ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-09-12, 03:27 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

السلام عليكم ورحمته الله وبركاته

أخواني أخواتي انا طالبه دراسات عليا تخصص الحديث وعلومة
وأريد أهم الكتب التي ألفت في سنن ابي داوود ؟؟؟؟؟؟؟

الله يجزاكم الجنه

أخر يوم يوم الجمعه
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-09-12, 10:27 AM
محمد الغرماني محمد الغرماني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-01-11
المشاركات: 159
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

وأريد أهم الكتب التي ألفت في سنن ابي داوود ؟؟؟؟؟؟؟

من أي ناحية ؟؟

شرحاً أو تخريجاً أو تعليقاً ...
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-09-12, 08:22 PM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

من ناحية التخريج ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

الله يرفع قدرك
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 13-09-12, 12:35 PM
عبدالرحمن نور الدين عبدالرحمن نور الدين غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-07-07
المشاركات: 1,557
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

صحيح سنن أبي داود الكتاب الأم للعلامة الألباني
وضعيف كتب أبي داود الكتاب الأم للعلامة الألباني
تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته لابن القيم
__________________
ليس العلم بكثرة الرواية ،
ولكنه نور يقذفه الله في القلب ،
وشرطه الاتباع ، والفرار من الهوى والابتداع .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13-09-12, 06:58 PM
محمد جلال المجتبى محمد جلال المجتبى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 2,989
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

شروح سنن ابي داود
معالم السنن للخطابي

عون المعبود

بذل المجهود
__________________
يسر الله أمورنا وأموركم
الدعاء الدعاء الدعاء لا تنسوني منه
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13-09-12, 07:02 PM
محمد جلال المجتبى محمد جلال المجتبى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 2,989
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

ولاحد المعاصرين زوائد سنن ابي داود على الصحيحين - يوجد على النت
__________________
يسر الله أمورنا وأموركم
الدعاء الدعاء الدعاء لا تنسوني منه
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13-09-12, 07:03 PM
محمد جلال المجتبى محمد جلال المجتبى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 2,989
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

ط الرسالة مخرجة تخريجا لا باس به
__________________
يسر الله أمورنا وأموركم
الدعاء الدعاء الدعاء لا تنسوني منه
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13-09-12, 07:15 PM
سلطان بن جابر الجعدبي سلطان بن جابر الجعدبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-07-11
المشاركات: 34
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

وتحقيق النص من اهم ما يتعلق بالسنن ، إذ أن سنن أبي داود نسخه كثيرة فعليك - بارك الله فيك - بتحقيق العوامه وأيضا تحقيق الدعاس فالأول مهتم بالنص أكثر والآخر متوسع في التخريج.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13-09-12, 10:54 PM
رياض العاني رياض العاني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-08-11
الدولة: العراق - بغداد
المشاركات: 3,270
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

لدراسة سنن ابي داود 1 يجب معرفةمنهجه وذلك بدراسة رسالته لااهل مكه 2 روايات السنن كرواية ابن الاعرابي ورواية ابن داسة 3 دراسة شروح سنن ابي داود 4 المستخرجات علي سنن ابي داود
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 14-09-12, 02:25 AM
محمود البغدادي محمود البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-12
المشاركات: 144
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

هناك دراسة في مجلة البحوث الاسلامية ابو داود حيااته وسننه ، على هذا الرابط:
http://www.alifta.net/Fatawa/FatawaC...eNo=1&BookID=2

وإليكم روابط لعناوين رسائل مهمة عن سنن أبي داود:
ومن الجديد : فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود
تأليف ياسر بن محمد فتحي آل عيد , وفقه الله.
المجلد الأول فقط, ويحوي 100 حديث في أكثر من 700 صفحة, عن دار المحدث.والشيخ هو صاحب تخريج كتاب الذكر والدعاء للشيخ سعيد القحطاني.
وقد قال عنه الشيخ فريح البهلال - بعد اطلاعه على تخريجه لكتاب الذكر - (ص/9-10) : ( قرأت جل التخريج, وخصوصا ما حكم عليه المُخرِّج بالضعف أو الشذوذ أو النكارة, وتبين لي - والحق يقال - : أن المخرِّج متضلع بعلم الحديث, وعلله, ومصطلحه .. ).
نقلا عن الالوكة :
http://majles.alukah.net/showthread....A7%D9%88%D8%AF
وزوائد السنن على الصحيحين والكلام على احاديثه وبيان شيئ من علله :
http://www.waqfeya.com/book.php?bid=2941:

وإنجاز الوعود في زوائد ابي داود على الكتب الستة لسيد كسروي وهو على الوقفية على هذا الرابط : http://www.waqfeya.com/book.php?bid=3238

وأما طبعات سنن أبي داود
http://www.mahaja.com/showthread.*******.80%98%E2%80%98


وجاء في موقع الالوكة بعض عناوين الرسائل التي الفت على سنن الامام ابي داود :http://majles.alukah.net/showthread....A7%D9%88%D8%AF

وأيضا لا ننسى المعلقات في سنن ابي داود :
http://majles.alukah.net/showthread....A7%D9%88%D8%AF

وأما شروحه فيفصل في ابرزها الشيخ الخضير في كلامه على شروح الكتب الستة ،
ومن الشروح :
1.معالم السنن لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي المتوفى سنة (388هـ). موجود في المكتبة الوقفية
2-حاشية ابن القيم على السنن موجود على مكتبة مشكاة .
3.مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة(911هـ).وأظنها حاشية مختصرة كباقي حواشيه على الكتب الستة .
4.فتح الودود على سنن أبي داود تأليف أبي الحسن نور الدين بن عبد الهادي السندى المتوفى سنة (1138هـ).
5 عون المعبود في شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق عظيم آبادى. على المكتبة الوقفية
6.غاية المقصود في حل سنن أبي داود لمحمد شمس الحق عظيم آبادى. على المكتبة الوقفية ولم يطبع كاملا قال شيخنا السيد صبحي السامرائي هو من أفضل كتب فقه الحديث طبع منه 3 اجزاء فيما اعلم ،
7 - بذل المجهود للسهارنفوري الحنفي ،
8 - المنهل العذب المورود للسبكي .
9 - شرح سنن ابي داود للبدر العيني .


واما المستخرجات فمنها مستخرج المستخرج لمحمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبي .
ومستخرج قاسم بن اصبغ وعليه دراسات في المغرب .
قال الدكتور موفق وفقه الله في بحث المستخرجات له :
الإمامُ الحافظُ العَلاَّمةُ، شيخُ الأندلسِ، ومُسْنِدُها، أبو عبدِاللَّهِ محمدُ بنُ عَبْدِالملكِ بن أيمن بن فَرَجٍ القُرْطُبِيُّ (ت330هـ)([3])، قال الذَّهبيُّ: صَنَّفَ كتاباً في السُّننِ، خَرَّجَهُ على ((سُنن)) أبي داود([4])، والإمامُ الحافظُ العَلاَّمةُ مُحَدِّثُ الأندلس، أبو محمدٍ، قاسمُ بن أصْبَغ بن مُحَمَّدٍ القُرْطُبِيُّ، مولى بني أُمَيَّةَ (ت340هـ)([5])، قال الذَّهبيُّ: وَفاتَهُ السَّماع مِن أبي داودَ، فصَنَّفَ سُنناً على وَضْعِ سُننهِِ([6]). وقال الكَتَّانيُّ: ثُمَّ اختصر قاسمُ بن أصبغ كتابه وسمَّاهُ ((الْمُجتنى)) بالنُّون، فيه مِنَ الحديثِ الْمُسْنَدِ ألفٌ وأربعمائة وتسعونَ حديثاً، في سبعة أجزاء([7])، قد صَنَّفا هذين الكتابين بعد أن رحلا إلى بلادِ الْمَشْرِقِ..
وبحثه على هذا الرابط : http://www.kl28.net/knol4/?p=view&post=443751
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 14-09-12, 02:27 AM
محمود البغدادي محمود البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-12
المشاركات: 144
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

أبو داوود حيَاته وسننه
محمَد لطفي الصَباغ


مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فإن الشريعة المطهرة على المصدرين الخالدين: كتاب الله وسنة رسوله وفيهما الهدى والفلاح. من تمسك بها لم يضل، ولا يدعهما إعراضاً عنهما إلا زائغ هالك.
وقد حفظهما الله عز وجل من عدوان المعتدين، وتحريف المغرضين، فتكفل الله سبحانه بحفظ الذكر الحكيم "إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون" وهيأ للسنة رجالاً يذبون عنها افتراء المفترين وينقونها عن الزيف والدخيل حتى استبان الصحيح من السقيم واتضحت معالم الطريق. ووصلت إلينا كتب السنة متواترة لأصحابها بعد أن استغرقوا وسعهم وبذلوا جهدهم ولم يدعوا وسيلة من وسائل التثبت والتيقن إلا سلكوها. فجزاهم الله خير الجزاء وأحسن مثوبتهم في دار كرامته.
وأن مما يحق لنا أن نفخر به أعظم الفخر تلك الانجازات العظيمة التي حققها أولئك العلماء في ميدان التحقيق والتنقيح حتى غدت قواعد المصطلح مثلا يحتذى.
ومن أهم كتب السنة الكتب الستة، وهي: الصحيحان وسنن النسائي وسنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه.
وقد أصبح لهذه الكتب من المنزلة الرفيعة ما جعل بعض العلماء يطلق عليها اسم الصحاح ولم يزاحم هذه الكتب إلا مسند أحمد وموطأ مالك وسنن الدارمي، ولكل منها مزية... ومهما يكن من أمر فقد غدت هذه الكتب التسعة من أشهر كتب السنة ومصادر لفهم الدين أصوله وفروعه ومن أجل ذلك فقد حظيت بعناية المسلمين على مر العصور دراسة وشرحاً واستنباطاً وتخريجاً واختصاراً وفهرسة.... وبحثي المتواضع هذا محاولة في دراسة ((سنن أبي داود) وبيان منزلة هذا الكتاب وذكر خصائصه والتعريف بمؤلفه.

ويقع في بابين:
الأول: في حياته.
الثاني: في سننه.
وأرجو أن يكون كلامي تذكير لأهل العلم بواجب خدمة هذه الكتب وحثاً لأولي الأهلية على القيام بهذا الواجب، ولعل من أهم مجالات الخدمة التي تتطلبها تخريج أحاديث هذه الكتب وتحقيق الحكم عليها.
وأنا أعرف أن ذلك مطلب ليس يسيراً ولا هيناً، ذلك لأن الحديث الواحد قد يكون مروياً بأسانيد متعددة، فإذا كان سنده في كتاب ضعيفاً فليس ببعيد أن يكون وارداً في كتاب آخر معتمداً بسند قوي.
من أجل ذلك ينبغي أن تقرر أن هذا الحديث بهذا السند يستحق هذا الحكم، والذي يخفف من الحرج أمران:
أولهما: عندما تحكم على حديث بأنه ضعيف بسبب ضعف سنده لا نكون قد أخطأنا.
هذا والمشكلة تكون كبيرة عندما تدخل في الدين ما ليس منه أن نحكم على حديث بالضعف بسبب ضعف سنده فهذا أمر طبيعي، ويبقى هذا الحكم سارياً حتى نقف على طريق آخر صحيح له. وإذا بذل جهده ومستطاعه كان مأجوراً ان شاء الله ولا يكلف الله نفساً إلى وسعها.
وثانيهما: أنه مما يخفف من الحرج والمشقة أننا إذا جرينا على هذا النهج في الكتب الأخرى نستطيع بوساطة الفهارس العديدة أن نتبين بسهولة بالغة ان كان هذا الحديث مثلاً مروياً في كتاب آخر بسند صحيح.
وأحسب أن العقل الالكتروني يساعد في هذا المجال إن استخدم مساعدة فعالة.
وأنا أسأل الله أن يشرفني بالانضواء تحت لواء الخادمين لسنة رسوله r المدافعين عنها بها إنه سبحانه خير مسؤول.
"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وآخر دعوانا أن الحمد لله ر ب العالمين.

الرياض في 20 صفر سنة 1394هـ
محمد بن لطفي بن عبداللطيف بن ياسين الصباغ
الباب الأول: أبو داود حياته.

عصره:
ولد أبو داود في مطلع القرن الثالث الهجري وتوفي في أواخره.

والقرن الثالث هو العصر العلمي الذهبي في تاريخنا كله، وقد أتيح للمؤلف رحمه الله أن يشهد نضج الحضارة الاسلامية في هذا القرن، كما أتيح له أن يعيش هذا العصر الذي ازدحم بالعبقريات والموهوبين الافذاذ في شتى شؤون الفكر.

ويكفينا للدلالة على ذلك أن نذكر من أعلام هذا القرن الأسماء الآتية:

ففي الحديث:
كان البخاري ومسلم ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي.

وفي الفقه:
كان الربيع والمزني صاحبا الشافعي وداود الظاهري وغيرهم.

وفي الشعر:
كان علي بن الجهم وابن الرومي والبحتري وابن المعتز.

وفي العلم بالأدب:
كان المبرد وابن قتيبة والجاحظ وثعلب والفراء، وغيرهم كثير. وهكذا.. ولا شك في أنَّ أبا داود كان واحداً من هؤلاء العمالقة الأفذاذ في هذا العصر.

وكانت الحضارة قد بدأت تؤتي ثمارها وتنضج نضجاً رائعاً ترك أطيب الأثر في حياة المسلمين والدنيا كلها.

وما نزال معجبين بهذه الحضارة التي أينعت ثمارها وامتدت ظلالها في هذا القرن فكان هذا التراث العظيم الذي ما زالت الأجيال وستبقى تعيش مفيدة من مائدته.

ولد أبو داود سنة 202هـ في ظل الخليفة العباسي العالم المأمون، وإن استعراض أسماء الخلفاء الذين جاؤا إلى سدة الخلافة خلال حياة أبي داود ليشعرنا بفخامة العصر الذي كان فيه.

فبعد المأمون (ت218هـ) جاء للخلافة المعتصم (ت227هـ) ثم الواثق (ت232هـ) ثم المتوكل (ت247هـ) ثم المنتصر (ت248هـ) ثم المستعين (ت252هـ) ثم المعتز (ت255هـ) ثم المهتدي (ت256هـ) ثم المعتمد على الله (ت 279هـ).

وهذا الأخير حَجَر عليه أخوه الموفق واستبدّ بالأمر دونه، ولم يصبح خليفة، وللموفق مع أبي داود أخبار سنذكر طرفاً منها فيما بعد.

ومن المعروف أن اضطراب شؤون الدولة العباسية قد بدأ بمقتل المتوكل سنة 247هـ، فلقد أراد أن يكفكف من غلواء العسكريين الاتراك الذين بدأ تسلطهم أيام المعتصم فلم يفلح.

وإن عصراً هذا وزنه لا نستطيع أن نلم بجميع الجوانب فيه بكلمة مستعجلة.

ويكفينا أن نذكر بشأنه الأمور المقررة الآتية:

1- التناحر بين أفراد الأسرة الحاكمة كان على أشده.

2- سيطرة العناصر الأعجمية عموماً والتركية خصوصاً كان أمراً واضحاً.

3- الثورات في أطراف الدولة الاسلامية.

4- الثورة في قلب الدولة وفي العراق بصورة خاصة.

5- الصراع النصراني – الاسلامي في الحدود الشمالية الغربية.

6- تسلط رجال الفرق الضالة على بعض الخلفاء وممارسة لون من الاستبداد الفكري ومقاومة العلماء وسجنهم.

7- قيام نزعات فكرية متعددة، وبعضها هدام خطير.

ولولا أن الحياة الاجتماعية كانت تسير بوجه عام على سنن الاسلام العظيم وأن الحياة الفكرية والعلمية كانت تقوم بمهمتها في الهداية والارشاد وإقامة الحجة على أحقية الاسلام، لكانت الحياة السياسية تلقي لوناً قاتماً بعض الشيء على هذا العصر الموار.

اسمه . نسبه . نسبته

هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني.

وعمران هذا ذكر ابن عساكر وابن حجر أنه قتل مع علي بن أبي طالب بصفين . وأبو داود عربي صميم من الأزد ، والأزد قبيلة معروفة في اليمن .

والسجستاني نسبة إلى بلد سجستان، وهي بكسر السين وفتحها، والكسر اشهر، والجيم مكسورة فيهما ولم يذكر ياقوت في ((معجم البلدان)) إلا كسر السين .

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنه بلد يتاخم أطراف مكران والسند، وقررت أنه ما وراء هراة وذكر ياقوت أنه ناحية كبيرة وولاية واسعة وأنها جنوبي هراة، ووصف حسن جوها وثمراتها وسكانها وعاداتهم وقد وهم من زعم أنّ سجستان قرية من قرى البصرة .

