ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى السيرة والتاريخ والأنساب

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-09-12, 05:12 PM
ابو ثابت ابو ثابت غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-08-05
الدولة: المدونة http://aldumaiji.blogspot.com/
المشاركات: 142
افتراضي صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية.(الجزء الثاني)"حال الناس قبل التديّن"

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية.
(الجزء الثاني)
"حال الناس قبل التديّن"


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه، وبعد:
"حال الناس في نجد والحجاز قبل التدين"
كان النّاس نجد قد بعامة في جاهليّة, ليست كالجاهليّةِ الأولى في مظاهر الشّرك الأكبر, فَصَوْلَةُ الدّفعة الأولى لدعوة الإمام المجدّد لا يزال لها سلطان وقبول في قلوبهم، وإن كان سَنَاهَا الأبيضُ قد خَبَا, وشُعَاعُهَا المشرق قد خَفَتَ, وصوتُها المُدوي قد ضعف, ومعالمها الواضحة قد بهتت, ومُحَيَّاها الجميل قد شحب .
فنجد - وبخاصة كلما ابتعدنا عن العارض- كان فيها من رسوم الجاهليّة والشرك الأصغر مظاهر ودخان, بيد أنّ الدعوة الإصلاحية لا زالت متجذّرة في أعماق نفوس الناس, رغم الغبار بل والتراب الذّي طمّ الكثير من معالمها, فهي وإن لم تبق ظاهرة عزيزة إلاّ أن مظاهر الشرك الأكبر كالطواف بالقبور, والنذر للأضرحة, والاستغاثة بالموتى, ونحو ذلك لم يكن موجوداً, إنّما هي تمائم, وحروز, وحصىً, وودع, وترميل, وبعض من طقوس الدّجل, وشرك الألفاظ, الّتي لا تُخرجُ من الملّة, وإن كانت من الموبقات المهلكات .
إلّا أن بنجد كاهنةٌ يُقال لها: "دِهْرَة" كانوا يقصدونها من كلّ فج, ويسألونها عن علم الغيب الّذي استأثر الله تعالى به! ( قل لا يعلم من في السّموات والأرض الغيب إلا الله ) (النمل: ٦٥). وهذا يصل في بعض حالاته إلى شرك الربوبية الأكبر، عياذاً بالله تعالى.
وكان عند بعضهم التّشاؤم فيقولون: لا تغزوا يوم الأحد, ونحو ذلك من أمور الجاهليّة, كذلك قد تفشّى عندهم التّحاكم للأعراف القبلية, وسلوم البادية, وكان بينهم قضاة طواغيت وهم ما يسمّون اليوم بالعوارف(١) والعجيب أنّهم مع تسميتهم لهؤلاء بالطّواغيت إلّا أنّ الكثير منهم كان لا يرَضَى إلاّ بحكمهم, خاصّة إن كان الحقّ مع خصمه لأنّه يعلم أنّ طاغوته سيأخذ الرشوة.
أمّا الحجاز وتهامة ففيهما الشّرك الأكبر البواح, والاستغاثة بالموتى وطلب المدد والشّفاعة منهم. وإن كان ليس بعام فيهم، لكنه ظاهر.
فقد كان في "تَبَالة" عند "بيشة" وثنٌ يُعبدُ ويُستغاثُ به من دون الله, وهو "ذو الخَلَصَةِ" - والذي كان يسميه بعضهم بالكعبة اليمانية - الّذي قال فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعدما هدمه جرير البجلي رضي الله عنه وأحرقه: (لن تقوم السّاعة, حتّى تصطكّ أَلَيَات نساء دوس حول ذي الخلصة ) (٢) وذو الخلصة هو طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية, والذي قد هُدِمَ المرّة الثّانية, في عهد الدّولة السعودية الأولى بعد أن اجتالت الشياطين بني آدم, ثمّ بُني وعُبِدَ من دون الله تعالى مَرّةً ثالثةً, حتّى هدمه الإخوان الهدمة الثّالثة, لمّا فتحوا تلك المناطق, بأمر الملك عبدالعزيز آل سعود, الذي كان لا يفتح بلدة إلّا بدأ بتطهيرها من مظاهر الشّرك بالحديد والسّيف, وبواطنها بالتّعليم والدّعوة والنّصح .
