ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-04-05, 02:07 PM
خليل بن محمد خليل بن محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
المشاركات: 2,825
افتراضي إجابات الشيخ الدكتور علي الصياح على سؤالات ملتقى أهل الحديث

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونستعينهُ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله r.
أمَّا بعد:
فمن أعظم النعم على العبد أن يكون دعياً إلى الله، إماماً في الخير هاديا مهدياً، كما أنّ من أعظم العقوبات على العبد أن يكون إماماً في الشر وداعيا إليه، قال تعالى {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ}[القصص: 41]، وقال سبحانه وتعالى {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة : 24].
ومن أعظم الدعوة إلى الله ما يقوم به الإخوة في ملتقى أهل الحديث من الدعوة إلى الكتاب والسنة الصحيحة والعناية بفهوم سلف الأمة بتجرد ونصفة واعتدال يلحظ ذلك –ولله الحمد- كل من دخل هذا الموقع الطيب المبارك، ومما يحمد للأخوة في هذا الملتقى: العناية بطلب الدليل، وهذا الذي جعل أهل البلادة والتقليد ينقمون على هذا الملتقى الطيب، وقديما قال ابن القيم:« المقلِّد المتعصب لا يترك من قلده ولو جاءته كلُّ آية، وأنَّ طالب الدليل لا يأتمُّ بسواه، ولا يحكّم إلا إياه، ولكل من الناس موردٌ لا يتعداه، وسبيل لا يتخطاه، ولقد عُذِرَ من حمل ما انتهت إليه قواه، وسعى إلى حيث انتهت إليه خطاه »، وإنَّا لنرى ونسمع من تأثير هذا الملتقى ما يسر كل صاحب سنة من أهل الحديث.
وفق الله القائمين عليه لكل خير، وسددهم وأعانهم وبارك في جهودهم، وجزا الله خيراً كلَّ من شارك ودعم هذا الموقع الطيب المبارك، وأشكر أخي الكريم الشيخ/عبدالرحمن السديس على جهوده في عقد هذا اللقاء مع إخواننا الكرام.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

   

سؤال1 : هل قوَّى يعقوب بن شيبة السدوسي - رحمه الله - روايةَ أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه؟ وما الراجح فيها؟
الجواب:
تكلمت عن هذه المسألة في رسالتي العلمية عن «يعقوب بن شيبة ومنهجه في الجرح والتعديل» فمما قلته هناك:
«كلام يعقوب بن شيبة في رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه»:
أبو عبيدة هو: ابن عبدالله بن مسعود، قال يعقوب: «هذليٌّ، حليفُ بني زُهرة»، وقال الترمذي: «لا يُعرف اسمه»، وقال أبو زرعة: «اسمه وكنيته واحد»، وقال ابن حجر: «مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر»، وهو متفقٌ على توثيقه، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن معين: ثقة.
هذا وقد تكلم المحدثون في سماعه من أبيه، فكثير من المحدثين – حكى النوويُّ الاتفاق– على أنه لم يسمع من أبيه، نظرا لأنَّ أباه مات وهو صغير السن لا يتجاوز السابعة، وممن نصَّ على ذلك: عليُّ بنُ المديني، ويحيى بنُ معين، وأبو حاتم، والترمذيُّ، وابنُ حبان، والدارقطنيُّ، وغيرهم.
غير أنَّ جمعاً من الأئمة نصوا على تقوية روايته عن أبيه مع نصهم على عدمِ سماعه منهم: علي بن المديني-إمام العلل- والنسائي، والدارقطني، والطحاويّ وغيرهم.
وأحسن من بيّن ذلك يعقوبُ بنُ شيبة، حيث يقولُ: «إنما استجاز أصحابنُا أن يدخلوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيه في المسند – يعني في الحديث المتصل –، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر»(1)، وهذا الكلام واضح وبيّن فقد تتبع الحفاظ رواية أبي عبيدة عن أبيه فوجدوها خالية من المناكير، وانضم إلى ذلك أنَّ أبا عبيدة ابن لعبدالله بن مسعود، ولا شك أنَّ الأصل أنَّ الابن أعرف بأبيه من غيره، قال ابنُ رجب: «وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه صحيحة»، وقال أيضا «وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن أحاديثه عنه صحيحةٌ، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره».
وهذا يدلنا على أنه ينبغي التفطن إلى أنّ من منهج أئمة الحديث المتقدمين الاحتجاج أو تقوية –وربما تصحيح- بعض المنقطعات لقرائن تحتف بها، والأمثلة على ذلك عديدة منها –غير رواية أبي عبيدة المتقدم ذكرها-:قول أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مرسلات سعيد بن المسيب إنها صحاح، قال أبو عبد الله الحاكم «تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله-يعني مراسيل سعيد بن المسيب -، فوجدوها بأسانيد صحيحة»-معرفة علوم الحديث ص170-، ومثله قول الشافعي ـ رحمه الله ـ في حديث لطاووس عن معاذ-انظر: فتح المغيث (1/141)-
تنبيهات:
(أ‌) أنَّ قول أئمة الحديث وكبار النقاد هذا لم يأتِ من فراغ بل هو نتاجُ دراسة دقيقة لحال أبي عبيدة بن عبدالله، وحال مروياته، وموازنتها مع روايات الثقات من أصحاب ابن مسعود، فخرجوا بهذه النتيجة العلمية الدقيقة، ولذا علل يعقوب بن شيبة هذا القول بقوله«إنما استجاز أصحابنُا أن يدخلوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيه في المسند – يعني في الحديث المتصل –، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر»، وهناك دراسة علمية – ماجستير- في «مرويات أبي عبيدة عن أبيه» لأحد الباحثين في جامعة أم القرى خلص فيها إلى هذه النتيجة التي قررها الأئمة المتقدمون من قرون!.
ولله در ابن حجر عندما قال–كما في كتابه (النكت 2/726)- :« وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه».
(ب‌) وما تقدم يدل على أهمية إعمال القرائن عند المحدثين، وعدم الجمود على بعض القواعد، والمصطلحات التي تطبق في مواضعها المناسبة.
(ت‌) ولذا أرى أنه عند الكلام على شروط الصحيح تنبيه الطلاب أنَّ الاتصال شرط للصحة ما لم تدل قرينة من القرائن على أنَّ هذا الانقطاع لا يضر، والعمدة في ذلك كلام أئمة الحديث وكبار النقاد، كما تقدم في الأمثلة السابقة، والذي أخشى- وقد وقع شيء من ذلك- أن يرد أحدٌ هذا الكلام بالقول بأنّ هؤلاء الأئمة خالفوا قواعد علوم الحديث، لأنَّ المنقطع ضعيفٌ مطلقاً!، ولا يستشعر أنّ هؤلاء الأئمة هم روّاد علم الرواية؟ وعنهم أُخذتْ قواعد علوم الحديث؟ وهم الذين يحتجُ بأقوالهم وتطبيقاتهم في هذا العلم؟ وكلامهم كما تقدم معلل ومدلل عليه.
وقد قلتُ في كتابي « قَصَصٌ وَنَوادرٌ لأئمةِ الحديثِ المُتقدّمين في تتبعِ سُنّةِ سيّدِ المُرْسلين والذبِّ عنها«:« مما يسر أنّ هناك عودة قوية لدراسة مناهج النقاد من خلال أقوالهم وتطبيقاتهم، وفهم مصطلحاتهم من خلال السبر والتتبع الطويل مع التحليل والنظر، وفي ظني أنّ هذه الدراسات ستقلص من الاعتراضات على النقاد، وتقلل من الاختلاف بين أحكام المعاصرين على الأحاديث وأحكام المتقدمين، وكذلك المعاصرين بعضهم مع بعض. وهذه العودة لدراسة مناهج النقاد..الخ = هي روح ولُبّ مسألة "منهج المتقدمين في الحديث" والتي -في رأيي- حُمّلتْ ما لا تحتمل، وصُورت على غير حقيقتها التي يدعو إليها الفضلاء، فليس هناك تقليلٌ من قدر المحدثين المتأخرين، وليس هناك تفريقٌ للأمّة، وليس هناك بدعة، بل إنَّ الكلام في هذه المسألة هو بحثٌ في مسائل علمية حديثية دقيقة تتعلق بمصطلحات، وقواعد، ومناهج سار عليها أئمة الحديث المتقدمين، وروّاد هذا الفن، ومن يرجع إليه في هذا العلم، وغالب الخلاف الواقع بين الفضلاء في هذه المسألة من نوع الخلاف اللفظيّ، وطلبةُ العلم فيها بين أجر، وأجرين -إنْ شاء الله تعالى-، والمسألة من مطارح الاجتهاد، ومسارح النظر.
ومما ينبغي التفطن له أنّ هذه الدعوة ليست من التقليد في شيء، بل هي دعوةٌ لأخذ العلم من مصدره، إذ من المعلوم أنّ قوانين وقواعد معرفة حال الراوي، والمروي إنّما أُخذت عن هؤلاء الأئمة فهم الحكم في هذه المسائل، وإليهم الرجوع عند التنازع.
ورَحِمَ اللهُ علماءَ المسلمين-المتقدمين منهم والمتأخرين- فقد ورثوا للأمة علماً زاخراً يخدم كتاب الله وسنة رسوله ، وإنَّ من حقهم على الأمّة الدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستفادة من علومهم، وهذا هو منهج مَنْ تَبِعَهُم بإحسان قال تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (الحشر: 10). ».
(ث‌) قول يعقوب:«:«إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا.... » كثيراً ما يستعمل يعقوب بن شيبة لفظة (أصحابنا) في كلامه فمن ذلك قوله:
1– «ما رأيت أحداً من أصحابنا ممن ينظر في الحديث وينتقي الرجال؛ يقول في عمرو بن شعيب شيئاً، وحديثه عندهم صحيح وهو ثقة ثبت، والأحاديث التي أنكروا من حديثه إنما هي لقوم ضعفاء رووها عنه وما روى عنه الثقات فصحيح..»(2).
2– وقوله: «.. سمعت غير واحد من أصحابنا منهم: محمد بن عبدالله بن نمير و أبا بكر بن أبي شيبة يقولان ذلك»(3).
3– وقوله: «حدثني غير واحد من أصحابنا منهم عبدالله بن شعيب سمعوا يحيى بن معين..»(4).
4– وقوله: «عبدالعزيز بن أبان عند أصحابنا جميعاً متروكٌ، كثير الخطأ كثير الغلط، وقد ذكروه بأكثر من هذا، وسمعت محمد بن عبدالله بن نمير يقول: ما رأيت أبين أمراً منه، وقال هو كذاب»(5).
5– وقوله: «سمعت علي بن عاصم على اختلاف أصحابنا فيه، فمنهم من أنكر عليه كثرة الخطأ والغلط، ومنهم من أنكر عليه تماديه في ذلك وتركه الرجوع عما يخالفه الناس فيه..»(6).
6– وقوله: «وقيس من قدماء التابعين، وهو متقن الرواية، وقد تكلم أصحابنا فيه فمنهم من رفع قدره وعظمه وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه وقال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث عنه على أنها عندهم غير مناكير؛ وقالوا هي غرائب، ومنهم من لم يحمل عليه في من الحديث وحمل عليه في مذهبه..»(7).
7– وقال عن إبراهيم بن أبي الليث: «كان أصحابنا كتبوا عنه ثم تركوه، وكانت عنده كتب الأشجعي، وكان معروفاً بها ولم يقتصر على الذي عنده حتى تخطى إلى أحاديث موضوعة»(8).
9– وقال عن يحيى بن يمان: «كان صدوقاً كثير الحديث، وإنما أنكر عليه أصحابنا كثرة الغلط..»(9).
10– وقال أيضاً:«حدثنا الحسن بن علي الحلواني – أو حدثني عنه بعض أصحابنا – قال: سمعت..»(10).
ومن خلال هذه الأمثلة – وغيرها كثير– يتبين أنّ يعقوب بن شَيْبَة يريد بهذه اللفظة الدارجة في كلامـه شيوخه الذين ينقلُ عنهم كثيراً، ولازمهم من المحدثين، وقد نصَّ على بعضهم كعلي بن عبدالله المديني، ويحيى بن معين، ومحمد بن عبدالله بن نمير، ومحمد بن إسماعيل، وعبدالله بن شعيب الصابوني، وابن أبي شيبة.

   

سؤال2 : نريد أن نعرف باختصار منهج يعقوب بن شيبة السدوسي في الجرح والتعديل وطريقته في نقد الأحاديث والروايات؟
الجواب:
بينت منهج يعقوب بن شيبة في الجرح والتعديل في الرسالة الآنفة الذكر فمما جاء فيها:
خلاصة منهج يعقوب بن شيبة فـي التَّعديل:
في هذه الخلاصة أذكر أهم ما يلاحظ على كلام يعقوب بن شيبة في التَّعديل، فمن ذلك:
– توثيقه للمبتدعة مطلقاً من غير تفريق بين أنواع البدع؛ فهو يوثق مَنْ رُمِيَ بالقَدَر، ومَنْ رُمِيَ بالتشّيع، ومَنْ رُمِيَ بالإرجاء، ولا يُفرّق أيضاً بين مَنْ كانت بدعته خفيفة أو شديدة، وبين من كان داعية أو غير داعية، فكلهم عنده ثقات إذا توفر فيهم الضبط والحفظ.
– وتقويته بعض الرجال لرواية بعض الأئمة عنهم، ومن الأئمة الذين نصَّ عليهم مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان.
– وتفصيله في أحوال الرجال، فبعض الرواة قد يكون مقبولاً في حالٍ، ومردوداً في حالٍ أخرى، وهذه الأحوال ترجع:
1– إمّا إلى المكان الذي حدّث فيه الراوي.
2– أو إلى الزمان الذي حدّث فيه الراوي.
3– أو إلى شيوخ الراوي.
4– أو إلى تلاميذ الراوي.
5– أو إلى حال الشيخ عند تحديثه.
– وتأثره في ألفاظه، وأحكامه ببعض الأئمة، منهم: ابن سعد، وابن معين.
– وعنايته بألفاظ الرواية، حتى إنه رجح بعض الراوة على بعض لهذا السبب، فقد قال: «زهير أثبت من عبدالله بن محمد بن أبي شيبة، وكان في عبدالله تهاون بالحديث، لم يكن يَفْصِلُ هذه الأشياء – يعني الألفاظ –» (11)، ويلاحظ هذا الاعتناء أيضاً في طريقة يعقوب في الرواية، ودقته المتناهية في ذلك.
– وتأثره أيضاً في ألفاظه، وأحكامه على الرجال بعلم العلل، و يعقوب بن شَيْبَة من المُبَرّزين في علم العلل، ويظهر ذلك جلياً في ألفاظه، وأحكامه على الرجال، لذا يتكرر في كلامه ألفاظ الترجيح بين الرواة كفلان أثبت من فلان، أو أتقن، أو أعلم ونحوها من العبارات الهامة في علم علل الحديث.
– ويلاحظ استعماله بعض العبارات الرفيعة في التَّعديل في وصف رواة لا يبلغونها، من ذلك قوله في عطاء الخراساني: ثقة ثبت، وأقوال النقاد فيه تدور بين ثقة وصدوق وضعيف
ومن خلال ما تقدم في هذا المبحث يتبين أنَّ يعقوب بن شيبة معتدل في التعَّديل، وإن كان لا يخلو من تشددٍ أحياناً، فقد تشدد في:
1– عبدالسلام بن حرب، حيثُ غَمَزَه والجمهور على توثيقه.
2– والوليد بن أبي مالك، لم يتكلم عليه إلاّ يعقوب، وهو متفق على توثيقه.
3– وإسرائيل بن يونس السبيعي.
وهكذا غالب الأئمة المعتدلين، فإنهم قد يتشددون أحياناً، وأحياناً يتساهلون، وما أحسنَ وأدق كلمةَ المعلميّ التي قال فيها: «ما اشتهر أنَّ فلاناً من الأئمة مُسَهِّل، وفلاناً مُشّدِّد، ليس على إطلاقه، فإنَّ منهم من يُسهل تارةً، ويُشدد أُخرى، بحسب أحوال مختلفة، ومعرفةُ هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلاَّ باستقراء بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام»، والله أعلم.
خلاصة منهج يعقوب بن شيبة فـي الجرح
في هذه الخلاصة أذكر أهم ما يلاحظ على كلام يعقوب بن شيبة في الجرح، فمن ذلك:
1– جمعه في كلامه على الراوي الواحد بين ألفاظ الجرح وألفاظ التعديل في آنٍ واحد، غير أنه يُقَيّد ألفاظ الجرح بالحديث، ويُطلق ألفاظ التعديل، مما يدل على أنَّ التعديل منصبٌ على صلاح الرجل في نفسه ودينه لا في حديثه وضبطه، وتقدم التنبيه على ذلك في التعليق على الألفاظ المركبة.
2– أنَّ السّمة الغالبة على ألفاظ يعقوب بن شيبة في جرح الرواة سمةُ الخشيةِ والورعِ، وتجنب الألفاظ القاسية والشديدة؛ كالفظة: كذاب، أو وضّاع، أو زنديق، وغير ذلك من الألفاظ التي استعملها بعض شيوخه، كابن معين، وابن نُمير، و ابن المديني.
3– أنَّ يعقوب بن شيبة مع اعتداله في جرحه للرواة إلاَّ أنَّه قد يتشدد أحياناً في بعض الرواة، كما تشدد في حكمه على أبي بكر النهشلي حيث قال فيه: «صدوق، ضعيف الحديث»، مع أنَّ جميع شيوخ يعقوب على توثيقه إلاَّ ما كان من إشارة ابن سعد المذكورة، وكما تشدد أيضاً في حكمه على عبدالسلام بن حرب الملائي حيث قال فيه: «ثقة، وفي حديثه لين، وكان عسراً في الحديث..»، ونحو هذا الكلام قاله ابن سعد في عبدالسلام هذا، وتقدم قول المعلمي: «ما اشتهر أنَّ فلاناً من الأئمة مُسَهِّل، وفلاناً مُشّدِّد، ليس على إطلاقه، فإنَّ منهم من يُسهل تارةً، ويُشدد أُخرى، بحسب أحوال مختلفة، ومعرفةُ هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلاَّ باستقراء بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام»(12)، وكلام المعلمي هذا يدل عليه واقع النقاد ومنهم يعقوب بن شيبة.
4– ومما يلاحظ أيضاً أنَّ يعقوب بن شيبة ينقل أقوال النقاد – شيوخه وغيرهم – في الرواة، وتقدم نقله عن عبدالله بن المبارك، ويحيى القطان، والفضل بن موسى، وابن المديني، وابن معين، وابن نُمير وغيرهم من أئمة الجرح والتَّعديل.
6– ويلاحظ أيضاً أنَّه لا يكتفي أحياناً بذكر الجرح في الراوي؛ بل يذكر فضلَ الرجل وصلاحَه وعبادتَه وزهدَه، وأمرَه بالمعروف ونهيَه عن المنكر، وفقهه، ومعرفته بأخبار الناس وسيرهم، وغير ذلك من الأمور التي يتصف بها الراوي المجروح؛ كما في قوله في أبي بكر بن عياش: «وأبو بكر بن عياش شيخ قديم معروف بالصلاح البارع،وكان له فقه كثير، وعلم بأخبار الناس، ورواية للحديث يعرف له سنه وفضله،وفي حديثه اضطراب»، وقوله في الهيثم بن عدي: «كانت له معرفة بأمور الناس وأخبارهم، ولم يكن في الحديث بالقوي، ولا كانت له به معرفة وبعض الناس يحمل عليه في صدقه»، وغيرهما من الرواة.
7– ويلاحظ أيضاً توثيقه النسبي لبعض المجروحين عنده، إما توثيق في بعض الشيوخ كقوله في مندل بن علي العنزي: «عبيدالله بن موسى، ومحاضر، ومندل، وأبو معاوية، ووكيع، وابن نمير، ويحيى بن عيسى كل هؤلاء ثقة في الأعمش»، مع قوله: «كان أشهر من أخيه حبان وهو أصغر سناً منه، وأصحابنا يحيى بن معين وعلي ابن المديني وغيرهما من نظرائهم يضعفونه في الحديث، وكان خيراً فاضلاً صدوقاً، وهو ضعيف الحديث، وهو أقوى من أخيه في الحديث»، أو توثيق بسبب المتابعة كقوله في أبي بكر بن عياش: «وأبو بكر بن عياش شيخ قديم معروف بالصلاح البارع،وكان له فقه كثير، وعلم بأخبار الناس، ورواية للحديث يعرف له سنه وفضله،وفي حديثه اضطراب»، وقال أيضاً في كلامه على أحد الأحاديث: «..رواه جماعةٌ عن أبي إسحاق ثقات منهم: زائدة بن قدامة، وأبو الأحوص سلام بن سليم،وأبو بكر ابن عياش، وسفيان بن عيينة، وإسرائيل بن يونس».
8– ومما يلاحظ أيضاً تنبيهه أحياناً على عقائد الرواة، مع التحرز في ذلك؛ فقد قال في عبدالواحد بن زيد أبي عبيدة: «رجل صالح متعبد،وكان يقص يعرف بالنسك والتزهد وأحسبه كان يقول بالقدر، وليس له بالحديث علم، وهو ضعيف الحديث».
9– ومما يلاحظ أيضاً تصريحه بعدم التحديث عن المتروكين؛ فقد قال في علي بن الحزور الغنوي: «قد تُرِكَ حديثه، وليس ممن أحدثُ عنه»، وهذا يدل على انتقاءه لشيوخه.
10– ومما يلاحظ أيضاً متابعة لبعض النقاد في أحكامهم وألفاظهم؛ كابن سعد، وابن معين، فإنَّ ابن سعد قال في عبدالسلام بن حرب: «كان به ضعف في الحديث، وكان عسراً»، وقال يعقوب فيه: «ثقة وفي حديثه لين، وكان عسراً في الحديث..»، وتقدم أنَّ يعقوب استفاد كثيراً من ابن سعد في طبقات الرواة وأخبارهم، وأما ابن معين فقال عن زيد الحواري: «يُضعّفُ»، وكذلك قال فيه يعقوب كما تقدم.
11– ومما يلاحظ أيضاً تنبيهه على أنَّ بعض الضعفاء يزدادون ضعفاً إذا جمعوا في روايتهم بين بعض شيوخهم.
12– أنَّ تَرْكَ بعضِ الأئمة لراوٍ وعدمِ الروايةِ عنه دليلٌ على ضعفه عندهم، وقد نقل يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني كلامه على عبدالله بن محمد بن عقيل، وبيَّن يعقوب أنَّ هذا لمن كان ينتقي الرواة كمالك بن أنس ويحيى القطان.
13– دقة بعض ألفاظه في الجَرْح. فمن ذلك مثلاً قوله: فيه ضعف، وقوله:في حديثه ضعف، وقوله: في روايته عن فلان بعض الاضطراب.
14– تفسيره للجرح أحياناً، فمن ذلك قوله في معمر:«سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأنَّ كتبه لم تكن معه»(13).
15– عنايته بالتفصيل في أحوال بعض الرواة.
فمن ذلك قوله في سماك بن حرب: «وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع من سماك قديماً مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيحٌ مستقيم، والذي قاله ابن المبارك إنما يرى أنه فيمن سمع منه بأخرةٍ»(14).
16– نقله أقوال كبار النقاد في الرجال واختلافهم فيهم مع المقابلة والترجيح، ونقله ما يجري بينهم من مناظرات في الجَرْح والتَّعديل، من ذلك:
– قوله: «..سمعت أحمد ويحيى يتناظران في ابن أبي ذئب، وعبدالله ابن جعفر المُخَرَّمي، فقدم أحمد المخرمي على ابن أبي ذئب، فقال يحيى: المخرمي شيخ وأيش عنده من الحديث؟! وأطرى ابن أبي ذئب وقدمه على المخرمي تقديماً كثيراً متفاوتاً، فقلت لعليّ بعد ذلك: أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن أبي ذئب أحب إلي، وهو صاحب حديث، وأيش عند المخرمي من الحديث، وسألت علياً عن سماعه من الزهري، فقال: هو عرض، قلت: وإن كان عرضاً كيف؟ قال: هي مقاربة أكثر»(15).
– وقوله: «سمعت علي بن عاصم على اختلاف أصحابنا فيه، فمنهم من أنكر عليه كثرة الخطأ والغلط، ومنهم من أنكر عليه تماديه في ذلك وتركه الرجوع عما يخالفه الناس فيه، ولجاجته فيه، وثباته على الخطأ، ومنهم من تكلم في سوء حفظه واشتباه الأمر عليه في بعض ما حدث به من سوء ضبطه وتوانيه عن تصحيح ما كتب الوراقون له، ومنهم من قصته عنده أغلظ من هذه القصص، وقد كان– رحمة الله علينا وعليه – من أهل الدين والصلاح والخير البارع، شديد التوقي، وللحديث آفات تفسده»(16).
والخلاصة أنَّ أحكام يعقوب بن شيبة في الجرح تتسم بالاعتدال – في الغالب –، وتعابيره تتسم بالخفة وعدم الشدة والقسوة.
وأمّا طريقته في نقد الأحاديث والروايات فهذه لم أكتبها بعد نظرا لقلة الأحاديث التي وقفت عليها مما تكلم عليه وهذه الأحاديث لا تبين منهجه بدقة كما هو مطلوب، وإن كانت هذه الأحاديث القليلة يتبين منها أثر صناعة العلل على كلامه، ودقته في الكلام على متون الأخبار، وطول النفس في ذلك.

