هذا الباب يبين فيه الفقهاء مسائل إخراج الزكاة، كمسألة تأخير الزكاة وحكم مانع الزكاة، وإخراج زكاة مال الصبي والمجنون، ونيّة الزكاة.
قال المؤلف (يجبُ على الفور معَ إمكانِه، إلا لضررٍ):
يعودُ الضمير في (يجب) على إخراج الزكاة، فيجب إخراج الزكاةِ على الفورِ إذا أمكنَ ذلك، إلا لضرورةٍ أي: لو أنّه خِيف أن يرجع الساعي على صاحبِ المال، ويأخذ منه الزكاة بعد أن أخرجها في وقتها مرةً أخرى، فيؤخر الزكاة إلى مَقْدَمِ الساعي، وجوّزوا تأخير إخراج الزكاةَ زمنًا يسيرًا للحاجة، كما لو كانَ له قريبٌ غابَ عنه، ويريد أن يعطيه الزكاة، والمراد الأقارب الذين يجوز لهم إعطاء الزكاة، لا الأصول والفروع.
قال المؤلف (فإن منعَها: جحدًا لوجوبا كفرَ عارفٌ بالحُكْمِ، وأخِذَت، وقُتِلَ):
ننظرُ في مانعِ الزكاة، فإن جحدَ وجوبَها جاهلًا بالحكمِ ننظر: هل يُتصوّر من مثله الجهل؟ كمن نشأ ببادية بعيدةٍ عن طلبة العلم، فيُعلّم ولا يحكم بكفره ابتداءً إلا إن أصرَّ بعد تعليمه، وكذا لو كان حديثَ عهدٍ بإسلام، أما من عدا هذين في مثل هذه المسائل فإنهم يكفرُون بذلك، لأنهم مكذّبون للهِ تعالى ولرسولِه صلى الله عليه وسلم بجحدهم وجوبها، وهو أمرٌ معلومٌ من الدينِ بالضرورة.
(وأخذت) أي: تؤخذُ منه الزكاة، ويستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قُتِل ردة، لا حداً؛ لأنه ارتدّ بتكذيبه للهِ ورسوله، وأما إن منعها بخلاً أو تهاوناً فلا يكفر على القول الراجح ولكنا نأخذُ منهُ الزكاةَ قهرًا، ونعزِّرُه.
سؤال: هل هناك عقوبة تُفرض عليه؟
الجواب: قال بعضُ الفقهاء = يؤخذ شطرُ مالِه عقوبةً له، وجمهور العلماء أنه لا يُؤخذ شطرُ مالِه، فماذا عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا) رواهُ أحمد وأبو داود والنسائي، وهو حديث حسن؟
أجابوا بأن الحديثَ لم يصحّ، ومنهم من قال بنسخِ الحديث وأن الأمر كان أولاً بالمعاقبة في الأموال، ومنهم من أوَّل الحديث، هذه إشارة إلى أقوالِ أهلِ العلم.
سؤال: ما معنى التعزير؟
الجواب: العقوبة، يعني يؤدبُه الإمام، وهل يُمكن أن يكون التعزير بالقتال؟ نعم، لو غَيَّب المال أو قَاتَلَ دون أخذ الزكاة منه أو لم يمكن أخذه إلا بالقتال فإنه يقاتَل، ولكن لا يعني هذا القتال أنه كافر، وإنما كان قتله في هذه الصورة حداً إن لم يتب ويخرجها.
قال المؤلف (وتجبُ في مالِ صبيّ ومجنونٍ، فيُخرجهما وليّه):
لم يُشترط العقل والبلوغ؛ لأنّ الزكاةَ متعلقةٌ بالأموال، وقد جاء عن بعضِ الصحابةِ -رضي الله عنهم- إخراج الزكاة من أموال اليتامى، وهو قول الجمهور، وهو الحق إن شاء الله.
