ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-07-12, 10:09 AM
أبو إبراهيم سعد العتيبي أبو إبراهيم سعد العتيبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-06-10
المشاركات: 79
افتراضي الشيخ طه بن عبد الواسع البركاتي

الشيخ طه بن عبد الواسع البركاتي

اسمه وشهرته ولقبه.
هو الشيخ طه بن عبد الواسع بن محمد بن غالب بن عبد الله بن أحمد البَرَكاتي،
حدثني الاستاذ سلطان البركاني قائلاً : هكذا عرف في موطن ميلاده لدى الخاص والعام، غير أنَّه أشتهر في مَكَّة المُكَرَّمَة وبعض مدن وحواضر المملكة العربية السعودية الشقيقة بـ( البركاتي )، والصحيح في اسمه البَرَكاني، بالنون .

نسبة :
حدثني الاستاذ سلطان بن نعمان البركاني المقيم في صنعاء باليمن عن نسب اسرته الكريمة قائلاً بالنسبة لنسب بيت البركاني , هناك من يذكر انها متفرعة عن اسرة البركاتي السادة الاشراف المشهورة في الحجاز , على انه حصل تصحيف في اللقب فأبدلت تاء البركاتي الى نون واصبح البركاني , وذلك بعد بزوغ بيت البركاني المعروفه في لواء تعز منذ وفد على جبل حبشى ( ذخر سابقاً ) الشيخ الحاج احمد بن سعيد البركاني وحل في قرية نجد العود في اواخر القرن التاسع الهجري.واستقرت اسرته فيها.

وذكر لي الأستاذ الشيخ عبد الله بن الشيخ طه البركاني نسب والده بالتواتر التالي :
هو الشيخ طه بن عبدالواسع بن محمد بن غالب بن عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن عبدالقادر بن أحمد بن سعيد بن رشيد بن محسن بن حسين بن مسعود بن إدريس بن الحسن بن محمد ابي نمى الثاني بن بركات الثاني بن محمد بن بركات الاول بن حسن بن عجلان بن رميثة بن محمد ابي نمي الاول بن الحسن بن علي بن قتادة بن ادريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سليمان بن علي بن عبد الله الاكبر بن محمد الثائر بن موسى الثاني بن عبدالله بن موسى الجون بن عبدالله المحض بن الحسن الرضا بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن ابى طالب رضي الله عنهما .

مكان وزمان ولادته.
وفي تاريخ ميلاده لدينا روايتين مُختلفتين ألأولى وردت على لسان الشيخ نفسه في إحدى مقابلاته، والثانية جاءت على لسان ابن خاله وزميله في الدراسة وهو الشيخ أحمد بن أحمد مهيوب الجُبَيحي. فالشيخ يذكر في مقابلة أجريت معه بمناسبة مرور ( 100 ) عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، وإعداد كتاب وثائقي عن الحَرَمين الشَّريفين هو يوم الاثنين الخامس عشر من شهر رَمَضَان المبارك سنة 1349 من الهجرة النَّبَوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، الثاني من شباط سنة 1931 من الميلاد.
وكان مولده، بمسقط رأس والده، في منزل جَدِّه المعروفة بنَوبَة الجُدْل نسبة إلى المحَلَّة التي بنيت فيها، والواقعة في الجهة الشمالية من قرية نجد العود، مُديريّة جَبَل حَبَشي.
وهناك رواية أخرى لتأريخ ميلاده أوردها ابن خاله الشيخ أحمد بن أحمد مهيوب الجُبَيحي وهو أكثر شخص لازمه وارتبط به لمدة طويلة من بدء دراسته في مدرسة بَني بُكاري إلى مَكَّة المُكَرَّمَة يذكر في مقال نشرته صحيفة الأيام تنعي رحيله أنَّ ميلاده كان في شهر صفر سنة 1346هـ / أغسطس 1927م.
فلو وقفنا على الروايتين وأمعنا فيهما النَّظر وناقشناهما منطقياً نرى أنَّ الرِّواية الثانية رُبَّما هي الأقرب إلى الصواب مع تقدير احتمال الخطأ وذلك من خلال التَّحليل لِما بين أيدينا من المعلومات والبيانات فالشيخ يذكر أنَّه تَوَجَّه إلى بَني بُكاري للدراسة وهو في الثالثة عشرة من العُمر وأكد هذا القول الكثيرين من المُطَّلعين على سيرته وأنَّه أخَذَ عن جَدِّه القاضي عبد الرقيب البَرَكاني الذي كان يقيم هناك والذي وافته المَنيّة حوالي عام 1358هـ فإذا افترضنا جدلاً أنَّ ولادته كانت عام 1349هـ فمعنى ذلك أنَّ جَدّه القاضي عبد الرقيب البَرَكاني توفي والشيخ طه في سِنِّ العاشرة وهذا مُناقض لِما جاء في سياق كلامه بمعنى أنَّه انتقل إلى بَني بُكاري لمواصلة التَّحصيل ولم يلحق جَدّه وتبعاً لذلك لم يأخذ عنه شيء مِمّا يَدُلُّ أنَّ الرّواية الثانية التي ذكرها ابن خاله وزميله الشيخ أحمد بن أحمد مهيوب الجُبَيحي هي الأقرب إلى التأريخ الصحيح كونها تتوافق وتنسجم مع الواقع وتبعاً لذلك فسوف نعتمد الرّواية الثانية ونسير عليها.