   

سؤال3 : هل المصدر الأساسي في العلل للحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي هو علل ابن المديني؟
الجواب:
المصدر الأساسي في العلل للحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي هو شيخه علي بن المديني وقد كانت نقوله عنه مشافهةً سمعت..وحدثني..ونحو ذلك، ويعقوب بن شيبة مع البخاري من أكثر من استفاد من مدرسة علي بن المديني إمام العلل في زمانه ولذلك كان لكلامهما في العلل قوة وقبول عند المحدثين.
ولم أر يعقوب صرح..أو ذكر كتاب «علل ابن المديني»- وإن كان علي بن المديني له مسندان أحدهما مسند معلل كما بينت ذلك في كتابي «جهود المحدثين في بيان علل الحديث»-.

   

سؤال4 : وهل توثيق يعقوب بن شيبة راجع إلى العدالة أكثر من الضبط؟
الجواب:
بينت في الرسالة الآنفة الذكر أنَّ الأصل في كلمة ثقة في كلام يعقوب بن شيبة : الثقة في الحديث وهو من جمع بين العدالة والضبط؛ إلاَّ أن تكون هناك قرينة تدل خلاف هذا-والقرينة ربما تكون متصلة في الكلام، وربما تكون خارجية-، ومن هنا يُعلم غلط من أطلق أنَّ يعقوب بن شَيْبَة يريد بلفظة (ثقة) مفردةً العبادةَ والصلاحَ ونحوَ ذلك، لا يريد بها الضبط.
ولكن يلاحظ أنه يجمع في كلامه على الراوي الواحد بين ألفاظ الجرح وألفاظ التعديل في آنٍ واحد، غير أنه يُقَيّد ألفاظ الجرح بالحديث، ويُطلق ألفاظ التعديل، مما يدل على أنَّ التعديل منصبٌ على صلاح الرجل في نفسه ودينه لا في حديثه وضبطه.

   

سؤال5 : هل تخصيص الرسول عليه السلام بفعل معين يحتاج لدليل بمعنى أنّا نطلب الدليل ممن قال بأن هذا الفعل خاص بالرسول عليه السلام ولا نطلبه من الذي يقول أن هذا لنا وله عليه السلام لأنه أسوتنا؟.
الجواب:
الأصل في أفعال الرسول  وأقواله وأحكامه عدم الخصوصية حتى تثبت بدليل لأنّ الله يقول:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } (الأحزاب:21) فدل على أنه  قدوة الأمة في كل شيء، ولأنّ الصحابة كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى أفعاله فيقتدون به فيها. قال ابنُ القيّم:((إذا رأينا أصحابَ رسولِ الله  قد اختلفوا في أمرٍ قد صحَّ عن رسول الله  أنه فعله وأمر به فقال بعضُهم: إنَّه منسوخٌ أو خاصٌ، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقول من ادَّعى نسخه، أو اختصاصَه مخالفٌ للأصلِ فلا يقبل إلا ببرهان)) زاد المعاد (2/192)، والمسألة من المسائل المشهورة في كتب أصول الفقه.

   

سؤال6 : هل ترون - حفظكم الله - أن موضوعات الرسائل العلمية في علم الحديث تقلصت وقلت، أم أن هناك مجالا للتسجيل؟
ثم هل ترون تغيرا في الموضوعات المسجلة في الآونة الأخيرة عنها فيما مضى؟

الجواب:
أمّا من حيث التغير في الموضوعات المسجلة في الآونة الأخيرة عنها فيما مضى..فنعم هناك تغير إلى الأحسن والأدق والأعمق –فيما يظهر لي- سواء في تحقيق المخطوطات أو إنشاء الموضوعات، وهذا التغير له أسباب عديدة منها: أسباب ترجع إلى الباحثين أنفسهم ومحاولة التجديد والتميز في الرسائل العلمية، ومنها: أسباب ترجع إلى تشدد الأقسام الأكاديمية في الجامعات ووضع ضوابط دقيقة للرسائل العلمية، ومحاولة تلافي الثغرات والعيوب التي لوحظت في الرسائل الماضية.
أمَّا من حيث توفر موضوعات للرسائل العلمية في علم الحديث فأرى أنّ هناك مجالا جيدا للحصول على موضوعات للرسائل العلمية ولكنّ المشكلة في الدرجة الأولى-في رأيي- ترجع إلى الباحث نفسه فبعض الباحثين عنده قصور في هذا الفن ومشكلاته فهذا الصنف من الباحثين سيجد صعوبة في الحصول على موضوع-إن لم يساعده أحد-، لذا كلما كان الباحث واسع الاطلاع، كثير القراءة،دقيق التأمل كانت فرصته في صيد الموضوعات أكثر وأوفر.
وصنفٌ آخر من الباحثين ليس عنده استعداد أن يقرأ في الموضوع المقترح وأن يجرد من أجله الكتب للنظر في مدى صلاحه للبحث العلمي وتوفر الشروط العلمية الأكاديمية فيه فهو يريد موضوعا جاهزاً مجرد أنه يشرع في العمل.
ويلاحظ أنّ هناك مسائل ليست بالقليلة تتعلق بمنهج المتقدمين لم تبحث البحث الدقيق الذي يوضح منهج المتقدمين فيها من خلال السبر والتتبع والتحليل، وهناك أئمة لهم إسهامات جيدة في علوم الحديث لمّا يفردوا ببحوث بعد، وقد ذكرت بعضهم في كتابي «جهود المحدثين في بيان علل الحديث».
وأنبه أنه من المفيد أخذ رأي المتخصيين في هذا الفن ومن لهم باع طويل فيه أمثال: الشيخ أحمد معبد عبدالكريم، والشيخ عبدالكريم الخضير،والشيخ عبد الله السعد، والشيخ سعد الحميد، والشيخ إبراهيم اللاحم، والشيخ حمزة المليباري، والشيخ خالد الدريس، والشيخ محمد التركي وغيرهم كثير ممن لم يحضرني اسمه ممن له إسهامات في هذا الفن.
وكذلك من فوائد «ملتقى أهل الحديث» طرح مثل هذه الموضوعات للمذاكرة فيها، وأقترح وضع ركن «موضوعات مقترحة للرسائل العلمية» بحيث يطرح موضوع يتم تداوله بين الأعضاء من حيث: أهمية الموضوع، أثره، أسباب دراسته، الدراسات السابقة، حدوده، خطة البحث وتفصيلاته...ونحو ذلك من البيانات، وفي ظني أنّ طلاب الدراسات العليا –في مختلف الجامعات الإسلامية في العالم-من أول من يشارك في هذا الركن، ومن الممكن مخاطبة المتخصصين لأخذ رأيهم في هذه الموضوعات والعناوين المقترحة، ونحاول من خلال هذا الركن العناية بمنهج المتقدمين، ومعالجة بعض القضايا التي تحتاج إلى تحرير، والله الموفق.

   

سؤال7 : متى تتكامل ملكة التعليل لدى المرء؟
الجواب:
كنت كتبتُ مقالا في مجلة البيان بعنوان «كَيْفَ نُقَرّب عِلْمَ عِلَلِ الحَدِيث لطلاب الحَدِيث ونحببه لَهُمْ؟» وفيه إجابة على هذا السؤال وقد نبهتُ في المقال على أمرين:
الأول:التنبه لقاعدةٍ جميلةٍ نصّ عليها إمام العلل في زمانه عَلِيّ بن الْمَدِينِيّ، وهذه القاعدة يغفل عنها كثيرٌ من الناس. قال يعقوب بن شيبة: قَالَ عَلِيّ بن الْمَدِينِيّ: لا يقاس الرجل إلا بأقرانه وأهل زمانه؛ فلقد قُلْتُ مَرَّةً: سَعِيد أَعْلَم من حَمَّاد بن زَيْد، فبلغ ذَلِكَ يَحْيَى بن سَعِيد، فشق ذَلِكَ عليه؛ لئلا يقاس الرجل بمن هو أرفع منه لا يَقُول: سُفْيَانُ أَعْلَم من الشعبي، وأيُّ شيء كَانَ عند الشعبي مما عند سُفْيَان؟ وقيل لعلي بن الْمَدِينِيّ: إن إنساناً قَالَ: إنَّ مالكاً أفقه من الْزُّهْرِيّ، فَقَالَ عَلِيّ: أنا لا أقيس مالكاً إِلَى الْزُّهْرِيّ، ولا أقيس الْزُّهْرِيّ إِلَى سَعِيد بن الْمُسَيَّب، كل قوم وزمانهم.
لذا ينبغي التفطن إلى هذه القاعدة وعدم المفاضلة بين مختلفي الأزمنة، وكذلك ملاحظة - وهذا الشاهد للمقال - أنه من الصعوبة - وربما من المستحيل - أن يبرز أحدٌ في علل الحديث كما برز أولئك.
الثاني: وفي زماننا هذا - والضعف العلمي والعملي سمةٌ بارزة فيه -أرى أنّ من عَرَف مصطلحات علماء الحديث - بالجملة - ومناهج أئمة العلل وطرائقهم في هذا الفن، وأدمن النظر في كتب العلل مع جودة الفهم، ودِقَّة في النظر، وحفظ الرجال الذين تدور عليهم الأسانيد، ومراتب الرواة وطبقاتهم، وطرق وقرائن الترجيح، والجمع فهو من العارفين بعلل الحديث.
ومما قلته في المقال الآنف الذكر:
كيف يعالج القصور في هذا العلم-علم العلل-؟
من طرق علاج القصور في هذا الفن ـ في رأيي ـ طريقان:
أ - كثرة القراءة في كتب العلل النظرية والتطبيقية - كعلل الترمذي الكبير، وعلل ابن أبي حاتم، وعلل الدارقطني وكتابه: التتبع، وعلل ابن عمّار الشهيد، ومبحث «الحديث المعلول» في كتب علوم الحديث - فإنْ غلب على قراءتها فلا يغلب على كتابين: الأوَّل: التمييز للإمام مسلم بن الحجاج، والثاني: كتاب «شرح علل الترمذي» لابن رجب، وأرى أنَّ الكتابين ـ من أولهما إلى آخرهما ـ من أحسن ما يقرر على طلاب الحديث لفهم العلل ومعرفة طريقة النقاد فيها.
ب - تتبّع أقوال كبار نقاد الحديث على الحديث المراد بحثه، والاستفادة من كل كلمة يقولونها عن الحديث؛ لأنَّ تعاليل الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار، والإجمال، والإشارة، فيقولون مثلاً: «الصواب رواية فلان»، أو «وَهِمَ فلان» أو «حديث فلان يشبه حديث فلان» أو «دَخَلَ حديثٌ في حديث» ولا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول؛ لأنّ كلامهم في الغالب موجه إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل، فيدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها - ومِنْ ثمّ دراسة أسباب هذا الحُكْم من الناقد، ومدى موافقة بقية النقاد له، ومع كثرة الممارسة لكلام النقاد تتكون عند الباحث مَلَكة تؤدي - بتوفيق من الله وإعانة - إلى موافقتهم قبل أنْ يطَّلعَ على كلامهم المعين في الحديث المراد بحثه، وتفيده في دراسة الأحاديث التي لم يتكلموا عليها.

   