قال المؤلف (ولا يجوز إخراجها إلا بنية، والأفضل أن يفرّقها بنفسِه، ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد):
قال في الروض: (ولا يجوز إخراجها إلا بنية من مكلف) وسبب هذا القيد أنّ المال قد يكون للمجنون، فأي نيّة تُعتبر من مثله؟!
والأفضل أن يسلّمها صاحب المال لمستحقها من الأصنافِ الثمانية أهلِ الزكاة، ويجوز أن يدفعَها إلى الساعي، الذي نصبه إمامُ المسلمين جامعًا للزكاة، ويقولُ مخرِجُ الزكاةِ والمُعطى من أهل الزكاة، ما ورد وهو: (اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا) وهذا جاءَ في حديثٍ عند ابنِ ماجه –رحمه الله- من حديث أبي هريرة رضي الله مرفوعًا، لكن الحديثَ ضعيفٌ، ويقول آخذها: (آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا).
بعضُ أهلِ العلم قالوا بدل المذكور: (اللهم صلّ على فلانٍ) لكن لا على صورةِ الالتزام ولا اعتقاد ...، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أناس بالصدقات يقول (اللهم صلّ على آل فلان).
قال المؤلف (والأفضل إخراجُ زكاة كلّ مالٍ في فقراءِ بلدِه):
المصنّف ذكر أن الأفضل تفريق المال بنفسه، ولك أن تعطيها الساعي، ولك أن توكل بها غيرك إن كان ثقةً مسلمًا، وهل يجوز أن أعطي زكاة مالي للكافر؟ لا يُعطاها ليوزعها ولا يُؤتمن عليها، ومثله في الحكم من كان مسلمًا غير ثقة.
قال المؤلف (والأفضل إخراجُ زكاة كلّ مالٍ في فقراءِ بلدِه، ولا يجوزُ نقلها إلى ما تُقصر فيه الصلاة، فإن فعل أجزأت، إلا أن يكون في بلدٍ لا فقراءَ فيه، فيفرقها في أقربِ البلاد إليه فإن كان في بلدٍ ومالُه في آخر: أخرجَ زكاةَ المالِ في بلدِه، وفطرتُه في بلدٍ هو فيه):
استدلوا بحديثِ معاذ بن جبل رضي الله عنه (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ الله قد افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم وتُردّ على فقرائهم) فقوله: (فقرائهم) يدل على أفضيلة إخراج المال لفقراء البلد، وحدودُ البلدِ : أن يكونَ فيها، أو دونَ مسافةِ القصر، وهي ستة عشر فرسخًا، حوالي (81) كيلو متراً.
ولا يجوز نقلها إلى ما تُقصر فيه الصلاة، فالأفضل أن توزع في فقراء البلد، ويجوز إخراجها إلى ما دون مسافة القصر، ولا يجوز نقلها إلى أبعد من مسافة القصر، هذا هو المذهب.
ولو نقلَها إلى أبعد هل تجزئه؟ تجزئُه كما قال المصنف، مع الإثم! والقول الراجح: جوازُ نقلِ الزكاةِ إن كان هناكَ مصلحة راجحة، كما لو كان في أرض العراق –لا قدَّر الله- مجاعة، فإنه يجوز نقل زكاة أهل اليمن إليها ولا إثم في ذلك، بل قد يكون أفضل في بعض الأحوال، ونصّ عليه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية –رحمه الله-.
قال (إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرِّقها في أقرب البلاد إليه ) فلو كان في بلد لا فقراء فيه جاز النقل للأقرب فالأقرب من البلدان.
وقد يحتاج لينقلَ الزكاة في هذه الحال إلى دفع أجرة نقلها، فهل يُخرج أجرة النقل من مال زكاتِه، أم يجب عليه إخراجها من غير مال الزكاة؟ الجواب أنه هنا يُخرجها من غير مال الزكاة وجوباً.
