ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-03-12, 09:06 AM
أبومعاذ الاثري أبومعاذ الاثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 312
افتراضي صلاة الاستخارة وأحكامها مع تحقيق الأحاديث الواردة فيها للشيخ عدنان عرعور

صلاة الاستخارة









عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من سعادة المرء: استخارته ربه، ورضاه بما قدر، ومن شقاوة المرء تركه الاستخارة، وسخطه بعد القضاء )) ([1]).


بين يدي الاستخارة
يتعرض المرء في حياته لكثير من الأمور الغيبية النتائج، ويَقْدُم على أمور مجهولة العواقب.. لا يدري خيرها من شرها.. ولا نفعها من ضرها.
ويصاب بالتردد: أيقدم على هذه العمل.. أم لا.. ؟ أيخطب هذه الفتاة.. أم تلك.. ؟ أيشارك هذا الرجل أم ذاك.. ؟ أيطلق زوجته أم يبقيها عنده..؟ أيدرس هنا أم هناك..؟ أيسافر.. أم لا.. ؟.
ماذا يعمل..؟ وماذا يذر..؟ أين الخير..؟ يسأل القريب والبعيد.. والصغير والكبير.. والعالم والجاهل.. لعلهم ينصحونه.. وإلى الخير والصواب يرشدونه.
ويعيش حالة من الصراع الترددي.. والقلق النفسي.. وكثيرًا ما يصيبه الهم، ويغشاه الغم، فتشل حركته.. ويعطل تفكيره.. فلا يدري ماذا يفعل، ولا يدري ماذا يذر، حتى يقع أسير الخوف والتردد.. وسجين القلق والحيرة، وحبيس الغيب والمجهول.. لهذا كله شرع الله صلاة الاستخارة علاجاً لتردده.. وحلاً لمشكلته حتى ينقلب التردد ثباتاً، والهم فرجاً، والشك يقيناً، والقلق اطمئناناً.. لِمَ لا.. ؟ وقد استخار العبد ربه الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يضره وما ينفعه، وهو القادر على أن يصرف عنه كل سوء.. ويجلب له كل نفع.
{ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنـزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير } ([2]).
فحين تستقر هذه المعاني في نفس المستخير الصادق، يصبح مطمئن النفس، هادئ البال، لما سيكون من أمره.
{ قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء }([3]).
وحين يطمئن بهذا قلبه، يبيت راضياً بما قدر له، ولو كان ظاهر المقدر شراً، ووقع مخالفاً لرغبته، فالمرء لا يعلم حقيقة الأشياء كما يعلمها الله، ولا يدرك كنه الأمور على ما أرادها الله، ولا يعقل تأويل الحوادث وحقيقة نتائجها.
قال تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ([4]) وقال { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا } ([5]).
وها هنا تظهر حقيقة الايمان بأن الله لا يُقدِّر للعبد المؤمن إلا الخير ولا يريد له إلا الخير.
فحري بالمرء العاقل أن يسارع إلى استخارة ربه، وأن لا يغادر أمراً إلا بعد سؤال خالقه.

كيف تكون الاستخارة الشرعية ؟
أو كيف يستخير العبد ربه ؟
لما كان العبد ضعيفاً في تصوره، جهولاً في غيبه، متردداً في تصرفاته، شرع الله له إذا عَرض له عارض، أو عُرض عليه عمل، أو همَّ بأمر أن يستخير ربه ويشاور فيه خالقه، فهو سبحانه أعلم بحقائق الأمور ونتائجها، ونافعها من ضارها، وخيرها من شرها، في الدنيا والآخرة، وهو أعلم بالغيب.
{ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين }[ الأنعام 59 ]سبحانه هو العليم بما يصلح العباد، وهو الخبير بما ينفع البلاد، وهو اللطيف الخبير..وهو على كل شيء قدير {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}[ الملك 14]
اعلم - رحمني الله وإياك - أن العبد إذا همَّ بأمر، أو عزم على مسألة، أو خطر بباله قضية فأحب فعلها، أو عُرض عليه عمل، فعليه أن يستخير ربه، قبل البدء به وذلك على النحو التالي:
أولاً: أن يأتي بشروط صلاة النافلة، وهي شروط الصلاة ما عدا دخول الوقت.
ثانياً: يصلي ركعتين نافلة، بنية الاستخارة، ولا يتلفظ بشيء غير التكبير، لأن النية محلها القلب، والتلفظ فيها أمر محدث، لم يفعله رسول الله rولا صحابته، ولا أحد من الأئمة المعتبرين.
ثم يقبل على الله تعالى بقلبه - في صلاته - خاشعاً، متضرعاً.
ثالثاً: يدعو بدعاء الاستخارة، وذلك بعد الانتهاء من الصلاة، وهو: (( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ ثم يسميه ] ([6])خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، عاجله وآجله، ([7]) فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه.
وإن كنت تعلم أن هذا الأمر [ يذكر الأمر ويسميه ] شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، عاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به )).
رابعاً: يجب أن تكون ثقته بالله كبيرة، وتوكله عليه صادقاً، موقنًا بالهداية، منتظرًا الإجابة، غير مستعجل لها.
خامساً: أن يكون متجنبًا موانع استجابة الدعاء جميعها.

هل لكم أن تضربوا مثلاً في صفة الدعاء كيف تكون ؟
نضرب مثلاً لرجل أراد أن يخطب فتاة..
يصلي ركعتين، بنية الاستخارة، ثم يدعو بهذا الدعاء:
(( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم: أن زواجي من فلانة بنت فلان، خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري عاجله وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه.
وإن كنت تعلم أن زواجي من فلانة بنت فلان، شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري عاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به )).

ما الدليل عليها ؟
لا يحل لمسلم أن يفعل أي عبادة كانت، مهما صغرت في عينه أو كبرت، وظن أن بها خيرًا، إلا أن تكون تلك العبادة مشروعة، وقد فعلها رسول الله rأو أمر بها، أو فعلها أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وما عدا ذلك فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة.
قال r: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ([8]).
وأما دليل مشروعيتها: فما رواه البخاري في صحيحه قال، حدثنا مطرف بن عبد الله أبو مصعب حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال عن محمد بن المنكدر (( عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي rيعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري و آجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به. ويسمي حاجته )) ([9]).
ما هي الأمور التي يستخار فيها ؟
الأمور التي تعرض للعبد، تدور مع الأحكام الخمسة:
الواجب والمستحب والمباح والمكروه والمحرم.
فالواجب والمستحب والمكروه والمحرم، لا يستخار في أصل فعلها أو تركها.
لأن الواجب: واجب الفعل، محرم الترك، سواء استخار العبد أم لم يستخر.
والمحرم: محرم الفعل، واجب الترك، سواء استخار العبد، أم لم يستخر، فلا يستخار في صلاة ولا حج ولا شرب خمر ولا في فعل أي معصية أو تركها.
أما المباح، فهو الذي يستخار فيه: كالأعمال الدنيوية، والسفر، والأمور المجهولة النتائج، والوسائل، والأمكنة، والأزمنة المخير فيها، والشركات، والتجارات، والزواج، وما شابه ذلك.
وكذلك يستخار في وسائل الواجب والمستحب وفي نوعها المخير فيه.
فطلب العلم مستحب، وبعضه واجب، فيستخار في النوع والوقت والمكان.
لأن العبد مخير في المكان، فيستخير فيه، ومخير في الجهة، فيستخير فيها، ومخير في المدرسة والجامعة، فيستخير في ذلك وهكذا.
ولا يستخار في طلب العلم الشرعي نفسه.
وأما طلب العلم الدنيوي فمستحب، لكن العبد مخير بين تلك العلوم، فيستخير في نوع العلم، لا في أصله.
والحج واجب، فيستخار في الرفقة، وفي وسيلة الوصول، وفي زمن الانطلاق.
والجهاد واجب، ولكن يستخار في الزمن، والخطة، والمكان، والجهة، وتعيين الأمير، وتنظيم الجيش.
والزواج واجب، لكن الرجل مخير في النساء، والمرأة مخيرة في الرجال، فيستخير الرجل في عين المرأة، والمرأة تستخير في عين الرجل، لا في أصل الزواج وهكذا.
كما يستخار عند تعارض واجبين، أو تعارض مستحبين، أيهما يفعل، أو أيهما يقدم، أو يؤخر..
ومثال تعارض الواجبين: كالزواج والحج، لمن لا يملك سوى ما يكفي أحدهما.
ومثال تعارض المستحبين: كتعارض جهاد كفاية مع طلب علم كفائي، أو مع حج تطوع، ويستخير في نوع الصدقة، أيضعها في بئر أو وقف مستثمر وما شابه ذلك.
وقد تكون الاستخارة في مستحب فيه احتمال وقوع مفسدة، كالتبرع بالدم وما شابه ذلك.

والخلاصة: أن الاستخارة تكون في كل أمر مباح، وتكون في الواجب والمستحب المخير، لاختيار الزمان، أو المكان، أو الوقت، أو العين، وفي الوسائل، وعند تعارض مستحبين، أو واجبين.
وبهذا يتضح قول جابر رضي الله عنه:
(( كان يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها )).
قال ابن أبي جمرة: هو عام أريد به الخصوص، فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما، والحرام والمكروه لا يستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح، وفي المستحب إذا تعارض فيه أمران، أيهما يبدأ به ويقتصر عليه... )).
قال العسقلاني معقبًا: (( وتدخل الاستخارة فيما عدا ذلك في الواجب والمستحب المخير، وفيما كان زمنه موسعًا، ويتناول العموم العظيم من الأمور، والحقير، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم )) ([10]).
وتكون في جميع هذه الأمور، سواء كان مترددًا فيها أو غير متردد، إذ غاية الاستخارة طلب التوفيق لا مجرد قطع التردد، والعزم على الأمر لا ينافي الاستخارة ([11])
ما حكم الاستخارة.. ؟
ظاهر الأمر من قوله r: (( فليركع ركعتين )) الوجوب، لكن أحداً من أهل العلم لم يقل بذلك، فيما نقل إلينا.
قال العراقي: (( ولم أجد من قال بوجوب الاستخارة )) ([12]).
ثم إن القول بالوجوب فيه من المشقة والحرج مالا يعلمه إلا الله، لأن الحديث عام في كل شيء يهم المسلم به.
والمسلم يهم في اليوم بعشرات الأمور، من شراء وبيع، وذهاب وإياب، فإذا كانت الاستخارة واجبة، حصل من الإحراج والعنت، ما نص الشارع على رفعه عن المؤمنين، قال تعالى:
{ ما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحج 78 ]
{ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة 286 ].
فليس من وسع الإنسان، إذا ما أراد أن يشتري أي حاجة، وأن يفعل أي أمر أن يجعل له ركعتين ودعاء، وهذا مما تعم به البلوى، ويقع فيها من الإحراج ما لا يقبله يسر الإسلام وسهولته.
ولذلك اتفق العلماء على استحباب الاستخارة، والله أعلم.
قال الحافظ في الفتح ( 11/185): ودل على عدم وجوب الاستخارة ما دل على عدم وجوب صلاة زائدة على الخمس.ا هـ
وحسبُ تارك الاستخارة ما فاته من الخير العظيم، أن تَرَكَ الصلاة و الدعاء، واستخارة ربه، والله الهادي إلى سواء السبيل.

ما معنى الاستخارة ؟
المعنى اللغوي:
استخار: طلب الإرشاد إلى الخير.
خار الأمرُ: صار فيه خيرًا ([13]).
وخرتُ الأمرَ: انتقيته لما فيه من الخير.
وعندي: أن (( اختار )) بمعنى: انتقى، غير أن (( اختار )) لا تستعمل إلا في الخير (( وانتقى )) تستعمل في الخير وفي غيره.
قال تعالى:
{ وربك يخلق ما يشاء ويختار } [ القصص: 68 ]
وقوله rفي حديث الإسراء:
(( فاخترت اللبن ))([14]) بدل الخمر.
وقوله r:
(( المدينة كالكير تنقي خبيثها ويَنْصع طيبها )) قال في النهاية (5/ 111): (( الرواية المشهورة بالفاء وقد جاء في رواية بالقاف ([15]) فإن كانت مخففة … أي تستخرج خبثها، وإن كانت مشددة فهو من التنقية، وهو إفراد الجيد من الرديء )) ا هـ
واستخرت: طلبت الأمر الذي فيه خير، أو طلبت انتقاء الأمر الخير.
واستخار الرجل الله تعالى: طلب منه الإرشاد والهداية إلى الخير، أو اختيار ما فيه خير له.
والاستخارة: اسم لهذا الطلب أو الفعل.
والاستخارة الشرعية: أن يستخير العبد ربه، على ما وصف له رسول الله r، من صلاة ركعتين من غير الفريضة، ثم دعاء مخصوص بعدهما، لفعل أمر مباح، أو تركه، أو في الواجب والمستحب المخيّر.


