ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-03-12, 06:34 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

السلامُ عليكم ورحمة الله..
فما زالَ لفضيلة الشيخ أبي بكر باجنيد دروسٌ ألقاها في برنامج البالتوك، بشرح مختصر لمتن " زاد المستقنع في اختصار المقنع " وهو شرحٌ مذهبي في مقصوده، مما يفيدُ الحنابلة إن شاء الله تعالى.
فأحببت أن أسمع هذه الدروس؛ لضبط مذهبِ الحنابلة ثم تفريغها لنفع طلبة العلم، وسأضع هنا تباعًا : شرح كتاب الزكاة، ثم الصوم، ثم الطهارة فالصلاة – إن شاء الله -.
تنبيه: التفريغُ ليس حرفيًّا، وقد اطلع الشيخ عليه قبل نشرِه، وتنزيل الدروس سيكون أسبوعيًّا - بإذن الله -.
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-03-12, 06:47 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

(الدرسُ الأول)

الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا الدرس ليس جديدًا على البالتوك، فقد بدأ منذ أكثر من سنتين، وأسأل الله عز وجل أن يعيننا على التمام، وقد منّ الله علينا أن أتممنا كتاب الطهارة وكتاب الصلاة وكتاب الجنائز من هذا الكتاب: " زاد المستقنع في اختصار المقنع " للإمام موسى بن أحمد الحجاوي – رحمه الله – وهو اختصار كتاب – المقنع – للإمام الموفق ابن قدامة الذي عني فيه بذكر الروايتين أو الوجهين في المذهب، وقد صرح صاحب الزاد أنه لا يذكر فيه إلا قولاً واحداً هو المعتمد في المذهب، إلا أنه قد أُخِذ عليه مسائل خالف فيها المعتمد.
وسنشرع هذه الليلة في الكلام على أحكام الزكاة:
قال المؤلف (كتاب الزكاة) مأخوذة من الكَتْب، وهو : الجمع والضم على نسق معيَّن، والعرب تقول: كتيبة؛ لأنها مجتمعة ومنضمة، وسمي الكتاب كتابًا؛ لأنه جمعت فيه الحروف والكلمات، حتى كوّنت جملًا ومسائل.
وأما الزكاة لغةً: النماءُ والزيادةُ، وقيل: من التطهيرِ، أي: من التزكية، ولا شكّ أنها تنمّي المال وتطهّره، ((خُذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إنّ صلاتك سكنٌ لهم))
وفي الشرع: حقّ ماليّ واجبٌ في مالٍ مخصوص، لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوصٍ.
والزكاة ركن من أركان الإسلام، وكثيراً ما تجيء مقرونة بالصلاة في كتاب الله، ومن جحدَ وجوبها كفر ما لم يكن ممن يعذر بجهله كحديث عهد بإسلام، أو من نشأ ببادية بعيداً عن طلبة العلم.
وأما من تهاون في أمر الزكاة فلم يخرجها بخلاً أو كسلاً فالصحيحُ أنّه لا يكفر، ولكنه فعلَ كبيرةً من كبائر الذنوب، والدليل على عدمِ كفره حديث: (ما من صاحب ذهبٍ ولا فضة ٍ لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نارٍ فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره .. إلى قوله .. كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِفيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
فهذا دليلٌ على عدمِ كفرِهِ مع دلالته على عظم ما فعل وكبير ما ارتكب، وقد قال الله تعالى: (( والذين يكنزون الذهبَ والفضّة ولا ينفقونها في سبيل ِ الله فبشّرهم بعذابٍ أليم * يوم يحمى عليها في نارِ جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزْتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون))، وفي الحديث: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة بلهزمتيه - يعنى شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم) وهو أخبثُ أنواع الحيّات، وقيل إنه: ليس على رأسِه شيءٌ من الشعر؛ لشدّة سمّه، فيُمثّل مالُه على هذه الصورة ويقول له: (أنا مالُك أنا كنزُك).
ولا شكّ أن فرضية الزكاة ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال المؤلف (تجبُ بشروطٍ خمسة):
شروطٌ وجوبِ الزكاةِ خمسةٌ، والزكاةُ تجب في أموالٍ معيّنة، وهي:
(1) السائمةُ من بهيمةِ الأنعام، أي: التي ترعى أكثر الحول.
(2) الخارجُ من الأرض؛ سواء كان من الحبوب والثمار، أو من المعدن والركاز.
(3) الأثمان من الذهب والفضة والأوراق النقدية التي نتعامل بها.
(4) عروضُ التجارة، وهي ما أعدّ للبيع.
قال المؤلف (حريةٌ ) :
وهو الشرط الأول من شروط وجوب الزكاة؛ فلا تجبُ الزكاة على العبد الرقيق؛ لأنّ مالَه مالُ سيّده، وتجب الزكاة على العبدِ المعتَق بعضُه بقدرِ ملكه، فلو كان قد أُعتِق ثلثُه فإنه يؤدّي عن ثلث مالِه؛ فلو كان عنده اثنا عشر ألفًا، فيزكي عن أربعة آلاف، والباقي لا زكاةَ فيه.
قال المؤلف ( وإسلامٌ ):
سواء كان كافرًا أصليًّا، أو كافرًا مرتدًّا، فلا تجبُ عليه، ولكن هل يعاقب الكافر بعدم أداء الزكاة؟ هذه المسألة يُعَنْوِن الأصوليّون بـقولهم: " هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ " وثمرةُ الخلافِ متعلّق بالآخرة، والصحيح أنّه يعاقَبُ؛ لآيات المدثر: ((ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوضُ مع الخائضين * وكنا نكذِّب بيومِ الدين * حتى أتانا اليقين)).
مسألة: إذا أسلمَ الكافرُ فهل يقضي الزكاة؟ الجواب: لا، لا يقضيها، والإسلام يجُبُّ ما قبله.
قال المؤلف ( وملكُ نصابٍ ):
النصاب: هو الحد الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة، وما لم يبلغ هذا الحد فلا تجب فيه الزكاة، فالإبل –مثلاً- لا تجب الزكاة فيها حتى تبلغَ خَمسًا، والذهب لا تجب فيه الزكاة حتى يكون عشرين ديناراً، إلا إذا كان النقص يسيرا في الذهب والفضة وعروض التجارة فإنّ هذا لا يؤثر، فيجب أن يخرج زكاته؛ وعليه: فاشتراط ملك النصاب في الأثمان والعروض تقريب، وأما في السائمة والخارج من الأرض فهو تحديد، ففرقوا هنا بينهما في هذا.
تنبيه: لا يشترط ملك النّصاب في " الركاز ".
قال الفقهاء: لا يشترط في الركاز بلوغ النصاب، وهو: ما وجدناهُ من دِفنِ الجاهليّة، فهذا لا يشترط فيه بلوغ النصاب؛ لأنه أشبه بالغنيمة، فتخرج الزكاة من قليله كما تخرج من كثيره، كما أنّه لا يشترط أن يحولَ عليهِ الحول، بل يخرجه واجده فور استخراجه.
مسألة: هل تجبُ الزكاة في مالِ الصبيّ والمجنون؟
الجواب: الجمهور أنّ الزكاةَ تجب في ماليهما، والذي يخرجُها عنهما وليُّهما، وهو الأظهر لعمومِ النصوص، فليس من شروط وجوب الزكاة البلوغُ، ولا العقلُ.
قال المؤلف (واستقرارُه)
أي: تمامُ الملك، فالمالُ الذي ليس مملوكًا ملكًا تامّا لا تجبُ فيه الزكاة، فلو كان عندنا مالٌ موقوفٌ على المساجد، فمن مالكُ هذا المال؟ إن كان موقوفًا على غيرِ معيّن فلا زكاةَ فيه، وإن كان موقوفًا على معيّن ففيه زكاة.
وكذلكَ دينُ المكاتَب، دينٌ غيرُ مستقر، لأنه إذا عجزَ عن السّداد سيعودُ إلى الرّق ويصير المال الذي بيده ملكاً لسيده، فهو مالٌ غير مستقرٍّ ملكُه.
ومثله المهر قبل الدخول إذ هو عُرضةٌ للسقوط بالطلاق، فلا تزكيه المرأة حتى تملكه ويستقر الملك.
قال المؤلف (ومضيُ الحولِ) :
وعليهِ عامّة العلماء والفقهاء، أنه إذا استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يتم حوله، وعند الحنابلة: (يُعفى عن نصفِ يومٍ)؛ فلو حالَ عليه الحولُ كاملًا إلا نصفَ يوم أو أقل فقد وجبتْ فيه الزّكاة؛ لأنّ نقص نصف اليوم نقصٌ غيرُ مؤثر، ولا يسمّى نقصًا في العرفِ.
قال المؤلف (ومضيّ الحول في غيرِ المعشّر) :
أي: الخارج من الأرضِ، فالحبوبُ والثمار إما أن نخرج منها العشر أو نصف العشر عند الحصاد، لكن هذا على وجهِ الإجمال، فإذا قالوا " المعشّرات " فلا ننتظر تمام الحول، ويلحق بها (المعادن والركاز) لأن الله تعالى قال: ((وآتوا حقَّه يومَ حصادِهِ)).
قال المؤلف (إلا نتاج السائمة):
أي: ولدِ السائمة من بهيمةِ الأنعام، فإذا كانت بهيمة الأنعام ترعى وكان ولدٌ أثناء الحول.
مثال: لو أنّ مالِكَ إبل في شهر محرم (عام 1432هـ) اشترى خمسًا من الإبل، ولكنّه في شهر محرم (عام 1433هـ) أصبحت الخمس عشرًا، بتوالدِها، فالخمسُ المستفادة هي (الأمّاتَ) أي: الأمهات، ولكن الخمس الجديدة لم يحل عليها الحول، فلربما كانت الولادة في رمضان أو رجب، فلم يحلْ عليها الحول، ولكن قالوا: يتبع حولُ النتاج حولَ أمهاتِه، فيزكي عنها.
قال المؤلف: (وربحَ التجارة):
أي: كان رجل عنده خمسون ألف جنيه في أول (1430هـ) فدخل بالمال كله في تجارة، وفي رمضان (1430هـ) نظرنا إلى المال فإذا هو مئةُ ألف، فمن أين أتت الخمسون ألفاً الجديدة؟ من ربح أصل التجارة، فيضم إلى أصله ويخرج عن جميعه؛ لأنّ ربحَ الزيادة ناتج من الأصل.
مثال آخر: أخونا (حبر العيون) وهبهُ إنسانٌ عشرةَ آلاف في شهر ذي الحجة (1429هـ) ثم جاءهُ إرثٌ في شهر رجب (1430هـ) فإذا أتى شهرُ ذي الحجّة، فإنه يخرجُ عن زكاةِ الأول دون الثاني؛ لأن الثاني –الإرث- ليس مستفادًا من الأوَّل –الهبة-.
هناكَ شرطٌ في الأصل، قال المؤلف (فإنّ حولهما حولُ أصلهما إن كان نصابًا) فيشترط في الإبل المذكورة أن تكون خمسًا، وهي النصاب، فلو ماتت واحدةٌ من الأمّاتِ، فنتجت سخلة، انقطعَ الحولُ بموتِ إحدى الأمات، بخلاف ما لو نتجت ثم ماتت إحداهن، فالولادة حصلت والنصابُ تام.
قال المؤلف (وإلا فمن كمالِه):
أي: فإن لم يكن الأصل نصابًا، فحولُ الجميعِ يكون من كمالِه نصابًا، مثالُ ذلك: لو أنّ إنساناً عنده تسع وثلاثون من الغنمِ، فليس فيهن زكاة؛ لأن نصاب الغنم أربعون، فلو نتجتِ التسع والثلاثون فبلغت أربعين في شهرِ رجب، فالحولُ يحسب من حين يبلغ النصاب.
قال المؤلف (ومن كان له دين .. على مليءٍ):
إذا كان للإنسانِ دينٌ على مليء، أدّى زكاتَه إذا قبضَه لما مضى، فلو أعطى أخونا مصطفى رجلا أربعينَ ألفًا عام (1430) ثم قبض مصطفى هذا الدين عام (1433هـ) فماذا يفعل ؟ على مذهبِ الحنابلة فإنه يخرج الزكاة عن ثلاث سنين.
هذا هو المذهب، ومذهبُ الإمامِ مالك أنه يزكي عن سنة واحدة، والقول الثالث: لا زكاةَ فيما مضى، فإذا قبضه استأنفَ به حولًا جديدًا.
قال المؤلف (ولا زكاةَ في مالِ مَن عليه دَينٌ ينقِصُ النّصاب، ولو كان المالُ ظاهرًا):
هذه المسألة تعرف عند الفقهاء بـ : "هل الدين يمنع الزكاة؟ أم لا؟"
فلو كان على رجل دَينٌ، فهل الدين ينقص النصاب، فلو قلنا: إن نصاب الفلوس (1900 ريال)، وعند زيد (5000 ريال) وعليه دينٌ بـ (4000 ريال) فبقيَ -بعد خصم مقدار الدين الذي عليه- ألفٌ واحد، فهل الدين أنقص النصاب؟ نقول: نعم، فهذا ليس في مالِه زكاة، لأن ماله المتبقي بعد حسمِ الدين أقل من النصاب، وهذا مذهبُ كثيرٍ من أهل العلم، وهو الأظهر عندي، وخالف فيه الإمام الشافعي؛ لأن الدين لا يمنع الزكاة عنده.
مثال : لو كنت أخرج زكاة مالي في كل سنة في شهر رمضان، فالقولُ الأظهر أنني أرى ما معي من المال، فلو كان ستة آلاف ريال، ولي دين حالٌّ على عمرو –وهو مليء باذل- ومقدراه ألفُ ريال، فبقي خمسة آلاف ريال، فأزكّي عن الآلاف الخمسة فقط.
ولو كان المالُ عند جاحد أو غاصب، فلا زكاة فيه؛ لأنّه في حكم المفقود.
قال المؤلف (ولو كان المال ظاهرًا) :
يقسّم الحنابلة المالَ قسمين : مالٌ ظاهر، وهو بهيمةُ الأنعامِ والخارجُ من الأرض، ومالٌ باطن، وهو الذهبُ والفضة وعروض التجارة، وقوله (ولو) إشارة للخلاف؛ لأنّ من أهل العلم من فرّق بين الظاهر والباطن، والمعتمد في المذهب: أن لا تفريق، فيمنع الدَّين الزكاةَ في كل ذلك.
قال المؤلف (وكفارةٌ كدينٍ) :
فلو كان عليه كفارة، وهي دينٌ للهِ تعالى، فالكفارة كالدين في حقّ الآدمي، كرجل عنده ثمانيةُ آلاف جنيه، وعليه كفارةٌ قدرُها ألفا جنيه، فتُحسم من الثمانية، وتبقى ستة آلاف جنيه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (فدينُ الله أحقّ أن يُقضى).
سؤال: هل في الأصنام زكاة؟
الجواب: الأصنام ليست دفنًا، ولكن بيعُ هذه الأصنام محرمٌ، وكثير من الناس يسمون الخارج من الأصنامِ (آثارًا) لكن يشترط في الزكاة كونها من دفن الجاهلية بالعلامة، أي: قبل الإسلام، وإلا كان حكمها حكم اللقطة.
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-03-12, 07:06 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

(الدرسُ الثاني)