وذكر الأستاذ محبّ الدين الخطيب رحمه الله في مقدمته لكتاب ((موارد الظمآن)) أن سجستان هي بلاد الأفغان الآن وهي في الحقيقة القسم الجنوبي من بلاد الأفغان.

ويقال له السجستاني والسجزي وهي نسبة على غير القياس قال فيها المنذري: وهو من عجيب التغيير في النسب .

وقيل: السجزي إلى سجز وهي سجستان .

نشأته

ولد أبو داود سنة 202هـ كما ذكرنا وتلقى العلم على علماء بلده، ثم ارتحل وطوّف بالبلاد في طلب العلم وتحصيل الرواية، فزار العراق والجزيرة والشام ومصر وكتب عن علماء هذه البلاد جميعاً. قال الخطيب:

"وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين" .

وليس من شك في أنّ هذه الرحلات قد وسعت من افقه وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء العالم الإسلامي.

والبلاد التي سكنها كثيرة نذكر منها ما وصل إليه علمنا وهي:

سجستان التي كانت بلده والتي نسب إليها، وخراسان، والري ، وهراة ، والكوفة التي دخلها سنة 221هـ كما ذكر الخطيب ، وبغداد التي قدم إليها مرات، وآخر مرة زارها كانت سنة 271هـ، وطرسوس التي أقام بها عشرين سنة ، ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر ، ومصر أيضاً، والبصرة التي انتقل إليها بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطناً ليرحل إليها طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بسببه فإنه قد خربت وهُجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليها من فتنة الزنج .

وهذا الخبر يدل على أن شهرة أبي داود قد طبقت الآفاق، فالناس يعرفون له قدره وفضله وشهرته، وأحسّت الدولة بذلك فطلبت إليه أن يرحل إلى البصرة البلدة المنكوبة لتعود إليها الحياة ولتعمر من جديد. وفي هذا دلالة على طبيعة حضارتنا ومنزلة العلم والعلماء فيها، فإن سكنى مثل أبي داود فيها كان العلاج لردِّ العمران إلى بلد مخرّب مهجور. وهكذا فقد وفق الله أبا داود أن يكون شخصية علمية مرموقة في عصره كان لها أكبر الأثر على الناس في عصره والعصور التي تلت.

علمه

كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام، وكان من أوسع العلماء معرفة بحديث رسول الله r وفقهه وعلله ومتونه ورجاله.

ويبدو أن علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى ويقدرونه حق قدره؛ يدل على ذلك عدد من الأخبار:

منها ما ذكروا من أنّ أحمد بن حنبل روى عنه حديثاً، وكان أبو داود شديد الاعتزاز به.

ومنها ما ذكروا من أن سهل بن عبدالله التستري جاء إلى أبي داود.

فقيل: يا أبا داود هذا سهل جاءك زائراً، فرحّب به وأجلّه.

فقال له سهل: يا أبا داود لي إليك حاجة.

قال: وما هي؟

قال: حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان.

قال: قد قضيتها مع الإمكان.

قال: أخرج إلي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول الله r حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله .

وكان علمه متعدد الجوانب، فهو – مع تخصصه في الحديث – فقيه عظيم، وقد عدّه الشيخ أبو الحسن الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، وكذا أبو يعلى في ((طبقات الحنابلة)) والعليمي في ((المنهج الأحمد)) .

وأبو داود ناقد كبير، وليس هذا غريباً على إمام من أئمة الحديث، لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستوى راقياً من رهافة الحسّ ودقة النقد، وسنرى في دارستنا لكتاب ((السنن)) نماذج من نقده العميق، ولكنني هنا أود أن أشير إلى مجال سبق إليه أبو داود ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأنّ الأقدمين لم يعرفوه، وذلك هو نقد الكتابة وتقدير عمرها بالنسبة إلى الحبر القديم والحديث، يدل على ذلك خبر جاء في كتاب ((الميزان)) للحافظ الذهبي وهو: (قال زكريا بن يحى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأيتنا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الاصول مغيرة بخط طري؛ كانت مراسيل فاسندها وزاد فيها) وتقدير العمر بالنسبة للحبر أمر يتصل بتقدير العمر بالنسبة إلى الورق ولا أستبعد أن تكون هناك حوادث من هذا القبيل في حياة صاحبنا العلمية، والله أعلم.

ومما يدل على مكانته العلمية ثناء العلماء عليه وسنذكر بعضه في الفقرة الآتية:

ثناء العلماء عليه

كان الثناء عليه من قبل المعاصرين له والذين جاؤوا من بعده مُنصباً على ناحيتين:

سعة علمه ودقة تحقيقه.

وكرم أخلاقه وتقواه.

فلقد كان – رحمه الله – مثلاً عالياً في صفتي المحدث القوي وهما العدالة والضبط.

وسنورد شذرات من أقوالهم.

1- قال أبو بكر الخلال :

"أبو داود سليمان الأشعث، الإمام المقدّم في زمانه رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدم" .

2- وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي :

"سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعمله وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث" .

3- وقال ابراهيم الحربي :

"ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي عليه السلام الحديد" .

4- وهذه الكلمة رويت أيضاً عن أبي بكر الصغاني .

5- وقال موسى بن هارون الحافظ :

"خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. ما رأيت أفضل منه" .

6- وقال علان بن عبدالصمد:

"كان من فرسان هذا الشأن" .

7- وقال أبو حاتم بن حبان :

"كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنف وذبّ عن السنن" .

8- وقال أبو عبدالله بن منده :

"الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي" .

9- وقال الحاكم :

"أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة" .

10- وقال محمد بن مخلد :

"كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ" .

11- وقال ابن ماكولا :

"هو إمام مشهور" .

12- 13- وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره بما لا يذكران أحداً في زمانه مثله .

14- وقال الذهبي :

"وبلغنا أنًّ أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك وكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبدالله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي r في هديه ودله" .

ولم يرض السبكي في ((طبقاته)) أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها، بل اختار الوقوف عند ابن مسعود .

ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضاً قوله في أبي داود:

"كان رأساً في الحديث، رأساً في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع حتى إنه كان يشبه بأحمد" .

15- وقال ابن الجوزي :

"كان عالماً حافظاً عارفاً بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل" .

وسيمر بنا عند الكلام على ((السنن)) مزيد من الثناء على أبي داود وشهادات أهل العلم بفضله.

أساتذته

إن الحديث عن أساتذته لا يتسع له صدر هذا المقال لأنَّ عددهم كبير، وقد ذكر ابن حجر أن شيوخه في ((السنن)) وغيرها من كتبه نحوٌ من 300 نفس .

وقد ألف العلماء في شيوخه المؤلفات، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن أساتذة أبي داود وسنورد أسماء بعضهم فيما يلي.

فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، واسحاق بن راهويه، وأبو عمرو الحوضي، ومسلم بن ابراهيم، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن اسماعيل المنقري التبوذكي، وعبدالله بن مسلمة القضبي، وهناد بن السري، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدّد بن مسرهد، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد ابن منصور، وحميد بن مسعدة، وحفص بن عمر وهو أبو عمر الضرير ، وتميم بن المنتصر، وحامد بن يحيى، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني.

ولن نستطيع أن نترجم لهؤلاء جميعاً وقد تعمدت أن أذكر المشهورين لتغني شهرتهم عن التعريف بهم.

وليس غريباً أن يكون عدد من أساتذته عمالقة علماء أفذاذاً لأن طبيعة العصر الذي كان فيه أبو داود تقتضي أن يكون هناك نماذج من هذا النوع، كما سبق أن أشرت إلى ذلك عند حديثي عن عصره. وكثرة الأساتذة أمر معروف معهود في تاريخنا الفكري .

وينبغي أن نخص واحداً من اساتذته بإشارة لابدَّ منها وهو الامام أحمد بن حنبل، فقط تكرر ذكره كثيراً في اخبار أبي داود، وقد اتصل به ورافقه، وعَرَض عليه ((سننه)) فاستجادها، وكان يسأله أبو داود كثيراً عن أمور الدين وشؤون الحديث، وقد بلغ من اهتمام أبي داود بأجوبة شيخه أحمد أنْ ألّف كتاباً جمع فيه الأسئلة التي ألقيت على الإمام أحمد وأجوبته عليها. وقد طبع هذا الكتاب بعنوان ((مسائل أحمد)).

وذكر العلماء في ترجمة أبي داود كثيراً من هذه الأسئلة التي كان أبو داود نفسه يتوجه بها إلى الإمام أحمد، أو الأسئلة التي كانت تطرح عليه بحضوره. فمن ذلك ما ذكره أبو يعلى أن أبا داود قال:

سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب: (مَلِك) أو (مالكِ)؟ يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: (مالك) أكثر ما جاء في الحديث فهذا سؤال سمعه فحفظه ورواه.

ونجده يصرح أحياناً بأنه هو الذي سأل الإمام أحمد كما في المثال الآتي:

قال أبو داود: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟

قال: لا، أو تُعلَمهُ أنَّ الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإن ترك كلامه فكلّمه، وإلاّ فألحقه به.

قال ابن مسعود: ((المرء بخدنه)) .

وكثيراً ما يذكر في كتابه ((السنن)) مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها الإمام أحمد .

وقد ينقل قوله دون أن يكون هذا القول جواباً لسؤال سائل كما ذكر أبو يعلى:

قال أبو داود: سمعت أبا عبدالله يقول: من قال إنّ الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر .

وهذا كثير الورود في ((السنن)) أيضاً.

ويظهر أن إعجابه البالغ بأحمد وحُبّه الكبير له كان يحمله على أن يتشبّه به حتى رأينا بعض العلماء يذكر تشبهه بأحمد، وهذا مشاهد عند الطلبة المعجبين بأستاذهم، فتراهم يقلدونه حتى في نبرات صوته وسلوكه ومظهره.

تلاميذه

روى عنه خلقٌ كثير من العلماء الأئمة؛ نذكر المشهورين منهم، من أمثال الامام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثاً واحداً كان أبو داود يعتزُّ بذلك جداً .

ومنهم الامام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والامام أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والامام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، ومنهم اسماعيل بن محمد الصفار، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبو عوانة الاسفراييني، وزكريا الساحبي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد يحيى الصولي.

ومن تلامذته رواة السنن عنه وعددهم تسعة ذكر الذهبي والسبكي سبعة منهم. وزاد ابن حجر راويين هما أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني، وأبو عيسى اسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاقه. أما الرواة السبعة الذين ذكرتهم معظم المصادر فهم:

– أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي.

– وأبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار.

– وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي.

– وأبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري.

– وأبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤامي.

– وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي.

– وأبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري.

وضعه الاجتماعي والمنزلي

كان الرجل يتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة، وقد اكتسب شهرة قليلة النظير، وشاع كتابه في حياته، وكان الطلبة يؤمّون منزله من كل مكان.

وكانت له مخالطة طيبة للعلماء في كل الأمصار، ويكفينا في الدلالة على ذلك ما ذكرناه في مبحث أساتذته، كما كانت له صلة قائمة على الاحترام مع الحكام، ويكفينا في الدلالة على ذلك أن يقوم رجل الدولة الأول الموفق بزيارته وأن يطلب منه ما يطلب لعمارة البصرة كما أشرنا. وكان الرجل متزوجاً وله أولاد من أشهرهم ابنه عبدالله.

ويبدو أنه كان حريصاً على أن يطلب أولاده العلم في وقت مبكر، ولذلك فقد كان يأخذهم معه ليحضروا مجالس العلم وليسمعوا.

نقل ياقوت عن ابن عساكر خبراً يرويه عن الحسن بن بندار قال: (كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم تعففاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه. وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابنٌ أمرد يحبُّ أن يسمع حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شدّ على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنه ملتحٍ، ثم احضره المجلس وأسمعه جزءاً.

فأخبر الشيخ بذلك، فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه هذا؟

فقال له: أيها الشيخ لا تنكر عليَّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذٍ من السماع عليك.

قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً. وحصل له ذلك الجزء الأول) .

وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له .

أخلاقه وصفاته

كان أبو داود رجلاً كبيراً ذا خلق كريم. كان صالحاً عابداً ورعاً، وكان ذكياً مجداً دؤوباً كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظاً شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبياً كريم النفس، وكان جريئاً في الحق أميناً على رسالة العلم قائماً بحق الدين. وسأورد فيما يلي أخباراً تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضاً في دراسة ((السنن)) أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال.

وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي اعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأنّ الناس يعانون الكثير من فقد هذا الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الويلات على الدين والعلم والحق.

والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في القاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديداً.

وكانت عاقبة ذلك دماراً للأمة ولكل معاني الخير فيها.

فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: ذكر أبو يعلى (أنّ محمد بن علي الآجري قال:

قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟

قال: عمروٌ أعلى عندنا. عليُّ بن الجعد وُسِمَ بميسم سوء قال: ((وما يسؤوني أن يعذب الله معاوية)) وقال: ((ابن عمر ذاك الصبي)) ) .

فأبو داود يعلن رأيه بصراحة، ويجرح علي بن الجعد ويذكر سبب الجرح وهو وقوعه في الصحابة، إذ أن كلمته في معاوية تدل على شيء من الكراهية لبعض الصحابة أو عدم اهتمام على أقل تقدير، وذلك عندما يقرر أنه لا يسؤوه أن يعذب الله معاوية رضي الله عنه، وكذلك فإنّ قوله عن ابن عمر إنه صبي فيه ما يدل على قلة احترام للصحابة وعلى التهوين من شأنهم.

ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر الذي قال:

كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحتُه فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن. فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فإذن له، فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال:

– ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟

– فقال: خلال ثلاث.

– فقال: وما هي؟

– قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج.

– فقال: هذه واحدة. هات الثانية.

– قال: وتروي لأولادي كتاب ((السنن))؟

– قال: نعم. هات الثالثة.

قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية، فإنَّ أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة.

فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.

قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة .

ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابن أبي بكر عبدالله صاحب التصانيف.

فقد قال عنه: ((ابني عبدالله كذَّابٌ)) .

طلابه

يبدو أنّ الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل الكتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن العلم أضحى عنده كل شيء؛ ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق، ولما سئل قال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه .

وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم يؤلف.

أقواله

كان الرجل حكيماً، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفاً، وصاحب حديث رسول الله r جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه.

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله:

الشهوة الخفية حب الرئاسة" .

وقوله:

"خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن" .

وقوله:

"من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ اراح جسده" .

وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة.

ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثاً عن كتابه السنن (جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله r: "الاعمال بالنيات".

وقوله r "من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

والثالث قوله r "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".

والرابع قوله r "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات" .

وفاته

توفى أبو داود رحمه الله يوم الجمعة 15 شوال من سنة 275هـ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدّم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الاسلامية.

كتبه:

1- المراسيل:

وقد طبع في القاهرة سنة 1310هـ.

ومخطوطاته موجودة في تركيا ومصر وغيرهما، وقد ذكرها سزكين في ((تاريخ التراث العربي)) .

2- مسائل الامام أحمد:

وهي مرتبة على أبواب الفقه، يذكر فيها أبو داود السؤال الموجّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الامام أحمد بن حنبل، وطبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخراً.

وقد ذكرته معظم الكتب التي ترجمت لأبي داود أو عنيت باحصاء تراثنا الاسلامي وذكر ابن حجر ان أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ هو راوي المسائل عنه .

3- الناسخ والمنسوخ:

ذكر ابن حجر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجار. ونقل السيوطي عن هذا الكتاب وذكره اسماعيل البغدادي بعنوان ((ناسخ القرآن ومنسوخه)) .

4- إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري:

قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه ((أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل)) كتاب مفيد وذكرها سزكين بعنوان: ((سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم)) وذكر أنها موجودة في كوبريلي وباريس . وذكر أن ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيراً في ((تهذيب التهذيب)) .

5- رسالته في وصف كتاب ((السنن)):

وحققتها ونشرتها في مجلة أضواء الشريعة في الرياض العدد الخامس سنه 1394هـ ثم نشرتها مفردة دار العربية في بيروت، وقد سبق أن نشرت في مصر سنة 1369هـ ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق .

6- كتاب الزهد:

وتوجد منه نسخة بالقرويين بفاس كما أشار إلى ذلك الأستاذ سزكين .

7- تسمية الاخوة الذين روي عنهم الحديث:

وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السّلفي، ومكتوبة بخط مغربي كما ذكر ذلك الأستاذ ناصر الدين الألباني وذكر الأستاذ أكرم العمري هذه الرسالة بعنوان ((تسمية الأخوة من أهل الأمصال)) وقال:

"وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالته ((تسمية الأخوة)) مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الاخوة الذين روي عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضاً" .

