ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى السيرة والتاريخ والأنساب

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-09-12, 05:42 PM
ابو ثابت ابو ثابت غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-08-05
الدولة: المدونة http://aldumaiji.blogspot.com/
المشاركات: 142
افتراضي (صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية)(الجزء الثالث)"آلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين"



(صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية)

(الجزء الثالث)


"آلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين"
الحمد لله ذي الآلاء غير المحصيّة, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من خلقه سماويِّهِ وأرضيِّهِ, أَقْسَمَ بالعاديات الموريات المغيرات تنويهاً بمن جاهد ويجاهد على صهواتها من الفئة المرضيّة, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لكل أحد من الثقلين إنسيّه وجنيّه, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيه فكلّهم جنديُّهُ, وبعد:
يا حبّذا رندُ العقيقِ وبانُهُسُقي العقيقُ وأهلُهُ وزمانُهُ
راقت خمائلُه ورقّ نسيمُهُوصَفَتْ على حصبائه غدرانُهُ
وشَكَتْ تباريحُ الصّبابة وُرْقُهُوتمايلتْ بيد الصَّبَا أفنانُهُ
يا مُفْرَدَاً في حسنِهِ ذا مُدْنَفٌفي حُزنِه لعِبت به أشجانُهُ
صبّاً إذا ذكَرَ العقيقَ وأَهْلَهُصابَتْ مدامعُهُ وجُنّ جَنَانُهُ
الكثير من المنصفين إذا سمع بإخوان من طاع الله ذهب وهلُهُ إلى حروبهم المشهورة مع أعدائهم سواء في الغرب أو الشرق أو الشمال أو الجنوب أو الوسط, وما عانوه وكابدوه بهمم تحلّ فوق الفرقد,في سبيل بناء دولة التوحيد التي تفيّأ الناس ظلالها سواء ممن سكنها أو ناله بعض إحسانها في العلم والمعونة والإغاثة ونحوها, لكن غاب عن أولئك آلام الإخوان في بداية أمرهم ومعاناتهم إبّان قِلّتهم في العَدد والعُدد, إذ انتهى أمر بعضهم إلى القتل أو شِبْهِهِ, ومرّ بهم الزمان حتّى استقرت سفينتهم أخيراً عبر الأمواج العاتية إلى شاطئ السكون والدعة, بعد الجلاد والجهاد, فبعضهم عَبْرَ ضمّهم لأفواج الحرس الوطني ممن قَبِلَ ذلك, والبقيّة غيبتهم الوفاة تحت أطباق الثرى بعد أن قضوا آخر أعمارهم بين بيوتهم ومساجدهم, وهكذا طُويت صفحة عبقة من صفحات تاريخنا الإسلامي المجيد, وأخباره العاطرة الزاهرة الفيحاء.
أَعَدْنَ لي الشوق القديم ولم أكن سلوْتُ ولكن زدنَ جمراً على جمرِ
وما أَنْسَ لا أنسَ خراب الغطغط رحم الله أهلها وعفا عنهم وجزاهم عن الجهاد خيراً, وعفا عنهم في خروج بعضهم على إمامهم.
دعْ ملامي بالحمى أو رُحْ وَدَعني واقفاً أنشدُ قلباً ضاع منّي
ما سألت الدار أبغى رجعها رُبّ مسؤولٍ سواها لم يُجبني
أنا يا دارُ أخو وحش الفلا فيكِ من خان فعزمي لم يخنّي
ولئن غال مغانيك البِلى قدَرُ الله, فشخصٌ منك يُغنِي
إن خَبَتْ نارٌ فهذي كبدي أو غاب الغيث فهذا لكِ جفني
ومن باب ذكر الشيء بالشيء؛ فمما زاد الأمر بلبلة وحيرة عند الإخوان المنشقين حينها؛ أن أحد العلم المعروفين في ذلك الوقت _وانكشف أمره آخراً وتاب من ذلك وعفا عنه الإمام_كان يراسلهم ويثبّتهم ويقول لهم: أنتم أهل المحجة البيضاء وعبدالعزيز وأصحابه أهل المحجة السوداء!! وإذا جاءت الزلة الكبرى من العالم ضربت لها الطبول انتشاراً, وزلة العالِم زلة العالَم فهل من معتبر؟! وعلى كلٍّ فمّما خفف وطء محنة ذلك الشيخ أنّه لم يراسلهم من البداية ولم يُظهر أمره لإخوانه من أهل العلم وإلا لفلجوا حجته وهتكوا شبهته، كذلك فقد بقي في موطنه ولم ينحز للمنشقين وهذا مما هوّن فتنته بحمد الله تعالى, ورحم الله الجميع.
ولعلي أسلّط الضوء على جزء يسير من الأحداث الأولية لمعاناة الإخوان, فهلمّ لنعرّج بذياك الوادي, مع التركيز على الخرمة لأمرين:
الأول: أنّها شرارة الثورة الإخوانية الجهادية التي ألهبت حماس المهاجر الأخرى التي لبّت نداءات استغاثتها من طغيان الشريف الذي حمل عليها أربع حملات عسكرية متتالية باءت جميعها بالفشل الذريع بحمد الله تعالى فقد قيّض له من ردّه على عقبيه خاسراً, فالخرمة مع قلّة أهلها فأكثريتها في البداية كانوا مع الشريف, ثم ظهر بعد ذلك التميّز بين الفريقين حتى نصر الله جند التوحيد, "ولتستبين سبيل المجرمين".
إذا ما الخيام البيض لاحتْ لدى مِنَىً فعرّجْ فإنّا بعدها بقليلِ
الثاني: أنّ جلّ الرّواة الذين نقلت عنهم إنما رووا ما شاهدوه أو شاهده آباؤهم الذين عاشوا فيها.
إن رويتُ أحاديث الذين مضوا فعن نسيم الصَّبا والبرق إسنادي
وأما غيرها فلم يتيسر جمع كافٍ للرواية, فلعل الأحبّه ينشطون في جمع ما تناثر من ذاكرة من أدرك أو حفظ أو دوّن في كل البقاع التي طالها المدُّ الإخواني أو آثاره سلباً وإيجاباً فالعبرة بتقويم المسيرة ولن يتأتّى ذلك بدون الصدق مع النفس ودراسة الحركة ككلّ إيجاباً وسلباً مع التنبيه على ضرورة التحلّي بالتجرد والإنصاف دون التحيّز والاعتساف فالتأريخ أمانة, ونقده أمانة, والإفادة منه أمانة, وكلّنا نستقلّ سفينة واحدة, والمشتركات بيننا أكثر بكثير مما قد نختلف فيه حتى لو كان من قبيل الاختلاف الذي لا يسوغ, فالعبرة بعموم الحال وجملته لا بهنّات هنا وهناك, كذلك الاستفادة من اختلاف وجهات النظر عبر السبر والتقسيم وتقريب الوجهات التي ربما تكون متفقة أصلاً لكن خانت العبارات أهلها, أو ضُخمت اختلافات جزئية على حساب قِيَم أصلية ومرتكزات أساسية! مع التذكير بالتوثيق قدر الطاقة, وقد ذكرت ما استطعت من ذلك في المناطق الأخرى, ولا أدّعي الاستيعاب لا هنا ولا هناك, وقد يكون ما لم يُقَلْ وينقل أكثر مما قيل ونُقِلْ, والمتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور, عائذاً بربي.
أكبر وأقدم مهاجر الإخوان هما الأرطاوية والغطغط, بيد أن الخرمة لا تقل عنهما في المكانة لا في عَدَدِها وعُددها؛ ولكن في مكانها الحيوي الذي تنازع عليه أسدان انتهى أمر أحدهما منفياً في قبرص والآخر متربعاً على دولة من البحر إلى البحر! وهلمّوا لنحاولْ الغوص في جذور ذلك الاختلاف الذي نشأ عنه وعن عقيدة الفريقين فيه ما هو مسطور منظور.
كانت الخرمة مكوّنة من السّوق _ وفيه أكثر النّاس _ وحوقان والسّلمية, وأولُ من تديّن في الخرمة, هم أهل حوقان قبل السّلميّة بسنة, ثم بدأ الخير يزداد شيئاً فشيئاً, حتّى انتشر في النّاس, وأصبح الناس فريقين, بين عامي: ( 1334) و (1335).
وظهر في ساحتهم مصطلح جديد يسمّى "الفَرْقُ" أي الافتراق بين أهل الحقّ وأهل الباطل, والقتال لإعلاء كلمة الله تعالى, لا يهابون الموت لعلمهم أنه لاقيهم (فإنه ملاقيكم)
فهُنّ المنايا أيّ واد سلكتُهُ عليها طريقي أو علي طريقها
ويقال: إنّ أهل الخرمة(1) قد انضمّوا للملك عبد العزيز, من عام: ( 1326) أي قبل أُولَى المعارك مع الشّريف بعشر سنوات, وهذا وإن لم يكن دقيقاً, فلعلّها كانت مراسلات منهم لعبد العزيز, وإرسال دعاة ومشايخ وكتب لهم من قِبَلِهِ, والله أعلم.
علماً بأن الشّريف حسين, الّذي تولّى شرافة مكّة سنة: ( 1326) كان يَعْتَبر أهل الخرمة من رعاياه, وإن كانت قبضته ضعيفة عليهم,كحال غيرهم ممن هو خارج مكّة والطّائف وجدّة, وكان يرى أنّ بلادهم تعدّ امتداداً طبيعيّاً لسلطانه, فالخرمة هي البّوابة الحجازيّة لنجد في نظره, وعبدالعزيز يقول: إن الخرمة واقعة شرق جبل "حَضَن" النجديّ بثمانين كيلاً, والعرب يقولون: "من أحضن فقد أنجد" لكن الشّريف لم يعترف بمسألة: أنّ الحجاز فقط له دون نجد أصلاً, فجُلُّ نجد له, بل والقصيم له, على حدّ قوله, ولو أنّه تعامل بالحكمة والعدل لما انشق سقف عرشه والله أعلم, وسيأتي شيء من البسط قريباً بمشيئة الله.
أمّا أهل الخرمة, فكانوا يَعُدُّونَ أنفسهم من نجد, عقديّاً, وجغرافيّاً, وقبليّاً, ولكن خوفاً من شوكة الشّريف وبطشه, وحَدَبَاً على نخيلهم أن تقطع, فقد رضخوا وأذعنوا له كرهاً, مع أنهم تابعون له إدارياً وخاضعون لسلطته واقعياً لو أنه أحسن معاملتهم, وتركهم وشأنهم في مذهبهم العقدي لربّما سلم من بطش هناديّهم وقناهم, ولكن لما وصل الحذفُ عند المُعقّلات, ورام الشريف إكراههم على مذهبه أبت حميتهم الدينية ذلك, فأزمعوا المفاصلة!
خليليّ قد عمّ الأسى وتقاسمتْ فُنونُ البِلى عشّاق ليلى ودورَها
وكنت إذا ما جئتُ ليلى تبرقعتْ فقد رابني منها الغداة سُفُورُها
ومنع الشريف أهل نجد والوديان من الحجّ من عام: ( 1332) إلى أن دخل الإخوان مكّة عام: (1343) ومن رآه الشريف حاجّاً منهم حبسه وعذّبه, فمكثوا قرابة اثني عشر عاماً قد حُرموا حجّ بيت الله الحرام.
ولما قال خالد بن لؤيّ للشريف حسين: يا سِيْدِي نريد قاضياً يحكم بالشرع, أجابه حسين بقوله: لا يا خالد؛ بل احكموا بسلومكم وسلوم آبائكم! وكان هذا الطّلب قبل حروب الشريف على الخرمة, ولعلّه كان في السّنة الّتي استدعى فيها خالداً عنده ثمّ أرسله لعبد الله "البيه" ضدّ الترك, في الطّائف ثمّ العِيص.وقديماً قال أبو الطيّب المتنبّي:
ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى عدوّاً له ما من مصـاحبته بُدُّ
رأى أحد الإخوان من أهل الخرمة في المنام: أنّ حماراً بال في منبر الجامع! فعُبِرَت الرؤيا: انتظروا شرّاً يأتيكم من الشريف, ولم يَرُعْهُم في الجمعة التّالية إلاّ بيانٌ من مكّة تُليَ في الجامع, تلاه العسّاف -من أهل القصيم- وفيه: إنّ أسواق الخرمة مثل أسواق مكة والطائف, لا يُستنكر فيها الدّخان ولا غيره. فطردوه وشتموه, بعدما قال لهم شيخهم القاضي إبراهيم بن حسين: أطيعوني وتوكّلوا على الله, وأبشروا بنصره . ثمّ طَرَدَ خالدُ بن لؤي القاضيَ الجديد, الّذي قدم من الحجاز بديلاً عن ابن حسين ولكن هيهات .
من يتـق الله يُحمـد في عواقبه ويكفه شرّ من عزّوا ومن هانوا
وكان في الخرمة في ذلك الزمان طاغوت يحكم بغير ما أنزل الله! وكان له حظوة عند النّاس, أمّا من أراد الشرع, فلا يجده إلّا في رنية, عند ابن حسين أو جبر . ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ).
أمّا رنية؛ فحالها كحال أختها الخرمة فقد كان فيها طاغوت يحكم بغير ما أنزل الله, ويتحاكم الناس إليه! فيحكم بينهم بسلومهم وأعرافهم ورأيه, ويتركون من يقضي بالشّريعة كالشيخ دحيّم (*) بن ناصر بن حسين, وهو معدود من العلماء , وهو من تلاميذ العلّامة المحدّث سعد بن حمد بن عتيق الذي خالاً له , وكجبر السبيعي (2) وكان طالب علم .
ثمّ جاء للخرمة, الشّيخ إبراهيم بن ناصر بن حسين, ولعلّ الشّيخ إبراهيم هذا قد نصبه الشريف قاضياً لأهل الخرمة, بالمذهب الحنبلي, ولمّا بدأ بدعوة الناس للسّلفية الحقّة؛ أنكر عليه الشريف, واستدعاه وسجنه, حتّى أطلقه بشفاعة خالد بن لؤي, لمّا كان بمكة عند الشريف, وقد عادا في سنة واحدة للخرمة (3) وتعاونا على نصرة التّوحيد. وهو أخٌ للشيخ دحيّم شيخ رنية, وهو عالم من العلماء, وفارس من الفرسان, وقد أجازه خاله العلّامة الشّيخ سعد بن عتيق.
أمّا الصّلاة, فكان كثير من الناس يصلّونها بدون محافظة عليها, وربما تركها بعضهم أحياناً, ولم يكن بينهم من ينكر المنكرات إلّا أقل القليل .
ومن أمورهم الشّنيعة كذلك, استحلالهم قتل بعضهم بعضاً, ونهب المال والبهائم, وكانوا يعدّون ذلك فتوّة وشجاعة, ففخرهم: قتلنا وسلبنا! ولو كان الثّمن إثكالَ الأراملِ, وإيتامَ الصّبية, وإفقارَ الكرام . ولمّا قال أحدهم متأفّفاً من هذه الحال من السّلب والنّهب, فقال: الّلهم ولِّ علينا والياً مصلحاً. ردّ عليه رجل كان معدوداً من أعقلهم: يا دافع البلاء, الّلهم لا تولّ علينا لا والياً مصلحاً, ولا غير مصلح! . وقديماً قيل: سلطان غشوم خير من فتنة تدوم .
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا صـلاح إذا جهالهم سادوا
وحتّى نرى حجم المأساة, فلنطلّ إطلالة سريعة على حياة النّاس الاجتماعيّة, وجاهليّتهم في ذلك الوقت, فالنّاس الآن يتناقلون قصّة داحس والغبراء, الّتي أشعلت حروب عَبْسٍ وَذُبْيَان, والّتي قامت واشتعل أوارها على حصان! كذلك قصّة حرب "البسوس" الّتي قامت على ناقة قتلها كليب! فنقول: إنّ ههنا قصّةً مشابهة لتينك القصّتين, تشهد على بعض العرب في ذلك الزّمان بالجاهليّة العميّة, والعصبيّة المقيتة, الّتي قضت على مواردهم البشريّة, والماليّة, والاجتماعيّة, وهذه القصّة هي قصّة الحروب الهوجاء, والغارات المسعورة, بلهب الانتقام, بين الجيران والإخوان, تلك هي الحرب الكئيبة الحزينة بين قبيلتين, من أعرق قبائل الجزيرة, وهما البقوم وسبيع, ذلك أنّ تينك القبيلتين كانتا على وئام, وحسن جوار, وأمن أمان, وكانت مساكن ومرابع قبيلة البقوم الأزديّة القحطانيّة, على علوّ الوادي الضّخم, الّذي يسمّى من تلك الجهة وادي البقوم, أمّا على أسفله فقد كانت قبيلة سبيع العامريّة العدنانيّة, والّتي سُمِّيَ ما يليها من الوادي بوادي سبيع , ومرّ الزمان وهم في أمن ودعة, وقرة عين, وحسن حال, وهدوء بال, حتّى سُرقت تلك النّاقة!.
ثارت الحروب الدمويّة بين سبيع والبقوم, والّتي سمّاها الإخوان من الطّرفين فيما بعد: بـ( حرابات الجاهليّة ) وبداية المأساة: أنّ ناقة سرقت أو ضاعتلرجل, ثم رآها عند آخر فجلب معه بعض قومه وحلفائه إلى من عندهم تلك الناقة, وتوارد القوم إلى تلك (البهيمة!) وأرادوا ردّها بالحسنى, فردّ عليهم الآخرون بالرّفض, ثمّ حضر الشّيطان, وركز رايته بينهم, وعقد لواءه فوقهم, فرقص الشيطان على عزف الرّصاص المزمجر, وانتشى مع قرع السّيوف الغاضبة, فقُتِلَ رجلٌ, ثمّ تفرّق القوم بعد أن رقص الشّيطان فرحاً, وابتهج طرباً بتحقيق أمنيته في الأزل: ( ولكن في التّحريش بينهم )(4) وفتح باب القتل على النّاس, الّذي استمرّ سنيناً قبل أن يعودوا لرشدهم مع التديّن, بعد أن عضّتهم الحرب بنابها, ورويت من دمائهم المنون, وكانت الحروب بين القبيلتين العريقتين المتكافئتين سجالاً, فالجميع بلغ من الإقدام والشّجاعة والفروسيّة المكان الأرفع . ولكنّها كانت حروباً دمويّةً جاهليّةً بغيضةً, والغانم الوحيد منها هو الشيطان الرجيم, فقد سَحَقَتْ بِثِفَالِهَا إخوةً وجيراناً, وحلفاءً وأقراناً, وأحبةً وأصهاراً . وَيتّمَت وَرَمَّلَت, وَقَطَّعَت وَأَفقَرَت, وَغَيَّبَت وَعَيَّبَت المئات, والمشتكى إلى الله ربّ البريّات, وفاطر الأرض والسّماوات! وليس من المستحسن ذكر تفاصيلها, بل لعلّ إماتة أخبارها أولى وأحتم, حتّى تُنسى الإحن, وتندرس الأحقاد, الّتي ربّما تثار بسبب تلك الأخبار أو الأشعار, وكم من فتنة أشعلها بيت شعر! والعَضْهُ نَفّاخة فتن!.
ولمّا تديّن الطّرفان, وصاروا بنعمة الله إخواناً, أماتوا تلك الحزازات, ودفنوا بالإيمان تيك الثارات, وجمعهم الله تعالى على الهدى والخير والجهاد في سبيله(5) وعادوا كما كانوا عينين في رأس, ويدَين في جسد , وقديماً قال ابن أبي سُلمى زهير:
وَمَا الحَـرْبُ إلاّ مَا عَلِمْـتُمْ وَذُقْتُمُ وَمَا هُوَ عَنـها بالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتَى تَبعَثُوهَا تَبعَثُوهَا ذَمِيْمَـــةً وَتَضْـرَ إذا ضَرّيتُـمُوها فتَضْرَمِ
وكان الإخوان رحمهم الله تعالى ينكرون على من ينشد تلك الأشعار الجاهليّة , حتّى نُسي أكثرُها بحمد الله . ( فأصبحتم بنعمته إخواناً ) فلله الحمد أولاً وآخراً على نعمة الإسّلام والإيمان.
وَنَحْنُ بَنُوا الإِسْلَامِ وَاللهُ وَاحِدٌ وَأَولى عِبَادَ اللهِ بِاللهِ مَنْ شَكَر
لقد كان في الرّياض حِراكاً إيمانياً, وَزَخَمَاً عَقَدِيّاً, وكثافة تعليميّة, غيّرت مجرى التّاريخ وصححت اتجاهه بإذن الله تعالى, ومن ثمّ فقد نسخ الملك عبدالعزيز آل سعود مجموعة التّوحيد النّجديّة, وبثّها في النّاس, فلامست فطرتهم, وبعث معها هُداةً من طلبة العلم, يَرُدُّونَ الناس للتّوحيد والسّنة والجهاد في سبيل الله . فافترق النّاس إلى فسطاطين وفريقين, ( ولتستبين سبيل المجرمين ) إنّه تجريد التوحيد, الحقيق بأن تثنى عليه الخناصر, ويقبض فيه على الجمر, وتبذل فيه المهج, وترخص له الأرواح, فهو المطلب الأعلى, والأمر الأتمّ. ولم تكن الخرمة بمعزل عن دعاة الخير والهدى, فقد كان أمير الإخوان فيها هو خالد بن لؤيّ الشريف, وخالد كان من قوّاد الشريف حسين, وخالد ومِنْ قَبْلِهِ أجدادُه يُعتَبَرون من أتباع وأنصار الدّعوة السّلفيّة (6) ومعروف هذا عنهم في مكّة وغيرها منذ عهد الدولة السعودية الأولى, وكان من صغره ذا رأي سديد, وفكر ثاقب, ونظرٍ موفّقٍ, وبصيرة حيّةٍ, وكان يحبّ البادية, وإذا أراد أهله الرحيل من مكان لآخر استشاروه ولم يخالفوه, وحتى بعد توليه الإمارة كان الناس يتعجبون من قوة رأيه وعمق حكمته .
الرّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ هُوَ أَوّلٌ وَهيَ فِي المَكَانِ الثّاني
ولسلفيّتِهِ وتديُّنِهِ فلم يكن يَسْلَمُ من لمز القوّاد الآخرين لمّا كان مع عبدالله الملقب بـ"البيه" أو أبناء عمومته كشاكر بن زيد بن فواز .
أمّا اتّصالُهُ شخصيّاً بالملك عبد العزيز, فإن ذلك كان بعد حادثة أسر الأخ الأصغر لعبدالعزيز سعد بن عبد الرّحمن, وكان عمر سعد إذ ذاك سبعة عشر ربيعاَ لمّا أَسَرَتْهُ خيّالة الملك حسين في نجد, وهم ذوي خليفة من الشّيابين, فغضب الملك عبد العزيز, وكادت تثور الحرب لولا عناية الله تعالى, ثمّ حنكة خالد وتدخّله ومشورته للحسين حين قال: هؤلاء عقبان نجد ولا سلامة منهم أرسلني إليه بأخيه واشترط عليه ما أردت .
واختلفت الرّوايات في شرط الحسين, فمنهم من يقول: إنّه اشترط إعلان ولائه للباب العالي, وهي الدّولة العثمانية مع دفع مبلغ سنويّ لها . ومنهم من قال بل اشترط ترسيم الحدود, وحدّ لعبد العزيز حدود نجد, وهذا بعيد لأنّ هذا هو عينُ ما كان يريده عبد العزيز ويأنف منه الشّريف والله أعلم . كذلك ممّا حدا بالشريف على الموافقة ضغط أحد قوّاده عليه, فقد أرسل له الإمام رسالةً مروِّعةً مزلزلةً كما نقلها المؤرخ العبيّد, وفيها بعد السّلام: (أمّا بعد: فبخصوص هذه الحيّة الّتي جلبتموها يا عتيبة وألقيتموها بحجري, وفعل بنجد ما فعل, وحبس أخي سعداً عنده ولم يطلبه بشيء, فوالله الذي رفع السّماء بلا عمد, وبسط الأرضين على ماء جمد, إن لم يطلق أخي سعداً, لأقطعن رأسك ولأجعلن لحيتك تذروها الهبوب مع طين نفي! والأمر كلّه من رأسك! إن شئت أن تسهّلها تسهلت, وإن شئت أن تعسّرها تعسّرت. ثمّ ختم الكتاب بقوله: سور العوجا وأنا ابن مقرن ).