قال المؤلف (إن ملكَ نصابًا صغارا: انعقدَ حولُه حين ملكَه)
يبدأ الحولُ من حين مُلكِ المال.
قال المؤلف (وإن نقصَ النصابُ في بعض الحولِ) :
فلو أنّه ملك ماشيةً في شهر رجب، ولما جاء شهر شوال نقصت الماشية عن النصاب، فصارت ثلاثين من الغنم بعد أربعين، فالحولُ انقطع، لنقصان النصاب، وهذا في السائمة والخارج من الأرض فقط، والمشهور عند الحنابلة –كما أسلفنا- أنه إذا كان النقص يسيراً في الذهب والفضة وعروض التجارة فيجب أن يخرج زكاته.
قال المؤلف (أو باعه) :
فباعَ شيئا من النصاب بشيء آخر فنقص، فإن الحول ينقطع.
قال المؤلف (أو أبدله بغير جنسه):
أي: ماشية استبدلها بشيء آخر، أو بمال زكويّ أو غير زكويٍّ، فإن الحول ينقطعُ، ومفهوم قول المؤلف (بغير جنسِه) أنه لو أبدل الذهب بالفضة –مثلاً- بنى على الحول الأول، لأنهما نقدان كالجنس الواحد، أما لو اشترى بالغنم إبلًا فقد انقطع لأنه من غير جنسه.
مثال: رجل باع أربعين غنما بثلاثٍ من الإبل، فلا زكاة؛ لأن الجنس الثاني لم يبلغ النصاب.
قال المؤلف (وإن أبدله بجنسه: بنى على الحول) :
كما لو أبدل ذهبًا بفضةٍ، فكأنهما جنس واحد، وكذا لو اشترى عروض التجارةِ بنقدٍ، فيبني على الحول الأول، ولا ينقطع؛ لأن عروض التجارة والنقد من جنسٍ واحد، فمقصود بيع المواد الغذائية –مثلاً- هو النقد وتقوّم بالنقد، وإنما تجب الزكاة في قِيَمها وهي من جنس النقد.
مسألة: لو أبدل شيئاً مما بلغ نصاباً أو باعه بقصد الفرار من الزكاة لم تسقط؛ معاملة له بنقيض قصده.
قال المؤلف (وتجب الزكاة في: عين المال، ولها تعلق بالذمة):
الزكاة واجبة في ذاتِ المال، وهذا الوجوبُ له تعلق بالذمة، فلو تلف المال بعد أن وجبتْ فيه الزكاةُ، وكان المال مستقرا في الملك، فهل تسقط الزكاة؟ لا تسقط، وعليه أن يزكي، إلا إن كان المال غير مستقر في ملكه كالتمر على رؤوس النخل فلا تجب.
قال المؤلف (ولا يعتبر في وجوبها: إمكان الأداء):
هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء، والحنابلة -رحمهم الله- ذكروا أنّه لا يعتبر في وجوبِ الزكاة إمكان الأداء.
الصومُ هل يجب على الحائض أم لا؟ نعم، يجب في ذمتِها، ولكنها ليست متمكنة من الأداء، وليس معنى هذا إسقاط الصوم، فمن لم يكن متمكّنا من أداء الزكاة فإنها لا تسقطُ عنه.
مثال: لو أنّ مالي الذي حال عليه الحول دينٌ عند مليءٍ، أو كان عندَ جاحدٍ، أو عند معسِرٍ، فهل تجب الزكاة عند الحنابلة؟ نعم تجبُ فيه الزكاة، لكن لا يلزمه إخراج ذلك قبل قبض المال، فالوجوب لم يسقط، ولكن الإخراج لا يلزمه إلى أن يقبض ماله، فصار إمكان الأداء شرطاً لوجوب إخراج الزكاة، لا شرطاً لوجوب الزكاة.
قال المؤلف (ولا بقاء المال):
فلو تلفَ المالُ بعدَ حلول الحول، فإن الزكاةَ واجبةٌ فيه، لأن الحكم متعلق بالذمة.
قال المؤلف (والزكاة كالدين في التركة):
أي من وجبت عليه الزكاة ومات قبل أن يؤديها، فالحكم أنّ حكمَها كحكمِ الدّين، وتُخرج قبل الوصيّة وقبل قسمة الإرث؛ ودينُ الله أحق أن يُقضى.
فصارت شروط وجوب الزكاة هي:
1-الإسلام. 2-الحرية. 3-ملك النصاب. 4-استقرار الملك. 5- مضي الحول.
(بابُ زكاة بهيمةِ الأنعام)
قال المؤلف (تجب في إبل وبقر وغنمِ : إذا كانت سائمةً الحولَ أو أكثرَه):
فسر بهيمةَ الأنعام بالإبل والبقر والغنم، فلا تجب في سائمةٍ غيرها، إلا أن يكون غيرهن من عروضِ التجارة، ومن شروط زكاة بهيمة الأنعام أن تكون متخذةً للتوالد أو الدَّرّ، لا للحرث والعمل، عند الجمهور.
فأما الإبل فتجب الزكاة في البخاتي والعِراب منها،
والإبل العراب: صاحبة السنام الواحد، والبخات: السنامان. والمقصود بالبقرِ غير الوحشي، أما الوحشي فجمهور أهل العلم أن لا زكاةَ فيه خلافًا لأحمد –رحمه الله-، فإيجابها في البقر الوحشي من مفردات المذهب.
ويدخل في البقر (الجواميس).
قال ابنُ هبيرة في (الإفصاح): واتفقوا على أن الجواميس والبقر في ذلك سواءٌ.
قلتُ في المنظومة المتعلقة بزكاة بهيمة الأنعام:
مستثنياً وحشيَّها على الأصحّْ ** ** والخُلف لابن حنبلٍ فيها وضحْ
و(غنم) سواء كانت ضأنًا ذوات الصوف، أو معزًا ذاوت الشعر، فتجب الزكاة في كلٍّ.
قال المؤلف (إذا كانت سائمة الحول أو أكثره):
أي: لو كانت ترعى في حولها أكثر من ستة أشهر فإن الزكاة تجب فيها، أما لو كان يشتري لها ما تأكله أو يجمعه لها فليست سائمة، ولا زكاة فيها إلا إذا كانت معدة للتجارة فتكون زكاتها زكاة العُروض.
قال المؤلف (ويجب في خمسٍ وعشرين من الإبل: بنتُ مخاض):
خمسٌ من الإبل: فيها شاةٌ واحدة، وأقل من خمس لا شيء فيه؛ لأنه لم يبلغ النصاب في الإبل؛ فنصابها خمسٌ إجماعاً.
عشرٌ من الإبل: شاتان.
مسألة: سبعٌ من الإبل: فيها شاةٌ واحدة، وما بين الفريضتين –كالزائد عن خَمس هنا ولم يبلغ عَشراً- يسمى (وَقْصاً)، ولا شيءَ فيها، وهكذا.
خمس عشرة من الإبل: ثلاثُ شياه.
عشرون من الإبل: أربع شياه.
خمسٌ وعشرون: بنتُ مخاض، وهي التي لها سنة واحدة، أو: ابن لبون إن لم نجد مخاضًا، وهو الذكر من الإبل له سنتان.
ستٌّ وثلاثون: بنتُ لبون، وهي التي لها سنتان.
ست وأربعون: حِقّة، وهي التي بلغت ثلاث سنين.
إحدى وستون: جذعة، وهي التي بلغت أربع سنين، ودخلت في الخامسة.
ست وسبعون: بنتا لبون.
إحدى وتسعون: حقّتان.
مائة وعشرون: ثلاثُ بنات لبون.
ثمّ في كلّ أربعين: بنت لبون.
وفي كلّ خمسين: حقّة.
مثال: مائة وخمسون: زكاتها ثلاث حِقاق (خمسون+ خمسون+ خمسون).
مائة وستون: أربع بنات لبون (أربعون+ أربعون+ أربعون+ أربعون).
مائتان: إما = خمس بنات لبون، أو أربع حقاق.
(زكاة البقر)
ثلاثون من البقر: تبيع أو تبيعة، وهو ما كان له سنة، وأقل من ثلاثين لا شيء فيه؛ لأنه لم يبلغ النصاب في البقر.
أربعون: مسنة، وهي ما كان لها سنتان.
ستون: تبيعان،
في كلّ ثلاثين: تبيع،
في كل أربعين: مسنّة،
قال المؤلف (ويجزئ الذكر: هنا، وابنُ لبون مكانَ بنتِ مخاض، وإذا كان النصاب كله ذكورًا):
أي: يجزئ في التبيع، فالأصل في الزكاة أن لا يُخرج الذكر، إلا في هذا المقام، وإذا لم نجد الأثنى فنذهب إلى الذكر، وكذلك لو كانت بهيمة الأنعام كله ذكورًا خرج إخراج الذكر.
(زكاةُ الغنم)
أربعون من الغنم: شاة، وأما أقل من أربعين فلا شيءَ فيه.
مائة وإحدى وعشرين: شاتان،
مائتان وواحدة: ثلاثُ شياه،
ثم في كل مائة شاةٍ، شاةٌ: فلو كان عندي أربع مائة من الغنم ففيها أربعُ شياه.
قال المؤلف (والخُلطة: تصيّر المالين، كالواحد) :
هذه فقط في بهيمة الأنعام:
وخلطةٌ تصيِّـر المالين إن ** تَكَامَلا حولًا كواحدٍ زُكِن.
والجمعُ والتفريقُ لا يؤثرُ ** ** في غير الَانعام حكاهُ الأكثرُ.
ومعنى قول الماتن (والخُلطة: تصيّر المالين، كالواحد): أن الخلطة تؤثر تغليظًا وتخفيفاً، فلو كان عند كل واحد من ثلاثة رجال: أربعون شاة سائمة، فالمجموع: مائةٌ وعشرون، وفيها كلها: (شاةٌ واحدةٌ)، ولو كانت واحداً وعشرين ومائة فـ (شاتان)، فهؤلاء خلطوا مواشيهم، ولو كان كل من هؤلاء مستقلاً، لأخرج شاةً واحدة، فالمجموع (ثلاث شياه)، فتنبه إلى أن الخلطة خففت الزكاة هنا.
وأيضا في التلغيظ: فلو كان ثلاثة رجال كلٌّ منهم يملك خمس عشرة شاة، فكل واحد بمفرده لا شيء عليه، وبمجموعهم عليهم شاةٌ واحدة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يجمع بين مفترق ولا يفرّق بين مجتمع خشيةَ الصدقة) وهذا إن كان مرعاها ومكان حلبها ومحل بياتها ومأواها وفحلها واحداً.
ولكنَّ الخلطة والتفريق لا أثر لهما في غير سائمةِ بهيمة الأنعام من الأموال الزكوية كما تقدم في البيت السابق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-03-12, 07:08 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

وهذا ملف وورد للدرس الأول والثاني =
لمن يشق عليه قراءة الشرح مع التلوين:
الملفات المرفقة
نوع الملف: doc الاول مع الثاني من الزاد.doc‏ (86.5 كيلوبايت, المشاهدات 14)
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 05-03-12, 06:30 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

(الدرسُ الثالث)
(زكاةُ الحبوبِ والثمارِ)
((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض))
قال المؤلف (تجب في الحبوبِ كلها ولو لم تكن قوتًا):
كلّ أنواع الحبوب تجبُ فيها الزكاة، ولو لم تكن قوتًا، أي: حتى لو كان الحب مما لا يقتات، مثل الأبازِير والبزور، التي ليست لتؤكل ولا لتقتات، والمراد أبازير القدور، ومنها: الكراويا، والكمّون، والبزور وهي الحبوب الصغار مثل حبّ الرشاد والسمسم، فتجب الزكاة فيها على المذهب.
قال المؤلف (وفي كلّ ثمرٍ: يكال ويدّخر، كتمرٍ وزبيبٍ):
نعم، في الحبوب تجب الزكاة في كل شيء منها، ومن ذلك القمح والشعير والعدس والأرز والدُّخن والكزبرة وحب الرشاد والكمون، أما الثمار ففيما يُكال ويدخر فقط، كالتمر والزبيب والفستق والبندق.
والفرق بين الكيل والوزن، أن الكيل معيار لتقدير الحجم، ومن المكاييل: الصاع والمد، كأن نملأ وعاء يسع 780 مليلترا من الماء بثمرٍ، وهو حجم المد النبوي تقريباً، فهذا الثمر يكون مكيلاً، بخلاف الوزن.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة)، فعلم منه أنّ ما كان دون خمسة أوسق فليس فيه زكاة، واعتمد عليه الحنابلة في أن غير المكيل لا زكاة فيه؛ لأنّ التوسيق لا يدخل إلا فيما كان يُكال، والوسق مكيال معروف، أما ما لا يكال كالخضراوات والفواكه فإنه لا تجب فيها الزكاة، لأنها لا تكال، وإن كانت توزن، كما أنها لا تصلح للادخار.
وقالوا: ما لا يدخر ينتفع به في الحال لا في المآل، فقالوا باشتراط أن يكون الثمر مما يكال ويدخر، والله سبحانه وتعالى يقول (وآتوا حقّه يوم حصاده) والحبوب والثمار لا يجب لها اشتراط أن يحولَ عليها الحول، بل حين حصادها.
وقوله (كتمر وزبيب) هذان من الثمار، وأما الحنطة وما شابهها فهي من الحبوب.
قال المؤلف (ويُعتبر بلوغ نصابٍ قدره ألفٌ وستمائة رطل عراقي):
إذا بلغ الحب أو الثمر المكال أو المدخر بعد تصفيته أو جفافه: ألفاً وستمائة رطلٍ عراقي التي هي قدر خمسة أوسق -750 كيلو جراماً تقريباً من العدس أو الأرز - فقد بلغ النصاب ووجبت فيه الزكاة، وما كان أقل من ذلك فلا زكاةَ فيه. وسيأتي بيان مقدار الزكاة التي تخرَج منه.
قال المؤلف (وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب):
إذا كان عندنا أنواع من جنسٍ واحد، فقد يكون التمر أنواعًا، فيضم بعضها لبعض حتى يكمل النصاب، فإذا كان عنده خمس مائة رطل عراقي من التمر السكّري، وعنده سبع مائة رطل عراقي من التمر الـبرحي وعنده خمس مائة رطل من تمر العجوة، فالمجموع ألفٌ وسبع مائة رطل، فهل يخرج الزكاة عن هذا التمر كله؟ نعم، وإن اختلفت الأنواع ما دامت داخلةً تحت جنسٍ واحد.
قال المؤلف (لا جنس إلى آخر):
أي: لا يصلح أن نضمّ البرّ إلى الشعير لتكميل النصاب على معتمد المذهب؛ لأن البر جنسٌ غير جنس الشعير، ولا التمر للزبيب؛ فلو كان عنده سبعمائة رطل من التمر، وألف رطل من الزبيب، فإنه لا زكاة عليه فيهما؛ لأن كلاً منهما بمفرده لم يبلغ النصاب(=ألف وستمائة رطل)، كما أنهما من جنسين مختلفين فلا يضمان إلى بعضهما لتكميله.