سؤال8 : ما هو سبب تعمد بعض الرواة لوقف الحديث؟ وهل هو مشابه لتصرف الإمام مالك في إرسال الحديث أحيانا؟
الجواب:
كنتُ كتبتُ بحثاً حول هذه المسألة بعنوان « الثِّقَاتُ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا وَقْفَ الْمَرْفُوعِ أو إِرْسَالَ الْمَوْصُولِ» ومما جاء فيه مما يتعلق بإجابة هذا السؤال:
الرُّوَاة –من حيثُ وَقْفهم الْمَرْفُوع، وَإِرْسَالهم الْمَوْصُول - على قسمين:
1- الضعفاء-على تفاوت درجاتهم – فهذا القسم وقفهم للمرفوع، وقصرهم للإسناد ناتج عَنْ سوء حفظهم فهو من باب الوهم والخطأ.
2- الثِّقَات وهم في هذا الباب على قسمين:
أ- ثقات يقفون المرفوع، ويرسلون الموصول من غير عَمْد فهذا من باب الوهم والخطأ الذي لم يسلم منه أحد، قَالَ أحمد بن حنبل:((ما رأيتُ أحدا أقلَّ خطأ من يحيى بنِ سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث، ومن يعرى من الخطأ والتصحيفِ!))(17)، وَقَالَ ابنُ معين:((مَن لم يخطئ فهو كذاب))(18)، وَقَالَ:((لستُ أعجب ممن يحدّث فيخطئ إنما أعجب ممن يحدث فيصيب))(19)، وَقَالَ الترمذيُّ:((لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم))(20)
ب- ثقات يقفون المرفوع، ويرسلون الموصول عمداً وقصداً لأسباب متعددة - وهؤلاء هم موضوعُ الْبَحْث ومقصده -، وهذه بعض أقوال النقاد الدالة على هذا النوع من الرُّوَاة:
1- قَالَ عبدُ الرحمن بنُ مهدي حدّثنا شُعْبة عَنْ السُّدي عَنْ مُرّة عَنْ عبدالله بن مسعود وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا (مريم:71) قَالَ: يردونها ثم يصدرون بأعمالهم "، قَالَ عبدالرحمن قلتُ لشعبة: إن إسرائيل حدثني عَنْ السُّدي عَنْ مُرّة عَنْ عبد الله عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ شُعْبة: وقد سمعته من السُّدي مرفوعاً ولكني عمداً أدعه.
2- وَقَالَ الحميديُّ- بعد رواية حَدِيث " الربا في النسيئة" -:((كَانَ سفيانُ- هو: ابن عُيينة- رُبما لم يرفعه، فقيل له في ذلك، فَقَالَ: أتقيه أحيانا لكراهية الصرف، فأما مرفوع فهو مرفوع)).
3- وَقَالَ المروذيّ سألته –يعني أحمد بن حنبل - عَنْ هشام بن حسان؟ فَقَالَ: أيوبُ، وابنُ عون أحبّ إليّ، وحسّن أمرَ هشام، وَقَالَ: قد رَوى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كَانَ مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه(21).
4- وَقَالَ ابنُ أبي حاتم:((سألتُ أبي وأبا زرعة عَنْ حَدِيث رَوَاهُ يزيدُ بنُ زُرَيع وَخَالدُ الواسطيّ وَزُهَيرُ بنُ معاوية ويحيى بنُ أيوب وَأبو بكر بنُ عيّاش فَقَالوا كُلُّهم: عَنْ حُمَيد، عَنْ أنس قَالَ: عَادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً قَد جَهِدَ حَتى صَارَ مِثل الفرخ مِنْ شدةِ المرض، فَقَالَ: هل كنتَ تدعو الله بشيء، قَالَ: نعم، كنتُ أقولُ: اللهم ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا الحَدِيث، فَقَالا: الصحيحُ عَنْ حميد عَنْ ثابت عَنْ أنس، قلتُ: مَنْ رَوَى هَكَذا فَقَالا: خالدُ بنُ الحارث والأنصاريّ وغيرهما قلتُ: فهؤلاء أخطأوا؟ قالا: لا, ولكن قَصروا، وكان حميد كثيرًا ما يرسل))(22).
5- وَقَالَ الدارقطني:((ومسعر كَانَ ربما قصر بالإسناد طلبا للتوقي وربما أسنده))(23)، وَقَالَ:((ابنُ سيرين من توقيه وتورعه تارةً يصرح بالرفع، وتارةً يومىء، وتارةً يتوقف على حَسِبَ نشاطه في الحال))(24)، وَقَالَ:((رواه الليثُ بنُ سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله وقول الليث أصح ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل))(25).
 أسبابُ وَقْف الثِّقَات للمَرْفُوع وَإِرْسَال الْمَوْصُولِ:
ذكر هذه الأسباب إجمالا السخاويُّ –في مبحث ما يلحق بالمرفوع كلفظة: يرفعه، وينميه ونحوهما-فَقَالَ:((الحاملُ عَليهِ وَعَلَى العُدولِ عَنْ التصريحِ بالإضافةِ: إمّا الشك في الصّيغةِ التي سَمِعَ بها أهي: "قَالَ رسول الله" أو "نبي الله" أو نحو ذلكَ، كسَمِعتُ أو حَدِثني، وَهُو ممن لا يَرى الإبدال كما أفاد حاصله المنذريُّ، أو طَلَباً للتخفيفِ وإيثاراً للاختصار، أو للشك في ثبوته كما قالهما شيخنا(26)، أو وَرَعَاً حَيثُ عَلِمَ أنّ المؤدى بالمعنى))(27).
فتضمن كلام السخاويّ أربعة أسباب:
1- الشك: وذَكَرَ نوعينِ مِنْ الشك:
أ‌- الشك في الصّيغةِ التي سَمِعَ بها أهي: "قَالَ رسول الله" أو "نبي الله" أو نحو ذلكَ، كسَمِعتُ أو حَدِثني.
ب‌- الشك في ثبوت الخبر عَنْ النبي ، وعزاه لشيخه الحافظ ابن حجر.
قلتُ: ومن أمثلة ذلك وقف شُعْبة لحديث السُّدي مع إقراره بأنه سمعه من السُّدي مرفوعاً فسبب ذلك شكه في ضبط السدي للحديث مرفوعاً فأوقف الحَدِيث تحرزاً.
وبقي نوعٌ من الشكّ لم يذكره السخاويُّ وهو:
ت‌- الشك في ثبوت الحكم عَنْ النبي  إمَّا لكونه منسوخاً أو له تأويل يخالف الظاهر المتبادر، مع الإقرار بأنّ الخبر ثابتٌ مرفوعاً.
ومن أمثلة ذلك وقف سفيان بن عيينة لحديث "الربا في النسيئة"، مع إقراره بأنه مرفوع، لكنّه صرّح بأنَّ سببَ وقفهِ للحديثِ أحياناً كراهية الصرف فهو يشير للخلاف الكبير بين العلماء في توجيه حَدِيث أسامة هذا، فبعض العلماء ذهب إلى نسخه، وبعضهم إلى تأويله(28)، قَالَ النوويُّ:((وقد أجمعَ المسلمون على ترك العمل بظاهر حَدِيث أسامة))(29)
2- طلباً للتخفيف وإيثارا للاختصار:
قَالَ الدارقطنيُّ:((ابنُ سيرين من توقيه وتورعه تارة يصرح بالرفع وتارة يومىء وتارة يتوقف على حسب نشاطه في الحال))(30)، وَقَالَ أيضاً:((الحَدِيث في الأصل ثابت الرفع، لكن ابن سيرين كَانَ يقف كثيراً من حديثه تخفيفاً))(31).
وقال الرّشيدُ العطار:((الحديثُ قد يكون عند الراوي له عَنْ جماعة من شيوخه، فيحدث به تارةً عَنْ بعضهم، وتارةً عَنْ جميعهم، وتارةَ يُبْهمُ أسماءهم، وربما أرسله تارةً على حسب نشاطه وكسله))(32).
وَقَالَ ابن حجر:((ويحتمل أن يكون من صَنَعَ ذلك صنعه طلباً للتخفيف وإيثاراً للاختصار)) (33).
3- شدّة الورع:
قَالَ البغوي:((كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحَدِيث عَنْ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خوفاً من الزيادة والنقصان، والغلط فيه، حتى إنَّ من التابعين من كَانَ يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم من يسند الحَدِيث حتى إذا بلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: قَالَ، ولم يقل: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم من يقول: رفعه، ومنهم من يقول: رواية، ومنهم من يقول: يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل ذلك هيبة للحديث عَنْ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وخوفاً من الوعيد))(34).
قلتُ: هذه الأسباب التي ذكرها السخاويّ، وتبين لي خَمْسةُ أسبابٍ أخرى هي:
3- أنْ يُعْرفَ عَنْ صحابيّ الحَدِيث تهيب الرفع أو قلته:
ومن أمثلة ذلك:
-قول حجاج بن محمد حدثنا شُعْبة قَالَ: سمعت عقبة بن وسّاج عَنْ أبي الأحوص عَنْ عبد الله عَنْ النبي  أنّه قَالَ:((فضل صلاة الرجل في الجميع على صلاته وحده خمس وعشرون درجة)).
قَالَ حجاج: وَلم يرفعه شُعْبة لي، وقد رَفَعَهُ لغيري، قَالَ: أنا أهابُ أنْ أرفَعَهُ لأنّ عبدَالله قَلَّما كَانَ يرفعُ إلى النبيّ (35).
وهذا التهيب والقلة من لَدن صحابي الحَدِيث له أسباب من أبرزها:شدة الورع، والتحرز من الخطأ وتقدم بيان ذلك في كلام البغوي قريباً.
4- معرفةُ المخاطبين وتلاميذ الراوي بطريقة شيخهم واشتهارها عندهم:
قَالَ الأعمشُ:((قلتُ لإبراهيم: إذا حدثتني حديثاً فأسنده فَقَالَ: إذا قلت عَنْ عبد الله -يعني ابن مسعود- فاعلم أنه عَنْ غير واحد، وإذا سميتُ لك أحداً فهو الذي سميت))(36).
وَقَالَ خالد الحذاء:((سمعتُ محمد بن سيرين يقول: كلّ شيء حدثتكم عَنْ أبي هُرَيرة فهو عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم))(37).
قَالَ أبو داود:((كَانَ ابن سيرين يرسل وجلساؤه يعلمون أنه لم يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحواً من ثلاثين حديثاً))(38).
وَقَالَ خالدُ الحذّاء:((كلُّ شيء رواه ابنُ سيرين عَنْ ابن عباس فهو عَنْ عكرمةَ، لقيه بالكوفة أيام المختار)) (39)، ومعلوم أنّ خالد الحذّاء من تلاميذ ابن سيرين المقدمين.
وَقَالَ الهيثمُ بنُ عبيد حدثني أبي قَالَ: قَالَ رجلٌ للحسن: إنّك لتحدثنا قَالَ النبي، فلو كنتَ تسندُ لنا، قَالَ: والله ما كذبناك ولا كذبنا لقد غزوتُ إلى خراسان غزوة معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (40).
وَقَالَ الخطيبُ: قَرأتُ في أصلِ كِتَاب دَعْلج بنِ أحمد ثمّ أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني قَالَ: أخبرنا أبو الحسن بن صغيرة قَالَ:حدثنا دعلج قَالَ:حدثنا موسى بن هارون بحديث حماد بن زيد عَنْ أيوب عَنْ محمد عَنْ أبي هُرَيرة قَالَ: قَالَ: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، قَالَ موسى: إذا قَالَ حمادُ بنُ زيد والبصريون قَالَ: قَالَ فهو مرفوع.
قلتُ للبرقاني: أحسب أنَّ موسى عَنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة، فَقَالَ: كذا تحسب (41).
وَقَالَ ابنُ محرز سمعتُ يحيى بنَ معين يقولُ: قَالَ يحيى بنُ سعيد القطان: كلُّ حَدِيث سمعتُه مِنْ سفيان قَالَ: حدثني، وحدثنا إلا حديثين: سماك عَنْ عكرمة، ومغيرة عَنْ إبراهيم-ذكر يحيى بن معين الحديثين فنسيتهما-، وكل حَدِيث شُعْبة قَالَ: حدثني وأخبرني،وكل حَدِيث عبيد الله قَالَ: حدثني، وأخبرني، فإذا حدثتك عَنْ أحد منهم فلا تحتاج أن أقول لك: حدثني ولا أخبرني، ولا حدثنا ولا أخبرنا، فَقَالَ حبيشُ بنُ مبشر- يفسر ذلك بحضور ابن معين -: هذا بمنزلة رجل قَالَ: حدثنا يزيد بن هارون، قَالَ: حدثنا يحيى بن سعيد، فإذا قَالَ بعد ذلك: حدثنا يزيد بن هارون عَنْ يحيى بن سعيد لم يحتج أن يقول: حدثنا يزيد، قَالَ: حدثنا يحيى بن سعيد، وَقَالَ عبدالله بن رومي اليمامي- بحضرة يحيى بن معين -: هو أن يقول فيه قَالَ: حدثنا، قَالَ: حدثنا، إذا قَالَ فلان، عَنْ فلان كَانَ كله حدثنا(42).
5- ورودُ الحَدِيث بروايتين:
قَالَ الخطيبُ البغداديّ:((اختلافُ الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحَدِيث ضعفا لجواز أن يكون الصحابي يسند الحَدِيث مرة، ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى، ولا يرفعه، فَحُفِظَ الحَدِيث عنه على الوجهين جميعاً، وقد كَانَ سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرا في حديثه فيرويه تارة مسنداً مرفوعاً، وقفه مرة أخرى قصدا واعتمادا))(43).
وكلام الخطيب هذا ليس قاعدةً مطردةً، بل قرينة يستفاد منها عند التساوي، ولذا رجح النقاد الوقف في بعض الاختلافات، وفي كتب العلل أمثلة كثيرة، وسيأتي بعضها.
6- حال المذاكرة:
قَالَ ابنُ عبد البر:((والإرسالُ قد تبعثُ عليه أمور لا تضيره مثل أنْ يكون الرجل سمع ذلك الخبر من جماعة عَنْ المعزى إليه الخبر وصح عنده ووقر في نفسه فأرسله عَنْ ذلك المعزى إليه علما بصحة ما أرسله،...أو تكون مذاكرة فربما ثقل معها الإسناد وخف الإرسال))(44).
وأنبه هنا أنَّ حال المذاكرة أخصّ من السبب المتقدم "طلبُ التخفيف وإيثار الاختصار"، فهذا ربما يكون في المذاكرة وغيرها فهو أعم.
7- أن يكون الراوي الوَاقِف أو المُرسِــل غيرَ راضٍ عَنْ الراوي الرافع أو عمن أسقطه:
فمثال الوقف صنيع شُعْبة مع حديث السّديّ وقد تقدم قريباً، وأمّا الإرسال فمن ذلك صنيع الإمام مالك:
قال الدارقطني:((أو تعمد(45) إسقاط عاصم بن عبيدالله؛ فإن له عادة بهذا؛ أن يُسقط اسم الضعيف عنده في الإسناد؛ مثل عكرمة ونحوه))(46).
وقد أشار إلى ذلكَ الشافعيُّ فَقَالَ-بعدَ نقلهِ قولاً لمالك-:((وهو سيئ القول في عكرمة(47)، لا يَرى لأحدٍ أن يقبلَ حَدِيثه،...وَالعَجَبُ له أنْ يقولَ في عكرمة ما يقولُ، ثم يحتاج إلى شيء من علمهِ يوافق قوله ويسميه مرةً، ويروي عنه ظناً، ويسكت عنه مرةً فيروي عَنْ ثور بن يزيد عَنْ ابن عباس في الرضاع وذبائح نصارى العرب وغيره، وَسَكَت عَنْ عكرمة، وإنما حدّث به ثور عَنْ عكرمة))(48).
وقَالَ ابنُ كثير -بعد ذكره قول الدارقطني:((وقولهما أولى بالصواب من قول مالك))(49)، في ترجيح من وصل حديث"إنَّ اللهَ لما خلق آدم مسح بيمينه ميامنه فأخرج منها ذرية طيبة..." على رواية مالك المرسلة-:((الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدا لما جهل حال نعيم ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ويقطع كثيرا من الموصولات))(50).
والإمام مالك بن أنس معروف عنه هذا التصرف فممن نص على هذا:
- الشافعي قَالَ:((الناسُ إذا شكوا في الحَدِيث ارتفعوا، وكان مالك إذا شك في الحَدِيث انخفض))(51).
- و ابن خزيمة قَالَ:((وذكر لي السكري(52) حديثا آخرا وهو خبر يعني رواه مالك عَنْ الزهري عَنْ حميد بن عبد الرحمن عَنْ أبي هريرة، روى الشافعي فَقَالَ عَنْ النبي r "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة أو مع كل وضوء"، وهذا الخبر في الموطأ عَنْ أبي هريرة "لولا أن يشق على أمته، ورواه روح بن عبادة وبشر بن عمر وغيرهما عَنْ مالك كما رواه الشافعي ويشبه أن يكون مالك إذا شك في الشيء انخفض والناس إذا شكوا ارتفعوا))(53).
- و ابن حبان: قال - بعد روايته حديث "الشفعة فيما لم يُقْسم..."-:((رَفَعَ هذا الخبر عن مالك أربعةُ أنفس:...، وأرسله عن مالك سائرُ أصحابه، وهذه كانت عادةٌ لمالك، يرفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مراراً، ويرسلها مرة، ويسندها أخرى، عَلى حسب نشاطه، فالحكمُ أبداً لمن رَفَعَ عنه وأسند بعد أن يكون ثقةً حافظاً متقناً على السبيل الذي وصفناه في أول الكتاب))(54).
-و الدارقطني: قَالَ:((رواه الليث بن سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ، وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله، وقول الليث أصح ومن عادة مالك إرسال الأحاديث واسقاط رجل))(55).
- و أبو مسعود الدمشقي قَالَ:((فإنّ مالكاً كثيرا ما أرسل أشياء أسندها غيره من الأثبات))(56).
- و العلائيُّ: قَالَ:((الأمرُ السادس: أنْ ينظر إلى هذا الذي أرسل الحَدِيث فإن كَانَ إذا شرك غيره من الحفاظ في حَدِيث وافقه فيه ولم يخالفه، دلَّ ذلكَ عَلى حفظهِ، وإنْ كَانَ يخالفُ غيرهُ مِنْ الحُفّاظ فإنْ كانت المخالفة بالنقصان إمّا بنقصان شيء من متنه، أو بنقصان رفعه، أو بإرساله كَانَ في هذا دليل عَلى حفظهِ وتحريه كما كَانَ يفعله الإمام مالك رحمه الله كثيراً))(57)
-و ابن حجر قَالَ:((وقد رواه مالك عَنْ زيد بن أسلم عَنْ عمر لم يذكر بينهما أحدا، ومالك كَانَ يصنع ذلك كثيرا))(58).
 أمثلةٌ من قصر مالك بن أنس للأسانيد:
- المثال الأوَّل:
قَالَ ابن عبد البر: ((قَالَ الأثرم: سألت أحمد بن حَنْبَل عَنْ حَدِيث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قَالَ: نعم، أذهب إِليهِ، قلتُ: إنهم يختلفون في إسناده، قَالَ: إِنَّمَا قصر بِهِ مَالِك، وَقَدْ أسنده عدة، مِنْهُمْ: ابن عجلان، وعبدالعزيز بن أبي سلمة(59)).وحديث أبي سعيد رواه مَالِك بن أنس، عَنْ زيد بن أسلم، عَنْ عطاء بن يسار؛ أن رَسُوْل الله  قَالَ: ((إذا شك أحدكم في صلاته فَلَمْ يدرِ كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليصل رَكْعَة، وليسجد سجدتين وَهُوَ جالس قَبْلَ التسليم، فإن كَانَت الرَّكْعَة الَّتِي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كَانَتْ رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان)) (60).
- المثال الثاني:
سئل الدارقطني عَنْ حَدِيث سعيد بن المسيب عَنْ معاذ "من صلى في فلاة من الأرض فلم يثوب بالصلاة صلى معه ملكان أحدهما عَنْ يمينه والآخر عَنْ شماله، وإنْ ثوب صلى معه من الملائكة أمثال الجبال" فَقَالَ:((يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري واختلف عنه فرواه الليث بن سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ، وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله، وقولُ الليث أصح، ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل))(61).
- المثال الثالث:
وسئل الدارقطني أيضاً عَنْ حَدِيث عَنْ نعيم بن عبد الله المجمر عَنْ أبي هريرة قَالَ رسول الله r: إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه في مصلاه حتى يصلي فَقَالَ:((يرويه مالك بن أنس واختلف عنه فرواه أصحاب الموطأ عَنْ مالك عَنْ نعيم المجمر عَنْ أبي هريرة موقوفا ورواه إسماعيل بن جعفر وعثمان بن عمر عَنْ مالك مرفوعا إلى النبي r، وكذلك رواه محمد بن عمرو بن علقمة عَنْ نعيم المجمر عَنْ أبي هريرة ورفعه صحيح إلا أن مالكا وقفه في الموطأ))(62).
- المثال الرابع:
قَالَ أبو مسعود الدمشقيّ -تعليقا على قول الدارقطني: وأخرج حَدِيث عبدة عَنْ عبيد الله عَنْ عبد الرحمن بن القاسم عَنْ أبيه عَنْ عائشة رضي الله عنها " أن أسماء نفست بذي الحليفة" والصواب –فيما يقال- رواية مالك، عَنْ عبدالرحمن عَنْ أبيه أن أسماء ليس فيه عائشة-:((إذا جَوَّد عبيد الله إسناد حَدِيث لم يحكم لمالك عليه فيما أرسله، فإنّ مالكاً كثيرا ما أرسل أشياء أسندها غيره من الأثبات، وعبدة بن سليمان فثقة ثبت))(63).
- المثال الخامس:
قال ابن حجر في مقدمة الفتح: قَالَ الدارقطني: وأخرج البخاريّ حَدِيث الليث عَنْ خالد عَنْ سعيد بن أبي هلال عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ عمر اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك قَالَ وَقَالَ هشام بن سعد عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ حفصة عَنْ عمر، وَقَالَ روح بن القاسم عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أمه عَنْ حفصة عَنْ عمر. قلتُ: الظاهر أنه كَانَ عند زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ عمر وعن أمه عَنْ حفصة عَنْ عمر لأن الليث وروح بن القاسم حافظان، وأسلم مولى عمر من الملازمين له العارفين بحديثه، وفي سياق حَدِيث زيد بن أسلم عَنْ أمه عَنْ حفصة زيادة على حديثه عَنْ أبيه عَنْ عمر كما بينته في كتاب تغليق التعليق فدل على أنهما طريقان محفوظان، وأما رواية هشام بن سعد فإنها غير محفوظة لأنه غير ضابط، والله أعلم، وقد رواه مالك عَنْ زيد بن أسلم عَنْ عمر لم يذكر بينهما أحدا، ومالك كَانَ يصنع ذلك كثيرا))(64).
وفي الموطأ كثير من الأحاديث المرسلة والبلاغات، وتوجد موصولةً في الصحيحين، وغيرهما.

   

سؤال9 : هل بالفعل أن هذا العلم (علم الحديث) علم يصعب على المرأة دراسته والغوص في أعماقه؟
الجواب: الصعوبة والسهولة- في هذه المسألة- شيء نسبي، يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فربما تتفوق بعض النساء في هذا الفن – أو في جزء منه- على بعض الرجال، وإن كان العكس أكثر، فكثير من الرجال يتفوقون على النساء لأسباب وظروف لا تخفى.
ومن خلال تدريسي لطلاب وطالبات الدراسات العليا كانت تمر علىّ بعض طالبات يفقن الطلاب، أو بعضهم، بل أذكرُ أنَّ طالبة درستها في مرحلة الدكتوراه فاقت الطلاب في معرفة علم العلل، والكلام على علل الأحاديث، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.

   

سؤال10 : بعض الرواة يذكر عنهم أن لهم مناكير عن شيخ معين، فهل بإمكان أحدنا أن يجمع رواياتٍ لذلك الراوي عن ذلك الشيخ، ويرى مخالفته وموافقته... أم أن ذلك متروكٌ للأئمة؟
الجواب:
نعم بإمكان طالب العلم أن يجمع رواياتٍ لذلك الراوي عن ذلك الشيخ المعين، ويرى مخالفته وموافقته-سواء بالإسناد أو المتن-..بحيث تكون هذه قرينة مساعدة في الحكم على هذا الراوي-وهذا القيد مهم-، وربما يدلك هذا الجمع على دقائق تتعلق بهذا الراوي ربما لا تستطيع الظفر بها لو لم تجمع أحاديثه.
وبمثل هذا الجمع والسبر والتتبع تميز بعض الفضلاء في هذا العصر على غيرهم وأصبح عندهم ملكة ودقة في الكلام على الرجال والأحاديث، لأنَّ مسالة جمع الروايات والنظر فيها ليست سهلة كما يتصور بعضهم، بل تحتاج إلى جهد وصبر ودقة نظر، وطول تأمل.
ومن المفيد هنا التنبيه أنّه في هذا العصر أنعم الله علينا بهذه البرامج الحاسوبية التي تمكنك من استعراض أحاديث الراوي في وقت وجيز- بشرط المعرفة الدقيقة بكيفية التعامل مع هذه البرامج، وتلافي عيوبها-.

   


----------
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب 1: 544.
(2) تهذيب التهذيب 8: 54.
(3) تاريخ دمشق 21: 265.
(4) الكامل 5: 272.
(5) تاريخ بغداد 10: 446، تهذيب الكمال 18: 111– 112.
(6) تاريخ بغداد 11: 446، تهذيب الكمال 20: 506 –507.
(7) تاريخ دمشق 14: 475، تهذيب الكمال 24: 13–14.
(8) تاريخ بغداد 6: 196.
(9) تاريخ بغداد 14: 123–124، تهذيب الكمال 32: 58.
(10) الكامل 5: 272.
(11) تهذيب الكمال 9: 404.
(12) مقدمة الفوائد المجموعة ص"ط".
(13) شرح علل الترمذي 2: 767.
(14) تهذيب الكمال 12: 120.
(15) تاريخ بغداد 2: 303، تهذيب الكمال 25: 635. وانظر: تاريخ بغداد 12: 352، تهذيب الكمال 23: 206، تاريخ بغداد 8: 403، تهذيب الكمال 9: 242– 244.
(16) تاريخ بغداد 11: 446، تهذيب الكمال 20: 506 –507، تاريخ دمشق 14: 475، تهذيب الكمال 24: 13–14.
(17) تاريخ أسماء الثقات (ص259).
(18) شرح علل الترمذي (1/436).
(19) المرجع السابق.
(20)المرجع السابق (1/431).
(21) من كلام أبي عبد الله في علل الحَدِيث ومعرفة الرجال(ص55)، وانظر: شرح علل الترمذي (2/688-689).
(22) العلل (2/193 رقم2071).
(23) علل الدارقطني (11/294).
(24) المرجع السابق (10/25).
(25) المرجع السابق (6/63).
(26) يقصد الحافظ ابن حجر وذلك في النكت (2/537).
(27) فتح المغيث (1/144).
(28) شرح معاني الآثار (4/65)، شرح السنة (8/56)، الاعتبار للحازمي (247).
(29) شرح صحيح مسلم (11/25).
(30) علل الدارقطني (10/25).
(31) المرجع السابق (9/128).
(32)غرر الفوائد (ص215).
(33) النكت (2/537).
(34) شرح السنة (1/255، 256).
(35) مسند أحمد بن حنبل (1/437)، وانظر: اتحاف المهرة (10/417).
(36) التمهيد (1/38).
(37) تاريخ دمشق (53/188).
(38) سؤالات الآجري عَنْ أبي داود (ص55).
(39) مسائل الإمام أحمد-رواية أبي داود- (ص455).
(40) التاريخ الكبير (5/452)، شرح علل الترمذي (1/538).
(41) الكفاية في علم الرواية (ص418).
(42) معرفة الرجال لابن معين-رواية ابن محرز-(2/156رقم494).
(43) الكفاية (ص417).
(44) التمهيد (1/17).
(45) يشير إلى الإمام مالك بن أنس.
(46)علل الدارقطني (2/9).
(47) يشير لمالك.
(48) الأم (7/244).
(49) علل الدارقطني (2/221).
(50) تفسير ابن كثير (2/264).
(51) بيان من أخطأ على الشافعي (ص110).
(52) هو: أبو عبد الله أحمد بن الحسن السكري، أحد الحفاظ المبرزين مات سنة (268هـ).تاريخ بغداد (4/80).
(53) بيان من أخطأ على الشافعي (ص110).
(54) صحيح ابن حبان-كما في الإحسان (11/591)-.
(55) علل الدارقطني (6/63).
(56) الأجوبة لأبي مسعود الدمشقي (ص227).
(57) جامع التحصيل (ص44).
(58) مقدمة فتح الباري (ص359).
(59) التمهيد (5/25).
(60) الموطأ-رواية يحيى بن يحيى الليثي- (252).
( 6) علل الدارقطني (6/63).
(62) علل الدارقطني (11/162).
(63) الأجوبة لأبي مسعود الدمشقي (ص227).
(64) مقدمة فتح الباري (ص359).
__________________
.
  #2  
قديم 15-06-05, 08:06 PM
خليل بن محمد خليل بن محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
المشاركات: 2,825
افتراضي