إن المنون وإن تقارب وردها ليست بأبأس من قدوم فراق

فلمّا قُرئ الكتاب على ذلك الأمير قال :ما أظفر هذا الحضري! (7) ثمّ كلّم فيه الشريف, وتظافر هذا مع مشورة خالد الآنفة فوافق .
الحاصل أنّ الشّريف أرسل وفداً من عنده مكوّناً من ثلاثة رجال يهابهم كلّ من رآهم إجلالا لهم, فقد كانوا طوالاً, حَسَنِيِّ الملامح, واضحيّ التقاسيم, جهيري الصّوت, جزْلِيِّ الكلام, ممتلئيِ الرّجولة, ظاهرِي الفخامة, وهم خالد بن منصور بن لؤيّ الشّريف, وعبدالمحسن بن ناصر بن شاهين الشّريف, وناصر بن محمد الحارث الشّريف, فوصلوا لعبدالعزيز وسلّموا عليه وأبلغوه رسالة الحسين . ويروى أنّ خالداً قال للملك عبد العزيز حينها: قد علمت نصحي لك ونصح أجدادي لأجدادك, فاسمع مني وأعط حسين ورقة تنفعه عند الدّولة _ أي العثمانيّة _ ولا تضرّك . وفيها الاعتراف بالدّولة العثمانيّة, وإرسال مبلغ من المال لها, فكتبها عبد العزيز, ثمّ سُلّم سعد بن عبد الرّحمن لأخيه, ففرح به فرحاً شديداً لمحبتّهِ له ولرحمته به لصغر سنّه (8) . ولما استلم عبد العزيز أخاه سعداً, التفت إلى خالد وقال: يا خالد هذا رضيع الدّيد _أي شريكه في رضاع والدتهما_ والله لو ما جئتني به لرجلي هذه, ثمّ ضرب بها بقوّة في الأرض, لأطأن بها مطرح الشريف إلى أن آتي بسعد أو ألحق سعداً . ثمّ سلّ سيفه وصرخ في رجاله: عرضه يا رجال . فلمّا قاموا أخذ يعرض العرضة النّجديّة وهو ينشد:
أنا كمــا نمــر ليـا عدا والنــــمر ما تومن دغايله
نمشـــي لصاحبنا على النقا واللي يحـــــايلنا نحايله
والعجيب أنّ هذه الصّورة قد تكرّرت تقريباً في عهد جدّيْهِمَا, فقد أرسل شريف مكة الشّريف محمّد بن عون ابن عمّه عبد الله بن لؤيّ, إلى الإمام فيصل (9) بن تركي جدّ الإمام عبد العزيز, يطلب منه الصّلح, فقال ابن لؤي للإمام فيصل: إنّ الشّريف يُريد واحداً من إخوانك يركب إليه لتكسر عنه ظاهر الفشل . ثمّ أعاد الله التّاريخ بوجوه جديدة .
خرج الوفد الشريفي عائداً لمكة, ومرّوا بهجرة الغطغط (10) وفيها بعض الرّوقة وكانوا أخوالاً لعبد المحسن بن شاهين , فمكثوا أسبوعاً , وتأثّروا بتديّنهم وزهدهم وعبادتهم, ومِنْ هنا انعطف التاريخ!
مَا عَاتَبَ الحُرّ الكَرِيم كَنَفْسِهِ وَالمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيْسُ الصّالِحُ
وسمع خالد منهم سنيّة وفضيلة المكوث بعد صلاة الفجر في المسجد حتّى ترتفع الشّمس, وأنّه يعدل عمرة وحجّة تامّة تامّة تامّة, فلزمها خالد واستمرّ عليها في مكّة . ولمّا كان يجلس بعد صلاة الفجر كعادته بلغه كلام من عبد الله "البيه" بن حسين أنّه يقول: إنّ خالداً من حين وصوله من الوهّابية وهو يقرقر في المسجد! ووصلت هذه الكلمة لخالد فكظمها, وبدأت الجفوة بين خالد وبين عبدالله بن الحسين وأبيه . وكان وقت الأصيل يخلو بنفسه أو في المسجد يذكر الله تعالى,كذلك بعد الفجر فيسألونه: ماذا تفعل؟ فيقول: أقرأ الورد . فيجيبونه ساخرين ومنهم شاكر بن زيد بن فواز: لا يقرأ الورد إلا القرد!!.
بَعِيدٌ عَنِ الخِلّانِ فِي كُلّ بَلْدَةٍ إِذَا عَظُمَ المَطْلُوبُ قَلّ المُسَاعِدُ
وكان مؤذّن الشّريف ابن حجيلان إذا أذّن ربما صلّى معه الرجل أو الرّجلان, وربما لم يصلّ معه أحد . وأنكر عليهم خالد تلك الأمور مع أمور بدعيّة يفعلونها, فكان عبد الله بن الشّريف حسين يقول له: أنت وهّابي ونحن إلى الآن لم نؤدّبك حقّ الأدب, واستحكمت بينهما الجفوة, ثمّ تطوّرت لخصومة, ثم حرب ونزال .
أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيـدُ قَتْلِي عَذِيركَ من خَلِيلكَ من مُرَاد
ولا أظنّها تصحّ الدّعاية الغريبة الّتي بُثَّتْ في كتب التاريخ, من صفعِهِ من عبد الله "البيه" أو من أحد أمراء البادية (11) فما كان هذا تصرّف خالد لمن عَرَفَهُ , والذي يؤيّدُهُ حالُ خالدٍ وأخبارُهُ (12) أنّ سبب تركه لقومه وفراقهم بجسده (13) هو أنّه فارقهم بقلبه ودينه قبل ذلك, ففاصلهم, وأعلن البراءة منهم, ولمّا اشتدت الخصومة, استأذنه خالد في الانصراف لأهله لأنّهم كانوا في البادية للاطمئنان عليهم, فأذن له بشرط ألّا يتأخّرَ وأن يَمُرَّ في رجوعه بـ"الكظيمة"(14) وفيها علي بن الحسين الأخ الأكبر لعبد الله, لجلب الذّخائر وإيصالها لعبد الله في العيص (15) وهناك روايات تقول: إنّه لم يستأذنه, بل انفتل بأصحابه مع مغيب الشّمس بدون علم الشّريف, فخرج مع مجموعة من خاصّته على خمس ركائب . وكان من رجاله الذين معه حمد بن مارق القريشي السبيعي, ولمّا سارت بهم الرّكاب التفت خالد إلى حمد وأنشد:
ياحمد جــيناك من دار وبيـّة بشّـر اللي حبهم بيّن وخافي
لاركبـنا ظــمّر مع قيهميّـة نطلب الله في حسينات الملافي
فرد حمد بقوله:
مرحباً باشـرافنا زبن الجـنيّة (16) عد ما تذري الهبـوب من السوافي
يوم جيـتوا رجـع فوادي عليّـه واحمد الله يـوم ما جـاكم خلافي
من بغى الناموس لا يطري المنيـّة من وفى أجله مات لو هو متعـافي
ففقده بعض أعوان عبد الله, فأتاه وسأله, فأخبره أنّه قد أذن له وسيعود, فقال: لن يعود بل سيحاربك فدينه غير دينك! فأمر عبد الله سريّة فتتبعت آثارهم لتردّهم, لكنّهم كانوا أسرع منها فأفلتوا , والفرار في وقته ظَفَرٌ .
إِذَا كَانَتِ النُّفُـوسُ كِبَاراً تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ
فصاح خالد بها هادرة صاخبة صادقة, قد امتزجت بروحه ودمه وعصبه:
إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ فَلَا تَقْنَعْ بٍمَا دُونَ النُّجُومِ
ولعله- ولا نزكيه على الله – لا يريد ملكاً تحت النجوم, بل ملكاً عند الحي القيوم, في جنات وعيون ( في جنات ونهر . في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) . ويقال: إنّه في ذلك الوقت كان أهل بيشة أكثر تديّناً من رنية, وأهل رنية أكثر تدينّاً من أهل الخرمة, وأهل الخرمة أكثر تديّناً من أهل تربة, فلعلّه لهذا السّبب ابتدأ بها _ إن صحّت الرواية _ ولسبب آخر؛ هو ابتعاده عن الشريف قدر الإمكان فالخرمة كانت قريبة من الشريف .
والمرجّح والله أعلم: أنّ ذهابه لعبد العزيز في الرّياض (17) كان هو البداية, وأنّهُ لمّا بايع عبد العزيز, ذهب إلى بيشة ثمّ رنية ثمّ الخرمة . وهذا أشبه وأليق كما قدّمنا, والله أعلم.
إذن فقد انطلق خالد للرّياض, ومعه وفد على خمسين ذلول, ولم يطأ الوديان الثّلاثة بيشة ورنية والخرمة, حتّى عاد من عند الملك عبد العزيز, وقد بايعه على السّمع والطّاعة وإقامة دين الله, وفي ذلك الوقت كانت الأرطاوية والغطغط قد بنيتا, وبدأ الإخوان بالهجرة إليهما, إضافة إلى باقي المهاجِرِ النامية في الجزيرة الّتي كان عبد العزيز يرعاها ويمدّها بالعلماء والدّعاة والكتب والمساعدات.
ذهب خالد إلى رنية لأخذ البيعة, فنزل في ثلاثين ذلول على آل عمير مكالحة ومفالحة وصنادلة, فبايعوه, ثمّ إنّ أحد أعيانهم وكان معدوداً من طلبة العلم صاح فيهم وقال: لا تبايعوا خالداً فهو ذئب أجرب يُعْدِي على مَدّ البصر, وليس عنده دنيا, فاتركوه حتى لا يقطع الشريف نخيلكم . فدخلت فيهم كلمته, فنفضوا أيديهم من البيعة, ثمّ إن خالداً ارتحل عنهم إلى بعض المجامعة عند خشم الكور, وهو جبل كبير في طرف رنية, فقالوا له: يا خالد لا تدخل رنية, فإنّا نخشى أن يقتلوك! فقال: سيكفيني الله شرهم . فقالوا: إنّ فلاناً قد أفسد عليك رنية, يقول: إنّ خالداً ليس عنده دين, إنّما هو طالب رئاسة ودنيا, فلا تطيعوه حتّى لا يقطع شريف مكة نخيلكم, ويقتلكم حتىّ يشرّد حيّكم لرماح! فذهب للمجامعة, وأناخ على الحلاّف وكان من أسخياء الناس, ففرشوا لخالد الفرش ورحبوا به, وبعد أن سألوه عن الحال عاتبوه وقالوا: لم تهجرنا يا خالد؟ فقال بعتاب مبطن: لا أدري! فقالوا: أعطنا الشرع من الشّيخ فلان _وهو ذلك المناوئ المذكور وكان معظّماً فيهم من ناحية الدّين, فكانوا يلقّبونه بالشّيخ_ فقال خالد: أرسلوا الفرس إليه فإن كان شيخاً اتّبعناه, وإن كان الشّيخ هو دحيّم بن الحسين اتبعناه . قالوا: تمّ _أي: على الرّحب_ فلمّا وصل الرجل قال له خالد: أسألك بالله يا فلان هل أنت شيخ؟ فقال: لا والله ما أنا بشيخ إنما أنا طالب علم . فالتفت خالد إلى النّاس وقال: وأنتم تقولون له شيخ! يا فلان: الشّيخ هو دحيّم بن الحسين, وأخوه الشيخ إبراهيم قد أعطاه الإجازة, هل أنا صادق؟ فقال : نعم أنت صادق . فقام المجمّعي وقال: أنا أخو منيرة, هات يدك يا خالد حتّى أبايعْك فبايعوه, وأطفأ الله الفتنة .
ولمّا استوثق خالد من بيشة ورنية, وكان قد بايع إمامه على نصر الدّين, ذهب للخرمة, ثمّ أناخ ومعه ثلّة من بني عمومته وبعض القريشات على أمير بني ثور مفرّح بن شارع, وكان قد تديّن ولبس المعمّ(18) فبايعه مفرح(19) على النّصرة, وأخبر خالدٌ الإخوان الّذين بايعوه أنّه قد عاهد – أي بايع - عبد العزيز على الكتاب والسّنة, وقال: والله إنّ الّذين وضعت يدي في أيديهم قد بلغوا أربعين من الأمراء, وقد تركت ابن عمي وهو يصبّ عليّ الجنيهات الصفر, لكنّني حاربته لله تعالى (20) . ولم يبدأ "الفَرْقُ" إلّا بعد قدوم خالد, حيث بدأ تمايز الفسطاطين فسطاط الهدى وفسطاط الضّلالة .
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن طلب الحسناء لم يغلها المهر
وقال خالد للإخوان في الخرمة, وقد كان التّديّن قد ظهر فيهم من عام: (1332) تقريباً وهو العام الّذي تولّى فيه أمارة الخرمة بعد وفاة ابن عمه غالب بن ناصر, قال خالد: يا إخواني والله إنّي لا أريد أن ينقص من الخرمة أحد مهما كان, إلّا أربعة سآخذ منهم الشّرع وحُكْمُ الشيخ فَلْتَكُونوا على بيّنة وهم فلان وفلان ...وذكرهم لهم .
ولمّا جاء خالد للخرمة كان الإخوان فيها قلّة, وفي غربة بين الأغلبيّة السّاحقةِ الّتي بقيت على ولائها لشريف مكة, خوفاً من قطع نخيلها, وضنّاً بالدّنيا عن الدّين, وبالفاني عن الباقي, وشيئاً فشيئاً دبّت في كثير منهم دماء الفطرة السّليمة, ونمت فروع الشّجرة الإيمانية, وبدت ثمار الدّعوة المباركة ظاهرة على وجوه تزداد كلّ يوم, ولا تغيب الشّمس إلّا وهم يستبشرون بمولود للدّعوة جديد, ومع استمرار مشايخ ودعاة الإخوان في الدّعوة إلى التّوحيد الخالص والتعلّق بالله والدّار الآخرة , بدأ حزب الموحّدين يزداد ويقوى, وبدت أمارات ما كانوا يسمّونه بالفَرْق, وهو إعلان البراءة من أهل الباطل والمنكرات ومن المشركين _في نظرهم_ ومن يواليهم, وبدأ كلّ حزب ينحاز لبعضه البعض, وقلّت شيئاً فشيئاً الفئةُ المحايدةُ, واقتربت ساعة الحسم, وشريفُ مكة يراقب الوضع بقلق وترقّب, مع كثير من الغرور والاحتقار لأهل التّوحيد, وأرسل السّلاح وجنيهات الذّهب لحزبه, واستطاع حزب الشريف إخراج خالد من حكم السّوق وحاولوا قتله . وفي تقرير الجنرال "وينغيت" المندوب السّامي في القاهرة إلى وزير خارجية بريطانيا: ( وأَوْضَحَ الملك حسين أن شيخ الخرمة وهو أحد الأشراف, وهو خالد بن لؤيّ, قد تحوّل وهابيّاً! وشجب حكم الملك حسين, وبذلك أحدث انشقاقاً بين السّكان, وعلى إثر ذلك زار مكّة وَفْدٌ من الحزب الشريفيّ المحلي طالباً العون والحماية, فأوعز إليهم الملك أن يفصلوا أنفسهم مع عوائلهم وجماعتهم عن متمردي الخرمة, وكذلك أرسل قوة صغيرة لضبط الأمن في المنطقة وتوفير سلامة الموالين, وكان الموالون خلال ذلك وقبل وصول قوّات الشريف قد طردوا شيخ الخرمة _ أي خالد بن لؤي _ وأطلقوا سراح اثنين من رسل الملك كان قد سجنهم, وعزا الملك الحادثة كلّها إلى النّفوذ الوهّابي الخبيث!) كذا(21)
علماً أنّ الفتيل الّذي أشعل الحرب بين الإمام عبد العزيز والملك حسين هي الخرمة _كما أسلفنا_ فقد كان الشّريف يعتبرها امتداداً طبيعيّاً لسلطته الإقليميّة , وأنّه هو من يعيّن أمراءَها وآخرهم خالد بن لؤيّ , وقضاتهَا وآخرهم إبراهيم بن ناصر بن حسين, كما أنّها البوّابة الشّرقية للحجاز على نجد . لكن الإمام عبدالعزيز يقول بخلاف ذلك, وهو أنّ الخرمة تعتبر أرضاً نجديّة لأنّها شرقي حضن, ومن أحضن فقد أنجد - كما قيل - كذلك فهي مُعفاةٌ من الضّرائب من عهد الدّولة السّعوديّة الأولى إلى تاريخه, لمّا دخل أهلها في ولاء الدّولة السّعوديّة, أمّا القضاة فكما أنّ الشّريف حسين قد أرسل قضاة للخرمة فكذلك الملك عبدالعزيز, بل إنّ القاضي المباشر في الخرمة في ذلك الوقت هو بعينه القاضي الّذي كان قد عيّنَهُ الإمام فيصل بن تركي من عهد الدّولة السّعودية الثّانية منذ خمسين عاماً خلفاً لوالده . قلت: وهذه السّلطة السّعوديّة هي ما ذكرها "فِلْبِي" مبعوث الانجليز للإمام عبد العزيز, لمّا زار الخرمة عام: (1917م) وهو في طريقه للطائف, فقال من ضمن كلام له: ( أهل الخرمة يتمتّعون باستقلال ذاتي عملي, تحت سيادة نجد الغامضة !).
وعلى كلٍّ فلكلّ طَرَفٍ حيثيات وأدلة, وطلب الإمام من بريطانيا التحكيم في الحدود مع رضاه مسبقاً بالحكم أيّاً كان, لكن الحسين رفض ذلك لأنه لم يكن يرى أنّ هذا منطقيّ أصلاً مع سلطة مكّة القديمة على الوديان ومنها الخرمة, وجرت المقادير بتدبير العليّ القدير .
فكل شيء قضــاه الله في أزلٍ طُرّاً وفي لوحه المحفوظ قد سُطرا
ودخل أهل الخرمة في الحركة الإخوانيّة السّلفيّة الجهاديّة(22) .
وهدّ الإخوان بمعية الجيش النظامي للإمام عروش الرشيد والإدريسي وحميد الدين والشريف حسين من الشمال إلى الجنوب. وانضم إلى أهل الخرمة إخوانهم وأنصارهم, فهبّت عاصفتهُم على عرش الشريف, مبتدئين بتربة, ثمّ الطّائف, حتّى ختموها بدخول مكة المكرمة والمدينة النبوية على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام, وجدّة وإعلان نهاية حكم الأشراف الذي دام قروناً, فسقط وباد لحربه التّوحيد وأهله, وهذه سنّة الله الماضية في الأمم. ثم فتحهم الجنوب. (كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قويّ عزيز ) ( ولينصرنّ الله من ينصره ) (الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) وسنن الله تعالى لا تحابي أحداً فإن ترك آل سعود أو غيرهم ممن مكن الله لهم رقاب عباده وموارد بلاده دعامة دولتهم ومبرّر حكمهم وهو إقامة الدين والشريعة فسيحل بهم ما حل بغيرهم والله المستعان, حفظ الله دينهم ودنياهم ووفقهم وألهمهم رشدهم وولاة أمر المسلمين .....آمين .
وبدأت المناوشات والمضايقات ضدّ الإخوان الّذين ارتضوا خالداً أميراً لهم. ولمّا سمع بنو عمر _وكانوا في الحرّة؛ حرّة بني هلال_ بقدوم خالد, انتدب منهم مجموعة, فيهم كبيرهم جبر بن عبيدان العمري السبيعي, لمقابلة خالد ومعرفة أمره, فدعاهم للدخول مع الإخوان فبايعوه .
ثمّ سرت شائعة مفادها: أنّ حزب الشريف يريدون اغتيال خالد وقتله.
وكان أهل السوق يرقصون رقصة الحرب ويهزجون وينشدون بهتافهم:
خمسة رياجيل كلّ واحد من دحل وحنّا عيال العـود من فصايله
تكفون يا لجذعان شحّـموا الفحل حتّى الدّقل يصبح كثير عايله
وقصدهم بالفحل خالد, أي أنّهم عزموا على قتله . والرجال المقصودون هم: مفرح بن شارع, ومنير الحضبي, وعبد الله بن فيصل, وأبوه, وخامسهم خالد.
وفي ذلك الوقت كان خالد نازلاً في حوقان (23) قبل بناء هجرته المعروفة باسمه إلى اليوم (24) وكان مفرح ومن معه في أسفل الخرمة في السلميّة(25) وكان السّوق(26) بينهم, وسكان السّوق هم الأكثريّة وهم حزب الشريف الّذين حربوا الإخوان وضايقوهم أشدّ المضايقة, فكره خالد النزال قبل وقته ولمّا يشتد بعد عود الإخوان, فتريّث واستنصر, وقديماً قيل: يركب الصعب من لا ذلول له, فأراد خالد الانسحاب لبعض الوقت ريثما تحين الفرصة, ويأتي الله تعالى بالفتح أو أمر من عنده.
وقبل إنشاء السّلميّة,لم تكن الخرمة إلّا السّوق وحوقان فقط . وفي المساء سرى خالد ومعه ستّة رجال منهم حمود بن هاضل, فنزلوا على ماجد بن جروة الصميلي السبيعي وهو أمير الصّملة في ذلك الوقت, وكان مخيّماً على "خبراء الرويبي" (27) ثمّ إنّ خالداً ذهب إلى بيشة ليستنصر أهلها, وترك حامية صغيرة مكونة من ثلاثين قنّاصاً .
وفي أثناء سفر خالد لبيشة اشتدّ الخناق على تلك الحامية, وهم سبعة من الحُرّث الشّلاوا, على رأس حماد بن قريشان أو قليشان - من ذوي حطاب - وكانوا من المهاجرين القدامى, ومن الحلاحلة العتبان مثلهم, وبعض القريشات النّواصر كفيصل بن عبدالله وأبيه, ومن الأشراف الشياهين كعبد المحسن وغالب وعمّاش وعباس .
واشتدّ الجوع بهم, فقد كان أهل السّوق يطلقون النّار على كلّ من رأوه من تلك النّاحية حتّى لو كانت بهيمة! وفي يوم من الأيّام مع اشتداد الجوع قال فيصل بن عبدالله: اذهب يا غالب أنت وأخوك عمّاش لصيّادة (28) كي تصطادا ما تيسر من أرنب أو هاملٍ ونحو ذلك ممّا تجدان . ولما خرجا وابتعدا عن قصر حوقان إذ هما براحلتين قد أُنيختا ونزل منهما اثنان من قوم الشريف, قد أتيا للتّوِّ من الشريف, ومعهما امرأة, وكان أحدهما قنّاصاً لا تُخطئ له رمية, وكان مُتَرَقِّبَاً متوجِّسَاً لدمٍ كان عليه, وكانت أمّ رُكْبَة لا تفارقه - وهي بندقية قصيرة – فإذا مشى جعلها على كتفه, فراقباه ثمّ قصداه وهما على فرسيهما وصاحا: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) ورمياه بسرعة خاطفة, فسقط صريعاً لليدين وللفمِ , ثمّ عدلا إلى صاحبه فقتلاه, فصاحت المرأة وقد عرفت غالباً: يا غالب أنا دخيلتك من الرّجال لا يفعلون بي الفاحشة! فقال: لا تخافي هؤلاء خيّالة التّوحيد وليسوا بأهل فواحش . فمن هنا أثبت الإخوان وجودهم, وصار لهم صيت بقتل الرجلين وغنيمتهما, وأنه لا أحد بمنأى عن نيرانهم وسيوفهم .
لاَ يَسْلَمُ الشّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأَذَى حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَــوَانِبِهِ الدّمُ
ثمّ استاقا الرّكائب والمرأة إلى قصر حوقان, فنحروا البعير, وحبسوا المرأة في غَمْيَةٍ في القصر, ووكّلوا بها سليم بن مفرج (29) بعدما أخذوا منها الأخبار . وقالت لهم: إنّ فلاناً _من كبار حزب الشريف_ الآن في مكة عند الشريف, وقد جهّزه الشريف بتجريدة مكونة من ثلاثة آلاف مطارد ومدفع ليضربكم به, وقد أرسل أربعين ذلولاً محمّلةٍ بالطّعام والسّلاح والرّصاص عليها فلان _من حاضرة القصيم_ وستصبّحكم غداً مع الشّعبة (30) وفعلاً وصلت قافلة الشريف الّتي ترصّد لها الإخوان أهل القصر, فتلقّفوها وقتلوا من فيها وغنموها, وكان أوّل قتيل من القافلة هو قائدها, قتله محسن بن خالد حيث طرده بفرسه فلاذ بشجرة وهو فوق ذلوله, وأخذا يدوران حولها حتّى وضع الرصاصة في رأسه, ولم يسلم منهم إلّا شخصٌ وجدوه بعد الرّمي ناقعاً في دمه, فوقف عليه ناصر الحارث وأراد الإجهاز عليه, فقالوا: إنّه ميّت والرّصاصة خسارة فيه, فأخذ خاتمه وتركه, والطّريف أنّ ذلك الرجل شُفيَ بعد ذلك وتديّن وصلح حاله, ومرّت الأيام حتّى طالب ناصرَ الحارث في أرض تنازعا عليها, فقال ناصر مازحاً:يا ليتني قتلتك ذلك النّهار, ولم أتركك تطالبني عند الشيخ!.
فأشبعهم الله بعد الجوع وأمدهم بالسّلاح بعد فاقتهم وقلته في أيديهم, حيث لم يكن مع الواحد منهم قبلها سوى المشط أو المشطين من الرّصاص (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) وكما قيل: خرجوا أعرى من الحيّة وعادوا أكسى من الكعبة.
وكل هذا وخالد في سفره, ولمّا عاد مَرّ على الإخوان أهل السّلميّة؛ مفرح, وماجد بن جروة, وجبر بن عبيدان, وأتباعهم, وطلب منهم الرّحيل معه للاتّحاد جميعاً في القصر, فأبوا عليه في البداية, لكنّ ضربة المدفع أيقضتهم فهبّوا جميعاً لنصرة إخوانهم, لكنّهم لم يصلوا حوقان إلّا بعد نهاية المعركة .
يميلون في شق الوفاء مع الردى إذا كان محبوب البقاء مع الغدر