طفولته ونشأته:
الطَّور الأوَّل من أطوار حياته، يتمَثِّل بعهد الطفولة، التي قضاها في حِجر أبويه، وبين أبناء أسرته بيت البَرَكاني المشهورة في اليمن والتي ظَهَرَ منها علماء أعلام في الفقه والأدب، تولّوا القضاء والتَّدريس والفتوى وأفادوا الناس أزماناً، وفي أكناف هذه الأسرة العريقة في دينها وعروبتها نَما وأمرع ونشأ وتَرَعرع.
ماتت أُمّه السيدة الفاضلة نفحة بنت مهيوب الجُبَيحي وهو لا يزال طفلاً فتزوج والده من شقيقتها السيدة رقية بنت مهيوب الجُبَيحي، التي حَلَّت مَحَلّ أختها فَسَدَّت الفراغ الذي نَتَجَ عن وفاة أختها فَعَوَّضَته وإخوانه عن والدتهم وكانت لهم الأم الحَنون والمُربية الفاضلة رَبَّتهم على القيم الكريمة والأخلاق الفاضلة فلم يشعر أيّ منهم بقسوة اليُتم او يحس بمرارة افتقاد الأم.
في قرية نجد العود موطن آبائه وأجداده، ومنبت غرس أسرته، أشرق بدره المنير، وتَفَتَّقَ زهره النَّضير، في رِحاب العِلم والإيمان، حيث عاش طفولته في مُحيطٍ إيماني وبيئة علمية وبين أحضان أسرة مُتَدَيّنَة، وأوساط أسرة كريمة شهرت بالعِلم، وعرفت بالصّلاح والاستقامة.
نشأ على حالةٍ حَسَنَةٍ، مُلتزماً بطاعة الله ومُلازماً تقواه، مُشتغلاً بما يعنيه من أمور دينه ودنياه، سالكاً سُنَن أسلافه من الصلاح والاستقامة، جاداً في طلب العلوم، مُتطلعاً إلى معالي الأمور، سائراً على طريقة الشُّيوخ الكرام وطبقة الأئمة الأعلام.

تعليمه في قريته نجد العود :
شَرَعَ الشيخ طه ـ يرحمه الله تعالى ـ بالتَّعليم في سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ وهو ما زال على حَداثَةِ ميلاده غُلاماً حَدَثاً، قريب العَهد بالمَهد؛ حيث خَطى خُطواته الأولى في التَّعليم، بدايةً في البيت على يد والده وبعض أفراد أسرته، فَلَمّا بلغ الخامسة من العمر تَمَّ إدخاله الكُتَّاب ( المِِعلامة ) لينظم إلى الطلاب الذين يقوم بتدريسهم مُعَلِّم القرية الفقيه غالب بن محمد ثابت البَرَكاني، ومن بعده ولده الفقيه نعمان غالب البَرَكاني.

توجُّههُ إلى قرية بَني بُكاري.
وعند بلوغه الثالثة عشرة من عمره، بعد أن أتَمَّ بنجاح مراحل التَّعليم الأولي في قرية نجد العود كان لا بُدَّ له أن يشرئبَّ إلى المعالي، ويَتَطَلَّع إلى المزيد من العرفان، فتَوَجَّه برحاله إلى أخواله آل الجُبَيحي وأخوال والده من أبناء الشيخ حسان المقيمين في منطقة بَني بُكاري القريبة من قريته الواقعة في الجهة الغربية لمُديريّة جَبَل حَبَشي.
وفي بَني بُكاري تتلمذ على يَدِ جَدِّه العلامة الحُجَّة القاضي عبد الرقيب بن عبد الله البَرَكاني الملقب بتاج الدين، والعلامة الشيخ الحاج محمد بن حزام بن سعد الجَنَدي، والعلامة الشيخ محمد بن شمس الدين حسان، والعالم الجليل الشيخ عبد الغفار بن عبد الرحمن حسان ـ رحمهم الله تعالى.

انتقاله إلى قرية الصَّراهِم.
فَوَرَدَ قرية الصَّراهِم الواقعة بالطَّرَف القِبلي لمُديريّة جَبَل حَبَشي بمُحاذاة مُديريّة مَقبَنَة، وكانت الصَّراهِم آنذاك من أهَمِّ المراكز العلمية في جَبَل حَبَشي بعد أن أسَّسَ فيها جَدّ والِده لأُمِّه الشيخ حسان بن سنان رِباطاً للتَّعليم وجَلَبَ إليها الكثير من العلماء والفقهاء من مدينتي جبلة وزبيد وغيرهما، ومِمَّن أخَذَ عنهم في الصَّراهِم العلامة الشيخ عبد الباري بن محمد بن حسان، والعلامة الشيخ محمد بن محمد بن حسان، أخَذَ عنه ( بلوغ المرام في أحاديث الأحكام ) لابن حجر العسقلاني في الفقه، والعلامة الشيخ علي بن محمد بن حسان، وغيرهم ـ رحمهم الله تعالى.

