ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى السيرة والتاريخ والأنساب

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-02-12, 04:59 PM
السنارى السنارى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-01-11
المشاركات: 254
افتراضي التاريخ والعلم فى جدال الحداثة فى مصر فى القرن التاسع عشر

بسم الله الرحمن الرحيم
فهذا بحث للدكتور محمد عبد الوهاب جلال مدرس مادة مناهج البحث التراثي ومدخل إلى فهم النصوص في معهد المخطوطات وقد أخذت منه عدة أبحاث وهو لا يهتم بالنشر والظهور في الإعلام مع تمكنه في التحليل التاريخي والسياسي وهو يدرس في المعهد ولا يأخذ على تدريسا أجرا مع أن المحاضرة الواحدة يؤخذ عليها سمعت 150 دلاور أو أقل وهو يدرس مادتين وهو يمتاز بالأدب العالي والحلم مع الطلاب ويكلف الطلاب بالأبحاث ويقرأه حرفا حرفا لتقييمها ويعطي كل باحث حقه من التقييم وهو من أسرة فقيرة في النوبة في أسوان صعيد مصر حصل على كلية العلوم ودرس في السودان الماجستير والدكتوراه في فرنسا في الرياضيات وتزوج مغربية في فرنسا لما كان عمره خمسة وعشرين سنة وهو دين يصلى و يحمل رسالة وإرادة قوية وهذا أقل من نقدمه له وهو نشر أبحاثه . هأنذا أشرع في كتابة البحث . كاتبه يوسف السناري

التاريخ والعلم فى جدال الحداثة فى مصر فى القرن التاسع عشر
د. محمد عبد الوهاب جلال


[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/NewLook/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]

تنازعت المصريين الذين أتيح لهم مشاهدة بعض الآلات التى بها ، والتجارب التى أجراها ، علماء الحملة الفرنسية فى القاهرة ، مشاعر متناقضة تجمع بين الانبهار وعدم الإكتراث [1]. إلا أن شيئا واحدا ً بقى فى أذهان بعضهم وهو أن ثمة معارفا ً تختلف عن علوم الأزهر لها من الفاعلية والتفوق ما كسر من شوكة المماليك القوية رؤوس السلطة فى مصر لقرون عديدة . وكانت عبارة الشيخ حسن العطار (1766 – 1835) : " إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها ، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها "[2] بمثابة برنامج للتغيير لم تتح له فرصة التنفيذ إلا بعد ذلك بسنوات .
بدأ الإتصال الحقيقى بالعلوم الحديثة فى مصر فى عهد محمد على (1805 – 1848) الذى قام بإصلاحات واسعة بهدف إنشاء جيش قوى على نمط الجيوش الأوربية. وقد تم ذلك الإتصال فى المدارس "الخصوصية" التى أنشأها الباشا على يد الأساتذة الأجانب الذين أُستُقدموا للتدريس فى هذه المدارس ، ومن خلال البعثات العلمية التى أوفدت إلى دول أوربية – أكثرها إلى فرنسا – وعن طريق الكتب العلمية التى تمت ترجمتها إلى العربية .
لربما كانت السرعة التى تم بها الإجهاز على الأسطول المصرى فى معركة نفارين قبالة السواحل اليونانية سنة 1827 بنيران سفن الحلفاء – إنجلترا وفرنسا – التى بدا تفوقها واضحاً بالمقارنة مع "بدائية" الأسطول المصرى أحد أسباب التغيير النوعى فى سياسة محمد على التعليمية من حيث المستوى والتنظيم والمناهج وإستقدام الأساتذة الأجانب . فمدرسة المهندسخانة الأولى التى أنشأها الوالى فى القلعة سنة 1815 لتعليم ثلة من أبناء مماليكه وثلة من أبناء المصريين" قواعد الحساب والهندسة وعلم المقادير والقياسات والإرتفاعات وإستخراج المجهولات "[3] وأحضر لها " أشياء من آلات الهندسة والمساحة والهيئة الفلكية من بلاد الإنكليز وغيرهم"[4] تعد محاولة متواضعة فى تنظيمها ومناهجها وأهدافها بالمقارنة مع المدارس التى شُرع فى إنشائها تباعا ً منذ عام 1827 ، مثل مدارس المهندسخانة الثانية والبيطرة والزراعة … الخ. وقد أنشئت هذه الأخيرة على النمط الفرنسى ، على الأقل بالنسبة لمناهجها الدراسية ، التى نقلت عن كتب تدرس فى مدارس فرنسية أو قام بتأليفها أو تجميعها أساتذة أجانب ممن يعملون فى هذه المدارس ، وتمت ترجمتها إلى العربية التى لم يكن الطلاب المصريون يعرفون سواها .
ظلت تلك المدارس تتبع ديوان الجهادية – الحربية- حتى سنة 1837 ، تاريخ إنشاء ديوان المدارس بتأثير من أتباع سان سيمون . ومع ذلك ظل الطابع العسكرى غالبا ً على المدارس ، وكان الطلاب يمنحون رتبا ً عسكرية. وهذا ليس سوى أحد مظاهر الإرتباط الوثيق بين جهود محمد على فى التعليم وطموحاته فى التوسع والإستقلال عن الدولة العلية وتأسيس ملك وراثى فى مصر. ولعل الرسالة التى أرسلها الى إبنه وساعده الأيمن ابراهيم ، معلقا ً فيها على أحداث سنة 1830 فى فرنسا ، عندما ثار الفرنسيون وخلعوا ملكهم شارل العاشر ، تسلط الضوء على فكرته عن التعليم ، فهو يقول : " .. إن ما تعانيه أوربا هو نتيجة لتعميم التعليم الذى اصبح مشاعا ً لجملة الناس العاديين. لقد تورطوا فى تعليم العامة إلى درجة أنهم لم يعودوا يستطيعون تجنب ما يحدث لهم . وإذا كان النموذج ماثلا ً أمام عينيك ، فواجبك أن تعى الدرس وتتيح التعليم لعدد محدود من التلاميذ على قدر ما تحتاجه الإدارة ، ولا تنساق وراء فكرة تعميم التعليم … "[5] وبالفعل كانت سياسة محمد على فى إنشاء المدارس هى سياسة الهرم المقلوب ، إذ بدأ بالتعليم العالى الذى نال من إهتمامه ما لم ينله التعليم العام .
أفضى تنفيذ معاهدة لندن فى سنة 1840 وفرمان السلطان العثمانى لسنة 1841 الذى نص على تقليص الجيش المصرى وإنهاء إحتكار الدولة للتجارة ، إلى تراجع إهتمام الدولة بالتعليم فإنخفضت ميزانيته من 88315 جنيه سنة 1842 إلى 51623 جنيه سنة 1849[6].
وبتولى عباس الأول الحكم سنة 1848 تعرض التعليم إلى هزة كبيرة تمثلت فى إغلاق العديد من المدارس وإرجاع عدد من المبعوثين وإبعاد بعض رموز الحركة التعليمية إلى الخرطوم. وإنه لمن الصعب القبول بأن إجراءات عباس الأول فيما يتعلق بالمدارس كانت بدافع خفض النفقات، وذلك لأنه بذل الكثير من المال فى تجديد الأضرحة وستور مقامات بعض الشيوخ والصحابة وزوجات الرسول(ص) . والأرجح أن موقفه من التعليم ورموزه كان بمثابة رد فعل تجاه النفوذ الأوربى وخصوصا ً الفرنسى وإنحيازا ً إلى الإتجاهات المحافظة .
ويعلل جرجى زيدان أقفال المدارس الذى شرع فيه عباس الأول وتبعه فى ذلك سعيد بقوله : " إن المتخرجين فى تلك المدارس زادوا عن حاجة الحكومة إلى الموظفين . لأن الغرض الأصلى من التعليم كان يومئذ تخريج عمال للحكومة أو ضباط للجند . فلما فرغت الدولة المصرية من حروبها وألغيت إحتكارات الحكومة وأقفلت المعامل التى أنشأها محمد على لتلبية مطالبه ، زاد عدد الشبان المتعلمين تعليما ً عاليا ً عن المناصب الخالية . وأصبح جماعة منهم عالة على الحكومة …"[7] .
إلا أن عصر سعيد (1854 – 1863) المتقلب, شهد بداية صعود مكانة المصريين فى الادارة والجيش بعد أن كانت الوظائف العليا حكرا ً على العثمانيين من أتراك وجراكسة وأرناؤط وأرمن. وكان لتغيير قوانين ملكية الأراضى فى ذلك العهد أثرا ً فى وضعية الفلاح ومن ثم فى النظام الإجتماعى . ومن ناحية ثانية إزداد النفوذ الأجنبى وبدات سيطرته على المجال الإقتصادى وعرفت مصر لأول مرة الإستدانة من الخارج.
أما عصر إسماعيل (1863 – 1879) فقد كان عصر التوسع فى مجال التعليم ، وعصر صعود النخبة الجديدة من الأعيان وملاك الأراضى والضباط وخريجى المدارس العليا . وإذا كانت القومية المصرية والشعور القومى قد أخذا فى التبلور بالتوازى مع التباعد عن الدولة العثمانية فى ذلك العصر إلا أنه شهد أيضا ً إنخراط مصر فى السوق العالمى وتعمق إرتباطها المالى والإقتصادى بدول أوربا مما اوقعها فى احابيل التدخل الاجنبى، وزيادة تأثرها بالثقافة الفرنسية .
وإنه لمن اللافت للنظر أن يكون تقييم تجربة محمد على فى التعليم سلبيا ً من قبل أحد أكبر رموز الإصلاح ودعاته : الشيخ محمد عبده . فهو يرى أن كل ما أقامه محمد على كان لخدمة أهدافه العسكرية والإقتصادية وليس لفائدة البلاد . وأن الكتب المترجمة بقيت حبيسة المخازن حتى أواخر عهد إسماعيل وذلك لأن محمد على " لم يوجد فى البلاد قراءة ولا مهتمين بالعلم "[8] ، وحتى تلاميذ المدارس كانوا يؤخذون عنوة من الطرق والنواحى . وان البلاد لم تستفد من المبعوثين لأنهم كانوا فى خدمة أهداف محمد على فقط ولم تكن لهم الحرية فى بث ماعرفوه فى البلاد .
ومهما إختلفت الآراء حول تلك التجربة يظل التساؤل قائما ً عن حقيقة تفاعل مؤسسات التعليم والأفكار العلمية مع الثقافة والمجتمع . وقد تنبه مؤرخ التعليم فى القرن التاسع عشر ، أحمد عزت عبد الكريم ، إلى إشكالية التفاعل وعبر عنها عندما وصف نظام محمد على التعليمى بأنه : " عاش قلقا ً معلقا ً فى الهواء ، لم تمتد جذوره إلى باطن التربة المصرية ، فكان مانعرفه عما أصابه من الإستقرار حينا ً ، والترنح حينا ً آخر ، ومن التوسع حينا ً والإنكماش حينا ً آخر "[9] .