السؤال11 : لدى إشكال في حديث رواه الإمام أحمد في مسنده المجلد الخامس مسند البصريين حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن رجل منهم انه : أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه. فهل يحكم على مثل هذا الإسناد بالاتصال ؟و إن صح الحديث فما هو فقه ؟
الجواب:
هذا الحديث أخرجه:
ابن أبي شيبة في مسنده -كما في المطالب العالية (9/537)-قال : حدَّثنا وكيع بن الجراح.
و أحمد بن حنبل في مسنده (5/ 24 ) قال : حدَّثنا محمد بن جعفر (5/ 363 ) قال : حدَّثنا وكيع.
وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم941) قال:حدثنا أبو موسى أخبرنا محمد بن جعفر.
كلاهما (محمد بن جعفر ، ووكيع) قالا : حدَّثنا شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أتَى النَّبِيَّ  ، فَأسْلَمَ عَلَى أنَّهُ لاَيُصَلِّي إِلاَّ صَلاَتَيْنِ ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وهذا الحديث إسناده صحيح متصل:
فشعبة وقتادة متفق على توثيقهما وجلالتهما، وقتادة معروف بالإرسال ويدلس فيتأنى في روايته، ولكن هذا الإسناد من رواية شعبة عنه، وشعبة لا يحدث عن شيوخه الذين ربما دلسوا إلا بما تحقق أنهم سمعوه، قال ابن حجر :« فالمعروف عنه أنه كان لا يحمل عن شيوخه المعروفين بالتدليس إلا ما سمعوه فقد روينا من طريق يحيى القطان عنه أنه كان يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال: سمعت وحدثنا حفظته وإذا قال: عن فلان تركته رويناه في المعرفة للبيهقي، وفيها عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة الأعمش وأبو إسحاق وقتادة، وهي قاعدة حسنة تقبل أحاديث هؤلاء إذا كان عن شعبة ولو عنعنوها » النكت على ابن الصلاح (2/630) وقال نحوا من ذلك في طبقات المدلسين (ص58)
وهو متصل إذ الصحيح أنّ التابعي الثقة إذا قال: حدثني رجل من الصحابة أو عن رجل من الصحابة ونحو ذلك أنه حجة ما لم تدل قرينة على غير ذلك. وقد قال الحميدي –شيخ البخاريّ- :« إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو حجة وإن لم يسم ذلك الرجل » وفي هذه المسألة مناقشات مبسوطة في موضعها من كتب علوم الحديث، وقول نصر بن عاصم :« عن رجل منهم » يشعر بمعرفته الصحابي وبسماعه منه.
وابن أبي عاصم ذكر هذا الحديث في مسند معاوية الليثي، وذكر قبله حديث قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عن معاوية الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يصبح الناس مجدبين فيأتيهم برزق من عنده فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فاستفاد من هذا الحديث أن الرجل المبهم في حديث الصلاة أنه معاوية الليثي، وهذا المأخذ- في رأيي – قوي إن سلم هذا الحديث من علة الاضطراب!.
ونلحظ أنّ الإمام أحمد بن حنبل لم يذكر في مسند معاوية الليثي من مسنده إلا الحديث الثاني فقط والذي فيه التصريح باسمه، وكذلك فعل أبو داود الطيالسي في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير.
ملحوظة:
أخرج الحديث أبونعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (رقم7303) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال:حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال : حدَّثنا محمد بن جعفر قال:حدَّثنا شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أتَى النَّبِيَّ  ، فَأسْلَمَ ألا يصلي إِلاَّ صَلاَتَيْنِ ، فَقَبِلَ ذَلِكَ، فقال :«إن يقبل منه، فإذا دخل في الإسلام أمر بالخمس » .
وقوله :«إن يقبل منه، فإذا دخل في الإسلام أمر بالخمس » زيادة غريبة وهي غير موجودة في المسند، ويظهر لي أنها زيادة تفسيرية من الراوي إمَّا من أبي نعيم أو من شيخه، والله أعلم.
وأمَّا فقه الحديث: فيمكن إيجازه بالنقاط الآتية:
1- هذا الحديث يتعلق «بفقه دعوة الكفار إلى الإسلام» وهو التدرج معهم وتأليف قلوبهم ولذا بوّب ابن حجر على الحديث بقوله :« باب التألف على الإسلام » كما في المطالب العالية (9/537)، وهنا يتفطن أنه ربما لا يفقه بعض الكفار الدين الإسلامي حقيقة أو يثقل عليه شيء منه ولكن ما إن يدخل في الإسلام وتستقر حلاوة هذا الدين في قلبه حتى يكون أشد حماسا وتمسكا من بعض المسلمين الأصليين، وهذا أمر مشاهد، وقال أبو داود في السنن : حدثنا الحسن بن الصباح أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني إبراهيم عن أبيه عن وهب قال : سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال : اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول : " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلمو".
2- وفي الحديث دليل على صحة الإسلام مع الشرط الفاسد فيقبل منه الإسلام قبولا مبدئيا ترغيبا له فيه ثم يرشد وينصح ويأمر بالخمس كلها لذا بوب مجد الدين ابن تيمية على هذا الحديث وغيره بقوله :«باب صحة الإسلام مع الشرط الفاسد » كما في المنتقى (2/4164)قلتُ: ويشبهه الشرط الفاسد في البيوع فيصح البيع مع فساد الشرط!.
3- وهذا الحديث يدخل في باب المصالح والمفاسد فمصلحة أن يسلم مع النقص الذي يرجى تكميله أولى من أن يبقى على الكفر المحض، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (35/32).
4- وللحافظ ابن رجب كلام جيد حول الحديث قال فيه:« ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلما فقد أنكر على أسامة ابن زيد قتله لمن قال لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف واشتد نكيره عليه ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا أن لا يزكوا ففي مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليهم ولا جهاد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيتصدقون ويجاهدون وفيه أيضا عن نصر بن أيضا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث وقال يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها واستدل أيضا بأن حكيم بن حزام قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا آخر إلا قائما قال أحمد معناه أن يسجد من غير ركوع وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدا عن أنس رضي الله عنه قال لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالإسلام وذلك قول الله عز وجل فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة المجادلة وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق فإنه صلى الله عليه وسلم أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين وقال إن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة ومراده أن من صار مسلما بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة ثم بإيتاء الزكاة وكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام كما قال جبريل عليه الصلاة والسلام لما سأله عن الإسلام وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام » جامع العلوم والحكم (ص84).
5- ومن خلال ما تقدم يتبين أن الكلام كله في الكافر الأصلي وأما لو جاءنا مسلم وقال: سأكتفي بصلاتين فقط لهذا الحديث، فنقول: إن هذا لا يقبل منه أبداً لما تقدم تقريره، والله أعلم.



السؤال12 : وددت بيان حكم هذا الحديث، مشفوعًا بكلام أهل العلم المتقدمين من جهة السند والمتن، إن كانت ثمت علل ،وهو ما رواه أبوداود والترمذي والنسائي وأحمد (بأسانيدهم) عن أبي جريٍّ جابر بن سليم الهجيمي رضي الله عنه قال: رأيت رجلاً يَصْدُرُ الناسُ عن رأيه لا يقول شيئاً إلا صَدَرُوا عنه. قلت: من هذا؟قالوا: هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين. قال: "لا تقل: عليك السلام، فإِنّ عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك".قال: قلت: أنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟.قال: "أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضُرُّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنةٍ فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرضٍ قفراء أو فلاةٍ فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك،قال: قلت: اعهد إليَّ. قال: "لا تسبَّنَّ أحداً،قال: فما سببت بعده حرّاً ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة. قال: "ولا تحقرنَّ شيئاً من المعروف، وإن تكلم أخاك وأنت منبسطٌ إليه وجهك؛ إنَّ ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإِن أبيت فإِلى الكعبين، وإياك وإسبال الإِزار فإِنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤٌ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإِنما وبال ذلك عليه.
الجواب:
هذا الحديث من أوسع الأحاديث التي مرت عليّ من حيث الألفاظ والروايات، وهو جديرٌ بأن يفرد بجزء يجمع طرقه ورواياته وألفاظه - فمرة يروى مطولا ومرة مختصرا- ، وكذلك يجمع أقوال النقاد في الكلام عليه!، خاصةً وأنَّ الحديث متضمن لوصايا عظيمة من لدن النبي  لهذا الصحابي الجليل، وهذه الوصايا تشمل:
-أموراً عقدية لذا خرجه بعض من كتب في عقيدة السلف منهم الدارمي في رده المريسي.
-وأحكاماً شرعية من الأوامر والنواهي لذا خرجه من عني بأحاديث الأحكام.
-وآدابا وأخلاقا زكية لذا خرجه من عني بأحاديث الآداب والفضائل والترغيب والترهيب.
قال ابن عبد البر في ترجمة جابر بن سليم:« له حديث حسنٌ في وصية رسول الله إياه » الاستيعاب (1/225).
وأمّا ما يتعلق بدرجة الحديث فالذي يظهر لي أنّ الحديث بالجملة صحيح وممن قواه من العلماء الذين وقفت عليهم:
- الترمذيُّ قال –عن بعض طرقه- :« حديث حسن صحيح » -كما في جامعه (رقم2722)-
- وصححه الدارمي كما في رده المريسي (عقائد السلف ص407)
- وقال الحاكم:« هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه » المستدرك على الصحيحين (4/206).
- والنووي قال :« رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح »
- وصححه ابن القيم في زاد المعاد، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية.
- وابن مفلح قال :« ولأبي داود بإسناد حسن » الآداب الشرعية (2/12)
- وقال العراقي :« إسناد جيد »
تنبيهات:
1. قلتُ –فيما تقدم-عن الحديث أنه صحيح بالجملة نظرا لأنَّ بعض طرق الحديث لا تخلو من مقال، فعليه لا بدّ من التأكد من صحة الطريق المعين، وقد أعلَّ البخاريّ بعض طرق الحديث فقال كما في التاريخ الكبير (2/205رقم2205):« جابر بن سليم أبو جرى الهجيمي حديثه في البصريين.
- قال لي عبد الله بن أبي شيبة العبسي نا خالد بن مخلد سمع عبد الملك بن حسن الحارثي سمع سهم بن المعتمر عن الهجيمي أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم وإذا هو متزر بإزار قطن
- وقال لنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد السلام بن غالب وقال موسى وخالفنا بعضهم فقال عبدالسلام بن عجلان سمع عبيدة سمع جابر أبا جرى الهجيمي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بردة له من صوف فقال: لا تحقرن من الخير شيئا ولو تصب فضل دلوك في إناء المستسقي.
- وقال لنا موسى حدثنا يونس بن أبي الفديك سمع محمد بن سيرين عن الهجيمي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتبى ببردة وهدبتها على قدميه.
- وقال لنا موسى حدثنا عيسى بن المنهال سمع غالبا عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا جابر بن سليم لا تحقرن شيئا من المعروف.
- وقال الحكم بن المبارك حدثنا داود سمع حبيب المعلم عن أبي رجاء العطاردي عن سليم بن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله والأول أصح.
- وقال لنا موسى حدثنا سلام بن مسكين عن عقيل بن طلحة السلمي حدثني أبو جرى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف.
- وقال وكيع عن سلام عن عقيل عن أبي جزي وهو وهم
- حدثني عمرو بن علي قال نا عبد العزيز بن عبد الصمد قال نا يونس بن عبيد عن عبيدة عن جابر بن سليم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم »
2. -توسع النَّسَائِي في ((سننه الكبرى)) (8/431رقم9611/ كتاب الزينة، وفي عمل اليوم والليلة) في ذكر طرق الحديث وألفاظ المتن.
3. الضمير في قوله :« فدعوته » في المواضع الثلاثة يعود على الله عز وجل قولا واحدا أي :« أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضُرُّ فدعوته-أي الله- كشفه عنك، ... » بدلالة السياق وكذلك النصوص القطعية من القرآن والسنة الدالة على المنع من دعاء غير الله، وأنَّ من دعا غير الله فقد أشرك قال تعالى :«وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً » ، وقال تعالى :« وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ» والآيات في هذا المعنى كثيرة.


السؤال13 : عندي إشكال بسيط وهو أن الشيخ الألباني رحمه الله قد ضعف حديث الجارية والذي فيه : أين الله ؟ قالت : في كل مكان وهذا موجود في ضعيف أبي داود مع أن الحديث موجود في صحيح مسلم فهل الشيخ رحمه الله فعلا يضعف الحديث أم أنه رجع عن ذلك أم ماذا ؟
الجواب:
أولا: أنبه أنّ لفظ الحديث :« أين الله؟ قالت: في السماء.. » فيبدو أن السائل وهم في لفظ الحديث في قوله :« قالت : في كل مكان» ، وهو على الصواب في ضعيف أبي داود.
ثانياً: الذي ضعفه الشيخ ليس في صحيح مسلم بل رواية أخرى للحديث من طريق المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فقال لها أين الله فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء يعني أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة،ضعيف أبي داود [ جزء 1 - صفحة 331 ] .
وأمّا الذي في صحيح مسلم فقد جاء من طرق عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ وفيه)) وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدم ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ  ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عليَّ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَفَلاَ أُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : ائْتِنِي بِهَا ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا ، فَقَالَ لَهَا : أَيْنَ اللهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ ، قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، قَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ )) .
وهذه الرواية صححها الشيخ الألباني في عدد من كتبه.


السؤال14 : هل حديث الشجة المشهور متفق على ضعفه ؟ وما علته ؟ وهل له شواهد تقويه ؟
الجواب:
يقصد الأخ السائل-وفقه الله- الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه (336) قال : حدَّثنا مُوسَى بن عَبْد الرَّحْمن الأَنْطَاكِي ، حدَّثنا مُحَمد بن سَلَمَة ، عن الزُّبَيْر بن خُرَيْق ، عن عَطَاء ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ :
(( خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ ، فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ، ثُمَّ احْتَلَمَ ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ ، فَقَالَ : هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ ؟ فَقَالُوا : مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً ، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ r ، أُخْبِرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : قَتَلُوهُ ، قَتَلَهُمُ اللهُ ، أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا ، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، وَيَعْصِرَ ، أَوْ يَعْصِبَ ، (شَكَّ مُوسَى) عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا ، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.))..
والحديث مختلف في صحته فمن النقاد من قواه، ومنهم من ضعفه، فممن قواه-أو قوى بعض طرقه- ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الملقن –كما في البدر المنير (2/615)-ويلاحظ أن غالب المقوين للحديث ممن لا يلتفت للعلل الدقيقة والعلة هي السبب الرئيس لضعف هذا الحديث في نظري، وممن ضعفه الدارقطني، وقال البيهقي :«ولم يثبت في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن رباح مع الاختلاف في إسناده ومتنه » معرفة السنن والآثار (1/301).
وعلته أنَّ الزُّبَيْر بن خُرَيْق مع لينه خالف الأوزاعي في إسناده ومتنه، وقد بين هذا الدارقطني فقال في السنن (1/350):« قال أبو بكر:هذه سنة تفرد بها أهل مكة وحملها أهلُ الجزيرة.
لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق، وليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس واختلف على الأوزاعي فقيل عنه عن عطاء، وقيل عنه بلغني عن عطاء، وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب » قلتُ: وأبو بكر الذي نقل عنه الدارقطني في أول الكلام شيخه عبد الله بن سليمان السجستاني وهذا الحديث من روايته عنه.
فالخلاصة أن حديث الشجة لا يصح، ولا أعرف للحديث شواهد قوية يعتضد بها.
ومما ينبغي التفطن له أن بعض الباحثين يورد الاختلافات الواقعة في رواية عطاء ظانا أنها من قبيل المتابعات والشواهد، وهي في الحقيقة تزيد الحديث وهنا!!، وهذا الذي يجعلنا نحث الأخوة على العناية بعلم علل الحديث، ونقرر أنه لا يجوز لمن جهل هذا الفن أن يحكم على الأحاديث، لأنه سوف يصحح أحاديث متفق على ضعفها، ويضعف أحاديث صححها من تقدم، ومن هنا أوتي بعض الفضلاء الذين اشتغلوا بالتصحيح والتضعيف دون تحديد منهجية ثابتة لهم في باب علل الحديث.


السؤال15 : أورد الحافظ ابن حجر في فتح الباري،، (الجزء العاشر، صفحة 735،حديث 6221)،،،، حديثاً نقله عن التهذيب للطبري وجود إسناده، ونص الحديث: عن أم سلمة قالت: عطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله، فقال له النبي: يرحمك الله، وعطس آخر، فقال: الحمد لله رب العالمين حمدا طيبا مباركا فيه، فقال: ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة".إلا أني بعد البحث لم أجد للأسف متن الحديث، وحقيقة لا أدري ربما يكون من القسم المفقود للتهذيب (المخطوط)، فهل لنا أن نورد الحديث ونحكم بصحة الحديث ونحن لم نرى متنه؟
الجواب:
يبدو أن كلمة (الإسناد) تصحفت إلى (متن) في سؤال الأخ –بارك الله فيه- فيكون صواب السؤال :إلا أني بعد البحث لم أجد للأسف إسناد الحديث، .. فهل لنا أن نورد الحديث ونحكم بصحة الحديث ونحن لم نرى إسناده؟لأن متن الحديث مذكور في السؤال، والذي لم يذكر الإسناد فقط.
وعلى كل حال لا بد للحكم على الحديث من نظرين:
-نظر في الإسناد ومدى استيفائه لشروط القبول.
-ونظر في المتن للتأكد من سلامته من النكارة والشذوذ.
وعليه في مثل هذه الحالة نتوقف عن الحكم حتى نجد علما.
وفي مسألتك نجد أنّ الحافظ ابن حجر قد كفاك مؤنة الحكم على الإسناد فقال :« خرج أبو جعفر الطبري في التهذيب بسند لا بأس به عن أم سلمة قالت... »، وهنا خرجت أنت من العهدة بنقلك كلام ابن حجر، ومن أحيل على مليء فليتبع!.
__________________
.
  #3  
قديم 23-06-05, 10:37 PM
خليل بن محمد خليل بن محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
المشاركات: 2,825
افتراضي

السؤال:16وهو في مسألة تقسيم أئمة الجرح والتعديل إلى متشدد ومعتدل ومتساهل، فإن بعضهم ينكر ذلك، وأذكر أن أحدهم وضع بحثاً مطولاً في هذا الملتقى ليثبت بطلان هذا التقسيم. السؤال: هل في هذا التقسيم إشكال؟
الجواب:
لا إشكال عندي في هذا التقسيم، بل هذا يدل عليه متفرقات من كلام أئمة الحديث المتقدمين، وكثير من تطبيقاتهم العملية، وحكاياتهم وقصصهم النقدية تدل على هذا دلالة واضحة، ومما يحضرني في هذا قول علي بن المديني :« إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد » تاريخ بغداد [ جزء 10 - صفحة 243 ] .
وقال علي بن المديني :« سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ فقال: لا بل أشدد، قال: ليس هو ممن تريد كان » العلل الصغير (ص744).
وقال ابن المديني أيضا:« أبو نعيم وعفان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال هؤلاء لا يدعون أحدا إلا وقعوا فيه » تهذيب الكمال (20/168). قال الذهبي :« يعني أنه لا يختار قولهما في الجرح لتشديدهما، فأما إذا وثقا أحدا فناهيك به» سير أعلام النبلاء (10/250).
وقال أحمد بن حنبل لابنه صالح حين قدم من البصرة: لم لم تكتب عن عمرو بن مرزوق؟ فقال: نهيت، فقال: إنّ عفّان كان يرضى عمرو بن مرزوق ومن كان يرضي عفّان!. انظر: الجرح والتعديل (6/263رقم1456)،
وقال أبو زرعة عن فضيل بن سليمان :« لين الحديث روى عنه علي بن المديني وكان من المتشددين » الجرح والتعديل (7/72)
ولكن مما ينبغي معرفته أن قولنا فلانٌ متشدد ومعتدل ومتساهل أنه نتيجة مبنية على مقدمات، وتحتاج إلى ضوابط وهنا-في رأيي- موطن الإشكال والاختلاف :
فكيف عُرف أنّ فلانا متشدد ومعتدل ومتساهل؟
وهل هذا التشدد في العبارة أو في الحكم أو في كليهما؟
وهل هو مطرد في جميع الرواة أو فيه تفصيل فتارة يتشدد وتارة يتساهل؟ أوربما تشدد في بلد دون بلد أو مذهب دون مذهب أو فئة من الرواة-مثل الذين يدخلون على السلاطين، أو قالوا بخلق القرأن كرها- دون غيرهم؟
فمثل هذه القضايا لا بدَّ من مراعاتها وتحقيقها جيدا للوصول للنتيجة السابقة ووضع الضوابط والمحترزات التي تضبط هذه المسألة.
ومن أجود ما قرأت في الإشارة إلى هذا ما قاله العلامة المعلميّ بقوله :«ما اشُتهر أنَّ فلاناً من الأئمة مُسَهِّل، وفلاناً مُشّدِّد، ليس على إطلاقه، فإنَّ منهم من يُسهل تارةً، ويُشدد أُخرى، بحسب أحوال مختلفة، ومعرفةُ هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلاَّ باستقراء بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام» .وهذا كلام نفيسٌ للغاية، جديرٌ بالعناية.
وأمَّا نصوص المتأخرين من العلماء في تقرير هذا فهي كثيرة، ومن أشهرها أقوال الذهبي في عدد من كتابه منها قوله في الموقظة(ص 83-84): (( فمنهم من نفسه حاد في الجَرْح، ومنهم من هو معتدل، ومنهم من هو متساهل، فالحاد فيهم : يحيى بن سعيد، وابن معين، وأبو حاتم، وابن خراش، وغيرهم، والمعتدل فيهم : أحمد بن حنبل، والبخَاريّ، وأبوزرعة، والمتساهل : كالترمذي، والحاكم، والدارقطنيِّ في بعض الأوقات )).
وقال في موضعٍ آخر: (( والكلُّ أيضاً على ثلاثة أقسام : قسمٌ منهم متعنِّت في الجَرْح، متثبِّت في التَّعديل، يغمزُ الراوي بالغلطتين والثلاث، ويُليِّنُ بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصاً فعضَّ على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يُوثق ذاك أحدٌ من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه : لا يقبل تجريحه إلاَّ مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً : هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب، وابن معين، وأبو حاتم، والجُوْزَجانيّ : متعنتون، وقسمٌ في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي : متساهلون، وقسمٌ كالبخَاريّ، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عديّ : معتدلون منصفون )) ذكر من يعتمد قوله في الجَرْح و التَّعديل ص 170-171.