تَحَوّله إلى بلدة يفرس.
واستمر يبحث عن الإفادة في مراكز الرّيادة، راغباً من التَّحصيل بالزّيادة. فَتَحَوَّل عن الصَّراهِم إلى يفرس العاصمة الإدارية لمُديريّة جَبَل حَبَشي.
وكانت وفادته إلى يفرس طالباً للعلم وهي في أزهى فترة من فترات ازدهارها حيث كانت تفيض بالعلماء من زوار وقاطنين وذلك قبل أن يزورها ولي العهد أحمد حميد الدين ويأمر بإغلاق مدرستها وتشتيت العلماء وتمزيق شمل الطلاب.
أنضَمَّ شيخنا إلى زملائه المُلتحقين في مدرستها التي كان يديرها ويشرف عليها ويُدَرِّسُ فيها العلامة الأزهري الشيخ عقيل عثمان عقيل، وممن أخَذَ عنهم من مشايخ العِلم في يفرس العلامة السيد عبد الله بن عبد الحميد المُصَنِّف، وابن أخيه السيد محمد عبد القوي بن عبد الحميد المُصَنِّف.

تحصيله في تَعِز والمسراخ وتربة ذبحان وغيرها.
تابَعَ شيخنا التَّحصيل في كُلّ المناطق التي أتيح له الوصول إليها والمكوث فيها ولاسيما التي كان يقيم فيها والده أثناء عمله الوظيفي في بعض المراكز التابعة لِلواء تَعِز منها عاصمة اللواء، والمِسراخ، وتُربة ذُبحان مركز قضاء الحُجَريّة، مِمّا هَيّأ له أن يلتقي ويَتَعَرَّف على عَدَدٍ كبيرٍ من العلماء والفقهاء والقضاة سواء من أبناء تلك البلدان أو من الواردين إليها لأيِّ مهام فيتتلمذ على أيديهم ويستفيد مِمّا لديهم ليضيف إلى ما قد اكتسبه ووعاه من المعارف وما حواه من الفنون والآداب.
ومِمّن أخَذَ عنهم واستفاد منهم في تَعِز والمسراخ وتربة ذُبحان القاضي أحمد بن عبد الرحمن المُجاهد، والسيد علوان الفُتيح، والسيد عبد الله السّقّاف، والشيخ محمد أحمد الحَنَفي، وغيرهم.
كما أخَذَ عن بعض علماء صنعاء منهم السيد زيد عَقَبات، والشيخ عبد الله زيد، والسيد أحمد محمد زَبارة، وغيرهم.

رحلته العلمية إلى زبيد.
وكانت مدينة زبيد حينها من أهم المراكز العلمية ومن أعرق الجامعات التَّعليمية التي تُدَرَّسُ فيها مختلف فنون العلوم الدينية والعربية ليس على مستوى اليمن وشبه الجزيرة العربية فحسب بل إنَّها بين نظيراتها أكثر شهرة وأوفر مادة وأغزر ثقافة وأوسع ثراء فكري على مستوى العالَم الإسلامي.
وفي مدينة زبيد زادت مَعارف شيخنا وتوسَّعت مَدارِكُه فاستفاد وأفاد، فَتَتَلمَذَ على أجَلِّ العُلماء الذين كانت تَزخَرُ بهم مدينة زَبيد وإليهم تُضرب أكباد الإبل آنذاك، ومِمَّن أخَذَ عنهم: مُفتي زَبيد السيد محمد بن سليمان الأهدل، والسيد أحمد بن داود البَطّاح، والشيخ علي بن أحمد محمد السعولي، وغيرهم.

حالته الاجتماعية.
كان زواجه الأول من ابنة السيد إسماعيل يعقوب الشَّركسي أخت السيد علي إسماعيل يعقوب الشَّركسي مدير مالية الحُجَريّة آنذاك، والسيد مصطفى إسماعيل يعقوب الشَّركسي الذي شغل منصب وزير الخارجية في ستينيات القرن العشرين، عقب قيام الثَّورة 1962م، ثُمَّ سفيراً لليمن في جمهورية مصر العربية، ومندوباً للجمهورية العربية اليمنية لدى جامعة الدول العربية، وأعقب منها السيد عبد الرحمن. ولم تشاركه في بقية مسيرة حياته بل فارقها بعد هجرته إلى الحجاز واستقراره في مَكَّة المُكَرَّمَة بسبب عدم موافقتها الانتقال معه إلى مَقَرِّ إقامته الجديد في المملكة العربية السعودية.
ثم تزوج بابنة عمه القاضي عبد الدائم محمد غالب البَرَكاني ـ رحمه الله تعالى، فأعقب منها من الذكور: السيد عبد الله، والسيد محمد ( سامي )، وتسع من الإناث.
ثم تزوج بامرأة من بيت النُّويهي، واستمرت معه فترة من الزمن ولم يصطحبها إلى الحجاز وظلت في اليمن، ثُمَّ فارقها، وكانت قد أنجبت له ابنة.
كما كان الشيخ طه ـ يرحمه الله تعالى ـ عاقداً على امرأة من بيت المجاهد توفيت قبل الدُّخول عليها. رحمهما الله تعالى.