قال المؤلف (ويعتبر أن يكون النصاب مملوكا له وقتَ وجوبِ الزكاة ولا تجب فيما يكتسبه اللقاط):

فيعتبر لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان:
أولهما: بلوغ النصاب بعد تصفية الحب أو جفاف الثمر، وقد تقدم.
والثاني: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة.
وإذا اشتدّ الحب بأن يمكن كسر الحبة، وصلحت الثمرة بأن تحمارَّ أو تصفارّ، فهذا هو وقتُ الوجوبِ، فلا بد أن يكون هذا المال في هذا الوقت مملوكا لمريد الزكاة، أما لو ملكه بعد أن بدا صلاح الثمرة أو بعد أن اشتد الحب فليست الزكاةُ عليه حينها في ذلك الحب أو الثمر.
مثال: لو اشترى الأخ أحمد أرضاً زراعيّة للقمح، لكن بعد أن اشتدّ الحب، فلا تجبُ عليه الزكاة؛ لأنّه ملكها بعد أن وجبت الزكاة فيها.
مثال آخر: لو كان لزيد أرض زراعية ورثها بعد أن بدا صلاح ثمرها، فلا تجب عليه الزكاة؛ لأن ملكه إياها كان بعد بدو الصلاح.
قال المؤلف (ولا تجب فيما يكتسبه اللقاط):
إذا تم الحصاد وسقط بعض السنابل وجاء عمرو والتقطَ منها حباً قد اشتد، فمتى ملك عمرو هذه الثمار؟ ملكها بعد الصلاح، وعليه فقد كان ذلك بعد الوجوب، فلا زكاةَ عليهِ إذًا، فالمالك لها في وقت وجوب الزكاة حين الاشتداد أو الاحمرار والاصفرار هو من تجب عليه الزكاة.
قال المؤلف (أو يأخذه بحصاده):
أي: أجرة على الحصاد؛ بأن يكون له من الحبوب أو الثمار نصيب يدفَع إليه على أنه أجرة لحصادها، فلا زكاة فيه؛ لأنه ملكه بعد الوجوب.
قال المؤلف (ولا فيما يجتـنيهِ من المباح: كالبُطم، والزعْبل، وبَزرِ قطُونا):
لو ذهبَ مثلًا وجمعَ بعض الثمارِ من البريّة، فهذه الثمار مباحة، فهل تجبُ فيها الزكاة؟ لا تجب، لأنّه ليس مما حصدَه، ((وآتوا حقّه يوم حصادِه)).
أما (البُطْم) فهي نوعٌ من أنواع الحبوب الخضراء تنبت في الأراضي الجبلية.
وأما (الزَّعْبل) فهي شجرةُ القطن.
وأما (بزر قطونا) بزرٌ ينبتُ بالعراق.
وهذا كله لا زكاة فيه (ولو نبت في أرضه)؛ لأنه ينبت بنفسه، لا بإنبات آدمي.
(قدر الواجب في الحبوب والثمار)
قال المؤلف (يجب عشر ما سُقي بلا مؤنة ونصفُه معها، وثلاثة أرباع بها):
فما سُقي بلا كلفة -بماء السماء مثلاً- فيه العُشر، وما سقيَ مع المؤونة –أي بكلفة وأدوات- ففيه نصفُ العشر، بأن نَقْسِم على عشرين، فإن كان يسقى بماء السماء نصف عام، ونصفه الآخر بمؤنته فيه ثلاثة أرباعِ العشر بأن نقسم على خمسة عشر، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فيما سقت السماء أو كان عَثرِيّاً العُشر، وفيما سُقِي بالنَّضْح نصف العشر ) وهو في صحيح البخاري. والعَثري: الذي يشرب الماء بعروقه.
قال المؤلف (فإن تفاوتا فبأكثرهما نفعا):
إذا كان أكثر انتفاع الزرع بالكلفة فالحكم لها، وإن كان أكثره بعدم الكلفة فالحكم لها، فنعتبرُ الأكثر منهما؛ فإن كان أكثر انتفاع الزرع ونموه بلا كلفة أخرجَ العشر، وإلا أخرج نصفه.
قال المؤلف (ومع الجهل العشر):
لو جهل إن كان الأكثر سَقْيُها بكلفة، أو بدون كلفة، فيخرج العشر احتياطاً وإبراءً للذمة بيقين.
قال المؤلف (وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر: وجبت الزكاة):
هذا ما ذكرناه سابقًا، وإذا تموّه العنب للحلاوة وجبت، ولو أنّ المال تلف قبل أن يشتد حبّه ويبدوَ صلاحه، فإنّ الزكاةَ لا تجب كما لو أصابته جائحة؛ لأنه تلف قبل الوجوب، وكذا لو حصده قبل أن يأتي وقت الوجوب، لا فراراً من الزكاة، فلا زكاة.
قال المؤلف (ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر):
يعني لا يطالب الإنسان بالزكاة حتى يأخذ هذا الحب أو الثمر ويضعه في مكانٍ يسمى البَيْدَر –وهو الموضع الذي تجمع فيه الثمار لتجف- ولو أصابته آفةٌ سماوية قبل أن يجعله فيه فلا تجب عليه الزكاة.
قال المؤلف (فإن تلفت قبلَه بغير تعدّ منه : سقطت ):
لأنّه لم يستقر الوجوب، أما لو كان بعد الوجوب بتفريط فيجب. ولو بقي بعد التلف شيء يبلغ نصاباً فتجب الزكاة في الباقي.
قال المؤلف (ويجب العشر: على مستأجر الأرض):
أي:على الزارعِ، وأما صاحبُ الأرض الذي يملكها فلا تجبُ عليه الزكاة؛ فلو أني استأجرت أرضا وحصدت الزرع فعليّ الزكاة، لا على صاحب الأرض؛ لأن الزكاة إنما وجبت في الزروع، والمستأجر هو مالك الزرع.
قال المؤلف: (وإذا أخذ من ملكه أو مَواتِه من العسل مائة وستين رطلا عراقيا ففيه عشرُه):
لو أخذ من ملكٍ له، أو من أرض مَوات كرؤوس الجبال، عسلًا بلغَ النّصاب، فهنا تجبُ الزكاة على المذهب، وإن كان الإمام الشافعي ومالك يريان أن لا زكاة في العسل، وأبو حنيفة يوجب الزكاة في كل الخارج بما في ذلك العسل، واحتجّ الإمام أحمد على وجوب زكاة العسل أن عمر رضي الله عنه أخذ زكاة العسل من أهل اليمن والطائف، وهو في مصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، ولكن الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الباب متكلمٌ فيها من جهةِ الإسناد.
ونصاب العسل في المذهب: عشرة أفراق، وعليه العمل في زمان عمر رضي الله عنه، والفرَق الواحد ستة عشر رطلاً؛ فصار النصاب مائةً وستين رطلاً عراقياً.
قال المؤلف (والركاز: ما وُجد من دفنِ الجاهلية فيه : الخمس في قليله وكثيره) :
الركاز: ما كان من دفن الجاهلية، برؤية علامات كالتاريخ، فنقسم على خمسة ونخرج الخُمس، والباقي لمن وجدَه، ولو كان عليه علامات المسلمين فحكمُه حكمُ اللقطة.
وبعض أهل العلم يفرّق بين ما وجدناه من أموال المسلمين القدامى فيرد إلى بيت المال، أما المعاصر فهو لقَطة.
وأما المعدِن: فهل هو ذهب وفضة؟ أم أنّه غيرهما؟ فإن كان الأول فنخرج ربع العشر من عينه، وإن كان الثاني فمن قيمتِه بأن نقسم على أربعين، وعند الحنابلة لا فرق بين أن يكون سائلاً أو جامدًا؛ بل كل ما يسمى معدناً تجب فيه الزكاة، كالنفط والنحاس وغيره.
وعند الحنابلة لا تجب الزكاة فيما أخرجَ من البحرِ، فلا تجب في العنبر ولا المسك، معتمدين على قول ابن عباس (ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء دَسَره البحر) أي: دَفَعَه ولَفَظَهُ.
الخلاصة:
إما أن يكون المعدن ذهبًا أو فضة فنخرج من ذاتها.
وإن لم يكن ذهبًا أو فضة فنخرج ربع عشر القيمة.
فلو كان المعدن حديدا 80 كيلو غرام تساوي قيمته تسعة آلاف ريال، والنصاب المعتبر أن يجاوز أقل النصاب من الذهبِ أو الفضة، فإذا بلغت ما يساوي نصاب الفضة أخرجنا الزكاة.


__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-03-12, 06:49 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

الدرسُ الرابع
(زكاةُ النقدين)
المراد بـ " النقدين " الذهب والفضة: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم))، والنصابُ المذكور للذهبِ والفضة –عشرون دينارا ذهبا ومائتا درهم فضة- مجمعٌ عليه عند العلماء، إلا شيئًا يُذكر عن الإمام الحسن البصري – رحمه الله – أنه خالف في نصاب الذهب، لكن لا يعرف لأحد بعد ذلك خلاف.
قال المؤلف (ويجب في الذهب: إذا بلغ عشرين مثقالا):
المقصود بـ (الذهب) سواء كان مضروبًا أو تبرًا، فإذا بلغ عشرون مثقالا، وهي: خمس وثمانون جراماً من الذهب الخالص، ففيه الزكاة.
قال المؤلف (وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم: ربع العشر منهما):
الدرهم الإسلامي: معروف، فإذا بلغت الفضة مائتي درهم وجبت الزكاة، وهي بالغرامات: خمس مائة وخمس وتسعون جراما من الفضة، ونقسم على أربعين، فيكون خارج القسمة هو مقدار الزكاة الواجبة.
وفي الحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من كل عشرين مثقالًا نصفَ مثقال، أي: اثنين ونصف من كل مائة، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا لكنه مجمع على معناه، وجاء في الفضة من حديث أنس بن مالك عند البخاري –رحمه الله-(في الرقّة ربع العشر) أي: الفضة، سواء كانت دراهم أو لم تكن.
قال المؤلف (ويضم الذهب إلى القضة في تكميل النصاب وتضم قيمة العروض إلى كل منهما):
أي: لو أن إنسانا كان عندَه سبعون جراما من الذهب، فهل بلغ النصاب؟ لم يبلغ، ولكن عنده أيضًا مائتان وخمسون جراما من الفضة، بضمها إلى الذهب هل تبلغ النصاب؟ نعم لا شك.
قال المؤلف (ويباح للذكر : من الفضة = الخاتم، وقبيعة السيف، وحِليَة المنطقة، ونحوه):
أي: يجوز للذكرِ أن يلبس الخاتم، وقد لبسه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أنس: في يمينه فيه فصّ حبشي، كان يجعل فصّه مما يلي كفّه، وهل يجوز للرجل أن يتخذ خاتمًا من ذهب؟ صح نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
أما (قبيعة السيف) فهي أن يجعل شيئًا من الفضة على مقبَض السيف، فلا بأس بذلك، وقد جاء عن أنس رضي الله عنه أن قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فضة.
أما (حلية المنطقة) فهو ما يشدّ به وسطُ البدن، فإذا حلى المنطقة بالفضة فلا بأس بذلك، واستدل الحنابلة بأن الصحابة اتخذوا مناطقَ محلاةً بالفضة.
أما (ونحوه) فلو جعل في الخوذة التي توضع على الرأس –مثلاً- جاز.
قال المؤلف (ومن الذهب: قبيعة السيف، وما دعت إليه الضرورة كأنفٍ ونحوِه):
أي: يباح للذكرِ قبيعةُ السيف من الذهب، ودليل ذلك بعضُ الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، (وما دعت إليه ضرورة) كأنفٍ من ذهب إذا قُطِع أنفه، كما حصل لعرفجة بن أسعد رضي الله عنه، لأنهم يذكرون أن غير الذهب للأنفِ يسبب شيئاً من النتن والعفونة.
وجاء عن بعض السلفِ أنّهم شدّوا أسنانهم بالذهب، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يباح للذكر إلا بعض أنواع الفضة بدليل حصره بـ(إلا)، وهذا هو القولُ الراجح -والله أعلم- أنه لا يباح للرجل الفضة بإطلاق، وأما ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعًا(عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبًا) فعلى فرض صحّته فالذهب كان حرامًا على النساء في أول الأمر، وقال للرجال: عليكم بالفضة، أي: حَلُّوهن بها، ثم جاء الإذن للنساء في لُبس الذهب.
قال المؤلف (ويباح للنساء من الذهب والفضة: ما جرتْ عادتهن بلُبسه ولو كثر):
حكي الإجماع على هذا، ولو كان الذهب ذهبًا محلّقا، أي: على شكل حلقة.
وقال في الروض (كالطوقِ والخلخال والسوار والقُرط وما في المخانق والمقالد والتاج وما أشبه ذلك) لقوله صلى الله عليه سلم (أحلّ الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها).
وهل يجوز أن تتختم المرأة بالحديد أو النحاس؟ الصحيح من المذهب أنه مكروهٌ، وجاء في بعض الروايات أن خاتم الحديد حليةُ أهلِ النار، لكن الأظهر –والله أعلم- أنه لا بأس بلُبس خاتم الحديد والنحاس، والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين أنه قال للرجل (التمس ولو خاتمًا من حديد) وجاء عند النسائي – رحمه الله – أن رجلًا أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه، وكان في يده خاتم ذهب وجبة حرير فألقاهما ثم سلم عليه فرد السلام، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم: فماذا أتختم؟ قال: (حلقة من حديد أو صفر أو ورقوضعفه الشيخ الألباني.
قال المؤلف (ولا زكاةَ في حليّهما : المعدّ للاستعمال، أو العارية):
هذا قول جمهور الفقهاء، وهو المشهور عن خمسة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد جياد صحاح، وإن كان قد قيل عن ابن مسعود أنه كان يرى الوجوب، لكنه معارض بقول آخرين أنه لم يكن يرى الوجوب، وقيل: لا يثبت قوله بالوجوب.
وأما ما ورد في بعض الأحاديث، كحديث (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله صلى الله عليه و سلم وبنت لها في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال أتؤدين زكاة هذا قالت لا قال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار قال فخلعتهما فألقتهما إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت هما لله ولرسوله) والحديث الآخر (عن أم سلمة قالت كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول الله أكنز هو فقال « ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى فليس بكنز ».) وحديث عائشة (عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال دخلنا على عائشة زوج النبى -صلى الله عليه وسلم- فقالت دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرأى فى يدى فتخات من ورق فقال « ما هذا يا عائشة ». فقلت صنعتهن أتزين لك يا رسول الله.
قال « أتؤدين زكاتهن ». قلت لا أو ما شاء الله. قال « هو حسبك من النار ».).
فهذه الأدلة التي اعتمد عليها القائلون بوجوب زكاة الحلي، أما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجَ مسندًا ومرسلًا، وذكر المنذري أن الإرسال أولى بالصواب، وإن صح فإنه محمول على حرمة الذهب ابتداءً للنساء، وأما حديث أم سلمة ففيه علتان، وأما حديث عائشة رضي الله عنها فضعفه ابنُ حزم، وإن صحّ فقد ثبت أنها لم تكن ترى وجوب إخراج زكاة الحليّ، وقد كانت ترى وجوب الزكاة في أموال اليتامى!.
قد يقول قائل: لماذا أخرجتم هذا عن العموم؟ فالجواب: أنه قد انتقل عن معنى النقديّة، مثل الأثاث المستعمل فلا تجب فيه الزكاة، ومن أراد الاحتياط في الحلي فله ذلك.
وكذلك لا تجب الزكاة في العاريّة؛ لأنه خارج عن معنى الزكاة.
قال المؤلف (وإن أعدّ للكِرَى أو النفقة، أو كان محرما: ففيه زكاة):
الكرى: الإجارة، فلو أن امرأة كانت عندها آنية من الذهب، وهي محرمة، فتجبُ فيها الزكاة، وكذا لو كان معدا للنفقة فتجب فيه الزكاة إن كان قد بلغ النصاب، والمذهب أن النصاب من جهة الوزن، وإن كان الذهب معدا للتجارة فتجب الزكاة في قيمته، كعروض التجارة.
وأما الفلوس كالدينار الأردني والليرة السورية والجنيه المصري: فتُخرج الزكاة من أقل الأمرين، أي: نصاب الذهب ونصاب الفضة، أي: الأحظ للفقراء، والزكاة طهرٌ ونماء للمال، وهي يسيرة جداً في مقابل أصل المال المزكى، خاصة أنها نماء وصيانة له.
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-03-12, 06:52 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

وهذا الدرس الثالث والرابع على هيئة وورد.
وقد بلغ مجموع الدروس الأربعة ما يقرب عن خمس وعشرين صفحة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الملفات المرفقة
نوع الملف: doc الثالث والرابع من الزاد.doc‏ (84.0 كيلوبايت, المشاهدات 11)
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 14-03-12, 09:05 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

