![]() |
|
|||||||
| الملاحظات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع |
|
#1
|
|||
|
|||
|
(صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية) (الجزء الثالث) "آلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين" يا حبّذا رندُ العقيقِ وبانُهُسُقي العقيقُ وأهلُهُ وزمانُهُ راقت خمائلُه ورقّ نسيمُهُوصَفَتْ على حصبائه غدرانُهُ وشَكَتْ تباريحُ الصّبابة وُرْقُهُوتمايلتْ بيد الصَّبَا أفنانُهُ يا مُفْرَدَاً في حسنِهِ ذا مُدْنَفٌفي حُزنِه لعِبت به أشجانُهُ صبّاً إذا ذكَرَ العقيقَ وأَهْلَهُصابَتْ مدامعُهُ وجُنّ جَنَانُهُ أَعَدْنَ لي الشوق القديم ولم أكن سلوْتُ ولكن زدنَ جمراً على جمرِ دعْ ملامي بالحمى أو رُحْ وَدَعني واقفاً أنشدُ قلباً ضاع منّي ما سألت الدار أبغى رجعها رُبّ مسؤولٍ سواها لم يُجبني أنا يا دارُ أخو وحش الفلا فيكِ من خان فعزمي لم يخنّي ولئن غال مغانيك البِلى قدَرُ الله, فشخصٌ منك يُغنِي إن خَبَتْ نارٌ فهذي كبدي أو غاب الغيث فهذا لكِ جفني ولعلي أسلّط الضوء على جزء يسير من الأحداث الأولية لمعاناة الإخوان, فهلمّ لنعرّج بذياك الوادي, مع التركيز على الخرمة لأمرين: الأول: أنّها شرارة الثورة الإخوانية الجهادية التي ألهبت حماس المهاجر الأخرى التي لبّت نداءات استغاثتها من طغيان الشريف الذي حمل عليها أربع حملات عسكرية متتالية باءت جميعها بالفشل الذريع بحمد الله تعالى فقد قيّض له من ردّه على عقبيه خاسراً, فالخرمة مع قلّة أهلها فأكثريتها في البداية كانوا مع الشريف, ثم ظهر بعد ذلك التميّز بين الفريقين حتى نصر الله جند التوحيد, "ولتستبين سبيل المجرمين". إذا ما الخيام البيض لاحتْ لدى مِنَىً فعرّجْ فإنّا بعدها بقليلِ إن رويتُ أحاديث الذين مضوا فعن نسيم الصَّبا والبرق إسنادي أكبر وأقدم مهاجر الإخوان هما الأرطاوية والغطغط, بيد أن الخرمة لا تقل عنهما في المكانة لا في عَدَدِها وعُددها؛ ولكن في مكانها الحيوي الذي تنازع عليه أسدان انتهى أمر أحدهما منفياً في قبرص والآخر متربعاً على دولة من البحر إلى البحر! وهلمّوا لنحاولْ الغوص في جذور ذلك الاختلاف الذي نشأ عنه وعن عقيدة الفريقين فيه ما هو مسطور منظور. كانت الخرمة مكوّنة من السّوق _ وفيه أكثر النّاس _ وحوقان والسّلمية, وأولُ من تديّن في الخرمة, هم أهل حوقان قبل السّلميّة بسنة, ثم بدأ الخير يزداد شيئاً فشيئاً, حتّى انتشر في النّاس, وأصبح الناس فريقين, بين عامي: ( 1334) و (1335). وظهر في ساحتهم مصطلح جديد يسمّى "الفَرْقُ" أي الافتراق بين أهل الحقّ وأهل الباطل, والقتال لإعلاء كلمة الله تعالى, لا يهابون الموت لعلمهم أنه لاقيهم (فإنه ملاقيكم) فهُنّ المنايا أيّ واد سلكتُهُ عليها طريقي أو علي طريقها علماً بأن الشّريف حسين, الّذي تولّى شرافة مكّة سنة: ( 1326) كان يَعْتَبر أهل الخرمة من رعاياه, وإن كانت قبضته ضعيفة عليهم,كحال غيرهم ممن هو خارج مكّة والطّائف وجدّة, وكان يرى أنّ بلادهم تعدّ امتداداً طبيعيّاً لسلطانه, فالخرمة هي البّوابة الحجازيّة لنجد في نظره, وعبدالعزيز يقول: إن الخرمة واقعة شرق جبل "حَضَن" النجديّ بثمانين كيلاً, والعرب يقولون: "من أحضن فقد أنجد" لكن الشّريف لم يعترف بمسألة: أنّ الحجاز فقط له دون نجد أصلاً, فجُلُّ نجد له, بل والقصيم له, على حدّ قوله, ولو أنّه تعامل بالحكمة والعدل لما انشق سقف عرشه والله أعلم, وسيأتي شيء من البسط قريباً بمشيئة الله. أمّا أهل الخرمة, فكانوا يَعُدُّونَ أنفسهم من نجد, عقديّاً, وجغرافيّاً, وقبليّاً, ولكن خوفاً من شوكة الشّريف وبطشه, وحَدَبَاً على نخيلهم أن تقطع, فقد رضخوا وأذعنوا له كرهاً, مع أنهم تابعون له إدارياً وخاضعون لسلطته واقعياً لو أنه أحسن معاملتهم, وتركهم وشأنهم في مذهبهم العقدي لربّما سلم من بطش هناديّهم وقناهم, ولكن لما وصل الحذفُ عند المُعقّلات, ورام الشريف إكراههم على مذهبه أبت حميتهم الدينية ذلك, فأزمعوا المفاصلة! خليليّ قد عمّ الأسى وتقاسمتْ فُنونُ البِلى عشّاق ليلى ودورَها وكنت إذا ما جئتُ ليلى تبرقعتْ فقد رابني منها الغداة سُفُورُها ولما قال خالد بن لؤيّ للشريف حسين: يا سِيْدِي نريد قاضياً يحكم بالشرع, أجابه حسين بقوله: لا يا خالد؛ بل احكموا بسلومكم وسلوم آبائكم! وكان هذا الطّلب قبل حروب الشريف على الخرمة, ولعلّه كان في السّنة الّتي استدعى فيها خالداً عنده ثمّ أرسله لعبد الله "البيه" ضدّ الترك, في الطّائف ثمّ العِيص.وقديماً قال أبو الطيّب المتنبّي: ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى عدوّاً له ما من مصـاحبته بُدُّ من يتـق الله يُحمـد في عواقبه ويكفه شرّ من عزّوا ومن هانوا أمّا رنية؛ فحالها كحال أختها الخرمة فقد كان فيها طاغوت يحكم بغير ما أنزل الله, ويتحاكم الناس إليه! فيحكم بينهم بسلومهم وأعرافهم ورأيه, ويتركون من يقضي بالشّريعة كالشيخ دحيّم (*) بن ناصر بن حسين, وهو معدود من العلماء , وهو من تلاميذ العلّامة المحدّث سعد بن حمد بن عتيق الذي خالاً له , وكجبر السبيعي (2) وكان طالب علم . ثمّ جاء للخرمة, الشّيخ إبراهيم بن ناصر بن حسين, ولعلّ الشّيخ إبراهيم هذا قد نصبه الشريف قاضياً لأهل الخرمة, بالمذهب الحنبلي, ولمّا بدأ بدعوة الناس للسّلفية الحقّة؛ أنكر عليه الشريف, واستدعاه وسجنه, حتّى أطلقه بشفاعة خالد بن لؤي, لمّا كان بمكة عند الشريف, وقد عادا في سنة واحدة للخرمة (3) وتعاونا على نصرة التّوحيد. وهو أخٌ للشيخ دحيّم شيخ رنية, وهو عالم من العلماء, وفارس من الفرسان, وقد أجازه خاله العلّامة الشّيخ سعد بن عتيق. أمّا الصّلاة, فكان كثير من الناس يصلّونها بدون محافظة عليها, وربما تركها بعضهم أحياناً, ولم يكن بينهم من ينكر المنكرات إلّا أقل القليل . ومن أمورهم الشّنيعة كذلك, استحلالهم قتل بعضهم بعضاً, ونهب المال والبهائم, وكانوا يعدّون ذلك فتوّة وشجاعة, ففخرهم: قتلنا وسلبنا! ولو كان الثّمن إثكالَ الأراملِ, وإيتامَ الصّبية, وإفقارَ الكرام . ولمّا قال أحدهم متأفّفاً من هذه الحال من السّلب والنّهب, فقال: الّلهم ولِّ علينا والياً مصلحاً. ردّ عليه رجل كان معدوداً من أعقلهم: يا دافع البلاء, الّلهم لا تولّ علينا لا والياً مصلحاً, ولا غير مصلح! . وقديماً قيل: سلطان غشوم خير من فتنة تدوم . لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا صـلاح إذا جهالهم سادوا ثارت الحروب الدمويّة بين سبيع والبقوم, والّتي سمّاها الإخوان من الطّرفين فيما بعد: بـ( حرابات الجاهليّة ) وبداية المأساة: أنّ ناقة سرقت أو ضاعتلرجل, ثم رآها عند آخر فجلب معه بعض قومه وحلفائه إلى من عندهم تلك الناقة, وتوارد القوم إلى تلك (البهيمة!) وأرادوا ردّها بالحسنى, فردّ عليهم الآخرون بالرّفض, ثمّ حضر الشّيطان, وركز رايته بينهم, وعقد لواءه فوقهم, فرقص الشيطان على عزف الرّصاص المزمجر, وانتشى مع قرع السّيوف الغاضبة, فقُتِلَ رجلٌ, ثمّ تفرّق القوم بعد أن رقص الشّيطان فرحاً, وابتهج طرباً بتحقيق أمنيته في الأزل: ( ولكن في التّحريش بينهم )(4) وفتح باب القتل على النّاس, الّذي استمرّ سنيناً قبل أن يعودوا لرشدهم مع التديّن, بعد أن عضّتهم الحرب بنابها, ورويت من دمائهم المنون, وكانت الحروب بين القبيلتين العريقتين المتكافئتين سجالاً, فالجميع بلغ من الإقدام والشّجاعة والفروسيّة المكان الأرفع . ولكنّها كانت حروباً دمويّةً جاهليّةً بغيضةً, والغانم الوحيد منها هو الشيطان الرجيم, فقد سَحَقَتْ بِثِفَالِهَا إخوةً وجيراناً, وحلفاءً وأقراناً, وأحبةً وأصهاراً . وَيتّمَت وَرَمَّلَت, وَقَطَّعَت وَأَفقَرَت, وَغَيَّبَت وَعَيَّبَت المئات, والمشتكى إلى الله ربّ البريّات, وفاطر الأرض والسّماوات! وليس من المستحسن ذكر تفاصيلها, بل لعلّ إماتة أخبارها أولى وأحتم, حتّى تُنسى الإحن, وتندرس الأحقاد, الّتي ربّما تثار بسبب تلك الأخبار أو الأشعار, وكم من فتنة أشعلها بيت شعر! والعَضْهُ نَفّاخة فتن!. ولمّا تديّن الطّرفان, وصاروا بنعمة الله إخواناً, أماتوا تلك الحزازات, ودفنوا بالإيمان تيك الثارات, وجمعهم الله تعالى على الهدى والخير والجهاد في سبيله(5) وعادوا كما كانوا عينين في رأس, ويدَين في جسد , وقديماً قال ابن أبي سُلمى زهير: وَمَا الحَـرْبُ إلاّ مَا عَلِمْـتُمْ وَذُقْتُمُ وَمَا هُوَ عَنـها بالحَديثِ المُرَجَّمِ مَتَى تَبعَثُوهَا تَبعَثُوهَا ذَمِيْمَـــةً وَتَضْـرَ إذا ضَرّيتُـمُوها فتَضْرَمِ وَنَحْنُ بَنُوا الإِسْلَامِ وَاللهُ وَاحِدٌ وَأَولى عِبَادَ اللهِ بِاللهِ مَنْ شَكَر الرّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ هُوَ أَوّلٌ وَهيَ فِي المَكَانِ الثّاني أمّا اتّصالُهُ شخصيّاً بالملك عبد العزيز, فإن ذلك كان بعد حادثة أسر الأخ الأصغر لعبدالعزيز سعد بن عبد الرّحمن, وكان عمر سعد إذ ذاك سبعة عشر ربيعاَ لمّا أَسَرَتْهُ خيّالة الملك حسين في نجد, وهم ذوي خليفة من الشّيابين, فغضب الملك عبد العزيز, وكادت تثور الحرب لولا عناية الله تعالى, ثمّ حنكة خالد وتدخّله ومشورته للحسين حين قال: هؤلاء عقبان نجد ولا سلامة منهم أرسلني إليه بأخيه واشترط عليه ما أردت . واختلفت الرّوايات في شرط الحسين, فمنهم من يقول: إنّه اشترط إعلان ولائه للباب العالي, وهي الدّولة العثمانية مع دفع مبلغ سنويّ لها . ومنهم من قال بل اشترط ترسيم الحدود, وحدّ لعبد العزيز حدود نجد, وهذا بعيد لأنّ هذا هو عينُ ما كان يريده عبد العزيز ويأنف منه الشّريف والله أعلم . كذلك ممّا حدا بالشريف على الموافقة ضغط أحد قوّاده عليه, فقد أرسل له الإمام رسالةً مروِّعةً مزلزلةً كما نقلها المؤرخ العبيّد, وفيها بعد السّلام: (أمّا بعد: فبخصوص هذه الحيّة الّتي جلبتموها يا عتيبة وألقيتموها بحجري, وفعل بنجد ما فعل, وحبس أخي سعداً عنده ولم يطلبه بشيء, فوالله الذي رفع السّماء بلا عمد, وبسط الأرضين على ماء جمد, إن لم يطلق أخي سعداً, لأقطعن رأسك ولأجعلن لحيتك تذروها الهبوب مع طين نفي! والأمر كلّه من رأسك! إن شئت أن تسهّلها تسهلت, وإن شئت أن تعسّرها تعسّرت. ثمّ ختم الكتاب بقوله: سور العوجا وأنا ابن مقرن ). إن المنون وإن تقارب وردها ليست بأبأس من قدوم فراق فلمّا قُرئ الكتاب على ذلك الأمير قال :ما أظفر هذا الحضري! (7) ثمّ كلّم فيه الشريف, وتظافر هذا مع مشورة خالد الآنفة فوافق . الحاصل أنّ الشّريف أرسل وفداً من عنده مكوّناً من ثلاثة رجال يهابهم كلّ من رآهم إجلالا لهم, فقد كانوا طوالاً, حَسَنِيِّ الملامح, واضحيّ التقاسيم, جهيري الصّوت, جزْلِيِّ الكلام, ممتلئيِ الرّجولة, ظاهرِي الفخامة, وهم خالد بن منصور بن لؤيّ الشّريف, وعبدالمحسن بن ناصر بن شاهين الشّريف, وناصر بن محمد الحارث الشّريف, فوصلوا لعبدالعزيز وسلّموا عليه وأبلغوه رسالة الحسين . ويروى أنّ خالداً قال للملك عبد العزيز حينها: قد علمت نصحي لك ونصح أجدادي لأجدادك, فاسمع مني وأعط حسين ورقة تنفعه عند الدّولة _ أي العثمانيّة _ ولا تضرّك . وفيها الاعتراف بالدّولة العثمانيّة, وإرسال مبلغ من المال لها, فكتبها عبد العزيز, ثمّ سُلّم سعد بن عبد الرّحمن لأخيه, ففرح به فرحاً شديداً لمحبتّهِ له ولرحمته به لصغر سنّه (8) . ولما استلم عبد العزيز أخاه سعداً, التفت إلى خالد وقال: يا خالد هذا رضيع الدّيد _أي شريكه في رضاع والدتهما_ والله لو ما جئتني به لرجلي هذه, ثمّ ضرب بها بقوّة في الأرض, لأطأن بها مطرح الشريف إلى أن آتي بسعد أو ألحق سعداً . ثمّ سلّ سيفه وصرخ في رجاله: عرضه يا رجال . فلمّا قاموا أخذ يعرض العرضة النّجديّة وهو ينشد: أنا كمــا نمــر ليـا عدا والنــــمر ما تومن دغايله نمشـــي لصاحبنا على النقا واللي يحـــــايلنا نحايله خرج الوفد الشريفي عائداً لمكة, ومرّوا بهجرة الغطغط (10) وفيها بعض الرّوقة وكانوا أخوالاً لعبد المحسن بن شاهين , فمكثوا أسبوعاً , وتأثّروا بتديّنهم وزهدهم وعبادتهم, ومِنْ هنا انعطف التاريخ! مَا عَاتَبَ الحُرّ الكَرِيم كَنَفْسِهِ وَالمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيْسُ الصّالِحُ بَعِيدٌ عَنِ الخِلّانِ فِي كُلّ بَلْدَةٍ إِذَا عَظُمَ المَطْلُوبُ قَلّ المُسَاعِدُ أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيـدُ قَتْلِي عَذِيركَ من خَلِيلكَ من مُرَاد ياحمد جــيناك من دار وبيـّة بشّـر اللي حبهم بيّن وخافي لاركبـنا ظــمّر مع قيهميّـة نطلب الله في حسينات الملافي مرحباً باشـرافنا زبن الجـنيّة (16) عد ما تذري الهبـوب من السوافي يوم جيـتوا رجـع فوادي عليّـه واحمد الله يـوم ما جـاكم خلافي من بغى الناموس لا يطري المنيـّة من وفى أجله مات لو هو متعـافي إِذَا كَانَتِ النُّفُـوسُ كِبَاراً تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ فصاح خالد بها هادرة صاخبة صادقة, قد امتزجت بروحه ودمه وعصبه: إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ فَلَا تَقْنَعْ بٍمَا دُونَ النُّجُومِ والمرجّح والله أعلم: أنّ ذهابه لعبد العزيز في الرّياض (17) كان هو البداية, وأنّهُ لمّا بايع عبد العزيز, ذهب إلى بيشة ثمّ رنية ثمّ الخرمة . وهذا أشبه وأليق كما قدّمنا, والله أعلم. إذن فقد انطلق خالد للرّياض, ومعه وفد على خمسين ذلول, ولم يطأ الوديان الثّلاثة بيشة ورنية والخرمة, حتّى عاد من عند الملك عبد العزيز, وقد بايعه على السّمع والطّاعة وإقامة دين الله, وفي ذلك الوقت كانت الأرطاوية والغطغط قد بنيتا, وبدأ الإخوان بالهجرة إليهما, إضافة إلى باقي المهاجِرِ النامية في الجزيرة الّتي كان عبد العزيز يرعاها ويمدّها بالعلماء والدّعاة والكتب والمساعدات. ذهب خالد إلى رنية لأخذ البيعة, فنزل في ثلاثين ذلول على آل عمير مكالحة ومفالحة وصنادلة, فبايعوه, ثمّ إنّ أحد أعيانهم وكان معدوداً من طلبة العلم صاح فيهم وقال: لا تبايعوا خالداً فهو ذئب أجرب يُعْدِي على مَدّ البصر, وليس عنده دنيا, فاتركوه حتى لا يقطع الشريف نخيلكم . فدخلت فيهم كلمته, فنفضوا أيديهم من البيعة, ثمّ إن خالداً ارتحل عنهم إلى بعض المجامعة عند خشم الكور, وهو جبل كبير في طرف رنية, فقالوا له: يا خالد لا تدخل رنية, فإنّا نخشى أن يقتلوك! فقال: سيكفيني الله شرهم . فقالوا: إنّ فلاناً قد أفسد عليك رنية, يقول: إنّ خالداً ليس عنده دين, إنّما هو طالب رئاسة ودنيا, فلا تطيعوه حتّى لا يقطع شريف مكة نخيلكم, ويقتلكم حتىّ يشرّد حيّكم لرماح! فذهب للمجامعة, وأناخ على الحلاّف وكان من أسخياء الناس, ففرشوا لخالد الفرش ورحبوا به, وبعد أن سألوه عن الحال عاتبوه وقالوا: لم تهجرنا يا خالد؟ فقال بعتاب مبطن: لا أدري! فقالوا: أعطنا الشرع من الشّيخ فلان _وهو ذلك المناوئ المذكور وكان معظّماً فيهم من ناحية الدّين, فكانوا يلقّبونه بالشّيخ_ فقال خالد: أرسلوا الفرس إليه فإن كان شيخاً اتّبعناه, وإن كان الشّيخ هو دحيّم بن الحسين اتبعناه . قالوا: تمّ _أي: على الرّحب_ فلمّا وصل الرجل قال له خالد: أسألك بالله يا فلان هل أنت شيخ؟ فقال: لا والله ما أنا بشيخ إنما أنا طالب علم . فالتفت خالد إلى النّاس وقال: وأنتم تقولون له شيخ! يا فلان: الشّيخ هو دحيّم بن الحسين, وأخوه الشيخ إبراهيم قد أعطاه الإجازة, هل أنا صادق؟ فقال : نعم أنت صادق . فقام المجمّعي وقال: أنا أخو منيرة, هات يدك يا خالد حتّى أبايعْك فبايعوه, وأطفأ الله الفتنة . ولمّا استوثق خالد من بيشة ورنية, وكان قد بايع إمامه على نصر الدّين, ذهب للخرمة, ثمّ أناخ ومعه ثلّة من بني عمومته وبعض القريشات على أمير بني ثور مفرّح بن شارع, وكان قد تديّن ولبس المعمّ(18) فبايعه مفرح(19) على النّصرة, وأخبر خالدٌ الإخوان الّذين بايعوه أنّه قد عاهد – أي بايع - عبد العزيز على الكتاب والسّنة, وقال: والله إنّ الّذين وضعت يدي في أيديهم قد بلغوا أربعين من الأمراء, وقد تركت ابن عمي وهو يصبّ عليّ الجنيهات الصفر, لكنّني حاربته لله تعالى (20) . ولم يبدأ "الفَرْقُ" إلّا بعد قدوم خالد, حيث بدأ تمايز الفسطاطين فسطاط الهدى وفسطاط الضّلالة . تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن طلب الحسناء لم يغلها المهر ولمّا جاء خالد للخرمة كان الإخوان فيها قلّة, وفي غربة بين الأغلبيّة السّاحقةِ الّتي بقيت على ولائها لشريف مكة, خوفاً من قطع نخيلها, وضنّاً بالدّنيا عن الدّين, وبالفاني عن الباقي, وشيئاً فشيئاً دبّت في كثير منهم دماء الفطرة السّليمة, ونمت فروع الشّجرة الإيمانية, وبدت ثمار الدّعوة المباركة ظاهرة على وجوه تزداد كلّ يوم, ولا تغيب الشّمس إلّا وهم يستبشرون بمولود للدّعوة جديد, ومع استمرار مشايخ ودعاة الإخوان في الدّعوة إلى التّوحيد الخالص والتعلّق بالله والدّار الآخرة , بدأ حزب الموحّدين يزداد ويقوى, وبدت أمارات ما كانوا يسمّونه بالفَرْق, وهو إعلان البراءة من أهل الباطل والمنكرات ومن المشركين _في نظرهم_ ومن يواليهم, وبدأ كلّ حزب ينحاز لبعضه البعض, وقلّت شيئاً فشيئاً الفئةُ المحايدةُ, واقتربت ساعة الحسم, وشريفُ مكة يراقب الوضع بقلق وترقّب, مع كثير من الغرور والاحتقار لأهل التّوحيد, وأرسل السّلاح وجنيهات الذّهب لحزبه, واستطاع حزب الشريف إخراج خالد من حكم السّوق وحاولوا قتله . وفي تقرير الجنرال "وينغيت" المندوب السّامي في القاهرة إلى وزير خارجية بريطانيا: ( وأَوْضَحَ الملك حسين أن شيخ الخرمة وهو أحد الأشراف, وهو خالد بن لؤيّ, قد تحوّل وهابيّاً! وشجب حكم الملك حسين, وبذلك أحدث انشقاقاً بين السّكان, وعلى إثر ذلك زار مكّة وَفْدٌ من الحزب الشريفيّ المحلي طالباً العون والحماية, فأوعز إليهم الملك أن يفصلوا أنفسهم مع عوائلهم وجماعتهم عن متمردي الخرمة, وكذلك أرسل قوة صغيرة لضبط الأمن في المنطقة وتوفير سلامة الموالين, وكان الموالون خلال ذلك وقبل وصول قوّات الشريف قد طردوا شيخ الخرمة _ أي خالد بن لؤي _ وأطلقوا سراح اثنين من رسل الملك كان قد سجنهم, وعزا الملك الحادثة كلّها إلى النّفوذ الوهّابي الخبيث!) كذا(21) علماً أنّ الفتيل الّذي أشعل الحرب بين الإمام عبد العزيز والملك حسين هي الخرمة _كما أسلفنا_ فقد كان الشّريف يعتبرها امتداداً طبيعيّاً لسلطته الإقليميّة , وأنّه هو من يعيّن أمراءَها وآخرهم خالد بن لؤيّ , وقضاتهَا وآخرهم إبراهيم بن ناصر بن حسين, كما أنّها البوّابة الشّرقية للحجاز على نجد . لكن الإمام عبدالعزيز يقول بخلاف ذلك, وهو أنّ الخرمة تعتبر أرضاً نجديّة لأنّها شرقي حضن, ومن أحضن فقد أنجد - كما قيل - كذلك فهي مُعفاةٌ من الضّرائب من عهد الدّولة السّعوديّة الأولى إلى تاريخه, لمّا دخل أهلها في ولاء الدّولة السّعوديّة, أمّا القضاة فكما أنّ الشّريف حسين قد أرسل قضاة للخرمة فكذلك الملك عبدالعزيز, بل إنّ القاضي المباشر في الخرمة في ذلك الوقت هو بعينه القاضي الّذي كان قد عيّنَهُ الإمام فيصل بن تركي من عهد الدّولة السّعودية الثّانية منذ خمسين عاماً خلفاً لوالده . قلت: وهذه السّلطة السّعوديّة هي ما ذكرها "فِلْبِي" مبعوث الانجليز للإمام عبد العزيز, لمّا زار الخرمة عام: (1917م) وهو في طريقه للطائف, فقال من ضمن كلام له: ( أهل الخرمة يتمتّعون باستقلال ذاتي عملي, تحت سيادة نجد الغامضة !). وعلى كلٍّ فلكلّ طَرَفٍ حيثيات وأدلة, وطلب الإمام من بريطانيا التحكيم في الحدود مع رضاه مسبقاً بالحكم أيّاً كان, لكن الحسين رفض ذلك لأنه لم يكن يرى أنّ هذا منطقيّ أصلاً مع سلطة مكّة القديمة على الوديان ومنها الخرمة, وجرت المقادير بتدبير العليّ القدير . فكل شيء قضــاه الله في أزلٍ طُرّاً وفي لوحه المحفوظ قد سُطرا وهدّ الإخوان بمعية الجيش النظامي للإمام عروش الرشيد والإدريسي وحميد الدين والشريف حسين من الشمال إلى الجنوب. وانضم إلى أهل الخرمة إخوانهم وأنصارهم, فهبّت عاصفتهُم على عرش الشريف, مبتدئين بتربة, ثمّ الطّائف, حتّى ختموها بدخول مكة المكرمة والمدينة النبوية على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام, وجدّة وإعلان نهاية حكم الأشراف الذي دام قروناً, فسقط وباد لحربه التّوحيد وأهله, وهذه سنّة الله الماضية في الأمم. ثم فتحهم الجنوب. (كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قويّ عزيز ) ( ولينصرنّ الله من ينصره ) (الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) وسنن الله تعالى لا تحابي أحداً فإن ترك آل سعود أو غيرهم ممن مكن الله لهم رقاب عباده وموارد بلاده دعامة دولتهم ومبرّر حكمهم وهو إقامة الدين والشريعة فسيحل بهم ما حل بغيرهم والله المستعان, حفظ الله دينهم ودنياهم ووفقهم وألهمهم رشدهم وولاة أمر المسلمين .....آمين . وبدأت المناوشات والمضايقات ضدّ الإخوان الّذين ارتضوا خالداً أميراً لهم. ولمّا سمع بنو عمر _وكانوا في الحرّة؛ حرّة بني هلال_ بقدوم خالد, انتدب منهم مجموعة, فيهم كبيرهم جبر بن عبيدان العمري السبيعي, لمقابلة خالد ومعرفة أمره, فدعاهم للدخول مع الإخوان فبايعوه . ثمّ سرت شائعة مفادها: أنّ حزب الشريف يريدون اغتيال خالد وقتله. وكان أهل السوق يرقصون رقصة الحرب ويهزجون وينشدون بهتافهم: خمسة رياجيل كلّ واحد من دحل وحنّا عيال العـود من فصايله تكفون يا لجذعان شحّـموا الفحل حتّى الدّقل يصبح كثير عايله وفي ذلك الوقت كان خالد نازلاً في حوقان (23) قبل بناء هجرته المعروفة باسمه إلى اليوم (24) وكان مفرح ومن معه في أسفل الخرمة في السلميّة(25) وكان السّوق(26) بينهم, وسكان السّوق هم الأكثريّة وهم حزب الشريف الّذين حربوا الإخوان وضايقوهم أشدّ المضايقة, فكره خالد النزال قبل وقته ولمّا يشتد بعد عود الإخوان, فتريّث واستنصر, وقديماً قيل: يركب الصعب من لا ذلول له, فأراد خالد الانسحاب لبعض الوقت ريثما تحين الفرصة, ويأتي الله تعالى بالفتح أو أمر من عنده. وقبل إنشاء السّلميّة,لم تكن الخرمة إلّا السّوق وحوقان فقط . وفي المساء سرى خالد ومعه ستّة رجال منهم حمود بن هاضل, فنزلوا على ماجد بن جروة الصميلي السبيعي وهو أمير الصّملة في ذلك الوقت, وكان مخيّماً على "خبراء الرويبي" (27) ثمّ إنّ خالداً ذهب إلى بيشة ليستنصر أهلها, وترك حامية صغيرة مكونة من ثلاثين قنّاصاً . وفي أثناء سفر خالد لبيشة اشتدّ الخناق على تلك الحامية, وهم سبعة من الحُرّث الشّلاوا, على رأس حماد بن قريشان أو قليشان - من ذوي حطاب - وكانوا من المهاجرين القدامى, ومن الحلاحلة العتبان مثلهم, وبعض القريشات النّواصر كفيصل بن عبدالله وأبيه, ومن الأشراف الشياهين كعبد المحسن وغالب وعمّاش وعباس . واشتدّ الجوع بهم, فقد كان أهل السّوق يطلقون النّار على كلّ من رأوه من تلك النّاحية حتّى لو كانت بهيمة! وفي يوم من الأيّام مع اشتداد الجوع قال فيصل بن عبدالله: اذهب يا غالب أنت وأخوك عمّاش لصيّادة (28) كي تصطادا ما تيسر من أرنب أو هاملٍ ونحو ذلك ممّا تجدان . ولما خرجا وابتعدا عن قصر حوقان إذ هما براحلتين قد أُنيختا ونزل منهما اثنان من قوم الشريف, قد أتيا للتّوِّ من الشريف, ومعهما امرأة, وكان أحدهما قنّاصاً لا تُخطئ له رمية, وكان مُتَرَقِّبَاً متوجِّسَاً لدمٍ كان عليه, وكانت أمّ رُكْبَة لا تفارقه - وهي بندقية قصيرة – فإذا مشى جعلها على كتفه, فراقباه ثمّ قصداه وهما على فرسيهما وصاحا: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) ورمياه بسرعة خاطفة, فسقط صريعاً لليدين وللفمِ , ثمّ عدلا إلى صاحبه فقتلاه, فصاحت المرأة وقد عرفت غالباً: يا غالب أنا دخيلتك من الرّجال لا يفعلون بي الفاحشة! فقال: لا تخافي هؤلاء خيّالة التّوحيد وليسوا بأهل فواحش . فمن هنا أثبت الإخوان وجودهم, وصار لهم صيت بقتل الرجلين وغنيمتهما, وأنه لا أحد بمنأى عن نيرانهم وسيوفهم . لاَ يَسْلَمُ الشّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأَذَى حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَــوَانِبِهِ الدّمُ فأشبعهم الله بعد الجوع وأمدهم بالسّلاح بعد فاقتهم وقلته في أيديهم, حيث لم يكن مع الواحد منهم قبلها سوى المشط أو المشطين من الرّصاص (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) وكما قيل: خرجوا أعرى من الحيّة وعادوا أكسى من الكعبة. وكل هذا وخالد في سفره, ولمّا عاد مَرّ على الإخوان أهل السّلميّة؛ مفرح, وماجد بن جروة, وجبر بن عبيدان, وأتباعهم, وطلب منهم الرّحيل معه للاتّحاد جميعاً في القصر, فأبوا عليه في البداية, لكنّ ضربة المدفع أيقضتهم فهبّوا جميعاً لنصرة إخوانهم, لكنّهم لم يصلوا حوقان إلّا بعد نهاية المعركة . يميلون في شق الوفاء مع الردى إذا كان محبوب البقاء مع الغدر معركة "حوقان" وتسمى: ( المدفع ) في رجب (1336) وهو الراجح, وقيل في (25) شعبان (1336) إذا اقتتلتْ يوماً ففاضتْ دماؤها تذكرت القربى ففاضتْ دموعُها ولمّا ضايق أهل السوق خالداً وأرادوا قتله كما أسلفنا, جمع خالدٌ الإخوان ولم يكن لهم في بداية أمرهم مكانٌ واحدٌ حصينٌ يؤويهم, وأخبرهم بعزمه الذهاب لبيشة, ويقال إنّه كان والياً عليها من قبل الشريف في سنين مضت, فقال لهم: سأذهب لبيشة حتّى لا أتسبب في سفك الدماء, وإنّما قال ذلك ليرى صدق ولائهم . فلمّا سمعوا ذلك فَدَّوْهُ بأنفسهم, وألَحّوا عليه بالبقاء في الخرمة فقال: أمّا وقد أصررتم, فانظروا إلى قصر حوقان هل فيه أحد؟ أم نتحصّن فيه عن القوم الّذين ازداد شرّهم وأخذوا يطاردون الإخوان (32) فانطلق اثنان من الخيّالة فنظروا لقصر حوقان فإذا هو خال من المقاتلة وليس فيه أحد ذو شأن, فأخبرا الإخوان فنزلوه بالّليل معهم أميرهم خالد, ولمّا خرج ثواب بن وندان ليؤذّن الفجر بمسجد حوقان إذ المسجد ملئ بالرّجال والسّلاح, فاستبشر بهم, وحينما صلّوا خرج مبيريك _وهو من موالي الأشراف_ فأخذ يعرض -أي يرقص رقصة الحرب- ويهزج ويقول: إيه هذا المسجد قد أتاه أهله وأنا أخو مسفرة! فلمّا وَلَوا حوقان صار مركزاً لهم, ثم ذهب خالد ومعه مجموعة لخبراء الرويبي _على مرحلة جنوب شرق الخرمة_ وعليها ماجد بن جروة, ومنه إلى بيشة ثم رنية لاستنهاض الموحّدين, وأوُّلُ الغيث رشٌّ ثم ينسكب . ولمّا عاد خالد من سفره مرّ بالإخوان الذين كانوا في السّلمية, وطلب منهم الذّهاب معه لحوقان للتّمركز هناك إذ الأنباء تفيد بخروج جيش الشريف إلى الخرمة, فلم يوافقوه في البداية وبعد أن ابتعد خالد عنهم, وسمعوا صوت المدفع على إخوانهم في حوقان هبّوا مسرعين . يَجُودُ بِالنّفْسِ إذْ ضَنَّ البَخِيلُ بِهَا وَالجُودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَة الجُودِ إذا لم يكن من المنيّة بدّ فمن العار أن تموت جباناً وهذه أولى المعارك مع جيوش الشريف أهل الباطل والبغي, وأصاب جيش الشّريف الغرور من كثرتهم ووجود المدفع معهم فقال قائلهم شامتاً في أهل التّوحيد! وما علم أنّ الله ناصر جنده, ومعلٍ كلمته: بنركّـب المدفع على حوقــان والروح تدبيــره على واليــه كله على غرسـة الوديـــان واللي يبا الغطغط يهاجر فيه (35) ولمّا وصلت الخيّالة للمعمعة, انبطحوا على الأرض وهم سبعة محسن بن خالد بن منصور على حصانه" كحيلان" وأخوه سلطان, وقد كُسرت ساقه في تلك المعركة, ومنير الحضبي, وثنيّان بن غرمول البقمي, ونايف بن منصور الشريف أخٌ لخالد, وقد كُسرت فخذه, ونايش بن هرسان, ورجل يقال له حطّاب, ومشرع بن كريميع أو كريوين وهو الوحيد من الخيّالة الّذي استشهد في تلك المعركة . وفرّقوا الرّصاص بينهم من الخِرْج, قائلين: ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) ويكرّرونها, وصاح محسن: والله ليأتينّ إسلامٌ يلحق أهلهم (36) أو كفرٌ ليوم القيامة, يا أهل التوحيد يا عصابة راسي! . ثمّ أطلقوا النّار على جيش الشريف الّذي يفوقهم بستين ضعفاً _كما رُوي _ ولكن من نصر الله نصره الله ومن غالب الله غُلِب . يَا مَنْ يُرَجَّىْ لِلشَّدَائِدِ كِلِّهَا يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ الله إِنَّهُ لَهُ كُلّ يَوْمٍ فِي خَلِيقَتِهِ أَمْرُ فضرب المدفع ضربته الأولى فأطارت حَمَامَ القصر (38) ثمّ زفر المدفع بالضّربة الثّانية؛ فأطارت السّطح وهدمت جزءاً من قصر آل مبارك, ثمّ الثّالثة؛ فخرقت الجدار ثمّ خرجت من الجهة الأخرى لعليّة سليم, وكان فيها فيصل بن نايف الّذي أصيب, وغالب بن مصقال الّذي استشهد, فشربت الأرضُ الإخوانَ من الخوف! لكنّهم ثَبَتُوا بعون الله لهم وتوفيقه: يوم المكاين دندنت ما جنبـوا نادى المنادي يا هل التوحيد وَحَمِيَ حزب الشريف, وأسكرته نشوة البداية, وزمجر مدفعهم على رؤوس الإخوان(39) وكان الإخوان ينشدون:بــانت البيّـنة والدّين ديـن الله ما مشـينا في دين الرّب كذّابة يا سـلامي على من كـان طاع الله واتبع ملّــة إبراهيم واصحابه يقول عيّاد الحلحلي العتيبي (41): والله لقد كنت معه في مجلسه في خيمته حين نحرت الرّصاصة العبد, فألقى الله في قلوبنا فزعاً ورعباً عظيماً, والكثير منّا فزع من فوره لذلوله لا يلوي على شيء . ثمّ إنّ قنّاصاً من الإخوان ضرب رامي المدفع ففجر رأسه, ثمّ ثنّى على مساعده فألحقه به, وثار الهيْج, فألقى الله الرّعب في قلوب أهل الباطل والبغي, فهربوا وتركوا متاعهم وطعامهم, وركائبهم فلمّا رأت خيل الشريف أنّ الرّجّالة هربت, اتّبعتها هاربة, تاركة خلفها ثلاثمئة بعير موَقّرة الأحمال سلاحاً وطعاماً, كلّ خمسين بعيرٍ في مقطر, ثمّ إنّ الإخوان أحرقوا ذبائح الأعداء وأكفؤا قدورهم لأن القوم _في نظرهم_ كفار وذبائحهم ميتة لا يحلّ أكلها. فنصرهم الله تعالى, وأنزل مدده وجنده, وقُتل ثمانية وعشرون رجلاً من جند الشريف, وهرب الباقون على رأس حمود بن زيد الشريف, وغنم المسلمون الغنائم الوافرة, ولم يستشهد من الإخوان إلّا اثنين(42). ولمّا هرب جيش الشريف لامَهم من لامهم في الحجاز وقال: كيف تهربون من خمسين رجلاً؟ فقال زعيم حزب الشريف من أهل الخرمة: ليس هؤلاء من طردنا! فأصحابي أهل الخرمة أعرفهم واحداً واحداً, ولكن أتانا أكثر من ألف فارس عليهم ثياب بيض على خيل صفر من السماء, فطردونا حتى أقبلنا على جبل حضن! . قلت: إنّ صحّت هذه الرّواية فهي الملائكة عليهم السلام, وأهل السّنة لم يشترطوا نزول الملائكة مع الأنبياء بل مع أتباعهم عند حاجتهم إلى يوم القيامة, كما قرّره شيخ الإسلام وغيره, والله غالب على أمره . يقول غالب بن فهيد بن شاهين الشريف: كنّا أهل القصر ثلاثين, وجاء خالد بمن معه وكانوا خمسة وعشرين, فاستوفينا العدد خمسة وخمسين فقط, في مقابل كتيبة الشّريف الّتي قوامها ثلاثة آلاف ( ولينصرنّ الله من ينصره) وكان مع الشّريف شاعر وكان يقول: يا لله انك لا تعـاون خــالد من يـحب الله يقــول آمين جـرها بين الولـد والوالـد لين خـاب من الشرف والدين فَثِبْ وَاثِقاً بِاللهِ وَثْبــَةَ مَاجِــدٍ يَرَى المَوْتَ في الهَيْجَا جَنى النّحْلَ في الفَمِ ووجدوا مع الغنائم أربعين سلسلةً,كان الشّريف قد أمر بأن يُقرن فيها جميع كبار الإخوان, كخالد بن لؤي ومفرّح بن شارع بن هليّمة وناصر الحارث ومنير الحضبي وماجد بن جروة وسعيد بن هميل, ويؤتى بهم إليه مشاة حفاة إلى مكة مقرّنين ذليلين صاغرين لكن أبى الله ذلك . وبقي المدفع واسمه سرهيد لا يَعرفُ الإخوان كيفيّةَ استخدامه, فسحبوه وأدخلوه القصر حتّى أتاهم سعد بن سهل الرويس من الغطغط ودربهم عليه فقد كان من جنود الشريفسابقاً. وبجانب السّور كان هناك قصر سليمان الدميجي, في بستانه "معجبة" وكان غائباً في القصيم قبل أن يعود ويشارك مع الإخوان في معركة تربة لاحقاً, فدخل اثنان من الإخوان إلى القصر, وهما حمود بن مبارك وعبّاس بن شاهين, ليضعوه في حمايتهم وصعدوا لسطحه, فهجدهم بعض أهل السوق من حزب الشريف, وأطلقوا النار على أهل القصر فصاح أحدهم في الإخوان يسبُّهُم ويشتُمُهُم ويهدِّدُهم بالقتل وقال: اخرج يا عبّاس يا خرث الرِّجْل _لعرج فيه_ لأقتلنك قبل الصباح, وكان الظلام دامساً فلا يرى بعضهم بعضاً, وفي حركة هوجاء أحرقوا في زرائب البستان بقصد إتلافه وترويع أهل القصر, وغفلوا عن أنّهم انكشفوا على ضوء النّار لقنّاصة الإخوان, فما راع ذلك الرجل إلا وعباس قد صوّب البندقية جهته واستعدَّ لرميه, فتدرّأَ بنخلةٍ كانت بينهما, ولكنّ الرّصاصة اخترقت النّخلة ثمّ قتلته, وبعد قتله هرب الباقون, وقد وقفتُ على تلك النخلة ومضرب الرصاصة مخترقها!. وفي الصّباح سحب الإخوان جثّةَ وأخذوا الرجل ويعرضون عندها _أي يرقصون رقصة الحرب_ والأمير خالد بن منصور يقول: عقّب اللي يوم يجـرون المـدافع ما حمى في دين رب العـالمين من قعد ما عاد نبيله مـنــافع بنعده من حسـاب الميتين(43) مناوشات الدّفعة "السوق" وبعد معركة حوقان دخل الإخوان القصر"قصر حوقان" وأطلقوا المرأة وأرسلوها برسالة صُلْحٍ ودعوة لأهل السوق, وقال لها الأمير خالد: اذهبي لهم يا وقولي لهم: يأتوني ظالمين ويعودون سالمين, إلّا ماشيتهم فليست لهم(44). فذهبتْ لهم وأخبرتهم الخبر وأبلغتهم الرّسالة, فغضب أحد كبارهم وشتمها وضربها بالمشعاب _أي الهراوة_ على رأسها وقال: يا فاعلة! ويا كذا, وفعلوا بك كذا وكذا! والآن جئتي تخوّفين الرّجال, فقالت: لا تضربني يا فلان عسى يضربك العدو . ثمّ إنّ خالداً أرسل الفارس المشهور منير الحضبي الثوري, ليدعو بني عمومته للدّخول في الدّين, وأن يتعاهدوا جميعاً على إقامة الشريعة, وأنّ البيعة تكون على الكتاب والسّنّة . فذهب لهم خياّل "سرّا" وهي فرسه, فأتاهم ودعاهم بالحسنى, فردوا قوله عليه بأن قالوا: تكلّم يا حطّاب _ولعلّه مجنون سخرية بمنير_ فقال منير: أنا أخو نورة أهديكم للإسلام والمسلمين وتقولون تكلم يا حطّاب! . فأخذت امرأة منهم عموداً وهي زوجة الرجل الذي ضرب المرأة بالهراوة, فضربت فرسه ضربة شديدة كادت تفتك بها, فقال منير غاضباً: "أنا خيّال سرّا! والله لئن أحياني الله ليعرقنّ مركبي من حربكم يا....." ثم لوى عنق فرسه وعاد للإخوان . وَمِنَ البَليّةِ عَذْلُ مَنْ لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَخِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمُ وكان دخول الإخوان للسّوق بعد أسبوع تقريباً من معركة حوقان, وقد أرسل الشريف دعماً من سلاح وذخيرة لأهل السوق لكن تلقّفَهُ الإخوان وغنموه . إذا لم تكن ليثاً على الأرض أطلساً كثير الندى بالت عليك الثعالب! ثمّ إنّ الإخوان من حوقان وافاهم إخوانهم من الصّملة في السّوق, فرمى ذلك الفاتك ابنَ وندانٍ الصميلي فقتله, وألحق به روضان الثوري, ثمّ أتبعهما بثالث! مع أنّ الإخوان كان ينادونه بالأمان إن سلّم نفسه, لكن أبى حظُّهُ العاثر إلّا المنيُّة الحاضرة, ولمّا رفع رأسه يبحث عن ضحيّةٍ رابعة, إذ رامٍ من الإخوان قد جهّز حتفه وعجّل حِمامه, فرماه برصاصة أطارت قُحْفَ رأسِه من فوق القصر وفجرت دماغة, فخرّ صريعاً لليدينِ وللفمِ . وهذا القتيل قد كان سابقاً يستهزئُ بالأذان فكان إذا سمع المؤذّن أخذ يلاحيه ويسخر منه, فدعا عليه غالب بن ناصر بن لؤي وكان الأمير في ذلك الوقت, وقال: غيّر الله صوتك جزاء ملاحاتك للمؤذّن, فابتلاه الله بمرض الشجر فأكل أنفه. ولمّا وَلِيَ الإخوان السّوق فرحوا به كأنهم قد ولوا الطّائف. ثم أمدّهم الله بإخوانهم من أهل الغطغط البواسل, ويُقال إنّ أوّل سريّةٍ وصلت منهم هي سريّة سعد بن سهل الرّويس العتيبي في ثمانين من إخوان الغطغط, منهم محسن بن رجاء الّذي قُتِلَ بعد السّبلة مع ابن بجاد رحمهما الله, بل لعلّ هذه السريّة كانت بقيادته, ومعهم مقعد الدّهينة أمير المساعيد من الغطغط, الّذي خرج على الإمام عبد العزيز فيما بعد, ثمّ رجع تائباً فعفا عنه, وكان قدومهم بعد معركتي حوقان والسّوق فشهدوا معركة جبّار وما بعدها, والله أعلم. وبعد حوقان كتب خالد بن لؤي للإمام عبد العزيز يستنصره لإرسال قوّة تدافع عن الخرمة ضدّ هجمات الشريف وألحّ عليه بذلك وأغلظ له القول. وقديماً قالت العرب: قد ذل من لا ناصر له, ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم.. تَعْدُوا الذِّئَابُ عَلَى مَن لَا كِلَابَ لَهُ وَتَتَّقِي صَوْلَةَ المُسْتَأْسِدِ الضّارِي وبعد أربعة عشر ليلة هجم أهل السّوق الّذين كانوا قد خرجوا منه على الإخوان هجوماً صادقاً شديداً, من طلوع الشّمس إلى مغيبها بلا انقطاع, وتفجّرَ أكثر السّلاح من حرارة الرّصاص وغزارته, ولم يَعْتُقْ ويصمد معهم من السّلاح السّليم غير البنادق أمّهات إحدى عشر, وصَدَقَ الإخوان اللّقاء وصبروا, حتّى دفع الله أعداءهم عنهم, فسمّيت معركة "الدفعة". وأُصيب في ذلك النهّار نايف بن منصور الشريف, وسلطان بن خالد الشريف, في آخرين كُثُر من الإخوان . وبعدما انهزم أولئك وتراجعوا, استفزعوا بالشّريف الّذي أرسل لهم كتيبة عظيمة, حتّى لاقوا بها الإخوان في معركة جبّار, ومن لُطْفِ الله تعالى أنّ أَمْدَادَ أهلَ الغطغط قد وصلت أوائلها, فثبّت الله أقدام الإخوان. "حادثة مقتل بعيجان بن منصور رحمه الله تعالى" ولا شكّ أنّ هذا التّصرفَ الأرعن قد بلبل الأمور, وكاد يعصف بوحدة جند الإيمان, ويفرّقهم, لولا لطف الله تعالى, ثمّ حلم وحكمة خالد, الذي فقأ عين الفتنة, وأخمد أوارها, وقد كان طبيب زمانه رحمه الله, لذا فمن حين وصول خبر الفاجعة إليه كان عنده بضعةٌ من الإخوان القريشات الّذين ثاروا وطالبوا بالقصاص فوراً, لكنّه نهرهم بشدّةٍ وقال: هل هو أخي أم أخوكم؟ . قالوا: بل أخوك . قال: إذن الشّرعَ الشّرعَ . وفعلاً جعل الحديد والقيد في قدمي ابن سهل, وحبسه في أم الكُرْش (49) ثمّ حاكموه إلى الشّيخ فقال: القاتل يُقتل مع وقف التنفيذ؛ حتّى يغتسل محمد بن بعيجان من الجنابة,كناية عن البلوغ, فلعله يعفو أو يأخذ الدّية (50) . ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد القوم أصدرا وبعد أيّام ثارت معركة جبّار, فكان ابن سهل يقول لهم كما قال أبو محجن الثّقفي لزوجة سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنهم: أطلقوني حتّى أقاتل العدو, فإن مُتُّ فهو ما تريدون, وإن سلّمني الله فوالله لأعودنّ حتّى أضع رجلي في القيد! وقال بحاله ما قاله أبو محجن بحاله ومقاله: كفى حزناً أن تلتقي الخيلُ بالقَنا وأُترك مشدوداً عليّ وثاقيا إذا قمت عنّاني الحديد وأغُلّقتْ مصارعُ من دوني تصمّ المُناديا ولله عهد لا أخيس بعـهده لئن فرّجَتْ عني أن لا أزور الخواليا فأطلقوه فرأى النّاس منه العجب فكان لا ينبطح عند ثوران النيران, ولا يُدبر, ولا تخطئ له رميه, فبلغ قتلاه في ذلك النّهار سبعة (52) وقيل أكثر من ذلك من جيش الشّريف ثمّ عاد لقيده, وكلّما ثارت حرب أطلقوه ففعل الأفاعيل بأهل الباطل . والناس ألف منهموا كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا وَمَا قَتَلَ الأَحْرَارَ كَالعَفْوِ عَنْهُمُوا وَمَنْ لَكَ بِالحُرِّ الّذِي يَحْفَظُ اليَدَا؟ معركة "جبّار" ( الرّضم _ أبو بغيث ) ( 17رمضان 1336 وهو الموافق ليوم غزوة بدر الكبرى ) إِنْ عَادَتِ العَقْرَبُ عَدْنَا لَهَا وَكَانَتِ النّعْلُ لَهَا حَاضِرَة وقُتِل من حزب الشريف سبعون, ويالله! لقد قاتل الابن أباه والأخ أخاه من أجل لا إله إلّا الله! وهذا هو حال الإخوان, ثمّ يأتينا اليوم من صِبْيَةِ الكُتّاب من يزعم أنّهم يريدون الدّنيا بذلك الجهاد! . ياللعار والشنار! متَى تَصِل العِطاشُ إلى ارتواء إذا استقتْ البِحارُ مِنَ الرّكايا ومَمْ يُثْـنِ الأصاغِرُ عن مراد وقد جلسَ الأكابرُ في الزوايا إذا استوتِ الأسافِلُ والأعالي فقد طـابتْ منادمةُ المنايا وبعد معركة جبّار عاد مجموعة من أهل الغطغط لبلادهم فاستقبلهم سلطان بن بجاد غاضباً وهو يقول: تركتم إخوانكم مظلومين وجئتم تبحثون عن النّساء! والله لا ترونهنّ, فارجعوا من حيث أتيتم . ثمّ جهّزَ معهم علّوش بن حميد في خمسمئة مقاتل, وقيل أربعمئة, وذهبوا للخرمة فحضروا معركتي الحنو والقرين, حتّى أدركهم سلطان الدّين بن بجاد(66) بجموعه البالغة: (1200) مقاتل, فحضر تربة وما بعدها . "معركة الحنُو" ( في يوم عرفة التّاسع من ذي الحجة 1336) قومي إذا ما لضيم حلّ بهم فهم أسود الشّرى في مدلهم العواتيا يريدون بذلاً للنفوس وقد سمت بهم همم نحو الجنان العواليا فئيهٍ حماة الدين جاء عدوّكم يريد بكم كيداً عظيم الدواهيا فإن تستجيبوا للكفور فخبتمُ ألا حبذا قرماً عن الدين حاميا وقد هبّت الأرواح نصراً ونجدة فحيهلاً بالحرب زادت شعاعيا تشيّلوا ورعـانكم وارّاح لعاد تطـرون المديد قدامكم حسـو قـراح ومخالطـه تمر جديد وكانت تلك المعركة عشيّة عرفة, حين هبّت رياح النصر لجند الله, وكانت جنود الشريف قد ملأت الوادي كثرةً, وقد جرّ المدافع, وأحضر الرشاشات, وجمّع الجموع, ونزل الحنو, ولكن: وهل ينفع الجيش الكثيف التفافه على غير منصور وغير معان؟ تَرَكْنَا الخَيْلَ عَاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلّدَةً أَعِنّتَهَا صُـفُونَا ثمّ إنّ خالداً كان قد أرسل فارسين ليأتياه بخبر الجهة الجنوبية الغربية, أي أعلى البلد مع الوادي وجهة تربة وحضن, فأرسل منصور بن غالب الشريف وناصر بن جازع العمري السبيعي, فركضا فانطلقا إلى "الغريف" (81) ولمّا وصلا "القُرَيْن" (82) قال ناصر: لنرجع فليس أمامنا أحد, هذا القَطَا قد طار لمّا رآنا فليس أمامه أحد (83) . وعادا للإخوان الّذين اطمئنوا أنّ الجيش الّذي أمامهم واحد, خلافاً لِمَا بلغهم عمّا خطّطَهُ الشّريف بأن يكمش الإخوان بين جيشين من أسفل الوادي وأعلاه, لكن رحمهم الله بتأخّر الجيش الآخر الّذي لم يصل إلّا بعد نحو شهرين . ووحّد الإخوان وجهتهم, وانطلقوا للحنو, وقد تركوا في حوقان عشرين بوارديّاً, أي قنّاصة لحماية الجهة الجنوبيّة للخرمة, فصلّوا الظهر والعصر جمع تقديم في "غثاة" ثمّ تقدّموا, واستظل الأمراء الثّلاثة تحت دوحة كبيرة للمداولة ولقطع الرّأي, وهم خالد ومفرّح وعلّوش, وظهر تلك العشية رأي وعزم مفرح بن هليّمة الثوري حينما استشاره خالد وعلّوش في وقت الرّواح للحرب, هل يروحون على الأعداء أو ينتظرون الصّباح؟ بيات أم غارة؟ فركب مفرح ناقته وأشار للشّمس وقد مالت بعصاه وصاح: صبيّ التوحيد وأنا أخو من طاع الله, والله لا تغيب الشمس حتّى يكون الوادي لنا أو لهم بأمر الله! فقالا: رأيك رشيد يا مفرح . فهبّ جند الرحمن وحماة التّوحيد, ثمّ استلم منير الحضبي الخيّالة, الّتي ذهب بعضها من الجهة الشّماليّة للوادي, حتّى يقطعوا الطّريق على فرسان الشّريف, من أجل ألاّ يكرّوا عليهم من خلفهم فيخالفونهم على الرّدفاء الّذين في مؤخرة الجيش قد قعدوا عند إبل الإخوان, وينتظرون السّلاح من غنيمة إخوانهم حتّى يكرّوا به معهم, فاستشهد من الفرسان هزاع بن محمد الحارث, وجذيع بن هملان, ومحسن القصيّر أبو مطلق, قتلهم الهمرق مع جيش الشريف, وألحق بهم ثلاثة آخرين وأصاب منيراً في جنبه, وأول عِنَاقِ الفرسانِ وطعان الأقران لبعضهم كان في زريبة (84) "ابن تني" الثوري, الّذي استشهد في أوّل المعركة, ودُفِنَ في زريبته رحمه الله . وركض البوارديّة (85) على أقدامهم, وخلفهم مفرح على حصانه وكلّما أراد أحدهم أن يفرّ أقبل عليه بحصانه, فيخجل الرجل ويرخى عمامته على وجهه كي لا يعرفه الأمير مفرح! ثمّ عاد وكرّ على لهيب المعركة . وَقَدْ يَغْشَى الْفَتَى لُجَجَ المَنَايَا حذَاراً مِنْ أَحَادِيثِ الرِّفَاقِ ذا يوم الحجــة ذا يـوم العـيد فتح باب الجــنة يا أهـل التوحيد من طاح في الميدان ماهو بمرحوم يا كود من ربّ السّما شافع له وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنّها روحٌ تذوب فتقـطرُ وكان الإخوان قد قسموا جيشهم قسمين, فطائفة مع الزّرائب والحزم, وهم أهل البلد وكانوا قرابة الثمانمئة, وطائفة مع بطن الوادي وهم أهل الغطغط وهم الّذين صاروا في وجه رصاص المدافع الرشاشة فأثخنتهم المقتلة رحمهم الله . قال علي النّاقول رحمه الله: والله إنّي لأنظر إلى أهل الغطغط, وعليهم ثياب بيض يركضون في بطن الوادي مُصْعِدِينَ لجيش الشريف, والمدفع الرشاش يحصدهم حصداً, فيسقط أوائلهم صرعى, ويقوم من يليهم على بيرقهم _لوائهم _ حتّى وصلوا لأصحاب المدافع فذبحوهم, وللرّصاص فرقعة في شجر العشرّ مع الوادي. إِذَا مَا غَضِـــبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَّةً هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ تَقْطُرُ الدّم تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار لَوْلَا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ الجُودُ يُفْـقِرُ وَالِإقْدَامُ قَتَّالُ واستُشهد فيها الكثير كما أسلفنا كفهيد بن شاهين الشريف, وهزاّع بن محمّد الحارث الّذي قال ضُحى ذلك اليوم: الّلهم إن كانت المنيّة قريبة فاجعلها اليوم, فاستجاب الله دعوته, ومناحي بن وندان, والكثير من الغطغط, قال عمر بن علوش: النّساء اللاتي لزمهن الإحداد في الغطغط بعد الحنو لا يحصين من كثرتهن! وشارك مع أهل الخرمة خمسمئة من أهل الغطغط, ومئتان وخمسون من أهل الرّين – إن صحت رواية مشاركتهم في الحنو - أمّا أهل الخرمة فقرابة الثمانمئة . قال دندن العصامي المطيري: بانت البيّـــنة والدين دين الله ما نطـاوع هل الردات والجافي ومن يشكك في كفـر البيه عبد الله ذاك ما قلبه على التوحيد ميلافي يوم سرنا على الكـفـار بامر الله حجـّة حجها من نار واطافي يوم شاكر جمع جنود عاصيــة الله ومشره نفسه بتصبيح الأسلافي يالإمام ارتحل ياشيــخ جـند الله يوم ضلوا طريق الحق الأشرافي يالإمام اجتهد فيما يحـــب الله وان صدقنا مع الله هو لنا كافي قال ابن مسفر: جانا فاجـر والشريف شــاكر يمشـون مــن الحرة للأفياح يمشي على قـومه ويقـول اردوا اردوا على تمر مــن قــراح تنادبوا هـــل التوحيد وسبلوا تســــالموا وكل قال مباح كل كتـب دينه ولبـس احـرامه وقال امشوا هذي حجة الأرواح وقـمنـا عليهم قومة بأمــر الله لين الأوايل عـــودوا طفاّح يازين صقع سيــوفنا في جباههم صقـع الصواقع من السما طياح ذيابة الخـــلا أكلي وغبـّـبي ملّي المجــاحر واهتني بارواح مكث أهل الغطغط بعد معركة الحنو في الهجرة عند خالد قرابة شهرين, وبعد برء جراحهم قالوا: قد انتهت مدّة الجهاد, فبعضهم وبخاصّة أهل السّريّة الأولى كان لهم ما يزيد عن الخمسة أشهر عن بلادهم بعد معركة جبّار, وعادوا لديارهم, وأثناء سيرهم جاءهم صارخ الإخوان؛ أن عودوا فقد عاد الشريف مع "القرين" . فقالوا : اطلبوا الله لسنا بعائدين إليكم قريباً!. ولما وصلوا نهرهم سلطان بن بجاد, وهجرهم ثلاثة أيام لقدومهم قبل استغناء إخوانهم عنهم, وأقبل الشريف حمود بن زيد على القرين . معركة "القُرَيْنِ" ( 17 صفر1337) جاء جيش الشريف بقيادة حمود بن زيد, الذي كان قد هُزم في حوقان وجبّار, وقد تأخر بحمد الله عن القدوم للخرمة, ولم تتم خطته مع أخيه شاكر حينما اتفقا بأمر حسين على غزو الخرمة من الجهتين _ إن صحّت الرواية _ وعلى الرواية الأخرى؛ أنّ قائد جيش الشريف في القرين هو شاكر وليس حمود, الشّاهد أنّه بعد وقعة الحنو بشهرين جاءه الإخوان وهو يجهّز لهم في القرين, فغزوه في ثكناته وكما قيل: ما غُزِيَ قومٌ في عقر دارهم قطّ إلّا ذلّوا, فكانت معركة القرين عظيمة, مع عدم التعبئة الكاملة للإخوان, لكنّ الله أنزل نصره وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده, وطارد الإخوان فلول الشّريف حتّى مغيب الشمس وحلول الظلام, كما حدث في الحنو, وكان شاعر الشريف يهجو الإخوان بقوله: يا تيوس يقوّدها خـــروف واجتلبها على المــوت الحمر حالـف ما أديّن لين أشــوف لين أوصّــل لبو فيصل خبر عيّدوا بفلان أهل الســيوف ونحــمد الله على البيه الخطر نحمد اللي جمع كل الشـفوف نصرة للديــن طار بها الخبر يا كليـب بقلفـته محـذوف عند حـــوقان دعته القدر وفي رواية مشرع الكرناف قال: أرسلنا الشريف من القرين للإخوان وأَمَرَنَا باغتيالهم بالرّصاص أثناء صلاتهم . قال : إذا كبّر بنو رقعان للصّلاة فضعوا الرّصاص في ظهورهم, قال: فانطلقنا عشرة فرسان, ولمّا أقبلنا عليهم _وكان تحتي فرس صفراء_ إذ لمحتنا امرأة كانت تحتطب, فأسرعت لخالد فأخبرته الخبر , فكمنّا ننتظر وقت صلاتهم حتّى نقتل كبارهم وهم في الصّلاة, ولمّا علم خالد, أمر بضعة فرسان عليهم ابنه سعد ومعه العطيّب وهو عبد الله بن بعيجان ومجموعة من الفرسان الأشدّاء؛ بأن يدوروا من خلفنا ويرموننا من ظهورنا, وفعلاً لمّا كنا ننتظر وقت الصّلاة ونحن على خيلنا, إذ تَعَقّدَتْ ظُهُور الخيل من تحتنا من أجل سماعها دَكَكَ الخيل من خلفها, ولم ننتبه إلّا ونواصي الخيل نازلة علينا من خلفنا هابطة من الشعب, فرمونا بالمشط الأول وهربنا, وأسقطوا أحد فرساننا من فرسه وأسروه, وأسقطوا آخر, لكنا أردفناه معنا وغنموا فرسين, فلمّا أقبلوا به على خالد قال لهم: هل أمّنتم الرجل أم لا؟ فقال الإخوان: لا, فقال خالد: اذهب به يا فلان _ابن عم الأسير_ فاقتله, فضربه برصاصة في رأسه . فَأَمَرَ الرجل بقتل ابن عمه كما طلب عمر رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل قريبه بعد بدر, وأن يقتل عليٌ قريبه كذلك, ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون). ثم انطلق الإخوان قد ثار غبار خيلهم, حتّى وصلوا "القُرَيْن" فنازلوا الشريف, وقتل من جند الشريف ذلك النهار أكثر من سبعين. واستشهد من الإخوان الكثير في تلك المعركة, منهم محمد بن زايد كذلك ابنه عجب, ثمّ هرب الشريف لمركزه في عشيرة بعد هذه الهزيمة, ورحم الله ابن المبارك حينما قال حاثّاً على الجهاد : رِيْحُ العَبِيرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيرُنَا رَهَجُ السّنَابِكِ وَالغُبَارُ الأَطْيَبُ يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ والرّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلّا تَلَا حَامِيْمَ قَبْلَ التّقَدّمِ وَكُلُّ كَسْرٍ فَإِنَّ الدِّينَ يَجْبُرُهُ وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جُبْرَانُ قُرَيْنٌ وَحَوْقَانٌ وَحِنْوٌ مَصَارِع وَجَـبَّارُ لِلْبَاغِيْنَ لَيْسَ بِجَابِرِ "معركة عشيرة" ( ربيع الأول 1337) وبعد القرين هجم الإخوان على عشيرة, وتقع شرق الطائف بمرحلة, وتعتبر مركز التموين لجيش الشريف, وقد بدأت جموع الشريف تجتمع فيه انتظاراً لعبد الله البيه القادم من المدينة النبويّة بعد قضائه على التّرك فيها, فجاء متفرّغاً لحرب الإخوان, وللوفاء بوعده الذي قطعه لوالده بتأديب المديّنة, وكان عدد الإخوان المهاجمين ثلاثمئة, ثمانين من الخيّالة والبقية من الهجّانة _بناءً على تقرير وزير حربية الشريف_ أتوا من الخرمة رأساً إلى عشيرة, فبدّدوا مَنْ كَانَ بها من جنود الشريف وأخذوا مدفعين جبليين, وغنموا ثمانمئة كيس من الدقيق والأرز, ثمّ عادوا للخرمة . قال المؤرخ محمد العلي العُبيّد رحمه الله وكان قد سكن الخرمة قبيل اشتهار التديّن كظاهرة, سنتي (1330_1331) عند خالد بن لؤي . قال عن معركة عشيرة بتصرف واختصار: إنّ الإخوان قدموا عليها تحت ثمان رايات, خالد بن لؤي, وسلطان بن بجاد, وسلطان أبا العلا, ونجر بن حجنة, وناصر بن عمر, فلما دنوا من الأبرق تشاوروا, فقال خالد: نقسم خيلنا قسمين كلّ قسم مئة مردفة بمئة, فقسم يغيرون عليهم شمالاً حتّى ينزلوا عليهم من الحرة, ثمّ ينزل الردفاء وهم الرماة في الأرض معهم الخيّالة, ويمطروا الرّصاص على أهل الماء ومن حولهم, أمّا المئة الثّانية فتغير عليهم مُجنِبَةً حتّى تستقبلَهم إذا فرّوا سِرَاعاً مبادرين الرّيع المؤدي إلى السّيل وهو وادي محرم, أمّا الجيش براياته الثمان؛ فيُغيرُ غارةً واحدةً على المدافع وعلى الجموع المحتشدة في عشيرة, فمن قُتِلَ قبل أن يصل فهو شهيد, ومن لم