![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خلق الله أجمعين نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه ، الحمد الله القائل وإنك لعلى خلق عظيم ،وقال صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وقالت عائشة رضي الله عنها حينما سُئلت عن أخلاقه صلى الله عيه وسلم ، فقالت رضي الله عنها كان خلقه القران أما بعد : سلسلة : أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي يسرني أن أقدم لكم هذه السلسلة الثالثة وقد سميتها (سلسلة : أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي)وذلك مما للأخلاق من أهمية في حياة الإنسان المسلم ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمإن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة ، أحاسنكم أخلاق ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق سبب التأليف لأن بعض إخواني سألني أن ألخص لهم المهم ، جملة من الآداب والأخلاق ، التي ترتقي بالمؤمن في الدنيا بحيث يصبح من أهل المحبة في الدنيا، وأن يرتقي أيضًا في الدرجات العلى من الجنة ، فأجبته إلى سؤاله رجاء الإندراج والمنفعة وأسأل الله أن ينفع بها ومن كتبها أو سمعها أو قرأها أو حفظها أو نظر فيها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم موجبًا للفوز لديه في جنات النعيم فإنه حسبي ونعم الوكيل . والله أستعين في كل عمل إليه قصدي وعليه المتكل وأملي أن أصل القارئ الحبيب إلى شاطئ السعادة وبر الأمان والسلامة في الدنيا والآخرة، لعله يسمو بأخلاقه ويتمثل بخلق النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لن يجد لذة قلبه، وانشراح صدره، واطمئنان نفسه، إلا بالإقتداء بخلق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خير ما يقتدى به. أولا تعريف الأخلاق :- لغة:الأخلاق جمع خلق، والخلق اسم لسجية الإنسان وطبيعته التي خلق عليها. قال ابن منظور: الخُلُقُ بضم اللام وسكونها هو الدين والطبع والسجية ، وحقيقته أن صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ]لسان العرب لبن منظور[ . اصطلاحا:عرف الجرجاني الخلق بأنه: (عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقا سيئا). تعريف علم الأخلاق وموضوعه :- عُرِّف علم الأخلاق بعدة تعريفات منها: هو (علم: موضوعه أحكام قيمية تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح( وعرفه أحمد أمين بأنه (علم: يوضح معنى الخير والشر ويبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم بعضا ويشرح الغاية التي ينبغي أن يقصد إليها الناس في أعمالهم وينير السبيل لما ينبغي( موضوع الأخلاق: هو كل ما يتصل بعمل المسلم ونشاطه وما يتعلق بعلاقته بربه، وعلاقته مع نفسه، وعلاقته مع غيره من بني جنسه، وما يحيط به من حيوان ) . ونقف إلى هنا وللحديث بقية وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين |
|
#2
|
|||
|
|||
|
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي -2- أركان الأخلاق : هذه المقدمات لابد أن تتوفر في الشخص الذي يريد أن يتحلى ويرتقي بأخلاقه ولابد من التطبيق وأن يصبر على هذه الأركان الأربعة حتى ينال بغيته. حسن الخلق يقوم على أربعة أركان ، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها : 1- الصبر ، 2- والعفة 3- والشجاعة 4- والعدل. فالصبر : تحمله على الاحتمال وكظم الغيظ ، وكف الأذى ، والحلم الأناة والرفق ، وعدم الطيش . والعفة : تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح ، من قول الفعل ، وتحمله على الحياء ، وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء ، والبخل والكذب والغيبة والنميمة. والشجاعة :تحمله على عزة النفس ، وإيثار معالي الأخلاق والشيم ، ليس الشجاعة من تعدى على الناس ، أو أخطئوا عليه أن يرد ذلك الخطأ بمثله أو يرده بالصاعين والله هذا ليس من الفقه في الأخلاق من شي وإنما الشجاع وهو الذي يملك نفسه عند الغضب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (ليس الشديد بالسرعة إنما الشديد الذي يملك نفيه عند الغضب) ]متفق عليه[ إن فعلت هذا فأنت حينئذٍ ترتقي بأخلاقك . العدل : يحمله على اعتدال أخلاقه ، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط ، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الإمساك والإسراف والتبذير ، على خلق الحياء الذي هو توسط بين الذل والقحة. وللحديث بقية وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم |
|
#3
|
|||
|
|||
|
فقه الأخلاق (حدود الأخلاق)
-3- سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدوانًا ، ومتى قصرت عنه كان نقصًا ومهانة . فللغضب حد : وهو الشجاعة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص ، وهذا كماله ، فإذا جاوز حده تعدى صاحبه وجار ، وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل . وللحرص حد : وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها ، فمتى نقص من ذلك كان مهانة وإضاعة ، ومتى زاد عليها شَرَهًا ورغبة فيما لا تحمد الرغبة فيه . وللراحة حد : وهو إجمام النفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل ، فمتى زاد على ذلك صار توانيًا وكسلاً وإضاعة ، وفات به أكثر مصالح العبد ، ومتى نقص عنه صار مضرِّا بالقوى موهنًا لها . وللشجاعة حد : متى جاوزته صار تهورًا ، ومتى نقصت عنه صار جبًا وخورًا. الجود له حد بين طرفين ، فمتى جاوز حده صار إسرافًا وتبذيرًا ، ومتى نقص عنه كان بخلاًا وتقتيرًا . والغيرة لها حد ، إذا جاوزته صارت تهمة وظنًا سيئًا بالبريء ، وإذا قصرت عنها كان تغافلاً ومبادئ دياثة . وللتواضع حد: إذا جاوزته كان ذلاً ومهانة ، ومن قصر عنه انحرف إلى الكبر والفخر . وهذه كلها حدود الأخلاق وبعضهم يسميها فقه الأخلاق ، وضابط هذا كله العدل ، وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط ، فإنه متى خرج بعض أخلاقه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب صحته وقوته بحسب ذلك ، أحبتي فالله لابد أن نتعلم تلك الحدود ، وأنا ضربت لكم بعض الأمثلة حتى نقيس عليها ، وحتى لا نُدخل فيها ما ليس منها ، ولا نُخرِج منها ما هو داخل فيها . ونقف إلى هنا وللحديث بقية وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم |
|
#4
|
|||
|
|||
|
-4- سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي: س/ما الفرق بين الأدب والخلق أحبتي فالله، هناك ما يُسمى خلقاً وهناك ما يسمى أدباً، الخلق يظهر في الإنسان من بداية معرفته بالدنيا وأعني بذلك التي تكون أخلاق جبلية وهناك أخلاق مكتسبة أي مع ترويض النفس حتى تصبح سجية في الإنسان ، وقد يكون هذا خلق سيئ أو جيد ، وأما الأدب خصلة من خصال الأخلاق الجيدة ولكن لا نحكم على من يفتقد الأدب أنه سيئ الأخلاق ، بل نحكم عليه أنه يفتقد أسلوب التعامل الرائع مع الآخرين ألا وهو الأدب ، والأدب يظهر من أسلوب تعامل الفرد مع جميع طبقات الناس ، أيها الإخوة ، الأدب ينقسم إلى قسمين، أدب مع الله عز وجل وأدب مع المخلوق ونحن إن شاء الله سنبدأ بالأدب مع الله عز وجل لأنه أولى بالاهتمام الأدب مع الله عز وجل الأدب مع الله هو سلوك الأنبياء والصالحين وإذا كان التأدب مع أصحاب الفضل واجباً فإن من أوجب الواجبات التأدب مع الله سبحانه وتعالى ومن صور التأدب مع الله ما يلي : الإخلاص الإخلاص له سبحانه في العمل قال الله تعالى فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي يقول الله عز وجل أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمِل عمَلاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ، رواه مسلم يقول الحسن البصري رحمه الله لا يزال العبد بخير إذا قال: قال لله وإذا عَمل عمِل لله عز وجل الشرك الحذر من الوقوع في الشرك صغيرة وكبيره فهذا مما لا يحبه الله ولا يرضاه قال الله تعالى وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) الشكر شكر نعمته عليك والاعتراف بها قال الله تعالى( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) وقوله تعالى ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) التعظيم تعظيمه وتوقيره وتعظيم شعائره قال الله تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) وقال تعالى ( مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ) وقال أيضاً ( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) التقول على الله عدم القول على الله بغير علم لقوله تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ) المراقبة استشعار مراقبة الله لك في السر والعلانية وأنه مطلع عليك وأنت في ملكه وقبضته ( وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) الخشية والإنابة الخشية والخوف منه ورجاؤه قال الله تعالى ( فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) وقال سبحانه وتعالى ( فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) وقال ( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ) الـتـوبة التوبة والإنابة إليه وطلب المغفرة منه قال الله تعالى ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ) الــدعــاء دعاؤه والتضرع إليه والانكسار بين يديه قال الله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) وقوله عز وجل ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّع َ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ) |
|
#5
|
|||
|
|||
|
- 5 -
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي "الرسول محمد الأسوة والقدوة " الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: لقد أكرم الله البشرية جميعًا بالرسالة الخاتمة التي بعث الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشيرًا ونذيرًا، فقال تعالى(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ َكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، فاستحقَّ بحق أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم منقذًا للبشرية، وأسوة للعالمين. فلا يخلو - حقيقة - أيُّ قول أو فعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خُلقٍ كريم، وأدب رفيع، بلغ فيه الذروة، ووصل - بلا مبالغة - إلى قمة الكمال البشري، حتى في المواقف التي يصعب فيها تصوُّر الأخلاق كعاملٍ مؤثِّرٍ؛ وذلك كأمور الحرب والسياسة، والتعامل مع الظالمين والفاسقين والمحاربين للمسلمين والمتربصين بهم، وكذلك في تواضعه، وقيادته، وإعطائه الحقوق لأصحابها، وفي حلّهِ للمشكلات، كما كان أيضًا نِعْمَ الأب والزوج والصاحب.. الأمر الذي نستطيع أن نفهم منه قوله صلى الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " - صححه الألباني - وكان خير قدوة وخير مَثَل لأصحابه؛ لذلك تعمَّق حبُّه في قلوبهم؛ حتى كان يتمنَّى أحدهم أن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم برُوحه ولا يصاب صلى الله عليه وسلم بشوكة تؤذيه، هكذا عاش محمد النبي صلى الله عليه وسلم في وجدانهم وضمائرهم، فكان حب صحابته له دليلاً أكيدًا على صدقه. ما أحوجنا الآن إلى أن نُعيد حب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى قلوبنا، فلا شكَّ أن محبَّة الرسول صلى الله عليه سلم واجبة لا يماري في ذلك أحدٌ، ولكن أن تكون العاطفة فقط هي وحدها مظهر هذا الحبِّ والولاء، فهذا يحتاج منَّا إلى وقفة ؛ لأنه حبٌّ يعتريه النقص، وما أسهل انهياره أمام أول طوفان يقابله ولا يكفي هذا الحب ولابد من العمل بهذا الحب وأن يكون ظاهرًا في جوارحنا هذا هو الحب الحقيقي وأما الذي يزعم أنه يحب الرسول ولا يتبع هديه صلى الله عليه وسلم فإن حبه ناقص قال الله تعالى على لسان نبيه صلى اله عليه وسلم " قل إن كنتم تحبون الله فتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " وثم بعد ذلك تأتي الخطوة الثانية وهي تطبيق ما عرفناه من سنته ونهجه في حياتنا بشكل كامل، واتّباع هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، ولا نعني بذلك فقط أداء النوافل أو بعض العبادات، ولكن التطبيق الكامل لكل نهجه في العبادة والسياسة والاقتصاد والمعاملات والقضاء، بل وفي الترفيه والراحة. وأخيرًا تأتي الخطوة الثالثة المهمة التي تدلُّ على عمق حُبِّنا له، ألا وهي انطلاقنا إلى العالمين تعريفًا به وبسُنَّته في صورة حيَّة حركيَّة؛ امتثالاً لقول رسول الله " بلغوا عني ولو آية " أخرجه البخاري في صحيحه والترمذي في جامعه وأحمد في مسنده . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وللحديث بقية والسلام عليكم مرحمة الله وبركاته |
|
#6
|
|||
|
|||
|
-6- سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي أهمية الأخلاق إنَّ أهمية الأخلاق للحياة الإنسانية في نظر الإسلام ينظر إليها من اعتبارات مختلفة أهمها: أولاً: علاقة الأخلاق ببناء الشخصية الإنسانية : الإنسان جسد وروح، ظاهر وباطن، والأخلاق الإسلامية تمثل صورة الإنسان الباطنة، والتي محلها القلب، وهذه الصورة الباطنة هي قوام شخصية الإنسان المسلم، فالإنسان لا يقاس بطوله وعرضه، أو لونه وجماله، أو فقره وغناه، وإنما بأخلاقه وأعماله المعبرة عن هذه الأخلاق ، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] فقره وغناه، وإنما بأخلاقه وأعماله المعبرة عن هذه الأخلاق ((التربية الأخلاقية() أبادير حكيم (ص: 118). ، ي، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم . ثانياً: ارتباط الأخلاق بالأسس العقدية والتشريعية للدين الإسلامي : جعل الإسلام العقيدة الأساس الأول الذي تصدر عنه الأخلاق الفاضلة، وارتباط الأخلاق بالعقيدة أمر معلوم لكل من له فكر وروية بأمور الإسلام، وهذا الارتباط يشكل ضمانة لثبات الأخلاق واستقرارها وعدم العبث بها، كما يعتبر في الوقت نفسه شجرة مثمرة طيبة لهذه العقيدة، يقول الشيخ محمود شلتوت في هذا المعنى: (إن العقيدة دون خلق شجرة لا ظل لها ولا ثمرة، وإن الخلق دون عقيدة ظل لشبح غير مستقر) . ثالثاً: آثارها في سلوك الفرد والمجتمع : تظهر أهمية الأخلاقية الإسلامية لما لها من أثر في سلوك الفرد، وفي سلوك المجتمع. أما أثرها في سلوك الفرد فلما تزرعه في نفس صاحبها من الرحمة، والصدق، والعدل، والأمانة، والحياء، والعفة، والتعاون، والتكافل، والإخلاص، والتواضع... وغير ذلك من القيم والأخلاق السامية، فالأخلاق بالنسبة للفرد هي أساس الفلاح والنجاح، يقول تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) . رابعًا : امتثال أمر الله سبحانه: كثيرة هي الآيات القرآنية التي تدعو العاقل إلى امتثال أمر الله سبحانه في الأخلاق، إما إيجابا، أو نهيا، أو إرشاداً، ومنها: قال الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) والآيات في ذلك كثيرة جدًا. خامسًا : أنها سبب لمحبة الله تعالى: قال الله تعالى: (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وقال تعالى: (وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وأهيمة الأخلاق كثيرة وكذلك نسردها سردًا ، أنها دليل كمال الدين، وأنها أثقل شيء في الميزان، وأنها عبادة يبلغ بها العبد درجات الصائم القائم ، وأن صاحب الخلق من خيار الناس ، وأنها من خير أعمال الإنسان، وأنها سبب تأييد الله ونصره . وصلى الله على محمد