وقوله (فإن كان في بلدٍ ومالُه في آخر: أخرجَ زكاةَ المالِ في بلدِه، وفطرتُه في بلدٍ هو فيه):
أي: أخرج زكاة المال في بلدِ المال، لا بلدِه هو، كما لو كان زيد في مكة، ومالُه في الشام، فإنه يخرجُ الزكاة في بلد المال، في الشام؛ لأن المعوزين الذين يرون المال كالمواشي والأراضي تكون نفوسهم متعلقةٌ به؛ ولأن سبب الزكاة المالُ، فيجبُ إخراج الزكاة في المكانِ الذي وُجد فيه السبب.
ويُخرجُ زكاةَ الفطر في المكان الذي غربت عليه وهو فيه آخر أيامِ رمضان، والقول الصحيح: جواز تفريقها في بلد آخر لمصلحة راجحة.
قال المؤلف (ويجوزُ تعجيلُ الزكاةِ لحولينِ فأقل، ولا يُستحب):
تعجل النبي صلى الله عليه وسلم من عمّه العبّاس زكاة حولين، فلو كان عندك مال يفي لزكاة سنتين قادمتين جاز أن تخرجها دفعة واحدة، ولا يجوز تعجيل إخراج زكاة ما زاد على سنتين، كما لا يجوز تعجيلُ الزكاة إلا إن كمُل النصاب، لأنه لا بد أن يوجد السبب (كمال النصاب).
مثال: ما سبب دفع الدية؟ القتل، هل يجوز دفع الدية قبل القتل؟ لا.
قال في الروض (وإن تم الحول والنصابُ ناقص قدْرَ ما عجّله، صحّ وأجزأه) أي: لو تمّ الحول، والنصاب نقص بقدْر ما هو دفعه معجلًا، فهذا مجزئ.
مثال: لو كان عندنا (199) شاة، فعجّل شاتين عن (199) شاة قبل الحول زكاةً ، ثم جاء نتاج سخلتين، فصار العدد (199) شاة، وسخلتين؛ ليصبح العدد (201) شاةً، فكم تخرج من الزكاة؟ الجواب: ثلاث، وهو قد أخرج اثنتين، فيلزمُه أن يُخرجَ واحدة.
مثال آخر: لو كان يظن أنّ ماله (1000)دينار. فأخرج الزكاة، ثم تبيّن له أنّ مالَه (500)دينار. فما الحكم؟ أجزأه ما قدّمه عن سنتين.
ولو زادت كميّة المال، فننظر هل حال الحول أم لا، ولا يُستحبّ تعجيلُ الزكاة على المذهب، والراجح: استحبابه إذا وجدت مصلحة راجحة.
بابُ أهلِ الزكاة
هذا الباب لبيان من يدفع إليهم الزكاة، وقدر ما يُعطى أهلُ الزكاة؛ ليحرص المزكّي على دفع ماله إلى من يجزئ الدفع إليه، وأصلُ الباب قول الله تعالى: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم)).
قال المؤلف (ثمانيةٌ: الفقراءُ وهم من لا يجدون شيئًا، أو يجدون بعضَ الكفاية):
قال المؤلف (والمساكين: يجدون أكثرَها، أو نصفَها):
هذان الصنفان من أهل الزكاة، والفرق بينهما: أن الفقير لا يجد نصف الكفاية، وأما المسكين: فيجد النصف فأكثر لكن لا يجد تمام الكفاية، هذا التفريق عند الحنابلة وعند الشافعية رحمهم الله.
مثلًا لو كان يكفيه أربعة آلاف جنيه، ودخلُه ألفا جنيه، فهذا مسكينٌ.
مثلًا لو كان يكفيه أربعة آلاف جنيه، ودخله ثمانمائة جنيه، فهذا فقيرٌ.
والدليل قوله تعالى (كانت لمساكين يعلمون في البحر) فكانوا يعملون، ولهم سفينة، مما يدل على أن الفقير أشد حاجة، ومن ذلك هنا أن الله بدأ به، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم.