الدرس الخامس
بابُ زكاةِ العروض
العُروضبضم العين- جمع عَرْضبفتح فسكون- وهو ما يُعَدُّ للبيع والشراء لأجل الربح.
ويقصدون بذلك كل ما عدا الأثمان من الأموال المعدة للبيع أو الشراء، فلو كان عنده أنعام، أو مواد غذائية، أو عقار، أو سيارات، أو ثياب، أو أواني، أو أسهُم، أو أي مال عدا النقدين، معد للبيع والشراء فهي عروض تجارة.
مثال توضيحي: لو كان يملك محلاً لبيع المواد الغذائية فالزكاة واجبة في قيمة البضائع المتحركة المعدة للبيع –فلا تجب في ديكور المحل ولا الرفوف ولا الموازين ولا سيارات نقل البضائع-
فإذا حال الحول فعليه أن يجرد المحل ويقومها بسعر ذلك اليوم ويخرج الزكاة من قيمتها.
والعُروض من الأموال التي تجب فيها الزكاة، وقد غلط من نازع في وجوب الزكاة فيها، وقد حكى المجد ابن تيمية –جد شيخ الإسلام- في وجوبها إجماعاً قديماً، ومما يؤيد القول بالوجوب قول الله تعالى: (( يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ))، وقد صح عن السائب بن يزيد أنه كان يقوِّم خيله ويدفع صدقتها من أثمانها إلى عمر رضي الله عنه.
قال المؤلف (إذا ملكَها بفعلِهِ بنيّة التجارة، وبلغتْ قيمتُها نصابًا: زكى قيمتَها):
أي: إذا ملك العروض بفعله بمعاوضة خالصة كبيع أو إجارة، أو مَلَكها بمعاوضة غير خالصة كنكاح أو خلع، أو ملكها بغير معاوضة كهِبَة أو غنيمة أو اصطياد.. فإنه تجب عليه زكاة قيمة هذه العروض بشرطين:
الأول: أن ينوي بها التكسُّب –التجارة- عند التملك جازماً بذلك عازماً عليه.
الثاني: أن تبلغ قيمتها نصاباً من أحد النقدين: الذهب أو الفضة.
والمذهب أنه لا يجزئ إخراج الزكاة من أعيان العروض، بل لا بد من إخراجها من قِيَمِها؛ لأن القيمة هي محل الوجوب. والقول الأظهر –والله أعلم- جواز إخراجها من أعيان العروض إذا كانت مصلحةٌ راجحة.
وأما مقدار زكاتها فمثل زكاة النقدين: ربع العشر، وهو هنا: ربع عشر القيمة.
مثال ذلك: لو اشترى أرضاً بنية التجارة بأربعمائة ألف ريال، فلما حال الحول قوَّمها فإذا هي تساوي ثمانمائة ألف ريال، فتكون زكاتها: (ثمانمائة ألف "قسمة" أربعين= عشرون ألفاً).
قال المؤلف (فإن ملكها بإرث، أو بفعله بغير نيّة التجارة ثم نواها: لم تَصِرْ لها):
فإذا ملك العروض بغير فعله كأن تدخل إلى ملكه قهراً بإرث مثلاً فإنها لا تكون للتجارة حتى يبيعها ويحول الحول على ثمنها.
وكذلك لو ملكها بفعله ولكن بغير نية التجارة فلا تكون للتجارة؛ لأن الأصل في العروض أن لا تكون للتجارة.
فالمعتمد في المذهب أنه لو ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نوى بها التجارة فلا تصير للتجارة؛ لأن العبرة بالنية عند التملك، ومثله لو كان عنده عروض نواها للقُنْيَة ثم نواها للتجارة.
والمراد بالقنية: ادخارها لوقت الحاجة أو اتخاذها لزينة أو نحوها.
والقول الأظهر –والله أعلم- أنها تصير للتجارة بالنية مطلقاً؛ لأنه لو نوى القنية بعد أن ملكها بنية التجارة انقطع حكم التجارة وصارت للقنية، فينبغي أن يكون ذلك كذلك هنا.
قال المؤلف (وتقوّم عند الحول بالأحظّ للفقراء، من عينٍ أو أو ورِق):
فإذا تم حول العروض فإنها تقوَّم بما هو أنفع لمستحق الزكاة من ذهب أو فضة.
فلو حال الحول وقيمتها بالفضة نصابٌ ولكنها لم تبلغ نصاباً بالذهب فإننا نقومها بالفضة وجوباً ونخرج الزكاة.
قال المؤلف (ولا يُعتبرُ ما اشتُريَتْ به):
فلا يقوّمها بالذي اشتراها به من ذهب أو فضة، بل بما هو أنفع للمساكين كما تقدم.
قال المؤلف (وإن اشترى عرْضًا بنصابٍ من أثمانٍ أو عروضٍ: بنى على حوله):
أي: لو اشترى شيئاً مما يعَد للبيع والشراء بذهب يبلغ النصاب أو فضة تبلغه أو عروض أخرى تبلغ النصاب .. فإنه لا يستأنف حولاً جديداً بل يبني على حولها الأول.
وهذا مثل الذين يتاجرون في الذهب ثم في أثناء الحول يشترون به عروضاً كسيارات للبيع فهنا لا ينقطع الحول، بل تخرَج الزكاة إذا تم الحول ابتداء من ملكه للذهب بنية التجارة.
فمن أبدل نصاباً بآخر من جنسه أو ما يأخذ حكمه فإنه يبني ولا يستأنف حولاً جديداً.
أما لو كان من جنس آخر كما مثّل الماتن: (فإن اشتراهُ بسائمةٍ: لم يَبْنِ) أي: إن اشترى شيئاً مما يعَد للبيع والشراء بسائمةِ أنعامٍ فإنه يبتدئ حولاً جديداً، كأن يشتري بغنم سائمة ثياباً للتجارة فهنا ينقطع الحول.
بابُ زكاةِ الفطر
زكاة: نكرة، والفطر: معرفة، فاكتسبت النكرة التعريفَ بالإضافة، وهذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي: الزكاة التي سببها الفطر من رمضان، وحكمتها : طهرة للصائم من اللغو والرفث وطُعمة للمساكين؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: « فرضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر طُهْرَة للصائم من اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وطُعْمَة للمساكين ». رواه أبو داود وابن ماجه.
قال المؤلف (تجبُ على كل مسلم، فضَل له يومَ العيد وليلتَه = صاعٌ عن قوته، وقوتِ عياله، وحوائجه الأصلية):
زكاةُ الفطرِ واجبةٌ مفروضة عند جمهور العلماء، وقد قالَ ابنُ عمر: (فرض رسول الله صدقة الفطر صاعا من طعام على الحر والعبد والصغير والكبير والذكر والاُنثى من المسلمين).
قوله (على كل مسلم) أي: لا تجب على الكافر، ولو أداها ما أجزأته، وعوقب على تركها.
قوله (فضلَ له) أي : عنده زيادة عن قوتِه، وقوتِ عياله، فلو لم يكن عنده إلا ما يكفيه وعيالَه، فلا تجبُ عليه زكاةُ الفطرِ، ومقدارُها : (صاعٌ) من طعامٍ، أي: أربعة أمداد، والمُدُّ الواحد: رطل عراقي وثلث الرطل، والصاع بوحدات الحجوم المعاصرة: ما يسع –تقريباً- ثلاثة لترات ومائة مليلتراً من الماء الصالح للشرب، أي: 2كيلو وستمائة جرام تقريباً من الرز على الشخص الواحد، ويجوز أن تعطي صاعًا لجماعةٍ، أو عدة آصُع لفرد واحد.
وزاد عن (حوائجه الأصلية) مثل الثياب التي تُلبس، فلو كان عنده مال لا يكفيه إلا لحوائجه وحوائج من تلزمه نفقته فلا تجب عليه زكاة الفطر.
ولو كان الزائد بعض صاع لزمه أن يخرجه.
قال المؤلف: (ولا يمنعُها الدينُ إلا بطلبِه):
أي: الدَّينُ لا يمنعُ زكاةَ الفطرِ، ليس مثل الزكاة العادية، من أننا نخصم الدين الذي علينا من المال (إلا) أن يطلب المَدين من الدائن، وقضاءُ الحق الذي للعباد يقدَّم على الحق الذي لله تعالى، لأن الله جعل حقوق العباد مبنية على المُشاحَّة أما حقوق الله تعالى فمبنية على المسامحة.
قال المؤلف (فيُخرج عن نفسه ومسلمٍ يمونُه، ولو في شهرِ رمضان):
يمونه، أي: ينفق عليه، مثل الزوجة، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم: (أدوا صدقة الفطر عمن تمونون) وهو حديث ضعيف.
وهذا في النفقة الواجبة، (ولو) لم ينفق عليه إلا (في شهر رمضان) فقط كأن أقول: أنا أتبرع بنفقتك طيلة شهر رمضان، فيجب عليّ أن أخرِج عنك الزكاة، خلافاً الشافعية.
قال المؤلف (فإن عجز عن البعض فبنفسِه، فامرأته، فرقيقه، فأمّه، فأبيه، فولدِه، فأقرب في ميراثٍ):
لو كان لا يستطيع أن يخرج إلا صاعاً واحداً، فيخرجه عن نفسه، أما إن زاد شيء عنده بعد ذلك أخرجه عن امرأته، وهكذا على الترتيب المذكور.. وتقديم الأم هنا لأنها مقدمة على الأب في البِر، ثم الأقرب فالأقرب كما في الميراث.
قال المؤلف ( والعبد بين شركاء: عليهم صاعٌ):
لو كان عندنا عبد فيه ثلاثة شركاء، فيُخرج كل واحد ثلث صاع، ولو كان بين شريكين فيُخرج كلّ منهما نصف صاع، ولو عجز أحدهما عن ذلك فلا يلزم الآخر إلا قسطه.
قال المؤلف (ويُستحبُّ عن الجنين):
لأن عثمان رضي الله عنه أخرجها عن الجنين، كما في مصنف ابنِ أبي شيبة، وهذا الاستحباب بغروب الشمس من آخر أيام رمضان، أما لو ولد قبل الغروب وجب إخراج الفطرة عنه.
قال المؤلف (ولا تجبُ لناشزٍ):
المرأة الناشز التي تعالت على زوجها عصياناً في المعروف، فلا تجبُ لها النفقة، وعليه فلا يجب إخراج الزكاة عنها.
قال المؤلف (ومن لزمت غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه: أجزأت):
مثاله: امرأةٌ لا تريد أن يُخرج زوجها عنها، فيجوزُ ويجزئُ أن تخرج عن نفسها، حتى لو كان ذلك بغير إذنه؛ لأن الزكاة تجب عليها أصالة وإنما هو متحمِّل.
قال المؤلف (وتجبُ بغروب الشمس ليلة الفطر):
أي: أن وقت وجوب زكاة الفطر من رمضان هو غروب شمس آخر أيام رمضان.
قال المؤلف (فمن أسلمَ بعدَه، أو ملَك عبدًا، أو زوجةً، أو وُلدَ له ولدٌ: لم تلزمْه فطرتُه، وقبلَه: تلزم):
أي: لو غربت الشمس ليلة الفطر وهو كافرٌ فلا زكاةَ عليهِ، أما لو أسلم قبل الغروب فتجب عليه؛ لأنها غربت وهو مسلم من أهل الوجوب، وكذا لو ملك عبدا وزوجةً أو ولد له بعد الغروب فلا يلزمه إخراج زكاة الفطر عنهم، وأما قبله فيلزمه.
قال المؤلف (ويجوزُ إخراجُها قبلَ العيدِ بيومين فقط):
لقولِ ابن عمر –رضي الله عنهما- (كانوا يُعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) وهو في صحيح البخاري، وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم: أن إخراجها قبل العيد بأكثر من يومين لا يجزئ، ولو أخرجها يوم العيد قبل صلاة العيد فهو الأفضل.
قال المؤلف ( ويُكره في باقيه، ويقضيها بعدَ يومِها آثمًا):
أي: يكره تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد إلى ما قبل غروب شمس ذلك اليوم، وبعضُ المحققين يرى أنها لا تُقبل، بل هي بعد صلاة العيد صدقة من الصدقات؛ لقول ابن عباس: من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.
ويقضيها بعد يومِها، كمن أخرَ الزكاة فإنه يقضيها، ويأثم للتأخير لغير عذر.
ما حكمُ إخراجها مالًا؟
الجواب: جمهورُ الفقهاءِ أنها لا تُجزئ، وهو المذهب، وذهب بعضُ أهلِ العلم إلى أنه يجوز، وقول ثالث أنه إذا دعتِ الحاجة لذلك أجزأ، وهو قول له وجاهة وقوّة بل هو الأقرب إن شاء الله.
فصلٌ (في قدرِ الواجب ونوعه ومستحقه وما يتعلق بذلك):
قال المؤلف (ويجب صاعٌ من: برٍّ، أو شعيرٍ، أو دقيقهِما، أو سويقِهما، أو تمرٍ، أو زبيب، أو أقِط).
هذه الخمسة وردت في الأحاديث: البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط وهو لبن يجمد حتى يستحجر.
والسَّوِيق: بُر أو شعير يحمص ثم يُطحَن.
ويخرج زكاة السويق والدقيق بوزن الحَب ولا يكيله كيلاً؛ فلو كان وزن صاع البُر الحب قبل الطحن يعادل ثلاثة كيلو جرامات فمقدار زكاة سويق ذلك البر هو ثلاثة كيلو جرامات.
قال المؤلف (فإن عُدم الخمسة: أجزأ كل حبّ وثمَرٍ يُقتاتُ لا معيبٍ، ولا خبز):
فإن لم يجد الخمسة أجزأ أي حب وأي ثمرٍ يُقتات، ولا يجوز إخراج غير أحد الأصناف الخمسة إلا إذا عدم الجميع على الصحيح من المذهب، ويرى بعض المحققين أنها تُخرج من غالبِ قوتِ البلد.
قال المؤلف (ويجوز أن يُعطي الجماعةَ ما يلزمُ الواحد، وعكسُه):
يجوز أن يعطيَ الجماعة ما يلزم الواحد، أو الواحد ما يلزم الجماعة.