|
|
#7
|
|||
|
|||
|
-7- سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي هنالك فوائد وثمرات كثيرة تستفاد من دراسة علم الأخلاق منها: الثمرة الأولى: الدعوة إلى الله عز وجل، والذي يظن أن الناس تدخل في الدين فقط لأنهم يقتنعون عقلياً فقط، لا شك أنه مخطئ... وكثير من الناس يدخلون في الدين لأنهم يرون أن أهل هذا الدين على خلق، وأن الدعاة إلى الله عندهم أخلاق، والشواهد في هذا الباب كثيرة...فالاستقامة على الأخلاق لها أثر كبير، ونفعها بليغ، ولا أدل على ذلك مما جاء في السيرة النبوية من أن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم كانت محل إعجاب المشركين قبل البعثة، حتى شهدوا له بالصدق والأمانة. عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: ((لما نزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) الثمرة الثانية: تقوية إرادة الإنسان، وتمرين النفس على فعل الخير وترك الشر، حتى تصبح سجية في النفس نحو الفضيلة حتى تتحقق السعادة، ولكن كم من الناس عن سعادتهم غافلون! وقد يحرمون نفوسهم من خير كثير بسبب قلة أدبهم ، ما أجمل الأدب بالأفعال! فقد خاصم رجل الأحنف فقال الرجل: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً، فقال الأحنف: لكنك إن قلت عشراً، لم تسمع واحدة . .فالواجب على العاقل أن يحرص على تقوية إرادته، ويؤدب نفسه على الأخلاق الحسنة، ويحملها على العدل، ولا يكن أول الظالمين لها. قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) فالظالم لنفسه هو المقصر في عمله تجاه ربه الذي أحسن إليه، أو نبيه، أو أحداً ممن يجب عليه بره، والمقتصد هو العامل في أغلب الأوقات، وأما السابق بالخيرات فهو العامل والمعلم لغيره والمجاهد لدينه. فالواجب أن يكون لنفسه من أعدل الناس، فمن عدل مع نفسه، فهو العاقل السابق بالخيرات، ومن دساها فهو الظالم لنفسه. قال الماوردي: (فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح، وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير. فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم، ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجور) |
|
#8
|
|||
|
|||
|
-8-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي سؤال / ماهي الغاية والهدف من إلتزام المسلم بالأخلاق؟ الجواب / الغاية الهدف والغاية من الالتزام بالأخلاق عند المسلم هو إرضاء الله سبحانه وتعالى ، وأن ينال الدرجات العلى من الجنة ، ولا ينبغي ... أن يكون هدفه مدح الناس له ؛ لأن ذلك يعد من الرياء، وكذلك لا ينبغي للعاقل أن يكون هدفه من وراء ذلك الكسب المادي فقط، والإسلام أيضاً يهدف إلى بناء مجتمع يقوم على التراحم والتعاون والإيثار وحب الخير للناس، من خلال علاقات حسنة مع الوالدين والأبناء، والأزواج، والأرحام، والجيران، وجميع المسلمين، بل وغير المسلمين، بل يتعدى ذلك إلى الحيوان والجماد، فالإسلام بحمد الله تعالى يهدف إلى حمل المسلم على التحلي بمكارم الأخلاق، والعيش في ظلها . الغاية الهدف الثاني: معالجة الانفصال الشديد بين الأخلاق والعبادات إن الهدف الثاني من دراستنا للأخلاق هو معالجة الانفصال الشديد بين الأخلاق والعبادات، أو بكلمة أعم وأشمل: معالجة الانفصال الشديد بين الدين والدنيا.. فتجد الانسان داخل المسجد في غاية الانضباط، أما خارج المسجد فهو انسان آخر،وتجد لسان حاله يقول:" لا يهم فالعبادات على ما يرام، والدين داخل المسجد، أما الحياة فأعمل فيها ما أريد ،ان هذا خطأ شديدوهوكلام من لا خلاق لهم وهم العلمانيين والعياذ بالله ، إن هذا الانفصال ليس من الاسلام في شيء، فالاسلام وحدة واحدة ، كلّ متكامل لا يتجزأ.. فايّاك أن تكون كالذي يغري الناس بعبادته، ثم يفاجأوا بالأخلاق بعيدة تماما عن الاسلام. |
|
#9
|
|||
|
|||
|
-9-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي مصادر الأخلاق إن الأخلاق الإسلامية هي السلوك من أجل الحياة الخيرة وطريقة للتعامل الإنساني، حيث يكون السلوك بمقتضاها له مضمون إنساني ويستهدف غايات خيرة. وقد عرف بعض الباحثين الأخلاق في نظر الإسلام بأنها عبارة عن (مجموعة المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني التي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان وتحديد علاقته بغيره على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه وقد مر معنى في بداية السلسلة عدة تعاريف ولكن لا فرق بينها إلا في الألفاظ فقط ولكن المعنى واحد و(المسلمون يستقون مصادر الأخلاق من القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وليس للبشرية أيضاً بديل عن هذين المصدرين، فمصادر الأخلاق في الإسلام تستمد مما يلي: أولاً: القرآن الكريم: يعتبر القرآن الكريم المصدر الأول للأخلاق، والآيات في ذلك كثيرة: قال تعالى:(إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) وقال سبحانه(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وقال تعالى(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)ونظائر هذه الآيات كثيرة في كتاب الله تعالى، وكلها من مصادر الأخلاق. والرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من تخلق بأخلاق القرآن الكريم وألزم نفسه بآداب القرآن، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت(كان خلق الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن). قال الحافظ ابن كثير: (ومعنى هذا أنه قد ألزم نفسه ألا يفعل إلا ما أمره به القرآن، ولا يترك إلا ما نهاه عنه القرآن، فصار امتثال أمر ربه خلقاً له وسجية، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين). ثانياً: السنة النبوية: تعريف السنة باعتبار كونها مصدرا تشريعيا: وهي أقواله وأفعاله، وتقريراته، والسنة النبوية الصحيحة المصدر الثاني للأخلاق بنص القرآن الكريم:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) (وقال تعالى:لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)وقال سبحانه:(فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) وفي رواية (لأتمم مكارم الأخلاق) صححه الألباني، قال إبراهيم الحربي: ينبغي للرجل إذا سمع شيئاً من آداب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمسك به. ولذا حرص الصحابة – رضوان الله عليهم – واهتموا وتابعوهم اهتماماً كبيراً وتخلقوا بالأخلاق الحسنة مستندين في ذلك إلى ما جاء في كتاب الله – سبحانه وتعالى – وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهم قدوتنا وسلفنا الصالح في الأخلاق. وأسأل الله أن يجعلنا ممن يتبعون هدي النبي صلى الله عليه وسلم ونأسف على الإطالة |
|
#10
|
|||
|
|||
-10- |
|
#11
|
|||
|
|||
|
-12-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي من خصائص الأخلاق خامسًا: العبرة بالظاهر والباطن من الأعمال معاً: أخلاقنا الإسلامية لا تكتفي بالظاهر من الأعمال، ولا تحكم عليه بالخير والشر بمقتضى الظاهر فقط، بل يمتد الحكم ليشمل النوايا والمقاصد، وهي أمور باطنية، فالعبرة إذاً بالنية، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)رواه البخاري ،والنية هي مدار التكليف، وعلى ذلك ننظر إلى نية الإنسان حتى نحكم على عمله الظاهر بالإيجاب أو بالسلب. سادسًاً: الرقابة الدينية: الرقابة: تعني مراقبة المسلم لجانب مولاه سبحانه في جميع أمور الحياة ،أما الرقابة في الإسلام فهي رقابة ذاتية في المقام الأول، وهي رقابة نابعة من التربية الإسلامية الصحيحة، ومن إيقاظ الضمير، فإذا كان المسلم يعلم أن الله معه، وأنه مطلع على حركاته وسكناته، فإنه يكون رقيباً على نفسه ولا يحتاج إلى رقابة الغير عليه، يقول تعالى(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)ويقول سبحانه(يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)ويقول عز وجل(إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)فإذا قرأ المسلم هذه الآيات وعرف معناها فإنه حينئذ يتيقن أنه إذا تمكن من الإفلات من رقابة السلطة، فإنه لن يتمكن من الإفلات من رقابة الله، وهذا في حد ذاته أكبر ضمان لعدم الانحراف والانسياق إلى الأخلاق المذمومة. سابعًاً: تراعى التدرج: التدرج في إلقاء الأوامر، بتقديم الأهم على المهم، واجتناب الأفحش، والسهولة واليسر... وهو أهم ما يميز أخلاقنا الإسلامية، فهي لا تطلب من الناس العمل بما لا يطاق، ولا بالمستحيل. ثامنًا: الجزاء على الخير والشر: الجزاء من جنس العمل – كما يقال – وأخلاق الإسلام تعطي الجزاء لكل من يعمل خيراً، أو يقترف شراً. هذا الجزاء قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة. فالأخيار من الناس: جزاؤهم عظيم في الدنيا والآخرة، أما جزاؤهم في الآخرة: فتشير إليه آيات كثيرة منها: قوله تعالى(وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)وفي هذا الباب أيات كثيرة ونكتفي بهذا القدر وصلى الله على محمد وترقبوا النقطة التالية |
|
#12
|
|||
|
|||
|
13
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد ان يرتقي: فضل مكارم الأخلاق 1- مكارم الأخلاق من أعمال الجنة: فهي من الأعمال المقربة للجنة الموصلة إليها المورثة الفردوس الأعلى. قال صلى الله عليه وسلم (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً ... وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) رواه أبو داوود والبيهقي وحسنه الألباني . عن أبي هريرة رضي الله عنه:((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج( رواه الترمذي وحسنه الألباني . 2 - مكارم الأخلاق سبب في محبة الله جل جلاله لعبده: قال صلى الله عليه وسلم( أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا)رواه الحاكم والطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح مكارم الأخلاق من أسباب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم: قال صلى الله عليه وسلم(إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)رواه الترمذي وحسن إسناده الألباني. 3- مكارم الأخلاق أثقل شيء في الميزان يوم القيامة: قال صلى الله عليه وسلم) ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق( رواه الترمذي وصححه الألباني مكارم الأخلاق تضاعف الأجر والثواب: قال صلى الله عليه وسلم(إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار) رواه أبو داوود وصححه الألباني وقال صلى الله عليه وسلم(إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله عز وجل لكرم ضريبته وحسن خلقه( حديث ضعيف بسبب ابن لهيعة لأن فيه ضعف والمعنى صحيح وتشهد له الأحاديث الأخرى الصحيحة . 4- مكارم الأخلاق من خير أعمال العباد: قال صلى الله عليه وسلم(يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما قال: بلى يا رسول الله، قال: عليك بحسن الخلق وطول الصمت فو الذي نفس محمد بيده ما عمل الخلائق بمثلهما) وجود إسناده غير واحد من اهل العلم منهم من صحح ومنهم جود أي حسن 5- مكارم الأخلاق تزيد في الأعمار: 6- مكارم الأخلاق تعمر الديار: قال صلى الله عليه وسلم(حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار) صحح إسناده الألباني . |
|
#13
|
|||
|
|||
|
11
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد ات يرتقي خصائص الأخلاق الإسلامية لأخلاقنا الإسلامية خصائص مميزة تنفرد بها، وتجعلها ذات شخصية مستقلة، وطبيعة خاصة. فهي أخلاق تستمد مصدرها من كتاب الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وما دامت أخلاقنا الإسلامية تقوم على القرآن والسنة، فهي بذلك تتسم بالشمول، والصلاحية للتطبيق في كل زمان ومكان، كما أنها تتسم بأنها قائمة على الإقناع العقلي والوجداني (العاطفي) معاً، كما أنها تقوم على المسؤولية، فللمسؤولية في أخلاق المسلم جانبان: شخصي وجماعي معاً، كما أنها تحكم على الأعمال ظاهراً وباطناً، فالرقابة الذاتية لها أثرها الفعال في أخلاق المسلم، وهي في النهاية تجعل الجزاء العادل لكل من الأخيار والأشرار في الدنيا والآخرة. أولاً: الأخلاق الإسلامية ربانية المصدر: الأخلاق الإسلامية تعتمد على كتاب الله وسنة الني صلى الله عليه وسلم، فهي ربانية الهدف والغاية. ثانياً: الشمول والتكامل: من خصائص الأخلاق الإسلامية: إنها شاملة، ومتكاملة، وهي خاصية منبثقة من الخاصية الأولى، وهي الربانية، فالإنسان لأنه محدود الكينونة في الزمان والمكان، والعلم والتجربة، كما أنه محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته، وقصوره وجهله، لذلك كان من المستحيل أن تكون الأخلاق الوضعية للبشر شاملة وعالمية، فأما حين يتولى الله سبحانه وتعالى ذلك كله، فإن التصور العقائدي، وكذلك المنهج الحياتي للإنسان يجيئان بكل ما يعتور الصبغة البشرية من القصور والنقص، وهكذا كان الشمول خاصية من خصائص الأخلاقالإسلامية . ثالثاً: الصلاحية العامة لكل زمان ومكان: أخلاقنا الإسلامية ربانية المصدر، وتمتاز بالشمول، ولما كانت كذلك فهي صالح لجميع الناس في كل العصور، وفي جميع الأماكن، نظراً لما تتميز به من اسهولة واليسر، وعدم المشقة، ورفع الحرج عن الناس، وعدم تكليفهم بما لا يطاق. قال تعالى:(ُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)قال عز وجل(ُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا). رابعًاً: المسؤولية: الأخلاق الإسلامية تجعل الإنسان مسؤولاً عما يصدر منه في كل جوانب الحياة، سواء كانت هذه المسؤولية مسؤولية شخصية، أم مسؤولية جماعية، ولا تجعله اتكالياً لا يأبه بما يدور حوله من أشياء، وهذه خاصية من خصائص أخلاقنا انفردت بها الشريعة الغراء. ونعني بالمسؤولية الشخصية: إن الإنسان مسؤول عما يصدر منه عن نفسه إن كان خيراً فخيراً، وإن كان شراً فشراً، وفي هذا الصدد يقول الله تعالى)مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ(ويقول سبحانه)كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) ويقول عز وجل)وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)ويقول تعالى)وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ(ويقول تعالى)السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(فهذه الآيات وغيرها تبين لنا مدى المسؤولية التي تقع على عاتق الإنسان عما يصدره منه عنه نفسه. ويقول صلى الله عليه وسلم(وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوى بها في جهنم) رواه البخاري . يتبع إن شاء الله قد تقدم في رقم 12 |
|
#14
|
|||
|
|||
|