وذكر الاستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أن الرسالة تقع في 7 ورقات وأن الورقة 24 سطراً وأنها مكتوبة بخط ناعم، وذكر سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس الهجري .

8- أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء:

قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:

"رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة...، وينتهي بضعفاء المدينة" .

وهي نسخة ناقصة من أولها، وموجودة في الظاهرية .

9- كتاب القدر:

وذكر ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) باسم ((الردّ على أهل القدر)) وذكر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو عبدالله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري .

وقال سزكين: اقتبس منه ابن حجر في كتابه ((الاصابة)) .

10- كتاب البعث والنشور:

ذكره بروكلمان وذكر أنه موجود في دمشق .

11- المسائل التي حلف عليها الامام أحمد:

ذكره سزكين وقال: إنه موجود في دمشق .

12- دلائل النبوة:

ذكره إسماعيل البغدادي وابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) .

13- التفرد في السنن:

ذكره اسماعيل البغدادي .

14- فضائل الأنصار:

ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)) .

15- مسند مالك:

ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)) .

16- الدعاء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)) .

17- ابتداء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

18- أخبار الخوارج: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

الباب الثاني: سنن ابي داود.

هذا الكتاب من أهم كتب الإسلام كما أسلفنا، وهو أحد الكتب الستة التي تقبلتها الأمة بقبول حسن، وسنحاول في هذا الباب دراسته والتعرف لأهم خصائصه وشروحه ومختصراته، ومن ثم نتعرف إلى منزلته.

اسم الكتاب

الاسم المعروف به هو ((السنن)) ويبدو أنَّ المؤلف نفسه سمّاه بهذا الاسم، نستدلّ على ذلك من قوله في رسالته إلى أهل مكة.

(فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب ((السنن)) أهي أصح ما عرفت في الباب؟) .

وقوله في الرسالة المذكورة أيضاً: (وإن من الأحاديث في كتابي ((السنن)) ما ليس بمتصل، وهو مرسل...) .

وكذلك فإنّ العلماء على مرّ العصور كانوا يدعون كتابه بالسنن.

ومن المفيد أن نتعرف إلى مدلول كلمة ((السنن)):

السنن جمع سنة وهي لغة: الطريقة المسلوكة المتبعة. والسنة عند جمهور العلماء ترادف الحديث وهو قول النبي r وفعله وتقريره وصفته، وقد ذهب بعضهم إلى أن هناك فرقاً بين الكلمتين، وهو أن السنة هي الواقع العملي لمجتمع الاسلام في عهد الرسول r والصحابة، ويتضح هذا التفريق في مثل قول عبدالرحمن بن مهدي عندما سئل عن سفيان بن عيينة ومالك والأوزاعي.

فقال: الأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، وسفيان إمام في الحديث وليس بإمام في السنة ومالك إمام فيهما .

وقد فرق بعضهم بين الكلمتين تفريقاً قريباً من هذا فذهب إلى أن الحديث قول النبي وفعله وتقريره ووصفه.

أما السنة فهي التي تعني حكماً تشريعياً سواء روي فيه كلام أم لا.

وهناك استعمال خاص للسنن وهو أوثق صلة بموضوع بحثنا، وقد ذكره الكتّاني في كتابه القيم ((الرسالة المستطرفة)) فقال:

"وهي في اصطلاحهم الكتب المرتبة على الابواب الفقهية من الايمان والطهارة والصلاة والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف، لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة، ويسمى حديثاً" .

وهكذا فإن كتب السنن ينبغي أن تتوافر فيها الأمور الآتية:

1- أن تكتفي بذكر الأحاديث والا يذكر فيها شيء من الآثار.

2- أن تكون هذه الأحاديث متعلقة بالأحكام.

3- أن ترتب الأحاديث على أبواب الفقه .

ومن هنا يتضح لنا لماذا سمّى كتابه السنن، فذلك لأنه جمع أحاديثه من وجهة فقهية فلم يضمنه غير أحاديث الفقه والتشريع، مما ورد في الأخلاق والأخبار والزهد ونحو ذلك . قال في ((رسالته إلى أهل مكة)):

"وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها" .

ونقل بعضهم ممن لا علم لديهم ولا تحقيق عن القرطبي أنه سمّى كتاب أبي داود في تفسيره ((مصنف أبي داود)) وما أظنه إلا أنه يريد بذلك كتابه وليست تلك تسمية جديدة.

وقد يطلقون على كتاب أبي داود ونحوه لفظ الصحاح، قال حاجي خليفة ينقل عن ابن السبكي قوله في ((سنن أبي داود)):

"وهي من دواوين الإسلام، والفقهاء لا يتحاشون من اطلاق لفظ الصحاح عليها وعلى سنن الترمذي، ولا سيما سنن أبي داود" .

وقد جاء في كلام لأبي داود نقله محمد بن صالح الهاشمي ما قد يفيد أنه سمّاه ((المسند)) قال أبو داود:

"أقمتُ بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبتُ أربعة آلاف حديث" .

ولعله لا يريد بالمسند الاسم الخاص المصطلح عليه.

هل هو أول من صنف السنن

ذهب بعضهم إلى أنّ أبا داود هو أول من صنف في السنن قال الأستاذ الكتاني:

"وهو أول من صنف في السنن، وفيه نظر يتبيّن مما يأتي" .

ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن أبا داود كان من السابقين إلى التأليف في هذا المجال؛ ذلك لأن مجرد اختلاف العلماء في كونه أول من صنّف في السنن يدل بوضوح على سبقه في ذلك الصدد.

ومن الصعب دائماً الجزم بالأوليات، ويغلب على من يتشدد ويذهب مذهباً معيناً في الجزم يغلب عليه أنه يقع في الغلط.

ويذهب الخطابي إلى أن أبا داود لم يُسبَق إلى الإجادة في جمع السنن فقال:

"فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الاحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود" .

وقال الخطابي أيضاً:

"وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً ما، سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه" .

ثناء العلماء على السنن

لن أستطيع الحصر ولا الاستقصاء لو أردت أن أذكر كل ما قيل في الثناء على هذا الكتاب العظيم ولذلك فسأكتفي بإيراد بعض الكلمات لأشهر العلماء:

• قال أبو زكريا الساجي:

"كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب ((السنن)) لأبي داود عهد الاسلام" .

• وقال محمد بن مخلد:

"لما صنف أبو داود ((السنن)) وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقرّ له أهلُ زمانه بالحفظ فيه" .

• وقال ابن الأعرابي وأشار إلى النسخة وهي بين يديه:

"لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلى المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بته" .

وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال:

(وهذا – كمال قال – لا شكّ فيه، لأن الله تعالى أنزل كتابه تبياناً لكل شيء وقال: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئاً من أمر الدين لم يتضمن بيانَه الكتابُ، إلا أن البيان على ضربين:

بيان جلي تناوله الذكر نصاً، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً؛ فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولاً إلى النبي r وهو معنى قوله سبحانه "لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" من جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه) .

• وقال الخطابي أيضاً:

"كتاب السنن لأبي داود كتابٌ شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه وِرْدٌ ومنه شِرْبٌ، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً" .

وقال الخطابي أيضاً:

(اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم. فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نَقَلَتَه، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرُّها الموضوع ثم المقلوب – أعني ما قلب اسناده – ثم المجهول، وكتاب أبي داود خلّي منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته. وحكي لنا عن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه. وكان تصنيف علماء الحديث – قبل زمان أبي داود – الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآداباً، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحدٌ منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود، ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت فيه أكباد الابل ودامت إليه الرحل) .

• وقال أبو حامد الغزالي عن ((سنن أبي داود)):

"إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام" .

• وقال ابن القيم:

"لما كان كتاب ((السنن)) لأبي داود رحمه الله من الاسلام بالموضع الذي خصه الله به، بحيث صار حكماً بين أهل الإسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء" .

تاليفه

ألّف أبو داود كتابه ((السنن)) في وقت مبكر، وعني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة. هذا أمرٌ لا شك فيه.

أما كونه ألفه في وقت مبكر فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أنّ المؤلف روى كتابه ((السنن)) ببغداد ونقله عنه أهلها، ويقال: إنه صنفه قديماً وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه والإمام أحمد متوفى سنة 241هـ.

وقد يمكننا هذا النص أن نفهم أنه ألف الكتاب قبل أن يأتي بغداد، ولعلّه ألفه في طرسوس، لأنه جاء في أخباره أنه ألف المسند بطرسوس ومكث في ذلك مدة طويلة يبذل جهده في الاختيار والانتقاء والتبويب والترتيب. قال محمد بن صالح الهاشمي .

(قال أبو داود: أقمت بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله) ثم ذكر الأحاديث.

وواضح أنه يريد بالمسند كتابه ((السنن)) لأن قريباً من هذا النصّ نقله عنه ابن داسة مصرحاً فيه بذكر السنن ، وعدد أحاديث كتاب ((السنن)) قريب من هذا الرقم.

ومما يؤكد لنا أن تأليفه كان في وقت مبكر من حياته النظر في مجموع أخباره فهناك ما يدل على أن الرجل بذل به عناية فائقة وأنفق في ذلك مدة طويلة وأنه عرض هذا الكتاب بعد تمامه على الإمام أحمد المتوفى سنة 241هـ فإذا كان أبو داود قد ولد سنة 202هـ استغرق مدة عشرة سنوات في تأليفه وافترضنا أنه عرضه عليه قبل وفاته بخمس سنوات، فيكون عمر المؤلف عند ذلك بضعاً وعشرين سنة، أي في وقت النشاط والقدرة. وهذا وقت مبكر جداً.

وأما كونه عني به عناية بالغة فهذا أمر تدل عليه دلائل كثيرة كلها تقطع بأن المؤلف بذل مجهوداً كبيراً وأنه نظر فيه ونقحه وقرأه مرات وكان يزيد فيه وينقص.

من هذه الدلائل ما ذكره راوي هذا الكتاب الإمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي الذي قال بعد أن روى الحديث 911 ما يلي: (هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة) وقال صاحب ((عون المعبود)) في شرح ذلك: (أي لما حدّث وقرأ أبو داود هذا الكتاب في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث) .

ومن هذه الدلائل قول علي بن الحسن بن العبد: (سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وفي تتمة الخبر أنه قرأها في السنة التي مات فيها وهي سنة 275هـ.

أي أن المؤلف ظل يقرأ الكتاب ويذيعه في الناس مدة تقرب من أربعين سنة فلا عجب أن يكون واحد كعلي بن الحسن قد سمع منه هذا ست مرات.

ومن هذه الدلائل ما نقله أبو بكر بن داسة عن أبي داود حيث يقول:

(كتبت عن رسول الله r خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب – يعني كتاب السنن – جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:

أحدها: قوله r: "الأعمال بالنيات".

والثاني: قوله r: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

والثالث: قوله r: "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".

والرابع: قوله r: "الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات" .

ومما يدل على عنايته وإجادته لهذا الكتاب تعليق الذهبي على كلام أبي داود الذي نقله ابن داسة والمتضمن وعداً بتبين الضعيف الظاهر. قال الذهبي:

"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف والظاهر، وسكت عن التضعيف المحتمل" .

رواياته

نتوقع أن يكون هذا الكتاب قد روي من طرق كثيرة، غير أنَّ الرواة الذين ذكرهم العلماء تسعة وقد أوردنا أسماءهم في كلامنا على تلامذته.

والحق أنّ هؤلاء الرواة الذين عرفناهم – وغيرهم كثير ممن لم نقف على أسمائهم – قد أدوا خدمة جليلة لكتاب أبي داود، وللسنة بوجه عام، فجزاهم الله عن ذلك خير الجزاء.

وقد انتهيت من بحثي إلى أن كتاب ((السنن)) متواتر إلى صاحبه دون شك. وأن أولئك الدساسين الذين يريدون أن يشككوا المسلمين بكتب ثقافتهم الدينية وبالأصول الإسلامية قوم دفعهم إلى ذلك التعصب الأعمى والحقد الدفين.

ذكر العلماء أن الروايات عن أبي داود بكتابه ((السنن)) كثيرة جداً وهذا أمر طبيعي، لأن رجلاً ظلَّ يقرئ كتابه مدة تقرب من أربعين سنة لابد أن يكون عدد الذين رووه عنه كبيراً، لا سيما أن أبا داود – كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في ترجمة حياته – محدث مشهور يقصده الناس لعلمه وفضله حتى إن الدولة رأت في سكناه بالبصرة سبباً لإحياء المدينة الميتة وعمارة القرية الخربة. ومن عادة المؤلفين أنهم دائماً في تنقيح مستمر لكتبهم، يقدمون ويؤخرون ويزيدون وينقصون، وكلما نظروا في أثر من آثارهم رأوا أنّه بحاجة إلى تعديل.

ومن أجل ذلك كان كلام الحافظ ابن كثير عن روايات سنن أبي داود هو الكلام الطبيعي الذي جاء نتيجة لما ذكرنا. قال في ((مختصر علوم الحديث)):

"الروايات عند أبي داود بكتابه السنن كثيرة جداً، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الاخرى" .

ولذلك كان أبو داود يحذف بعض الأحاديث ويزيد بعضاً في محاولات تنقيح الكتاب وإحكام ترتيبه، وقد مر معنا كلام اللؤلؤي الذي يذكر فيه أنّ أبا داود في المرة الرابعة لم يقرأ حديثاً – ذكره – ويحسن بنا أن نتعرف إلى أصحاب هذه الروايات وهم:

1- أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي:

وهذه النسبة تتصل بالمهنة، فهي نسبة إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه وقد توفي سنة 333هـ.

وروايته من أصح الروايات لأنه من آخر ما أملى أبو داود فقد سمع السنن مرات عديدة كانت آخرهن في السنة التي توفي فيها أبو داود: سنة 275هـ.

وقد روى عن اللؤلؤي هذه السنن القاسم بن جعفر بن عبدالواحد الهاشمي أبو عمر، وهو ممن ترجم له الخطيب وذكر أنه من أهل البصرة وعدّد أساتذته فذكر منهم اللؤلؤي وعبدالفاخر بن سلامة الحمصي ومحمد بن أحمد الأثرم وعلي بن إسحاق المارديني ويزيد بن إسماعيل الخلال ومحمد بن الحسين الزعفراني الواسطي، وأثنى عليه الخطيب فقال: (كان ثقة أميناً، ولي القضاء بالبصرة، وسمعتُ منه بها ((سنن أبي داود)) ) وذكر أنه ولد سنة 322هـ وتوفي سنة 414هـ.

وقد روى عن القاسم الهاشمي هذه السنن الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ والخطيب البغدادي إمام ثقة ذائع الصيت .

ورواية الخطيب هي التي اعتمدت بالنسبة للشائع من نسخ أبي داود برواية اللؤلؤي.

ومن المفيد أن نذكر أن ابن عساكر المتوفى سنة 571هـ قد ألف كتاب ((الإشراف على معرفة الأطراف)) الذي جمع فيه أطراف ((سنن أبي داود)) معتمداً على رواية اللؤلؤي . أما المزي المتوفى سنة 742هـ فقد جمع في كتابه ((تحفة الاشراف بمعرفة الأطراف)) أطراف أحاديث ((سنن أبي داود)) من الروايات الأربعة وهي روايات: اللؤلؤي، وابن داسة، وابن العبد، وابن الأعرابي، بحيث يورد حديث السنن ثم يقول: أخرجه أبو داود في باب كذا، فإن كان ذلك الحديث موجوداً في رواية اللؤلؤي يسكت عنه ولا يقول: إن هذا الحديث من رواية اللؤلؤي سواء كان ذلك الحديث في باقي الروايات الثلاثة موجوداً أم لا. وإن لم يكن الحديث من رواية اللؤلؤي، بل من رواية الثلاثة الآخرين أو من رواية واحد منهم فيقول بعد إخراجه: حديث أبي داود في رواية ابن داسة مثلاً أو رواية ابن العبد مثلاً أو في رواية ابن الأعرابي مثلاً أو في رواية هؤلاء الثلاثة أو اثنين منهم .

2- أبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار:

المتوفى سنة 346هـ. وروايته مشهورة ولا سيما في بلاد المغرب وتقارب رواية اللؤلؤي. والاختلاف بينهما غالباً بالتقديم والتأخير .

وقد وصلت إلينا بعض المخطوطات برواية ابن داسة وقد اعتمد على واحدة منها صاحب عون المعبود ونقل عن السيوطي قوله فيها: وروايته أكمل الروايات وقال: إن كثيراً من الروايات موجودة في رواية ابن داسة وليس هو في رواية اللؤلؤي كما نبهت على ذلك في مواضعها من هذا الشرح كما سنشير إلى ذلك في موضعه إن شاء الله. وقد أتيح لي أن أقف على نسخة مصححة على مخطوطة أثبتت الفروق بين رواية ابن داسة واللؤلؤي.

3- أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري المعروف بابن الأعرابي :

صاحب التصانيف، الإمام الزاهد الحافظ شيخ الحرم. كان أبو داود أحد أساتذته وقد سمع منه ((السنن)).

ومن شيوخه أيضاً الحسن بن محمد الزعفراني ومحمد بن عبدالملك الدقيقي. وروى عنه ابن المقرئ وابن منده وأحمد بن محمد بن مفرج القرطبي.

ولد ابن الأعرابي سنة 246هـ وتوفي 340هـ.

وقد سقط من نسخته كتاب الفتن والملاحم والحروف والقراءات والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس، وفاته أيضاً من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة .

4- أبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري المتوفى سنة 328هـ:

ويعرف بأبي الحسن الوراق سمع أبا داود السجستاني وعثمان بن خرزاذ الأنطاكي، روى عنه الدارقطني .

وهذه الرواية فيها من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي .

وقد جاء في آخر مخطوطة الرسالة التي في وصف السنن نص ينقل عن هذا الراوي (علي بن الحسن بن العبد) وهو قوله:

(سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وقد سبق أن أوردت هذا الكلام .

5- أبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤاسي .

6- أبو سالم محمد بن سعيد الجلودي .

7- أبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري .

8- أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني .

9- أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي الوراق المتوفى سنة 320هـ وقالوا: إنه وراق أبي داود .

تجزئة الكتاب

ذكر أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) أن عدد كتب هذه السنن 18 جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل. ويبدو أنّ النساخ والرواة جزؤوا الكتاب إلى أجزاء، ومن أجل ذلك فهذه التجزئة من إنسان لآخر.

أما تجزئة الخطيب البغدادي وهو الذي روى سنن أبي داود برواية اللؤلؤي فتبلغ تقديراً حوالي 30 جزءاً لأنه يفهم من تعليقات المحقق الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد أن عدد أجزاء المقدار المطبوع في الجزأين الأولين بلغ 14 جزءاً من تجزئة الخطيب البغدادي .

وقد استعرضت الجزأين الثالث والرابع فلم أجد المحقق ذكر شيئاً عن هذه التجزئة.

وفي عصر الطباعة رأينا كتاب أبي داود مطبوعاً في جزء مرة، ورأيناه مرة أخرى مطبوعاً في جزأين، ورأيناه مطبوعاً مرة ثالثة بأربعة أجزاء.

أقسام الكتاب وتبويبه

خلا الكتاب من المقدمة، وهذا موضع تعجب، ذلك لأنّ مؤلفه كتب رسالة في وصف سننه وهي أحسن ما تكون توضيحاً لعمله وعرضاً لخطته ووضعاً للأمور في نصابها، ولو أن قائلاً ذهب إلى أنها تصلح أن تسدّ مسدّ المقدمة لما كان مخطئاً.

وليس أبو داود وحده الذي خلا كتابه من المقدمة، بل شاركه في ذلك غيره، فالبخاري أيضاً لم يكتب لجامعه الصحيح مقدمة، لكنَّ الفرق بينهما أن البخاري رحمه الله لم يتح له النظر في كتابه بعد تأليفه ، أما أبو داود فقد بقي يقرأ ((السنن)) ويذيعها بين الناس أربعين سنة كما أسلفنا.

ولعلّ الأمر يتعلق بأطوار التأليف، إذ ليس البخاري وأبو داود وحدهما لم يكتبا مقدمات لكتبهما، بل نجد كذلك الامام أحمد لم يكتب مقدمة لمسنده وابن المبارك لم يكتب مقدمة لكاتبيه: الزهد، والجهاد.

2 – ينقسم كتاب ((السنن)) إلى كتب كبيرة بلغت 36 كتاباً هي:

1)الطهارة، 2)الصلاة، 3)الزكاة، 4)اللقطة، 5)المناسك، 6)النكاح، 7)الطلاق، 8)الصوم، 9)الجهاد، 10)الضحايا، 11)الصيد، 12)الوصايا، 13)الفرائض، 14)الخراج والإمارة والفيء، 15)الجنائز، 16)الأيمان والنذور، 17)البيوع، 18)الإجارة، 19)الأقضية، 20)العلم، 21)الأشربة، 22)الأطعمة، 23)الطب، 24)العتق، 25)الحروف والقراءات، 26)الحمام، 27)اللباس، 28)الترجل، 29)الخاتم، 30)الفتن، 31)المهدي، 32)الملاحم، 33)الحدود، 34)الديات، 34)السنة، 36)الأدب.

3 – وكل كتاب من هذه الكتب ينقسم إلى أبواب، باستثناء ثلاثة كتب لم نجد فيها أبواباً هي:

كتاب اللقطة – وكتاب الحروف والقراءات – وكتاب المهدي. ولا يستوي عدد أبواب الكتب، فبينما نجد كتاباً يشتمل على أكثر من مائة باب ككتاب الصلاة – الذي يشتمل على ثلاثمائة باب وسبعة وستين باباً – نجد كتاباً لا تتجاوز أبوابه الثلاثة ككتاب الحمام الذي اشتمل على ثلاثة أبواب فقط.

4 – وقد نجد باباً كبيراً تحته أبواب كثيرة، وذلك كالباب الذي جاء بعنوان ((باب تفريع أبواب الجمعة)) وقد جاء تحت 38 باباً.

وكالباب الذي جاء بعنوان ((جماع أبواب الاستسقاء وتفريعها)) وقد جاء تحته ثلاثة أبواب.

5 – هذا وليست الأبواب متساوية في حجمها وإن كان يغلب على معظمها القصر، فقلما نجد باباً يجاوز الصفحة. بل أكثر الأبواب قصيرة قصراً واضحاً، وربما لا يكون في الباب إلا أثر، كما في الباب الآتي: (باب إخفاء التشهد

حدثنا عبدالله بن سعيد الكندي، ثنا يونس – يعني ابن بكير – عن محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله قال: من السنة أن يخفى التشهد) .

وقد صرح أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه يعتمد قلة الأحاديث في الباب فقال:

"ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح؛ لأنه يكبر، وإنما أردت قرب منفعته" .

وهذه الخاصة من أبرز خصائص السنن، وكأن أبا داود استخرج من الحديث أو الحديثين أبرز ما فيهما فجعله عنوان الباب، أو كانه أدخل تحت العنوان أبرز الأحاديث عليه، ولذا يستطيع المرء أن يعثر على الحديث المطلوب بسهولة؛ لأن الباب قليل الأحاديث، ومن هنا قربت منفعته على حدّ تعبير أبي داود.

وأكد أبو داود حرصه على قلة الأحاديث في الباب فقال في ((رسالته إلى أهل مكة)): (وأذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه) أي من أجل زيادة كلام فيه؛ على أننا قد نقف على بعض الأبواب الطويلة، وذلك كباب صفة حجة النبي r الذي استغرق سبع صفحات . ولعل السبب يعود إلى موضوع الباب نفسه.

6 – وأخيراً فإنّ مجموع عدد أبواب كتاب ((السنن)) حسب إحصاء الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد هو 1889 باباً.

درجات أحاديث الكتاب وأنواعها

يذكر العلماء كتاب ((السنن)) لأبي داود على أنّه من مظانّ الحديث الحسن .

قال ابن الصلاح:

"رُوِّينا عنه – أي عن أبي داود – أنه قال: ذكرتُ الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديدٌ، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعض" .

وعقب ابن الصلاح على ذلك بقوله:

"فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين ولا نصّ على صحته أحدٌ عرفنا أنه الحسن عند أبي داود" .

وسنرى بعد قليل أن هذا الرأي موضع نظر لدى المحققين. هذا وقد حلّل البقاعي في ((حاشية على الألفية)) كلام أبي داود المتقدم وانتهى إلى أن هناك – على قول أبي داود – ستة أنواع من الأحاديث في كتابه وهي:

1- الأول الصحيح: ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته.

2- الثاني شبهه: ويجوز أن يريد به الصحيح لغيره.

3- الثالث مقاربه: ويجوز أنه يريد به الحسن لذاته.

4- الرابع الذي فيه وهن شديد.

5- وقوله (وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح) يفهم منه الذي فيه وهن ليس بشديد فهو قسم خامس، فإن لم يعتضد كان قسماً صالحاً للاعتبار فقط.

6- وإن اعتضد صار حسناً لغيره، أي للهيئة المجموعة وصلح للاحتجاج وكان قسماً سادساً .

وكذلك فإن للذهبي ذكر في ((سير أعلام النبلاء)) أن الأحاديث في ((سنن أبي داود)) ستة أنواع فقال:

1- إنَّ أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب.

2- ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر.

3- ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيداً سالماً من علة شذوذ.

4- ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً.

5- ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالباً.

6- ثم يليه ما كان بيّن الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالباً، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته .

والحق أن أحاديث أبي داود متفاوتة المراتب ومثل هذا التصنيف يعطي فكرة مناسبة عن أحاديث الكتاب، هذا وقد شهد العلماء بأنّ أبا داود قد وفى بوعده بتبيين ما فيه وهن شديد.

نقل السبكي عن الذهبي قوله الآتي:

"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف الظاهر وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسناً عنده ولابدّ، بل قد يكون مما فيه ضعف" .

وبالغ الحافظ السَّلَفيُّ فَزَعم أنَّ ما في سنن أبي داود صحيح، فقد ذكر الكتب الخمسة وقال:

"اتفق على صحتها علماءُ المشرق والمغرب".

فردّ عليه ابن الصلاح وقال:

"وهذا تساهل، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفاً أو منكراً أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرّح أبو داود فيما قدمنا روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره" .

وكلام ابن الصلاح هذا صحيح، وإن كان المحققون من العلماء – كما رأيت – لا يوافقونه على رأيه الذي ورد آنفاً من أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة. ومن هؤلاء المحققين الذهبي والحافظ العراقي وغيرهما.

والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين أو لم ينصّ على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين.

قال الأستاذ أحمد شاكر:

"إنَّ ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعّفها في شيء من أقواله الأخرى كأجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في ((السنن)) وضعفه في موضع آخر من كلامه حسناً، بل يكون عنده ضعيفاً.

وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعاً لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين أو لم ينص أحدٌ من أئمة الحديث على صحته" .

وقال في موضع آخر:

"وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن اسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قولٌ باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل" .

الضعيف في سنن أبي داود

في كتاب ((السنن)) كما اتضح لنا أحاديث ضعيفة، صرّح أبو داود نفسه بضعف بعضها، ولم يصرح بتضعيف بعضها الآخر؛ إمّا لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، وإما لأنه صرح في غير ((السنن)) بضعفها كما ذكر ذلك الاستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل .

فالأحاديث التي صرّح بضعفها أمرها هيّن، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحاً وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفاً.

ومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن اسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرك أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: (ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه) .

وهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي (وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء) إذ قد أخرج عن أبي جناب الكلبي ومحمد بن عبدالرحمن البيلماني وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم.

وروي عن جابر الجعفي فقد أخرج له الحديث رقم 1036 ونصّه ((إذا قام الامام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس فإن استوى قائماً فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو)) ثم قال عقبه: (وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث) .

وقد ترجم الذهبي في ((الميزان)) لجابر هذا وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه فقال بعد أن أورد الحديث رقم 287: (ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل...) ثم قال: (قال أبو داود: وعمرو بن ثابت رافضي رجل سوء ولكنه كان صدوقاً في الحديث) .

وروى أيضاً عن الحارث الأعور الحديث رقم 908 وفي الحارث ما فيه .

لماذا أورد في كتابه الضعيف

أورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية:

1- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكاماً فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.

2- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف إن لم يكن شديد الضعف أقوى من رأي الرجال ومن القياس (حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوَرْدي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الاسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب عيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال) .

وحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه:

"إن أردت أن أقتصر على ما صحّ عندي لم أر من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه" .

3- أما إذا كان الحديث شديد الضعف فإنما يورده ليدل على عدم تبنيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلاً: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم 908 فقط وهو: (عن أبي اسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله r: "يا عليّ! لا تفتح على الامام في الصلاة" قال أبو داود: أبو اسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها) .

أي أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث نفسه متهم بالكذب عرفنا أن الحديث شديد الضعف.

موازنة بين سنن أبي داود والصحيحين

هذا الموضوع وحده يصلح أن يكون محل دراسة خاصة وعناية تامة ويمكن أن تؤلف فيه رسالة كبيرة، غير أني أرمي من وراء ذكرها هنا أن أشير فقط إلى أن كتاب السنن جليل الشأن عند كثير من العلماء المتقدمين فهو يأتي بعد الصحيحين مباشرة، بل إن الخطابي رحمه الله قدّم السنن عليهما كما مر معنا في مبحث (ثناء العلماء على السنن) ويحسن أن ورد قول الخطابي مرة أخرى؛ قال: (فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابَيْ محمد بن اسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد إلاّ كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً) .

وقد أقام عدد من العلماء موازنة بين سنن أبي داود وصحيح مسلم وذكروا أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف، ومنهم من رجّح عمل هذا، ومنهم من رجح عمل ذاك، والذي يهمني من هذه الموازنة أن طائفة من العلماء ترى أنّ ((سنن أبي داود)) في درجة تقارب درجة الصحيحين أو تفوقها.

زوائد أبي داود

يظهر أن زوائده عمّا في الكتاب الخمسة الأخرى قليلة فقد سبق أن أوردنا أن الذهبي ذكر أن ما في ((السنن)) مما يوافق ما أخرجه الشيخان يبلغ شطر الكتاب .

وإذا تتبعنا تعليقات الحافظ المنذري تبيّن أنّ زوائده عما في الكتب الخمسة قليلة جداً، فما أقل الأحاديث التي لا يذكر المنذري أنها وردت في بعض هذه الكتب.

وقد ألّف بعضهم في شيء من ذلك فجمع زوائد أبي داود على الصحيحين وشرحها ويحسن أن نشير هنا إلى أن كتاب أبي داود أجمع هذه الكتب، نعم ليست فيه زيادات كثيرة على ما في هذه الكتب بمجموعها غير أن فيه كثيراً مما ليس في واحد منها على انفراد، هذا وزوائده أحسن حالاً من زوائد غيره كابن ماجه مثلاً.

خصائصه

يحسن أن نورد بعض الخصائص المهمة التي نستطيع أن نلمسها في ((السنن)).

تعدد الطرق:

هناك أحاديث كثيرة في ((السنن)) مروية بطريقين أو أكثر، وهو يورد هذين الطريقين أو هذه الطرق في الاسناد قبل أن يأتي بمتن الحديث غالباً، وإذا أراد التحويل من طريق إلى آخر رمز إلى ذلك بالحرف (ح) على عادة المحدثين قال في ((رسالته)): (وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث) .

تكرار الحديث:

في الحديث الواحد من المعاني والأحكام الشيء الكثير، فلقد أوتي r جوامع الكلم . فإذا أورد المؤلف الحديث في باب من الأبواب من أجل معنى وارد فيه، اضطر إلى اعادته في باب آخر من أجل معنى آخر تضمنه الحديث، ومن هنا كان لا مفر من تكرار الحديث في الكتب المصنفة على الأبواب .

وهذا هو السبب الذي جعل أبا داود يكرر الحديث أحياناً. ولكنه لا يبلغ في تكراره مبلغ البخاري في صحيحه. ولا يقطِّعه تقطيعه.

الدقة في إيراد الروايات

الدقة ظاهرة واضحة تمام الوضوح في ((كتاب السنن)) ونضرب على ذلك بعض الأمثلة:

– فهو إذا روى الحديث عن طريق رجلين يثبت الرواية التي يرى أنها الصواب ثم يورد رواية الرجل الآخر كما فعل في الحديث رقم 20 الذي رواه عن زهير بن حرب وهنّاد بن السري وفيه: (أما هذا فكان لا يستنزه من البول) وبعد أن انتهى من رواية الحديث قال: (قال هناد: ((يستتر)) مكان ((يستنزه)) ).

ومما يدلنا على أن أبا داود يرى الصواب رواية زهير أن عنوان الباب الذي ورد هذا الحديث فيه هو باب الاستبراء من البول .

– وقد يقتصر على رواية أحدهما دون أن يشير إلى الرواية الأخرى، ولكنه ينبه على أنه إنما أورد رواية فلان كما في الحديث 938 قال: (حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ومحمود بن خالد قالا:..) وبعد نهاية الحديث قال: (وهذا لفظ محمود) .