__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 14-03-12, 01:01 PM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

بابُ إخراجِ الزكاة
هذا الباب يبين فيه الفقهاء مسائل إخراج الزكاة، كمسألة تأخير الزكاة وحكم مانع الزكاة، وإخراج زكاة مال الصبي والمجنون، ونيّة الزكاة.
قال المؤلف (يجبُ على الفور معَ إمكانِه، إلا لضررٍ):
يعودُ الضمير في (يجب) على إخراج الزكاة، فيجب إخراج الزكاةِ على الفورِ إذا أمكنَ ذلك، إلا لضرورةٍ أي: لو أنّه خِيف أن يرجع الساعي على صاحبِ المال، ويأخذ منه الزكاة بعد أن أخرجها في وقتها مرةً أخرى، فيؤخر الزكاة إلى مَقْدَمِ الساعي، وجوّزوا تأخير إخراج الزكاةَ زمنًا يسيرًا للحاجة، كما لو كانَ له قريبٌ غابَ عنه، ويريد أن يعطيه الزكاة، والمراد الأقارب الذين يجوز لهم إعطاء الزكاة، لا الأصول والفروع.
قال المؤلف (فإن منعَها: جحدًا لوجوبا كفرَ عارفٌ بالحُكْمِ، وأخِذَت، وقُتِلَ):
ننظرُ في مانعِ الزكاة، فإن جحدَ وجوبَها جاهلًا بالحكمِ ننظر: هل يُتصوّر من مثله الجهل؟ كمن نشأ ببادية بعيدةٍ عن طلبة العلم، فيُعلّم ولا يحكم بكفره ابتداءً إلا إن أصرَّ بعد تعليمه، وكذا لو كان حديثَ عهدٍ بإسلام، أما من عدا هذين في مثل هذه المسائل فإنهم يكفرُون بذلك، لأنهم مكذّبون للهِ تعالى ولرسولِه صلى الله عليه وسلم بجحدهم وجوبها، وهو أمرٌ معلومٌ من الدينِ بالضرورة.
(وأخذت) أي: تؤخذُ منه الزكاة، ويستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قُتِل ردة، لا حداً؛ لأنه ارتدّ بتكذيبه للهِ ورسوله، وأما إن منعها بخلاً أو تهاوناً فلا يكفر على القول الراجح ولكنا نأخذُ منهُ الزكاةَ قهرًا، ونعزِّرُه.
سؤال: هل هناك عقوبة تُفرض عليه؟
الجواب: قال بعضُ الفقهاء = يؤخذ شطرُ مالِه عقوبةً له، وجمهور العلماء أنه لا يُؤخذ شطرُ مالِه، فماذا عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا) رواهُ أحمد وأبو داود والنسائي، وهو حديث حسن؟
أجابوا بأن الحديثَ لم يصحّ، ومنهم من قال بنسخِ الحديث وأن الأمر كان أولاً بالمعاقبة في الأموال، ومنهم من أوَّل الحديث، هذه إشارة إلى أقوالِ أهلِ العلم.
سؤال: ما معنى التعزير؟
الجواب: العقوبة، يعني يؤدبُه الإمام، وهل يُمكن أن يكون التعزير بالقتال؟ نعم، لو غَيَّب المال أو قَاتَلَ دون أخذ الزكاة منه أو لم يمكن أخذه إلا بالقتال فإنه يقاتَل، ولكن لا يعني هذا القتال أنه كافر، وإنما كان قتله في هذه الصورة حداً إن لم يتب ويخرجها.
قال المؤلف (وتجبُ في مالِ صبيّ ومجنونٍ، فيُخرجهما وليّه):
لم يُشترط العقل والبلوغ؛ لأنّ الزكاةَ متعلقةٌ بالأموال، وقد جاء عن بعضِ الصحابةِ -رضي الله عنهم- إخراج الزكاة من أموال اليتامى، وهو قول الجمهور، وهو الحق إن شاء الله.
قال المؤلف (ولا يجوز إخراجها إلا بنية، والأفضل أن يفرّقها بنفسِه، ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد):
قال في الروض: (ولا يجوز إخراجها إلا بنية من مكلف) وسبب هذا القيد أنّ المال قد يكون للمجنون، فأي نيّة تُعتبر من مثله؟!
والأفضل أن يسلّمها صاحب المال لمستحقها من الأصنافِ الثمانية أهلِ الزكاة، ويجوز أن يدفعَها إلى الساعي، الذي نصبه إمامُ المسلمين جامعًا للزكاة، ويقولُ مخرِجُ الزكاةِ والمُعطى من أهل الزكاة، ما ورد وهو: (اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا) وهذا جاءَ في حديثٍ عند ابنِ ماجه –رحمه الله- من حديث أبي هريرة رضي الله مرفوعًا، لكن الحديثَ ضعيفٌ، ويقول آخذها: (آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا).
بعضُ أهلِ العلم قالوا بدل المذكور: (اللهم صلّ على فلانٍ) لكن لا على صورةِ الالتزام ولا اعتقاد ...، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أناس بالصدقات يقول (اللهم صلّ على آل فلان).
قال المؤلف (والأفضل إخراجُ زكاة كلّ مالٍ في فقراءِ بلدِه):
المصنّف ذكر أن الأفضل تفريق المال بنفسه، ولك أن تعطيها الساعي، ولك أن توكل بها غيرك إن كان ثقةً مسلمًا، وهل يجوز أن أعطي زكاة مالي للكافر؟ لا يُعطاها ليوزعها ولا يُؤتمن عليها، ومثله في الحكم من كان مسلمًا غير ثقة.
قال المؤلف (والأفضل إخراجُ زكاة كلّ مالٍ في فقراءِ بلدِه، ولا يجوزُ نقلها إلى ما تُقصر فيه الصلاة، فإن فعل أجزأت، إلا أن يكون في بلدٍ لا فقراءَ فيه، فيفرقها في أقربِ البلاد إليه فإن كان في بلدٍ ومالُه في آخر: أخرجَ زكاةَ المالِ في بلدِه، وفطرتُه في بلدٍ هو فيه):
استدلوا بحديثِ معاذ بن جبل رضي الله عنه (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ الله قد افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم وتُردّ على فقرائهم) فقوله: (فقرائهم) يدل على أفضيلة إخراج المال لفقراء البلد، وحدودُ البلدِ : أن يكونَ فيها، أو دونَ مسافةِ القصر، وهي ستة عشر فرسخًا، حوالي (81) كيلو متراً.
ولا يجوز نقلها إلى ما تُقصر فيه الصلاة، فالأفضل أن توزع في فقراء البلد، ويجوز إخراجها إلى ما دون مسافة القصر، ولا يجوز نقلها إلى أبعد من مسافة القصر، هذا هو المذهب.
ولو نقلَها إلى أبعد هل تجزئه؟ تجزئُه كما قال المصنف، مع الإثم! والقول الراجح: جوازُ نقلِ الزكاةِ إن كان هناكَ مصلحة راجحة، كما لو كان في أرض العراق –لا قدَّر الله- مجاعة، فإنه يجوز نقل زكاة أهل اليمن إليها ولا إثم في ذلك، بل قد يكون أفضل في بعض الأحوال، ونصّ عليه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية –رحمه الله-.
قال (إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرِّقها في أقرب البلاد إليه ) فلو كان في بلد لا فقراء فيه جاز النقل للأقرب فالأقرب من البلدان.
وقد يحتاج لينقلَ الزكاة في هذه الحال إلى دفع أجرة نقلها، فهل يُخرج أجرة النقل من مال زكاتِه، أم يجب عليه إخراجها من غير مال الزكاة؟ الجواب أنه هنا يُخرجها من غير مال الزكاة وجوباً.
وقوله (فإن كان في بلدٍ ومالُه في آخر: أخرجَ زكاةَ المالِ في بلدِه، وفطرتُه في بلدٍ هو فيه):
أي: أخرج زكاة المال في بلدِ المال، لا بلدِه هو، كما لو كان زيد في مكة، ومالُه في الشام، فإنه يخرجُ الزكاة في بلد المال، في الشام؛ لأن المعوزين الذين يرون المال كالمواشي والأراضي تكون نفوسهم متعلقةٌ به؛ ولأن سبب الزكاة المالُ، فيجبُ إخراج الزكاة في المكانِ الذي وُجد فيه السبب.
ويُخرجُ زكاةَ الفطر في المكان الذي غربت عليه وهو فيه آخر أيامِ رمضان، والقول الصحيح: جواز تفريقها في بلد آخر لمصلحة راجحة.
قال المؤلف (ويجوزُ تعجيلُ الزكاةِ لحولينِ فأقل، ولا يُستحب):
تعجل النبي صلى الله عليه وسلم من عمّه العبّاس زكاة حولين، فلو كان عندك مال يفي لزكاة سنتين قادمتين جاز أن تخرجها دفعة واحدة، ولا يجوز تعجيل إخراج زكاة ما زاد على سنتين، كما لا يجوز تعجيلُ الزكاة إلا إن كمُل النصاب، لأنه لا بد أن يوجد السبب (كمال النصاب).
مثال: ما سبب دفع الدية؟ القتل، هل يجوز دفع الدية قبل القتل؟ لا.
قال في الروض (وإن تم الحول والنصابُ ناقص قدْرَ ما عجّله، صحّ وأجزأه) أي: لو تمّ الحول، والنصاب نقص بقدْر ما هو دفعه معجلًا، فهذا مجزئ.
مثال: لو كان عندنا (199) شاة، فعجّل شاتين عن (199) شاة قبل الحول زكاةً ، ثم جاء نتاج سخلتين، فصار العدد (199) شاة، وسخلتين؛ ليصبح العدد (201) شاةً، فكم تخرج من الزكاة؟ الجواب: ثلاث، وهو قد أخرج اثنتين، فيلزمُه أن يُخرجَ واحدة.
مثال آخر: لو كان يظن أنّ ماله (1000)دينار. فأخرج الزكاة، ثم تبيّن له أنّ مالَه (500)دينار. فما الحكم؟ أجزأه ما قدّمه عن سنتين.
ولو زادت كميّة المال، فننظر هل حال الحول أم لا، ولا يُستحبّ تعجيلُ الزكاة على المذهب، والراجح: استحبابه إذا وجدت مصلحة راجحة.
بابُ أهلِ الزكاة
هذا الباب لبيان من يدفع إليهم الزكاة، وقدر ما يُعطى أهلُ الزكاة؛ ليحرص المزكّي على دفع ماله إلى من يجزئ الدفع إليه، وأصلُ الباب قول الله تعالى: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم)).
قال المؤلف (ثمانيةٌ: الفقراءُ وهم من لا يجدون شيئًا، أو يجدون بعضَ الكفاية):
قال المؤلف (والمساكين: يجدون أكثرَها، أو نصفَها):
هذان الصنفان من أهل الزكاة، والفرق بينهما: أن الفقير لا يجد نصف الكفاية، وأما المسكين: فيجد النصف فأكثر لكن لا يجد تمام الكفاية، هذا التفريق عند الحنابلة وعند الشافعية رحمهم الله.
مثلًا لو كان يكفيه أربعة آلاف جنيه، ودخلُه ألفا جنيه، فهذا مسكينٌ.
مثلًا لو كان يكفيه أربعة آلاف جنيه، ودخله ثمانمائة جنيه، فهذا فقيرٌ.
والدليل قوله تعالى (كانت لمساكين يعلمون في البحر) فكانوا يعملون، ولهم سفينة، مما يدل على أن الفقير أشد حاجة، ومن ذلك هنا أن الله بدأ به، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم.
وينبه أهلُ العلم على أن الفقير والمسكين إذا اجتمعَا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ فإذا ورد لفظ الفقراء وحده شمل الفقراء والمساكين، وكذلك لو ورد لفظ المساكين وحده، وأما إذا اجتمعا في نص واحد فلكل واحد منهما معناه الخاص.
قال تعالى في كفارة اليمين: ((فكفارته إطعام عشرة مساكين)) فلو أعطاها لفقراء أجزأت.
قال المؤلف (والعاملون عليها: وهم جباتُها وحفّاظُها):
العاملون عليها: هم جباتهُا وحفّاظُها، مَن يبعثهم الإمام ليأخذوا الزكاةَ من أموالِ النّاس، ويشترط أن يكون العامل عليها مسلمًا، مكلّفًا، واشترطوا أن تحصل به الكفاية في عمله، وأن يكون قادرًا. ويعطَى العامل قدر أُجرته فقط، وإذا رتبت لهم الدولة الرواتب لم يحل لهم أخذ شيء من الزكاة على هذا المعنى.
قال المؤلف (الرابع: المؤلفة قلوبُهم: ممن يرجى إسلامه، أو كفّ شرّه، أو يُرجى بعطيّته قوةُ إيمانِه):
المؤلفة قلوبهم: وهو الكافر المرجو إسلامه، أو كفّ شره عن المسلمين، أو المرجو أن يقوى إيمانه فيكون في ذلك نفعٌ للمسلمين؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطى عُيينة بن بدر والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس من غنائم حنين كما في صحيح مسلم.
ويُعطى ما يحصلُ به تأليفه دون زيادة، ولهذا فإن عمرَ وعلياً رضي الله عنهما تركا إعطاء المؤلفة قلوبهم؛ لا لأنهم ليسوا من أهل الزكاة، ولكن لعدم الحاجة في زمانهم إلى تألف أحد.
قال المؤلف (الخامسُ: الرقاب، وهم المكاتبون، ويفكُّ منها: الأسير المسلم):
قال تعالى فيهم: (وفي الرقابِ)، وقال في الفقراء: (للفقراء) باللام؛ لأنه يختص بحكم يختلف كما سبق، لأن الفقراء والمساكين يملَّكون المالَ الزكوي، فنعطيهم على وجهِ التمليك، وهم يتصرفون فيه على الوجه الذي يرتضونه.
والرقاب: المكاتَبون، والمكاتَب هو العبد الذي اتفق مع سيّده أن يسدد له المال نجوماً –أقساطاً- حتى يوفيه فيصير حرًّا.
وهنا جاء التعبير القرآني بـ (في): ((وفي الرقاب)) أي أنا نعطيه من الزكاة بقدر ما تفك رقبته ولا نزيد.
مثلًا: اتفق مع سيّده أن يدفع له سبعين ألفًا؛ ليكون حرًّا، فجاءنا أحدُ التجّارِ الكبار، وسأل : كم سددت من الدين؟ قال: عشرة آلاف، وبقي ستون ألفًا، فجاء التاجر وأعطاهُ مائة ألف، فإن هذا ليس بصوابٍ، بل نُعطيه بقدرِ ما تفَكّ به رقبتُه.
وكذلك لو كان (أسير مسلم) عند الكفار، فيجوزُ أن نُعطيَه من مال الزكاةِ لفك أسره، هذا هو قولِ الحنابلة، وقال به شيخُ الإسلامِ وبعضُ المالكية.
وكذلك يجوز شراء رقبة –غير عبده ومكاتبه هو- بمال الزكاة فيعتقها.
قال المؤلف (السادس: الغارم لإصلاحِ ذاتِ اليدين، ولو مع غنىً، أو لنفسِه مع الفقر):
إذًا نوعان:
الأول: الغارم – وهو المَدِين – لإصلاح ذات البين، ولو مع غناه، كأن يكون زيدٌ قد تحمّل حمالة، فالتزم بمائة ألف دينار ليصلح بين قبيلتين، فيجوز أن يعطى من الزكاة بقدر ذلك ولو كان غنيًّا إلا لو دفعها من حر ماله فلا يعطَى بعدئذ.
الثانية: أما الغارمُ لنفسه فلا يُعطى إلا في حالة واحدة، وهي إذا كان من المساكين، فالتاجر قد يكون مَدينًا! نعم، ولكن لا نعطيه من الزكاة.
تنبيه: هذا الصنف يعطَى بقدر ما دُفِعَت الزكاة لأجله؛ لأنه معطوف على (( وفي الرقاب )).
قال المؤلف (السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة المتطوعة أي: لا ديوان لهم):
أما المجاهدون الذين لهم رواتب فلا يُعطَون من الزكاة، وأما المتطوع فإنه يُعطى بقدر ما يكفيه في غزوه ولو كان غنياً.
وهل يجوز إعطاء الزكاة لمن يريد حجّ الفريضة؟
الجواب: على مذهبِ الحنابلة يجوز إن كان فقيراً، حتى في العمرة المفروضة إن كان فقيرًا يجوز إعطاؤه من الزكاة، وهو خلاف قول الجمهور، واستدل الحنابلة بما رواه أبو داود لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم معقل، وفيه: (فإنّ الحجّ من سبيلِ الله) والآية (في سبيلِ الله) لكن هذا الحديث متكلمٌ فيه، والذي يظهر أن قول الجمهور هو الأولى بالأخذ، وقد قصروا "في سبيل الله" على الجهاد دون غيره من وجوه البر.
قال المؤلف (الثامن: ابنُ السبيل، المسافرُ المنقطعُ به).
أي: المنقطع بالسفر، كأن يكون غنيّا في بلده، وعندما سافر ضاع ماله أو سُرق ولا يمكنه أن يصل لماله الذي في بلده، فنعطيه من الزكاة بقدر ما يعودُ به إلى بلدِه، واشترطوا أن لا يكون سفره سفر معصية.
قال المؤلف (دون المنشئ للسفر من بلده):
هذا لا يسمى ابنَ سبيل، لأنه ما انقطع في سفره وإنما أراد الشروع فيه فلا يعطى من مال الزكاة.
قال المؤلف (ومن كان ذا عيالٍ: أخذّ ما يكفيهم، ويجوز صرفُها إلى صنفٍ واحد):
المسألة في تمام الكفاية ليست متعلقة بالشخص وحده، بل متعلقة بحاجة عياله الذين يعولهم أيضاً، ويجوز صرفُ الزكاةِ إلى شخصٍ واحدٍ.
تنبيه: أكثر ما يعطَاه هو ما يكفيه لسَنَة كاملة على المذهب.
قال المؤلف: (ويُسن : إلى أقاربِه الذين لا تلزمه مؤنتُهم):
أي: يسن صرفُ الزكاةِ إلى أقاربِه الذين لا يلزمه دفعُ النفقة إليهم، لكن إن احتاج والدك أو ولدُك فيجب أن تعطيَهم من نفقتك الخاصة، ولا تعطيهم من الزكاة، لأنك تتقي بذلك -إن دفعت لهم من الزكاة- أن تدفع لهم النفقة الواجبة.
فلو أعطى خالتَه وخالَه، وهما ممن لا تلزمه نفقتُهم، فيعطيهم من الزكاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (صدقتك على ذي القرابة صدقةٌ وصلة) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
(فصل)
قال المؤلف (ولا يُدفع إلى هاشمي، ومطلبي ومواليهما):
الهاشمي: المنسوبُ لهاشم.
وآل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عَقِيل وآل الحارث وآل أبي لهب كلهم هاشميّون، والنبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تحل الصدقة لنا آل محمد، فإنما هي أوساخُ النّاسِ) فلا تحلّ لهم الزكاة، وأما الصدقة فمختلف فيها عند العلماء، واستثنوا من أحوالهم ما لو كانوا من الغزاةِ أو الغارمين، أو المؤلفة قلوبهم فإنه يجوز لهم أن يأخذوا من الزكاة.
والمُطَّلبيُّون كذلك، وهذا القولُ محلّ خلافٍ داخل المذهب، فالشيخان – المجدُ والموفق ابنُ قدامة – يصحّحان أنها تجزئ في المطلبيين، وهو المجزوم به في (المنتهى) و(الإقناع) اللذَين يدور عليهم المعتمد في المذهب.
الهاشميون لا يعطون؛ لأنهم من نسل النبي صلى الله عليه وسلم.
والمطلبيون لا يعطون بحسب ما ذكر المصنف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرّكهم في الخُمُس.
والمعتمد في المذهب، وعليه الشيخان: أن بني المطلب يُعطوْن من الزكاةِ، وإنما شاركوا بني هاشم في الخُمُس، لا لمجرد قرابتِهم، بل لأنهم لم يفارقوا الهاشميين في جاهلية ولا إسلام.
والموالي: من أعتقهم الهاشميون أو المطلبيون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما موالي القومِ منهم)، ونقول هنا أيضًا: الأصح في المذهب أنّ موالي المطلب يُعطون من الزكاةِ، أما موالي الهاشميين فلا يُعطون.
قال المؤلف ( ولا إلى فقيرةٍ تحته غني منفق):
فلو كانت امرأة فقيرة، ولها زوجٌ غنيٌّ منفقٌ، ليس مانعًا لها من النفقة الواجبة، فلا تحل لها الزكاة.
قال المؤلف (ولا إلى فرعه وأصله، ولا إلى عبدٍ، وزوج):
الفرع: الولدُ وإن نزل، والأصل: الوالد وإن علا.
ولا تُعطى للعبد، ويَخرج منها (المكاتَب) وهو من جاء ذكره في قوله تعالى: (وفي الرقاب) وإن كان عاملًا للزكاة.
ولا تُعطي المرأةُ زكاتَها لزوجها، ولا يعطي الزوج زكاتَه لزوجتِه، وهذا هو المذهب وفاقاً للجمهور.
قال المؤلف (وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل، فبان أهلا أو بالعكس : لم يجزئه إلا غنيا ظنه فقيرا):
لو أعطى الزكاة لمن يظنه من الأصناف الثمانية، ثم بان أنه ليس من أهل الزكاة، فلا تجزئه الزكاة، وكذا لو أعطى الزكاة لمن يعلم أنه ليس من أهل الزكاة، فإنها لا تجزئه إلا في حالة واحدة،
وهي: إذا أعطاها لفقير، ثم بان أنه غنيٌّ، أجزأ.
وجاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلان جَلدان فقال (إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) فقد يعطيهما لما يبدو من حالهما، وقد يكون الباطن خلاف ذلك.
قال المؤلف (وصدقة التطوع مستحبة، وفي رمضان، وأوقات الحاجات أفضل):
وتحرمُ الصدقة بما يحتاجه عياله، والحث على صدقة التطوع كثير في كتاب الله وسنة رسوله، وهي من أفضل الأعمال، وفي الحديث (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار).
قوله (وفي رمضان) لأنه زمن فاضل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في شهر رمضان، وإذا كان هناك احتياج أكثر –كمجاعة- فدفع الصدقة المستحبة، فهذا أفضل.
قال المؤلف ( ويسن بالفاضل عن كفايته ومن يمونه، ويأثم بما ينقصها):
أي: وتسن الصدقة بما يزيد عن تمام كفاية الإنسان والنفقة التي يحتاجها هو والعِيال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول) وقد يعترض معترض، فيقول: إن الصديق تصدّق بكل مالِه؟ فالجواب: أن الصديق رضي الله عنه ربما كان يكفيهم بمكسبِه وعمل يده. والله أعلم.