معركة "حوقان" وتسمى: ( المدفع )
في رجب (1336) وهو الراجح, وقيل في (25) شعبان (1336)
"حَوْقَان" ضاحية من ضواحي الخرمة على الجنوب منها, وهي مزارع مأهولة, بينها قصور منزولة, على الضّفة الغربية للوادي الكبير وادي سبيع, وتبعد عن السّوق قرابة الثلاثة أكيال(31) وحينما ثار الرصاص في السّوق,كان فيه قصر لأحد أهل القصيم, يقال له: الشّقحاء, فانزوى ومعه أهله في طرف قصره, وصعد قنّاصة حزب الشريف في علّيّته, وأخذوا يرمون الإخوان وقتلوا أحدهم وهو حسين بن فواز, وكان الإخوان لا يُحدّون الرّمي فيهم طمعاً في إسلامهم, كأنما عناهم البحتري:
إذا اقتتلتْ يوماً ففاضتْ دماؤها تذكرت القربى ففاضتْ دموعُها
وكان بعض الإخوان لقرابتهم لكبار أهل السّوق يدخلون السّوق متقلدي السّيوف والبنادق على ظهور الخيل ليشتروا حاجتهم بسرعة ثمّ يخرجوا, أمّا البقيّة فلا يقتربون أصلاً من السّوق, وكان هذا قبل قتل حسين بن فواز فلمّا جرى الدّم بين الفريقين, انحاز الإخوان للسّلميّة, وتكتّل الآخرون في السّوق, وثارت المناوشات بين الطّائفتين .
ولمّا ضايق أهل السوق خالداً وأرادوا قتله كما أسلفنا, جمع خالدٌ الإخوان ولم يكن لهم في بداية أمرهم مكانٌ واحدٌ حصينٌ يؤويهم, وأخبرهم بعزمه الذهاب لبيشة, ويقال إنّه كان والياً عليها من قبل الشريف في سنين مضت, فقال لهم: سأذهب لبيشة حتّى لا أتسبب في سفك الدماء, وإنّما قال ذلك ليرى صدق ولائهم . فلمّا سمعوا ذلك فَدَّوْهُ بأنفسهم, وألَحّوا عليه بالبقاء في الخرمة فقال: أمّا وقد أصررتم, فانظروا إلى قصر حوقان هل فيه أحد؟ أم نتحصّن فيه عن القوم الّذين ازداد شرّهم وأخذوا يطاردون الإخوان (32) فانطلق اثنان من الخيّالة فنظروا لقصر حوقان فإذا هو خال من المقاتلة وليس فيه أحد ذو شأن, فأخبرا الإخوان فنزلوه بالّليل معهم أميرهم خالد, ولمّا خرج ثواب بن وندان ليؤذّن الفجر بمسجد حوقان إذ المسجد ملئ بالرّجال والسّلاح, فاستبشر بهم, وحينما صلّوا خرج مبيريك _وهو من موالي الأشراف_ فأخذ يعرض -أي يرقص رقصة الحرب- ويهزج ويقول: إيه هذا المسجد قد أتاه أهله وأنا أخو مسفرة!
فلمّا وَلَوا حوقان صار مركزاً لهم, ثم ذهب خالد ومعه مجموعة لخبراء الرويبي _على مرحلة جنوب شرق الخرمة_ وعليها ماجد بن جروة, ومنه إلى بيشة ثم رنية لاستنهاض الموحّدين, وأوُّلُ الغيث رشٌّ ثم ينسكب .
ولمّا عاد خالد من سفره مرّ بالإخوان الذين كانوا في السّلمية, وطلب منهم الذّهاب معه لحوقان للتّمركز هناك إذ الأنباء تفيد بخروج جيش الشريف إلى الخرمة, فلم يوافقوه في البداية وبعد أن ابتعد خالد عنهم, وسمعوا صوت المدفع على إخوانهم في حوقان هبّوا مسرعين .
يَجُودُ بِالنّفْسِ إذْ ضَنَّ البَخِيلُ بِهَا وَالجُودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَة الجُودِ
وكان حوقان محاطاً بسور عالٍ وفيه علالي (33) وركب خالد وأصحابه إلى حوقان, ولمّا جازوا الدغميّة وتوسطوا شعب "القفيدي" (34) ومع طلوع الشّمس إذ صوت المدفع يزمجر على حوقان معلناً وصول جيش الشريف, بقيادة حمود بن زيد بن فوّاز الشريف, ويرافقه زعيم حزب الشريف من أهل الخرمة _وقد عاد لحزب الموحدين آخراً وحسُن بلاؤه معهم_ وتعجّب الّذين لم يكونوا يعرفون المدفع من صوته, وقال بعضهم: ما هذه البندقية؟ ما أشدها! وما أعظم رصاصها!.
إذا لم يكن من المنيّة بدّ فمن العار أن تموت جباناً
وهذه أولى المعارك مع جيوش الشريف أهل الباطل والبغي, وأصاب جيش الشّريف الغرور من كثرتهم ووجود المدفع معهم فقال قائلهم شامتاً في أهل التّوحيد! وما علم أنّ الله ناصر جنده, ومعلٍ كلمته:
بنركّـب المدفع على حوقــان والروح تدبيــره على واليــه
كله على غرسـة الوديـــان واللي يبا الغطغط يهاجر فيه (35)
فصاح خالد في من معه محرضاً على الجهاد, وكانوا أهل خمس وعشرين راحلة وستة فرسان فقط, وقال لابنه محسن: اسبقونا لحوقان واركضوا مع الحزم, أي من الجهة الشّمال غربية, وابتعدوا عن السّوق حتّى لا يصيبكم رصاص أهله, ونحن سنسير مع الوادي _أي في الجهة الشّرقيّة للبلدة_ حتّى ندرككم هناك .
ولمّا وصلت الخيّالة للمعمعة, انبطحوا على الأرض وهم سبعة محسن بن خالد بن منصور على حصانه" كحيلان" وأخوه سلطان, وقد كُسرت ساقه في تلك المعركة, ومنير الحضبي, وثنيّان بن غرمول البقمي, ونايف بن منصور الشريف أخٌ لخالد, وقد كُسرت فخذه, ونايش بن هرسان, ورجل يقال له حطّاب, ومشرع بن كريميع أو كريوين وهو الوحيد من الخيّالة الّذي استشهد في تلك المعركة . وفرّقوا الرّصاص بينهم من الخِرْج, قائلين: ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) ويكرّرونها, وصاح محسن: والله ليأتينّ إسلامٌ يلحق أهلهم (36) أو كفرٌ ليوم القيامة, يا أهل التوحيد يا عصابة راسي! . ثمّ أطلقوا النّار على جيش الشريف الّذي يفوقهم بستين ضعفاً _كما رُوي _ ولكن من نصر الله نصره الله ومن غالب الله غُلِب .
يَا مَنْ يُرَجَّىْ لِلشَّدَائِدِ كِلِّهَا يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ
أمّا الإخوان الّذين كانوا في السّلميّة, فقد كانوا مجتمعين عند الأمير مفرح بن شارع أمير بني ثور من سبيع, قد تحلّقوا في مجلسهم على نارهم, وقد شربوا الطّبخةَ الأولى _ أي قهوة الصباح _ ونحروا بعيراً للغداء, وقد طرحوا عنه جلده, والشّمس قد طلعت وارتفعت قِيْدَ العَصَا, وألقت بثوبها العسجدي على الشعاب المرمرية والكثبان الفضية للوادي الكبير, وبيناهم في حديثهم المعبق بالآي المُلهمات الكريمات والأحاديث النبوية العاطرات, في شجونٍ من أخبار وقصصٍ ووصايا؛ إذ سمعوا مثل الدّبكة - أي الوجبة والضربة بصوت مرتفع - من بعيد, من جهة أعلى البلد أي حوقان, فاستنصتهم مفرح فسمعوا الوجبة الثّانية, فعلموا أنّ جيش الباطل قد وصل. وبدأ بدكّ معقل الموحّدين في حوقان! فهبّوا سراعاً يقولون: يا أهل التّوحيد وقد جعلوها عزوة لهم وشعاراً, بدلاً من اعتزائهم بالإبل أو الخيل أو النّساء (37) وتركوا بعيرهم بحاله - وَخَلَفَهُمْ عليه من لم يُنحر له - وانقسموا لفريقين, فالفرسان مع الحزم من الجهة الشّمال غربيّة, أمّا ثقل الجيش والإبل فمع بطن الوادي وأسرعوا السّير لإنجاد إخوانهم .
عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ الله إِنَّهُ لَهُ كُلّ يَوْمٍ فِي خَلِيقَتِهِ أَمْرُ
أمّا أهل القصر فقد أخذ زمام قيادتهم فيصل بن عبد الله القريشي, ومعهم والده, وغالب بن مصقال القريشي, والشّياهين, والشّلاوا, والحلاحلة, وكان مجموعهم ثلاثين, وقسّمهم إلى مجموعات, فعشرة في مواجهة المدفع, وعشرة يرمونه من اليسار, وخمسة من اليمين, والخمسة الباقين في الخلف لحفظ ظهور أهل القصر من تدخل أهل السّوق, حتّى لا يفاجؤنهم من خلفهم فيطعنون ظهرهم وقت حَمْيِ الوَطِيسِ .
فضرب المدفع ضربته الأولى فأطارت حَمَامَ القصر (38) ثمّ زفر المدفع بالضّربة الثّانية؛ فأطارت السّطح وهدمت جزءاً من قصر آل مبارك, ثمّ الثّالثة؛ فخرقت الجدار ثمّ خرجت من الجهة الأخرى لعليّة سليم, وكان فيها فيصل بن نايف الّذي أصيب, وغالب بن مصقال الّذي استشهد, فشربت الأرضُ الإخوانَ من الخوف! لكنّهم ثَبَتُوا بعون الله لهم وتوفيقه:
يوم المكاين دندنت ما جنبـوا نادى المنادي يا هل التوحيد
وَحَمِيَ حزب الشريف, وأسكرته نشوة البداية, وزمجر مدفعهم على رؤوس الإخوان(39)
وكان الإخوان ينشدون:
بــانت البيّـنة والدّين ديـن الله ما مشـينا في دين الرّب كذّابة
يا سـلامي على من كـان طاع الله واتبع ملّــة إبراهيم واصحابه
وأوّل رصاصة أطلقها الإخوان كانت من يد محمد الأُعيسم (40) وسلّط الله تعالى الرّصاصةَ وأرسلها على رقبة العبد الّذي يصبُّ القهوة لسيّدِهِ الشّريف (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وكان الشريف حمود بن زيد قد فُرِشت له البسط, وتحلّق كبار قوّاده عليه, ولمّا ذكّت رصاصة الأُعيسم ذلك العبد, انتثر الدّم وطشّ على حمود بن زيد فتشاءم, وتشاءم قوّاده من هذه البداية, فأنزل الله تعالى الدّبرة والهزيمة عليهم, وركبهم رصاص خيّالة التّوحيد ورجاله .
يقول عيّاد الحلحلي العتيبي (41): والله لقد كنت معه في مجلسه في خيمته حين نحرت الرّصاصة العبد, فألقى الله في قلوبنا فزعاً ورعباً عظيماً, والكثير منّا فزع من فوره لذلوله لا يلوي على شيء .
ثمّ إنّ قنّاصاً من الإخوان ضرب رامي المدفع ففجر رأسه, ثمّ ثنّى على مساعده فألحقه به, وثار الهيْج, فألقى الله الرّعب في قلوب أهل الباطل والبغي, فهربوا وتركوا متاعهم وطعامهم, وركائبهم فلمّا رأت خيل الشريف أنّ الرّجّالة هربت, اتّبعتها هاربة, تاركة خلفها ثلاثمئة بعير موَقّرة الأحمال سلاحاً وطعاماً, كلّ خمسين بعيرٍ في مقطر, ثمّ إنّ الإخوان أحرقوا ذبائح الأعداء وأكفؤا قدورهم لأن القوم _في نظرهم_ كفار وذبائحهم ميتة لا يحلّ أكلها.
فنصرهم الله تعالى, وأنزل مدده وجنده, وقُتل ثمانية وعشرون رجلاً من جند الشريف, وهرب الباقون على رأس حمود بن زيد الشريف, وغنم المسلمون الغنائم الوافرة, ولم يستشهد من الإخوان إلّا اثنين(42).
ولمّا هرب جيش الشريف لامَهم من لامهم في الحجاز وقال: كيف تهربون من خمسين رجلاً؟ فقال زعيم حزب الشريف من أهل الخرمة: ليس هؤلاء من طردنا! فأصحابي أهل الخرمة أعرفهم واحداً واحداً, ولكن أتانا أكثر من ألف فارس عليهم ثياب بيض على خيل صفر من السماء, فطردونا حتى أقبلنا على جبل حضن! . قلت: إنّ صحّت هذه الرّواية فهي الملائكة عليهم السلام, وأهل السّنة لم يشترطوا نزول الملائكة مع الأنبياء بل مع أتباعهم عند حاجتهم إلى يوم القيامة, كما قرّره شيخ الإسلام وغيره, والله غالب على أمره .
يقول غالب بن فهيد بن شاهين الشريف: كنّا أهل القصر ثلاثين, وجاء خالد بمن معه وكانوا خمسة وعشرين, فاستوفينا العدد خمسة وخمسين فقط, في مقابل كتيبة الشّريف الّتي قوامها ثلاثة آلاف ( ولينصرنّ الله من ينصره) وكان مع الشّريف شاعر وكان يقول:
يا لله انك لا تعـاون خــالد من يـحب الله يقــول آمين
جـرها بين الولـد والوالـد لين خـاب من الشرف والدين
قلت: نعم فرّقت بينهما لا إله إلّا الله, كما فرّقت قبلهم بين الصّحابة وآبائهم الكفّار .
فَثِبْ وَاثِقاً بِاللهِ وَثْبــَةَ مَاجِــدٍ يَرَى المَوْتَ في الهَيْجَا جَنى النّحْلَ في الفَمِ
وبعد معركة حوقان وقف خالد على هذا الشّاعر وهو مجندل تحت نجوم السّماء, قد التوى ميتاً على شجرة فقال: أهذا صاحب البويتات! .
ووجدوا مع الغنائم أربعين سلسلةً,كان الشّريف قد أمر بأن يُقرن فيها جميع كبار الإخوان, كخالد بن لؤي ومفرّح بن شارع بن هليّمة وناصر الحارث ومنير الحضبي وماجد بن جروة وسعيد بن هميل, ويؤتى بهم إليه مشاة حفاة إلى مكة مقرّنين ذليلين صاغرين لكن أبى الله ذلك .
وبقي المدفع واسمه سرهيد لا يَعرفُ الإخوان كيفيّةَ استخدامه, فسحبوه وأدخلوه القصر حتّى أتاهم سعد بن سهل الرويس من الغطغط ودربهم عليه فقد كان من جنود الشريفسابقاً.
وبجانب السّور كان هناك قصر سليمان الدميجي, في بستانه "معجبة" وكان غائباً في القصيم قبل أن يعود ويشارك مع الإخوان في معركة تربة لاحقاً, فدخل اثنان من الإخوان إلى القصر, وهما حمود بن مبارك وعبّاس بن شاهين, ليضعوه في حمايتهم وصعدوا لسطحه, فهجدهم بعض أهل السوق من حزب الشريف, وأطلقوا النار على أهل القصر فصاح أحدهم في الإخوان يسبُّهُم ويشتُمُهُم ويهدِّدُهم بالقتل وقال: اخرج يا عبّاس يا خرث الرِّجْل _لعرج فيه_ لأقتلنك قبل الصباح, وكان الظلام دامساً فلا يرى بعضهم بعضاً, وفي حركة هوجاء أحرقوا في زرائب البستان بقصد إتلافه وترويع أهل القصر, وغفلوا عن أنّهم انكشفوا على ضوء النّار لقنّاصة الإخوان, فما راع ذلك الرجل إلا وعباس قد صوّب البندقية جهته واستعدَّ لرميه, فتدرّأَ بنخلةٍ كانت بينهما, ولكنّ الرّصاصة اخترقت النّخلة ثمّ قتلته, وبعد قتله هرب الباقون, وقد وقفتُ على تلك النخلة ومضرب الرصاصة مخترقها!.
وفي الصّباح سحب الإخوان جثّةَ وأخذوا الرجل ويعرضون عندها _أي يرقصون رقصة الحرب_ والأمير خالد بن منصور يقول:
عقّب اللي يوم يجـرون المـدافع ما حمى في دين رب العـالمين
من قعد ما عاد نبيله مـنــافع بنعده من حسـاب الميتين(43)


مناوشات الدّفعة "السوق"
يعتبر السّوق ويسمّى الآن بالسّوق القديم واسطة عقد البلد ومكان تبايعه, وهو أقدم مكان سكني معمور في الخرمة, ويقع على طرف الوادي على الجهة الغربيّة ليس بينهما إلّا بساتين قليلة .
وبعد معركة حوقان دخل الإخوان القصر"قصر حوقان" وأطلقوا المرأة وأرسلوها برسالة صُلْحٍ ودعوة لأهل السوق, وقال لها الأمير خالد: اذهبي لهم يا وقولي لهم: يأتوني ظالمين ويعودون سالمين, إلّا ماشيتهم فليست لهم(44).
فذهبتْ لهم وأخبرتهم الخبر وأبلغتهم الرّسالة, فغضب أحد كبارهم وشتمها وضربها بالمشعاب _أي الهراوة_ على رأسها وقال: يا فاعلة! ويا كذا, وفعلوا بك كذا وكذا! والآن جئتي تخوّفين الرّجال, فقالت: لا تضربني يا فلان عسى يضربك العدو .
ثمّ إنّ خالداً أرسل الفارس المشهور منير الحضبي الثوري, ليدعو بني عمومته للدّخول في الدّين, وأن يتعاهدوا جميعاً على إقامة الشريعة, وأنّ البيعة تكون على الكتاب والسّنّة . فذهب لهم خياّل "سرّا" وهي فرسه, فأتاهم ودعاهم بالحسنى, فردوا قوله عليه بأن قالوا: تكلّم يا حطّاب _ولعلّه مجنون سخرية بمنير_ فقال منير: أنا أخو نورة أهديكم للإسلام والمسلمين وتقولون تكلم يا حطّاب! . فأخذت امرأة منهم عموداً وهي زوجة الرجل الذي ضرب المرأة بالهراوة, فضربت فرسه ضربة شديدة كادت تفتك بها, فقال منير غاضباً: "أنا خيّال سرّا! والله لئن أحياني الله ليعرقنّ مركبي من حربكم يا....." ثم لوى عنق فرسه وعاد للإخوان .
وَمِنَ البَليّةِ عَذْلُ مَنْ لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَخِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمُ
وحينما أمسى الليلُ أهلَ السّوق, سروا مع مسيل الوادي بأهلهم, وتركوا بعض القنّاصة خلفهم, اثنان استسلما وتديّنا في الآخر أمّا الثالث فقُتل قتلة رديئة لأنه نزل من القصر على أمان أحد الإخوان, فلمّا نزل هجم عليه رجل آخر من الإخوان فقتله على ثأر كان بينهما وذِحْلٍ في الجاهليّة, فلامه الإخوان على خفر ذمّتهم على إِحَنِ الجاهلية, ومهما كان تبريره فقد ارتكب منكراً بخفر ذمة أخيه المسلم . وذمة المسلمين واحدة ويسعى بها أدناهم, قال العلماء: ولو أن امرأة من طرف المسلمين أمنت حربيّاً لوجب إبرار ذمتها . وفي حديث معاوية والزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان قيد الفتك) رواه أحمد . وقد أقر صلوات الله وسلامه عليه إجارة ابنته زينب رضي الله عنها لزوجها أبي العاص بن الربيع قبل إسلامه .
وكان دخول الإخوان للسّوق بعد أسبوع تقريباً من معركة حوقان, وقد أرسل الشريف دعماً من سلاح وذخيرة لأهل السوق لكن تلقّفَهُ الإخوان وغنموه .
إذا لم تكن ليثاً على الأرض أطلساً كثير الندى بالت عليك الثعالب!
وأخذ مفرح في نداء الناس ومن أجابه دخل مع الإخوان مباشرة, وفي الصّباح أغار الإخوان على السّوق , ولم يجدوا فيه سوى هؤلاء الثلاثة ورابعهم رجل من أفتك الناس وأشجعهم وأرماهم وكان لا يزال في القصر .
ثمّ إنّ الإخوان من حوقان وافاهم إخوانهم من الصّملة في السّوق, فرمى ذلك الفاتك ابنَ وندانٍ الصميلي فقتله, وألحق به روضان الثوري, ثمّ أتبعهما بثالث! مع أنّ الإخوان كان ينادونه بالأمان إن سلّم نفسه, لكن أبى حظُّهُ العاثر إلّا المنيُّة الحاضرة, ولمّا رفع رأسه يبحث عن ضحيّةٍ رابعة, إذ رامٍ من الإخوان قد جهّز حتفه وعجّل حِمامه, فرماه برصاصة أطارت قُحْفَ رأسِه من فوق القصر وفجرت دماغة, فخرّ صريعاً لليدينِ وللفمِ . وهذا القتيل قد كان سابقاً يستهزئُ بالأذان فكان إذا سمع المؤذّن أخذ يلاحيه ويسخر منه, فدعا عليه غالب بن ناصر بن لؤي وكان الأمير في ذلك الوقت, وقال: غيّر الله صوتك جزاء ملاحاتك للمؤذّن, فابتلاه الله بمرض الشجر فأكل أنفه. ولمّا وَلِيَ الإخوان السّوق فرحوا به كأنهم قد ولوا الطّائف.
ثم أمدّهم الله بإخوانهم من أهل الغطغط البواسل, ويُقال إنّ أوّل سريّةٍ وصلت منهم هي سريّة سعد بن سهل الرّويس العتيبي في ثمانين من إخوان الغطغط, منهم محسن بن رجاء الّذي قُتِلَ بعد السّبلة مع ابن بجاد رحمهما الله, بل لعلّ هذه السريّة كانت بقيادته, ومعهم مقعد الدّهينة أمير المساعيد من الغطغط, الّذي خرج على الإمام عبد العزيز فيما بعد, ثمّ رجع تائباً فعفا عنه, وكان قدومهم بعد معركتي حوقان والسّوق فشهدوا معركة جبّار وما بعدها, والله أعلم.
وبعد حوقان كتب خالد بن لؤي للإمام عبد العزيز يستنصره لإرسال قوّة تدافع عن الخرمة ضدّ هجمات الشريف وألحّ عليه بذلك وأغلظ له القول. وقديماً قالت العرب: قد ذل من لا ناصر له, ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم..
تَعْدُوا الذِّئَابُ عَلَى مَن لَا كِلَابَ لَهُ وَتَتَّقِي صَوْلَةَ المُسْتَأْسِدِ الضّارِي
وفي تقرير "جون فلبي" رئيس البعثة المُوفَدة إلى نجد سنة: ( 1918م) ذكر "إن الشريف قد غزا الخرمة بالقوّة الأولى غضباً على الإخوان من أهل الخرمة وزعيمهم خالد الّذي طَرَدَ القاضيَ المُرسل من قبل الشريف, وبعد الموقعة أرسل خالدُ الرسولَ للإمام عبد العزيز ليبشّره بالنّصر, ومع مرور الرّسُلِ بالغطغط دعوهم للنّصرة فلبّوها سِرَاعاً وأرسلوا فريقاً قويّاً, وضجّت الرّياض تطلب الحرب مع الشّريف, وعلى رأسهم الإمام عبد الرحمن والد الإمام عبدالعزيز, لكن عبد العزيز قاوم الضّغط الشّديد عليه, واستدعى فريق الغطغط وأرسله دعماً لابنه تركي في حربه شمّر! وكتب إلى خالد بن لؤي: أنّهُ قائم بالاحتجاج عند البريطانيين ضدّ الشريف, ثمّ إنّ الشّريف غزاهم مرّة أخرى ودحروه, ثمّ أرسل خالد إلى عبدالعزيز: إنّك إذا لم ترسل النّجدة فسيضطرّ أهل الخرمة لإرسال أطفالهم لطلب مساعدة أهل نجد, فكتب له عبد العزيز: أنّهُ لا زال يبحث مع الحكومة البريطانية هذه الأزمة, وأنّه في حالة توقِّعِ هجوم ثالث فسيهبّ لنجدتهم .... "(45).
وبعد أربعة عشر ليلة هجم أهل السّوق الّذين كانوا قد خرجوا منه على الإخوان هجوماً صادقاً شديداً, من طلوع الشّمس إلى مغيبها بلا انقطاع, وتفجّرَ أكثر السّلاح من حرارة الرّصاص وغزارته, ولم يَعْتُقْ ويصمد معهم من السّلاح السّليم غير البنادق أمّهات إحدى عشر, وصَدَقَ الإخوان اللّقاء وصبروا, حتّى دفع الله أعداءهم عنهم, فسمّيت معركة "الدفعة".
وأُصيب في ذلك النهّار نايف بن منصور الشريف, وسلطان بن خالد الشريف, في آخرين كُثُر من الإخوان .
وبعدما انهزم أولئك وتراجعوا, استفزعوا بالشّريف الّذي أرسل لهم كتيبة عظيمة, حتّى لاقوا بها الإخوان في معركة جبّار, ومن لُطْفِ الله تعالى أنّ أَمْدَادَ أهلَ الغطغط قد وصلت أوائلها, فثبّت الله أقدام الإخوان.