-14-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي: هدي السلف الصالح في الأخلاق فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم؛ تخلق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ونورهم ، ولذلك ينبغي للعاقل أن يحرص و يكثر الجلوس مع أهل الأخلاق الفاضلة و الحسنة حتى يكتسب من هديهم وسمتهم و أخلاقهم ، ولا يكثر الجلوس مع السفهاء الذين لا يقدرون الشخص حق قدره وأنت أيها العاقل إذا أكثرت الجلوس مع أهل الأخلاق الفاضلة سوف تكتسب منهم بعض الصفات الحسنة وإذا حالست السفهاء سوف تكتسب بعض صفاتهم الذميمة والله هذا شيئ مجرب وهذا حصل لي شخصيًا وقد سكنت مع أحد الإخوة أصلحه الله أربع سنوات وبعد ما ذهب قال لي أحد أصدقائي أفعالك مثل فلان وكانت حركاته فيها نوع من الهزل الخفة فحينها أنتبهت لنفسيي كثيرًا وتداركتها ولله الحمد ، وصدق من قال : (فكل قرينٍ بالمقارنِ يقتدي) والآن نترككم مع بعض هدي السلف ، يروى أن الأحنف بن قيس قال: (كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه وكان أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يرحلون إليه، فينظرون إلى سمته، وهديه، ودله، قال: فيتشبهون به ، قال الإمام مالك: قال ابن سيرين: (كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم ، قال القاضي أبو يعلى رحمه الله: روى أبو الحسين بن المنادي بسنده إلى الحسين بن إسماعيل قال: سمعت أبي يقول: كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حسن الأدب، وحسن السمت ، قال إبراهيم بن حبيب بن الشهيد لابنه: (يا بني، إيت الفقهاء والعلماء ، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث ، وقال الأعمش: كانوا يأتون همام بن الحارث يتعلمون من هديه وسمته ، ودخل عمر بن عبد العزيز المسجد ليلة في الظلمة فمر برجل نائم فعثر به ، فرفع رأسه وقال: أمجنونٌ أنت ؟ فقال عمر: لا فهم به الحرس فقال عمر: مه إنما سألني أمجنون ؟ فقلت: لا ، سألني فأجبته وروي عن القعنبي قال: كان ابن عون لا يغضب. فإذا أغضبه رجل قال: بارك الله فيك . هذا ماستطعت جمعه وتسر إراده وإن شاء الله في المجلس القادم ندأ مع أول خلق وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين |
|
#15
|
|||
|
|||
|
-15-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي : الخلق الأول ( الجدية ) أحتي في الله الجدية وما أدراكم الجدية قبل أن نبدأ ما مناسبة ذكر هذا الموضوع في سلسلة الأخلاق ؟ المناسبة أحتي في الله هي أن الشخص في أخلاقه أو في أي شيئ كان ، لابد أن يكون صاحب جديةفي أموره وخاصة في تعامله مع الناس فإن الشخص إذا كان جادًا في حياته سوف يحافظ على هيبته وشخصيته . س/ ما ذا نعني بالجدية ولماذا الحديث عن الجدية ؟ الجواب / الجدية هي الإجتهاد في الأمر ، والاهتمام به ، والمبالغة في تحقيقة حتى نصل إلى الهدف. شرح التعريف ، وقولنا ( الإجتهاد في الأمر ) أي يتضمن بذل الطاقة والوسع ، وقولنا ( والإهتمام به ) أي الحرص عليه ومراقة العمل وتصويبه إن كان فيه أي ملاحظات ، قولنا ( والمبالغة في تحقيقة ) أي تتضمن نفي التردد عن العمل والقعود في وسط الطريق أو التواني عنه والتكاسل فيه . وقولنا (تحى نصل إلى الهدف) أي بالمداومة على العمل حتى يتحقق المقصود منه وهو الهدف والغاية . س/ لماذا الحديث عن الجدية ؟ الجواب / هناك أسباب جعلتنا نتحدث عن الجدية منها ، لأن العمر قصير واللبث يسير فيحتاج المرء إلى الجد والإجتهاد ليدرك المراد ، ويبادر ليسعد يوم الحصاد ، ولهذا أمرنا رسول الله صلى الله عيه وسلم بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة فقال صلى الله عليه وسلم (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع اليل المظلم) رواه مسلم ، ومعنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها با يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة ، والمتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر ، ولأن بعض أهل الخير والصلاح أكثروا الهزل والضحك عن الحد المطلوب ، وآثروا القعود ، وأطالوا النوم ، وتوسعوا في المباحات ، حتى أشغلتعهم عن الواجبات فضلاً عن المندوبات ، ونحن في زمنِ قل في القدوات ، وقد كثر فيه الأعداء ، وزاد فساد أهل الأهواء فإلى الله المشتكى ، ولذلك لا بد أن نتحدث الجدية . وقد حثنا الإسلام ورغبنا في الجدية قال الله تعالى (يايحيى خذ الكتاب بقوة) قال الشيخ السعدي رحمه الله بقوة أي بجد واجتهاد ، ولذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه وفهم معانيه ، والعمل بأوامره ونواهيه , وقال صلى الله عليه وسلم (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍ خَيْرٌ ، فَاحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) أخرجه مسلم فقد شرح الإمام النووي هذا الحديث في شرح صحيح مسلم فقال: المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداماً على العدو في الجهاد، وأسرع خروجاً إليه وذهاباً في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل خير، فمعناه في كل من القوي والضعيف خير لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات وكل وكليهما فيهم خيرًا ولكن القوى أخير . انتهى . |
|
#16
|
|||
|
|||
|
-16- سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي تابع (الجدية) هناك سؤال دائمًا يخطر على بالنا وهو كيف أكون جادًا ؟! إن صفة الجدية من أهم الصفات التي ينبغي أن نجاهد أنفسنا لنتخلق بها ؛ لندرك أهدافنا ، ونصل إلى غاياتنا ، ونعمر أعمارنا بالصالحات ، ونثقل موازيننا بالحسنات ؛ ولهذا لا بد من الإشارة إلى بعض أسباب الجدية وعوامل تنميتها في القلوب . 1-الإقلاع عن الذنوب والمبادرة إلى التوبة : الذنوب حُجُبٌ تحجبُ صاحبها عن الهدى وتثبطة عن أعمال الخير والتقى ، وتقعده عن العُلى ،قال بن عباس – رضي الله عنه – إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ). 2- ذكر الله : للذكر أثر عجيب في تقوية العبد وتنشيطه وزيادة جِدّه ومبادرته لطاعة الله ، والذكر سبب لزوال عقد الكسل الشيطانية , عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم- إذا هو نام- ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلّت عقدة. فإن توضأ انحلت عقدة. فإن صلى انحلت عقده كلها ، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» ،رواه البخاري . 3- مصاحبة الجادين : عن المرء لا تسأل وسأل عن قرينه *** فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمَرْءَ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ، وحسنه الألباني . 4- محاسبة النفس : لابد من محاسبة النفس على تقصيرها ، ومعاتبتها على تفريطها ، وحثها على ما فيه نجاتها وقد قال الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) و ( قَالَ عُمَرُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا! وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خافية) .قال الفضيل الرقاشي: «لا يلهينك الناس عن نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع النهار بكذا وكذا، فإنك محفوظ عليك ما عملت، واعلم أني لم أر شيئا أشد طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم» 5- الدعاء : لما كانت الجدية والاجتهاد في العمل الصالح فضلا من الله يؤتيه من يشاء ، كان على المسلم أن يرفع يديه متضرعًا ، ويضع جبهته متذللاً لمن بيده الفضل كله الخير كله فيسأله من فضله وقد (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: «التمس غلاما من غلمانكم يخدمني» فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال) رواه البخاري . وهذه بعض القواعد يسير عليها الجادون : ومنها اتقي الله حيثما كنت ،عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» حسنه الألباني و لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ) و أعطِ كل ذي حقٍ حقه ، «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» فَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: «صَدَقَ سَلْمَانُ» والحديث صحيح ، وهناك نية وهدف لكل عمل ،عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» والحديث في البخاري ، و تقديم الأهم في الأهم بما يسمي ترتيب الأولويات عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته " والحديث في البخاري ، فالفرائض مقدمة على النوافل ، والواجبات مقدمة على المستحبات فضلا على المباحات والفرض العيني مقدم على الفرض الكفائي ، والواجب المضيق مقدم على الواجب الموسع ، ومن الجدية أن نقدم الأهم في الأهم وهكذا . وهذه بعض الأسباب التي تعين على الجدية وهي لا تنحصر على هذه الخمسة وإنما هذا الذي تيسر لي والحمد الله ونلتقي في المجلس القادم إن شاء الله مع أسباب هدم الجدية ونذكر بعض المسائل في مفهوم الجدية ونختم بها هذا الخلق إن شاء الله تعالى |
|
#17
|
|||
|
|||
|
-17-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي قد تكلمنا فيما مضى عن الجدية وعن الأسباب التي تجعلك جادًا وفي هذا المجلس سأتكلم عن أسباب ضعف الجدية: إن التخلي عن أسباب اكتساب الجدية والاتصاف بأضدادها يمثل معول هدم الجدية في الشخصية المسلمة ؛ ولهذا فإننا سنشير إشارة سريعة إلى بعض الأسباب التي توهن بناء الجدية في النفوس وتصدعها :- 1-التسويف : وهو أكبر معول هدم الجدية ي النفوس ؛ ولهذا قيل لرجل من عبد القيس أوصنا قال (احذروا سوف) وفي التسويف وتأخر واجب اليوم إلى الغد آفات كثيرة منها أنك ى تظمن أن تعيش إلى الغد ، وإن عشت إلى الغد لا تظمن من الأمراض التي تقعدك عن العمل أو من أي المعوقات ، وكذلك أن تأخير الطاعات والتسويف في فعل الخيات يجعل النفس تعتاد تركها والعادة إذا رسخت أصبحت طبيعة ويصعب الإقلاع عنها . 2- كثرة الهزل والضحك واللهو: كلها إذا كثرت تضيع الوقت وتقسي القلب وتزري بالمرأ ، فينبغي أن تكون بقدر ، وفيما أباح الله عز وجل وقال تعالى ممتدحًا عباده المؤمنين {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ} وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، {مُعْرِضُونَ} رغبة عنه، وتنزيها لأنفسهم، وترفعا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كراما، وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه -إلا في الخير- كان مالكا لأمره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين وصاه بوصايا قال: " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: " كف عليك هذا " فالمؤمنون من صفاتهم الحميدة، كف ألسنتهم عن اللغو والمحرمات تفسير السعدي رحمه الله ، وقال صلى الله عليه وسلم «لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب»صححه الألباني رحمه الله. 3- إضاعة الأوقات وتبديد العمر بما لا ينفع : فالأوقات رأس مال الأنسان في هذه الدنيا ، وسوف يسأل عن رأس ماله فيما أنفقه فليعدّ لسؤال جوابًا عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يَزُولَ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ» وشيئين في إضاعة الأوقات وهما الشباب والعمر لعظم الوقت والله سبحانه أقسم بالوقت في أكثر من موضع والله لا يقسم إلا بعظيم . 4- مصاحبة البطالين: عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة " متفق عليه ، قال الراغب: نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيرا كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريرا . 5- الإكثار من المباحات : وقد حذر السلف من الإستغراق في المباحات والإكثار من الكماليات ، التي تشغل المرء عن دينه وتليه عن آخرته وتميل به إلى متاع الدنيا وزهرتها وتخلد به إلى الأرض ومتاعها ، ولهذا كان السلف يتركون كثير من المباحات خشية أن يقعوا أو يجرهم الاسترسال في هذه المباحات إلى انتهاك المحرمات؛ لأن النفس راغبة إذا رغبتها، إذا رغبتها راغبة، لكن إذا ترد إلى قليل تقنعُ ، فالإنسان إذا عمل بهذا في خاصة نفسه -لا بأس به، والورع هذا ليس له حد ، ولكن لا يأتي الإنسان فيفرضه على أخيه ، ولا يفتي به، فهناك فرق بين أن يتبنى الإنسان الشيء في نفسه وبين أن يفتي الناس به . 6- اتباع الهوى : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَيُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ" وأن اتباع الهوى والإعراض عن الهدى بعد استنارة الطريق ظلم فاحش وخسران بين أيا كان الفاعل ،من ضعف أمام هواه تخلف عن قافلة الجاددين ، ولهذا عد السلف مخالفة الهوى من موجبات قوة المرء ومروءته وقدرته على الجهاد ،قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: مُخَالَفَةُ الْهَوَى تُورِثُ الْعَبْدَ قُوَّةً فِي بَدَنِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْغَالِبُ لِهَوَاهُ أَشَدُّ مِنْ الَّذِي يَفْتَحُ الْمَدِينَةَ وَحْدَهُ . وفي المجلس القادم سيكون الحديث عن مسائل في الجدية ونختم به هذا لخلق إن شاء الله |
|
#18
|
|||
|
|||
|
(18)
ونختم هذا الخلق من سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي ببعض المسائل في الجدية أخيرًا مسائل في الجدية سؤال / هل اللهو يتناقض مع الجدية ؟ الجواب / إن من الجدية أن يكون للمرء وقت يروح فيه عن نفسه وأهله ورفقائه باللهو المباح ؛ لأن النفوس بطبيعتها تمل وتكل قال على رضي الله عنه روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلب إذا أكره عمي . وهذا حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ، - وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ولكم في رسول الله أسوة حينما كان يروح عن نفسه صلى الله عليه سلم وقد سابق عائشة رضي الله عنا مرتين وأذن لها أن تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم وكان صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه ولا يقول إلا حقًا . وإنما يتناقض اللهو مع الجدية عندما يتعدى المسلم بلهوه على الحقوق المناطة به ؛ فيقصر في حق ربه أو في رعاية أهله أو في تربية نفسه ونحوها أو يغلب عليه فيلهو في مواضع الجد . سؤال / يلاحظ على بعض الجادين العبوس فما رأيكم ؟ الجواب / لانعني بالجدية أن يكون المسلم عابس الوجه مقطب الجبين فالعبوس ليس من سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم كان البشر يعلو محياه الشريف قال جرير رضي الله عنه، قال: ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي ، متفق عليه . فالجاد ودٌ لطيفٌ هينٌ لينٌ باشٌ، ليكون قدوة للناس في جديته وفي أخلاقه وحسن معاشرته . وإلى هنا قد اتينها من الخلق الأول والحمد الله وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريمويرزقنا وإياكم الإخلاص وأن يجعله في موازين الحسنات وأن يغفر ولنا ولكم ولجميع المسلمين ولكل من يساهم في نشر الخير وأتمنى أن هذا الخير لا يقف في هذا المنتدى الرائع وكل من ينتسب إلى منتدى آخر أن يبادر بالنشر حتى تعم الفائدة وتكسبوني أجر كذلك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته صلى اله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين |
|
#19
|
|||
|
|||
|
بسم الله الرحمن الرحيم