يقتل فليقاتل على قدر شجاعته لا يدّخر منها شيء . فرضوا رأي خالد وعملوا به, فهزموا الجموع الغفيرة من جند الشريف وقتلوا أكثر رجالهم, ولم يمض ثلاث ساعات حتّى خلا المَطْرِحُ (102) إلّا من القتلى أو الإخوان الّذين بقوا يومين يقسمون الغنائم . "معارك الرّيعان" (1337 - 1343) (معارك متعددة بعد معركة تربة) "الخرائق" عام (1340) أرسل خالد بن لؤي مجموعة من الرّجال ليعسّوا الأرض لإبل الإخوان جهة جبل حضن, وأمّر عليهم ابن فاحس القريشي, فصادفهم صِنهات المزيني بسريّته وكان من رجال الشّريف, فقتلوا منهم مجموعةً على رأسها ابن فاحس, ثمّ إنّ الإخوان جمعوا الإبل ثمّ ساروا بها لحضن, وخيّموا على الخرائق آمنين, وبينا هم نائمين وقت القيلولة, إذِ الرصاص قد ثار فيهم, فقد هجم عليهم جيش الشريف من قبل شاكر وقتلوا منهم بضعة رجال, ثمّ هبّ الإخوان للسلاح, وهم يهلّلون ويكبّرون واشتعل الهواء من البارود, وكثر الرمي فهرب الغزاة المهاجمون, فركبهم الإخوان يصيدون ظهورهم, فقتلوا منهم الكثير حتّى إنّ الأرض قد اسودّت فيما يُروى من جثثهم, وقد استشهد من الإخوان عشرة, وقيل بل أكثر بكثير والله أعلم. وفيها استشهد محسن بن خالد بن لؤيّ على حصانه "كحيلان" وهو ينشد أبيات بن رواحة رضي الله عنه: يَا نَفْسُ مَالَكِ تَكْرَهِينَ الجَنّةَ هَلْ أَنْتِ إِلّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّة ويقول البعض: إن غزو الإخوان لجليل والأُخيضر كان بعد الخرائق بسنتين, والأشهر أنّ تلك الغزوة كانت قبل الأخيضر بثلاث سنين, إلاّ إن كانت غزوتان, وهو متجه, والله أعلم. "يوم الغلطة" ( مقتل منير الحضبي في نحو عشرين من الإخوان رحمهم الله ) فكان هناك سريّة جوّالة من إخوان الخرمة, قد أرسلهم خالد بن لؤي مقدمه للجيش, وقال خالد لمنير الحضبي: كن مع الجيش, فقال: دعني أذهب مع السريّة, حين دعته منيّته واستعجله قبره, فذهبت السريّة وفيها فيحان الغرمول, وذعار بن حنيف, وابن درع, وصالح بن حمد الروقي, ولماّ أقبلت السريّة على المحاني أرسلت سُبُوراً لها - أي مجموعة استطلاعيّة - فأشرفت المجموعة على أحد المياه فرأوا الإبل وعندها أصحابها, ولم يعلموا أنّ أصحاب الإبل هم إخوانهم من أهل "نفي" ومن معهم, وقد جاؤا يريدون مثل الذي يريده إخوان الخرمة من الهجوم على ذلك التجمّع لمن سمّوهم بالمشركين, ولم يك هناك تنسيق بينهم, وقد وضعوا المعامّ عن رؤوسهم من الحرّ, وتفرّقوا لصيد الأرانب, وكان منير يسير مع أصحابه على قدميه وهو ينعُس, وقد ترك لفرسه"سَرّا" عنانها على رقبتها, ويسير وهي بجانبه تبتعد وتقترب, وتتأخر هنيهات لتأكل العشب, ومعه تمرات يمدّهنّ إليها فتقبل لها حمحمة, فيلقمها اللّقمة ثم تعود لحالها. ثمّ إنّ المجموعة الاستطلاعية عادت وأخبرتهم خبر القوم فنادى فرسه فأقبلت عليه تخبّ خبّاً خفيفاً, فألجمها ووثب عليها, وأخذ الإخوان أهبتهم وهجموا على تعبئة تامّة, وقد أخذوا إخوانهم على حين غرّة, وهم ثلاث رايات من الإخوان من أهل "نفي" وغيرهم على الماء, فرموهم وقتلوا منهم سبعة عشر, وقيل بل ثمانية, وردّ أولئك عليهم وقتلوا منهم أربعة؛ اثنين من بني وبدان, والثالث من كبار الإخوان, فارس لا يشقّ غباره, قد ملأه الله شجاعة وفروسيّة وكرماً وشهامة ونبلاً, وفوق ذلك تديّناً وصلاحاً ووقوفاً عند الحدود, ولا نزكيه على الله, ذاك هو منير الحضبي . الذي كرّ فرسه على رجل فرماه, فلمّا سقط إذ صاحبه قد جهّز الطّلقة لمنير فرماه فأصابت زرار الصّدر على كبده فأطارته من فرسه رحمهم الله جميعاً, وَرَهَجَ الرصاصُ وَوَهَجَ شرره بين القوم, وكان إخوان الخرمة يتقدّمون, فمرّ أحدهم وهو صالح بن حمد الرّوقي على أخٍ له من أهل ساجر يسبح في دمه, ولم تفض روحه فعرفه, وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون, أأنت فلان؟ قال: نعم, فصاح بأعلى صوته صياح الفزع ويقول: الإخوان يا إخوان! الإخوان يا إخوان! أي كلّكم من الإخوان . يقول أحدهم: والله لقد مددت البندق على أحدهم وقد أحميتها وهو بين يديّ حتّى رأيت صالح بن حمد يصيح, قال: فرفعتها عنه فوقاه الله ناري! حالهم كما قال الأشهب بن رميلة راثياً قومه: وإن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا أم خالد(103) وقال بعضهم لآخر: قد قتل منّا سبعة عشر رجل, فقال صاحبه: اسكت فلقد قتلتم رجلاً يزن البيرق كلّه ألا وهو منير الحضبي . وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تجدون الناس كإبل مئة لا يجد الرجل فيها راحلة ) . قال ابن الدمينة: أَلاَ هَل مِن البَينِ المُفَرقِ مِن بُد وَهَل لِلَيَالٍ قَد تَسَلَّفنَ مِن رَد وَقَد زَعَمُوا أَن المُحِب إِذَا دَنَا يَمَلُّ وإََن النأي يَشفِي مِنَ الوَجدِ بِكُل تَدَاوَينَا فَلَم يُشفَ مَا بنَا عَلَى أَن قُربَ الدارِ خَيرٌ مِنَ البُعدِ هواي بهذَا الغَور غَور تهَامَة وَلَيسَ بهَذا الحَي مِن مُستوَى نَجدِ فَوَ الله رَب الَبيت لاَ تجدينني تَطَلّبتُ قَطعَ الحَبلٍ مِنكُم عَلَى عَمدِ وَلا أَشتَرِى أَمراً يَكُونُ قَطِيعَةً لِماَ بَينَنَا حَتى أغيّب في اللحدِ ألا ياصبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدا على وجد رعى الله من نجد أناس أحبهم فلو نقضوا عهدي حفظت لهم ودي إذا هتفت ورقاء في رونق الضحى على غصن بان او غصون من الرند بكيت كما يبكي الوليد ولم أكن جليدا وأبديت الذي لم أكن أبدي وقد زعموا ان المحب إذا دنا يمل وأن البعد يشفي من الوجد بكل تداوينا فلم يشف مابنا ألا أن قرب الدار خير من البعد "مقتل الفرد والعبّود" عام: (1342) راقي الفرد من قوّاد الشريف, قُتِل أخوه هوصان في تربة بأيدي الإخوان, فقلبهُ غليلٌ عليهم فهو يبحث عن غرّة من الإخوان كي ينتقم منهم, ومعه محمّد العبّود الذي أظهر التديّن وعاهد الإخوان وسكن معهم في هجرة خالد وبنى بيته هناك, وكان سخيّاً جواداً نبيلاً, يطبخ الشاة في مرقة الأخرى, ولقلّة الزّاد فقد كان يقدّم الذّبيحة ملَطاً ليس ليس تحتها خبز ولا أرز, فكان يقول: كلوا والله لئن عاش رأسي لأذهبنّ لدار لا أضعها ملَطاً . فبلغت هذه الكلمة للإخوان فتوجّسُوا من الرّجل وقالوا: يا خالد الرجل نافق, فقال خالد: اتركوه فإن غدر سيخذله الله, وكان قومه بإبلهم مربّعين في "الهَضْب" (104)وقد مرّت سنوات انقطع عنهم الكثير من مدد الشريف لهم بالأطعمه والجنيهات, وقلّ المطر ذلك العام, فركب العبّود في إحدى الليالي إليهم في الهضب, وترك زوجته "قوت" الثورية في البلاد حتّى لا يُستنكر ذهابه, ثم أمر قومه بالذهاب إلى مكان أخصب من مكانهم, يقال له "الحمار" أسفل وادي الخرمة, ففعلوا, وعاد للخرمة, ولمّا ارتحل قومه للحمار إذ سريّة من سرايا الإخوان من الخرمة قد هجمت عليهم وسلبتهم الإبل, أما الرّجال ففرّ أكثرهم لكن تلقّفَهُم الإخوان أهل"نفي" في "بِسْيَان"و"دغيبجة" فقتلوهم, فلمّا أصبحوا إذِ العبّود قد سرى بالليل من الخرمة وعاد للشريف . ثمّ أخذ في الإغارة على إبل الإخوان, ونهب ما استطاع منها, فأخذ إبل ناصر الحارث, وبعض بني ثور في العوجا في الحمار, ثمّ أعاد الكرّة فأخذ أبل بني رشدان, واشتدّت عداوته وحربه, وكان في معيّته ابن عديس وجماعته . ووافق العبّود راقي الفرد, وكان راقي الفرد هو الأخ الأكبر لهوصان المقاطي وزير عبد الله البيه على ماليّته, فلما قُتل هوصان في تربة عقد راقي العزم على الانتقام من الإخوان ولكنّه كان كثير الإبل وهي في مفالي الإخوان, وكان عددها ( 160 ) من كرائم الإبل كما ذكره العبيّد في تفصيل خبر راقي الذي نحن في سياقه نقلاً عنه, هذا غير زَمْلِ بيته (105) وكان سلطان بن بجاد كثيراً ما يدعوه لبيع الإبل والسكنى معه في هجرته الغطغط, ولم يكن يحفل بكلام سلطان حتّى عزم وآلى على نفسه الانتقام من الإخوان . فأتاه وهو يحمل معه ( 100 ) ريال فرنسي, وقال: يا ابن عمّي أنا تحولت من شداد الدنيا وركبت شداد الآخرة, وأحب أن أجاورك وأبيع الشّقاء والعذاب _ وهي الإبل _ وأريدك أن تعيّن لي أرضاً عندك قريبة من منزلك, وتعطي المئة ريال هذه رجلاً يشتري بها خشب لعمارة الدار, وأنا سأجلب كل ما أملك من الإبل لعنيزة, وأبيعها وآتي بثمنها دراهم وأجاورك, وأجاهد معك في سبيل الله. وقد تنزع الحاجات يا أم معمرٍ كرائم من رب بهن ضنين فقال سلطان: الحمد لله على هدايتك وتوفيقك للرّشد, ثمّ أمر الإخوان بالسّلام عليه وتهنئته بالهجرة بعد الجفاء والتعرّب, بعدما كان الإخوان هاجرين له. ثمّ مشى معه لأرضٍ قريبة ورسم له حدّها, ثم انطلق راقي لجمع إبله من الفلوات, فحازها وجمع كلّ ماشذّ منها وساقها لعنيزة, وباعها بثمن غالٍ, وقبض ثمنها ثلاثة آلاف جنيه إفرنجي ذهباً, فأعطى رعاته أجرتهم وصرفهم بعد ما أعطاهم مطيّة, ثم أبقى معه أحد عبيده وكان يجيد الرماية, ثمّ استدعى رجلاً يُدعى دابي القسّامي فأفضى إليه بسرّه واستكتمه إيّاه, فلمّا توثّق منه أخبره عن إرادته المسير إلى مكة, وأنّه ليس له معرفة بديار الرّوقة وطلب منه المسير معه, فوافق القسّامي, فمشى الثلاثة من عنيزة على مطايا من سوابق الجيش, وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار غالباً, فإن رأوا شبحاً من النّاس انحازوا عنه, حتّى وصلوا إلى آخر عَرَبٍ من الإخوان مما يلي الحجاز, وكانوا قد رأوهم بعد العصر لمّا نزلوا عند جبل أبيض يقال له: "عبل مقذل" وهو واقع بين سجا وعفيف ممّا يلي "المردمة" فلمّا علموا أنهم وقعوا في الورطة إذِ القوم أمامهم وقد رأوهم, وفي علم الجميع أنّ من اجتاز هؤلاء لجهة الغرب فهو منحاز للشريف! وكانوا لا يدرون عن القوم الّذين هذه خيامهم هل هم من الإخوان أم من الأحزاب؟ . فقال راقي لصاحبه: هات الرّأي . فقال دابي: الرّأي أن ننهزم للخلف, فإن أدركونا بالخيل قتلناهم, وإن طردونا بالجيش فأنّى لهم إدراكنا فجيشنا سوابق . فلم يقنع هذا الكلام راقياً, ثمّ إنّه مَدَّ يده لخرجه, وأخرج منه نصف طاقة شاش أبيض قد اشتراها وأعدّها للطّوارئ, فقطع منه ثلاث عمائم ثمّ وزّعها على صاحبيه واعتمّ بالثّالثة, ثمّ قال: صدّرُوا للبيوت, فذهبوا ومرّوا بامرأة ترعى الغنم فسألوها عن البيوت, فقالت: هم آل فلان, وكان يعرف أميرهم, فساق الركاب لبيته, وكان قومه قد تحلّقوا حوله, ويقال: إنّ في تدينهم لَوَث, فلم يكونوا مصافين للإخوان لكنهم خافوا على إبلهم, فلمّا أقبل عليهم عرفوه وهو على ناقته, فرحبوا به وحيّوه, ولم يرد عليهم شيئاً, فلمّا نزل قال بكلِّ دهاء ومكر: قفوا مكانكم فإنكم مهجورون, يا بن فلان! من يلقى مثل ما لقيت؟! الإخوان يطاردون الكفار على سِيْفَ البحر ويشربون الماء المالح, وأنت تصلح مرعى إبلك وتقطع الرغاة عن خشمك وعن براطمك أنت وجماعتك, والإخوان من ورائكم يجاهدون! . فلمّا انقضى توبيخه لهم, التفت بعضهم إلى بعض وقالوا: اتركوا الإخوان لا تغضبوهم, وإذا لم يريدوا سلامكم فلا تسلموا . فلمّا رأي راقي أنّ حيلته بدأ نفعها, استرسل في مكره فقال لهم بلسان طلقٍ ذلقٍ: عجّلوا ضيفتنا فإنا على عجل . فقام أحدهم مسرعاً إلى إحدى مطايا الضّيوف فركبها وذهب للمرعى فجلب شاة ذبحها حين إنزالها من ظهر المطية, ثمّ إنّ راقياً إتّكأ على الشّداد وقال: أبشّركم يا من تحبّون مكة ورُزَّها؟. قالوا: بشّرنا , بشّرك الله بالخير . فقال: هذا الخِرْج الذي على جنب الذلول ليس فيه غير مكاتيب ابن سعود وابن بجاد والاخوان, يسعون بالصلح مع الشريف, ثمّ تكون نجد والحجاز سعوديّة. ففرحوا واستبشروا, وقالوا: هذا مطلوبنا . فلمّا صلّوا المغرب قدّم العشاء, ثمّ انطلقوا لمكّة, فلمّا وصلوها ذهب من فوره لإبرار قسمه لحرب الإخوان, ووجد محمد العبّود قد رأى رأيه, فاتفقا على ضرب الإخوان ضربة موجعة, وجهّزهما الشريف بالعتاد والإبل, ولمّا خرجت سريتهما من مكة وكان قوامها السّبعين من المقاتلة, وبينما هم في أوّل انطلاقهم رآهم رجل يُقال له أبو ليلة فصاح فيهم: والله لا يعود منكم أحد حتىّ ردّاد الخبر يا ويلكم ويلاه من الإخوان! فدخلت هذه الكلمة في صدور بعضهم, فصاح أبو ليلة في السريّة بالرجوع, لكن الحتف كان أمضى, والمنيّة كانت أقرب, فردّوا عليه كلامه ونصحه, فكان وإياهم كما قال دريد بن الصمّة الهوازني سيد بني جشم وفارس هوازن: أمرتهم أمري بمنعـــرج اللِّوَى فلم يستبينوا النّصح إلا ضحى الغد ثمّ إنّ خالداَ سار بجيشه ولم يكن كبيراً في تلك الغزوة, ثم اتّجه شمالاً ثمّ غرّب, حتىّ جعل "رضوان" (107) على يساره ولمّا تجاوز رضوان مرّ على "المُحْدَثة" في طرف حرة كشب وجد آثارهم, فجرّد تجريدة وأمرها بالالتفاف على سريّة القوم, وتواعدوا أبرق عشيرة, وخالد وجيشه يتبعون الأثر مجدّين السير, فذهبت التّجريدة بقيادة ابنه سعد, ومعه فهيد بن مبارك, ومحمد بن سرماد, وهزّاع الصفرا من القواوده البقوم, وبتّال بن هبسا, وسعود بن هبسا وقد استشهد ذلك اليوم, والحميدي بن مفرح, وغزاي بن جرمان وقد استشهد ذلك اليوم, وعريج بن حنتوش, وعايض