السؤال:17بخصوص أبي الفتح الأزدي ذكر ابن حجر في عدة مواضع من هدي الساري في الفصل المتعلق بالرواة المتكلم فيهم الذين روى لهم البخاري.. أن أبو الفتح لا يعتدّ بتضعيفه! وذكر أن ذلك راجع إلى أن أبو الفتح ضعيف فكيف يضعف الثقات!! وكأنه رحمه الله جعل ذلك قاعدة عامة!
الشق الأول من السؤال: هل يصح تعليل ابن حجر في أبي الفتح الأزدي؟
الشق الثاني: هل تصح هذه قاعدة عامة حيث يقال (تضعيف الضعيف للثقة لا يعتد به)؟
الشق الثالث من السؤال: كنت سمعت في أشرطة الشيخ عبد الله السعد - حفظه الله - ذكره لطبقات النقاد، من ناحية التساهل والتشدد والاعتدال، فذكر الشيخ ضمن طبقة المتشددين أبو الفتح الأزدي، وقال الشيخ بعبارة صريحة واضحة (كلام أبو الفتح الأزدي ينظر فيه ولا يعتد به) وعلل ذلك بكون أبو الفتح من المتشددين في الجرح والتعديل.. فهل العلتان مجتمعة في أبي الفتح الأزدي أم أن إحداهما مترجحة على الأخرى، وما هي؟من ضمن المواضع التي ذكر ابن حجر كلامه في أبو الفتح الأزدي صـ400 من هدي الساري،النسخة السلفية البازية القديمة المشهورة!

الجواب:
أبو الفتح الأزدي هو: محمد بن الحسين الموصلي، نزيل بغداد، مات سنة (374) له مصنف كبير في الضعفاء، قال الذهبي :« وعليه في كتابه في الضعفاء مؤاخذات فانه ضعف جماعة بلا دليل بل قد يكون غيره قد وثقهم » سير أعلام النبلاء (16/348)
وقد تكلم فيه بعض النقاد بسبب الغرائب والمناكير التي يرويها، وأسباب أخرى ليس موضع ذكرها ومناقشتها، قال الخطيب البغدادي :« في حديثه غرائب ومناكير وكان حافظا صنف كتابا في علوم الحديث وسألت محمد بن جعفر بن علان عنه فذكره بالحفظ وحسن المعرفة بالحديث وأثنى إليه قال أبو النجيب الأرموي رأيت أهل الموصل يوهنون أبا الفتح الأزدي جدا ولا يعدونه شيئا قال وحدثني محمد بن صدقة الموصلى إن أبا الفتح قدم بغداد على الأمير يعني ابن بويه ووضع له حديثا أن جبرائيل عليه السلام كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في صورته قال فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة قال وسألت أبا بكر البرقاني عن أبي الفتح الأزدي فأشار إلي أنه كان ضعيفا وقال رأيته في جامع المدينة وأصحاب الحديث لا يرفعون به رأسا ويتجنبونه » تاريخ بغداد (2/244).
ولشيخنا وزميلنا الدكتور: عبد الله السؤالمة رسالة بعنوان :«الحافظ أبو الفتح الأزدي بين الجرح والتعديل » نُشرت في مجلة كلية التربية،جامعة الملك سعود،1412هـ.
خلاصة ما ذهب إليه أنّه لا يقبل قول الأزدي إذا عارض قول غيره من كبار النقاد-وكثيرا ما ينبه الذهبي وابن حجر على هذا في كتبهم خاصة في الميزان، ومقدمة الفتح-، ويقبل قوله في المجهولين الذين لا يوجد فيهم كلام.
قلتُ: يؤيد هذا أنّ الحفاظ ينقلون كلامه في كتب الرجال، وعده الذهبي من النقاد الذين يعتد بقولهم في نقد الرواة، فقد ذكره في رسالته"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل"
فالقول بأنَّ (تضعيف الضعيف للثقة لا يعتد به) كلام صحيح ويؤيده أقوال النقاد المتقدمين منها قول أحمد بن حنبل لما سأله أبوداود عن عمير بن سعيد قال: لا أعلم به بأسا، قلت له: فإن أبا مريم-يقصد عبد الغفار بن القاسم- قال: تسلني عن عمير الكذاب قال: وكان عالما بالمشايخ فقال أحمد: حتى يكون أبو مريم ثقة. سؤالات أبي داود (ص292رقم342)، والضعفاء للعقيلي (3/101).
فاجتمع في الأزدي العلتان: تشدده في الرواة من جهة، ونقص في مكانته من جهة الضبط والحفظ من جهة أخرى، فإذا وافق غيره يستفاد من كلامه –وهو ما يعمله الحفاظ حيث ينقلون كلامه في كتب الرجال- .


السؤال: 18ما رأيك في من يضعف حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إن الله قال : من عادى لي وليّاً ؛ فقد آذنته بالحرب 000 وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن ؛ يكره الموت ، وأنا أكره مَسَاءَته)). رواه البخاري (6502). واستند إلى قول الذهبي في الميزان عند ترجمة خالد بن مخلد القطواني بعد أن ساق هذا الحديث:" فهذا الحديث غريب جداً, لولا هيبة الجامع الصحيح لعدّوه من منكرات خالد بن مخلد, وذلك لغرابة لفظه, ولأنه مما ينفرد به شريك, وليس بالحافظ, ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد, ولا خرجه من عدا البخاري, ولا أظنه في مسند أحمد" أهـ. ثم سرد قول من يضعف خالد هذا : قال ابن سعد : كان متشيعا منكر الحديث ، في التشيع مفرطا ، و كتبوا عنه للضرورة . قال الجوزجاني : ( كان شتاماً معلنا لسوء مذهبه .) قال الأعين : قلت له : عندك أحاديث في مناقب الصحابة ؟ قال : قل في المثالب أو المثاقب ـ يعنى بالمثلثة لا بالنون ـ . )
و حكى أبو الوليد الباجي في " رجال البخاري " عن أبى حاتم أنه قال : لخالد بن مخلد أحاديث مناكير و يكتب حديثه. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه : له أحاديث مناكير . ثم ذكر أن في الإسناد شريكا وهو متكلم فيه من جهة حفظه والسؤال : هل الحديث كما ذكر ؟ثم هل هناك كلام للأئمة المتقدمين في هذا الحديث ؟

الجواب:
قبل أن أجيب عن هذا السؤال بعينه أنبه أنَّ هذا السؤال يتعلق بمسألة كثر الخوض فيه في هذا الزمان بعلمٍ تارة وبجهل تارات، وبقصد حسن تارة وبقصد سيئ تارات وهي هل في الصحيحين أحاديث ضعيفة ؟ وهل هما بمعزل عن النقد؟ وماذا يفسر صنيع الحفاظ الذين نقدوا بعض الأحاديث؟
وأوجز الكلام على هذه المسألة في نقاط:
1. أن غالب من ينتقد أحاديث الصحيحين في هذا العصر لا يظهر منهم العمق العلمي والنفس الحديثي الذي يمكنهم من نقد أحاديث الصحيحين بموضوعية ونصفة وعدل!، ويظهر ذلك من خلال الخوض معهم في تفصيلات النقد الحديثي ودقائق العلل ولذا ربما قال بعضهم عن حديث أخرجه البخاري في صحيحه : فيه فلان ضعفه ابن حجر!! مغفلا جميع القرائن التي احتفت بالخبر والتي يراعيها كبار الأئمة خاصة صاحبا الصحيح، وربما سمعنا من بعضهم أن عددا من المحدثين- مثل:ابن عمار الشهيد، والدارقطني، وأبي مسعود الدمشقي، والغساني وغيرهم،- انتقدوا أحاديث في صحيحين فإذا سألتَ هذا القائل عن نوعية نقد هؤلاء الأعلام للأحاديث؟، وهل له أثر على الحديث صحة وضعفا؟ وهل يلزم منه الرد أو أنه راجع إلى الصناعة الحديثية؟ لا تجد في الغالب كلاما علميا يوثق به، بل يلقون مثل هذه الشبه بدون خوض في التفصيلات، وربما لا يعرف بعضهم اسم الكتاب الذي ألفه الناقد ولم يره في حياته، وهذه الصفة تغلب على العصرانيين ومقلديهم والمتأثرين بهم.
وهذه النقطة تجر إلى النقطة الثانية وهي:
2. أنه ينبغي أن يبين للمخالف أنّ دفاعنا عن الصحيحين ليس عاطفة وتقليدا محضا، أو دعوى أن صاحبي الصحيح معصومان-كما قد يظن البعض وربما صرح بعضهم!! سبحانك هذا بهتان عظيم، فأهل السنة ليس عندهم معصوم إلاّ الرسل والأنبياء في تبليغ الرسالة-، بل دفاعنا عن الصحيحين نتاج معرفتنا بواقع الكتابين ودقة المنهجية التي سلكها مؤلفا الكتاب، وشدة تحريهما في تحقيق شرطهما، والنقد التفصيلي يدل على هذا، بل ويدعو للإعجاب والثقة بهذين الكتابين حتى نالا لقب أصح الكتب بعد كتاب الله، وحظيا بقبول الأمة- بالجملة - ومما يدل على أهمية سلوك هذا المنهج في مناقشة الأحاديث المنتقدة أن بعض من يتبنى هذا التوجه يتفاجأ بهذه التفصيلات الدقيقة، ويصرح بأنه لأوَّل مرة يسمعها، وأن الذي تعلمه أن سبب التعظيم لهذين الكتابين التقليد والعاطفة فحسب!.ومن نعم الله أنَّ الدراسات العلمية الدقيقة والموضوعية حول الصحيحين أثبتت هذا بجلاء، ومن خلال إشرافي على رسالة لأحد طلابي والتي بعنوان :« أحاديث الصحيحين التي أعلها الدارقطني في كتابه"العلل"وليست في"التتبع" من أول حديث أبي بكر الصديق إلى نهاية حديث أبي سعيد الخدري _جمع وتخريج ودراسة» تأكد لي أنّ جل الانتقادات منصبة على الصناعة الحديثية-بغض النظر عن أيهم المصيب- وأما المتون فهي صحيحة.
3. ومما أبينه هنا أنَّ للبخاريّ وكذلك مسلم عند تخريج الحديث نظرات عديدة أبرزها:
- نظرة في شيوخ الراوي.
- نظرة في تلاميذ الراوي.
- نظرةٌ في متن الحديث المراد تخريجه من حيث كونه في الأصول أو في المتابعات أو الشواهد ونحو ذلك، وهل هو في الأحكام أم في الرقاق.
وله في كل ذلك نكت حديثية دقيقة بديعة!، ومن هنا يُعلم أنّ وصفَ حديثٍ ما بأنه على شرط الشيخين أو شرط البخاري أو مسلم أمرٌ في غاية الصعوبة، وقد قال ابن الأخرم ـ وهو من كبار الحفاظ- :« قلَّ ما يفوت البخاري ومسلم حديث على شرطهما» ، وقال ابنُ حجر :«وقرأتُ بخط بعض الأئمة أنه رأى بخط عبد الله بن زيادن المسكي قال : أملى على الحافظ أبومحمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي سنة خمس وتسعين وخمسمائة قال:نظرت إلى وقت إملائي عليك هذا الكلام فلم أجد حديثاً على شرط البخاري ومسلم لم يخرجاه إلا أحاديث :
1- حديث أنس"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة".2- وحديث الحجاج بن علاط لما أسلم . 3- وحديث علي "لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع" » النكت لابن حجر (1/313). ولابن عبد البر كلامٌ نحو هذا.
قال ابن عبد الهادي :« واعلم أن كثيرا ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به ومعرفته بحديثه وضبطه له ولا يخرجون حديثه عن غيره لكونه غير مشهور بالرواية عنه ولا معروف بضبط حديثه أو لغير ذلك فيجيء من لا تحقيق عنده فيرى ذلك الرجل المخرج له في الصحيح قد روى حديثا عمن خرج له في الصحيح من غير طريق ذلك الرجل فيقول هذا على شرط الشيخين أو على شرط البخاري أو على شرط مسلم لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة وهذا فيه نوع تساهل فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره فلا يكون على شرطهما » الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص256)
4. ومما ينبغي التفطن له أنّ من منهج الإمامِ البخاريّ في الرواية عن شيوخه المتكلم فيهم أنْ ينتقي من أصولهم ما صحَّ من حديثهم، ومما يدل على ذلك:
- قول البخاريّ :(( كَانَ إسماعيلُ بنُ أبي أُويس إذا انتَخَبتُ مِنْ كِتابهِ، نَسَخَ تلك ‏الأحاديثَ لنفسِهِ، وَقَالَ: هذه الأحاديثُ انتخبها مُحَمَّد بنُ إسماعيل مِنْ حَدِيثي)). انظر:"تاريخ بغداد" (2/19)، "تاريخ مدينة دمشق" (52/77).
- وقول البخاريّ أيضاً : قَالَ لي مُحَمَّد بنُ سَلاَم: انظرُ في كتبي فما وجدتَ فيها من خطأ فاضرب عليه كي لا أرويه، فَفَعلتُ ذلكَ. "تاريخ مدينة دمشق" (52/77)، "مقدمة فتح الباري" (ص483).
- قول الحافظ ابن حجر في "مقدمة الفتح" (ص391) :(( روينا في "مناقبِ البخاريِّ" بسندٍ صحيحٍ أنّ إسماعيلَ أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وأنْ يعلمَ لهُ على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعرٌ بأنَّ ما أخرجه البخاريُّ عنه هُو مِنْ صحيحِ حديثه لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا أن شاركه فيه غيره فيعتبر فيه )).
-وقال أيضاً في "النكت على كتاب ابن الصلاح" (1/288) :(( الذينَ انفردَ بهم البخاريُّ ممنْ تُكُلمُ فيهِ أكثرهُمْ مِنْ شيوخهِ الذينَ لَقِيهم، وَعَرَفَ أحوالَهُم، وَاطلع عَلَى أحاديثهم فميّز جيدها مِنْ رديها بخلافِ مُسلم ، فإنَّ أكثرَ مَنْ تفردّ بتخريجِ حَدِيثه ممن تُكُلمُ فيه مِنْ المتقدمين ، وقد أخرج أكثر نسخهم كما قدمنا ذكره.ولا شكَ أنَّ المرءَ أشدّ معرفة بحديثِ شيوخهِ، وبصحيحِ حَدِيثهم مِنْ ضعيفه ممن تقدم عَنْ عصرهم)).
وقال نحوه في "مقدمة الفتح" (ص12). وانظر: "مقدمة الفتح" (ص387، 388، 413)، "فتح المغيث" (1/29).
وكذلك الانتقاء من منهج مسلم في صحيحه قال ابن القيم :« ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة ومن ضعف جميع حديث سئ الحفظ فالأولى : طريقة الحاكم وأمثاله والثانية : طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن والله المستعان »
قلتُ: وَمَنهجُ انتقاء ما صحَّ من مرويات المجروحين مما في أصولهم منهجٌ لكبار نقاد الحديث؛ ومما يدل على ذلك : قولُ البرذعيّ رأيتُ أبا زُرْعةَ يسيىءُ القولَ فيه-أي في سُوَيد بنِ سَعِيد- فقلتُ له: فأيش حَاله ؟ قَالَ: أمَّا كُتُبهُ فَصِحَاحٌ، وكنتُ أتتبعُ أصولَهُ وَأكتبُ مِنْها، فَأمَّا إذا حدّثَ مِنْ حفظهِ فلا. سؤالات البرذعي (ص409).
ولابن القيم كلام متين في هذه المسألة قال فيه: « وربَّما يظنُّ الغالط الذي ليس له ذوق القوم ونقدهم أَنَّ هَذَا تناقض مِنْهُم ، فإنهم يحتجون بالرَّجل ويوثقونه فِي موضع ، ثم يضعِّفونه بعينه ولا يحتجُّون به فِي موضع آخر . ويقولون إن كَانَ ثقة وجب قبول روايته جملة ، وإن لم يكن ثقة وجب ترك الاحتجاج به جملة . وهذه طريقة فاسدة مجمع بين أهل الحديث عَلَى فسادها ، فإنهم يحتجُّون من حديث الرجل بما تابعه غيره عليه وقامت شهوده من طرق ومتون أخرى ، ويتركون حديثه بعينه إذا روى ما يخالف الناس أوانفرد عنهم بما لا يتابعونه عليه . إذ الغلط فِي موضع لا يوجب الغلط فِي كل موضع والإصابة فِي بعض الحديث أو فِي غالبه لا توجب العصمة من الخطأ فِي بعضه ولا سيما إذا علم من مثل هذا أغلاط عديدة ثم روى ما يخالف الناس ولا يتابعونه عليه فإنه يغلب عَلَى الظن أو يجزم بغلطه . وهنا يعرض لمن قصر نقده وذوقه هنا عَنْ نقد الأئمة وذوقهم فِي هذا الشأن نوعان من الغلط ننبه عليهما لعظيم فائدة الاحتراز منهما :-
- أحدهما :- أن يرى مثل هذا الرجل قد وثق وشهد له بالصدق والعدالة أو خرج حديثه فِي الصحيح فيجعل كل ما رَواهُ عَلَى شرط الصحيح ، وهذا غلط ظاهر فإنه إِنَّمَا يكون عَلَى شرط الصحيح إذا انتفت عنه العلل والشذوذ والنكارة وتوبع عليه فأما مع وجود ذَلِكَ أو بعضه فإنه لا يكون صحيحاً ولا عَلَى شرط الصحيح . ومن تأمل كلام البخاري ونظرائه فِي تعليله أحاديث جماعة أخرج حديثهم فِي صحيحه ، علم إمامته وموقعه من هذا الشأن وتبين به حقيقة ما ذكرنا .
- النوع الثاني من الغلط :- أن يرى الرجل قد تكلِّم فِي بعض حديثه وضعِّف فِي شيخ أو فِي حديث فيجعل ذَلِكَ سببا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجد كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم وهذا أَيْضَاً غلط فان تضعيفه فِي رجل أو فِي حديث ظهر فيه غلط لا يوجب التضعيف لحديثه مطلقاً . وأئمة الحديث عَلَى التفصيل والنقد واعتبار حديث الرجل بغيره والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثِّقَات . وهذه كلمات نافعة فِي هذا الموضع تبين كيف يكون نقد الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ومعلوله من سليمه « ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورَاً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ » انتهى من كتاب الفروسية (ص242).
وانظر : "العلل الكبير" للترمذي (ص 394 تحقيق:السامرائي) "الجرح والتعديل" (5/147)، "زاد المعاد" (1/364)، "شرح علل الترمذي" (1/420)، "التنكيل" للمعلمي (1/123).
5. ومما ينبه عليه أنّ الأحاديث في الصحيحين على قسمين:
1- قسم تكلم فيه أئمة الحديث وكبار النقاد سواء من حيث الصناعة الحديثية –وهو الغالب على كلام أئمة الحديث الذين لهم تعقبات وتتبعات على الصحيحين ممن تقدم ذكره- أو من حيث نقد بعض الأحاديث جملة-وهو قليل ونادر- أو من حيث نقد بعض الألفاظ فهذه سبيله النظر في الخبر وما أحتف به من قرائن ووجه النقد ومن ثمّ الموازنة، والترجيح، وكلّ حديث له نَظَرٌ خَاص، فكيفما دار طالب العلم دار على ملي ، ومن أحيل على ملي فليتبع! . قال ابن حجر : « ينبغي لكل منصف أنْ يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى ، وهي ما ادَّعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه ، فإنَّ هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التَّلقي ما حصل لمعظم الكتاب وقد تعرَّض لذلك ابن الصلاح في قوله "إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره" وقال في مقدمة شرح مسلم له : ما أخذ عليهما يعني على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول ، انتهى .
2- قسم لم يتكلم فيه أحد من أئمة الحديث المتقدمين وكبار النقاد فهذا القسم لا يقبل الكلام عليه من المعاصرين، ولو تأمل الأخ السائل عبارة الذهبي وهي قوله :« لولا هيبة الجامع الصحيح... » فالذهبي على جلالته وبراعته في هذا الفن يقول مثل هذا، لمَّا لم يتبين له وجه إخراج البخاري لهذا الحديث لم يضعفه كما يفعل بعض المعاصرين، ومع ذلك أرى أن من يتكلم في الصحيحين من الأخوة الذين يريدون الحق ولكن عندهم نقص في دقائق الحديث أن يتلطف معهم ويرفق بهم ويعلمون ما تقدم ذكره، وتسهل لهم العبارة وتوضح لهم شروط صاحبي الصحيح وشيء من دقيق مسالكهما..وهذا هو المطلوب، والهداية والتوفيق من الله.