هجرته إلى المملكة العربية السعودية واستقراره بمَكَّة المُكَرَّمَة.
كانت هجرته إلى الديار المباركة وهو في منتصف العقد الثالث من عمره حوالي عام 1369هـ / 1950م في عهد حُكم مؤسِّس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ يرحمه الله تعالى.
وهذه الهجرة لاشك أحدثت تحولاً هاماً في حياته الشخصية، ومسيرته العلمية والعملية، وفتحت له باب الدخول إلى باحات الجمال، والحلول في ساحات الجلال، وكانت نافذة للوصول إلى درجات الكمال، وفاتحة لحصول غايات اليُمن والإقبال.
فحصل على الجنسية السعودية مع احتفاظه بجنسيته اليمنية، وكان ذلك على ما أعتقد في منتصف الخمسينيات، حيث وافق الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين ملك المملكة المتوكلين اليمنية آنذاك على منحه الجنسية السعودية.
فبعد أن اتَّخَذَ من مكة موطناً، بنى له فيها مسكناً، وأقام فوق ثراها الطاهر بقية أيام عمره، فكانت له خير ما يحب ويهوى، أطيب مقر في الأولى، وأكرم مثوى في الأخرى.
واختار من مكة حي الحجون ليكون مكاناً لإقامته ومستقراً لأسرته، ثم بنى له داراً أخرى بحي العزيزية شارع الشيخ عبد الله خياط.
ومن مَكَّة المُكَرَّمَة زار الشيخ طه عبد الواسع البَرَكاني العديد من البلدان العربية والإسلامية والأجنبية، وذلك لإلقاء المحاضرات الدينية، وإقامة النَّدوات العليمة، والمشاركة الفاعلة في المؤتمرات العالميةالتي كانت تقامسنوياً في بريطانيا وألمانيا وهونج كونج وبنغلاديش، ويحضرها كبار العلماء من مختلف بلدان العالم. وكان من المشاركين في هذه المؤتمرات من علماء المملكة العربية السعودية بالإضافة إليه: الشيخ محمد بنعبد الله السَُيّل إمام وخطيب المسجد الحَرام، والشيخ عبد الرحمن السُّدَيس، والشيخ عُمر السُّبَيّل، والدكتور عبد الله نصيف، وفضيلة الشيخ محمد خير حجازي المُدَرّس بالمسجدالحَرام.
ومن البلدان التي زارها كذلك للدَّعوة والإرشاد الباكستان، والهند، وكشمير، وبلجيكا، وأمريكا، وألمانيا التي ألقى فيها عدداً من المُحاضرات في جامعة كنيت، وقد شَملت زيارته الدَّعوية كذلك الأردن وفلسطين " وقد مَنَّ الله عليه بصَلاة في المسجد الأقصى قبل احتلاله، ضمن جولاته الدَّعَوية التي كان يقوم بها بين دول العالَم، فقام بافتتاح كُلّيّة دار العلوم الإسلامية في المَملكة المُتَّحدة البريطانية في عَهد الملك خالد ـ رحمه الله ". وكانت سلطنة عُمان هي آخر دولة قام بزيارتها في العام السابق لوفاته قبل مرضه الأخير، بالإضافة إلى ذلك زار الكثير من مناطق اليمن والمملكة العربية السعودية.

مجاورته في الحَرَم الشَّريف طلباً للعِلم.

فبعد أن نال شيخنا الجليل من العِلم ما أتيحَ له تحصيله في وطنه، أغترب عنه استكمالاً للطَّلب وراح يبحثُ عن أعلام العُلماء والصلحاء، يَتَتَبَّع أثرهم أينما وُجِدوا، ويَلحق بهم حيثما حَلّوا، للاستزادة من علومهم، والإفادة من مَعارفهم، حاملاً عصى التِّرحال لا يَتَوانى في البَحث عن مَراكز العِلم، والوَرود على مَنابع المَعرفة.
وفي حوالي عام ( 1370هـ / 1951م ) عَقَدَ نِيَّته، وشَحَذَ هِمَّته، مُزمِعاً الرَّحيل، فَهاجَرَ من بلاده مُفارِقاً مكان ميلاده وموطن آبائه وأجداده، وامتطى ظَهر راحِلَته إلى حيث يَجِدُ مُراده وبُغيَتَه.
فَيَمَّم وجهه، وحَدَّد وجهَته نحو أرض الحِجاز، وأناخَ رِكابه في رِحاب مَكَّة المُكَرَّمَة، وحَطَّ رِحاله على أعتاب الحَرَم الشَّريف، قاصداً مُجاورة بيت الله العتيق، التي تهوي إليها أفئدة المؤمنين، وتهفو لها أرواح المُحبّين من كُلِّ فَجٍّ عَميق، فَوَجَدَ ضالّته التي يَنشُدُها، وأمنيَّته التي يؤمِّلُها، هناك في رُبوع تِلك البقاع المُقَدَّسة فَراجت بضاعته، ورَبحت تِجارته.
فَمَكَثَ في مَكَّةَ مُجاوراً لبيت الله الحرام، يَتَعَلَّم ويُعَلِّم حتى ناداه منادي الرَّحيل، إلى الملك الجليل، فـ" تَلَقّى عُلوم الشَّريعة عَبر حَلَقات دُروس المسجد الحَرام حيث لازَمَ العَديد من العلماء ". ومِمَّن أخَذَ عنهم من علماء الحَرَم المَكّي الشَّريف:
العلامة الشيخ محمد العربي التَّبّاني. العلامة السيد علوي بن عباس بن عبد العزيز المالكي. العلامة الشيخ حسن ابن الشيخ سعيد اليماني الخُليدي. العلامة الشيخ علي ابن الشيخ سعيد الخُليدي. العلامة الشيخ محمد بن نور بن سيف بن هِلال. العلامة الشيخ حسن بن محمد المَشّاط. العلامة السيد عبد القادر بن أحمد بن عبد الرحمن السقاف. العلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي. السيد محمد أمين كتبي. الشيخ عبد الحق الهاشمي. الشيخ محمد عبد الله الصومالي. الشيخ عبد الرحمن السعدي. الشيخ محمد بن مانع. الشيخ عبد الله بن حميد. الشيخ عبد الله دردوم. الشيخ عبد الله بن حسين آل الشيخ. الشيخ محمد رافع الحبشي الإثيوبي، وغيرهم مِمَّن لا يتسع المقام لذكرهم.