السميّ, وشجاع بن بادي وقد استشهد ذلك اليوم, وبجاد بن بادي, وعجب بن وبدان, وأخوه شارع, ومنيف الحويزي . وقال سعد لمن معه: اسلكوا الحِشّة (108) مع اليمين لعلّكم تدركون القوم, ومع ابتعاد سعد وتجريدته عن الجيش إلّا وهم يسمعون صوت الرّصاص, ولمّا تبيّنوا الخبر إذْ معرّة جيش خالد قد تصادمت مع سريّة راقي الفرد ومحمد العبود, وقد انحرفت سريّة الفرد والعبّود وأدبرت وما راعها إلا تجريدة سعد مقبلة نحوها, فاقترح أحد الرجلين إمّا راقي الفرد أو محمد العبود الفرار جهة اليمين لعلّه يبقى لهم باقية, فنهره صاحبه وقال: لعن الله من مدحك لي! فثارت غضبة ونعرة الآخر وهاجت حميّته؛ فقال: إذن فلعن الله قوماً أنا ذليلهم! فضرب رأس ذلوله بالرّسن, فبركت, فأناخت جماعته عليه, والآخر كذلك أناخ عليه قومه, وخجلوا من الهرب: وقد يغشى الفتى لجج المنايا حذار من أحاديث الرفاق يابو قذيلة يارفروف ليتك تحلى وتــشوف فنصر الله الإخوان وقتلوا جميع السريّة, ولم يسلم إلا المخبر وهو غازي القصّاص كما تنبأ أبو ليلة (110) وقد أصابته رصاصة فأخذ يزحف والدّم يتناثر منه, فهمّ به بعض الإخوان فقال خالد: اتركوه يخبرهم الخبر, وحانت إحدى صلاتي العَشِيّ إمّا الظّهر أو العصر فصلّوا ثمّ قال خالد: خذوا من لحم جيشكم ما شئتم - أي بعد نحره - ثمّ ارحلوا, ذلك أنّ خالداً كان من سياسته ألّا يبقى في مكان المعركة بل يبرز عنها ويبتعد, حتىّ لا يدركه من لم يحسب له حساب, فيؤخذ على حين غرّة. وقد استشهد من الإخوان عشرة . ولمّا وقفوا على جثّة راقي الفرد, وكان قد أحمى عليهم الهيج وقتل بعضهم, وقد تهوّلوا من عزمه وحزمه, فقد وجدوه قد حفر لقربة الماء ثمّ أدلاها عند فمه حتّى يشرب وهو يرمي القوم, وقد فتح خِرج الرّصاص بقرب بندقيته أمّ ركبة, ولمّا عَدُّوا الصِفْر الّتي أطلق رصاصها إذ هي ثلاثٌ وستون صفرة, لذا فقد كان عند هؤلاء شجاعة وفروسيّة وبطولة ورجوليّة, لولا خذلان الله لهم بحربهم للموحّدين . وممّن قُتِلَ مع الفرد واحد من الأشراف ممن كان مع الإخوان فنكص على عقبيه, وورد من خبره أنه كان مع الإخوان في الخرمة, فلما أراد الله خذلانه طرأ عليه أن يتبع الشريف وحطام دنياه , فقال لأخيه: يا فلان أعطني شدادك (111) سأذهب لابن سعود, وكان عبدالعزيز في ذلك الوقت يستدني الأشراف ويقرّبهم ويعطيهم ويستميلهم, لكن ليس كعطاء الشريف, فقال أخوه: خذه, فأخذ الشّداد ثم انحدر مع الوادي واشترى ذلولاً نجيبة من أحد بني ثور أسفل الوادي, ووعده بالثّمن حين رجوعه من ابن سعود كما زعم, ثم رَكّبَ عليها الشّداد, وانطلق مغرّباً للشريف, وحينما ورد بنو ثور قالوا لصاحبهم: وجدنا أثر ناقتك الفلانية مغرّبة قد جعلت الشمس بين عينيها وقطعت الشعب الفلاني! فقال: الخَلَفُ على الله! خسرت ذلولي ودراهمي, وحينما وصل للشريف إذ هو يجهّز حملة الفرد والعبّود فطلب منه السّلاح, فأمدّه ببندق وحزام ملئ بالرّصاص, فركّب شداد أخيه على ذلول الثوري, ثمّ عاد مع جند الشريف غازياً قومه الإخوان فقُتِل! وقيل إنّه لما أشرف على الموت واقترب منه وبل الرصاص صاح في الإخوان: يا إخوان أنا فلان أخوكم . فقالوا: بيّن رأسك يا فلان . فلمّا أشرف عليهم برأسه رموه بالرصاص فقتلوه, وتُذكر هذه الحادثة كذلك على رجل آخر في تربة , قال شبيب بن جميع: قمنا عليهم صِفـرٍ كنها الجلّة كم فاطـر فرقوها هي وراعيها لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنّــه من يخذل الله يخذل لجـاهد حتى يبلغ النفس عذرها وقلقـل يبغي العزّ كل مقلقل "يوم عوينة كنهل_ العيينة" (19/ 11/ 1347) ولمّا حبس الإمام عبد العزيز أهل السبلة, توجّس العجمان خيفة من الإمام ومن ابن جلوي, فانحازوا عنه, فلم يعودوا يدخلون عليه ويزورونه كما عوّدوه, فأرسل لهم ابنه فهداً فأناخ قريباً منهم, وكانوا على "عوينة كنهل" بقرب هجرتهم "الصرّار" – بينهما قرابة الأربع ساعات - فنزل بجيشه حذاءهم, وكان جيشه مكوّن من بني هاجر وبني خالد وابن عريعر وحاضرة الشّرقيّة وقبائل كثر, وكان أمير العجمان حينها ضيدان بن حثلين, وكان من ضمن العجمان أمير فخذ منهم, يقال له ابن سُفران, وكان مقرّباً من فهد بن جلوي, وكان من جملة أصحابه, ونزل العجمان بإبلهم وماشيتهم على العيينة أو العوينة, ثم قال لهم شيخهم ضيدان: سأذهب لابن جلوي إتّقاء شرّه عنا, فهو لم يُنخ قبالتنا إلّا وهو يريد شيئاً, فرفض أصحابه رأيه ومنهم ابن سفران, وقالوا: إن ذهبت فلن تعود, لكنّ داع المنيّة كان أكثر إلحاحاً منهم, فذهب برفقته اثنان من خاصّته إلى فهد ودخل عليه وحيّاه, لكنه رد التّحيه بأن أمر العبد فأوثق قياد أضيافه, وجعلهم في خيمة مقابلة له, ولعله كان يريد سجنه في سجن "غَبْرَان" عند والده, وقيل: إنّه ذَكَرَ لضيدان سبب مجيئه, وهو أخذ إبل وسلاح العجمان بأمر من الإمام, لأنّهم لم يشتركوا مع الإمام في حربه في السّبلة, وقال للعبد بعدما أوثقهم: إن سمعت البندق قد ثارت فثوّر الرّصاص في رؤوسهم . فقال ضيدان: القوم سيأتونك إن لم تطلقني, فاستَمِع مشورتي ودعني أعود إليهم . فقال: اقطع واخسأ, ولا تقل شيئاً!. فلمّا هوّد الليل, وألقى السّواد البهيم بِجِرَانِهِ على النفود, ولم يعد ضيدان, اجتمع رؤوس العجمان ومعهم ابن سفران, وقرّروا بيات فهد . واتّفقوا على البيات ولكن خافوا من قتل بعضهم لبعض, فاقترح أحدهم أن ينزعوا ثيابهم وأن يكتفوا بسراويلهم وعمائمهم ففعلوا, وهجموا مع هجعة الليل, وبروك سواده على سنا الأفق, وبسط فراشه على أديم الثّرى, وهم ينادون شيخهم ضيدان, ويهتفون باسمه لعلّه أن يردّ عليهم صوتاً أو يسمعهم ركزاً: يا ضيدان سمّعنا صوتك, فكانت رصاصة العبد هي الجواب, فقُتِل الشيخ وانتقم الأتباع, ولكل باغ مصرع, وعلى الباغي تدور الدوائر, فإنّهم لمّا لم يسمعوه, شهروا سيوفهم وهجموا ببنادقهم, ومن حين سمع العبد دندنة الرّصاص بادر بقتل أسيره, ورهجت الخيل, وتعانقت الفرسان بالرّماح والسّيوف, وعلا صوت الرّصاص والصّهيل, وكثر الطّعن والتّقتيل في جيش ابن جلوي الذي ركب فرسه وأرخى عنانها وجَلَدَهَا بسوطه عَلَّهَا تنقذه من حتفه, وتبعده عن منيّته, لكن ابن سفران كان حاضراً, فمدّ البندقيّة عليه قائلاً بصوت يقطر منه الدم: ذُق ما ذاق ضيدان, ورجفه بالرصاصة فأطاره عن فرسه صريعاً. وكان ذلك عام ( 1347) فزادت ثارات الملك مع هذه القبيلة, ومع مرور الوقت بردت العداوة, وحلّ مكانها الألفة والتعاون, بحمد الله تعالى (112). وقيل: إنّ ضيدان لمّا يئس من موافقة فهد له بالعودة, طلب منه أن يكتب لهم كتاباً حتّى لا يهجمون, فوافق الأمير فهد, وأرسل الكتاب الذي لم يصل إليهم لسبب ما! فهجموا, والله تعالى أعلم . ثم إن نايف بن حثلين _ أبو الكلاب _ والذي استلم زمام قيادة العجمان, ذهب بقبيلته للكويت خوفاً من انتقام الأمير عبدالله بن جلوي فنزلوا "الوفراء"وانضموا إلى الإخوان المنشقين هناك من مطير, وانضم إليهم جاسر بن لامي بحشود من مطير, ونزلت عليهم بعض عتيبة وعنزة, كذلك فرحان بن مشهور الرّويلي, وقيل إن الدهينة أرادهم ثم تركهم إلى العراق. ومرت الأيام والأحداث, حتى كانت نهاية أكابرهم بين يدي الإمام حين سلمتهم بريطانيا له, وانطفئ بحمد الله شرر الفتنة والفرقة . يدفّنُ بعضنا بعضاً وتمشي أوائلُنا على هامِ الأوالي وكمْ عينٍ مقَبّلةِ النّواحي كحيلٍ بالجنادل والرمال ……………………………………........ (1) الوثائق البريطانية (5|144). أمّا "الخرمة" (وهي الواقعة على خط طول: (41) درجة, و(58) دقيقة شرقاً, وعلى دائرة عرض: (21) درجة, و(54) دقيقة شمالاً) فقد انضمّت للدولة السعودية الأولى, حينما بايع أهلُها الإمامَ عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود عام ( 1212) ومعها "تربة" بعد معركة الخرمة العظيمة, بين جنود الإمام عبد العزيز بن محمد, بقيادة هادي بن قرملة القحطاني, وربيع بن زيد الدوسري, وبين الشريف غالب بن مساعد, الّذي كان معه جيش كثيف, من البوادي والحواضر والمصريّين والتّرك والمغاربة, وكانت موقعة عظيمة, نصر الله بها جنده, ومنحهم أكتاف أعدائهم, فبلغ عدد قتلاهم فيما ذكر حسين الغنّام في (تاريخ نجد (1| 206) وابن بشر في (عنوان المجد (1 |205): ألفان وأربع مئة, وقيل ألف ومئتان وعشرون, وغنموا ما لا يُحصى من الذّهب والسّلاح والإبل, وبعدها انكسر الشريف, ثمّ صالَحَ الإمام, على أن يأذن لهم بالحجّ, وكان ذلك في عهد السّلطان العثماني سليم. وفي ذلك قال راجح الشريف, وهو من فرسان الشريف: جونا الدواسر مع فريق القحاطين كلنا لهم بالمد واوفوا لنا الصاع الأشراف لانوا بعد ماهم بقاسين والشّقّ مايرفاه خمسة عشر باع (*) دحيّم ترخيم عبدالرحمن, وكذلك عزيّز عن عبدالعزيز وكريّم عن عبدالكريم, ونحو ذلك مما يستخدمه أهل نجد وغيرهم, وفي جوازها خلاف, والأولى ترك ذلك تعظيماً للأسماء الحسنى. (2) يقال إنه من الفضول, والله أعلم . ومما يدلّ على فقهه حكمه الشهير بين بطني سبيع رنية الكبيرين: الزكور وبريهة, فقد ثارت بينهم حرب طحون وذلك عام: (1329) على سبب أوهى من بيت العنكبوت, ولكنه الشيطان! . وقد روى القصة المؤرخ العبيّد الذي كان مشاهداً لها, قال: ودامت الحرب بينهم عشرين يوماً, وكلّها غارات بالنهار وبيات بالليل, فما هدأ الحال إلا وقد قُتل من الفئتين أربعة وستون نفساً! فيهم أربع نسوة قتلن في البيات! ثم إن الشريف حسين انتدب لهم غالب بن لؤي_أمير الخرمة_ فأمره أن يكف بعضهم عن بعض, فهدّدهم بجنود الشريف إذا لم يقبلوا الصلح, فأذعنوا وكأنهم فرحوا بالصلح بعد أن عضتهم الحرب بنابها, وحتى ذاقو ويلاتها, ففرحوا بالخلاص منها, فأمر قاضي رنيه_ كذا_ جبر بن إبراهيم أن يحكم الصلح, فنظر فإذا القتلى (64) فإحدى القبائل كان منها (33) والأخرى (31) _ ولا نعلم عن النساء_فحكم إبراهيم بقوله: واحد وثلاثون منهذه القبيلة يقابلهم عددهم من القبيلة الأخرى, وتكون الزيادة عند القبيلة الأولى رجلين تَدِيها _ أي تدفع ديتها _ والدية مُشاعة عليهم كلّاً بما يستحق, وبعد جمع الدية تدفع للقبيلة الأخرى التي تطلب الزيادة من أختها فتقسم على قتلاهم جميعاً بالسويّة . أما الخيل والإبل التي قتلت بين الطرفين فتلغى . فقبلت القبيلتين الشقيقتين هذا الحكم وحسم النزاع, وتعاهدوا على التعاون على البر والتقوى, ونبذ الإثم والعدوان . (النجم اللامع: 353) . (3) قال العبيّد: ( أتاني خالد ذات يوم ونحن في مكة وهو خارج من قصر الشريف حسين, وكان متغير الوجه متكدراً, ينهت ويزفر, فقلت: ما بك؟ فقال: بي شق الجيب! ولا تسألني! . فألحفت عليه بالسؤال, وكان يثق بي لصحبتي له سنيناً, فقال: قلت للشريف: أنت عزلت قاضينا عنّا _أي إبراهيم بن ناصر بن حسين _ فنسترحم من عدلك أن تعّين لنا قاضياً يقوم مقامه . فرد علي قائلاً: (مالكم في القاضي لزوم) أي ليس لكم في القاضي من حاجة! ارجعوا لسلوم أجدادكم الأُوَل! فهو يريدنا أن نحكم بالطاغوت بدلاً من الشريعة المحمدية! ) ( النجم اللامع: 176) . (4) رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (5)لقي أحدهم أخاه _ أخوّة الدين _ وسلم عليه, وكان فيه عَرَجٌ من رمية صاحبه له في جاهليتهم, وكان فيما مضى يطلبه ليأخذ بثأره, فلما تديّنا زال ذلك بينهما, ثم إنه نظر إلى قدمه ثم إلى وجه صاحبه_ عدو الأمس أخُ اليوم_ ثم قال: لو لقيتك قبل هذا اليوم لكان لي ولك شأن! ولكن عفا الله عما سلف! .( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) (فأصبحتم بنعمته إخوانا) الله أكبر! إنه الدين الذي يسلّ سخائم الصدور, ووحر النفوس, ويصحّح المفاهيم, ويعدّل الموازين, ويضع لكل شيء قدره, ويبيع معتنقه الدنيا بالآخرة . قال سلمان رضي الله عنه: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم (6) في رسالة الأمير خالد للملك عبد العزيز: ( .... تدري يابو تركي بما قمنا به قديماً من نصرة أجدادك, مع أن ديننا دينكم, وسمعتنا سمعتكم .... ) ( لسراة الليل هتف الصباح للتويجري: 128 ). ومن رسالة الملك عبدالعزيز لخالد لما أرسل له معتذراً عن كون العرافة في الخرمة بأمر الشريف _ والعرايف هم خصماء عبدالعزيز في ذلك الوقت_ وفيها: ( ....فأنتم كونوا مطمئنين أنكم يا آل لؤي ما نحسبكم إلا من حساب آل مقرن, ونعتقد فيكم الثقة....) ( النجم اللامع للعبيّد: 87) .(7) نص عبارته: ( إهب احضري ما اظفرك! ) (8) وسعد هذا هو الذي قَتَلَهُ العجمان فيما بعد في حربهم للإمام عبد العزيز لمّا هاجمهم بعد خيانتهم له في معركة جراب, بل قد جرحوا فيها الإمام عبد العزيز جرحاً بليغاً غائراً كاد يفتك به لولا لطف الله ورحمته وكان ذلك في ( 15|8|1333 ) وقد التحق أكثرهم فيما بعد بالإخوان عام ( 1336 ). (9) الّذي كان عبد العزيز يعتزي به ويقول: أنا ابن فيصل . (10)تأسست هجرة الغطغط سنة: ( 1332 ) وسكنها الأمير سلطان بن بجاد بن جهجاه بن تركي بن حميد - أحد أشهر قواد تلك المرحلة - كما سكنها الكثير من بطون وأفخاذ قبيلة عتيبة العريقة, والغطغط معدودة من أقدم وأكبر وأدين مهاجر الإخوان, تقع غرب الرياض بنحو ستين كيلاً, ويحدها من الشرق المزاحمية, ومن الغرب نفوذ قنيفذة, ومن الجنوب روضة المحلية وروضة الخرارة, ومن الشمال ضرما وجو . وكانت نهايتها التدمير والتسوية بعد معركة السبلة. (11) من كبار قواد شاكر بن زيد الشريف, قتله الإخوان على مشارف الحنو عام ( 1336 ) . (12) من خطاب خالد للملك عبدالعزيز : (......