إذا تبين ما تقدم سهل الإجابة عن هذا السؤال بعينه وهو تفرد البخاري بهذا الحديث وما نقله الأخ السائل-بارك الله فيه- من كلام حول هذا الحديث: وهنا لنا نظران:
-النظر الأوَّل:
تحقيق القول في حال خالد بن مخلد القطواني وهل هو ثقة أم لا أم فيه تفصيل؟ وكيفية رواية البخاري عنه؟ وكم روى له،ومن هم شيوخه وتلاميذه الذين اعتمدهم في الرواية عنه؟ وهل هو من شيوخه الذين ميز أحاديثهم أم لا؟ وما هو السر في أنّ البخاري يروي عنه مباشرة وأحيانا يروي عنه بواسطة؟! فيلاحظ عناية البخاري بالرواية عنه، فمثل هذه الأسئلة الافتراضية تخدم الكلام على هذا الحديث وتؤدي إلى إجابات علمية موضوعية.
وتحقيق القول في خالد بن مخلد أنه من كبار شيوخ البخاري الذين ميز حديثهم من خلال كتبهم أو من خلال موافقتهم للثقات أو من خلال استقامت المتون التي يرويها، وأنه –بالجملة-صدوق، ولكنه في روايته عن سليمان بن بلال متقن، رمي بالتشيع وله بعض المنكرات خاصة عن الإمام مالك، ولكن لم يذكر أحد من المتقدمين هذا الحديث من منكراته، يراجع الكامل لابن عدي (3/34).
قال الذهبي :« خالد بن مخلد القطواني من شيوخ البخاري صدوق إن شاء الله ».
وهاهنا أمر في غاية الأهمية في هذه المسألة وهو أنه يلاحظ أن البخاري أكثر من الرواية عن خالد بن مخلد القطواني عن شيخه سليمان بن بلال دون غيره، وهو شيخه في هذا الحديث المنتقد، مما يدل على عناية خالد بن مخلد بمرويات شيخه سليمان، وتأمل هذه النصوص النفيسة التي لم يتفطن لها بعض المعاصرين ممن تكلم على الحديث ، قال ابن رجب :«ومنهم-أي من الضرب الثاني من حدث عن أهل مصر أو إقليم فحفظ حديثهم وحدث عن غيرهم فلم يحفظ - خالد بن مخلد القطواني، ذكر الغلابي في تاريخه قال: القطواني يؤخذ عنه مشيخة المدينة وابن بلال فقط، يريد سليمان بن بلال،ومعنى هذا أنه لا يؤخذ عنه إلا حديثه عن أهل المدينة وسليمان بن بلال منهم لكنه أفرده بالذكر » شرح علل الترمذي (2/776).
وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي (1/256 ) :« فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره؛ فلا يكون على شرطهما، وهذا كما يخرج البخاري ومسلم حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال وعلي بن مسهر وغيرهما، ولا يخرجان حديثه عن عبد الله بن المثنى، وإن كان البخاري قد روى لعبد الله بن المثنى من غير رواية خالد عنه ».
وهذه الجملة التي ذكرتها تحتاج إلى صفحات لبيانها ونقل أقوال العلماء فيها، ولكن أكتفي بنصوص يسيرة تدل على ما ورائها:
-قال ابن حجر :« خالد بن مخلد القطواني الكوفي أبو الهيثم، من كبار شيوخ البخاري، روى عنه، وروى عن واحد عنه!.
قال العجلي: ثقة فيه تشيع، وقال ابن سعد: كان متشيعا مفرطا، وقال صالح جزرة: ثقة إلا أنه كان متهما بالغلو في التشيع، وقال أحمد بن حنبل: له مناكير، وقال أبو داود: صدوق إلا أنه يتشيع، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
قلتُ: أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره؛ لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه، وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه وأوردها في كاملة وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة (من عادى لي وليا) الحديث » مقدمة الفتح(ص400)، والذي يقوى عندي أن رواية المبتدع مقبولة مطلقا حتى لو كان داعية.
-قال المعلمي :« أقول: في باب الإمام ينهض بالركعتين من ( جامع الترمذي ) : ( قال محمد بن إسماعيل: ابن أبي ليلى هو صدوق ، ولا أروي عنه لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه ، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً ) والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى ، فقوله ( لا أروي عنه ) أي بواسطة ،وقوله ( وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً) يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة ، وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى ، لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة ، وكثيراً ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة . وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقاً في الأصل فإن الكذاب لا يمكن أن يعرف صحيح حديثه . فإن قيل قد يعرف بموافقته الثقات لروى عن ابن أبي ليلى ولم يقل فيه تلك الكلمة فإن ابن ليلى عند البخاري وغيره صدوق وقد وافق عليه الثقات في كثير من أحاديثه ولكنه عند البخاري كثير الغلط بحيث لا يؤمن غلطه حتى فبما وافق عليه الثقات ، وقريب منه من عرف بقبول التلقين فأنه قد يلقن من أحاديث شيوخه ما حد ثوابه ولكنه لم يسمعه منهم ، وهكذا من يحدث على التوهم فأنه قد يسمع من أقرأنه عن شيوخه ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه فيرويها عنهم .
فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الرواي من شيوخه بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين إما أن يكون الراوي ثقة ثبتا فيعرف صحيح حديثه بتحديثه وإما أن يكون صدوقاً يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى كأن يكون له أصول جيدة ، وكأن يكون غلطه خاصاً بجهة كيحيى بن عبد الله بكير روى عنه البخاري وقال في ( التاريخ الصغير ) : ما روى يحيى [ بن عبد الله ] بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني اتقيه... )) انتهى كلام المعلمي من التنكيل وهو كلام في غاية الجودة.
قلتُ: والأمر في شريك بن عبد الله بن أبي نمر أخف لأنه أوثق من خالد فلا نطيل الكلام عليه.
-النظر الثاني:
في متن الحديث فهذا المتن أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب التواضع، ومثل هذه المتون لا يتشدد فيها المحدثون بخلاف أحاديث العقائد أوالحرام والحلال، مع وجود شواهد للحديث وإن كانت ضعيفة، قال ابن رجب :« وقد روى هذا الحديث من وجوه أخر لا تخلو كلها عن مقال ورواه عبد الواحد بن ميمون أبو حمزة مولي عروة ابن الزبير عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من آذي لي وليا فقد استحل محاربتي وما تقرب إلى عبد بمثل أداء فرائضي وإن عبدي ليتقرب إلى بالنوافل... » جامع العلوم والحكم (ص358).
قال ابن حجر :«ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلا منها: عن عائشة أخرجه أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون عن عروة عنها، وذكر ابن حبان وابن عدي أنه تفرد به، وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث، لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد عن عروة، وقال: لم يروه عن عروة إلا يعقوب وعبد الواحد، ومنها عن أبي أمامة أخرجه الطبراني والبيهقي في الزهد بسند ضعيف، ومنها عن علي عند الإسماعيلي في مسند علي، وعن ابن عباس أخرجه الطبراني وسندهما ضعيف، وعن أنس أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني وفي سنده ضعف أيضا، وعن حذيفة أخرجه الطبراني مختصرا وسنده حسن غريب، وعن معاذ بن جبل أخرجه ابن ماجة وأبو نعيم في الحلية مختصرا وسنده ضعيف أيضا، وعن وهب بن منبه مقطوعا أخرجه أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية، وفيه تعقب على ابن حبان حيث قال بعد إخراج حديث أبي هريرة: لا يعرف لهذا الحديث إلا طريقان يعني غير حديث الباب وهما هشام الكناني عن أنس وعبد الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة وكلاهما لا يصح » فتح الباري (11/341).
وأمّا غرابة لفظه فلم يتبين لي وجه ذلك بدقة، فالبخاري وغيره صححوا الحديث ويلزم من ذلك-هنا-صحة المتن، ثمّ الغرابة في هذا شيء نسبي تقوم في أذهان بعض الناس دون آخرين، فربما استغربتَ معنى ما في حديث لم يتبين لك وجهه، بينما غيرك بان له المعنى بوضوح ومن طالع كتب شروح الحديث وجد هذا جليا، فعالم يستشكل مسألة ما، والآخر يستغرب هذا الاستشكال ويبين أنه ليس مشكلاً..وهكذا، والخطير في هذه المسألة ما وقع في هذا العصر من بعض المسلمين المنهزمين حيث ردوا بعض النصوص الثابتة لأنها لم توافق عقولهم..ولست أدري هل هناك عقل بشري كمدلول مطلق نحتكم إليه؟!.. هناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعلان وهذه عقول متفاوتة واقعة تحت مؤثرات شتى علمية..ومكانية..وزمانية..وغيرها..ففتح هذا الباب بدون مراعاة الضوابط التي سار عليها سلفنا الصالح أئمة الحديث ونقاده أمر بالغ الخطورة، وله أثر سيء في الأمة، نسأل الله السلامة والعافية.
وقد قلتُ في كتابي(إِشْكَالٌ وَجَوَابُهُ-في حَدِيثِ أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان-):« إنّ كثيراً من هذه الإشكالات التي تورد على الأحاديث الصحيحة في هذا العصر إنّما هي إشكالات تعرض نتيجةً لضعفِ التسليم لله ولرسوله ، أولقلة العلم، أولضعف الديانة، أو لنصرة مذهب وقول، وكلما بعد الزمان أثيرت شبهات وإشكالات متوهمة لم تكن عند السلف الصالح وهذا مصداق لقوله :(لا يَأْتِي زَمَانٌ إِلا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ) »
وقد علق المعلمي على حديث من(من عادى لي وليا) فقال :«هو من جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم بما تجده في الفتح وفي الأسماء والصفات ص 345-348 وقد أومأ البخاري إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق »، وقال أيضاً - تعليقا على قول أبي رية ((ومن له حاسة شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية))- :«أقول: قد علمنا أن كلام الأنبياء كله حق من مشكاة واحدة، وأن الرب الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ولو جاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكك في حكم البخاري لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبو رية اخشم فاقد الشم أو فاسدة» الأنوار الكاشفة (ص193).
ومما تقدم يعلم أنَّ الكلام على أحاديث الصحيحين ليس من السهولة لمن لم يستفرغ وسعه في البحث والتنقيب والتتبع، مع سؤال الله دائما أن يعلمه ويفهمه، ويبعد عنه حب الشهرة والثناء والتصدر، والولع بالغرائب والشواذ من الأقوال، ففي معرفة العلم البين الواضح الذي ورثه لنا سلفنا الصالح كفاية وغنية، والله المستعان.


السؤال:19ورد التثبت في رواية الراوي الواحد، فهل ورد التثبت في رواية الراويين الثقتين!! وهل رواية الاثنين يخرجها عن رواية الآحاد؟
الجواب:
المقصود بالآحاد: ما لم يجمع شروط المتواتر سواء كان رواته واحدا ، أو اثنين أو أكثر ولم يبلغ حد التواتر، والتواتر: ما رواه جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه.
إذا تبين هذا علم أنّ التثبت مطلوب دائما سواء في رواية الواحد أو الاثنين أو أكثر.
ومما أنبه عليه أنّ خبر الواحد الذي توفرت فيه شروط القبول يفيد العمل باتفاق أهل السنة ، وأنه حجة سواء أكان في العقائد أم في الأحكام أم في غيرها، وأدلة هذا كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة وعمل الصحابة، وقد عني كثير من العلماء في هذا العصر بتحرير هذه المسألة وتصنيف الكتب فيها، ومن هذه المصنفات كتاب:حجية السنة النبوية للشيخ عبد الغني عبد الخالق، وكتاب:وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة والأحكام للشيخ الألباني-رحمه الله-، وكتاب:أخبار الآحاد في الحديث النبوي،حجيتها، مفادها، العمل بموجبها للشيخ عبدالله الجبرين .


السؤال:20ما الفرق بين مسند البزار المعلل وعلل الدارقطني، وبماذا يفسر منهج الأخير في العلل والسنن، وتباين ذلك.
الجواب:
من أهم الفروق التي تظهر لي بين مسند البزار المعلل وعلل الدارقطني:
- أنَّ البزار عني بجمع الغرائب والأفراد، ولذا تجده ينبه على ذلك بعد رواية الحديث، ولذا كان كتابه من أشهر الكتب التي هي مظنة الأحاديث الأفراد، قَالَ ابنُ حجر:((تنبيه: من مظان الأحاديث الأفراد: مسند أبي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط"، ثم الدار قطني في"كتاب الأفراد"، وهو ينبئ على اطلاع بالغ، ويقع عليهم التعقب فيه كثيراً بحسب اتساع الباع وضيقه، أو الاستحضار وعدمه، وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه!، فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد. وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق، أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به، لاحتمال أن يريدوا شيئاً من ذلك بإطلاقهم والذي يرد على الطبراني، ثم الدار قطني من ذلك أقوى مما يرد على البزار لأنَّ البزارَ حيثُ يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول:"لا نعلمه يروي عن فلان إلا من حديث فلان"، وأما غيره، فيعبر بقوله:"لم يروه عن فلان إلا فلان"، وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر من الإطلاق خلافه ، والله أعلم)) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/708).
ومعرفة الأفراد والغرائب من أهم وسائل الكشف عن العلة كما قال ابن الصلاح في مقدمته(ص81):«ويستعان على إدراكها-يعني العلة- بتفرد الرواي» وأمَّا أبو الحسن الدارقطني فعني في كتابه العلل بجمع الأحاديث التي وقع فيها اختلاف على أحد الرواة.
- ومن الفروق أنّ الدارقطني يوضح لك الاختلافات ويحدد مدار الحديث وكيفية وقوع الخلاف فهو مدرسة في تعليم العلل وتسهيلها على طلاب هذا الفن ، والبزار ربما فعل هذا ، ولكن بقلة مقارنة بعمل الدارقطني في كتابه.
- ومن الفروق أنّ الدارقطني أكثر توسعا وبسطا من البزار، فنَفَس الدارقطني في بيان الاختلافات وسرد الطرق طويل، ولذا كان كتابه أوسع كتاب في بيان علل الأحاديث، قال ابن كثير:«وقد جمع أزمة ما ذكرناه كلّه الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتاب ذلك ، وهو أجلّ كتاب بل أجلّ ما رأيناه وضع في هذا الفنّ، لم يسبق إليه مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله، وأكرم مثواه » اختصار علوم الحديث (ص:64).
ومما أنبه عليه أن الدارقطني ربما ترك ذكر بعض الاختلافات والأوجه لأسباب منها:
شدة ضعف هذا الوجه أو الطريق لأنّ رواية ضعيف جدا أو متروك وما كان كذلك لا يعول عليه في الترجيح والجمع، فلا فائدة من إطالة الخلاف بذكره إلاّ إذا كان من باب التنبيه عليه.
ومن الأسباب أيضا: ظهور الترجيح في الأسانيد المذكورة كأن تكون من رواية كبار الحفاظ الأثبات فلا حاجة للتطويل في ذكر بقية الأوجه الموافقة،
ومن الأسباب أيضا: عدم حفظ الدارقطني للطريق المعين في تلك الساعة، وقد قال في عدد من المواضع عن بعض الطرق:« لا أَحْفَظُهُ السَّاعَةَ ».
وهذه النقطة تسوقنا إلى الفرق الآخر وهو:
- أنّ البزار يسند أحاديثه في الغالب الأعم-يعني يرويها بإسناده- بخلاف الدارقطني حيث يغلب عليه تعليق الأسانيد، وإسناد الحديث عند البزار أعطاه ميزة على «علل الدارقطني»، ومن أسباب تعليق الدارقطني للأوجه والطرق التي يرويها في علله: أنّ الدارقطني لو أسند جميع الأوجه والطرق لكان الكتاب كبير الحجم جدا، فانظر مثلاً إلى حديث بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الذكر ذكر الدارقطنيُّ الاختلافاتِ في أسانيد الحديث ثم أسند جميع هذه الاختلافات فبلغت قرابة المئة حديث-إسنادا ومتناً-، هذا حديثٌ واحد فقط، فما بالك بجميع الكتاب لو أسنده؟! وكذلك حديث أم كرز في العقيقة أسنده فبلغت قرابة ستين حديثا.
- ومن الفروق أيضاً النظر في منزلة المصنفين فمنزلة الدارقطني في هذا الفن أجل بكثير من البزار، ومن طالع ترجمة الرجلين، وقرأ في كتابيهما بان له هذا بوضوح، وهذا الفرق يعطي كتاب «علل الدارقطني» ميزة أنه من تأليف إمام مبرز من أئمة العلل.
وهناك فروق أخرى لا نطيل بذكرها مثل: كثرة أحكام الدارقطني على الأوجه والطرق وغيرها.
والجواب عن قول الأخ السائل-بارك الله فيه-:« وبماذا يفسر منهج الأخير في العلل والسنن، وتباين ذلك» أنه لا تباين بين منهج الدارقطني في العلل والسنن بل بين الكتابين توافق يدل على أنّ مؤلف الكتابين إمام في علل الحديث يوضح هذا أمران:
الأمر الأوَّل: أنّ مقصد الدارقطني من تأليف سننه بيان غرائب وعلل أحاديث أحكام ، وقد نصّ على ذلك أبو علي الصدفي، وابن تيمية، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وأكد ذلك -من خلال دراسةٍ عميقة بالأرقام- الباحث عبد الله الرحيلي في رسالته العلمية «الإمام الدارقطني وكتابه السنن». ولمّا كان مقصد الدارقطني كذلك لم يبوب سننه، قال أبو علي حسين بن محمد الصّدفي (ت514)-وهو من أتقن من روى "سنن الدارقطني" -:((الكتاب غير مبوّب، قرأته على ابن خَيْرون..وكان عند ابن خَيْرون منه أجزاء بخط الدارقطني، فكان إذا أشكل من الكتاب شيء استخرج تلك الأجزاء، فربما وجد فيه اختلافاً، وفي النسخة مواضع علمتُ على بعضها لم يتجه لي أمرها...))، المعجم في أصحاب أبي على الصدفي" لابن الأبار (ص:80).
وما يوجد من تبويبات وتراجم هي من عمل النساخ، والناشرين-انظر: مقدمة محقق"سنن الدارقطني" (1/38-58) تحقيق:شعيب-.
وعندي أنّ هذا العمل فيه تجاوز لوظيفة المحقق الأصلية ، وهي إثبات النص كما أراده مؤلفُهُ بدون تعديل أو تحسين.
الأمر الثاني: النَّفَسُ النقدي في الكتاب يوافق تماما نفس الدارقطني في كتابه العلل يَبين ذلك من خلال تعليل الأحاديث ، وبيان الاختلافات ، والحكم على الأسانيد والرجال– مع الفرق بين طبيعة الكتابين المنهجية-.
وأرجو من الأخ السائل -بارك الله فيه- أن يقرأ في الكتابين ، ويكثر من ذلك ليلحظ هذا بنفسه، والله أعلم.
__________________
.
  #4  
قديم 16-07-05, 10:27 PM
خليل بن محمد خليل بن محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
المشاركات: 2,825
افتراضي

السؤال 21 : ماهي الطريقة المثلى في التعامل مع أحاديث الرواة الذين خف ضبطهم ومن ثم اختلطوا، أريد منهج أو خطوات يسير عليها طالب العلم ليكون منصفا! بحيث لا تهمل أحاديث مثل هؤلاء ؟
الجواب:
الخطوات العلمية في مثل هؤلاء الرواة في نظري هي:
-تحديد درجتهم في الرواية بدقة ، وذلك من خلال النظر في أحاديث هذا الراوي ، وكذلك أقوال النقاد ، والتوسع في ذلك بالرجوع إلى المصادر الأصلية، ويلاحظ هنا أن مفهوم خفة الضبط واسع ، فتحدد درجة هذا الرواي بعينه بدقة.
وهنا يلاحظ : هل حديثه عَنْ جميع شيوخه متساوٍ أم فيه تفصيل؛ فقوي عَنْ بعضهم، وضعيف عَنْ البعض الآخر؟
وكذلك هل حديثُ تلاميذهِ عنه متساوٍ أم فيه تفصيل؛ فبعضهم أقوى من بعض ؟
- ثم.. يحدد متى طرأ عليه الاختلاط؟ والتأكد من نوعية الاختلاط بمعنى هل هو تغير أواختلاط ؟ وهل هذا التغير ضار أم غير ضار ؟ وهل حدّث بعد التغير أم لا ؟ وهل ظهرت له مناكير بعد التغير أم لا ؟، وهل هناك تلاميذ ضبطوا حديثه بعد الاختلاط وآخرون لم يضبطوا....؟
جميع هذه الأسئلة الافتراضية تقود إلى منهجية علمية سليمة في التعامل مع هؤلاء الرواة من خلال النظر في الأمرين السابقين: النظر في أحاديث هذا الراوي ، و النظر في أقوال النقاد.


السؤال 22 : ما رأيك في سلسلة أبي الزبير عن جابر.
الجواب:
أبو الزبير هو:محمد بن مسلم بن تدرس القرشي المكي والأرجح أنه ثقة ثبت، وهو من أتقن الناس لحديث جابر بن عبد الله، قال أبو الزبير عن نفسه: كان عطاء بن أبي رباح يقدمني إلى جابر أحفظ لهم الحديث، وقال عطاء: كنا نكون عند جابر، فإذا خرجنا من عنده، تذاكرنا حديثه، فكان أبو الزبير، أحفظنا للحديث. المعرفة والتاريخ (2/14).
والأرجح أنّ تدليسه مقبول، لأنّ تدليسه عن الثقات أمثال: سليمان بن قيس اليشكري.
وله عن جابر بن عبدالله الصحابي الجليل سلسلة مشهورة، بلغت أحاديثها في الكتب الستة (360) ستين وثلاثمائة حديث كما في تحفة الأشراف، وغالب هذه الأحاديث صرح أبو الزبير بسماعها من جابر، وهناك أحاديث لم يصرح أبو الزبير بسماعها فالأصل أنها مقبولة لما تقدم من أن تدليسه مقبول، ما لم يتبين غير ذلك.
وقد حظيت سلسلة أبي الزبير عن جابر بالعناية في هذا العصر من لدن الباحثين والمتخصصين فكتبوا عددا من البحوث عن هذه السلسلة، وكان من أسباب هذه العناية أن بعض العلماء الأجلاء ضعف عددا من الأحاديث التي في صحيح مسلم بسبب رواية أبي الزبير عن جابر-والتي من غير رواية الليث بن سعد- معللا ذلك بتدليس أبي الزبير، ومن هذه الدراسات ما كتبه زميلنا الدكتور: خالد العيد –وفقه الله- في رسالته العلمية الماجستير بعنوان:« ضوابط تصحيح الإمام مسلم في صحيحه لمرويات أبي الزبير المكي بالعنعنة عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه » وهذه الرسالة نوقشت عام 1419هـ،
ومن الدراسات كذلك بحث قيم للدكتور:صالح بن أحمد رضا–وفقه الله- بعنوان «صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما » نشرت في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- العدد الثامن 1413هـ،
ولزميلنا الدكتور: خالد الدريس-وفقه الله- رسالة نفيسة عن «رواية أبي الزبير عن جابر» كتبها سنة 1409 أو قبل، ولعله أن يطبعها ففيها تحريرات نفيسة.
وهذه البحوث المتخصصة أثبتت النتيجة السابقة، والله أعلم.