(19) سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : الخلق الثاني (الصبر) قبل أن أبدأ في الموضوع ، ما مناسبة ذكر خلق الصبر بعد خلق الجدية ؟ الجواب / لأن الجدية خلق والإلتزام بخلق الجدية فيه نوع مشقة لأنه قد يكون أكثر من عشرين سنة في عدم الجدية ويأتي ويريد أن يصح صاحب جدية في يوم وليلة هذا يُستحال إلا من وفقه الله ، ولذلك يحتاج إلى الصبر والمجاهدة حتى تصبح صفة الجدية سجية وطبيعة فيه ولذلك ناسب أن أذكر خلق الصبر بعد خلق الجدية . تعريف الصبر لغلة واصطلاحًا : لغة : هو الحبس النفس (وقال في اللسان: الصَّبْرُ نقيض الجَزَع صَبَرَ يَصْبِرُ صَبْراً فهو صابِرٌ وصَبَّار وصَبِيرٌ وصَبُور والأُنثى صَبُور أَيضاً بغير هاء وجمعه صُبُرٌ. وأَصل الصَّبْر الحَبْس وكل من حَبَس شيئاً فقد صَبَرَه) وفي الاصطلاح : عرفه ابن القيم بقوله: (هو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها). وقيل هو: (ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله). وقيل الصبر: (حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه)وقال عبد الرحمن الميداني (الصبر قوة خلقية من قوى الإرادة تمكن الإنسان من ضبط نفسه لتحمل المتاعب والمشاقات الآلام ، وضبطها عن الإندفاع بعوامل الضجر والجزع ، والسأم والملل ، والعجلة الرعونة ، والفضب والطيش والخوف والطمع والأهواء والشهات والغرائز) وهذا أحسن تعريف رأيته وأجمع سؤال / لماذا سمي الصَبرُ صبراً ؟ حكى أبو بكر بن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال: (إنما سمي الصبرُ صبرًا لأن تمرّره في القلب وإزعاجه للنفس كتمرّر الصِبْر في الفم) (كتاب ذم الهوي لابن الجوزي) . فضل الصبر والحث عليه فضل الصبر والحث عليه من القرآن الكريم: الصبر من أكثر الأخلاق التي اعتنى بها القرآن الكريم، وهو من أكثر ما تكرر ذكره في القرآن. قال الإمام أحمد رحمه الله: (ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعاً). وقد سيق الصبر في القرآن في عدة أنواع ذكرها ابن القيم في كتابه (عدة الصابرين) ونحن نذكر بعضها: أحدها: الأمر به كقوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بالله) وقال: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) الثاني: النهي عما يضاده كقوله تعالى: (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) وقوله: (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) الثالث: تعليق الفلاح به كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور. الرابع: الإخبار عن مضاعفة أجر الصابرين على غيره كقوله: (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا)وقوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الخامس: تعليق الإمامة في الدين، به وباليقين قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) . فضل الصبر والحث عليه من السنة النبوية: من فضائل الصبر أن من يتصبر يصبره الله، فعن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه-: ((أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر)) رو اه البخاري ، أي يطلب توفيق الصبر من الله ، أي يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه ، (يصبِّره الله): بالتشديد أي: يسهل عليه الصبر(وما أعطي أحد من عطاء) أي معطى أو شيئا. (أوسع): أي أشرح للصدر. (من الصبر): وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات) . - وعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما-: ((أنّه قال لعطاء: ألا أريك امرأة من أهل الجنّة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السّوداء أتت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: إنّي أصرع وإنّي أتكشّف، فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنّة. وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. قالت: أصبر. قالت: فإنّي أتكشّف فادع الله أن لا أتكشّف، فدعا لها)) - وبين صلى الله عليه وسلم أن من صبر على فقد عينيه عوضه الله الجنة فعن أنس- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((إنّ الله- عزّ وجلّ- قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر عوّضته منهما الجنّة يريد عينيه). قال ابن بطال: (في هذا الحديث حجة في أن الصبر على البلاء ثوابه الجنة، ونعمة البصر على العبد وإن كانت من أجل نعم الله تعالى فعوض الله عليها الجنة أفضل من نعمتها في الدنيا لنفاد مدة الالتذاذ بالبصر في الدنيا وبقاء مدة الالتذاذ به في الجنة) . وعن صهيب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير، وليس ذلك لأحد إلّا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له)) . قال ابن عثيمين: (قوله: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، أي: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أظهر العجب على وجه الاستحسان لأمر المؤمن أي لشأنه فإن شأنه كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. ثم فصل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الخير فقال: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. هذه حال المؤمن وكل إنسان فإنه في قضاء الله وقدره بين أمرين: إما سراء وإما ضراء والناس في هذه الإصابة ينقسمون إلى قسمين مؤمن وغير مؤمن، فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله وانتظر الفرج من الله واحتسب الأجر على الله فكان خيراً له فنال بهذا أجر الصابرين. وإن أصابته سراء من نعمة دينية كالعلم والعمل الصالح ونعمة دنيوية كالمال والبنين والأهل شكر الله وذلك بالقيام بطاعة الله عز وجل. فيشكر الله فيكون خيراً له، ويكون عليه نعمتان نعمة الدين ونعمة الدنيا، نعمة الدنيا بالسراء ونعمة الدين بالشكر هذه حال المؤمن. وأما الكافر فهو على شر والعياذ بالله إن أصابته الضراء لم يصبر بل يضجر ودعا بالويل والثبور وسب الدهر وسب الزمن ... وفيه الحث على الصبر على الضراء وأن ذلك من خصال المؤمنين فإذا رأيت نفسك عند إصابة الضراء صابراً محتسباً تنتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى وتحتسب الأجر على الله فذلك عنوان الإيمان، وإن رأيت بالعكس فلم نفسك وعدل مسيرك وتب إلى الله) وأتمنى أن تضيفوا هذا الموضوع إلى السلسلة ونأسف على الإطالة |
|
#20
|
|||
|
|||
|
(20)
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد ان يرتقي أقسام الصبر باعتبار متعلقه الأول : صبر على الأوامر زالطاعات ختى يؤديها . الثاني : صبر على المناهي حتى يجتنبها . الثالث : صبر على الأقضية والمصائب حتى لا يسخطها وهذه الأقسام هى التى قيل فيها ، لابد للعبد من أمر يفعله ، ونهى يجتنبه ، وقدر يصبر عليه . الفرق بين الصبر، والتصبر، والاصطبار، والمصابرة، والاحتمال (الفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره ، فإن حبس نفسه ومنعها عن إجابة داعي ما لا يحسن إن كان خلقا له وملكة سمي صبراً. وإن كان بتكلف وتمرن وتجرع لمرارته سمي تصبرا ، كما يدل عليه هذا البناء لغة، فإنه موضوع للتكلف كالتحلم والتشجع والتكرم والتحمل ونحوها وإذا تكلفه العبد واستدعاه صار سجية له . كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ومن يتصبر يصبره الله)) رواه البخاري وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير التعفف له سجية ، وكذلك سائر الأخلاق . وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر ، فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب فالتصبر مبدأ الاصطبار، كما أن التكسب مقدمة الاكتساب، فلا يزال التصبر يتكرر حتى يصير اصطباراً . وأما المصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر ، فإنها مفاعلة تستدعي وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) فأمرهم بالصبر، وهو حال الصابر في نفسه والمصابرة وهي حالة في الصبر مع خصمه والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى ، فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها فقال: (وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) والفرق بين الاحتمال والصبر: (أن الاحتمال للشيء يفيد كظم الغيظ فيه، والصبر على الشدة يفيد حبس النفس عن المقابلة عليه بالقول والفعل، والصبر عن الشيء يفيد حبس النفس عن فعله، وصبرت على خطوب الدهر أي حبست النفس عن الجزع عندها، ولا يستعمل الاحتمال في ذلك لأنك لا تغتاظ منه) . أقوال السلف والعلماء في الصبر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريما) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس باد الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له) . وقال زياد بن عمرو: (كلنا نكره الموت وألم الجراح، ولكنا نتفاضل بالصبر) . وعن الحسن قال: (سب رجل رجلا من الصدر الأول، فقام الرجل وهو يمسح العرق عن وجهه، وهو يتلو: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) قال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون . فوائد الصبر من فوائد الصبر أن الصبر: دليل على كمال الإيمان وحسن الإسلام2- يورث الهداية في القلب 3- يثمر محبّة الله ومحبّة النّاس. 4- سبب للتّمكين في الأرض.5- الفوز بالجنّة والنّجاة من النّار.6- معيّة الله للصّابرين. 7-الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ، 8- مظهر من مظاهر الرّجولة الحقّة وعلامة على حسن الخاتمة 9- صلاة الله ورحمته وبركاته علىالصّابرين . مراتب الصبر ذكر ابن القيم رحمه الله أربعة مراتب للصبر: إحداها: مرتبة الكمال وهي مرتبة أولي العزائم وهي الصبر لله وبالله ، فيكون في صبره مبتغيا وجه الله صابرا به متبرئا من حوله وقوته فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها. الثانية: أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا فهو أخس المراتب وأردأ الخلق وهو جدير بكل خذلان وبكل حرمان . الثالثة: مرتبة من فيه صبر بالله وهو مستعين متوكل على حوله وقوته متبرئ من حوله هو وقوته ولكن صبره ليس لله إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الديني منه فهذا ينال مطلوبه ويظفر به ولكن لا عاقبة له وربما كانت عاقبته شر العواقب ، وفي هذا المقام خفراء الكفار وأرباب الأحوال الشيطانية فإن صبرهم بالله لا لله ولا في الله . الرابع : من فيه صبر لله لكنه ضعيف النصيب من الصبر به والتوكل عليه والثقة به والاعتماد عليه فهذا له عاقبة حميدة ولكنه ضعيف عاجز مخذول في كثير من مطالبه لضعف نصيبه من ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فنصيبه من الله أقوى من نصيبه بالله، فهذا حال المؤمن الضعيف ، وصابر بالله لا لله : حال الفاجر القوي، وصابر لله وبالله : حال المؤمن القوي والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، فصابر لله وبالله: عزيز حميد، ومن ليس لله ولا بالله: مذموم مخذول، ومن هو بالله لا لله: قادر مذموم، ومن هو لله لا بالله: عاجز محمود . مدارج السالكن لابن القيم رحمه الله |
|
#21
|
|||
|
|||
|
(21)
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي (3) الصبر كيف نعين أنفسنا على الصبر: الصبر شديد على النفس ، يحتاج إلى مجاهدة لأهوائها ورغباتها ؛ ولكن حلاوة نتائجه وعظيم ثابه وحسن عاقته ، تجعل البيب العاقل يبذل في تحصيله وتقويته وتعزيزه في نفسه كل وسيلة مشروعة تعين عليه ومن ذلك : 1- أن يتدبر المرء القرآن الكريم وينظر إلى آياته نظرة تأمل: قال تعالى(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ والخَوفْ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَر وَبَشّرِ الصَّـابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَـابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ) . 2 - أن يستعين بالله في مصابه: من أصيب بمصيبة أن حظّه من المصيبة ما يحدث له من رضا فمن رضي فله الرضا، ومن تسخط فله السخط . 3- أن يعلم أن ما أصابه مقدر من الله: قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَـابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لّكَيْلا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ). 4 - أن يتذكر أعظم المصائب التي حلت بالأمة الإسلامية؛ وهي موت الرسول صلى الله عليه وسلم: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب) حسن إسناده ابن حجر رحمه الله . 5 - أن يتجنب الجزع وأنه لا ينفعه بل يزيد من مصابه : قال ابن القيم رحمه الله: (إن الجزع يشمت عدوه ويسوء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه ورده خاسئا وأرضى ربه وسر صديقه وساء عدوه وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه فهذا هو الثبات والكمال الأعظم لا لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور والسخط على المقدور) . 6- أن يتسلى المصاب بمن هم أشد منه مصيبة : ليذكر نفسه بأن الله ابتلاه لبصيبة ولكن هناك من هو مصيبته أعظم وأن يذكر نفسه بأن الله اختار له أهون المصائب لم يختر له أعظم منها . موانع التحلي بالصبر : على المسلم الذي يريد أن يتحلى بالصبر أن يحذر من الموانع والعوائق التي تعترض طريقه حتى لا تكون سدا منيعاً أمامه، ومن هذه الموانع : 1 - الاستعجال: فالنفس مولعة بحب العاجل؛ والإنسان عجول بطبعه حتى جعل القرآن العجل كأنه المادة التي خلق الإنسان منها: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) فإذا أبطأ على الإنسان ما يريده نفد صبره، وضاق صدره، ناسياً أن لله في خلقه سنناً لا تتبدل: وأن لكل شيء أجلاً مسمى، وأن الله لا يعجل بعجلة أحد من الناس، ولكل ثمرة أوان تنضج فيه، فيحسن عندئذ قطافها، والاستعجال لا ينضجها قبل وقتها، فهو لا يملك ذلك، وهي لا تملكه، ولا الشجرة التي تحملها، إنها خاضعة للقوانين الكونية التي تحكمها، وتجري عليها بحساب ومقدار . 2 – الغضب : فقد يستفز الغضب صاحب الدعوة، إذا ما رأى إعراض المدعوين عنه، ونفورهم من دعوته، فيدفعه الغضب إلى ما يليق به من اليأس منهم، أو النأي عنهم. مع أن الواجب على الداعية أن يصبر على من يدعوهم، ويعاود عرض دعوته عليهم مرة بعد مرة. وعسى أن يتفتح له قلب واحد يوماً، تشرق عليه أنوار الهداية، فيكون خيراً له مما طلعت عليه الشمس وغربت. وفي هذا يقول الله لرسوله: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاتَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ). 3 - شدة الحزن والضيق مما يمكرون. فليس أشد على نفس المرء المخلص لدعوته من الإعراض عنه، والاستعصاء عليه. فضلاً عن المكر به، والإيذاء له، والافتراء عليه، والافتنان في إعناته. وفي هذا يقول الله لرسوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَتَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ )ثم يؤنسه بأنه في معيته سبحانه ورعايته فيقول: إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ) 4 - اليأس: فهو من أعظم عوائق الصبر، فإن اليأس لا صبر له، لأن الذي يدفع الزارع إلى معاناة مشقة الزرع وسقيه وتعهده، هو أمله في الحصاد، فإذ غلب اليأس على قلبه، وأطفأ شعاع أمله، لم يبق له صبر على استمرار العمل في أرضه وزرعه. وهكذا كل عامل في ميدان عمله . كلام نفيس في شروط الصبر عن أبي ميمون، قال: (إن للصبر شروطا، قلت: - الراوي- ما هي يا أبا ميمون؟ قال: إن من شروط الصبر أن تعرف كيف تصبر؟ ولمن تصبر؟ وما تريد بصبرك؟ وتحتسب في ذلك وتحسن النية فيه، لعلك أن يخلص لك صبرك، وإلا فإنما أنت بمنزلة البهيمة نزل بها البلاء فاضطربت لذلك، ثم هدأ فهدأت، فلا هي عقلت ما نزل بها فاحتسبت وصبرت ولا هي صبرت، ولا هي عرفت النعمة حين هدأ ما بها فحمدت الله على ذلك وشكرت) . وللحديث بقية وإن شاء الله نتم الموضوع بعد الإختبارات بعد ثلاثة أسابيع وجزاكم الله خيرًا ونأسف على إطالة الموضوع |