ولا استرحت حتى ذهبت إليهم ووجدت الرجل _ يعني الحسين – متغيراً في دينه ودنياه, أبغض ما يشوف الدين وأهله, يريد فرقة العرب وأن ينشب بينهم الخلاف, فانسحبت متمثلاً ما قاله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متبعاً فعليك بخاصة نفسك " ....) ( لسراة الليل, ص127) . (13) قال بديوي الوقداني النفيعي لمّا خرج من بلده مغاضباً: وتسمى قصيدته:"العصماء" وهي أشهر قصائده ومنها: أيامنا والليــالي كم نعاتبها شبنا وشابت وعفنا بعض الأحـوال أيام في غلبــها وأيام نغلبـها وأيام فـيها سواء والدهـر ميالي(أ) توعد مواعيـد والعاقل يكـذّبها واللي عرف حذّها من همـها سالي في كل يوم تورينا عمــايلـها واليوم الأول تراه أحسن من التالي نضحك مع الناس والدنيا نلاعبها ونمشي مع الفي طوع حيث ما مالي إن أقبلت يوم ما تصفـي مشاربها تقبل وتقـفي ولا دامت على حالي قوم تدوس الحيــايا مع عقاربها ولها عـــزايم تهد الشامخ العالي والناس أجـناس لين انك تقـاربها وتكون منــهم كما قالوا بالأمثالي والروح وش عذرها في ترك واجبها راح النسب والحسب في جمع الأموالي دار بها الـذل دايم مايخـــايبها والجـوع فيها ومعها بعض الأحوالي جـوعى سراحينها شبعاً ثعالبها والهر والكـلب يقدم كل رتبالي(ب) والأرض لله ونمـشي في مناكبها والله جــــعل لنا رزق وآجالي حث المطايا وشـــرّقها وغربها واقطــع بها كل فج دارس خالي واطعن نحــور الفيافي مع ترايبها وابعــد عن الهم تمسي خالي البالي إن مت في ديــرة قفر جوانبـها بها لْوِطِي الســباع البغث مدهالي أخير من ديرة يجفاك صاحــبها كم ذا الجــفا والتجافي والتملالي رب السماوات يا مجري كواكـبها يامجـري الفلك من لجّات الأهوالي ضاقت بنا الأرض واشتبت شبايبها والغــيث محبوس يامعبود ياوالي يالله من مزنة هبــت هبايبـها رعّـــادها باتله بالبحر منزالي ريح العوالي من المنشــا تجاذبهـا جذب الدلى من جـبا مطويّة الجالي ديمومة سبّـلت وارخت ذوايبـها فانهـــل منها غزير الوبل همّالي تسقي ديار شديد الدهر حاربها(أ) ما عــاد فيها لبعض الناس منزالي يا رب توبة وروحـي لا تعذبها يوم القــيامة إلى ما قلّت أعمالي وازكى صلاتي على المختار نوهبها شفيعــنا يوم حشر فيه الأهوالي (ب) الرتبال: ولد الأسد (14) الكظيمة: كانت مستودعاً لأسلحة الجيش الهاشمي في حربة للأتراك, وهي واقعة في المثلث بين مكة المكرمة والمدينة النبوية وجدة . (15) العيص: شمال غرب المدينة النبوية بنحو (240 ) كيلاً, وهي واقعة عن طريق تجارة قريش للشام قديماً, بعث لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أول سرية في الإسلام وهي سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في رجب في السنة الأولى للهجرة لملاقاة قريش القافلين من الشام, وهي معدودة من منازل جهينة من الجاهلية إلى زماننا هذا . (16) من زبّن الجاني فهو ملعون: (لعن الله من آوى محدِثاً) ولكن يقال: مرحباً بَمِيرِنا جزل العطيّة... (17) أو الأحساء كما جزم به العبيّد_وهو من أصدقاء خالد بن لؤي_ وذكر أنّه لما عاد للخرمة بقي فيها عشرة أيام, ثم ذهب لمكّة ليبدي عذره للملك حسين إذ أنّه ذهب لعدوّه من دون إذنه, وأنّه اعتذر بأن سبب ذهابه هو أن يطلب من عبد العزيز أن يأذن لأهل المواشي من رعيته بالسوم في مراعي نجد ذلك الموسم, فرد عليه حسين بما قاله عمر لمعاوية رضي الله عنهما_ فيما يروى_: خدعة مريب أو تخلص أديب . ثمّ أذن له بالرجوع للخرمة, ثم بدأت الجفوة تزداد حتى حانت ساعة المفاصلة. (النجم اللامع: 178) بتصرف . (18) المعمّ: هو العمامة الملفوفة على الرأس كحال العرب الأول . وكانت عمامة الإخوان بيضاء اللون. قال الكفيف العصيمي: لبسوا معمّ جديد هبل الأكفان تبايحوا والكل منهم كاتب دينه (20) ويقال: إن خالداً لما عاد من مكة - من عند الشريف - هجره الإخوان بما فيهم سليم ( لعله أحد مواليه ) فأراد الحوار معهم فقال: أنا لم أرغب عن ديني ولكني أُسايس أموراً لا تعرفونها, فقالوا: هذا دليل على نفاقك, ولذلك فارجع لصاحبك _ أي الشريف _ وتحزّم معه بحزامين, ثم تعال أنت وإياه! _أي لحربنا _ . قال خالد: وعازمين؟ . قالوا: أجل . قال: وهجرتموني للدين؟ . قالوا: نعم . قال: حتى أنت يا سليم, قال: نعم . فقال خالد: عزّي لقوم أنا ذليلهم! والله لئن أحياني الله لتتميز الفضة عن النحاس _يعني أنه صادق في إيمانه ولا يريد الدنيا _ بايعوني على الكتاب والسنة, فبايعوه . (21) الوثائق البريطانية ( 3| 695). (22)ووصفنا لهم بالحركة لا يعني هذا أنهم حزب منظم كحال الأحزاب أو بعض الحركات التي على الساحة , إنما نعني بالحركة وصف ذلك التدين العام المتجه نحو التوحيد والجهاد . (23) حي واقع جنوب غرب السوق بنحو ثلاثة أكيال, وقعت فيه أولى المعارك مع الشريف عام: (1336)وسميت بمعركة حوقان . (24) وبنى فيها مسجداً جامعاً, عرف بمسجد خالد, بناه بالطين عام: (1336) ثم جدّد في عهد ابنه الأمير سعد رحمه الله وبني بالحجر, ثم جدّد في عهد الملك فيصل رحمه الله عام: (1392) وبني بالأسمنت المسلح, ثم سُمّي باسم جامع الملك عبد العزيز ثم جدّد ( وهذه هي البناية الرابعة) في عهد الملك فهد رحمه الله عام: (1420) تحت إشراف الأمير سلمان حفظه الله بتكلفة قاربت سبعة ملايين ريالاً . (25) السّلمية: حي عُمر بعد حوقان بنحو سنة. وهو واقع شمال شرق السوق بنحو سبعة أكيال . (26) حي السوق هو قلب الخرمة ومكان تبايع الناس ويقع وفي وسطها, وفي بدء أمر الإخوان كانت منازلهم في حوقان والسلمية, أما حزب الشريف فكان السوق مركزهم . (27) الواقعة شرق الخرمة بنحو ثلاثين كيلاً, وهي من أكبر مناقع الماء في تلك النواحي . (28) عينٌ على حافّة الوادي يصب فيها الشعب, وسميت صيادة لأنها موحلة من كثرة مائها وطول مكثه, فمن دخلها صادته, فقد لا يخرج منها حياً , وبعضهم يطلق صيّادة على الشعب نفسه ولعل ذلك لكثرة الصيد به, والله أعلم . (29)من سكان قصر حوقان, وهو أخٌ لسليّم, ولسعد الّذي استشهد في الخرائق . (30) وهو شعب يبعد نحواً من عشرة أكيال شمال غرب حوقان . (31) وكان أوّل من نزله هو ماضي بن هزّاع بن لؤي الشّريف وهو جد خالد لأمه, وابن عمه محسن مع بعض السّبعان, ومن ثم صار حوقان هو منزل آل لؤيّ في أوّل مجيئهم للخرمة, وفيما بعد بنى أمير الخرمة غالب بن ناصر بن لؤي قصره في النخيل قريباً من مكان الهجرة التي أحدثها خالد سنة: (1336) الواقعة في المنتصف بين حوقان والسّوق . وللعلم؛ فالخرمة بلدة ومزارع ومراعي سبيعيّة عامريّة من تاريخها الغابر الضّارب في القدم . (32) قال محمد العبدالله القاضي شاعر عنيزة: والله وعد عســر الليالي بيسرها جانا دليل بـ(ألم نشرح) وهو كافي (أ) السّراميد من الأشراف العبادلة آل لؤي وأبوهم سرماد واسمه الحقيقي سعد لكن غلبت شهرة سرماد على اسمه, وهو من أوصى أن يدفن تحت نخلته حتّى تصبّ الغروب على قبره من حبّه للنّخيل! . ووالد سعد هذا هو مسعود _ وهو أخ لعبدالله أبي شوارب جد الأمير خالد _ بن حسين بن دخيل الله بن محمد بن لؤي . وولد لسعد _ سرماد _ ناصر وولد لناصر علي ومحمد وعبد الله وسعد . (34) القفيدي: شعب يصب في وادي سبيع وهو واقع بين حي السوق وحي الدغمية وللأخيرة أقرب, يبعد عن حوقان قرابة سّتة أكيال . (35) وهذا يدلّ على العلاقة القديمة بين الغطغط والخرمة, والظاهر أن الأولى قد أثرت في الثانية بالإصلاح والتدين بدليل أن هذا الشاعر الشانئ على المتدينين صرّح بالغطغط وكأنها مرجعية دينية أو مهاجراً لهم, ومن المعلوم أن هجرتي الغطغط والأرطاوية من أقدم المهاجر الإخوانية, وأهل الخرمة لمّا عضّهم السلاح طلبوا نجدة أهل الغطغط الذين هبّوا سراعاً للنجدة . بل يروى: أنّ أحد الناس قال لهم: إن ابن سعود لم يأذن لكم وبنادقه بأيديكم! فألقوها عليه, وقالوا: ليس له عندنا إلا هذه البنادق _وكانت قليلة- أما نحن فلن نقعد عن نصرة إخواننا في الدين, ومما أثار فزعهم على إخوانهم في الخرمة لما سمعوا أن المدفع قد ضربهم؛ فثارت حميتهم وهبوا سراعاً, وفي رسائل الأمير خالد بن لؤي للملك عبدالعزيز: (إنك إن لم ترسل المدد؛ وإلا أرسلنا نساءنا وأطفالنا للغطغط ولنجد, ليستنهضوا الناس! ). قال ماجد بن نصّار عن عمّه هادي بن نصّار رحمه الله تعالى: ( كانت الخرمة مكوّنة من السّوق _ وكان فيه أكثر النّاس _ وحوقان والسّلمية, وأولُ من تديّن في الخرمة, هم أهل حوقان قبل السّلميّة بسنة, ومن أول من شارك في نشر الدعوة السلفية سليمان الطّويل الدميجي (ت: ذي الحجة 1354) حيث أتى بكتب من القصيم إضافة للكتب الّتي عندهم من العارض من نجد _ وممن كان يجلبها من الرياض شبيب بن جميع القريشي _ ومِمَّنْ بدأ في التدين كذلك ابن سرماد الشّريف والتومان الأشراف, وناصر بن حسين العلوي من بني عمر, فبدأ به أهل حوقان, ورؤوسهم السّراميد, وهم أهل العلالي والقصور, وكان من أراد الخير ذهب إليهم واستفاد من علمهم ودعوتهم, , وبدأ الخير يزداد شيئاً فشيئاً, حتّى انتشر في النّاس, وأصبح الناس فريقين, بين عامي: ( 1334) و (1335) . (36) أي يعيش في ظله أناس آباؤهم لم يتزوجوا أمهاتهم بعد . (37) وأحسن من عزوتهم هذه استعانتهم بالله في قولهم: ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) لأنّها استعانة بالله وذكر له,كما أنّها عينُ ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في بعض غزواتهم . (38) الحمام: هو زخارف توضع فوق القصور الطّينية على شكل هرميّ صغير . (39) ومكان المدفع هو خزان مشعان الرويس حالياً في عالية حوقان, وكانوا يسمّونه: سيح المدفع, وسرحة المدفع . (40) قال عنه ذعار بن مناحي وهو يحكي قصته: ( لا والله اللي يستاهل خرفة حوقان ) أي: إنه لمن يستحق خُرفة حوقان لدفاعه عنه. (41) والد حثيري الذي أدركهم وشاركهم وقد جاوز عمره اليوم القرن أمده الله بعافيته وتوفيقه من الرواة في هذه المقالات_وكان مع الشريف ثمّ عاد للحقّ . (42) أرسل بعدها خالد بن لؤي رسالة للملك عبد العزيز, وفيها: ( ... وددنا لو أن ربعنا يهديهم الله, ورفضوا وتجمعنا أسفل ديرتنا وعلوّها, وهم تجمعوا في مثناتها - أي وسطها - والله ما درينا والطراد بيننا وبينهم حامي, نهار السبت, نهار واحد وعشرين من الشهر قبل طلعة الشمس, إلاّ والمدفع يثور علينا على قصر حوقان....وأعاننا جليل الملك عليهم وكسرهم وكسرناهم وذبحنا منهم ثمانية وعشرين رجلاً, وأخذنا المدفع ومكينتين.....وظهر الأشرار الذين في الديرة معارضينهم يوم كسرهم الله, وخلّوا الخرمة وهربوا, وباقي سبرتهم وأشرارهم اجتمعوا في تربة....) ( لسراة الليل: 147). ومن رد الملك عبد العزيز عليه واعداً إياه بالمدد, بتاريخ: (18/رمضان/1336): ( ....والله لو يظهر عليكم من الشريف عشرة رجال أو ألف؛ إن نجيكم نحن وأهل نجد بالجمل وما حمل! ). (المصدر السابق: 157) . (43) بوّب البخاري رحمه في كتاب الجهاد من صحيحه: ( باب: الرّجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق ) وساق حديث البراء رضي الله عنه, لمّا ذكر ارتجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بِرَجَزِ عبدالله بن رواحة رضي الله عنه: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صـلّينا فأنزلن سكـــينة علينا وثبت الأقدام إن لاقـينا إنّ الاْعْدَا قد بغـوا علينا إذا أرادوا فتـنة أبينـا) (44) ولو أنّه ترك أموالهم لهم لكان أدعى لإقبالهم وتأليفهم, فكيف يسلم البدوي ناقته التي يسترخص كل دنياه عندها؟! مالم يكن هناك مقابل أثمن وأسمى منها! والمؤلفة قلوبهم لهم سهم من الزكاة فضلاً عن رد الأموال لهم. والترغيب مقدم على الترهيب, والجزرة قبل العصا, ولعل لخالد نظرة أخرى لم تتبين لنا والله أعلم . (45) ومن رسالة الملك عبد العزيز للملك حسين بتاريخ:(7/11/1336) وفيها: (.... ثم لا بد حضرتكم متشكك أن لي في أمر أهل الخرمة سبباً؟ لا ورب إبراهيم ومحمد! فأنا من العام الماضي لكم عليهم....) ( لسراة الليل: 135 ) . والغريب أن الملك عبد العزيز قد رد على خالد بن لؤي لما ألح عليه بالمساعدة - وقد مرّت قريباً- واعداً إياه بالمدد, بتاريخ: (18/رمضان/1336): ( ....