ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-03-12, 10:05 PM
أمين يوسف الأحمدي أمين يوسف الأحمدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-10-09
المشاركات: 234
افتراضي كلمات في المنهج: الفقه والورع

بسم الله الرحمن الرحيم
روى ابن سعد في الطبقات عن مورق العجلي قال: ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد (يقصد ابن سيرين)(1).
لقد قرأت هذا الأثر مرتين في حياتي، لم تستوقفني أولاهما بتاتا، اللهم إلا من جهة كونها منقبة لابن سيرين رحمه الله. وأما الثانية فقد جذبتني إليها اجتذابا من جهة جمع مورق رحمه الله بين هاتين الصفتين الجليلتين الجميلتين: وهما الفقه والورع. ولو اقتصر الأمر على الجمع بينهما كما يجمع بين الحلم والأناة، أو الصدق والصبر، أو غير ذلك من مثاني الأخلاق لكان الأمر على العادة من توافر السلف على الأخلاق الحميدة، ولكن مورقا رحمه الله جعل كل منقبة من المنقبتين مؤطرة للأخرى حاكمة عليها، فأنتج لنا وصفه رحمه الله مرتبتين من مراتب الإمامة لا يصل إليهما إلا الأفذاذ من أمثال محمد بن سيرين وطبقته: الفقه في الورع، والورع في الفقه.
ولا والله ما اجتهدت لكتابة هذا التعليق إلا بعد شعوري بمسيس الحاجة إلى أن ندعو الناس اليوم وأخص طلاب العلم منهم إلى الجمع بين الفقه والورع، وألا يصنع أحدهما إلا على عين من صاحبه.
فأول ذلك الفقه في الورع، إذ الورع خلق قائم على ترك ما اشتبه المرء في حله، وقد دلت النصوص الشرعية على فضيلة الورع ومزيته من جهة ما يدرأ المرء به عن نفسه من دخن الشبهة ويحميها من صائلة الشيطان الرجيم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة"(2) ، قال حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئا أهون من الورع، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (3). وقال عليه أفضل الصلاة والسلام:"الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام"(4) . ومن كرامة نفس المرء عليه أن يجتهد في أن لا يحل عليها ولا يحلها إلا على طيب، وذاك من طبع النفوس الزكية والفطر السوية، قال الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد)[سورة البقرة:267]، فأقام الله الحجة على عباده في الإنفاق من الطيبات واجتناب الخبائث بأن نفوس الخلق تعاف الخبيث كما تعافه أنفسهم، ولا تقربه إلا على مضض.
إذا علم هذا تقرر أن الورع إنما يحسن بعد العلم بالشبهة وظن وقوع الحرام ظنا راجحا، وأما الظن الضعيف والوهم العابر، فما ينبغي للمرء العاقل أن يركن إليه، ويتخذه أصلا في الامتناع عن كل ما يعرض له في دنياه من الأرزاق والقِسَم، وهذا عيب جهال أهل التصوف والزهد، وذلك أنه يخيل إليهم لقلة علمهم وغلبة الجهل عليهم أن الورع ترك كل عرض من الدنيا بحجة أنه ربما جرت عليه المعاملات المحرمة أو أنه التبس بممنوع أو بغير ذلك من الخيالات التي يتخيلونها فيما يمكن أن يكون قد طرأ عليه، وذلك من تكليفهم أنفسهم ما لم يكلفهم الله عز وجل من التنقيب عن أنساب المال وأربابه، وإنما الحكم في مثل هذه الأحوال بالظاهر.
وما زال جمهور المسلمين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس يتبايعون ويتهادون ويتواهبون ويتقارضون، ولا يرد بعضهم ذمة بعض إلا بالحجة البينة أو الخبر الصادق، وأما الأوهام والخيالات فهي من وساوس الشيطان وعوارضه ليحزن الذين آمنوا، فمن ركن إليها وحرم ما أحل الله له فبجهله وقلة علمه ركن، قال ابن الجوزي رحمة الله:"اعلم أن الباب الأعظم الذي منه مدخل إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، فأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة. وقد لبس على كثير من المتعبدين لقلة علمهم، لأن جمهورهم مشتغل بالتعبد ولم يحكِم العلم، وقد قال الربيع بن خثيم: تفقه ثم اعتزل"(5) . وعلى حذو مقولة الربيع يقال في هذا السياق: تفقه ثم تورع، فإن من خاض باب الورع من غير علم بما أحل الله وحرم، صار هواه مشرعا له من دون الله، ولم يدع له الشيطان طيبا إلا خيل له فيه عوارا، وصور له الأخذ به إثما وعاقبته بوارا.