إستقبال العلوم الحديثة فى مصر
لم يشر الذين أرخوا لدخول العلوم الحديثة مصر إلى حدوث رفض أو مقاومة لتلك العلوم ، فيما عدا التحفظ تجاه التشريح ، الذى سرعان ما تم تجاوزه[10] ، ومورس التشريح فى مدرسة الطب منذ إفتتاحها ودخل فى التحقيق الجنائى (الطب الشرعى) منذ وقت مبكر . لكن واقع الأمر كان غير ذلك إذ واجهت العلوم الطبيعية تحفظات ورفض من قبل تيار من الأزهريين. وكان لتلك التحفظات وردود الأفعال التى أثارتها آثارا ً بعيدة فى التحولات الثقافية التى طرأت فى تلك الفترة وفى المسارات التى إتخذتها العلوم فيما بعد . صحيح أن "المقاومة" التى واجهت العلوم الحديثة لم ترق إلى مستوى ما حدث فى أوربا من صراع عنيف مع الكنيسة نظرا ً لإختلاف السياقين ، إلا أننا نستطيع القول أن دخول العلوم الحديثة إلى مصر لم يكن بالسلاسة والسهولة التى تشى بها كتابات معظم مؤرخى العلم .
أورد الجبرتى فى ترجمته لحسن أفندى الدرويش الذى أختير مشرفا ً على مدرسة المهندسخانة الأولى أن له " المشاركة فى كل من الرياضيات والأدبيات …. ويحفظ كثيرا ً من الشبه والمدركات العقلية والبراهين الفلسفية"[11] وأضاف الجبرتى أن الكثيرين كانوا يطعنون على حسن أفندى فى دينه ، ويتهمونه بالإلحاد والزندقة وأن كتخدا بك أمر بالبحث فى كتبه ، بعد وفاته ، عن كتاب ابن الرواندى "الملحد" الذى أشيع أن حسن أفندى كان يقرأه ويعتقد بما فيه . إلا أنه من الصعب التسليم بأن حسن أفندى كان زنديقا ً ملحدا ً . أولا ً لأنه كما وصفه الجبرتى " كان له تداخل عجيب فى الأعيان"[12] وهذا أمر صعب التحقق على من لصقت به تهمة الإلحاد ، فى مجتمع يحرص أفراده كل الحرص على التمسك بظاهر الدين . ثانيا ً ، وهذا هو الأهم ، لم يعرف عن محمد على الإستهانة بالمشاعر الدينية ، فكيف يعهد لحسن أفندى بتدريس أبناء خاصته وهو يعلم بإلحاده؟ المرجح لدينا أن هذا الإتهام موجه لحسن أفندى من أزهريين ، ذلك لأن معرفة ابن الرواندى وكتبه لا تتأتى إلا لمن له إطلاع على علم الكلام . وأن إتهامهم له بسبب العلوم التى إشتهر بها ، والتى يناصبها هؤلاء الأزهريين العداء . وقد يكون بسبب المكانة التى حاز عليها فى مجالى العلم والتدريس اللذين ظلا حكرا ً على الأزهر ورجاله طيلة الزمن الماضى . كيف لا وإعجاب محمد على بحسن أفندى وإفتتاح مكتب – مدرسة – يدّرس فيها ويشرف عليها اشارة إلى دخول علم جديد وإلى قيام مؤسسات جديدة مما يمثل إيذانا ً بسحب البساط من تحت أقدام الأزهريين وغروب لشمسهم ؟. واللافت للنظر أن هذا الإتهام يعيد إلى الأذهان الإتهامات التى كانت توجه من رموز الفكر السنى المتشدد ضد المشتغلين" بعلوم الأوائل" فى القرون الماضية .
واجه العلم الجديد فى مصر ثلاثة تحفظات . الأول متعلق بمصدره ، إذ تولد شعور بالإمتعاض ورفض للإستعانة بالنصارى. وهذا الرفض لم يكن من قبل الأزهريين فحسب بل شاركتهم فيه العامة " حتى أن العامة بمصر ، بل وبغيرها من جهلهم يلومونه (محمد على) غاية اللوم بسبب قبول الإفرنج ، وترحيبه بهم ، وإنعامه عليهم ، جهلا ً منهم بأنه حفظه الله إنما يفعل ذلك لإنسانيتهم وعلومهم لا لكونهم نصارى ، فالحاجة دعت إليهم … "[13] .
صحيح اننا قد لانجد ضمن مطبوعات تلك الفترة كتابات تحمل مثل تلك الإنتقادات ضد محمد على ، ذلك لأن مطبعة بولاق – المطبعة الوحيدة آنذاك – وصحيفة الوقائع المصرية كانتا ملكا ً للدولة . والدولة آنذاك هى محمد على الذى هو " ولى الأمر والنعم " ولايمكن نشر شئ إلا بعد موافقته . وفى عصر عباس الأول ظهر مايشبه رد الفعل تجاه توجهات محمد على . أما فى عصر سعيد فقد خفت قبضة الدولة وبدأ الحراك الإجتماعى وظهرت بوادر التنوع . ومع ظهور الطباعة التجارية أتيح للتيار المحافظ منبرا ً لإظهار مواقفه . ومن امثلة ذلك الكتاب الذى صدر سنة 1857 بعنوان " عدة الامراء والحكام لإهانة الكفرة وعبدة الأصنام "[14] . وفيه حشد المؤلف نصوصا ً دينية وأقوالا ً لطائفة من العلماء تحرم موالاة النصارى والاستعانة بهم وتشدد فى تقبيح ذلك. وما يدفعنا إلى الإعتقاد بأن المقصود بهذه الإنتقادات هو محمد على ، إشارة المؤلف إلى " الضرائب المضروبة من الجبايات والمكوس والعشور "[15] . التى وصفها بانها " ظلم فاحش وجور شنيع "[16] . كما إنتقد المؤلف الذين يشيدون بعدل الإفرنج ويثنون عليهم . ولربما كان المقصود بهذا الإنتقاد رفاعة الطهطاوى الذى أشار فى كتابه " تخليص الابريز "[17] إلى عدل الإفرنج . وأفرد المؤلف أسطرا ً طويلة لتحديد مفهوم العلم النافع وقلل من شأن ما سواه من المعارف . وكأنما أراد أن يبين أن ليس ثمة ما يبرر الإستعانة بالنصارى ولا حتى علومهم لأنها ليست من العلم النافع .
أما التحفظ الثانى فسببه إعتقاد البعض بتعارض بعض العلوم الحديثة مع العقيدة الإسلامية. ولهذا الإعتقاد جذور تاريخية ترجع إلى عصر الصراع بين الفرق الكلامية ومحاولة التيار السنى – بشقيه الأشعرى والحنبلى – القطيعة مع الفلسفة اليونانية ، إذ اعتبر البعض أن العلوم الطبيعية والهندسة – علوم الأوائل – جزءا ً من فلسفة اليونان. وعلى الرغم من تباين المواقف تجاه العلوم إلا أن صعود الفكر الأشعرى وإنتشاره فى العالم العربى الإسلامى . تلازم مع تزايد التوجس تجاه بعض العلوم الطبيعية والرياضية . وتكرس على نطاق واسع أن الطبائعيين – القائلين بالطبيعة وخواصها – ينتقصون من حرية الخالق ويحددونها بالسببية والحتمية . واعتبر هذا التحديد تعطيلا ً ، أى تجريدا ً لذات الله مما ينبغى أن يلحق بها . والتعطيل عند الكثير من الفرق الإسلامية كفر صريح . وعلى الرغم من أن الغزالى قد أكد على أن العلوم الطبيعية والرياضية لا تتعارض مع الدين فى كتابه " تهافت الفلاسفة "[18] إلا انه فى كتاب آخر هو "إحياء علوم الدين"[19] كان أكثر تحفظا ً وأبدى تخوفا ً من إفتتان العامة ببراهينها ومن الإنزلاق إلى الإعتقاد بصحة الالهيات قياسا ً على صحة الطبيعيات.
إستهل رفاعة الطهطاوى الفصل الأول من المقالة الثانية فى كتابه " تخليص الإبريز "[20] الذى عنوانه "فى مدة إقامتنا فى مدينة مرسليا" يذكر آراء فريقين من الفقهاء حول "الكرنتينة" ثم حول كروية الأرض وبسطها. وأتبع ذلك بقوله " وممن قال من علماء المغرب بأن الأرض مستديرة وأنها سائرة العلامة الشيخ مختار الكنتاوى ، بأرض أزوات بقرب تمبكتو وله مؤلف مختصر فى فقه مالك ضاهى به " متن خليل " …. "[21] وقد تبدو للوهلة الأولى أن هذه الفقرة مقحمة إقحاما ً فى السياق الذى يفترض أنه مكرس لمدينة مرسليا والإقامة فيها. وربما يرى فيها البعض إستطرادا ً كما جرت العادة فى النثر العربى التقليدى . لكن الأمر لدينا يحتمل تفسيرا ً مختلفا ً .
إستشعر الطهطاوى منذ إقامته فى فرنسا أوجه الخلاف بين العلوم الحديثة والفكر السائد فى الأزهر ، الذى كان هو نفسه أحد رموزه ، حين تهيأت له فرصة الإطلاع على ثقافة جديدة . وبتلك الفقرة " المقحمة " يستهل الطهطاوى محاولاته التى لم تتوقف لتسويغ العلم الجديد بإزالة أوجه التعارض مع الفكر الدينى ، وتهيئة أرضية إستقباله . وفى المقدمة التى أضافها إلى كتاب الجغرافيا[22] الذى ترجمه من الفرنسية إلى العربية ، كان أكثر حذرا ً ونبه القارئ إلى أنه قد يجد فى الكتاب ما قد يتعارض مع آراء علماء الشريعة فى فنى الهيئة والطبيعة . وبرر وجود هذه الآراء بأن واجب المترجم الإلتزام بما فى النص الأصلى . ودعى إلى إعتماد هذه الآراء فى العمليات الحسابية والتطبيقات فقط والإبقاء على الإعتقاد بمذهب الحكماء والأقدمين القائل بسكون الأرض ودوران الشمس . والجلى أن الطهطاوى يحاول الالتفاف على أى رد فعل محتمل من قبل علماء الأزهر . وأهمية هذا الكتاب أنه أول كتاب[23] يترجم فى مصر فيه مبادئ علم الفلك الجديد (الكوبرينكى) .
وفى "تخليص الابريز " أيضا ً رد على المتوجسين من علم الكيمياء بدعوى أنه من العلوم الباطنية " حجر الفلاسفة " . وبعد تقديم تعريف لعلم الكيمياء هو " معرفة تحليل الأجزاء وتركيبها ويدخل تحتها أمور كثيرة ، كصناعة البارود والسكر … "[24] ينفى الطهطاوى أن يكون الإفرنج يعرفون " حجر الفلاسفة " أو يعتقدون به أصلا ً .
والقارئ للمقدمة التى أضافها المصحح الشيخ محمد الهراوى[25] إلى كتاب "الأزهار البديعة فى علم الطبيعة"[26] الذى ألّفه بيرون أستاذ الكيمياء والطبيعة بمدرسة الطب وثالث مدير لها ، وهو أول كتاب يترجم فى علم الطبيعة فى مصر ، يجد محاولة تسويغ دينى من شيخ ازهرى تحسبا لأى معارضة قد تأتى من زملائه الشيوخ . فهو يقول : " ... لما كان العلم الطبيعى متكفلا ً بكمال النفوس البشرية ، كما أنه مع العلم الإلهى ، مكملا ً لسعادتها الدنيوية والاخروية ، إذ بالأول يكون الوقوف على أحوال الكائنات فى النشأة الأولى ، وبه مع الثانى يتم علم أحوالهما فى النشأتين الآخرة والأولى ... "[27] فالعلمان – الطبيعى والإلهى – يكملان بعضهما البعض ، وبدلا ً عن التضاد الذى يعتقده البعض ، يطرح الهراوى التكامل. وفى مقدمة المؤلف – بيرون – الذى كان ملما ً باللغة العربية ومطلعا ً على موقف الشيوخ المعارضين للعلوم الحديثة[28] ، نجده يسهم بدوره فى محاولة التوفيق بين العلم الطبيعى والدين بقوله : " ويصل (الإنسان) بواسطة التجاريب الطبيعية ، إلى إظهار نواميس ذلك (العالم) فيعرف العظمة الربانية ، ويتعجب من آثار القدرة الإلهية . ولذلك كانت ممارسة العلوم والصنائع متممة لما خلقنا له من الوقوف على عجائب العالم ومستغرباته إذ لم يخلقها سبحانه وتعالى لتكون خفية علينا .... ".[29]
أما التحفظ الثالث فمرجعه إلى عدم التوافق بين نظرية المعرفة السائدة من ناحية والعلم الجديد من ناحية أخرى ، إذ لم تكن التمثلات الجمعية لمنظومة المعرفة مهيأة لإستقبال مقولات وأفكار العلم الجديد . وفى معرض وصفه للتجارب العلمية التى كان يجريها علماء الحملة الفرنسية أمام من يزور مقارهم من المصريين ، أشار الجبرتى إلى إختلاف العقليتين بقوله : " ولهم (الفرنسيون ) فيه (علمهم ) أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج عنها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا"[30] . لكن الفرنسيون الذين شاركوا فى تجربة نقل العلم الجديد إلى مصر مثل جومار[31] وانطون بارتليمى كلوت[32] وغيرهم يرون الأمر على أنه علم حديث وعقلانية أوربية فى مقابل الخرافة الشرقية . وقد عبّر جومار عن ذلك بجلاء فى تقرير عام 1828 عن الحالة العلمية لطلاب البعثة المصرية فى باريس ، عندما وصف آداءهم فى أحد الإمتحانات : " ويظهر من فحوى كتابتهم أنهم قبل أن يكتبوا يفكرون بعقل فرنسى لا بعقل عربى ، فمن المنتظر أن الخرافات الشرقية ستنمحى من عقولهم ، وان الحجب الكثيفة التى تغطى أعين الشرقيين وتقيدهم بسلاسل الطفولة ستسقط تدريجيا ً ،على الأقل عن الذين يدرسون عندنا ..."[33].
وقد كان لمنظومة المعرفة السائدة تصنيفا ً للمعارف يفرق بين العلم النافع وما سواه . ومفهوم النفع هنا دينى أساسه مركزية الدين فى حياة الفرد والجماعة . فالعلوم الدينية إذا ً من تفسير وفقه وحديث وأصول الين .... هى العلوم النافعة ويلحق بها الفرائض والميقات لفائدتهما فى اداء الشعائر وتنفيذ الأحكام ، وعلوم الآله كعلم اللغة لفائدته فى فهم النصوص . وكان مما واجهه العلم الجديد من تحفظات وإنتقادات أنه ليس من العلم النافع[34] . ولهذا نجد أن الطهطاوى قد اهتم فى " تخليص الابريز " بتوسيع مفهوم العلم النافع ليشمل العلوم الحديثة والفنون والصنائع . وبدا الأمر أكثر وضوحا ً فى كتابه المتأخر " مناهج الألباب "[35] . وشاركه فى ذلك الشيوخ الأزهريون الذين عملوا مصححين ومحررين للكتب المترجمة فى المدارس الخصوصية . فهم فى كل مرة يصفون العلم موضوع الكتاب بأنه علم جليل ويعددون فوائده ، محاولين ربطه بالدين مستخدمين فى ذلك الأسلوب الأدبى السائد من سجع وجناس وتورية .
لم تكن التمثلات الجمعية للمنظومة التقليدية فى مقولاتها الأساسية أو فى أشكال التعبير التى تتبناها لتسمح بإستقبال العلم الجديد والتفكير فيه . فمقولات هذا الأخير من مكان وزمان وعدد وسببية .... الخ ليس لها ذات المدلول ولا ذات الدور فى المنظومة التقليدية . ولهذا فإن " الظاهرة الطبيعية " فى المنظومة التقليدية لايتم التعامل معها من خلال إلحاقها بما هو أعم من خلال عملية تعميم أو تنظير . ذلك بأنه لاوجود لكيان متناسق وجامع إسمه الطبيعة كما لا يعتبر إيجاد علاقة كمية تحدد مقادير العوامل المتداخلة فى الظاهرة ، إحاطة بها ، لأن "السيطرة على الطبيعة" ليست هدفا ً للمنظومة التقليدية . كما لا تسعى هذه الأخيرة لمتابعة التطور الزمانى – التاريخى – لمتغيرات الظاهرة لأن التاريخ لا يشكل اداة ولا هدفا ً للفهم والإحاطة . وبدلا ً عن كل ذلك تعتبر المنظومة التقليدية " الظواهر الطبيعية " آيات الله ومظاهر قدرته . وبهذا الفهم لا يستقيم التفكير فى حصرها أو الإحاطة بها أو السيطرة عليها ، فذلك إذا ً مما لا يمكن التفكير فيه . ومع ذلك طورت المنظومة التقليدية أدوات لغوية بلاغية تصف بها تلك الظواهر وتمتلك ناصيتها بواسطة البيان وأشكالا ً من التصنيف الى يقوم على تمييز الفروق ووصف التنوع وهو توجه معاكس لما يقوم به العلم الحديث .
ولربما كان إهتمام الطهطاوى بالتاريخ والجغرافيا وبذله الجهد فى ترجمة الكتب فى هذين المجالين متصلا ً بسعيه لتهيئة المجال لإستقبال العلم الجديد من خلال تجذير مقولاته الأساسية (الزمان والمكان ... ) فى الثقافة العامة .