والله لو يظهر عليكم من الشريف عشرة رجال أو ألف؛ إن نجيكم نحن وأهل نجد بالجمل وما حمل! ) . (المصدر السابق: 157) . ولكنها السياسة! وانظر كذلك: الوثائق الريطانية: (3|767 ) ورسالة ابن لؤي: (3/ 812) ثمّ رسالة الإمام لفلبي: (3 / 818) . (46) اسمه ناصر ويلقب بعيجان وغلب لقبه اسمه . (47) الشارة: هي الغَرَض الذي يُرمى بالسّلاح . (48) الزربة: هي حائط وساتر من جريد النّخل, والجمع زرائب . (49) أم الكُرْش: اسم سجن الإمارة, وفيه دُويبةٌ تؤذي من مرّت عليه في ذلك السّجن يسمّونها "الكُرْش" فسمّي بها . (50) فالقصاص لا يتبعّض, فلو عفا عنه أحد أولياء الدم سقط, وعُدل عنه إلى الدية, أو الصلح . (51) قيل: إنه قُتل أخيراً وهو راع لإبل محمد بن عبد العزيز آل سعود (بشّر القاتل بالقتل, ولو بعد حين). وقيل: بل قد استشهد في الخرائق وهو على صهوة جواده مقبل على العدو, رحمه الله تعالى. (52) وهو الأقرب . (53) علّوش بن خالد: قائد الإخوان أهل الغطغط من قبل سلطان بن بجاد, وقد جاء قائداً للسّرية الثّانية, وضم معها السرية الأولى, فصار هو القائد العام لكتائب أهل الغطغط في الخرمة, وحضر معركة الحنو, وما بعدها . كانت نهايته السجن مع سلطان بن بجاد وآخرين بعد معركة السبلة عام:(1347) وقيل: إنهم قتلوا في الدهناء بعد سجنهم بسنين, والله أعلم. (54) سَمّ: هي كلمة يعتبرها أهل نجد أرقّ من كلمة نعم ومعناها تفضل قل ما شئت . (55) حمود بن زيد: قائد جيش الشريف الّذي هُزم في حوقان . (56) كان الناس في ذلك الزمان يسمّون المعركة "كون" والجمع "أكوان" . (57) الذي قَتَلَ بعيجان بن منصور لاحقاً . (58) عبد الهادي: يُذكر عنه أنّه رفع صوته بالتّكبير في بداية المعركة وقال: لا إله إلّا الله, بيعة يا إخوان بيعة! أي بايعوني على الموت! فتقدّمَ الصّفوف حتّى ألهبه الرّصاص وخرّ شهيداً, رحمه الله . (59) كانت رحى المعركة في بطن الوادي, لذا فاختلفت مسمياتها, فمن نظر للجهة الغربية من الوادي "جبار" ألحقها به, ومن نظر للجهة الشرقية" الرضم" ألحقها به, كذلك "أبو بغيث" وهو شعب قريب منهما. (60) ومنهم محمّد بن عبد الله بن مزينة, وغالب بن حمود, وذعار بن زايد, وقطيم, وعبد الله بن بطي, وفاصل بن مناحي بن زنعاف, ودهيران بن هذال, وابن حرقان العمري - كلّهم من بني ثور عدا ابن حرقان - رحمهم الله تعالى . (61) الجُبُوب: الجزء المرتفع من الأرض الصّلبة . (62) الّلوي: واد يجاور الحرّة من جهة الغرب, ويصب في وادي "حثاق" وبالقرب من اللوي خبراء الزاحمة وجبال القوس, وتنبت أرضه أشجار السمر والسلم والقتاد والخريط . قال نصيب: وقد كانت الأيام إذ نحن باللوى تحسن لي لو دام ذاك التحسن (63) من رسالة خالد بن لؤي للملك عبد العزيز عام: (1336 ) ولعلّها بعد معركة جبّار: (....ونحن الإخوان تعدادنا أربعمئة وخمسين رجلاً, وظهرنا عليهم......وأخذنا جميع ما معهم من صلم ومدافع ومكاين وفشق, كما أخذنا منهم مئتي ذلول, وقتلنا منهم مئة وخمسة عشر رجلاً, وقد استشهد منا عشرة رجال منهم محسن بن تركي من الأشراف, ووالله ما عاقنا عنهم إلاّ أننا كنا مشاة وهم على جيش_ أي الإبل الرواحل_ وإلا كان ماهرب منهم قليل ولا كثير, ومن طرف الغنائم؛ عندنا ثلاث مكاين وثلاثة مدافع......) ( لسراة الليل: 141) . (64) وكأن خالد والإخوان أحسّوا فتوراً من عبد العزيز بعد معركة جبار, فأرسل خالد إليه عام: (1336) رسالة فيها: (....أما إرسال الرجال _ أي لطلب نجدتك_ فلن يحصل مرة ثانية, ولكن المركوبة الثانية لك ولأهل نجد؛ والله مايركب إلا حريم......لك الله لا تجعل الران على قلبك!......تكفى يا عبد العزيز ياوالله اللي ترديت فينا!....) . ( لسراة الليل: 142 ). (65) وهي أولى المعارك التي شهدها, وهو معدود من صغار الإخوان, وكان يقول: كنت رديف والدي على حصانه, وكان يرمي وأنا أرمي . (66) سلطان بن بجاد بن حميد الكريزي البرقاوي, الملقب " سلطان الدين" الذي تولّى مشيخة برقا عام: (1333) بعد وفاة الفارس الشهير محمد بن هندي, وتوفي عام: (1353) - رحمه الله تعالى - . (67) قرية عتيبية على نحو تسعين كيلاً شمالاً عن الخرمة . (68) قرية زراعية كانت قديماً منهل ماء ترده الأعراب من كل جهة أما الآن فهي منطقة زراعية غزيرة المياة, تبعد عن الخرمة مسافة خمسة وعشرين كيلاً, ووادي الخرمة حينما يصل إلى الحنو يتجه شرقاً إلى عرق سبيع والخضر وكتيفان بعد أن كان متجهاً إلى الشمال الشرقي, ولذلك سمّي: "الوادي العوج" . قال الشاعر: حلّت سليمى بذات الجذع من عدنٍ وحلّ أهلك بطن "الحنو" من حضن (69) الغبطان: واحدُها "الغَبِيط" وهو الهودج . (70) اللميسة: بئر قديمة تقع في سمارة الحمار, شمالاً من جبال غُرَّب, وغرباً من جبال بني غَيْ, حفرها هجرس أخو فيصل الجميلي, ثم تملّكها ابن هملان السبيعي, ثم اشتراها ابن لؤي: ( الخرمة: 97) قلت: وهي واقعة شمال شرق الخرمة, على مسيرة يوم تقريباً, وقد جرت بسببها قصة طريفة؛ وهي أنه قد جرى نزاع في المراعي التي حولها بين قبيلتي سبيع وعتيبة, وكانت البئر في ذلك الوقت مملوكة لأمير الخرمة حينها سعد بن خالد بن لؤي, وعلى ذلك فجهة سبيع أقوى لأن البئر مملوكة لأمير بلدتهم الخرمة. فأراد الملك فيصل بدهائه أن يسوّي المسألة_ أو ربما ليهبها لعتيبة المقربين لديه _ فقال لسعد وهو في مجلس الملك: يا سعد! أنا طالبك طلب, قل: تم . فقال: آمر علي _ أطال الله عمرك_ ولكن لا تطلب اللميسة! . فقال: بل هي طلبي, وأريد أن أسبّلها سقياً ووقفاً لوالدي . فقال سعد: أطال الله بقاءك, أنت تملك السعودية من بحرها لبحرها فسبّل لأبيك ما شئت! أما أنا فلا أملك سوى اللميسة وأشهدك أني قد سبّلتها لأبي! وبذلك قطع عليه الطريق, فالوقف لا يوهب. (71) الحمار: هضبة مرتفعة سوداء, ويقال لها: سمارة الحمار؛ لسوادها . يتوسطها ظهر مرتفع يشبه ظهر الحمار, تقع جنوب جبل ظلم, وشمال الخرمة ( الخرمة: 76) . (72) الحفيرة: على الشمال من الخرمة على بعد ثلاث مراحل تقريباً . (73) بني رقعان: ينسب الإخوان للمعمّ الذي يلبسونه لأنه من الرقاع, أي الخِرَق, فينبزهم ويعيرهم به . (74) المشط: مجموعة من الرصاص وغالباً عددها خمس أو ست رصاصات أو أكثر, تجمع لبعضها بواسطة مخزن خارجي صغير, ينتظمها سوية. (75) أي أن مصابهم بفقده كمصابهم في هزيمتهم في معركة الحنو . (76) أبو جميدة: قرية زراعية, تربتها طينية, شمال الخرمة بنحو اثني عشر كيلاً,نزلها الحميدي بن مفرح حتى وفاته رحمه الله . (77) غثاة: قرية زراعية شمال الخرمة بنحو ستة عشر كيلاً, على ضفة الوادي الغربية, آبارها عذبة ومياهها وفيرة وتربتها جيدة للزراعة . ( الخرمة: 44) (78) السلميّة: قرية زراعية قديمة, تقع في الجهة الشرقية من الوادي, تقع شرق شمال الخرمة بنحو عشرة أكيال . (79) بوّب البخاري رحمه في كتاب الجهاد من صحيحه: ( باب: فضل الطليعة ) وساق حديث جابر رضي الله عنه, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: ( من يأتيني بخبر القوم؟ ) يوم الأحزاب, قال الزبير: أنا, ثم قال: ( من يأتيني بخبر القوم؟ ) فقال الزبير: أنا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لكلّ نبي حواريّاً, وحوارييّ الزبير ) . (80) أي كررت فرسي سرّاء, حتى قطعت عرض أثر حوافر خيلهم وخفاف إبلهم, حتى رجعت ولم أصل لنهاية أثرهم من كثرة جيشهم . (81) الغريف: هي قرية كثيفة البساتين, خصبة التربة, متنوعة الزروع والفواكه والمحاصيل, في أعلى الخرمة في الجنوب الغربي,تبعد قرابة الأربعين كيلاً, وتسمّى في كتب التاريخ ببستان بني عامر وصلها عمر رضي الله عنه قائداً لإحدى السرايا . قال عروة بن الورد: كأن خوات الرعد رز زئيره من اللاَّء يسكن الغريف بعثرا كلفني قلبي ما قد كلفا هوازنيات حللن غريفاً (83) وهذا من فراسة البادية, ومعرفتهم بأحوال بيئتهم وطباع طيورها . (84) الزريبة: حائط من جريد النخل, يصف ويربط بعد إزالة الخوص"السعف" عنه, ويكون بديلاً عن حائط الطين أو الحجر, ويكثر بين المزارع لإظهار حدودها, أو لحجز الماشية وحبسها ونحوه .(85) البواردية: جمع بواردي, والمراد بهم الرماة . (86) وسبب استحرار القتل فيهم أنّهم _ كما قدمنا _كانوا يصفّون في القتال كالصّلاة, وهذا مما يسهّل قنصهم, وهم يتقدّمون للمدافع الرّشّاشة, وكلّما سقط صفّ قام خلفهم صفّ آخر, حتّى يصلوا لصاحب المدفع فيذبحوه ذبحاً . (87) المذلّقات: هي ثياب لها أكمامٌ واسعةٌ جدّاً تكاد تمسّ الأرض, وكان الإخوان ينهون عنها لأنّها من سيما المتكبّرين . (88) وفي رواية حمود بن صقر رحمه الله, يذكر قصته بعدما سُئل عنها فكشف عن ساقه فإذا أثر الرصاصة فوق الكعب مباشرة . وقال: رأيت في القوم عبداً منهزماً, فأخذت أطرده أريد أمساكه حيّاً حتى أبيعه, لكنه كان عاقلاً, فأخذ ينصحني ويحذّرني, ويقول: ارجع لا تمت! فلم استمع لنصحه, وأخذت في مطاردته, فلما رآني لا أتركه؛ صوّب بندقيته فضربها برصاصة فكسرني, ولو شاء لقتلني (ولكن الله سلّم) فلعلّ ذلك الرجل هو من ذكرنا ,أو هو غيره, كما هو ظاهر السياق, والله أعلم . (89) يا الله الخيرة: عبارة تفجّع وتسليم, تذكرها العامة عند شعورهم بنزول كارثة, ومعناها: اللهم نسألك لنا الخيرة في هذا الأمر . (90) هذه رسالة تشابه وصف معركة الحنو لولا تاريخها! فقد كانت في: (11شوال1336) أي قبل المعركة بشهرين! وقد تكون وصفاً لمعركة جبار التي كانت في (17رمضان1336) لولا أن القتلى هناك حسب رسالة خالد المرسلة للملك بينت أنهم مئة وخمسة عشر فقط وهنا ثلاثمئة, فإن قلنا إن هذه هي وصف لجبار وتلك أخرى, لأنها غفلٌ من الشهر, فيُورد عليها ذكر وفاة محسن بن تركي فيها, وقد استشهد في جبار كما في رسالة خالد لعبدالعزيز, أما القائد فقد ذكر هنا أنه: (ولد زيد) وهذا محتمل للمعركتين فهناك حمود بن زيد, وهنا شاكر بن زيد, على كلٍّ فهي في حاجة لتحرير, خاصة أنّها كما هو مذكور في الرسالة معركة كبيرة, أو لعله خطأ في التاريخ! وقد يكون المقصود بها معركة عشيرة الكاسحة! حينما هاجموا مركز التموين لجيش الشريف, لكن عشيرة بتاريخ: (3/1337) ...عجبي! أو أنها إحدى معارك الريعان, والتأمّل قد يفتح آفاقاً أخر, والشاهد من نصّ الرسالة: ( .....وجميع القوات والبيرق أخذناها, وذبح منهم عدد(300) وأميرهم ولد زيد مصوّب....) . (لسراة الليل: 92). (91) الصِّفر: هو فشق الرصاص "بيت الرصاصة" والمراد تشبيه أعداد الفشق وتكوّمها بإلية الشاة, من كثرة ما رمى من الرّصاص . (92) يسمّيه العامّة: "الدربيل" و "الناظور" . (93) وقد هداه الله تعالى, فعاد للإخوان فيما بعد . (94) المدارية: فخذ من بني عمر الذين هم بطن من قبيلة سبيع, واحدهم مديري . (95) وقد قتله الإخوان لاحقاً مع صاحبه راقي الفرد, عام: (1342) والعامة تؤرخ بمقتلهما فتقول: سنة ذبحة الفرد والعبّود . (96) أي هاربة على راحلتك بدون الهودج وبدون الشّداد . (97) العامّة تختصر كلمتي: "جنيه فرنسي" فيكتفون منهما بقولهم:"فرانسي" (98) "بدراء": زوجته من الرّوقة العتبان, ومن أبنائها "الحميدي" شيخ بني ثور بعد والده, وكان حاضراً غزوة الحنو وعمره عشر سنوات, وهو أحد رواة هذه المقالات. (99) وهما الطّعيمي وابن مسيّب, رحمهما الله تعالى, حيث ضربهما بالمدفع . (100) وقيل في حوقان, وهو الأظهر من الأبيات إلّا أنْ يكون هناك تحريف للبيت, فقد تكون كلمة حوقان محرّفة من القرين . (101) وهو شعب صغير يتوسط جبّار ويصب في وادي سبيع . (102) المَطْرِح: مسمّى تطلقه العامّة على مركز القيادة والسيطرة للجيش, كذلك يعنون به ميدان المعركة كَكُلّ, والبعض يخص به الجند النظامي . (103) الذي: تأتي بمعنى الواحد والجمع, حانت: أي سالت. (104) الهَضْب: مراعي عند نهاية وادي سبيع . (105) الزّمْل: متاع البيت . (106) هجرة خالد بن لؤي بناها عام: ( 1336 ) وصارت مهاجراً للإخوان في الخرمة . (107) رَضوان: قرية بقميّة بين الخرمة وظلم وحضن إلى الشمال الغربي عن الخرمة بنحو ثمانين كيلاً . (108) الحشّة: هي الأرض الصلبة الخشنة . (109) الهيج: هو الرّصاص الكثيف المتوارد . (110) وقد هدى الله ذلك المصاب فيما بعد فتديّن مع الإخوان . (111) الشِّدَاد: هو الرَّحْل, يوضع على ظهر الراحلة . (112) علماً بأن الإمام عبدالله الفيصل _عم الملك عبدالعزيز_ كان قد هزم العجمان حين ثاروا عليه, فغرقوا في البحر في معركتي الطبعة الأولى في: (17/رمضان/1376 ) والثانية بعدها بسنة, في رمضان: (1377) . وفي الثانية كان الغرقى من الرجال والنساء والأطفال (1500) رحمهم الله تعالى.
__________________
قال سهل بن عبدالله _ رحمه الله تعالى _: "أعمال البر يطيقها البر والفاجر ولكن لايصبر عن المعاصي إلا صديق " |
|
#2
|
|||
|
|||
|
اقتباس: (10)تأسست هجرة الغطغط سنة: ( 1332 ) وسكنها الأمير سلطان بن بجاد بن جهجاه بن تركي بن حميد
تصحيح: .... سلطان بن بجاد بن سلطان "أبا الروس" بن هندي بن حميد |
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| مطوية , الثالثآلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين , الجزيرة , العربيةالجزء , تاريخ , صفحة |
| أدوات الموضوع | |
|
|