وينبه أهلُ العلم على أن الفقير والمسكين إذا اجتمعَا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ فإذا ورد لفظ الفقراء وحده شمل الفقراء والمساكين، وكذلك لو ورد لفظ المساكين وحده، وأما إذا اجتمعا في نص واحد فلكل واحد منهما معناه الخاص.
قال تعالى في كفارة اليمين: ((فكفارته إطعام عشرة مساكين)) فلو أعطاها لفقراء أجزأت.
قال المؤلف (والعاملون عليها: وهم جباتُها وحفّاظُها):
العاملون عليها: هم جباتهُا وحفّاظُها، مَن يبعثهم الإمام ليأخذوا الزكاةَ من أموالِ النّاس، ويشترط أن يكون العامل عليها مسلمًا، مكلّفًا، واشترطوا أن تحصل به الكفاية في عمله، وأن يكون قادرًا. ويعطَى العامل قدر أُجرته فقط، وإذا رتبت لهم الدولة الرواتب لم يحل لهم أخذ شيء من الزكاة على هذا المعنى.
قال المؤلف (الرابع: المؤلفة قلوبُهم: ممن يرجى إسلامه، أو كفّ شرّه، أو يُرجى بعطيّته قوةُ إيمانِه):
المؤلفة قلوبهم: وهو الكافر المرجو إسلامه، أو كفّ شره عن المسلمين، أو المرجو أن يقوى إيمانه فيكون في ذلك نفعٌ للمسلمين؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطى عُيينة بن بدر والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس من غنائم حنين كما في صحيح مسلم.
ويُعطى ما يحصلُ به تأليفه دون زيادة، ولهذا فإن عمرَ وعلياً رضي الله عنهما تركا إعطاء المؤلفة قلوبهم؛ لا لأنهم ليسوا من أهل الزكاة، ولكن لعدم الحاجة في زمانهم إلى تألف أحد.
قال المؤلف (الخامسُ: الرقاب، وهم المكاتبون، ويفكُّ منها: الأسير المسلم):
قال تعالى فيهم: (وفي الرقابِ)، وقال في الفقراء: (للفقراء) باللام؛ لأنه يختص بحكم يختلف كما سبق، لأن الفقراء والمساكين يملَّكون المالَ الزكوي، فنعطيهم على وجهِ التمليك، وهم يتصرفون فيه على الوجه الذي يرتضونه.
والرقاب: المكاتَبون، والمكاتَب هو العبد الذي اتفق مع سيّده أن يسدد له المال نجوماً –أقساطاً- حتى يوفيه فيصير حرًّا.
وهنا جاء التعبير القرآني بـ (في): ((وفي الرقاب)) أي أنا نعطيه من الزكاة بقدر ما تفك رقبته ولا نزيد.
مثلًا: اتفق مع سيّده أن يدفع له سبعين ألفًا؛ ليكون حرًّا، فجاءنا أحدُ التجّارِ الكبار، وسأل : كم سددت من الدين؟ قال: عشرة آلاف، وبقي ستون ألفًا، فجاء التاجر وأعطاهُ مائة ألف، فإن هذا ليس بصوابٍ، بل نُعطيه بقدرِ ما تفَكّ به رقبتُه.
وكذلك لو كان (أسير مسلم) عند الكفار، فيجوزُ أن نُعطيَه من مال الزكاةِ لفك أسره، هذا هو قولِ الحنابلة، وقال به شيخُ الإسلامِ وبعضُ المالكية.
وكذلك يجوز شراء رقبة –غير عبده ومكاتبه هو- بمال الزكاة فيعتقها.
قال المؤلف (السادس: الغارم لإصلاحِ ذاتِ اليدين، ولو مع غنىً، أو لنفسِه مع الفقر):
إذًا نوعان:
الأول: الغارم – وهو المَدِين – لإصلاح ذات البين، ولو مع غناه، كأن يكون زيدٌ قد تحمّل حمالة، فالتزم بمائة ألف دينار ليصلح بين قبيلتين، فيجوز أن يعطى من الزكاة بقدر ذلك ولو كان غنيًّا إلا لو دفعها من حر ماله فلا يعطَى بعدئذ.