"حادثة مقتل بعيجان بن منصور رحمه الله تعالى"
بعد معركة السّوق "الدّفعة" وقبل معركة جبّار, وفي أثناء مرابطة أهل الغطغط في الخرمة, وبناءِ خالد للهجرة سنة: ( 1336) ونزلها الإخوان حدثت مشكلة ذات عُبَرٍ كادت تفتك بتجمّع الإخوان وائتلافهم لولا رحمة الله الذي جعل الأمر في يد المجرّب الحكيم خالد بن لؤي, ووفقه للخروج بالإخوان منها, تلك هي حادثة مقتل بعيجان (46) بن منصور أخو الأمير خالد, فبعد مجيئ أهل الغطغط لهجرة خالد بن لؤي, خيّموا تحت أثلة عظيمة, وبعد أيّام شكّكَ بعضهم في ولاء بعيجان بن منصور بن لؤي للإخوان والتّوحيد, واتّهمه بعضهم بالنّفاق بدون دليل, وهذ من أثر الحماس غير المنضبط, ولعل السبب هو غلظته عليهم في التّعامل, فقال سعد بن سهل الرويس: أنا طبيبه! وكان كلاهما في الغاية من النُّبل والشّجاعة والفروسيّة والحذق في الرّماية, ولكن كان في خلق بعيجان خشونة وشراسة. ولمّا ضاق من صَلَفِهِ بعض إخوان الغطغط شكوا ذلك لابن سهل العتيبي الّذي مرّ ذكره, وتداولوا الرّأي وقالوا: إنّه قادم للتّو من الشريف, وهو الآن يؤذي الإخوان, من ينتدب لقتله؟ فعزم ابن سهل على قتله! فوضع ابن سهل شارة (47) عند قصر بعيجان, وأخذ يرميها بالبندقيّة, اختباراً وإغضاباً لبعيجان الّذي خرج مغضباً, وقال: أنا لست بشارة, لَتَكَفُّنَّ عن ذلك أو لأرمينّكم رمياً ليس برمي الشّارة! ثمّ دخل بيته وصلى الضحى, ثم اضطجع خلف زربة له (48) فلمّا وضع جنبه رماه ابن سهل برصاصة في رأسه فقتله!. فانزعج الإخوان! وثارت حميّة بعضهم, وكادت عراهم أن تنفصم! وصار الحال كما قال العباس بن الحسن: من كان كله لك كان كله عليك .
ولا شكّ أنّ هذا التّصرفَ الأرعن قد بلبل الأمور, وكاد يعصف بوحدة جند الإيمان, ويفرّقهم, لولا لطف الله تعالى, ثمّ حلم وحكمة خالد, الذي فقأ عين الفتنة, وأخمد أوارها, وقد كان طبيب زمانه رحمه الله, لذا فمن حين وصول خبر الفاجعة إليه كان عنده بضعةٌ من الإخوان القريشات الّذين ثاروا وطالبوا بالقصاص فوراً, لكنّه نهرهم بشدّةٍ وقال: هل هو أخي أم أخوكم؟ . قالوا: بل أخوك . قال: إذن الشّرعَ الشّرعَ .
وفعلاً جعل الحديد والقيد في قدمي ابن سهل, وحبسه في أم الكُرْش (49) ثمّ حاكموه إلى الشّيخ فقال: القاتل يُقتل مع وقف التنفيذ؛ حتّى يغتسل محمد بن بعيجان من الجنابة,كناية عن البلوغ, فلعله يعفو أو يأخذ الدّية (50) .
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد القوم أصدرا
ثمّ ذهب خالد إلى العطيّب بن بعيجان, وكان قد احتزم بالبندقية كي يقتل قاتل أبيه, فحضنه وضمّه وصاح فيه قائلاً: إن قتلنا ابن سهل والله لتتركنا الرّجال, ولينسحبوا عنا ولينفردنّ بنا الأعداء! ولكن خذ الشّرع من ابن سهل, وأبوك قد مات ولن تعيده بقتلك الرّجل, فألقى العطيّب البندقية, وَوُضع القاتل في الحبس(51). وكأنما عنى الحسن بن سهل خالداً حينما قال المقولة الشهيرة: لا يصلح للصدر إلا واسع الصدر. وفي هذا عِظه واعتبار لخطر انشقاق الصفوف بسبب بعض التصرفات الحماسية غير المنضبطة التي قد تعصف بالمؤمنين من حيث أراد المتحمّس نصرهم!.
وبعد أيّام ثارت معركة جبّار, فكان ابن سهل يقول لهم كما قال أبو محجن الثّقفي لزوجة سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنهم: أطلقوني حتّى أقاتل العدو, فإن مُتُّ فهو ما تريدون, وإن سلّمني الله فوالله لأعودنّ حتّى أضع رجلي في القيد! وقال بحاله ما قاله أبو محجن بحاله ومقاله:

كفى حزناً أن تلتقي الخيلُ بالقَنا وأُترك مشدوداً عليّ وثاقيا
إذا قمت عنّاني الحديد وأغُلّقتْ مصارعُ من دوني تصمّ المُناديا
ولله عهد لا أخيس بعـهده لئن فرّجَتْ عني أن لا أزور الخواليا


فأطلقوه فرأى النّاس منه العجب فكان لا ينبطح عند ثوران النيران, ولا يُدبر, ولا تخطئ له رميه, فبلغ قتلاه في ذلك النّهار سبعة (52) وقيل أكثر من ذلك من جيش الشّريف ثمّ عاد لقيده, وكلّما ثارت حرب أطلقوه ففعل الأفاعيل بأهل الباطل .
والناس ألف منهموا كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا
ثمّ إنّ علّوش بن خالد بن حميد (53) قال لخالد لمّا وصل من الغطغط ورأى ابن عمّه في السجن منتظراً السّيف, وكان قَتْلُهُ لبعيجان على تأويل وليس عن دنيا, فقال لخالد: يا خالد اعلم أنّا لم نعلم بما كان يريده ابن سهل, ولم نرض بفعله, ولكن إن قتلتموه والله لا نشعل عندكم وقيدة! أي لا نبقى معكم ليلة. وذهب خالد للعطيّب وقال: يا ولد بعيجان! فقال: سمّ (54) فقال: ماذا لي منك؟ . قال: كلّي لك . فقال: أعتق ابن سهل . فأتاه ثمّ جزّ ناصيته, وقال: تحاسب أنت وبعيجان, فأطلقه . وأطفأ الله الفتنة بعد ما كادت, رحم الله العطيب وأبيه.
وَمَا قَتَلَ الأَحْرَارَ كَالعَفْوِ عَنْهُمُوا وَمَنْ لَكَ بِالحُرِّ الّذِي يَحْفَظُ اليَدَا؟


معركة "جبّار" ( الرّضم _ أبو بغيث )
( 17رمضان 1336 وهو الموافق ليوم غزوة بدر الكبرى )
بعد معركة حوقان وانكسار أهل السّوق في الدّفعة, جهّز الشّريف جيشاً آخر, لعلّه يردّ له كرامته وهيبته بعدما مرّغها إخوان من أطاع الله في التراب, فجهّز جيشاً بقيادة حمود بن زيد بن فوّاز (55) ولسان حال الإخوان:
إِنْ عَادَتِ العَقْرَبُ عَدْنَا لَهَا وَكَانَتِ النّعْلُ لَهَا حَاضِرَة
واجتمع مع حزب الشريف من لم يحضروا معركة حوقان (56) واشتدّ الكرب على الإخوان ( فإنّ مع العسر يسراَ . إنّ مع العسر يسراً ) ( والعاقبة للتّقوى ) فرحمهم الله تعالى بوصول مددٍ من إخوانهم أهل الغطغط, أقبلوا كالغمائم قد سدلوا العمائم,فأرسل سلطان بن بجاد بعد استنجاد إخوان الخرمة,كتيبة قوامها مئتين, وقيل ثلاثمئة, وقيل ثمانين وهو الأشهر, عليهم سعد بن سهل الرّويس(57) _كما مرّ_ ومعه المتيّن من الدعاجين, ومعهم عبدالهادي المقاطي(58) فحضروا جميع مغازي الإخوان, ولم يفتهم غير حوقان والسّوق, والتقى الجيشان ونصر الله أهل الحق والتوحيد . ويُقال إنّ أوّل من رمى برصاصة في جبّار (59) هو الأمير مفرّح بن شارع, إذ أنّه كبّر, ثمّ رمى حامل راية الشّريف, فصرمت الرّصاصةُ يدَهُ, وكَسَرَتِ الرّايةَ فسقَطَتْ, ثمّ ثارت عَجَاجَةُ الخيل, وَرَهَجَتِ بفرسانها, وتعانق الفرسان, وتطاعن الأقران, وتقطعت السيوف, وتكسرت الرماح, وردّد الوادي صدى الرّصاص والتّكبير, وحمي لهيب الرّصاص بين حزب الرحمن وحزب الشيطان, وأمر مفرح عشرة من القنّاصة(60) على طرف الوادي في رأس الجُبُوب (61) وقصد بذلك أن يصيدوا الجيش عن قرب إذا مرّ بهم, وما علموا أنّ رجّالةً من جند الشّريف قد أتوهم من خلفهم, فغدا الصائدُ مصِيداً, فأتوا مع "اللّوي" (62) فأشرفوا على الإخوان, فإذ ظهورهم إليهم مذابيح, فرموهم من خلفهم, فلم يسلم منهم إلّا القليل _ رحمهم الله _ لأنّهم أُخِذوا على غرّة, ثمّ عاد المهاجمون ودخلوا معرّة جيشهم, فأمر الله بهبوب رياح النصر لأهل التّوحيد, وَكَسَرَ اللهُ جيش الباطل, وقُتل منهم الكثير (63) وَهَرَبَ الشّريف وعاد لمركز تموينه في عشيرة, يتجرّع كأس الذّلّةِ والمهانة وحسرة الهزيمة والشّنآن, وليس من قلّة في العتاد ولا في الرّجال ولا في الشّجاعة, ولكن من غالب الله غُلب.
وقُتِل من حزب الشريف سبعون, ويالله! لقد قاتل الابن أباه والأخ أخاه من أجل لا إله إلّا الله! وهذا هو حال الإخوان, ثمّ يأتينا اليوم من صِبْيَةِ الكُتّاب من يزعم أنّهم يريدون الدّنيا بذلك الجهاد! . ياللعار والشنار!
متَى تَصِل العِطاشُ إلى ارتواء إذا استقتْ البِحارُ مِنَ الرّكايا
ومَمْ يُثْـنِ الأصاغِرُ عن مراد وقد جلسَ الأكابرُ في الزوايا
إذا استوتِ الأسافِلُ والأعالي فقد طـابتْ منادمةُ المنايا
ولم يُقتل الكثير من الإخوان في معركة جبّار (64) وكان جيش الشّريف هو الوارد في البداية وقتل من الإخوان من قتل, ثمّ هبّت رياح نصر الله للموحِّدِين فدارت الدّائرة على حزب الشريف, وفي هذه المعركة استُشهد محسن بن تركي بن ماضي الشّريف, وغصن الصّميلي السّبيعي, وممن قاتل مع الإخوان في هذه المعركة شباب بن جروة_أمير الصملة فيما بعد_ وكان رديفاً لوالده على الحصان (65) .
وبعد معركة جبّار عاد مجموعة من أهل الغطغط لبلادهم فاستقبلهم سلطان بن بجاد غاضباً وهو يقول: تركتم إخوانكم مظلومين وجئتم تبحثون عن النّساء! والله لا ترونهنّ, فارجعوا من حيث أتيتم . ثمّ جهّزَ معهم علّوش بن حميد في خمسمئة مقاتل, وقيل أربعمئة, وذهبوا للخرمة فحضروا معركتي الحنو والقرين, حتّى أدركهم سلطان الدّين بن بجاد(66) بجموعه البالغة: (1200) مقاتل, فحضر تربة وما بعدها .