|
#22
|
|||
|
|||
|
-22-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي ما هو الباعث على الصبر؟ يجب أن يكون الباعث على الصبر ابتغاء وجه الله عز وجل، والتقرب إليه ورجاء ثوابه، لا لإظهار الشجاعة وقوة النفس وغير ذلك من الأغراض، قال تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) قال السعدي في تفسيره للآية: (ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة، فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه، طلبا لمرضاة ربه، ورجاء للقرب منه، والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان، وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه الفخر، فهذا يصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فليس هو الممدوح على الحقيقة) . وقال سبحانه: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل) . بعض المسائل في الصبر س/ هل الإحساس بالأم عند وقوع المصيبة ، والبكاء ودمع العين يتنافى مع الصبر ؟ الجواب /لايتنافى مع مع التألم للمصاب ، وكذلك لا يتناقض مع البكاء ؛ وإنما يتناى مع الاسترسال معه إلى حد التسخط والتبرم بالقضاء، قال ابن حزم : -رحمه الله – (والبكاء مباح مالم يكن نوح فإن الوح حرام الصياح وخمش الوجوه وضربها وضرب الصدر ، نتف الشعر ، كل ذلك حرام ، وكذلك الكلام المكروه الذي هو تسخط لأقدار الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئرا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم، فقبله، وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» )رواه البخاري هذا هو المباح . س/ هل شكوى الإنسان إلى الناس ما يجد من الألم والمصيبة تنافي الصبر ؟ للمصاب أن يشكو إلى الناس ما يجد من الألم ، وهو في شكواه راضٍ بقضاء الله غير ساخطٍ أو جزع ، قال سفيان بن عيينه (وكذلك من شكا إلى الناس ، وهو شكواه راضٍ بقضاء الله لم يكن ذلك جزعًا قالت عائشة رضي الله عنها وارأساه فقال رسول الله صلى الله عليه سلمبل أنا وارأساه) رواه البخاري . س/ ماذا يقول المصاب عند المصيبة ؟ الجواب/يسن للمصاب بمصيبة أن يقول ما أخبرنا الله ه في كتابه عن عباده المؤمنين المهتدين (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) وكذلك يدعوا بما ورد في السنة (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه وأخيراً ... ؟ وأخيراً أيها القارئ العزيز هل حدثت نفسك عن الصبر؟ وهل عرفت كيف تصبر؟ ولمن تصبر؟ وما تريد بصبرك؟ ومن خلال قراءتك للموضوع هل استفدت من الوسائل المعينة على الصبر؟ وربما مررت بنماذج من صبر الأنبياء عليهم السلام، وصبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وصبر الصحابة رضي الله عنهم، وصبر السلف والعلماء رحمهم الله، فهل حدثت نفسك لأن تحذو حذوهم وتتحلى بهذه الصفة النبيلة؟ وإن شاء الله في المجلس القادم نتناول الخلق الثالث وأتمنى أن تشاركوني وأن تقترحوا علي خلقًا ثم نبسطه لكم |
|
#23
|
|||
|
|||
|
-23-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي الخلق الثالث (الصدق) أولاً وقبل أن أبدأ ما مناسبة ذكر خلق الصدق بعد خلق الصبر ؟ المناسبة أخي الحبيب وأختي الحبيبة أن الصبر خلق فيه نوع مشقة ، وفيه مرارة في النفس ، ولابد أن يكون صادقًا في أخلاقه مع الله ، ومع نفسه ، ومع غيره . أي بأن يكون صادقًا مع الله في أخلاقه ، بأن يريد بذلك وجه الله تعالى ، لا لأجل فلان وعلان ، لا ليقال ماشاء الله فلان أخلاقه عالية ، بل هذا ينافي الصدق مع الله عز وجل ، وأن يكون صادقًا مع نفسه ولا يحابي أحدًا في أخلاقه ، ولا نريد أخلاقًا مزيفة ، بأن يحابي في أخلاقه ، والمحاباه هي التي قتلت مجتمعاتنا والعياذ بالله ، وأن يصدق غيره في أخلاقه ، لا لأجل المصالح الدنوية ولذلك ناسب أن أذكر خلق الصدق بعد خلق الصبر . ثانيًا : معنى الصدق لغة واصطلاحاً : قال ابن منظور: (الصِّدْق نقيض الكذب صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً وصَدَّقه قَبِل قولَه وصدَقَه الحديث أَنبأَه بالصِّدْق) (لسان العرب لأبن منظور). معنى الصدق اصطلاحاً: الصدق: (هو الخبر عن الشيء على ما هو به في الواقع ، وهو نقيض الكذب) . (الواضح في أصول الفقه لابن عقيل). وقال الراغب الأصفهاني: (الصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما) . (الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني). أهمية الصدق قال ابن القيم في منزلة الصدق: (وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلاقطعه ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه من صال به لم ترد صولته ومن نطق به علت على الخصوم كلمته فهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين ومن مساكنهم في الجنات: تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان: أن يكونوا مع الصادقين وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى: يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتقُواْ اللهَ وَكُو نُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ(مدارج السالكين لأبن القيم). وقال أبو حاتم: (إن الله جل وعلا فضل اللسان على سائر الجوارح ورفع درجته وأبان فضيلته بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده فلا يجب للعاقل أن يعود آلة خلقها الله للنطق بتوحيده بالكذب بل يجب عليه المداومة برعايته بلزوم الصدق وما يعود عليه نفعه في داريه لأن اللسان يقتضي ما عود إن صدقا فصدقا وإن كذبا فكذبا)(كتاب روضة العقلاء لأبي حاتم البستي) . يتبع إن شاء الله |
|
#24
|
|||
|
|||
|
-24-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي معنى: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق ذكر ابن القيم معاني هذه الأمور في كتابه (مدارج السالكين) فقال: (وقد أمر الله تعالى رسوله: أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا). - وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أنه يهب له لسان صدق في الآخرين فقال( وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ). - وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) - وقال( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق) (مدارج السالكن لابن القيم) ثم بعد أن سرد الآيات قال: (وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة. - فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله وفي مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر ومخرج الصدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة. وكذلك مدخله صلى الله عليه وسلم المدينة: كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضات الله فاتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله ولا لله بل كان محادة لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار. - وأما لسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه صلى الله عليه وسلم من سائر الأمم بالصدق ليس ثناء بالكذب كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه( وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)والمراد باللسان هاهنا: الثناء الحسن فلما كان الصدق باللسان وهو محله أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقا وعبر به عنه. - وأما قدم الصدق: ففسر بالجنة وفسر بمحمد وفسر بالأعمال الصالحة. وحقيقة القدم ما قدموه وما يقدمون عليه يوم القيامة وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك. فمن فسره بها أراد: ما يقدمون عليه ومن فسره بالأعمال وبالنبي: فلأنهم قدموها وقدموا الإيمان به بين أيديهم فالثلاثة قدم صدق. - وأما مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى. ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق ودوامه ونفعه وكمال عائدته فإنه متصل بالحق سبحانه كائن به وله فهو صدق غير كذب وحق غير باطل ودائم غير زائل ونافع غير ضار وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل) (مدارج السالكن لابن القيم). الحث على الصدق من القرآن والسنة الحث على الصدق من القرآن الكريم: أمر الإسلام بالصدق وحث عليه في كل المعاملات التي يقوم بها المسلم والأدلة كثيرة من القرآن والكريم والسنة النبوية على هذا الخلق النبيل ففي القرآن: - قال الله تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ). (أي: اصدُقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم، ومخرجا) (تفسير القران الظيم لابن كثير). - ووصف الله به نفسه فقال( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ) وقال( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً ). - وقوله(وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) والأدلة كثيرة من القرآن والكريم . و أما السنة من النبوية : - فعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا)متفق عليه . - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك في الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة)صححه الألباني في الترغيب يتبع إن شاء الله |
|
#25
|
|||
|
|||
|
<b>
-25-</b> |
|
#26
|
|||
|
|||
|
-26-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي الوسائل المعينة على الصدق (الصدق شاق على النفس؛ ولهذا قال ابن القيم: فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلا أصحاب العزائم، فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل، والرياء والكذب خفيف كالريشة لا يجد له صاحبه ثقلاً البتة، فهو حامل له في أي موضع اتفق، بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة، فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله). ولكن مع هذا، فإن المرء إذا جد وجاهد أدرك وعد الله للمجاهدين (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ومما يعين على الصدق: 1-مراقبة الله تعالى: إن إيمان المرء بأن الله عز وجل معه، يبصره ويسمعه، يدفعه للخشية والتحفظ، قال الله تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وعندما يستحضر أن كلماته وخطراته، وحركاته وسكناته كلها محصية مكتوبة (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ)، فإن ذلك يقوده إلى رياض الصدق في الأقوال والأعمال والأحوال ، ولكن مشكلتنا أن مراقتنا مع الله ضعيفة تحتاج إلى تقوية وإن شاء الله إذا وجدت فرصة سأفرد هذه النقطة بموضوع مستقل إن شاء الله . 2 - الحياء: الحياء يحجب صاحبه عن كل ما هو مستقبح شرعاً وعرفاً وذوقاً، والمرء يستحيي أن يعرف بين الناس أنه كذاب، وهذا هو الذي حمل أبا سفيان - وهو يومئذ مشرك - أن يصدق هرقل وهو يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو سفيان: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عنه) (رواه البخاري)، أي: ينقلوا عليَّ الكذب لكذبت عليه. قال ابن حجر: (وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب، إما بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعرف .. وقد ترك الكذب استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذاباً) قلت: فالمسلم أولى بالحياء من ربه أن يسمعه يقول كذباً أو يطلع على عمل أو حال هو فيه كاذب والحياء أحد مواضيعنا وإن شاء الله إن جاء وقته سنبسطه لكم بإذن الله . 3 - صحبة الصادقين: فقد أمر الله - عز وجل - المؤمنين أن يكونوا مع أهل الصدق، فقال عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ )، أي: اقتدوا بهم واسلكوا سبيلهم، وهم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم، ووفوا بعهودهم وصدقوا في أقوالهم وأعمالهم . 4 - إشاعة الصدق في الأسرة: (الإسلام يوصي أن تغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال، حتى يشبوا عليها، وقد ألفوها في أقوالهم وأحوالهم كلها).فعن عبد الله بن عامر قال: (دعتني أمي يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: تعالَ أعطك، فقال لها صلى الله عليه وسلم: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال لها: أما لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة ) (صححه الألباني) . 5 - الدعاء: لما كان حمل النفس على الصدق في جميع أمورها شاق عليها، ولا يمكن لعبد أن يأتي به على وجهه إلا بإعانة الله له وتوفيقه إليه، أمر الله نبيه أن يسأله الصدق في المخرج والمدخل، فقال عز وجل ( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) وقد ذكر المفسرون عدة أقوال في تأويلها. 6 - معرفة وعيد الله للكذابين وعذابه للمفترين: قد جاءت النصوص الكثيرة التي تحذر من الكذب وتبين سوء عاقبته في الدنيا والآخرة؛ ولهذا فإن تذكير النفس بها، مما يعين المرء على الصدق في أحواله كلها. نماذج من صدق الصحابة رضي الله عنهم: 1 - أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أبو بكر الصديق رضي الله عنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الغار، وقد سمي صديقاً لتصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم قال: لئن قال ذلك لقد صدق قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم إني لأصدقه ما هو أبعد من ذلك أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبا بكر الصديق رضي الله عنه. (صححه الألباني وقال متواتر). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: ((إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت في أول الأمر، وقال أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فما أوذي بعدها) أخرجه البخاري 2 - أبو ذر رضي الله عنه صادق اللهجة: كان أبو ذر رضي الله عنه صادق اللهجة فقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء -لا الأرض ولا السماء- من ذي لهجة أصدق من أبي ذر وهو شبيه عيسى بن مريم) (حسنه الألباني) |
|
#27
|
|||
|
|||
|