– وقد يروي الحديث عن أربعة رجال ولا يثبت واحدة يرجحها ثم ينبه على الروايات الأخرى، وإنما يورد الروايات الأربع مرة واحدة مجموعة على وجه يدل على الدقة والاختصار كالحديث 992 في باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة قال:

– (حَدَّثَنَا أحمد بنُ حَنْبل، وأحْمدُ بنُ مُحمّد بن شَبُّويهْ وَمُحمّد بن رافع وَمُحَمّدُ بن عبدالملِكِ الغزَّال قالوا:

– حَدَّثَنَا عبدُالرزَّاقِ عَنْ مَعْمرٍ عَن إسْماعيلَ عن أبيه عَنْ نَافِع عنِ ابنِ عُمَر قال: نَهَى رسُولُ اللهِ r.

قالَ أحمدُ بنُ حَنْبَل: أنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ في الصَّلاةِ وهُو مَعْتمدٌ عَلى يدِهِ.

قال ابنُ شَبُّويْه: نَهى أنْ يَعْتمِدَ الرَّجُلُ على يَدِهِ في الصَّلاةِ.

وقالَ ابنُ رَافِع: نَهى أنْ يُصَلّي الرَّجُلُ وَهُوَ مُعْتمِدٌ على يَدِهِ وذَكَره في بابِ الرفع من السُّجُود.

وقال ابنُ عبدالملِكِ: نَهَى أنْ يَعْتَمدَ الرَّجُلُ عَلى يَديْهِ إذَا نَهَضَ في الصَّلاة) .

ولم يرجح المؤلف رواية على رواية.

وقد يأتي بالحديث عن طرق بينها فروق طفيفة لا تؤثر في المعنى، ومع ذلك فهو حريص على ذكر هذه الفروق، كما فعل في الحديث رقم 4 الذي رواه عَنْ مُسَدّدْ بن مُسَرْهدٍ عَن حَمّادِ بن زَيْدٍ وعبدالوارِث (عَنْ عَبْدِالعزيز بن صُهَيّبٍ عَنْ أنَس بنِ مالِك قالَ: كانَ رسُولُ اللهِ r إذا دَخَلَ الخلاء قَال:

عَن حمّادٍ – قالْ: "اللّهمَُّ إنِّي أعُوذُ بِكَ".

وَقَالَ – عن عبدِالوَارثِ قالَ – ((أعُوذُ باللهِ من الخُبثِ وَالْخَبَائِث)) ) .

– ومن الأمثلة على ذلك – وهي كثيرة جداً – حديث البول في المستحمّ رقم 27 الذي رواه من أحمد بن حنبل والحسن بن علي وهو:

"لاَ يَبُولنَّ أحَدُكُمْ في مُسْتَحمِّه ثُمَّ يَغْتَسِل فِيه – قال أحْمَدُ: ثُمَّ يََتَوضأ فيهِ فإنَّ عَامّةَ الوَسْواسِ مِنه" .

والمؤلف هنا بيّن الفرق بين الروايتين أثناء الحديث. وهذه الدقة دليلٌ على مدى الحرص في نقل حديث النبي بالتحري الخالص والأداء الأمين. وتلك خصيصة خص الله بها أمة محمد r، فوق مجرد نقل أخبار النبي r وأحاديثه..

الاختصار

وفي كتاب أبي داود الاختصار الموفّق لأننا نجده مقترناً بالدقة البالغة والوضوح البيّن، وهذه خاصة من أهمّ الخصائص التي يمتاز بها كتاب ((السنن)).

• ومن مظاهر الاختصار ما مرَّ بنا في تبويب الكتاب من قلة الأحاديث في الباب الواحد.

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه يعمد إلى الحديث الطويل فيختصره فلا يورد منه إلا موضع الفقه منه، وقد أشار أبو داود نفسه إلى هذه الخاصة فقال في رسالته:

(وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك) .

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه يأتي بحديث، ثم بعد ذلك يأتي بسند آخر ويقول: (بمعناه) كما في الحديث رقم 34 فهذه الكلمة أغنته عن إعادة الحديث، ولكي يكون كلامه دقيقاً قال: (بمعناه) منبهاً على أنّ هناك فرقاً لفظياً بين الروايتين لا يؤثر في المعنى.

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه إذا وجد روايتين في إحداهما زيادة جاء بالأولى، ثم أورد سند الثانية وجاء بالزيادة ولا يعيد ما سبق ذكره، وإنما يكتفي بقوله: (وذكر الحديث) ومثل هذا كثير الورود في كتابه، فمن ذلك الأحاديث 111 – 112 – 113 – 114...

ففي الأول منها يذكر أبو داود حديث عبد خير الذي يصف وضوء عليّ رضي الله عنه كما يلي:

(حَدَّثَنَا مُسَدَّد. حَدَّثنَا أبو عوانَة. عَن خَالِدِ بنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عبدِ خيرٍ قالَ: أتَانا عليٌ رضي اللهُ عَنْهُ وَقَدْ صَلّى فَدَعا بطَهُورٍ فَقُلْنَا: مَا يَصْنَعُ بالطّهورِ وَقَدْ صَلّى؟ مَا يُريدُ إلاَّ ليُعَلِّمنَا فَأتِيَ بإنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْت، فأفْرَغَ مِن الإنَاء عَلى يميْنِهِ فَغَسَل يَدَيْهِ ثَلاثاً ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثَاً فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ منَ الكفِّ الذِي يأخُذُ فيهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً ثمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليمْنى ثَلاثَاً وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمال ثَلاثاً، ثمَّ جَعَلَ يَدَهُ في الاناء فَمَسَحَ بِرأسِهِ مَرَّةً واحدَة ثمَّ غَسَلَ رِجْلهُ اليُمْنى ثَلاثاً وَرِجْلَهُ الشِّمَال ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَعْلَمَ وُضُوء رسولِ اللهِ فَهُوَ هَذَا) .

• وبعد ذلك أورد أبو داود رواية أخرى بسند آخر عن عبد خير هي: (صلّى عَليَّ رَضَي اللهُ عَنْهُ الغَداةَ ثمَّ دَخَلَ الرَّحْبَةَ فَدَعَا بماءٍ فأتاهُ الغُلامُ بإناءٍ فيهِ مَاءٌ وَطَسْت قَالَ: فَأخَذَ الانَاء بيدِهِ اليُمْنَى فأفْرَغَ عَلى يدِهِ اليُسْرى وَغَسَلَ كفّيْهِ ثَلاثاً ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنَى في الإناء فَمَضْمَضَ ثَلاثاً واسْتَنْشَقَ ثَلاثاً. ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة قَالَ ثمَّ مَسَحَ رَأسَهُ مُقَدّمَه وَمُؤخّرَه مَرَة ثم ساق الحديث نحوه) .

• ثم أورد الرواية الثالثة بسند ثالث عن عبد خير أيضاً وفيها زيادة: (رأيت علياً رضي الله عنه أتى بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يديه ثلاثاً ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد وذكر الحديث) .

ثم أورد الرواية الرابعة عن زر بن حبيش: أنّهُ سَمعَ علياً رضيَ اللهُ عَنْهُ وسُئل عَنْ وُضُوء رَسُولِ اللهِ r فذكر الحديث. وقالَ: مَسَحَ على رأسِهِ حَتّى لمّا يَقْطُر، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَاً ثمَّ قَالَ: هَكَذا كَانَ وضُوءُ رَسُولُ الله r) .

• وإذا روى حديثاً مختصراً نقل قول الراوي باختصاره، كما في الحديث 49 فقد قال بعد أن أورده: (قال أبو داود: قال مسدّد: فكان حديثاً طويلاً ولكني اختصرته) .

طريقته واستقصاؤه

كان أبو داود – كما أسلفنا – يريد جمع أحاديث الأحكام التي يحتج بها الفقهاء وكان ذلك همه الأول، وقد استطاع أن يبلغ أكثر ما يريد، وهذا واضح من استعراض كتابه وهذا ما قرره العلماء أيضاً.

قال الدهلوي في ((حجة الله البالغة)):

"كانت همة أبي داود جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم، وبَنى عليها الأحكام علماءُ الأمصار فصنّف ((سننه)) وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل" .

وقال الدهلوي أيضاً في صدد حديثه عن الترمذي وأنه جمع بين طريقة الشيخين اللذين بيّنا وطريقة أبي داود الذي جمع كل ما ذهب إليه عالم من العلماء فقال:

"كان استحسن طريقة الشيخين حيث بيّنا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين وزاد" .

ويدلك على ذلك أنه يعقد باباً في جواز الشي وكراهته، وهذا كثير جداً، مثل: (باب كراهة استقبال القبلة عن الحاجة) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) ومثل (باب الوضوء من مسّ الذكر) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) .

وفي جمعه لكل ما ذهب إليه العلماء فوائد منها:

– بيان أنّ بعض الأحاديث أقوى من بعض، لا سيما عندما يعلق على واحدٍ مضعفاً إياه ويسكت عن آخر.

– ومنها بيان أنّ الأمر جائز مع الكراهة وليس حراماً، أو هوَ رخصة.

– ومنها إتاحة الفرصة للانسان لكي يوازن بين أقوال العلماء ويرجح ما ينصره الدليل ويعضده.

• وقد ذكر هو في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه قصد جمع أكبر قدر ممكن من السنن التي عليها مدار الأحكام فقال:

"فإنْ ذكر لك عن النبي r سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واهٍ إلاّ أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لما أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري" .

• ومن حرصه على الاستقصاء في جمع الأحاديث المتصلة بالأحكام أنه قد يورد الحديث دون سند بعد أن يكون قد أورد حديثاً مسنداً، كما في الحديث 16 وهو:

(حدثنا عثمان وأبو بكر قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر: مَرَّ رَجُلٌ عَلى النَبيِّ r وَهوَ يَبُول، فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ أبُو دَاوُد: وَرُوي عن ابنِ عُمَر وَغَيْرِه أنَّ النبيَّ r تَيَمّمَ ثمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السّلام) .

فالزيادة التي في الرواية الثانية قد أوردها هنا دون سند وبصيغة التمريض رغبة منه في الاستقصاء مع الاختصار؛ وذلك لأنه أوردها في باب التيمم بالسند وذلك في الحديث رقم 330، ولكنه ذكر هناك ما يدل على ضعف هذا الحديث.

– ومن طريقته أنه كثيراً ما يروي الحديث عن أكثر من شيخ وتارة عن ثلاثة وتارة عن أربعة.

ففي الحديث 188 روى الحديث عن شيخين وكذا في 1365.

وفي الحديث 185 روى الحديث عن ثلاثة شيوخ.

وفي الحديث 992 روى الحديث عن أربعة شيوخ.

عناوينه

للعناوين قيمة كبرى في كتب الحديث، ففيها يتجلّى فقه المؤلف وعلمه واستنباطه الدقيق وفهمه، ذلك لأن جهده مقصور على تبويب هذه الأحاديث ووضع عنوان لكل طائفة منها والتعليق على بعضها، إذ كتابه في جمع الأحاديث وليس في شرحها.

وسنذكر بعض الملاحظات حول عناوين أبي داود كما انتهينا إليها بعد شيء من الدراسة والتأمل:

1- الناحية الفقهية بادية في عناوين أبي داود، وهذا أمر طبيعي، لأن الكتاب مؤلف على أساس فقهي واضح، وهذه العناوين رؤوس مسائل فقهية بحثها الفقهاء. قال الدهلوي في ((حجة الله البالغة)):

"وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليها ذاهب" .

وقد يجد الانسان في هذه العناوين من المسائل الفقهية ما لا يكاد يجده في مطولات كتب الفقه.

2- عناوينه يغلب عليها الايجاز، وتبدو هذه الخاصة واضحة إذا قارنّا عناوين ((السنن)) بعناوين صحيح البخاري.

3- عناوين ((السنن)) مصوغة صياغة تغري قارئها وسامعها بقراءة أحاديث الباب التي تندرج تحته، ولنضرب بعض الأمثلة للتوضيح، فعناوين الكتاب كلها تصلح للتمثيل. لنأخذ العنوان الآتي: (باب الرجل ينعس والامام يخطب) هذا العنوان لا يبيّن لنا مضمون الباب، ولابُدَّ للإنسان من قراءة ما جاء في هذا الباب حتى يعرف: ما بال هذا الرجل الذي ينعس أثناء خطبة الامام، والحديث برقم 1119 وهو: "إذا نعسَ أحَدُكُمْ وَهُوَ في المسْجِدِ فَلْيَتَحوَّلْ مِن مجْلِسِهِ ذَلِكَ إلى غَيْرِه" .

• ولنأخذ العنوان الآتي: (باب من أدرك من الجمعة ركعة) كذلك هذا العنوان لا ينبئ عن مضمونه، ولابُدَّ للراغب في المعرفة من قراءة الباب، والحديث برقم 1121 وهو: "مَنْ أدْرَكَ منَ الجُمْعَةِ رَكْعَة من الصَّلاةِ فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلاة" .

• وكذلك العنوان: (باب الرد على الامام) لا يدري قارئ العنوان: أيجوز الرد أم لا يجوز. حتى إذا قرأ ما جاء في الباب عرف، والحديث برقم 1001 وهو (عَن سُمرََةَ: أمَرَنَا النّبيُّ r أنْ نَرُدَّ عَلى الامامِ وأنْ نَتَحابَّ وَأنْ يُسلّمَ بَعْضُنَا عَلى بَعْض) .

4- وقد يأتي بعنوان كبير يسميه (جماع أبواب..) أو (باب تفريع أبواب..) وذلك كما في (باب تفريع أبواب الجمعة) وتحته 38 باباً، و(جماع أبواب صلاة الاستسقاء وفروعها) وتحته ثلاثة أبواب.

5- وقد يأتي الباب خالياً من العنوان، ويقتصر المؤلف فيه على ذكر (باب) كما في كتاب الصلاة .

6- وقد يأتي بالعنوان بصيغة الاثبات، والحديث يدل على النفي. كما في الحديث 616 فالعنوان: باب الامام يتطوع في مكانه. والحديث هو: (لا يُصَلِّ الإمامُ في الموضِعِ الّذي صَلى فيهِ حَتّى يَتحوَّل).

وربما كان ذلك على تقدير (حكم الامام...) وجرى على طريقته في إغراء قارئ العنوان بقراءة ما ورد في الباب، وربما كان ذلك عندما يكون الحديث ضعيفاً، فالحديث المثال ضعيف بسبب الانقطاع، بيّنه أبو داود بقوله: (عطاء الحرساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) .

7- قد يأتي بالعنوان بصيغة استفهام، من ذلك مثلاً قوله (باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟) وقوله (كيف التكشف عند الحاجة؟) وقوله (إذا خاف الجنب البرد أيتيممم؟) وتختلف دلالة هذا الاستفهام من عنوان إلى عنوان. فهو يدل أحياناً على عدم جزم المؤلف بالحكم، وأحياناً أخرى يدل على الكيفية. وهو كثير جداً .

8- وربما لا ينطبق العنوان على المضمون أو لا يدل على المقصود إلا بعد طول تأمل: فمن ذلك عنوان (من جهر بها) أي بالبسملة. ففي هذا الباب ثلاثة أحاديث: أولها في عدم وجود البسملة في سورة براءة وثانيها في أن النبي r قبض ولم يبين لنا أنها منها وثالثها في أن النبي r لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم .

وقال صحاب ((عون المعبود)):

"والاستدلال بهذا الحديث وكذا بكل حديث يدل على أن البسملة من القرآن على الجهر بها ليس بصحيح" .

وكأنه بذلك يقول: إن حجة القائلين بذلك واهية ولا دليل لهم؛ لأن هذه الأحاديث لا تدل على رأيهم.

9- وقد يجيء حديث لا يناسب عنوان الباب الذي هو فيه، بينما هو يناسب عنوان الباب الذي قبله. كما في الحديث (887) الوارد في باب مقدار الركوع والسجود ، وليس فيه ما يتصل بموضوع الباب بل هو في موضوع الدعاء في الصلاة لأن فيه "مَنْ قَرأ مِنْكُمْ (والتينِ والزَّيْتونِ) فانْتَهى إلى آخِرِها (أليْسَ اللهُ بأحْكمِ الحاكمينْ) فَلْيَقُل: بَلى وَأنَا على ذَلِك مِن الشّاهِدِين".

وهذا الموضوع يناسب موضوع الباب السابق وهو (باب الدعاء في الصلاة) .

وفي مثل هذه الحالة قد يكون هذا الترتيب المغلوط عائداً إلى أن النساخ نقلوا حديثاً أو عنواناً من موضع إلى موضع.

تعليقاته

سبق أن تحدثت عن تبويب الكتاب وعن عناوينه وعن المنهج الذي انتهجه أبو داود في اختياره وأود فيما يأتي أن أتحدث عن تعليقاته، وهذه الأمور – كما أسلفت – هي التي تمثل جهد المؤلف وعلمه. ويحسن أن أبادر إلى بيان أني لا أعني بالتعليقات هنا المصطلح الحديثي لها وإنما أريد بها ما يورد أبو داود من كلام له علاقة بالحديث.