"معركة الحنُو"
( في يوم عرفة التّاسع من ذي الحجة 1336)
وهي معركة عظيمة, وموقعة شديدة, استُشهد فيها الكثير من الإخوان, ومبدؤها؛ أنّ شاكر بن زيد بن فوّاز العبدلي الشريف, وهو أخٌ لحمود بن زيد وهما من أبناء عمومة الشّريف حسين, وشاكر يُعتبر الشّخص الثّاني في القيادة في جيوش الأمير عبد الله "البيه" وكان من خاصّة الملك حسين وقد أمّره على عُتيبة, وشاكر هذا أرسله الملك حسين لسحق الإخوان وكبسهم من أسفل البلد, بينما حمود بن زيد ينحدر عليهم من علوّه, حتّى تصير البلد بين فكّي الكمّاشة . وقيل: بل كان شاكر هو من قدم عليهم في القرين أيضاً . وهذا ما تؤيّده مراسلات حسين للبريطانيين كما هو منشور في الوثائق البريطانية, والله أعلم.
قومي إذا ما لضيم حلّ بهم فهم أسود الشّرى في مدلهم العواتيا
يريدون بذلاً للنفوس وقد سمت بهم همم نحو الجنان العواليا
فئيهٍ حماة الدين جاء عدوّكم يريد بكم كيداً عظيم الدواهيا
فإن تستجيبوا للكفور فخبتمُ ألا حبذا قرماً عن الدين حاميا
وقد هبّت الأرواح نصراً ونجدة فحيهلاً بالحرب زادت شعاعيا
وخيّم شاكر في "دغيبجة" (67) حتّى تكاملت جموعه ثمّ ذهب بجيشه للحنو(68) وخيّم على "مرّان" بقُرب "الحنو" وجاءته البادية أرسالاً تريد غنائم الخرمة, بل وصل بالشريف الغرور إلى أن قسّم البساتين على كبار جنده الذين معه, الذين أتوا بأهلهم ونسائهم على "الغبطان" (69) واثقين من نزول البلد, خَلَفَاً لأهله"المديّنة"قالت إحدى نسائهم:
تشيّلوا ورعـانكم وارّاح لعاد تطـرون المديد
قدامكم حسـو قـراح ومخالطـه تمر جديد
وقبل المعركة بثلاثة أيام كانت إبل جند الشريف على "اللّميسة"(70) و"الحمار"(71) و"الحُفيرة"(72) فقال الإخوان لناصر بن مشاري القريشي: أرنا فعلك, فأخذ مجموعة معه فرساناً فأغاروا على إبل جند الشريف فأخذوها, وبينا هم مقتفينها يسوقونها؛ لحقتهم خيل الشريف ففكّت إبلها ثمّ رجعت بها, وكان أحد كبار القوّاد غائباً وهو من المقرّبين للشريف, فلمّا قدم أخبروه الخبر وقالوا: إنّ ابنك فلاناً لم يخرج معنا كي يردّ الإبل! وهذه من الكبائر في عرف البادية, فغضب وملأ مشط بندقيته أمّ ركبة, وقال: سأذهب حتّى أضع هذا المشط في "بني رقعان"(73) ثمّ أعود وأفرغ آخر المشط(74) في رأس ولدي فلان, فركب وركب معه خيّالة فلمّا أقبلوا على الإخوان, رموه برصاصة وهو على حصانه ففجرت نحره, فسقط ميتاً يتشحط في دمه, فحمله أصحابه وعادوا به, وقد قال بعض أصحابه فيما بعد مبيّنا خسارتهم لشجاعته وفروسيته وقوة رأيه: والله لقتل فلان علينا ككسرة الحنو (75).
وكانت تلك المعركة عشيّة عرفة, حين هبّت رياح النصر لجند الله, وكانت جنود الشريف قد ملأت الوادي كثرةً, وقد جرّ المدافع, وأحضر الرشاشات, وجمّع الجموع, ونزل الحنو, ولكن:
وهل ينفع الجيش الكثيف التفافه على غير منصور وغير معان؟
والإخوان لا يدرون من أين سيهجم عليهم الشريف , أَمِنْ أسفلِ البلدة أم أعلاها؟ وقدّر الله أن أحد الإخوان , وهو غازي بن جرمان الثوري ذهب يبحث عن ناقتين له , ومعه ابن عمه مرزوق فركبا ذلولهما , قاصدين أسفل الوادي حتّى وصلا "غثاة" وكانت مشهورة بشجر الأراك, وهي محَِلّةٌ بالمنتصف تقريباً بين آبار الحنو وبين "أبو جميدة"(76) فلمّا وصلا "غثاة"(77) سألا بني عجاج عن ناقتيهما, فأشاروا إلى جهة الوادي, فتركا ذلولهما عند بني عجاج وقصّا الأثر, حتّى وجدا أثر الناقتين فتتبّعاه على أقدامهما وسارا, وبينا هما يمشيان إذ رابهما عجاج الخيل والجيش, وما راعهما إلّا وعشرون فارساً قد نزلوا عليهما من الحزم, من جُبُوب الخيل - ولازال هذا اسمه - فهربا على أقدامهما, فأدركتهما الخيل بقيادة أحد كبراء البادية وقد وضع نصل سيفه بين آذان الفرس, وهو يقول: لن أقتل "المديّنة" إلّا بهذا السّيف, احتقاراً للإخوان, فالتفت إليه غازي بعدما كاد أن يصل إليهما, فأطلق عليه النار فأطارته الرّصاصة من فرسه صريعاً, فركض غازي ولسان حاله:
تَرَكْنَا الخَيْلَ عَاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلّدَةً أَعِنّتَهَا صُـفُونَا
وضرب صاحبه إحدى الخيل فقتلها, وسَلِمَ فارسُها الذي أردفه أصحابه وعادوا وانهزموا, أمّا غازي ومرزوق فأطلقا ساقيهما للرّيح بعد ما رأيا حِمام الموت, وبينا هما يركضان إذ أطلق أحد الفرسان رصاصة, فأصابت ساق مرزوق, فأسنده غازي على كتفه حتّى وصلا الذلول, ومنها أسرعا للأمير ابن جروة في السّلمية (78) الّذي أرسل من فوره فارسين ليخبرا الأمير خالد بن لؤي الخبر . ثمّ ندب خالد الصّملة للتمركز أمام العدو, وأرسل فارسين لتقدير حجم العدو ومكان تمركزه (79) فانطلقا وهما غزّاي بن محمد الحارث, ومنير الحضبي, فلمّا أقبلا على القوم, هالتهما كثرة الجند وقوّة الجيش يجرّ ستّة مدافع, فعادا لخالد, ولمّا دخلا عليه مجلسه كان عنده جماعة من الإخوان, فقال منير: إنّهم قوم ليسوا بشيء, يريد طَمْأَنَةَ الإخوان وعدم ترويعهم, ثمّ اختصر بخالد ومفرح, وقال: إنّهم كثير, والله لقد كررت سرّاء_فرسه_ ثمّ أَنْكَفَت ما قَطَعَتْ أثرَهُم من كثرتهم! (80) فقال خالد: لا تخبر الإخوان بما رأيت .
ثمّ إنّ خالداً كان قد أرسل فارسين ليأتياه بخبر الجهة الجنوبية الغربية, أي أعلى البلد مع الوادي وجهة تربة وحضن, فأرسل منصور بن غالب الشريف وناصر بن جازع العمري السبيعي, فركضا فانطلقا إلى "الغريف" (81) ولمّا وصلا "القُرَيْن" (82) قال ناصر: لنرجع فليس أمامنا أحد, هذا القَطَا قد طار لمّا رآنا فليس أمامه أحد (83) . وعادا للإخوان الّذين اطمئنوا أنّ الجيش الّذي أمامهم واحد, خلافاً لِمَا بلغهم عمّا خطّطَهُ الشّريف بأن يكمش الإخوان بين جيشين من أسفل الوادي وأعلاه, لكن رحمهم الله بتأخّر الجيش الآخر الّذي لم يصل إلّا بعد نحو شهرين .
ووحّد الإخوان وجهتهم, وانطلقوا للحنو, وقد تركوا في حوقان عشرين بوارديّاً, أي قنّاصة لحماية الجهة الجنوبيّة للخرمة, فصلّوا الظهر والعصر جمع تقديم في "غثاة" ثمّ تقدّموا, واستظل الأمراء الثّلاثة تحت دوحة كبيرة للمداولة ولقطع الرّأي, وهم خالد ومفرّح وعلّوش, وظهر تلك العشية رأي وعزم مفرح بن هليّمة الثوري حينما استشاره خالد وعلّوش في وقت الرّواح للحرب, هل يروحون على الأعداء أو ينتظرون الصّباح؟ بيات أم غارة؟ فركب مفرح ناقته وأشار للشّمس وقد مالت بعصاه وصاح: صبيّ التوحيد وأنا أخو من طاع الله, والله لا تغيب الشمس حتّى يكون الوادي لنا أو لهم بأمر الله! فقالا: رأيك رشيد يا مفرح . فهبّ جند الرحمن وحماة التّوحيد, ثمّ استلم منير الحضبي الخيّالة, الّتي ذهب بعضها من الجهة الشّماليّة للوادي, حتّى يقطعوا الطّريق على فرسان الشّريف, من أجل ألاّ يكرّوا عليهم من خلفهم فيخالفونهم على الرّدفاء الّذين في مؤخرة الجيش قد قعدوا عند إبل الإخوان, وينتظرون السّلاح من غنيمة إخوانهم حتّى يكرّوا به معهم, فاستشهد من الفرسان هزاع بن محمد الحارث, وجذيع بن هملان, ومحسن القصيّر أبو مطلق, قتلهم الهمرق مع جيش الشريف, وألحق بهم ثلاثة آخرين وأصاب منيراً في جنبه, وأول عِنَاقِ الفرسانِ وطعان الأقران لبعضهم كان في زريبة (84) "ابن تني" الثوري, الّذي استشهد في أوّل المعركة, ودُفِنَ في زريبته رحمه الله .
وركض البوارديّة (85) على أقدامهم, وخلفهم مفرح على حصانه وكلّما أراد أحدهم أن يفرّ أقبل عليه بحصانه, فيخجل الرجل ويرخى عمامته على وجهه كي لا يعرفه الأمير مفرح! ثمّ عاد وكرّ على لهيب المعركة .
وَقَدْ يَغْشَى الْفَتَى لُجَجَ المَنَايَا حذَاراً مِنْ أَحَادِيثِ الرِّفَاقِ
واستشهد من أهل الغطغط ستةٌ وثلاثون, لمّا هاجموا المدافع الرّشّاشة لجيش الشّريف (86) وبعد استيلائهم على مدافع الشّريف دارت الدّائرة على الشّريف شاكر, فانهزم وهرب بعد أن قُتل من جنده الكثير, وأدار الله تعالى الدّائرة على أهل الباطل, وأنزل بهم بأسه على أيدي الموحدين, وهبّت رياح الدّبور عليهم, ومنح الله أكتافهم لجنده, وانطلق الإخوان خلفهم يقتلونهم بالعشرات, وبعضهم ينشد:
ذا يوم الحجــة ذا يـوم العـيد
فتح باب الجــنة يا أهـل التوحيد
وهربت الخيّالةُ النّاجية وأبعدت, لكن الرّجّالة الّذين على أقدامهم لم تحملهم أقدامهم بعيداً, فكانت سيوف ورصاص الإخوان أقرب لقطف أرواحهم, واستحرّ القتل فيهم, كما قال تركي بن حميد:
من طاح في الميدان ماهو بمرحوم يا كود من ربّ السّما شافع له
فأدبروا حاملين أسلحتهم الّتي لم تُغن عنهم من الله شيئاً, عليهم المُذَلَّقَات(87) وكانت البنادق تسحقهم, والسّيوف والرّماح تحصدهم, ثمّ إنّ خمسة من الخيّالة الّذين مع منير داروا على المنهزمين والتفّوا عليهم, لكي يردوهم على الإخوان لكن المنهزم لا يردّه شيء, وكانت هذه غلطة من أولائك الفرسان دفعوا ثمنها أرواحهم رحمها الله, فإنّهم لما داروا عليهم وكمنوا أمامهم ورموهم, أجابهم أولئك بالمثل, ووقعوا بين يدي راميٍ محترف وهو ابن صنيهيت, وقد رمى منيف بن هبسا الثوري مع بطنة فسقط, ثمّ رمى حمود بن صقر الثوري فأصابه إصابة غائرة (88) ثمّ ضرب مناحي بن وندان القريشي فقتله, وقتل حصانه, ثمّ ألحَقَ بهم خالد بن شبش القريشي, وكلّ هذا بسرعة البرق الخاطف لسرعة رميه وحذقه! وهرب خامس الإخوان على حصان أحمر عن مصارع أصحابه! ثمّ إنّ ابن صنيهيت ركض إلى فرس منيف فركبها, ثمّ جرّ فرساً أخرى وجنّبَها معه, ثم ركض لأصحابه, ولعلّه الوحيد الّذي كسب الغنيمة من قوم الشّريف تلك العشيّة, ومع العشاء الآخرة عادت الخيل تحمل الأربعة قد حُملوا عليها عَرْضَاً, وكانت روح منيف لم تَفِضْ بَعْدُ, فأقبلت الفرس يقودها أحدهم يمشي بها الهوينى, والآخر قد أمسك منيفاً حتّى لا يسقط, وكان منيف مشهوراً بالفروسيّة والشّجاعة والسّخاء, فقد كان من الخمسة الّذين يُبكى عليهم, وهو من أحبّ الناس للأمير مفرّح وكان جاراً له, فلمّا أقبلوا به وكان الظّلام قد حطّ رحاله وأسبل وَبْلَهُ وسِبَالَهُ, قال مفرح: من الرّجل؟ فسكتوا ثمّ تحامل منيف على نفسه, كي يُطمئِنَ صديقه فخانته الحروف وضعف صوتُه وهو يقول: آ آ آ آ آ يريد أن يقول: أنا طيّب فلم يسطِع, فسقط مفرح على ركبتيه وهو يقول: يا الله الخيرة! (89) وبعدها بساعة فاضت روحه لبارئها رحمه الله تعالى, فبكاه صاحبه ولسان حاله:
وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنّها روحٌ تذوب فتقـطرُ
وغنم الإخوان مدفعين من شاكر (90) وقسموا الغنائم, وكان هاجد بن جروة قد أصيب في معركة جبّار فقالوا: أنت قد عذرك الله فاقعد, فقال: بل احملوني وضعوني في وجه العدو, فإن انهزمتم مرّوا علي واحملوني, وإلا فاتركوني أرميهم, ففعلوا ووضعوه أمام جدار صخري صغير ووضعوا البندق أُم ركبه عنده, فرمى القومَ رمياً هائلاً ولمّا رجع له أصحابه, إذ خلف ظهرِهِ مثل إِلْيَةِ الشاةِ من الصِفر (91) وكان رامياً رحمه الله, وبعضهم يلقّبه بفارس الطَّرَف .
وكان الإخوان قد قسموا جيشهم قسمين, فطائفة مع الزّرائب والحزم, وهم أهل البلد وكانوا قرابة الثمانمئة, وطائفة مع بطن الوادي وهم أهل الغطغط وهم الّذين صاروا في وجه رصاص المدافع الرشاشة فأثخنتهم المقتلة رحمهم الله .
قال علي النّاقول رحمه الله: والله إنّي لأنظر إلى أهل الغطغط, وعليهم ثياب بيض يركضون في بطن الوادي مُصْعِدِينَ لجيش الشريف, والمدفع الرشاش يحصدهم حصداً, فيسقط أوائلهم صرعى, ويقوم من يليهم على بيرقهم _لوائهم _ حتّى وصلوا لأصحاب المدافع فذبحوهم, وللرّصاص فرقعة في شجر العشرّ مع الوادي.
إِذَا مَا غَضِـــبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَّةً هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ تَقْطُرُ الدّم
وأنزل الله نصره قبل مغيب شمس عرفة من عام: ( 1336 ) وكان شاكر الشّريف ينظر للمعركة بمنظاره (92) المكبِّر, ويتعجّبُ من بسالة الإخوان وفدائيتهم, فالتفت إلى صنيتان بن هليمة الثوري_وقد كان من رجاله وعاد ثم هداه الله للحق والإنابة_ (93) وقال له: أهولاء المديّنة لا يردهم الرّصاص؟ فقال صنيتان: هؤلاء لا يردّهم شيء! فقال شاكر: لقد جاءنا جندنا هاربين قد ركبهم العدو . ثمّ أمر بخِرْجِهِ الّذي فيه الذهب فَرُفِع على حصانه ثمّ انطلق هارباً .
تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
ووصل الإخوان لواء الشريف, وتناوله اثنان منهم, أحدهما من المدارية (94) قد مسك رأس اللواء, والآخر ابن سهل قد مسك عصاه ويهزّانه .
لَوْلَا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ الجُودُ يُفْـقِرُ وَالِإقْدَامُ قَتَّالُ
وكان من ضمن جيش الشريف أحد أمرائه الكبار وهو محمّد العبّود (95) وكان عنده زوجتان الأولى ابنة عمّه, والأخرى من سبيعيّات الخرمة وهي "قوت" الغُزيليّة الثّوريّة, فارتحل مع جيش الشريف بثقله وحريمه على الغُبطان وبينما هم في الطّريق لغزو الخرمة قالت الأولى للثّوريّة: يا قوت سترين بني عمّك غداً مقتولين, وسترين نساءهم عاصبات أقدامهن بالخرق راكضات لرنية! فقالت: لا يتمُّ قولك إن شاء الله, ولعلّي أراك غداً هاجّة على بعيرك حِرْذون(96) وكان ما قالت, فقد كانت قوتٌ قد حملت غبيطها على بعيرها من حين نزولها متفائلةً بفرار الجيش, أمّا الأخرى فاتّكأت على غبيطها وبنت بيتها وكأنها في الحَرَمِ! فما راعها إلّا وزوجها العبّود يركض فزعاً, وقد مرّ بهما على فرسه, ونهمهما: العجلةَ العجلةَ لا رَحِمَ اللهُ والديكما! أمّا السّبيعية فركبت بعيرها الّذي كان جاهزاً, أمّا الأخرى فركبته حرذوناً كما وصفته جارتها, ولا تهزأ بأخيك, فيعافيه الله ويبتليك!.
واستُشهد فيها الكثير كما أسلفنا كفهيد بن شاهين الشريف, وهزاّع بن محمّد الحارث الّذي قال ضُحى ذلك اليوم: الّلهم إن كانت المنيّة قريبة فاجعلها اليوم, فاستجاب الله دعوته, ومناحي بن وندان, والكثير من الغطغط, قال عمر بن علوش: النّساء اللاتي لزمهن الإحداد في الغطغط بعد الحنو لا يحصين من كثرتهن! وشارك مع أهل الخرمة خمسمئة من أهل الغطغط, ومئتان وخمسون من أهل الرّين – إن صحت رواية مشاركتهم في الحنو - أمّا أهل الخرمة فقرابة الثمانمئة .
قال دندن العصامي المطيري:
بانت البيّـــنة والدين دين الله ما نطـاوع هل الردات والجافي
ومن يشكك في كفـر البيه عبد الله ذاك ما قلبه على التوحيد ميلافي
يوم سرنا على الكـفـار بامر الله حجـّة حجها من نار واطافي
يوم شاكر جمع جنود عاصيــة الله ومشره نفسه بتصبيح الأسلافي
يالإمام ارتحل ياشيــخ جـند الله يوم ضلوا طريق الحق الأشرافي
يالإمام اجتهد فيما يحـــب الله وان صدقنا مع الله هو لنا كافي
وبعدها لام الشريف حسينُ شاكر بن زيد, وقال: أنت لا تصنع شيئاً! فقال: اذهبوا لهم وسترون فعلهم فيكم . فقال عبدالله "البيه": أنا من سيؤدب "المديّنة" . فبدأ بالتخطيط لمعركة تربة الرهيبة! والتي هدّت عروشهم, وأخرجتهم من الحجاز _وقد حكموه ألف سنة إلّا ستة عشر عاماً_ . كتب الله أنّ من نصر الدّين نصره, ومن خذل الدّين خذله, والله غالب على أمره . وكما قال عمر رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام, فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله . وبعد "الحنو" أرسل الملك عبد العزيز الكثير من السّلاح للإخوان, حتّى كالوا قسمة الرصاص كيلاً بعدما كانوا يعدّونه عَدّاً, وقسموا الغنائم وجعلوا المزاد على البيوت الكبار, فاشترى مفرح بيت العبّود بثلاثين جنيه فرنسي (97) وقال: هذا لبدراء (98) وعيالها .
قال ابن مسفر:
جانا فاجـر والشريف شــاكر يمشـون مــن الحرة للأفياح
يمشي على قـومه ويقـول اردوا اردوا على تمر مــن قــراح
تنادبوا هـــل التوحيد وسبلوا تســــالموا وكل قال مباح
كل كتـب دينه ولبـس احـرامه وقال امشوا هذي حجة الأرواح
وقـمنـا عليهم قومة بأمــر الله لين الأوايل عـــودوا طفاّح
يازين صقع سيــوفنا في جباههم صقـع الصواقع من السما طياح
ذيابة الخـــلا أكلي وغبـّـبي ملّي المجــاحر واهتني بارواح
وبعد معركة الحنو راسل الإخوان أهل تربة للدخول معهم في التديّن والجهاد فحصل نوع موافقة من بعضهم, وذهب إليهم بعض الدّعاة الذين قبض عليهم عبد الله "البيه" فيما بعد وقتلهم (99) .
مكث أهل الغطغط بعد معركة الحنو في الهجرة عند خالد قرابة شهرين, وبعد برء جراحهم قالوا: قد انتهت مدّة الجهاد, فبعضهم وبخاصّة أهل السّريّة الأولى كان لهم ما يزيد عن الخمسة أشهر عن بلادهم بعد معركة جبّار, وعادوا لديارهم, وأثناء سيرهم جاءهم صارخ الإخوان؛ أن عودوا فقد عاد الشريف مع "القرين" . فقالوا : اطلبوا الله لسنا بعائدين إليكم قريباً!.
ولما وصلوا نهرهم سلطان بن بجاد, وهجرهم ثلاثة أيام لقدومهم قبل استغناء إخوانهم عنهم, وأقبل الشريف حمود بن زيد على القرين .


معركة "القُرَيْنِ"
( 17 صفر1337)
القرين مضيق في الوادي الكبير, ويصب فيه شِعْب متوسط, ويقع جنوب غرب الخرمة بنحو عشرين كيلاً .
جاء جيش الشريف بقيادة حمود بن زيد, الذي كان قد هُزم في حوقان وجبّار, وقد تأخر بحمد الله عن القدوم للخرمة, ولم تتم خطته مع أخيه شاكر حينما اتفقا بأمر حسين على غزو الخرمة من الجهتين _ إن صحّت الرواية _ وعلى الرواية الأخرى؛ أنّ قائد جيش الشريف في القرين هو شاكر وليس حمود, الشّاهد أنّه بعد وقعة الحنو بشهرين جاءه الإخوان وهو يجهّز لهم في القرين, فغزوه في ثكناته وكما قيل: ما غُزِيَ قومٌ في عقر دارهم قطّ إلّا ذلّوا, فكانت معركة القرين عظيمة, مع عدم التعبئة الكاملة للإخوان, لكنّ الله أنزل نصره وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده, وطارد الإخوان فلول الشّريف حتّى مغيب الشمس وحلول الظلام, كما حدث في الحنو, وكان شاعر الشريف يهجو الإخوان بقوله:
يا تيوس يقوّدها خـــروف واجتلبها على المــوت الحمر
حالـف ما أديّن لين أشــوف لين أوصّــل لبو فيصل خبر
فقال الإخوان: ردّ يا مناحي عليه, قال: ليس الآن . فقتله نايش بن هرسان في القرين (100) فلمّا جندله ورآه الإخوان قال شاعرهم مناحي بن غبيشان حينئذ:
عيّدوا بفلان أهل الســيوف ونحــمد الله على البيه الخطر
نحمد اللي جمع كل الشـفوف نصرة للديــن طار بها الخبر
يا كليـب بقلفـته محـذوف عند حـــوقان دعته القدر
كانت مجموعه من الإخوان يصلّون صلاة العصر في شعب الجوفاء (101) فجاءهم الصّائح وهم يصلون خلف إمامهم ابن حسين, فأوجزَ الصّلاة, ثمّ تواثبوا على ظهور الخيل, معهم محسن بن خالد, وطاردوا خيل الشريف, وقتلوا منهم الكثير, ووصلوا القرين والشريف نازل فيه, وتتابعت نجدات الإخوان واشتدّتِ المعركة, إلاّ أنّ الليلَ منع الإخوان من مطاردة العدو, فهرب الشريف ومن معه, وقتل مع الشريف رجل كان من قدماء الإخوان, قبل أن ينقلب على عقبيه لخوفه على نخلاته من قطع الشريف لها! نعوذ بالله من الحور بعد الكور, ومن الضّلالة بعد الهدى.
وفي رواية مشرع الكرناف قال: أرسلنا الشريف من القرين للإخوان وأَمَرَنَا باغتيالهم بالرّصاص أثناء صلاتهم . قال : إذا كبّر بنو رقعان للصّلاة فضعوا الرّصاص في ظهورهم, قال: فانطلقنا عشرة فرسان, ولمّا أقبلنا عليهم _وكان تحتي فرس صفراء_ إذ لمحتنا امرأة كانت تحتطب, فأسرعت لخالد فأخبرته الخبر , فكمنّا ننتظر وقت صلاتهم حتّى نقتل كبارهم وهم في الصّلاة, ولمّا علم خالد, أمر بضعة فرسان عليهم ابنه سعد ومعه العطيّب وهو عبد الله بن بعيجان ومجموعة من الفرسان الأشدّاء؛ بأن يدوروا من خلفنا ويرموننا من ظهورنا, وفعلاً لمّا كنا ننتظر وقت الصّلاة ونحن على خيلنا, إذ تَعَقّدَتْ ظُهُور الخيل من تحتنا من أجل سماعها دَكَكَ الخيل من خلفها, ولم ننتبه إلّا ونواصي الخيل نازلة علينا من خلفنا هابطة من الشعب, فرمونا بالمشط الأول وهربنا, وأسقطوا أحد فرساننا من فرسه وأسروه, وأسقطوا آخر, لكنا أردفناه معنا وغنموا فرسين, فلمّا أقبلوا به على خالد قال لهم: هل أمّنتم الرجل أم لا؟ فقال الإخوان: لا, فقال خالد: اذهب به يا فلان _ابن عم الأسير_ فاقتله, فضربه برصاصة في رأسه . فَأَمَرَ الرجل بقتل ابن عمه كما طلب عمر رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل قريبه بعد بدر, وأن يقتل عليٌ قريبه كذلك, ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون).
ثم انطلق الإخوان قد ثار غبار خيلهم, حتّى وصلوا "القُرَيْن" فنازلوا الشريف, وقتل من جند الشريف ذلك النهار أكثر من سبعين.
واستشهد من الإخوان الكثير في تلك المعركة, منهم محمد بن زايد كذلك ابنه عجب, ثمّ هرب الشريف لمركزه في عشيرة بعد هذه الهزيمة, ورحم الله ابن المبارك حينما قال حاثّاً على الجهاد :
رِيْحُ العَبِيرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيرُنَا رَهَجُ السّنَابِكِ وَالغُبَارُ الأَطْيَبُ
ويقال: إنّ الهجوم من الإخوان كان في اليوم الثاني بعد صلاة الظهر, واستمرت المعركة إلى قبيل المغيب قبل انهزام جيش الشريف, وطاردوا فلول الشريف إلى العشاء الآخرة, وقد حضر المعركة من كبار الإخوان صقر العواجي ومن معه من بيشة _ وهو الذي أسقط ذلك الرجل الذي كان من الإخوان ثم انتكس على عقبيه _ ثم سدد فم البندقيّة له, فصاح فيه ذلك الرجل: أنا فلان! فقال صقر: ماحضرت إلا لقتل المرتدين أمثالك فقتله .
يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ والرّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلّا تَلَا حَامِيْمَ قَبْلَ التّقَدّمِ
(ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا . وصدق البستي – رحمه الله – إذ يقول:
وَكُلُّ كَسْرٍ فَإِنَّ الدِّينَ يَجْبُرُهُ وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جُبْرَانُ
وكان سلطان أبا العلا قد وصل للإخوان, معه أربعة عشر من جماعته أهل سَنَام, وليس معهم سوى فرس سلطان "الوشعاء" فحضروا القرين مع الإخوان, كذلك ابن عفيصان معه الدواسر, وآخرون من مدد الإخوان الذين شاركوهم معركة القرين . قال المؤرخ محمد بن بليهد يذكر بعض معارك الإخوان:
قُرَيْنٌ وَحَوْقَانٌ وَحِنْوٌ مَصَارِع وَجَـبَّارُ لِلْبَاغِيْنَ لَيْسَ بِجَابِرِ


"معركة عشيرة"
( ربيع الأول 1337)


وبعد القرين هجم الإخوان على عشيرة, وتقع شرق الطائف بمرحلة, وتعتبر مركز التموين لجيش الشريف, وقد بدأت جموع الشريف تجتمع فيه انتظاراً لعبد الله البيه القادم من المدينة النبويّة بعد قضائه على التّرك فيها, فجاء متفرّغاً لحرب الإخوان, وللوفاء بوعده الذي قطعه لوالده بتأديب المديّنة, وكان عدد الإخوان المهاجمين ثلاثمئة, ثمانين من الخيّالة والبقية من الهجّانة _بناءً على تقرير وزير حربية الشريف_ أتوا من الخرمة رأساً إلى عشيرة, فبدّدوا مَنْ كَانَ بها من جنود الشريف وأخذوا مدفعين جبليين, وغنموا ثمانمئة كيس من الدقيق والأرز, ثمّ عادوا للخرمة .
قال المؤرخ محمد العلي العُبيّد رحمه الله وكان قد سكن الخرمة قبيل اشتهار التديّن كظاهرة, سنتي (1330_1331) عند خالد بن لؤي . قال عن معركة عشيرة بتصرف واختصار: إنّ الإخوان قدموا عليها تحت ثمان رايات, خالد بن لؤي, وسلطان بن بجاد, وسلطان أبا العلا, ونجر بن حجنة, وناصر بن عمر, فلما دنوا من الأبرق تشاوروا, فقال خالد: نقسم خيلنا قسمين كلّ قسم مئة مردفة بمئة, فقسم يغيرون عليهم شمالاً حتّى ينزلوا عليهم من الحرة, ثمّ ينزل الردفاء وهم الرماة في الأرض معهم الخيّالة, ويمطروا الرّصاص على أهل الماء ومن حولهم, أمّا المئة الثّانية فتغير عليهم مُجنِبَةً حتّى تستقبلَهم إذا فرّوا سِرَاعاً مبادرين الرّيع المؤدي إلى السّيل وهو وادي محرم, أمّا الجيش براياته الثمان؛ فيُغيرُ غارةً واحدةً على المدافع وعلى الجموع المحتشدة في عشيرة, فمن قُتِلَ قبل أن يصل فهو شهيد, ومن لم يقتل فليقاتل على قدر شجاعته لا يدّخر منها شيء . فرضوا رأي خالد وعملوا به, فهزموا الجموع الغفيرة من جند الشريف وقتلوا أكثر رجالهم, ولم يمض ثلاث ساعات حتّى خلا المَطْرِحُ (102) إلّا من القتلى أو الإخوان الّذين بقوا يومين يقسمون الغنائم .

"معارك الرّيعان"
(1337 - 1343)
(معارك متعددة بعد معركة تربة)
( جليل, العرفا, الأُخيضر, الخرائق,كلاخ, العبيلا, الجرشيّة, أمّ الجرفان, السّمرة, العقيق, القرشيّات,مقتل الفرد والعبّود,..... في ستّ سنوات متفرّقة بعد تربة).
"الخرائق"
عام (1340)
وهي معركة عظيمة شرسة, يحلف بعض من حضرها _وهذا من المبالغة_ أنّ الرّصاص كان يضرب بعضه بعضاً في الهواء من الفريقين من كثرته وغزارته وكثافته, وأنّ الأرنب لتموت بين الجيشين من ضربها بالرّصاص .
أرسل خالد بن لؤي مجموعة من الرّجال ليعسّوا الأرض لإبل الإخوان جهة جبل حضن, وأمّر عليهم ابن فاحس القريشي, فصادفهم صِنهات المزيني بسريّته وكان من رجال الشّريف, فقتلوا منهم مجموعةً على رأسها ابن فاحس, ثمّ إنّ الإخوان جمعوا الإبل ثمّ ساروا بها لحضن, وخيّموا على الخرائق آمنين, وبينا هم نائمين وقت القيلولة, إذِ الرصاص قد ثار فيهم, فقد هجم عليهم جيش الشريف من قبل شاكر وقتلوا منهم بضعة رجال, ثمّ هبّ الإخوان للسلاح, وهم يهلّلون ويكبّرون واشتعل الهواء من البارود, وكثر الرمي فهرب الغزاة المهاجمون, فركبهم الإخوان يصيدون ظهورهم, فقتلوا منهم الكثير حتّى إنّ الأرض قد اسودّت فيما يُروى من جثثهم, وقد استشهد من الإخوان عشرة, وقيل بل أكثر بكثير والله أعلم.
وفيها استشهد محسن بن خالد بن لؤيّ على حصانه "كحيلان" وهو ينشد أبيات بن رواحة رضي الله عنه:
يَا نَفْسُ مَالَكِ تَكْرَهِينَ الجَنّةَ هَلْ أَنْتِ إِلّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّة
واستشهد سعد بن مفرج, وجبر بن عبيدان, وقيل بل استشهد في تربة, وأبو حماد, وعبد الله بن ثعلي أبو ثعلي, والدّريبي, ورباح بن دغش, ومهدي بن زايد, ودميخان .
ويقول البعض: إن غزو الإخوان لجليل والأُخيضر كان بعد الخرائق بسنتين, والأشهر أنّ تلك الغزوة كانت قبل الأخيضر بثلاث سنين, إلاّ إن كانت غزوتان, وهو متجه, والله أعلم.