السؤال 23 : ما هي أصح الأقوال في مسألة ثبوت السماع بين المتعاصرين؟ وما هو الخلاف بين منهج الإمام مسلم والإمام البخاري؟
الجواب:
الخلاف بين منهج الإمام مسلم والإمام البخاري في هذه المسألة:
أنّ البخاري يشترط العلم بالسماع واللقيا لاتصال السند المعنعن-وهو مذهب كبار أئمة الحديث ونقاده- ومنهج البخاري هذا دلَّ عليه منثور كلامه في الصحيح وفي التاريخ الكبير وفي جزء القراءة، بل ربما أورد البخاري حديثا في الصحيح من أجل بيان سماع راوٍ، وربما أثبت السماع بالقرائن.
قال ابن حجر :«أن مسلما كان مذهبه على ما صرح به في مقدمة صحيحه وبالغ في الرد على من خالفه: أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه وأن لم يثبت اجتماعهما، إلا أن كان المعنعن مدلسا، والبخاريّ لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه وأكثر منه، حتى أنه ربما خرّج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئا معنعنا، وسترى ذلك واضحا في أماكنه إن شاء الله تعالى، وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وأن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال » مقدمة فتح الباري (ص12).
ومما يبين هذا بجلاء قول البخاريّ في سليمان بن بريدة بن الحصيب :«..ولم يذكر سليمان سماعا من أبيه » التاريخ الكبير (4/4رقم1761) فنص البخاري على هذا مع تحقق الإدارك والمعاصرة - حيث أدرك سليمان بن بريدة قرابة أربعين سنة من حياة أبيه - دال على عناية البخاري الشديد بمذهبه ودقته في هذا فهو استقرى جميع أحاديث سليمان فلم يره صرح بالسماع، لذا لم يخرج عنه في الصحيح!!، ومع هذا فقد حسن حديث سليمان بن بريدة عن أبيه في موضعٍ-نقله عنه الترمذي في العلل الكبير- لما احتف برواية سليمان من قرائن قوية دالة على ثبوت السماع، ولهذا نظائر بينها زميلنا الدكتور: خالد الدريس في كتابه «موقف الإمامين البخاري ومسلم » (ص141ومابعده).
وأمّا الإمام مسلم فقد صرح برأيه في هذه المسألة في مقدمته صحيحه فقال :« القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا: أنَّ كلّ رجلٍ ثقة روى عن مثله حديثا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا » صحيح مسلم (ص29).
والذي أميل إليه في هذه المسألة العويصة ما كان عليه البخاري و كبار النقاد وأئمة الحديث في هذه المسألة، مع إعمال القرائن لإثبات السماع.

تنبيهات:
- -أنّ في تطبيق رأي البخاري وكبار النقاد احتياطاً للسنة فكم رأينا من تساهل بعض المعاصرين في الحكم على الأحاديث المنقطعة، من غير نظر في سماع الرواة بعضهم من بعض، بل حتى الضوابط التي نصَّ عليها مسلم لا يلتفت إليها!،فرأي البخاري وكبار النقاد في هذه المسألة يجعل الباحث أشدّ عناية بتتبع السماع والعناية به.
- عني بتحرير هذه المسألة أئمة أجلاء وباحثون فضلاء ومن أفضل من كتب في هذه المسألة –حسب علمي- ابن رُشيد الفهري (المتوفى721) في كتابه القيم « السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الأمامين في السند المعنعن » وكذلك زميلنا الدكتور: خالد الدريس في كتابه النفيس «موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين » ، وللشيخ الدكتور: إبراهيم اللاحم بحث ماتع حول هذه المسألة في كتابه «الاتصال والانقطاع» وهو جدير بالقراءة والعناية، ولفضيلة الشيخ الدكتور:حاتم الشريف رأي في هذه المسأله حرره في كتابه «إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين » انتصر فيه لقول مسلم، وبين أنه لا خلاف بين البخاري ومسلم في هذه المسألة، ومع تقديري الكبير للشيخ-وفقه الله ونفع بعلمه- إلاَّ أني لا أوافقه في هذا لما تقدم من ظهور قول البخاري في كتبه وتصرفاته، والله أعلم .
- هذه المسألة من المسائل الدقيقة في علوم الحديث، والخلاف فيها قديم بين كبار المحدثين كما تقدم، فمن اختار هذا القول أو ذاك فهو مسبوق من قبل سلف صالح من أئمة الحديث المتقدمين، والمطلوب من الباحث المنصف أن يستفرغ وسعه في طلب الحق، وأن يؤيد كلامه بالحجج التي بانت له وأن يجيب عن الاعتراضات الواردة، وهو في ذلك بين أجر وأجرين.
والله أعلم.

السؤال 24 : قال الإمام مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير. حدثنا أبو خالد (يعني الأحمر) عن حسين المعلم. ح قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم (واللفظ له) قال: أخبرنا عيسى بن يونس. حدثنا حسين المعلم عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله يستفتح الصلاة، بالتكبير. والقراءة، بالحمد لله رب العالمين. وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه. ولكن بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما. وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا. وكان يقول، في كل ركعتين، التحية. وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى. وكان ينهى عن عقبة الشيطان. وينهى أن يفرش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وكان يختم الصلاة بالتسليم.
و هذا الحديث مما أشكل كثيراً، فهلا بينتم وجه تصحيح الإمام مسلم له؟
والشيخ الألباني قوّى الحديث بمجموع طرقه في "مشكاة المصابيح"، و أورد له طريقاً من "كتاب الصلاة" لجعفر الفريابي، و فيها أن أبا الجوزاء أرسل رسولاً إلى عائشة. فما رأيكم.

الجواب:
وجه الإشكال في هذا الإسناد أنّ أبا الجوزاء لم يثبت سماعه من عائشة مع تحقق الإدارك والمعاصرة، وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إن هذا الإسناد على شرط مسلم الذي قرره في مقدمة صحيحه لما تقدم من أنّ أبا الجوزاء أدرك عائشة وعاصرها، وهذا التوجيه تبناه رشيد الدين العطار في كتابه القيم :«غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة » حيث يقول :« وإدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة tا، معلوم لا يختلف فيه وسماعه منها جائز ممكن، لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم رحمه الله، كما نص عليه في مقدمة كتابه الصحيح، إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي، لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً، فحينئذ يكون الحديث مرسلاً والله أعلم »
ولكن يشكل على هذا التوجيه ما أخرجه جعفر الفريابي في كتاب «الصلاة» قال:حدثنا مزاحم بن سعيد حدثنا ابن المبارك حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثنا بديل العقيلي عن أبي الجوزاء قال: أرسلت رسولا إلى عائشة يسألها فذكر الحديث
قال رشيد الدين العطار :« وهذا الحديث مخرج في كتاب الصلاة، لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، وهو أمام من أئمة أهل النقل، ثقة مشهور، وإسناده جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعناً، وقول أبي الجوزاء في أرسلت إلى عائشة، يؤيد ما ذكره ابن عبدالبر ».
وقول ابن عبد البر الذي أشار إليه العطار ذكره العطار بنصه في أول كلامه- فقال :« حديث أخرج مسلم رحمه الله في كتاب الصلاة، حديث أبي الجوزاء الربعي عن عائشة ...وأورده أبو عمر بن عبد البر النمري الحافظ في تمهيده، في ترجمة العلاء بن عبدالرحمن، وقال عقيبه ما هذا نصه: اسم أبي الجوزاء أوس بن عبدالله الربعي، لم يسمع من عائشة، وحديثه عنها مرسل، وأورده أيضاً في كتابه المسمى بالإنصاف، وقال عقيبه: رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم، لا يختلف في ذلك، إلا أنهم يقولون، أن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة. وحديثه عنها إرسال » انظر:التمهيد (20/205).
قال ابن حجر :« فهذا ظاهره أنه لم يشافهها لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء والله أعلم ».
والذي يظهر لي في الجواب عن إخراج مسلم لهذا الحديث أن هناك عددا من القرائن جعلت الإمام مسلم بن الحجاج يتساهل في إخراج الحديث من جهتين:
-الأولى:أنّ أبا الجوزاء مع ثقته وجلالته - فهو من كبار العلماء - ومعاصرته لعائشة أرسل رسولا يثق به وبنقله ولولا ذلك لم يقبل خبره ولم يرسله أصلاً، ومعلوم قلة الكذب في التابعين، فمثل هذا مما يتساهل فيه، مع القرينة الثانية وهي:
-أنّ المتن معروف وله شواهد عديدة تدل على معناه وقد ذكر بعضها محقق كتاب «غرر الفوائد المجموعة» الأستاذ: صلاح الأمين، وذكر أيضا متابعة عبد الله بن شقيق لأبي الجوزاء التي أخرجها البيهقي في السنن الكبرى.


السؤال 25 : من هم المحدثون في ديار نجد رعاها الله في الأزمنة المتأخرة من عهد دعوة الشيخ والإخوان وهل تذكر أن أحد جمعهم وترجم لهم؟
الجواب:
لا أعلم أحداً جمع المحدثين في ديار نجد من عهد دعوة الشيخ، وفي الحقيقة الموضوع جدير بذلك، فالصبغة الحديثية بينه على كلام علماء نجد من عهد دعوة الشيخ سواء في الكلام على الأسانيد أو المتون، وفي رأيي أنّ اشتغالهم بتقرير عقيدة التوحيد والدعوة إليها والذب عنها كان له أثر كبير في عدم التأليف في الحديث وعلومه والتوسع في ذلك-وإن كان لهم بعض المؤلفات اليسيرة-، ولا شك أنّ العناية بجانب التوحيد عند التزاحم أولى كما لا يخفى.
ومن أبرز المحدثين من أئمة الدعوة الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ، وهناك رسالة علمية للباحث رياض بن عبد المحسن بعنوان :«جهود الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في علم الحديث » ولازال الطالب-وفقه الله- يعمل في الرسالة.
__________________
.
  #5  
قديم 08-08-05, 11:42 PM
خليل بن محمد خليل بن محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
المشاركات: 2,825
افتراضي

السؤال26: ما رأيك في مطبوع إتحاف المهرة وكيف يستفيد منه طالب العلم؟

الجواب:
كتاب «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة » للحافظ ابن حجر من أنفع الكتب لطالب العلم وخاصة المحدث، وقد حوى هذا الكتاب أطراف أحاديث أحد عشر كتابا من كتب الحديث، وبعض هذه الكتب المطبوعة إمّا ناقصة أو مفقود بعضها مثل مسند أبي عوانة، وصحيح ابن خزيمة فمن فوائد كتاب «إتحاف المهرة» جبر هذا النقص، وكذلك الكتاب مليء بتعقبات ابن حجر على أصحاب الكتب وبيان علل الأحاديث والكلام على الرواة، وقد يسر الله ليّ فقمت بقراءة الكتاب كاملا-المطبوع منه- واستخرجت ما مرّ علي من فوائد نفيسة ونكت بديعة، وقد اقترحت على بعض الطلاب موضوعا مناسبا لرسالة علمية بعنوان «تعقبات ابن حجر في إتحاف المهرة على مستدرك الحاكم» وقد قام الباحث بجمع هذه التعقبات فبلغت قرابة السبعمائة.
والنسخة المطبوعة من الإتحاف لا تخلو من تصحيف وتحريف مثل بقية الكتب، وبالنظر لضخامة الكتاب وكثرة الأسانيد وتشعبها نجد أنّ هذه التصحيفات والتحريفات ليست بكثيرة تشوه الكتاب وتمنع من الثقة به، ولزميلنا الفاضل الدكتور: ماهر الفحل عناية بجمع هذه التصحيفات والتحريفات نبه عليها في هذا الملتقى الطيب المبارك فجزاه الله خيرا ونفع به وبارك في جهوده.
وعلى كل حال لا ينبغي لطالب العلم أن تخلو مكتبته من كتاب «إتحاف المهرة » لابن حجر، وكتاب« تحفة الأشراف» للمزي.


السؤال27 :للشيخ ناصر الفهد كتاب بعنوان [الجرح والتعديل عند ابن حزم] هل اطلعتم عليه، وما مدى الاستفادة منه.
الجواب:
كتاب [الجرح والتعديل عند ابن حزم] للشيخ: ناصر الفهد كتاب نافع مفيد جمع فيه المؤلف أحكام ابن حزم على أكثر من 1300 راو، وقدم للكتاب بمقدمة قصيرة وجيدة عن منهج ابن حزم الحديثي فجزاه الله خيرا ونفع به.
وابن حزم كغيره من العلماء له وعليه، غير أنه يتنبه أنَّ لابنِ حزم في باب " علل الحديث" منهجاً يخالف أئمة الحديث ونقاده، ويوافق مشربه- رحمه الله-، بينه في كتابه " الإحكام في أصول الأحكام"، قال ابنُ القيم:((وأما تصحيح أبي محمد بن حزم له فما أجدره بظاهريته، وعدم التفاته إلى العلل والقرائن التي تمنع ثبوت الحديث بتصحيح مثل هذا الحديث، وما هو دونه في الشذوذ والنكارة، فتصحيحه للأحاديث المعلولة وإنكاره لنقلتها نظير إنكاره للمعاني والمناسبات والأقيسة التي يستوي فيها الأصل والفرع من كل وجه والرجل يصحح ما أجمع أهل الحديث على ضعفه، وهذا بيّن في كتبه لمن تأمله)) الفروسية (246) ، وقد صرّح ابن حزم ببعض هذه الأقوال في كتابه " الإحكام في أصول الأحكام" (2/90، 149)،
وكلام ابن القيم -على قصره- بيّن منهج ابن حزم في علل الحديث: فهو لا يلتفت إليها ألبتة فهو يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ولا يرى التفرد علة أصلاً بدون تفصيل، ويرى أنَّ الحديث الضعيف لا يتقوى بالضعيف ألبتة بدون تفصيل، وأي حديث رواه ثقة -أي ثقة-فهو في غاية الصحة، وأي حديث رواه ضعيف -أي ضعيف- فهو في غاية السقوط!!.
وقال الذهبيُّ:((ولي أنا مَيْلٌ إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنتُ لا أُوافقه في كثيرٍ مما يقولهُ في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غيرِ ما مسألة، ولكن لا أكفّره ولا أضللُه، وأرجو له العفوَ والمسامحة وللمسلمين. وأخضعُ لفرط ذكائهِِ وسعة علومه)). سير أعلام النبلاء (18/201).
ويتنبه لتشدد ابن حزم في توثيق الرواة، وكذلك تسرعه في تجهيل الرواة.

السؤال28 :أسأل عن معنى قول الشافعى رحمه الله فى الرسالة :«ويكون إذا شرك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه ووجد حديثه أنقص، كانت في هذه دلائل على صحَّة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضرَّ بحديثه حتَّى لا يسع أحداً منهم قبول مرسله »، وما رأيه فى قبول زيادة الثقة؟
الجواب:
وضع الإمام الشافعيُّ شروطا لقبول المرسل، شروطا في المُرسِل، وشروطا في الخبر الذي يرسله، ومن الشروط التي وضعها في المُرسِل الشرط الثالث الذي وقع السؤال عنه وهو قوله:« ويكون إذا شرك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه ووجد حديثه أنقص، كانت في هذه دلائل على صحَّة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضرَّ بحديثه حتَّى لا يسع أحداً منهم قبول مرسله ».
فمضمون شرط الشافعي هذا أنّ من علامةِ المتقنين عند المخالفة نقصان الرواية قَالَ العلائيّ:((الأمر السادس: أنْ ينظرَ إلى هذا الذي أرسلَ الحَدِيث فإنْ كَانَ إذا شرك غيره من الحفاظ في حَدِيث وافقه فيه ولم يخالفه دلّ ذلك على حفظه، وإن كَانَ يخالف غيره من الحفاظ فإن كانت المخالفة بالنقصان إما بنقصان شيء من متنه أو بنقصان رفعه أو بإرساله كَانَ في هذا دليل على حفظه وتحريه كما كَانَ يفعله الإمام مالك رحمه الله كثيرا، قَالَ الشافعي رحمه الله: النّاس إذا شكوا في الحَدِيث ارتفعوا، ومالك إذا شك فيه انخفض. يشير إلى هذا المعنى، وإن كانت المخالفة للحفاظ بالزيادة عليهم فإنها تقتضي التوقف في حديثه، والاعتبار عليه بالمتابعة أو الشاهد...)) إلى آخر ما حرره العلائي في كتابه جامع التحصيل فليراجع.
وَقَالَ ابنُ رَجَب:((ورخص طائفةٌ في النقص في الحَدِيث للشك فيه دون الزيادة، منهم مجاهد وابن سيرين، وروى أيضا عَنْ مالك أنه كَانَ يترك منه كل ما شك فيه)) شرح علل الترمذي (1/430).
وَقَالَ الذهبي -تعليقاً على قول ابن عدي أنَّ ثقات البغداديين "يرفعون الموقوف، ويصلون المرسل، ويزيدون في الإسناد"-:((قلتُ: بئستْ الخصال هذه!، وبمثلها ينحط الثقة عَنْ رتبه الإحتجاج به، فلو وَقَفَ المُحَدّث المرفوعَ أو أرسلَ المتصل لَسَاغَ لَهُ كَمَا قِيلَ: أنقصْ مِنْ الحَدِيث ولا تزدْ فيه)) سير أعلام النبلاء (13/513).
وأما رأيه في زيادة الثقة فيؤخذ من كلام الشافعي السابق أن الزيادة ليست مقبولة من الثقة مطلقا كما يقوله كثير من المتأخرين، بل حسب القرائن والمرجحات كما هو مذهب كبار أئمة الحديث، وقد ذكر ذلك العلائي في كتابه المذكور.

السؤال29 :الخطيب البغدادي هل يعتمد على توثيقة إذا ما كان هناك قول ثاني وهل هو متساهل أم معتدل؟
الجواب:
نعم يعتمد على الخطيب البغدادي في الجرح والتعديل وينظر في أقواله كما ينظر في أقوال بقية النقاد من حيث الموافقة والمخالفة، وقد ذكره الذهبي في رسالته :«ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل» وأقواله في البغداديين لها مزية على غيره، و كذلك أقواله في طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه، والغالب عليه الاعتدال.

السؤال30 :رأيك حرب بن ميمون: أبو الخطاب الأكبر، أولعله ميمون بن حرب.
الجواب:
الذي يظهر لي أنّ التحقيق أنهما اثنان:
الأوّل: حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري وهو حرب الأكبر وهو ثقة.
الثاني: حرب بن ميمون، صاحب الأغمية وهو ضعيف.
قال الفلاس وغيره :حرب بن ميمون الأصغر ضعيف الحديث، وحرب بن ميمون الأكبر ثقة.
قال الذهبيُّ :« وقد جعلهما واحداً أبو عبد الله البخاري ومسلم والذي لا شك فيه ولا مرية أنهما رجلاً ن، قال عبد الغني الأزدي: هذا مما وهم فيه البخاري ».

السؤال31 : في موضوعك عن أحاديث الربا تكلمت عن أن أحمد يعل الأحاديث في مسنده إذا روى بعدها طريق موقوفه فأحب وفقك ربي تعطيني أمثلة متعددة ودراسة للموضوع وهل فيه كلام للعلماء في نفس الموضوع؟
الجواب:
نعم الإمام أحمد بن حنبل في مسنده يشير إلى إعلال بعض الأخبار، وليس ذلك بمنهج مطرد له، إنما هي كما عبرت إشارات، وقد جمعها بعض الباحثين فلم تتجاوز العشرين، وقد أشار إلى ذلك المعلمي في الفوائد المجموعة.

السؤال32 : ما رأيك في المطبوع من تاريخ الفسوي المعرفة والتاريخ؟
الجواب:
تاريخ الفسوي «المعرفة والتاريخ» بتحقيق أكرم العمري كتاب قيم –على النقص الذي فيه- ، والمحقق بذل جهدا طيبا في العناية بالكتاب وفهرسته، والله أعلم.