وأكثر الشيوخ الذين أخَذَ عنهم عُلومه ومَعارفه شقيقه العلامة الشيخ أحمد عبد الواسع البَرَكاني وذلك للرّابطة الأخوية الوثيقة والملازمة الطويلة التي بدأت من المنزل في القرية وامتَدَّت عبر الفترات الزمنية المختلفة التي مَرّا بها، والأماكن العديدة التي مكثا فيها، والتي تنتهي بوفاة الشيخ أحمد ـ يرحمه الله ـ عام ( 1377هـ/ 1958م ) في مَكَّة المُكَرَّمَة.
هذا ولم يَتَوَقَّف عن التَّحصيل والاستزادة من العلوم والمعارف رغم المستوى العلمي العالي الذي بلغه والرتبة التي حازها ظل وفياً للعلم دائراً في فلكه حتى فارق الحياة.قِطْفٌ من: الأعمال التي تَوَلاها وشهادات التَّقدير التي نالَها.
{ إمامته في المسجد الحرام }
حدثني الشيخ عبد الله بن الشيخ طه البركاني انه قدم مع والده المسجد الحرام , وحدث إن تأخر امام المسجد الحرام عن المصلين في صلاة المغرب فتقدم والده وأم المصلين , وكان ذلك في موسم الحج في فترة منتصف التسعينات الهجرية وقد أم المصلين ايضاً في صلاة العصر عند تأخر الإمام .

الوظائف التي تَقَلَّدَها.
بدأ حياته العَمَليّة كاتباً في صيدلية مستشفى أجياد من عام1370هـ / 1950م إلى عام 1372هـ / 1952م، وتعتبر مستشفى أجياد من أقدم المستشفيات في مَكَّة المُكَرَّمَة، ثُمَّ تَرَكَ العمل في المستشفى، وانتقل للعمل في التَّربية مُفَضِّلاً العمل في مجال التَّعليم والاشتغال في الوعظ والإرشاد، وأوَّل عملٍ شغله في التَّربية والتَّعليم كان في السابع من شهر ربيع الأول سنة 1372هـ / 24 نوفمبر 1952م، موظَّفاً رَسمياً تابعاً لإدارة التَّعليم بمَكَّة المُكَرَّمَة التي كان يُديرها الشيخ محمد بن مانع، وعُيِّن مُدَرِّساً في المدرسة المُحَمَّديّة في الجميزة بالمَعابِدة واستَمَرَّ بالتَّدريس حتى عام 1377هـ / 1957م.

ثُمَّ انتقل إلى الرِّئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكَر عند تأسيسها، وكان يتقاضى راتباً قدره أربعمائة ( 400 ) ريالاً سعودياً التي كان رئيسها آنذاك سماحة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ واستمر بها حتى عام 1384هـ / 1964م.

وفي 19 من شهر شوال سنة 1384هـ / 20 فبراير1965م أنتقل إلى الرئاسة العامة للإشراف الديني على المسجد الحرام، وعُيِّن مديراً لإدارة المُطَوِّفين وشئون المَصاحف، وأسند إليه رَقابة التَّدريس في الحَرَم الشَّريف.

وإلى جانب عمله في الحَرَم الشَّريف كان يقوم بالإمامة والخِطابة في مسجد الأميرة حَصَّة بنت عبد العزيز المعروف بمسجد الحُجون، واستَمَرَّ في هذا العمل حتى عام 1415هـ، وفي أيّام الحَجّ كان يعمل إماماً لمسجد الخيف بمنى , وفي عام 1395هـ / 1975م عُيِّنَ مديراً لإدارة التفتيش، ثُمَّ مديراً لإدارة الوعظ والإرشاد ومراقبة التَّدريس.

ولأنَّه لازَمَ المُجاورة في أكناف الحَرَم الشَّريف، فالتزم العبادة والعمل في التَّعليم واشتهر به فَعُرِفَ بمدير المُدَرِّسين بالحرم، وكبير المُدَرِّسين بالمسجد الحرام، ولأدواره البارزة في التَّعليم والإشراف الديني، وما يقوم به من الوعظ والإرشاد، والعمل على حَلّ المشاكل التي كانت تحدث في نطاق الحَرَم الشَّريف، وكان مَحَلّ تقديرٍ واحترامٍ من قِبَل كُلّ من عَرَفَهُ أو تَعَاَمَل معه، ولاسيما من العلماء والمسئولين القائمين على الهيئة وعلى رأسهم الشيخ عبد الله بن محمد بن حُميد رئيس الهيئة رئيس مجلس القضاء، ومن وكيل الهيئة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، ومن الشيخ محمد بن عبد الله السُّبَيِّل إمام وخطيب المسجد الحرام، ورئيس شؤون الحرمين آنذاك، والشيخ سليمان بن عبيد، وكُلّهم مَنَحوه الشَّهادات التَّقديرية.