تاريخ العلــوم
جسدت المنظومة المعرفية فى العصر العثمانى فى مصر مفهوم العلم النافع من وجهة نظر التيار السنى المحافظ بدرجة كبيرة ، إذ إنصب الإهتمام على التطبيقات العلمية المرتبطة بممارسة الشعائر الدينية وبتطبيق أحكام الشرع . فإنحصرت العلوم الفلكية فى علم الميقات ، والعلوم الرياضية فى علم الفرائض وأغفلت الجوانب النظرية والبرهانية والتجريبية التى شهدت تطورا ً فى قرون الإزدهار . وفقد النشاط العلمى إستقلاله ليصبح تابعا ً للفكر الدينى. ومن أكثر الآثار تعبيرا ً عن هذا النسق المعرض ، سند الشيخ أحمد الدمنهورى[36] (ت سنة 1778) ،الذى تولى شياخة الأزهر من سنة 1768 حتى سنة 1778 . وهو من الشيوخ القلائل الذين إهتموا بالعلوم الطبيعية والرياضية والطب ، دراسة وتأليفا ًً . والسند هو سيرة علمية لصاحبه فيه الكتب التى درسها ، والشيوخ الذين تلقى عنهم ، والاجازات التى حصل عليها . ولاتنحصر أهمية السند فى الكشف عن التكوين العلمى لصاحبه فحسب بل تتعداه لما هو أهم : رصد الحالة العلمية فى العصرالذى عاش فيه صاحب السند وتسليط الضوء على الكتب المتداولة وتعريف بالشيوخ المؤثرين فى الساحة الفكرية . وفى سند الشيخ الدمنهورى نجد بالإضافة إلى كتب العلوم الدينية وعلوم اللغة ، كتبا ً فى الرياضيات والفلك والطب قرأها على شيوخه . واللافت أن معظم هذه الكتب تنتمى إلى عصر متأخر نسبيا ً : القرن الخامس عشر وما تلاه. وأن موضوعاتها تدور حول الفرائض والميقات . أما فى الطب فكلها فى الشق النظرى .
خلاصة القول أن جوانبا ً كثيرة من العلم العربى كانت مجهولة من قبل كبار العلماء فى القرن الثامن عشر ، وغائبة تماما ً عن أروقة الدرس فى الأزهر . ولعله من المثير للإنتباه أن هذه القطيعة لم تكن قاصرة على الإتجاهات النظرية والبرهانية والتجريبية فحسب ، إنما شملت أيضا ًأمهات الكتب فى الأدب مثل " ألف ليلة وليلة " و " كليلة ودمنة " وفى التاريخ مثل كتاب " العبر " و " المقدمة " لابن خلدون . فالأمر إذا ً ليس موقفا ً من "علوم الأوائل" كما كان فى السابق بقدر ماهو تمكن منظومة معرفية تشكلت تدريجيا ً على مدى قرون من خلال لفظ كل ما لا يتوافق مع روحها وانساقها ومحدداتها الابستمولوجية وأسسها الميتافريقية.
مهد ظهور الطباعة العربية فى أوربا[37] فى اوائل القرن السادس عشر ‘ ضمن عوامل أخرى ، للجهود الإستشراقية التى توجهت فى وقت لاحق لتحقيق وترجمة ودراسة كتب عربية فى الأدب والتاريخ والعلوم . وليس خافيا ً أن تلك الجهود قد إرتبطت بدرجة كبيرة بالنشاط الإستعمارى للدول الأوربية الكبرى فى الشرق الادنى وشمال افريقيا. وقد شهد القرن التاسع عشر نشاطا ً فى طباعة الكتب العربية وترجمتها إلى اللغات الاوربية . وكان من ضمن نتائج الإتصال العلمى بين مصر وفرنسا فى عهد محمد على ، التعرف على الكتب العربية التى طبعت فى باريس . وتم إختيار بعضها وطبعه بمطبعة بولاق مثل "ألف ليلة وليلة" و "كليلة ودمنة" ومقدمة ابن خلدون[38] .... الخ. وكان ذلك الإحياء لتلك الجوانب المهملة من الثقافة العربية الإسلامية جزءًا من التحولات الثقافية التى طرأت آنذاك. لكن اللافت للنظر أن الإحياء لم يشمل العلوم العربية الطبيعية والرياضية والطبية على الرغم من توافر بعض الكتب التى تمت طباعتها فى باريس ومدن أوربية أخرى . ولم يطبع فى مصر أى من كتب العلوم العربية القديمة . هل يمكن أن نستنتج من ذلك أن القائمين على نقل العلم الجديد لم يكونوا يرون أى فائدة ترتجى من إستدعاء العلوم العربية القديمة ، لاسيما أن مفهوم تاريخ العلم لم يكن قد تبلور بعد ، ولم تكن أهميته قد ظهرت آنذاك ؟ أم أن ذلك يعكس الطبيعة "الأداتيه" للعلم الذى تنشده الدولة وتتبناه وتموله ؟
وعلى الرغم من عدم طبع أى من كتب العلوم العربية القديمة إلا أن شكلا ًمن التواصل مع ذلك الإرث أخذ فى الظهور وقد قام بهذا الدور المصححون الذين أختيروا من شيوخ الأزهر وألحقوا بالمدارس الخصوصية ليعينوا المترجمين الذين لم يكونوا يمتلكون ناصية اللغة العربية . " فقد عينت فى مدرسة الطب طائفة من المحررين والمصححين من شيوخ الأزهر ، وقد إستطاع هؤلاء المشايخ بما لهم من معرفة بكتب الطب القديمة أن يمدوا المترجمين بالمصطلحات الطبية"[39]. وقد قام هؤلاء الشيوخ بمد المترجمين بالمصطلحات العلمية العربية نقلا ً من مخطوطات العلوم العربية القديمة ، ليس فقط فى مدرسة الطب بل فى المدارس الخصوصية الأخرى أيضا . فكان دورهم هو التواصل بين العلمين القديم والجديد على مستوى اللغة . لكن من الواضح أن هذا الدور كان مؤقتا ً إنتهى بترجمة وطباعة مايكفى المدارس من الكتب العلمية وبتكوين جيل من خريجى المدارس تم على أثره الإستغناءعن هؤلاء الشيوخ .
ومن أشكال التواصل مع العلوم العربية القديمة ذلك الخطاب الذى تبناه المعنيون بنقل العلم الجديد من مترجمين ومصححين . كان ذلك الخطاب يتضمن إشارات إلى العلوم العربية القديمة ويصف جهود محمد على فى التعليم والترجمة بأنها " إحياء للعلوم بعد اندراسها "[40] وأنها إعادة لتقاليد خلفاء المسلمين فى العهد الذهبى . إلا أن تلك الإشارات لم تنفذ إلى داخل العلوم العربية القديمة وبقيت فى إطار العموميات . وفكرة الإشارات التاريخية هذه لم يبتدعها المترجمون والمصححون إنما ظهرت إرهاصاتها منذ الحملة الفرنسية على مصر. فقد جاء فى أحد المنشورات التى كان الجيش الفرنسى يوزعها على سكان القاهرة بغرض الدعاية ما مضمونه " ... وأن العلوم والصنائع والقراءة والكتابة التى يعرفها الناس فى الدنيا أخذت عن أجداد مصر الأول ، ولكون مصر بهذه الصفات ، طمعت الأمم فى تملكه ، فملكه أهل بابل وملكه اليونانيون والعرب والترك الآن ، إلا أن دولة الترك شددت فى خرابه ... "[41] وبعد ثلاثة عقود من الحملة الفرنسية خاطب جومار دفعة من المبعوثين المصريين فى باريس عند توزيع الجوائز عليهم بعد إجتيازهم أحد الإمتحانات فى سنة 1828 : " فمصر التى تنوبون عنها ستسترد بكم خواصها الأصلية . وفرنسا التى تعلمكم وتهذبكم تفى ماعليها من الدين للشرق على الغرب كله .... " [42]. وفى مناسبة مماثلة سنة 1832، خاطب البارون ديبويترن رئيس لجنة إمتحانات البعثة الطبية المصرية الأولى فى باريس قائلا ً : " ... وقد جعل لنا ذلك املا ً فى انكم ستحيون مجد أجدادكم العظماء من كبار الأطباء كإبن سينا والرازى وأبى القاسم ، وأنكم ستسيرون على منوالهم "[43] . وفى النبذه التاريخية التى قدم بها بيرون لكتابه " الأزهار البديعة فى علوم الطبيعة " ذكر أن الخلفاء العرب إستجلبوا أرباب العلوم " فأرشدوهم إلى جمع الكتب العلمية وترجمتها ... وتدارس العرب علم الفلك والكمياء والنبات والهندسة مع الإجتهاد الزائد ، حتى أنه نسب اليهم أنهم هم الذين أدخلوا فى أوربا طريقة الحساب الإعشارى التى أخذوها من الهنديين وكانوا يعرفون التقطير وصناعة التخمير لعمل البوظة . وشكلوا الأوانى الكميائية بأشكال يسهل بها التناول وإستنبطوا بعض طرق علم الكيمياء العملى " [44]. وهذا الإستدعاء المتكرر للتاريخ من قبل الفرنسيين ، الذى يمثل أحد الأدوات الأيدولوجية للبرجوازبة الفرنسية وريثة فكر التنوير ، ربما كان المقصود به الدفع بإتجاه احياء شعور قومى من شأنه أن يبعد المصريين عن دولة الخلافة . واللافت للنظر أن المترجمين والمصححين وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوى قد تبنوا الخطاب التاريخى مع التركيز على العصر الإسلامى . ففى " تخليص الابريز" يقول الطهطاوى : " ... ولكن يعترفون (الافرنج ) لنا بأنا كنا أساتيذهم فى سائر العلوم وبتقدمنا عليهم ..." ويقول فى موضع آخر " فإننا كنا فى زمن الخلفاء أكمل سائر البلاد ، وسبب ذلك أن الخلفاء كانوا يعينون العلماء ، وأرباب الفنون وغيرهم ... "[45].