من معاني هذا الدعاء العظيم
قول جابر بن عبد الله: (( كان النبي rيعلمنا الاستخارة في الأمور كلها )): يأتي شرحه في باب ما هي الأمور التي يستخار فيها ؟
قوله: (( كالسورة من القرآن )): أي يعلمهم حفظ دعاء الاستخارة وإتقانه، كما كان يعلمهم سور القرآن وآياته وإتقانها ([16]).
ويؤيد هذا المعنى ؛ ما ورد عن النبي rفي تعليمه دعاء النوم، وأمره بالالتزام بنص الدعاء، ويأتي تفصيل الجواب في باب هل يلتزم بالدعاء.
قوله: (( إذا هم أحدكم بالأمر )): أي إذا خطر الأمر بباله، ثم عزم عليه، أو إذا عُرض عليه، ثم نوى فعله، أو عرض له عارض لا يدري مخرجه.
قوله: (( اللهم إني أستخيرك بعلمك )):
أي أطلب إليك أن تختار لي ما هو خير لي.
وأستعين على حاجتي هذه، وأتوسل إليك بعلمك، الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء.
والاستعانة بعلم الله الذي هو صفة من صفاته سبحانه، والتوسل إليه بها، من أنسب الاستعانة وأجلها في هذا المقام، لأن حاجة المستخير متعلقة بالغيب، والغيب من علم الله، لذا كانت صفة علم الله الذي وسع كل شيء، وأحاط بكل شيء، هي الصفة المناسبة للاستعانة بها، والتوسل إلى الله تعالى بها.
قوله: (( و أستقدرك بقدرتك )):
أي: أطلب منك العون على ما تقدره لي، وأتوسل إليك بقدرتك، و ما يقال في التوسل بصفة العلم، يقال هنا بصفة القدرة.. فإن أمر الله وفعله سبحانه لا يكون إلا بعلم وقدرة، ولذلك ناسب بعد توسله إليه بالعلم، أن يتوسل إليه بالقدرة.
والاستقدار بالقدرة، والاستخارة بالعلم، يتضمن الاستعانة والتوسل وهما من أجل أنواع الاستعانة والتوسل المشروعين، والله أعلم.
قوله: (( وأسألك من فضلك العظيم )) :
بعد أن استشفع بصفة العلم، وتوسل إليه بصفة القدرة، ناسب أن يسأله من فضله الذي لا ينفد، وكرمه الذي لا يحجب.
فجماع مقام الاستخارة منوطٌ بثلاثة:
- علم الله، لمعرفة ما هو خير.
- تقدير هذا الخير، وقضاؤه الذي يحتاج إلى قدرة.
- فضل الله الذي لا ينفد، وكرمه الذي لا يرد.
لذا كان من التوفيق العظيم، والحكمة البالغة، أن يجمع بين هذه الثلاثة في دعائه.
فيستفتح دعاءه متوسلاً إلى الله بعلمه، مستعينًا به على اختيار الخير له، ثم أتبع ذلك بما يحتاج إليه بعد الاختيار، من القدرة على الفعل، والإعانة على العمل، لذا استغاث بقدرة الله، وتوسل إليه بهذه الصفة العلية.
ثم ختم ذلك بسؤال الله من فضله وكرمه، كيما يبارك له في المختار، وينفعه به.
وفي هذا تحقيق للتوحيد، بسؤاله بصفاته سبحانه { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [ الأعراف 180 ]
قوله: ((فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ))
هذا إقرار بصفات عظيمة من صفات الله، وبوء بعجز العبد في مقابلها، وفي هذا تحقيق للتوحيد، واستعطاف الضعيف القويَّ، واسترشادُ الجاهلِ العليمَ.
وفي هذا غاية الأدب بالاعتراف بضعف العبد { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد }[ فاطر 15 ]، وإقرار بكمال العرفان بفضله وكرمه { واسألوا الله من فضله } [ النساء 32 ].
فإن من أدب الدعاء، أن يحقق العبد العبودية فيه، وأن يقر بذلك في نفسه، وينطق بلسانه، بعلم الله الواسع، وقدرته العظيمة، وأنهما صفتان عظيمتان من صفات الرحمن.
وإن من كمال العبودية، أن يتبع ذلك اعتراف العبد بالعجز والجهل، وأنه لا غنى له عن ربه، لذلك قال:
(( فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم )).
قوله: (( وأنت علام الغيوب)) .
أي أنت الذي يعلم ما غاب من الخير والشر، وأنا جاهل ذلك لا أعلمه، فاختر لي الخير بعلمك، ويسره لي بقدرتك، وبارك لي فيه بفضلك.
فلا أحد يعلم الغيب غيره، إلا بإذن منه سبحانه.
والإذن إذنان:
إذن عن طريق الوحي والكلام، وهو خاص بالرسل والأنبياء.
قال تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } [ الجن 26 - 27 ].
وإذن من الله لمعرفة الغيب، بإدراك السنن الكونية، واكتشاف الحقائق العلمية.
وما عرفه البشر وسيعرفه، مؤمنهم وكافرهم، من الأمور التي كانت غيبًا من قبل، كاكتشاف الكهرباء، ومعرفة الذكر والأنثى في بطن أمه، وغير ذلك مما يعتمد على العلم لا على الخرافة والدجل، فهو من هذا الباب، باب الغيب المؤقت الذي أناطه الله بأسباب، فهو يغيب بغياب أسبابه، ويظهر بظهورها، وليس من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولم يأذن باكتشافه ومعرفته.
قوله: (( اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي و يسره لي ….. وإن كنت تعلم ….. ))
و بعد أن تم التمهيد للدعاء، بمنتهى الحكمة، وحصلت التوطئة للطلب بالتوسل المشروع، شرع السائل بطلب مقصوده .. ولما كان ذلك متعلقاً بعلم الله لا بعلمه، وباختيار الله لا باختياره، علق السائل الأمر بالله
أي: لما كنتَ أنت الذي يعلم عواقب الأمور، خيرها من شرها، فقد فوضت الأمر إليك، لتختار لي ما هو خير، وتصرف عني ما هو شر.
ثم لما كان يُخشى من عوائق تعيق هذا الأمر، ولا يزيلها إلا بالله، بادر بسؤاله التيسير، فقال: فاقدره لي ويسره لي.
ثم لما كان العبد قصير النظر، مضطرب الأحوال، لا يرضى بما قُسم له، ولا يقتنع بما قدر له، كان من المناسب جدًا أن يختم دعاءه بطلب الرضى بما سيقدر له، فهبة الرضى من أعظم الهبات، لأن فيها اطمئناناً للقلب، ورضىً عن الرب.
إزالة إشكال:
وقد يشكل على بعضهم قوله: ( إن كنت تعلم ) إذ كيف يقول العبد لله: إن كنت تعلم، وهو يعتقد أن الله يعلم.
قلت: لا إشكال في ذلك: إذ ليس لها مفهوم أن الله لا يعلم، وليس من مقتضى قوله: إن كنت تعلم، أي: وإن كنت لا تعلم.
وإنما هذا تعليق بما يعلم الله من خير في الأمر فييسره، وما يعلم من شر في الأمر فيصرفه، وعلى هذا فليس الأمر معلقاًً بعلم الله وعدمه، وإنما هو معلق بعلم الله بخير الأمر، أو بعلم الله بشره..
فالمقصود: تعليق الأمر بعلم الله بالخير المقابل لعلم الله بالشر، وليس المقصود تعليق الأمر بعلم الله أو عدمه، وهذا النوع من التعليق يحتاج إلى مثل هذا الأسلوب من التعبير، فتنبه.
مثاله: أن يسأل عاملٌ ربَّ عملٍ خبيرٍ صادقٍ عن أمر دنيوي، فيقول له: إن كنت تعلم أن في عملي هذا ربحاً فادفعني إليه، وإن كنت تعلم أن فيه خسارة لي فلا تجعلني عاملاً فيه، أو كمن يقول للطبيب: إن كنت تعلم أن هذا الدواء خير لي من ذاك فالأمر مفوض إليك.
فهذا كله من باب واحد، وهو تعليق الأمر بعلم المسئول بخير الأمر أو شره، لا بعلم المسئول أو عدم العلم.

حقاً إنه دعاء عظيم:
مما سبق يتبين: أن هذا دعاء عظيم، حوى أمورًا جليلة، ودقائق لطيفة، وفوائد ظاهرة وخفية.
ففيه الإقرار بتوحيد ربوبيته، و الخضوع لألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته ودعائه بها، و في ذلك أداء العبد لعبوديته، من توكل واستعانة، وسؤال واستغاثة، بعلمه وفضله، وقدرته وكرمه، ثم طلب منح الرضى والقناعة، فمن رضي عن ربه ورضي عنه ربه، فقد نال المفازة، وجاوز السور والقنطرة.
ولو لم يكن من الاستخارة إلا تحقيق ما في هذا الدعاء العظيم، من المعاني العظيمة، لكفى بها خيراً عظيمًا، فكيف إذا زاد على ذلك رضىً قلبياً ؟! فسبحان من شرع لعباده خيري الدنيا والآخرة.

هل للاستجابة موانع.. وما هي ؟
نعم ؛ إن لاستجابة الله عز وجل موانع، إذا ما حصلت، كانت حائلاً دون استجابة دعاء العبد، وتلبية طلبه.
والاستخارة دعاء، فعلى المسلم تحقيق شروط الدعاء، والالتزام بآدابه، واجتناب موانع استجابته، كي يستجاب له في استخارته، وتقضى له حاجته.
واعلم أن كثيراً من الناس يدعون فلا يستجاب لهم، وذلك لإخلالهم بالشروط، أو فعلهم بعض الموانع التي تحول دون الاستجابة.