مواضعها ومقدارها:

– أما مواضعها فهي إما أن تكون خلال إيراده الحديث، ومن ذلك الحديث رقم 980 فقد مرّ رجلٌ اشتهر أبوه بحادثة مهمة فعرّف بأبيه حرصاً على الفائدة: (حدثنا القعنبي عن مالك عن نعيم بن عبدالله المجمر أن محمد بن عبدالله بن زيد – وعبدالله بن زيد هو الذي أٌري النداء بالصلاة – أخبره عن أبي سعود...) فالتعليق هنا كان في جملة اعتراضية حرصاً على إفادة القارئ والسامع. وقد يعترض بجملة معترضة ليزيل الالتباس، كما لو جاء اسم أحد الرواة كنية فيذكر لنا اسم هذا الراوي كما في الحديث 32 ففيه: (حدثني أبو أيوب – يعني الافريقي – عن عاصم) .

– وإما أن تكون التعليقات بعد إيراده الحديث. وهذا الغالب عليها. ولا حاجة للتمثيل عليها لأنّ كل الأمثلة القادمة هي من هذا النوع.

– وأما مقدارها، فهو يتفاوت من حديث إلى آخر. فبينما يكون التعليق جملة مختصرة إذا بنا نراها تبلغ أحياناً ما يقرب من صفحة.

مضمونها:

يمكن أن تصنف هذه التعليقات حسب الموضوع الذي تدور حوله، وسنورد ما وفقنا عليه من دراستنا لكتاب ((السنن)):

1 – كلامه حول الرجال:

تعتبر هذه التعليقات من الملاحظات الحديثية بوجه عام، ومقدارها في ((السنن)) لا بأس به، ولو جمعت هذه الملاحظات في الرجال والمتون ونسقت لتكوّن منها بحث لطيف.

ونستطيع أن نصنف كلامه في الرجال في زمرتين:

الأولى:

كلامه في التعريف بهم وذكر أنسابهم والتحقيق في المختلف فيه منها وتبيان ما اعتراها من تصحيف وغلط.

والثانية:

كلامه في جرحهم وتعديلهم.

التعريف

من الأمثلة على التعريف بالرجال أنه أورد الحديث 1067 وهو عن الصحابي طارق بن شهاب فقال: (قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي r ولم يسمع منه شيئاً) .

ومن ذلك تعريفه قعنب أحد رواة الحديث 2496 فقد عرّفه تعريفاً مفصلاً فقال: (قال أبو داود: كان قعنب رجلاً صالحاً، وكان ابن أبي ليلى أراد قعنباً على القضاء فأبى عليه، وقال: أنا أريد الحاجة بدرهم فاستعين عليها برجل قال: وأينا لا يستعين في حاجته؟ قال: أخرجوني حتى أنظر، فأخرج، فتوارى. قال سفيان: بينما هو متوارٍ إذ وقع عليه البيت فمات) .

ومن ذلك تعريفه بأبي العباس أحد رواة الحديث 2529 وهو (مُحَمّد بنُ كثيرٍ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ – عَن حَبيبِ بن أبي ثَابِتْ عَن أبي العبّاسِ عَنْ عَبْدالله بن عمرْ وقَالَ: جَاء رَجُلٌ إلى النّبي r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أجَاهِدُ؟ قَالَ: ألَكَ أبوانِ؟ قَالَ: نَعمْ. قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".

قال أبو داود: أبو العباس هذا: الشاعر، اسمه السائب بن فروخ) .

ومن ذلك تعريفه سليمان أحد رواة الحديث 975 فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفيّ الأصل كان بدمشق) .

ومن ذلك تفسيره نسبة أبي مصبح المقرائي أحد رواة الحديث 938 فقد قال بعد أن أورد الحديث يفسر هذه النسبة: (قال أبو داود: المقراء قبيلٌ من حمير) .

ومن ذلك تعريفه بأبي زيد أحد رواة الحديث رقم 10 فقد رأى أن ذكر الكنية وحدها لا يكفي فقال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة) .

ومن ذلك تبيينه المراد من أبي شجرة أحد رواة الحديث رقم 666 فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: أبو شجرة كثير بن مرة) .

وقد يبين بالتعليق بلد الراوي كما فعل في جعفر بن يحيى بن ثوبان أحد رواة الحديث 672. فقد قال (قال أبو داود: جعفر بن يحيى من أهل مكة) .

وقد يكون حديثه عن الرجل في هذه التعليقات تصويباً لخطأ وتصحيف أو تحقيقاً لاسم اختلف فيه:

فمن ذلك تصويبه لاسم أحد رواة الحديث 2522 وهو رباح بن الوليد الذي ورد مقلوباً مغلوطاً كما يلي: (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا يحيى بن حسان، ثنا الوليد بن رباح الذماري حدثني عمي نمران ابن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء...) فقد قال مصوباً هذا الخطأ: (قال أبو داود: صوابه رباح بن الوليد) .

ومن ذلك اشارته إلى قول آخر في اسم الرجل الوارد في الحديث وقد يكون أحدهما تصحيفاً للآخر، كما في الحديث 1007 الذي جاء فيه: (صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رِمْثَه فقال: صليت هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي r..) قال أبو داود عقب الحديث:

(قال أبو داود: وقد قيل (أبو أمية) مكان (أبي رمثة) .

ومن ذلك تحقيقه اسم أحد الرواة الحديث 63 وهو محمد بن عباد بن جعفر فقد ورد في رواية مغلوطاً فذكر القولين ثم رجح الصواب. وهذا الحديث رواه عن ثلاثة شيوخ وهم محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي. وجاء اسم الراوي في سنده هكذا (محمد بن جعفر بن الزبير) ثم قال: (قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء. وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر. قال أبو داود: وهو الصواب) .

وقد يورد أقوالاً مختلفة في اسم راوٍ ولا يرجح. كما في الحديث 888 فقد جاء في سنده اسم أحد الرواة: وهب ابن فانوس. وبعد أن أورد الحديث قال: (قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: قلت له: مأنوس أو مأبوس. قال: أما عبدالرزاق فيقول: مأبوس، وأما حفظي فمأنوس) ولم يرجح.

الجرح والتعديل

إن تعليقات أبي داود التي تتناول الرجال جرحاً وتعديلاً كثيرة لن نستطيع استقصائها وسترد أمثلة كثيرة منها الفقرة الآتية التي نتحدث فيها عن كلامه في تضعيف الحديث، ومن أجل ذلك فسأورد بعض الأمثلة هنا اكتفاء بما سيمر بنا في تضعيفه الحديث.

وهو – في جرحه للرجال – إما أن يورد قوله فيهم فقط دون أن ينقل عن بعض العلماء وإما أن يكون الحكم عليهم منقولاً عن الأئمة الذين تقدموه.

فمن الأمثلة على جرحه الرجال قوله في (عبدالسلام بن حرب) أحد رواة الحديث رقم 14: (وهو ضعيف) .

ومن ذلك قوله في (أبان بن طارق) أحد رواة الحديث رقم 3741: (إنه مجهول) .

وقد يورد الحكم على الرجال منقولاً عن العلماء كما فعل في الحكم على (عبدالرحمن بن اسحاق) أحد رواة الحديث 758 فقد نقل عن الامام أحمد تضعيفه إياه قال: (قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يضعف عبدالرحمن بن اسحاق الكوفي) .

2 – كلامه في تضعيف الحديث

لو ذهبت أستقصي تعليقاته في تضعيف الحديث لخرجت عن حدود البحث التي رسمتها لكثرتها مع تنوعها، ولكنني أذكر ما يعطي الفكرة النيرة عن تعليقاته في هذا الموضوع.

فمن الأمثلة على تضعيفه للحديث وبيانه سبَب الضعف ما رواه عن شيخه محمد بن اسماعيل بن أبي سمينة البصري في الحديث رقم 704 وَنصُّه:

(عن ابن عباس – قال أحسبه – عن رسولِ الله r قال: "إذَا صَلّى أحَدُكُمْ إلى غَير سترةٍ فإنّهُ يَقْطٌَعُ صَلاتَهُ الكلبُ والحمارُ والخنزيرُ واليَهُوديُّ والمجُوسِيُّ والمرأة، ويُجزِئ عَنْهُ إذا مَرّوا بينَ يديهِ على قَذْفَةٍ بحجَرْ" .

ثم قال المؤلف معلقاً:

قال أبو دواد: في نفسي من هذا الحديث شيء، كنتُ أذاكر به إبراهيم وغيره، فلم أر أحداً جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحداً جاء به عن هشام. وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة يعني محمد بن اسماعيل البصري مولى بني هاشم. والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه: على قذفة بحجر، وذكر الخنزير. وفيه نكارة قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن اسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه) .

ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث 19 فقد بين درجته ثم ذكر سبب الضعف ونصه: (عن همام، عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان النبي r إذا دخل الخلاء وضع خاتمه). قال: (قال أبو داود: هذا حديث منكر) ثما قال ذاكراً سبب الضعف: (وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنّ النبي r اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه. والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام) .

ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث رقم 132 فقد نقل إنكار أحمد وابن عيينة للحديث؛ وفي سنده (عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده) (قال أبو داود: قال مسدّد: فحدثت به يحيى فأنكره، وقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره ويقول: إيش هذا: طلحة عن أبيه عن جده) .

ومن الأمثلة على ذلك تضعيفه للحديث ببيان انقطاعه أي أن أحد الرواة لم يدرك الآخر، وهذا ما يعبر عن علماء الحديث بالانقطاع كما في الحديث 616 الذي جاء في سنده: (..عبدالعزيز بن عبدالملك ثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة).

قال أبو داود في تعليقه عليه: (قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث 1978 وقد جاء في سنده أن الحجاج يروي عن الزهري فقال في نقده: (قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 165 وفي سنده (.. أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة..) فقال أبو داود يضعفه (وقال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثورٌ هذا الحديث من رجاء) .

ومن ذلك تضعيفه للحديث بنقل أقوال بعض العلماء في توهين الحديث كما في الحديث 1004 وهو: ((حذف السلام سنة)) فقد قال عقبه:

(قال عيسى: نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث. قال أبو داود: سمعتُ أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفرياني (وهو أحد رواة الحديث) من مكة ترك رفع هذا الحديث وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه) .

ومن تضعيفه للحديث نقلاً عن بعض العلماء تعليقه على الحديث رقم 202 فقد قال عقبه: (قال أبو داود: قوله: الوضوء على من نال مضطجعاً هو حديث منكر لم يروه إلاّ يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة) ثم قال: (قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؛ ولم يعبأ بالحديث) .

وقد يضعف الحديث بالحكم عليه بأنه وهم دون أن يذكر سبب حكمه كما في فعل في الحديث 944 "التّسْبيحُ لِلرِّجالِ والتّصْفِيقُ للنِسّاء، مَنْ أشار في صَلاتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدلَها". يعني الصلاة قال أبو داود: هذا الحديث رقم) .

وقد يضعف الحديث والحكم عليه بأنه ليس بالقوي، كما فعل في الحديث 158 فقد قال في عقبه: (قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي. ورواه ابن ابي مريم ويحيى بن اسحاق والسليمي عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده) .

وكما في الحديث رقم 159 فقد قال عقبه:

(قال أبو داود: وروي هذا أيضاً عن أبي موسى الأشعريب عَن النّبيِّ صَلى اللهُ عَليهِ أنّهُ مَسَحَ عَلى الْجَوْرَبَين وليس بالمتصل ولا بالقوي) .

3 – فوائد حديثية

في تعليقات أبي داود فوائد حديثية أخرى ليست مقصورة على مبحث التصحيح والتضعيف، وسنذكر بعضاً منها:

فمن هذه الفوائد تعليقه على بعض الأحاديث بأن ينبه بأن رواة هذا الحديث كلهم مثلاً من بلد معين، وهذه مزية خاصة للسند ويدعو بعضهم الحديث الذي يكون سنده كذلك بالحديث المسلسل فمن ذلك تعليقه على الحديث رقم 91 حيث قال:

(قال أبو داود: هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 155 حيث قال:

(قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل البصرة) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 870 حيث قال بعده:

(قال أبو داود: وهذه الزيادة تخاف ألاّ تكون محفوظة. قال أبو داود انفرد أهل مصر باسناد هذين الحديثين: حديث الربيع وحديث أحمد بن يونس) .

ومن هذه الفوائد الحديثية: إشارته إلى أنَّ هذا الحديث لم يسند إلا من هذا الطريق كما جاء في تعليقه على الحديث رقم 15 حيث قال: (قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار) .

ومن الفوائد الحديثية ما يجريه من الموازنة بين روايتين يوردهما.

فقد أورد الحديثين 1053 و 1054؛ أحدهما في أنّ كفارة من ترك الجمعة دينار، وهو عن همّام. وثانيهما في أن كفارة من ترك الجمعة درهم – وهو عن أبي العلاء أيوب. وقال بعد أن أوردهما:

(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن اختلاف هذا الحديث فقال: همّامٌ عندي أحفظ من أيوب يعني أبا العلاء) .

وكذلك فقد أورد الحديث 1024 وهو:

(حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بنُ العَلاء، ثنا أبو خالِدٍ، عَن ابنِ عَجْلانَ، عَنْ زَيْد بنِ اسْلَم، عَنْ عَطَاء بنِ يَسَارٍ، عَنْ أبي سَعيد الخُدريّ قالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ r: "إذاً شَكَ أحَدُكُمْ في صَلاتِهِ فَلْيُلْقِ الشَكَّ وليبن على اليقين، فإذَا اسْتَيْقَنَ التّمامَ سَجَدَ سَجْدَتَينِ فإن كانت صَلاتُهُ تَامّةً كانَتْ الركْعَةُ نافِلَة والسّجْدتَان. وإنْ كَانَتْ نَاقِصَة كَانت الركعةُ تماماً لِصلاتِهِ وكانَت السّجْدتَانِ مُرْغمتيْ الشّيْطَان".

قال أبو داود: رواه هشام بن سعد ومحمد بن مطرف عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي r، وحديث أبي خالد أشبع) .

واكتفى بهذه الموازنة ولم يورد حديث ابن سعد ولا ابن مطرف.

وقد يعبر عن تفضيله لاحدى الروايتين بأن حديث فلان أتم، كما صنع في الحديث رقم 45 حيث قال:

(قال أبو داود: وحديث الأسود بن عام أتم) وكما صنع في الحديث رقم 62 فقد رواه عن محمد بن يحيى عن عبدالله بن يزيد ثم أورد تحويلاً فقال: (ح وحدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس قالا: ثنا عبدالرحمن ابن زياد. قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أتقن) وبعد أن أورد الحديث قال:

(قال أبو داود: وهذا حديث مسدد وهو أتم) .

ومن الفوائد الحديثة التي نجدها في التعليقات ما يتصل بمفهوم المصطلحات كالمرسل، فإنّ المرسل عند جمهور العلماء هو الحديث الذي سقط منه الصحابي ومنهم من يعم فيطلق المرسل على كل حديث سقط منه راو، ويبدو أن أبا داود من هؤلاء؛ يدل على ذلك تعليقه على الحديث 886 وسنده: (حدثنا عبدالملك بن مروان الأهوازي، ثنا أبو عامر وأبو داود عن ابن أبي ذئب عن اسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبدالله عن عبدالله بن مسعود... الخ..).

قال أبو داود: (هذا مرسل: عونٌ لم يدرك عبدالله) .

ومن الفوائد الحديثية أنه يذكر أحياناً أنّ هذا الراوي لم يخرج له في كتابه إلا هذا الحديث كما صنع في الحديث 1036 فقد أخرجه عن جابر الجعفي وهو رافضي كذاب، فقال بعد أن أورده:

(قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر إلا هذا الحديث) .

وكأنه يعتذر بذلك لضعف جابر، وأظنُّ أن مثل هذا التعليق إنما كان من أبي داود في قراءاته المتأخرة للكتاب وليس من تأليفه الأول.

4 – التعريف بالأمكنة

ويشغل هذا المقصد حيزاً ليس بالقليل من التعليقات، ويبحث أبو داود في هذا الأمر بحثاً موضوعياً ميدانياً – على التعبير الشائع – فيقوم بنفسه بقياس الأمكنة المذكورة في الحديث ورؤيتها والبحث في التطورات التي حصلت عليها ويصفها كما رآها.

وهذا تفكير علمي صحيح وأسلوب من التحقيق اليقيني في مثل هذه الموضوعات، ومن الأمثلة على ذلك تحقيقه لموضع (بئر بُضاعة) وقياسها ووصفها؛ فهو بعد أن أورد الحديث المشهور عن هذه البئر التي سئل النبي r عن الوضوء فيها على الرغم مما يطرح فيها من الفضلات فقال r: "الماءُ طهورٌ لا ينجسه شيء". وبعد أن أورد المؤلف روايتين للحديث قال:

(قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعد قال: سألتُ قَيِّمَ بئر بضاعة عن عمقها. قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.

قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون) فهو أولا يروي ما سمعه عن قتيبة بن سعد ويقره عليه؛ لأنه بعد أن زار البئر لم يذكر لنا خلاف ما روى.

ثم يذكر أنه هو بنفسه قاسها فوجد عرضها ستة أذرع، ويحكي لنا الطريقة التي استخدمها في هذا القياس وهي مدّ ردائه ثم ذرعه، ويحكي لنا أنه خشي أن يكون بناؤها قد غير عما كان عليه زمن الرسول، فسأل المشرف عليها الذي فتح له باب البستان الذي يضمها. فتأكد من أنها على حالها ثم وصف الماء الذي فيها بأنه متغير اللون.

وهذا صنيع علمي دقيق محمود.

وكذلك فقد عرَّف المكان الوارد في الحديث 37 وهو حصن باب أليون فقال: (قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل) .

5 – ذكر مناسبة ورود الحديث

من التعليقات إيراده مناسبة الحديث وغالباً ما يفعل ذلك إذا كان فيه تعارض مع حديث آخر. مثال ذلك أنه أورد حديثاً يمنع الالتفات في الصلاة وهو برقم 909 ثم جاء بحديث آخر برقم 916 يرخص في ذلك، وفيه (فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يُصَلَّي وَهُوَ يَلتفِتُ إلى الشَّعبْ) .

قال أبو داود: (وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل) وقد أورد الحديث مفصلاً برقم 2501 وكأني به يريد أن يقول إن الأصل عدم الالتفات إلا أن يكون هناك داعٍ تحتمه المصلحة كما في هذا الحديث؛ إذ أن الرسول r أرسل فارساً إلى الشعب ليلاً يحرس، فلما وقف r لصلاة الصبح جعل يلتفت، لهذا الاعتبار.

ومن المفيد أن نشير إلى أن هناك كتباً ألفت في بيان مناسبات الحديث من أشهرها كتاب ((البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف)) للعلامة المحدث السيد إبراهيم بن محمد كمال الدين نقيب مصر ثم الشام الشهير بابن حمزة الحسيني المتوفى سنة 1120هـ.

6 – شرح الكلمات

من أكثر التعليقات وروداً شرحه الكلمات الواردة في الأحاديث وهو على أنواع: فمنها شرحه المفردة دون أن يذكر في الشرح أحداً من العلماء والشرح كما فعل في الحديث 132 حيث قال: (حَتّى بَلَغَ القَذَالَ وَهُو أوَّلُ القَفَا) وكذلك فعل في الحديث 142 قال: (فأتينَا بِقِنَاعٍ والقِنَاعُ الطّبَقُ فِيهِ تَمْر) ومن الملاحظ أنّ هذه الشروح وردت خلال النصّ، وأحياناً يكون الشرح عقبه، وهكذا فعل في الحديث 947 وهو: (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ r عَن الاخْتِصَار في الصَّلاة، قَالَ أبو داوُد يَعني يَضعُ يَدَهُ عَلى خَاصِرتِه) .

وكذلك فعل في الحديث 3715 وهو: (قَالَت سَوْدَة: بَل أكَلْتَ مَغَافِير. قَالَ: بل شَرِبْتُ عَسَلاً سَقَتْني حَفْصَةُ، فقُلْتُ: جَرَسْتُ نحُله العُرْفُطَ. (قال أبو داود: المغافير: مقلة، وهي صمغة. وجرست: رعت العرفط: نبت من نبت النحل) .

وقد ينقل هذا الشرح عن عالم من علماء غريب الحديث:

كما في الحديث 3685 وهو: نَهَى r عَنِ الحمْرِ والمَيْسِر والغُبَيراء وَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام". قال أبو داود: (قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء السكركة تعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة) .

وقد تكون الكلمة واضحة المعنى في ذاتها غير أن المراد منها يحتاج إلى إيضاح فيتولى شرح ذلك.

كما في الحديث 666 الذي ورد فيه قوله r: "وَلِينُواْ بأيْدي إخْوانِكُم" فقال في شرحها: (قال أبو داود: ومعنى ((وَلِينُواْ بأيْدي إخْوانِكُم)). إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف) .

وكما في حديث أنس برقم 413 الذي فيه (حتى إذا اصفرت الشمس) فقد أورد بعد ذلك شرحاً لهذه الجملة مسبوقاً بسند ينتهي إلى الأوزاعي صاحب الشرح فقال:

(حدثنا محمود بن خالد، ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو – يعني الأوزاعي –: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمي صفراء) .

وقد يكون شرحه للكلمة بياناً للحكم الفقهي. مثال ذلك شرحه لكلمة (عجماء) الواردة في الحديث 4593 من قوله r: "الْعَجْماءُ جرْحُها جُبَار". فقال:

(قال أبو داود: العجماء: المنفلتة التي لا يكون معها أحد وتكون بالنهار لا تكون بالليل) .

فهو في هذا الشرح إنما يبين المراد من كلمة العجماء في الحديث ممزوجاً بالحكم الفقهي ولا يشرح الكلمة من الناحية اللغوية، فبيّن أنّ جرحها جبار عندما تكون منفلتة ليس معها أحد، وهذا خاص بالنهار. أما في الليل فلابد من مسؤولية تترتب على صاحبها إن فرط .

7 – آراء فقهية

سبق أن رأينا أن آراء الرجل الفقهية نستطيع أن نجدها في عناوين الأبواب من كتابه ونود هنا أن نتحدث عن الآراء الفقهية الكثيرة التي نقف عليها خلال تعليقاته على الأحاديث في كتاب السنن. ويمكن أن تصنّف آراؤه أنواعاً عدة:

فمن هذه الآراء الفقهية آراء ينسبها لجماعة من الصحابة أو التابعين.

فهو يقول بعد الحديث 159:

(قال أبو داود: ومَسَح على الجوربين عليُّ بن أبي طالب وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك وأبو أمامة، وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس) وهو في هذا يؤيد القول بالمسح على الجوربين بنقله عن هؤلاء الصحابة الذين يرون هذا الرأي.

ويقول في باب سجود السهو تعليقاً على الحديث 1035 (قال أبو داود: وكذلك سجدهما ابن الزبير قام من ثنتين قبل التسليم، وهو قول الزهري) .

وفي باب الاحتباء والامام يخطب أورد حديثين:

أولهما: برقم 1110

عَن مُعَاذِ بنِ أنَس أنَّ رسولَ اللهِ r نَهى عنِ الحبْوَةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ والإمَامُ يَخْطُبْ، وفي سند هذا الحديث سهل بن معاذ وأبو مرحوم، وقد تكلم فيهما.

ثانيهما: برقم 111

عَن يَعْلى بن شَدَّاد قالَ: شَهدتُّ مَع مُعاوِيةَ بَيْتَ المقْدِسِ فَجَمّعَ بِنَا، فَنَظَرْتُ فَإذا جُلُّ مَنْ في المسْجِدِ أصحَابُ النَبيِّ r فَرَأيْتُهُمْ مُحْتَبينَ والإمامُ يخطُبُ قال أبو داود: كان ابن عمر يحتبي والامام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب وابراهيم النخعي، ومكحول، واسماعيل بن محمد بن سعد، ونعيم بن سلامة قال: لا بأس بها.

قال أبو داود: ولم يبلغني أنّ أحداً كرهها إلا عبادة بن نُسَيّ) .

وكأن إيراده ذلك عنهم بعد أن أورد حديثين متعارضين تأييد لأحدهما ورد للآخر، وقد رأينا أنّه ردّ حديث النهي عن الحبوة بأن في سنده رجلين تكلم فيهما.

وكذلك فعل بعد الحديث 152 قال:

(قال أبو داود: أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون من أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو) .

وقد يورد آراء بعض التابعين، والأمثلة كثيرة يطول ذكرها.

وقد ينقل آراء العلماء التي تتضمن آراء فقهية، فمن ذلك نقله أقوال العلماء في تحديد بعض المقادير.

كما فعل بعد أن أورد حديث اغتسال النبي r بالصاع ووضوئه بالمدّ رقم95 قال:

(قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب وهو صاع النبي r) .

ومن أمثلة نقله آراء العلماء الفقهية تعليقه على الحديث 884 قال:

(قال أبو داود: قال أحمد: يعجبني في الفريضة أن يدعو بما في القرآن) .

وقد وجدت أبا داود في نقله آراء العلماء الفقهية يغلب عليه الاختصار والايجاز، وقد وجدته مرة يطيل في نقل ذلك إطالة تلفت النظر، وذلك في باب (من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة) .

ومن هذه الآراء الفقهية آراء اجتهادية تثبت لنا مقدرته الفقهية ووزنه الراجح في ذلك هذا كثير ونكتفي بالاشارة إلى بعض الأمثلة.

علق على الحديث رقم 342 التعليق الآتي:

(قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل الجمعة وإن أجنب) .

وأورد حديثين في قراءة صلاة المغرب أحدهما يدل على الاطالة وهو برقم 812 والآخر يدل على التخفيف وهو برقم 813 ثم ذهب إلى أن حديث التخفيف في القراءة نسخ حديث الاطالة فقال: (قال أبو داود: هذا يدل على أن ذاك منسوخ وهذا أصح) .

وأورد عدداً من الأحاديث الصحيحة عن عثمان رضي الله عنه في مسح الرأس فقال:

(قال أبو داود: أحاديث عثمان رضي الله عنه الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا فيها: (ومسح رأسه) ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره) .

ففي هذا التعليق رأي أبي داود الفقهي في مسألة مسح الرأس في الوضوء وأنه مرة واحدة.

وفيه طريقة الاستنتاج وهي المقارنة بين المغسول والممسوح، فقد ذكروا العدد في غير المسح ولم يذكروه في المسح.

ومن هذه التعليقات تعليقات أصولية كما ترى في تعليقه على الحديث رقم 720 فقد أورد أبو داود أحاديث متعارضة في قطع الصلاة، وذكر عقب ذلك الخطة التي ينبغي أن تنتهجها إزاء ذلك فقال:

(قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن رسول الله r نظر إلى ما عمل به أصحابه بعده) وفي التعليقات روايات عن بعض التابعين يعلل فيها حكماً منقولاً عن النبي r.

فقد جاء بحديث عبدالله بن سرجس وهو برقم 29 أنَّ رَسُولَ اللهِ r نَهَى أن يُبالَ في الجُحْر. قال : قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟

قال: كان يقال: إنها مساكن الجن .

فنحن نرى أنّ أبا داود يورد كلام قتادة كتعليل للحكم، وقتادة يورده على صيغة لا تدل على الجزم: (كان يقال...).

8 – المصطلحات

في تعليقات أبي داود عدد من المصطلحات نذكر منها ما يلي:

(وذكر الحديث) (ساق قريباً من حديث فلان) (ساق الحديث نحوه) (باسناده ومعناه) (بمعناه).

وانظر الأحاديث 111 – 112 – 113 – 183 – 34 ويبدو أنّ مقتضى الاختصار مع الدقة والوضوح هو السبب في استعمال المؤلف لهذه المصطلحات، لأن هذه المصطلحات أنما يوردها أبو داود بعد أن يأتي بحديث ويريد أن يأتي بآخر.

ورأيته مرة استعمل كلمة (مقصور) بدل كلمة (موقوف) وكلمة (أسنده) بدل (رفعه).

وذلك في الحديث 1056 وهو: (حدثنا مُحَمْد بن يَحيى بن فارس، ثنا قَبِيصَه، ثنا سُفْيانُ، عن مُحَمّد بن سَعيد، عن أبي سَلمَة بن نبيه عن عَبدالله بن هارُون عن عَبدالله بن عَمْرو، عَنِ النَبيِّ r قَال: "الجُمعةُ على كُلِّ مَنْ سَمعَ النّداء". ثم قال: (قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على عبدالله بن عمرو. ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة) .

تعليقات غامضة

وهناك بعض التعليقات الغامضة التي لا تفهم إلا بعد طول نظر وتأمل، ومن ذلك التعليق الآتي مع سند الحديث رقم 975.

(حَدَّثَنَا مَحْمُود بنُ دَاود بن سُفْيَان، ثَنَا يحيى بن حَسّان ثَنَا سُليْمان بن موسى أبو داود، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سُلَيمانَ بنِ سَمُرة عَنْ أبيهِ سُليمَانَ بن سَمُرة. عَنْ سَمُرةَ بن جُنْدُبْ أمّا بَعْدُ أمَرنَا رسول اللهِ r إذا كانَ في وَسَطِ الصَّلاةِ أو حِين انقِضَائِها فابدؤوا قَبْل التّسْليمِ فقُولُوا: التّحِيّاتُ الطّيِّبَاتُ والصَّلَواتُ والمُلْكُ للهِ ثم سَلِّموا عَلى اليَمين ثمَّ سَلِّموا عَلى قَارِئِكُمْ وعَلى أنْفُسِكُمْ.

قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق.

قال أبو داود: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة) .

وغموض التعليق جاء من أنه لم يرد للحسن ولا للصحيفة ذكر.

وشرح هذا التعليق كما يأتي: قال في ((عون المعبود)):

(وفي سنن أبي داود في باب اتخاذ المساجد في الدور: عن سمرة بن جندب أنه كتب بنيه: (أما بعد فإن رسول الله r...) الحديث أنه كان عند أبناء سمرة صحيفة من سمرة، وأنهم جمعوا ما كتب إليهم سمرة فصارت هذه المكاتيب بمنزلة الصحيفة والكتاب.

وأما قول المؤلف: (دلت هذه الصحيفة...) فوجه دلالتها وتعلقها بالباب أن هذا اللفظ الذي رواه سليمان بن سمرة عن أبيه بقوله (أما بعد فإن رسول الله r..) من ألفاظ الصحيفة التي أملاها سمرة ورواها عنه ولده سليمان، فأراد أبو داود أن سليمان بن سمرة كما صح سماعه من أبيه بهذه الصحيفة وغيرها كذلك الحسن البصري صح سماعُه بهذه الصحيفة وغيرها من سمرة لأن كلاً منهما أي سليمان ابن سمرة وكذا الحسن بن يسار من الطبقة الثالثة، فدل ذلك أن الحسن سمع من سمرة كما أن سليمان بن سمرة سمع من أبيه سمرة لأنهما من الطبقة الثالثة فلما سمع سليمان من أبيه سمرة فلا مانع أن يكون الحسن سمع منه وأن أبا داود من القائلين بأن الحسن البصري ثبت سماعه من سمرة..) .

مخطوطات كتاب سنن أبي داود

ذكر بروكلمان وفؤاد سزكين مواضع وجود مخطوطات كاملة ومخطوطات ناقصة من هذا الكتاب، وقد كدت أنقل ذلك بأرقامه وعدد صفحات الموجود منه، ولكني لم أجد في ذلك كبير فائدة فرأيت أن أشير إلى أماكن وجودها، وبإمكان الراغب في الاطلاع عليها أن يرجع إلى هذين الكتابين:

برلين – ميونخ – باريس – بني جامع – أيا صوفيا – نور عثمانية – كوبريلي – مراد ملا – سليم آغا – شهيد علي – حكيم – الفاتم – جار الله – حسن حسني – الحميدية – خالد أفندي – مهرشاه – لاله لي – فيض الله رئيس الكتاب – مكتبة جامعة استامبول – عاطف – أنقرة صائب الرباط – تشستربيتي – منجانا – تيمور – طلعت – بلدية الاسكندرية – الأوقاف ببغداد – عليكرة – سبحان – بريل – بودليانا – الجزائر – دمشق – حلب – داماد زاده – سليمانية – يوسف آغا – تلممسان – مكتبة القرويين بفاس – مكتبة جامع الزيتونة – بنيكيبور – آصفية – رامبور – المتحف البريطاني.

وكنت أتمنى لو أنه كان بإمكاني أن أتعرف إلى كل من هذه المخطوطات وبأية رواية هي؟ وهناك مخطوطات أخرى في غير هذه الأمكنة ولكننا لم نقف عليها.

ولعلّ من أهمها تلك المخطوطة النفيسة التي وقف عليها الصديق العلامة الزميل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي وقد أخبرني أنها موجودة في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة، وقد ابتدأت بأحاديث من الباب الذي يسبق باب (من ترك القراءة في صلاته) وانتهت بباب (صوم الدهر تطوعاً). وهي برواية أبي بكر محمد بن بكر.. ابن داسة وعليها سماعات وقراءات، وعورضت النسخة بأصل الشيخ أبي الحسن ماسرجي رحمه الله وذكر الاختلاف بهامش النسخة.