انتهى (كتاب الزكاة) ونشرع في كتاب الصوم - إن شاء الله -.
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 18-04-12, 02:39 PM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

(كتاب الصيام)
الصومُ والصيام مصدران من الفعل (صام)، والمقصود بالصوم لغةً: الكف والإمساك، فمن امتنع عن شيء وكفّ عنه يسمى صائماً، ومنه قول مريم: ((إني نذرتُ للرحمن صومًا فلن أكلّم اليوم إنسيًّا))، ومنه قول النابغة:
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ ** ** تحت العجَاجِ وأخرى تعلُك اللُّجما
فالخيل إذا أمسكت عن العلف أو أمسكت عن الصهيل تسمى خيلاً صياماً.
وشرعًا: إمساكٌ مخصوصٌ من طلوعِ الفجر الصادق إلى غروبِ الشمس تعبّدًا لله تعالى.

والصيام عمل صالح له فضل عظيم، ومن ذلك ما جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: ( كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ). وذلك _والله أعلم_ لأن الصوم سر بين العبد وبين ربه، بخلاف بقية العبادات فإنها غالباً ما تظهر أمام الناس.

قال المؤلف: (يجبُ صوم رمضان: برؤية هلال):
يجبُ صومُ رمضان بأحد أمور:
(1) رؤية الهلال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيتِه).
(2) فإن لم يُر ففي ذلك تفصيلٌ بيانه:
قال المؤلف: (فإن لم يُر مع صحوِ ليلةِ الثلاثين: أصبحوا مفطرين):
أي: إن كانت السماء صافيةً لا غبار فيها ولا قتر، فهو يوم الشك المنهي عن الصوم فيه فعلينا أن نفطِر صبيحة الثلاثين ونكمل عدة شعبان ثلاثين، وأما إن كان هناك مانع:
قال المؤلف: (وإن حالَ دونَه غيمٌ أو قتَرٌ: فظاهرُ المذهبِ يجبُ صومُه):
وهذه من مفرداتِ الحنابلة، وهو مشهور المذهب، ودليلهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فإن غُمّ عليكم فاقدِروا له) أي: فضيّقوا عليه، كقول الله تعالى: ((فظنّ أن لن نقدِرَ عليه)) أي: لن نضيّق عليه ، وقوله تعالى: ((الله يبسط الرزق لمن يشاء ويَقْدِر))، وتضييق عدته بأن يُحسَب شعبان تسعة وعشرين يوماً ، وأيّدوه بأثر عن ابنٍ عمر رضي الله عنه، راوي الحديث، أنه كان يصوم، ويوم الشك عندهم ـ في المشهورـ هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحواً ، وهذه
المسألة جرت فيها المناظرات، وكتب فيها الحنابلة ورد عليهم أصحاب المذاهب الأخرى، والحق مع الجمهور؛ لأنه ثبت في لفظ: (فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّةَ شعبانَ ثلاثين) فيكون معنى (فاقدروا له): الحساب.
قال المؤلف: (وإن رُئِي نهارًا : فهو لليلةِ المقبلةِ):
أي: لا فرق إذا رُئِيَ الهلال قبل الزوال أو بعدَ الزوالِ ما دامت الرؤية في النهار فكلاهما يدل على أنه لليلةِ المقبلةِ التي ستأتي، لا الليلة الماضية التي يصبح المرء صائماً صبيحتها بقيام البينة بدخول الشهر، وعلى هذا فلا يصومون برؤيته أول الشهر ولا يفطرون بها آخر الشهر إذا كانت الرؤية نهارية.
أما بعدَ الزوال فمتفقٌ عليه بين العلماء أنه للمُقبِلة، والمذهب أن الذي رئي قبل الزوال كالذي رئي بعده في حكم واحد.
قال المؤلف: (وإن رآه أهلُ بلدٍ: لزمَ الناس كلهم الصوم):
إذا رآه أهلُ بلدٍ، فيجب على مَن في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها أن يصوموا، وهو قولُ الجمهور.
وذهبَ بعضُ أهل العلم كالشافعية والظاهرية وهو قول عند المالكية إلى أن المسألة تختلفُ باختلافِ المطالع، ويُنسب هذا القول خطئًا إلى شيخِ الإسلام ابنِ تيمية، وإن جاء ذِكره في " الاختيارات " لكن حين نراجع كلام ابن تيمية في شرح العمدة، ومجموع الفتاوى، وبقيةِ كتبه، نجدُ أنه لا يقولُ بقول الشافعية بل ظاهر كلامه مخالف لما ذكروه، فحكايته عنه محل نظر ويحتاج إلى تأمل.

وعلى المسلم أن يصوم بصوم أهل بلده ويفطر بفطرهم ولا يشذ عنهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الفطر يوم تفطرون والصوم يوم تصومون ).
قال المؤلف: (ويُصام برؤيةِ عدلٍ، ولو: أنثى):
الشافعية لا يقبلون رؤيةَ الأنثى، لأنه عندهم من قبيلِ الشهادة لا الإخبار، وهو قولٌ في مذهب الحنابلة، فلذا أشار إلى الخلافِ بقوله (لو)؛ والصحيح من مذهب الحنابلة أنه من قبيلِ الإخبار لا الشهادة، فيُقبَل قولها كما تُقبَل روايتها للأحاديث والأخبار.
واستدلوا على قبول رؤية الواحد بما جاء عن ابن عمر أنه قال: تراءى الناس الهلال فأخبرتُ النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه.
قال المؤلف: (فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين: يوما فلم يُر الهلال):
فإن صامَ الناس بشهادةِ واحدٍ ثلاثين يومًا، وبعد إتمام الثلاثين ما رُئي هلالُ شوّال، فإنهم لا يفطرون على المذهب؛ لأن شهادة الواحد قد تكونُ خطئًا، وفي الحقيقية أن هذا القول – وإن كان يعتمد على أصل – إلا أن فيه ضعفًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الشهر هكذا وهكذا وهكذا) أي ثلاثون، أو تسعة وعشرين.
قال المؤلف: (أو صاموا لأجلِ غيم: لم يَفطروا):
فإن أتممنا ثلاثين يومًا، ثم ما رئي الهلال، وصمنا اليوم الأول – احتياطاً - بسبب الغيم ثم أتممنا الثلاثين فإننا نصوم، فهم يحتاطون على القول بالتضييق في الشهر.
قال المؤلف: (ومن رأى وحدَه هلال رمضان وردّ قوله أو رأى هلال شوال صام):
فلو ذهب إلى القاضي وأخبره بأنه رأى الهلال فلم يأخذ القاضي بقوله لسبب أو لآخر، فإنه يصوم لنفسه.
قال المؤلف: (ويلزمُ الصومُ لكلّ: مسلم مكلف قادر):
فشروط وجوب الصوم أربعة:
الإسلام، والعقل، والبلوغ، والقدرة عليه.
فلا يلزم الكافر، وإن صام فلا يصح منه حتى يسلم، ولو صام المجنون ما صح صومه حتى يعقل، وأما لو صام الصغير فإن صومه يصح ويكون نفلاً؛ فلا يشترط لصحة الصومِ أن يكون بالغًا وإنما هو شرط وجوب فقط، وقد قالت الربيِّع رضي الله عنها (كنا نصوّم صبياننا فإذا جاعوا أعطيناهم اللعبة من العهن) حتى يكون مشغلا لهم عن تذكر الجوع، وللأسف أن نرى بعض بنات المسلمين تبلغ السابعة عشرة والثامنة عشرة ولا تعرف الصوم! ومن أبناء المسلمين أيضًا من يبلغ ولا يصوم، لأنهم لم يعوَّدوا على هذه العبادةِ منذُ الصغر.
قال المؤلف: (وإذا قامت البيّنة في أثناءِ النهار وجبَ الإمساكُ والقضاء على كلّ من ):
معنى إقامة البينة: لو أتممنا من شعبان تسعة وعشرين يوما، ثم لم نر الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فأفطرنا صبيحتها، فلما كان الضحى جاء الخبر بأن هذا اليوم هو أول يوم من رمضان، فمذهب الحنابلة: يجبُ الإمساك والقضاء؛ لحرمة الزمان، وحصل في هذه المسألة نزاع، وإن حكى بعضهم الإجماع، ودليلهم على وجوبِ الإمساك: أنه لما كان صوم يوم عاشوراء مفروضًا قبل فرض صيام رمضان، أرسلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- سلمةَ بن الأكوع ينادي في الناس (من كان صائما فليتم صومَه ومن أفطر فليُمسك بقية يومه فإن اليوم يوم عاشوراء) وأما القضاء فلا شك أنّه بحكم الوضع لم يصم يومًا، ولم يعرف في الشريعة صوم بعضِ يوم، فلزم القضاء لذلك، وهو الأرجح.
قال المؤلف: (صار في أثنائه أهلا لوجوبه):
البالغ، العاقل، المسلم، القادر.
قال المؤلف: (وكذا حائضٌ ونفساء طهُرتا ومسافرٌ قدِمَ مفطرًا ):
إذا طهرت الحائض أثناءَ الصوم، فيجب الإمساك والقضاء، هذا على المذهب وهو قولُ أبي حنيفة، أما قول مالكٍ والشافعي فلا يريان أن عليهما إمساكًا؛ لأنه جاء عن ابنِ مسعود رضي الله عنه أنه قال: (من أكلَ أول النهار فليأكلْ آخرَه).
والصحيح –إن شاء الله-: أنه لا يلزمهما الإمساك، أعني الحائض والنفساء، ولكل منهما أن تأكل، وقد يعترض معترض: بوجوب الإمساك حين قامت البينة أن هذا أول أيام رمضان، وهنا لم نوجب الصيام، والجواب أن ثمة فرقاً واضحاً بين الأمرين؛ ففي قصة عاشوراء كان المخاطب من أهل الوجوب في الوقت، بخلاف الحائض والنفساء، وإن كان الشافعية قد استحبوا الإمساك، ولعله كان للخروج من الخلاف.
وأما المسافر فإنَّ إفطاره كان لعذر، فزوال العذر زوال الرخصة، فعليه أن يمسك ويقضي على المذهب، والأظهر أنه لا يلزمه؛لأن من جاز له الفطر أول النهار جاز له استدامة ذلك.

فعلى المذهب يلزم الإمساك في حق ثلاثة أصناف من الناس:
الأول: من أصبح مفطراً يظنه من شعبان ثم قامت البينة بأنه من رمضان.
الثاني: من أفطر والصومُ لازم له ،كالمفطِر بغير عذر أو من لم يبيت النية من الليل أو أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً.
الثالث: من أبيح له الفطر أول اليوم ثم زال عذره أثناءه، كمريض يبرأ أو مسافر يقدم أو حائض تطهر أو صغير يبلغ.
والصواب أن الصنفين الأولين يلزمهما الإمساك وفاقاً للمذهب، والثالث لا يلزمه.