-26-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي الوسائل المعينة على الصدق (الصدق شاق على النفس؛ ولهذا قال ابن القيم: فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلا أصحاب العزائم، فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل، والرياء والكذب خفيف كالريشة لا يجد له صاحبه ثقلاً البتة، فهو حامل له في أي موضع اتفق، بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة، فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله). ولكن مع هذا، فإن المرء إذا جد وجاهد أدرك وعد الله للمجاهدين (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ومما يعين على الصدق: 1-مراقبة الله تعالى: إن إيمان المرء بأن الله عز وجل معه، يبصره ويسمعه، يدفعه للخشية والتحفظ، قال الله تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وعندما يستحضر أن كلماته وخطراته، وحركاته وسكناته كلها محصية مكتوبة (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ)، فإن ذلك يقوده إلى رياض الصدق في الأقوال والأعمال والأحوال ، ولكن مشكلتنا أن مراقتنا مع الله ضعيفة تحتاج إلى تقوية وإن شاء الله إذا وجدت فرصة سأفرد هذه النقطة بموضوع مستقل إن شاء الله . 2 - الحياء: الحياء يحجب صاحبه عن كل ما هو مستقبح شرعاً وعرفاً وذوقاً، والمرء يستحيي أن يعرف بين الناس أنه كذاب، وهذا هو الذي حمل أبا سفيان - وهو يومئذ مشرك - أن يصدق هرقل وهو يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو سفيان: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عنه) (رواه البخاري)، أي: ينقلوا عليَّ الكذب لكذبت عليه. قال ابن حجر: (وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب، إما بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعرف .. وقد ترك الكذب استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذاباً) قلت: فالمسلم أولى بالحياء من ربه أن يسمعه يقول كذباً أو يطلع على عمل أو حال هو فيه كاذب والحياء أحد مواضيعنا وإن شاء الله إن جاء وقته سنبسطه لكم بإذن الله . 3 - صحبة الصادقين: فقد أمر الله - عز وجل - المؤمنين أن يكونوا مع أهل الصدق، فقال عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ )، أي: اقتدوا بهم واسلكوا سبيلهم، وهم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم، ووفوا بعهودهم وصدقوا في أقوالهم وأعمالهم . 4 - إشاعة الصدق في الأسرة: (الإسلام يوصي أن تغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال، حتى يشبوا عليها، وقد ألفوها في أقوالهم وأحوالهم كلها).فعن عبد الله بن عامر قال: (دعتني أمي يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: تعالَ أعطك، فقال لها صلى الله عليه وسلم: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال لها: أما لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة ) (صححه الألباني) . 5 - الدعاء: لما كان حمل النفس على الصدق في جميع أمورها شاق عليها، ولا يمكن لعبد أن يأتي به على وجهه إلا بإعانة الله له وتوفيقه إليه، أمر الله نبيه أن يسأله الصدق في المخرج والمدخل، فقال عز وجل ( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) وقد ذكر المفسرون عدة أقوال في تأويلها. 6 - معرفة وعيد الله للكذابين وعذابه للمفترين: قد جاءت النصوص الكثيرة التي تحذر من الكذب وتبين سوء عاقبته في الدنيا والآخرة؛ ولهذا فإن تذكير النفس بها، مما يعين المرء على الصدق في أحواله كلها. نماذج من صدق الصحابة رضي الله عنهم: 1 - أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أبو بكر الصديق رضي الله عنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الغار، وقد سمي صديقاً لتصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم قال: لئن قال ذلك لقد صدق قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم إني لأصدقه ما هو أبعد من ذلك أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبا بكر الصديق رضي الله عنه. (صححه الألباني وقال متواتر). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: ((إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت في أول الأمر، وقال أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فما أوذي بعدها) أخرجه البخاري 2 - أبو ذر رضي الله عنه صادق اللهجة: كان أبو ذر رضي الله عنه صادق اللهجة فقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء -لا الأرض ولا السماء- من ذي لهجة أصدق من أبي ذر وهو شبيه عيسى بن مريم) (حسنه الألباني) |
|
#28
|
|||
|
|||
|
<b>
-27-</b> |
|
#29
|
|||
|
|||
|
-28-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي آثار وفوائد العفة من آثار وفوائد العفة: 1 - أن من عف عن محارم الله لا تمسه النار: قال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة أعين لا تمسهم النار عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين عفت عن محارم الله)قال الألباني حسن لغيره . 2 - سلامة المجتمع من الفواحش: فالمجتمع الذي تتسم فيه العفة يكون بعيدا من الفواحش والرذائل. 3 - أن العفيف من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. 4 - العفة سبب للنجاة من الابتلاءات والمضائق: فقد جاء في قصة أصحاب الغار، الذين انطبقت عليهم الصخرة أن أحدهم توسل إلى الله بقوله: ((اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمئة دينار فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها فقالت اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المئة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا) رواه البخاري . صور العفة 1 - العفة عما في أيدي الناس: وهي أن يعف عما في أيدي الناس وعدم سؤالهم المسألة فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة)). فقال ثوبان أنا. فكان لا يسأل أحدا شيئا ، صححه الألباني . 2 - كف اللسان عن الأعراض: يجب على المسلم كف لسانه عن أعراض الناس، وأن لا يقول إلا طيباً فعن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)رواه البخاري وعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال: قل ربي الله ثم استقم قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا. صححه الألبان معوقات وموانع العفة المعوقات التي تقف في طريق العفة في هذا الزمن كثيرة جداً وقد كشر المفسدون عن أنيابهم حتى يُعلوا الرذيلة في المجتمع المسلم واتخذوا الوسائل العديدة فمنها: 1 - وسائل الإعلام: فإن الناظر إلى أغلب وسائل الإعلام الموجودة في البلاد الإسلامية فضلا عن غيرها، يجد فيها الكثير من الفساد سواء كان في القنوات الفضائية، أوالشبكة العنكبوتية، أوالإذاعة والمجلات والصحف، فتجدها تبث السموم وتنشر الرذيلة، وبذلك تضيع العفة. 2 - الاختلاط: (إن العِفَّة حجاب يُمَزِّقه الاختلاط، ولهذا صار طريق الإسلام التفريق والمباعدة بين المرأة والرجل الأجنبي عنها، فالمجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي، فللرجال مجتمعاتهم، وللنساء مجتمعاتهن، ولا تخرج المرأة إلى مجتمع الرجال إلا لضرورة أو حاجة بضوابط الخروج الشرعية. كل هذا لحفظ الأعراض والأنساب، وحراسة الفضائل، والبعد عن الرِّيب والرذائل، وعدم إشغال المرأة عن وظائفها الأساس في بيتها، ولذا حُرِّم الاختلاط، سواء في العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة)من كتاب حراسة الفضيلة بكر أبو زيد. 3 - تبرج النساء: قال تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) وقال (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) قال السعدي في تفسيره لهذه الآية: (أي، لا يضربن الأرض بأرجلهن، ليصوت ما عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة. ويؤخذ من هذا ونحوه، قاعدة سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحا، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع منه) تفسير السعدي . 4 - استماع الأغاني والمعازف: فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي عامر الأشعري رضي الله عنه قال: ((والله ما كذبني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) رواه البخاري معلقًا بالجزم ، قال الفُضَيل بن عِيَاض: الغناء رُقْيَة الزنا. وقال ابن القيم رحمه الله: (فإنه رُقْيَة الزنا ومُنبِت النفاق وشَرَك الشيطان وخمرة العقل، وصَدُّه عن القرآن أعظم من صدِّ غيره من الكلام الباطل؛ لشدة ميل النفوس ورغبتها فيه) من كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم . |
|
#30
|
|||
|
|||
|
-29-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد ان يرتقي الوسائل المعينة للعفة 1 - أن يتقي الله في سره وعلانيته: قال الله تعالى( هوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تكْسِبُونَ) ويقول تعالى(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) قال ابن عباس في قوله تعالى( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ)قال: (هو الرجل يكون بين الرجال، فتمر بهم امرأة فينظر إليها، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). 2- أن يدعو الله بأن يصرف عنه السوء والفحشاء: قال سبحانه وتعالى عن نبيه يوسف عليه السلام(وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) قال ابن تيمية رحمه الله : فلا بد من التقوى بفعل المأمور، والصبر على المقدور، كما فعل يوسف عليه السلام اتقى الله بالعفة عن الفاحشة، وصبر على أذاهم له بالمراودة والحبس، واستعان بالله ودعاه حتى يثبته على العفة ، فتوكل عليه أن يصرف عنه كيدهن، وصبر على الحبس . 3 - تنشئة الأبناء على التربية الإسلامية: التربية الإسلامية تغرس الفضيلة والعفة في الأبناء، وتربيهم على الالتزام بالأحكام الشرعية منذ صغرهم . 4- الزواج: الزواج المبكر من أقوى الوسائل المعينة للعفاف، قال صلى الله عليه وسلم( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)متفق عليه . وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات العفة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كخ كخ! ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة )متفق عليه . وعنه أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال(إني لأنقلب إلى أهلي؛ فأجد التمرة ساقطة على فراشي، ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها (متفق عليه . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق قال(لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) رواه البخاري . هل تعلم.. هل تعلم أنَّ عِز الأمة في تمسكها بدينها وبعفتها وأخلاقها؟ هل تعلم أن أعداء الإسلام من كفار وعلمانين يحاولون نزع لباس العفة من المجتمع الإسلامي؟ هل تعلم أن القنوات الفضائية السيئة قد هدمت بيوت العفة ؟ هل تعلم أن من دعته نفسه إلى الفجور ولم يستجب مخافة لله فهو عفيف؟ هل تعلم أن من استغنى عما في أيدي الناس فهو عفيف؟ هل تعلم أن من كف لسانه عن أعراض الناس فهو عفيف؟ |
|
#31
|
|||
|
|||
|
-30-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي الخلق الخامس (الحلم) معنى الحِلْم لغةً واصطلاحًا معنى الحِلْم لغةً: الحِلْمُ -بالكسر-: الأَناةُ والعقل، وجمعه: أَحْلام وحُلُومٌ معنى الحِلْم اصطلاحًا: الحِلْم: ضبط النَّفس والطَّبع عن هيجانالغضب، وجمعه: أحلام . الحث على الحِلْم مِن القرآن الكريم والسنة النبوية : وردتْ آيات قرآنيَّة كثيرة تشير إلى صفة الحِلْم، ووصف الله نفسه بالحِلْم، وسمَّى نفسه الحليم، ووردت آيات تدعو المسلمين إلى التَّحلِّي بهذا الخُلُق النَّبيل، وعدم المعاملة بالمثل ومقابلة الإساءة بالإساءة، والحثُّ على الدَّفع بالتي هي أحسن، والتَّرغيب في الصَّفح عن الأذى والعفوعن الإساءة. قال تعالى( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) . قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس(أي: لا يعملون غضبهم في النَّاس، بل يكفون عنهم شرَّهم، ويحتسبون ذلك عند الله عزَّ وجلَّ . وقال -عزَّ وجل(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) وأما من السُّنَّة النَّبويَّة: وصفة الحِلْم صفة يحبُّها الله عزَّ وجلَّ ، وقد وردت أحاديث نبويَّة تدلُّ على هذا المعنى، منها قوله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس (إنَّ فيك لخصلتين يحبُّهما اللَّه: الحِلْم والأَنَاة) رواه مسلم . وعنه –أيضًا(قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ليس الشَّديد بالصَّرَعَة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عندالغضب) متفق عليه . وقال ابن عبدالبر(في هذا الحديث مِن الفقه: فضل الحِلْم. وفيه دليلٌ على أنَّ الحِلْم: كتمان الغيظ. وأنَّ العاقل مَن مَلَك نفسه عندالغضب؛ لأنَّ العقل -في اللُّغة-: ضبط الشَّيء وحبسه منه) من كتاب التمهيد . وهذه بعض أقوال السَّلف والعلماء في الحِلْم قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه ليس الخير أن يَكْثُر مالك وولدك، ولكنَّ الخير أن يَكْثُر علمك ويَعْظُم حلمك، وأن لا تباهي النَّاس بعبادة اللَّه، وإذا أحسنت: حمدت اللَّه تعالى ، وإذا أسأت: استغفرت اللَّه تعالى . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعلَّموا العلم وتعلَّموا للعلم السَّكينة والحِلْم . وقال ابن مسعود رضي الله عنه ينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًّا محزونًا حكيمًا حليمًا سكينًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا ولا غافلًا ولا صخَّابًا ولا صيَّاحًا ولا حديدًا . وقال معاوية بن أبي سفيان -رضي اللَّه عنهما لا يبلغ العبد مبلغ الرَّأي حتى يغلب حِلْمُه جهله، وصبرُه شهوته، ولا يبلغ ذلك إلَّا بقوَّة الحِلْم . وقال مرَّةً لعَرَابَة بن أوس بم سدت قومك يا عَرَابَة؟ قال: كنت أحْلُم عن جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في حوائجهم، فمَن فعل فعلي فهو مثلي، ومَن جاوزني فهو أفضل، ومَن قصَّر عنِّي فأنا خير منه . وقال أبو الدَّرداء قال ليس الخير أن يَكْثُر مالك وولدك، ولكنَّ الخير أن يَعْظُم حِلْمُك، ويَكْثُر علمك، وأن تنادي النَّاس في عبادة الله، فإذا أحسنت حمدت الله، وإذا أسأت استغفرت الله . وقال الحسن البصريُّ -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى) وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا(حُلَمَاء: إن جُهِل عليهم لم يجهلوا . |
|
#32
|
|||
|
|||
|
-31-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي (الحِلم) آثار وفوائد خلق الحلم 1 - الحليم يفوز برضى الله وثوابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم (من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهْ، دعاه الله -عز وجل على رءوس الخلائق يوم القيامة، يخيره من الحور العين ما شاء) وحسنه الألباني في سنن ابن ماجه . 2 - الحليم عظيم الشأن، رفيع المكان، محمود الأمر، مرضي الفعل , روضة العقلاء لابن حبان البستي . 3- (أنها دليل كمال العقل وسعة الصّدر، وامتلاك النّفس. 4 - قليل من الخلق من يتّصف به. 5 - صفة من صفات الله سبحانه، وهي من صفات أنبيائه، وأوليائه أيضا. 6 - تعمل على تآلف القلوب ونشر المحبّة بين النّاس. 7 - تزيل البغضاء بين الناس وتمنع الحسد وتميل القلوب. 8 - يستحقّ صاحبها الدّرجات العلى والجزاء الأوفى) . 9 - صفة الحلم عواقبها محمودة. 10 - أن أوّل عِوَض الحَليم عن حِلْمه أن الناسَ أنصارُه على الجاهل هذا القول ينسب لعلي رضي الله عنه والله اعلم . 11 - الحليم له القوة في التحكم في انفعالاته، قال النبي صلى الله عليه وسلم (ليس الشديد بالصُّرْعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه . الوسائل المعينة للتخلق بصفة الحلم : السبب الأول من الأسباب التي تعين على التخلق بصفة الحلم: تذكر كثرة حلم الله على العبد، فالله سبحانه وتعالى حليم، يرى معصية العاصي ومخالفته لأمره فيمهله قال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) . قال أبو حاتم: (الواجب على العاقل، إذا غضب واحتدَّ أن يذكر كثرة حلم الله عنه مع كثرة انتهاكه محارمه وتعديه حرماته، ثم يحلم، ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي) روضة العقلاء لابن حبان البستي . السبب الثاني: تذكر الثواب من الله للعافين عن الناس، قال تعالى( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). السبب الثالث: الرحمة بالجاهل، ومن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك قال(بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مه مه. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه دعوه. فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه) رواه مسلم . السبب الرابع: الترفّع عن المعاملة السيئة بالمثل، وهذا يدل على شرف النفس، وعلو الهمة ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله، قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد فلما أدركته القائلة وهو في واد كثير العضاة فنزل تحت شجرة واستظل بها وعلق سيفه فتفرق الناس في الشجر يستظلون وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئنا فإذا أعرابي قاعد بين يديه فقال إن هذا أتاني وأنا نائم فاخترط سيفي فاستيقظت وهو قائم على رأسي مخترط سيفي قال من يمنعك مني قلت الله فشامه ثم قعد فهو هذا قال ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم) متفق عليه . السبب الخامس: التفضّل على المسيء، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أعرابي , فأخذ بردائه, فجبذه جبذةً شديدة ، متفق عليه . السبب السادس: قطع السباب والخصام، قال الأصمعي: (بلغني أن رجلاً قال لآخر: والله لئن قلت واحدةً لتسمعن عشراً، فقال له الآخر: لكنك إن قلت عشراً لم تسمع واحدةً) وانتظرونا مع الخلق السادس |