وهذا الإستدعاء للعلوم العربية القديمة الذى لم يتعد الإشارات والعموميات ، يختلف عن تجربة أوربا مع الإرث الرياضى الأفلاطونى مثلا ً ، الذى كان إستدعاؤه ، فى مرحلة من مراحل صعود العلم الحديث عاملا ً حاسما ً فى تبوأ الرياضيات المكانة التى إحتلتها فى العلم الحديث [46]. وهذا مايدفعنا إلى الإعتقاد أن تلك الإشارات التاريخية لم تكن تواصلا ً بقدر ماهى محاولة لتسويغ العلم الجديد فى مواجهة التحفظات والمقاومة من قبل التيار المحافظ . وعلى الرغم من أن تأثير هذا التسويغ كان محدودا ً ، على الأقل فى النصف الأول من القرن التاسع عشر ، بدليل تجاهل الكتب المترجمة من قبل مثقفى هذا العصر من الأزهريين[47] , إلا أن أهميته تكمن فى أن القائمين به هم شيوخ أزهريون – الذين تم إستيعابهم للعمل فى المدارس الجديدة . وكأنما أصاب الثقافة التقليدية إنشقاق بين معارضى العلم الجديد ومؤيديه .
لقد كانت الستينيات والسبعينيات من القرن التاسع عشر مرحلة فارقة فى التحول الثقافى فى مصر إذ تشكلت فيها ملامح الهوية والثقافة الجديدتين ، وتبوأت فيها النخبة الجديدة موقعا ً أماميا ً فى الإدارة والفكر ، وفيها ظهرت المطابع التجارية والصحف الأهلية وأنشئ المزيد من المدارس ، وإزداد التقارب الثقافى مع أوربا ، وتكرس التباعد مع الدولة العثمانية ، وفقدت اللغة التركية مكانتها . وفى غمرة هذه التحولات العميقة كان من الطبيعى أن تشهد عملية تسويغ العلم الجديد زخما ً جديدا ً يمضى بها إلى أبعد من مجرد الإشارات التاريخية للعلوم العربية وفى التشديد على إعتباره علما ً نافعا ً .
ومن النماذج الهامة للزخم الجديد الذى اكتسبته عملية تسويغ العلم الجديد بالإنتقال من الإشارات التاريخية إلى إستدعاء الفكر الينى ومراجعة مواقفه من العلم ، مجموعة المقالات التى نشرها عبد الله فكري[48] (1834 – 1890) فى مجلة "وادى النيل"[49] ثم جمعها ونشرها فى كتيب[50] فى سنة 1876 . أشار فكرى فى مقدمة الكتيب إلى الهجوم الذى تعرض له عبد الله ابى السعود صاحب مجلة "وادى النيل" بسبب نشره كتابا ً فى الجغرافيا على صفحات المجلة قام بترجمته . ومبعث الهجوم أن الكتاب المترجم قد تضمن فصولا ً فى الهيئة الجديدة – علم الفلك الجديد – الذى يقول بكروية الأرض ودورانها حول الشمس وغير ذلك . وإنبرى فكرى للدفاع عن ابى السعود نافيا ً عنه تهمة مخالفة الدين مستندا ً فى ذلك أن واجب المترجم هو الالتزام بما فى النص الأصلى ، دون أن تقع عليه مسئولية فحوى النص . واضاف فكرى أن مخالفة الإعتقاد – إن وجدت – لا ينبغى أن تمنع المؤمن عن الأخذ بالعلوم والحكمة ممن يخالفونه فى الإعتقاد ، لأن الحكمة ضالة المومن يلتقطها حيث وجدها فهو أولى بها "[51] . وبعد ذلك أخذ فكرى فى تفنيد دعوى مخالفة الهيئة الجديدة لأصول الإعتقاد والشريعة ، فنقل عن تفسير فخر الدين الرازى قوله بكروية الأرض فى معرض تفسيره للآية "وهو الذى مدّ الأرض .... "[52] . ونقل عن كتاب " تهافت الفلاسفة " للغزالى قوله بعدم تصادم قول الفلاسفة مع أصول الدين فى مسائل الهيئة مثل الخسوف والكسوف وأن الأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب وقوله بأن " هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية وحسابية لا تبقى معها ريبة "[53] وقوله بأن من ظن أن المناظرة فى إبطال تلك الآراء " من الدين فقد جنى على الدين وضعف أمره ... "[54] .
إختار فكرى فى عرض موقفه طريقة المناظرة بين صديقين أحدهما فقيه والثانى من أنصار علم الفلك الجديد ، ووضع على لسان كل منهما حجج الفريق الذى ينتمى إليه . وهذا الأسلوب التعليمى يشى بالحرص على عدم مهاجمة الفريق المعارض للفلك الجديد . ربما لأن هذا الفريق يستند فى معارضته إلى نصوص دينية والمؤلف أزهرى التكوين ويحتل موقعا هاما ً فى جهاز الدولة . فجاءت محاولته أقرب ماتكون إلى التوفيق بين الفريقين والتأكيد على أن لهما نفس المرجعية : الدين . وخلافهما يكمن فى تبنى أنصار علم الفلك الجديد لبعض جوانب الفكر الدينى تم تجاهلها ونسيانها منذ أمد بعيد مثل تفاسير الرازى والبيضاوى ، وكتب مثل "تهافت الفلاسفة" للغزالى فى الفلسفة و "المواقف" للآيجى[55] فى علم الكلام. فالأمر إذا ً لايعدو أن يكون تذكيرا ً أو تعريفا ً بذلك الإرث وليس دعوة للتجديد ولا التطوير ولا القطيعة مع الماضى ، بل على العكس ينادى أنصار الفلك الجديد بإحياء فكر علماء سابقين لهم من المكانة ما لا يستطيع أحد الطعن فيهم أو التقليل من شأنهم والدعوة إلى تأويل الآيات لتوافق ما تثبت صحته " بالدلائل القطعية أو المشاهدات اليقينية " ليست جديدة فقد نادى بها الغزالى وابن رشد وغيرهم وطبقها مفسرون ممثل الرازى وغيره .
لم يكتف فكرى – على لسان صاحب الهيئة الجديدة – بتأويل الآيات نقلا ً عن كتب التفسير بل إستخدم التاريخ ليؤيد فكرة أن اطروحات الفلك الجديد ليست جديدة كما توصف ، فقد كان فيثاغورث يقول بحركة الأرض قبل الميلاد بخمسة قرون . وأن الإدعاء بسكون الأرض ودوران الشمس حولها فهو مذهب بطليموس الرومى الذى شاع بسبب إستيلاء الروم على أقطار الأرض . وان إنتقاله الى المسلمين تم على يد الفارابى فى أوائل القرن الرابع الهجرى وتبعه ابن سينا وغيره من الفلاسفة . ومع ذلك فإن من المسلمين من قال بحركة الأرض قبل كوبر نيكس مثل الآيجى فى كتابه "المواقف" الذى فند فيه إعتراضات القائلين سكون الأرض.وما الهيئة الجديدة التى قال بها كوبرنيكس فى القرن السادس عشر سوى عودة لما كان يقوله فيثاغورث ولما سانده الآيجى فى القرن الرابع عشر .
اللافت فى محاولة فكرى خلوها من أى إشارة لتاريخ علم الفلك العربى وإنجازاته ، الذى نرجح أنه لم يكن معروفا ً آنذاك . هذا بالإضافة إلى أن فكرى نفسه لم يكن فلكيا ً ولا مؤرخا ً . كما يلاحظ أنه تبنى خلطا ً بين الفكر الدينى والفكر العلمى ، بالتأكيد على توافق الحقائق العلمية مع النصوص القرآنية وتلك سمة عصر. وربما كان فى ذلك تبنى لمنهج الخصوم بالإستناد إلى النص القرآنى مع الفارق أنه يقدم الحقيقة العلمية على ظاهر النص بإستخدام التأويل . فى حين أن خصومه يجعلون من النص معيارا ً وحكما ً على الحقيقة العلمية . وهذا الخلط الذى إضطر إليه أنصار العلم الجديد فى مواجهة التحفظات والرفض ظل ملازما ً للفكر العلمى ومؤثرا ً فى تطوره . فمحاولة التسويغ إذا ً جاءت على حساب تاريخية الفكر العلمى وطبيعته التراكمية . والحكم على علم الفلك العربى أنه كان نقلا ً عن بطليموس على يد الفلاسفة ، مع الإيحاء بأن الفلك البطليموسى كان خروجا ً على المعرفة الفلكية الصحيحة الموجودة من القدم ، لا يتجاهل الإرث العلمى العربى فحسب إنما يؤسس لما سيكون عليه موقف أنصار العلم الجديد من العلم العربى القديم .
يشى موقف فكرى بان الأزهريين القائمين بمهمة تسويغ العلم الجديد والذين هم فى الغالب من الذين إستوعبتهم الدولة فى أجهزتها لم يعودوا يكتفوا بمجرد الإشارات التاريخية كما كان الأمر عليه مع الجيل الأول . فالجيل الثانى الذى يُعدّ فكرى من أبرز رموزه- بحكم دوره فى التعليم[56]-اختار أن ينقب فى تاريخ الفكر الدينى وعلم الكلام بحثا ً عن الدعم لموقفه وكان لابد أن يقود هذا التنقيب إلى إستعادة المواقف والسجالات القديمة التى كرست التحولات فى الفكر الإسلامى إزاء العلم قبل قرون . فبدا ذلك الفكر وكأنه يستفيق ليجد نفسه فى أجواء القطيعة بعد قرون من الكمون
