العالم محتاج إلى الرب، تعالى الله عن قولهم، وتلك عقيدة فلسفية باطلة تؤدي إلى هدم التوحيد ونسف حقيقة الألوهية التي اتصف بها الإله الحق، لأن الله تعالى لم يزل ذا قدرة ومشيئة وعلم وحياة، ولم يزل فعالا متكلما إذا شاء وكيف شاء، والله سبحانه كان وليس شيء غيره، وليس معه شيء من خلقه فكيف يقترن الخالق والمخلوق اقتران العلة بمعلولها ؟ .
فهؤلاء استخدموا الأقيسة التي تحكم عالم الشهادة في الحكم على خالقهم الذي ليس كمثله شيء، ومعلوم أن الله لا يخضع لقياس تمثيلي يستوي فيه الفرع والأصل، أو قياس شمولي يستوي فيه مع بقية أفراده، كما أنهم أيضا سلبوا عن رب العزة والجلال ما ثبت له في القرآن والسنة من أوصاف الكمال، عندما جعلوه علة تامة أزلية لا يحدث فيها ولا منها شيء، وجعلوه ذاتا خاملة لا حراك فيها ولا علم لها ولا مشيئة ولا قدرة ولا حكمة ولا عزة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فالله U عاب المشركين أنهم عبدوا الحجارة والأصنام ونعي عليهم كونها لا تخلق ولا تتكلم . وفضلا عن أن عقيدة السلف في معني الألوهية تدور حول إفراد الله بالعبودية وهي تختلف عن عقيدة الأشعرية والصوفية والفلاسفة إلا أنهم يجعلون المرجع في حدوث المخلوقات هو كمال الصفات التي تقوم بالذات الإلهية كالعلم والإرادة والقدرة والحياة والغني والحكمة وغير ذلك من الصفات عملا بقوله تعالى: } إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ { (يس/82).
ومن ثم فإن الله U صانع كل شيء بقدرته، وعلة كل شيء صُنْعُه، ولا علة لصنعه، وهو سبحانه وتعالى واحد أحد، وتر صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وليس الإله علة وجود الأشياء وإنما العلة صفاته الفاعلة ([37]).

· تصنيف التوحيد إلى نوعين والمصطلحات التي أطلقت على كل نوع .
إذا علمنا أن توحيد الألوهية عند السلف يعني توحيد العبادة، فيجدر بنا أن نذكر أنواع التوحيد عند السلف الصالح حتى يمكن التعرف على عقيدتهم ومنهجهم وأدلتهم في تصنيف التوحيد، فالتوحيد عند السلف نوعان، وقد يقسم إلى ثلاثة أنواع على اعتبار آخر سوف يأتي تفصيله، أما تصنيفه إلى نوعين والأسماء التي قد يرد بها كل نوع فبيانه كالتالي:
الأول: هو توحيد الغاية ويسمى أيضا توحيد الألوهية، وربما يطلق عليه أيضا توحيد العبادة، وتوحيد القصد والطلب، وتوحيد الشرع والقدر، وتوحيد الإرادة .
الثاني: هو توحيد الوسيلة، ويسمى توحيد الربوبية والأسماء والصفات أو يطلق عليه توحيد المعرفة والإثبات، أو توحيد العلم والخبر، وهذا النوع كما تقدم يمثل غاية المطلوب في توحيد الله عند كثير من الخلف أهل النظر والكلام وطائفة كبيرة من الصوفية ([38]) .
أما النوع الأول فسمي توحيد الغاية وتوحيد العبادة لقوله تعالى: } وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ { (الذاريات/56)، فعبادة الله وحده لا شريك له هي الغاية التي خلق الناس من أجلها، وهي أول الدين وآخره وظاهره وباطنه وقد بينت الآية العلة في خلق العباد بلام التعليل في قوله إلا ليعبدون .
ولما جعل أهل الضلال من الجهمية وأصحاب الاعتزال غايتهم في التوحيد تدور حول إثبات الأسماء ونفي الصفات وكذلك الأشعرية من بعدهم الذين صنفوا التوحيد بقسمة عقلية مبنية على ما يجب للذات من الصفات والأفعال، وجعلوا ذلك غايتهم من التوحيد، كان رد الفعل الطبيعي عند الصادقين من الموحدين أتباع السلف أن يبنوا لجميع المسلمين الفرق بين توحيد الغاية وتوحيد الوسيلة، وأن توحيد الغاية هو توحيد العبادة الذي من أجله نزلت الكتب وبعثت الرسل .
أما التوحيد عند هؤلاء ففضلا عن كون تصنيفاتهم له تخالف النصوص القرآنية والنبوية إلا أنها وما يدور حولها من موضوعات لم تكن محلا للخلاف بين الرسل وأممهم لأن الله U أودع في نفوس البشر من الإقرار بعظمته في ذاته وصفاته وأفعاله وربوبيته لخلقه ما أقر به المشركون في الجاهلية، فقد كانوا يعلمون أن الله U خالقهم ورازقهم وأنه عظيم في ذاته لا يماثل شيئا من معبوداتهم التي يعظمونها .
فالنوع الأول هو توحيد الغاية أو توحيد العبادة، ويسمي أيضا توحيد الألوهية أو الإلهية كلاهما صحيح ذلك لأنه معنى قول العبد: لا إله إلا الله، فقد تقدم أن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم وجميع أنواع العبادة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (توحيد العبادة هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه وهذا هو الإسلام، فإن الإسلام يتضمن أصلين: أحدهما: الاستسلام لله، والثاني: أن يكون ذلك له سالما، فلا يشركه أحد في الإسلام له وهذا هو الاستسلام لله دون ما سوا) ([39]) .
ويسمي توحيد القصد والطلب لأنه يتعلق بنية المسلم ومطلبه في الحياة، فمن حديث عُمَر بْن الْخَطَّابِ t قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ e يَقُولُ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَي فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إِلَيْ) ([40]) .
فالعبادة تتضمن الطلب والقصد والإرادة والمحبة، وهذا لا يتعلق بمعدوم فإن القلب يطلب موجودا فإذا لم يطلب ما فوق العالم طلب ما هو فيه ([41]) .
وهذا النوع من التوحيد يسمي أيضا توحيد الإرادة، فالإرادة في الأصل من راد يرود إذا سعي في طلب الشيء، وهي قوة مركبة في قلب الإنسان جعلت اسما لشروع النفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أولا يفعل ([42]) .
والإرادة قريبة من القصد والنية والعزم على الفعل وكلها في من أعمال القلوب ومنطقة الكسب، كقوله تعالى: } مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَي لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا { (الإسراء/18) .
وقد سمي هذا التوحيد توحيد الإرادة لتوافق الإرادات، فالعبد إذا حققه توافقت إرادته مع الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية، فالمؤمن الذي كمل إيمانه تتوافق فيه الإرادات، والكافر تتخلف فيه إرادة الله الشرعية فقط، وهي إرادة بمعنى الأمر الشرعي الموجه إلى المكلفين كقوله تعالى: } يُرِيدُ اللهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ { (البقرة/185)، وكقوله: } مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ { (المائدة/6)، وتلك الإرادة قد تتخلف وقد يعصيها الإنسان أما إرادة الله الكونية القدرية فهي بمعنى الحكم المنتهي والقضاء المبرم والتقدير الواقع بأن يفعل أو لا يفعل، فمتي قيل: أراد الله كذا على المعنى الكوني فمعناه قضاه وقدره وحكم فيه أنه واقع، وهي بمعنى المشيئة وتسمى الإرادة الكونية، كقوله تعالى: } فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد ُ{ (البروج/16)، وكقوله أيضا: } قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا { (المائدة/17) .
سئل سهل بن عبد الله التستري (ت:293) عن قوله تعالى: } وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَي وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ { (البقرة/34)، لما أمر إبليس بالسجود أراد منه ذلك أم لا ؟ فقال: أراده ولم يرده ([43] ويقصد بذلك أنه سبحانه أراده شرعا، وإظهارا عليه إيجابا وتكليفا وهي إرادة الله الشرعية، ولم يرده منه وقوعا وكونا إذ لا يكون في ملكه إلا ما أراد الله تعالى، وهي الإرادة الكونية فلو أراد كونه لكان، ولو أراده فعلا لوقع لقوله سبحانه وتعالى: } إِنَّمَا أَمْرُه ُإِذَا أَرَاد شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون { (يس/82)،فلما لم يكن عُلِم أنه لم يرده، فقد كان الأمران معا، إرادته بالتكليف والتعبد، وإرادته ألا يسجد، فلم يقدر أن يمتنع من ألا يسجد كما لم يقدر من أن يمتنع أن يؤمن ([44]) .
وكما سمي هذا النوع بتوحيد الإرادة، فإنه يسمي أيضا توحيد الشرع والقدر، لأن عقيدة السلف وسط بين الجبرية والقدرية، فالمسلم يجب أن يسلم لله في تدبيره الشرعي وتدبيره الكوني معا كما سبق، فيعمل بشرعه ويؤمن بقدره لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، ومعنى ذلك أن المسلم إذا وفقه الله إلى الطاعة واجتهد في أحكام العبودية وأدى توحيد الألوهية نسب الفضل في طاعته إلى ربه، وأنها كانت بمعونته وتوفيقه لما سبق في حكمه وقضائه وقدره ولا ينسب الفضل إلى نفسه أو يمن به على ربه، قال تعالى: } يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ { (الحجرات:17) .
فهذه أغلب الأسماء والمصطلحات التي تطلق على النوع الأول من التوحيد في كتب العقيدة .
أما النوع الثاني وهو المسمي توحيد الوسيلة، أو توحيد الربوبية والأسماء والصفات أو توحيد المعرفة والإثبات، أو توحيد العلم والخبر، فقد سمي توحيد الوسيلة لأن إثباته أو الإيمان به فقط لا يكفي لدخول الجنة، لأن الله U حدد الغاية من خلق الإنسان بقوله: } وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ { (الذاريات/56)، فعبادة الله وحده لا شريك له وامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل هي الطريق إلى الجنة والغاية التي خلق الناس من أجلها كما تقدم، وعند البخاري من حديث أبي هريرة t أن رسول الله e قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَي، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَنْ يأبى ؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَي) ([45] فالحصول على الجنة سببه الطاعة والعبادة .
أما من يجعل غايته من التوحيد البحث عن وجود الله والتعرف على أوصافه بقوانين العقل أو الذوق، كما هو الحال عند الجهمية والصوفية وأحفادهم من المعتزلة والأشعرية والماتريدية أو حتى بالرجوع إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فهذا كله عند السلف وسيلة لتحقيق العبادة من خلال معرفة المعبود، فتوحيد العبادة يدل على توحيد الربوبية والأسماء والصفات بالتضمن، قال ابن القيم: (وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم كما بين ذلك سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع، ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا)([46]) .
ويسمي النوع الثاني من التوحيد أيضا توحيد الربوبية والأسماء والصفات لأنه يدور حول إثبات الوحدانية في ربوبية الله U من خلال الأدلة النقلية والعقلية، وإثبات أنه سبحانه المنفرد بالخلق والتقدير والملك والتدبير، فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدي ولا سعادة ولا شقاوة إلا من بعد إذنه، وكل ذلك بمشيئته وتكوينه إذ لا مالك غيره، ولا مدبر سواه، فهذه حقيقة الربوبية ومعنى كونه رب العالمين ([47]) .
وكذلك فإن هذا النوع يدور أيضا حول الطريقة المثلى في معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله وحقيقة المنهج الصحيح الذي لم يتلوث بشيء من أفكار المخالفين وأدناس الشبهات التي تؤدي إلى هدم التوحيد في قلوب المسلمين ؟ وكيف أثبت السلف الصالح لربهم حقائق الأسماء والصفات ونفوا عنه مماثلة المخلوقات ؟
وكيف أن مذهبهم مذهب بين مذهبين وهدي بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين، كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ؟ وكيف وضعوا ضابطا يحكم منهجهم ويبين عقيدتهم في الأسماء والصفات عندما قالوا بإثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله e من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ؟ وعندما قالوا: لا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا استوي على عرشه، ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوق ووجه كوجوههم، وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم، بل قالوا: له ذات حقيقية ليست كسائر الذوات وله صفات حقيقية ليست كسائر الصفات، وليست دربا من المجازات أو نوعا من التخيلات، وكذلك قولهم في وجهه تبارك وتعالى ويديه وسمعه وبصره وكلامه واستوائه، ولم يمنعهم ذلك أن يفهموا المراد من تلك الصفات وحقائقها ([48] هذا مع التعرف على فقه الأسماء الحسنى وفهم دلالتها مطابقة وتضمنا والتزاما، ودعاء الله بها، دعاء مسألة ودعاء عبادة، وتأثير ذلك في سلوك المسلم واعتقاده .
وهذا النوع يسمي أيضا توحيد العلم والخبر لأن تحصيل العلم به ورد فيما أخبرنا الله به في كتابه وسنة رسوله e، فغاية ما للعقل من جهد محدود في هذا الباب إثبات الخالق ووصفه بأوصاف العظمة، سواء بالنظر إلى الأسباب في الآفاق أو بالنظر إلى النفس وتركيبة الإنسان كما قال سبحانه: } سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ { (فصلت/53) .
أما لو ترك الإنسان لعقله العنان في وصف المعبود فسوف يضع الأقيسة والقواعد والقيود وسوف يتجاوز الحدود لا محالة في حكمه على ذات الله تعالى أو حكمه على صفاته وأفعاله، كما فعل أصحاب المدارس العقلية المنتهجين لفكر الجهمية، وقد كانت النتيجة الحتمية أن وقعوا بجهلهم في الزيغ والضلال ووصفوا الله بالعجز والمحال.
وتوحيد العلم والخبر يسمي أيضا توحيد المعرفة والإثبات لأن المسلم مطالب بمعرفته وإثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله e، فالتوحيد بغير إثبات الصفات هو في حقيقته نقص ومذمة كما هو الحال في الأصل الأول من أصول المعتزلة ([49] فالمتوحد المنفرد عن غيره لا بد أن ينفرد بصفة يتميز بها ولا يشاركه فيها أحد سواه، أما الذي لا يتميز بشيء عن غيره ولا يوصف بوصف يلفت الأنظار إليه، فهذا لا يكون منفردا ولا متوحدا ولا متميزا، فالله وله المثل الأعلى أثبت لنفسه أوصاف الكمال التي انفرد بها دون غيره، ونفي عن نفسه أوصاف النقص ليثبت توحده في ذاته وصفاته وأفعاله وهذا منهج القرآن، فبعد أن بدأ سبحانه بالتوحيد أولا في قوله U} لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ { (الشورى: 11)، اتبع ذلك بإثبات الصفات العليا التي تليق به فقال: } وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { (الشورى: 11)، فالتوحيد يستلزم إثبات الصفات وهذا هو المناسب للفطرة السليمة والعقول المستقيمة، ومن أجل هذا سمي هذا النوع من التوحيد بتوحيد المعرفة والإثبات.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني


(1) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، 1/109، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، نشر دار الكتاب العربي بيروت 2/402، وقارن: ما ورد في العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية رواية محمد الصالح رمضان عبد الحميد ابن باديس، 1995م، الشارقة، دار الفتح، ص65، وانظر أيضا التعريفات لعلى بن محمد بن على الجرجاني 1405هـ، تحقيق إبراهيم الإبياري، بيروت دار الكتاب العربي ص96 .

(2) البخاري في الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة 2/529 (1389) .

(3) حقق ونشر بعنوان: العقيدة رواية أبي بكر الخلال، تحقيق عبد العزيز عز الدين السيروان، نشر دار قتيبة دمشق سنة 1408هـ .

(4) انظر بتصرف: اجتماع الجيوش الإسلامية علي غزو المعطلة والجهمية لابن قيم الجوزية ص74 .

(5) شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد 4/281،394 .

(6) كشف الظنون لحاجي خليفة 1/69، 2/1151، 2/1859.

(7) أصول السنة، نشر دار المنار، من ص14: ص 17، السعودية الخرج سنة 1411هـ .

(8) صريح السنة ص18، تحقيق بدر يوسف المعتوق، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت 1405هـ .

(9) انظر بتصرف كتاب شرح السنة لأبي محمد البربهاري، ص 21، تحقيق د. محمد سعيد سالم القحطاني، نشر دار ابن القيم، الدمام 1408هـ .

(10) كشف الظنون 1/448، 2/1401.

(11) انظر التعريفات للجرجاني ص45، والمبدع في شرح المقنع 4/158، لأبي إسحاق بن مفلح الحنبلي، نشر المكتب الإسلامي، بيروت 1400هـ .

(12) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون 12/200.

(13) الغنية، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر ص39 .

(14) أصول الدين تحقيق عمر وفيق الداعوق ص60، ص81 .

(15) حديث صحيح رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلميt أنه قال: (وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله S، فعظم ذلك علي، قلت:يا رسول الله أفلا أعتقها ؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله ؟ قالت:في السماء، قال: من أنا ؟ قالت:أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة) مسلم في المساجد 1/381 (537) .

(16) كشف الظنون 1/61 .

(17) معجم البلدان 2/193، لأبي عبد الله ياقوت الحموي نشر دار الفكر بيروت.

(18) انظر تلبيس إبليس لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ص102، وقواعد العقائد لأبي حامد الغزالي ص85، وتحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة ص41 .

(19) انظر كشف الظنون 1/728 .

(20) انظر ميزان الاعتدال في نقد الرجال 6/40، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1995، وكشف الظنون 2/1160 .

(21) أبجد العلوم الوشى المرقوم في بيان أحوال العلوم تحقيق عبد الجبار 2/440 .

(22) تقدم تخريجه ص10 .

(23) البخاري في الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة 2/529 (1389) .

(24) مسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله 1/53 (23) .

(25) البخاري في بدء الوحي،باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله S 1/7 (7) .

(26) دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية تحقيق الدكتور محمد السيد الجليند 2/364 .

(27) انظر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 1/459 بتصرف .

(28) كتاب المواقف لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة، 3/306، نشر دار الجيل بيروت سنة 1997م .

(29) وانظر لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة ص 99، لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف، تحقيق د. فوقية حسين نشر عالم الكتب بيروت 1987م، وانظر أيضا الغنية في أصول الدين ص 67، لأبي سعيد عبد الرحمن بن محمد، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر نشر مؤسسة الخدمات والأبحاث الثقافية بيروت سنة 1987م .

(30) انظر شرح العقيدة الطحاوية، نشر المكتب الإسلامي بيروت 1391ه ص 87 .

(31) السابق ص 87 .

(32) انظر السابق ص 77 .

(33) منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية 3/288 بتصرف، وانظر أيضا تحقيق هذه المسألة في مجموع الفتاوى لابن تيمية 1/136 3/100، 2/11.

(34) فصوص الحكم لابن عربي شرح عبد الرزاق الكاشاني ص 92 .

(35) السابق ص 143.

(36) انظر المزيد عن عقيدة الصوفية في وحدة الوجود: ابن تيمية وفلاسفة التصوف للدكتور محمد سليمان داود، وابن الفارض والحب الإلهي للدكتور محمد مصطفي حلمي وانظر أيضا مصطلحات ابن عربي وأصحاب وحدة الوجود في المعجم الصوفي للدكتور محمود عبد الرازق الرضواني، تحت الطبع .

(37) انظر المزيد عن توحيد الفلاسفة: الرسالة العرشية لابن سينا ص 10: 12، وانظر تهافت الفلاسفة لأبي حامد الغزالي ص 37، 38، نشر دار المعارف القاهرة سنة 1972م، والتعليقات ص 20 وهي رسالة من رسائل الفارابي ضمن أحد عشر رسالة، طبعة دار المعارف العثمانية، حيدر أباد الهند سنة 1926م .

(38) للتعرف علي أنواع التوحيد عند السلف، والأسماء التي قد يرد بها كل نوع، انظر اجتماع الجيوش الإسلامية 1/43، ومنهاج السنة النبوية 3/289، واقتضاء الصراط المستقيم لا بن تيمية 1/465، وله أيضا مجموع الفتاوى 3/89، 14/380، ومدارج السالكين 3/449، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 88 .

(39) الفتاوى الكبرى 5/250 .

(40) البخاري في كتاب بدء الوحي 1/1 (45) .

(41) انظر بتصرف الفتاوى الكبرى لا بن تيمية نشر دار الكتب العلمية 2/298 .

(42) المفردات ص206، 207، ولسان العرب1/362 .

(43) قوت القلوب لأبي طالب المكى1/ 128 .

(44) السابق 1/128.

(45) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله S6/ 2655 (6851) .

(46) إغاثة اللهفان 1/30 .

(47) شفاء العليل 1/44 بتصرف .

(48) الصواعق المرسلة 2/426 بتصرف .

(49) الأصول الخمسة عند المعتزلة هي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلها شعارات تستتر تحتها أنواع من الضلالات والشبهات هي أقرب عند التحقيق إلي الكبائر والشركيات انظر التنبيه والرد علي أهل الأهواء والبدع ص38، لأبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن المالطي الشافعي تحقيق محمد زاهد بن الحسن الكوثري، نشر المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة سنة 1977م .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 22-12-11, 12:36 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة السابعة

المحاضرة السابعة
علة تصنيف التوحيد إلى نوعين أو ثلاثة
بسم الله الرحمن الرحيم
· العلة في تصنيف التوحيد إلى نوعين عند السلف .
أولا: بناء على معنى الإسلام والإيمان .
المعروف بين الصحابة والتابعين مصطلح الإسلام والإيمان والإحسان، عرف النبي S الإسلام بالأركان الخمسة، وعرف الإيمان بالأركان الستة وجعل الإحسان رابطا بينهما، بمعنى أن يكون الإسلام الحق عن عقيدة وإيمان، ولا يعني ذلك أن نوعي التوحيد لم يكونا معروفين بين الصحابة والتابعين، فهم يعلمون أن الإسلام الذي ورد تعريفه في حديث جبريل هو في حقيقته توحيد العبادة لله وإفراده بها، فالإسلام هو الخضوع والاستسلام للمعبود على وجه المحبة والتعظيم، وهذا تعريف العبادة، أما توحيد العبادة فظاهر من الشهادة التي هي أول ركن من أركان الإسلام فكلهم يعلم أن الإسلام لا يصح إلا بالتوحيد، وأن توحيد العبادة لله هو الإسلام .
كما أن أركان الإيمان التي وردت في حديث جبريل هي في حقيقتها توحيد الربوبية والأسماء والصفات وما يجب على المسلم اعتقاده في باب الغيبيات، وتلك الأركان التي ذكرها النبي S في مصطلح الإيمان بنيت على الإقرار بما نزل في القرآن من تقرير للحقائق العظمى في حياة الإنسان.
كلهم كانوا على عقيدة واحدة في توحيد الله بالعبودية والإقرار بما جاء من عنده سواء في توحيد الربوبية أو الأسماء والصفات وسائر الغيبيات، غير أن الأمر يتطلب مزيدا من البيان للعلة التي من أجلها صنف السلف الصالح توحيد الله إلى نوعين .
ويمكن أن نطرح بعض العلل التي تكشف بجلاء ووضوح صدق ما عليه السلف وبهتان ما يدعيه الخلف من تصنيفات عقلية للتوحيد، وكيف أن تصنيف السلف يتوافق مع النقل والعقل والفطرة السليمة، وأبرز تلك العلل يتمثل في النقاط التالية:
ثانيا: صيانة التوحيد الحق عن توحيد الجهمية.
صٌنف التوحيد إلى نوعين بناء على رد فعلهم على المخالفين، فلما ظهرت الجهمية والمعتزلة كنبتة لا أصل لها في عصر السلف ابتدعوا للتوحيد في اصطلاحهم معنى جديدا غير ما استقر في اعتقاد الصحابة والتابعين وعلماء السلف، فقالوا إن التوحيد هو إثبات الأسماء ونفي الصفات، فجعلوا القرآن عضين يقبلون منه ما يوافق آراءهم الفاسدة ويعطلون ما يخالفها، ومعني قولهم بإثبات الأسماء ونفي الصفات أنهم أثبتوا وجود الذات الإلهية فقط دون إثبات أي صفة لها، أو جعلوا أسماء الله U الدالة عليه فارغة من الأوصاف، أو أسماء بلا مسمى، فقالوا: هو العليم لكن لا يتصف بصفة العلم والسميع بلا سمع وهو البصير بلا بصر، قياسا على من تسمى سعيدا وهو شقي أو منصورا وهو مهزوم أو صالحا وهو طالح .
بخلاف ما استقر في اعتقاد السلف في كون أسماء الله أسماء على مسمى وأنه U الغني الذي يتصف بالغني لا الفقر، والقوي الذي يتصف بالقوة لا الضعف، وهو السميع يتصف بصفة السمع تعالى الله عن ضدها، وهو البصير الذي يتصف بالبصر وهكذا في سائر الأسماء والصفات.
ثالثا: دلالة النصوص على تصنيف التوحيد .
صُنف التوحيد إلى نوعين بناء على دلالة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية جملة وتفصيلا، ففي الجملة كل نص ورد في الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية شاهد لأحد نوعي التوحيد، فالنصوص التي تضمنت الحديث عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وما يتعلق بتدبيره الكوني، أو عن عالم الغيب وما فيه من مخلوقات، أو ما يحدث في القبر أو سيحدث من أمور الساعة والبعث والحساب والجنة والنار وسائر أمور الجزاء، أو كل ما يجب على المسلم اعتقاده والإيمان به، كل هذه النصوص تمثل شواهد لتوحيد العلم والخبر، أو توحيد المعرفة والإثبات أو أثار الإيمان بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات .
والنصوص التي تضمنت الحديث عن تدبير الله الشرعي وحكمه الديني أو منهج التكليف في الحياة وكيفية عبادة الله، من أمر أو نهي على سبيل الحتم والإلزام، أو أمر ونهي لا على سبيل الحتم والإلزام، أو موقف الناس من تلك الأحكام وجزاؤهم في الدنيا والآخرة، كلها شواهد لتوحيد الألوهية والعبادة وتحقيق لمقتضى النطق بالشهادة التي بعث النبي S من أجلها .
أما على وجه التفصيل فهذه شواهد نذكرها للتدليل والتمثيل يمكن أن يحتذي بها في التقاط الدليل على نوعي التوحيد، ففي أول سور القرآن ورد ما يدل على أن التوحيد نوعان، توحيد الألوهية والعبادة في قوله تعالى: } إِيَّاكَ نَعْبُدُ {، وتوحيد الربوبية في قوله: } وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {، قال ابن عباس t: (يعني إياك نوحد ونخاف ونرجو ربنا لا غيرك، وإياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها)الدر المنثور 1/37 .
ويذكر ابن القيم رحمه الله في هذين الأصلين العظيمين أن العبودية تتضمن المقصود المطلوب لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب فالأول من معني ألوهيته، والثاني من معني ربوبيته، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإنابة وإجلالا وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا، والرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى مصالحه، فلا إله إلا هو، ولا رب إلا هو فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل فكذلك إلهية ما سواه، وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله: } فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّل عَليْهِ { (هود: 123)، وقوله عن نبيه شعيب: } وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ عَليْهِ تَوَكَّلتُ وَإِليْهِ أُنِيبُ { (هود: 88)، وقوله U: } وَتَوَكَّل على الحَيِّ الذِي لا يَموتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ { (الفرقان: 58)، وقوله: } وَتَبتَّل إِليْه تَبْتِيلا رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا { (المزمل: 9: 8)، وقوله تعالى: } قُل هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلا هُوَ عَليْهِ تَوَكَّلتُ وَإِليْهِ مَتَابِ { (الرعد: 30)، وقوله عن أتباع إبراهيم u: } رَبَّنَا عَليْكَ تَوَكَّلنَا وَإِليْكَ أَنَبْنَا وَإِليْكَ المَصِيرُ { (الممتحنة: 4)، فهذه سبعة مواضع تنظم هذين الأصلين الجامعين لمعنيي التوحيد اللذين لا سعادة للعبد بدونهما البتة ([1]) .
رابعا: التوحيد نوعان باعتبار الخبر والطلب .
لما كان الصحابة هم أهل الفصاحة واللسان وقد خاطبهم الله بنوعي الكلام في القرآن كان منهجهم في مسائل التوحيد والإيمان هو تصديق الخبر وتنفيذ الأمر، فلو أخبرهم الله عن شيء صدقوه تصديقا جازما ينفي الوهم والشك والظن، ولو أمرهم بشيء نفذوه بالقلب واللسان والجوارح، وتلك هي غاية التوحيد العظمى وطريقة السلف المثلى التي جاهدوا من أجل إثباتها في توحيدهم لربهم، أن يثبتوا ما أثبته الله لنفسه بتصديق خبره، وأن يطيعوا الله فيما أمر على لسان نبيه S، فالأول عندهم هو توحيد الوسيلة وتوحيد العلم والخبر، وتوحيد المعرفة والإثبات والربوبية والأسماء والصفات، والثاني هو توحيد الغاية والألوهية والعبادة والإرادة والشرع والقدر، فهم بقولهم: لا إله إلا الله قد عقدوا في أنفسهم عقدا أن يكون الله U هو المعبود الحق الذي يصدق في خبره دون تكذيب والذي يطاع في أمره دون عصيان، وتلك حقيقة الإيمان التي نزل بها القرآن وفهمها أصحاب اللسان .
ويذكر أبو بكر البيهقي (ت:458ه) أن حقيقة الإيمان والتوحيد تكمن في تصديق الخبر وتنفيذ الأمر، لأن الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب، والأمر والنهي كل واحد منهما قول يتردد بين أن يطاع قائله وبين أن يعصي، فمن سمع خبرا واعتقد أنه حق وصدق فقد آمن به، ومن سمع أمرا أو نهيا فاعتقد الطاعة له، فكأنما آمن في نفسه به ... فالإيمان بالله U إثباته والاعتراف بوجوده والإيمان له والقبول عنه والطاعة له ([2]) .
وقد بين ابن القيم أن أساس التوحيد والهداية التي من الله بها على الموحدين يترتب على تصديق خبر الله من غير اعتراض شبهة تقدح في تصديقه، وامتثال أمره من غير اعتراض شهوة تمنع امتثاله، يقول: (وعلى هذين الأصلين مدار الإيمان، وهما تصديق الخبر وطاعة الأمر ويتبعهما أمران آخران، وهما نفي شبهات الباطل الواردة عليه المانعة من كمال التصديق وأن لا يخمش بها وجه تصديقه، ودفع شهوات الغي الواردة عليه المانعة من كمال الامتثال) ([3]) .
ويقول أيضا: (وأما الدين فجماعه شيئان تصديق الخبر وطاعة الأمر ومعلوم أن التنعم بالخبر بحسب شرفه وصدقه، والمؤمن معه من الخبر الصادق عن الله وعن مخلوقاته ما ليس مع غيره، فهو من أعظم الناس نعيما بذلك بخلاف من يكثر في أخبارهم الكذب، وأما طاعة الأمر فإن من كان ما يؤمر به صلاحا وعدلا ونافعا يكون تنعمه به أعظم من تنعم من يؤمر بما ليس بصلاح ولا عدل ولا نافع، وهذا من الفرق بين الحق والباطل) ([4]) .
خامسا: استخلاف الإنسان في الأرض.
وهذا الوجه مع وضوحه وضح الشمس إلا أنه غير مذكور فيما سبق، قال تعالى عن دور الإنسان وعلة وجوده في الأرض: } وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً { (البقرة /30)، فالآية دلت على أنه مستخلف في أرض الله، والخلافة في اللغة تعني النيابة عن الغير ([5] ولا بد فيها من استخلاف المستخلِف بكسر اللام للمستخلَف بفتحها وتخويله وإذنه له بها، ولا تصح في اللغة بغير هذا، قال ابن حزم: (ومعني الخليفة في اللغة هو الذي يستخلِفُه لا الذي يخْلُفُه دون أن يستخلِفَه هو، لا يجوز غير هذا البتة في اللغة بلا خلاف، تقول: استخْلَفَ فلانٌ فلانا يستخلِفُه فهو خليفَتُه ومستخلِفُه، فإن قام مكانه دون أن يستخْلِفُه هو لم يُقَلْ إلا خلف فلان فلانا يخلفه فهو خالف) ([6]) .
وإذا كانت الخلافة بمعنى التخويل والإنابة، فهل الإنسان خليفة ينوب عن الله في أرضه أم يخلف من سبق بعد موته ؟ وحتى نصل إلى مرادنا في ضرورة تصنيف التوحيد إلى نوعين من خلال معنى الاستخلاف لا بد أن ندرك أن الاستخلاف يأتي على معنيين:
1- استخلاف عن نقص الأوصاف بحكم طبيعة الإنسان ويكون عند عجز المستخلِف عن القيام بملكه أو تدبير أمره، إما لغيابه أو قلة علمه، وإما لمرضه أو موته، كاستخلاف القائد نائبا على جنده وقومه، كما ورد في قوله تعالى عن موسي u: } وَقَالَ مُوسَي لأَخيهِ هَارُونَ اخْلُفنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين { (الأعراف/142) .
2- استخلاف عن كمال الأوصاف، وذلك إذا كان لتشريف الإنسان وإكرامه أو اختباره وامتحانه، وليس لعجز المستخلِف عن القيام بشؤونه .
ولله المثل الأعلى لما قال للملائكة في شأن الإنسان: } إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً { (البقرة/30)، تحقق في الخلافة المعنيان، أن يخلف بعضهم بعضا على وجه النقص، وأن يكون خليفة لله في الأرض على وجه الابتلاء والامتحان، وكذلك يقال في كل آية ورد فيها استخلاف الله للإنسان فإنها تدل على المعنيين معا، أنه خليفة لمن سبق من الذرية عن نقص في الأوصاف البشرية، وخليفة لله على وجه الكمال وإظهار المعاني الشرعية غير أنه لا حول له ولا قوة في معاني الربوبية .
ومن هنا يظهر السر في تصنيف التوحيد إلى نوعين فالله U استخلف الإنسان في الأرض وهو معه يتابعه يراه من فوق عرشه ويسمعه، ولكنه بين أن استخلافه في هذه الدار إنما هو على وجه الابتلاء والاختبار، فهو استخلاف ليس عن غيبة المستخلِف أو عجزه لأن الاستخلاف وإن اقتضى غياب المستخلِف في العادة إلا أنه هنا يكشف سر الإيمان والعبادة بظهور عالم الغيب والشهادة، فالله غيب بالنسبة للإنسان لأن الله جعل مداركه محدودة، فهما غيب وشهادة ليس بالنسبة لعلم الله بخلقه ولكن بالنسبة لرؤية الإنسان لربه، وعلمه بكيفية ذاته ووصفه وفعله، فقال سبحانه في شمولية علمه لكل صغيرة وكبيرة في خلقه: } اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثي وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالليْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ { (الحديد/ 7وقال أيضا: } ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ { (السجدة/6)، وقال في المقابل عن حدود علم المستخلَف ومدي ضعفه: } وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا { (الإسراء/85)، وقال: } قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ { (النمل/65)،فعلم الإنسان مهما بلغ محدود لأن حواسه عليها غطاء وقيود، ومن ثم كان النطق بشهادة الحق أمرا وتكليفا وترك الزور وقول الصدق مدحا وتشريفا، فمن الجهل والعيب ادعاء الإنسان لعلم الغيب أو القول على الله بلا علم .
ومن أجل ذلك أيضا ظهر تكليف المسلم بالتصديق الجازم لكل خبر ورد عن ذات الله وأسمائه وصفاته، وكل ما ورد في القرآن والسنة عن أركان الإيمان وأن يثبت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله S، وحرم عليه أن يتقول على ربه بوضع أقيسة عقلية يحكم بها على الأدلة النقلية فيأخذ منها ما يشاء ويعطل ما يشاء فيقع في التمثيل والتكييف والتعطيل والتحريف وهذا هو النوع الأول من نوعي التوحيد .
أما النوع الثاني فقد ارتبط باستخلاف الإنسان من جهة أن الاستخلاف مقيد بالخضوع لأمر الله فيما استخلفه واسترعاه، وإظهاره لتوحيد العبودية والعمل في أرض الله بالشريعة الإسلامية، وليس استخلاف الإنسان في الأرض نيابة عن الله في معاني الربوبية أو تخويلا لغيره في إرادته الكونية، سبحانه وتعالى أن يتخذ شريكا له في ملكه أو يتخذ وليا من الذل وينعزل عن خلقه، قال تعالى: } وقُلْ الْحَمْدُ لِلهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا { (الإسراء/111)، وقال سبحانه: } قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللهُ خَالِقُ كُلِّ
· العلة في تصنيف التوحيد إلى ثلاثة أنواع .
كل من أقر بتصنيف التوحيد إلى نوعين على اعتبار تنفيذ الأمر وتصديق الخبر أو على اعتبار توحيد الغاية والوسيلة، أو توحيد القصد والطلب وتوحيد العلم والخبر أو توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فسوف يقر ضرورة بتصنيف التوحيد إلي ثلاثة أنواع على اعتبار أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات نوعان وليس نوعا واحدا كما سبق.
فعند الفصل بينهما تظهر أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع اشتهرت بين المتبعين لنهج السلف الصالح بحيث غطت شهرتها علي التصنيف السابق بنسبة كبيرة، والباعث على تصنيف التوحيد إلى ثلاثة أنواع يمكن إجماله في النقاط التالية:
الأمر الأول: صُنِّفَ التوحيد عند السلف إلى ثلاثة أنواع على اعتبار وجود تصنيف مبتدع أحدثه المتكلمون من الأشعرية منذ وقت مبكر وأذاعوه بين الناس وانتشر بحكم السطوة والقربة لدى الساسة والأمراء والخلفاء، كما حدث من حمقى المعتزلة عندما أداروا البلاد الإسلامية في عهد مجموعة من خلفاء بني العباس فغيروا وبدلوا في معنى التوحيد، هذا في مقابل ضعف السلف وزهدهم وبعدهم عن قصور الخلفاء والأمراء وأصحاب الأهواء، فالأشعرية صنفوا التوحيد إلي ثلاثة أنواع مبنية لا علي أدلة قرآنية ونبوية كما هو الحال عند السلف ولكن علي دلالات عقلية سقيمة وآراء فلسفية باطلة أطلقوا عليها أصول الدين، قال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت:548ه) في بيان أنواع التوحيد عند الأشعرية: (وأما التوحيد فقد قال أهل السنة وجميع الصفاتية: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له) ([7]) .
وفضلا عن ادعائهم أن الأشعرية هم أهل السنة وسلبهم هذا الوصف عن المنتهجين لطريقة السلف، فقد صنفوا التوحيد إلى ثلاثة أنواع محدثة لا دليل عليها من كتاب أو سنة، فلم يكن بد من رد الفعل الطبيعي لهذا التقسيم المحدث بنشر تصنيف السلف لأنواع التوحيد وإذاعته وتركيز الضوء على أدلته، المبنية في جوهرها علي الأصول القرآنية والنبوية، وسواء صنف التوحيد إلي نوعين أو ثلاثة أنواع، فإن الغاية المرجوة عند العلماء المخلصين أتباع السلف كانت نشر التوحيد الحق ورد ما أحدثه الآخرون من الباطل، وقد ظهرت سلسلة من الردود المتوالية في مؤلفات كثيرة تدافع عن مذهب السلف وتعيد الناس إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله S، وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الباع الأكبر في ذلك، فقد صنفا حشدا هائلا من الردود والمصنفات في خدمة العقيدة السلفية، ويمكن القول إن من أتى بعدهما كان عالة عليهما وعلى ما تركاه من مصنفات .
الأمر الثاني: صُنِّفَ التوحيد عند السلف إلى ثلاثة أنواع على اعتبار معنى التوحيد عندهم وما يتبعه بالضرورة من إثبات معاني الكمال التي انفرد بها رب العزة والجلال عمن سواه، فالتوحيد كما تقدم هو الإفراد، ولا يكون التوحيد توحيدا إلا مع الإثبات، فما الذي انفرد به رب العزة والجلال مما ورد في الآيات من إثبات؟ عند الحصر والاستقصاء يتبين أن الله انفرد بثلاثة أشياء جامعة لا يشاركه فيها غيره:
أولها: انفراده بالربوبية فلا رب سواه ولا خالق ولا مدبر للكون إلا الله كما قال سبحانه وتعالي: } إِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَي عَلَي الْعَرْشِ يُغْشِي الليْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ { (الأعراف: 54)، وثلث آيات القرآن تقريبا يدور حول هذا النوع من التوحيد .
ثانيا: أنه انفرد بالإلوهية والعبادة فلا يقبل الشركة فيها، فإما يُعْبَد وحده بإخلاص وإما يبحث المشركون عن الخلاص، أما أن يَقْبَل من عباده أن يعبدوه ثم يعبدوا غيره معه في آن واحد، فهذا قد يقبله أحد المعبودات الباطلة، أما رب العزة والجلال فهو أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيره تركه وشركه هكذا جاء الحديث مرفوعا عن أبي هريرة t أن رسول الله قال: (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) ([8]) .
وقال تعالى: } إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ افْتَرَي إِثْمًا عَظِيمًا { (النساء: 48)
وهذا النوع هو حقيقة الشهادة وتجريد التوحيد والعبادة، وثلث ما ورد في آيات القرآن تقريبا يدور حول هذا النوع من التوحيد .
ثالثا: أنه انفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى فكما أنه انفرد بالربوبية والألوهية فإنه أيضا انفرد بالأسماء والصفات فلا سمي له ولا نظير ولا ند له ولا مثيل كما قال سبحانه وتعالى: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ { (الشورى: 11) .
الأمر الثالث: صنف التوحيد إلى ثلاثة أنواع بناء على دلالة النصوص القرآنية والنبوية، فالقرآن والسنة إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وهو توحيد الأسماء والصفات، أو خبر عن قضائه وقدره وحكمته ومشيئته وكمال قدرته وملكه لخلقه وتدبيره لكونه ووصفه لفعله وهذا توحيد الربوبية، وكلاهما مستلزم للآخر متضمن له، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، وذلك من خلال أمر بالعبادات ونهي عن المخالفات، فهذا هو توحيد الإلهية والعبادة وهو مستلزم للنوعين الأولين متضمن لهما أيضا، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من الوبال، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد ([9]) .
ومن الضرورة أن نبين لكل مسلم ما يجب اعتقاده في كل نوع من أنواع التوحيد بالصورة التي تصون اعتقاده عن شبهات المخالفين ودعاوي المبطلين، فكل مسلم يكفيه أن يصدق بخبر الله تصديقا جازما دون شك أو تكذيب، وأن ينفذ أمره عن خضوع ومحبة وتعظيم، كما كان الحال في عهد النقاء والصفاء زمن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولكن مع انتشار الأوبئة الفكرية في المستنقعات التي أحدثها أتباع الجهمية في البيئة الإسلامية حتى عصرنا، يلزم المسلم الصادق أن يحصن نفسه في التوحيد بمضادات اعتقادية وتحصينات قرآنية نبوية كمناعة لهم وحماية من أفكار المخالفين .
· التوحيد عند الأشعرية .
الأشعرية في عصرنا يمثلون الأغلبية في العالم الإسلامي، وذلك ليس عن رغبة معتنقيه من أهل العلم في هذا المذهب، ولكن لكونه واقعا مفروضا في المؤسسات التعليمية في مرحلة التلقي والتعليم منذ الصغر، فهذا المذهب الذي يطلق عليه معتنقوه على زعمهم مذهب أهل السنة ما زال مقررا في المدارس والجامعات في أغلب البلاد الإسلامية، وطالب العلم يدخل منذ نعومة أظفاره إلى المدارس والمعاهد وهو خالي الذهن، فيجد مقررا منفرا غريبا في مادة التوحيد، ويجد المدرسين يلقنونه ويحفظونه أنواعا من التوحيد مبنية على أدلة عقلية بعيدة عن طريقة السلف المعتمدة على ما ورد في الكتاب والسنة، ويستمر الطالب في دراسته حتى يصبح أستاذا جامعيا وهو يجهل حقيقة ما عليه السلف، ولو نوقش في ذلك إما أن يستنكف عن الخضوع للحق لأنه أستاذ صاحب هيبة ومكانة، وقبول الحق عنده يعني إقراره بلوازم يصعب تصورها أو الالتزام بها، وإما يزداد إصرارا على صدق الطريقة الأشعرية ويتمادى في الدفاع عنها بحجج عقلية حتى يستحيل معه النقاش .
والحق يقال أن بعض من يقوم على التدريس للطلاب أو يلخص لهم بعض ما جاء في المقررات أو الكتاب، ربما يشعر بشيء من المسئولية عند فهمه للطريقة السلفية فينبه طلابه على أن ما يدرسونه يجب أن يكون للنجاح في الامتحان وليس للاعتقاد والإيمان الذي يقابل به رب العزة والجلال يوم القيامة .
وقد رأيت ذلك بعيني في بعض الملخصات الخارجية التي تباع للطلاب مما أثلج صدري وأثار في نفسي العجب والاستغراب، ومن هنا كانت أهمية التعرف على التوحيد وتصنيفاته عند الأشعرية والرد عليهم من باب النصيحة لإخواننا من جهة وتحصين طلاب العلم من جهة أخرى .
· أنواع التوحيد عند الأشعرية .
اعتمد السلف الصالح في اعتقادهم على الاستسلام لأمر الله وتنفيذه على وجه الكمال والتصديق بخبره وإثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله S من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فالله U أعلم بنفسه ووصفه منا ونحن ما رأيناه وما رأينا له مثيلا فكيف نحكم عليه بعقولنا القاصرة ؟ .
وليس هناك من خيار أمام من يدافع بإصرار عن استخدام عقله في وصف ربه إلا أن يقع في المحذور ويستخدم أقيسة التمثيل والشمول، فيقول: لو كان الله كذا لكان كذا، ويجب عليه كذا لأجل كذا، ولو قلنا في وصفه بكذا لكان كذا وكذا، وهو في حقيقة مبدئه يعتبر ربه فردا من أفراد ذلك القياس ينطبق عليه ما ينطبق على سائر الناس، ولذلك كان مذهب السلف في التوحيد هو قطع الطريق على هؤلاء بمنع الأقيسة العقلية المبنية على اجتهادات فكرية في التعرف على الغيبيات أو كيفية الذات والصفات، سواء كانت أقيسة تمثيلية أو شمولية، وقد تقدم ذلك في ذكر العناصر الأساسية لمذهب السلف الصالح في توحيد الصفات.
لكن إصرار الأشعرية على استخدام حصيلتهم العقلية والتي جمعوها من أفكار فلسفية كلامية يونانية وثنية في وصف الله U وأن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أداهم إلى أن يصنفوا التوحيد إلى ثلاثة أنواع أساسية، فقالوا إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له .
وقد ذكر محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت:548ه) في وصف الأشعرية بأنهم أهل السنة والجماعة وأن التوحيد عندهم منقسم إلى الأنواع السابقة .
والسؤال الذي يطرح نفسه على العقلاء: على أي أساس عقلي صنف هؤلاء المتكلمون التوحيد إلى ثلاثة أنواع ؟ هل استندوا إلى حكم العقل بأن الله أعلم بنفسه ووصفه منا فجاء هذا التصنيف مستندا على كتاب ربهم وسنة نبيهم ؟ أو أنهم استندوا إلى عقول الصحابة والتابعين وأئمة السنة المقبولين عند جميع المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ؟
في الحقيقة لم يستندوا في تصنيفهم للتوحيد لا إلى هذا ولا إلى ذاك، وإنما جعلوا الأمر مشاعا عقليا لكل من يدلي بدلوه في الموضوع فأشبه الأمر استفتاءا شعبيا واستبيانا فكريا لسائر العقلاء كان مضمونه: أيها العقلاء الذين لم تروا ربكم ولم تروا له مثيلا خمنوا وبينوا لنا ما يجب في حق الله وما يجوز له وما يستحيل عليه، وسنأخذ في النتيجة النهائية برأي الأغلبية، لأننا نعلم أنه من المستحيل اتفاق الكل على استفتاء عادي فضلا عن استفتاء فكري، ولكن سنعتبر رأي الأغلبية أصولا عقلية ثم نعتبرها بعد ذلك أصولا لديننا وعقيدتنا.
قبلت مجموعة كبيرة من كبار المتكلمين العقلاء المشاركة في هذا الاستفتاء ثم خرج بعضهم بنتيجة غريبة لا يعرف فيها مقياس لفرز الآراء ولا عدد الذين اتفقوا عليها من ذوي الأصوات الصحيحة، والمهم أن رأيا عاما ظهر في تلك النتيجة نسبوه إلى زعيم من الزعماء هو أبو الحسن الأشعري، وقد ظنوا مخطئين أنه شارك معهم في هذا الاستفتاء، والواقع أنه لم يكن معهم أصلا في ظهور تلك الآراء، لكنهم على كل حال توصلوا إلى هذه النتيجة، واعتبروا أنها تمثل الدستور الحق في باب الاعتقاد وأن من دان بها فهو من أهل الحق وأهل السنة والجماعة، فكان من بنود هذا الاتفاق تصنيف التوحيد إلى ثلاثة أنواع بناء على الحيثيات التالية:
النوع الأول: أن الله واحد في ذاته لا ينقسم وليس له أجزاء وأبعاض لأنه إن كان له أجزاء لم يخل إما أن يكون كل جزء منه حيا عالما قادرا أو كان بعض الأجزاء مختصا بالحياة والعلم والقدرة، فإن كان كل جزء منه حيا عالما قادرا، كان في ذلك إثبات آلهة متعددة ويستدل على بطلانه، وإن كانت الحياة والقدرة والعلم في جزء مخصوص لم يكن الجزء الثاني حيا عالما قادرا لاستحالة وجود العلة في محل وثبوت حكمها في محل آخر ([10]) .
النوع الثاني: أن الله واحد في صفاته لا شبيه له لأنه يخالف الحوادث والحوادث لا تقوم به، والدليل على استحالة قيام الحوادث بذات الباري تعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها، ومن لم يخل عن الحوادث فهو حادث، فالرب متقدس عن الاختصاص بالجهات والاتصاف بالمحاذاة لا تحيط به الأقطار ويجل عن قبول الحد والمقدار، والدليل على ذلك أن كل مختص بجهة شاغل لها متحيز، وكل متحيز قابل لملاقاة الجواهر ومفارقتها، ويرتب على ذلك تعاليه عن الاختصاص بمكان وملاقاة أجرام وأجسام ([11]) .
النوع الثالث: أن الله واحد في أفعاله لا شريك له والدليل على وحدانية الإله دليل التمانع وفحواه كما تقدم أننا لو قدرنا إلهين اثنين وفرضنا عرضين ضدين، وقدرنا إرادة أحدهما لأحد الضدين وإرادة الثاني للثاني، فلا يخلو من أمور ثلاثة، إما أن تنفذ إرادتهما، أو لا تنفذ إرادتهما، أو تنفذ إرادة أحدهما دون الآخر، والنتيجة النهائية تنفيذ إرادة واحد فقط هو الإله القادر على تحصيل ما يشاء .
كما ظهرت ضمن هذا الاستفتاء الكلامي العقلي بنود أخرى كثيرة تضاف إلى تقسيم التوحيد عند الأشعرية منها:
1 - أن أول ما يجب على المكلف القصد إلى النظر الصحيح المؤدي إلى العلم بحدوث العالم وإثبات العلم بالصانع، والدليل عليه إجماع العقلاء على وجوب معرفة الله تعالى، وعلمنا عقلا أنه لا يعلم حدوث العالم ولا الصانع إلا بالنظر والتأمل، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب ([12]) .
2 - يجب في حق الله القدم والبقاء والقيام بالنفس ونفي التركيب وهي صفات سلبية، وله سبع صفات نفسية فهو بذاته مريد بإرادة عالم بعلم قادر بقدرة حي بحياة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام، وهذه كلها معان وجودية أزلية، وقد ثبتت له هذه المعاني بناء على ما جاء في النتائج العقلية التي أختارها أغلب المتكلمين، أن الفعل الحادث يدل على القدرة، والتخصيص يدل على الإرادة، والإتقان يدل على العلم وهذه الثلاثة لا تكون إلا في حي، والحي لا بد أن يكون سميعا بصيرا متكلما ([13]) .
3 - الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في صفات الله الخبرية موهمة للتشبيه والجسمية وظاهرها باطل مستحيل غير مراد لله في كلامه، فإما أن تؤول وإما أنها من أخبار الآحاد التي لا تفيد اليقين في أمور الاعتقاد ([14]) .
هذا أغلب الآراء التي نتجت عن ذلك الاستفتاء من قبل عقلاء المتكلمين من الأشعرية وغيرهم، وقد اعتبروها أصول الدين والفيصل المبين في النظر إلى كتاب الله وسنة رسوله S، فما وافق تلك الأصول من النصوص والآيات فهو دليل لهم يقدمونه فقط عند الكتابة في المؤلفات أو عند المحاجة في المخاصمات والمناظرات حتى يشعر المخاطب أنهم يعتمدون على نصوص الوحي في إثبات الصفات والاعتقاد في الغيبيات، وما خالف أصولهم وتقسيمهم للتوحيد فينبغي التعامل معها بأي وسيلة وأن يبذل لها المرء كل حيلة، بادعاء مجاز أو تأويل أو تهوين وتعطيل أو تقبيحها في نفس السامع حتى تبدو ضربا المستحيل، المهم أن يقر بأن ظاهرها الذي ورد في التنزيل باطل ومستحيل ويجب صرفه إلى شيء آخر .