وفي الطّائف, كان كثير من النّاس يستغيثون بابن عبّاس رضي الله عنهما, وقد وضعوا على قبره قبّةً عظيمةً, وبناءً مثل النّجْرِ, له ساق ضخمة . وحينما تضجّر أحد الموحدين من هذا الشرك وأنكره عند أحد علماء السّوء في الطّائف وقال: إنّ النّاس في الطّائف لا يكادون يدعون الله إنما يدعون ابن عبّاس! فقال ذلك العالم الفاجر: يكفيهم ابن عبّاس إذا دعوه فإنه سيشفع لهم عند الله!. وما علِم – قاتله الله – أنّ هذا عين دين أبي جهل وأبي لهب وإرثهم الشيطاني: ( ألا لله الدّين الخالص والذين اتّخذوا من دونه ألياء ما نعبدهم إلّا ليقربونا إلى الله زلفى إنّ الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون إنّ الله لا يهدي من هو كاذب كفّار )(الزمر: ٣).
وفي مكّة - شرفها الله وحرسها - صيّر الجهّالُ قبوراً كثيرة أوثاناً تُعبدُ من دون الله تعالى.
قال الشّيخ صالح الفريج(٣)- حفظه الله تعالى -: حدثني محمد بن عيفان(٤)رحمه الله قال: كان في المعلاة في ريع الحجون, قبّةٌ ضخمةٌ فوق قبر أمّنا خديجة رضي الله عنها, ويفعلون عنده العظائم, من الشّرك الذي تكاد السّماوات يتفطّرن منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً, فيأتي بعض النّاس إلى القبر ويهتفون بألسنة ذلقة: كُلُّ يومٍ لك يا الله, إلّا اليوم يومك يا خديجة! عياذاً بالله تعالى . ( ألا لله الدّين الخالص ) (الزمر: ٣) وقد هدم تلك القبّة منصور بن غالب الشريف, وناصر الحارث الشريف حينما دخل الإخوان مكة. "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولاينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لايعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون" (يونس: ١٨) وفي مسلم: "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته".
قال الشّيخ محمّد بن عثمان الشّاوي -وهو من قضاة الإخوان وممّن دخلوا معهم مكة المكرمة سنة ( 1343)- قال في كتابه (القول الأسدّ): " وبعد أن فرغنا من أعمال العمرة, وبادرنا إلى هدم القباب, وجدنا على قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها الفظائع, من ذلك أنّا وجدنا رقاعاً قد كُتب فيها: يا خديجة يا أمّ المؤمنين جئناك زائرين, وعلى بابك واقفين, فلا تردينا خائبين! فاشفعي لنا إلى محمد, يشفع لنا إلى جبريل, ويشفع لنا جبريل عند الله! . ووجدنا عندها كبشاً, قد جاء به صاحبه ليقرّبه إليها ..... ووجدنا عند باب القبّة عجوزاً شوهاء من سدنتها, وقد حدّثني غير واحد أنّهم سألوها: مالك؟ فقالت: هي خادمة لسيدتها المتصرفة في الكون! منذ سنين، وهي لا تصوم ولا تصلّي ويتمسّح بها الزوّار تبرّكاً وتعظيماً . وعند القبّة من الشّمع والسّرج والآلات ما لا يحصى, وعندها من أنواع الطّيب مالم نجد مثله عند البيت الحرام, والحجر الأسود, وأمثال هذا كثير معلوم, فلهذا استعنّا بالله على إزالة تلك القباب ..... أمّا ما هناك من الأبنية والقباب ونحوها فشيء لا يعدّه عادّ .....".
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدِّينَ تَوْحِيْدُ رَبِّنَا
فَوَحِّدْ وَكُنْ دَوْمَاً حَنِيْفاً وَدَاعِيَا
و"جَُِدّة" ليست بمعزل عن هذا الشرك, ففيها على سبيل المثال, القبر المزعوم لأمّنا حواء رحمها الله تعالى ورضي عنها, بالمقبرة القديمة, يعبدونه من دون الله, ويطلبون منه المدد والشفاعة! . (ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) (الحج: ٣١).