قال المؤلف (ومن أفطر لكبر أو مرض لا يُرجى بُرؤه : أطعمَ لكل يومٍ مسكينًا):
لقول ابن عباس في قوله تعالى (( وعلى الذين يطيقونه فدية أو طعام مسكين )): (ليست بمنسوخة إنها الشيخ الكبيرة والمرأة الكبيرة يطعمان كل يوم مسكينا) وقال الإمام مالك باستحباب الإطعام خلافاً للجمهور، والأخذ بقول ابن عباس في الإلزام بالإطعام أولى؛ فإنه لم يُعلَم له مخالف من الصحابة.
قال المؤلف : (وسن لمريض يضرُّه، ولمسافرٍ يقصر):
يجوز للمريض الفطر في نهارِ رمضان، وإن كان يتضرر ضررًا لا يصل الهلاك فيسن له الفطر، بل الحنابلة يرون أن الفطر أفضل من الصيام، لأن الله يحب أن تؤتى رُخَصه كما يكره أن تُؤتى معصيته، وإن كان المرض يتعبه قليلا إذا صام أو يزيد بسبب الصوم أو يتأخر الشفاء لو صام فالفطر في حقه أفضل.

__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 18-04-12, 02:58 PM
اابو عبدالرحمن النجدي اابو عبدالرحمن النجدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-10-09
المشاركات: 53
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

وفقك الله
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 18-04-12, 03:01 PM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

(الدرسُ الثاني)
اختلف العلماء أيهما أفضل: الصومُ أم الفطر في السفر؟ فعلى مذهب الحنابلة: الفطرُ أفضل، ومذهب الجمهور أنَّ الصوم أفضل، والراجح –والله أعلم- أن أفضلَهما أيسرُهما وأسهلهما على المرء، وقد قاله عمرُ بنُ عبد العزيز، وأما حديث " ليس من البر الصوم في السفر " فقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حالٍ خاصة يقاس عليها ما كان مثلها؛ فقد كان سبب ورود الحديث أن رجلاً غُشي عليه من الصوم وظُلِّل عليه، خاصةً أنه جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم في بعض أسفاره هو وعبد الله بن رواحة، وخيّر حمزةَ الأسلمي بين الصوم والإفطار: (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)، وقول أنس: (لا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) كل هذا يدل على أرجحية ما قررنا.
وأما مسألة صيام الحائض والنفساء فإنه لا يصح منهما صوم، وعليهما القضاء، ولو خرج الدمُ قبل الغروبِ بلحظة فسدَ صومُها، أما إن شعرت بعلامات قرب الحيض دون خروج الدم من القبُل، كشعورها بألمِ البطن ونحوه، فإن ذلك لا أثر له وصومها صحيح،وكذلك إذا طهرت قبل أن يطلع الفجر وجبَ عليها الصوم، حتى لو اغتسلت بعد أن طلعَ الفجر، كالجنُب إذا أصبح وعليه جنابة فإنه يصح صومه ولو اغتسل بعد الفجر.
الصنف الثالث: الحبلى والمرضع، والشافعية والحنابلة يجعلون عليهما أمرين إن خافت على ولدها : القضاء، والفدية. والقضاء فقط إن خافت على ولدهما، والقول الأصوب هو قولُ الحنفية أنه لا يجب عليهما إلا القضاء.
ثم ذكرنا الصنف الرابع ممن يباح لهم الفطر في نهار رمضان: المريض مرضاً لا يُرجى برؤه والشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، أي: من لا يطيق الصوم بسبب الكِبَر، فإنهم يطعمون وجوبًا عند الجمهور، واستحبابًا عند مالك، لقوله (وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين) لكن لا يجوز تقديم الفدية قبل شهر رمضان، لأن الكفارة لا تجوز قبل سببها، مثل كفارةِ اليمين، فهل يجوز أن يكفر قبل أن يحلف؟ لا يجوز.
كذلك صنف خامس: المجاهدون، فإن كان الفطر أعون لهم في الجهاد في سبيل الله، فإنهم يباح لهم الفطر، ونص عليه كثير من الحنابلة كشيخ الإسلام ابن تيمية.
(المفطرات)
للمفطرات أصولٌ ثلاثة:
فبعضهم يقول: دخول داخل، وخروج خارج، وجماع، وهذا الكلام لا يخلو من نظر، لكن ذكره بعض أهل العلم.
وبعضهم يقول: الأكل، والشرب، والجماع.
إذا أردنا أن نجملَ المفطّرات
فالأول: المتعلق بالأكل والشرب، وعند الحنابلة : إدخال أي شيء إلى الجوفِ من أي مكان وأي شيءٍ كان، سواء كان مغذياً أو غير مغذٍّ، مائعاً أو غير مائع، أيًا كان فهو مفطر، وأيَّ موضع دخلَ منه إلى الجوف فهو مفطر، من الفمِ أو من الجلدِ أو من الدبرِ أو غيره، هذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة، وعند الشافعية : دخول أي عين من منفذٍ مفتوح إلى الباطن هو المفطر، فلو دخل من الإحليل شيء إلى المثانة فإنه يفطر، فهم نظروا إلى موضعِ الدخول.
والفقهاء –رحمهم الله- اختلفوا فيما يكون في حكمِ الأكلِ والشرب، فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وكلوا واشربُوا حتى يتبيّن لكمُ الخيطُ الأبيض من الخيطِ الأسود من الفجر ثم أتمّوا الصيامَ إلى الليلِ)) فلو أدخل ورقة أو حجارة أو طيناً إلى جوفه ابتلاعًا فإنه يُفطر عند الجماهير، وبعضهم نقل الإجماع فيه، وإن نُقل الخلاف فيه شذوذًا عند المتقدمين، ونصره جمعٌ من المتأخرين.
مثلًا: الكحل، هو عند الحنابلةِ مفطرٌ إذا وجدَ طعمَه في حلقه، وإذا استعط في أنفه –وضع دواء في أنفه- فوصل إلى الجوف فهو مفطر، والحقنة الشرجية – الداخلة عن طريقِ الدبر – فالجمهور أنها تفطر؛ لأنها تصل إلى الجوف، ونازع ابنُ حزم وشيخ الإسلام في الحقنة الشرجية، وكأن بعض الناس يقول: إن الداخل عن طريق الدبر لا يهضم ولا ينتفع به البدن، والإمام ابن رشد يذكر أن بعض العلماء يقول: المقصود من الصوم أنها عبادة لا يُعقل معناها، فلا يقاس عليها شيءٌ، وأما من ذهب إلى أن المقصود منها التغذية فيُمكن أن يفرق بين داخل وآخر، فهذا من أسباب الخلاف في المفطرات.
ومن أسباب الخلاف أيضاً أنه جاء في حديث لقيط بن صبرة مرفوعًا (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) وهذا قد تمسك به الحنابلة، فالطعام والشرابُ المعتاد هل يكون من الأنف؟ لا، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة في الاستنشاق، والشافعية قالوا : إن الأنفَ مفتوحٌ، وكونه مفتوحا يجعله في حكم المنفذ المعتاد (الأنف) أما المنافذ الأخرى فمسام الجلد مثلاً قد اتفقوا أن للصائم أن يغتسل، وإلى اليوم نجد العلماءَ مختلفينَ في المناطِ، ولذا تجدون خلافًا في (بخاخ الربو).
فاختلف الفقهاء من حيث التكييف الحكمي، لكن إن قلنا : إنه عبارة عن ماء وهواء ودواء، فمن يتعمد إدخال ذلك عن طريق الحلق فإنه على طريقة الجمهور يفطر، وهو الراجح عندي، وبعضهم يقول: الداخل شيء قليل جدا، يشبه الذي يدخل الجوف من جراء المضمضة، وبينهما فارق، لأن المضمضة لم يقصد إدخال الماء إلى الجوف، وما يدخل من ذلك ليس مسؤولا عنه وهذا قدر استطاعته، بينما هذا يتعمد الإدخال، نعم هو معذور عند الحاجة إليه، لكنَّ المعذور إن أدخل شيئا لجوفه فإنه يعتبر مفطرًا.
وأما الذي يحتاج إليه على صورة دائمة مستمرة، فلا يمكن أن يقضي أبدًا، ولا يستطيع أن يؤجله، فنحكم عليه بأنه مريضٌ يرجى برؤه، وهذه حالة خاصة، فيطعم عن كل يوم مسكينا.
والحقن –الإبَر- على ثلاثة أنواع:
منها ما هي إبرٌ في الوريد، ومنها إبر في العضل، ومنها إبر تحت الجلد.
ومنها إبر مغذّية، فلو أن الإبر المغذية استعملها الصائم لاستغنى بها عن الأكل والشرب، فالأصل أن تلحق بالطعام والشراب، ومثلها الإبر الوريدية في شبهها بما يدخل من الدواء إلى الجوف، والآن يقرر بعضهم بأن الوريد قد أصبح منفذًا معتادًا للدواء، كما أن الفم منفذ معتاد للأكل والشرب، نعم الأمر فيه خلاف، وبعض المعاصرين يخطئ في بعض هذه المسائل فيقول: إن دخل الدواء إلى الجوف لا يفطر، لكن حكي إجماع السلف أن ما يدخل إلى الحلق من الدواء مفطر.

وهنا سؤال: هل تحقُّق كونه وصل الحلق يعتبر مفطراً؟ أم لا بد أن يجاوز الحلق ليعتبر مفطرًا؟
فيه خلاف، والمذهب الأول؛ لأن المظنة تنزل منزلة المئنة.

ومن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنهما أطعمه الله وسقاه " وهذا دليل على أن من أكل وشرب ناسيا يتم صومه، ولا قضاء عند جمهور الفقهاء، حتى لو كان في صوم نافلة لمكان النسيان.

ومن المفطرات (الجماع) وجاء في ذلك حديث الأعرابي، وهو (سلمة بن صخر) فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال (هلكت! قال ... ) هذا الحديث ورد فيه أن النبي صلى لله عليه وسلم أقر الأعرابي على أنه هلك لفعله ذلك في نهار رمضان، ولا شك أن الفطر في نهار رمضان كبيرة من كبائر الذنوب، فالنبي صلى الله عليه وسلم سأله عن قدرته على ثلاثة أمور، وهي كفارة الجماع في نهارِ رمضان، وجمهور الفقهاء أن الكفارة لا تقصَر على الجماع، بل كلّ وطءٍ في نهار رمضان حال الصيام عليه فيه كفارة.
واختلفوا : هل يدخل فعل قوم لوط ووطء البهيمة في ذلك ؟
الأكثرون أنه داخلٌ، أما لو جامع امرأته في صوم قضاءٍ واجب، فلا كفارة؛ لأن الكفارة متعلقة برمضان.
الإمام مالك يرى أن ذكر الكفارة في الجماع يشمل كل مفطر، والجمهور يقولون: الجماع أغلظ المفطرات، فالكفارة تلزم فيه بالنص ولا يقاس عليها غيرها للفارق، وهذا القول أظهر، على أن عليه أن يقضي عند الجمهور، وعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من هذه الكبيرة.
هل هذه الكفارة على الترتيب؟ أم على التخيير؟
الجمهور يرون أنها على الترتيب، وعند مالك أنها على التخيير، والقول الأظهر هو قول الجمهور.
هل الكفارة واجبة على الواطئ؟ أم على الواطئ والموطوء؟
ذهب الجمهور إلى أنها تجب عليهما إن كانا مختارين غير مكرهين، وهناك رواية في المذهب وهو قول الشافعية والظاهرية أنها على الواطئ دون الموطوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجلَ أن يكفّر ولم يأمرِ المرأة، لكن الجمهور أجابوا : ربما كانت المرأة معذورة كما لو كانت في نهار رمضان حائضًا، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالبيان للرجل ليُعلَم الشأن في المرأة، والأصل اشتراك الذكر والأنثى في الخطاب الشرعي ما لم يأتِ ما يخص.
وليس للمرأة في الصيام المفروض أن تطيع زوجها في هذا، وتدفعه بالأسهل فالأسهل ولا تمكنه من نفسها.
امرأةٌ أكرهت على الجماع، هل يجبُ عليها القضاء؟
الجواب: جمهور العلماء يجبُ عليها القضاء، إلا في قولٍ عند الشافعي، كمن أكره أن يدخل في فمه طعام فيجب القضاء.
هل الجماع ناسيًا يعذر به صاحبه؟
الجواب: اختلف الفقهاء، فمن قائل: لا يُتصور! بل هو خاص بالأكل والشرب، ومنهم من قال: ليس فيه كفارة قياسا على الأكل والشرب، أيضًا من المسائل:
ما حكم التقيؤ –وهو أن يعمد أن يخرج ما في بطنه من طعام أو شراب- متعمدًا؟ أو يشم رائحة كريهة عمدًا ليستقيء؟
فالجواب: عندنا حديث (من ذَرَعَه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمدا فليقضِ) والجمهور على أنه يفطر إذا غلبه القيء، وحجتهم هذا الحديث، وابن المنذر حكى الإجماعَ على هذا القول، لكن ثبت خلافه عن ابنِ عباسٍ أنه قال " الفطر مما دخلَ لا مما خرجَ " ويشكل عليه (الجماع) إذًا ليست قاعدة مضطردة، ومن المعاصرين من يقول بأن من أفطر عمدًا فإنه لا يقضي بل يتوب ويستغفر، وإن استقاءَ عمدًا أفطر، فما الفرق بينهما؟ فهذا الحديث إذاً من أدلة لزوم القضاء على المفطر عمداً. ومن المسائل:
إخراجُ المني عمدًا، هل هو مفطر؟
فالجواب: الجمهور يفطر سواء بمس أو بتقبيل أو تكرار نظر أو استمناء؛ لأن المقصود من الصيام " الكف والامتناع " أما لو احتلم حالَ نومه فإن صومَه لا يفسد باتفاقِ العلماء، وهنا نقطة فيها خلاف، هل لا بد أن يكون الإنزال بالمباشرة، أم يكون ولو بلا مباشرة.
اتفق الجمهور على أن الإنزال متعمدا بالمباشرة –كلمس وقبلة ووطء ما دون الفرج- مفطر، والخلاف شاذ.
وأما الإنزال بغير مباشرة – كتكرار نظر وتفكير فأنزل- فالحنابلة يقولون بفطره في تكرار النظر لا تكرير الفكر؛ لأن الأول لم يعذر فيه الشارع، والثاني عذره الشارع (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل وتتكلم) ولو أنه باشرَ وما أنزلَ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو مالكٌ لإربه.
أما المذي – وهو السائل الخارج بتفكير أو مداعبة – فذهب الحنابلة والمالكية أنه (غير مفطر) واختارهُ شيخ الإسلام، وبكل الأحوال قد أساء بالوصول إلى الإمذاء؛ لأنه مخالف لما عليه حال الصائم.
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 23-04-12, 11:19 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

الشرح في pdf جزى الله أخي محمد درويش خيرا
الملفات المرفقة
نوع الملف: pdf الشيخ+أبي...pdf‏ (206.6 كيلوبايت, المشاهدات 115)
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 23-04-12, 11:29 AM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 2,939
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

أحسنتم أخي المكرم.
هل يوجد الشرح لما قبل الزكاة؟
أرجو الإفادة، مع الشكر.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 23-04-12, 11:31 AM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

نعم، يوجد شرح كتاب الطهارة وشرح كتاب الصلاة.
http://www.mohakik.com/catplay.php?catsmktba=114
بورك فيكم
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 27-04-12, 08:42 PM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