ومن موانع استجابة الدعاء فيما يخص الاستخارة ما يلي:
1ـ أن يكون في كسب الرجل حرام، من اغتصاب حق أو تعامل بالربا، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو ظلم، أو غش، أوعدم وفاء بالعقود التجارية، والصناعية، أو غير ذلك، فيدخل عليه المال الحرام، فيأكل منه، ويشرب منه، ويلبس منه، فلا يستجيب الله له.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( أيهَا الناسُ ! إن الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمرَ به المرسلين، فقال: { يا أيهَا الرسل كلوا منَ الطيِّبات واعمَلُوا صالحًا إنِّي بما تعملون عليم }[ المؤمنون 51 ] وقال { يا أيهَا الذينَ آمنُوا كلوا منْ طيِّبات ما رزقناكُمْ } [ البقرة 172 ] ثمَّ ذكرَ الرجل يطيلُ السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب ! يا رب ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، و ملبسه حرام ، وغذي بالحرام، فأنى يستجابُ لذلك ؟ )) ([17]).
2ـ أن تكون الاستخارة والدعاء في إثم أو ظلم، فإن كانت في مثل ذلك فلا يستجاب له، كأن يستخير في أمر يكون فيه أذية مسلم، أو سببًا في ظلم مؤمن.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله rقال:
(( ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم )) فقال رجل من القوم: إذن نكثر ؛ قال: (( الله أكثر )) ([18]).
أي: الله أكثر استجابة وعطاء من العبد مهما دعا وطلب.
3ـ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
من موانع استجابة الدعاء، هجر المسلم نصيحةَ إخوانه المسلمين، فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر !
وكيما يستجيب الله الدعاء، ينبغي على المسلم أن يكون مستقيم الحال، صادق المآل، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أوسع من أن تكون له هيئة مختصة به، أو جماعة تقوم به، بل هو من واجبات كل مسلم في بيته وأهله، وفي ماله وإخوانه، وفي من حوله، بشرط العلم والاستطاعة والحكمة، وعدم جر مفسدة أكبر مما ينهى عنه.
عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي rقال:
(( والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعثَ عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ))([19]).
4ـ أن يعتدي في دعائه، كأن يرفع صوته، أو يحدث فيه بدعة، أو يشرك في دعائه أحدًا من خلقه، أو يصرف قلبه تلقاء أحد من عبيده.
قال تعالى: { ادعوا ربكم تضرعًا وخفية، إنه لا يحب المعتدين } [ الأعراف: 55 ]
فمن اعتدى لم يحبه الله ولا يستجيب الله لمن لا يحب.
وقال r: (( سيكون قوم يعتدون في الدعاء )) ([20]).
5ـ أن يكون الداعي غافلاً عن الله، معرضًا عن دينه، ناسيًا أوامره، مرتكبًا نواهيه.
حتى إذا ما أصيب بالضراء، وكان من قبل يعصي الله في الرخاء، قال: يا رب يا رب.. فأنى يستجاب له.
ومن نسي الله في الرخاء، نسيه الله في الشدة.. والجزاء من جنس العمل.. ولا يظلم ربك أحدًا.
قال r: (( من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء ))([21]).
وقال r: (( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ ))(1).
6ـ مخالفته لبعض الأحكام الشرعية، ومنها:
1ـ سكوته عن سوء خلق زوجته، وعدم تطليقها.
2ـ إقراضه مالاً دون إشهاد، إلا لمن غلب على الظن أنهم من أهل الوفاء.
3ـ دفْعه مالاً للسفهاء، ولو كانوا أولاده أو إخوانه.
قال r: (( ثلاثة يدعون الله عز وجل فلا يستجاب لهم: رجلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله، والله تعالى يقول: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ))([22]).
هل من أسباب يفعلها العبد، تكون سبباً في قبول استخارته
لما أشبهت الاستخارة الدعاء، بل هي دعاء على صورة مخصوصة، كان الراجح أن ما يرتجى فيه قبول الدعاء، هو ما يرتجى بسببه قبول الاستخارة.
ويرتجى قبول الدعاء بما يلي:
أولاً: أن يكون المسلم موقنًا بالإجابة، واثقًا بالله تعالى، صادقًا في دعائه.
وقد مر معنا قوله r:
(( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة..)) الحديث. فلا يستجيب الله لمن لا يوقن بالاستجابة ولا يثق بمن يناجيه، ولا يتوكل على من يلبي طلبه، ويقضي له حاجته.
ثانيا: أن يدعو مخلصًا لله وحده، لا يشرك معه في دعائه أحدًا.
فمن دعا مع الله عز وجل أحدًا، أو أشركه بقول أو عمل، فقد بطل دعاؤه، وفسد عمله.
قال تعالى:
{ وأنَّ المساجدَ لله فلا تدعوا معَ الله أحدًا } [ الجن، 18 ].
وقال تعالى:
{ وادعوهُ مخلصينَ له الدينَ } [ الأعراف، 29 ].
وقال تعالى:
{ قل إنما أدعو ربي ولا أشركُ بهِ أحدًا }[ الجن، 20 ].
فلا يحل لمسلم أن يعلق قلبه - مجرد التعليق - بأحد غير خالقه، ومدبر شئونه، فهو الوحيد القادر على إنفاذ ما يريد، فلا راد لقدره، ولا مانع لقضائه، إن كان خيرًا، أو كان سوءًا.
{ قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة.. } [ الأحزاب 17 ].
فلا يدع معه أحدًا، كائنًا من كان، ولا ُيشرَك معه رسول أو إمام، ولا شيخ أو ولي، ولا عظيم أو كبير، بل يوجه العبد وجهه وقلبه ودعاءه كله لله وحده.
قال r: (( وإذا سألتَ فاسأل الله ))([23]) الحديث.
فما خلقنا الله تعالى إلا لعبادته، وما أوجَدنا إلا لسؤاله.
{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [ الذاريات، 65 ].
والدعاء والسؤال هما: العبادة.
قال r: (( الدعاء هو العبادة )) ([24]).
وما ابتلانا الله إلا للتضرع إليه.
قال تعالى:
{ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } [ الأنعام، 43 ].
ثالثا: أن يكون منيبًا إلى الله، تائبًا إليه، متذللاً بين يديه، خائفًا متضرعًا.
{ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } [ البقرة، 222 ].
وقال تعالى:
{ ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين } [ الأعراف،55].
رابعا: أن يكون راضيًا بقضاء الله وقدره، قبل وقوعه، وبعد وقوعه، كيفما وقع، وعلى أي صورة قُضي.
وأن يعتقد أن الأمر ما قدر له إلا لخير يعلمه الله، وما صرف عنه إلا لخير يعلمه الله.
قال r: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له )(3).
هل تكون الاستخارة في الأمور المعروفة النتائج ؟
نعم تكون في الأمور الدنيوية المعروفة النتائج، لأن معرفة حقائق النتائج، لا يعلمها إلا الله تعالى.
فمهما ظن العبد مِن ظن، فليس كل أمر ظاهره خير، هو في حقيقته خير، وليس كل أمر ظاهره شر، هو في حقيقته شر.
فكم من أمر ظن صاحبه أن فيه خيرًا عظيمًا، فكان فيه هلاكه، وكم من أمر ظن صاحبه أن فيه شرًّا، فكان فيه نجاته، وحسبنا قول الله تعالى:
{ وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لَّكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } [ البقرة 216 ].
قال ابن القيم في (( الفوائد - 247)):
ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له، لما يرجو فيه من حسن العاقبة.
ومنها: أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعلَّ مضرَّته و هلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئًا بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضّيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك )).

ما هي الفائدة أو الحكمة أو الجدوى من الاستخارة ؟
للاستخارة فوائد عظيمة، ومنافع جمة، هي أعظم من استجابة دعائها، وتلبية طلب صاحبها.
أولى هذه الفوائد:
تحقيق معنى العبادة لله عز وجل، المتضمن الخضوع له، وإظهار الضعف والذل بين يديه، والحاجة واللجوء إليه، واستعطافه، وطلب الخيرة منه، ولو لم يكن فيها إلا هذا.. لكفى بها خيرًا عظيمًا.
وفي هذا تحقيق لتوحيد الألوهية، الذي هو ركن من أركان التوحيد، وشرط من شروط الإيمان.
{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [ الذاريات 56 ].
فقد كان أهل الجاهلية، يستقسمون ( أي يستخيرون ) بالأزلام، فيقعون في الابتداع والشرك فكان هذا الدعاء رداً على المشركين، وتعويضاً للمؤمنين عن أفعال المشركين، بدعاء كله توحيد وعبودية وطلب ممن بيده المطلوب، وافتقار لمغنٍ رحيم .. وسؤال لمعطٍ كريم، بيده خزائن السماوات والأرض، فشتان بين استخارة المشركين بأعواد أو لأحجار ، وبين استخارة القدير العليم المنان، فسبحان من أبدل بالشرك توحيداً، وبالابتداع اتباعاً، وبالعصيان طاعة، وبالتردد والقلق .. اطمئناناً وسكينة، ولا ينال هذا إلا المتبعون الصادقون.
الفائدة الثانية: تحقيق معنى الإيمان، بأن الله بيده مقاليد الأمور، ويعلم غيب السموات والأرض، ويحب لعبده الخير، ويختار له ما ينفعه، وفي هذا تحقيق لتوحيد الربوبية، والأسماء والصفات.
قال تعالى:
{ وربك يخلق ما يشاء ويختار } [ القصص 68 ].
وقال تعالى:
{ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } [ الأنعام 59 ].
قال ابن القيم رحمه الله: (( فتضمن هذا الدعاء، الإقرار بوجوده سبحانه، والإقرار بربوبيته، وتفويض الأمر إليه والاستعانة به، والتوكل عليه، والخروج من عهدة نفسه، والتبري من الحول والقوة إلا به، واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه، وقدرته عليها، وإرادته لها، وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره، وإلهه الحق )) ([25]).
الفائدة الثالثة: الثقة بالله، والرضى بقضائه بعد الاستخارة وقبلها، والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه، بدل الحيرة والتردد، والقلق الذي يضعف النفس، وينهك البدن، ويولد الهموم، والاطمئنان للنتائج كيف ما كانت، الأمر الذي يقوي النفس، ويطرد الهم، فتنشرح النفوس ويطمئن القلب، وهو مطلب من المطالب العظيمة.
قال ابن القيم في الفوائد ( 247 ):
(( إذا فوّض [ أمره ] إلى ربه ورضي بما يختاره له، أمدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات، التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه، بما يختاره هو لنفسه.
ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينـزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله، أصابه القدر، وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر )).
ففي الاطمئنان والرضى بقضاء الله تعالى، تحقيق عظيم لركن من أركان الإيمان، وأجر عظيم عند الديان، عدا عن أن فيه جلاء للهموم، واطمئناناً للقلوب، وهدوءاً للنفوس.
ومن رزق الاطمئنان، والرضى بقضاء الله وقدره، فقد رزق خيراً كثيراً، وما يشعر بهذا إلا المؤمنون الموقنون.
ولما وثقت أم موسى بالله عز وجل، واطمأنت بقدره، ألقت فلذة كبدها، وسواد عينها في اليم، تتلاطمه الأمواج، ويسوقه الماء إلى أمر يظن الرائي أن لا رؤية له بعد هذا.. فهو أمر يفطّر الأكباد، ويمزق المهج، ويحرق النفوس.. أن تلقي أمٌّ ولدَها - فيما يظهر - إلى التهلكة، ولما أيقن إبراهيم وزوجه هاجر بالله، ورضيا بقضائه، تركها وابنهما وحدهما في الفلاة، لا طعام ولا ماء ولا شجر يستظلانه، وهذه أفعال تحرق النفوس، وتقطع القلوب .. لا يفعلها إلا من اطمأن قلبه بالإيمان ورضي بقضاء الرحمن، ووثق بالله العظيم، والتوكل عليه، ومن ذاق طعم الرضى بقضاء الله وقدره أيًا كان، وكيف كان، استأنس بالمصيبة وصبر عليها، واستوحش القلق والحيرة وأعرض عنهما.
الفائدة الرابعة: توفيق الله لعبده المستخير:
إذا ما قدر الله للعبد المستخير التوفيق، ففي ذلك نعمتان:
الأولى: استجابة الله دعاء عبده، وفي هذا خير عظيم، ودليل على ما عند العبد من صلاح، إن لم يكن استدراجًا.
الثانية: توفيق الله لعبده في الأمر المستخار فيه، واختيار الخير له، وتوجيهه وإرشاده إليه، بدل ضياعه وضلاله عنه.


ماذا يفعل العبد بعد الاستخارة ؟
أو كيف يعرف نتيجة الاستخارة ؟
بعد أن يستخير المستخير الاستخارة الشرعية، ما عليه إلا أن يعزم على أي أمر يراه، بعد أن يتوكل على الله حق توكله.
{ ومن يتوكل على الله فهو حسبه } [ الطلاق 3 ].
{ فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين } [ آل عمران 159 ].
وأن لا يغفل عن الإخلاص في النية، والصدق مع الله في العمل المستخار فيه.
{ فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم } [ محمد 21 ].
فإذا تحقق ذلك فليفعل ما بدا له، من غير تردد ولا أسف، ولا تلكؤ ولا وجل، سواء انشرح صدره أم لم ينشرح، وسواء كان هذا الانشراح قبل الاستخارة أو بعدها، لأن الأمر لا يتعلق بانشراح الصدر وعدمه، وإنما يتعلق بتيسير الله عز وجل وتوفيقه وتقديره.
فربما انشرح صدره للأمر، والله لا يريده له، فلا ييسره، ولو أقدم عليه.
وربما لم ينشرح صدره للأمر، وأراده الله له، فيقدره وييسره له.
فمناط المسألة أمران:
الأول: صدق العبد مع الله ويقينه به، وتحقيقه شروط استجابة الاستخارة.
الثاني: استجابة الله تعالى للعبد في استخارته.
فإذا تم ذلك ؛ فلا يقدم انشراح الصدر وغمته شيئًا ولا يؤخره، ولا يقدِر مخلوق كائنًا من كان أن يمنع خيرًا أراده الله تعالى له، أو يصرف سوءًا قدره الله تعالى عليه.
{ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو. وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم } [ يونس 107 ].
قال العز بن عبد السلام (( يفعل ما اتفق )) ([26]).
وبهذا تعرف عدم صواب ما قاله الحافظ في الفتح: (( والمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح به صدره، مما كان له فيه هوى قوي قبل الاستخارة )).
قلت: المسألة لا تتعلق بالعبد ولا بهواه، ولا بانشراح صدره وميل نفسه، وإنما هي متعلقة بما يعلمه الله ويقدره ويقضيه، سواء كان له فيه هوى أو لم يكن له فيه هوى، وسواء كرهه أو أحبه.
وقد يكون مما قدره الله له، وكان له فيه هوى ومصلحة وخير، فأي مانع من ذلك ؟! ثم إن أراد أن يفعل ما كان له فيه هوى.. ولم يقدره الله فلا ييسره الله له وإن قدره الله فييسره..فلم تعد هناك فائدة للقول: لا يفعل ما كان له فيه هوى.. وأما حديث أنس الذي فيه.. (( ثم انظر إلى ما يسبق قلبك، فإن الخير فيه )) فهو ضعيف جدًا، ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
ومراحل الاستخارة هي: الهمُّ بالأمر، ثم الاستخارة ثم التوكل، ثم العمل بما يراه المستخير، ولا يخدش ذلك أن يشاور، أو يكون قد شاور أهل الرأي.