"يوم الغلطة"
( مقتل منير الحضبي في نحو عشرين من الإخوان رحمهم الله )
نتذكّر قتل اليمان رضي الله عنه في أُحُدٍ, وهو أبو حذيفة صاحب سرّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم, حينما شَاطَ في رماح المسلمين بالخطأ, فقتلوه حين ظنّوه من المشركين, ولم تفلح صيحات ابنه في تنبيههم إلّا بعد فوات الأوان, فما ملك بعدما رأى أباه مُجندَلاً إلّا أن قال: (يغفر الله لكم) فما زال الخير في حذيفة حتّى لحق أباه رضي الله عنهما, فلحِكْمَةٍ يريدها الله تعالى أجرى على اليمان ذلك المقدور فله الحمد على كلّ حال, وهو المحمود بكلّ حال, وله في ثنايا مِحَنِهِ مِنَحَاً ونِعَمَاً يُدركها الموفّقون من المؤمنين . ولعلّ منها تعجيل شهادته وأجره وجنّته, والإخوان الّذين حرصوا على اقتفاء آثار ذلك الجيل الطّاهر الصّادق من الصّحابة أصابهم ما أصاب الصّحابة من الخطأِ في ظنّ من أَمَامَهُم من المشركين, وكلّ يتقرّبُ إلى الله بقتل مَنْ أَمَامَهُ يظنّه مشركاً, ولم يعلم أنّه أمام ثلّة من صفوة الأمّة في ذلك الزّمان, ولا نزكيهم على الله تعالى . ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) و(إنمّا الأعمال بالنّيات) رواه البخاري.
فكان هناك سريّة جوّالة من إخوان الخرمة, قد أرسلهم خالد بن لؤي مقدمه للجيش, وقال خالد لمنير الحضبي: كن مع الجيش, فقال: دعني أذهب مع السريّة, حين دعته منيّته واستعجله قبره, فذهبت السريّة وفيها فيحان الغرمول, وذعار بن حنيف, وابن درع, وصالح بن حمد الروقي, ولماّ أقبلت السريّة على المحاني أرسلت سُبُوراً لها - أي مجموعة استطلاعيّة - فأشرفت المجموعة على أحد المياه فرأوا الإبل وعندها أصحابها, ولم يعلموا أنّ أصحاب الإبل هم إخوانهم من أهل "نفي" ومن معهم, وقد جاؤا يريدون مثل الذي يريده إخوان الخرمة من الهجوم على ذلك التجمّع لمن سمّوهم بالمشركين, ولم يك هناك تنسيق بينهم, وقد وضعوا المعامّ عن رؤوسهم من الحرّ, وتفرّقوا لصيد الأرانب, وكان منير يسير مع أصحابه على قدميه وهو ينعُس, وقد ترك لفرسه"سَرّا" عنانها على رقبتها, ويسير وهي بجانبه تبتعد وتقترب, وتتأخر هنيهات لتأكل العشب, ومعه تمرات يمدّهنّ إليها فتقبل لها حمحمة, فيلقمها اللّقمة ثم تعود لحالها.
ثمّ إنّ المجموعة الاستطلاعية عادت وأخبرتهم خبر القوم فنادى فرسه فأقبلت عليه تخبّ خبّاً خفيفاً, فألجمها ووثب عليها, وأخذ الإخوان أهبتهم وهجموا على تعبئة تامّة, وقد أخذوا إخوانهم على حين غرّة, وهم ثلاث رايات من الإخوان من أهل "نفي" وغيرهم على الماء, فرموهم وقتلوا منهم سبعة عشر, وقيل بل ثمانية, وردّ أولئك عليهم وقتلوا منهم أربعة؛ اثنين من بني وبدان, والثالث من كبار الإخوان, فارس لا يشقّ غباره, قد ملأه الله شجاعة وفروسيّة وكرماً وشهامة ونبلاً, وفوق ذلك تديّناً وصلاحاً ووقوفاً عند الحدود, ولا نزكيه على الله, ذاك هو منير الحضبي . الذي كرّ فرسه على رجل فرماه, فلمّا سقط إذ صاحبه قد جهّز الطّلقة لمنير فرماه فأصابت زرار الصّدر على كبده فأطارته من فرسه رحمهم الله جميعاً, وَرَهَجَ الرصاصُ وَوَهَجَ شرره بين القوم, وكان إخوان الخرمة يتقدّمون, فمرّ أحدهم وهو صالح بن حمد الرّوقي على أخٍ له من أهل ساجر يسبح في دمه, ولم تفض روحه فعرفه, وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون, أأنت فلان؟ قال: نعم, فصاح بأعلى صوته صياح الفزع ويقول: الإخوان يا إخوان! الإخوان يا إخوان! أي كلّكم من الإخوان .
يقول أحدهم: والله لقد مددت البندق على أحدهم وقد أحميتها وهو بين يديّ حتّى رأيت صالح بن حمد يصيح, قال: فرفعتها عنه فوقاه الله ناري! حالهم كما قال الأشهب بن رميلة راثياً قومه:
وإن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا أم خالد(103)
ثم إنّهم تقاضوا عند الشّيخ عبد الرّحمن بن داود, قاضي أهل الخرمة, وكان نادرة زمانة في العلم والعبادة وتربية الرجال وتزكيتهم, فأتاه الإخوان من الفريقين فأخبروه خبرهم فقال: قد حصل هذا على من قبلكم من الصّحابة وهذا من الابتلاء والتّمحيص, قوموا عنّي ليس لأحد على أحد شيء لا في الدّنيا ولا في الآخرة ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) فقاموا راضين رحمهم الله تعالى فما أطيبهم من جيل وقّاف عند الحدود .
وقال بعضهم لآخر: قد قتل منّا سبعة عشر رجل, فقال صاحبه: اسكت فلقد قتلتم رجلاً يزن البيرق كلّه ألا وهو منير الحضبي . وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تجدون الناس كإبل مئة لا يجد الرجل فيها راحلة ) .
قال ابن الدمينة:


أَلاَ هَل مِن البَينِ المُفَرقِ مِن بُد وَهَل لِلَيَالٍ قَد تَسَلَّفنَ مِن رَد
وَقَد زَعَمُوا أَن المُحِب إِذَا دَنَا يَمَلُّ وإََن النأي يَشفِي مِنَ الوَجدِ
بِكُل تَدَاوَينَا فَلَم يُشفَ مَا بنَا عَلَى أَن قُربَ الدارِ خَيرٌ مِنَ البُعدِ
هواي بهذَا الغَور غَور تهَامَة وَلَيسَ بهَذا الحَي مِن مُستوَى نَجدِ
فَوَ الله رَب الَبيت لاَ تجدينني تَطَلّبتُ قَطعَ الحَبلٍ مِنكُم عَلَى عَمدِ
وَلا أَشتَرِى أَمراً يَكُونُ قَطِيعَةً لِماَ بَينَنَا حَتى أغيّب في اللحدِ
ألا ياصبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدا على وجد
رعى الله من نجد أناس أحبهم فلو نقضوا عهدي حفظت لهم ودي
إذا هتفت ورقاء في رونق الضحى على غصن بان او غصون من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم أكن جليدا وأبديت الذي لم أكن أبدي
وقد زعموا ان المحب إذا دنا يمل وأن البعد يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف مابنا ألا أن قرب الدار خير من البعد

"مقتل الفرد والعبّود"
عام: (1342)
منهجي في الكتابة _قدر الطاقة_ تجنب التصريح بالأسماء التي ربما يلحقها مذمة أو نقص أو شيء, خلا من كان له إسهام مباشر في الأحداث كأن يكون قائداً أو نحوه وكان أمره مشتهراً, وإنه ليعزّ علي ذكر أحد بذلك كالفرد والعبود والأشراف وغيرهم ولكن لأمرين آثرت التصريح في أضيق نطاق بتلك الأسماء؛ الأول: اشتهار أخبارها عند العامة, وآمل من المحبين تصحيح الخلل وتجلية الخبر إن كان ثمّ زيادة أو نقص اختلاق أو مبالغة أو نحو ذلك فلا أفلح من كان عباد الله بين يدي ربهم يوم القيامة خصماء له! الثاني: وجود عبر وعظات من ذلك كما في الخبر التالي:
راقي الفرد من قوّاد الشريف, قُتِل أخوه هوصان في تربة بأيدي الإخوان, فقلبهُ غليلٌ عليهم فهو يبحث عن غرّة من الإخوان كي ينتقم منهم, ومعه محمّد العبّود الذي أظهر التديّن وعاهد الإخوان وسكن معهم في هجرة خالد وبنى بيته هناك, وكان سخيّاً جواداً نبيلاً, يطبخ الشاة في مرقة الأخرى, ولقلّة الزّاد فقد كان يقدّم الذّبيحة ملَطاً ليس ليس تحتها خبز ولا أرز, فكان يقول: كلوا والله لئن عاش رأسي لأذهبنّ لدار لا أضعها ملَطاً . فبلغت هذه الكلمة للإخوان فتوجّسُوا من الرّجل وقالوا: يا خالد الرجل نافق, فقال خالد: اتركوه فإن غدر سيخذله الله, وكان قومه بإبلهم مربّعين في "الهَضْب" (104)وقد مرّت سنوات انقطع عنهم الكثير من مدد الشريف لهم بالأطعمه والجنيهات, وقلّ المطر ذلك العام, فركب العبّود في إحدى الليالي إليهم في الهضب, وترك زوجته "قوت" الثورية في البلاد حتّى لا يُستنكر ذهابه, ثم أمر قومه بالذهاب إلى مكان أخصب من مكانهم, يقال له "الحمار" أسفل وادي الخرمة, ففعلوا, وعاد للخرمة, ولمّا ارتحل قومه للحمار إذ سريّة من سرايا الإخوان من الخرمة قد هجمت عليهم وسلبتهم الإبل, أما الرّجال ففرّ أكثرهم لكن تلقّفَهُم الإخوان أهل"نفي" في "بِسْيَان"و"دغيبجة" فقتلوهم, فلمّا أصبحوا إذِ العبّود قد سرى بالليل من الخرمة وعاد للشريف .
ثمّ أخذ في الإغارة على إبل الإخوان, ونهب ما استطاع منها, فأخذ إبل ناصر الحارث, وبعض بني ثور في العوجا في الحمار, ثمّ أعاد الكرّة فأخذ أبل بني رشدان, واشتدّت عداوته وحربه, وكان في معيّته ابن عديس وجماعته .
ووافق العبّود راقي الفرد, وكان راقي الفرد هو الأخ الأكبر لهوصان المقاطي وزير عبد الله البيه على ماليّته, فلما قُتل هوصان في تربة عقد راقي العزم على الانتقام من الإخوان ولكنّه كان كثير الإبل وهي في مفالي الإخوان, وكان عددها ( 160 ) من كرائم الإبل كما ذكره العبيّد في تفصيل خبر راقي الذي نحن في سياقه نقلاً عنه, هذا غير زَمْلِ بيته (105) وكان سلطان بن بجاد كثيراً ما يدعوه لبيع الإبل والسكنى معه في هجرته الغطغط, ولم يكن يحفل بكلام سلطان حتّى عزم وآلى على نفسه الانتقام من الإخوان . فأتاه وهو يحمل معه ( 100 ) ريال فرنسي, وقال: يا ابن عمّي أنا تحولت من شداد الدنيا وركبت شداد الآخرة, وأحب أن أجاورك وأبيع الشّقاء والعذاب _ وهي الإبل _ وأريدك أن تعيّن لي أرضاً عندك قريبة من منزلك, وتعطي المئة ريال هذه رجلاً يشتري بها خشب لعمارة الدار, وأنا سأجلب كل ما أملك من الإبل لعنيزة, وأبيعها وآتي بثمنها دراهم وأجاورك, وأجاهد معك في سبيل الله.

وقد تنزع الحاجات يا أم معمرٍ كرائم من رب بهن ضنين

فقال سلطان: الحمد لله على هدايتك وتوفيقك للرّشد, ثمّ أمر الإخوان بالسّلام عليه وتهنئته بالهجرة بعد الجفاء والتعرّب, بعدما كان الإخوان هاجرين له. ثمّ مشى معه لأرضٍ قريبة ورسم له حدّها, ثم انطلق راقي لجمع إبله من الفلوات, فحازها وجمع كلّ ماشذّ منها وساقها لعنيزة, وباعها بثمن غالٍ, وقبض ثمنها ثلاثة آلاف جنيه إفرنجي ذهباً, فأعطى رعاته أجرتهم وصرفهم بعد ما أعطاهم مطيّة, ثم أبقى معه أحد عبيده وكان يجيد الرماية, ثمّ استدعى رجلاً يُدعى دابي القسّامي فأفضى إليه بسرّه واستكتمه إيّاه, فلمّا توثّق منه أخبره عن إرادته المسير إلى مكة, وأنّه ليس له معرفة بديار الرّوقة وطلب منه المسير معه, فوافق القسّامي, فمشى الثلاثة من عنيزة على مطايا من سوابق الجيش, وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار غالباً, فإن رأوا شبحاً من النّاس انحازوا عنه, حتّى وصلوا إلى آخر عَرَبٍ من الإخوان مما يلي الحجاز, وكانوا قد رأوهم بعد العصر لمّا نزلوا عند جبل أبيض يقال له: "عبل مقذل" وهو واقع بين سجا وعفيف ممّا يلي "المردمة" فلمّا علموا أنهم وقعوا في الورطة إذِ القوم أمامهم وقد رأوهم, وفي علم الجميع أنّ من اجتاز هؤلاء لجهة الغرب فهو منحاز للشريف! وكانوا لا يدرون عن القوم الّذين هذه خيامهم هل هم من الإخوان أم من الأحزاب؟ . فقال راقي لصاحبه: هات الرّأي . فقال دابي: الرّأي أن ننهزم للخلف, فإن أدركونا بالخيل قتلناهم, وإن طردونا بالجيش فأنّى لهم إدراكنا فجيشنا سوابق . فلم يقنع هذا الكلام راقياً, ثمّ إنّه مَدَّ يده لخرجه, وأخرج منه نصف طاقة شاش أبيض قد اشتراها وأعدّها للطّوارئ, فقطع منه ثلاث عمائم ثمّ وزّعها على صاحبيه واعتمّ بالثّالثة, ثمّ قال: صدّرُوا للبيوت, فذهبوا ومرّوا بامرأة ترعى الغنم فسألوها عن البيوت, فقالت: هم آل فلان, وكان يعرف أميرهم, فساق الركاب لبيته, وكان قومه قد تحلّقوا حوله, ويقال: إنّ في تدينهم لَوَث, فلم يكونوا مصافين للإخوان لكنهم خافوا على إبلهم, فلمّا أقبل عليهم عرفوه وهو على ناقته, فرحبوا به وحيّوه, ولم يرد عليهم شيئاً, فلمّا نزل قال بكلِّ دهاء ومكر: قفوا مكانكم فإنكم مهجورون, يا بن فلان! من يلقى مثل ما لقيت؟! الإخوان يطاردون الكفار على سِيْفَ البحر ويشربون الماء المالح, وأنت تصلح مرعى إبلك وتقطع الرغاة عن خشمك وعن براطمك أنت وجماعتك, والإخوان من ورائكم يجاهدون! . فلمّا انقضى توبيخه لهم, التفت بعضهم إلى بعض وقالوا: اتركوا الإخوان لا تغضبوهم, وإذا لم يريدوا سلامكم فلا تسلموا . فلمّا رأي راقي أنّ حيلته بدأ نفعها, استرسل في مكره فقال لهم بلسان طلقٍ ذلقٍ: عجّلوا ضيفتنا فإنا على عجل . فقام أحدهم مسرعاً إلى إحدى مطايا الضّيوف فركبها وذهب للمرعى فجلب شاة ذبحها حين إنزالها من ظهر المطية, ثمّ إنّ راقياً إتّكأ على الشّداد وقال: أبشّركم يا من تحبّون مكة ورُزَّها؟. قالوا: بشّرنا , بشّرك الله بالخير . فقال: هذا الخِرْج الذي على جنب الذلول ليس فيه غير مكاتيب ابن سعود وابن بجاد والاخوان, يسعون بالصلح مع الشريف, ثمّ تكون نجد والحجاز سعوديّة. ففرحوا واستبشروا, وقالوا: هذا مطلوبنا .
فلمّا صلّوا المغرب قدّم العشاء, ثمّ انطلقوا لمكّة, فلمّا وصلوها ذهب من فوره لإبرار قسمه لحرب الإخوان, ووجد محمد العبّود قد رأى رأيه, فاتفقا على ضرب الإخوان ضربة موجعة, وجهّزهما الشريف بالعتاد والإبل, ولمّا خرجت سريتهما من مكة وكان قوامها السّبعين من المقاتلة, وبينما هم في أوّل انطلاقهم رآهم رجل يُقال له أبو ليلة فصاح فيهم: والله لا يعود منكم أحد حتىّ ردّاد الخبر يا ويلكم ويلاه من الإخوان! فدخلت هذه الكلمة في صدور بعضهم, فصاح أبو ليلة في السريّة بالرجوع, لكن الحتف كان أمضى, والمنيّة كانت أقرب, فردّوا عليه كلامه ونصحه, فكان وإياهم كما قال دريد بن الصمّة الهوازني سيد بني جشم وفارس هوازن:
أمرتهم أمري بمنعـــرج اللِّوَى فلم يستبينوا النّصح إلا ضحى الغد
فساروا يريدون أسفل الوادي كي ينهبوا إبل الإخوان التي ليس عندها إلاّ القليل من النّاس, وبينما هما في سريّتهما, إذ أبصرها رجل من الشيابين, وهو شعيفان الشّيباني عند جبل حضن, ورآهم متّجهين نحو بِركة العقيق, فأسرع بإبلاغ الأمير خالد, ومن حين عَلِمَ خالد أمر بنشر البيرق في المناخة في الهجرة(106) وكان من عادته أنّه إذا أراد غزواً نشر البيرق ثلاثة أيام حتّى تتسامع به البادية وتترادّ الخبر عنه في رنية وتربة ومادونهما, فَتَقْدُمُ عليه لمشاركته في مغازيه .
ثمّ إنّ خالداَ سار بجيشه ولم يكن كبيراً في تلك الغزوة, ثم اتّجه شمالاً ثمّ غرّب, حتىّ جعل "رضوان" (107) على يساره ولمّا تجاوز رضوان مرّ على "المُحْدَثة" في طرف حرة كشب وجد آثارهم, فجرّد تجريدة وأمرها بالالتفاف على سريّة القوم, وتواعدوا أبرق عشيرة, وخالد وجيشه يتبعون الأثر مجدّين السير, فذهبت التّجريدة بقيادة ابنه سعد, ومعه فهيد بن مبارك, ومحمد بن سرماد, وهزّاع الصفرا من القواوده البقوم, وبتّال بن هبسا, وسعود بن هبسا وقد استشهد ذلك اليوم, والحميدي بن مفرح, وغزاي بن جرمان وقد استشهد ذلك اليوم, وعريج بن حنتوش, وعايض السميّ, وشجاع بن بادي وقد استشهد ذلك اليوم, وبجاد بن بادي, وعجب بن وبدان, وأخوه شارع, ومنيف الحويزي .
وقال سعد لمن معه: اسلكوا الحِشّة (108) مع اليمين لعلّكم تدركون القوم, ومع ابتعاد سعد وتجريدته عن الجيش إلّا وهم يسمعون صوت الرّصاص, ولمّا تبيّنوا الخبر إذْ معرّة جيش خالد قد تصادمت مع سريّة راقي الفرد ومحمد العبود, وقد انحرفت سريّة الفرد والعبّود وأدبرت وما راعها إلا تجريدة سعد مقبلة نحوها, فاقترح أحد الرجلين إمّا راقي الفرد أو محمد العبود الفرار جهة اليمين لعلّه يبقى لهم باقية, فنهره صاحبه وقال: لعن الله من مدحك لي! فثارت غضبة ونعرة الآخر وهاجت حميّته؛ فقال: إذن فلعن الله قوماً أنا ذليلهم! فضرب رأس ذلوله بالرّسن, فبركت, فأناخت جماعته عليه, والآخر كذلك أناخ عليه قومه, وخجلوا من الهرب:
وقد يغشى الفتى لجج المنايا حذار من أحاديث الرفاق
فنزلوا لحتفهم ونادتهم مناياهم, فتطابح الردفاء أولاً, ورموا جيش الإخوان وهم يتمثلون:
يابو قذيلة يارفروف ليتك تحلى وتــشوف
وقيل إنّهم التقوا وهم على شعب العقيق, ثمّ إنّ القنّاصة تدرّؤا بالإبل اللّتي ارتفع رغاؤها من ضرب الهيْجِ (109) لها أمّا الإخوان فيتمثّلون بـ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) . وقد أحمو بنادقهم في وجوه القوم وصدقوهم اللّقاء . وكما قيل: لا يبلغ المجد من لّا يدرك الخطرا .
فنصر الله الإخوان وقتلوا جميع السريّة, ولم يسلم إلا المخبر وهو غازي القصّاص كما تنبأ أبو ليلة (110) وقد أصابته رصاصة فأخذ يزحف والدّم يتناثر منه, فهمّ به بعض الإخوان فقال خالد: اتركوه يخبرهم الخبر, وحانت إحدى صلاتي العَشِيّ إمّا الظّهر أو العصر فصلّوا ثمّ قال خالد: خذوا من لحم جيشكم ما شئتم - أي بعد نحره - ثمّ ارحلوا, ذلك أنّ خالداً كان من سياسته ألّا يبقى في مكان المعركة بل يبرز عنها ويبتعد, حتىّ لا يدركه من لم يحسب له حساب, فيؤخذ على حين غرّة.
وقد استشهد من الإخوان عشرة . ولمّا وقفوا على جثّة راقي الفرد, وكان قد أحمى عليهم الهيج وقتل بعضهم, وقد تهوّلوا من عزمه وحزمه, فقد وجدوه قد حفر لقربة الماء ثمّ أدلاها عند فمه حتّى يشرب وهو يرمي القوم, وقد فتح خِرج الرّصاص بقرب بندقيته أمّ ركبة, ولمّا عَدُّوا الصِفْر الّتي أطلق رصاصها إذ هي ثلاثٌ وستون صفرة, لذا فقد كان عند هؤلاء شجاعة وفروسيّة وبطولة ورجوليّة, لولا خذلان الله لهم بحربهم للموحّدين .
وممّن قُتِلَ مع الفرد واحد من الأشراف ممن كان مع الإخوان فنكص على عقبيه, وورد من خبره أنه كان مع الإخوان في الخرمة, فلما أراد الله خذلانه طرأ عليه أن يتبع الشريف وحطام دنياه , فقال لأخيه: يا فلان أعطني شدادك (111) سأذهب لابن سعود, وكان عبدالعزيز في ذلك الوقت يستدني الأشراف ويقرّبهم ويعطيهم ويستميلهم, لكن ليس كعطاء الشريف, فقال أخوه: خذه, فأخذ الشّداد ثم انحدر مع الوادي واشترى ذلولاً نجيبة من أحد بني ثور أسفل الوادي, ووعده بالثّمن حين رجوعه من ابن سعود كما زعم, ثم رَكّبَ عليها الشّداد, وانطلق مغرّباً للشريف, وحينما ورد بنو ثور قالوا لصاحبهم: وجدنا أثر ناقتك الفلانية مغرّبة قد جعلت الشمس بين عينيها وقطعت الشعب الفلاني! فقال: الخَلَفُ على الله! خسرت ذلولي ودراهمي, وحينما وصل للشريف إذ هو يجهّز حملة الفرد والعبّود فطلب منه السّلاح, فأمدّه ببندق وحزام ملئ بالرّصاص, فركّب شداد أخيه على ذلول الثوري, ثمّ عاد مع جند الشريف غازياً قومه الإخوان فقُتِل! وقيل إنّه لما أشرف على الموت واقترب منه وبل الرصاص صاح في الإخوان: يا إخوان أنا فلان أخوكم . فقالوا: بيّن رأسك يا فلان . فلمّا أشرف عليهم برأسه رموه بالرصاص فقتلوه, وتُذكر هذه الحادثة كذلك على رجل آخر في تربة , قال شبيب بن جميع:
قمنا عليهم صِفـرٍ كنها الجلّة كم فاطـر فرقوها هي وراعيها
قال فايز الحارث: صبّحْنَا الشريف حسين وهو جالس في مجلسه مكتظم ومغتاظ, وسواكه في يده, ورجليه كلّ واحدة على الأخرى, يردّ هذه على تلك ثمّ العكس دواليك, فقال علي بن الحسين: يا سيدي ما أخبار قومنا الذين أرسلناهم؟ قال: راحوا . فقال: أين راحوا . فقال: تحاربوا مع قوم خالد وجت الطائلة لقومنا . فقمنا ونحن في شكّ وريبة من كلامه, فلمّا مررنا بالمعابدة إذِ النّساء في صياح ونحيب, هذه على أبيها, وتلك على زوجها, وأخرى على ابنها, وقالوا:لم ينج إلا شريدتهم غازي القصّاص . فقلنا: نعم هذا الخبر وليس خبر حسين .
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنّــه من يخذل الله يخذل
لجـاهد حتى يبلغ النفس عذرها وقلقـل يبغي العزّ كل مقلقل
وجميع الأخبار كانت ترسل للإمام عبد العزيز في الرّياض, ولمّا وصله صامل بخطاب خالد, قال: من كم يوم وأنت تسير؟ قال: جئتك في ثلاثة أيام . فقال: عزّ الله إنك على اسمك صامل .