(الدرسُ الثالث)
قال المؤلف (أطعمَ لكل يوم مسكينًا) مقدار الإطعام : نصفُ صاعٍ، والصاع: ما يملأ وعاء يسع ثلاثة لترات ومائة مليلتراً تقريباً من الماء، وهو قرابة 2600 جراماً من الأرز، فيكون نصف الصاع كيلو وثلثاً تقريباً من الأرز، ويرى بعض العلماء أنّه يخرج مدًّا واحدًا عن كل يوم.
وأما آية (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فقد فسرها حبرُ الأمة ابن عباس رضي الله عنهما بالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة يطعمان كل يوم مسكينا. وله أن يطعم عن كل يوم في يومه، أو أن يخرج في آخر الشهر عن كل أيام الشهر وهذا الأخير هو ما ورد من فعل أنس بن مالك رضي الله عنه.
قال المؤلف (ويسن لمريض يضرّه ولمسافر أن يقصر) ليس كل مريض يباح له الفطر، وليس كل سفر يحل له فيه القصر، وقدر السفر المباح له القصر فيه: ستة عشر فرسخا، أي: 83 كيلاً تقريباً لمن خرج من عمران قريته.
قال المؤلف (وإن نوى حاضر صومَ يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر) أي: نوى أن يصوم يوما من أيام رمضان، ثم سافر في أثناء النهار، فبعض أهل العلم لم يجيزوا له الفطر؛ لأن الله تعالى يقول: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) هذا ليس على سفر، والصحيح قولُ الحنابلة أنه يجوز له الفطر، وأما المتنفّل فهو أميرُ نفسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (المتطوع أمير نفسه).
ولا يجوز لمن يريد السفر أن يفطر إلا حين يجاوز عمران القرية التي هو مقيم بها، هذا قول جمهور الفقهاء.
قال المؤلف (وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفا على أنفسهما قضتاه فقط):
ليس المراد بالخوف الوهم، إنما يكون عن خبر طبيبٍ ثقة، أو يكون لتجرِبة سابقة لها، أو دلائل من الحال تدل أنها لو صامت تضررت بذلك، واعتُبر القضاء كما لو مرضت، ولو كانت المرضعُ ترضعُ ابنًا لغيرها فيجوز لها الفطر مطلقًا، وليس مقصود المصنف اقتصاره على الأم وحدها بل تدخل في ذلك كل مرضع.
وفي مذهب الحنابلة والشافعية أنها لو أفطرت حملا أو إرضاعا خوفا على ولديها فقط فتقضي وتطعِم، والقول الأرجح أنه ليس عليهما فدية، إنما عليهما القضاء فقط، لأنه لم يرد شيءٌ يعتضد به إسقاط القضاء، والأصل في الشرع قضاء دين الله تعالى لمن يقدر على الصوم (( فعدَّة من أيام أُخَر))، وأما ما ورد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما فقد جاء عنهما خلافه.

وإن حملت امرأة خمس مرات في خمس سنوات، فمتى تقضي؟
فالجواب : ليس في الأمر تضييق، وهذه الخمس سنوات لا تتجاوز مئة وخمسين يومًا، فتقضي بقدر ما تقدر عليه؛ فالسنة فيها - سوى رمضان- ثلاثمائة وثلاثون يوماً تقريباً، لو قدرت -بعد سني الحمل الخمس- في سنة على صيام ثمانين يوماً، وهذا يسير جداً في الغالب بواقع صيام يومين تقريباً في الأسبوع، فتكمل في السنة التي تليها ما بقي دون تضييق ولا فدية عليها في التأخير لمكان العذر.
قال المؤلف: (ومن نوى الصوم، ثم جُنّ، أو أغميَ عليه جميعَ النهارِ ولم يفقْ جزءًا منهُ: لم يصحَّ صومُه لا إن نام جميعَ النهار، ويلزمُ المغمى عليه القضاءُ فقط):
من لم يفق في النهار ولا لحظة لا يصح صومه، لأن ركن الصوم هو الإمساك، فمن أغمي عليه من قبل طلوع الفجر إلى ما بعد غروب الشمس، فلا صوم، وليس هو كالنائم فإنه لو كان نائما طيلة النهار من قبل طلوع الفجر إلى ما بعد غروب الشمس وقد نوى من ليلته صح صومه، ويلزمُ المغمى عليه القضاء فقط، أما إن أفاق ولو لحظة فإن صومَه صحيحٌ.
قال المؤلف: (ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب، لا نية الفريضة):
يجب أن يعين النية من كل يوم للصوم، وهذه النية محلها الزماني من بعد غروب الشمس إلى ما قبل طلوع الفجر، هذا هو قول الجمهور استنادًا لحديث عائشة وحفصة رضي الله عنهما (لا صيام لمن لم يجمع النية من الليل) واختلف في رفعه ووقفه، ومن أدلتهم : أن كل يوم عبادةٌ مستقلة، فكل يوم يحتاج إلى نية جديدة من الليل، هذا المعتمد عند الحنابلة.
قال المؤلف: (ويصحّ النفلُ بنيّة من النهارِ: قبل الزوالِ وبعدَه):
تصح النية قبل الزوالِ وبعدَه في النفل إن كان لم يأكل شيئًا، كما ثبت في الصحيح (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل عندكم شيء؟ قالوا: لا قال: فإني إذن صائم) ولا يفرق الحنابلة قبل الزوال وبعده، خلافا لجمع من الفقهاء في التفريق بينهما.
قال المؤلف: (ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي: لم يجزئه):
لو تبين أن هذا يوم من رمضان فلا يصح؛ لأنه تردد في النية ولا يصح التردد في العبادة، ويستدلُّون بحادثة جريج (أمي وصلاتي؟) فلو كان جريجٌ فقيهًا لأجابَ أمَّه؛ لأن صلاتَه قد بطلت بتردده، وهذا الاستدلال محلُّ نظر، ولذا فإن شيخ الإسلام يقول: إن هذا مجزئ في الصوم.
قال: ( ومن نوى الإفطار أفطر):
أي: لو قطع جازماً نية الصوم واعتبر نفسَه مفطرًا، ولو لم يكن عنده طعام أو شراب فهو مفطر؛ لأن الصوم إنما هو إمساكٌ بنيّة.
الدرس الرابع
قال المؤلف: (مفسدات الصوم) :
قال المؤلف: (أو حجَمَ) :
الفطر بسبب الحجامة أمر تعبدي عند الحنابلة لا يعقل معناه، ولا يقاس على الحجامة في المعتمد من المذهب شيء، وقاسَ عليها شيخ الإسلام لأنها معقولة المعنى عنده.
فالتبرع بالدمِ عند شيخ الإسلام مفطر لأنه إخراج للدم الكثير من البدن، ومثله غسيل الكُلى من هذه الحيثية، والغسيل مفطر من حيثية أخرى وهي كون جهاز الغسيل الذي يسحب الدم يُدخل إلى البدن أملاحاً ومواد أخرى تفيد البدن، والأظهر –والله أعلم- قولُ الجمهور أن الحجامة لا تفطِّر، ومن الأدلة: ما جاء عن رجل من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المواصلة والحجامة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه، قال النووي: إسنادُه على شرط البخاري ومسلم.
وكما عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجمَ وهو محرم واحتجم وهو صائم.
والتحليل القليل للدم هذا لا يفطر حتى عند شيخ الإسلام؛ لأنه ليس مثل الحجامة في المعنى.

قال (أو استمنى أو باشر فأمنى، أو أمذى أو كرر النظر فأنزل) وعند المذاهب الأربعة من قبّل أو لمس فأمنى فقد أفطر، ومن قبل ولم يُمن فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم، ولو أمذى ولم يُمنِ فعند الحنابلة والمالكية: مفطر، لأنه بلغ إلى حد يوجب الإفطار، وقياس المذي على المني ضعيف؛ لأن المذي ليس فيه انقضاء الشهوة، كما هو الحال في المني، وكذلك الردة فإنه يفسدُ صومه بها، بل يحبط بها كل عمل، وكذا من نوى نية الفطر.
قال المؤلف: (من أكل أو شرب):
قلنا: ولو ابتلع حصى، أو استَفَّ ترابًا، أو أكلَ ورقة.
قال المؤلف: (أو استعطَ):
السعوط: أن يدخل إلى أنفه دواء أو دهناً، فإن وصلَ إلى الحلق فإن ذلك مفطر، ومثله قطرة الأنف.
قال المؤلف: (أو احتقن):
الاحتقان يكون في الدبر، وكانت تُستخدم لمن يُصاب بـ " الإمساك" وليس المراد بالحقن هنا " الإبر ". والحقنة الشرجية مفطرة عند الأئمة الأربعة، خلافا لشيخ الإسلام وابن حزم الظاهري، وفي قولهما قوة من جهة النظر لأننا ننازع في كون الحقنة الشرجية تصل إلى الجوف، ومثل هذه المسائل مرجعها إلى الطب.

ومعجون الأسنان مثل الاستنشاق تُمنع منه المبالغة، وأما إن كان قليلا على ظاهر الأسنان فأرجو أن لا يكون به بأس.
قال المؤلف: (أو اكتحَل بما يصلُ إلى حلقهِ):
بعض أنواع الكحل يكون حادًا، فيجد طعما في حلقه، وهو مفطر عند أحمد ومالك خلافا للشافعية والحنفية.
قال المؤلف: (أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان – غيرَ إحليله-):
الإحليل: المكان الذي يخرج منه البول، فإن غيّب شيئًا في إحليله فلا يفطر عند الجمهور خلافا للشافعية، والإبر إن كانت مغذية حكمها حكم الأكل والشرب على الأظهر، وإن لم تكن مغذية كالإبر الوريدية فالقول بأنها تفطر قول قوي من حيث النظر.
قال المؤلف: (أو استقاء):
أي: تعمد أن يخرج القيء، كأن يشم رائحة كريهة مريداً إفراغ ما في جوفه أو يضع أصبعه في حلقه مريداً ذلك، وقد سبق الكلام على هذا.
قال المؤلف: (أو استمنى ...):
وهذا بإجماعِ أهل العلم إن كان عن مباشرة، وإن خالف بعض المتأخرين فذكر أن من لمسَ أو قبّل فأمنى فإنه لا يَفطر، وتجوز المباشرة فيما دون الفرج لمن يأمن الإنزال، أما من لا يأمنه فيحرم عليه، ومن وصل إلى حد الإمذاء وهو يباشر فقد أساءَ ولا شيء عليه، وإن كان الحنابلة والمالكية يقولون بفطره.
قال المؤلف: (عامدا ذاكرا لصومه: فسد لا ناسيا أو مكرها) :
لحديث أبي هريرة مرفوعا (من نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وكذلك (الإكراه) فلو أنّ مغمى عليه –مثلاً- كان صائمًا أول النهار وجاء بعض الناس فوضع في فمه الدواء، فإن صومَه لا يفسُد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
قال المؤلف: (أو طار إلى حلقه ذبابٌ، أو غبارٌ):
فهذا لا يفطر؛ لأنه مغلوب على أمره، فأشبهَ النائم.
قال المؤلف: (أو فكّر فأنزل أو احتلم):
فلا يفطر؛ لأن الله تجاوز عن هذه الأمة ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم، والتفكير أقل من تكرارِ النظر فلا يأخذ حكمه.
قال المؤلف: (أو أصبح في فيه طعام فلفظه):
كما لو أصبح بعد الفجر وفي فمه طعام، فلفظَه وألقاه فإنه لا يفطر.
قال المؤلف: (أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر أو زاد على الثلاث أو بالغ فدخل الماء حلقه: لم يفسد):
خلافا للشافعية، فإنه عند الحنابلة لو بالغ فسبق الماءُ إلى حلقه فإن صومه لا يفسُد لعدمِ القصد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).
قال المؤلف: (ومن أكل شاكّا في طلوع الفجر : صحّ صومه):
فلو أكل وهو شاك في طلوع الفجر ثم تبيّن أن الفجر قد طلع فلا يفسد صومه، لكن إن أكل شاكًا في غروب الشمس فإنه يفطر ويقضي هذا اليوم، هذه مسألة.
والمسألة الثانية: إنْ أكلَ معتقدا أنه ليل فبان نهارا فإنه يفطر؛ لأن الأصل بقاء النهار، والمفترض أن ينتظر حتى يتيقن أو يغلب على ظنه (عند شيخ الإسلام طرد اعتبار غلبة الظن) ونصر شيخ الإسلام القول بأنه لا يقضي خلافا للأئمة الأربعة وقال به بعضُ السلف، والأظهر –والله أعلم- قول الجمهور.
مثال لبيان صورة المسألة: كان زيد نائما، ثم استيقظ وهجم على الطعام والشراب، فلما فرغ فإذا هي الساعة السابعة، أي أنه تبين له أنه أكل بعد طلوع الفجر، فقد تبيّن خطؤه، فعند الأئمة الأربعة: عليه القضاء.
مثال آخر: مؤذن أذن قبل غروب الشمس بربع ساعة، فسمعه رجل وتناولَ تمرةً، ثم علم أن المؤذن قد أذن قبل غروب الشمس بربع ساعة، فإنه يفطر عند الجمهور.
البخور والدخان : إن لم يتعمد الإنسان شمّه باستنشاق دخانه فلا بأس عليه وصومه صحيح.

انتهى التفريغ، والحمد لله.

__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 28-04-12, 10:19 AM
علي سلطان الجلابنة علي سلطان الجلابنة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-11-07
الدولة: الأردن
المشاركات: 1,588
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

جزى الله الشيخ والمفرغ خير الجزاء ....
__________________
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ... وأذل الشرك والمشركين
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 30-04-12, 06:50 PM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

آمين وإياكم
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 01-05-12, 01:22 AM
نبيل العمري نبيل العمري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-08-06
المشاركات: 362
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

جزيت خيرا وبارك الله سعيك .
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 03-07-12, 09:45 AM
ابن حبيب المديني ابن حبيب المديني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-10-09
المشاركات: 49
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

جهد مشكور وشرح موفق . . .
أليست هناك تكملة لشرح كتاب الصيام من هذا التفريغ؟
يرجى الإكمال لتعم الفائدة
بارك الله فيكم جميعاً

رد مع اقتباس
  #21  
قديم 03-07-12, 11:48 AM
ابو جودى المصرى ابو جودى المصرى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-10-09
المشاركات: 1,865
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 05-07-12, 07:10 AM
أبو العباس محمد الشريف أبو العباس محمد الشريف غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-05-12
المشاركات: 54
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

جزاك الله كل خير أخي الفاضل
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 05-07-12, 06:38 PM
أبو الهمام البرقاوي أبو الهمام البرقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-09
المشاركات: 6,214
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

كتاب الصيام مكتمل، وجزاكم الله خيرا جميعا
__________________
اللهم إني أسألك أن ترزقني :
" مكتبة عامرة "
HooMAAM#
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 09-09-12, 06:17 AM
ابن حبيب المديني ابن حبيب المديني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-10-09
المشاركات: 49
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الهمام البرقاوي مشاهدة المشاركة
كتاب الصيام مكتمل، وجزاكم الله خيرا جميعا
أخي الكريم
معذرة، لم أتبين اكتمال الشرح!!
حيث إن المعروض تفريغه هنا لم يأت على تمام كتاب الصيام كما هو ظاهر ؟!
إلا إن كنت تعني الشرح الصوتي
وسؤالي منصب على التفريغ
بارك الله فيك وحفظك
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 09-09-12, 06:36 AM
طويلبة علم حنبلية طويلبة علم حنبلية متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-06-09
الدولة: اللهم بارك لنا في شامنا !
المشاركات: 3,922
افتراضي رد: الشرح المختصر لـ / زاد المستقنع، لأبي بكر باجنيد (مفرغ)

جزاكم الله خيرا ..
__________________
لأستسهلنَّ الصّعبَ أو أدركَ المُنى ... فما انقادتِ الآمالُ إلّا لصابرِ ..
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
لأبي , مفرغ , المختصر , المستقنع، , الشرح , باجنيد , بكر , زاد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:11 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.