إذن ما شأن رؤية منام، أو تبييت استخارة، وغير ذلك من الأمور ؟
كما أسلفنا في الجواب السابق: أن الأمر متعلق بتيسير الله عز وجل وتوفيقه، لا بانشراح صدر، ولا بمنام يراه المرء، ولا غير ذلك، مما لم يثبت في السنة النبوية، ولا عن أحد من صحابة رسول الله r، ولا الأئمة الأعلام.
وعلى المستخير أن يمضي فيما يشاء، ولن يمضي إلا فيما قدر له، (( كل ميسر لما خلق له )).
ثم هب أنه رأى منامًا، فما يدريه أن هذا المنام من الرحمن، أو من الشيطان، أو من حديث النفس.
قال عليه الصلاة والسلام:(( الرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه )) الحديث([27]).
وقال r: (( الرؤيا ثلاثة: منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة )) ([28]).
وعلى أي حال، سواء رأى رؤيا أم لم ير، فالأمر فيها كانشراح الصدر وعدمه سواء، فلا تقدم الرؤيا شيئًا، ولا تؤخره، بل ربما كانت من الأسباب التي قدرها الله لما يريد، من التيسير أو الصرف، والله يقدر ما يشاء كما يشاء.

هل يجوز تكرارها في الأمر الواحد ؟
النوافل على أنواع:
إما أن تكون محض تعبد كالوتر وركعتي الفجر.
وإما أن تكون تعبدية، ولكنها مناطة بسبب كتحية المسجد.
وإما أن تكون صلاة حاجة، أي: مناطة بحاجة للعبد عند ربه، لكنها مقرونة بدعاء، كصلاة الاستسقاء والاستخارة.
فإن كانت الصلاة عبادة محضة، فلا يجوز تكرارها البتة، كركعتي الفجر والوتر.
وكذلك إن كانت ذات سبب مخصوص، فلا تكرر إلا مع تكرر السبب.
وأما إن كانت ذات حاجة بصفة مخصوصة، فجمهور أهل العلم يجيزون تكرارها، فقد أجاز الأئمة - مالك والشافعي وأحمد وغيرهم رضي الله عنهم - تكرار صلاة الاستسقاء ([29]).
وصلاة الاستخارة أشبه ما تكون بصلاة الاستسقاء، من حيث إنها صلاة حاجة، وُتشابهها من حيث ارتباط الصلاة بالدعاء، وهذا النوع من الصلاة أشبه أن يكون، دعاء بصورة مخصوصة، فإذا انضم إلى هذا المعنى اللغوي للصلاة، استحباب الإكثار من الدعاء ظهر أن الراجح جواز تكرارها.
وقول بعض الإخوة الأفاضل بعدم التكرار، لعدم ورود التكرار، ولأنه دعاء مخصوص عقب صلاة مخصوصة، لا يكفي لمنع تكرارها، لأنه ليس من باب الابتداع في شيء، وإذ لم يكن كذلك، جاز التكرار لانتفاء المانع.
وكذلك صلاة الاستسقاء: لم يرد ذكر التكرار، وهي دعاء مخصوص، عقب أو قبل صلاة مخصوصة، ومع ذلك أجاز جماهير أهل العلم تكرارها ([30]).
كما يستأنس لتكرارها، بتكرار صلاة الكسوف والخسوف حتى ينجلي الشمس أو القمر، فهي - أي صلاة الكسوف أو الخسوف - صلاة ذات سبب وحاجة وفيها دعاء، فشابهت صلاتي الاستخارة والاستسقاء.
فعن المغيرة رضي الله عنه أن النبي rقال:
(( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموهما، فادعوا الله تعالى، وصلوا حتى ينكشف )) رواه البخاري ( 996) ومسلم ( 915).
فقوله r: (( حتى ينكشف )) فيه دليل واضح على مشروعية تكرار الصلاة حتى يتم الكشف.
واعتراض المانعين - على تكرار الاستخارة - بأنها صلاة ودعاء مخصوص، فالجواب عنه أن: صلاة الاستسقاء كذلك، وما كان جوابهم عن تكرارها، فهو جوابنا عن تكرار صلاة الاستخارة.
ومهما قيل فيها فهي دعاء، والدعاء يستحب تكراره، والإلحاح فيه، سواء كان مخصوصًا أو غير مخصوص.
نعم لو كانت صلاة الاستخارة، مجرد ذات سبب، لقلنا بمنع التكرار، وأما أن تكون صلاة حاجة، فهي أقرب للدعاء منه إلى غيره، لذلك نرجح قول من قال بالتكرار والله أعلم.
فممن ذهب إلى جواز تكرار الاستخارة، بل استحبابها الحافظ العراقي، ومال إلى ذلك الشوكاني في النيل فقال:
(( قد يستدل للتكرار بأن النبي rكان (( إذا دعا دعا ثلاثًا ))، الحديث الصحيح، وهذا وإن كان المراد به تكرار الدعاء في الوقت الواحد، فالدعاء الذي تسن الصلاة له تكرر الصلاة له كالاستسقاء )).
وممن يفتي بذلك - من المعاصرين - شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز، وكذلك شيخنا المحدث الألباني، غير أنه قيد التكرار بقيد: ( من لم تطمئن نفسه لصلاته الأولى )..
وأما من استدل على التكرار بحديث أنس قال: قال رسول الله r: (( يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات.. )) الحديث، فهو حديث ضعيف جدًا، قد اتفق الحفاظ على تضعيفه. راجع تخريجه في فصل ( تخريج الأحاديث الواردة ) من هذا الكتاب .
ثم بعد كتابة ما تقدم، وقفت على قول عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في صحيح مسلم، بعدما احترقت الكعبة:
(( لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف ببيت ربكم ([31]إني مستخير ثلاثًا، ثم عازم على أمري )) ([32]).
فلما وقفت عليه فرحت به، لما فيه من مرجح قوي، لما ذهبت إليه، من ترجيح قول من قال بالتكرار، والله الهادي إلى سبيل الأبرار.

هل لها وقت معين أو مفضل ؟
ليس لها وقت معين، ولا مخصوص، بل يؤتى بها في أي وقت كان.
وإن تحرى أوقات استجابة الدعاء، فلا بأس بذلك، لما قدمنا من أن صلاة الاستخارة هي صلاة حاجة ودعاء.
ومن الأوقات المفضلة للدعاء، والتي يرجى فيها القبول:
1ـ وقت ما بين الأذان والإقامة.
لقوله r: (( الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة ))(1)
2 - ساعة نـزول الغيث.
لقوله r: (( ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء ووقت المطر )). وفي رواية: (( وتحت المطر ))(2).
3 - الثلث الأخير من الليل.
لقوله r: (( ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ ))(3).
4 - الساعة الأخيرة من يوم الجمعة.
لقوله r:
(( إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم قائم، يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه ))(4).
وجمهور أهل العلم على أنها آخر ساعة، لقوله r:
(( التمسوها آخر ساعة بعد العصر ))(5).
وفسرت الصلاة بانتظار الصلاة.
قلت: ولا يبعد أن تكون الصلاة هنا بمعناها اللغوي، وهو الدعاء، والله أعلم.
5 - في حالة السفر.
لقوله r:
(( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم ))(6).
6 - ليلة القدر.
لقوله تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } [ القدر 3 ].
وقوله r: (( التمسوها في العشر الأواخر من رمضان )) رواه البخاري (1917) عن ابن عباس ومسلم (1165) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

هل تجوز صلاة الاستخارة في أوقات النهي ؟ وما هي تلك الأوقات ؟
الأصل: منع الصلاة النافلة في أوقات النهي، إلا أن العلماء تنازعوا في صلاة ذوات الأسباب(*)، في أوقات النهي.
والصواب الذي عليه المحققون، جواز تلك الصلوات، كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الاستخارة، وبخاصة إذا ضاق عليه الوقت، أو كان مضطرًا.
وإن تَرَك الاستخارة في تلك الأوقات، كان ذلك أبعد عن مواطن الخلاف، وأرجى للاطمئنان، فقد قال r: (( دع ما يريبك إلى مالا يريبك )).(1)
وأوقات النهي هي:
ـ من بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع.
ـ ووقت استوائها في كبد السماء حتى تميل.
ـ وحين تصفر الشمس حتى تغرب.
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: (( ثلاث ساعات نهانا رسول الله rأن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيَّف للغروب حتى تغرب ))([33]).
وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي rقال: (( لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ))([34]).

هل هناك زمن محدد قبل الأمر المستخار له ؟
لا يوجد زمن محدد قبل الأمر المستخار له، وإنما عليه أن يستخير بعد الهم، وتبييت النية، والقصد له، وقبل البدء بالفعل، وذلك لقوله r: (( إذا هم أحدكم بالأمر )).
فإن شرع في مقصوده، كأن خطب أو رأى مخطوبته، ثم تذكر الاستخارة، استحب له ذلك، ما لم يتم الأمر له.
فإن فاتته الاستخارة، فليدع بخير أن يجعل الله تعالى له في الأمر الحاصل خيرًا، وأن يجنبه شره.

هل من دعاء مأثور بعد حصول المطلوب ؟
نعم ؛ إذا كان عينًا، كزواج وشراء بيت، وامتلاك دابة، وما شابه ذلك.. فإنه يدعو بما جاء في الحديث..
قال عليه الصلاة والسلام: (( إذا اشترى أحدكم الجارية، فليقل: اللهمَّ إني أسألكَ خيرَها، وخيرَ ما جبلْتها عليه، وأعوذُ بكَ منْ شرِّها، وشرِّ ما جبلتها عليه، وليدعُ بالبركة، وإذا اشترى أحدكمْ بعيرًا، فليأخذ بذروةِ سنامه، وليدعُ بالبركةِ، وليقل مثل ذلك )) ([35]).
وفي رواية:((إذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادمًا، فليأخذ بناصيتها وليسم الله عز وجل، وليدع بالبركة)).
لذا يسن وضع اليد على مقدمة الشيء، ثم التسمية، والدعاء بالبركة، وبالدعاء المأثور، ثم قس على ذلك، كالسيارة وغيرها.

هل لصلاة الاستخارة قراءة معينة ؟
لا.. ليس لصلاة الاستخارة قراءة مخصوصة من القرآن الكريم، وما استحسنه بعض أهل العلم في قراءة بعض السور مردود، لأن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وهو هاهنا مجرد استحسان بالعقل والرأي يفتقر إلى دليل، ولم يرد شيء من ذلك في السنة النبوية، وخير الهدي هدي رسول الله r، وما ترك خيرًا إلا أرشدنا إليه.

هل دعاء الاستخارة قبل السلام أم بعده ؟
دعاء الاستخارة يكون بعد السلام من الركعتين المخصوصتين، لقوله r: (( فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل.. ))
ففيه إشارتان:
الأولى: (( ليركع ركعتين )) أي ليتم صلاتهما.
الثانية: (( ثم ليقل )) فإن (( ثم )) تفيد التعقيب والتراخي، وفي هذا المقام تفيد الفعل مع المتابعة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعاء قبل السلام، لكن ما قدمنا من ظاهر الرواية يرد عليهم، والله أعلم.