تجلت هذه العودة إلى أجواء القطيعة وسجالاتها فى الفتوى الت أصدرها الشيخ انبابى – شيخ الأزهر – فى سنة 1887 ردا ً على سؤال وحهه إليه الشيخ محمد بيرم أحد كبار شيوخ جامع الزيتونة بتونس ، بإيعاز من بعض دعاة الاصلاح فى مصر . ومختصر السؤال هو: " هل يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية مثل الهندسة والحساب والهيئة والطبيعيات وتركيب الأجزاء المعبر عنها بالكيمياء وغيرها من سائر المعارف ...؟ "[57] وجاءت فتوى الشيخ انبابى حافلة بالإستشهادات التى شكلت محطات الصراع بين الفكر الدينى المحافظ من ناحية والفلسفة والعلوم من ناحية أخرى. ولربما كان حشده لمواقف سابقيه من المحافظين محاولة لدعم موقفه فى مواجهة خصومه من دعاة إصلاح الأزهر وتغيير مناهجه الدراسية . لقد فطن الشيخ الإنبابى إلى المقصود من السؤال، وإلى من يقف وراءه، فعمد إلى إقتناص الفرصة بإصدار فتوى يصعب معها فتح باب الأزهر أمام العلوم الحديثة خشية الإتهام بمخالفة الشرع. وجاء فى فتواه أنه يجوز تعلم العلوم الرياضية والجغرافيا والطبيعيات كما قال الغزالى .ولكن الفتوى استدركت بالقول : " فإن كان ذلك البحث فى تلك (العلوم) على طريق أهل الشرع فلا مانع منه ... وإن كان على طريقة الفلاسفة فالإشتغال بها حرام لأنه يؤدى للوقوع فى العقائد المخالفة للشرع ... "[58] . وهكذا يلوح الشيخ انبابى بأن من يشتغل بهذه العلوم يمكن أن يواجه فى أى لحظة الإتهام بإتباع طريق الفلاسفة الذى هو مخالف للعقيدة . كما إستعرض فى فتواه الأقوال الثلاثة التى تلخص مواقف علماء السنة من المنطق : جواز ومنع وتفصيل. وذكر أن الإمام النووى الذى يقول بتحريم المنطق عدّ الطبيعيات من العلوم المحرمة قياسا ً على المنطق .
وبعد اسبوعين من صدور فتوى شيخ الأزهر – الشافعى المذهب – أصدر مفتى الديار المصرية – الحنفى المذهب – موافقته عليها قائلا ً : " ما أفاده حضرة الأستاذ شيخ الإسلام مواقف لمذهبنا وما إستظهره من أن الخلاف الجارى فى علم المنطق يجرى فى علم الطبيعة أيضا ً وجيه "[59] .
وبذلك يكون كل من شيخ الأزهر ومفتى الديار قد أوصدا الباب أمام إدخال العلوم الحديثة فى الأزهر . أما الآثار الأبعد ففى إضعاف جهود تسويغ وشرعنة العلم الجديد التى اضطلع بها شيوخ أزهريون منذ عدة عقود . هذا بالإضافة إلى إثارة البلبلة والإلتباس فى أذهان الناشئة والتوجس والريبة فى قلوب العامة تجاه العلم الجديد ، إلى جانب تعميق الشرخ الذى أصاب الفكر الدينى من جراء الإنقسام بين محافظين وإصلاحيين ، وتكريس الفصام فى الثقافة بسبب الموقف الملتيس والغائم من العلم الجديد. واللافت فى فتوى شيخ الأزهر أنها تستند إلى فتاوى ومواقف ترجع إلى القرون الوسطى , وكأن التغييرات التى طرأت منذ ذلك الحين فى مصر – وغيرها من العلم الإسلامى – لم تحرك ساكنا ً فى الفكر الدينى . ولا غرابة فى ذلك إذ أن الفكر الدينى التقليدى لا يقيم وزنا ً للتاريخية فهو لا يعتبرها مصدرا ً للتغيير ولا أداة للتفسير .
أما الجيل الثالث من الأزهريين الذين اهتموا بالعلم فخير من يمثله هو محمد عبده (1849 – 1905). ولربما أُعتبر محمد عبده آخر كبار الأزهريين الذين تجاوز دورهم أروقة الأزهر وأسواره بسبب دوره فى السياسة والحياة الفكرية . وبه إختتم الأزهر دوره الإجتماعى والسياسى الذى كان يقوم به لأمد طويل على الرغم من حالة الإنقسام والإستقطاب التى أثارها عبده بين علماء الأزهر . ولم يكن عبده نهاية مرحلة فحسب ، بل كان أيضا ً توليفا ً انشطرت عنه تيارات واتجاهات كان لها حضور وتأثير فى الساحة الفكرية المصرية لعقود تالية .
تأثر عبده بالمصلح جمال الدين الأفغانى (1838 – 1897) إبان إقامة هذا الأخير فى مصر ، ولازمه وأخذ عنه وتعاون معه على إصدار جريدة العروة الوثقى فى باريس، إلا أنه سرعان ما تمايزت رؤية عبده الإصلاحية عن أفكار ومواقف أستاذه الأفغانى . ولربما كان للظروف التى مرت بعبده فى أعقاب الحركة العرابية من سجن ونفى ، وبمصر من إحتلال بريطانى ، أثرا ً مباشرا ً فى توجيه مشروعه الإصلاحى نحو التربية والتعليم والعمل الإجتماعى ونأت به عن العمل السياسى المباشر .
وبإلتفاف الكثيرين من طلاب الأزهر حول أستاذهم الذى لمع نجمه داخل الأزهر وخارجه ، إنتقل الصراع بين الفئتين من الأزهريين – الاصلاحيين والمحافظين – إلى داخل أروقة الأزهر وحلقاته . وكان موضوع إصلاح الأزهر محط إهتمام عبده لإرتباطه بهذه المؤسسة طالبا ً ثم مدرسا ، ولأن الإستعمار البريطانى لم يترك هامشا ً للتحرك سوى المؤسسات الدينية . ومن ضمن مظاهر الإصلاح التى نادى بها عبده تغيير المناهج الدراسية وإدخال علوم جديدة مثل الجغرافيا . إلا أن هذا الاقتراح قد اثار هجوما ً من المحافظين ، إنتقل إلى أعمدة الصحف ، واتهم عبده بأنه " يريد الغض من علوم الدين"[60] . كما لم يلق إقتراحه بتدريس "المقدمة" لإبن خلدون قبولا ً من شيخ الأزهر[61] آنذاك بحجة "أن العادة لم تجر بذلك" [62].
لم ينظر عبده إلى هذه المقاومة على أنها ظاهرة محدودة تعالج بالإشارات التاريخية كما فعل الطهطاوى وجيله ولا بإستعادة الفكر الكلامى والدعوة إلى التأويل كما فعل فكرى وجيله . إنما نظر إليها على أنها عٍٍٍرض لداء هو " جمود المسلمين "[63] الذى أصاب اللغة والإجتماع والشريعة والعقيدة . ومن هذا المنظور طور عبده اطروحاته حول الإصلاح الدينى بإجراء محاولة لإعادة صياغة نظرية العقل مقدما ً العقل على ظاهر النص وبالسعى إلى التواصل مع تيارات من التراث العقلانى الإسلامى ، إختفت تماما ً من الفكر السنى مثل المعتزلة والرشدية. وقد إتهمه الشيخ عليش – وهو من غلاة المحافظين فى الأزهر – ذات مرة بأنه يرجح مذهب المعتزلة على الأشعرية[64] . وفى رده على دراسة فرح انطون عن "ابن رشد وفلسفته "[65] كتب عبده : " فعل بعد ذلك يعد الفيلسوف [ابن رشد] ماديا ً ومذهبه ماديا ً قاعدته العلم ؟ .. لا بل إلهى ومذهبه إلهى قاعدته العلم ، قائل بخلود النفس وسعادتها وشقائها ... "[66] ولعله بذلك قد أراد رد الاعتبار لإبن رشد وفلسفته التى صنفت لدى الإتجاه الرئيسى للفكر السنى على أنها امتداد مباشر للأرسطية ، مماعرضها لآثار القطيعة مع الفلسفة اليونانية . وفى هذا بوادر إنقلاب على الموقف السنى "الرسمى" من الفلسفة والفلاسفة وتحرر من هيمنة الفكر الأشعرى الذى ظل مهيمنا ً على الفكر الدينى السنى لقرون عديدة .
إنبرى عبده للرد على الذين إتهموا الإسلام بإضطهاد أهل العلم والفكر ، مثل الوزير الفرنسى هانوتو[67] والفيلسوف رينان[68] وفرح انطون . وربما كانت تلك السجالات التى زخرت بها صحف ذلك الوقت ، وراء تطوير عبده لخطاب تمجيدى إزاء العلم العربى فى عصره الذهبى . ويبدو جليا ً من إشارات عبده التاريخية أن المعرفة بتاريخ العلم العربى قد تطورت ، بالمقارنة مع العقود السابقة ، وإن كان جل إعتماده على مصادر من الدرجة الثانية هى عبارة عن مؤلفات أوربيين وصفهم بانهم " أهل المعرفة والإنصاف "[69] مثل غوستاف لوبون[70] ودلامبير[71] وغيرهم . لكن الغالب على هذا الخطاب طابع الإنتقائية فى التعامل مع تاريخ العلم بحيث أعتبر الإزدهار والتسامح ورعاية الخلفاء للعلماء هم الأصل وماسوى ذلك "حوادث .. سبب حدوثها أما سياسة خرقاء أو جهالة عمياء ... "[72] .
إلا أنه بوفاة محمد عبده فى 1905 وإستئثار رشيد رضا بإرثه بإعتباره أقرب تلاميذ عبده إليه ، إنكفأ مشروع الإصلاح الدينى ومضى فى إتجاه اقرب ما يكون الى السلفية. وقد هيأت الظروف السياسية داخل مصر وخارجها المناخ لذلك الإنكفاء بترجيح كفة التيار المحافظ وتوسيع دائرة تأييده . ففى مصر إشتدت قبضة الإستعمار البريطانى بعد حادثة دنشواى[73] . وفى الأستانة تعالت دعاوى العلمانية مع صعود حركة تركيا الفتاة فى أجواء احتضار الخلافة الإسلامية ، مما أعتبر هجمة على الإسلام . فتراجعت محاولات البعث الفلسفى وإعادة النظر فى نظرية العقل من داخل الفكر الدينى . ولم يبق سوى الخطاب التمجيدى والإشارات العلمية فى القرآن ردا ً على التفوق الأوربى .