وإلى جانب هذه الأعمال التي تَوَلاها، كان يقوم بالتَّدريس في المسجد الحرام مُنذُ عام 1377هـ / 1957م بموجب إجازة من سماحة مُفتي المملكة العربية السعودية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وفي عام 1408هـ [الموافق: 1988م] تَمَّ اختياره ضِمن المُدَرِّسين الرَّسميين الذين صَدَرَت الموافَقة السامية على تعيينهم في المسجد الحرام.
فكان يُدَرِّس من المواد الدينية والشَّرعية بشكلٍ أساسي: التَّفسير، والحديث، والفقه، والتَّوحيد. واستمر مُلازماً للحَرَم الشَّريف، مُلتزماً في العمل بالتَّدريس حتى وافاه أجله وأسلم الرّوح إلى باريها.

كما أنَّ الشيخ طه ـ يرحمه الله تعالى ـ كان المأذون الشَّرعي لِحَيّ الحُجون بمَكَّة المُكَرَّمَة الذي كان يقيم فيه. قبل انتقاله إلى حَيِّ العزيزية. السليمانية.

وكان الشيخ طه بن عبد الواسع البَرَكاني ـ يرحمه الله تعالى ـ إلى جانب المكانة العلمية التي بلغها ضارباً في الأدبِ والشِّعرِ بِسَهمه، آخذاً من البلاغةِ والبَيانِ بِحَظٍّ، فَنَجِدهُ يستسيغُ جميل الشِّعرِ ويتذوَّقه، ويستشهد به، ويقرضه في كثيرٍ من الأحيان متى شَدَّه موقف، أو تأثَّرَ بحادث.

وذكر الأستاذ يحيى عبد الرقيب الجُبَيحي، وهو ممن تربى لديه، وكان ذو صلة قوية به، كونه من أبناء أخواله، إنَّهُ سأل أبناء الشيخ وبعض أقاربه المَعنيين عن القصائد التي كَتَبَها الشيخ، وطلبها منهم لِيُسَلِّمها إلَيّ لِضَمِّها إلى الكتاب، وتَضمينها في هذا الموضوع الذي يحتوي على ما تَرَكَ من المؤلَّفات والآثار، فَرَدّوا عليه أنَّ الشيخ ـ يرحمه الله تعالى ـ تخَلَّصَ من كُلِّ ما نَظَمَهُ من الشِّعر، وأتلَفَها قبل وفاته ولم يبق منها شيء، ( والعِبرة هنا على الرّاوي ).

لم يخلف من المؤلفات ما تتناسب مع مكانته العلمية رغم اشتغاله في التَّعليم وممارسته للتدريس مدة طويلة وهو الذي كان له اليد الطولى في الوعظ والإرشاد، ذلك أنَّه كان شديد الحرص أن يُفَرِّغَ علومه ومعارفه في صدور طلابه من خلال تكثيف الدُّروس، لا تدوينها في بطون الطُّروس، فقد كانت جهوده مُنصَبَّة على تربية الرِّجال وبناء الشخصية الإسلامية على أحسن حال، وإعداد العلماء بالعِلم والعمل والإخلاص، لهذا لم يترك من المؤلَّفات إلا بعض مِمّا كان يلقيه من الخُطَب والمواعظ التي تَمَّ جَمعها وإيداعها في كتابه: ( إيقاظ الضَّمير بخُطَب الوعظ والتَّذكير ) في مُجَلَّدين يحتويان على ( 400 ) خطبة تشتملُ في مَجموعها على مواضيع شَتّى في التَّوحيد والعبادات والمُعاملات الشَّرعية والأخلاق والآداب الإسلامية، وهي مجموعة الخُطَب التي ألقى مُعظمها بمسجد الحُجون بمَكَّة المُكَرَّمَة والذي ظَلَّ فيه خطيباً للجُمُعَة أكثر من عشرين عاماً. قام بجمعها الدكتور أحمد عبد العزيز قاسم الحدّاد، كبير المُفتين بدائرة الأوقاف بدبي الإمارات العربية المتحدة، الذي بَذَلَ كبير جهد في ترتيبها وإخراجها وإعدادها للطباعة، وتَمَّت طباعتها في حياة الشيخ طه ـ يرحمه الله تعالى ـ على نفقة فاعل خير عام 1415هـ، وهو العام الذي تَرَكَ فيه الخِطابة للجُمُعَةِ في الجامع المذكور بسبب شِدَّةِ وطأة المرض الذي عَرَضَ له، وانشغاله بمهام وأعمال أخرى حالت بينه وبين الاستمرار في الخِطابة.

وقبيل وفاته أوقف مكتبته الزّاخرة بِعَدَدٍ كبير من أُمَّهات الكُتب الدينية والفكرية والعلمية لصالح الطلاب الدّارسين بجامعة الإيمان بصنعاء اليمن، وهي الآن ـ على ما أعتقد ـ قائمة باسمه في الجامعة المذكورة كما بلغني.

مرضه ووفاته.
عَرَضَ المرض للشيخ طه البَرَكاتي ـ يرحمه الله تعالى ـ وهو في أوج نضوجه، وأوفر عطائه، وكان الداء السُّكَّري والذي أصيب به في العام 1396هـ / 1976م هو أول الأمراض غير العارضة التي أصيب بها، وإصابته بهذا المرض في هذا التأريخ يَتَزامن مع حادثٍ مؤلمٍ تَعَرَّض له أربعة من خاصة أقاربه من أبناء أسرته وهم شقيقه القاضي محمد عبد الواسع البَرَكاني، والرائد محمد عبد العليم البَرَكاني، والشيخ أحمد محمد عبد الفتاح البَرَكاني وولده الصغير عدنان، ومعهم سائق السيارة التي تقِلّهم، وذلك أنَّه عرض لهم في منطقة معبر ليلة الاثنين 11 شوال 1396هـ / 4 أكتوبر 1976م وهم في طريقهم من تَعِز إلى صنعاء.