الثانية: أما الغارمُ لنفسه فلا يُعطى إلا في حالة واحدة، وهي إذا كان من المساكين، فالتاجر قد يكون مَدينًا! نعم، ولكن لا نعطيه من الزكاة.
تنبيه: هذا الصنف يعطَى بقدر ما دُفِعَت الزكاة لأجله؛ لأنه معطوف على (( وفي الرقاب )).
قال المؤلف (السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة المتطوعة أي: لا ديوان لهم):
أما المجاهدون الذين لهم رواتب فلا يُعطَون من الزكاة، وأما المتطوع فإنه يُعطى بقدر ما يكفيه في غزوه ولو كان غنياً.
وهل يجوز إعطاء الزكاة لمن يريد حجّ الفريضة؟
الجواب: على مذهبِ الحنابلة يجوز إن كان فقيراً، حتى في العمرة المفروضة إن كان فقيرًا يجوز إعطاؤه من الزكاة، وهو خلاف قول الجمهور، واستدل الحنابلة بما رواه أبو داود لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم معقل، وفيه: (فإنّ الحجّ من سبيلِ الله) والآية (في سبيلِ الله) لكن هذا الحديث متكلمٌ فيه، والذي يظهر أن قول الجمهور هو الأولى بالأخذ، وقد قصروا "في سبيل الله" على الجهاد دون غيره من وجوه البر.
قال المؤلف (الثامن: ابنُ السبيل، المسافرُ المنقطعُ به).
أي: المنقطع بالسفر، كأن يكون غنيّا في بلده، وعندما سافر ضاع ماله أو سُرق ولا يمكنه أن يصل لماله الذي في بلده، فنعطيه من الزكاة بقدر ما يعودُ به إلى بلدِه، واشترطوا أن لا يكون سفره سفر معصية.
قال المؤلف (دون المنشئ للسفر من بلده):
هذا لا يسمى ابنَ سبيل، لأنه ما انقطع في سفره وإنما أراد الشروع فيه فلا يعطى من مال الزكاة.
قال المؤلف (ومن كان ذا عيالٍ: أخذّ ما يكفيهم، ويجوز صرفُها إلى صنفٍ واحد):
المسألة في تمام الكفاية ليست متعلقة بالشخص وحده، بل متعلقة بحاجة عياله الذين يعولهم أيضاً، ويجوز صرفُ الزكاةِ إلى شخصٍ واحدٍ.
تنبيه: أكثر ما يعطَاه هو ما يكفيه لسَنَة كاملة على المذهب.
قال المؤلف: (ويُسن : إلى أقاربِه الذين لا تلزمه مؤنتُهم):
أي: يسن صرفُ الزكاةِ إلى أقاربِه الذين لا يلزمه دفعُ النفقة إليهم، لكن إن احتاج والدك أو ولدُك فيجب أن تعطيَهم من نفقتك الخاصة، ولا تعطيهم من الزكاة، لأنك تتقي بذلك -إن دفعت لهم من الزكاة- أن تدفع لهم النفقة الواجبة.
فلو أعطى خالتَه وخالَه، وهما ممن لا تلزمه نفقتُهم، فيعطيهم من الزكاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (صدقتك على ذي القرابة صدقةٌ وصلة) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
قال المؤلف (ولا يُدفع إلى هاشمي، ومطلبي ومواليهما):
الهاشمي: المنسوبُ لهاشم.
وآل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عَقِيل وآل الحارث وآل أبي لهب كلهم هاشميّون، والنبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تحل الصدقة لنا آل محمد، فإنما هي أوساخُ النّاسِ) فلا تحلّ لهم الزكاة، وأما الصدقة فمختلف فيها عند العلماء، واستثنوا من أحوالهم ما لو كانوا من الغزاةِ أو الغارمين، أو المؤلفة قلوبهم فإنه يجوز لهم أن يأخذوا من الزكاة.