إذا نسي المستخير دعاء الاستخارة عقب الصلاة، ثم تذكر ذلك فماذا يفعل ؟
ينبغي أن يكون دعاء الاستخارة عقب الصلاة مباشرة، دونما فاصل، فإن نسي الدعاء وهو ما يزال جالسًا، ما لم ينصرف أو يحدث ([36]) فيدعو به، فإن قام وانصرف، فعليه إعادة الركعتين ثم الدعاء بعدها، إن شاء أن يأتي بالاستخارة على وجهها المشروع.
ففي قوله r: ((ثم ليقل )) إفادة الترتيب والتعقيب.
كما يستأنس لهذا بما رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله rقال: (( لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه حتى ينصرف أو يحدث ))([37]).
قال الشوكاني:
(( قوله (( ثم ليقل )) فيه أنه لا يضر تأخر دعاء الاستخارة عن الصلاة ما لم يطل الفصل ))([38]).
هل يشرع دعاء الاستخارة بعد صلاة فرض ؟
في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الاستخارة (( فليركع ركعتين من غير الفريضة )) دليل على أن الدعاء ينبغي أن يكون بعد صلاة نافلة لا فرض، وإلا لم يتحقق المقصود من سنة الاستخارة.
فإن دعا به بعد فريضة، كان دعاؤه كأي دعاء آخر، ولا يكون والحال هذه قد أتى بسنة الاستخارة على الوجه المشروع، ولم يحقق الاتباع فيها، وإنما يكون قد أتى بدعاء ليس إلا.

هل تشرع الاستخارة في صلاة نفل راتبة، أو ذات سبب ؟
لا شك أن إتيان المستخير بصلاة مستقلة، هو الأولى، وهو أدعى للقبول، وأقرب للاستجابة، وأبعد عن الخلاف. غير أن ظاهر الحديث يفيد جواز ذلك.
قال النووي رحمه الله: (( قال العلماء: تستحب الاستخارة بالصلاة - أي مستقلة - والدعاء المذكور، وتكون الصلاة ركعتين من النافلة، والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب، وبتحية المسجد وغيرها من النوافل))([39]).
قلت: ولكن يشترط عقد نية الاستخارة قبل الشروع بالصلاة، ثم إن الحافظ اعترض على إطلاق النووي فقال: (( كذا أطلق وفيه نظر )) ([40]).
قلت: والنظر، أن صلاة النافلة أنواع بحسب سبب مشروعيتها، فإن كانت ذات سبب مجرد، كتحية المسجد وسنة الوضوء، فينوي المستخير بها الاستخارة، فيحصل المقصود من ذات السبب، إذ المقصود من تحية المسجد عدم الجلوس قبل الصلاة، فيحصل هذا بأي صلاة.. سواء كانت صلاة فرض، أو نافلة راتبة، أو ضحى.
وأما جمع الاستخارة مع الرواتب ففي النفس من ذلك شيء.
قال العراقي: وإن نوى بالراتبة سنة الصلاة وسنة الاستخارة فيحتمل حصولهما، ويحتمل أن لا يحصل للتشريك ))([41])
قلت: وأما في غير ذلك من النوافل، كالخسوف والاستسقاء، فلا نرى إجزاء ذلك، والله أعلم.

إذا شرع العبد بصلاة، أو انتهى منها، ثم تذكر أن يستخير، فهل يجزئه ذلك ؟
الظاهر لمن شرع بالنافلة دون نية الاستخارة، ثم أراد أن يعقد النية وهو في الصلاة، أن هذا لا يجزئه، وعليه إتمام الصلاة، ثم استئناف صلاة جديدة، بنية معقودة للاستخارة، وذلك لقوله r: (( إذا هم أحدكم بالأمر )) ففيه دلالة واضحة على أن الهم وبالتالي النية لصلاة الاستخارة، إنما تكون قبل الشروع بالصلاة.



قال العراقي: (( إنما أمَره - r - بذلك بعد حصول الهم بالأمر.. وقد يقال: إن لم ينو بالركعتين الاستخارة بعدها، لم تحصل سنتها بذلك )) ([42]).
وكذلك قال الحافظ في الفتح:
(( ويبعد الإجزاء لمن عرض له الطلب بعد فراغ الصلاة، لأن ظاهر الخبر أن تقع الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة الأمر )) ([43]).
قلت: فإن فعل ذلك، وعقد النية بعد الشروع بالصلاة، ثم دعا فلا حرج، إذ على أقل تقدير، تحسب له دعاء.
لكنه لم يأت بسنة الاستخارة على وجهها المشروع، والأكمل.

هل تجزيء الاستخارة بالدعاء دون الصلاة ؟
لا شك أن الأكمل أن يأتي المستخير بالصور الشرعية من الصلاة، ثم الدعاء، فإن اضطر العبد، أو ضاق به الوقت، فلم يقدر على أداء الركعتين، جاز له الدعاء بلا صلاة، على اعتباره دعاء.
قال النووي:
(( ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء )) ([44]).
ويكون الدعاء والحال هذه كأي دعاء حاجة آخر، حتى ولو كان الدعاء دعاء مخصوصًا بصلاة، فقد استسقى رسول الله rبدعاء دون صلاة، والمسنون الصلاة والدعاء.
وينبغي للمسلم دائمًا، أن يأتي بالعبادة على وجهها الأكمل، وذلك بعدًا عن الخلاف والريبة، وأدعى لاستجابة الدعاء، وقبول العبادة.
وقد تكون (( الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء، أن المراد بالاستخارة، حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة، لما فيها من تعظيم الله، والثناء عليه، والافتقار إليه، مآلاً وحالاً )) ([45]).


هل يجب الالتزام بنص الدعاء ؟
نعم، يجب الالتزام بنص الدعاء المخصوص، ودعاء الاستخارة دعاء مخصوص.
ففي الصحيحين: أن رسول الله rعلَّم البراء بن عازب رضي الله عنه دعاء الإيواء إلى الفراش، وفيه: (( آمنت بكتابك الذي أنـزلت، وبنبيك الذي أرسلت ))، فلما أعاد البراء الدعاء للاستذكار، قال ((.. وبرسولك الذي أرسلت )).
فقال r: (( لا، وبنبيك الذي أرسلت )).([46])
فدل هذا: على وجوب الالتزام بنص الدعاء في الأدعية المخصوصة، والله أعلم.
قال النووي (( فإن ألفاظ الأذكار يحافظ على الثابت عن النبي r)) ([47]).
هل يلقن الدعاء من لا يحفظه أو يقرأه من كتاب.؟
لا نرى مانعًا من تلقين الدعاء من لا يحفظه، ليدعو به، أو قراءته من ورقة أو كتاب، لقوله تعالى { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } [البقرة 286 ].
وقوله: { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن 16 ].
وعلى المسلم، القادر على حفظ الدعاء، أن يحفظه لما في حفظه من خير عظيم، إذ قلما يمر بالمسلم زمن، إلا ويعرض له عارض، أو يهم بأمر، فيستخير بذلك ربه من حفظه.
فربما كان في سفر، أو مكان، وليس بين يديه الدعاء، وهو مُقْدِمُ على أمر عظيم، فيخسر استخارة خالقه، ومن إلى الخير يرشده.

هل يسن رفع اليدين في دعاء الاستخارة ؟
الأصل في الأدعية، رفع الأيدي إلا ما ثبت عن الرسول rعدم الرفع فيه وذلك لعموم الأدلة.
مثل قوله r: (( إن الله حيى كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين ))([48])

هل يختم دعاء الاستخارة بشيء، أو يقدم بين يديه شيئاً من الحمدلة، أو الصلاة على النبي r ؟
أفاد شيخنا العلامة ابن باز، جواز ذلك، فيقدم المستخير بين يدي الدعاء، الحمد والثناء على الله تعالى بما هو أهله، ويختم بالصلاة والسلام على رسول الله r، وذلك لعموم الأدلة، التي تفيد تقديم الحمد والثناء على الله قبل الدعاء، وختمه بالصلاة والسلام على النبي r.
وأبى ذلك شيخنا العلامة الألباني، فمنع ذلك، وذلك لأن دعاء الاستخارة دعاء مخصوص، على صورة مخصوصة، لا ينبغي للمسلم أن يضيف عليه شيئًا، تقديمًا كان ذلك أو ختمًا، والذي تميل إليه النفس، عدم إضافة شيء من ذلك، وذلك دفعًا للريبة، وخشية الوقوع في الابتداع، وخوفًا من التقديم بين يدي رسول الله r، وحرصًا على التمسك بنص الدعاء، والله أعلم.

هل تشرع الاستخارة لأمرين في صلاة واحدة، ودعاء واحد ؟
إن كان هذان الأمران مرتبطين، ومتعلقاً كل واحد منهما بالآخر، فلا شك في جواز ذلك وشرعيته.
كالزواج من فلانة مع قيمة المهر، و كالشراكة مع فلان مع قيمة المبلغ المشارك فيه، وكالسفر إلى بلد مع نوع الوسيلة.
ومثاله أن يقول: اللهم إن كنت تعلم أن في سفري إلى بلاد كذا وكذا بالسيارة خير لي في ديني.. )).
مثال آخر: (( اللهم إن كنت تعلم أن شراكتي مع زيد، وبمبلغ كذا، خير لي في ديني )).
وأما إن كان الأمران مفترقين، ولا يتعلق أحدهما بالآخر، فقد أفتى شيخنا العلامة ابن باز، بجواز ذلك، وقال: لانرى مانعًا. وأبى ذلك شيخنا العلامة الألباني، وقال: لا نرى ذلك، ولعل دليله: قوله r: (( إذا هم أحدكم بالأمر..)).
والذي تميل إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، أن يكون لكل أمر استخارة خاصة به، فإن كان مضطرًا، أو لا يكفيه الوقت، فأرجو أن لا يكون بذلك بأس إن شاء الله تعالى، فإن فعله بلا عذر، فأرجو أن يجزئه، وقد ترك الأفضل والأكمل، والله أعلم.

إذا كان القلب مائلاً إلى الشيء قبل الاستخارة، فهل يستخير المرء ؟
وما فائدة الاستخارة والحال هذه ؟
نعم يستخير المسلم، سواء كان قلبه مائلاً إلى الشيء المستخار له، أو لم يكن مائلاً إليه.
لأن الاستخارة هي طلب التيسير من الله لهذا الأمر، أو صرفه عنه بعلمه وقدرته، فييسرها بأسباب، ويصرفها بأخرى، سواء أدركنا هذه الأسباب، أم لم ندركها.
وليست الاستخارة لانشراح الصدر أو عدمه، وهذا أمر ما يزال غامضًا عندكثير من المسلمين.
وفائدة ذلك واضحة: وهي أن الإنسان ربما ينشرح صدره للشيء، ويظن أن فيه الخير كله، وليس فيه إلا مضرته، والعكس صحيح، لأن الإنسان طبع على إدراك ظاهر الأمور، وخفي عليه غيبها، ولذلك شرع الله عز وجل له هذه الاستخارة، لييسر له من الخير ما لم يعلمه، ويصرف عنه من الشر ما لم يعلمه، ثم يهبه الرضى والاطمئنان بما قدّره، إن كان مؤمنًا صادقًا، مهما كان هذا الأمر في ظاهره لا يرضيه.