وهذا زمان الصبر من لك باللتي
كقبض على جمر فتجو من البلاء
ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت
سحائبها بالدمع ديماً وهطّـلاً
ولكنها عن قسوة القلب قحطها
فيا ضيعة الأعمار راحت سبهللاً
أمّا معقل التّوحيد والإسلام, ومأرز السنّة والإيمان, مدينة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم, فيكفيك أن تشاهد الصّور القديمة, الّتي كان عليها حال مقبرة البقيع, قبل دخول الإخوان لترى القباب العالية, والقبور التي تضاهي الكعبة في التعظيمِ والسّتورِ والسّدنةِ والطوافِ .
وأمّا الحجرة النبوية, على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام, فحدّث ولا حرج عن هدم الدين, وإماتة التّوحيد, وإطفاء الإيمان, وإحراق الملّة عندها من كثير من العامّة والخاصّة, ولمّا فتح الموحدون خزانة الحجرة النبوية, وجدوا فيها كثيراً من الخرق والاستغاثات المكتوبة، ومنها خرقة قد كتبها أحد سلاطين بني عثمان, وهو السّلطان سليم, مضمونها: يا رسول الله أنصر عبادك!. تعالى الله المجيد عن كلّ تنديد من مشرك ضالّ عنيد .
وَالدِّينُ رَأسُ المَالِ فَاسْتَمْسِكْ بِهِ
فَضَيَـاعُهُ مِنْ أَعْظَـمِ الخُسْرَانِ
وفي رسالة من الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود _جد ملوك السعودية حالياً_ إلى سليمان باشا:"...وقد رأينا لمّا فتحنا الحجرة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام اثنين وعشرين, رسالة لسلطانكم سليم أرسلها ابن عمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث به ويدعوه...وأولها: من عبيدك السلطان سليم, وبعد: يارسول الله! قد نالنا الضر, ونزل بنا المكروه, مالا نقدر على دفعه, واستولى عباد الصلبان على عباد الرحمن, نسألك النصر عليهم والعون عليهم وأن تكسرهم عنا.....وإن كان هذا حال خاصتكم فما الظن بفعل عامتكم, وقد رأينا من جنس كلام سلطانكم كتباً كثيرة في الحجرة للعامة والخاصة, فيها من سؤال الحاجات وتفريج الكربات ما لا نقدر على ضبطه...._ثم بيّن له التوحيد والشرك وختم رسالته بقوله:_ فإن فعلتم ذلك فأنتم إخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا, ويحرم علينا دماؤكم وأموالكم, وأما إن دمتم على حالكم هذه ولم تتوبوا من الشرك الذي أنتم عليه, وتلتزموا دين الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم, وتتركوا الشرك والبدع والمحدثات لم نزل نقاتلكم حتى تراجعوا دين الله القويم, وتسلكوا صراطه المستقيم, كما أمرنا الله بذلك حيث قال: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (الأنفال: 39) وقال تعالى: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم" (التوبة: 5) (5).
أمّا الحكم بالشّريعة في الحجاز, فقد كان من الضّعف بمكان, فيُقال: كان لشريف مكّة قانون ظالم, قد وضعه جدّهُ محمّد أبا نُمَي, الّذي تولّى مكّة سنة: ( 932 هـ ) ووضع هذا القانون الّذي يحكم تعامل غير الأشراف مع الأشراف, حتّى صار دُستوراً ملزماً كأنه "ياسق" جنكيز خان في أمة المغول, وممّا جاء فيه من قوانين: أنّ الشّريف لا يُقتل بغيره, وأنّ غير الشّريف لو قتل الشّريف فإنّه يُقتل من طرفه أربعة رجال! إلى مظالم عظيمة في الأموال, وأكلها بغير حقّ, ونهبها من النّاس, في محادّةٍ للقرآن العظيم . قال حسين محمد نصيف: ( لا يوجد على ظهر الأرض قانون أظلم ولا أقسى من هذا القانون). إلى غير ذلك من أمور جاهلية, وغُرْبَةٍ للإسلام والسّنّةِ والشّريعة, والله المستعان. ويرى بعض الباحثين عدم صحة نسبة ذلك القانون لذلك الرجل, بل إنه لا يوجد قانون بذلك أصلاً, وأن صاحب كتاب ماضي الحجاز وحاضره لم يقدم براهين ولا وثائق على تلك التهمة التي استقاها شفاهاً من أهل الحجاز, والله أعلم, وعلى كلٍّ فلذلك الرجل _أبا نميّ_ مقامات تذكر فتشكر؛ كحفظ الأمن في مكة المشرفة, وكمقامه العظيم في جهاد النصارى البرتغاليين مع أهل الحجاز وبخاصة أهل جدة حتى ردوهم عن حريم البقاع الطاهرة.