والمُطَّلبيُّون كذلك، وهذا القولُ محلّ خلافٍ داخل المذهب، فالشيخان – المجدُ والموفق ابنُ قدامة – يصحّحان أنها تجزئ في المطلبيين، وهو المجزوم به في (المنتهى) و(الإقناع) اللذَين يدور عليهم المعتمد في المذهب.
الهاشميون لا يعطون؛ لأنهم من نسل النبي صلى الله عليه وسلم.
والمطلبيون لا يعطون بحسب ما ذكر المصنف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرّكهم في الخُمُس.
والمعتمد في المذهب، وعليه الشيخان: أن بني المطلب يُعطوْن من الزكاةِ، وإنما شاركوا بني هاشم في الخُمُس، لا لمجرد قرابتِهم، بل لأنهم لم يفارقوا الهاشميين في جاهلية ولا إسلام.
والموالي: من أعتقهم الهاشميون أو المطلبيون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما موالي القومِ منهم)، ونقول هنا أيضًا: الأصح في المذهب أنّ موالي المطلب يُعطون من الزكاةِ، أما موالي الهاشميين فلا يُعطون.
قال المؤلف ( ولا إلى فقيرةٍ تحته غني منفق):
فلو كانت امرأة فقيرة، ولها زوجٌ غنيٌّ منفقٌ، ليس مانعًا لها من النفقة الواجبة، فلا تحل لها الزكاة.
قال المؤلف (ولا إلى فرعه وأصله، ولا إلى عبدٍ، وزوج):
الفرع: الولدُ وإن نزل، والأصل: الوالد وإن علا.
ولا تُعطى للعبد، ويَخرج منها (المكاتَب) وهو من جاء ذكره في قوله تعالى: (وفي الرقاب) وإن كان عاملًا للزكاة.
ولا تُعطي المرأةُ زكاتَها لزوجها، ولا يعطي الزوج زكاتَه لزوجتِه، وهذا هو المذهب وفاقاً للجمهور.
قال المؤلف (وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل، فبان أهلا أو بالعكس : لم يجزئه إلا غنيا ظنه فقيرا):
لو أعطى الزكاة لمن يظنه من الأصناف الثمانية، ثم بان أنه ليس من أهل الزكاة، فلا تجزئه الزكاة، وكذا لو أعطى الزكاة لمن يعلم أنه ليس من أهل الزكاة، فإنها لا تجزئه إلا في حالة واحدة،
وهي: إذا أعطاها لفقير، ثم بان أنه غنيٌّ، أجزأ.
وجاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلان جَلدان فقال (إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) فقد يعطيهما لما يبدو من حالهما، وقد يكون الباطن خلاف ذلك.
قال المؤلف (وصدقة التطوع مستحبة، وفي رمضان، وأوقات الحاجات أفضل):
وتحرمُ الصدقة بما يحتاجه عياله، والحث على صدقة التطوع كثير في كتاب الله وسنة رسوله، وهي من أفضل الأعمال، وفي الحديث (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار).
قوله (وفي رمضان) لأنه زمن فاضل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في شهر رمضان، وإذا كان هناك احتياج أكثر –كمجاعة- فدفع الصدقة المستحبة، فهذا أفضل.
قال المؤلف ( ويسن بالفاضل عن كفايته ومن يمونه، ويأثم بما ينقصها):
أي: وتسن الصدقة بما يزيد عن تمام كفاية الإنسان والنفقة التي يحتاجها هو والعِيال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول) وقد يعترض معترض، فيقول: إن الصديق تصدّق بكل مالِه؟ فالجواب: أن الصديق رضي الله عنه ربما كان يكفيهم بمكسبِه وعمل يده. والله أعلم.
انتهى (كتاب الزكاة) ونشرع في كتاب الصوم - إن شاء الله -.