خاتمة
شهد القرن التاسع عشر تعاقب ثلاثة أجيال من الأزهريين الإصلاحيين[74] ، أهم رموزها على الترتيب رفاعه الطهطاوى وعبد الله فكرى ومحمد عبده . وقد عملوا جميعا ً فى المؤسسات "الحديثة" للدولة مثل المدارس والإدارة والصحف والقضاء . وشاركوا فى محاولة إزالة العقبات التى إعترضت العلم الجديد ، الذى كان من أهم أدوات الدولة "الحديثة" . ومن اجل ذلك إستخدموا رصيدهم الدينى ، من علم ومكانة وإنتماء للأزهر ، فى صياغة خطاي توفيقى بين العلم والدين . وكان التاريخ أحد مكونات ذلك الخطاب ، لكن بدرجات متفاوتة جسدت كل منها الحالة الفكرية للمرحلة .
إلا أن المحافظين هم الذين إختاروا ساحة السجال وأدواته : النصوص الدينية. ولم يتمكن الإصلاحيون من الخروج من هذه الدائرة ، فاخذوا يبحثون فى التفاسير القديمة عما يتوافق مع حقائق العلم الجديد ويزايدون لإضافة إشارات علمية جديدة من القرآن على ضوء إنجازات العلم الحديث . وعلى الرغم من الإستدعاء المتكرر للعصر الذهبى للعلوم العربية من قبل الإصلاحيين ، إلا أنهم لم يفلحوا فى ان يجعلوا من العلم الجديد تواصلا ً وإستمراراً للتجربة السابقة ، فيما عدا إستعارة بعض المصطلحات العلمية . والأدهى أن إستخدام التاريخ ف توطيد العلم الجديد أفضى إلى مفارقة ! فبدلا ً عن إبراز تاريخية العلم وصيرورته تكرست صفة اللاتاريخية للحقائق العلمية ، إذ يمكن العثور على بعض منها فى كتابات علماء سبقوا بمئات السنين . وإنحصر العلم فى المنطوق اللفظى للمقولات التى قد يحتمل تشابها ً بين نصوص علمية متباعدة زمنيا ً ، مما ادى إلى إغفال الخصوصية اللإبستمولوجية لكل نص . وكان ذلك أحد أسباب المأزق الذى يواحهه الفكر العلمى فى مصر - وفى بلدان إسلامية أخرى – منذ دخول العلم الحديث .
وبتعثر حركة الإصلاح الدينى وبالتالى تجنب مراجعة موقف الفكر الدينى من العلم والفلسفة ، ضاعت فرصة التأسيس للعلم الحديث فى الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة . فبقى العلم الحديث دون جذور ، ويتم التعامل معه كمنتج . وقد أبانت فتوى شيخ الأزهر الشهيرة المتعلقة بتدريس العلوم الحديثة ، بجلاء أن الفكر الدينى المحافظ قد توقف عند الغزالى – بعد تحوله إلى التصوف وتنكره للفلسفة – والهيتمى وابن الصلاح والنووى وغيرهم من علماء القرون الوسطى . وأن حالة التوجس والعداء تجاه الفلسفة مازالت كما هى منذ قرون القطيعة التى بدأت من أواخر القرن الخامس الهجرى . ولما كان الفكر العلمى والفكر الفلسفى مرتبطين ببعضهما البعض إرتباطا ً وثيقا ً فلنا أن نتخيل مصير الفكر العلمى .
بدون التعرف على هذه الخلفية فى التعامل مع التاريخ فى القرن التاسع عشر ، يكون من الصعب فهم المسار الذى إتخذه تاريخ العلم فى مصر فى القرن العشرين .