وتأمّل قصيدة جادت بها قريحة أمير الشعراء أحمد شوقي(6) يستصرخ السلطان عبدالحميد الثّاني _ وقد قيلت في وقت الشريف عون الرفيق _ لترى حال أهل الحرم والحجاج والعمّار مع الشريف!:
ضجّ الحجاز، وضجّ البيت والحرم
واستصرخت ربها في مكة الأمم
لك الربوع التي ريع الحجيج بها
أَلِلشّريفِ عليها أولك العلمُ؟
أهين فيها ضيوف الله، واضطهدوا
إن أنت لم تنتقم فالله منتقمُ
أفي الضحى وعيون الجند ناظـرة
تسبى النساء ويؤذى الأهل والحشم؟
ويسفك الدم في أرض مقدسة
وتستباح بها الأعراض والحرم
يد الشريف على أيدي الولاة علت
ونعله دون ركن البيت تستلم
رب الجزيرة، أدركها فقد عبثت
بها الذئاب، وضل الراعي الغنمُ
إن الذين تولوا أمرها ظلموا
والظلم تصحبه الأهوال والظلمُ
فجرّد السيف في يوم يفيد به
فإن للسيف يوماً ثم ينصرم
لقد كان شريف مكة حسين بن علي (ت: ١٣٥٠) محارباً للدّعوة الإصلاحيّة, معادياً للعقيدة السّلفيّة - وربما كان هذا العداء صادراً عن سياسة أكثر منه عقيدة وقناعة - مُتَّهِمَاً أتباعها باتّهاماتٍ وأوصافٍ لا تليق, كافترائه بقوله: أتباع مسيلمة! ونحو ذلك مما فاه به وكتبه, وَكَفَاكَ مِنْ شَرٍّ سَمَاعُهُ, ولم يكتف بالقول بل بالفعل, فحارب دعاتها والمنتمين إليها, ولو كانوا من كبار العلماء, والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: فيما يرويه عن ربه – تبارك وتعالى:(من عادا لي وليّاً فقد آذنته بالحرب )(7) كما فعل بالشّيخ المصلح أبي بكر بن محمد عارف خوقير, رحمه الله تعالى, حيث آذاه, ومنعه من التدريس ( وما نقموا منهم إلاّ إن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) (البروج: ٨) ثمّ سجنه في سجن انفرادي بتهمة الوهّابيّة, وَتِلْكَ شِكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا, وبقي في سجنه حتّى أطلقه الإخوان لمّا دخلوا مكة حرسها الله . (إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) (الحج: ٣٨). وكان قد رأى ليلة دخول الإخوان رؤيا فقصها على أصحابه في السجن, وعبرها بأنه سيطلق غداً من حبسه وسجنه؛ فصدقت رؤياه وصدق تعبيره رحمه الله تعالى (8).
وللإنصاف, فليست هذه المظاهر عند الجميع, سواء في الحجاز أم في نجد، لكنّها كانت متفشيّة ظاهرة، ومُنكِرُها ضعيف ذليل, وما ذاك إلّا لكسوف شمس الرّسالة الحقّة, ولخفوت نور التّوحيد المحض, ولتضيّف شمس الملّة للغروب, لغُربة ذلك الزمان . مصداقاً للحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء).