· مناقشة الأشعرية في تصنيفهم التوحيد .
قول الأشعرية في التوحيد إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، فيه ما يوافق ما جاء به الرسول S وفيه ما يخالفه، وليس الحق الذي فيه هو الغاية التي جاء بها الرسول S، بل التوحيد الذي أُمِرَ به أَمْرٌ يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، فهذا الكلام ضرب من التلبيس والتدليس الذي اختلط فيه الحق بالباطل لأن الإنسان لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحدا بل ولا مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ويقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، فإنهم إذا قالوا الله واحد في ذاته لا قسيم له ولا جزء له ولا شبيه له، فهذا اللفظ وإن كانت نيتهم تحمل معنى صحيحا، فإن الله ليس كمثله شيء في ذاته أو صفاته أو أفعاله، وهو سبحانه منزه عن تفرق ذاته أو فسادها أو تحولها إلى ذات أخرى، بل هو أحد صمد والصمد هو الذي لا جوف له وهو السيد الذي كمل سؤدده، لكنهم يدرجون تحت هذا التوحيد المزعوم وتحت شعار أنه لا ينقسم نفي علو الله على خلقه ومباينته لمصنوعاته ونفي ما ينفونه من صفاته، ويقولون إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبا منقسما مشابها للحوادث ([15]) .
قال فخر الدين الرازي وهو من أعمدة المذهب الأشعري في نفي علو الله على خلقه وتعطيل استوائه على عرشه: (لو كان الله مختصا بالمكان لكان الجانب الذي في يمينه يلي ما على يساره، فيكون مركبا منقسما فلا يكون أحدا في الحقيقة، فيبطل قوله: قل هو الله أحد) ([16]) .
وهم لما نفوا الاستواء وعطلوا علو الفوقية بهذه الحجج العقلية ساءت سمعتهم عند عامة المسلمين، فالله يقول صراحة هو على العرش، وهم يقولون صراحة ليس على العرش، فما المخرج من هذه الورطة التي وضعوا أنفسهم فيها ؟
والجواب في قول أحدهم: (لو سئلنا عن قول الله تعالى: } الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَي{ (طه:5)، لقلنا المراد بالاستواء القهر والغلبة والعلو، ومنه قول العرب استوي فلان على المملكة أي استعلى عليها واطردت له، ومنه قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق) ([17]) .
والعجب كل العجب أن قوة احتجاج الأشعرية بهذا البيت على نفي الاستواء أقوى من قوة الاحتجاج بكلام الله على إثباته، مع أن الأخطل النصراني المشرك هو القائل في شعره مستهزئا بالصلاة والصيام والأضاحي:
ولست بصائم رمضان يوما : ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزائر بيتا بعيدا : بمكة ابتغي فيه صلاحي
ولست بقائم كالعير أدعو : قبيل الصبح حي على الفلاح ([18]) .
وهذا تحريف للكلم عن مواضعه في ثوب التأويل، فالتأويل يقبل إن كان بدليل صحيح، لكن العرب لا تعرف أبدا استوى بمعني استولى، بل إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار ولم يجعلوه من لغة العرب .
وقال أبو سليمان الخطابي وهو من أئمة اللغة: (وزعم بعضهم أن الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء، ونزع فيه إلى بيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله، ولو كان الاستواء ها هنا بمعنى الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة، لأن الله تعالى قد أحاط علمه وقدرته بكل شيء وكل بقعة من السماوات والأرضين وتحت العرش، فما معنى تخصيصه العرش بالذكر؟! ثم إن الاستيلاء إنما يتحقق معناه عند المنع من الشيء، فإذا وقع الظفر به قيل استولى عليه فأي منع كان هناك حتى يوصف بالاستيلاء بعده !) ([19]) .
فتصنيف النوع الأول من التوحيد عند الأشعرية على معنى أن الله واحد لا ينقسم وأن الواحد هو المجرد عن الصفات تحميل للفظ الواحد ما لا يحتمل وهو ضرب من التحريف.
ومعلوم أن كل تأويل لا يحتمله اللفظ في أصل وضعه وكما جرت به عادة الخطاب بين العرب هو نوع من التزوير والتدليس والخلط والتلبيس الذي يضيع ثوابت القول وقواعد الكلم، فأهل العلم يعلمون أن إثبات الاستواء والنزول والوجه واليد والقبض والبسط وسائر صفات الذات والفعل لا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيبا ولا انقساما ولا تمثيلا، وكان أولى بالصحابة والتابعين وهم أئمة اللغة وأسياد الفهم أن يعترض واحد منهم على الأقل ويقول: كيف نؤمن بهذه الصفات التي تدل على التركيب والانقسام في الذات الإلهية ؟ ولكن الصحابة والتابعين لم يأت إلى أذهانهم شيء من أصول الكلام عند الأشعرية.
كما أن الكلام في المصطلحات التي أحدثوها كالجسم والعرض والجوهر والمتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك معاونة على نشر البدع، لأن هذه الألفاظ المبتدعة يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورا مما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله S فيقولون: إن الله لا يتكلم بصوت يسمع وإلا كان محلا للحوادث، فكلامه عندهم معنى واحد وإشارات مجملة يفهمها جبريل u ثم يعبر عنها بلغة كل رسول، فإذا عبر عنها بالعربية كان الكلام قرآنا، وإن عبر عنها بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنها بالسريانية كان إنجيلا. وهم في الحقيقة يفرون على ظنهم من تشبيه الله بالمتكلم السوي إلى تشبيه بالأخرس العاجز، فينسب الكمال في القول إلى جبريل u ويسلبه عن رب جبريل .
وبهذه المصطلحات أيضا نفت المعتزلة رؤية الله في الآخرة لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة يكون جسما، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته، وقالت الأشعرية قولا أعجب وأغرب من قول المعتزلة في النفي فقالوا يرى لا في جهة، لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، ولا ندري كيف يفهم مثل هذا الكلام.
وهذه الألفاظ المجملة التي ابتدعوها وأحدثوها كالجسم والعرض والجوهر والمتحيز وحلول الحوادث، ينبغي للمسلم العاقل أن يفصل فيها ويقول: ماذا تريدون بتلك الألفاظ، فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن والسنة قبلت، وإن فسروها بخلاف ذلك ردت، أو يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا، ولا عليه إن امتنع عن التكلم بها معهم ونسبوه إلى العجز والانقطاع، لأنه إن تكلم بها معهم دون تفصيل نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقا وباطلا، وأوهموا الجهال بموافقته لهم على اصطلاحهم وحينئذ تتخلف المصلحة في بيان الحق .
والواجب والأولى أن يقال: ائتونا بآية من كتاب الله أو حديث من سنة رسوله S حتى نجيبكم إلى هذه الاصطلاحات المحدثة، وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة، فلا يفصل في النزاع بين الناس إلا كتاب وسنة، أما العقول فكل واحد له عقل يختلف عن الآخر، وهم أنفسهم مختلفون متنازعون في أحكام العقل، فما يدعيه أحدهم أن العقل أداه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يكون الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة، وبهذا ناظر الإمام أحمد أبناء الجهمية من المعتزلة لما دعوه إلى المحنة وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم ([20]) .
قال ابن أبي العز الحنفي: (والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحا جديدا على معان صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة، ولا كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق ومن ذلك مخالفتها الكتاب والسنة، ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين فضلا عن علمائهم، ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل كثر المراء والجدال، وانتشر القيل والقال وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال) ([21]) .
وقد تقدم في ذكر مفهوم الألوهية أن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع أشهرها أن الله واحد في أفعاله لا شريك له وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب وأن هذا هو معنى قولنا لا إله إلا الله حتى جعلوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع .
ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد S لم يكونوا يخالفونه في هذا بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى أنهم كانوا يقرون بالقدر أيضا وهم مع هذا مشركون، فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك.
وأما قول الأشعرية إن أول ما يجب على المكلف القصد إلى النظر الصحيح المؤدي إلى العلم بحدوث العالم وإثبات العلم بالصانع، واستدلوا لذلك بإجماع العقلاء على وجوب معرفة الله تعالى، فيقال: هذا الكلام قول على الله بلا علم لقيام الدليل الذي ورد في التنزيل على خلافه، فالصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك، ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك، وعند البخاري من حديث ابن عباس t لما بعث النبي S معاذ بن جبل t إلى اليمن قال له: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إلى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالى) ([22])، ولم يقل له S ادعهم إلى الشك والنظر حتى يتعرفوا على الله ([23]) .
وأما قولهم بإثبات سبع صفات نفسية وتعطيل باقي الصفات الخبرية فيقال لهم: لم أثبتم قدرته وإرادته وعلمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره مع أنها وردت في الكتاب والسنة، ونفيتم عنه صفة المحبة والرضا والغضب والاستواء والعلو والمجيء وسائر الصفات الخبرية مع أنها أيضا وردت في الكتاب والسنة ؟
قالوا: لأن الصفات التي أثبتناها لا تدل على التشبيه، أما الصفات التي نفيناها تدل على التشبيه .
فيقال لهم: العقلاء لا يقرون هذا، فالقول في الصفات كالقول في بعض، فإما أن تقولوا بالتمثيل الباطل في الذات وجميع الصفات كما فعلت الممثلة وقالت: إرادة اللَّه مثل إرادة المخلوق، ومحبته ورضاه وغضبه واستواءه وعلوه وسائر الصفات الخبرية مثل أوصاف المخلوق ومعلوم أن هذا كذب على اللَّه وقياس باطل محرم، وإما أن تقولوا كما قال أهل التوحيد: إرادة اللَّه تليق به، وإرادة المخلوق تليق به، واللَّه ليس كمثله شيء في إرادته ومحبته ورضاه وغضبه واستواءه وعلوه وسائر الصفات الثابتة في الكتاب والسنة كما هو اعتقاد أهل الحق .
أما أن يأتي صاحب المذهب الأشعري بحجج عقلية سقيمة ينفي بها ما يشاء ويثبت من صفات اللَّه تعالى، فالعقل لن يسأم من مقارعة الحجة بالحجة، فإن قال: نفيت الغضب لأنه غليان دم القلب لطلب الانتقام وهذا لا يجوز على الخالق سبحانه، قيل له: والإرادة التي أثبتها ميل القلب إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، وهذا لا يجوز على الخالق سبحانه وتعالى، فإن قال: هذه إرادة المخلوق، أما إرادة الخالق فليست كذلك، قيل له: وهذا الغضب الذي وصفته غضب المخلوق، أما غضب الخالق فليس كذلك، وهذا لازم في كل صفة أثبتها أو نفاها فالقول في الصفات كالقول في بعض ([24]) .
· أكابر الأشعرية رجعوا لمذهب السلف .
ومن أكبر الأدلة على بطلان المذهب الكلامي في توحيد الله أن أغلب الذين ضيعوا أعمارهم وأفنوا أعمالهم في تقنين المذهب الأشعري وأصوله أعلنوا قبل موتهم حيرتهم وتوبتهم، وأعلنوا ندمهم على ما أسلفوا، فهذا الإمام فخر الدين الرازي في آخر كتابه أقسام اللذات الذي صنفه في آخر عمره قال:
نهاية أقدام العقول عقال : وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا : وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا : سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات: } الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَي { (طه:5} إِليْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ { (فاطر:10)، واقرأ في النفي: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ { (الشورى:11) } وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلمًا { (طه:110) ، وقال: } هَل تَعْلمُ لهُ سَمِيًّا { (مريم:7)، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) ([25]) .
وكذلك قال أبو المعالي الجويني: (يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به) ([26] وقال عند موته: (لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي) ([27]) .
وقال آخر: (اضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي منها شيء) ([28]) .
والعجب أنك ترى إصرارا من بعض إخواننا على التمسك بالعقيدة الأشعرية لا تجد له نظيرا، وإذا حاولت بحكم الأخوة أو المشاركة في العمل أن تبين له الحقيقة أو تنصحه بقراءة بعض المؤلفات في العقيدة، تجد صدودا غريبا .
· أبو الحسن الأشعري سلفي المعتقد .
وهاهنا حقيقة هامة ربما تخفى على كثير من الدارسين للمذهب الأشعري تلك الحقيقة التي نستطيع الجزم بها أن أبا الحسن الأشعري الذي ينتسب إليه جميع الأشعرية في البلاد الإسلامية اليوم يدين لله في أغلب أمور العقيدة بغير ما يدين به هؤلاء، فطريقته في التوحيد طريقة سلفية تنطق بما نطقت به الأصول القرآنية والنبوية، وهذا كتابه الإبانة عن أصول الديانة وهو من أواخر ما كتب في بيان عقيدته، جاء فيه بلا لبس أو غموض أو تعصب أو جمود التصريح بأن عقيدته عقيدة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وقد أثبت فيها علو الله على خلقه واستوائه بذاته على عرشه وأنه تعالى في السماء، وأثبت جميع ما ورد في صفات الذات والأفعال على عكس طريقة الأشعرية في عصرنا المنتهجين لطريقة الجهمية والمعطلة .
قال رحمه الله: (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة، فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون؟ قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا U وبسنة نبينا محمد S، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم وكبير مفهم)([29]) .
ثم سرد عقيدته التي يدين بها، وقد جاء فيها أن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد ([30]).
وقال رحمه الله عن عقيدته في الاستواء وعلو الله على خلقه: (إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء ؟ قيل له: نقول إن الله U يستوي على عرشه استواء يليق به كما قال:} الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَي { (طه:5)، وقد قال تعالى: } إِليْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ { (فاطر:10 وقال تعالى: }بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ{ (النساء:158)، وقال تعالى: }يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ{ (السجدة:5)، .. وقال تعالى:} أأمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ { (الملك:16 فالسماوات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال:} أأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ {لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السماوات .
وليس إذا قال:} أأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ {، يعنى جميع السماوات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى الله تعالى ذكر السماوات فقال تعالى:} وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا { (نوح:16 ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعا وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله U على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض، وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى:} الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَي { (طه:5) أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان وجحدوا أن يكون الله U مستو على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة .
كما أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله أثبت من الصفات الخبرية التي وردت في النصوص القرآنية والنبوية ما يعتبره الأشعرية من بعده حتى اليوم تشبيها وتجسيما وشركا وظاهرا باطلا مستحيلا، يجب صرفه بالتأويل إلزاما على أصحاب المذهب فقال: (وأن له سبحانه وجها بلا كيف كما قال: } وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك َ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام { (الرحمن: 27 وأن له سبحانه يدين بلا كيف كما قال سبحانه: } خَلَقْتُ بِيَدَيَّ { (ص:85)، وكما قال: } بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ { (المائدة:64) وأن له سبحانه عينين بلا كيف كما قال سبحانه: } تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا { (القمر:14)) ([31]).
وقال أيضا: (قد سئلنا أتقولون إن لله يدين ؟ قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: }يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ{ (الفتح:10)، وقوله تعالى: }لما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ { (ص:85).. فثبتت اليد بلا كيف .. وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويعني به النعمة، وإذا كان الله U إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولا في خطابها وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي ويعني النعمة بطل أن يكون معنى قوله تعالى: بيدي النعمة) ([32]).
وقال أيضا: (ويقال لأهل البدع: ولم زعمتم أن معنى قوله: بيدي نعمتي، أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة ؟ فلا يجدون ذلك إجماعا ولا في اللغة، وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس، قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: بيدي لا يكون معناه إلا نعمتي ؟.. إلى قوله .. وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع وهو أن معنى قوله تعالى: بيدي إثبات يدين ليستا جارحتين ولا قدرتين ولا نعمتين لا يوصفان إلا بأن يقال إنهما يدان ليستا كالأيدي خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت) ([33]).
فأين هذا ممن يوجب تأويل الصفات بحجة أنها موهمة للتشبيه والجسمية ويجب تأويلها بأي صورة لغوية أو يسأل عن الاستواء ويصر على أن معناه استيلاء وقهر وأنه سبحانه في كل مكان وليس على عرشه كما ورد في الكتاب والسنة .

نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني


(1) انظر بتصرف إغاثة اللهفان لابن القيم 1/ 27 .

(2) شعب الإيمان للبيهقي 1/35 .

(3) مفتاح دار السعادة 1 /40.

(4) قاعدة في المحبة ص 155.

(5) التوقيف علي مهمات التعاريف للمناوي 2/322، والمفردات للراغب الأصفهاني ص156 .

(6) الفصل في الملل والنحل لابن حزم الأندلسي 4/88، ومنهاج السنة النبوية 1/494 .

(7) الملل والنحل 1/42 .

(8) مسلم في الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله 4/2289 (2985) .

(9) تيسير العزيز الحميد ص17 وما بعدها بتصرف.

(10) لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة ص 98 بتصرف .

(11) السابق ص 106.

(12) الغنية في أصول الدين ص55 .

(13) انظر بتصرف رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ص 17 وما بعدها، كتاب أصول الدين ص63، لجمال الدين أحمد بن محمد بن سعيد تحقيق عمر وفيق الداعوق، نشر دار البشائر الإسلامية، بيروت سنة 1998.

(14) انظر بتصرف المختار من شرح البيجوري علي جوهرة التوحيد ص 109.

(15) درء تعارض العقل والنقل 1/225 وما بعدها بتصرف .

(16) انظر أساس التقديس الفخر الرازي ص 203 .

(17) انظر لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة ص 108 بتصرف، الشاعر هو الأخطل النصراني الحاقد علي الإسلام والمسلمين، قال ابن كثير في التعقيب علي هذا البيت: (هذا البيت تستدل به الجهمية علي أن الاستواء بمعني الاستيلاء، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه وليس في بيت هذا النصراني حجة ولا دليل علي ذلك، ولا أراد الله عز وجل باستوائه علي عرشه استيلاءه عليه، ولا نجد أضعف من حجج الجهمية حتى أداهم الإفلاس من الحجج إلي بيت هذا النصراني المقبوح) انظر البداية والنهاية 9/295 .

(18) انظر السابق 9/263، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم 7/36 لابن الجوزي، تحقيق محمد ومصطفي عبد القادر عطا، نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1412هـ .

(19) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية 2/438، نشر مطبعة الحكومة، مكة المكرمة سنة 1392، وانظر مختصر الصواعق المرسلة علي الجهمية والمعطلة لابن القيم الجوزية 1/37 وما بعدها حيث فند العلامة ابن القيم ادعاء الأشعرية بأن الاستواء بمعني الاستيلاء من اثنين وأربعين وجها وبين ضلال من اعتقد ذلك .

(20) درء تعارض العقل والنقل 1/232 بتصرف .

(21) شرح العقيدة الطحاوية ص74 .

(22) البخاري في الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة 2/529 (1389) .

(23) شرح العقيدة الطحاوية ص75 بتصرف .

(24) مجموع الفتاوى 3/17، 5/195 بتصرف .

(25) نقلا عن شرح قصيدة ابن القيم 1/208 .

(26) شرح العقيدة الطحاوية ص 227.

(27) السابق ص 227.

(28) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في العقيدة 4/28 .

(29) الإبانة عن أصول الديانة ص19، تحقيق الدكتورة فوقية حسين نشر دار الأنصار القاهرة 1397 .

(30) السابق ص21 .

(31) السابق 22 .

(32) السابق ص125 .