وأما الصفة الثانية فهي الورع في الفقه، وذهابها آفة المتفقهة في كل زمان، فمن تفقه في أحكام الشرع وعلم منه المداخل والمخارج، وعرف أبواب التوسع وجهات الترخص، ربما اتبع في ذلك مسلك الهوى فاقتحم من الجوازات والرخص كل باب، ثم ساقه ذلك إلى التحايل على الشرع بتصوير الحرام بصورة الحلال، ومقارفة المشبهات باسم استصحاب الأصل في الإباحة، وغفل عن مراقبة علام الغيوب الذي لا تحجب عنه صورُ الأفعال حقائقَ النيات، وما أجمل صنيع الإمام البخاري إذ افتتح كتاب الحيل من صحيحه بحديث: "إنما الأعمال بالنيات". فالمتفقه من هذا الضرب إن لم يكن له في قلبه داع من ورع ووازع من تقوى، ركب من جامح هواه كل مركب وشرب من رنق مغواه كل أذيِّ مشرب، ولم يشعر بحاله إلا وهو يستمرئ الحرام باسم التيسير في الأحكام.
وكم حفظت صفحات التاريخ من خزي الأخبار عن أقوام وكلوا بالقضاء والأحكام بين عامة أهل الإسلام، فلما لم يكن لهم من الورع ملجم دون الحرمات، جعلوا ظواهر الأحكام الشرعية ومستقبح الترخصات الفقهية بابا إلى أموال اليتامى وحقوق الأيامى، فأكسبهم ذلك على صحائف الزمان خزيا وعارا، والله الموعد وهو حسب كل مظلوم، وكان إياس بن معاوية أخبر بحالهم، وأعلم بما قد يقدمون عليه من المحارم إذ أرسل إليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله في أول خلافته: أن دلني على قوم من القراء أُولِّهم، فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، القراء ضربان: ضرب يعملون للآخرة وأولئك لا يعملون لك، وضرب يعملون للدنيا فما بالك إن مكنتهم منها، ولكن عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأنسابهم(6).
والمقصود أن الأحكام الشرعية ما شرعت إلى لتكون أعون للقلب على عبادة الرب سبحانه وتعالى، فقد علم أن حركات الأبدان ترد الخواطر الشاغلة عن القلب المشتغل بالفكر في الله عز وجل عبودية ومحبة وتعظيما وخشية، ففكر القلب بالعبادة هو المقصد، وأحكام الظاهر وسائل إليه، قال ابن القيم-رحمه الله تعالى-: "ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها، علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، فعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت"(7) . إذا علم هذا لم يتصور المؤمن أن يكون حكم بدنه خاليا من سلطان قلبه، ولا أن تكون شهوات نفسه متفلتة عن ورع دينه. فإن كان-إلى ما يلزمه من الورع بعموم الإسلام- وجيها بين الناس بتصد للتعليم أو تصدر للفتوى أو معاناة للقضاء، لزمه من الورع ومجانبة دنيء المباح مما يقدح في المروءة ويغمز في المنزلة فوق ما يلزم سائر الناس لمكانه الذي تصدى له، وليعلم أن للصدور أحكاما وشروطا ليست للأعجاز، قال الإمام الليث بن سعد الفهمي رحمه الله: " رآني يحيى بن سعيد الأنصاري وقد فعلت شيئا من المباحات فقال: لا تفعل، فإنك إمام منظور إليك"(8) .
فحاصل الأمر أن المسلم لا يستقيم حاله على الهدي حتى يحصل فقها يدرأ به عن نفسه شبهات التورع البارد، وورعا يقي به دينه مهاوي الترخص الفاسد، فيكون قد ابتغى بين طرفي الأمور سبيلا قصدا وسوطا، لا ذاهبا شطوطا، ولا هابطا هبوطا، وذلك هو دين الله الذي ارتضى لعباده.
رزقنا الله فقها في الورع، وورعا في الفقه، وجنبنا وساوس الجاهلين وأهواء المخذولين، وثبتنا على صراطه السوي المستقيم والحمد لله رب العالمين.


الحواشي

(1) طبقات ابن سعد(9/192)، تاريخ بغداد للخطيب(3/287)، المعرفة والتاريخ للفسوي(2/56)، سير أعلام النبلاء(4/609).
(2) أخرجه الترمذي(2518) عن الحسن بن أبي طالب.
(3) علقه البخاري في أوائل كتاب البيوع من صحيحه.
(4) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير.
(5) تلبيس إبليس، ابن الجوزي، ص764.
(6) انظره بنحوه في البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي(1/69)، وينسب السؤال إلى غير عمر، الجواب إلى غير إياس.
(7) بدائع الفوائد، ابن قيم الجوزية، (3/1148).
(8) الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية، ابن حجر العسقلاني، ص05.
الملفات المرفقة
نوع الملف: rar الفقه والورع.rar‏ (18.6 كيلوبايت, المشاهدات 4)
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المنهج , الفقه , والورع , كلمات

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:16 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.