|
#33
|
|||
|
|||
|
32
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي الخلق السادس (التواضع) معنى التواضع لغة واصطلاحاً معنى التواضع لغة: يقال وضَعَ فُلانٌ نَفْسَهُ وضْعاً، ووُضُوعاً بالضَّم، وَضَعَةً، بالفَتْحِ: أي أزلها. وتَوَاضَعَ الرَّجُلُ: إذا تَذَلَّلَ، وقيلَ: ذَلَّ وتَخاشَعَ (كتاب تاج العروس لمرتضى الزبيدي). معنى التواضع اصطلاحاً: التواضع هو: (ترك الترؤس، وإظهار الخمول، وكراهية التعظيم، والزيادة في الإكرام، وأن يتجنب الإنسان المباهات بما فيه من الفضائل، والمفاخرة بالجاه والمال، وأن يتحرز من الإعجاب والكبر) تهذيب الأخلاق للجاحظ . وقيل هو: (رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقه فضله ومنزلته. وهو وسط بين الكبر والضعة، فالضعة: وضع الإنسان نفسه مكانا يزري به بتضييع حقه. والكبر: رفع نفسه فوق قدره)الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني . وجاءت الشريعة بالترغيب والحث على التواضع من القرآن والسنة : قال الله تعالى( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ) قال ابن القيم: (أي سكينة ووقارا متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين قال الحسن: علماء حلماء وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ، والهون بالفتح في اللغة: الرفق واللين . و كما أمره الله سبحانه وتعالى أن يلين جانبه للمؤمنين وأن يتواضع لهم فقال(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (أي ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم) . وقال عز من قائل( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) والآيات في هذا الباب كثيرة . الترغيب والحث على التواضع من السنة رغب الإسلام في التواضع وحث عليه ابتغاء مرضات الله، وأن من تواضع جازاه الله على تواضعه بالرفعة، وقد وردت نصوص من السنة النبوية تدل على ذلك: منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) رواه مسلم . قال القاضي عياض في قوله صلى الله عليه وسلم (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) فيه وجهان: أحدهما: أن الله تعالى يمنحه ذلك في الدنيا جزاء على تواضعه له، وأن تواضعه يثبت له في القلوب محبة ومكانة وعزة. والثاني: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه) . وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) رواه مسلم . قال ابن عثيمين: (يعني: أن يتواضع كل واحد للآخر ولا يترفع عليه، بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السلف رحمهم الله، أن الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه ومن هو أكبر مثل أبيه ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى ما هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحد على أحد وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتصف بها، أي بالتواضع لله عز وجل ولإخوانه من المسلمين)شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 3/ 524. وعن معاذ بن أنس الجهني- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((من ترك اللّباس تواضعا لله، وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتّى يخيّره من أيّ حلل الإيمان شاء يلبسها) رواه الترمذي وصححه الألباني . قال ابن عثيمين: (وهذا يعني أن الإنسان إذا كان بين أناس متوسطي الحال لا يستطيعون اللباس الرفيع فتواضع وصار يلبس مثلهم، لئلا تنكسر قلوبهم، ولئلا يفخر عليهم، فإنه ينال هذا الأجر العظيم أما إذا كان بين أناس قد أنعم عليهم ويلبسون الثياب الرفيعة لكنها غير محرمة، فإن الأفضل أن يلبس مثلهم لأن الله تعالى جميل يحب الجمال ولاشك أن الإنسان إذا كان بين أناس رفيعي الحال يلبسون الثياب الجميلة ولبس دونهم فإن هذا يعد لباس شهرة فالإنسان ينظر ما تقتضيه الحال)شرح رياض الصالحين لابن عثيمين4 / 317 - 318). |
|
#34
|
|||
|
|||
|
-33- سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي مازلنا في الخلق السادس (التواضع) أقوال السلف والعلماء في التواضع : عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (إنكم لتغفلون أفضل العبادة: التواضع) وهو حديث موقوف ورواه النسائي وأبي الدنيا وأبي داود . وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (لا يبلغ عبد ذرى الإيمان حتى يكون التواضع أحب إليه من الشرف وما قل من الدنيا أحب إليه مما كثر ويكون من أحب وأبغض في الحق سواء يحكم للناس كما يحكم لنفسه وأهل بيته) رواه ابن المبارك في كتابه الزهد . و (سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله) . (مدارج السالكين) لابن قيم الجوزية 2/ 329. وقال قتادة: (من أعطي مالا أو جمالا وثيابا وعلما ثم لم يتواضع كان عليه وبالا يوم القيامة)(التواضع والخمول) لابن أبي الدنيا (ص142) . وقال إبراهيم بن شيبان: (الشرف في التواضع والعز في التقوى والحرية في القناعة) (مدارج السالكين) لابن قيم الجوزية 2/ 330. أقسام التواضع (والتواضع تواضعان أحدهما محمود والآخر مذموم والتواضع المحمود ترك التطاول على عباد الله والإزراء بهم والتواضع المذموم هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها) من كتاب روضة العقلاء لأبي حاتم البستي . التواضع المحمود على نوعين: النوع الأول: (تواضع العبد عند أمر الله امتثالا وعند نهيه اجتنابا فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره فيبدو منها نوع إباء وشراد هربا من العبودية وتثبت عند نهيه! طلبا للظفر بما منع منه فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه فقد تواضع للعبودية. والنوع الثاني: تواضعه لعظمة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك وغضبه الشديد على من نازعه ذلك فتواضعت إليه نفسه وانكسر لعظمة الله قلبه واطمأن لهيبته وأخبت لسلطانه فهذا غاية التواضع وهو يستلزم الأول من غير عكس والمتواضع حقيقة من رزق الأمرين والله المستعان) من كتاب الروح لابن القيم (ص 234) . قال ابن القيم: (ومن التواضع المذموم المهانة، والفرق بين التواضع والمهانة، أن التواضع: يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها فيتولد من بين ذلك كله خلق هو التواضع وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له على أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله وهذا خلق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه. وأما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها كتواضع السفل في نيل شهواتهم وتواضع المفعول به للفاعل وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه فهذا كله ضعة لا تواضع والله سبحانه يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة وفي الصحيح عنه وأوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) المصدر السابق . من آثار خلق التواضع لا شك أن التواضع من أخلاق الصالحين والفضلاء، ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من سماته التواضع، فمن آثاره: 1 - (أن التواضع يرفع المرء قدرا ويعظم له خطرا ويزيده نبلا). 2 - (التواضع يؤدي إلى الخضوع للحق والانقياد له. 3 - التواضع هو عين العز، لأنه طاعة لله ورجوع إلى الصواب. 4 - يكفي المتواضع محبة عباد الله له ورفع الله إياه). 5 - (التواضع فيه مصلحة الدين والدنيا ويزيل الشحناء بين الناس، ويريح من تعب المباهاة والمفاخرة). 6 - (التواضع يكسب السلامة ويورث الألفة ويرفع الحقد ويذهب الصد). 7 - (ثمرة التواضع المحبة كما أن ثمرة القناعة الراحة وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضعته). 8 - التواضع يؤلف القلوب، ويفتح مغاليقها، ويجعل صاحبه جليل القدر، رفيع المكانة. |
|
#35
|
|||
|
|||
|
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي درجات التواضع ذكر شيخ الإسلام الهروي للتواضع ثلاث درجات فقال: الدرجة الأولى: التواضع للدين وهو أن لا يعارض بمعقول منقولا ولا يتهم للدين دليلا ولا يرى إلى الخلاف سبيلا) . قال ابن القيم: (التواضع للدين هو الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان وذلك بثلاثة أشياء: الأول: أن لا يعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة:1- بالمعقول 2- والقياس 3- والذوق 4- والسياسة . فالأولى وهو بالمعقول للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل: قدمنا العقل وعزلنا النقل إما عزل تفويض وإما عزل تأويل ، والثاني وهو القياس للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص: قدمنا القياس على النص ولم نلتفت إليه ، لثالث وهو الذوق للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر قدموا الذوق والحال ولم يعبأوا بالأمروالرابع: للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة فهؤلاء الأربعة: هم أهل الكبر والتواضع: التخلص من ذلك كله . الثاني من درجات التواضع: أن لا يتهم دليلا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها أو أن غيره كان أولى منه ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والفهوم وهكذا الواقع في الواقع حقيقة: أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنزا من كنوز العلم ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك وأما بالنسبة إلى غيرك: فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص فما لم تفعل ذلك فلست على شيء ولو .. ولو .. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء قال الشافعي رحمه : أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله: لم يحل له أن يدعها لقول أحد. الثالث من درجات التواضع: أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا البتة لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله بل إذا أحس بشيء من الخلاف: فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك وهو داع إلى النفاق وهو الذي خافه الكبار والأئمة على نفوسهم . الأولى: علمه أن النجاة من الشقاء والضلال: إنما هي في البصيرة فمن لا بصيرة له: فهو من أهل الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة والبصيرة نور يجعله الله في عين القلب يفرق به العبد بين الحق والباطل ونسبته إلى القلب: كنسبة ضوء العين إلى العين وهذه البصيرة وهبية وكسبية فمن أدار النظر في أعلام الحق وأدلته وتجرد لله من هواه: استنارت بصيرته ورزق فرقانا يفرق به بين الحق والباطل. الثاني: أن يعلم أن الاستقامة إنما تكون بعد الثقة أي لا يتصور حصول الاستقامة في القول والعمل والحال إلا بعد الثقة بصحة ما معه من العلم وأنه مقتبس من مشكاة النبوة ومن لم يكن كذلك فلا ثقة له ولا استقامة. الثالث: أن يعلم أن البينة وراء الحجة والبينة مراده بها: استبانة الحق وظهوره وهذا إنما يكون بعد الحجة إذا قامت استبان الحق وظهر واتضح وفيه معنى آخر وهو: أن العبد إذا قبل حجة الله بمحض الإيمان والتسليم والانقياد: كان هذا القبول هو سبب تبينها وظهورها وانكشافها لقلبه فلا يصبر على بينة ربه إلا بعد قبول حجتهقال ابن القيم: (يقول:- أي الهروي-إذا كان الله قد رضي أخاك المسلم لنفسه عبدا أفلا ترضى أنت به أخا فعدم رضاك به أخا وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده عبدا لنفسه عين الكبر وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله لا يرضى بأخوته وسيده راض بعبوديته؟ قوله: (وأن لا ترد على عدوك حقا) أي لا تصح لك درجة التواضع حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك وإذا لم ترد عليه حقه فكيف تمنعه حقا له قبلك بل حقيقة التواضع أنه إذا جاءك قبلته منه وإذا كان له عليك حق أديته إليه فلا تمنعك عداوته من قبول حقه ولا من إيتائه إياه. وأما (قبولك من المعتذر معاذيره) فمعناه: أن من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كانت أو باطلا وتكل سريرته إلى الله تعالى كما فعل رسول الله في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه فقبل أعذارهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى وعلامة الكرم والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه وقل يمكن أن يكون الأمر كما تقول ولو قضي شيء لكان والمقدور لا مدفع له ونحو ذلك) . قال صاحب المنازل رحمه الله: (الدرجة الثالثة: أن تتضع للحق فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة ورؤية حقك في الصحبة وعن رسمك في المشاهدة) من كتاب مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله من المجلد الثاني بتصرفي |
|
#36
|
|||
|
|||
|
بوركت ,وبورك مسعاك
__________________
لاإلـــه إلا اللـــــــه |
|
#37
|
|||
|
|||
|
وفيك بارك وشاكر لك مرورك
|
|
#38
|
|||
|
|||
|
<b>
-35-</b> |
|
#39
|
|||
|
|||
-36- |
|
#40
|
|||
|
|||
|