ثم أذن الله بإشراق شمس الإخوان:

قال الدّكتور عبد الله الصّالح العثيمين: ( إن بداية ظهور الإخوان, أنّ جماعة من حرب, قدمت إلى حَرْمة, ومن أعيانهم سعد بن مثيب, ومعهم أفراد من قبيلة مطير, للاستقرار, وللتفقه في الدين, وذلك عام (1330) – قلت: ويذكر أن المهاجرين الأوائل الذين أسّسوا البلدة قد قدموا من بلدة حرمة (70كيلاً) إلى الجنوب من الأرطاوية وهم حوالي عشرين بيتاً ومعهم عبدالمحسن بن عبدالله العبدالكريم من آل معمر من العناقر من بني تميم الذي اختاروه برضاهم أميراً عليهم بعد أخذ موافقة الملك عبدالعزيز رحمه الله - ثم انتقلوا في العام نفسه للأرطاويّة, الّتي كثر نزول مطير لها, وسمّوها هجرة, إشارة إلى هجرتهم من نمط حياتهم الأوّل, إلى حياة دينيّة جديدة.
ثمّ توالى النزول في المنازل الّتي يسمّونها هجر, وكثرت, حتّى جاوزت السبعين هجرة في أنحاء الجزيزة, ومن أكبرهن هجرة الغطغط, وأصبح سكان تلك الهجر يُطلقون على أنفسهم مسمّى الإخوان, المقتبس من القرآن الكريم: ( إنما المؤمنون إخوة ) (الحجرات: ١٠) و(فأصبحتم بنعمته إخوانا ) ( آل عمران: ١٠٣) إشارة إلى رابطة جديدة ألّفت بينهم وهي رابطة الأخوّة الدّينيّة بدلاً عن رابطة القبيلة, وأَمَدّ الإمام عبد العزيز الهجر بالدّعاة والوعّاظ والعلماء، وأرسل الكتب، وأرسل لهم بعض المساعدات التي تعينهم على حياتهم الجديدة الجميلة) انتهى بتصرف (9).
وللعلاّمة الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى تحفّظٌ على بعض المسمّيات كتسمية الإخوان والهجر (10).
قال ابن خميس في معجم اليمامة: ( وللأرطاوية شان كبير في انتفاضة الإخوان, فهي أول هجرة أنشئت للإخوان عام (1330) . وكان يخرج منها أيام فتوحات الملك عبد العزيز ألفا مقاتل, وكان بها رأس الإخوان المفكر فيصل الدويش وأسرته, وشهدت عهداً من الانتفاضة الدينية عجباً, يصور لنا عهد الصدر الأول من المسلمين, وينقل إلى عالم الروحانية والزهد والنسك بشكل لا يخطر بالبال أن يكون في هذا القرن من الزمان, مساجدها تضج بالقارئين والمسبحين ليل نهار, وشيوخها يحملون ألواحاً في أعناقهم يتأملون أبجدية القراءة والكتابة, وحلق الدروس متصلة مدة النهار وأطراف الليل, وفي السحر لا يخلوا بيت من بكاء بين يدي الله وتهجد وتلاوة قرآن, ويتحرون أن يكونوا في لباسهم وسمتهم ونطقهم وأعمالهم على ما كان من عليه سلف هذه الأمة الأول, وأغلى ما يتمنى أحدهم أن يلقى ربه شهيداً في سبيله, يقتسمون زادهم, ويواسون معسرهم, ويعينون على نوائب الحق, تعج بالزوار والوافدين من مختلف هجر الإخوان, وأحاديث وأعمال قوم انقطعوا لله وتنكبوا ما سواه ظهريا ).
وَلْنَنْظُرْ إلى تقريرٍ للوكيل السياسي البريطاني في البحرين, حيث قال في معرض كلامه عن الإخوان: ( أمّا الصّلاة, فهي تُعطى أهميّة عظيمة عندهم, ...إلى قوله: وعند الأذان للصّلاة, فإنّك تسمع الرّجال يصيحون: قوموا أيّها الكسالى, انهضوا وصلّوا . ثمّ تُؤلّف جماعة ويعيّن إمام, وتقام الصّلاة بشكل عسكريّ منظّم . وإذا كان عدد الرجال كبيراً, كمئة رجل مثلاً, يكون المنظر مثيراً حقاً! وأنا نفسي رأيت حرس ابن سعود البالغين خمسمئة من الإخوان, يقيمون الصّلاة, وتأثّرتُ جدّاً بالدّقّة العسكريّة لحركاتهم ....إلى قوله: أمّا السّلام, فلا يُعاد إلّا لأخٍ آخر, وهذا كان ظاهراً بوضوح في الأحساء, وكان رفاقي من السّنّةِ المسلمين من البحرين, يسلّمون بصورة منتظمة على أي أخ يلقونه, لكنّي لم ألاحظ إلّا مرّةً واحدة, رُدَّ الجواب لهم بالسّلام, أمّا إذا لقي كافر أو مشرك جماعة من الإخوان في الشّارع, فإنهم يُغَطُّون وجوههم بكلتا يديهم, لئلاّ يتلوّثوا بالمنظر, وكلّما دخلتُ مجلساً فيه الإخوان فإنّهم يخرجون منه جميعاً ) (11).