هل يوفق المستخير يقيناً ؟
لا شك أن الاستخارة بمنـزلة الدعاء، ومن الأدعية ما يستجاب، ومنها مالا يستجاب.
وقد تكون عدم الاستجابة لمانع من المستخير، كما سبقت الإشارة إليه، فعلى المسلم تجنب موانع استجابة الدعاء، والإلتزام بأحكام الدعاء وآدابه، كيما يستجيب الله دعاءك، ويسّهل لك أمرك، فقد يكون الأمر المستخار فيه، مرتبطًا بك، لا ينفك عنك طوال عمرك، فتخسر التوفيق والسداد.
وقد تكون عدم الاستجابة، لأمر يريده الله سبحانه في تكفير ذنوب أو ابتلاء، فما على العبد العاقل، إلا الصبر والرضى بقضاء الله في جميع الأحوال.
قال رسول الله r: (( ما من على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم … )) الحديث ([49])

هل يمكن للمستخير أن يعرف أنه وفق أم لا ؟
كثيرٌ من الناس يشْكون: إنهم استخاروا ولكن. !
وغفلوا عن أن التوفيق الأكبر، والنعمة العظمى هي: توفيق الله لعبده، بقيامه بهذه الاستخارة، التي فيها ما ذكرنا من الفوائد التعبدية، والرضا بقدر الله تعالى، والتسليم لقضائه، وبخاصة بعد الاستخارة، وعدم الاستكانة للتفكير والهم، وكثرة التردد، الذي يعطل قدرة العبد، ويسلمها للأوهام المهلكة، والعجز المقعد، وهذا من أعظم التوفيق، وأكبر من تحصيل العبد لمصلحة دنيوية، أو منفعة شخصية.
أما فيما يخص الأمر المستخار فيه نفسه: فحقيقة الأمر لا يمكن معرفتها.
وذلك لأن العبد قد يظن أنه لم يوفق، بناء على ظاهر الأمر، ولكن حقيقته قد تكون التوفيق كله، لأن نظر الإنسان غالبًا ما يكون قاصرًا على الأمور الظاهرة، غافلاً عن حقيقة الأمر وغيبه، قال تعالى { يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا } [ الروم 7].
فليس كل عطاء يكون ظاهره خيرًا يكون في باطنه كذلك، وليس كل حرمان هو شرًا في حقيقته.
قال ابن القيم في الفوائد ( 174 ):
(( وكذلك الأب الشفيق على ولده العالم بمصلحته، إذا رأى مصلحته في إخراج الدم الفاسد عنه، بَضَعَ جلده ([50]) وقطع عروقه، وأذاقه الألم الشديد، وإن رأى شفاءه في قطع عضو من أعضائه أبانه عنه ([51])، كلُّ ذلك رحمةً به وشفقة عليه، وإن رأى مصلحته في أن يمسك عنه العطاء لم يُعْطِهِ ولم يوسع عليه، لعلمِهِ أن ذلك أكبر الأسباب إلى فساده وهلاكه، وكذلك يمنعه كثيرًا من شهواته، حمية له، ومصلحة لا بخلاً عليه.
فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين، الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم، ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنـزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من أن لا ينـزله بهم، نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم، ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لَعَجزوا عن القيام بمصالحهم، علمًا وإرادة وعملاً، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم، بموجب علمه وحكمته ورحمته، أحبوا أم كرهوا، فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته، فنازعوه تدبيره، وقدحوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه، وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة ، وآرائهم الباطلة، وسياساتهم الجائرة، فلا لربهم عرفوا، ولا لمصالحهم حَصَّلوا، والله الموفق.
ومتى ظفر العبدُ بهذه المعرفة، سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه نعيمها إلا نعيم جنة الآخرة، فإنه لا يزال راضيًا عن ربه، والرضا جنة الدنيا، ومستراح العارفين، فإنه طَيِّبُ النفس بما يجري عليها من المقادير، التي هي عين اختيار الله له، وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً r، وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك )).
{وعسىأن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون }[البقرة216]
{ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } [ الشورى 27 ].
فقد يستخير المرء لتجارة، ثم يخسر فيها، فيظن أنه لم يوفق، ولربما لو لم يستخر، لكان هناك مشكلات أكثر، ومصائب أعظم، فصرف الله عنه تلك التي لم يعلمها، وقدر له ما ظهر له من الخسارة.
وقد يستخير العبد لزواج، ثم يظهر له أنه لم يوفق فيه، بل ربما يطلق، أو تُطلَّق، رغم الاستخارة.
ولربما لولم يستخر، أو تستخر، لكان هناك من البلايا والرزايا ما دفعها الله عز وجل بفضله ورحمته، أن استجاب دعاء الاستخارة.
قال ابن الجوزي (( فإياك أن تسأل شيئاً إلا وتقرنه بسؤال الخيرة، فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سبباً للهلاك، وإذا كنت قد أمرت بالمشاروة في أمور الدنيا لجليسك، ليبين لك في بعض الآراء ما يعجز رأيك وترى أن ما وقع لك لا يصلح، فكيف لا تسأل الخير ربك وهو أعلم بالمصالح، والاستخارة من حسن المشاورة. ))([52])
ويحكى أن رجلا استخار في تجارة، فخسر ماله، فاستغرب ذلك، فقيل له: إن في مالك حرامًا أذهبه الله عنك باستخارتك له، عوضًا عن محاسبتك به يوم القيامة.
ويحكى أن رجلاً طلب الجهاد، فلم يوفق له، فحزن حزنًا شديدًا فقيل له: لو أنك جاهدت لأسرت، ولو أسرت لكفرت.
ويحكى أن امرأة استخارت في زواج، وبعد الزواج طُلقت، فاستنكرت ذلك، فقيل لها: لو لم تستخيري لتزوجت رجلاً كان سببًا في وقوعك في الفواحش، أو قتل نفسك.
قال ابن القيم في الفوائد ( 172 ):
(( وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه، ويحب المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها شرٌّ كثير لا يعرفه، فالإنسان كما وصفه خالقه ظَلومٌ جهولٌ، فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضرّه وينفعه ميله وحبًّه ونَفْرته وبُغضه، بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه. فأنفعُ الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه، وأضرُّ الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه )).
واحذر يا عبد الله من القنوط من رحمة الله، واليأس من استجابة الدعاء، وعدم الرضا بقضاء الله، فإنه ينافي كمال التوحيد، ويخدش تمام الإيمان.
وإياك أن تستبطئ الإجابة، فتقول: دعوت فلم يستجب لي، فلا يستجاب إذن لك، لأنه اعتراض على قدرة الله، وتقديم بين يديه سبحانه، وقد سبق الحديث ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي))
وربما كان له في ذلك تكفير لذنوبه، وتطهير لنفسه، وفي هذا من الخير مالا يعلمه إلا الله سبحانه.
خلاصة الأمر:
أن الأمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وأن تدبير الخالق لخلقه خير لهم من تدبيرهم لأنفسهم، وتقديره خير لهم من ظنهم، وعلى العبد إحسان الظن بالله تعالى، وصدق اليقين به، والتسليم لأحكامه، وتوطين النفس على الصبر على قدره، والرضا بقضائه، وأنه سبحانه، لا يقدر لعبده المؤمن إلا الخير، فإن بلغ هذه الدرجة من الإيمان، كان أنفع له من كل غرض دنيوي، ومقصد مادي.
فعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله r:
(( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ))([53]).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله r:
(( عجبت للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له ))([54]).
قال ابن الجوزي: (( فإذا جاء إبليس فقال: كم تدعوه ولا ترى إجابة ؟ فقل: أنا أتعبد بالدعاء، وأنا موقن أن الجواب حاصل، غير أنه ربما كان تأخيره لبعض المصالح علي مناسب، ولو لم يحصل حصل التعبد والذل )) ([55]) الذي هو أعظم منفعة، من تحقيق الغرض الدنيوي.
وليس هناك من محظور، إذا ما شعر العبد أن دعاءه لا يستجاب، وأن أعماله لا توفق، أن يراجع أعماله، ويحاسب نفسه، ويستقيم في دينه، ويكثر من طاعة ربه، بل هذا هو الخليق بالمؤمن، والجدير به، فقد يكون هناك موانع لاستجابة الدعاء، يفعلها العبد من غير علم أو قصد، كأن يكون غافلاً عن ربه، ضعيف اليقين به، أو يكون في طعامه حرام، وفي دخله شبهة، أو لظلم يفعله، أو لذنب يرتكبه، فليراجع العبد نفسه، وليتفقد أحواله، فإن في ذلك خيرًا عظيمًا، لنفسه و عاقبته، فإن المعاصي سد في بلوغ الأرب، والغفلة حجاب أمام استجابة الدعاء والطلب.
قال ابن الجوزي (( فإذا تبت ودعوت ولم تر للإجابة أثراً فتفقد أمرك، فربما كانت التوبة ما صحت، فصححها ثم ادع ولا تمل من الدعاء، فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة، فأنت تثاب وتجاب إلى منافعك، ومن منافعك أن لا تعطى ما طلبت بل تعوض غيره )) ([56]).
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل يا رسول الله ما الاستعجال ؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء )). ([57])

هل يستشير المستخير أحدًا.. ومتى ؟
وما فائدة الاستشارة مع الاستخارة ؟
نعم يستشير المستخير من علم منهم صلاحًا، وسدادًا في الرأي ونصحًا، وسواء كانت الاستشارة قبل الاستخارة، أم بعدها، فلا فرق، وقديمًا قيل: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار. فالاستخارة لله، والاستشارة للعباد.
والاستخارة عمل إيماني، والاستشارة عمل سببي، ولا تعارض بينهما، تماماً كالتوكل على الله عز وجل بالقلب، ومباشرة الأسباب بالجوارح، التي خلقها الله عز وجل للوصول إلى الغايات، وهذا هو المشروع في دين الإسلام، أما ترك الأسباب، فهو التواكل الذي يأباه الإسلام، وأما الاعتماد عليها دون الله عز وجل، فهو المسمى بشرك بالأسباب.
قال تعالى: { وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين } [ آل عمران: 159 ].
فجمع الله تعالى - في آية واحدة - بين اتخاذ الأسباب، وهي المشورة، ووجوب التوكل على الله تعالى، الذي هو عمل إيماني، وصفة كمال من صفات المؤمنين.
وهذا من فضل الله علينا، في عظمة هذا الإسلام، أن جمع بين الإيمان والعمل، ووازن بين الروح والمادة.
وفي الحديث المشهور: أن رجلاً سأل النبي rعن دابته أيعقلها ويتوكل ؟ أو يطْلقها ويتوكل ؟
فكان هذا الجواب الكامل، والكلم الجامع، والبيان الرائع: (( اعقلها وتوكل )) ([58]).
وكان من سيرته rمشاورة أصحابه، بل ونسائه أحيانًا، فشاورهم في أحد، وشاورهم في الخندق، وشاورهم في أسارى بدر، وفي كثير من الأمور.
وأثر عن سلفنا الصالح قولهم للعاطلين عن العمل:
(( إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة )).
والناس في الاستشارة:
كما قال معن بن زائدة: (( إنما نعيش بعقل غيرنا )).
وقال بعضهم: الناس ثلاثة:
فواحد كالغذاء لا يستغنى عنه.
وواحد: كالدواء، يحتاج إليه في بعض الأوقات.
وواحد: كالداء لا يحتاج إليه أبدًا.


هل هناك طرق للاستخارة غير هذا ؟
لا يوجد طريقة شرعية للاستخارة غير ما ذكرنا، من الصلاة والدعاء.

إذن ما حكم هذه الاستخارات التي يفعلها الناس ؟
ما يفعله كثير من الناس غير الاستخارة الشرعية، إنما هو من محدثات الأمور، عدا عن أنها كانت سببًا في الإِعراض عن الاستخارة الشرعية، وقمين أن لا يستجاب لصاحبها إلا أن يشاء الله تعالى، الأمر الذي يؤدي به إلى ضعف إيمانه، وشكه في قدرة ربه، وسوء ظنه بالله سبحانه.
قال r: (( إياكم ومحدثات الأمور ))([59]).
وصدق ابن عباس:
(( ما من بدعة تحيا إلا وسنة تموت ))(2).
ومن الاستخارات البدعية:
1 - فتح المصحف، فإن وقف على آية عذاب لم يفعل، وإن وقف على آية رحمة فعل.
2 - ومنهم من يذهب إلى شيخ ليُبيّت له استخارة، فيخبره الشيخ في اليوم التالي، بما يفعل أو يذر، بناء على منام يراه، أو رأي ارتآه، أو تدجيل دجّله.
3 - ومنهم من يستخير بالسبحة (( المسبحة )) فإن كان نهاية عده وترًا ( فردًا ) مضى في فعله، وإن كان نهاية عده شفعًا ( زوجًا ) لم يفعل، أو عكس ذلك.
ومنهم من يستخير بقطف وريقات الزهرة وهو يقول: أفعل .. لا أفعل، فإن انتهت آخر وريقة مع ( أفعل ) فعل، وإذا انتهت مع ( لا أفعل ) ترك !
4 - ومنهم من يستخير بالألوان والطيور، والأصوات، والكلمات، أو الأمكنة، والأزمنة والأيام.
وغير ذلك من الاستخارات البدعية التي ما أنـزل الله بها من سلطان.
5 - وأعظم من هذا كله أن يستخير المسلم عند الكهان، والسحرة والعرافين.
واعلم أن كل صفة من صفات الاستخارة غير الصفة المشروعة إنما هي بدعة محدثة محرمة.
قال تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } [ الشورى 21 ].
واحذر - يا عبد الله - أن تشرع لنفسك ما لم يأذن الله به، أو يفعله رسول الله، فتفسد عملك، وتبطل أجرك.
واعلم أن أخطر هذه الأنواع الأخيران منها.
أما الرابع: فإنه ضرب من ضروب التشاؤم، الذي هو باب من أبواب الشرك والعياذ بالله، وهو تعليق المستخير أمره بغير الله، وبغير قضاء الله وقدره، وهو عمل من أعمال الشرك والشيطان، الذي كان يتعاطاه أهل الجاهلية الأولى دينًا لهم.
قال r: (( ليس منا من تَطَيّر أو تُطيِّر له، أو تَكهَّن أو تُكهِّن له، أو َسحر أو ُسحر له )) ([61]).
وقال r: (( الطِيرَةُ شرك )). ([62]) أي: التشاؤم شرك وهو تعليق الأحداث بغير الله كالألوان والطيور وما شابه ذلك.
وقال (( من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك )).([63])
وأما الأخير منها، وهو الاستخارة بالعرافة والتكهن، فهو شرك بالله العظيم، وكفر بشرعه القويم، فالغيب لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علم الغيب لنفسه، أو لغيره، ارتد عن الإسلام يستتاب و إلا قتل.
فإنه بفعله هذا، قد حادَّ الله تعالى، وزعم - افتراءً وكذبًا - أن أحدًا من خلقه يشاركه في علم الغيب.
قال r(( من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنـزل على محمد )) ([64]).
وقال r: (( من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة )) ([65]).
وقال r: (( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنـزل على محمد )) ([66]).
فسارع يا عبد الله إلى التوبة والإنابة، فإن صدق هؤلاء الكهنة والعرافون مرة، فقد كذبوا مائة مرة.
واعلم - رحمك الله - أن بعض صور الاستخارة عند بعض الناس كالأزلام التي كان يتعاطاها أهل الجاهلية، والتي هي ضرب من ضروب الاستخارة التي حرمها الإسلام أشد تحريم، وقرنها الله تعالى مع الخمر والقمار فقال:
{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } [ المائدة 90 ]