ومن الأحداث التي مرت به فتركت أثراً في نفسه ظل ملازماً له طوال حياته تعرض ابنه الأكبر عبد الرحمن لحادث مروري أودى بحياته، ولا شك أنَّ هذين الحادثين المؤسفين لعظم وقعهما قد أنصباه، وأمَضّاه وأتعباه، وزادا من آلامه، وكانا سبباً في أمراضه وأسقامه،وبعد قرابة عقد ونَيِّف من الزمن أضيف إلى السكري مرض القلب، والمصابون بداء السكري كما هو معلوم أكثر عرضة لتفاقم مرض القلب الإكليلي، وهذا المرض كان أشَدّ وطأة وأكثر خُطورة من سابقه كاد أن يقضي عليه بداية ظهوره لولا لطف الله به وبقيّة من حياة.

وظل ـ يرحمه الله تعالى ـ في عِراك مع المرض مدة من الزمن، إلا أنَّ الداء العُضال كان أفتك وأشَدّ، وأكبر من أن يُصَدْ، فَنَهَكَ قُوَّته، وأضعف قُدرَتَه عن المقاومة وتَحَمُّل الآلام، فكان لا بُدَّ من تَدَخُّل الأطباء والخضوع للعلاج، وعلى الفور تَمَّ إسعافه إلى مستشفى النور التخصصي والذي يُعَدّ أرقى مَشفى طِبّي بمَكَّة المُكَرَّمَة آنئذ، لكنه لم يبرئ من العارض الذي كان يشكو منه، وعجز الأطباء عن علاجه واستئصال الداء من جسده بالكلية، إلا أنّه أبَلَّ قليلاً من وعكته لِما وجد من العناية والاهتمام التي شمله بها الأطباء والممرضون، ثُمَّ غادر المستشفى واستمر ملازماً للحمية ومداوماً على استخدام الأدوية المقرّرة له، إلى أن وصل به المرض إلى حَدٍّ لا يطاق، وحالٍ لا يحتمل، مِمّا حدا به إلى أن يظهر ما يخفيه من الأوجاع، وما يكابده من الآلام؛ وذلك حين وجد أنَّ المرض قد زادت شِدَّته، وتضاعفت حِدَّته، فأوهن جسده، وأوهى جَلَده، فلم يجد بُدَّاً من السفر إلى الخارج لإجراء الفحوصات المطلوبة، والعملية الجراحية اللازمة.

وفي عام 1415هـ / 1995م، حزم أمتعته ومستلزماته الضرورية وضَمَّها إلى حقائبه التي استصحبها وأزمَعَ الرَّحيل فَغادَرَ المملكة العربية السعودية مُتَوَجِّهاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء العملية الجراحية المُقَرَّرَة فأجريت له وتَكَلِّلَت بالنَّجاح إلا أنَّه لم يتعافى ويعود صحيحاً كما كان، فهذا المرض العضال الذي ابتلاه الله به لم ينجع معه الدواء، ولم ينجح فيه معالجة الأوداء، واستمر في عراك مع المرض وظلّ يعاني من آلام في القلب فتدهورت صحته، فاستصحباه نجله الأكبر عبد الله طه، وشقيقه الأصغر عبد الله عبد الواسع وسافرا به على وجه السرعة إلى ألمانيا وأدخلوه المستشفى لزراعة الشرايين في الأقدام واستمر هناك قرابة الشهرين فاشتدت عليه وطأة الداء، واستعصى الشفاء، ولم ينفع معه الدواء.

وفي هذه الرحلة العلاجية وبينما هو في المستشفى بألمانيا شعر بدنو أجَلِه، والإيذان برحيله من الفانية إلى الباقية، فطلب الرُّجوع والعودة به إلى الديار المقدسة التي قضى فيها أسعد أيامه وأخصب سنين عمره وأزهى فترات حياته، ووفاء لمواقفه وأدواره، وعلو مكانته ومقداره، ولِما له بين الأنام من تقديرٍ واحترام، أجيب إلى مَطلوبه، وتَمَّ له مرغوبه، أن يقضى نَحبَهُ، ويلقى رَبَّهُ في بلاد الإسلام، ويدفن جسده الطاهر في تراب البلد الحرام، فَيَسَّر الله سرعة وصوله إلى الدّيار المقدسة إذ أرسلت طائرة الإخلاء الطبي التي استأجرها التاجر ورجل الأعمال المعروف أحمد بقشان ـ يرحمه الله تعالى ـ لنقله من جمهورية ألمانيا إلى المملكة العربية السعودية وإعادته إلى حيث أحَبَّ أن يستريح جسده الطاهر، فَتَحَقَّقَت أمنيَّتهُ، وتَمَّت له بُغيته.