[1]- عبد الرحمن الجبرتى : عجائب الآثار فى التراجم والأخبار
دار الكتب المصرية ،(طبعة مكتبة الأسرة) القاهرة ، 1998 ، ج5 ، ص 51 – 53

[2]- على مبارك : الخطط التوفيقية ، مطبعة بولاق ، القاهرة ،
1889 ، ج 4 ، ص 38

[3]- عبد الرحمن الجبرتى : المصدر السابق ، ج 8 ، ص 397

[4]- عبد الرحمن الجبرتى : المصدر السابق ، ج 8 ، ص 407

[5]- دفتر 212 (معية) رقم 277 إلى البـاشا الســرعســكر فى 29 ذى الحجة سنة 1251هـ

[6]- أمين ســامى : تقويم النيل ، دار الكتب المصرية ، القاهرة ، 2003 ، ط 2 ، ج 3 ، ص 15

[7]- جرجى زيدان : تاريخ آداب اللغة العربية ، دار الهلال ، القاهرة ،
بدون تاريخ ، ج 4 ، ص 25

[8]- محمد عبده : مجلة المنار ، الجزء الخامس ، غرة ربيع الأول
سنة 1320 هـ - يونيو 1902م ، ص 175-183

[9]- أحمد عزت عبد الكريم: تاريخ التعليم فى مصر ، مطبعة النصر ، القاهرة ،
1945 ، ج 1 ، ص 5

[10]- A .B. CLOT : Mémoires , IFAO , Le Caire ,
1949 , pp 70 – 76

[11]- عبد الرحمن الجبرتى : المصدر السابق ، ج 8 ، ص 406

[12]- عبد الرحمن الجبرتى : المصدر السابق ، ج 8 ، ص 406

[13]- رفاعة رافع الطهطاوى : تخليص الإبريز فى تلخيص باريز
دار الهلال ، 2001 ، ص 17

[14]- فضل بن علوى : عدة الأمراء والحكام لإهانة الكفرة وعبدة الأصنام ،
القاهرة ، طبع حجر ، 1273 هـ (1857م)
( ميكرفيش بدار الكتب )

[15]- المصــدر السابق

[16]- المصــدر السابق

[17]- رفاعة رافع الطهطاوى : المصدر السابق ، ص 48

[18]- أبو حامد الغزالى: تهافت الفلاسفة ، دار المعــارف
القاهرة ، 1955

[19]- أبو حامد الغزالى: إحيــاء علوم الدين ، مطبعة بولاق ،
1357 هـ

[20]- رفاعة رافع الطهطاوى : المصدر السابق ، ص 48

[21]- رفاعة رافع الطهطاوى : المصدر السابق ، ص 48

[22]- التعريبات الشافية لمريد الجغرافية ، ترجمة رفاعة رافع الطهطاوى عن
الفرنسية ، مطبعة بولاق ، القاهرة ، 1838م (الطبعة الثانية)

[23]- سبقه كتاب "الكنـز المختـار فى كشف الأرض والبحـار" ترجم وطبع فى
مالطة وطبع فى مصر سنة 1836م . وبذلك يكون كتاب "التعريبات لشافية"
هو أول كتاب ترجم فى مصر .