هل تشرع الاستخارة عن الغير ؟
كنت أعرضت عن ذكر هذا السؤال والجواب عنه، وذلك لأن الإجابة تحتاج إلى اجتهاد … ثم عزمت على الإجابة لإلحاح الإخوة على ذلك … فأقول:
الأصل أن لا تشرع الاستخارة عن الغير لقوله r: (( إذا هم أحدكم )) فالأمر منوط بصاحبه:
لكن؛ إذا كان العمل مشتركاً، أو للمرء علاقة - ولو بعيدة - به، كزواج ابن أو ابنة، أو كان الأمر - يخص من هو دون التكليف، كإجراء عملية جراحية لطفل أو سفره، أو ما يتعلق بأموره، فالراجح مشروعيتها في مثل هذه الأحوال، وذلك لأن الأمر وإن كان خاصاً بغيره كالطفل، لكن له علاقة كبيرة بالوالد، إذ أن فشل العملية يعني بالضرورة زيادة مشاق على الوالد.. وكذلك فشل الابن في الزواج، يسبب مشكلات للوالد.. وهكذا ؛ فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.. والله وحده ولي التوفيق.


تحقيق الأحاديث التي وردت في الاستخارة
الحديث الأول:
(( من سعادة ابن آدم استخارته لله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله عز وجل )).
ـ قلت الحديث حسن لغبره .
رواه أحمد ( 1/ 168 ) والترمذي ( 2151 ) والحاكم ( 1/ 518 ) والبزار ( 1177 - 1178 ) والخطيب في ( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ) ( 1714 ) وابن عساكر ( 16/ 232/ 1 ) والبيهقي في الشعب ( 203 ) والذهبي في تذكرة الحفاظ 3 / 1170 / ( 1024 ) - وعزاه في الترغيب للأصبهاني وأبي الشيخ بن حيان في الثواب - كلهم من طريق محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي rقال: … فذكره
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في الفتح، وكذا الألوسي، وليس الأمر كذلك، فإن فيه محمدًا بن أبي حميد، قال الذهبي نفسه (( ضعفوه ))، وقال ابن عدي (( ضعفه بيّن على ما يرويه، وحديثه مقارب، وهو مع ضعفه يكتب حديثه ))، أي للاستشهاد والمتابعة.
قلت: وقد تابع محمد بن أبي حميد عبد الرحمن بن أبي بكر
قال البزار: (( رواه عن إسماعيل محمد بن أبي حميد وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما حديث عبد الرحمن بن أبي بكر فحدثناه محمد بن المثنى قال نا عمر بن علي قال نا عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الله رجل من قريش عن إسماعيل بن محمد.. )) ثم ذكر الحديث، بإسناده ثم قال: وعبد الرحمن بن أبي بكر هذا لين الحديث ))
وقد رواه من هذه الطريق أيضًا اللالكائي في ( اعتقاد أهل السنة ) ( 1103 ) وأبو يعلى ( 701 )
وعبد الرحمن هذا: هو ابن عبيد الله بن أبي مليكة، ضعفوه، وقال ابن عدي: (( هو في جملة من يكتب حديثه )) أي للمتابعة.
فالحديث يرتقي بهذه المتابعة إلى درجة الحسن لولا أن الراوي عن عبد الرحمن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم - يدلس تدليسًا شديدًا، قال ابن سعد: (( كان ثقة، وكان يدلس تدليساً شديدًا، يقول: سمعت وحدثنا ثم يسكت فيقول: هشام بن عروة والأعمش )) وقال أبو حاتم: (( محله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة )) ا هـ
قلت: ومما يؤيد كلام هذين الإمامين هنا: أنه قد جاء في إسناد أبي يعلى:
((.. حدثنا عمر بن علي بن عطاء بن مقدم عن عبد الرحمن … )) فعنعنه، بل وأصرح منه في التدليس المذكور ما جاء في إسناد اللالكائي: (( … ثنا عمرو بن علي قال: ثنا عمر بن علي بن مقدم قال:
عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله يذكر عن إسماعيل بن محمد ….))
ولذلك لا تصلح هذه الطريق لتقوية الطريق الأولى لكن للحديث طريق ثالثة، أخرجها الشاشي في مسنده ( 185 ) من طريق عبد الله بن يعقوب المدني نا عتيق بن يعقوب بن أبي فديك عن سعد بن أبي وقاص ( كذا ) عن أبيه عن سعد عن النبي r… )) ولكن هذا الإسناد لا يعتمد عليه إذ جاء في المخطوط فوق كل كلمتين من الإسناد ضبَّة كما نبه على ذلك محققه، وهذا يعني أن في الإسناد إشكالاً ما.
وعبد الله بن يعقوب: مجهول الحال، كما في التقريب.
قال ابن القطان: (( عبد الله بن يعقوب المدني: أجهدت نفسي في معرفته فلم أجد أحدًا ذكره )) نصب الراية 3/17 قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن سعد، ولا رواه عنه إلا ابنه محمد.
قلت: وللحديث شاهد من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن عامر بن سعد.
أخرجه البزار ( 1097 ) قال: حدثنا محمد بن السكن نا عمران بن أبان الواسطي نا عبد الرحمن بن أبي بكر عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد عن سعد قال قال رسول الله r… وذكر نحوه.
وعبد الرحمن بن أبي بكر ضعيف كما سبق.
وعمران بن أبان ضعيف أيضًا كما في التقريب.
و محمد بن السكن لعله محمد بن سُكين مؤذن بني شقرة، الراوي عن عبيد الله بن بكير، ترجمه العقيلي في الضعفاء ( 4 /80 –81 ) وابن أبي حاتم في ( الجرح والتعديل ) ( 7 / 283 ) وقال: سمعت أبي يقول: هو مجهول. ا هـ وترجمه الذهبي في الميزان ( 567 ) وقال: لا يعرف وذكره ابن حبان في الثقات وقال روى عنه أهل العراق.
وانظر لسان الميزان ( 5 / 181 ) والمغني ( 2 / 586 ).
فبهذا يكون مدار الحديث على ثلاثة محمد بن أبي حميد وهو ضعيف، وعبد الرحمن بن أبي بكر وهو ضعيف، ومحمد بن إسماعيل بن مسلم وهو صدوق.
فهذه ثلاثة طرق يعضد بعضها بعضًا.
وأما عمر بن علي المديني: فقد توبع من عمران بن أبان، فالحديث يقارب الحسن والله أعلم.
والحديث ضعفه شيخنا في ضعيف الترغيب والضعيفة ( 1906 ) من الطريق الأولى فقط، ولم يتعرض لبقية الطرق !
تنبيه:
1 - عزا المنذري في الترغيب ( 1/ 479 ) والهيثمي في المجمع ( 2/ 284 ) الحديث لأبي يعلى وضعفاه بمحمد بن أبي حميد ! وقد علمت أنه رواه من غير طريقه !
2 - لم يعز المنذري لأحمد وأبي يعلى إلا الجملة الأولى، والحديث عندهما بتمامه، فجلّ من لا يسهو.

الحديث الثاني:
(( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد )).
ـ الحديث ضعيف جدًّا.
رواه الطبراني في الأوسط ( 6627) والصغير ( 2 / 175 ) والقضاعي ( 2 /7 ) من طريق عبد القدوس بن عبد السلام بن عبد القدوس عن أبيه عن جده عن الحسن عن أنس مرفوعاً .
وعبد القدوس الحفيد: متهم، قاله ابن حبان.
وعبد القدوس الجد: كان يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتابة حديثه، قاله ابن حبان أيضًا ([67]).
ولذلك حكم شيخنا الألباني في السلسلة ( 611 ) بوضعه، ومن قبله الحافظ في الفتح ( 11 / 184 ) قال: إسناده واه جدًّا.
ثم وقفت على طريق آخر، عند الخطيب في تاريخه ( 3 / 54 ) من غير طريق هذا الكذاب، ولكنها لا تفيد شيئًا ففيها مجاهيل.

الحديث الثالث: (( اللهم خر لي واختر لي ))
- ضعيف.
رواه الترمذي ( 5 / 535 ) رقم (3511) وضعفه، والمروزي في سنن أبي بكر رقم (44)، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (597 )، وأبو يعلى ( 1 / 46 )، وابن عدي ( 3 / 236 )، كلهم من طريق زنفل على وزن أحمد.
قال في التقريب: ضعيف، ولذا ضعف الحديث في الفتح.
الحديث الرابع:
(( اكتم الخطبة، ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلِّ ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجِّده ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، و أنت علام الغيوب، فإن رأيت لي في فلانة - سمِّها باسمها - خيرًا في دنياي وآخرتي فاقض لي بها، أوقال: فاقدر ها لي ))
ضعيف:
أخرجه أحمد ( 23644، 23645 ) وابن خزيمة ( 1220 ) وابن حبان من طريقه (4040 ) والحاكم ( 1181، 2698 ) والبيهقي ( 7 / 147 ) والطبراني ( 3901 ) وفي الدعاء ( 1307 ) كلهم من طريق ابن وهب: أخبرني حيوة بن شريح عن الوليد بن أبي الوليد أن أيوب بن خالد بن أبي أيوب حدثه عن أبيه عن جده أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً به.
قال شيخنا الألباني رحمه الله:
(( خالد بن أيوب: أورده ابن أبي حاتم ( 1 / 2/ 322 ) بهذا السند، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلا،ً فهو مجهول العين، وأما ابن حبان فوثقه ( 4 / 198 ) !
وابنه أيوب بن خالد: قال الحافظ (( فيه لين ))، والوليد بن أبي الوليد - وهو أبو عثمان المدني - وثقه أبو زرعة كما في (( الجرح والتعديل )) ( 4 / 2 / 20 ) وقال الحافظ ( لين الحديث ) )) ا هـ من الضعيفة 6/409
وبوجود هؤلاء الرواة الثلاثة تعلم صواب تضعيف شيخنا الألباني للحديث، وأن قول الحافظ في الفتوحات الربانية ( 3/246 ):
(( هذا حديث حسن من هذا الوجه )) ليس بحسن، وكذلك تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له، والله أعلم.