وبعد عمرٍ عامرٍ بالعلم والفضل والصلاح، زاهرٍ بالزُّهد والورع والتُّقى، غامرٍ بالسَّماحة والبَذل والسَّخاء، زاخرٍ بالجود والكرم والنَّدى، وافرٍ بالخيرات والبِرِّ والصَّدقات، مترعٍ بالطّاعات، حافلٍ بالعبادات، أسترد الله وديعته، فَرَحَل الشيخ طه البَرَكاني وانتقل إلى دارِ القرارِ، ومثوى الأبرارِ كبير المعَلِّمين والمُشرف الدّيني بالمسجد الحرام.

ولسمو قدره، وشرف نفسه، جرت المشيئة الإلهية ألا تقبض روحه في الأرض، بل تصعد إلى باريها من السماء، إذ جاءه الملك الموكل وهو على متن طائرة الإخلاء الطّبي التي كانت تَقِلّه برفقة نجله الأكبر عبد الله طه وشقيقه الأصغر عبد الله عبد الواسع في رحلة العَودة العلاجيّة من ألمانيا اثنا عبور الطائرة المذكورة الأجواء التُّركيَّة، ومن عُلو أكثر من 40 ألف قَدم صعدت روحه إلى باريها، فسما حياً وميتاً، ولا غرو أن يرفع الله مقام أوليائه ويعلي مراتب ودرجات أصفيائه وأحبائه في الآخرة والأولى.

( علو في الحياة وفي الممات لحقاً تلك إحدى المعجزات )
وكانت وفاته حوالي الساعة الرابعة من عصر يوم السبت 22 من شهر شوال 1425هـ / 4 نوفمبر 2004م، فانتشرت أنباء وفاته، وتنامت إلى الأسماع فحزن الناس لفقده حزناً شديداً.
وتجَمَّع المحبّون والأصدقاء من كُلِّ وجهَةٍ ومكان إلى مطار الملك عبد العزيز الدَّولي بجدة لانتظار عودته والكُلّ يرقبون وصوله لاستقباله وإلقاء النَّظرات الأخيرة على جُثمانه الطاهر، وفي الساعة الثامنة مساء وصلت طائرة الإخلاء الطبي التي تَقِلُّ جُثمانه إلى المطار، وتنفيذاً لوصِيَّته ساروا بجنازته إلى مَكَّة المُكَرَّمَة تَحُفُّ به جُموع المُشَيّعين، مُتَّجِهَة إلى مَنزله ليتمكن أهله وأبنائه من وداعه.

فوصل المُشَيِّعون بجثمانه الطاهر أولاً إلى منزله، ثُمَّ تَمَّ نقله قُبَيل صلاة الفجر إلى الحَرَم المَكّي الشَّريف، حيث كان بداية انطلاق الفقيد منه طالباً فَمُدَرِّساً وواعظاً، وحيث مكتبه المُجاور لباب الملك عبد العزيز، وهو المكان الذي كان يستقبل به طالبي الفتاوى، ويجتمع به مع بعض أقرانه من أصحاب الفضيلة العلماء. وتوارد إلى الحرم كثير من العلماء والطلاب وجُموع المُحِبّين ليلقون عليه نظرة الوداع ويشيعوه بعد الصلاة عليه إلى مثواه الأخير.

وعقب صلاة الفجر في أقدس البقاع على وجه الأرض قُدِّمَ نعشه إلى المكان المُحَدَّد فَصَلّى عليه فضيلة الشيخ سعود بن إبراهيم بن محمد الشّريم، إمام وخَطيب المسجد الحرام، وبعد الصلاة عليه حُمِلَ جُثمانه إلى المكان الذي تَمَنّى أن يستريح فيه بعد رحيله من الحياة، وكان له ما أراد، ووري جُثمانه الثَّرى في ذات المكان الذي كان ـ يرحمه الله تعالى ـ يحرص على الذّهاب إليه كُلّ يوم جُمُعَة لزيارة من سبقوه إلى لقاء رَبِّهم، أعني مقبرة المَعْلى ليستريح في أطيب بقاع الله وأقدسها رِحاب مَكَّة المُكَرَّمَة، ومقبرة المَعْلى بالحُجون أقدم وأشهر وأفضل مقابر المسلمين، بعد البقيع بالمدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وختاماً
اشكر اسرة الشيخ طه البركاتي كلاً من

1- الشيخ عبدالله بن طه البركاني
2- الاستاذ محمد بن طه البركاتي
3- الاستاذ سلطان بن نعمان البركاني المقيم في صنعاء اليمن
4- الشيخ ابو عبدالله يحي احمد المطفي من اقرباء الشيخ في مكة المكرمة
على حسن تعاملهم واستجابتهم وافادتنا بالمعلامات عن تاريخ وسيرة الشيخ طه البركاتي



وتعتبر هذه الترجمة أول ترجمة تكتب له وتوضع للشيخ رحمه الله عبر شبكة الإنترنت..


كتبه
اخوكم المحب لكم : أبو ابراهيم سعد عبد الله العتيبي
saadalotiby@hotmail.com
لاتنسونا من صالح دعائكم

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-07-12, 05:49 PM
دار الطرفين دار الطرفين غير متصل حالياً
للنشر والتوزيع
 
تاريخ التسجيل: 10-07-08
المشاركات: 369
افتراضي رد: الشيخ طه بن عبد الواسع البركاتي

حياك الله أبا إبراهيم

ونفع بما تكتب

رجاء إخراج مالديك من درر

ومن ثم طبعها في كتب

إخوانك في دار الطرفين
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
البركاتي , الشيخ , الواسع , عبد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:25 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.