[24]- رفاعة رافع الطهطاوى : المصدر السابق ، ص 21

[25]- الشيخ محمد الهراوى من شيوخ الأزهر الذين عينوا فى وظيفةمحرر بمدرسة الطب. حرر أول كتاب ترجم فى الطب "القول الصريح فى علم "التشريح" لكلوت . توفى فى أواسط القرن التاسع عشر.

[26]- بيرون : الأزهار البديعة فى علم الطبيعة ، مطبعة بولاق ،
القاهرة ، 1838(ميكروفيش دار الكتب المصرية)

[27]- المصــدر الســابق

[28]- Yacoub Artin : Lettres du Dr. Perron du Caire et d’Alexandrie à Jules Mohl à Paris (1838 – 1854) , le Caire , 1911

[29]- بيرون : المصــدر الســابق

[30]- عبد الرحمن الجبرتى : المصدرالسابق ، ج 5 ، ص 60

[31]- جومار هو أحد علماء الحملة الفرنسية وعضو المجمع العلمى الفرنسى وهو
الذى إختاره محمد على للإشراف على المبعوثين المصريين فى باريس.

[32]- انطوان برتلمى كلوت (1793 – 1868) طبيب فرنسى ، أسس مدرسة الطب بمصر فى عصر محمد على . كان موضع ثقة الباشا .

[33]- عمر طوسون : البعثات العلمية فى عهد محمد على ثم فى عهد عباس الأول وسعيد ، مطبعة صلاح الدين ،
الاسكندرية ، 1934 ، ص 19

[34]- فضل بن علوى : المصــدر الســابق

[35]- رفاعة رافع الطهطاوى : مناهج الألباب المصرية فى مناهج الآداب المصرية ، ط 2 ، الرغائب بمصر ، 1905

[36]- الشيخ أحمد الدمنهورى : اللطائف النـورية فى المنـح الدمنهورية ،
مخطـوطة بالمكتبـة الأزهــرية
برقم 42177 عروسى

[37]- طبع أول كتاب بالعربية فى روما سنة 1514. أما فى مصر فقد دخلت الطباعة مع الحملة الفرنسية . وفى عصر محمد على أنشئت مطبعة بولاق فى سنة 1822 .

[38]- طبع كتاب "ألف ليلة وليلة" فى مصر لأول مرة فى سنة 1835 وكتاب "كليلة ودمنة" فى سنة 1833 وكتاب مقدمة بن خلدون فى سنة 1857وذلك بعد طباعتهما فى أوربا .

[39]- جمال الدين الشيال : تاريخ الترجمة والحركة الثقافية فى عصر محمد على، القاهرة، دارالفكر العربى، 1951، ص 20

[40]- نجد هذا الوصف فى الخطب التى يقدم بها المحررون الأزهريون ومترجمو مدرسة الألسن للكتب المترجمة ، على نحو ثابت تقريباً .

[41]-عبد الرحمن الجبرتى : المصدر السابق ، ج 5 ، ص 37

[42]-عمر طوســون : المصدر السابق ، ص 34

[43]- عمر طوســون : المصدر السابق ، ص

[44]- بيرون : المصدر السابق

[45]- رفاعة رافع الطهطاوى : المصدر السابق ، ص 16

[46]- Alexandre Koyré : Etudes d’historie du la pensée scient-
fique , Gallimard , Paris , 1973, pp61 -86 et pp166 – 195

[47]- Yacoub Artin : Lettres du Dr. Perron du Caire et d’Alexandrie à Jules Mohl à Paris (1838 – 1854) , le Caire , 1911

[48]- عبد الله فكرى هو بن احد ضباط محمد على، تلقى تعليمه فى الأزهر ، وتولى عدة وظائف فى مجال التعليم منها وظيفة وكيل ديوان عموم المكاتب الأهلية ثم وكيل نظارة المعارف ثم ناظر المعارف (وزير التعليم) لفترة قصيرة فى سنة 1882. له إهتمامات أدبية كثيرة .

[49]- أسس عبدالله أبوالسعود مجلة "وادى النيل" فى سنة 1866 بدعم من الخديوى اسماعيل. وإستمرت حتى 1878. وهى مجلة سياسية علمية أدبية. وأبو السعود هو أحد تلاميذ رفاعة الطهطاوى فى مدرسة الألسن.

[50]- عبد الله فكرى : فى مقارنة مباحث الهيئة بالوارد فى النصوص الشرعية ، مطبعة المدارس الملكية ، القاهرة ، 1293هـ (1876م) .

[51]- المصـــدر الســـابق ص 4

[52]- المصـــدر الســـابق ص 4

[53]- المصـــدر الســـابق ص 6

[54]- المصـــدر الســـابق ص 6

[55]- عضد الدين الآيجى : المواقف ، بشرح السيد الشريف ، مطبعة محرم ، القاهرة ، بدون تاريخ .

[56]- كان مسئولا عن التعليم العام ، ثم وزيرا ً للتعليم .

[57]- عباس محمود العقاد : محمد عبده ، سلسلة أعلام العرب ، القاهرة ، بدون تاريخ ، ص 172 .

[58]- المصـــدر الســـابق ص 173 .

[59]- المصـــدر الســـابق ص 174 .

[60]- محمد عبـــده : الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ، تحقيق محمد عمارة ، القاهرة ، 1993 ، ج 3 ، ص 331 .

[61]- تولى الشيخ الانبابى شياخة الأزهر من سنة 1882 حتى سنة 1896 .

[62]- محمد عبـــده : المصـدر السـابق ج 3 ، ص 193

[63]- المصـدر السـابق ج 3 ، ص 335 – 351 .

[64]- المصـدر السـابق ج 3 ، ص 210 .

[65]- فرح انطون هو صاحب مجلة "الجامعة" التى بدأت فىالصدور سنة 1900 ونشر دراسته عن ابن رشدوفلسفته ، فى المجلة ثم فى كتاب بنفس العنوان سنة 1903 .

[66]- نشر محمد عبده رده هذا فى المنار ثم فى كتاب فرح انطون (المصدر السابق) ص 88 – 97 .

[67]- هاناتو وزير خارجية فرنسا. نشر مقالين عن الإسلام فى صحيفة le Journalالفرنسية سنة 1900 ترجما ونشرا فى جريدة المؤيد. وقام محمد عبده بالرد عليهما فى نفس الجريدة. وفى 16يوليو 1900 نشرت جريدة "الأهرام" مقابلة أجراها صاحبها مع هانوتو فى باريس. وقام محمد عبده بالرد عليه فى الأهرام .

[68]- ارنست رينان (1823 – 1892) فيلسوف فرنسى معروف . ألقى محاضرة شهيرة فى collège de France بتاريخ 29مارس 1883 عن الإسلام والعلم ، تبنى فيها موقفا ً مفاده أن الإسلام لا يشجع العلم . وأن العلم العربى الذىنشأ فى كنف الحضارة الاسلامية هو علم فارسى – أغريقى.

[69]- محمد عبـــده : المصـدر السـابق ج 3 ، ص 324 .

[70]- غوستاف لوبون فيلسوف فرنسى ألف كتاب "حضارة العرب" الذى نشر لأول مرة فى سنة 1884 .

[71]- ديلامبير عالم فيزياء ورياضيات فرنسى ، عاش فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر . أسهم فى كتابة فصول الرياضيات والفلك فى "الموسوعة" التى إشترك فى تأليفها علماء وفلاسفة فرنسيون .

[72]- محمد عبـــده : المصـدر السـابق ج 3 ، ص 276 .

[73]- وقع صدام بين فلاحين وجنود الإحتلال البريطانى بسبب صيد الجنود للحمام فى قرية دنشواى فى 13 يونيو 1906. أقامت سلطة الإحتلال محكمة إستثنائية قضت بإعدام بعض الفلاحين وجلد آخرين فى تجاوز سافر.

[74]- لم نصنف جيل حسن العطار الذى سبق تلك الأجيال الثلاثة ، على الرغم من دوره فى الدعوة للعلم الجديد وتشجيعه له ، وذلك لأسباب منهجية :
أولا ً ، من الصعب التحدث عن جيل له نفس المواقف معاصر للعطار كما هو الحال بالنسبة للأجيال اللاحقة .
ثانيا ً ، تم الإختيار على أساس الإنخراط فى مؤسسات الدولة "الحديثة" ، التى كان العلم أحد أدواتها ، وعمل العطار فى الدولة ليس مؤكدا ً ، إذ أن تعيينه محررا ً بجريدة "الوقائع المصرية" أمر مازال موضع خلاف بين المؤرخين.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مصر , التاريخ , التاسع , الحداثة , القرن , خيال , عشر , والعلم

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:23 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.