"يوم عوينة كنهل_ العيينة"
(19/ 11/ 1347)
ومن أخبار الإخوان بعد السّبلة, قتل الأمير فهد بن عبد الله بن جلوي بعد السّبلة بشهر, وفهد هو ابن الأمير عبد الله بن جلوي ابن عم الإمام عبدالعزيز, ومن المقرّبين إليه, ومن قدماء أصحابه حيث عاش معه في الكويت, ورافقه في دخول الرّياض, وغزا معه باقي مغازيه, فولّاه المنطقة الشّرقية, وكان ابن جلوي شديد البأس, عظيم البطش, فأصبح الكلّ يخافه حتى أنّهم لقّبونه بـ"جبّار آل سعود" وكان بينه وبين الرّياض قبيلة العجمان, وهي قبيلة شرسة, وكثيرة الحروب, وهم من قَتَلَ الأمير سعد بن عبد الرّحمن أخو الإمام عبد العزيز, وأصابوا الإمام في تلك المعركة بعد "جراب" بطلقة في بطنة فانفجر الرّصاص في بطنه ففتحت جرحاً عظيماً كاد يودي به, فتحامل على نفسه, وكتم ما به حتّى نصره الله, ولعلّ هذا هو سبب إعراض الإمام عنهم, وعدم إشراكهم في حروب الإخوان الكبيرة ضدّ أعدائه لمّا أضحى العجمان فيما بعد من جُمْلة الإخوان بعدما جاءهم الدّعاة بالخير, فصاروا من المتديّنين .
ولمّا حبس الإمام عبد العزيز أهل السبلة, توجّس العجمان خيفة من الإمام ومن ابن جلوي, فانحازوا عنه, فلم يعودوا يدخلون عليه ويزورونه كما عوّدوه, فأرسل لهم ابنه فهداً فأناخ قريباً منهم, وكانوا على "عوينة كنهل" بقرب هجرتهم "الصرّار" – بينهما قرابة الأربع ساعات - فنزل بجيشه حذاءهم, وكان جيشه مكوّن من بني هاجر وبني خالد وابن عريعر وحاضرة الشّرقيّة وقبائل كثر, وكان أمير العجمان حينها ضيدان بن حثلين, وكان من ضمن العجمان أمير فخذ منهم, يقال له ابن سُفران, وكان مقرّباً من فهد بن جلوي, وكان من جملة أصحابه, ونزل العجمان بإبلهم وماشيتهم على العيينة أو العوينة, ثم قال لهم شيخهم ضيدان: سأذهب لابن جلوي إتّقاء شرّه عنا, فهو لم يُنخ قبالتنا إلّا وهو يريد شيئاً, فرفض أصحابه رأيه ومنهم ابن سفران, وقالوا: إن ذهبت فلن تعود, لكنّ داع المنيّة كان أكثر إلحاحاً منهم, فذهب برفقته اثنان من خاصّته إلى فهد ودخل عليه وحيّاه, لكنه رد التّحيه بأن أمر العبد فأوثق قياد أضيافه, وجعلهم في خيمة مقابلة له, ولعله كان يريد سجنه في سجن "غَبْرَان" عند والده, وقيل: إنّه ذَكَرَ لضيدان سبب مجيئه, وهو أخذ إبل وسلاح العجمان بأمر من الإمام, لأنّهم لم يشتركوا مع الإمام في حربه في السّبلة, وقال للعبد بعدما أوثقهم: إن سمعت البندق قد ثارت فثوّر الرّصاص في رؤوسهم . فقال ضيدان: القوم سيأتونك إن لم تطلقني, فاستَمِع مشورتي ودعني أعود إليهم . فقال: اقطع واخسأ, ولا تقل شيئاً!.
فلمّا هوّد الليل, وألقى السّواد البهيم بِجِرَانِهِ على النفود, ولم يعد ضيدان, اجتمع رؤوس العجمان ومعهم ابن سفران, وقرّروا بيات فهد . واتّفقوا على البيات ولكن خافوا من قتل بعضهم لبعض, فاقترح أحدهم أن ينزعوا ثيابهم وأن يكتفوا بسراويلهم وعمائمهم ففعلوا, وهجموا مع هجعة الليل, وبروك سواده على سنا الأفق, وبسط فراشه على أديم الثّرى, وهم ينادون شيخهم ضيدان, ويهتفون باسمه لعلّه أن يردّ عليهم صوتاً أو يسمعهم ركزاً: يا ضيدان سمّعنا صوتك, فكانت رصاصة العبد هي الجواب, فقُتِل الشيخ وانتقم الأتباع, ولكل باغ مصرع, وعلى الباغي تدور الدوائر, فإنّهم لمّا لم يسمعوه, شهروا سيوفهم وهجموا ببنادقهم, ومن حين سمع العبد دندنة الرّصاص بادر بقتل أسيره, ورهجت الخيل, وتعانقت الفرسان بالرّماح والسّيوف, وعلا صوت الرّصاص والصّهيل, وكثر الطّعن والتّقتيل في جيش ابن جلوي الذي ركب فرسه وأرخى عنانها وجَلَدَهَا بسوطه عَلَّهَا تنقذه من حتفه, وتبعده عن منيّته, لكن ابن سفران كان حاضراً, فمدّ البندقيّة عليه قائلاً بصوت يقطر منه الدم: ذُق ما ذاق ضيدان, ورجفه بالرصاصة فأطاره عن فرسه صريعاً. وكان ذلك عام ( 1347) فزادت ثارات الملك مع هذه القبيلة, ومع مرور الوقت بردت العداوة, وحلّ مكانها الألفة والتعاون, بحمد الله تعالى (112).
وقيل: إنّ ضيدان لمّا يئس من موافقة فهد له بالعودة, طلب منه أن يكتب لهم كتاباً حتّى لا يهجمون, فوافق الأمير فهد, وأرسل الكتاب الذي لم يصل إليهم لسبب ما! فهجموا, والله تعالى أعلم .
ثم إن نايف بن حثلين _ أبو الكلاب _ والذي استلم زمام قيادة العجمان, ذهب بقبيلته للكويت خوفاً من انتقام الأمير عبدالله بن جلوي فنزلوا "الوفراء"وانضموا إلى الإخوان المنشقين هناك من مطير, وانضم إليهم جاسر بن لامي بحشود من مطير, ونزلت عليهم بعض عتيبة وعنزة, كذلك فرحان بن مشهور الرّويلي, وقيل إن الدهينة أرادهم ثم تركهم إلى العراق.
ومرت الأيام والأحداث, حتى كانت نهاية أكابرهم بين يدي الإمام حين سلمتهم بريطانيا له, وانطفئ بحمد الله شرر الفتنة والفرقة .
يدفّنُ بعضنا بعضاً وتمشي أوائلُنا على هامِ الأوالي
وكمْ عينٍ مقَبّلةِ النّواحي كحيلٍ بالجنادل والرمال
والله أعلم, وصلّى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
23/ 3/ 1433
@aldumaiji
http://aldumaiji.blogspot.com/2012/02/blog-post_16.html
……………………………………........
(1) الوثائق البريطانية (5|144).

أمّا "الخرمة" (وهي الواقعة على خط طول: (41) درجة, و(58) دقيقة شرقاً, وعلى دائرة عرض: (21) درجة, و(54) دقيقة شمالاً) فقد انضمّت للدولة السعودية الأولى, حينما بايع أهلُها الإمامَ عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود عام ( 1212) ومعها "تربة" بعد معركة الخرمة العظيمة, بين جنود الإمام عبد العزيز بن محمد, بقيادة هادي بن قرملة القحطاني, وربيع بن زيد الدوسري, وبين الشريف غالب بن مساعد, الّذي كان معه جيش كثيف, من البوادي والحواضر والمصريّين والتّرك والمغاربة, وكانت موقعة عظيمة, نصر الله بها جنده, ومنحهم أكتاف أعدائهم, فبلغ عدد قتلاهم فيما ذكر حسين الغنّام في (تاريخ نجد (1| 206) وابن بشر في (عنوان المجد (1 |205): ألفان وأربع مئة, وقيل ألف ومئتان وعشرون, وغنموا ما لا يُحصى من الذّهب والسّلاح والإبل, وبعدها انكسر الشريف, ثمّ صالَحَ الإمام, على أن يأذن لهم بالحجّ, وكان ذلك في عهد السّلطان العثماني سليم.

وفي ذلك قال راجح الشريف, وهو من فرسان الشريف:

جونا الدواسر مع فريق القحاطين كلنا لهم بالمد واوفوا لنا الصاع

الأشراف لانوا بعد ماهم بقاسين والشّقّ مايرفاه خمسة عشر باع

(*) دحيّم ترخيم عبدالرحمن, وكذلك عزيّز عن عبدالعزيز وكريّم عن عبدالكريم, ونحو ذلك مما يستخدمه أهل نجد وغيرهم, وفي جوازها خلاف, والأولى ترك ذلك تعظيماً للأسماء الحسنى.
(2) يقال إنه من الفضول, والله أعلم . ومما يدلّ على فقهه حكمه الشهير بين بطني سبيع رنية الكبيرين: الزكور وبريهة, فقد ثارت بينهم حرب طحون وذلك عام: (1329) على سبب أوهى من بيت العنكبوت, ولكنه الشيطان! . وقد روى القصة المؤرخ العبيّد الذي كان مشاهداً لها, قال: ودامت الحرب بينهم عشرين يوماً, وكلّها غارات بالنهار وبيات بالليل, فما هدأ الحال إلا وقد قُتل من الفئتين أربعة وستون نفساً! فيهم أربع نسوة قتلن في البيات! ثم إن الشريف حسين انتدب لهم غالب بن لؤي_أمير الخرمة_ فأمره أن يكف بعضهم عن بعض, فهدّدهم بجنود الشريف إذا لم يقبلوا الصلح, فأذعنوا وكأنهم فرحوا بالصلح بعد أن عضتهم الحرب بنابها, وحتى ذاقو ويلاتها, ففرحوا بالخلاص منها, فأمر قاضي رنيه_ كذا_ جبر بن إبراهيم أن يحكم الصلح, فنظر فإذا القتلى (64) فإحدى القبائل كان منها (33) والأخرى (31) _ ولا نعلم عن النساء_فحكم إبراهيم بقوله: واحد وثلاثون منهذه القبيلة يقابلهم عددهم من القبيلة الأخرى, وتكون الزيادة عند القبيلة الأولى رجلين تَدِيها _ أي تدفع ديتها _ والدية مُشاعة عليهم كلّاً بما يستحق, وبعد جمع الدية تدفع للقبيلة الأخرى التي تطلب الزيادة من أختها فتقسم على قتلاهم جميعاً بالسويّة . أما الخيل والإبل التي قتلت بين الطرفين فتلغى . فقبلت القبيلتين الشقيقتين هذا الحكم وحسم النزاع, وتعاهدوا على التعاون على البر والتقوى, ونبذ الإثم والعدوان . (النجم اللامع: 353) .
(3) قال العبيّد: ( أتاني خالد ذات يوم ونحن في مكة وهو خارج من قصر الشريف حسين, وكان متغير الوجه متكدراً, ينهت ويزفر, فقلت: ما بك؟ فقال: بي شق الجيب! ولا تسألني! . فألحفت عليه بالسؤال, وكان يثق بي لصحبتي له سنيناً, فقال: قلت للشريف: أنت عزلت قاضينا عنّا _أي إبراهيم بن ناصر بن حسين _ فنسترحم من عدلك أن تعّين لنا قاضياً يقوم مقامه . فرد علي قائلاً: (مالكم في القاضي لزوم) أي ليس لكم في القاضي من حاجة! ارجعوا لسلوم أجدادكم الأُوَل! فهو يريدنا أن نحكم بالطاغوت بدلاً من الشريعة المحمدية! ) ( النجم اللامع: 176) .
(4) رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(5)لقي أحدهم أخاه _ أخوّة الدين _ وسلم عليه, وكان فيه عَرَجٌ من رمية صاحبه له في جاهليتهم, وكان فيما مضى يطلبه ليأخذ بثأره, فلما تديّنا زال ذلك بينهما, ثم إنه نظر إلى قدمه ثم إلى وجه صاحبه_ عدو الأمس أخُ اليوم_ ثم قال: لو لقيتك قبل هذا اليوم لكان لي ولك شأن! ولكن عفا الله عما سلف! .( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) (فأصبحتم بنعمته إخوانا) الله أكبر! إنه الدين الذي يسلّ سخائم الصدور, ووحر النفوس, ويصحّح المفاهيم, ويعدّل الموازين, ويضع لكل شيء قدره, ويبيع معتنقه الدنيا بالآخرة . قال سلمان رضي الله عنه:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
(6) في رسالة الأمير خالد للملك عبد العزيز: ( .... تدري يابو تركي بما قمنا به قديماً من نصرة أجدادك, مع أن ديننا دينكم, وسمعتنا سمعتكم .... ) ( لسراة الليل هتف الصباح للتويجري: 128 ).
ومن رسالة الملك عبدالعزيز لخالد لما أرسل له معتذراً عن كون العرافة في الخرمة بأمر الشريف _ والعرايف هم خصماء عبدالعزيز في ذلك الوقت_ وفيها: ( ....فأنتم كونوا مطمئنين أنكم يا آل لؤي ما نحسبكم إلا من حساب آل مقرن, ونعتقد فيكم الثقة....) ( النجم اللامع للعبيّد: 87) .
(7) نص عبارته: ( إهب احضري ما اظفرك! )
(8) وسعد هذا هو الذي قَتَلَهُ العجمان فيما بعد في حربهم للإمام عبد العزيز لمّا هاجمهم بعد خيانتهم له في معركة جراب, بل قد جرحوا فيها الإمام عبد العزيز جرحاً بليغاً غائراً كاد يفتك به لولا لطف الله ورحمته وكان ذلك في ( 15|8|1333 ) وقد التحق أكثرهم فيما بعد بالإخوان عام ( 1336 ).
(9) الّذي كان عبد العزيز يعتزي به ويقول: أنا ابن فيصل .
(10)تأسست هجرة الغطغط سنة: ( 1332 ) وسكنها الأمير سلطان بن بجاد بن جهجاه بن تركي بن حميد - أحد أشهر قواد تلك المرحلة - كما سكنها الكثير من بطون وأفخاذ قبيلة عتيبة العريقة, والغطغط معدودة من أقدم وأكبر وأدين مهاجر الإخوان, تقع غرب الرياض بنحو ستين كيلاً, ويحدها من الشرق المزاحمية, ومن الغرب نفوذ قنيفذة, ومن الجنوب روضة المحلية وروضة الخرارة, ومن الشمال ضرما وجو . وكانت نهايتها التدمير والتسوية بعد معركة السبلة.
(11) من كبار قواد شاكر بن زيد الشريف, قتله الإخوان على مشارف الحنو عام ( 1336 ) .
(12) من خطاب خالد للملك عبدالعزيز : (......ولا استرحت حتى ذهبت إليهم ووجدت الرجل _ يعني الحسين – متغيراً في دينه ودنياه, أبغض ما يشوف الدين وأهله, يريد فرقة العرب وأن ينشب بينهم الخلاف, فانسحبت متمثلاً ما قاله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متبعاً فعليك بخاصة نفسك " ....) ( لسراة الليل, ص127) .
(13) قال بديوي الوقداني النفيعي لمّا خرج من بلده مغاضباً: وتسمى قصيدته:"العصماء" وهي أشهر قصائده ومنها:
أيامنا والليــالي كم نعاتبها شبنا وشابت وعفنا بعض الأحـوال
أيام في غلبــها وأيام نغلبـها وأيام فـيها سواء والدهـر ميالي(أ)
توعد مواعيـد والعاقل يكـذّبها واللي عرف حذّها من همـها سالي
في كل يوم تورينا عمــايلـها واليوم الأول تراه أحسن من التالي
نضحك مع الناس والدنيا نلاعبها ونمشي مع الفي طوع حيث ما مالي
إن أقبلت يوم ما تصفـي مشاربها تقبل وتقـفي ولا دامت على حالي
قوم تدوس الحيــايا مع عقاربها ولها عـــزايم تهد الشامخ العالي
والناس أجـناس لين انك تقـاربها وتكون منــهم كما قالوا بالأمثالي
والروح وش عذرها في ترك واجبها راح النسب والحسب في جمع الأموالي
دار بها الـذل دايم مايخـــايبها والجـوع فيها ومعها بعض الأحوالي
جـوعى سراحينها شبعاً ثعالبها والهر والكـلب يقدم كل رتبالي(ب)
والأرض لله ونمـشي في مناكبها والله جــــعل لنا رزق وآجالي
حث المطايا وشـــرّقها وغربها واقطــع بها كل فج دارس خالي
واطعن نحــور الفيافي مع ترايبها وابعــد عن الهم تمسي خالي البالي
إن مت في ديــرة قفر جوانبـها بها لْوِطِي الســباع البغث مدهالي
أخير من ديرة يجفاك صاحــبها كم ذا الجــفا والتجافي والتملالي
رب السماوات يا مجري كواكـبها يامجـري الفلك من لجّات الأهوالي
ضاقت بنا الأرض واشتبت شبايبها والغــيث محبوس يامعبود ياوالي
يالله من مزنة هبــت هبايبـها رعّـــادها باتله بالبحر منزالي
ريح العوالي من المنشــا تجاذبهـا جذب الدلى من جـبا مطويّة الجالي
ديمومة سبّـلت وارخت ذوايبـها فانهـــل منها غزير الوبل همّالي
تسقي ديار شديد الدهر حاربها(أ) ما عــاد فيها لبعض الناس منزالي
يا رب توبة وروحـي لا تعذبها يوم القــيامة إلى ما قلّت أعمالي
وازكى صلاتي على المختار نوهبها شفيعــنا يوم حشر فيه الأهوالي
(أ) في الحديث: ( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) أي: مصرّف الدهر . وأكثر من يقع في سب الدهر هم الشعراء, خاصة في بكائياتهم .
(ب) الرتبال: ولد الأسد
(14) الكظيمة: كانت مستودعاً لأسلحة الجيش الهاشمي في حربة للأتراك, وهي واقعة في المثلث بين مكة المكرمة والمدينة النبوية وجدة .
(15) العيص: شمال غرب المدينة النبوية بنحو (240 ) كيلاً, وهي واقعة عن طريق تجارة قريش للشام قديماً, بعث لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أول سرية في الإسلام وهي سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في رجب في السنة الأولى للهجرة لملاقاة قريش القافلين من الشام, وهي معدودة من منازل جهينة من الجاهلية إلى زماننا هذا .
(16) من زبّن الجاني فهو ملعون: (لعن الله من آوى محدِثاً) ولكن يقال: مرحباً بَمِيرِنا جزل العطيّة...
(17) أو الأحساء كما جزم به العبيّد_وهو من أصدقاء خالد بن لؤي_ وذكر أنّه لما عاد للخرمة بقي فيها عشرة أيام, ثم ذهب لمكّة ليبدي عذره للملك حسين إذ أنّه ذهب لعدوّه من دون إذنه, وأنّه اعتذر بأن سبب ذهابه هو أن يطلب من عبد العزيز أن يأذن لأهل المواشي من رعيته بالسوم في مراعي نجد ذلك الموسم, فرد عليه حسين بما قاله عمر لمعاوية رضي الله عنهما_ فيما يروى_: خدعة مريب أو تخلص أديب . ثمّ أذن له بالرجوع للخرمة, ثم بدأت الجفوة تزداد حتى حانت ساعة المفاصلة. (النجم اللامع: 178) بتصرف .
(18) المعمّ: هو العمامة الملفوفة على الرأس كحال العرب الأول . وكانت عمامة الإخوان بيضاء اللون. قال الكفيف العصيمي:
لبسوا معمّ جديد هبل الأكفان تبايحوا والكل منهم كاتب دينه
(19) وهناك من يقول: إنّ خالداً قد وعد مفرح بن شارع -وكان شيخ قومه بني ثور من سبيع- بالإمارة بعد النّصر ولو أن يعطيه إمارة البادية, فلما استقامت الأمور لخالد, طالبه مفرح بما وعده- على حد قولهم- فرد عليه قائلاً: لا يستوي سيفين في حدريّة, أي غمد, ومعناه لا يجتمع أميران في بلد, والمؤدّى: أن ليس لك من هذا الأمر شيء, وفي ظني أن كليهما لم يكونا طالبي دنيا بل إعلاء كلمة الله وإرادة وجه الله والدار الآخرة, حتى وإن حدث بينهما خصومة فسببها اختلاف رأييهما في العائدين من الشريف للإخوان وكان أكثرهم من قوم مفرح, هل ترد أملاكهم أم تصادر؟ والله أعلم .
(20) ويقال: إن خالداً لما عاد من مكة - من عند الشريف - هجره الإخوان بما فيهم سليم ( لعله أحد مواليه ) فأراد الحوار معهم فقال: أنا لم أرغب عن ديني ولكني أُسايس أموراً لا تعرفونها, فقالوا: هذا دليل على نفاقك, ولذلك فارجع لصاحبك _ أي الشريف _ وتحزّم معه بحزامين, ثم تعال أنت وإياه! _أي لحربنا _ . قال خالد: وعازمين؟ . قالوا: أجل . قال: وهجرتموني للدين؟ . قالوا: نعم . قال: حتى أنت يا سليم, قال: نعم . فقال خالد: عزّي لقوم أنا ذليلهم! والله لئن أحياني الله لتتميز الفضة عن النحاس _يعني أنه صادق في إيمانه ولا يريد الدنيا _ بايعوني على الكتاب والسنة, فبايعوه .
(21) الوثائق البريطانية ( 3| 695).
(22)ووصفنا لهم بالحركة لا يعني هذا أنهم حزب منظم كحال الأحزاب أو بعض الحركات التي على الساحة , إنما نعني بالحركة وصف ذلك التدين العام المتجه نحو التوحيد والجهاد .
(23) حي واقع جنوب غرب السوق بنحو ثلاثة أكيال, وقعت فيه أولى المعارك مع الشريف عام: (1336)وسميت بمعركة حوقان .
(24) وبنى فيها مسجداً جامعاً, عرف بمسجد خالد, بناه بالطين عام: (1336) ثم جدّد في عهد ابنه الأمير سعد رحمه الله وبني بالحجر, ثم جدّد في عهد الملك فيصل رحمه الله عام: (1392) وبني بالأسمنت المسلح, ثم سُمّي باسم جامع الملك عبد العزيز ثم جدّد ( وهذه هي البناية الرابعة) في عهد الملك فهد رحمه الله عام: (1420) تحت إشراف الأمير سلمان حفظه الله بتكلفة قاربت سبعة ملايين ريالاً .
(25) السّلمية: حي عُمر بعد حوقان بنحو سنة. وهو واقع شمال شرق السوق بنحو سبعة أكيال .
(26) حي السوق هو قلب الخرمة ومكان تبايع الناس ويقع وفي وسطها, وفي بدء أمر الإخوان كانت منازلهم في حوقان والسلمية, أما حزب الشريف فكان السوق مركزهم .
(27) الواقعة شرق الخرمة بنحو ثلاثين كيلاً, وهي من أكبر مناقع الماء في تلك النواحي .
(28) عينٌ على حافّة الوادي يصب فيها الشعب, وسميت صيادة لأنها موحلة من كثرة مائها وطول مكثه, فمن دخلها صادته, فقد لا يخرج منها حياً , وبعضهم يطلق صيّادة على الشعب نفسه ولعل ذلك لكثرة الصيد به, والله أعلم .
(29)من سكان قصر حوقان, وهو أخٌ لسليّم, ولسعد الّذي استشهد في الخرائق .
(30) وهو شعب يبعد نحواً من عشرة أكيال شمال غرب حوقان .
(31) وكان أوّل من نزله هو ماضي بن هزّاع بن لؤي الشّريف وهو جد خالد لأمه, وابن عمه محسن مع بعض السّبعان, ومن ثم صار حوقان هو منزل آل لؤيّ في أوّل مجيئهم للخرمة, وفيما بعد بنى أمير الخرمة غالب بن ناصر بن لؤي قصره في النخيل قريباً من مكان الهجرة التي أحدثها خالد سنة: (1336) الواقعة في المنتصف بين حوقان والسّوق . وللعلم؛ فالخرمة بلدة ومزارع ومراعي سبيعيّة عامريّة من تاريخها الغابر الضّارب في القدم .
(32) قال محمد العبدالله القاضي شاعر عنيزة:
والله وعد عســر الليالي بيسرها جانا دليل بـ(ألم نشرح) وهو كافي
(33) أي مساهرُ للقنّاصةِ؛ والمسهر: بناء اسطواني حجري أو طيني عال, وفيه فتحات صغيرة على قدر ماسورة البندقية تقريباً, وفي كلّ زاوية لقصر حوقان مسهر, فمسهر للشياهين ناصر وأبنائه, ومسهر لماضي بن هزاع بن لؤي, ومسهر للسّراميد(أ) .
(أ) السّراميد من الأشراف العبادلة آل لؤي وأبوهم سرماد واسمه الحقيقي سعد لكن غلبت شهرة سرماد على اسمه, وهو من أوصى أن يدفن تحت نخلته حتّى تصبّ الغروب على قبره من حبّه للنّخيل! . ووالد سعد هذا هو مسعود _ وهو أخ لعبدالله أبي شوارب جد الأمير خالد _ بن حسين بن دخيل الله بن محمد بن لؤي . وولد لسعد _ سرماد _ ناصر وولد لناصر علي ومحمد وعبد الله وسعد .
(34) القفيدي: شعب يصب في وادي سبيع وهو واقع بين حي السوق وحي الدغمية وللأخيرة أقرب, يبعد عن حوقان قرابة سّتة أكيال .
(35) وهذا يدلّ على العلاقة القديمة بين الغطغط والخرمة, والظاهر أن الأولى قد أثرت في الثانية بالإصلاح والتدين بدليل أن هذا الشاعر الشانئ على المتدينين صرّح بالغطغط وكأنها مرجعية دينية أو مهاجراً لهم, ومن المعلوم أن هجرتي الغطغط والأرطاوية من أقدم المهاجر الإخوانية, وأهل الخرمة لمّا عضّهم السلاح طلبوا نجدة أهل الغطغط الذين هبّوا سراعاً للنجدة . بل يروى: أنّ أحد الناس قال لهم: إن ابن سعود لم يأذن لكم وبنادقه بأيديكم! فألقوها عليه, وقالوا: ليس له عندنا إلا هذه البنادق _وكانت قليلة- أما نحن فلن نقعد عن نصرة إخواننا في الدين, ومما أثار فزعهم على إخوانهم في الخرمة لما سمعوا أن المدفع قد ضربهم؛ فثارت حميتهم وهبوا سراعاً, وفي رسائل الأمير خالد بن لؤي للملك عبدالعزيز: (إنك إن لم ترسل المدد؛ وإلا أرسلنا نساءنا وأطفالنا للغطغط ولنجد, ليستنهضوا الناس! ).
قال ماجد بن نصّار عن عمّه هادي بن نصّار رحمه الله تعالى: ( كانت الخرمة مكوّنة من السّوق _ وكان فيه أكثر النّاس _ وحوقان والسّلمية, وأولُ من تديّن في الخرمة, هم أهل حوقان قبل السّلميّة بسنة, ومن أول من شارك في نشر الدعوة السلفية سليمان الطّويل الدميجي (ت: ذي الحجة 1354) حيث أتى بكتب من القصيم إضافة للكتب الّتي عندهم من العارض من نجد _ وممن كان يجلبها من الرياض شبيب بن جميع القريشي _ ومِمَّنْ بدأ في التدين كذلك ابن سرماد الشّريف والتومان الأشراف, وناصر بن حسين العلوي من بني عمر, فبدأ به أهل حوقان, ورؤوسهم السّراميد, وهم أهل العلالي والقصور, وكان من أراد الخير ذهب إليهم واستفاد من علمهم ودعوتهم, , وبدأ الخير يزداد شيئاً فشيئاً, حتّى انتشر في النّاس, وأصبح الناس فريقين, بين عامي: ( 1334) و (1335) .
(36) أي يعيش في ظله أناس آباؤهم لم يتزوجوا أمهاتهم بعد .
(37) وأحسن من عزوتهم هذه استعانتهم بالله في قولهم: ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) لأنّها استعانة بالله وذكر له,كما أنّها عينُ ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في بعض غزواتهم .
(38) الحمام: هو زخارف توضع فوق القصور الطّينية على شكل هرميّ صغير .
(39) ومكان المدفع هو خزان مشعان الرويس حالياً في عالية حوقان, وكانوا يسمّونه: سيح المدفع, وسرحة المدفع .
(40) قال عنه ذعار بن مناحي وهو يحكي قصته: ( لا والله اللي يستاهل خرفة حوقان ) أي: إنه لمن يستحق خُرفة حوقان لدفاعه عنه.
(41) والد حثيري الذي أدركهم وشاركهم وقد جاوز عمره اليوم القرن أمده الله بعافيته وتوفيقه من الرواة في هذه المقالات_وكان مع الشريف ثمّ عاد للحقّ .
(42) أرسل بعدها خالد بن لؤي رسالة للملك عبد العزيز, وفيها: ( ... وددنا لو أن ربعنا يهديهم الله, ورفضوا وتجمعنا أسفل ديرتنا وعلوّها, وهم تجمعوا في مثناتها - أي وسطها - والله ما درينا والطراد بيننا وبينهم حامي, نهار السبت, نهار واحد وعشرين من الشهر قبل طلعة الشمس, إلاّ والمدفع يثور علينا على قصر حوقان....وأعاننا جليل الملك عليهم وكسرهم وكسرناهم وذبحنا منهم ثمانية وعشرين رجلاً, وأخذنا المدفع ومكينتين.....وظهر الأشرار الذين في الديرة معارضينهم يوم كسرهم الله, وخلّوا الخرمة وهربوا, وباقي سبرتهم وأشرارهم اجتمعوا في تربة....) ( لسراة الليل: 147).
ومن رد الملك عبد العزيز عليه واعداً إياه بالمدد, بتاريخ: (18/رمضان/1336): ( ....والله لو يظهر عليكم من الشريف عشرة رجال أو ألف؛ إن نجيكم نحن وأهل نجد بالجمل وما حمل! ). (المصدر السابق: 157) .
(43) بوّب البخاري رحمه في كتاب الجهاد من صحيحه: ( باب: الرّجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق ) وساق حديث البراء رضي الله عنه, لمّا ذكر ارتجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بِرَجَزِ عبدالله بن رواحة رضي الله عنه:
(اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صـلّينا
فأنزلن سكـــينة علينا وثبت الأقدام إن لاقـينا
إنّ الاْعْدَا قد بغـوا علينا إذا أرادوا فتـنة أبينـا)
يرفع بها صوته .
(44) ولو أنّه ترك أموالهم لهم لكان أدعى لإقبالهم وتأليفهم, فكيف يسلم البدوي ناقته التي يسترخص كل دنياه عندها؟! مالم يكن هناك مقابل أثمن وأسمى منها! والمؤلفة قلوبهم لهم سهم من الزكاة فضلاً عن رد الأموال لهم. والترغيب مقدم على الترهيب, والجزرة قبل العصا, ولعل لخالد نظرة أخرى لم تتبين لنا والله أعلم .
(45) ومن رسالة الملك عبد العزيز للملك حسين بتاريخ:(7/11/1336) وفيها: (.... ثم لا بد حضرتكم متشكك أن لي في أمر أهل الخرمة سبباً؟ لا ورب إبراهيم ومحمد! فأنا من العام الماضي لكم عليهم....) ( لسراة الليل: 135 ) . والغريب أن الملك عبد العزيز قد رد على خالد بن لؤي لما ألح عليه بالمساعدة - وقد مرّت قريباً- واعداً إياه بالمدد, بتاريخ: (18/رمضان/1336): ( ....والله لو يظهر عليكم من الشريف عشرة رجال أو ألف؛ إن نجيكم نحن وأهل نجد بالجمل وما حمل! ) . (المصدر السابق: 157) . ولكنها السياسة! وانظر كذلك: الوثائق الريطانية: (3|767 ) ورسالة ابن لؤي: (3/ 812) ثمّ رسالة الإمام لفلبي: (3 / 818) .
(46) اسمه ناصر ويلقب بعيجان وغلب لقبه اسمه .
(47) الشارة: هي الغَرَض الذي يُرمى بالسّلاح .
(48) الزربة: هي حائط وساتر من جريد النّخل, والجمع زرائب .
(49) أم الكُرْش: اسم سجن الإمارة, وفيه دُويبةٌ تؤذي من مرّت عليه في ذلك السّجن يسمّونها "الكُرْش" فسمّي بها .
(50) فالقصاص لا يتبعّض, فلو عفا عنه أحد أولياء الدم سقط, وعُدل عنه إلى الدية, أو الصلح .
(51) قيل: إنه قُتل أخيراً وهو راع لإبل محمد بن عبد العزيز آل سعود (بشّر القاتل بالقتل, ولو بعد حين). وقيل: بل قد استشهد في الخرائق وهو على صهوة جواده مقبل على العدو, رحمه الله تعالى.
(52) وهو الأقرب .
(53) علّوش بن خالد: قائد الإخوان أهل الغطغط من قبل سلطان بن بجاد, وقد جاء قائداً للسّرية الثّانية, وضم معها السرية الأولى, فصار هو القائد العام لكتائب أهل الغطغط في الخرمة, وحضر معركة الحنو, وما بعدها . كانت نهايته السجن مع سلطان بن بجاد وآخرين بعد معركة السبلة عام:(1347) وقيل: إنهم قتلوا في الدهناء بعد سجنهم بسنين, والله أعلم.
(54) سَمّ: هي كلمة يعتبرها أهل نجد أرقّ من كلمة نعم ومعناها تفضل قل ما شئت .
(55) حمود بن زيد: قائد جيش الشريف الّذي هُزم في حوقان .
(56) كان الناس في ذلك الزمان يسمّون المعركة "كون" والجمع "أكوان" .
(57) الذي قَتَلَ بعيجان بن منصور لاحقاً .
(58) عبد الهادي: يُذكر عنه أنّه رفع صوته بالتّكبير في بداية المعركة وقال: لا إله إلّا الله, بيعة يا إخوان بيعة! أي بايعوني على الموت! فتقدّمَ الصّفوف حتّى ألهبه الرّصاص وخرّ شهيداً, رحمه الله .
(59) كانت رحى المعركة في بطن الوادي, لذا فاختلفت مسمياتها, فمن نظر للجهة الغربية من الوادي "جبار" ألحقها به, ومن نظر للجهة الشرقية" الرضم" ألحقها به, كذلك "أبو بغيث" وهو شعب قريب منهما.
(60) ومنهم محمّد بن عبد الله بن مزينة, وغالب بن حمود, وذعار بن زايد, وقطيم, وعبد الله بن بطي, وفاصل بن مناحي بن زنعاف, ودهيران بن هذال, وابن حرقان العمري - كلّهم من بني ثور عدا ابن حرقان - رحمهم الله تعالى .
(61) الجُبُوب: الجزء المرتفع من الأرض الصّلبة .
(62) الّلوي: واد يجاور الحرّة من جهة الغرب, ويصب في وادي "حثاق" وبالقرب من اللوي خبراء الزاحمة وجبال القوس, وتنبت أرضه أشجار السمر والسلم والقتاد والخريط .
قال نصيب:
وقد كانت الأيام إذ نحن باللوى تحسن لي لو دام ذاك التحسن
وبالقرب من اللوي وادي اللّوا بين الذريبة والحرّة . ( الخرمة, للحضبي: 81).
(63) من رسالة خالد بن لؤي للملك عبد العزيز عام: (1336 ) ولعلّها بعد معركة جبّار: (....ونحن الإخوان تعدادنا أربعمئة وخمسين رجلاً, وظهرنا عليهم......وأخذنا جميع ما معهم من صلم ومدافع ومكاين وفشق, كما أخذنا منهم مئتي ذلول, وقتلنا منهم مئة وخمسة عشر رجلاً, وقد استشهد منا عشرة رجال منهم محسن بن تركي من الأشراف, ووالله ما عاقنا عنهم إلاّ أننا كنا مشاة وهم على جيش_ أي الإبل الرواحل_ وإلا كان ماهرب منهم قليل ولا كثير, ومن طرف الغنائم؛ عندنا ثلاث مكاين وثلاثة مدافع......) ( لسراة الليل: 141) .
(64) وكأن خالد والإخوان أحسّوا فتوراً من عبد العزيز بعد معركة جبار, فأرسل خالد إليه عام: (1336) رسالة فيها: (....أما إرسال الرجال _ أي لطلب نجدتك_ فلن يحصل مرة ثانية, ولكن المركوبة الثانية لك ولأهل نجد؛ والله مايركب إلا حريم......لك الله لا تجعل الران على قلبك!......تكفى يا عبد العزيز ياوالله اللي ترديت فينا!....) . ( لسراة الليل: 142 ).
(65) وهي أولى المعارك التي شهدها, وهو معدود من صغار الإخوان, وكان يقول: كنت رديف والدي على حصانه, وكان يرمي وأنا أرمي .
(66) سلطان بن بجاد بن حميد الكريزي البرقاوي, الملقب " سلطان الدين" الذي تولّى مشيخة برقا عام: (1333) بعد وفاة الفارس الشهير محمد بن هندي, وتوفي عام: (1353) - رحمه الله تعالى - .
(67) قرية عتيبية على نحو تسعين كيلاً شمالاً عن الخرمة .
(68) قرية زراعية كانت قديماً منهل ماء ترده الأعراب من كل جهة أما الآن فهي منطقة زراعية غزيرة المياة, تبعد عن الخرمة مسافة خمسة وعشرين كيلاً, ووادي الخرمة حينما يصل إلى الحنو يتجه شرقاً إلى عرق سبيع والخضر وكتيفان بعد أن كان متجهاً إلى الشمال الشرقي, ولذلك سمّي: "الوادي العوج" .
قال الشاعر:
حلّت سليمى بذات الجذع من عدنٍ وحلّ أهلك بطن "الحنو" من حضن
(الخرمة, للحضبي: 45)
(69) الغبطان: واحدُها "الغَبِيط" وهو الهودج .
(70) اللميسة: بئر قديمة تقع في سمارة الحمار, شمالاً من جبال غُرَّب, وغرباً من جبال بني غَيْ, حفرها هجرس أخو فيصل الجميلي, ثم تملّكها ابن هملان السبيعي, ثم اشتراها ابن لؤي: ( الخرمة: 97)
قلت: وهي واقعة شمال شرق الخرمة, على مسيرة يوم تقريباً, وقد جرت بسببها قصة طريفة؛ وهي أنه قد جرى نزاع في المراعي التي حولها بين قبيلتي سبيع وعتيبة, وكانت البئر في ذلك الوقت مملوكة لأمير الخرمة حينها سعد بن خالد بن لؤي, وعلى ذلك فجهة سبيع أقوى لأن البئر مملوكة لأمير بلدتهم الخرمة. فأراد الملك فيصل بدهائه أن يسوّي المسألة_ أو ربما ليهبها لعتيبة المقربين لديه _ فقال لسعد وهو في مجلس الملك: يا سعد! أنا طالبك طلب, قل: تم . فقال: آمر علي _ أطال الله عمرك_ ولكن لا تطلب اللميسة! . فقال: بل هي طلبي, وأريد أن أسبّلها سقياً ووقفاً لوالدي . فقال سعد: أطال الله بقاءك, أنت تملك السعودية من بحرها لبحرها فسبّل لأبيك ما شئت! أما أنا فلا أملك سوى اللميسة وأشهدك أني قد سبّلتها لأبي! وبذلك قطع عليه الطريق, فالوقف لا يوهب.
(71) الحمار: هضبة مرتفعة سوداء, ويقال لها: سمارة الحمار؛ لسوادها . يتوسطها ظهر مرتفع يشبه ظهر الحمار, تقع جنوب جبل ظلم, وشمال الخرمة ( الخرمة: 76) .
(72) الحفيرة: على الشمال من الخرمة على بعد ثلاث مراحل تقريباً .
(73) بني رقعان: ينسب الإخوان للمعمّ الذي يلبسونه لأنه من الرقاع, أي الخِرَق, فينبزهم ويعيرهم به .
(74) المشط: مجموعة من الرصاص وغالباً عددها خمس أو ست رصاصات أو أكثر, تجمع لبعضها بواسطة مخزن خارجي صغير, ينتظمها سوية.
(75) أي أن مصابهم بفقده كمصابهم في هزيمتهم في معركة الحنو .
(76) أبو جميدة: قرية زراعية, تربتها طينية, شمال الخرمة بنحو اثني عشر كيلاً,نزلها الحميدي بن مفرح حتى وفاته رحمه الله .
(77) غثاة: قرية زراعية شمال الخرمة بنحو ستة عشر كيلاً, على ضفة الوادي الغربية, آبارها عذبة ومياهها وفيرة وتربتها جيدة للزراعة . ( الخرمة: 44)
(78) السلميّة: قرية زراعية قديمة, تقع في الجهة الشرقية من الوادي, تقع شرق شمال الخرمة بنحو عشرة أكيال .
(79) بوّب البخاري رحمه في كتاب الجهاد من صحيحه: ( باب: فضل الطليعة ) وساق حديث جابر رضي الله عنه, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: ( من يأتيني بخبر القوم؟ ) يوم الأحزاب, قال الزبير: أنا, ثم قال: ( من يأتيني بخبر القوم؟ ) فقال الزبير: أنا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لكلّ نبي حواريّاً, وحوارييّ الزبير ) .
(80) أي كررت فرسي سرّاء, حتى قطعت عرض أثر حوافر خيلهم وخفاف إبلهم, حتى رجعت ولم أصل لنهاية أثرهم من كثرة جيشهم .
(81) الغريف: هي قرية كثيفة البساتين, خصبة التربة, متنوعة الزروع والفواكه والمحاصيل, في أعلى الخرمة في الجنوب الغربي,تبعد قرابة الأربعين كيلاً, وتسمّى في كتب التاريخ ببستان بني عامر وصلها عمر رضي الله عنه قائداً لإحدى السرايا . قال عروة بن الورد:
كأن خوات الرعد رز زئيره من اللاَّء يسكن الغريف بعثرا
وقال الخطفي, جد جرير:
كلفني قلبي ما قد كلفا هوازنيات حللن غريفاً
(82) القرين: في المنتصف بين الخرمة والغريف, وهو جزء من وادي سبيع, وسمي القرين لأنه يقترن ويجتمع ويكون ضيق المجرى, ومنهم من يطلق القرين على الشعب الذي يصب في وادي سبيع على المضيق المذكور من الوادي, ويمتاز بندافة أرضه, وكبر سرحه, يبعد عن الخرمة نحو عشرين كيلاً جهة الجنوب الغربي .
(83) وهذا من فراسة البادية, ومعرفتهم بأحوال بيئتهم وطباع طيورها .
(84) الزريبة: حائط من جريد النخل, يصف ويربط بعد إزالة الخوص"السعف" عنه, ويكون بديلاً عن حائط الطين أو الحجر, ويكثر بين المزارع لإظهار حدودها, أو لحجز الماشية وحبسها ونحوه .
(85) البواردية: جمع بواردي, والمراد بهم الرماة .
(86) وسبب استحرار القتل فيهم أنّهم _ كما قدمنا _كانوا يصفّون في القتال كالصّلاة, وهذا مما يسهّل قنصهم, وهم يتقدّمون للمدافع الرّشّاشة, وكلّما سقط صفّ قام خلفهم صفّ آخر, حتّى يصلوا لصاحب المدفع فيذبحوه ذبحاً .
(87) المذلّقات: هي ثياب لها أكمامٌ واسعةٌ جدّاً تكاد تمسّ الأرض, وكان الإخوان ينهون عنها لأنّها من سيما المتكبّرين .
(88) وفي رواية حمود بن صقر رحمه الله, يذكر قصته بعدما سُئل عنها فكشف عن ساقه فإذا أثر الرصاصة فوق الكعب مباشرة . وقال: رأيت في القوم عبداً منهزماً, فأخذت أطرده أريد أمساكه حيّاً حتى أبيعه, لكنه كان عاقلاً, فأخذ ينصحني ويحذّرني, ويقول: ارجع لا تمت! فلم استمع لنصحه, وأخذت في مطاردته, فلما رآني لا أتركه؛ صوّب بندقيته فضربها برصاصة فكسرني, ولو شاء لقتلني (ولكن الله سلّم) فلعلّ ذلك الرجل هو من ذكرنا ,أو هو غيره, كما هو ظاهر السياق, والله أعلم .
(89) يا الله الخيرة: عبارة تفجّع وتسليم, تذكرها العامة عند شعورهم بنزول كارثة, ومعناها: اللهم نسألك لنا الخيرة في هذا الأمر .
(90) هذه رسالة تشابه وصف معركة الحنو لولا تاريخها! فقد كانت في: (11شوال1336) أي قبل المعركة بشهرين! وقد تكون وصفاً لمعركة جبار التي كانت في (17رمضان1336) لولا أن القتلى هناك حسب رسالة خالد المرسلة للملك بينت أنهم مئة وخمسة عشر فقط وهنا ثلاثمئة, فإن قلنا إن هذه هي وصف لجبار وتلك أخرى, لأنها غفلٌ من الشهر, فيُورد عليها ذكر وفاة محسن بن تركي فيها, وقد استشهد في جبار كما في رسالة خالد لعبدالعزيز, أما القائد فقد ذكر هنا أنه: (ولد زيد) وهذا محتمل للمعركتين فهناك حمود بن زيد, وهنا شاكر بن زيد, على كلٍّ فهي في حاجة لتحرير, خاصة أنّها كما هو مذكور في الرسالة معركة كبيرة, أو لعله خطأ في التاريخ! وقد يكون المقصود بها معركة عشيرة الكاسحة! حينما هاجموا مركز التموين لجيش الشريف, لكن عشيرة بتاريخ: (3/1337) ...عجبي! أو أنها إحدى معارك الريعان, والتأمّل قد يفتح آفاقاً أخر, والشاهد من نصّ الرسالة: ( .....وجميع القوات والبيرق أخذناها, وذبح منهم عدد(300) وأميرهم ولد زيد مصوّب....) . (لسراة الليل: 92).
(91) الصِّفر: هو فشق الرصاص "بيت الرصاصة" والمراد تشبيه أعداد الفشق وتكوّمها بإلية الشاة, من كثرة ما رمى من الرّصاص .
(92) يسمّيه العامّة: "الدربيل" و "الناظور" .
(93) وقد هداه الله تعالى, فعاد للإخوان فيما بعد .
(94) المدارية: فخذ من بني عمر الذين هم بطن من قبيلة سبيع, واحدهم مديري .
(95) وقد قتله الإخوان لاحقاً مع صاحبه راقي الفرد, عام: (1342) والعامة تؤرخ بمقتلهما فتقول: سنة ذبحة الفرد والعبّود .
(96) أي هاربة على راحلتك بدون الهودج وبدون الشّداد .
(97) العامّة تختصر كلمتي: "جنيه فرنسي" فيكتفون منهما بقولهم:"فرانسي"
(98) "بدراء": زوجته من الرّوقة العتبان, ومن أبنائها "الحميدي" شيخ بني ثور بعد والده, وكان حاضراً غزوة الحنو وعمره عشر سنوات, وهو أحد رواة هذه المقالات.
(99) وهما الطّعيمي وابن مسيّب, رحمهما الله تعالى, حيث ضربهما بالمدفع .
(100) وقيل في حوقان, وهو الأظهر من الأبيات إلّا أنْ يكون هناك تحريف للبيت, فقد تكون كلمة حوقان محرّفة من القرين .
(101) وهو شعب صغير يتوسط جبّار ويصب في وادي سبيع .
(102) المَطْرِح: مسمّى تطلقه العامّة على مركز القيادة والسيطرة للجيش, كذلك يعنون به ميدان المعركة كَكُلّ, والبعض يخص به الجند النظامي .
(103) الذي: تأتي بمعنى الواحد والجمع, حانت: أي سالت.
(104) الهَضْب: مراعي عند نهاية وادي سبيع .
(105) الزّمْل: متاع البيت .
(106) هجرة خالد بن لؤي بناها عام: ( 1336 ) وصارت مهاجراً للإخوان في الخرمة .
(107) رَضوان: قرية بقميّة بين الخرمة وظلم وحضن إلى الشمال الغربي عن الخرمة بنحو ثمانين كيلاً .
(108) الحشّة: هي الأرض الصلبة الخشنة .
(109) الهيج: هو الرّصاص الكثيف المتوارد .
(110) وقد هدى الله ذلك المصاب فيما بعد فتديّن مع الإخوان .
(111) الشِّدَاد: هو الرَّحْل, يوضع على ظهر الراحلة .
(112) علماً بأن الإمام عبدالله الفيصل _عم الملك عبدالعزيز_ كان قد هزم العجمان حين ثاروا عليه, فغرقوا في البحر في معركتي الطبعة الأولى في: (17/رمضان/1376 ) والثانية بعدها بسنة, في رمضان: (1377) . وفي الثانية كان الغرقى من الرجال والنساء والأطفال (1500) رحمهم الله تعالى.
__________________
قال سهل بن عبدالله _ رحمه الله تعالى _:
"أعمال البر يطيقها البر والفاجر ولكن لايصبر عن المعاصي إلا صديق"
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15-09-12, 02:13 PM
سلطان بن عفار سلطان بن عفار غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-01-12
المشاركات: 219
افتراضي رد: (صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية)(الجزء الثالث)"آلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين"

اقتباس: (10)تأسست هجرة الغطغط سنة: ( 1332 ) وسكنها الأمير سلطان بن بجاد بن جهجاه بن تركي بن حميد
تصحيح: .... سلطان بن بجاد بن سلطان "أبا الروس" بن هندي بن حميد
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مطوية , الثالثآلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين , الجزيرة , العربيةالجزء , تاريخ , صفحة

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:26 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.