(33) السابق ص128: ص133.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22-12-11, 12:40 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الثامنة

المحاضرة الثامنة
أنواع الدلالات وتعلقها الأسماء والصفات .
الدلالة المقصودة في البحث هي الدلالة اللفظية الوضعية، وهي فهم المعنى عند إطلاق اللفظ ([1]).
أو هي العلم بالمعنى المقصود، أو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام عند صدوره من المتكلم .
وتنقسم هذه الدلالة عند العلماء إلى ثلاثة أقسام:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الماهية التي يعنيها المتكلم بلفظه، دلالة لفظه عليها دلالة مطابقة ودلالته على ما دخل فيها دلالة تضمن، ودلالته على ما يلزمها وهو خارج عنها دلالة الالتزام) ([2]).
وبيان تلك الدلالات مفصلة على النحو التالي:
1- دلالة المطابقة: وهي دلالة اللفظ على ما عناه المتكلم ووضعه له، أو هي دلالة اللفظ على الحقيقة والمعنى المقصود، مثل دلالة لفظ البيت على مجموع الجدران والسقف والأبواب والنوافذ ([3]).
فمن المعلوم أن الألفاظ أو الأسماء تطلق على الأشياء لتتميز بها عن غيرها، وكل اسم أو لفظ في أي لغة وعلى أي لسان ينطبق في دلالته بين العقلاء على شيء متعارف عليه، سواء بالوضع اللغوي أو لغة التخاطب التي فُطرت عليها الإنسانية، أو الوضع الشرعي المرتبط بالشرائع الدينية كلفظ الصلاة والزكاة والصيام والركوع والسجود في الإسلام، أو الوضع العرفي الذي يصطلح عليه أهل بلد ما أو قرية أو قبيلة، أو الوضع الاصطلاحي الذي يتعارف عليه أهل علم من العلوم؛ فالألفاظ المنطوقة أو المكتوبة لها مدلولات معينة يعيها القلب ويدرك معناها ولها في الواقع مدلولات من قبل المتكلم.
قال ابن تيمية: (والمعنى المدلول عليه باللفظ لا بد أن يكون مطابقا للفظ؛ فتكون دلالة اللفظ عليه بالمطابقة .. وليست دلالة المطابقة دلالة اللفظ على ما وضع له كما يظنه بعض الناس .. بل يجب الفرق بين ما وضع له اللفظ وبين ما عناه المتكلم باللفظ وبين ما يحمل المستمع عليه اللفظ، فالمتكلم إذا استعمل اللفظ في معنى فذلك المعنى هو الذي عناه باللفظ، وسمي معنى لأنه عني به أي قصد وأريد بذلك فهو مراد المتكلم ومقصوده بلفظه .. وكل لفظ استعمل في معنى فدلالته عليه مطابقة لأن اللفظ طابق المعنى بأي لغة كان، سواء سمي ذلك حقيقة أو مجازا) ([4]) .
ومن أمثلة دلالة المطابقة دلالة لفظ المسجد على مسماه في أي وضع شرعي أو عرفي أو اصطلاحي، إذ يدل في الوضع الشرعي على شيء معين جعل للصلاة والجماعة والجمع، فلو قال أحدهم لأخيه انتظرني في المسجد فإنه لا ينتظره في السوق؛ لعلمه أن المسجد لفظ يدل على مكان معلوم جعل للصلاة والعبادة، وأن لفظ السوق يدل على مكان آخر وضع للبيع والشراء .
وأيضا لو قال المشتري للبائع: أعطني تفاحا، فإن البائع يعطيه شيئا معينا أو فاكهة معلومة يطلق عليها هذا اللفظ، وليس إذا قال له أعطني تفاحا أعطاه عنبا أو برتقالا أو جزرا أو خيارا؛ لأن الله U فطر العقلاء على أن يتعلموا الأسماء وما تنطبق عليه من مدلولات في واقعهم، فالمشتري والبائع يعلمان أن لفظ التفاح يدل على شيء معين غير الذي يدل عليه لفظ البرتقال، لكن لو قلت للبائع: أعطني خيارا فأعطاك برتقالا فذلك إما لأنه لم يسمع فيعاد اللفظ؛ أو لأنه لم يعقل ومثل هذا لا يعد من العقلاء ولا يصلح للبيع والشراء .
وإذا قيل محمد رسول الله e فإن المسلم يعلم أن ذلك ينطبق على خاتم الأنبياء ولا ينصرف ذهنه إلى عيسى u أو موسى u أو غيرهما من الأنبياء، لأن كل لفظ أو اسم ينطبق على شيء معين دون غيره، وإذا قيل الخالق هو الله U، فإن الذهن يفهم من دلالة الاسم أنه ينطبق على ذات الله تعالى المتصفة بصفة الخلق، ولا ينصرف إلى ذات أخرى إلا عند من فسدت فطرتهم ونسبوا الخالقية لغيره، كما أن الذهن لا ينصرف أيضا عند النطق بلفظ الخالق إلى صفة أخرى غير صفة الخلق، لأن اسم الله الخالق يدل بالمطابقة على ذات الله وصفة الخلق معا، فلا ينصرف إلى صفة الرزق أو القوة أو العزة أو الحكمة أو غير ذلك من الصفات، لأن صفة الخلق تدل على شيء غير الذي تدل عليه صفة الرزق، وصفة القوة يفهم منها شيء غير الذي يفهم من صفة العزة أو الحكمة إلا عند من فسد إدراكهم في فهم دلالة اللفظ على معناه وقالوا بأن أسماء الله الحسنى التي تعرف الله بها إلى عباده في الكتاب والسنة لا تدل بالمطابقة إلا على ذات الله فقط ولا تدل على شيء من الصفات البتة، فعندهم اسم الله السميع يدل على ذات الله فقط، ولا معنى لاسمه السميع، بل معنى السميع عندهم هو معنى الملك الخلاق القدير الرزاق إلى غير ذلك من أسماء الله الحسنى التي أمر عباده بأن يدعوه بها وقد تحدثنا عن ذلك في بيان أن أسماء الله أعلام وأوصاف .
والله U لما علم آدم الأسماء فقال: } وَعَلمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلهَا { (البقرة:32)، علمه الأسماء كألفاظ تدل بالمطابقة على تمييز الأشياء والعلم بخصائصها والتعرف على حقائقها ذاتا وصفة مطابقة وتضمنا والتزاما، وليس الذي تعلمه آدم u كما يفهم البعض هو مجرد ألفاظ أو كلمات يستعملها هو وأبناؤه.
بل إنه تعلم الشيء واسمه وخاصيته وأنواع دلالته مطابقة وتضمنا والتزاما، فالذي عرضه الله سبحانه على الملائكة أعيان الأشياء بذواتها وصفاتها وليست معاني أو كلمات لا مدلول لها ولا حقيقة، وإنما علم الله آدم الشيء المادي المحسوس الذي يمكن أن يحمل الاسم المعين، وكذلك تأثير كل شيء في غيره وما ينشأ عن ذلك من المعاني والعلوم، وهذا واضح بين بدليل أن الله جل شأنه قال بعد ذلك: } ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ { (البقرة:32) .
قال ابن القيم: (فكانت حكمة ذلك التعليم تعريف مراد المتكلم، فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطال لحكمة الله وإفساد لمصالح بني آدم وسلب الإنسان خاصيته التي ميزه بها على سائر الحيوان) ([5]) .
ودلالة المطابقة هي الدلالة الأصلية في الألفاظ التي وضعت لمعانيها، وهي تكشف عن نية القائل بمجرد صدور اللفظ؛ فلا يستفصل فيها عن مراده، وسميت بالمطابقة لمطابقة المعنى للفظ وموافقته، كقولهم طابق النعل النعل إذا توافقا، والمراد من تطابق اللفظ والمعنى هو عدم زيادة اللفظ على المعنى أو قصوره عنه ([6]) .
2- دلالة التضمن: وهي دلالة اللفظ على بعض المعنى المقصود من قبل المتكلم أو هي دلالة اللفظ الموضوعة من قبل المتكلم على جزء المعنى المقصود، أو هي دلالة اللفظ الوضعية على جزء مسماه ([7]).
كدلالة لفظ الشجرة على الأوراق؛ فإن الشجرة تضمنت الأوراق وغيرها، فالذهن يتصور الأوراق وبقية الأجزاء مباشرة عند النطق بلفظ الشجرة، فيتصور بدلالة التضمن فروعها وخشبها وثمارها وجميع ما حوت من أجزاء، ومثال ذلك أيضا دلالة لفظ المدرسة على الفصول والتلاميذ والمدرسين؛ فإن الذهن يتصور مباشرة أن لفظ المدرسة ينطبق على عدة أشياء يطلق عليها مجتمعه هذا اللفظ، وكذلك أيضا دلالة لفظ الصلاة في الاصطلاح الشرعي على الوقوف والركوع والسجود والجلوس بهيئة مخصوصة، وغير ذلك من الحركات والسكنات التي تضمنتها الصلاة؛ فلفظ الصلاة يدل على كل جزء من أجزائها بالتضمن، وسميت دلالة التضمن بذلك لكون الجزء ضمن المعنى الموضوع له ([8]).
فدلالة المطابقة تشمل عموم ما دل عليه اللفظ، ودلالة التضمن موضوعة لخصوصه .
أما بالنسبة لأسماء الله تعالى فكل اسم يدل على الذات وحدها بالتضمن، وعلى الصفة وحدها بالتضمن؛ فاسم الله العزيز يدل على صفة العزة وحدها بالتضمن، كما يدل أيضا على ذات الله وحدها بالتضمن، ويدل على ذات الله وعلى صفة العزة معا بالمطابقة.
قال ابن القيم: (الاسم من أسمائه له دلالات، دلالة على الذات والصفة بالمطابقة ودلالة على أحدهما بالتضمن) ([9]) .
3- دلالة اللزوم: هي دلالة اللفظ على معنى يخرج عن دلالة المطابقة والتضمن وهو لازم لوجوده لزوماً عقليا يتصوره الذهن عند ذكر اللفظ، وسمي لازما لارتباطه بمدلول اللفظ وامتناع انفكاكه عنه ([10]).
ومثال ذلك دلالة الشيء على سبب وجوده كدلالة البعرة على البعير، والأثر على المسير، وكدلالة الحمل على الزواج أو الزنا إلا في بعض الخوارق الاستثنائية، ولذلك لما جاء الملك مريم وأعلمها أنها ستحمل وتلد أخبرته أن الولد يكون من طريق مشروع أو ممنوع بدلالة اللزوم، ولم يحدث أنها تزوجت، أو وقع الاحتمال الثاني وهذا ليس شأنها، فأخبرها أن هذا خارج عن اللوازم العقلية.
كما ورد في قوله: } قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً { (مريم:19) .
ومن ثم فإن دلالة اللزوم مبنية على فهم العقل لترابط الأسباب بحيث ترتبط العلة بمعلولها والنتيجة بسببها، فدلالة السقف على الأعمدة دلالة لزوم لأن العاقل يعلم أن السقف لا يوجد إلا بعد وجود الحائط أو الأعمدة، فالذهن لا يتصور السقف إلا مرفوعا على شيء، فلفظ السقف دلنا على الأعمدة باللزوم مع ملاحظة أن الأعمدة ليست مما دل عليه لفظ السقف بالمطابقة أو بالتضمن، فدلالة اللزوم من الدلالات العقلية والقواعد الشمولية التي تصح بها لغة التخاطب بين الإنسانية وطرق الاستدلال على توحيد الربوبية؛ فالذي يعلم بدلالة اللزوم أن السقف يلزمه أعمدة يوقن عند ذلك بقدرة الخالق، وأنه ليس كمثله شيء عندما يقرأ قوله تعالى: } الله الذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا { (الرعد:2) .
والله U كثيرا ما يدعو العقلاء إلى النظر بدلالة اللزوم إلى ما في الكون من آيات تدل على عظمة أوصافه وكمال أفعاله، قال تعالى: } إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ { (آل عمران:190)؛ فدلالة اللزوم هي دلالة الشيء على سببه، أما دلالة الشيء على نتيجته وتوقع حدوثها فهي دلالة التزام كدلالة الغيوم على اقتراب المطر، وكدلالة الفعل على رد الفعل، فلكل فعل رد فعل بالالتزام، وكل رد فعل ناشئ عن فعل باللزوم، ودلالة الالتزام من إضافة المسبب إلى السبب ([11]) .
وكما أن الأسماء الحسنى تدل على الصفات بالمطابقة والتضمن فإنها أيضا تدل على الصفات باللزوم كدلالة اسم الله الخالق على صفة العلم والقدرة؛ فاسم الله الخالق يدل على ذات الله وصفة الخالقية بالمطابقة، ويدل على أحدهما بالتضمن، ويدل على العلم والقدرة باللزوم؛ لأن العاجز والجاهل لا يخلق.
ولذلك لما ذكر الله خلق السماوات والأرض عقب بذكر ما دل عليه الخلق باللزوم فذكر القدرة والعلم.
قال تعالى: } الله الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً { (الطلاق:12) .
ومن وفقه الله لفهم دلالة اللزوم المتعلقة بالأقوال والأفعال فكانت أقواله صادرة عن حكمة وأفعاله عن روية وفطنة ووزن جميع أموره بدقة بحيث يقدر المنفعة والمضرة ويتخير الأحسن والأفضل على الدوام فقد وفق إلى خير كثير كما قال تعالى: } يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً { (البقرة:269) .
وأغلب ما يحل بالإنسان من بلاء وشقاء سببه الغفلة عن لازم قوله وفعله، وقد ثبت عند الإمام البخاري من حديث أبي هريرةَ t أن رسول الله e قال: (إنَّ العبدَ ليَتكلمُ بالكلمةِ ما يَتبَينُ فيها يَزلُّ بها في النار أبعدَ مما بينَ المشرق) ([12]).
وعند البخاري في رواية أخرى: (وإن العبدَ ليتكلمَ بالكلمة من سَخَط اللّه لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) ([13]) .
ولذلك اختلفوا في لازم القول هل هو قول يحاسب عليه الإنسان؟ فقال بعضهم: إذا كان هذا اللازم لازماً من قوله لزم أن يكون قولاً له محاسب عليه، لأن ذلك هو الأصل لاسيما إذا قرب التلازم، ورد آخرون ذلك وقالوا هذا مردود بأن الإنسان بشر وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل أو يسهو أو ينغلق فكره أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه ([14]) .
وكثير من العامة يغفلون عن لوازم كلامهم إما لجهلهم أو سرعة اندفاعهم أو ما شابه ذلك من تقلب الأحوال، ولو حوسبوا على ذلك لعجز من يحصي لوازم الأقوال والأفعال، روي أن أعرابيا خرج إلى الحج مع أصحابه فلما كان في طريق العودة إلى أهله لقيه بعض أقربائه؛ فسأله عن أهله ومنزله، فقال: لما خرجت إلى الحج بعد ثلاثة أيام وقع في بيتك حريق أتى على أهلك ومنزلك، فرفع الأعرابي يديه إلى السماء وقال: ما أحسن هذا يا رب، تأمرنا بعمارة بيتك وتخرب علينا بيوتنا ([15]).
وكذلك خرجت أعرابية إلى الحج فلما كانت في بعض الطريق عطبت راحلتها فرفعت يديها إلى السماء وقالت: يا رب أخرجتني من بيتي إلى بيتك فلا بيتي ولا بيتك ([16])، ومثل هذا الكلام لوازمه كفر لكن القائل في الغالب غافل عن لازم قوله .
وأخذ الحجاج أعرابيا سرق فأمر بضربه، فلما قرعه السوط قال: يا رب شكرا حتى ضرب سبعمائة سوط، فلقيه أشعب فقال له: تدري لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط؟ قال: لا، قال: لكثرة شكرك، فإن الله يقول: } لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ { (إبراهيم:7)، قال الأعرابي: وهذا في القرآن؟ قال: نعم، فقال: يا رب لا شكرا فلا تزدن، أسأت في شكري فاعف عنى، باعد ثواب الشاكرين منى([17]).
وسمع أعرابي إماما يقرأ: } وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواَ { (البقرة:221) قرأها بفتح التاء، فقال الأعرابي: ولا إن آمنوا أيضا - يقصد أن اللواط محرم - فقيل له: إنه يلحن وليس هكذا يقرأ؟ فقال: أخروه قبحه الله لا تجعلوه إماما فإنه يحل ما حرم الله ([18]) .
قال ابن تيمية: (فخلق كثير من الناس ينفون ألفاظا أو يثبتونها بل ينفون معاني أو يثبتونها ويكون ذلك مستلزما لأمور هي كفر، وهم لا يعلمون بالملازمة بل يتناقضون وما أكثر تناقض الناس لاسيما في هذا الباب، وليس التناقض كفراً) ([19]).
ثم فصل المسألة وبين أن لازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب .
الثاني: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه ([20]) .
ولما كان قول الله حق وليس فيه اختلاف ظاهر أو تناقض مضمر كما قال تعالى عن كتابه العزيز: } وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ { (فصلت:41/42)، وكذلك لما كان قول رسوله e حق حيث قال الله في شأنه: } وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى { (النجم:3/4)، فإن اللازم من كلام الله ورسوله e إذا صح أن يكون لازماً فهو حق، وذلك لأن لازم الحق حق والله U عالم بما يكون لازما من كلامه وكلام رسوله e وأن العقلاء سيدركون ذلك بدلالة اللزوم ([21]) .
ومن ثم فإن في دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة والتضمن واللزوم، الاسم يدل على الذات والصفة بدلالة المطابقة، ويدل على ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى الصفة وحدها بالتضمن، ويدل باللزوم على أوصاف أخرى غير الوصف الذي اشتق منه، فالرحمن يدل على ذات الله وعلى صفة الرحمة بالمطابقة ويدل على الذات وحدها بالتضمن وعلى صفة الرحمة وحدها بالتضمن، ويدل على الحياة والعلم والقدرة التزاما، وهذا ينطبق على جميع الأسماء الحسنى ودلالتها على الصفات ([22]) .
وتجدر الإشارة إلى أن الأسماء الحسنى عند المعتزلة تدل على الذات بالمطابقة فقط لأنهم ينفون الصفات، فالأسماء عندهم تنعدم فيها دلالة التضمن واللزوم مع كونها أدلة عقلية صحيحة تؤيد صحيح المنقول، فما أعجب تناقضهم إذ يدعون تعظيم العقل وأنهم أهل التوحيد والعدل وهم أبعد الناس عن صريح المعقول .
ومن ثم لا بد أن ننبه على خطأ غير مقصود في ذكر دلالة الأسماء على الصفات ذكره الشيخ حافظ حكمي رحمه الله، وتناقله كثير من الدعاة دون تحقق في فهم المسألة حيث قال رحمه الله: (فدلالة اسمه تعالى الرحمن على ذاته عز وجل مطابقة وعلى صفة الرحمة تضمنا وعلى الحياة وغيرها التزاما، وهكذا سائر أسمائه تبارك وتعالى) ([23]).
فقوله بأن الرحمن يدل على ذات الله بالمطابقة هو في حقيقته مذهب المعتزلة، والصواب أنه يدل على الذات بالتضمن وعلى الرحمة بالتضمن وعليهما معا بالمطابقة، والشيخ لا يقصد مذهب المعتزلة لأنه أثبت الصفات وهم ينفونها فتنبه .
· دلالة الأسماء على العلمية والوصفية .
تعريف الاسم كاصطلاح يتردد بين علماء العقائد هو ما دل على علم لتمييزه عن غيره أو اللفظ الدال على المسمى، وهو إما مشتق من السمو وهو العلو، أو من السمة وهي العلامة، ويقال لصاحبه مسمى، فالاسم يظهر به المسمى ويعلو فيقال للمُسَمِّى: سَمِّهِ، أي أظهره وأعلي ذكره بالاسم، والاسم له خصائص منها جواز الإسناد إليه، ودخول حرف التعريف والجر والتنوين والإضافة ([24]) .
أما الصفة عندهم فهي ما دل على معنى أو شيء يقوم بذات الموصوف ولا يمكن أن يقوم بنفسه أو ينفصل عن موصوفه، كالسعادة والقوة والجمال، والعزة والقدرة والكمال وغير ذلك من صفات الذات والأفعال، فهذه الصفات لا تقوم بنفسها ولكنها ملازمة للموصوف وتتبعه في الحكم فيقال سعيد متصف بالسعادة، والقوي متصف بالقوة، والجميل متصف بالجمال وهكذا، قال ابن فارس: (الصفة الأمارة اللازمة للشيء) ([25]) .
وإذا كان الاسم في اللغة هو ما تميز بعلامات الاسمية المعروفة فإنه أيضا يتناول الصفة والموصوف والفاعل والمفعول والعلة والمعلول ([26])، فمثلا قولنا: سعيد سعيد هذان اسمان من الناحية اللغوية، لكن الأول يراد به العلمية، والثاني يراد به الوصفية إن كان خبرا ولم يكن اسما لوالد الأول، وقولنا: سعيد في منتهى السعادة، فالأول والأخير اسمان من الناحية اللغوية، لكن الأول للعلمية، والثاني للوصفية، فالسعادة لا تقوم بنفسها ولابد من قيامها بموصوف، شأنها في ذلك شأن الأسباب في إضافتها لمن قام بها، فكما لا يصح أن نقول ضرب السوط فلانا، ولا قتله السيف، بل السوط والسيف كلاهما اسمان لغويان لا يستقلان بفعل ذاتي، بل يفعل بهما ويضاف الفعل إلى من فعل بهما، فكذلك لا يصح أن نقول الرحمة استوت على العرش، أو العزة والقدرة نصرت المؤمنين وهزمت الكافرين، بل يقال: الرحمن على العرش استوى أو الرحمن علم القرآن، والعزيز القدير نصر المؤمنين وهزم الكافرين، فالصفة تقوم بموصوفها ولا يمكن أن تقوم بنفسها .
وهنا نقطة جوهرية في فهم الأسماء الحسنى ودلالتها على الصفات، وهى أنه لا بد من التمييز بين الاسم ودلالته الوضعية عندما يستعمل في حق المخلوق، والاسم ودلالته في حق الخالق، فعدم فهم هذه المسألة هو أساس التفرق والاختلاف، لأن الاسم في استعماله المتعارف بين الناس لا يراد به إلا العلمية التي تميزه عن غيره، ولا يعني إن كانت فيه صفة السعادة أم لا؛ فالاسم في حقنا فارغ من الوصفية على الأغلب ومرتبط على الدوام بمسماه كاسم بلا وصف، فإن استجد الوصف عبرنا عن ذلك بقدر زائد فقلنا سعيد سعيد أو سعيد في منتهى السعادة .
أما الأسماء في حق الله فتختلف اختلافا كليا عن ذلك؛ فهي علمية ووصفية معا في آن واحد، ولا يمكن قياسها بما سبق في حق المخلوق، ولذلك لم يقل النبي e : إن الجواد سبحانه جواد، وإن المحسن محسن، وإن الحيي الستير حيي ستير، وإن الجميل جميل، والوتر وتر، كما قلنا في حق المخلوق سعيد سعيد، لأن الأسماء في حق الله أعلام وأوصاف، سواء ذكر الاسم أولا أو ثانيا، مبتدأ أو خبرا، أو في أي موضع كان من النص فهو علم ووصف، ومن ثم فإن الجواد والجميل والوتر والرفيق والمحسن والحيي والستير كلها أسماء صحيحة ثابتة لله U تدل على العلمية والوصفية معا، لأن الله لم يطرأ عليه وصف أو يستجد به كمال، كما طرأت السعادة واستجد النصر والصلاح على سعيد ومنصور وصالح .
وقد كان من شأن العرب أن يسموا أولادهم بأسماء الجماد والحيوان لما يرون فيها من بعض الصفات النبيلة كتسميتهم صخرا أو حربا أو أسدا أو كلبا أو جحشا أو كعبا، وهم يقصدون بهذه التسمية أولا تمييز الشخص عن غيره؛ لأنه لا بد لكل فرد من اسم يميزه بالعلمية، ويتطلعون أيضا أن تتحقق فيه مستقبلا الوصفية التي تضمنها الاسم، فالذي يسمي ولده صخرا يأمل أن تتوفر فيه صفة القوة والصلابة، والذي يسمي ولده حربا يأمل أن تتوفر فيه صفة الفارس المقاتل والمقدام الهمام، والذي يسميه أسدا أو كلبا أو جحشا أو كعبا يرغب أن تتوفر فيه صفة الشجاعة والجرأة والوفاء والتحمل والعظمة والبقاء، ولذلك كانت أغلب الأسماء التي يسميها العرب مبنية على مراعاة العلمية والرغبة والأمل في حدوث الوصفية كأبي سفيان بن حرب، وعند البخاري تزوج أبو بكر امرأة من كلب ([27])، يعني من بني كلب، وأيضا كان من أمهات المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، ومن الصحابة أبي بن كعب، وكعب بن مالك الذي تخلف عن غزوة تبوك رضي الله عنهم أجمعين، وقد يسمون الجارية زهرة أو غزالا، أو شهدا أو نورا، أو قمرا أو جميلة، وهي سوداء كالليل البهيم أو قبيحة وجها دميم، أو خبيثة الجوهر والمنظر .
والقصد أن الأسماء البشرية يراد بها في الأصل العلمية مع الرغبة في وجود الوصفية وقياس ذلك على أسماء الخلق هو أصل الضلال، ولما خلط أهل الاعتزال بين الأحكام المتعلقة بعالم الغيب وعالم الشهادة، وشبهوا الخالق بالمخلوق حدث اللبس والغموض في مسألة الاسم والمسمى، هل هو عينه أو غيره؟ وهل الصفات زائدة علي الذات أم لا؟ وغير ذلك من القضايا التي زعموا فيها أن التوحيد هو إثبات الأسماء ونفي الصفات وقد تخبطوا هم أنفسهم في فهمها قبل بيانها وشرحها للآخرين .
لكن عقيدة السلف لما كانت مبنية على أن التوحيد هو إفراد الله U بما ثبت له من الأسماء والصفات، وأن الله متوحد عن الأقيسة التمثيلية والقواعد الشمولية التي تحكم ذوات المخلوقات فإنهم وفقوا إلى الفهم الصحيح في باب الأسماء والصفات، فعندهم أن الأسماء في حق الله علمية ووصفية، علمية من جهة الدلالة على الذات ووصفية من جهة المعنى الذي تضمنه كل اسم، فاسم الله القدير وكذلك العلي الرحمن القوي العزيز الحكيم السميع العليم وغير ذلك من الأسماء دلت على إثبات صفة القدرة والعلو والرحمة والقوة والعزة والحكمة والسمع والعلم، فهي أعلام لقوله تعالى: } قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى { (الإسراء:110)، وكلها تدل على ذات واحدة ومسمى واحد، وهي أيضا أوصاف لقوله تعالى: } وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا { (الأعراف:180) .
والله U ذكر من أسمائه الحسنى الغفور الرحيم، وكلاهما علم على ذاته كما جاء في قوله: } وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ { (يونس:107)، وقوله أيضا: } نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ { (الحجر:49)، وقد بين في موضع آخر تضمن الاسم للوصف، وأن الغفور ذو مغفرة، والرحيم ذو رحمة، فقال تعالى: } وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقَابِ { (الرعد:6)، وقال سبحانه أيضا: } وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ { (الكهف:58)، ومن أسمائه الحسنى القوي حيث ورد علما مطلقا على ذات الله فقال U: } إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ { (هود:66)، وفي موضع آخر بين أنه متصف بالقوة فقال: } إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ { (الذاريات:58) .
وذكر سبحانه وتعالى أيضا من أسمائه الحسنى العزيز فقال: } لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ { (آل عمران:6)، ثم قال في تضمن الاسم للوصف: } سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ { (الصافات:180)، وقال أيضا: } الذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلهِ جَمِيعاً { (النساء:139)، ومن ثم فإن الأدلة قاطعة في أن الله سبحانه رحيم برحمة، قوي بقوة، عزيز بعزة، وكذلك أيضا قدير بقدرة حكيم بحكمة، سميع بسمع، عليم بعلم، وغير ذلك من الأسماء ودلالتها على الصفات، ولا يشبه في وصفه حال المخلوق كما نقول سعيد بلا سعادة، أو صالح بلا صلاح أو فالح بلا فلاح، أو سعيد وهو حزين كاسم بلا مسمى، أو منصور وهو مهزوم، أو صالح وهو طالح، فالسلف الصالح أثبتوا أسماء الله U أعلاما وأوصافا بعكس المعتزلة كما تقدم .
قال ابن القيم: (وقد اختلف النظار في هذه الأسماء هل هي متباينة نظرا إلى تباين معانيها، وأن كل اسم يدل على غير ما يدل عليه الآخر، أم هي مترادفة لأنها تدل على ذات واحدة؛ فمدلولها لا تعدد فيه وهذا شأن المترادفات؟ .. والتحقيق أن يقال: هي مترادفة بالنظر إلى الذات متباينة بالنظر إلى الصفات، وكل اسم منها يدل على الذات الموصوفة بتلك الصفة بالمطابقة، وعلى أحدهما وحده بالتضمن، وعلى الصفة الأخرى بالالتزام) ([28]).
وقال أيضا: (أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت، فإنها دالة على صفات كماله، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية؛ فالرحمن اسمه تعالى ووصفه، لا تنافي اسميتُه وصفيتَه، فمن حيث هو صفة جرى تابعا على اسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، ورود الاسم علما، وكذلك فإن الأسماء مشتقة من الصفات، إذ الصفات مصادر الأسماء الحسنى) ([29]) .
ومن المعلوم أن فطرة البشر مجبولة على طلب الأوصاف الحميدة والانتساب للنعوت الجميلة والأفعال الجليلة، ومن ثم فإن أسماء الله U من باب أولى دالة على أوصاف الجلال ومعاني الكمال والجمال .
· أمثلة لدلالات اللزوم:
1. اسم الملك يدل على ذات الله وعلى صفة الملك بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى الصفة وحدها بالتضمن، فالملك من بيده الملك المطلق التام الذي لا يشاركه أحد فيه، قال تعالى: } تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ المُلك وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { (الملك:1).
وقال سبحانه: } الذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ { (الفرقان:2)، وقال أيضا: } ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ المُلكُ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير ٍ{ (فاطر:13)، واسم الله الملك يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعلو والأحدية، والسيادة والصمدية، والعلم والمشيئة والقدرة والسمع والبصر والقوة، والعدل والحكمة والعظمة، فلا يتصور ملك دائم له الملك التام المطلق بغير هذه الصفات وغير ذلك من صفات الكمال، فالملك الحق هو الذي يستغني بذاته وصفاته عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كل موجود سواه .ومن أهم القضايا المتعلقة بدلالة اللزوم إثبات علو الملك وفوقيته واستوائه على عرشه، وإذا كان كل ملك في الدنيا يلزمه لإثبات ملكه أن يستوي على عرشه مع دوام فوقيته وعلوه، فالملك الخالق أولى بالكمال من المخلوق؛ لاسيما أن الله أثبت ذلك لنفسه فقال: } الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى { (طه:5)، فإثبات استواء الله على عرشه من لوازم توحيده في اسمه الملك، ولذلك قال تعالي: } فَتَعَالى اللهُ المَلكُ الحَقُّ لا إِلهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيم ِ{ (المؤمنون:116)، واسم الله الملك دل على صفة من صفات الذات .
2. اسم العزيز يدل على ذات الله وعلى صفة العزة بدلالة المطابقة، وعلى أحدهما بالتضمن فالله عز وجل له العزة كوصف ذات، والإعزاز كوصف فعل، أما صفة الذات فلأنها صفة قائمة به يستحيل وصفه بضدها، قال تعالى في وصف المنافقين: } يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَل وَلِلهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ { (المنافقون:8)، وقال: } مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلهِ العِزَّةُ جَمِيعاً { (فاطر:10)، وقال سبحانه: } سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ { (الصافات:180)، وعند مسلم من حديث أبي هريرة t أن رسول الله e قال: (العِزُّ إِزَارُهُ، وَالكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ) ِ([30])، وعند البخاري من حديث أنس بن مالك t أن النبي e قال: (لاَ تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ) ِ([31])، وعنده أيضا من حديث أنس t قال: (وَدَنَا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) ِ([32]) .
وروى النسائي وصححه الألباني من حديث عبد الله بن مسعود t أن النبي e قال: (يَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قتلني، فَيَقُولُ الله لَهُ: لِمَ قَتَلتَهُ؟ فَيَقُولُ: قَتَلتُهُ لِتَكُونَ العِزَّة لَكَ، فَيَقُولُ: فَإِنَّهَا لي، ويجيء الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ إِنَّ هَذَا قتلني، فَيَقُولُ الله لَهُ: لِمَ قَتَلتَهُ؟ فَيَقُولُ: لِتَكُونَ العِزَّةُ لِفُلاَنٍ، فَيَقُولُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِفُلاَنٍ فَيَبُوءُ بِإِثْمِهِ) ِ([33]) وفي رواية: (يجيء المقتول آخذا قاتله وأوداجه تشخب دما عند ذي العزة، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: فيم قتلته؟ قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل: هي لله) ِ([34]) .
وأما الإعزاز كوصف الفعل فالله عز وجل يمنحها لمن شاء من خلقه كما قال سبحانه: } قُلِ اللهمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤْتِي المُلكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { (آل عمران:26)، وعند مسلم من حديث أبي هريرة t أن رسول الله e قال: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلاَّ رَفَعَهُ الله) ([35])، وعند الترمذي وصححه الألباني من حديث ابن عمر t أن رسول الله e قال: (اللهمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بأبي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ([36])، واسم الله العزيز يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعلم القدرة والأحدية، والسيادة والحكمة والصمدية، والكبرياء والعظمة والقدسية، وغير ذلك من صفات الكمال.
3. اسم الله الخالق يدل على ذات الله وعلى صفة الخالقية بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى الصفة وحدها بالتضمن، قال تعالى: } قَالَ كَذَلِكِ الله يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ { (آل عمران:47)، وقال: } للهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ { (الشورى:49)، وقال: } وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ { (القصص:68)، واسم الله الخالق يدل باللزوم على الحياة والقيومية والسمع والبصر والعلم والمشيئة والحكمة والقدرة والغنى والقوة والعزة وغير ذلك من الصفات الذاتية والفعلية، ولما وصف الله نفسه بالخالقية فقال: } الله الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ {، قال بعدها: } لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلماً { (الطلاق:12)، واسم الله الخالق دل على صفة من صفات الأفعال.
4. اسم الله العظيم يدل على ذات الله وعلى صفة العظمة بدلالة المطابقة، وعلى أحدهما بالتضمن، وعند البخاري من حديث أنس t أن النبي e قال: (ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُل يُسْمَعْ وَسَل تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لي فِيمَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، فَيَقُولُ: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله) ([37])، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث أبي هريرة t أن رسول الله e قال: (قَالَ الله U: الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ في النَّارِ) ([38]) .
وقد ورد وصف العظمة أيضا عند أبي داود وصححه الشيخ الألباني من حديث عوف بن مالك t أنه قال: (ثُمَّ رَكَعَ e بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ) ([39]) .
أما دلالة الاسم على وصف الفعل المتعلق بالمشيئة فكما ورد في قوله تعالى: } ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً { (الطلاق:5)، وفي المسند وصححه الألباني من حديث أنس t أن النبي e قال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُعَظمَ الله رِزْقَهُ، وَأَنْ يَمُدَّ فِي أَجَلِهِ؛ فَليَصِل رَحِمَهُ) ([40]) .
واسم الله العظيم يدل باللزوم على الحياة والقيومية والسيادة والصمدية والعزة والأحدية وانتفاء الشبيه والمثلية، وكذلك يدل على السمع والبصر والعلم والحكمة والمشيئة والقدرة، وغير ذلك من صفات الكمال، والاسم دل على صفة من صفات الذات والأفعال.
5. اسم الله القدير يدل على ذات الله وصفة القدرة بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى القدرة وحدها بالتضمن، روى الحاكم حسنه الألباني من حديث ابن عباس t مرفوعا في الحديث القدسي، قال الله تعالى: (مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذنُوب غَفَرْتُ لَهُ وَلاَ أُبَالِي ما لم يُشْرك بي شَيْئا) ([41])، واسم الله القدير يدل باللزوم على الحياة والقيومية والعزة والأحدية والسمع والبصر والعلم والحكمة والغنى والقوة وغير ذلك من صفات الكمال، وقد اقترن اسم الله القدير باسمه العليم في غير موضع من القرآن لأن العلم من لوازم القدرة، قال تعالى: } أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ { (الشورى:50) .
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني


1. انظر بتصرف تحرير القواعد المنطقية لقطب الدين محمود بن محمد الرازي ص 29.

2. منهاج السنة النبوية لابن تيمية 5/453 .

3. درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية10/12، وانظر له أيضا الصفدية 2/154 .

4. منهاج السنة النبوية لابن تيمية 5/452 .

5. الصواعق المرسلة 2/643 .

6. انظر بتصرف البحر المحيط للزركشي 2/272.

7. انظر الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية ص76.

8. انظر المرشد السليم في المنطق الحديث والقديم للدكتور عوض الله جاد حجازي ص47 .

9. بدائع الفوائد ص170 .

10. انظر التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص615 بتصرف .

11. انظر بتصرف حاشية الصبان على شرح الملوي ص 53 .

12. البخاري في الرقاق باب حفظ اللسان 5/2377 (6112) .

13. الموضع السابق حديث رقم (6113) .

14. مجموع الفتاوى 2/217 .

15. جمهرة خطب العرب 3/340 .

16. السابق 3/340 .

17. السابق 3/38 .

18. السابق 3/342 .

19. مجموع الفتاوى 5/306 .

20. السابق 29/42، والفتاوى الكبرى 3/ 425 .

21. انظر بتصرف القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ص14.

22. شرح قصيدة ابن القيم 2/250، وبدائع الفوائد 1/170.

23. معارج القبول 1/119.

24. مجموع الفتاوى لابن تيمية 6/195.

25. انظر معجم مقاييس اللغة 5/448، والتعريفات ص133 .

26. انظر نتائج الفكر للسهيلي ص63.

27. البخاري في فضائل الصحابة، باب هجرة النبي S إلى المدينة 3/1427 (3706) .

28. جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن قيم الجوزية ص177 .

29. بدائع الفوائد 1/28.

30. مسلم في البر والصلة والأدب، باب تحريم الكبر 4/2023 (2620) .

31. البخاري في الأيمان والنذور، باب قوله وتقول هل من مزيد4/1835 (4568) .

32. البخاري في التوحيد، باب قوله وكلم الله موسى تكليما 6/2731 (7079) .

33. النسائي كتاب تحريم الدم 2/286 (3460)، وانظر السلسلة الصحيحة 6/445 رقم (2698) .

34. صحيح الترغيب والترهيب (2448) .

35. مسلم في البر والصلة والأدب، باب استحباب العفو والتواضع 4/2001 (2588) .

36. الترمذي في المناقب، باب في مناقب عمر t 5/617 (3681) وانظر صحيح الجامع (3681) .

37. البخاري في التوحيد باب ذرية من حملنا مع نوح 4/1746 (4435) .

38. أبو داود في اللباس، باب ما جاء في الكبر 4/59 (4090)، وانظر صحيح الجامع (1908) .

39. أبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده 1/230 (873) .

40. مسند الإمام أحمد 3/156 (12610)، وانظر صحيح الجامع (6291) .