ونُقل عن علي التويم رحمه الله وهو ممن عمّر طويلاً وقد أدرك الإخوان واشترك معهم في كثير من الغزوات, قال: كان لي نخل في الرقبة _حي من أحياء الخرمة بين الهجرة وحوقان _ وكنت أمرّ على مجلس آل زايد _ وهم من الصوّل من بني ثور من سبيع _ وكانوا سبعة رجال وكلهم فرسان وشجعان, وقد تأثروا بالدعوة السلفية في نجد, وكان مجلسهم يزداد يوماً بعد يوم, فالخيل مربوطة, والسيوف معلقة, والمشهد يلفت النظر, قال: فمررت بهم يوماً وسلّمت, ثم قلت: يا جماعة إن عندي كلمة هل تأذنون لي بها؟ فقالوا: يا علي هات ما عندك . قلت: أنتم تعرفون الشريف وسطوته, فهو يقتل الرجال, ويأخذ الإبل, ويحرق النخيل, فأخاف أن يبلغه شأنكم فينالكم منه شر! فقالوا: يا علي والله لنجاهد حتى تكون كلمة الله هي العليا! وما علينا من رجل يقتل, أو بعير يُؤخذ, أو نخلة تحرق . قال: فلما قام الإخوان في الجهاد كان أولئك النفر في طليعتهم, وكانوا شجعان بواسل, وصار لهم شأن في رفع راية التوحيد, ووفوا وعدوا, وصدقوا ما عاهدوا, رحمهم الله تعالى ( والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ) (الكهف: ٣٠).
علماً بأن هجرة خالد في الخرمة ليست بأولى مهاجر الإخوان بل هي مسبوقة بمهاجر أخر كالأرطاوية والغطغط، وكان للأخيرة تأثير حيوي مباشر على الأحداث الجسام التي مر بها الإخوان في الخرمة والحجاز وتهامة، وسيأتي بسط ذلك فيما يستقبل إن شاء الله تعالى.
.......يتبع
إبراهيم الدميجي
١٤٣٣/١/٢٠
aldumaiji@
http://aldumaiji.blogspot.com/2011/12/blog-post_15.html
.................................................. ...........
(١) ومن أسباب انتشار هؤلاء الطواغيت على حساب قضاة الشريعة؛ أنّ كثيراً من منازعاتهم تكون في أمور قد نسفها الشرع من الأساس فضلاً عن إصلاح شأنها, كالحكم في منازعاتهم في المنهوبات والمسلوبات من مغازيهم على بعضهم, فالشرع يحكم ببطلان فعلهم وأن عليهم إعادة المظالم إلى أهلها لكن الطواغيت بخلاف ذلك, وفي هذا الزمان يحتج بعضهم بصعوبة إنهاء المنازعات بين الشرط والمحاكم, أو عدم انصياع الأطراف لأحكام قضاة الشرع, وليس في هذه المزاعم حجة حتى مع تسليمنا بمقدماتها إلا أن الحل في سرعة البت في القضايا, وإعادة الهيبة للمحاكم, وليس بالرجوع لحكم الطواغيت ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلئك هم الكافرون) (المائدة: ٤٤) ولمفتي الديار السعودية في وقته الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى رسالة قصيرة شهيرة في هذا الموضوع الخطير, ومما قاله: ( وإن من الكفر الأكبر المستبين؛ تحكيم الطاغوت اللعين .....ومنه سلوم البادية وأحكامهم وعوائدهم )(رسالة تحكيم القوانين: 1) وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "الحكم بسوالف البادية كفر" (منهاج السنة النبوية: 5/130). وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن: "الحكم بسوالف البادية كفر بعد التعريف" (الدرر السنيّة: 10/ 426) وقال الشيخ سليمان بن سحمان: "سلوم البادية الذي يسمونه (شرع الرفاقة) كفر, ومن فعله كفر, ويجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله" (الدرر السنية: 10/ 502_511).