السؤال33 :
- بعض رواة السؤالات عن العلماء الأئمة تُكُلِّم فيهم، كمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وكهاشم بن مرثد الطبراني أبي سعيد. فهل يؤخذ بنقلهم؟

الجواب:
الأصل في مثل من هذه حاله أن يقبل قوله في هذه النقول ما لم يكن في النقل ريبة تدل على وهم أو خطأ.
__________________
.
  #6  
قديم 11-08-05, 06:55 PM
خليل بن محمد خليل بن محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
المشاركات: 2,825
افتراضي

السؤال:
هل لك أن تحدثنا عن بعض الجوانب التي عرفتها عن الشيخ عبدالله السعد حفظه الله؟

الجواب:
أما ما يتعلق بشيخنا المحدث أبي عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن السعد فقد كتبتُ مع بعض الزملاء المقربين من الشيخ ترجمة موسعة عن الشيخ تحدثنا فيها عن سيرته الذاتية والعلمية والعملية، وسوف تطبع هذه الترجمة في مقدمة سلسلة آثار الشيخ عبد الله السعد-إن شاء الله تعالى-.
ولعلي أذكر هنا ما لم يذكر في الترجمة الآنفة الذكر، وقبل ذلك أنبه على أمور:
الأوَّل: أنَّ شيخنا-حفظه الله وبارك في عمره- كاره للترجمة له ولكن مع إلحاح بعض المحبين وبيان أن الترجمة لن تحمل غلوا ولا إطراء، بل يذكر فيها ما يفيد طالب العلم علما وعملاً على غرار منهج المحدثين في التراجم والسير استجاب الشيخ جزاه الله خيرا فكُتبت الترجمة السابقة بالشرط المذكور.
الثاني:أنّ ما أذكره هنا عن شيخنا هو نتاج معرفتي بالشيخ وصحبتي له منذ صغري، لازمته فيها أوقاتا طويلة سفرا وحضرا، وربما نقلت بعض أخبار الشيخ عن زملائي المقربين من الشيخ مثل الشيخ:سامي بن محمد بن جاد الله-المشرف على دار المحدث- وغيره.
الثالث: أني لن أذكر التفصيلات العلمية واختيارات الشيخ فليس هذا موضع ذكرها، ثمَّ هي مبثوثة في هذا الملتقى الطيب المبارك «ملتقى أهل الحديث»، والمقصود هنا ذكر منهج الشيخ العام وأصول هذا المنهج حسب ما تبين لي.
وقد رأيتُ أن يكون الكلام عن شيخنا من خلال محورين:
الأوَّل: لمحات من منهج الشيخ العلمي.
الثاني: لمحات من منهج الشيخ العملي.
الأوَّل: لمحات من منهج الشيخ العلمي
من منهج الشيخ:
- « ربط طالب العلم بالمصادر الأصلية في كل فن »:
من ذلك أن شيخنا يعتني كثيرا بالمصادر الأصلية في كل فن، ومنه علم الحديث وفروعه، فقد ربى طلابه على ذلك من البداية مما جعل عندهم معرفة كبيرة بكتب المتقدمين وكيفية التعامل معها، والحرص على تحصيلها، وفهم ألفاظ مؤلفيها ومصطلحاتهم ، ومن هذه الكتب: كتاب «العلل» لعلي بن المديني، وكتب ابن معين، وأحمد، والبخاري، ومسلم وغيرهم كثير.
وهذه العناية جعلت بعض الناس يظن أنّ الشيخ لا يعبأ بكتب الأئمة المتأخرين، وهذا خطأ كبير على الشيخ، فالشيخ يحث على الاستفادة من هذه وتلك، ولكنه ينزل كلاً منزلته.
وقد صرّح الشيخ بهذا المعنى فقال في كلامٍ له :« ولا يظن أنني عندما أدعوا إلى السير على طريقة الأئمة المتقدمين في علم أصول الحديث أنني أدعوا إلى عدم الأخذ بكلام من تأخر من أهل العلم والاستفادة منهم ، هذا لم أقل به ولا يقول به عاقل ، ومع الأسف ظن بعض الإخوان هذا ، ثم عندما ظن هذا الظن السئ وتخيل بعقله هذا الرأي الفاسد أخذ يرد بسذاجة واضحة على هذا القول حتى إنه عندما أراد أن يؤيد رأيه ضرب مثلاً بأبي الفداء ابن كثير وأتى بمثال يبين فيه أن ابن كثير يستطيع أن ينقد الأخبار ويبين العلل التي تقدح في صحه الحديث . فيا سبحان الله ! هل هذا الإمام الجليل ، والحافظ الكبير يحتاج إلأى أن تأتي بمثال حتى يشهد له بالعلم بالحديث ومؤلفاته كلها تشهد بعلو كعبه في هذا العلم وتمكنه من صناعة الحديث حتى كأن السنة بين عينيه ، حتى أن طالب العلم ليعجب من هذا العالم الجليل عندما يسوق الأخبار من كتب الحديث بأسانيدها ثم يؤلف بينها ويتشبه في هذا بمسلم ابن الحجاج وأبي عبد الرحمن النسائي هذا مع الكلام على أسانيدها ونقد متونها وهو رحمه الله تعالى من البارعين في نقد المتون ، حتى أنه عندما يتكلم في باب من أبواب العلم يغنيك عن الرجوع إلى كتب كثير كما فعل عندما ساق حجة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم منذ خروجه من المدينة إلأى مكة إلى رجوعه ، ويأخذك العجب من استحضاره وقوة علمه وجلالة فضله ، وهذا جزء يسير من كتابه النفيس ( البداية والنهاية ) الذي ذكر فيه بدء الخليفة إلى قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى زمنه يسزق النصوص من كتاب الله ومن السنة النبوية ومما جاء من الصحابة والتابعين وهلم جرا . وتفسيره النفيس الذي أتى فيه بالعجب وفسر فيه القرآن بالقرآن ، وبالسنة والآثار التي جاءت عن الصحابة والتابعين . فمن أنكر علم هذا الفاضل إما أن يكون إنساناً غاية في البلادة أو ممن أعمى الله بصره وبصيرته ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » انتهى كلام الشيخ
والشيخ كذلك إنما ينتقد من يغرق في المباحث النظرية ويغرق معه طلابه في أمور لا ثمرة لها إنما هي مباحث انتقلت إلى علم الحديث من كتب الأصوليين الذين يولعون بالحدود والتعريفات الجامعة المانعة، وقد شرح الشيخُ عددا من كتب علوم الحديث المتأخرة مثل كتاب «الاقتراح» لابن دقيق العيد، وكتاب «الموقظة » للذهبي، وكتاب «شرح علل الترمذي » لابن رجب، وكتاب «نخبة الفكر» لابن حجر.
- « العناية بالتطبيق العملي مع النظري »:
من ذلك أن الشيخ يوصي دائما بدراسة علم الحديث من خلال دراسة موطأ الإمام مالك بن أنس، فيعرف بحال الإسناد والمتن والمصطلحات التي تدور عليهما، وسبب اختيار الشيخ للموطأ قلة رجاله من جهة وثقتهم من جهة أخرى، وكذلك غالب رجال الموطأ ممن يدور عليهم الاسناد مما ينمي في طالب العلم مهارة معرفة مخارج الأسانيد وعلل الأخبار..وغير ذلك من الفوائد.
ومن تطبيقات هذا الجانب أني مع بعض الزملاء نقرأ على الشيخ كتاب «تهذيب التهذيب» ترجمة ترجمة قراءة مدارسة وتحقيق وبحث فنقرأ الترجمة أولا ثم نتوسع في النظر في كتب الرجال المتقدمة والمتأخرة ، وربما تتبعنا أحاديث الراوي التي استنكرت عليه مما ذكره العقيلي أو ابن عدي و غيرهما، ثم بعد بحث واسع يملي الشيخ خلاصة الكلام على ذلك الراوي.

- « العناية بالتقسيمات والتقعيد من غير تكلف»:
من تأمل منهج الشيخ رأى عنايته بالتقسيمات والتقعيد سواء في علم العقيدة أو الحديث أو الفقه، وللشيخ دروس عديدة في تقعيد علم علل الحديث، وعلم الرجال، وغير ذلك مما هو مبثوث في دروس الشيخ ومحاضراته.
- « تنمية ملكة الاستقراء والتتبع»:
الشيخ كثيرا ما ينصح بتتبع أحاديث الرواة والتأكد من سلامتها، ويطبق ذلك عمليا كما هو بين في كتابات الشيخ ودروسه، وكذلك يطلب أحيانا من بعض طلابه تتبع ألفاظ بعض الأئمة ومصطلحاتهم، وكان لهذا أكبر الأثر في تعليم هؤلاء الطلاب وتمرينهم.
- « استفادة الشيخ من تحريرات الحافظ ابن رجب والعلامة المعلمي»:
كثيرا ما يحث الشيخ على الاستفادة من كتب الحافظ ابن رجب خاصة كتابه «شرح علل الترمذي» والعلامة المعلمي خاصة كتابه «التنكيل ».
- « العناية بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكتب أئمة الدعوة »:
كثيرا ما يوصي الشيخ طلاب العلم بقراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكتب أئمة الدعوة، خاصة لمن أراد معرفة العقيدة الصحيحة وما يناقضها.
- « البدء بالأهم فالمهم، وترتيب الأولويات، وعدم الاشتغال بالوسيلة عن الغاية »:
ينبه الشيخ على هذه المسألة في كثير من دروسه، ويبين أنّ الاسناد وسيلة فلا ينبغي أن يشتغل به عن الغاية وهي معرفة الصحيح من الضعيف، والتفقه في النصوص والاستنباط منها.
وكثيرا ما نبه الشيخ طلاب العلم على الاهتمام بالعقيدة وتعلمها والعناية بذلك، وإنزال المسائل العلمية منزلتها بدون إفراط ولا تفريط.
- « قوة حفظ الشيخ وسرعة استحضاره للنصوص والشواهد »:
وأذكر أني عدة مرات أراجع بعض الأحاديث وأطيل البحث فيها وعللها ثم أخرج بخلاصة معينة عن هذا الحديث وربما تكون هذه الخلاصة عندي دقيقة و ما إنْ ألقى شيخنا وأذكر له الحديث إلاّ ويقول –بعفوية ودون تكلف- الراجح في هذا الحديث كذا وكذا؟؟! نفس الخلاصة التي خرجت بها بعد بحث طويل!.
وهذا الموقف لم يقع مرة ولا مرتين ولا ثلاثا...بل أكثر من ذلك! ، وأكاد أجزم أنّ كثيرا من الأخوان ممن يعرف الشيخ وقع لهم مثل ذلك..ربما مرات..ودروس الشيخ المسجلة تدل على ذلك.
- « محبة الشيخ للتعليم وإلقاء الدروس وانصرافه عن التأليف»:
شيخنا عنده جلد كبير في تعليم الناس وإلقاء الدروس والكلمات والمحاضرات بل لا يكاد يمر عليه يوم إلاّ وله درس أو كلمة أو محاضرة أو لقاء علمي، وقد بلغت دروس الشيخ المسجلة قرابة (600) ساعة-علما أن كثيرا من الدروس لم تسجل-، والكتب التي شرحها كثيرة جدا ومتنوعة في جميع الفنون، وقد ذكرنا الكتب التي شرحها الشيخ بتوسع في الترجمة المفردة للشيخ-يسر الله نشرها-.
وهذا من أسباب عدم تأليف الشيخ علما أنَّ للشيخ بعض الكتابات القليلة مثل: «رسالة في حديث جابر في الجمع بين أدعية الاستفتاح»، «رسالة في تضعيف حديث أبي هريرة:إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير»-وكلاهما لم يطبع بعد-، وقد قدم الشيخ لأكثر من عشرين كتابا وقد جمعت هذه المقدمات وسوف تطبع قريبا-إن شاء الله تعالى-.
- «تنوع معارف الشيخ العلمية»:
فالشيخ له مشاركات جيدة في جميع الفنون وخاصة الأنساب القديمة والمعاصرة، ومن جالس الشيخ بان له ذلك.
- «العناية بالدليل من الكتاب والسنة، ودقة الاستنباط منهما» :
قلما يورد الشيخ مسألة إلاّ ويعتني بذكر دليلها من الكتاب والسنة ويبين وجه الدلالة.
- «مجالس الشيخ مجالس علم وذكر لا يتطرق فيها للدنيا إلاّ نادرا» :
قلما تخلو مجالس الشيخ من قراءة وذكر وفائدة، فالشيخ في سفره وحضره لا بدّ من مصاحبة كتب تقرأ عليه، وقد سافرتُ مع الشيخ مرات عديدة وفي جميع هذه الأسفار كنا نقرأ ونبحث ونراجع وربما أخذنا معنا حاسوبا ليسهل لنا عملية البحث والمراجعة وتحرير المسائل.

المحور الثاني: لمحات من منهج الشيخ العملي
وقد عرفتُ عن الشيخ في هذا المحور أمورا منها:
- « قيام الليل »:
من خلال ملازمتي للشيخ سفرا وحضرا لم أره ترك قيام الليل، ولذا كان شيخنا يحب الانفراد في مكان خاص في السفر فإذا كنا في منزل فالشيخ يحب أن يكون في غرفة خاصة لا يراه أحدٌ، وإذا كنا في مخيم فهو يحب أن يكون في خيمة منعزلة، يَعرفُ هذا من سيرة الشيخ من سافر معه.
ولا يخفى أهمية قيام الليل وفضله، ونصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة، فينبغي لطالب العالم العمل بالعلم وقيام ما تيسر من الليل.
قَالَ ابنُ مفلح:«باتَ عند الإمام أحمد رجلٌ فَوَضع عنده ماء، قالَ الرجلُ: فلم أقمْ بالليل، ولم أستعمل الماء، فلمَّا أصبحتُ قال لي: لِمَ لا تستعمل الماء؟ فاستحييتُ وسكتُ، فقالَ: سبحان الله! سبحان الله! ما سمعتَ بصاحب حديثٍ لا يقوم بالليل.وجرت هذه القصة معه لرجلٍ آخر فقال: أنا مسافر، قالَ: وإن كنت مسافراً حَجَّ مسروقٌ فما نام إلاّ ساجداً، قال الشيخ تقيّ الدين: فيه أنه يكره لأهل العلم ترك قيام الليل، وإن كانوا مسافرين» الآداب الشرعية (2/169)..
ومن لطائف ما مرّ علىّ في هذا قول إبراهيم بن محمد بن رزق : لما ولي حفص بن غياث القضاء بالكوفة قال لهم أبو يوسف: اكسروا دفترا لتكتبوا فيه نوادر قضاياه فمرت قضاياه وأحكامه كالقدح، فقالوا لأبي يوسف: أما ترى؟! قال: ما أصنع بقيام الليل!! - يريد أن الله وفقه بصلاة الليل في الحكم. تاريخ بغداد )8/194)
- « كثرة الحج » :
الشيخ ملازمٌ للحج منذ أن عرفته ، ولم أره ترك الحج إلاّ نادرا ولظرف شديد، ومن سيرته في ذلك:
- أنه يحج مع خواص تلاميذه في الغالب أمثال: الشيخ خالد السويح-وله مكانة خاصة عند الشيخ-، والشيخ: عبدالله الدهيشي، والشيخ: عبد المجيد الوهيبي، والشيخ:خالد العقيل، والشيخ:عبد المجيد العجلان، والشيخ:نائل النائل وغيرهم.
-والشيخ لا يحج إلاّ من نفقته الخاصة، ويحرص على التمتع ، فهو يميل إلى وجوب التمتع لمن لم يسق الهدي.
-ومن سيرة الشيخ أنه يذهب قبل يوم التروية بعشرة أيام وذلك من أجل الدعوة إلى الله وبيان عقيدة التوحيد والتحذير من الشرك مستغلا وجود الحجيج وفراغهم كل ذلك محتسبا الأجر والمثوبة من الله.
- « طول الصلاة وحسنها »:
الشيخ - وفقه الله - طويل الصلاة ، نادر الحركة، يحرص على تطبيق جميع السنن الواردة في الصلاة، ومنها جلسة الاستراحة وغيرها، والحق أني إذا رأيتُ صلاة الشيخ تذكرت الإمام شعبة بن الحجاج، الذي قال عنه أبو قَطَن: ما رأيتُ شعبةَ ركع قط إلا ظننت أنه قد نسي ، ولا سَجَدَ إلا ظننت أنه قد نسى. حلية الأولياء (7/145)، تذكرة الحفاظ (1/193).
- « لزوم المسجد عصر الجمعة تحريا لساعة الاستجابة » :
من سنين والشيخ لا يفارق المسجد عصر الجمعة تحريا لساعة الاستجابة، وهو في ذلك بين دعاء، وقراءة قرآن أو مدارسة علم و تصفح كتاب.
- « الاعتكاف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان » :
لا أعلم الشيخ من سنين ترك هذه السنة، ويعتكف معه بعض تلاميذه المقربين، وللشيخ اجتهاد عظيم في هذه العشر فهو بين قراءة قرآن وذكر ودعاء وبكاء.
- « البكاء من خشية الله » :
كثيرا ما رأيتُ الشيخ يبكي في أحوال مختلفة ومناسبات متعددة، في يوم عرفته رأيتُه، وعند ذكر أحوال المسلمين وذلهم وهوانهم وتسلط الأعداء عليهم، وفي المواعظ، وقد حدثني أخي الشيخ خالد السويح أنّ الشيخ رتبت له محاضرة فلما بدأ أحد الأخوة بالتقديم للمحاضرة –وكان هذا الأخ واعظا من الدرجة الأولى-بكلمات فيها تذكير ووعظ بكى الشيخ بكاء شديدا، ولم يلق تلك المحاضرة!.
- « رفع اليدين يوم عرفة من زوال الشمس إلى غروبها » :
وقد حججتُ مع شيخنا مرات عديدة فرأيته يرفع يديه من زوال الشمس إلى غروبها لا ينزل يديه إلاّ إلى ما لا بدَّ منه من شرب ماء أو قضاء حاجة، ولا أعلم أحدا يفعل هذا في هذه الأزمنة، والله أعلم.
وفي حديث أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قال: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فَسَقَطَ خِطَامُهَا فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأُخْرَى.أخرجه النسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وبوَّب عليه بقوله:« باب رفع اليدين في الدعاء عند الوقوف بعرفة وإباحة رفع إحدى اليدين إذا احتاج الراكب إلى حفظ العنان أو الخطام بإحدى اليدين ». صحيح ابن خزيمة (4/258).
وأذكرُ أنَّ سائلا –سائل مال-جاء إلى الشيخ يسأله في يوم عرفة فغضب عليه الشيخ وكاد أن يبكي وهو يقول له: في مثل هذا اليوم ، وهذا المكان تسأل غير الله؟! وأخذ ينصحه ويوجهه، وقد ذكرني هذا الموقف موقفا مشابها لهذا وقع للفضيل بن عياض قال بشر بن الحارث: رأى فضيل بن عياض رجلا يسأل في الموقف فقال له: أفي هذا الموضع تسأل غير الله عز وجل؟!. تاريخ مدينة دمشق (48/401(
- « العناية بتطبيق السنن في كل شيء »:
وعناية الشيخ بتطبيق السنن عظيمة وفي كل شيء: في لباسه، وفي أكله وشربه، وفي مشيه..وغير ذلك.
- « العناية بأخبار المسلمين وتتبعها ومساعدتهم قدر المستطاع » :
للشيخ عناية كبيرة بأخبار المسلمين في أنحاء العالم ، ويحرص على لقي العلماء منهم والسؤال عن أحوالهم وأحوال المسلمين، ويزور الشيخ في منزله كثير من العلماء وطلبة العلم من بلدان شتى.
- « العناية بمجالسة العلماء والاستفادة منهم » :
وقد كان الشيخ يكثر من زيارة العلماء وأذكر أنّ الشيخ كان يكثر من زيارة الشيخ:عبدالرزاق عفيفي رحمه الله، والشيخ:إسماعيل الأنصاري رحمه الله ، والشيخ:عبد الله بن قعود-شفاه الله- وغيرهم.
ولا يزال الشيخ يقرأ على الشيخ: عبدالله بن عقيل في الفقه، والشيخ د.حسن حفظي في اللغة وعلومها.
- « عفة اللسان وعدم الخوض في تصنيف الناس وأعراضهم والنصح في ذلك » :
تقدم أنَّ مجالس الشيخ مجالس علم وذكر لا يتطرق فيها للدنيا إلاّ نادرا، وكذلك لا يسمح الشيخ لأحد أن يتكلم في شخص في غيبته أبدا، وترى الكراهية والغضب في وجه الشيخ إذا فعل أحد ذلك.
وأذكرُ أنَّ شخصا ذكر عند الشيخ مسألةً قالها أحد طلبة العلم، فقال أحد الحاضرين: هذه سمعنا منك يا شيخ قبل أن يُعرف فلان ، فربما استفادها منك، فكره الشيخُ كلامه وقال –ما محصله- إنّ العلم رحم بين أهله، ولا ينبغي لطالب العلم أن يعود نفسه هذه الأخلاق ، فينسب لنفسه المسائل والاختيارات، ويتهم الناس بأنهم سرقوا أفكاره وأقواله ، وذكر أنَّ السلف رضوان الله عليهم يأتون بالمسائل العظيمة والفوائد النفيسة ولا يريدون أن تنسب إليهم خوفا على أنفسهم من الرياء والسمعة فكانوا من ذلك برآء لشدة إخلاصهم ومراقبتهم لربهم في أعمالهم وذكر قول الشافعي المشهور :« وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلى شيء منه أبدا فأوجر عليه ولا يحمدوني »، ثم بين أن القبول من الله وأنّ الله إذا أحب عبدا أوقع حبه في قلوب الناس كما في الحديث المشهور...إلى آخر ما قال الشيخ ، وبين ونصح جزاه الله خيرا.
وكلام الشيخ هذا ذكرني بمقولة جميلة قالها أحد الفضلاء وهي :« إننا نحن (نحتكر) أفكارنا وعقائدنا، ونغضب حين ينتحلها الآخرون لأنفسهم، ونجتهد في توكيد نسبتها إلينا، وعدوان الآخرين عليها ! إننا إنما نصنع ذلك كله، حين لا يكون إيماننا بهذه الأفكار والعقائد كبيراً، حين لا تكون منبثقة من أعماقنا كما لو كانت بغير إرادة منا حين لا تكون هي ذاتها أحب إلينا من ذواتنا ! إن الفرح الصافي هو الثمرة الطبيعية لأن نرى أفكارنا وعقائدنا ملكاً للآخرين، ونحن بعد أحياء. إن مجرد تصورنا لها أنها ستصبح ـ ولو بعد مفارقتنا لوجه الأرض ـ زاداً للآخرين ورياً، ليكفي لأن تفيض قلوبنا بالرضى والسعادة والاطمئنان ! (التجار) وحدهم هم الذين يحرصون على (العلامات التجارية) لبضائعهم كي لا يستغلها الآخرون ويسلبوهم حقهم من الربح، أما المفكرون وأصحاب العقائد فكل سعادتهم في أن يتقاسم الناس أفكارهم وعقائدهم ويؤمنوا بها إلى حد أن ينسبوها لأنفسهم لا إلى أصحابها الأولين ! ».
- « التجول في المدن والقرى للدعوة ونشر الخير ونفع المسلمين »:
وقد خصص الشيخ سيارة خاصة للدعوة ونشر لخير وإلقاء الدروس في المدن والقرى وقد مرّ الشيخ على غالب مدن المملكة للدعوة، وله في كل مدينة تلاميذ ومحبون يتشوقون إلى لقائه والاستفادة منه، والشيخ لم يسافر قط خارج السعودية ؛ لأنه لا يملك جوازا بسبب الصورة.
- « الكرم والبذل على قدر الاستطاعة ».
- « الحرص على المداومة على الأعمال الصالحة ».
- « تواضع الشيخ الجم، وحسن أخلاقه، وسلامة صدره ».

هذه بعض اللمحات العامة والسريعة عن منهج الشيخ العلمي والعلمي مما سنح لي في هذا المقام،ونشطتُ لذكره وبيانه، وهذا «ما عرفته عن شيخي المحدث عبد الله السعد» ولعل الله أن ييسر مقاما أتوسع فيه أكثر ليستفيد طالب العلم من سير العلماء وطلبة العلم المعاصرين ويعرف لهم منزلتهم وقدرهم.
نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يحفظ شيخنا وأن يمد في عمره على عمل صالح، وأن يثبته على دينه، وأن يحفظه من فتنة القول والعمل، وأن يجنبه الحساد والوشاة وأهل الشر والفساد، وأن يصبره على ما أصابه من بلاء لا يكاد يسلم منه داع للحق!، وأن يعظم أجره، وأن يغفر له ولوالديه ولأهله ولجميع المسلمين.
__________________
.
  #7  
قديم 05-09-05, 12:22 AM
بلال خنفر بلال خنفر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-10-03
المشاركات: 2,530
افتراضي إجابات الشيخ الدكتور علي الصياح على سؤالات ملتقى أهل الحديث

إجابات الشيخ الدكتور علي الصياح على سؤالات ملتقى أهل الحديث ... وضعتها على ملف وورد.
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip إجابات الشيخ الدكتور علي الصياح على سؤالات ملتقى أهل الحديث.zip‏ (118.0 كيلوبايت, المشاهدات 379)
موضوع مغلق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:07 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.