41. الحاكم في المستدرك 4/291 (7676)، وانظر صحيح الجامع حديث (4330).
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 22-12-11, 04:07 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة التاسعة

المحاضرة التاسعة
توحيد الصفات ونفي قياس التمثيل والشمول .
القاعدة الأولى: التوحيد أساس الاعتقاد السلفي في باب الصفات .
القاعدة الأولى التي قام عليها اعتقاد السلف الصالح في التعرف على أوصاف اللَّه عز وجل هي توحيده وإفراده عمن سواه، فهم يتميزون عن سائر الناس بهذه الصفة صفة التوحيد، سواء كان ذلك في إيمانهم بربوبية اللَّه تعالى وإفراده بالخلق والأمر كما قال: } أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّه رَبُّ الْعَالَمِينَ {[الأعراف:54]، أو كان في عبادتهم له سبحانه وتعالى كما قال تعالى: } وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ {[البينة:5]، فلا يخضعون عن محبة ورغبة لأحد إلا لله، ولا يشركون معه سواه في العبادة، أو كان في إيمانهم بما أثبته اللَّه لنفسه من أنواع الكمالات في الأسماء والصفات، فالتوحيد يقصد به في باب الصفات إفراد اللَّه سبحانه بذاته وصفاته وأفعاله عن الأقيسة والقواعد والقوانين التي تحكم ذوات المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم .
والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { [الشورى:11]، والشاهد في الآية أن الله سبحانه بين انفراده عن كل شيء من أوصاف المخلوقين بجميع ما ثبت له من أوصاف الكمال والجمال والجلال وعلو شأنه فيها في كل حال .
وقال تعالى في أول سورة الإخلاص: } قلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ { [الإخلاص:1]، وقال في نهايتها مبينا معنى الأحدية: } وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ { [الإخلاص:4]، أي أن الأحد هو المنفرد بأوصاف الكمال الذي لا مثيل له فنحكم على كيفية أوصافه من خلاله، ولا يستوي مع سائر الخلق فيسري عليه قانون، أو قياس، أو قواعد تحكمه كما تحكمهم، لأنه المتصف بالتوحيد المنفرد عن أحكام العبيد .
وقال تعالى: } هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا { [مريم:65]، والمعنى الذي دلت عليه الآية هل تعلم لله شبيها مناظرا يدانيه أو يساويه، أو يرقي إلي سمو ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى ذلك فلا يمكن بحال من الأحوال أن نخضع أوصاف اللَّه لما يحكم أوصاف البشر من قوانين .
ومن هنا يمكن القول إنه من البلاهة العقلية أن نطبق قوانين الجاذبية الأرضية على استواء اللَّه على عرشه أو على حملة العرش أو على نزوله إلي السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، لأن ذلك ينطبق على الكائنات الأرضية ولا ينطبق على رب البرية، فهو منفرد متوحد عن قوانين البشر بذاته وصفاته وأفعاله، ومعلوم أننا لم نر اللَّه ولم نر له مثيلا أو شبيها أو نظيرا، والشيء لا يعرف إلا برؤيته أو برؤية نظيره فكيف نقول كما قالت الجهمية والمعتزلة والمتكلمون الأشعرية لو كان اللَّه على العرش لكان محمولا .
ولذلك فإن السلف الصالح فرقوا بين النصوص التي تدل على المخلوق والنصوص التي تدل على الخالق، فالنصوص التي تدل على المخلوق تليق به، وظاهرها مراد في حقه، وهي معلومة المعني لورودها في القرآن والسنة باللغة العربية، وكذلك معلومة الكيفية لأننا نراها بحواسنا ومدركاتنا، أو نري نظيرها، فنحكم عليها بالتشابه أو المثلية .
أما النصوص القرآنية والنبوية التي تدل على الخالق فهي معلومة المعني أيضا لأن اللَّه U خاطبنا باللغة العربية لا باللغة الأعجمية، فلا يمكن القول إن كلام اللَّه بلا معني، أو يشبه كلام الأعاجم والألغاز التي لا تفهم، أما الكيفية الغيبية للصفات الإلهية التي دلت عليها تلك النصوص فهي كيفية حقيقية معلومة لله وتليق به، لكنها مجهولة لنا لا نعلمها لأننا ما رأينا اللَّه U، روى مسلم أن النبي S: (تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَي أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حتى يَمُوتَ) ([1]) .
وكذلك ما رأينا لكيفيته سبحانه وتعالى نظيرا نحكم عليها من خلاله إذ يقول اللَّه تعالى: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { [الشورى:11] .
· محذورات القاعدة الأولى .
من الأمور الهامة التي ينبغي الحذر منها صيانة للقاعدة الأولى وحتى لا يهدم التوحيد في قلب المسلم أو تشوبه شائبة، أن يحذر من نوعين من القياس حرمهما اللَّه U على من استخدمهما في حقه، وقد وقع فيهما أهل الضلال من الممثلة والمشبهة الذين جسدوا في أذهانهم صورا للمخلوقات، وزعموا أن أوصاف اللَّه التي وردت بها النصوص في الكتاب والسنة على هذه الكيفية، وقد استخدم الممثل النوع الأول من القياس، والنوع الثاني استخدمه المشبه وأحيانا يطلق عليه المكيف .
النوع الأول: قياس التمثيل وهو إلحاق فرع بأصل في حكم جامع لعلة ؛ فالممثل جعل صفة الإنسان التي لا يعرف غيرها أصلا، وجعل صفة اللَّه U التي دلت عليها النصوص فرعا، ثم طابق الفرع على الأصل وحكم بينهما بالتماثل .
ولو سئل عن السبب في ذلك التمثيل ؟ لقال: لأن اللَّه له أوصاف والإنسان له أوصاف ذكرت بنفس الألفاظ، فهذا يوجب التماثل، ومن أجل ذلك حكمت بأن استواء اللَّه على العرش يماثل استواء الإنسان، ووجه اللَّه يماثل وجه الإنسان ويد اللَّه تماثل يده، وهكذا في سائر أوصاف اللَّه وأوصاف الإنسان، قيل له: (ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن نفى القدر المشترك فقد عطل ومن نفى القدر الفارق فقد مثل) ([2]) .
وقد علم العقلاء أن قول الممثل باطل لا يتوافق مع العقل السليم، فلو قيل طائر كبير وفيل كبير، فهل صورة الطائر كصورة الفيل لأنهما اشتركا في لفظ كبير ؟
وإذا كانت أوصاف البشر مختلفة، فهناك فرق كبير بين عرش بلقيس وعرش سليمان، ووجه يوسف عليه السلام ووجه غيره من بني الإنسان، فإن الفرق أعظم وأكبر من باب أولى بين أوصاف الخالق سبحانه وتعالى وأوصاف المخلوق، وسيقر المسلم في خشوع وخضوع أن استواء اللَّه ليس كاستواء البشر ووجهه تعالى ليس كوجوههم، وسائر أوصافه ليست كأوصافهم، وأن اللَّه U ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله، وتلك طريقة الموحدين .
أما الممثل لأوصاف اللَّه بأوصاف البشر فهو ظالم لنفسه، متقول على ربه ما ليس له به علم، فهو في الحقيقة تخيل في ذهنه أن صفة اللَّه الواردة في نصوص الكتاب والسنة كصورة إنسان ثم عظمها له الشيطان، فعبدها على أنها المقصود عند ذكره لأوصاف اللَّه، وهو في الحقيقة إنما يعبد صنما، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف حال الممثل: الممثل يعبد صنما ([3]) .
النوع الثاني: قياس الشمول وهو القانون الشامل أو الأحكام العامة التي تطبق على جميع الأفراد أو كما عرفوه بأنه قياس كلي على جزئ، فالمكيف أو المشبه الذي يستخدم قياس الشمول جعل الكيفية التي تحكم أوصاف الإنسان قانونا يحكم به على أوصاف الرحمن كقوله: لو كان اللَّه متصفا بالكلام لكان له فم ولسان، لأنه لم ير المتكلم في أحكام الدنيا إلا على هذه الكيفية، وكقوله: لو كان على العرش لكان محمولا، فطبق قانون الجاذبية الأرضية على كيفية استواء الخالق كما يطبقها على استواء الإنسان أو حمله للأشياء .
ومعلوم أن صاحب الفطرة السليمة يأبى أن يقال مثل هذا في أوصاف اللَّه، بل يعلم أن هذه الأحكام ربما لا تطبق على الإنسان خارج نطاق الجاذبية الأرضية، مثل أماكن انعدام الوزن أو المحطات الفضائية، أو ربما يسمع صوتا من غير فم أو لسان كما يري المسجل يعيد الصوت ويكرره كأنه إنسان .
وإذا قيل لا يدخل قاعة الاختبار في الكلية إلا طلاب السنة النهائية علم العقلاء أن ذلك لا ينطبق على الأساتذة المراقبين أو القائمين على النواحي الإدارية .
وإذا قيل لا يدخل المصنع إلا العاملون، علمنا أن ذلك لا ينطبق على صاحب المصنع ومن رافقه من أهله وأصحابه .
وهكذا يعلم العقلاء وأصحاب الفطرة السليمة أن القوانين التي تحكم أوصاف البشر لا تنطبق على ربهم، وأن اللَّه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى ذلك يلزم الاحتراز من استخدام هذين النوعين من القياس في حق اللَّه، قياس التمثيل وقياس الشمول، لأن النتيجة المترتبة على استخدام الممثل لقياس التمثيل واستخدام المكيف المشبه لقياس الشمول تتمثل فيما يلي:
1- تعطيل العلم الصحيح بأوصاف الحق التي وردت في نصوص الكتاب والسنة تحت ستار التمثيل والتشبيه، ولذا قال ابن تيمية: كل ممثل معطل ([4]) .
2- الافتراء على اللَّه تعالى حيث ادعى في وصف اللَّه ما لا علم له به، وزعم أن أوصاف اللَّه تشبه أوصاف البشر، وهي في الحقيقة ليست كذلك، وقد حرم اللَّه U ذلك على عباده فقال: } قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا على اللَّه مَا لا تَعْلَمُونَ { [الأعراف:33].
وقال تعالى: } وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا { [ الإسراء:36] .
* قال فخر الدين الرازي في كتابه أساس التقديس ص 105في بيان السبب الأول لوجوب تغيير ما دل عليه الكتاب والسنة من أمور حقيقية إلى أشياء معنوية مجازية :
( ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر العين وذكر الأيدي وذكر الساق الواحدة فلو أخذنا بالظاهر يلزمنا إثبات شخص له وجه واحد وعلي ذلك الوجه أعين كثيرة وعليه أيد كثيرة وله ساق واحدة ولا نري في الدنيا شخصا أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة ) (1) .
فالإمام الرازي وهو من الرواد الأوائل لمن بعده من الخلف مع جهده الكبير في خدمة دين الله إلا أنه تخيل في ذهنه صورة قبيحة لربه أولا رسمتها الآيات القرآنية حسب زعمه فحاول أن ينفي تلك الصورة بالتحامل على القرآن فيما دل عليه من المعاني الحقيقية فوقع في عدة محاذير :
1- أنه رسم صورة لربه كصورة الإنسان وجعل صورة الإنسان هي أصل القياس لصورة الرب سبحانه وتعالى ، وزعم أن ظاهر الآيات القرآنية الواردة في صفات الله رسمت صورة لربه هي أقبح من صورة البشر .
2- أن ظاهركلام الله يلزم بتكوين تلك الصورة التي فهمها ، وهذا بهتان عظيم ، فالحق تبارك وتعالى لا يقول كلاما لازمه أنه سبحانه وتعالى بهذه الكيفية القبيحة التي يعتقدها الرازي والتي حاول نفيها حتى لا يقع في هذا اللازم .
3- أن هذه اللوازم خفيت على رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ لم يثبت عنه أنه غير معناها إلى أمور معنوية لا تدل على حقيقة ما ، وهذا يقتضي أنهم أعلم من رسول الله صلي الله عليه وسلم وهذا محض افتراء .
4- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لو علم تلك اللوازم وتركها تدل على هذه الصورة التي ذكرها الفخر الرازي بهذه البشاعة وأوجب التأويل والتبديل من أجلها دون نص صريح منه صلي الله عليه وسلم بوجوب التأويل فما بلغ البلاغ المبين ، إذ كيف يترك الناس قرونا في الضلال حتى يأتي الخلف ليوضحوا للناس أن الرسول صلي الله عليه وسلم وصف ربه بالنقص ، فيجب أن نغير كلامه بالتأويل حتى يدل على الكمال الواجب في حق الله .
5- يلزمه وصف أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم بضيق الأفق وعدم الفهم لأنه خفيت عليهم هذه الصورة التي رسمتها الآيات القرآنية لربهم .
أما إن علم أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أن القرآن قد دل على ما يصبوا إليه الرازي من التمثيل ولم يغيروا المعني إلى أمور معنوية كما فعل هو ، فيلزمه وصفهم بالنقص لأنهم رضوا بالباطل وآمنو للرسل وهم يعلمون أن خالقهم بهذه الصورة القبيحة .
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني


1. مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة (2931) .

2. الرسالة التدمرية ضمن مجموع الفتاوى 3/69 .

3. انظر درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د . محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، الرياض 6/348، والأربيلية لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى 5/196، ومسألة تحسين العقل وتقبيحه لابن تيمية ضمن الفتاوى 8/432 .

4. انظر الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى 3/7،3/49، وبيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لابن تيمية، تحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ط1، مطبعة الحكومة مكة المكرمة، سنة 1392هـ، 2/95 .
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 22-12-11, 04:10 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة العاشرة

المحاضرة العاشرة
نفي قياس الشمول وإثبات الصفات بقياس الأولى .
النوع الثاني: قياس الشمول وهو القانون الشامل أو الأحكام العامة التي تطبق على جميع الأفراد أو كما عرفوه بأنه قياس كلي على جزئ، فالمكيف أو المشبه الذي يستخدم قياس الشمول جعل الكيفية التي تحكم أوصاف الإنسان قانونا يحكم به على أوصاف الرحمن كقوله: لو كان اللَّه متصفا بالكلام لكان له فم ولسان، لأنه لم ير المتكلم في أحكام الدنيا إلا على هذه الكيفية، وكقوله: لو كان على العرش لكان محمولا، فطبق قانون الجاذبية الأرضية على كيفية استواء الخالق كما يطبقها على استواء الإنسان أو حمله للأشياء .
ومعلوم أن صاحب الفطرة السليمة يأبى أن يقال مثل هذا في أوصاف اللَّه، بل يعلم أن هذه الأحكام ربما لا تطبق على الإنسان خارج نطاق الجاذبية الأرضية، مثل أماكن انعدام الوزن أو المحطات الفضائية، أو ربما يسمع صوتا من غير فم أو لسان كما يري المسجل يعيد الصوت ويكرره كأنه إنسان .
وإذا قيل لا يدخل قاعة الاختبار في الكلية إلا طلاب السنة النهائية علم العقلاء أن ذلك لا ينطبق على الأساتذة المراقبين أو القائمين على النواحي الإدارية .
وإذا قيل لا يدخل المصنع إلا العاملون، علمنا أن ذلك لا ينطبق على صاحب المصنع ومن رافقه من أهله وأصحابه .
وهكذا يعلم العقلاء وأصحاب الفطرة السليمة أن القوانين التي تحكم أوصاف البشر لا تنطبق على ربهم، وأن اللَّه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى ذلك يلزم الاحتراز من استخدام هذين النوعين من القياس في حق اللَّه، قياس التمثيل وقياس الشمول، لأن النتيجة المترتبة على استخدام الممثل لقياس التمثيل واستخدام المكيف المشبه لقياس الشمول تتمثل فيما يلي:
1- تعطيل العلم الصحيح بأوصاف الحق التي وردت في نصوص الكتاب والسنة تحت ستار التمثيل والتشبيه، ولذا قال ابن تيمية: كل ممثل معطل .
2- الافتراء على اللَّه تعالى حيث ادعى في وصف اللَّه ما لا علم له به، وزعم أن أوصاف اللَّه تشبه أوصاف البشر، وهي في الحقيقة ليست كذلك، وقد حرم اللَّه U ذلك على عباده فقال: } قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا على اللَّه مَا لا تَعْلَمُونَ { [الأعراف:33].
وقال تعالى: } وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا { [ الإسراء:36] .
lإثبات الصفات على مراد الله ورسوله .
القاعدة الثانية التي قام عليها اعتقاد السلف الصالح هي إثبات الصفات على مراد اللَّه ورسوله S، لأن اللَّه U بعد أن بدأ بالتوحيد أولا في قوله تعالى: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ {[الشورى:11]، اتبع ذلك بإثبات الصفات التي تليق به فقال: } وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {[الشورى:11]، فالتوحيد يستلزم إثبات الصفات وهذا ما يناسب الفطرة السليمة والعقول المستقيمة .
وبيان ذلك أن المتوحد المنفرد عن غيره لابد أن ينفرد بشيء يتميز به ويكون هو الوحيد المتصف به، أما الذي لا يتميز بشيء عن غيره ولا يوصف بوصف يلفت الأنظار إليه، فهذا لا يكون منفردا ولا متوحدا ولا متميزا عن غيره، فلو قلت مثلا فلان لا نظير له، سيقال لك في ماذا ؟ تقول: في علمه أو في حكمته أو في غناه أو في قدرته أو ملكه أو في استوائه أو في أي صفة تذكرها، فلا بد من ذكر الوصف الذي يتميز به، لكن من العبث أن يقال لك: فلان لا نظير له في ماذا ؟ فتقول: في لا شيء، أو تقول لا صفة له أصلا، فاللَّه U ـ وله المثل الأعلى ـ أثبت لنفسه أوصاف الكمال التي انفرد بها دون غيره، ونفي عن نفسه أوصاف النقص ليثبت توحده في ذاته وصفاته، فأثبت لنفسه الوحدانية في استوائه، فقال تعالى: } الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَي {[طه:5]، فاستواؤه له كيفية تليق به لا نعلمها، ولا مثيل ولا شبيه له فيها، وأثبت الوحدانية في كلامه، فقال تعالى: } وَكَلَّمَ اللَّه مُوسَي تَكْلِيمًا { [النساء:164]، فكلامه بكيفية تليق به ليس كمثله شيء فيها، ولا علم لنا بها، فمداركنا وإن استوعبت معني كلامه، فإنها لا تستوعب كيفية أداء الكلام لأنها كيفية غيبية، وأثبت لنفسه يدين لا مثيل ولا شبيه له فيهما فقال: } قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ {[ص:75].
· طريقة السلف في إثبات الصفات
وكذلك الحال في سائر الصفات، كما أن طريقة السلف في إثبات الصفات تعتمد على أمرين اثنين:
1- النفي المجمل لصفات النقص، والإثبات المفصل لصفات الكمال، فاللَّه U نفي عن نفسه كل صفات النقص إجمالا لا تفصيلا، فقال تعالى في النفي: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ {[الشورى:11]، وقال أيضا: } وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ {[الإخلاص:4] .
وقد أثبت اللَّه Uلنفسه صفات الكمال تفصيلا فقال: } هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَي على الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ { [الحديد:4].
وقال U: }هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [الحشر:22/24]، وغير ذلك من الآيات التي عدد اللَّه U فيها أسماءه وأوصافه وأفعاله مثبتا لها ولكمالها وجلالها ومفصلا في ذلك .
واعلم أن طريقة السلف في الإثبات والنفي على العكس من طريقة المتكلمين فإنهم يجملون في الإثبات ويفصلون في النفي، فمثال الإجمال في الإثبات ما فعله أهل الاعتزال حين أثبتوا وجود ذات الله فقط ونفوا عنه الصفات، ومثال التفصيل في النفي عندهم قولهم في مدح اللَّه ليس بجسم ولا شبح ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا.. ولا ...، هذا يماثل قول الأحمق في مدح الأمير لست بزبال ولا كناس ولا حيوان ولا نسناس، ولا خادم ولا متسول، ولا حقير ولا فقير، ولا .. ولا ... الخ .
وكان يكفيه أن يقول: ليس لك نظير فيما رأت عيناي، كما كان يكفيهم أن يقولوا في مدح اللَّه كما قال تعالى عن نفسه: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ {[الشورى:11]، لكنهم لا يرغبون في إثبات أي صفة لله، فإن سألتهم: من تعبدون ؟، قالوا: نعبد من لا صفة له، قيل لهم: من لا صفة له يكون معدوما بلا وجود، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المعطل يعبد عدما.
كما أن هذه الطريقة التي اتبعتها طائفة المعتزله أو طائفة الأشعرية هي في الحقيقة طريقة ذم لا مدح، فالنفوس مفطورة على أن تمدح بالإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات وليس العكس فتدبر .
2- طريقة السلف في نفي النقص عن اللَّه النفي المتضمن لإثبات كمال الضد، فإذا قال اللَّه تعالى: } لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ {[البقرة:255]، علمنا أن نفي السنة والنوم يتضمن كمال الضد، وهو إثبات الكمال في حياته وقيوميته، وقوله تعالى: } وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا { [الكهف:49]،فيه نفي الظلم عن اللَّه المتضمن لكمال الضد وهو منتهي العدل، وهكذا في سائر ما ورد في الكتاب والسنة .
وكل نفي لا يستلزم ثبوتا لم يصف اللَّه به نفسه، ولذا فإن طريقة الخلف من المعتزلة والأشعرية في نفي صفات النقص عن اللَّه هي بذاتها عين النقص لأنهم إذا قالوا: اللَّه ليس بجسم، وتساءل العاقلاء ؟ ماذا يكون إذا لم يكن جسما ؟ هل يكون عرضا ؟ قالوا: ولا عرضا، فماذا يكون إذا لم يكن عرضا ؟ هل يكون شبحا خياليا ؟ قالوا: ولا شبحا، ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة، ولا بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق، فيقال لهم: إن اللَّه إذا نفي عن نفسه وصفا أثبت كمال ضده، فماذا أثبتم بهذا النفي غير كلام فارغ من المدح ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالنفي لا يكون مدحا إلا إذا تضمن ثبوتا وإلا فالنفي المحض لا مدح فيه، ونفي السوء والنقص عنه يستلزم إثبات محاسنه وكماله ولله الأسماء الحسنى، وهكذا عامة ما يأتي به القرآن في نفي السوء والنقص عنه يتضمن إثبات محاسنه وكماله كقوله تعالى: } اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ { [البقرة:255]، فنفي أخذ السنة والنوم له يتضمن كمال حياته وقيوميته، وقوله: } وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ {[ق: 3] ، يتضمن كمال قدرته ونحو ذلك فالتسبيح المتضمن تنزيهه عن السوء ونفي النقض عنه يتضمن تعظيمه) ([1]) .
ويجدر التنبيه على أنه يجوز في باب الصفات وإثباتها استخدام قياس الأولى كما قال تعالى: } وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى { [النحل:60]، فإنه من المعلوم أن كل كمال ووصف ممدوح لنفسه لا نقص فيه يكون لبعض الموجودات المخلوقة المحدثة فالرب الخالق الصمد القيوم هو أولى به، وكل نقص أو عيب يجب أن ينزه عنه بعض المخلوقات المحدثة المكنة فالرب الخالق القدوس السلام هو أولى أن يتنزه عنه.
قال ابن تيمية: (ولهذا كانت الطريقة النبوية السلفية أن يستعمل في العلوم الإلهية قياس الأولى كما قال الله تعالى: } وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى { [النحل:60]، إذ لا يدخل الخالق والمخلوق تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولا يتماثلان في شيء من الأشياء، بل يعلم أن كل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص وجب نفيه عن المخلوق فالخالق أولى بنفيه عنه) .
· محذورات القاعدة الثانية في توحيد الصفات .
من الأمور الهامة التي ينبغي للموحد أن يحذر منها صيانة للقاعدة الثانية حتى لا يهدم إيمانه بما أثبته اللَّه U لنفسه وما أثبته رسوله S أن يحذر من نوعين من الضلال، وهما التعطيل والتحريف المبني على التأويل الباطل وبيان ذلك فيما يأتي:
1- التعطيل: وهو رد النصوص الثابتة في الكتاب والسنة ورفض محتواها وعدم التسليم لها، وسببه اعتقاد المعطل أن إثبات الصفات التي وردت في تلك النصوص يلزم منه التمثيل والتشبيه، فالمعطل جسد صورة لربه في ذهنه تشبه صورة الإنسان فوقع في محذورات القاعدة الأولى حيث اعتقد فيها التمثيل والتشبيه وزعم أن ظاهر النصوص دل على ذلك، فأحس بالرفض التلقائي لتلك الصورة والرغبة في تنزيه اللَّه عنها، وبدلا من أن يعيب فهمه السيئ وظنه الآثم في كلام اللَّه وجه العيب إلي الكتاب والسنة، وبدأ في التحامل على النصوص بالباطل، فادعي أولا أن ظاهرها باطل غير مراد في كلام اللَّه U، ثم حاول محو ما دلت عليه بأي طريقة وتعطيلها عن مدلولها الذي يطابق الحقيقة .
روي عن الجهم بن صفوان - الجد الأكبر للمعتزلة والأشعرية - أنه قال في قول الله تعالى: } الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَي { [طه:5]،قال: لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصحف لفعلت ([2]) .
وروى أن عمرو بن عبيد المعتزلي قال لأبي عمرو بن العلاء: أحب أن تقرأ هذا الحرف: } وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً { [النساء:164]، بنصب اسم الله، ليكون موسى هو الذي كلم الله، ولا يكون في الكلام دلالة على أن الله كلم أحدا، فقال له: فكيف تصنع بقول الله تعالى: } وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ {[الأعراف:143]؟ فبهت المعتزلي، فالمعطل اعتقد في النصوص التمثيل فاضطر إلى أن يعطلها، وقد علمنا من محذورات القاعدة الأولى أن الممثل عطل الصفة الحقيقية لله، ولذلك قال ابن تيمية: كل ممثل معطل وكل معطل ممثل.
2- التحريف: وهو التأويل بغير دليل وهو تحريف للكلم عن مواضعه لأن المتكلم يقصد شيئا في كلامه يختلف عن المعنى الذي أراده المؤول، والسبب الذي دفع أهل الضلال إلى التأويل الباطل لنصوص الكتاب والسنة، أن المعطل بعد رفضه للنصوص بناء على اعتقاده فيها التمثيل والتشبيه كما سبق، أراد أن يستر جريمة التعطيل حتى لا يقال في حقه إنه يكذب بالقرآن والسنة، فأخفى جريمة التعطيل تحت شعار التأويل، وادعاء البلاغة في فهم النصوص فاستبدل المعنى المراد من النصوص بمعنى بديل لا يقصده المتكلم بها .
روى أن أحمد بن أبي دؤاد القاضي أشار على الخليفة المأمون أن يكتب على ستر الكعبة (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم)، بدلا من قول تعالى: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { [الشورى:11]، فحرف كلام الله لينفي وصفه تعالى بأنه يسمع ويبصر لاعتقاده أن السمع في حق الله لا بد أن يكون بأذن .
ويشبه هذا قول المعتزلة والأشعرية بأن الاستواء في قوله تعالى: } الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَى { [طه:5معناه الاستيلاء والقهر، واليد في قوله: } مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ { [ص:75]، هي يد القدرة .
وكل ذلك وأمثاله منكر من القول وتزوير في لغة العرب، لأن العرب عند التحقيق لا تعرف أبدا الاستواء بمعنى الاستيلاء والقهر، ولا اليد في مثل هذا السياق بالذات بمعنى القدرة، ولذلك ذكر ابن تيمية أن التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل والتكييف والتمثيل لأنه ما حرف إلا لأنه عطل، وما عطل إلا لأنه كيف ومثل، فجمع أنواع الضلال في هذا الباب بتأويله الباطل .
ولا حجة لقول بعضهم إن اللغة مرنة، وحمالة للمعاني، وفضفاضة تتسع لأنواع التأويل، لأن اللغة لها ضوابط معروفة لا يسعنا أن نخرج عن قواعدها، فالسلف استعملوا التأويل في عصرهم بمعنى غير ما يعرف الآن عند الأشعرية، أو علماء الكلام، إذ تقيدوا بما ورد في القرآن والسنة وما عرف بين الصحابة والتابعين من معاني التأويل .
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني


1. انظر السابق 3/35، وانظر الكلام على دعوة ذي النون ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية 10/250 وجواب أهل العلم والإيمان في أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، ضمن مجموع الفتاوى 17/142.

2. توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، لأحمد بن إبراهيم عيسى تحقيق زهير الشاويش، ط3، المكتب الإسلامي، بيروت سنة 1406هـ، 2/88 .
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 22-12-11, 04:13 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الحادية عشر

المحاضرة الحادية عشر
معاني التأويل في القرآن والسنة
التأويل لغة:
التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلا مثل حول تحويلا،وقولهم آل يؤول أي عاد إلى كذا ورجع إليه، ومنه المآل وهو ما يؤول إليه الشيء، ومما يوافقه فى اشتقاقه الآل فإن آل الشخص من يؤول اليه كآل ابراهيم وآل لوط وآل فرعون . مجموع الفتاوى 13 / 291 .
معاني التأويل
· الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
المعنى الأول: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام أو الحقيقة المعبرة عن مدلول الكلام ([1] وهذا المعنى هو الذي نطقت به آيات الكتاب، فلقد تكررت كلمة التأويل في القرآن في أكثر من عشرة مواضع كان معناها في جميع استعمالاتها الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. فتأويل الخبر عند السلف وقوعة، وتأويل الأمر تنفيذه، قال سفيان بن عيينة: (السنة هي تأويل الأمر والنهي، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر، والكلام خبر وأمر).
· الأدلة من القرآن:
1- (ورَفعَ أَبَوَيْهِ على الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) يوسف:100).
2- (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (الأعراف:53) .
3- (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (يونس:39) .
4- (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ .. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف:41) .
5- (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران:7) .

· الأدلة من السنة:
1. وعند البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي اللَّه عنها: (كَانَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) . تعني أنه S كان ينفذ في سجوده أمر اللَّه الذي ورد في قوله: } فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا { (النصر:3).
2. وعند البخاري عن ُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (آل عمران:186). وَقَالَ اللَّهُ : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:109) وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ) .
3. روى أبو داود 3775 أن أبا بَكْرٍ قال بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (المائدة:105) وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ)... إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه " . رواه ابن ماجه والترمذي وصححه . وفي رواية أبي داود: " إذا رأوا الظالم فم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب " . وفي أخرى له: " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب ".
4. روى أبو داود 11 416 عن أَبُي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (المائدة:105) قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) صحيح الترغيب والترهيب 3172 - (صحيح لغيره) (عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله) .
5. روى البيهقي في السنن الكبرى 10/ 92 عن أبى العالية قال كانوا عند عبد الله بن مسعود، فوقع بين رجلين ما يقع بين الناس، فوثب كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال بعضهم : ألا أقوم فأمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال بعضهم : عليك نفسك إن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ) فسمعها ابن مسعود فقال: ليس هذا بزمانها قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم ثم قال: إن القرآن نزل حيث نزل فمنه آي قد مضي تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه آي وقع تأويلهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومنه آي وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه آي يقع تأويلهن فى آخر الزمان ومنه آي يقع تأويلهن يوم القيامة ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية).
قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى 17/371: (فابن مسعود رضي الله عنه قد ذكر فى هذا الكلام تأويل الأمر وتأويل الخبر فهذه الآية عليكم أنفسكم من باب الأمر، وما ذكر من الحساب والقيامة من باب الخبر، وقد تبين أن تأويل الخبر هو وجود المخبر بهوتأويل الأمر هو فعل المأمور به، فالآية التي مضي تأويلها قبل نزولها هي من باب الخبر يقع الشيء فيذكره الله كما ذكر ما ذكره من قول المشركين للرسول وتكذيبهم له وهي وإن مضي تأويلها فهي عبرة ومعناها ثابت في نظيرها) .
قال ابن تيمية:( وأما لفظ التأويل في التنزيل فمعناه: الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله ولهذا كان السلف يقولون: الاستواء معلوم والكيف مجهول فيثبتون العلم بالاستواء وهو التأويل الذي بمعنى التفسير وهو معرفة المراد بالكلام حتى يتدبر ويعقل ويفقه ويقولون: الكيف مجهول وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو).
· المعنى الثاني للتأويل: التفسير والبيان .
المعنى الثاني للتأويل في مفهوم السلف هو التفسير والبيان. ويقصدون به كشف المعنى وتوضيح مراد المتكلم، وهذا التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد باطله ومثاله دعاء الرسول S لابن عباس رضي اللَّه عنهما: (اللَّهمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ) صحيح أخرجه أحمد في المسند برقم 2274، والحاكم في المستدرك برقم 6280، 3/615.
قال ابن القيم: (وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان ومنه قول ابن جرير وغيره القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا يريد تفسيره ومنه قول الإمام أحمد في كتابه في الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله فأبطل تلك التأويلات التي ذكروها وهي تفسيرها المراد بها وهو تأويلها عنده فهذا التأويل يرجع إلى فهم المعنى وتحصيله في الذهن والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج) .الصواعق المرسلة 1/ 178 .
وَثبت عن ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قال: (أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ). قال شارح الطحاوية في العقيدة السلفية: (. وَلَقَدْ صَدَقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَهُ وَقَالَ: « اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ . وَدُعَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُرَدُّ . قَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، أَقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا . وَقَدْ تَوَاتَرَتِ النُّقُولُ عَنْهُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْ آيَةٍ: إِنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ . وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي الْأُصُولِ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ قَدْ تَكَلَّمَ فِي مَعْنَاهَا أَكْثَرُ النَّاسِ) .
قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى 3 /55: (التأويل بمعنى التفسير هذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين فى التفسير واختلف علماء التأويل ومجاهد إمام المفسرين قال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهما فإذا ذكر انه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره) .
· صرف اللفظ من معنى إلى آخر بدليل .
ظهر للتأويل معنى جديد اشتهر في عرف المتأخرين من الفقهاء ورجال الأصول بمعنى صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى آخر بدليل من الكتاب والسنة .
ومن هذا الباب قوله تعالى : (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر:42) . فهو سبحانه يتوفاهم برسله الذين مقدمهم ملك الموت كما قال (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة:11).
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام:61) .
وكقوله تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (قّ:16) فهو سبحانه وتعالى هو وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد من حسنة وسيئة والهم فى النفس قبل العمل فقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض ولهذا قال فى تمام الآية إذ يتلقى المتلقيان فقوله إذ ظرف فأخبر أنهم اقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان ما يقول فهذا كله خبر عن الملائكة .
· صرف اللفظ من معنى إلى آخر بغير دليل .
وقد وجد الخلف من المعتزلة والمتكلمين الأشاعرة بغيتهم في هذا التأويل واستخدموه بدليل أو بغير دليل ليضفوا الشرعية على آرائهم ويبرروا تعطيلهم لأوصاف اللَّه U، فصرفوا معاني النصوص الظاهرة إلى معان ابتدعوها بغير دليل وقاموا بلي أعناق النصوص وذبحها بصورة لا تخفى على عاقل، فقالوا في الاستواء كما سبق: استيلاء وقهر هروبا من إثبات فوقية الله على خلقه، وقالوا: معنى في السماء أي عذابه وسلطانه، ومعني اليدين القدرة، ومعني الوجه الذات، ومعني المجيء مجيء الأمر، ومعني النزول نزول الرحمة، ومعني الرضي إرادة الإكرام والغضب إرادة الانتقام، والقدم مثل للردع والانزجار، وهكذا في أغلب الصفات حتى تشعر من أقوالهم بأن المتبادر إلي الذهن عند قراءة الكتاب والسنة معان باطلة واعتقادات فاسدة، وأنه كان ينبغي أن يكون القرآن الكريم وكلمات النبي Sفي الأحاديث بغير هذه الألفاظ حتى لا يتكلفوا مشقة صرف الكلام عن معناه وتأويله بغير دليل .
قال ابن تيمية: (وأما التأويل بمعنى: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح كتأويل من تأول: استوى بمعنى استولى ونحوه فهذا عند السلف والأئمة - باطل لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته، فلا يقال في مثل هذا التأويل: لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم بل يقال فيه: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) (يونس: 18) كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية كتأويل من تأول الصلوات الخمس: بمعرفة أسرارهم والصيام بكتمان أسرارهم والحج: بزيارة شيوخهم والإمام المبين: بعلي بن أبي طالب وأئمة الكفر: بطلحة والزبير والشجرة الملعونة في القرآن: ببني أمية واللؤلؤ والمرجان: بالحسن والحسين والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين: بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والبقرة: بعائشة وفرعون: بالقلب والنجم والقمر والشمس: بالنفس والعقل ونحو ذلك . فهذه التأويلات من باب التحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، ومثل هذه لا تُجعل حقا حتى يقال إن الله استأثر بعلمها، بل هي باطل مثل شهادة الزور... وأصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف الإعراض عن فهم كتاب الله تعالى كما فهمه الصحابة والتابعون ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه، وهذا هو من أعظم المحادة لله ولرسول لكن على وجه النفاق والخداع) .


· أنواع التأويلات الباطلة التي تخالف مقتضي اللغة وهي من التحريف :
[1] - كل تأويل لا يحتمله اللفظ في أصل وضعه وكما جرت به عادة الخطاب بين العرب ، كتأويلهم لفظ الأحد بأنه المجرد من الصفات أو هو الذي لا جزء له ولا قسيم له فإن هذا غير معروف في لغة العرب .
[2] - كل تأويل لا يحتمله اللفظ بحسب التركيب الخاص من تثنية وجمع وإن جاز أن يحتمله اللفظ في تركيب آخر كتأويلهم قوله تعالى : ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) (صّ:75) بأن اليدين هما القدرة أو النعمة ، فإن لفظ اليد مفردا وعند إطلاقه قد يحتمل أحد هذين المعنيين أما وهو في صيغة التثنية وفي هذا التركيب بالذات فإنه لم يرد في لغة العرب بهذا المعني .
[3] - كل تأويل لا يحتمله السياق المعين وإن جاز في غيره كتأويلهم قوله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (الأنعام:158) بأن إتيان الرب هنا معناه إتيان بعض آياته أو إتيان أمره فهذا التأويل لا يحتمله السياق بحال من الأحوال .
[4] - كل تأويل لا يؤلف استعمال اللفظ في ذلك المعني المراد في لغة المخاطب وإن كان مألوفا كاصطلاح خاص كتأويل لفظ الأفول بالحركة في قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) (الأنعام:76) فإن هذا غير معهود في لغة العرب البتة بل المعهود الأفول بمعني الغياب فلا يجوز حمل آية من القرآن عليه لأنه نوع من التلبيس .
[5] - التأويل الذي لا دليل عليه من سياق أو قرينة لأن هذا لا يقصده المتكلم الذي يريد في خطابه هدي الناس والبيان له.
ولا تغرنك الأشكال اللفظية المزخرفة بأنواع البديع وأجناس البيان التي حالوا بها ترويج ابتداعاتهم تحت ستار التأويل ولو حسنت نواياهم أو محاولتهم تهجين المعني الأصلي المسوقة له الآية وتقبيحه إلى نفس السامع كتسميتهم إثبات الصفات الإلهية كما يليق بجلال الله تشبيها وتمثيلا وتجسميا ، وكتسميتهم للعرش بالحيز أو الصفات بالأعراض ، وكقولهم : إن ربكم منزه عن الأعراض والأبعاض والتركيب والتجسيم .
ولا يشك مسلم أن الله منزه عن كل نقص وعيب وأنه موصوف بصفات الكمال التي وردت في كتاب الله وفي سنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، ولكن مراد هؤلاء أن يجعلوا أوصاف الكمال في القرآن وفي السنة دالة على غير ذلك من صفات النقص وإن كانت نيتهم التنزيه ، ومن أجل ذلك عطلوا ما دل عليه القرآن من نصوص الصفات ووقعوا في محاذير لا حصر لها .
· نتائج التأويل الباطل :
قال ابن القيم : (ومن أعظم آفات التأويل وجناياته أنه إذا سلط على أصول الإيمان والإسلام اجتثها وقلعها فإن أصول الإيمان خمسة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأصول الإسلام خمسة وهي كلمة الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فعمد أرباب التأويل إلى أصول الإيمان والإسلام فهدموها بالتأويل وذلك أن معقد هذه الأصول العشرة تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر فعمدوا إلى أجل الأخبار وهو ما أخبر به عن الله من أسمائه وصفاته ونعوت كماله فأخرجوه عن حقيقته وما وضع له وهذا القسم من الأخبار أشرف أنواع الخبر والإيمان به أصل الإيمان بما عداه واشتمال القرآن بل والكتب الإلهية عليه أكثر من اشتمالها على ما عداه وتنوع الدلالة بها على ثبوت مخبره أعظم من تنوعها في غيره وذلك لشرف متعلقة وعظمته وشدة الحاجة إلى معرفته وكانت الطرق إلى تحصيل معرفته أكثر وأسهل وأبين من غيره وهذا من كمال حكمة الرب تبارك وتعالى وتمام نعمته وإحسانه). الصواعق المرسلة 1/365 .
· مثال من أول شيئا من الشرع :
( ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي قصده الشرع مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو أكثرهم فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء الأعظم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمها الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة لم يرد به ذلك الدواء العام الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه وإنما أراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب وقال للناس هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأول ففسدت أمزجه كثير من الناس فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجه الناس من ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن بدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويتة وغيروها وبدلوها عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصود بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة مع الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه هو الذي قصده صاحب الشرع حتى تمزق كل ممزق وبعد جدا عن موضوعه الأول ولما علم صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال ص - ستفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله) .
· لوازم القول بالتأويل الباطل:
القول بالتأويل وصرف اللفظ عن ظاهره بدعوي أنه ليس مرادا يتضمن محالات كثيرة ولوازم باطلة منها على سبيل المثال لا الحصر :
[1 - أن يكون الرسول صلي الله عليه وسلم قد ترك الناس في ذلك بدون بيان للحق الواجب سلوكه ولم يهد الأمة بل رمز إليه رمزا وألغز ألغازا ومعلوم أنه ليس في الرمز والألغاز بيان .
[2 - أن يكون الرسول صلي الله عليه وسلم قد تكلم في هذا الباب باب الصفات بما ظاهره خلاف الحق ، ولم يتكلم في ذلك كلمة واحدة توافق مذهب الخلف المتكلمين من النفاة .
[3 - الطعن في القرآن الذي هو تبيان لكل شئ وهدي ورحمة وقول فصل ليس بالهزل وأن من قال به فقد هدي إلى صراط مستقيم ، وأين الهداية إذا كان ما يقوله المتأولون حقا ؟!
[4 - الطعن في وظيفة الرسول التي هي البلاغ والله وصفه بأنه قد بلغ البلاغ المبين ، وقد نزل قوله تعالى قبل وفاته صلي الله عليه وسلم : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (المائدة:3) فإذا كان حقا ما ذهب إليه المتأولون فأين كمال الدين وتمام النعمة ؟! بل أين البلاغ المبين وأين الهدي والبيان ؟!
هذا وقد وقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في وجه أولئك الذين سماهم بأهل التحريف والتبديل وقفة مسلم يغار على دينه ، فمن المحال أن يكون الرسول قد ترك الناس في هذا الأمر الأهم بلا بيان لما يجب اعتقاده حتى يأتي أمثال الخلف والعقول القاصرة من المتكلمين ليبينوا للناس ما نزل إليهم من ربهم .
ومحال أن يكون الرسول صلي الله عليه وسلم قد استعمل في خطابه ألفاظا لا يفيد ظاهرها إلا الإلحاد والضلال والتشبيه .
ومحال على من أرسله الله هاديا ومبينا أن يستعمل في خطابه رموزا وطلاسما لا يفهمها المخاطب ، فاللهم ثبتنا على صراطك المستقيم .
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني



1. درء تعارض العقل والنقل 5/234، والرسالة التدمرية 3/55 .
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 22-12-11, 04:20 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الثانية عشر