وقد ذكر العبيّد قصة معبّرة في هذا الموضوع قد جرت على الشيخ ناصر بن حسين؛ قاضي الشرع في رنية وقد جرت عليه عام: (1327) قال راوياً عن نفسه : ( حينما كنت قافلاً من بيشة لرنية صادفني ركب من قحطان, فأخذوا ما معي أنا وأصحابي وسلبوا ثيابنا فلما حانت صلاة العصر قالوا: تقدم فصل بنا, وكانوا قد أبقوا على ثوب لا يسترني, فقلت: ردوا علي ثوبي وأصلي بكم, فردوه علي, فصليت بهم قصراً وجمعاً, فلما قضيت صلاتي يممت وجهي إليهم كالعادة, فقالوا: ذكّرنا! فقلت: أوّل ما أحدثكم به: ردوا علي حلالي . فقالوا: إن الله قد كتبه لنا يا شيخ! (*) ولو لم يكتبه لنا لصرفك جهة أخرى غير جهتنا! فقلت: إن كنتم تأخذون حلال المسلم بغير حق فلا تصلّون!(**) فقالوا: تريدنا أن نعاديك ونعادي ربنا؟! ولكن سوف نأخذ حلالك ونصلي لربنا! ) ( النجم اللامع:279).
(*) كيف تسلّل المذهب الجبري المضل لهؤلاء الأعراب اللصوص؟! لكنه الهوى, كما قال بعض السلف لأحدهم: أأنت عند الطاعة قدري! وعند المعصية جبري! أي مذهب هويته ركبته! .
(**) لم يقصد نهيهم عن الصلاة لأنهم لو لم يصلوا لكفروا _وهذا ما فطنوا له_ ولكن قصد محاجتهم أن الصلاة تنهى صاحبها عن المنكر, وقد حاصوا عن هذا الإلجاء وحادوا عنه .
(٢ ) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(٣) قاضي الدفينة المتقاعد وله ترجمة بقلم تلميذه ندا العضياني.
(٤) رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهالي شقراء, وهو من كبار السن الذين أدركوا حكم الشريف, وعاش في مكة بضع سنين.
(5) (الدرر السنية: 1/304_313).
(6) نشرت بجريدة اللواء في العدد(1383) الصادرة في يوم الخميس (28)المحرم سنة (1322هـ).
(7) رواه البخاري.
(8) يروى عن أحد السجناء الذين كانوا مع الشيخ خوقير, قال: كنا في السجن ولا ندري ما وراء الأسوار من الأخبار! وكان الشيخ هو الذي يؤمنا في الصلاة- قلت: لعله كان يجتمع بهم وقت الصلاة, أو أن الأمر على ظاهره وليس سجناً إفراديّاً- وذات يوم لما صلى بنا الفجر, والتفت إلينا بوجهه؛ فإذا هو يبتسم, ثم قال: أبشروا بالفرج! فإني رأيت البارحة في المنام: أن رجالاً جاؤا وأخرجونا من السجن فسألت عنهم فقيل لي: هؤلاء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم!. قال الراوي: فما ارتفع الضحى إلاّ والخيل مقبلة على السجن, وينادي فرسانها: أين الشيخ خوقير؟ أين الشيخ خوقير؟ ففتح لنا السجن وخرجنا مستبشرين .
هذا وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى قصة سجن هذا الشيخ وابنه، ثم قال: "وأما الابن فمات في السجن رحمه الله, وأما الشيخ فلم يطلقه إلا جيش الملك عبدالعزيز الفاتح".
ثم قال معلّقاً على قضية سجن هذا الشيخ الجليل: وهل يُرجى من حكومة سجنت عالماً من علماء المسلمين السلفيين, لا ذنب له إلاّ أنه ألّف كتاباً في التوحيد! هل يرجى من حكومة هذا فعلها خيراً؟! .
قال راجي الراعي: "التاريخ فضّاح إذا كان المؤرخ صادقاً" .