-37-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي أخيرًا نماذج من التواضع نماذج من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جم التواضع، لا يعتريه كبر ولا بطر على رفعة قدره وعلو منزلته، يخفض جناحه للمؤمنين ولا يتعاظم عليهم، ويجلس بينهم كواحد منهم، ولا يعرف مجلسه من مجلس أصحابه لأنه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويجلس بين ظهرانيهم فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل عنه، روى أبو داود في سننه عن أبي ذر وأبي هريرة قالا: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل فطلبنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه ) . وقال له رجل: يا محمد أيا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله) . نماذج من تواضع الصحابة رضوان الله عليهم: (لما استُخلف - أبو بكر الصديق رضي الله عنه - أصبح غادياً إلى السوق وكان يحلب للحي أغنامهم قبل الخلافة فلما بويع قالت جارية من الحي الآن لا يحلب لنا فقال بلى لأحلبنها لكم وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه). وكان يقول (وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن). قال هذا وهو من المبشرين بالجنة ، وهو الصديق العظيم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته من بعده !! تواضع عمر رضي الله عنه : وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: (رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن كسرها) تواضع عثمان رضي الله عنه : قال الحسن: (رأيت عثمان بن عفان يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة ويقوم وأثر الحصى بجنبه فنقول هذا أمير المؤمنين هذا أمير المؤمنين) تواضع علي رضي الله عنه : عن عمرو بن قيس الملائي عن رجل منهم قال: (رئي على علي بن أبي طالب إزار مرقوع فقيل له تلبس المرقوع فقال يقتدي به المؤمن ويخشع به القلب) . تواضع عبد الله بن سلام رضي الله عنه : أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه مر في السوق وعليه حزمة من حطب فقيل له أليس الله قد أعفاك عن هذا قال بلى ولكن أردت أن أدفع به الكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر) . نماذج من تواضع السلف: تواضع عمر بن عبد العزيز: (كان عند عمر بن عبد العزيز قوم ذات ليلة في بعض ما يحتاج إليه، فغشي سراجه، فقام إليه، فأصلحه، فقيل له: يا أمير المؤمنين؛ ألا نكفيك؟ قال: وما ضرني؟ قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز) . (ونادى رجل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: يا خليفة الله في الأرض. فقال له عمر: مه، إني لما وُلِدت اختار لي أهلي اسما، فسموني عمر، فلو ناديتني: ياعمر؛ أجبتك. فلما كبرت اخترت لنفسي الكنى، فكنيت بأبي حفص، فلو ناديتني: يا أبا حفص، أجبتك. فلما وليتموني أموركم سميتموني أمير المؤمنين، فلو ناديتني: يا أمير المؤمنين؛ أجبتك. وأما خليفة الله في الأرض، فلست كذلك، ولكن خلفاء الله في الأرض داود النبي عليه السلام وشبهه، قال الله تبارك وتعالى( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ). نماذج من تواضع العلماء المعاصرين: تواضع الشيخ ابن باز: في يوم من الأيام اتصل شاب صغير بسماحة الشيخ، وقال: يا سماحة الشيخ! الناس بأشد حاجة إلى علماء يفتونهم، وأقترح على سماحتكم أن تجعلوا في كل مدينة مفتياً؛ ليسهل الاتصال. فقال له سماحة الشيخ: ما شاء الله أصلحك الله، كم عمرك؟ فقال ثلاثة عشر عاماً. - يقول الراوي للقصة - فقال لي سماحة الشيخ: هذا اقتراح طيب، يستحق الدراسة، اكتب إلى الأمين العام لهيئة كبار العلماء بهذا، فكتبت ما أملى به، ومما جاء في كتابه: أما بعد فقد اتصل بي بعض الناصحين، وقال: إنه يقترح وضع مفتين في كل بلد، ونرى عرضه على اللجنة الدائمة؛ لنتبادل الرأي في الموضوع) . تواضع الشيخ ابن عثيمين: طفل صغير يأخذ بيد الشيخ ويذهب به إلى والده: (يأتيه طفل صغير لم يبلغ السادسة من عمره فيمسك يد الشيخ من وسط طلابه مخاطبا إياه: أبي قدم إلى عنيزة للسلام عليك، أرجو أن تسلم عليه قبل أن تخرج، والشيخ يبتسم له ويلاطفه والطفل آخذ بيد الشيخ إلى والده، فيتفاجأ والد الطفل بالشيخ أمامه، فيتعجب الوالد من هذا الخلق النبيل الذي يتحلى به الشيخ). |
|
#41
|
|||
|
|||
|
<b>
-38-</b> |
|
#42
|
|||
|
|||
|
<b>
-39-</b> |
|
#43
|
|||
|
|||
|
<b>
-40-</b> |
|
#44
|
|||
|
|||
|
-41-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد ان يرتقي الخلق الثامن (الألفة والتآلف) معنى الألفة لغة واصطلاحاً : لغة التقارب الإجتماع مع الئتام ومنها الألفة إصطلاحًا : تعريف الألفة الجامع المانع: اجتماع مع التئام ومحبة، اجتماع النفوس مع الالتئام والمحبة، والتوافق، والانسجام، هذا تعريف يجسد بمواقف كثيرة، فأنت حينما تتمنى أن تجلس مع إنسان وقتاً طويلاً معنى ذلك أنك تألفه، وحينما يتمنى هو أيضاً أن يبقى معك معنى ذلك أنه يألفك . الترغيب والحث على الألفة من القرآن والسنة الترغيب والحث على الألفة من القرآن الكريم: · قال تعالى(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ). قال الراغب الأصفهاني: (قوله: (وَلَا تَفَرَّقُوا) حث على الألفة والاجتماع، الذي هو نظام الإيمان واستقامة أمور العالم، وقد فضل المحبة والألفة على الإِنصاف والعدالة، لأنه يحُتاج إلى الإِنصاف حيث تفقد المحبة. ولصدق محبة الأب للابن صار مؤتمنا على ماله، والألفة أحد ما شرف الله به الشريعة سيما شريعة الإِسلام) .وقال تعالى(وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) قال الزمخشريّ: (كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبة، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله). وقال السيوطي: (إذ كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة وإن الفرقة لعذاب) . وقال سبحانه(هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ). قوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة الله، فلو أنفقت ما في الأرض جميعا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة) . الترغيب والحث على الألفة من السنة النبوية: إن الدين الإسلامي دين الألفة والتوادد والتعارف يحث أتباعه على الألفة والمحبة قال صلى الله عليه وسلم(إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العنت، العيب) قال الأباني في صحيح الترغيب حسن لغيره. وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس) رواه الطبراني والبيهقي وحسنه الألباني في صحيح الجامع . قال المناوي في شرح قوله: ((المؤمن يألف)) قال: (لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه ، وقوله (ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)) لضعف إيمانه وعسر أخلاقه وسوء طباعه والألفة سبب للاعتصام بالله وبحبله وبه يحصل الإجماع بين المسلمين وبضده تحصل النفرة بينهم وإنما تحصل الألفة بتوفيق إلهي ... ومن التآلف ترك المداعاة والاعتذار عند توهم شيء في النفس وترك الجدال والمراء وكثرة المزاح) . وعن عوف بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم) رواه مسلم . إن خيار الناس في نظر الشرع هم الذين يألفون ويؤلفون، وخاصة حين يكونون في منصب أو مسؤولية، إذ قد ينزلقون إلى صور من الغلظة والجفوة حين يكونون مطلوبين لا طالبين . |
|
#45
|
|||
|
|||
|
-42- سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد ان يرتقي أقوال السلف والعلماء في الألفة عن مجاهد قال: رأى ابن عباس رجلا فقال: (إن هذا ليحبني قالوا وما علمك قال إني لأحبه والأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) وعن الأوزاعيّ قال: كتب إليّ قتادة: إن يكن الدّهر فرّق بيننا فإنّ ألفة الله الّذي ألّف بين المسلمين قريب . وقال يونس الصدفي: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة) وقال السلمي: (وأصل التآلف هو بغض الدنيا والإعراض عنها، فهي التي توقع المخالفة بين الإخوان) . وقال الْغَزالِي (الألفة ثَمَرَة حسن الْخلق والتفرق ثَمَرَة سوء الْخلق فَحسن الْخلق يُوجب التحبب والتآلف والتوافق وَسُوء الْخلق يُثمر التباغض والتحاسد والتناكر) وقال أَبُو حاتم: (سبب ائتلاف الناس وافتراقهم بعد القضاء السابق هو تعارف الروحين وتناكر الروحين فإذا تعارف الروحان وجدت الألفة بين نفسيهما وإذا تناكر الروحان وجدت الفرقة بين جسميهما) وقال ابن تيمية: (إن السلف كانوا يختلفون في المسائل الفرعية، مع بقاء الألفة والعصمة وصلاح ذات البين) وقال الأبشيهي: (التآلف سبب القوة، والقوة سبب التقوى، والتقوى حصن منيع وركن شديد بها يمنع الضيم وتنال الرغائب وتنجع المقاصد) فوائد الألفة 1 - قيام الألفة بين المؤمنين من أسباب النصر والتمكين. 2 - أن الألفة تجمع شمل الأمة وتمنع ذلهم. 3 - الألفة سبب للاعتصام بالله وبحبله. 4 - بسبب الألفة يحصل الإجماع بين المسلمين. 5 - (ألفة الصالحين بشارة. 6 - تحقق الاجتماع على الخير. 7 - دليل البراءة من النفاق. 8 - دليل وجود الخير فيمن يألف ويؤلف. 9 - محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. 10 - تحقق التماسك الاجتماعي وتشيع روح المودة بين المسلمين. 11 - داعية إلى التناصر وسلامة المجتمع المسلم. 12 - توفر جوا اجتماعيا سليما لنمو الإنسان المسلم نموا سليما في إطار مبادئ الإسلام. 13 - داعية إلى التوحد الاجتماعي ونبذ أسباب الفرقة والمعاداة. 14 - تشيع التعاون بين المسلمين، وفي ذلك مدعاة لرضا الله تعالى ثم رضا الناس أسباب الألفة هناك أسباب كثيرة تؤدي إلى الألفة والمحبة، منها مواقف جادة وأفعال تثبت وتقوي الألفة في المجتمع المسلم فمنها: 1 - التعارف ومعاشرة الناس: قال صلى الله عليه وسلم: ((الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) متفق عليه 2 - التواضع: إن (خفض الْجنَاح ولين الْكَلِمَة وَترك الإغلاظ من أَسبَاب الألفة واجتماع الْكَلِمَة وانتظام الْأَمر وَلِهَذَا قيل من لانت كَلمته وَجَبت محبته وَحسنت أحدوثته وظمئت الْقُلُوب إِلَى لِقَائِه وتنافست فِي مودته) قال ابن عثيمين: (وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هيناً ليناً بالقول وبالفعل؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء) . 3 - إفشاء السلام: قال صلى الله عليه وسلم(يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) روا الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . قال ابن عثيمين: (فهذه الحقوق التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم كلها إذا قام بها الناس بعضهم مع بعض، حصل بذلك الألفة والمودة وزال ما في القلوب والنفوس من الضغائن والأحقاد) . قال ابن عثيمين: (فهذه الحقوق التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم كلها إذا قام بها الناس بعضهم مع بعض، حصل بذلك الألفة والمودة وزال ما في القلوب والنفوس من الضغائن والأحقاد) . 4 - الكلام اللين: فالكلام اللين والطيب من الأسباب التي تؤلف بين القلوب، قال تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا ) . 5 - التعفف عن سؤال الناس: قال صلى الله عليه وسلم(وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس). (السعي في مصالح الناس وقضاء حاجاتهم: قال صلى الله عليه وسلم(من حفر ماءً لم تشرب منه كبد حري من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة) الحديث صحيح . 6 - السعي للإصلاح بين الناس: قال تعالى (فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) . 7 - الاهتمام بأمور المسلمين والإحساس بقضاياهم: قال صلى الله عليه وسلم(المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)رواه مسلم . 8 - زيارة المسلم وعيادته إذا مرض: فزيارة المسلم لأخيه المسلم تبعث على الحب والإخاء ولا سيما عند المرض، قال صلى الله عليه وسلم(من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا) رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني 9 - التهادي: لا شك أن تقديم الهدية يزيد من الألفة والمحبة والتقارب بين المهدي والمهدى إليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(تهادوا تحابوا)رواه البخاري في الأدرب المفرد وحسنه الألباني . وترقبوا الخلق التاسع إن شاء الله |
|
#46
|
|||
|
|||
|
-43-
سلسلة أخلاق المتقي لمن أراد أن يرتقي الخلق التاسع (الأمانة) معنى الأمانة لغة واصطلاحاً معنى الأمانة لغة: الأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى(وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ) أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أما في الاصطلاح فيه تعريفات كثيره أحسنها وقال الكفوي في تعريف الأمانة: (كل ما افترض على العباد فهو أمانة كصلاة وزكاة وصيام وأداء دين وأوكدها الودائع وأوكد الودائع كتم الأسرار) الترغيب في الأمانة من القرآن والسنة : (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلهاوإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان ، من حقوق الله ، عز وجل ، على عباده ، من الصلوات والزكوات ، والكفارات والنذور والصيام ، وغير ذلك ، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد ، ومنحقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك . فأمر الله ، عز وجل ، بأدائها ، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة . وقال سبحانه( وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) - وقوله عز وجل( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) . قال السعدي في تفسيره لهذه الآية: (عظم تعالى شأن الأمانة، التي ائتمن الله عليها المكلفين، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلكِ الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليك العقاب. (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) أي: خوفًا أن لا يقمن بما حُمِّلْنَ، لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها الله على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل) . وقال تعالى في ذكر صفات المفلحين (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) أي: مراعون لها، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربه، كالتكاليف السرية، التي لا يطلع عليها إلا الله، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار) . والقرآن حكى لنا قصة موسى حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفق بهما وكان معهما عفيفاً أمينا (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) وكانت فيها صفتين وهي القوة والأمانة عليه الصلاة والسلام . الترغيب في الأمانة من السنة النبوية: - عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي) رواه البخاري - وعنه أيضاً- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) متفق عليه ، قال ابن عثيمين: (يعني إذا ائتمنه الناس على أموالهم أو على أسرارهم أو على أولادهم أو على أي شيء من هذه الأشياء فإنه يخون والعياذ بالله فهذه من علامات النفاق) . - وعنه أيضاً رضي الله عنه- قال: ((بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) رواه البخاري . - وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع إذا كن فيك فلا يضرنك ما فاتك من الدنيا: صدق حديث وحفظ أمانة وحسن خليقة وعفة طعمة.) صحح إسناده أحمد شاكر رحمه الله . |
|
#47
|
|||
|
|||
|
جزاك الله خيرا أخي الكريم أبا الحسن
موضوع مفيد جيد وشامل |
|
#48
|
|||
|
|||
|
وياك أخي الغالي
|
|
#49
|
|||
|
|||
|
<b>
-44-</b> |
|
#50
|
|||
|
|||
|
<b>
-45-</b> |
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| 5سلسلة , 8سلسلة , لمن , أخلاق , أراد , المتقى , يرتقي , سلسلة |
| أدوات الموضوع | |
|
|