المحاضرة الثانية عشر
المحكم والمتشابه وحقيقة القول بالتفويض

· تعريف المحكم والمتشابه والتفويض لغة واصطلاحا .
المحكم لغة من الحكم والقضاء، والعلم والفقه، وهو مصدر حكم يحكم، والمحكم الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب، فعيل بمعنى مفعل أحكم فهو محكم، وعند البخاري : (وقال ابن عباس: ثم توفي رسول الله S وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم)(4748) .
يريد المفصل من القرآن لأنه لم ينسخ منه شيء، وقيل: هو ما لم يكن متشابها لأنه أحكم بيانه بنفسه ولم يفتقر إلى غيره .
والمتشابه لغة، الشبه ضرب من النحاس، يلقى عليه دواء فيصفر، وسمي شبها لأنه شبه بالذهب، وفي فلان شبة من فلان أي شبيهه، وتقول: شبهت هذا بهذا وأشبه فلان فلانا، وأشبه الشيء الشيء ماثله، والمشبهات من الأمور المشكلات تشابه الشيئان أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا، وشبه فلان علي إذا خلط واشتبه الأمر .
· المحكم والمتشابه في الاصطلاح:
يمكن بالتتبع والاستقراء حصر الآراء التي فسرت معنى المحكم والمتشابه في القرآن الكريم في الوجوه الآتية:
1- المحكم ما عرف تأويله، وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل .
2- المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما يحتمل وجوها، فإذا ردت إلى وجه واحد وأبطل الباقي، صار المتشابه محكما .
3- المحكم ناسخه وحرامه وحلاله وفرائضه وما نؤمن به ونعمل عليه، والمتشابه منسوخه وأمثاله وأقسامه وما نؤمن به ولا نعمل به .
4- المحكم الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له والمتشابه ما فيه تصريف وتحريف وتأويل .
5- المحكم ما كان قائما بنفسه، لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره، والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره .
· جميع القرآن المتشابه باعتبار.
وربما يطلق المتشابه كصفة مدح لجميع القرآن ولفظ المتشابه على هذا المعنى هو الوارد في قوله تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ِ) [الزمر:23] .
أما تبيان كيف أن المتشابه بهذا الإطلاق نعت كمال لجميع القرآن، فإنه من الجلي أن صوغ مادة التشابه في هذه الآية يقضى بأن الكتاب الكريم ذو أجزاء، كلها يشبه بعضها بعضا من حيث الصحة والإحكام، والبناء على الحق والصدق ومنفعته الخلق وتناسب ألفاظه وتناسقهما في التخير والإصابة، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت .
· جميع القرآن محكم باعتبار.
والتشابه بهذا المعنى الذي يعم جميع القرآن على نحو ما رأينا، لا يتنافى بحال مع وصف الإحكام المذكور في قول الله تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود:1 والذي يعم هو الآخر القرآن الكريم بأسره، بل يجب الأخد بكلا الوصفين جميعا في كتاب الله عز وجل دون أن يأتي كلام الحق في ذلك باطل من بين يديه أو من خلفه، وذلك بأن التناقض إنما يلزم إذا كان بين المادتين في هاتين الآيتين تقابل التضاد، وكيف وكل منهم صفة مدح، لا يمكن أن تدل على ما يضاد الأخرى، وإنما على ما يؤيدهما ويشد من أزرهما، وبانطوائهما معا في صفته شاهد صدقه وآية تنزيل رب العالمين .
وأما الإحكام فمعناه أن أي القرآن كلها قد نظمت نظما محكما لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى ولا من جهة الهدف والغاية، أو أنها أحكمت بالحجج والدلائل، أو جعلت حكمة، فنقول حُكِم إذا صار محكما، لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية، وإذن فالقرآن بهذا المعنى محكم في تشابهه، متشابه في إحكامه .
· القرآن فيه المحكم والمتشابه.
وقد يرد لفظ المتشابه في القرآن مقولا على بعض منه مخصوص، مقابلا وقسيما للبعض الآخر الذي يقال عليه وصف المحكم، وبحيث لا يجتمع هذان الوصفان المتقابلان في شيء واحد، وذلك ما جاء في قوله تعالى: (هُوَ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران:7] .
وهذا المعنى هو الذي ينصرف إليه لفظ المتشابه عند الإطلاق أو التجرد من القرينة، وإن الناظر في هذين الوصفين المتقابلين واللذين لا يصدق واحد منهما على ما يصدق عليه الآخر من القرآن، ليرى اختلافا عظيما بين العلماء في تبيان هذا المعنى، وهذا ما يهمنا في هذا البحث .
· التفويض لغة واصطلاحا:
فوض إليه الأمر صيره إليه وجعله الحاكم فيه، قال الله U: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ) [غافر:44] ، أي أتكل عليه.
وعند البخاري من حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مرفوعا: (اللهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ) أي رددته إليك .
والتفويض في النكاح التزويج بلا مهر، وقوم فوضى مختلطون، وقيل هم الذين لا أمير لهم، ولا من يجمعهم، وصار الناس فوضى أي متفرقين، وقوم فوضى أي متساوون لا رئيس لهم، ونعام فوضى أي مختلط بعضه ببعض .
أما التفويض في الاصطلاح، فهو زعم الخلف الأشعرية أن عقيدة السلف في الصفات الإلهية هو تفويض العلم بالمعنى لا الكيفية.
فبعد موت أبى الحسن الأشعري الذي أعلن اتباعه للمنهج السلفي في كتابه الإبانة عن أصول الديانة، ظن علماء الخلف من الأشعرية كالقاضي أبى بكر الباقلاني (ت:402هـ)، وأبى إسحاق الإسفراييني (ت:418هـ)، وأبى إسحاق الشيرازي (ت:476هـ)، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت:478هـ)، وفخر الدين الرازي (ت:606هـ)، وكأبى حامد الغزالي الصوفي (ت:505هـ)، والآمدي والإيجى وابن فورك والشهرستانى، وغيرهم من علماء الخلف الأشعرية، ظن هؤلاء أن مذهب السلف الصالح هو التفويض .
والتفويض عندهم هو القول بأن معنى النص مجهول، ولا يعلمه أحد من السلف، وأنهم فوضوا العلم به إلى الله U، أو ردوا العلم بالمعنى إلى الله لعدم علمهم به كالأعجمي حين ينظر إلى القرآن، والأمر ليس كذلك، فالسلف فوضوا العلم بالكيفية الغيبية إلى الله U، أو ردوا العلم بكيفية الصفات إلى الله، أما المعنى فهو معلوم واضح من دلالة اللغة العربية التي نزل بها القرآن .
وحجتهم في ذلك اعتقادهم الخاطئ أن النصوص القرآنية والنبوية في الغيبيات أو باب والصفات موهمة للتشبيه والجسمية، ومعانيها من المتشابهات ودون المحكمات .
وقد بقى الحال على هذا الفهم عند كثير من الناس حتى الآن، فأغلبهم يخطئون في فهم عقيدة الإمام مالك بن أنس رحمه الله، عندما سأله سائل وقال له: يا أبا عبد الله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه:5]، كيف استوى ؟! فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالا وأمر به فأخرج).
فقد ظنوا أن مالكا دعا إلى عدم التعرض للآيات بتفسير معناها، وإيجاب تفويض العلم بالألفاظ إلى الله، وأمر عقيدة السلف التي قررها الإمام مالك ليس كذلك فمعتقد الإمام مالك هو تفويض العلم بالكيفية إلى الله فقط، أما المعنى فهو معلوم ظاهر من لغة العرب ومراد من مفهوم الآية .
وهذا واضح بيِّن في كلامه حيث قال: الاستواء غير مجهول أي معلوم المعنى والكيف غير معقول أي مجهول للعقل البشرى بسبب عجزه عن إدراكه، ومن ثم لو قلنا كما قال الخلف من الأشعرية بأن مالكا فوض العلم بالمعنى لا الكيفية، فهذا يجعل السلف الصالح كالأعاجم والأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، كما ورد في قول الله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ) [البقرة:78] .
· العقيدة السلفية في فهم المعنى والكيفية وعلاقته بالمحكم والمتشابه .
لما قال علماء الخلف من الأشعرية بأن نصوص الصفات الإلهية موهمة للتشبيه والجسمية، تغير تبعا لذلك مفهوم المحكم والمتشابه عندهم وعند أتباعهم من معنى سلفي يعتبر المتشابه من القرآن آيات معلومات المعنى واضحات الدلالة، ظاهرها مراد في حق الله، وليس كمثله شيء في حقائقها، وأن المجهول فقط وهو كيفية الصفات الإلهية التي دلت عليها هذه الآيات، تغير مفهوم المتشابه عندهم إلى اعتبار تلك النصوص نصوصا تدل على ظاهر باطل محال، يحمل التشبيه والتجسيم ويجب صرفه عن الصورة المنفرة التي صورها لربهم، كل ذلك ليجعلوا الناس مؤيدين لآرائهم وأصولهم، مهيئين لقبول تأويلهم وتبديلهم .
ثم طرحوا بديلا آخر أمام الناس كخيار ينسبونه لعقيدة السلف، وهو القول بأن نصوص الصفات الإلهية معانيها معان مجهولة أعجمية، يفوض فيها الأمر والعلم إلى الله، ثم ألصقوا هذا الطرح بدعوى التسليم وعدم الخوض في توحيد الصفات كما كان شأن السلف، ومن هنا كان لابد من تحقيق الأمر في قضية المحكم والمتشابه وتجليته بصورة جديدة تبين حقيقة الفهم السلفي الصحيح .
يذكر أبو بكر الجصاص أن كلا من المحكم والمتشابه في القرآن الكريم ينقسم إلى معنيين، أحدهما يصح وصف القرآن بجميعه، والآخر إنما يختص به بعض القرآن دون بعض، قال الله تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود:1]. فوصف جميع القرآن في هذه الموضع بالإحكام.
وقال U: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله) [الزمر:23] .
فوصف جميعه بالمتشابه، ثم قال في موضع آخر: (هُوَ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران:7] .
فوصف بعضه هاهنا بأنه محكم وبعضه متشابه، والإحكام الذي عم به الجميع هو الصواب والإتقان اللذان يفضل بهما القرآن كل قول، وأما موضع الخصوص في قوله تعالى: (هُوَ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ فإن المراد به اللفظ الذي لا اشتراك فيه ولا يحتمل سامعه إلا معنى واحدا .
ويحاول أبو بكر الجصاص في كلامه السابق أن يبلور آراء الناس في المحكم والمتشابه، لأنهم اختلفوا اختلافا عظيما في قضية العلم بتأويل المتشابه بهذا الإطلاق الأخير، هل هو مقصور على الله تعالى، أو هو بحيث يتأتى للراسخين في العلم أيضا ؟
ومن أبرز المتشابه بهذا الإطلاق في القرآن ما يعرف لدى علماء الخلف والمتكلمين بآيات الصفات الخبرية، أو متشابه الصفات، كالآيات التي جاء فيها ذكر صفات الذات والأفعال، مثل الوجه واليد والجنب والفوقية، والاستواء والمجيء والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات الإلهية .
ويهمنا أن نبين مقدمة هامة مبنية على ما سبق من الآراء في المحكم والمتشابه فجميع تلك الأراء في معنى المحكم والمتشابه، تكاد تتمثل في أن المحكم هو المعلوم الواضح الذي يمكن تحديده وتمييزه، كتمييز الصورة في المرآة المصقولة عند تحديد معالمها وضبط ملامحها والتمكن من وصفها، فما لا يحتمل إلا وجها واحداً يصبح معلوما مميزا كما أن المتشابه عكس المحكم وهو المجهول الذي لا يعلم.
إما من التشابه والتماثل كقوله تعالى: (كَذَلِكَ قَالَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [البقرة:118]، أي أشبهت قلوب مشركى العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو.
إما من الاختلاط وعدم التمييز بين الأشياء كقول الله تعالى عن بنى إسرائيل: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ِ) [البقرة:70] .
وعلى المعنى السابق للمحكم والمتشابه سوف ننظر إلى الآية السابعة من آل عمران والتي هي محل بحثنا في قضية المحكم والمتشابه وأثرها هذه الرؤية على القول بالتفويض قال تعالى: (هُوَ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [آل عمران:7].
كثير من علماء الخلف الأشعرية يعتبرون معاني نصوص الصفات الإلهية من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله مستدلين بهذه الآية، وفي هذا نظر حيث يترتب على ذلك من اللوازم الباطلة ما لا يرضاه المسلم على كلام الله.
قال أبو محمد بن قدامة المقدسي: (وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن، وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعا لطريق الراسخين في العلم) لمعة الاعتقاد ص7.
وقال الشيخ أحمد الرفاعي معبرا عن فهمه في قضية المحكم والمتشابه: (فعاملوا الله بحسن النيات واتقوه في الحركات والسكنات وصونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة لأن ذلك من أصول الكفر، قال تعالى: (فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه) [آل عمران:7]والواجب عليكم وعلى كل مكلف في المتشابه، الإيمان بأنه من عند الله أنزله على عبده سيدنا رسول الله، وما كلفنا سبحانه وتعالى تفصيل علم تأويله، قال جلت عظمته: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران:7]، فسبيل المتقين من السلف تنزيه الله تعالى عما دل عليه ظاهره وتفويض معناه المراد منه إلى الحق تعالى وتقدس، وبهذا سلامة الدين).
فهؤلاء يدعون إلى ترك التأويل والبعد عن طريقة الخلف لعدم قناعتهم بها، لكن الطرح الذي يقدمونه لأتباعهم يزعمون فيه أن طريقة السلف هي الكف عن معاني نصوص الصفات ومنع البحث عن مدلول الآيات، ثم يجعلون ذلك سبيل المتقين ظنا منهم أن الظواهر تدل على التشبيه والمعاني الكفرية، فلا هم فهموا طريقة السلف ولا صوبوا طريقة الخلف .
وهؤلاء إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ) [البقرة:78]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات فهذا الظن الفاسد أوجب قولهم: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد تقولوا على طريقة السلف ولم يقتنعوا في قرارة أنفسهم بطريقة الخلف .
قال شارح الطحاوية في وصف حالهم في باب الصفات: (يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه إما أن يتأوله تأويلا يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدوا ما أنزله من معانيه وهو في معنى الكفر بذلك، لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال الله تعالى: (مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) [الجمعة:5]، وقال تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ) [البقرة:78] ، أي إلا تلاوة من غير فهم معناه، وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به واشتبه عليه بعضه، فوكل علمه إلى الله كما أمره النبي بقوله: فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه فامتثل ما أمر به ).
وسبب ذلك كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى - وهي التي يسمونها طريقة السلف - وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف - وهي التي يسمونها طريقة الخلف - فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل وتعطيل السمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه، فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله . مجموع الفتاوى 5/9.
· الفهم السلفي لمسألة المحكم والمتشابه التي وردت في آية آل عمران يتسم بالدقة
والحقيقة أن الفهم السلفي لمسألة المحكم والمتشابه التي وردت في آية آل عمران يتسم بالدقة ويتسق مع اعتقادهم في التوحيد لاسيما في توحيد الصفات، فهم لما آمنوا بصفات حقيقية جاءت بها الأدلة السمعية، وفرقوا بين فهم المعنى الذي حواه اللفظ العربي وفهم الكيفية وفقوا في تفسير المحكم والمتشابه .
فإذا كان المحكم هو المعلوم الواضح المعنى، وكان المتشابه عكس المحكم وهو المجهول الذي لا يعلم - على نحو ما تقدم - فإنهم يعتبرون معاني نصوص الصفات محكمات والكيفية الغيبية فقط من المتشابهات التي لا يعلمها إلا الله .
أما إذا كان معنى النص معلوما والكيفية التي دل عليها معلومة أيضا كانت الآية محكمة لأهل العلم على تفاوتهم في المعرفة والفهم كما هو الحال في جميع آيات الأحكام ولذلك - والله أعلم - سميت نصوص التكليف بما تحويه من أحكامٍ أحكاماً، لوضوح معناها والعلم بكيفية أدائها .
وإن كان المعنى معلوما والكيف مجهولا كان النص محكم المعنى متشابه الكيف وإذا قيل في عرف السلف هذا النص متشابه، فيحمل على هذا المعنى أي أنه متشابه باعتبار الكيف لا المعنى، كما قال الإمام أحمد (ت:241هـ): (فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله U: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ) [القصص:88]، ونحو هذا من متشابه القرآن) العقيدة رواية أبي بكر الخلال.
وكما روى أبو القاسم بسنده عن سليمان بن يسار، أن رجلا من بني غنيم يقال له صبيغ بن عسل، قدم المدينة وكانت عنده كتب، فجعل يسأله عن متشابه القرآن فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه، وقد أعد له عراجين النخيل، فلما دخل عليه جلس قال: من أنت؟، قال: أنا عبد الله صبيغ، قال عمر: وأنا عبد الله عمر، وأومأ عليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه وجعل الدم يسيل عن وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب الذي أجد في رأسي .
ويقول ابن بطة العكبري (ت: 378هـ): (فالجهمي ينكر أن المؤمنين يرون ربهم في القيامة، فإذا سئل عن حجته في ذلك نزع بآيات من متشابه القرآن) .
فهؤلاء جميعا يقصدون بمتشابه القرآن، ما يؤدى الخوض فيه إلى الضلال من جهة التجهم على وصف الغيبيات وتصوير ما فيها من الكيفيات، وتمثيلها من خلال الأقيسة التي تحكم سائر المخلوقات أو القول بتعطيل الصفات، وتأويلها على غير مراد الله من الآيات، والنتيجة التي نصل إليها من هذه الرؤية أن القرآن جميعه محكم المعنى لقوله تعالى عن جميع آيات القرآن:(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود:1] ، أي أحكمت باعتبار المعنى فليس في القرآن كلام بلا معنى، أما من جهة الكيفية التي دلت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فبعضها محكم معلوم، وبعضها متشابه مجهول، وهذا المقصود بقول الإمام مالك رحمه الله: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول )، وهو المعنى المشار إليه في قول الله تعالى:(هُوَ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران:7]،فلو سأل سائل عن استواء الله في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه:5]، هل هو من المحكمات أم من المتشابهات ؟ قيل له: الاستواء محكم المعنى متشابه الكيف .
فما عاينه الإنسان من الكيفيات التي تتعلق بالمخلوقات، والتي دلت عليها ألفاظ الآيات ككيفية أداء الصلاة والزكاة والصيام وأفعال الحج وما شابه ذلك، فهذا محكم المعنى والكيفية، فلو سأل مسلم أعجمي لا يعرف العربية عن معنى الصلاة في قوله تعالى: (الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرة:3] لقيل له بلسانه: الصلاة أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فيسأل عن كيفية أدائها ؟ فيقال له: أمرنا رسول الله S بأن نحاكيه تماما في الكيفية فقال مبينا ذلك في بعض الأحاديث النبوية: (وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) البخاري (602).
أما إذا كان المعنى معلوما والكيف الذي دل عليه المعنى مجهولا كانت الآية من المتشابه باعتبار الكيف لا المعنى، كما في جميع الأخبار والنصوص التي وردت في وصف عالم الغيب ؛ فالجنة مثلا سمعنا عن وجود ألوان النعيم فيها وأخبرنا الله بذلك في كتابه وسنة نبيه S، وعلى الرغم من ذلك قال رسول الله S عن كيفية ألوان النعيم فيها:
(قَالَ اللهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17]البخاري (3072).
فتأمل قوله: (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت) ماذا يعنى ؟ هل يعنى معنى الآيات والنصوص التي وردت عن وصف الجنة أم الكيفية التي دلت عليها ؟ فإن قيل المعنى: فخطأ لأننا سمعنا به في الكتاب والسنة وفهمناه، كما أن المعنى لا يرى بعين البصر وإنما يدرك بعين البصيرة، وإن قيل: الكيف فصواب لأننا لم نره ولم نر له مثيلا .
فالمتشابه كيفية الموجودات في الجنة لا المعنى الذي يدل عليها، وعلى ذلك فجميع آيات الصفات محكمة المعنى متشابهة في الكيفية فقط، فلا يدخل في المتشابه معاني الآيات التي وصف الله بها نفسه، كما اعتقد الخلف ذلك في مذهب السلف وإلا لكانت الآيات بلا معنى، وكانت ألفاظها معطلة عن الهداية والبيان، فقوله تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران:7]، أي باعتبار الكيف لا المعنى .
وجميع آيات القرآن لها معنى معلوم عند الراسخين في العلم حسب اجتهادهم في تحصيله، وعليه جاء قول عبد الله بن عباس t في آية آل عمران: (أنا من الراسخين في العلم) .
فالمتشابه هو الذي استأثر الله بعلمه من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا هو والتي أخبرنا بها في كتابه، ومن ثم فإن القرآن كله محكم باعتبار المعنى الذي دل عليه اللفظ وباعتبار الكيفية ففيه المحكم والمتشابه، قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله معقبا على قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص:29] :
(وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات، وما لا يعقل له معنى لا يتدبر) ، وقال أيضا في قوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24]، (فلم يستثن شيئا منه نهي عن تدبره، والله ورسوله S إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه الله، بل أمر بذلك ومدح عليه).
وقد ذكر رحمه الله أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله أو قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين، أن في القرآن آيات لا تعلم معناها ولا يفهمها رسول الله S، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض الناس وهذا لا ريب فيه .
شكل توضيحي
اللفظ العربي أو النص
الذي نزل به القرآن
معاني الألفاظ
التي يستوعبا الذهن
الحقائق والكيفيات
التي دلت عليها الألفاظ
النص المتعلق بالمخلوق في عالم الشهادة من جهة الإحكام والتشابه
معلومة
محكمة
موجودة
معلومة محكمة
النص المتعلق بعالم الغيب وأوصاف الله من جهة الإحكام والتشابه
معلومة
محكمة
موجودة
مجهولة متشابهة
ويذكر ابن القيم أننا لو قلنا كما قال الخلف: إن قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ) [آل عمران:7]يتناول المعنى، يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الصحابة والتابعون لهم بإحسان، بل يقرؤون كلاما لا يعقلون معناه، فهم متناقضون أفحش تناقض، فإنهم يقولون النصوص تجري على ظاهرها وتأويلها باطل ثم يقولون لها تأويل لا يعلمه إلا الله .
وقول هؤلاء باطل فإن الله سبحانه أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله، وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور، وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال، واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان.
وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، فإن التأويل في عرف السلف المراد به الحقيقة التي يؤول إليه الكلام، كالتأويل في مثل قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) [الأعراف:53وكقوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) [يوسف:100فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به والمنهي عنه، تأويله تنفيذه، كما قالت عائشة رضي الله عنها: (كَانَ النَّبِيُّ S يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) .
وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو وقوعة، وهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها، وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولهذا قال مالك وربيعة: (الاستواء معلوم والكيف مجهول).
وفي رده على الخلف في زعمهم أن آيات الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله، يذكر ابن القيم أن التشابه والإحكام نوعان، تشابه وإحكام يعم الكتاب كله وتشابه وإحكام يخص بعضه دون بعض، فإن أردتم بتشابه آيات الصفات النوع الأول فنعم هي متشابهة غير متناقضة يشبه بعضها بعضا وكذلك آيات الأحكام، وإن أردتم أنه يشتبه المراد بها بغير المراد، فهذا وإن كان يعرض لبعض الناس فهو أمر نسبي إضافي فيكون متشابها بالنسبة إليه دون غيره، ولا فرق في هذا بين آيات الأحكام وآيات الصفات، فإن المراد قد يشتبه فيهما بغيره على بعض الناس دون بعض، وقد تنازع الناس في المحكم والمتشابه تنازعا كثيرا ولم يعرف عن أحد من الصحابة قط أن المتشابهات آيات الصفات بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم، وهم لا يتنازعون في شيء منها وآيات الأحكام هي المحكمة وقد وقع بينهم النزاع في بعضها ؟ .
والمقصود أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاما لا معنى له، و لا يجوز أن يكون الرسول S وجميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ، سواء كان مع هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون، أو كان للتأويل معنيان يعلمون أحدهما ولا يعلمون الآخر .
· توجيه الوقف في الآية السابعة من آل عمران:
وعلى هذا المنهج السلفي لفهم المحكم والمتشابه يمكن تفسير آية آل عمران، بأن الله يخبر أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، سواء من جهة المعنى أو الكيفية، وهي أصل الدين وقوام العبودية وتتمثل في الأحكام الشرعية الدينية، فلا بد من وضوحها وبيان معانيها ولا بد من وصف كيفيتها لسائر الناس دون اشتباه أو التباس، فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع خصوم الباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه .
وفي هذا يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به) وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به.
وأخر متشابهات كآيات الصفات من حيث اشتراك الألفاظ والكلمات عند تجردها عن الإضافة والتخصيص والتركيب لا من حيث المعنى المراد، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق ولهذا قال الله تعالى: (فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ِ) إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه أي تحريفه على ما يريدون .
روى البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أنها قَالَتْ: (تَلا رَسُولُ اللهِ S هَذِهِ الآيَةَ:(هُوَ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) [آل عمران:7]قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ S: فَإِذَا رَأَيْتِ الذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكِ الذِينَ سَمَّي اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ).
وقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ)يجب الوقف هاهنا إذا كان المقصود هو العلم بكيفية الحقائق الغيبية وكيفية الصفات الإلهية، فلا يعلم ذلك إلا الله، ويجوز الوقف على قوله سبحانه: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)إذا كان المقصود هو العلم بمعاني الآيات القرآنية سواء المتعلقة بالخالق أو المخلوق وكذلك كيفية أداء الأحكام الشرعية أو كيفية ما دلت عليه الآيات في الإخبار عن سائر المخلوقات في الدنيا .
قال ابن كثير: (وأما إن أريد بالتأويل التفسير والبيان والتعبير عن الشيء فالوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه) .
· أمثلة معاصرة على اعتقاد الخلف أن مذهب السلف هو التفويض .
1- قال صاحب جوهرة التوحيد رحمه الله:
وكل نص أوهم التشبيه : أوله أو فوِّض ورم تنزيها
ويذكر شارح الجوهرة تحت هذا البيت في قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [الفجر:22] وحديث الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ S قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُل لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ الليْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) يقول: فالسلف يقولون: مجيء ونزول لا نعلمه).
ادعى الناظم والشارح معا أن مذهب السلف الصالح هو تفويض المعنى، وهذا باطل لأنه جعل كلام الله بلا معنى، وجعل السلف بمنزلة الجهلة الذين خاطبهم الله بالألغاز والأحاجي وما لا يفهم معناه، ولا يعقل أن نسمع رجلا أجنبيا يتحدث بلغة لا نفهمها، ولا نعلم لسان أهلها، ثم نقول بعد سماعنا له: كلامك جيد، ووصفك سليم، وكلامك ليس فيه باطل، ونحن نصدق كل ما تقول !
وإذا كان هذا مستقبحا بين البشر فكيف نقبله في كلام الله U ؟! فالسلف لم يقولوا: مجيء ونزول لا نعلمه، كما ادعى شارح الجوهرة، وإنما قالوا: مجيء ونزول لا نعلم كيفيته، وفرق بينهما عظيم .
2 - قال الشيخ أمين محمود خطاب عن نصوص الصفات: (إن السلف فوضوا علم المراد منها إلى الله تعالى . فقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، يقول فيه السلف، هو مصروف عن ظاهره، ويفوضون علم المراد منه إلى الله)الفتاوى الأمينية ص97.
والسلف الصالح ما قالوا هذا، وإنما قالوا في الآية: هي على ظاهرها والمعنى معلوم واضح، والمجهول هو الكيف فقط، ولكن الأشعرية ظنوا أن الظاهر منها يتحتم أن يكون الظاهر من استواء بلقيس على عرشها، ولو سئل أحدهم: هل رأيت استواء بلقيس ؟ فيقول: لا، يقال له: وهل رأيت له مثيلا ؟ فيقول: نعم فيقال عند ذلك: معنى استواء بلقيس معلوم، وكيفية استوائها معلومة أيضا من رؤيتك للمثيل، لكن إذا سئل: هل رأيت استواء الله ؟ فيقول: لا، فيقال: وهل رأيت له مثيلا ؟ فيقول (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]، فيقال له: كيف حكمت أن الظاهر في استواء الله يماثل الظاهر في استواء بلقيس ؟ أليس هذا قول على الله بلا علم ؟ إنما يكفي أن القول إن معنى استواء الله معلوم، وهو العلو والارتفاع، وكيفية استوائه معلومة لله مجهولة لنا .
3 - ما ذكره الشيخ إبراهيم الدسوقي في مقالته عن قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) وآراء العلماء في المتشابه إذ يقول: فذهب السلف إلى التفويض في المعنى الذي أراده الله تعالى، بعد الإيمان به والتنزيه عن الظاهر المستحيل .. ثم ينسب ذلك إلى الأئمة الأربعة وأنهم يدينون لله بهذه العقيدة.
هؤلاء جميعا مع فضلهم وحسن ظننا بهم، ظنوا أن اعتقاد السلف الصالح هو التفويض، وعند التحقيق نجد الأمر يمكن في إثباتهم للصفة من عدمه، فهل استواء الله علي عرشه حقيقة موجودة ولها كيفية ؟ أم أنهم لا يؤمنون بهذه الحقيقة الغيبية ؟ فلا خلاف بين السلف في وجود كيفية حقيقية للاستواء، وإنما الخلاف بين السلف ومخالفيهم من الأشعرية وغيرهم، في ادعائهم جهل السلف بمعنى الاستواء وتفويض العلم به إلى الله، فالكيفية لها وجود حقيقي معلوم لله ومجهول لنا .
ومن ثم فالقول بأن الاستواء غير معلوم، أو لا نعلمه، أو نجهله، قول باطل وكذلك القول بأن معنى الاستواء غير معلوم قول باطل أيضا، أما القول بأن كيفية الاستواء فقط غير معلومة، أو مجهولة لنا، فهو الحق الذي دلت عليه الأدلة .
· أثر عقيدة التفويض في الدعوة إلى عدم الكلام في توحيد الصفات:
نظرا لأن بعض المنتسبين لمذهب الخلف قد يواجهون بقوة عند قولهم بتأويل نصوص الصفات لاسيما إذا كان التأويل أقرب إلى التحريف، فإنهم يتملصون من مواجهة الحق بدعوى السكوت وعدم الخوض في المتشابه كما هو حال السلف، أو زعمهم أن مسائل الصفات لا يترتب عليها عمل ولا سلوك، فيكفينا المحكم من القرآن والسنة وما يدعوا إلى تأليف القلوب، وهذه دعوة قديمة منذ أن ظهرت عقيدة التفويض ولم يدرك كثير من الناس ما عليه السلف.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قول القائل: لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها، إما أن يريد بذلك أنه لا تتلى هذه الآيات وهذه الأحاديث عند عوام المؤمنين، فهذا مما يعلم بطلانه بالاضطرار من دين المسلمين، بل هذا القول إن أخذ على إطلاقه فهو كفر صريح، فإن الأمة مجمعة على ما علموه بالاضطرار من تلاوة هذه الآيات في الصلوات فرضها ونفلها واستماع جميع المؤمنين لذلك، وكذلك تلاوتها وإقرائها واستماعها خارج الصلاة هو من الدين الذي لا نزاع فيه بين المسلمين، وكذلك تبليغ الأحاديث في الجملة هو مما اتفق عليه المسلمون وهو معلوم بالاضطرار من دين المسلمين، إذ ما من طائفة من السلف والخلف إلا ولا بد أن تروي عن النبي S شيئا من صفات الإثبات أو النفي، فإن الله يوصف بالإثبات وهو إثبات محامده بالثناء عليه وتمجيده، ويوصف بالنفي وهو نفي العيوب والنقائص عنه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا .
وأما أن يريد أنه لا يقال حكمها كذا وكذا إقرارا أو تأويلا أو غير ذلك فإن أراد هذا فينبغي لقائل ذلك أن يلتزم ما ألزم به غيره، فلا ينطق في حكم هذه الآيات والأحاديث بشيء، ولا يقول الظاهر مراد أو غير مراد ولا التأويل سائغ، ولا هذه النصوص لها معان أخر ونحو ذلك، إذ هذا تعرض لآيات الصفات وأحاديثها على هذا التقدير، وإذا التزم هو ذلك وقال لغيره التزم ما التزمته ولا تزد عليها ولا تنقص منها فإن هذا عدل، بخلاف ما إذا نهي غيره عن الكلام عليها مع تكلمه هو عليها كما هو الواقع .
وكذلك قوله ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها، إن أراد أنها أنفسها لا تكتب ولا يفتى بها فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام كما تقدم، وإن أراد لا يكتب بحكمها ولا يفتي المستفتي عن حكمها، فيقال له فعليك أيضا أن تلتزم ذلك ولا تفتي أحدا فيها بشيء من الأمور النافية، وحينئذ يكون أمرك لغيرك بمثل ما فعلته عدلا، أما أن يجيء الرجل إلى هذه النصوص فيتصرف فيها بأنواع التحريفات والتأويلات جملة أو تفصيلا، ويقول لأهل العلم والإيمان أنتم لا تعارضوا ولا تكلموا فيها فهذا من أعظم الجهل والظلم والإلحاد في أسماء الله وآياته .
كما أن سلف الأمة وأئمتها ما زالوا يتكلمون ويفتون ويحدثون العامة والخاصة بما في الكتاب والسنة من الصفات، وهذا في كتب التفسير والحديث والسنن أكثر من أن يحصيه إلا الله .
وقد قيل إن مالكا لما صنف الموطأ قال: جمعت هذا خوفا من الجهمية أن يضلوا الناس، لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل .
· أسباب القول بالتفويض .
يمكن إجمال الأسباب الداعية للقول بالتفويض في الأمور التالية:
أولا: الأصول العقلية المستمدة من الفلسفة اليونانية كقولهم بنفي حلول الحوادث ليتوصلوا إلى تعطيل الصفات الفعلية كالاستواء والنزول والرضا والغضب، وقولهم بنفي الجسمية ليتوصلوا إلى تعطيل الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرها، وقولهم بنفي التحيز والجهة ليتوصلوا إلى تعطيل العلو والفوقية .
ثانيا: من الأسباب الرئيسية أيضا دعوى الخوف على عقائد العوام، وإلزام قطاع كبير من المسلمين بانتحال هذه المذاهب، كتبني بعض المؤسسات التعليمية لهذا الأمر، كما قال صاحب جوهرة التوحيد:
وكل نص أوهم التشبيه : أوّله أو فوِّض ورم تنزيها
فيدعى أن مذهب السلف الصالح هو التفويض، ومن ثم يشب طالب العلم من مهده على ذلك وهو لا يعرف غير هذا الاعتقاد حتى يصبح أستاذا كبيرا في الجامعة أو مدرسا في المادة يدافع عما درسه بقوة ظنا منه أنه على شيء، وإذا ظهر لهم الحق في هذا الموضوع فقل من لا تأخذه عزة المكانة، فيتراجع عن عقيدته ليلحق في ركب السلف .
ثالثا: تقليد بعض المشاهير الذين تبنوا القول بالتفويض عن حسن نية، كتبني بعض الجماعات الإسلامية لعقيدة مؤسسيها دون نظر أو تمحيص، ومحاولتهم الخلط بين قضية التفويض ومذهب السلف .
رابعا: الجهل بمذهب السلف من ناحية وانعدام القناعة بالمذهب الأشعري من ناحية أخرى، إذ أن الخلف من الأشعرية وغيرهم قاموا بلىّ أعناق النصوص بصورة لا تخفي على عاقل، فأغلبهم لا يقر في نفسه تفسير الاستواء بالاستيلاء والقهر والغلبة، وإذا أقر به على مضد أقر به ليتملص من إثبات صفة الاستواء التي ظاهرها عنده باطل قبيح، فإذا خلا بنفسة تردد على ذهنه سؤال لا يفارقه، ومن الذي نازع الله على العرش حتى قهره واستولى عليه ؟! فلا يجد جوابا شافيا فيُرضى نفسه بالسكوت والتفويض وترك الأمر برمته مدعيا أن هذا مذهب السلف .
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 22-12-11, 04:23 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الثالثة عشر

المحاضرة الثالثة عشر
حقيقة التفويض وأثرها على فهم علم التوحيد
· أسباب القول بالتفويض .
يمكن إجمال الأسباب الداعية للقول بالتفويض في الأمور التالية:
أولا: الأصول العقلية المستمدة من الفلسفة اليونانية كقولهم بنفي حلول الحوادث ليتوصلوا إلى تعطيل الصفات الفعلية كالاستواء والنزول والرضا والغضب، وقولهم بنفي الجسمية ليتوصلوا إلى تعطيل الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرها، وقولهم بنفي التحيز والجهة ليتوصلوا إلى تعطيل العلو والفوقية .
ثانيا: من الأسباب الرئيسية أيضا دعوى الخوف على عقائد العوام، وإلزام قطاع كبير من المسلمين بانتحال هذه المذاهب، كتبني بعض المؤسسات التعليمية لهذا الأمر، كما قال صاحب جوهرة التوحيد:
وكل نص أوهم التشبيه: أوّله أو فوِّض ورم تنزيها
فيدعى أن مذهب السلف الصالح هو التفويض، ومن ثم يشب طالب العلم من مهده على ذلك وهو لا يعرف غير هذا الاعتقاد حتى يصبح أستاذا كبيرا في الجامعة أو مدرسا في المادة يدافع عما درسه بقوة ظنا منه أنه على شيء، وإذا ظهر لهم الحق في هذا الموضوع فقل من لا تأخذه عزة المكانة، فيتراجع عن عقيدته ليلحق في ركب السلف .
ثالثا: تقليد بعض المشاهير الذين تبنوا القول بالتفويض عن حسن نية، كتبني بعض الجماعات الإسلامية لعقيدة مؤسسيها دون نظر أو تمحيص، ومحاولتهم الخلط بين قضية التفويض ومذهب السلف .
رابعا: الجهل بمذهب السلف من ناحية وانعدام القناعة بالمذهب الأشعري من ناحية أخرى، إذ أن الخلف من الأشعرية وغيرهم قاموا بلىّ أعناق النصوص بصورة لا تخفي على عاقل، فأغلبهم لا يقر في نفسه تفسير الاستواء بالاستيلاء والقهر والغلبة، وإذا أقر به على مضد أقر به ليتملص من إثبات صفة الاستواء التي ظاهرها عنده باطل قبيح، فإذا خلا بنفسة تردد على ذهنه سؤال لا يفارقه، ومن الذي نازع الله على العرش حتى قهره واستولى عليه ؟! فلا يجد جوابا شافيا فيُرضى نفسه بالسكوت والتفويض وترك الأمر برمته مدعيا أن هذا مذهب السلف .
· لوازم القول بالتفويض:
يجب على العقلاء من المسلمين التنبه إلى خطورة القول بالتفويض وسلب كلام الله عن معناه، أو محاولة تقبيح إثبات الصفات في نفس السامع تحت مسمى التجسيم وإثبات الأعضاء والجوارح لله U، لأن القول بالتفويض يؤدى إلى إلزامات قبيحة يتمثل أبرزها فيما يلي:
1 ـ أن القرآن ملئ بالحشو الذي لا فائدة منه مما يحتم حذفه ليوصف بالكمال وهذا باطل لقوله تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت:42 .
2 أن الله خاطب عباده بالألغاز والأحاجي وهو قادر على عكس ذلك وهذا باطل لأنه يؤدى إلى القول بأن كلام الله بلا معنى، فقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) النحل:103، وقال U: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر:23، فوصف كلامه بأنه أحسن الحديث .
3 - أن الرسول S بلغ ما لا يعلم ولم يفهم ما جاء في التنزيل وهذا باطل لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إبراهيم:4 .
4 - أن الصحابة خدعوا أنفسهم بادعائهم الفهم وموافقة النبي S في إيمان لا يعلمون حقيقته وهذا باطل لقوله تعالى عنهم: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الأنفال:74، ولقوله U: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الأنفال:2، فكيف يزدادون إيمانا بتلاوة ما ليس له معنى ؟ .
5 - أن القول بالتفويض يلزم منه أن ظاهر النصوص يحمل معنى مستهجن يخاف المفوض من مواجهته وهذا باطل لأن الله U أمرنا بتدبر آياته وفهمها في حدود مدركاتنا، فقال جل ذكره: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) النساء:82.
وفي الحقيقة إن القول بالتفويض ما هو إلا محاولة للهروب من مواجهة الأدلة لقوة ما ورد فيها من إثبات الصفات .
· أثر عقيدة التفويض في الدعوة إلى عدم الكلام في توحيد الصفات:
نظرا لأن بعض المنتسبين لمذهب الخلف قد يواجهون بقوة عند قولهم بتأويل نصوص الصفات لاسيما إذا كان التأويل أقرب إلى التحريف، فإنهم يتملصون من مواجهة الحق بدعوى السكوت وعدم الخوض في المتشابه كما هو حال السلف، أو زعمهم أن مسائل الصفات لا يترتب عليها عمل ولا سلوك، فيكفينا المحكم من القرآن والسنة وما يدعوا إلى تأليف القلوب، وهذه دعوة قديمة منذ أن ظهرت عقيدة التفويض ولم يدرك كثير من الناس ما عليه السلف.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قول القائل: لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها، إما أن يريد بذلك أنه لا تتلى هذه الآيات وهذه الأحاديث عند عوام المؤمنين، فهذا مما يعلم بطلانه بالاضطرار من دين المسلمين، بل هذا القول إن أخذ على إطلاقه فهو كفر صريح، فإن الأمة مجمعة على ما علموه بالاضطرار من تلاوة هذه الآيات في الصلوات فرضها ونفلها واستماع جميع المؤمنين لذلك، وكذلك تلاوتها وإقرائها واستماعها خارج الصلاة هو من الدين الذي لا نزاع فيه بين المسلمين، وكذلك تبليغ الأحاديث في الجملة هو مما اتفق عليه المسلمون وهو معلوم بالاضطرار من دين المسلمين، إذ ما من طائفة من السلف والخلف إلا ولا بد أن تروي عن النبي S شيئا من صفات الإثبات أو النفي، فإن الله يوصف بالإثبات وهو إثبات محامده بالثناء عليه وتمجيده، ويوصف بالنفي وهو نفي العيوب والنقائص عنه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا .
وأما أن يريد أنه لا يقال حكمها كذا وكذا إقرارا أو تأويلا أو غير ذلك فإن أراد هذا فينبغي لقائل ذلك أن يلتزم ما ألزم به غيره، فلا ينطق في حكم هذه الآيات والأحاديث بشيء، ولا يقول الظاهر مراد أو غير مراد ولا التأويل سائغ، ولا هذه النصوص لها معان أخر ونحو ذلك، إذ هذا تعرض لآيات الصفات وأحاديثها على هذا التقدير، وإذا التزم هو ذلك وقال لغيره التزم ما التزمته ولا تزد عليها ولا تنقص منها فإن هذا عدل، بخلاف ما إذا نهي غيره عن الكلام عليها مع تكلمه هو عليها كما هو الواقع .
وكذلك قوله ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها، إن أراد أنها أنفسها لا تكتب ولا يفتى بها فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام كما تقدم، وإن أراد لا يكتب بحكمها ولا يفتي المستفتي عن حكمها، فيقال له فعليك أيضا أن تلتزم ذلك ولا تفتي أحدا فيها بشيء من الأمور النافية، وحينئذ يكون أمرك لغيرك بمثل ما فعلته عدلا، أما أن يجيء الرجل إلى هذه النصوص فيتصرف فيها بأنواع التحريفات والتأويلات جملة أو تفصيلا، ويقول لأهل العلم والإيمان أنتم لا تعارضوا ولا تكلموا فيها فهذا من أعظم الجهل والظلم والإلحاد في أسماء الله وآياته .
كما أن سلف الأمة وأئمتها ما زالوا يتكلمون ويفتون ويحدثون العامة والخاصة بما في الكتاب والسنة من الصفات، وهذا في كتب التفسير والحديث والسنن أكثر من أن يحصيه إلا الله .
وقد قيل إن مالكا لما صنف الموطأ قال: جمعت هذا خوفا من الجهمية أن يضلوا الناس، لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل .

· مثال تطبيقي على فهم حقيقة التفويض عند السلف والخلف:
قال ابن رجب (وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الامة: فهي الكف عن الكلام في ذلك من الطرفين، وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها والتمثيل .
وقد قال الخطابي في الأعلام: مذهب السلف في أحاديث الصفات: الإيمان، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها .
ومن قال: الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران: ظاهر يليق بالمخلوقين ويختص بهم، فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام، فهو مراد، ونفيه تعطيل .
ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية الذي يحسن به الظن المتكلمون: إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني، والمعاني محدثة كالأجسام، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات .
وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول . وأما أهل العلم والايمان، فيعلمون أن ذلك كله متلقى مماجاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهرة كفر أو تشبيه، أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله، فإنه حق وصدقٍ، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته .
وما أشكل فهمه من ذلك، فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم، أنهم يقولون عند المتشابهات: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) آل عمران:7 . وما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في متشابه الكتاب، أنه يرد إلى عالمه، والله يقول الحق ويهدي السبيل . وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل .
سأل رجل الحسن عن شيء من صفة الرب عز وجل، فقال: أمروها بلا مثال .وقال وكيع: أدركت إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعراً يحدثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئاً . وقال الأوزاعي: سُئل مكحول والزهري عن تفسير هذه الأحاديث، فقالا: أمرها على ما جاءت . وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالكاً وسفيان وليثاً عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن،فقالوا: أمروها بلا كيف .وقال ابن عيينة: ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره، ليس لأحد أن يفسره إلا الله عز وجل .وكلام السلف في مثل هذا كثير جداً . وقال أشهب: سمعت مالكاً يقول: إياكم وأهل البدع، فقيل: يا أبا عبد الله: وما البدع ؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان) .
قال العبد الفقير إلى الله تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي: (اعلم أن من المتشابهات آيات الصفات التي التأويل فيها بعيد فلا تؤول ولا تفسر وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها فقد روى الإمام اللالكائي الحافظ عن محمد بن الحسن قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه وقد روى اللاكائي أيضا في السنة من طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى طه 5 الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعه والبحث عنه كفر وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبيل الرأي وقال الإمام الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري وابن المبارك ومالك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم وذكرت في كتابي البرهان في تفسير القرآن عند قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام البقرة 210 وبعد أن ذكرت مذاهب المتأولين أن مذهب السلف هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى) .
انظر أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات .

· التفوض آخر مهرب لتقديم العقل على النقل.

قال ابن أبي العز: وهذا حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك كما قال ابن رشد الحفيد وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه تهافت التهافت : ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به ؟ وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر وكذلك الغزالي رحمه الله انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فمات و وصحيح الإمام البخاري على صدره وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي قال في كتابه الذي صنفه : أقسام اللذات :
(نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال)
(وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال)
(ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه : قيل وقالوا)
(فكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا)
(وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال)
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات : (الرحمن على العرش استوى) (إليه يصعد الكلم الطيب) وأقرأ في النفي : (ليس كمثله شيء) (ولا يحيطون به علما) ثم قال : ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي
وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم حيث قال :
(لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم)
(فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم)
وكذلك قال أبو المعالي الجويني : يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به وقال عند موته : لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي أو قال : على عقيدة عجائز نيسابور وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي لبعض الفضلاء وقد دخل عليه يوما فقال : ما تعتقده ؟ قال : ما يعتقده المسلمون فقال : وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به ؟ أو كما قال فقال : نعم فقال : أشكر الله على هذه النعمة لكني والله ما أدري ما أعتقد والله ما أدري ما أعتقد والله ما أدري ما أعتقد وبكى حتى أخضل لحيته و لابن أبي الحديد الفاضل المشهور بالعراق :
(فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري)
(سافرت فيك العقول ... فما ربحت إلا أذى السفر)
وقال آخر : أضطجع على فراشي وأضع اللحفة على وجهي وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي منها شيء
ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق كما قال أبو يوسف : من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب غريب الحديث كذب وقال الشافعي رحمه الله : حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقال : لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ماظننت مسلما يقوله ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه - ما خلا الشرك بالله - خير له من أن يبتلى بالكلام انتهى
وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز فيقر بما أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كان يقطع بها ثم تبين له فسادها أو لم يتبين له صحتها فيكونون في نهاياتهم - إذا سلموا من العذاب - بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب
والدواء النافع لمثل هذا المرض ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله - إذا قام من الليل يفتتح الصلاة - : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم خرجه مسلم توجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه إذ حياة القلب بالهداية وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة : فجبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها فالتوسل الى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب والله المستعان.
شرح العقيدة الطحاوية 208
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 22-12-11, 04:25 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الرابعة عشر

المحاضرة الرايعة عشر
القول في الذات كالقول
في الصفات والقول في الصفات كالقول في بعض
lالقاعدة الرابعة هي الإيمان بما جاء في الوحي كله سواء في الأسماء والصفات أو في سائر الموضوعات الأخرى .
القاعدة الرابعة التي قام عليها اعتقاد السلف الصالح الإيمان بما جاء في الوحي كله سواء في الأسماء والصفات أو سائر الموضوعات الأخرى، فالوحي وحدة واحدة لا بد من أن نذعن له كله، ونسلم بكل ما جاء فيه على وجه المحبة والتعظيم، لعلمنا أن الله U يريد لنا الخير، وهو أعلم بما ينفعنا من أنفسنا، وهذا معنى الإيمان في حديث سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الله الثَّقَفِيِّ t حيث قَالَ: (قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَوْلا لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِالله فَاسْتَقِمْ) ([1]). فإذا أخبر الله بشيء صدقناه في كل ما أخبر، وإذا أمر بشيء نفذناه في كل ما أمر ونستقيم على ذلك مدى الحياة، فهذا مقتضى الإيمان الحق .
أما الإيمان ببعض الكتاب ورد البعض الآخر وتعطيله عن مدلوله الحقيقي أو لي أعناق النصوص بالتحريف أو التأويل المتعسف لتسير الأدلة في غير اتجاهها، كمطية يركبها صاحب الأهواء ويوجهها حيث يشاء، فهذا عمل اليهود لعنهم الله حيث قال تعالى في وصفهم: (الذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)(الحجر:91).
قال ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا: (هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ) ([2]) .
وقال تعالى في شأنهم: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَي أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(البقرة:85)،
وقال عن تبديلهم كلام الله بالتأويل الباطل: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ الله وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ الله وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(آل عمران:78).
وقال سبحانه: (مِنْ الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ الله بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا)(النساء:46) .
وقد فعل أغلب أهل الكلام فعل اليهود لما قال الله لهم: (ادْخُلُوا الْبَابَ سُجّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ)، أي حط عنا خطايانا واغفر لنا، فبدلوا كلام الله وزادوا نونا وقالوا: (حنطة) أي نريد القمح والشعير، فقال تعالى: (فَبَدَّلَ الذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا على الذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(البقرة:59)، وقال الله لأهل الكلام من الخلف : (الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَي)(طه:5)، فزادوا لاما وقالوا: استولى عليه وقهر، فما أشبه نون اليهود بلام أهل الكلام .
وقد وضع علماء الكلام من الأشعرية وغيرهم لأنفسهم قانونا عقليا يحكمون به على ما ورد في الكتاب والسنة وخصوصا في مسائل الصفات، فما وافقهم أخذوا به وأيدوه وما خالفهم أنكروه وأولوه .
قال ابن تيمية: (وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم، وردوا نصوص التوراة والإنجيل إليها، لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من نصوص الأنبياء، أو ما بلغهم عنهم، وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل، كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات، فإن غلطه إما في الإسناد، وإما في المتن، وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم، وقد غلطوا في الرأي والعقل، فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء، لكن النصارى يشبههم من ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص، أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول، كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم، بخلاف بدعة الجهمية والفلاسة فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام الأنبياء، وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء وأنه صحيح عندهم) ([3]) .
وقد عبر ابن تيمية رحمه الله عن وحدة المنهج السلفي وعمومه في معرفة أوصاف الله بأصلين شريفين يوضحان تلك القاعدة:
الأصل الأول: القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان لذات الله وجود حقيقي لا يماثل سائر الذوات من المخلوقات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فإذا قال السائل: كيف استوي على العرش ؟ وما كيفية أوصافه ؟ قيل له: كيف هو ؟ فإن قال: أنا لا أعلم كيفية ذاته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية أوصافه، ولا كيفية استوائه، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته ؟ وإذا كنت تقر بأن له ذات حقيقية لا يماثله شيء فيها فكذلك وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوق وبصره وكلامه ونزوله واستوائه وسائر أوصافه ([4]) .
2- الأصل الثاني: القول في الصفات كالقول في بعض فلا يجوز أن نثبت بعض الصفات وننازع في باقي الصفات، أو نردها بالتعطيل والتأويل بغير دليل، لأن منهج السلف واحد في كل الصفات، إما أن تثبت الجميع وتكون مؤمنا، أو ترد الجميع وتكون جاحدا معطلا، أما إثبات البعض ورد البعض تحت أي حجة فهذا عمل اليهود كما سبق، وهو أشد بطلانا لأنه استخفاف بكلام الله ونوع من العبث بكتاب الله وسنة رسوله S ([5]) .
· محذورات القاعدة الرابعة .
يحترز بالقاعدة الرابعة في صفات الله من بدع المعتزلة والأشعرية ومن سلك في الصفات الإلهية، وبيان ذلك فيما يلي:
أولا: بدعة المعتزلة في إثبات الأسماء ونفي الصفات:
ابتدع أهل الاعتزال معنى جديدا للتوحيد غير ما عرف بين الصحابة والتابعين وعلماء السلف، فقالوا إن التوحيد هو إثبات الأسماء ونفي الصفات، فجعلوا القرآن عضين يقبلون منه ما يوافق آراءهم الفاسدة ويعطلون ما يخالفها .
ومعني قولهم بإثبات الأسماء ونفي الصفات أنهم أثبتوا وجود ذات الله فقط دون أي صفة لها، وجعلوا أسماء الله U الدالة عليها أسماء فارغة من الأوصاف، أو أسماء بلا مسمى، فقالوا: هو العليم لكن لا يتصف بصفة العلم، والسميع بلا سمع وهو البصير بلا بصر وهكذا .
ولتبسيط فكرتهم نقول: فلان اسمه سعيد، لكن لو بحثت عن صفة السعادة فيه فربما يكون سعيدا أو شقيا، فإن كانت الأولى قلنا: سعيد اسم على مسمى، وذاته متصفة بصفة السعادة، وإن كانت الثانية قلنا: سعيد اسم فارغ من المسمى وذات بلا صفة لأنه شقي .
ومن ثم فإن أسماء الله عند السلف أسماء على مسمى، فهو الغني الذي يتصف بالغني لا الفقر، وهو القوي الذي يتصف بصفة القوة لا الضعف، وهو السميع يتصف بصفة السمع تعالى الله عن ضدها، وهو البصير الذي يتصف بالبصر وهكذا في سائر الأسماء والصفات، ولهذا كانت أسماؤه حسنى وعظمى، ولا تكون حسنى وعظمى بغير ذلك، قال تعالى: (وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(الأعراف:180)، ودعاء الله بها أن يقول الفقير: يا غني أغنني بفضلك عمن سواك، ولولا يقين الداعي الفقير أن الله غني ولا نظير له في غناه ما دعاه، وأن يقول الضعيف: يا قوي قوني، فلولا يقينه أنه سبحانه لا شبيه له في قوته ما دعاه، وهكذا يعلم أصحاب الفطرة السليمة ـ فطرة التوحيد ـ أن الله U يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء بسبب العظمة في أوصافه كما قال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءلَهٌ مَعَ الله قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ)(النمل:62)، فعلم العقلاء أنه لا يجيب المضطر إذا دعاه وهو عاجز لا صفة له مطلقا، فمن يجيب أهل الاعتزال إذا كان معبودهم بلا صفة عندهم وأسماؤه فارغة بلا مسمى .
وهذا المذهب الخبيث يترتب عليه أن قوله تعالى: (وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَي فَادْعُوهُ بِهَا)(الأعراف:180)، لا قيمة له عندهم، وكذلك تعداد الأسماء الحسنى في حديث أبي هريرة t أن النبي Sقال: (إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنّةَ) ([6])، لأن تعداد الأسماء الحسني أو الدعاء بها مبني على إثبات الصفات .
وأي نقص في حق الله أعظم من ألا يكون له صفة عند المعتزلة ــ تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ــ إن الواحد منا لا يقبل هذا على نفسه، فلو قال لك قائل: أنت لا صفة لك عندي ربما خاصمته دهرا، لأن الفطرة مجبولة على إثبات الأوصاف الحميدة ونفي الأوصاف البغيضة، فمن العجب أن يثبتوا لأنفسهم أجود الأوصاف وينفون عن الله U الذي ليس كمثله شيء سائر أوصاف الكمال، ومن ثم لا بد من الإيمان بصفات الله جميعها، كالإيمان بوجود ذاته، فالقول في الذات كالقول في الصفات سواء بسواء ([7]) .
ثانيا: بدعة الأشعرية في إثبات بعض الصفات ورد البعض .
يجب على المسلم أيضا أن يحترز بالقاعة الرابعة من بدع الأشعرية، حيث ابتدعوا تقسيما عجيبا في صفات الله على أهوائهم، فقالوا: الوجود صفة نفسية، والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية صفات سلبية، والقدرة والإرادة والعلم والحياة والكلام والسمع والبصر صفات معاني أو معنوية، وبقية الصفات الواردة في القرآن والسنة خبرية تدل على التشبيه، وظاهرها غير مراد لأنه باطل قبيح لا يثبته العقل ولا يدل عليه حتى قال قائلهم كما سبق:
وكل نص أوهم التشبيه: أوِّله أو فوِّض ورم تنزيها .
ولو سألناهم: لم أثبتم قدرته سبحانه وإرادته وعلمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره مع أنها وردت في الكتاب والسنة، ونفيتم صفة المحبة والرضي والغضب والاستواء والعلو والمجيء وسائر الصفات الخبرية مع أنها أيضا وردت في الكتاب والسنة ؟
قالوا لأن الصفات التي أثبتناها لا تدل على التشبيه، أما الصفات التي نفيناها تدل على التشبيه، فيقال لهم: إن العقلاء لا يقرون هذا، فالقول في الصفات كالقول في بعض، فإما أن تقولوا بالتمثيل الباطل في الذات وجميع الصفات كما فعل الممثل، وقال إرادة الله مثل إرادة المخلوق، ومحبته ورضاه وغضبه واستواءه وعلوه وسائر الصفات الخبرية مثل أوصاف المخلوق، ومعلوم أن هذا كذب على الله وقياس باطل محرم .
وإما أن تقولوا كما قال أهل التوحيد إرادة الله تليق به وإرادة المخلوق تليق به والله ليس كمثله شيء في إرادته ومحبته ورضاه وغضبه واستواءه وعلوه وسائر الصفات الثابتة في الكتاب والسنة كما هو اعتقاد أهل الحق .
أما أن يأتي صاحب المذهب الأشعري بحجج عقلية سقيمة ينفي بها ما يشاء ويثبت من صفات الله فالعقل لن يسأم من مقارعة الحجة بالحجة، فإن قال نفيت الغضب لأنه غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا لا يجوز على الخالق سبحانه وتعالى، قيل له والإرادة التي أثبتها ميل القلب إلي جلب منفعة أو دفع مضرة، وهذا لا يجوز على الخالق سبحانه وتعالى، فإن قال تلك إرادة المخلوق، أما إرادة الخالق فليست كذلك، قيل له وهذا الغضب الذي وصفته غضب المخلوق، أما غضب الخالق فليس كذلك، وهذا لازم في كل صفة أثبتها أو نفاها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قول القائل الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام .. فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا، لم يلزم أن يكون غضب الله تعالى مثل غضبنا، كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثلا لنا، لا لذاتنا ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته) ([8]) .
وقال أيضا: (فإن قالوا: الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام والوجه هو ذو الأنف والشفتين واللسان والخد أو نحو ذلك، قيل لهم: إن كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد فوزانه أن يقال لكم: ولا يعقل بصر إلا ما كان بشحمة ولا سمع إلا ما كان بصماخ، ولا كلاما إلا ما كان بشفتين ولسان، ولا إرادة إلا ما كان لاجتلاب منفعة أو استدفاع مضرة، وأنتم تثبتون للرب السمع والبصر والكلام والإرادة على خلاف صفات العبد، فان كان ما تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل في الجميع، وإن كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله تعالى من غير مماثلة بصفات المخلوقات فاثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود، ولا فرق بين صفة وصفة فان ما نفيتموه من الصفات يلزمكم فيه نظير ما أثبتموه، فإما أن تعطلوا الجميع وهو ممتنع، وإما أن تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع، وإما أن تثبتوا الجميع على وجه يختص به لا يماثله فيه غيره، وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة، فالفرق بينهما بإثبات أحدهما ونفى الآخر فرارا من التشبيه والتجسيم، قول باطل يتضمن الفرق بين المتماثلين والتناقض في المقالتين) ([9]) .
· أسلم الضوابط الشمولية التي وضعت لتوضيح اعتقاد السلف .
إن من أسلم الضوابط الشمولية التي وضعت لتوضيح اعتقاد السلف الصالح في توحيد الصفات هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلي الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق وأفصحهم في البيان والدلالة والارشاد، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله) ([10]) .
فجاءت هذه الكلمات معبرة عما دلت عليه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الباب بمجموعها، منبها على مواطن الإنحراف وتسلسله من أعلاه إلي أدناه في عبارة بليغة موجزة، ونحن لو تأملنا المحذورات في هذا الشكل المرفق لظهر لنا مدى الدقة في التعبير عن المنهج السلفي، وكيف أخطأ من ضل عن طريقهم من المخالفين حيث توهموا في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين ثم يريدون أن ينفى ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل .
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله، حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل يبقى وقد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى .
الثالث: أنه ينفى تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم فيكون معطلا لما يستحقه الرب .
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله وفى الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحدا في أسماء الله وآياته ([11]) .
فهذا الضابط الذي وضعه شيخ الإسلام من أسلم الضوابط في توحيد الصفات لأنه اشتمل على قواعد مذهب السلف الصالح، وحذر من التمثيل والتكييف والتعطيل والتحريف والتفويض، بحيث تكشف أنواع التدرج في الضلال والانحراف الذي وقع فيه المخالفون من الخلف، أعلاها وأشرها وأقبحها هو التأويل الباطل الذي سماه شيخ الإسلام بالتحريف، ولذلك بدأ به جملة المحذورات لأنه مبني على التعطيل، والتعطيل سببه التكييف، والتكييف مرده إلى التمثيل، ثم نبه بعد ذلك على الحذر من تفويض معاني النصوص، والنظر إليها على أنها كاللغة الأعجمية والألغاز والأحاجي، وأن ذلك مخالف لمذهب السلف، وبين أيضا شمولية هذا المنهج لكل ما ثبت عن رسول الله في باب الأسماء والصفات، فمن أراد النجاة فعليه إتباع من سلف وترك ما أحدثه الخلف .
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني

(1) مسلم في كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام 1/65 (38) .

(2) البخاري في فضائل الصحابة، باب إتيان اليهود النبي Sحين قدم المدينة 3/1435 (3729) .

(3) درء تعارض العقل والنقل 1/8 .

(4) الرسالة التدمرية ضمن مجموع الفتاوى 3/25 .

(5) السابق 3/25 .

(6) أخرجه البخاري في الشروط، باب إن لله مائة اسم إلا واحدا 6/2691 (6957)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها 4/2063 (2677) .

(7) انظر المزيد عن هذا الموضوع في المسألة المصرية في القرآن ضمن مجموع الفتاوى 12/183، وبيان تلبيس الجهمية 1/516، ودرء تعارض العقل والنقل 5/19، 34.

(8) الرسالة الأكملية ضمن مجموع الفتاوى 6/ 119، والرسالة التدمرية 3/17 .

(9) رسالة في مسألة تأويل الصفات ضمن مجموع الفتاوى 6/46 .

(10) الأربلية ضمن مجموع االفتاوي 5/195، والعقيدة الأصفهانية 2/25، والعقيدة الواسطية 3/130 والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان 11/250، والكيلانية 12/446، وقاعدة في الكلام علي المرشدة لابن تيمية 11/480 .

(11) الرسالة التدمرية ضمن مجموع الفتاوى 3/48 .
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 22-12-11, 04:28 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة الخامسة عشر

المحاضرة الخامسة عشر
تطبيق منهج السلف على مسألة العلو والفوقية
· النصوص النقلية في مسألة العلو والفوقية .
1. أن الله على عرشه:
قال تعالى:" الرَّحْمَنُ عَلى الْعَرْشِ اسْتَوَى " (طـه:5)قال تعالى:" إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى الْعَرْشِ يُغْشِي الليْل النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالمِينَ " (الأعراف:54) قال تعالى:" إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ " (يونس:3).
2. أن الله في السماء:
قال تعالى:" أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ " (الملك:16)قال تعالى:"أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِل عَليْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ " (الملك:17)قال تعالى:(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلمِيِّ قَال بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَا ثُكْل أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِليَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلى أَفْخَاذِهِمْ فَلمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لكِنِّي سَكَتُّ فَلمَّا صَلى رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلا ضَرَبَنِي وَلا شَتَمَنِي قَال إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَال رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ قُلْتُ يَا رَسُول اللهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلامِ وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ قَال فَلا تَأْتِهِمْ قَال وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ قَال ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلا يَصُدَّنَّهُمْ قَال ابْنُ الصَّبَّاحِ فَلا يَصُدَّنَّكُمْ قَال قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَال كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ قَال:(وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَل أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ فَاطَّلعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَأَتَيْتُ رَسُول اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَليَّ قُلْتُ يَا رَسُول اللهِ أَفَلا أُعْتِقُهَا قَال ائْتِنِي بِهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَال لهَا أَيْنَ اللهُ قَالتْ فِي السَّمَاءِ قَال مَنْ أَنَا قَالتْ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ قَال أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) .
3. الله في السماء وفي الأرض
قال تعالى:" وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلمُ مَا تَكْسِبُونَ "(الأنعام:3)قال تعالى:" وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ " (الزخرف:84).
4. الله مع كل الخلائق في كل مكان:
قال تعالى:" أَلمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (المجادلة:7) قال تعالى:" يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً " (النساء:108) قال تعالى:" إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَل اللهُ سَكِينَتَهُ عَليْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لمْ تَرَوْهَا وَجَعَل كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "(التوبة:40).
5. الله قريب منا كما قال:" وَإِذَا سَأَلكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لعَلهُمْ يَرْشُدُونَ " (البقرة:186).
6. وهو أقرب من حبل الوريد قال تعالى:" وَلقَدْ خَلقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ " (قّ:16)قال تعالى:" فَلوْلا إِذَا بَلغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ "(الواقعة:85).
· الجمع بين النصوص عند السلف والخلف
(هُوَ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى الْعَرْشِ يَعْلمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد:4).
قال أبو الحسن الأشعري صفحة 105:(إن قال قائل:ما تقولون في الاستواء ؟ قيل له:نقول:إن الله عز وجل يستوي على عرشه استواء يليق به من غير طول استقرار كما قال:(الرحمن على العرش استوى) وقد قال تعالى:(إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال تعالى:(بل رفعه الله إليه) وقال تعالى:(يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) وقال تعالى حاكيا عن فرعون لعنه الله:(يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا) كذب موسى عليه السلام في قوله:إن الله سبحانه فوق السماوات، وقال تعالى:(أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض)، فالسماوات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السماوات قال:(أأمنتم من في السماء) لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات وليس إذا قال:(أأمنتم من في السماء) من يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى الله تعالى ذكر السماوات فقال تعالى:(وجعل القمر فيهن نورا) ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض.
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية:إن معنى قول الله تعالى:(الرحمن على العرش استوى) أنه استولى وملك وقهر وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستو على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض لله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش - والحُشُوشُ مواضعُ الغائط-وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو تعالى مستو على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على الحشوش والأخلية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا،لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها. وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية وهذا خلاف الدين تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا) .
· مثال من كلام الخلف المعاصرين
الشيخ طه عبد الله عفيفي في كتابه حق الله على العباد وحق العباد على الله ص97 في بيان موقف السلف والخلف من قضية الصفات بقوله:
(والذي أريد ان أوقفك على مذهب السلف والخلف في المتشابه حتى لا تنحرف عن التوحيد الخالص، فحسبي أن أسوق إليك هذا السؤال، قال السائل:ناقشنا شخص في مكان الله سبحانه وتعالى ونحن نعتقد أن الله تعالى ليس له مكان فأبي إلا أن الله في السماء مستدلا بحديث الجارية، فنرجوا التفضل بشرح هذا الحديث وهل يجوز الأخذ بظاهره وحاشا أن نعتقد ذلك؟ وجواب ذلك:أن سلف الأمة وخلفها اتفقوا على أن الآيات والأحاديث المتشابهة مصروفة عن ظاهرها لقوله تعالى: } ليس كمثله شئ { (الشوري:11). غير أن السلف فوضوا علم المراد منها إلى الله تعالى وقالوا:إن الوقف على قوله تعالى:} وما يعلم تأويله إلا الله { (آل عمران:7). وأما الخلف فأوّلوها وحملوها على معان معقولة مقبولة فبينوا المراد منها وقالوا:إن الوقف على قوله تعالى:} والراسخون في العلم { (آل عمران:7). فقوله تعالى:} الرحمن على العرش استوي { (طه:5) يقول فيه السلف:هو مصروف عن ظاهره ويفوضون علم المراد منه إلى الله تعالى، والخلف يقولون:هو مصروف عن ظاهره والمراد من استوي استولى). انظر كتاب حق الله على العباد وحق العباد على الله ص97 والسؤال موجه إلى الشيخ أمين محمود خطاب، ونقل الشيخ العفيفي إجابته بنصها من كتابه الفتاوي الأمينية.
قال الشيخ طه عبد الله عفيفي يحكي مذهب الخلف:(ويقولون في قول النبي صلي الله عليه وسلم للجارية:أين الله؟ فقالت:في السماء هو مصروف عن ظاهره وإنما اكتفي صلي الله عليه وسلم منها بقولها في السماء، لأنه كان يكفي في صدر البعثة بالنسبة للعامة اعتقاد وجود الله تعالى ووحدانيته. فعامل الجارية بما ألفته وأقرها على اعتقاد وجود الله تعالى وانفراده بالإلهية، ولما أشارت إلى السماء علم النبي صلي الله عليه وسلم أنها تعظم الله تعالى وتعتقد وحدانيته وتنفر من آلهة الأرض التي كانوا يعبدونها) .

· موقف الصحابة من مسألة العلو والفوقية:

1. قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من حديث سعد بن معاذ:(لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة) متفق عليه قال الألباني:لقد حكم فيهم (اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات . يعني سعد بن معاذ في حكمه على بني قريظه . السلسلة الصحيحة (جزء 6 - صفحة 248) .
2. وروى البيهقي في الأسماء والصفات للبيهقي بسنده: عن عمر بن الخطاب عمر بن الخطاب أنه رضي الله عنه مر في ناس من أصحابه فلقيته عجوز فاستوقفته ، فوقف عليها فوضع يديه على منكبيها ، حتى قضت حاجتها ، فلما فرغت قال رجل:حبست رجالات قريش على هذه العجوز ، قال:ويحك تدري من هذه ؟ هذه عجوز سمع الله عز وجل شكواها من فوق سبع سماوات ، والله لو استوقفتني إلى الليل لوقفت عليها إلا آتي الصلاة ثم أعود إليها حتى تقضي حاجتها.
3. جديث عائشة سنن ابن ماجه عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَال قَالتْ عَائِشَةُ : ( تَبَارَكَ الذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُل شَيْءٍ إِنِّي لأَسْمَعُ كَلامَ خَوْلةَ بِنْتِ ثَعْلبَةَ وَيَخْفَى عَليَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلى رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ وَهِيَ تَقُولُ يَا رَسُول اللهِ أَكَل شَبَابِي وَنَثَرْتُ لهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلدِي ظَاهَرَ مِنِّي اللهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِليْكَ فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَل جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلاءِ الْآيَاتِ ( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْل التِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلى اللهِ ) . قال تعالى : ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَال أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُل شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (الأنعام:80) (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُل شَيْءٍ عِلْماً عَلى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89) ( إِنَّمَا إِلهُكُمُ اللهُ الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُل شَيْءٍ عِلْماً) (طه:98)
4. عن عائشة وابن عباس مسند أحمد بن حنبل بسنده عن ذَكْوَانَ مولى عَائِشَةَ انه اسْتَأْذَنَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ على عَائِشَةَ وَهِىَ تَمُوتُ وَعِنْدَهَا بن أَخِيهَا عبد اللهِ بن عبد الرحمن فقال : (هذا بن عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَليْكِ وهو من خَيْرِ بَنِيكِ فقالت : دعني مِنِ ابن عَبَّاسٍ وَمِنْ تَزْكِيَتِهِ فقال لها عبد اللهِ بن عبد الرحمن انه قاري لِكِتَابِ اللهِ فَقِيهٌ في دِينِ اللهِ فآذني له فَلْيُسَلِّمْ عَليْكِ وَلْيُوَدِّعْكِ قالت فأذن له ان شِئْتَ قال فَأَذِنَ له فَدَخَل بن عَبَّاسٍ ثُمَّ سَلمَ وَجَلسَ وقال أبشري يا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَوَاللهِ ما بَيْنَكِ وَبَيْنَ أن يَذْهَبَ عَنْكِ كُلُّ أَذًى وَنَصَبٍ أو قال وَصَبٍ وَتَلْقَىِ الأَحِبَّةَ مُحَمَّداً وَحِزْبَهُ أو قال أَصْحَابَهُ الا ان تُفَارِقَ رُوحُكِ جَسَدَكِ فقالت وَأَيْضاً فقال بن عَبَّاسٍ كُنْتِ أَحَبَّ أَزْوَاجِ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إليه ولم يَكُنْ يُحِبُّ الا طَيِّباً وَأَنْزَل الله عز وجل بَرَاءَتَكِ من فَوْقِ سَبْعِ سماوات فَليْسَ في الأَرْضِ مَسْجِدٌ الا وهو يُتْلى فيه أناء الليْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَسَقَطَتْ قِلاَدَتُكِ بِالأَبْوَاءِ فَاحْتَبَسَ النبي صلى الله عليه وسلم في الْمَنْزِلِ وَالنَّاسُ معه في ابْتِغَائِهَا أو قال في طَلبِهَا حتى أَصْبَحَ الْقَوْمُ على غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَل الله عز وجل فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً الآيَةَ فَكَانَ في ذلك رُخْصَةٌ لِلنَّاسِ عَامَّةً في سَبَبِكِ فَوَاللهِ انك لمُبَارَكَةٌ فقالت دعني يا بن عَبَّاسٍ من هذا فَوَاللهِ لوَدِدْتُ اني كنت نَسْياً مَنْسِيًّا) .
5. أم المؤمنين زينب صحيح البخاري : (عَنْ أَنَسٍ قَال جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَل النَّبِيُّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ يَقُولُ اتَّقِ اللهَ وَأَمْسِكْ عَليْكَ زَوْجَكَ قَال أَنَسٌ لوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ كَاتِمًا شَيْئًا لكَتَمَ هَذِهِ قَال فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ تَقُولُ : زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللهُ تَعَالى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَعَنْ ثَابِتٍ ( وَإِذْ تَقُولُ لِلذِي أَنْعَمَ اللهُ عَليْهِ وَأَنْعَمْتَ عَليْهِ أَمْسِكْ عَليْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب:37)وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ ) نَزَلتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) .
6. صحيح البخاري ج6/ص2700 6985 عن أَنَسَ بن مَالِكٍ رضي الله عنه قال : (نَزَلتْ آيَةُ الْحِجَابِ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عليها يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ على نِسَاءِ النبي صلى الله عليه وسلم وَكَانَتْ تَقُولُ : إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي في السَّمَاءِ ).
6987 حدثنا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ حدثني محمد بن فُليْحٍ قال حدثني أبي حدثني هِلالٌ عن عَطَاءِ بن يَسَارٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كان حَقًّا على اللهِ أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّةَ هَاجَرَ في سَبِيلِ اللهِ أو جَلسَ في أَرْضِهِ التي وُلِدَ فيها قالوا يا رَسُول اللهِ أَفَلا نُنَبِّئُ الناس بِذَلِكَ قال إِنَّ في الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ ما بَيْنَهُمَا كما بين السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فإذا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فإنه أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرحمن وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ

7. قال أبو حنيفة:اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية روى البيهقي:(بسنده عن نعيم بن حماد قال:سمعت أبا عصمة نوح بن أبي مريم يقول:(كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهماً، فدخلت الكوفة، فقيل لها:إن ها هنا رجلاً قد نظر في المعقول يقال له:أبو حنيِفة، فَأْتِيهِ، فأتته، فقالت:أنت الذي تعلّم الناس المسائل وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتاباً:إنّ اللهَ سبحانه وتعالى في السماء دون الأرض، فقال له رجل:أرأيت قول اللّه تعالى:" وهوَ مَعَكُم " قال:هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت عنه غائب) . قال البيهقي:لقد أصاب أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى فيما نفي عن اللّه تعالى وتقدّس من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في قوله:إنّ اللهَ عزَّ وجَلّ في السماء.
8. وقال أبو حنيفة: (من قال:لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فقد كفر، لأن اللّه تعالى يقَول:" الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى " سورة طه آية 5. وعرشه فوق سبع سموات. قلت:فإن قال إنه على العرش، ولكنه يقول:لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال:هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يُدْعى من أعلى لا من أسفل. وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول:لا أعرف ربي في السماء أمَ في الأرض؟ قال:فقد كفر، لأن اللهَ يقول:" الرحمن على العرش استوى " سورة طه آية 5. وعرشه فوق سبع سموات.قال:فإنه يقول:على العرش استوى، ولكنه لا يدري العرش في الأرض أو في السماء؟. قال:إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر) .
9. قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى:ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة رحمه اللّه عند أصحابه أنه كَفَّرَ الواقف الذي يقول:لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول:ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على كفره بقوله تعالى:" الرحمن على العرش استوى " قال:وعرشه فوق سبع سموات وبيّن بهذا أن قوله:" الرحمن على العرش استوى " بيّن في أن اللّه عز وجل فوق السموات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش، ثم أردف ذلك بكفر من توقّف في كَوْنِ العرش في السماء أو في الأرض، قال:لأنه أنكر أن يكون في السماء، وأن الله في أعلى عليين، وأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل، واحتج بأنّ اللّه في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإنّ القلوبَ مفطورةٌ على الإقرار بأنّ الله عز وجل في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكذلك أصحابه من بعده كأبي يوسف، وهشام بن عبيد اللّه الرازي. كما روى ابنُ أبي حاتم وشيخ الإسلام بأسانيدها أن هشام بن عبيد الرازي، صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلاً في التجهّم، فتاب فجيء به إلى هشام ليمتحنه، فقال:الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام فقال:أشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه. فقال:أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال:ردوه إلى الحبس، فإنه لم يتب.
قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه اللّه تعالى:ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد:أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال:حدثنا أحمد بن جعفر بن أحمد أن ابن مالك قال:حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:حدثني أبي قال:حدثنا شريح بن النعمان قال:حدثنا عبد الله بن نافع قال:قال مالك بن أنس:الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان. قال:وقيل لمالك " الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى " كيف استوى؟.فقال مالك رحمه اللّه تعالى:استواؤه معقول وكيفيته مجهولة وسؤالك عن هذا بدعة وأراك رجل سوء.
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 22-12-11, 04:32 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة السادسة عشر

المحاضرة السادسة عشر
تطبيق منهج السلف على صفة الكلام
· افتراق الناس في مسألة الكلام:
افترق الناس في مسألة الكلام على عدة أقوال أبرزها:
1. أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني إما من العقل الفعال عند بعضهم أو من غيره وهذا قول المتفلسفة .
2. أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه وهذا قول المعتزلة .
3. أنه معنى واحد قائم بذات الله هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وهذا قول الكلابية والأشعرية وغيره .
4. أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات وهذا قول أبي المعالي ومن اتبعه .
5. أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم به بصوت يسمع وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة .
· بيان اعتقاد السلف الصالح في صفة الكلام:
يمكن بيان اعتقاد السلف الصالح في صفة الكلام من خلال النقاط التالية:
أولا: أن الله يتكلم بالكيفية التي تليق بجلاله فهو سبحانه: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { (الشورى:11).
ولا يلزم من إثبات صفة الكلام التشبيه والتجسيم كما هو اعتقاد المتكلمين بل أخبرنا الله تبارك وتعالى أن بعض المخلوقات تتكلم بدون جارحة تخرج الحروف.
قال تعالى: } اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ { (يس:65) فنحن نؤمن أنها تتكلم ولا نعلم كيف تتكلم.
وقال أيضا:} وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { (فصلت:21).
وعند البخاري قال عبد الله بن مسعود:(فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلي الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل).
فالأيدي والأرجل والجلود والطعام كل ذلك يتكلم بلا فم يخرج منه الصوت المعتمد على مقاطع الحروف، فأصل قياس الخالق على المخلوق قياس فاسد لا يجوز.
ثانيا: أن صفة الكلام صفة ذات وصفة فعل:
(أ) - وكونه من صفات الذات لأنه من لوازم الكمال وضده من أوصاف النقص والله سبحانه له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته. ولهذا ذم الله بني إسرائيل لاتخاذهم عجلا لا يتكلم إلها من دون الله.
قال تعالى عنهم: } وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ { (الأعراف:148).
وقال أيضا عن العجل:} أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا { (طه:89). فعجْز العجل عن مخاطبتهم ونفْي الكلام عنه من صفات النقص التي يستدل بها على عدم ألوهيته.
(ب) - وأما كونه من صفات الأفعال فلأن الله أخبرنا أنه يتكلم بمشيئته وإرادته، قال تعالى:} إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون { (النحل:40).
وقال سبحانه: } إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون { (يس:82).
وكذلك قوله تعالى: } وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها { (الإسراء:16).
وسواء كان الأمر ها هنا أمر تكويني أو أمر تشريعي فهو موجود بقوله تعالى له كن بعد أن لم يكن. وكذلك قوله تعالى:} وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلنَا لِلمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ { (الأعراف:11) وإنما قال لهم اسجدوا بعد خلق آدم وتصويره.
وكذلك قوله تعالى:} وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ { (الأعراف:143). والآيات والأحاديث التي لا حصر لها تدل على أن الله يتكلم متى شاء وإذا شاء وكيف شاء.
قال العلامة ابن القيم بعد أن أورد الأدلة على صفة الكلام: (وهناك أضعاف أضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي إن دفعت دفعت الرسالة بأجمعها وإن كانت مجازا كان الوحي كله مجازا وإن كانت من المتشابه كان الوحي كله من المتشابه وإن وجب أو ساغ تأويلها على خلاف ظاهرها ساغ تأويل جميع القرآن والسنة على خلاف ظاهره. فإن مجيء هذه النصوص في الكتاب وظهور معانيها وتعدد أنواعها واختلاف مراتبها أظهر من كل ظاهر وأوضح من كل واضح) مختصر الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم ص 518.
ثالثا: أنه سبحانه يتكلم بصوت يسمع سمعه جبريل من الله وسمعه موسي عليه السلام وسمعه محمد صلي الله عليه وسلم والأدلة على ذلك كثيرة منها:
1- قوله تعالى:} ِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ { (البقرة:253).
2- وقال تعالى: } هَل أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوىً اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى { (النازعات 12:17).
3- وقال تعالى: } وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ { (سبأ:23).
4- وعند البخاري في الحديث: (إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا نادي جبريل:إن الله قد أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء:إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض).
5- وعند البخاري عن جابر بن عبد الله قال:سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب:أنا الملك أنا الديان).
6- وقد بوب الإمام البخاري أبوابا كثيرة في إثبات كلام الربِّ U يوم القيامةِ مع الأنبياء وأهل الجنة وغيرهم، وروى من حديث عبد اللهِ بن مسعود t أن رسول اللهِ S قال: (إن آخِرَ أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخِرَ أهل النار خروجاً من النارِ رجلٌ يخرجُ حَبْواً، فيقول له ربُّه: ادخل الجنةَ، فيقولُ: رب الجنةُ ملأى فيقول له ذلكَ ثلاثَ مَرَّات، فكلُّ ذلك يعيد عليه، الجنة ملأى، فيقول: إنَّ لكَ مثل الدنيا عشرَ مرار) ([1]).
7- وعنده من حديث عدي بن حاتم t أن رسول الله S قال: (ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلمهُ ربهُ ليس بينَهُ وبينَهُ ترجمان، فينظرُ أيمنَ منهُ فلا يرى إلاّ ما قدَّمَ من عمله، وينظرُ أَشْأَمَ منه فلا يَرَى إلا ما قدَّمَ، وينظرُ بين يديه فلا يرى إلاَّ النارَ تِلقاء وجهه، فاتَّقوا النار ولو بِشقِّ تمرة) ([2]).
8- وروى أيضا من حديث صفوان بنِ مُحْرِز أنَّ رجلاً سأل ابن عُمر t: كيف سمعتَ رسول الله Sيقول في النجوى؟ قال: (يدنو أحدُكم من ربِّه حتى يضع كنفه عليه - يعني ستره - فيقول: أعملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقررهُ ثم يقول: إني سَترتُ عليك في الدنيا، وأنا أغفِرها لك اليوم).
9- وفي كلام الله مع أهل الجنة روى البخاري من حديث أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ t أن النبيُّ Sقال: (إن اللهَ يقولُ لأهل الجنةِ: يا أهل الجنةِ، فيقولون: لبيْك ربنا وسعدَيك، والخير في يَدَيْك، فيقول: هل رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نَرضى يا رب وقد أعطيتَنا ما لم تُعطِ أحداً من خلقِك، فيقول: ألا أُعطيكُم أفضَل من ذلك؟ فيقولون: يا ربّ وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخَطُ عليكم بعدَهُ أبدا).
10- ومن حديث أبي هريرة t أن النبيَّ S كان يوماً يُحدثُ وعندَه رجلٌ من أهل الباديةِ: أنَّ رجلاً من أهل الجنة استأذَنَ ربَّهُ في الزَّرع فقال: أو لستَ فيما شئت؟ قال: بلى ولكني أحبُّ أن أزرعَ، فأسرعَ وبذر، فتبادَرَ الطَّرْفَ نباته واستواؤه واستحصاؤه وتكويرهُ أمثال الجبال، فيقول اللّهُ تعالى: دونَك يا ابن آدم فإِنه لا يُشبعُك شيءٌ، فقال الأعرابيُّ: يا رسول الله لا تَجِد هذا إِلاَّ قُرشياً أو أنصارِيّاً فإِنَّهم أصحابُ زَرْعٍ فأمَّا نحن فَلسنا بأصحابِ زَرْعٍ، فضحِك رسولُ الله) ([3]).
11- وفي هذا أعلى دلالة وأبينها وأوضحها على ثبوت صفة الكلام لربنا U وأنه يتكلم إذا شاء بما يشاء وكيف يشاء بكلام يسمعه من يشاء، وقد تواترت الأدلة تواترت على أنه سبحانه يتكلم إذا شاء بما شاء وكيف شاء، وأن كلامه يسمع وأن القرآن الكريم الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات هو عين كلامه حقا لا هو من تأليف ملك، ولا هو من تأليف ملك بشر ([4]).
والمراد أن الأدلة تواترت على أنه سبحانه يتكلم إذا شاء بما شاء وكيف شاء، وأن كلامه يسمع وأن القرآن العزيز الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات عين كلامه حقا لا تأليف ملك ولا بشر وأنه سبحانه الذي قال بنفسه: } المص { (الأعراف:1). } حم عسق { (الشورى:1، 2). } كهيعص { (مريم:1). وأن القرآن بجميع حروفه ومعانيه نفس كلامه الذي تكلم به وليس ألفاظ القرآن وحروفه ترجمة ترجم بها جبريل أو محمد صلي الله عليه وسلم عما قام بالرب من المعني من غير أن يتكلم الله بها.
· مذهب الأشعرية في صفة الكلام هو الأكثر انتشارا حتى الآن مع كونه باطلا.
قال الشيخ طه العفيفي: (ليس كلامه تعالى بحرف ولا صوت ولا يوصف بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكون ولا وصل ولا فصل لأن هذا كله من صفات الحوادث) كتاب حق الله على العباد ص 92.
سلك الشيخ العفيفي بقوله ذلك طريقة الخلف في إثباته لصفة الكلام ولازمها أن الله تعالى لا يتكلم بصوت يسمع، وإنما كلامه معني واحد وإشارات مجملة يفهمه جبريل ثم يعبر عنه بلغة الرسل. فإذا عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا. فكلام الله سبحانه عندهم ليس فيه أمر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار، بل هو معني واحد فهمه جبريل ولم يسمعه ثم فصله بطريقته الخاصة إلى الأمر والنهي والخبر والاستخبار وعبر عن ذلك باللغات المناسبة.
والذي دفعهم إلى ذلك كما سبق هو قياس كلام الخالق وصفاته على كلام المخلوق وصفاته بقياس تمثيلي أو شمولي فهم يرون أن المخلوق إذا تكلم فكلامه مكون من حروف وأصوات وموصوف بالجهر والسر والتقديم والتأخير والوقف والسكوت والوصل والفصل وغير ذلك، وكل ذلك لا يكون إلا بجارحه بها محل مخارج الحروف التي يصدر منها الكلام، والخالق إذا تكلم بكلام مسموع يفهمه البشر فإن كلامه سيكون حتما بلسان وفم قياسا على المخلوق.
من أجل ذلك عددوا القيود والشروط السلبية حتى يثبتوا لله صفة الكلام على مضض.
فقالوا ليس كلامه تعالى بحرف ولا صوت ولا يوصف بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل لأن هذا كله من صفات الحوادث.
· أبرز دليل عند الأشعرية على أن كلام الله هو الكلام النفسي والرد عليهم.
أبرز دليل عند الأشعرية على أن كلام الله هو الكلام النفسي هو قول الأخطل النصراني:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
1- هذا استدلال فاسد ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به لقالوا هذا خبر واحد! فكيف وهذا البيت قد قيل إنه موضوع منسوب إلى الأخطل وليس هو في ديوانه ؟ ! وقيل إنما قال: إن البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب إلى الصحة.
2- وعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام وزعموا أن عيسى عليه السلام نفس كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت! أي: شيء من الإله بشيء من الناس ! وزعموا أن كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه، وأما النظم المسموع فمخلوق لإفهام المعنى القديم .
3- هل يستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب ؟!
4- وأيضا: فمعناه غير صحيح إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلما لقيام الكلام بقلبه وإن لم ينطق به ولم يسمع منه . ولزم أن لا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله ولكن عبارة عنه ليست هي كلام الله كما لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده فكتب ذلك الشخص عبارته عن المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عن ذلك المعنى .
5- وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه وإن كان الله تعالى لا يسميه أحد أخرس لكن عندهم أن الملك فهم منه معنى قائما بنفسه لم يسمع منه حرفا ولا صوتا بل فهم معنى مجردا ثم عبر عنه فهو الذي أحدث نظم القرآن وتأليفه العربي.
6- ويقال لمن قال إنه معنى واحد: هل سمع موسى عليه السلام جميع المعنى أو بعضه؟ فإن قال: سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله، وفساد هذا ظاهر، وإن قال: بعضه فقد قال يتبعض، وكذلك كل من كلمه الله أو أنزل إليه شيئا من كلامه
7- ولما قال تعالى للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) ولما قال لهم (اسجدوا لآدم) وأمثال ذلك -: هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه فهذا مكابرة، وإن قال: بعضه فقد اعترف بتعدده.
8- ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس -: (قوله صلى الله عليه وسلم: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) (وقال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة) واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب - لا يبطل الصلاة وإنما يبطلها التكلم بذلك فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام.
9- وأيضا: ففي الصحيحين (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به والمراد: حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب.
10- وأيضا ففي السنن: (أن معاذا رضي الله عنه قال: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) فبين أن الكلام إنما هو باللسان فلفظ القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل -: إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع ثم انتشر ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما - ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك.
11- ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وأن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق -: فقد قال بخلق القرآن وهو لا يشعر فإن الله يقول: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) أفتراه سبحانه وتعالى يشير إلى ما في نفسه أو إلى المتلو المسموع ؟ ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع، إذ ما في ذات الله غير مشار إليه ولا منزل ولا متلو ولا مسموع. وليس القرآن إلا سورا مسورة وآيات مسطرة في صحف مطهرة قال تعالى: (فاتوا بعشر سور مثله مفتريات) (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة) ويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات. قال صلى الله عليه وسلم: (أما إني لا أقول: آلم، حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن التالين.
12- وقوله: (لا يأتون بمثله) - أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه وما في نفس الله عز وجل لا حيلة إلى الوصول إليه ولا إلى الوقوف عليه.
13- أن الله توعد بسقر من سمع القرآن وقال: (إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ البَشَرِ) (المدثر:25) فمن أنكر أن القرآن كلام الله وقال إنه كلام محمد أو غيره من الخلق ملكا كان أو بشرا فقد كفر ، ولذلك قال الطحاوي: (ولا يشبه قول البشر) يعني أنه أشرف وأفصح وأصدق قال تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (النساء:87). وقال تعالى: (قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء:88) .
13- وقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُل فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (يونس:38). فلما عجزوا - وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة - عن الإتيان بسورة مثله تبين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله، وإعجازه من جهة نظمه ومعناه لا من جهة أحدهما فقط، هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين، أي بلغة العربية، فنفي المشابهة من حيث التكلم ومن حيث التكلم به، ومن حيث النظم والمعنى لا من حيث الكلمات والحروف. وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور أي أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يخاطبون بها ،ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن ؟ كما في قوله تعالى: (الم ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتَّقِينَ) (البقرة:2)(المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِينَ) (الأعراف:2)(الر تِلكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ) (يونس:1).وكذلك الباقي ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه بل خاطبكم بلسانكم.
فحقيقة مذهبهم في صفة الكلام، والذي تأباه الفطرة ويقبحه العقل أنهم شبهوا الله بالأخرس الأبكم الذي يعبر عن مراده الداخلي بإشارات يفهم منها المعني المقصود لعدم قدرته على الكلام. فهم فروا من التشبيه حسب زعمهم بتعطيل ما يجب إثباته لله تعالى إلى أشد أنواع التشبيه قبحا ونقصا حيث شبهوا الله بالأبكم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
· مذهب الأشعرية في صفة الكلام لا يوصف بالوسطية.
تقدم أن أحد المعتزلة حاول أن يحرف آية في كتاب الله حتى ينفي صفة الكلام كما هو مذهبهم فقال لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة:أريدك أن تقرأ: } وكلم الله موسي تكليما { (النساء:164). بنصب لفظ الجلالة بدلا من الرفع ليكون موسي عليه السلام هو المتكلم والله هو المستمع، فقال أبو عمرو:هب أني قرأت الآية كما تريد فكيف تصنع بقوله تعالى: } ولما جاء موسي لميقاتنا وكلمه ربه { (الأعراف:143).فبهت المعتزلي لأن الآية صريحة في إثبات صفة الكلام لله.
الأصل الأول عند المعتزلة: التوحيد فقد زعموا فيه أنهم أهلُ التوحيد وخاصتُه، والمنزهون لربهم عن التشبيه، وخلاصة رأيهم في التوحيد أن الله تعالى لا صفة له لأنه منزه عن الشبيه والمثيل كما قال: } ليس كمثله شيء { (الشورى:11)، وهذا توحيد يناقض الفطرة ولا ينطلي إلا على أذهان السفهاء، بل هو توحيد يسخر منه جميع العقلاء فهل يصح أن تقول مثلا ولله المثل الأعلى: الأمير لا نظير له أبد، فيقال لك في ماذا؟ أو ما الذي انفرد به؟ فتقول: ولا شيء، أو لا صفة له أصلا. ولا نظن عاقلا يقبل ذلك على نفسه فضلا عن ربه، فالعقلاء يمدون غيرهم بإثبات الصفات التي تليق بهم، والموحدون لله حقا يحمدون ربهم بإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا، أما توحيد المعتزلة فتوحيد معكوس يزعمون فيه أنهم يمدحون ربهم وهم في حقيقة أمرهم يذمونه ويصفونه بصفات النقص التي لا يرضاه عاقل لنفسه، وقد أداهم توحيدهم هذا إلى القول بنفي صفة الكلام عن الله سبحانه وتعالى والقول بخلق القرآن وزعموا أنه مخلوق كسائر المخلوقات.
· كيف ظهرت بدعة القول بخلق القرآن؟
لما تأصلت فكرة الجهم عند المعتزلة في استقلال العقل بإثبات الصفات أو نفيها وتشبعوا بالرغبة في تعطيل النصوص وردها محتجين بأن إثباتها يدل على التشبيه وأنواع المحال، وأن ظاهر النصوص باطل واعتقاده ضلال، رتبوا على هذا الأصل نفي أوصاف الكمال، فنفوا رؤية رب العزة والجلال وردوا الأخبار وأنكروا الآثار التي ثبتت في رؤية الله يوم القيامة، وقالوا أيضا بنفي صفة الكلام عن الله، وجعلوه عاجزا عن التكلم بالقرآن بحجة أنه لو كان متكلما في زعمهم لكان له فم ولسان، وأن إثبات صفة الكلام تشبيه لله بالإنسان.
وقد استفحل أمرهم وكثر عددهم وانتشر في البلاد خبرهم، ومن المؤسف أن بعض خلفاء الدولة العباسية قربهم وجعلهم في أعلى المناصب القيادية متعللين بأنهم كانوا يجادلون المخالفين مجادلة عقلية، وكانوا يقطعون الزنادقة والشيعة والجبرية في كثير من المناظرات الكلامية وأن شيوخ الحديث تعجز عن ذلك.
وفي بداية القرن الثالث الهجري تصادق المأمون بن هارون وهو من أبرز خلفاء الدولة العباسية تصادق مع بعض دعاة المعتزلة، وذلك قبل أن يكون خليفة المسلمين، فقرب إليه رجلا يقال له بشر بن غياث المرييسي ذا أصل يهودي، وكان هذا الرجل قد نظر في صفات الله بالفكر الجهمي، فغلب عليه وقال به وانسلخ من دواعي التقوى والإيمان وأعلن القول بخلق القرآن ودعا إليه حتى كان عينَ الجهمية في عصره، وكان عالمَهم المقتدى بأمره، فمقته أهل العلم وناظروه، وحكم عليه بعضهم بالفسق وكفروه.
قال الإمام الشافعي رحمه الله عن هذا الجهمي: ناظرت بشر بن غياث المريسي فكان مما قال: القرعة قمار وهي حرام، فذكرت له حديث عمران بن حصين في القرعة فبهت تاريخ دمشق 51/380، وحديث عمران رواه مسلم وفيه: (أَنَّ رَجُلا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لمْ يَكُنْ لهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ S فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَقَال لهُ قَوْلا شَدِيدًا) ، وفي رواية أخرى: (أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين) ، ومعلوم أن الوصية فيما دون الثلث، ولذلك أجرى النبي Sالقرعة بينهم، ومعنى قال له قولا شديدا أي أنكر فعله وكرهه، والشاهد أن أبسط أمور السنة لا يعرفها بشر المريسي.
واختلط الخليفة المأمون أيضا برجل يقال له أحمد بن أبي دؤاد الإيادي، وكان من أشد المتعصبين للمذهب الاعتزالي، قربه المأمون واتخذه صاحبا، ومن شدة تعلق المأمون به عظمه الشعراء نفاقا للخليفة حتى قال بعض الشعراء من بني العباس الذين تولوا المعتزلة:
رسول الله والخلفاء منا : ومنا أحمد بن أبي دؤاد.
فرد عليه بعض شعراء أهل السنة الذين أدركوا خطورة هذا الرجل وأمثاله فقال:
رسول الله والخلفاء منا : ونبرأ من دعي بني إياد
وما منا إياد إذا أقرت : بدعوة أحمد بن أبي دؤاد .
ومن شدة الترابط بين المعتزلي أحمد بن أبي دؤاد والخليفة المأمون أشار على الخليفة أن يكتب على سترة الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، بدلا من قوله تعالى: } ليْسَ كَمِثْلهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { (الشورى:11)، فأراد أن يحرف كلام الله لينفي وصفه بالسمع البصر، تماما كما قال الجهم بن صفوان عن قوله تعالى: } الرحمن على العرش استوى { (طه:5)، قال: لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصحف لفعلت.
وكذلك قرب المأمون إليه رجالا من المعتزلة حتى راوده على مذهبهم فأقنعوه وأصبح ألعوبة في أيديهم، ثم نصحوه أن يأخذ على أيدي الناس ويلزمهم أن يقولوا بقولهم توحيدا وإرضاء لربهم وإصلاحا لدينهم على زعمهم، وقد وقع المأمون بن هارون في شباكهم، وفرض على الناس بدعة جديدة لم تكن في أسلافهم، وهي البدعة الكبرى بدعة القول بخلق القرآن.
وقد وصل الأمر ببعضهم إلى محاولته تحريف القرآن حتى لا يؤمن بتلك الصفة فقال لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: أريدك أن تقرأ هذه الآية: } وَكَلمَ اللهُ مُوسَى تَكْليمَا { (النساء:164) بنصب لفظ الجلالة، وذلك ليكون موسى u هو المتكلم، أما الرب عنده فلا يتكلم ؛ لأن الكلام لا يكون إلا بفم ولسان حسب زعمه فقال أبو عمرو: هب أني وافقتك في ذلك، فماذا تفعل بقوله تعالى: } وَلمَّا جَاءَ مُوسَى لمِيقَاتِنَا وَكَلمَهُ رَبُّه { (الأعراف:143) فبهت المعتزلي؟
ولما أصر أبناء الجهمية من المعتزلة على نفي صفة الكلام عن الله تبادر إلى الذهن سؤال هام وهو: إذا كان الله لا يتكلم فهذا القرآن كلام من؟ ومن الذي تكلم به؟ فقالوا تكلم به محمد، ولما كان محمد مخلوقا فكلامه إذا مخلوق، وقد خلق الله محمدا وخلق كلامه كما خلق سائر الأشياء، أما هو سبحانه فلا يتكلم ولا يكلم أحدا من خلقه، وقد تخبط بعضهم فمرة ينسبونه إلى جبريل ! ومرة ينسبونه إلى محمد S ! ومرة يزعمون أن الله كان ولم يكن عرب ولا كلام عربي فالله خلق القرآن كما خلق العرب ! وغير ذلك من ألوان التخبط في الأدلة والتضارب في القول، وقد عبر ابن القيم عن ذلك في نونيته، فقال عن تضاربهم وتهافت قولهم مستهزئا بعقيدتهم:
إن الذي جاء الرسول به لمخلوق ولم يسمع من الديان.
والخلف بينهم فقيل محمد أنشاه تعبيرا عن القرآن.
والآخرون أبوا وقالوا إنما جبريل أنشاه عن المنان.
وتكايست أخرى وقالت إنه نقل من اللوح الرفيع الشان.
فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد أنشاه خلقا فيه ذا حدثان.

هذي مقالات لهم فانظر ترى في كتبهم يا من له عينان

لكن أهل الحق قالوا إنما جبريل بلغة عن الرحمن.
ألقاه مسموعا له من ربه للصادق المصدوق بالبرهان.
ولما وقع الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد في شباك المعتزلة وتبنى قولهم في خلق القرآن فرض على الناس تلك البدعة وأحدث انقساما شديدا في الأمة فصار الناس وقتها على فريقين:
الفريق الأول: فريق يتابع الخليفة المأمون على رأي المعتزلة وينفون صفة الكلام عن الله ويعتقدون أن القرآن مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو عندهم كافر مشبه وضال مضل يستوجب السيف والقتل، وهؤلاء هم أهل القوة والمكانة أتباع الخليفة فالمأمون استخدم قوة الدولة في تأييد هذا الرأي وإلزام الناس بتلك البدعة، وأصبحت آراء المعتزلة قضية على رأس القضايا في اهتمامات الدولة، بل من أولى الاهتمامات في الخلافة الإسلامية، والمسألة لم تعد كلاما فاسدا يطوف على ألسنة الناس بين متأفف منكر ومستحسن مؤيد، بل أصبح الأمر خطرا داهما يهدد كافة المسلمين في كل مكان ويواجه فيه أضعف الناس قوة الدولة والسلطان.
الفريق الثاني: فريق مستضعف يمثلهم علماء أهل السنة وعامة الناس من الضعفاء وغيرهم، وهؤلاء يقولون بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويؤمنون بما ورد من صفات الله في الكتاب والسنة، من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف وهم بدافع إيمانه لا يجرؤون على تحريف الكلم عن مواضعه بالتأويلات الممقوتة التي دعاهم إليها أهل البدعة.
غير أن المواجهة قد اشتدت بين الفريقين إلى أن امتُحن فيها الناس أشد امتحان فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث، ولا مؤذن ولا معلم، إلا أخذ بالمحنة وهرب كثير من الناس فرارا بدينهم، وملئت السجون بمن أنكر على أهل البدعة من المعتزلة أتباع الخليفة، وقد وصل التحدي إلى أن أمر الخليفة المأمون، أن يكتب على أبواب المساجد: لا اله إلا الله رب القرآن وخالقه، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد من الجلوس للفتيا في المساجد أو تبليغ العلم، لأنهم صرحوا بمخالفته فاعتبر المأمون ذلك منهم معارضة لسياسة الدولة .
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني

انتهت المحاضرة ولله الحمد.

البخاري في التوحيد، باب كلام الرب U يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم 6/2728 (7073).

الموضع السابق 6/2729 (7074).

الموضع السابق 6/2733 (7081).

انظر معارج القبول 1/249 بتصرف، وانظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية 6/ 522.
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 22-12-11, 04:34 PM
عمر عبد الله المصري عمر عبد الله المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-12-11
المشاركات: 60
افتراضي محاضرات دورة أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني المحاضرة السابعة عشر

المحاضرة السابعة عشر
بدعة القول بخلق القرآن ومحنة الإمام
· كيف ظهرت بدعة القول بخلق القرآن؟
لما تأصلت فكرة الجهم عند المعتزلة في استقلال العقل بإثبات الصفات أو نفيها وتشبعوا بالرغبة في تعطيل النصوص وردها محتجين بأن إثباتها يدل على التشبيه وأنواع المحال، وأن ظاهر النصوص باطل واعتقاده ضلال، رتبوا على هذا الأصل نفي أوصاف الكمال، فنفوا رؤية رب العزة والجلال وردوا الأخبار وأنكروا الآثار التي ثبتت في رؤية الله يوم القيامة، وقالوا أيضا بنفي صفة الكلام عن الله، وجعلوه عاجزا عن التكلم بالقرآن بحجة أنه لو كان متكلما في زعمهم لكان له فم ولسان، وأن إثبات صفة الكلام تشبيه لله بالإنسان.
وقد استفحل أمرهم وكثر عددهم وانتشر في البلاد خبرهم، ومن المؤسف أن بعض خلفاء الدولة العباسية قربهم وجعلهم في أعلى المناصب القيادية متعللين بأنهم كانوا يجادلون المخالفين مجادلة عقلية، وكانوا يقطعون الزنادقة والشيعة والجبرية في كثير من المناظرات الكلامية وأن شيوخ الحديث تعجز عن ذلك.
وفي بداية القرن الثالث الهجري تصادق المأمون بن هارون وهو من أبرز خلفاء الدولة العباسية تصادق مع بعض دعاة المعتزلة، وذلك قبل أن يكون خليفة المسلمين، فقرب إليه رجلا يقال له بشر بن غياث المرييسي ذا أصل يهودي، وكان هذا الرجل قد نظر في صفات الله بالفكر الجهمي، فغلب عليه وقال به وانسلخ من دواعي التقوى والإيمان وأعلن القول بخلق القرآن ودعا إليه حتى كان عينَ الجهمية في عصره، وكان عالمَهم المقتدى بأمره، فمقته أهل العلم وناظروه، وحكم عليه بعضهم بالفسق وكفروه.
قال الإمام الشافعي رحمه الله عن هذا الجهمي: ناظرت بشر بن غياث المريسي فكان مما قال: القرعة قمار وهي حرام، فذكرت له حديث عمران بن حصين في القرعة فبهت تاريخ دمشق 51/380، وحديث عمران رواه مسلم وفيه: (أَنَّ رَجُلا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لمْ يَكُنْ لهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ S فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَقَال لهُ قَوْلا شَدِيدًا)، وفي رواية أخرى: (أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين)، ومعلوم أن الوصية فيما دون الثلث، ولذلك أجرى النبي Sالقرعة بينهم، ومعنى قال له قولا شديدا أي أنكر فعله وكرهه، والشاهد أن أبسط أمور السنة لا يعرفها بشر المريسي.
واختلط الخليفة المأمون أيضا برجل يقال له أحمد بن أبي دؤاد الإيادي، وكان من أشد المتعصبين للمذهب الاعتزالي، قربه المأمون واتخذه صاحبا، ومن شدة تعلق المأمون به عظمه الشعراء نفاقا للخليفة حتى قال بعض الشعراء من بني العباس الذين تولوا المعتزلة:
رسول الله والخلفاء منا : ومنا أحمد بن أبي دؤاد.
فرد عليه بعض شعراء أهل السنة الذين أدركوا خطورة هذا الرجل وأمثاله فقال:
رسول الله والخلفاء منا : ونبرأ من دعي بني إياد
وما منا إياد إذا أقرت : بدعوة أحمد بن أبي دؤاد .
ومن شدة الترابط بين المعتزلي أحمد بن أبي دؤاد والخليفة المأمون أشار على الخليفة أن يكتب على سترة الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، بدلا من قوله تعالى: } ليْسَ كَمِثْلهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { (الشورى:11)، فأراد أن يحرف كلام الله لينفي وصفه بالسمع البصر، تماما كما قال الجهم بن صفوان عن قوله تعالى: } الرحمن على العرش استوى { (طه:5)، قال: لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصحف لفعلت.
وكذلك قرب المأمون إليه رجالا من المعتزلة حتى راوده على مذهبهم فأقنعوه وأصبح ألعوبة في أيديهم، ثم نصحوه أن يأخذ على أيدي الناس ويلزمهم أن يقولوا بقولهم توحيدا وإرضاء لربهم وإصلاحا لدينهم على زعمهم، وقد وقع المأمون بن هارون في شباكهم، وفرض على الناس بدعة جديدة لم تكن في أسلافهم، وهي البدعة الكبرى بدعة القول بخلق القرآن.
وقد وصل الأمر ببعضهم إلى محاولته تحريف القرآن حتى لا يؤمن بتلك الصفة فقال لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: أريدك أن تقرأ هذه الآية: } وَكَلمَ اللهُ مُوسَى تَكْليمَا { (النساء:164) بنصب لفظ الجلالة، وذلك ليكون موسى u هو المتكلم، أما الرب عنده فلا يتكلم ؛ لأن الكلام لا يكون إلا بفم ولسان حسب زعمه فقال أبو عمرو: هب أني وافقتك في ذلك، فماذا تفعل بقوله تعالى: } وَلمَّا جَاءَ مُوسَى لمِيقَاتِنَا وَكَلمَهُ رَبُّه { (الأعراف:143) فبهت المعتزلي؟
ولما أصر أبناء الجهمية من المعتزلة على نفي صفة الكلام عن الله تبادر إلى الذهن سؤال هام وهو: إذا كان الله لا يتكلم فهذا القرآن كلام من؟ ومن الذي تكلم به؟ فقالوا تكلم به محمد، ولما كان محمد مخلوقا فكلامه إذا مخلوق، وقد خلق الله محمدا وخلق كلامه كما خلق سائر الأشياء، أما هو سبحانه فلا يتكلم ولا يكلم أحدا من خلقه، وقد تخبط بعضهم فمرة ينسبونه إلى جبريل ! ومرة ينسبونه إلى محمد S ! ومرة يزعمون أن الله كان ولم يكن عرب ولا كلام عربي فالله خلق القرآن كما خلق العرب ! وغير ذلك من ألوان التخبط في الأدلة والتضارب في القول، وقد عبر ابن القيم عن ذلك في نونيته، فقال عن تضاربهم وتهافت قولهم مستهزئا بعقيدتهم:
إن الذي جاء الرسول به لمخلوق ولم يسمع من الديان.
والخلف بينهم فقيل محمد أنشاه تعبيرا عن القرآن.
والآخرون أبوا وقالوا إنما جبريل أنشاه عن المنان.
وتكايست أخرى وقالت إنه نقل من اللوح الرفيع الشان.
فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد أنشاه خلقا فيه ذا حدثان.