(9) (تاريخ المملكة العربية السعودية ): ( 161/2 ).
(10) فقد قال في فتوى له لما سُئل: هل يُطلق اسم دار الهجرة على الديار النجدية؟ أم يقيّد على ديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان؟ أم لا؟ فقال رحمه الله تعالى: ( نعم يطلق اسم دار الهجرة على الديار النجديّة, ولا يقيّد ذلك بديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان, بل من هاجر من ديار الكفر أو من البادية إلى بلد من بلدان المسلمين فهو مهاجر, ولا فرق في ذلك بين الديار التي نزلها الإخوان في هذا الزمان وبين قرى المسلمين, ولا يفرق بين ذلك إلاّ من أعمى الله بصيرة قلبه, وكان على نصيب وافر من الجهل والقول على الله بلا علم . ثم إن تسمية هذه البلدان التي نزلها الإخوان من البادية حيث سموها "الهجر" نظر, فإنّ هذا اسم حادث فإن الصحابة – رضي الله عنهم – لمّا فتحوا الأمصار والبلدان واختطوا لهم منازل وسكنوا بها، لم يسموها بهذا الاسم, وعمر – رضي الله عنه – هو الذي بصّر البصرة وكوّف الكوفة, فسموها بالبصرة والكوفة, وكذلك سائر القرى التي نزل بها الصحابة – رضي الله عنهم – والتابعون إنّما سموها باسمها الذي سماها به أهلها .
كذلك ما أحدثوه من تسمية من سكن من الأعراب والبلدان التي اختطوا بها المنازل, حيث سموهم: ( الإخوان ) وجعلوا هذا الاسم خاص بهم دون الإخوان من المسلمين الحاضرة, وقد قال الله تعالى: ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) ( الحجرات: ١٠) مع بغيهم على بعض, ومقاتلة بعضهم لبعض (فأصبحتم بنعمته إخوانا ... ) ( آل عمران: ١٠٣) فسماهم الله جميعا إخوانا ولم يفرق بينهم .
وقد بلغنا أن بعض الجهّال المتعمقين من هؤلاء "الدوارين" لما سأله بعض البادية: هل يجوز أن نهاجر ونبني مساكن في ( نفي ) أو غيره من قرى السّرّ؟ فقال: لا يجوز أي يبنى بها, أو تكون محل هجرة, لأنها مؤسسة على الكفر . وما علم هذا المسكين الجاهل أن المدينة التي هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانت مؤسسة على الكفر قبل الإسلام – أي مبنية في حال الكفر_...) الدرر: ( 8 /474 ).
ويروى عن مطرف بن عبدالله الشخير رحمه الله تعالى دُعي وهو صبي صغير إلى حلف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع على الخير, فقال: ما كنت لأستبدل بمؤاخاة الإسلام واجتماعه شيئاً _أو نحو ذلك_ فترك أصحابه ذلك الأمر, وتفرّسوا في نباهة ونبوغ ذلك الإمام رحمه الله تعالى.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بعد ذكر النهي عن مؤاخاة في معصية الله تعالى: "...وإنما النزاع في مؤاخاة يكون مقصودهما بها التعاون على البر والتقوى بحيث تجمعهما طاعة الله, وتفرقهما معصية الله, كما يقولون: تجمعنا السنة, وتفرقنا البدعة, فهذه التي فيها النزاع؛ فأكثر العلماء لا يرونها, استغناء بالمؤاخاة الإيمانية التي عقدها الله ورسوله, فإن تلك كافية محصلة لكل خير, فينبغي أن يجتهد في تحقيق أداء واجباتها, إذ قد أوجب الله للمؤمن على المؤمن من الحقوق ما هو فوق مطلوب النفوس, ومنهم من سوغها على الوجه المشروع إذا لم تشتمل على شيء من مخالفة الشريعة" (مجموع الفتاوى:35/ 96).
(١1)الوثائق البريطانية (144/5).
__________________
قال سهل بن عبدالله _ رحمه الله تعالى _:
"أعمال البر يطيقها البر والفاجر ولكن لايصبر عن المعاصي إلا صديق"
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مطوية , الثانيحال الناس قبل التديّن , الجزيرة , العربيةالجزء , تاريخ , صفحة

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:35 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.