الحديث الخامس:
ضعيف جدًا
(( يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك، فإن الخير فيه ))
رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة ( 598 ) والديلمي في الفردوس ( 8451 )
من طريق إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك ثنا أبي عن أبيه عن جده قال قال رسول الله r: … فذكره.
قال المناري في فيض القدير 1/ 450 :
(( وفيه إبراهيم بن البراء، قال الذهبي في الضعفاء ([68]): اتهموه بالوضع، عن أبيه، وهو ضعيف)) وقال النووي في الأذكار ([69]): (( إسناده غريب فيه من لم أعرفهم )) وقال ابن حجر في الفتح ([70]) - بعد عزوه لابن السني - : (( هذا الحديث لو ثبت كان هو المعتمد لكن إسناده واهٍ جدًا )) ا هـ
قلت: وقال العراقي: (( الحديث ساقط لاحجة فيه ))([71]).
وقال السيوطي في (( تحفة الأبرار )) ( 37 / أ - ب ) تعقيبًا على قول النووي: هم معروفون لكن فيهم من هو معروف بالضعف الشديد، وهو إبراهيم بن البراء، فقد ذكره في الضعفاء ابن عدي وابن حبان وغيرهم، وقالوا إنه كان يحدث بالبواطل عن الثقات، زاد ابن حبان: لا يحل ذكره إلا سبيل القدح، قال الحافظ ابن حجر: والراوي عنه في هذا السند عبيد الله بن الموصيل الحميري، لم أقف له على ترجمة، والراوي عنه عبيد الله أبو العباس بن قتيبة اسمه محمد بن الحسن وهو ابن أخي بكار بن قتيبة قاضي مصر، وكان ثقة، أكثر عنه ابن حبان في صحيحه )). ا هـ.
فالحديث ضعيف جدًا، والله أعلم.

الخلاصـة:
إذا هم العبد بأمر، أو عرض له عارض من أمور الدنيا، أو نوى مستحبًا أو واجبًا مخيرًا فيها، أو تعارض عنده واجبان، أو مستحبان، أيهما يفعل، أو أيهما يقدم، فيصلي ركعتين بنية الاستخارة لهذا الأمر، ثم يدعو بعد الصلاة بالدعاء المذكور.
(( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ ثم يسميه ] خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري ، عاجله وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر [ يذكر الأمر ويسميه ]شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، عاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به )).
ثم يشاور من عرف منهم صلاح الدين، وسداد الرأي، ثم يعزم على أي وجه شاء، من غير نظر إلى انشراح صدر، أو ضيق نفس أو رؤية منام ، ثم يتوكل على الله حق توكله، ثم يفعل ما بدا له أن يفعله، ثم يرضى بما قُدر له، مهما كان هذا المقدر في ظاهره لا يرضيه، فلربما إن لم يستخر، كانت المصائب أعظم، والرزايا أكبر، وعلى الله قصد السبيل، وهو الهادي سواءه، إنه نعم المستخار، ونعم المستعان، ونعم النصير.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

([1]) قلت: الحديث حسن لغيره، ويأتي تخريجه و بيان صحته.

([2]) آل عمران ( 26).

([3]) الأعراف ( 188 ).

([4]) البقرة (216 ).

([5]) الروم ( 7 ).

([6]) أن يذكر ما يريد.

([7]) تم ضم هذه الزيادة التي أوردها الراوي على الشك، كذا فعل شيخ الإسلام في (( الكلم الطيب)) قال شيخنا: (( ليكون الداعي على يقين أنه أتى باللفظ النبوي لم يفته منه شيء)) وكذا رجح ابن عابدين في (( حاشيته )) (2/ 26).

([8]) رواه البخاري (2550) ومسلم ( 1718 ) عن عائشة رضي الله عنها.

([9]) رواه أحمد ( 3/344) والبخاري ( 2 / 51) وأبو داود ( 1482 ) والنسائي ( 3253) والترمذي ( 480) وابن ماجه ( 1383) هذا وقد أخرت ذكر الدليل عن الكيفية، تسهيلاً للمسلم الذي يريد الاستخارة فقط دون الدخول في التفاصيل.

([10]) الفتح ( 11 / 184 ).

([11]) بعد كتابة ما تقدم، بلغني أن بعض أهل العلم من الفضلاء يقول: إن العازم على الأمر غير المتردد فيه لا يستخير، فلما كلمته في ذلك في محاورة هادئة هادفة، أقر بما قررناه ، فلله الحمد والمنة.

([12]) شرح الترمذي ( ق 335/ 2 ) نقلاً عن كتاب حديث صلاة الاستخارة للأخ الفاضل الدكتور عاصم القريوتي حفظه الله ( ص 53).
ونقله عن العراقي أيضاً الشوكاني في نيل الأوطار ( 3/83)

([13]) القاموس المحيط: لسان العرب.

(1)9رواه مسلم ( 162، 164) وابن خزيمة ( 301) وغيرهما عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه.

([15]) أما الرواية المشهورة بالفاء فقد رواها البخاري ( 1784، 6790 ) و مسلم ( 1383 ) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأما رواية القاف التي ذكرنا فقد رواها المفضل الجندي في ( فضائل المدنية ) ( 23 ) حدثنا ابن أبي عمر وسعيد قالا ثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر ورواية البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر وابن أبي عمر هو شيخ مسلم وقد رواه مسلم عنه حدثنا سفيان بإسناده عن أبي هريرة ورواه من طريق أخرى عن مالك عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر وكلها بالفاء.

([16]) يراجع بهجة النفوس ( 2 / 87 ).

([17]) رواه مسلم ( 1015) وغيره .

([18]) رواه الترمذي رقم ( 3568 ) وحسنه ووافقه شيخنا العلامة الألباني في صحيح الجامع.

([19]) رواه أحمد ( 5 / 338 ) والترمذي رقم ( 2169 ) وحسنه وكذلك العلامة الألباني في صحيح الجامع.

([20]) رواه أحمد ( 1 / 172، 183 ) وأبو داود ( 1480 ) وحسنه شيخنا في صحيح الجامع.

([21]) رواهما الترمذي ( 3479، 3382 ) والحاكم ( 1997، 1817 ) وحسنهما شيخنا الألباني عن أبي هريرة في صحيح الجامع.

([22]) رواه الحاكم (3181) وصححه ووافقه الذهبي والبيهقي في الكبرى10/146 وغيرهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وصححه شيخنا العلامة الألباني في السلسلة (1805)
ذهب بعض أهل العلم إلى أن لفظ الحديث وإن كان عاماً في عدم الاستجابة إلا أن مقصوده الخصوص. أي: لا يستجيب الله لمن يدعو على هؤلاء الثلاثة لاأن لايستجيب له بالكلية، وذلك عقوبة لتفريطه في هذه الأمور … والله أعلم.

([23]) رواه أحمد (2763 ) والترمذي (2516 ) وقال حسن صحيح، والحاكم (3/623، 624 ) عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي وأقرهما شيخنا العلامة الألباني في صحيح الجامع.

([24]) رواه أبو داود (1479) والترمذي (2969) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه وقال حسن صحيح، وأقره شيخنا الألباني في صحيح الجامع.

(3) رواه مسلم ( 2999 ) وأحمد ( 4/333)، ( 6/16) وغيرهما عن صهيب رضي الله عنه ..

([25]) زاد المعاد ( 2/ 442 ).

([26]) الفتح ( 11 / 187 ).

([27]) رواه مسلم (2263) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([28]) رواه ابن حبان (6042) وغيره عن عوف بن مالك وانظر صحيح الجامع.

([29]) المغني ( 2 / 95 ).

([30]) انظر الموسوعة الفقهية ( 3 / 306 ) و المغني مع الشرح ( 2 / 295 ) و المجموع ( 5 / 88 ).

([31]) يجدَّه: أي يجعله جديدًا.

([32]) مسلم ( 1333) وغيره عن عبد الله بن الزبير من قوله.

(1) رواه أحمد (12606) وأبو داود (521) والترمذي (212) وغيرهم عن أنس، وانظر صحيح الجامع.

(2) رواه أبو داود (2540) والبيهقي (6251) وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه وحسنه الألباني في صحيح الجامع.

(3) رواه مسلم (758) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(4) رواه البخاري (893 ، 4988) ومسلم (852) وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(5) رواه أبو داود (1048) والنسائي (1389) وغيرهما عن جابر ، وحسنه الحافظ في الفتح 2/420 .

(6) رواه أحمد (7501) وأبو داود (1536) والترمذي (1905 ، 3488) عن أي هريرة ، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع .

* هي الصلوات المنوطة بسبب كتحية المسجد ، وسنة الوضوء ، والاستخارة .
(1) رواه الترمذي (3518) وابن خزيمة (2348) وابن حبان (822) عن الحسن بن علي رضي الله عنهما ، قال الترمذي : هذا حديث صحيح وصحه يخنا في الإرواء (2074).
(2) رواه مسلم ( 831) وغيره عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه.

(3) رواه البخاري ( 561) ومسلم ( 827) وغيرهما.

(1) رواه أبو داود ( 2160) وابن ماجه ( 2252) والحاكم 2/202، راجع صحيح الجامع.

(2) يحدث: ينقض وضوءه.

(3) البخاري ( 174) ومسلم ( 649)

(3) نيل الأوطار 3/73.

([39]) الأذكار ( 110 ).

([40]) الفتح ( 11 / 185 ).

([41]) نقل ذلك الأخ الفاضل الدكتور عاصم القريوتي في كتاب الاستخارة.

([42]) المصدر السابق.

([43]) الفتح ( 11 / 185 ).

([44]) الأذكار ( 110 - 111 ).

(4) نقله في الفتح ( 11 / 186 ) عن ابن أبي جمرة.

(1) رواه البخاري ( 244) ومسلم ( 2710) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.

([47]) المجموع ( 3 / 495 ).

(3)رواه أبو داود ( 1488) وابن ماجه ( 3865) والترمذي ( 3556) واللفظ له وصححه الألباني في صحيح الجامع.

([49]) سبق تخريجه ص ( ).

([50]) بضع جلد: شقه.

([51]) أبانه عنه: قطعه.

(1) صيد الخاطر ( 295 ).

([53]) رواه أحمد في المسند ( 12181) عن أنس رضي الله عنه ( صحيح الجامع ).

([54]) رواه أحمد 4/332 ومسلم ( 2999 ) وقد مضى.

([55]) صيد الخاطر 295.

([56]) صيد الخاطر 295.

([57]) رواه مسلم ( 2735 ).

([58]) أخرجه الترمذي ( 2517) وابن حبان ( 731) وغيره وجوّد العراقي إسناده في تخريج الإحياء.

(1)أحمد 4/126 وأبو داود ( 4607) والترمذي ( 2676) عن العرباض بن سارية رضي الله عنه وصححه في الإرواء ( 2455)

(2) سبق تخريجه .

(1) رواه الطبراني 18/162 والبزاز ( 3578)، صحيح الجامع.

(2) رواه أحمد (3687، 4194) وأبو داود (3910) وابن ماجه (3538) وغيرهم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( صحيح الجامع ) .

([63]) رواه أحمد ( 7045) وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ( صحيح الجامع ).

([64]) رواه الإمام أحمد 2/429 والحاكم 1/49، ( صحيح الجامع ).

([65]) رواه مسلم ( 2230) والحاكم ( 138).

([66]) رواه أحمد 2/476 و الترمذي ( 135) وابن ماجه ( 639)، ( صحيح الجامع ).

([67]) المجروحين ( 2 / 131 ).

([68]) المغني في الضعفاء 1 / 11 وانظر الميزان 1 / 139

([69]) الأذكار 111 .

([70]) الفتح ( 11 / 187 ).

([71]) نيل الأوطار ( 3 / 74 ).
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-03-12, 03:11 PM
محمد الناظوري محمد الناظوري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-02-07
المشاركات: 138
افتراضي رد: صلاة الاستخارة وأحكامها مع تحقيق الأحاديث الواردة فيها للشيخ عدنان عرعور

جزى الله خيرا فضيلة الشيخ المجاهد عدنان العرعور على هذا البحث القيِّم، وأسأل الله أن ينصره وإخوانه الشاميِّين على طاغوت الشَّام وزمرته...
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 28-09-12, 12:20 PM
طويلبة علم حنبلية طويلبة علم حنبلية غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-06-09
الدولة: اللهم بارك لنا في شامنا !
المشاركات: 3,923
افتراضي رد: صلاة الاستخارة وأحكامها مع تحقيق الأحاديث الواردة فيها للشيخ عدنان عرعور

جزاكم الله خيرا ..
__________________
لأستسهلنَّ الصّعبَ أو أدركَ المُنى ... فما انقادتِ الآمالُ إلّا لصابرِ ..
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
للشيخ , الأحاديث , الاستخارة , الواردة , تحقيق , صلاة , عدنان , عرعور , فيها , وأحكامها

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:26 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.