هذي مقالات لهم فانظر ترى في كتبهم يا من له عينان

لكن أهل الحق قالوا إنما جبريل بلغة عن الرحمن.
ألقاه مسموعا له من ربه للصادق المصدوق بالبرهان.
ولما وقع الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد في شباك المعتزلة وتبنى قولهم في خلق القرآن فرض على الناس تلك البدعة وأحدث انقساما شديدا في الأمة فصار الناس وقتها على فريقين:
الفريق الأول: فريق يتابع الخليفة المأمون على رأي المعتزلة وينفون صفة الكلام عن الله ويعتقدون أن القرآن مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو عندهم كافر مشبه وضال مضل يستوجب السيف والقتل، وهؤلاء هم أهل القوة والمكانة أتباع الخليفة فالمأمون استخدم قوة الدولة في تأييد هذا الرأي وإلزام الناس بتلك البدعة، وأصبحت آراء المعتزلة قضية على رأس القضايا في اهتمامات الدولة، بل من أولى الاهتمامات في الخلافة الإسلامية، والمسألة لم تعد كلاما فاسدا يطوف على ألسنة الناس بين متأفف منكر ومستحسن مؤيد، بل أصبح الأمر خطرا داهما يهدد كافة المسلمين في كل مكان ويواجه فيه أضعف الناس قوة الدولة والسلطان.
الفريق الثاني: فريق مستضعف يمثلهم علماء أهل السنة وعامة الناس من الضعفاء وغيرهم، وهؤلاء يقولون بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويؤمنون بما ورد من صفات الله في الكتاب والسنة، من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف وهم بدافع إيمانه لا يجرؤون على تحريف الكلم عن مواضعه بالتأويلات الممقوتة التي دعاهم إليها أهل البدعة.
غير أن المواجهة قد اشتدت بين الفريقين إلى أن امتُحن فيها الناس أشد امتحان فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث، ولا مؤذن ولا معلم، إلا أخذ بالمحنة وهرب كثير من الناس فرارا بدينهم، وملئت السجون بمن أنكر على أهل البدعة من المعتزلة أتباع الخليفة، وقد وصل التحدي إلى أن أمر الخليفة المأمون، أن يكتب على أبواب المساجد: لا اله إلا الله رب القرآن وخالقه، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد من الجلوس للفتيا في المساجد أو تبليغ العلم، لأنهم صرحوا بمخالفته فاعتبر المأمون ذلك منهم معارضة لسياسة الدولة.
· رسالة المأمون في إلزام الأمة بخلق القرآن وبيان ما فيها من زور وبهتان
أوجب الخليفة على كل مسلم أن يقر بخلق القرآن وينكر الأخبار والآثار تحقيقا لسلامته إن شاء البقاء على قيد الحياة وإلا سيواجه قوة الدولة بمفرده، وقد نصر الله سنته وأعز دينه بالإمام أحمد بن حنبل، هذا الحبر الجليل الذي وقف لله وقفة يضرب بها المثل في الثبات على الحق والتمسك بالسنة حتى قيل: أبو بكر ليوم الردة، وعمر ليوم السقيفة وأحمد ليوم البدعة.
قال الميمون: قال لي على بن المديني بعدما امتحن أحمد بن حنبل يا ميمون: ما قام أحد في الإسلام أحد مثل ما قام أحمد بن حنبل، قال ميمون: فعجبت من هذا عجبا شديدا وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالة على بن المديني فقال: صدق، إن أبا بكر وجد له يوم الردة أنصارا وأعوانا، وإن أحمد لم يكن له أنصار ولا أعوان.
بدأت المحنة الحقيقية سنة 218هـ عندما أرسل المأمون كتابه الشهير الذي طلب فيه من الولاة أن يختبروا أهل العلم في القول بخلق القرآن، أرسل كتابه الشهير إلى إسحاق بن إبراهيم وإلي الخليفة على بغداد يلزم الناس فيه بأن يقروا بخلق القرآن تأييدا لرأي المعتزلة فجاء فيه: (أما بعد فإن حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذي استحفظهم ومواريث النبوة التي أورثهم وأثر العلم الذي استودعهم والعمل بالحق في رعيتهم، والتشمير لطاعة الله فيهم ).
من المعلوم أن الاجتهاد المحمود هو الاجتهاد المبذول لخدمة دين الله بعد تقديم النصوص فلا اجتهاد مع نص، قال تعالى: } وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً {[الأحزاب:36].
لكن الاجتهاد الذي بذله المأمون ودعا إليه اجتهاد سلطان سعى لهدم دين الله وهو يظن أنه يحسن صنعا، فإذا وصل الأمر بالخليفة إلى أن يعتقد أن آراء المعتزلة هي عين التوحيد، وأن القول بخلق القرآن هو الحق، وينفي صفة الكلام عن الله ويشبهه بالعاجز، ويرد ما جاء في الكتاب والسنة، ثم يدعو إلى ذلك ويسميه عملا بالحق في الرعية فهذا شر البلية، فلو مات المأمون على عقيدة العجائز من العامة لكان خيرا له.
قال المأمون في رسالته الشهيرة: (واللهَ يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته والإقساط فيما ولاه الله من رعيته برحمته ومنته، وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ـ ممن لا نظر له ولا روية، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته، والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق ـ أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به، ونكوب عن واضحات أعلامه وواجب سبيله، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم ونقص عقولهم، وجفائهم عن التفكير والتذكر).
إن أهل الجهالة هم الذين تركوا كتاب الله وسنة رسوله Sوارتضوا غيره من أحكام العقول الفاسدة بديلا، قال تعالى: } قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ {[الرعد:16].
نتابع كلام المأمون في رسالته لامتحان الناس والسبب في وصفه لهم بالجهالة والضلالة، قال: (وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا مجتمعين واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول، لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه وقد قال الله U في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء، وللمؤمنين رحمة وهدى: } إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً {[الزخرف:3]، فكل ما جعله الله فقد خلقه.
وقال: } الحَمْدُ للهِ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ {[الأنعام:1] وقال U: } كَذَلكَ نَقُصُّ عَليْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ {[طه:99] فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وتلا به متقدمها، وقال: } الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلتْ مِنْ لدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ{[هود:1]، وكل محكم مفصل فله محكم مفصل، والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه).
حجة المأمون في القول بخلق القرآن .
ذكرنا أن مذهب المأمون والمعتزلة أنهم ينفون أوصاف الله U تحت مسمى التوحيد ونفي التشبيه، ولما أصرت المعتزلة على نفي صفة الكلام وقعوا في أعقد إشكال، إذا كان الله لا يتكلم فمن الذي تكلم بهذا القرآن؟ فأداهم فكر الشيطان الذي عبث بعقولهم إلى القول بأن الذي تكلم به محمد S، ومحمد مخلوق فكلامه مخلوق، فهذا القرآن مخلوق خلقه الله كما خلق سائر الأشياء.
وهم لم يستندوا في اعتقاد هذا الكلام إلى قرآن أو سنة، وليس منهجهم هو الاعتماد عليهما في الأساس، ولكنهم لما أصلوا أصولهم وسلموا لما قررته عقولهم وساقتهم إلى الضلال أهواؤهم، ووجدوا أن عامة الناس لن يسلموا لهم، أو يعتقدوا في كلامهم إلا بدليل من قرآن أو سنة، نظروا في كتاب الله ليجدوا دليلا يقوي آراءهم وليخدعوا العامة بأنهم يعتمدون على الكتاب والسنة، وهم في حقيقة أمرهم يضربون بكلام ربهم وسنة نبيهم عرض الحائط، فاستدلوا بالآيات التي كتبها المأمون في رسالته وهي قوله تعالى: } إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً {[الزخرف:3]، فقالوا كل ما جعله الله فقد خلقه، وهذا كلام باطل يدل على جهلهم بكتاب الله U ولغة العرب ؛ لأن جعل في قوله تعالى: } إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً {[الزخرف:3]، ليست بمعنى خلق، فلفظ جعل قد يضاف إلى الله U وقد يضاف إلى المخلوق، فإذا أضيفت إلى الله U فهي على معنيين:
المعنى الأول: هو المعنى الكوني ويعني الخلق والتقدير والتكوين والتدبير الذي يقع لا محالة، كقول الله تعالى: } أَلمْ نَجْعَل الأَرْضَ مِهَادًا وَالجِبَال أَوْتَادًا وَخَلقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلنَا الليْل لبَاسًا وَجَعَلنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا {[النبأ:6:13]، وكقوله U: } وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ {[الأنعام: 1]، وقوله تعالى أيضا: } وَجَعَلنَا مِن َالمَاءِ كُل شيء حَي أَفَلا يُؤْمِنُونَ {[الأنبياء:30]، وقوله: } وَجَعلنَا في الأَرْضِ رَوَاسِي أَن تَمِيدَ بِهَمْ وَجَعَلنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لعَلهُمْ يَهْتَدُونَ {[الأنبياء:31]، وقوله:} وَجَعَلنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا {[الأنبياء:32].
المعنى الثاني: هو المعنى الشرعي الديني الذي يحتوي منهج المكلفين وشريعة المسلمين، ويبين طريق عبادتهم وصلاح دنيتهم، وهذا قد يقع وقد لا يقع، ومعنى جعل هنا التشريع ووضع التكليف الديني الذي يحتوي أحكام المكلفين وشريعة المسلمين، كقوله تعالى: } فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً {[النساء:90]، أي لم يجعل لكم حكما شرعيا في قتالهم، وكقوله تعالى أيضا: } وَأَنزَلنَا إِليْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَليْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَل اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الحَقِّ لكُلٍّ جَعَلنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلوْ شَاءَ اللهُ لجَعَلكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِنْ ليَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلفُونَ {[المائدة:48]، وكقوله U: } مَا جَعَل اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلةٍ وَلا حَامٍ وَلكِنَّ الذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ على اللهِ الكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون {[المائدة:103]، وكقوله: } أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلنَا لهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ ليْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلكَ زينَ للكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون {[الأنعام:122].
ومن هذا المعنى الشرعي ما ورد في قوله تعالى: } إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لعَلكُمْ تَعْقِلُونَ {[الزخرف:3]، أي أنزل كلامه وشريعته بلغة العرب، وقد بين الله السبب في ذلك فقال: } وَلوْ جَعَلنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لقَالُوا لوْلا فُصِّلتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُل هُوَ للذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَليْهِمْ عَمًى أُوْلئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ {[فصلت:44]، وقال: } وَكَذَلكَ أَوْحَيْنَا إِليْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلا الإيمان وَلكِنْ جَعَلنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ {[الشورى:52].
لكن الخليفة المأمون بن هارون لم يدرك تلك القضية وأبعادها فأداه ذلك أن يلبس الأمور ويخلط معاني الجعل فجعل الكوني بالمعني الشرعي والشرعي بالمعني الكوني فقال في رسالته: (وقد قال الله U في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء وللمؤمنين رحمة وهدى: } إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً {[الزخرف:3]، فكل ما جعله الله فقد خلقه، وقال: } الحَمْدُ للهِ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ {[الأنعام:1])، فجعل في الآية الأولى التي أوردها بمعنى شرع وفي الآية الثانية بمعنى خلق، وأراد المأمون أن يسوي بينهما.
وقد تضاف جعل إلى الله U وتشمل المعنيين معا، الكوني الشرعي، كقول الله تعالى: } وَإِذْ جَعَلنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وَأَمْنًا {[البقرة:125]، وكقوله U: } جَعَل اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا للنَّاسِ {[المائدة:97]. أما جعل إذا أضيفت لمخلوق فلا تكون بمعنى خلق وليست بالمعنى الكوني أو الشرعي، كقوله تعالى: } أَجَعَلتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ.. {[التوبة:19] فجعل هنا لا يمكن أبدا أن تكون بمعنى خلق، فالإنسان لا يخلق سقاية الحاج ولا يشرع حكمها ولكن يتولها ويتولى أمرها، ومن ثم ليس كل ما جعله فقد خلقه كما زعم المأمون، وكقوله تعالى: } وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ {[البقرة:224]، وقال: } يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالكَافِرِين {[البقرة:19]، وقوله: } قَال اجْعَلنِي على خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَليمٌ {[يوسف:55]، وقال:} وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلهَا أَذِلةً وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ {[النمل:34].
وكذلك جعل إذا تعدت إلى مفعول واحد كانت بمعنى خلق كما في قوله: } وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ {[الأنعام:1]، وإذا تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى خلق كقول الله تعالى: } وَلاَ تَنقُضُوا الإيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلتُمُ اللهَ عَليْكُمْ كَفيِلاً {[النحل:91] وقال: } وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ {[البقرة:224]، وكذلك قوله: } إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرآنَاً عَرَبِيًّا {[الزخرف:3]، فإنها تعدت إلى مفعولين.
أما احتجاج المأمون في رسالته بقوله تعالى: } الحَمْدُ للهِ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ {[الأنعام:1] فيحتمل أنه يستشهد بأن جعل بمعنى خلق في قوله تعالى: } إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرآنَاً عَرَبِيًّا {[الزخرف:3]، فإن كان يقصد ذلك فهذا باطل لأنه خلط وتلبيس لمعاني الجعل حيث جعل الكوني بالمعنى الشرعي والشرعي بديلا عن المعنى الكوني وأراد أن يسوى بينهما.
ويحتمل أنه يقصد أن القرآن موجود في الأرض وهي مخلوقة فالقرآن مخلوق، وهذا باطل أيضا، لأن المعلوم أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ كما قال تعالى: } إِنَّهُ لقُرآنٌ كَرِيمٌ في كِتَابٍ مَّكْنُونٍ {[الواقعة:78]، فالقلم واللوح مخلوقان لله، لما روى أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث عُبَادَة بن الصَّامِتِ أنه قال لابْنِهِ: (يَا بُنَيَّ إنَّكَ لنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإيمان حتى تَعْلمَ أنَّ مَا أصَابَكَ لمْ يَكُنْ ليُخْطِئَك َ، وَما أخْطَأَكَ لمْ يَكُنْ ليُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُول الله S يَقُولُ: إنَّ أوَّل مَا خَلقَ الله تعالى القَلمَ فقال له: اْكْتُبْ، فقَال: رَبِّ وَمَاذَا أكْتُب؟ قال: اْكْتُبْ مَقَادِيرَ كُل شَيْء حتى تَقُومَ السَّاعَةُ، يَا بُنَيَّ إنِّي سَمِعْتُ رَسُول الله S يَقُولُ: مَنْ مَاتَ على غَيْرِ هٰذَا فَليْسَ مِنِّي)، فالقلم واللوح مخلوقان لله، أما كلامه المكتوب في اللوح المحفوظ فهو مما تكلم الله به، وكلامه صفة من صفاته اتصف بها في الأزل، فكما أن الله أول بذاته قبل كل شيء، فهو أيضا أول بصفاته قبل كل شيء.
وكذلك يقال في القرآن الذي بين أيدينا، الأوراق والحبر والقلم مخلوقات خلقها الله أما كلام الله المكتوب في القرآن فهو مما تكلم الله به، وكلامه صفة من صفاته اتصف بها في الأزل، فكما أن الله أول قبل كل شيء بذاته، فهو أيضا أول قبل كل شيء بصفاته فلا حجة لهم في استدلالهم بقوله تعالى: } الحَمْدُ للهِ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ {[الأنعام:1].
ولذلك أدرك بعض اليهود بهتان حجة المأمون، فقد اختصم يهودي ومسلم إلى بعض القضاة من القائلين بخلق القرآن، فحكم القاضي على المسلم باليمين وضرورة أن يحلف على صدقه وبراءته، فقال اليهودي: لا بأس حلفه، فقال المسلم أحلف بكتاب الله الذي لا إله إلا هو، فقال اليهودي: حلفه بالخالق لا بالمخلوق، فإن يزعم أن القرآن مخلوق، فحلفه بالخالق وظهر بهتانه.
أما استدلال الخليفة لمذهب المعتزلة بقوله تعالى: } كَذَلكَ نَقُصُّ عَليْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ {[طه:99]، وزعمه أن القرآن قصص لأمور أحدثه بعدها وتلا به متقدمها، فقد ذكرنا أن القرآن مكتوب في اللوح قبل وجود الخلائق، وقبل كتابته في اللوح كان في علم الله، وعلم الله صفة أزلية أولية، قائمة بذات الله اتصف بها في الأزل.
ولذلك لما ناظروا الإمام أحمد في حضرة المعتصم، قال له عبد الرحمن بن إسحاق: ما تقول في القرآن؟ فقال الإمام أحمد: ما تقول في علم الله؟ فسكت عبد الرحمن ولم يتمكن من الجواب، فقال أحمد: القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله، فقال عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، فقال الإمام أحمد: كان الله ولا علم، فسكت عبد الرحمن.
ولذلك أيضا فإن المعتزلة يصرون على أن القرآن كلام الرسول Sوأن الله لم يتكلم به محتجين بقوله تعالى: } إِنَّهُ لقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ {[الحاقة:40]، ولفظ الرسول ذكر في الآية معرفا بأنه رسول، والرسول مبلغ عن مرسله، فلم يقل إنه قول ملك أو نبي، فعلمنا أنه بلغه عمن أرسله به، لا أنه أنشأه من جهة نفسه، وأيضا الرسول في إحدى الآيتين في سورة الحاقة أو التكوير هو جبريل، وفي الأخرى محمد S فإضافة القول إلى كل منهما تبين أن الإضافة للتبليغ، إذ لو أخترعه أحدهما أو أحدثه أو ألفه امتنع ذلك على الآخر، وأيضا فقوله: } إِنَّهُ لقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ {[التكوير:21]، فيه وصف الرسول بأنه أمين وهذا دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص منه بل هو أمين على ما أرسل به يبلغه عن مرسله .
وأيضا فإن الله U قد كفر من جعل القرآن قول البشر وتوعده بسقر، ومحمد Sبشر فمن جعله قول محمد فقد كفر، قال تعالى عمن زعم أنه سحر أنشأه محمد Sمن عنده: } كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِل كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِل كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَر فَقَال إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ البَشَرِ سَأُصْليهِ سَقَر وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَر {[المدثر:16/28]، فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول إنه قول بشر أو جني أو ملك.
كما أن الكلام كلام من قاله مبتدئا لا من قاله مبلغا، فمن سمع قائلا يقول: أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي، قال: هذا شعر حافظ إبراهيم، ومن سمع قائلا يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى قال: هذا حديث للرسول S، ومن سمع قائلا يقول: } الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {[الفاتحة:2/3]، قال: هذا كلام الله، لو كانت لديه معرفة سابقة وإلا قال: لا أدري كلام من هذا؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لرمي بالكذب، ولهذا من سمع من غيره نظما أو نثرا قال له: هذا كلام بديع، كلام من هذا؟ هذا كلامك أو كلام غيرك؟ .
قال الإمام أبو حنيفة: (القرآن في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ وعلى الألسن مقروء وعلى النبي منزل ولفظنا بالقرآن مخلوق - يقصد حركة اللسان التي تتم لإخراج الحروف - والقرآن غير مخلوق، وما ذكر الله في القرآن عن موسى عليه السلام وغيره وعن فرعون وإبليس فان ذلك كلام الله إخبارا عنهم، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم، وسمع موسى u كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويري لا كرؤيتنا ويتكلم لا ككلامنا).
أما استدلال الخليفة المأمون لمذهب المعتزلة بقوله تعالى: } الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلتْ مِنْ لدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ {[هود:1]، وحجته أن كل محكم مفصل له محكم مفصل، والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه.
وهذا استدلال باطل لأنه ما من متكلم إلا وكلامه فيه إجمال وتفصيل وعموم وخصوص، وغير ذلك من أنواع الكلام، فهل كل متكلم من البشر أو غيرهم خالق لكلامه؟ ثم ما علاقة ذلك بكونه يتكلم أو لا يتكلم؟! فهم لو قالوا إن الله يتكلم ولا ندري كيف يتكلم لاهتدوا إلى الصواب كما اهتدى السلف الصالح ولكنهم رفضوا الإيمان بصفة الكلام أصلا وكذبوا بالآيات التي تدل على ثبوت الصفة لله، فقالوا لا يتكلم ولا يكلم وشبهوه بالأبكم تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
قال الخليفة المأمون عن علماء السلف الصالح: (ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفي كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته مبطل قولهم ومكذب دعواهم، يرد عليهم قولهم ونحلتهم)، وهذا زور وبهتان فلم يرد في القرآن والسنة ما يدل على صدق البدعة التي دعت إليها المعتزلة في نفي الصفات والقول بخلق القرآن.
قال المأمون: (ثم أظهروا مع ذلك، أنهم أهل الحق والدين والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة، فاستطالوا بذلك على الناس، وأغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيء آرائهم تمثلا بذلك عندهم وتصنعا للرياسة والعدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم).
ادعاء المأمون أن أهل السنة يكفرون المعتزلة.
زعم الخليفة المأمون في رسالته أن أهل السنة والجماعة يكفرون المعتزلة، وهذا زعم باطل، فهم لا يكفرون إلا من كذب منهم بآيات الكتاب صراحة، أو قامت عليه البينة في أن قوله تكذيب لكلام الله وأصر على ما هو فيه، ولذلك لما حمل الإمام أحمد من دار الخلافة بعد أن جلدوه، وحضرت صلاة الظهر صلى معهم ولم يكفرهم فيما اعتقدوه، لأنه يعلم أنهم أهل جهالة بالله وعمى عنه.
وانظر إلى تحامل الخليفة على أهل السنة ووصفه لهم في رسالته بأبشع الأوصاف لأنهم عارضوه وتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله S، فحاول أن يفَصِّل لهم تهمة تبرر اعتقالهم وعقابهم، وهي زعمه أنهم يستترون بالدين من خلال إصرارهم على هذا الاعتقاد لطلب السلطة والرياسة، ثم يقول عن علماء السلف: (حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه ومواطأتهم على سيء آرائهم، تزينا بذلك عندهم وتصنعا للرياسة والعدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم).
يشير المأمون بن هارون إلى قوله تعالى: } أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلمَّا يَعْلمْ اللهُ الذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولهِ وَلا المُؤْمِنِينَ وَليجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {[التوبة:16]، ومعنى الآية أن الله ابتلى المؤمنين بالجهاد ليمحص أهل الحق، ويميز الذين ناصروا الله ورسوله ظاهرا وباطنا ممن نافقوا وناصروا الله في الظاهر فقط، أما الباطن فقد اتخذوا من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة يعني بطانة من الكافرين والمشركين يوالونهم على الكفر ويفشون إليهم أسرارهم بعداوة المسلمين، فالمأمون يشبه المعتزلة ودعوتهم إلى ما يسمى بالتوحيد ونفي الصفات وما أحدثوه في الأمة من فتن ومنازعات يشبههم بالمجاهدين الأولين من الصحابة في المعارك والغزوات لإعلاء راية التوحيد والقضاء على الشركيات، ويشبه علماء السلف بالمنافقين الذين يتخذون وليجة من دون المؤمنين فينافقون الخليفة في الظاهر ويدعون الناس في الباطن إلى خلاف ما يعتقدون، فأي عمى أصابه حين انقلبت لدية الموازين وأصبح الباطل حقا والحق باطلا .
ثم قال المأمون عن علماء السلف: (فقُبلت بتزكيتهم لهم شهادَتُهم، ونُفِّذَت أحكامُ الكتاب بهم على فساد نياتهم ويقينهم، وكان ذلك غايتَهم التي إليها أُجِّروا وإياها طُلبُوا في متابعتهم والكذبِ على مولاهم، وقد أُخِذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه أولئك الذين أصمهم الله وأعمى أبصارهم: } أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا {[محمد:24]).
لقد وصف السلف بأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون وأن المعتزلة هم أهل البصيرة الذين يفهمون ويعقلون فمن الأولى بذلك الوصف؟ الأولى بذلك هم أهل البدعة من المعتزلة ومن شايعهم، فهم اعتمدوا عقولهم وأهوائهم حجة وحيدة في وصف ربهم، وأوجبوا عليه أن يتصف بكذا وكذا مما استحسنوه ولا يتصف بكذا وكذا مما قبحوه، وقد نزه الله تعالى نفسه عن وصف العباد له واستثنى الوصف الذي بلغه عن الله المرسلون، فقال سبحانه وتعالى في مثل قول المأمون بن هارون: } سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ على المُرْسَلينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ {[الصافات:182].
فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الظالمون، ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوا به رب العالمين، وأنهم لم يكونوا مشبهين ولا معطلين، وإنما كانوا موحدين مثبتين كل ما أثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله S، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد فقال: } وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ {[الصافات:182]، فلولا أن الله U عرفنا بنفسه في كتابه وفي سنة رسوله ما عرفناه S، ولو تركنا لعقولنا كما أراد الخليفة والمعتزلة لضل الناس في معرفة ربهم.
وقد ومضى خير القرون من الصحابة والتابعين على ما كان عليه رسول الله S كلهم بنبيهم محمد S مقتدون وعلى منهاجه سالكون، ولم يبتدعوا كما ابتدع المأمون بن هارون، بل هم أصحاب البصيرة وهم خير القرون يقرؤون القرآن ويتدبرون معناه ويؤمنون به ويعملون بمقتضاه، قال تعالى: } قُل هَذِهِ سَبِيلي أَدْعُو إلى اللهِ على بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ {[يوسف:108]، ونبينا S أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه فبعث بعلوم الأولين والآخرين ولم يدع إلى هذه البدع التي يسميها المأمون توحيدا وجهادا .
قال المأمون عن علماء السلف: (فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة ورؤوس الضلالة، المنقوصين من التوحيد حظا، والمبخوسون من الإيمان نصيبا، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله).
انظر مدى تمسك المأمون بمذهب المعتزلة وكيف غرسوا فيه هذا الاعتقاد إلى درجة أنه يعتبر المخالفين له من السلف هم شر الأمة ورؤوس الضلالة، وأنهم لا إيمان لهم ولا توحيد، وإنما هم أولياء الشيطان الذين يتكلمون بلسان إبليس.
لقد أسهمت بطانة السوء من المعتزلة في إضلال الخليفة وصاروا كالأفعى التي بثت سمها في قلبه، حتى ظن أن قولهم في نفي الصفات هو الحق الذي لا تشوبه شائبة وأنه منتهى التوحيد الذي يضبط به نوعيات العاملين لديه في مؤسسات الدولة، ومن ثم أوجب على أولي الأمر اختيار البطانة الصالحة من أهل العلم حتى يتم بزعمه صلاح الراعي والرعية.
قال المأمون عن علماء السلف الصالح: (وهم أحق من يتهم في صدقه وتطرح شهادته، ولا يوثق بقوله ولا عمله، فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام وإخلاص التوحيد - يقصد توحيد المعتزلة - ومن عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبتوحيده كان عما سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأضل سبيلا، فاجمع من بحضرتك من القضاة واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق فيما قلده الله واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم بأن يسألوا من يحضرهم عن علمهم في القرآن، وأن يتركوا إثبات شهادة من لم يقر بأنه مخلوق محدث والامتناع من توقيعها عندهم).
أي دليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله S على أن الشاهد عند أداء الشهادة يمتحن في خلق القرآن، فإن أقر بأن الله يتكلم ردت شهادته وإن اعتقد اعتقاد الخليفة بأن الله لا يتصف بالكلام قبلت شهادته؟ أليست تلك بدعة نظير لها ولا يختلف عليها اثنان؟ فمن هم أهل البدعة والجهالة والعمى؟ لقد صدق قول القائل السلفي في الخليفة المأمون:
يا أيها الناس لا قول ولا عمل : لمن يقـول كلام الله مخلوق
ما قال ذاك أبو بكـر ولا عمر : ولا النبي ولم يذكره صديق
ولم يقـل ذاك إلا كل مبتدع : على الرسول وعند الله زنديق
يا قوم أصبـح العقل من خليفتكم مقيـدا وهو في الأغلال موثوق.
ولما ولى الخليفة المأمون بشر بن الوليد الكندي أمور القضاء بعد أن أقر بمذهب المعتزلة في خلق القرآن، كان إذا جاءه الشاهد في قضية ما سأله عن كلام الله وخلق القرآن، هل الله يتكلم أم لا؟ فإن قال بأنه يكلم رد شهادته، وإن قال لا يتكلم وشبهه بالأبكم قبل شهادته، فجاء رجل مرة ليشهد، فسأله بشر بن الوليد، فقال الشاهد: إن الله يتكلم كما يليق بجلاله، والقرآن غير مخلوق، واحتج على عقيدته بقوله U: } وَكَلمَ اللهُ موسى تَكْليماً {[النساء:164]، فرد بشر شهادته واتهمه في دينه، فخرج الرجل يصيح ويقول مخاطبا المأمون:
ألا أيها الملك المـوحد ربـه : قاضيك بشر بن الوليد حمار
ينفي شهادة من يدين بما به : نطق الكتاب وجاءت الأخبار
مناظرة العلماء في خلق القرآن.
قال المأمون لنائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم: (واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مساءلتهم، والأمر لهم بمثل ذلك، ثم أشرف عليهم وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر في الدين والإخلاص للتوحيد، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء الله، وكتب في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة ومائتين).
هذا كتاب المأمون بن هارون الذي حمل من ألوان الفتنة وأنواع الضلال وهو يدل بحق على مقدار البلاء الذي حل بالأمة الإسلامية بسبب الآراء الاعتزالية، فقد أمر الوالي إسحاق بن إبراهيم أن يجمع من بحضرته من القضاة، وأن يقرأ هذا الكتاب عليهم ويبدأ في امتحانهم والكشف عن اعتقادهم، وأن يقرأ هذا الخطاب عليهم مرارا حتى يدركوا مراد الخلفية منهم.
وقد كان رد الفعل في بغداد أن الوالي إسحاق بن إبراهيم أحضر الفقهاء والمحدثين والقضاة، وكان من أبرزهم أحمد بن حنبل، وأبو حيان الزيادي، وبشر بن الوليد الكندي، وعلى بن أبي مقاتل، وسعدويه الواسطي، وعلى بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ويحي ابن عبد الحميد العمري، وشيخ آخر من سلالة عمر كان قاضيا على الرقة، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح، وابن الفرخان، والنضر بن شميلة، وأبو على بن عاصم، وأبو العوام البارد، وأبو شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق، وجماعة من أهل العلم، قرأ عليهم خطاب المأمون مرتين حتى فهموه.
ثم سأل بشر بن الوليد عن القرآن؟ فقال بشر: قد عرفت مقالتي لأمير المؤمنين غير مرة القرآن كلام الله. قال إسحاق بن إبراهيم: أمخلوق هو؟ قال بشر: } اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ {[الرعد:16]. قال إسحاق: أليس القرآن شيء؟. قال بشر: هو شيء. قال إسحاق: فمخلوق هو؟ قال بشر: ليس بخالق. قال إسحاق: ليس أسألك عن هذا. قال بشر: لا أحسن غير ما قلت وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه وليس عندي غير ما قلت.
أراد بشر بن الوليد الكندي في جوابه التورية والمواربة، فهو يبطن اعتقاد السلف ولكنه أراد الحيدة ليتخلص من امتحان الوالي وبطش الخليفة محتجا بقوله: } اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ {[الرعد:16] فيسكتوا عنه، لأن العموم في الآية مخصوص بالمخلوقات فقط، أما ذات الله وصفاته ومنها صفة الكلام وما تكلم الله به في القرآن فلا يندرج تحت عموم الآية.
والدليل على أنه سبحانه لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة قوله تعالى عن الريح التي أرسلها على عاد: } تُدَمِّرُ كُل شيء بِأَمْرِ رَبِّهَا {[الأحقاف:25]، وقد أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها كمنازلهم ومساكنهم والجبال التي كانت بحضرتهم، فأتت عليها تلك الريح ولم تدمرها، وبالرغم من ذلك قال: تدمر كل شيء، ومثل ذلك أيضا قول الهدهد عن بلقيس ملكة اليمن: } إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُل شَيْءٍ وَلهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ {[النمل:23]، وعرش سليمان u كان موجودا وقتها ولم تستحوذ عليه بلقيس، فكذلك إذا قال تعالى: } اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ {[الرعد:16]، لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة.
وقال الله لموسى u: } وَاصْطَنَعْتُكَ لنَفْسِي {[طه:41]، وقال: } وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَه{[آل عمران:28] وقال تعالى: } كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِه {[الأنعام:54]، وقال U: } تَعْلمُ مَا في نَفْسِي وَلا أَعْلمُ مَا في نَفْسِكَ {[المائدة:116]، ثم قال سبحانه وتعالى: } كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ {[آل عمران:185]، فالعقلاء يعلمون أن الله لا يعني نفسه مع الأنفس التي تذوق الموت، فكذلك إذا قال: } اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ {[الرعد:16]، لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة.
فالقول الذي عليه السلف الصالح أن الله خالق كل شيء من الممكنات أو الحوادث المخلوقات، أما القرآن الذي تكلم به الله وبدا من كلامه فليس بمخلوق بل هو وصف أزلي قائم بالذات، وهو سبحانه شيء لا كسائر الأشياء ولا يطبق عليه ما يطبق على عليها قال تعالى: } ليْسَ كَمِثْلهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{[الشورى:11]، وقال سبحانه: } فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأمْثَال إِنَّ اللهَ يَعْلمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلمُون {[النحل:74].
فلما قال بشر لا أحسن غير ما قلت وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه وليس عندي غيرُ ما قلت، أخذ إسحاق بن إبراهيم رقعة كانت بين يديه مكتوب فيها إقرار سيوقع عليه كل من لا يقر بخلق القرآن وكان فيها: أشهد أن الله واحد أحد فرد صمد، لم يكن قبله شيء، ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه، في معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه، فقرأها إسحاق بن إبراهيم على بشر بن الوليد الكندي وقال له: أتشهد على ما في هذه الرقعة؟ قال بشر: نعم، فقال إسحاق لكاتبه: أكتب ما قال.
لكن العبارة التي أشهده عليها عبارة مرنة ظاهرها حق وفي داخلها إقرار ضمني بمذهب المعتزلة، لأن معنى أن الله لا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا في وجه من الوجوه يلزم منها عندهم نفي الصفات عن الله مطلقا كالسمع والبصر والكلام وغير ذلك، لأن المخلوق له صفات أيضا كالسمع والبصر والكلام، فالاجتماع في الألفاظ العامة المشتركة يوجب عند المعتزلة التشبيه والتمثيل، وهذا من فساد الفطرة وخراب العقل، لأن التشبيه لا يكون إلا إذا قال سمع الله مثل سمعي وبصره كبصري وكلامه ككلامي فهذا تشبيه.
ومن ثم فقد أخطأ بشر بن الوليد الكندي حين أقر بهذه العبارة على إطلاقها وسوف نرى موقف الإمام أحمد منها.
ثم توجه الوالي إسحاق بن إبراهيم إلى على بن مقاتل فسأله عن قوله وعقيدته في القرآن، فقال على: هو كلام الله، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا، ثم قال: قد يكون قوله كاختلاف أصحاب الرسول S في الفرائض والمواريث ولم يحملوا الناس عليها، فأشهده على الرقعة التي فيها: أشهد أن الله واحد أحد فرد صمد، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه، وقال له: أتشهد على ما في هذه الرقعة قال: نعم، فقال إسحاق لكاتبه أكتب ما قال.
ثم توجه إلى أبي حسان الزيادي وسأله عن القرآن فقال: القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، وما دون الله مخلوق، وأمير المؤمنين قلده الله أمرنا يقيم حجنا وصلاتنا، ونؤدي إليه زكاة أموالنا، وإن أمرنا ائتمرنا، وإن نهانا انتهينا، قال إسحاق بن إبراهيم: القرآن مخلوق؟ فأعاد أبو إسحاق ما قاله، قال إسحاق: إن هذه مقالة أمير المؤمنين، قال أبو حسان: قد تكون مقالة أمير المؤمنين ولا يأمر بها الناس ولا يدعوهم إليها، إن أخبرتني أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول بخلق القرآن قلت به، قال إسحاق: ما أمرني أن أبلغك شيئا إنما أمرني أن أمتحنك، فأشهده على الرقعة فشهد وكتب جوابه.
موقف الإمام أحمد في المناظرة حول خلق القرآن.
ثم جاء دور الإمام أحمد في محنته، وهو قوي بسيف الحق في حجته، صريح في دليله ومقولته، لا يلمح ولا يلوح، ظاهره ينبئ عن باطنه، لا يستخدم الحيدة أو التأويل، فهو بحول الله على الحق قائم، ولا يخشى في الله لومة لائم، فقال له بن إبراهيم: ما تقول في القرآن؟ قال أحمد: هو كلام الله، قال إسحاق: أمخلوق هو؟ قال أحمد: هو كلام الله ولا أزيد على ذلك، قال إسحاق بن إبراهيم أتوافق على الرقعة التي فيها: أشهد أن الله واحد أحد فرد صمد، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه؟ قال الإمام أحمد أقول: } ليْسَ كَمِثْلهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {[الشورى:11]، ورفض ما في الرقعة لاشتمالها على حق وباطل.
وقد التزم الإمام أحمد بمنهج أهل السنة فأثبت القدر الفارق ولم يمثل، وأثبت القدر المشترك ولم يعطل، وأمسك عن عبارة: ولا يشبهه أحد من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه.
قال أحد الحاضرين من المعتزلة ينبئ عن جهله بصفات الله U يقال له ابن البكاء الصغير، قال لإسحاق بن إبراهيم: يا أمير إنه يقول سميع بأذن بصير بعين، قال إسحاق لأحمد: ماذا أردت بقولك وهو السميع البصير؟ قال أحمد مفحما لهما: أردت منها ما أراده الله ورسوله.
ثم اختبرهم رجلا رجلا وكتب ما كان منهم، وبعث جوابهم إلى الخليفة المأمون بن هارون، فمكث القوم تسعة أيام ثم دعا بهم إسحاق بن إبراهيم وإلي الخليفة على بغداد وقد ورد كتاب المأمون الثاني جاء فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغ أميرَ المؤمنين كتابُك جوابَ كتابه إليك، فيما ذهب إليه متصنعة أهل القبلة وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة، وما كان من قولهم في القرآن لما أمرك أمير المؤمنين بامتحانهم وتكشيف أحوالهم، فأما ما قاله المغرور بشر بن الوليد في نفي التشبيه وما أمسك عنه من أن القرآن مخلوق، وادعاء تركه الكلام في ذلك واستعهاده أمير المؤمنين فقد كذب بشر في ذلك وكفر وقال الزور والمنكر.
ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك ولا في غيره عهد ولا نظر أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق، فادعه إليك وأعلمه ما أعلمك به أمير المؤمنين من ذلك، وأنصصه عن قوله في القرآن واستتبه منه، فإن أمير المؤمنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته، إذ كانت تلك المقالة الكفر الصريح والشرك المحض عند أمير المؤمنين، فإن تاب منها فأشهر أمره وأمسك عنه، وإن أصر على شركه ورفض أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله، وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشرا فإنه كان يقول بقوله، فإن قال إن القرآن مخلوق فأشهر أمره وأكشفه وإلا فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها واستدل على جهله وآفته).
وقد سمى الخليفة المأمون في خطابه رجلا رجلا ثم قال: (ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت لأمير المؤمنين في كتابك وذكره أمير المؤمنين لك، أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا ولم يقل إن القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين ويسلمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه لينصحهم أمير المؤمنين فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعا على السيف إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وقد أنفذ أمير المؤمنين كتابه هذا في خريطة بندارية، ولم ينتظر اجتماع الكتب الخرائطية ـ يعني الرسائل العادية ـ معجلا به تقربا إلى الله U بما أصدر من الحكم ورجاء ما اعتمد، وإدراك ما أمل من جميل ثواب الله عليه، فأنفذ لما أتاك من أمر المؤمنين، وعجل إجابة أمير المؤمنين بما يكون منك خريطة بندارية مفردة عن سائر الخرائط لتعريف أمير المؤمنين ما يعلم شاء الله).
عند ذلك أدرك المحدثون أن الخليفة قد أجمع أمره، وأنه فوض نائبه في بغداد إسحاق بن إبراهيم بقطع الرقاب، وأن الأمر شديد فأجابوا مكرهين متأولين قول الله تعالى: } إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيمانِ {[النحل:106].
أجاب القوم كلهم إلى أن القرآن مخلوق حين دعاهم إسحاق بن إبراهيم وأعاد امتحانهم، ولم يمتنع إلا أربعة نفر منهم الإمام أحمد بن حنبل والحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الحَضْرَمِيُّ المكني بسجادة، وعبيد الله بن عمر القواريري، ومحمد بن نوح.
فأمر إسحاق بن إبراهيم باعتقالهم وشدهم في الحديد ووضعهم في السجن، ثم في اليوم الثاني دعاهم جميعا، فأتي بهم يساقون في الحديد، فأعاد عليهم المحنة فأجابه سجادة الحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ إلى أن القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلى سبيله، وأصر الآخرون على قولهم، فلما كان من بعد الغد عاودهم أيضا فأعاد عليهم القول فأجاب عبيد الله بن عمر القواريري إلى أن القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلة سبيله.
وأصر الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما في خلق القرآن وأن القرآن كلام الله غير مخلوق ولم يستجيبا لوالي الخليفة، فزاد إسحاق بن إبراهيم من قيودهما في الحديد ووضعهما في سجن بغداد استعدادا لترحيلهما إلى الخليفة المأمون، وكان إسحاق بن إبراهيم قد كتب للمأمون كلاما خاصا عن الإمام أحمد يلفت نظر الخليفة إلى أن له منزلةً في قلوب الأمة من حيث العلم والصدق والزهد في الدنيا، وأنه يرى الطاعة لأمير المؤمنين.

انتهت المحاضرة
نقلاً عن موقع الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 14-07-12, 06:28 PM
منصور البلوي منصور البلوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-01-12
المشاركات: 30
افتراضي رد: أصول العقيدة في توحيد الأسماء والصفات للشيخ الرضواني

بارك الله فيك آخي . ونفع الله بك

نقل موفق . وآسلوب الشيخ جدآ رآئع .
والدورة مسجله بموقعه يستطيع طالب العلم تحميلها وسمآعهآ

وهي 30 محآظرة .
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
للشيخ , محاضرات , أصول , المحاضرة , الأسماء , الثالثة , الثامنة , التاسعة , التائية , الخامسة , الحادية , الرابعة , الرضواني , السابعة , السادسة , العاشرة , العقيدة , توحيد , دورة , عشر , والصفات

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:15 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.