ولعلّ من أهم هذه المخطوطات مخطوطة نفيسة لا أدري مكان وجودها على وجه اليقين وإن كنت أظن أنها موجود في مكة وقد وقفت على أمرها من نظري في نسخة سنن أبي داود المطبوعة التي كان يملكها الشيخ عبدالظاهر أبو السمح. إمام الحرم المكي رحمه الله، فقد قابل بعض طلبة العلم نسخة السنن المطبوعة بإشراف محمد محيي الدين عبدالحميد على هذه المخطوطة وقد نظرت فيها وافدت منها كثيراً.

طبعاته

طبع هذا الكتاب مرات عديدة، ولكنه لم يطبع حتى الآن طبعة محققة. ونورد فيما يأتي الطبعات التي ذكرها سركيس وبروكلمان وسزكين ونزيد عليها ما وقفنا عليه. وكنت أود أن أتكلم على كل طبعة بكلمة وصفية نقديه، غير أن ذلك لم يتيسر لي الآن لأنني لم أستطع رؤية جميع هذه الطبعات وقد تتهيأ لي فرصة في المستقبل لذلك:

1- طبع بجزأين في المطبعة الكاستيلية بمصر سنة 1280هـ بعناية الشيخ نصر الهوريني رحمه الله .

2- وذكر بركلمان أنه طبع سنة 1271 – 1272م في دهلي بالهند.

3- وطبع بجزأين مع شروح على الهامش في الهند بدهلي سنة 1283.

4- وطبع جزء واحد منه مع شروح على الهامش في دهلي سنة 1890م وعدد صفحاته 168.

5- وطبع بجزء واحد في لكناو سنة 1840م.

6- وطبع في لكناو سنة 1877 – 1888م.

7- وطبع في لكناو سنة 1305هـ.

8- وطبع بجزء واحد في حيدر آباد سنة 1321هـ وصفحاته 393.

9- وطبع بجزأين مع شرح لأبي الحسنات محمد الفنجاني وذلك في لكناو سنة 1318هـ.

10- وذكر بروكلمان أنه طبع أيضاً بهامش شرح الموطأ للزرقاني سنة 1310هـ – 1320هـ في القاهرة.

11- وطبع بأربعة أجزاء مع شرح واسع جيد وهو ((عون المعبود)) في الهند سنة 1323هـ، وسنتحدث عن هذا الشرح فيما بعد، والذي يهمنا هنا هو متن أبي داود، وأستطيع أن أقرر أن هذه الطبعة هي أصح ما رأيت من الطبعات وأفضلها وأكثرها تحقيقاً.

فقد ذكر الشارح الأستاذ العظيم الأبادي أنه ظفر بإحدى عشرة نسخة من سنن أبي داود وكلها من رواية اللؤلؤي إلا نسخة واحدة فهي من رواية ابن داسة.

فقابل هذه النسخ بعضها على بعض ورجع إلى عشرات الكتب الأمهات من كتب الأئمة المتقدمين، واستطاع أن يميز رواية اللؤلؤي وأن يورد كل الروايات التي وصلت إليه وقال:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي أيضاً لكنه قليل جداً" .

ويبدو أنه قد بذل غاية الجهد، ولولا أنّ هذه الطبعة حجرية على الطريقة التي لا يزال إخواننا الهنود يجرون عليها الطباعة وأنها خالية من الترقيم لكان ينبغي أن يعتمد عليها جل الاعتماد.

12- وطبع في مصر سنة 1371هـ – 1952م طبعة سقيمة تجارية في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وكتب على هذه الطبعة: (تعليقات لفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد سعد علي من علماء الأزهر الشريف) كذا كتب على الورقة الغلاف.

والجدير بالذكر أن التعليقات نادرة وهي قليلة القيمة العلمية، والأستاذ المذكور وقّع بلقب (رئيس التصحيح بمطبع مصطفى البابي الحلبي) وهذه الطبعة جمعت مساوئ عدة من رداءة الورق وسوء الحرف وازدحام الصفحات وخلوها من الترقيم والتنقيط وقد ظهرت في جزأين صفحات الأول 595 وصفحات الثاني 680.

13- طبعة محمد محيي الدين عبدالحميد:

طبع هذا الكتاب على ورق صقيل وبحرف جميل بتحقيق الاستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد رحمه الله.

وكانت طبعته الأولى سنة 1354هـ – 1935م. وذكر في المقدمة أنه رجع إلى مخطوطات ومطبوعات ولكنه لم يذكر بالتفصيل ماهي هذه المخطوطات التي رجع إليها وأين مكان وجودها، ويبدو أنّه بالغ في ذلك مبالغة ظاهرة، ويكاد يظن المرء أنّ الرجل لم يرجع إلا إلى مطبوعة اعتمدها وأدخل فيها شيئاً من التعديلات التي أخذها عن مطبوعة أخرى. لأن الجهد الذي يبذله الانسان لابُدَّ أن يظهر له أثر ولا سيما بالنسبة لمن عانى أمور التحقيق وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة أجزاء مرقمة الأحاديث واستعمل المحقق فيها علامات الترقيم.

ولكننا لا نجد في حواشيها إلا تعليقات يسيرة جداً وليس في هذه التعليقات تخريج للأحاديث النبوية لأنه فيما يبدو لم يكلف نفسه في الطبعة الأولى عناء الرجوع إلى كتاب المنذري الذي أتيح له فيما بعد أن ينقل منه ثم صدرت الطبعة الثانية سنة 1369هـ – 1950م.

وفي هذه الطبعة أضاف إلى متن الكتاب إضافات كان يضعها بين معقوفتين ولم يذكر عنها شيئاً في المقدمة كما أضاف إلى تعليقاته تخريجاً للأحاديث وهو مأخوذ بحذافيره من كتاب المنذري ولم يذكر عنه شيئاً في المقدمة، والحق أنني وقفت على كثير من سرقات الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد وادعائه كلام غيره لنفسه وظلم العلماء الأقدمين وكتبت ما واجهته من ذلك في دراسة كنتُ أعددتها لكتاب شرح قطر الندى لابن هشام من نحو عشرين سنة سقت الأدلة الكثيرة، وما كنت أحب أن أذكر ذلك بعد أن توفي إلى رحمة الله غفر الله لنا وله، ولكن الشيء الذي راعني هو أن ينقل تعليقات الحافظ المنذري بكاملها وبحروفها دون أن يشير إلى ذلك في المقدمة.

ولو أنه فعل ذلك لأعطى لهذه التخريجات من القوة والرجحان والتوثيق شيئاً كثيراً ذلك لأن المنذري حافظ عظيم ومن المشتغلين بالسنة فعندما يكون تخريج الحديث منسوباً إليه فإن ذلك ادعى لأن يقبله القارئ ويتبناه عن قناعة لا تتوافر إلا للقلة من العلماء المحققين أمثال المنذري رحمه الله.

ويفيد في هذا المجال أن نقرر أن المنذري رحمه الله ذكر في مقدمة ((مختصره)) نهجاً علمياً دقيقاً فقال:

"واذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه" .

ولم يذكر الأستاذ المحقق مثل ذلك، فأوهم بإغفاله ذلك أن الحديث مخرج عند من ذكرهم المنذري ونقلهم عنه المحقق مخرّج بلفظه وربما لا يكون كذلك أما الشروح التي ذكرها الأستاذ المحقق رحمه الله فعلى الرغم من أنها في غاية الانجاز فإنها كذلك مأخوذة غالباً من شرح الخطابي بالحرف الواحد ولم ينسبها إليه، فأوهم أنها من عنده.

أما تعليقاته بشأن الرجال فليس هناك نهج يحكمه، فبينما هو يذكر لك في بعض الحالات الرأي في بعض الرجال إذا هو يسكت في الغالب ولا يورد شيئاً، ويبدو أنه لم يكن يكلف نفسه عناء التنقيب في بطون الكتب، بل كان إذا صادفه شيء في أقرب شرح له ذكره.

ومن ملاحظاتنا أنه لم يلتزم نهجاً واضحاً في الترقيم.

فقد يعطي الخبر المنقول عن عالم من العلماء رقماً كما في الحديث 769 وقد نقل فيه رأياً لمالك وهو: (لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه وآخره في الفريضة وغيرها) والنهج السليم في نظري أن لا يعطي لآراء العلماء أرقاماً يدخلها في أرقام الأحاديث، وأن يقتصر في الترقيم على الأحاديث. وكذلك فإن ترقيم الأحاديث ينبغي أن يراعى فيه واحد من أمور ثلاثة: فإن أن يكون الترقيم تابعاً لمتن الحديث، وإما أن يكون تابعاً للصحابي الذي أخرجه وإما أن يكون تابعاً لشيخ المؤلف الذي تلقى عنه الحديث، والغالب أن المحقق استخدم الأخير ولكنه لم يلتزم ذلك بدقة.

ففي صفحة 60 أحاديث عدة عن عليّ رضي الله عنه أعطاها أرقاماً لاختلاف شيخ المؤلف ولكنه في صفحة 248 لم يعط رواية اختلف فيها والصحابي عن الرواية المتقدمة ولم يعط الثانية رقماً، ومهما يكن من أمر هذه الطبعة فقد أدت خدمة وسدّت ثغرة فجزى الله ناشرها ومحققها خيراً.

الكتاب التي ألفت حول السنن

وقفت على أسماء عدد كبير من الكتب التي ألفت حول السنن وقد اتيح لي أن أطلع على بعض ما وصل إلينا منها، أما الباقي فبين مخطوط ومفقود.

ونستطيع أن نصنف الكتب التي ألفت حول السنن في زمر ثلاث:

1- شروح.

2- مختصرات.

3- دراسات.

الشروح: شَرحَ السنن كثيرون نذكر أهمهم فيما يأتي:

1- شرح الخطابي: من أنفع الشروح وأقدمها وعنوانه (معالم السنن) لأبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة 388هـ وهو منسوب إلى زيد بن الخطاب.

وهو يشرح المفردات الغربية والكلمات التي تحتاج إلى شرح شرحاً لغوياً واسعاً يدل على معرفة متبحرة باللغة وقد يستشهد لشرحه بأبيات أو جمل مأثورة عن العرب. ويشرح المراد من الجملة، ثم يشرح الحديث ويوفق بينه وبين ما روي على وجه قد يُظنُّ أن فيه خلافاً.

ثم يتحدث عن فقه الحديث ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذه الآراء.

ثم يذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بعنوان الباب.

طبع هذا الكتاب في حلب بأربعة أجزاء بتحقيق العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله سنة 1920 – 1924، 1932 – 1950م.

كتب على الأجزاء الثلاثة الأولى أنّها بتحقيقهما. وأما الجزء الرابع فما بعده حتى الثامن فقد كتب عليها أنها بتحقيق محمد حامد الفقي فقط، وقد أثبت في الأعلى من هذه الطبعة تهذيب المنذري ثم تحته معالم السنن وفي الأسفل تهذيب ابن القيم.

وقد لخص المعالم الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن ابراهيم المقدسي المتوفى سنة 765هـ وسمّاه (عجالة العالم من كتاب المعالم) .

2- العدد المودود في حواشي سنن أبي داود للحافظ المنذري المتوفى سنة 656هـ وقد ذكر سزكين مكان وجود مخطوطته.

3- وشرح ((السنن)) أيضاً شهاب الدين أحمد بن حسين بن ارسلان الرملي المتوفى سنة 744هـ ومخطوطاته موجودة في تركيا.

4- وشرح ((السنن)) قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين اليمني الشافعي المتوفى 752هـ في أربع مجلدات كبار في آخر عمره ومات عنه وهو مسوّدة .

5- وشرح هذا الكتاب أيضاً مغلطاي بن فليج المتوفى سنة 762هـ ولم يكمله .

6- وشرح هذا الكتاب أيضاً شهاب الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن ابراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزي. المتوفى بالقدس سنة 765هـ ويبدو أنه هو الذي لخص المعالم المذكور آنفاً. وسمّى شرحه ((انتحاء السنن واقتفاء السنن)) ومخطوطته محفوظة في مكتبة لاله لي في أربعة مجلدات تحت رقم 498 – 501.

7- وشرحه أيضاً عمر بن رسلان بن نصر البلقيني المتوفى سنة 805.

8- وشرح السنن أيضاً أبو زرعة العراقي ولي الدين أحمد بن عبدالرحيم المتوفى سنة 826هـ وأطال في شرحه جداً .

9- وشرح قطعة منه محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة 855هـ.

10- وشرحه السيوطي المتوفى سنة 911هـ وسمّاه ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود)) وتوجد منه مخطوطات عدة ذكرها سزكين .

11- وشرحه أبو الحسن محمد بن عبدالهادي السندي المتوفى سنة 1138هـ بعنوان ((فتح الودود على سنن أبي داود.

12- ((عون المعبود شرح سنن أبي داود)).

تأليف العلامة الشيخ شمس الحق العظيم أبادي، ويقع في أربع مجلدات كبيرة وقد طبع في الهند في دهلي سنة 1322هـ وقد أثبت في أعلى الصفحات سنن أبي داود بعد أن بذل جهداً مشكوراً في تحقيقه؛ فقد استطاع أن يميز بين رواية اللؤلؤي وغيره من الروايات ورجع في هذه الطبعة إلى إحدى عشرة مخطوطة.

أما شرحه فهو من أفضل الشروح وأكثرها استيعاباً لما قاله العلماء من قبله.

وهو لا يترك في الحديث شيئاً من ترجمة الرجال أو شرح للمفردات أو ذكر لآراء العلماء في المسألة لا يدع من ذلك شيئاً.

وقال في التنبيه الأول: أكثرت النقل من كلام الحافظ المنذري حتى قلت تحت كل حديث: (قال المنذري كذا وكذا) لأن الامام المنذري قد اختصر كتاب ((السنن)) من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه ثم بين ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً ومعلولاً وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان، وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده، وإني نقلت سكوته أيضاً ملتزماً به، فقلت: والحديث سكت عنه المنذري، إلا في بعض المواضع في أول الكتاب، فقد فاتني هذا الأمر، ومع ذلك فإني نقلت قدراً كثيراً من كلام أئمة الحديث في تنقيد أحاديث الكتاب من الصحة والضعف وبيان عللها وجرح الرواة وعدالتهم ما يشفي الصدور وتلذ الأعين فصار هذا الشرح بحمد الله تعالى مع اختصاره وايجازه مغنياً عما سواه، فكل حديث الكتاب فرداً فرداً من أول (باب التخلي عند قضاء الحاجة) إلى آخر باب (الرجل يسب الدهر) بينت حاله من القوة والضعف إلا ما شاء الله تعالى في أحاديث يسيرة مع أنه ليس في سنن أبي داود حديث اجتمع الناس على تركه) .

ويقول في آخر التنبيه الخامس:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي ولكنه قليل" .

طبع هذا الشرح كما أشرنا في الهند في دهلي سنة 1322هـ طبعة حجرية منقحة وفي كل جزء تصحيحات للأغلاط المطبعية بحيث أضحت هذه الطبعة إن صححت من أجود الطبعات.

وأعيد تصوير هذا الكتاب بالأوفست في بيروت.

ثم نشره محمد عبدالرحمن السلفي صاحب المكتبة السلفية في المدينة المنورة وطبعه في مصر وذكر أنه ضبط وتحقيق عبدالرحمن محمد عثمان، ونشر في الأعلى ((سنن أبي داود)) ويليه شرح ((عون المعبود))، ثم نشر في هامش الصفحات تهذيب ابن القيم وصدر الكتاب في أربعة عشر جزءاً، بدأ بطباعته سنة 1388هـ 1968م وانتهى 1389هـ (1969)م في مطابع المجد بالقاهرة.

ويبدو أن هذه الطبعة المتأخرة لا تمتاز إلا بكونها على ورق أبيض وبحرف مألوف.

13- وكذلك فقد شرح كتاب ((سنن أبي داود)) عالم معاصر هو الشيخ محمود محمد خطاب السبكي وسمّى كتابه:

((المنهل العذب المورود شرح سنن الامام أبي داود)) وذكر في المقدمة أنه شرع في سنة 1343هـ بقراءة سنن أبي داود مع نفر من الطلبة، فكانت نسخ الكتاب نادرة وقد صعب على الطلبة اقتناؤها، فأراد طبعه ليسهل الحصول عليه وكتب عليه شرحاً، وذكر أنه عني ببيان تراجم رجال الحديث وشرح ألفاظه وبيان معناه وما يستفاد منه من الأحكام، وأنه بيّن أوجه الخلاف وأدلته وذكر من خرّج الحديث سواء كان من الأئمة الستة أم غيرهم وبيّن حال الحديث من صحة أو حسن أو غيرهما وأورد مقدمة تشتمل على نبذة من مصطلح الحديث وترجمة المؤلف كما أورد في المقدمة طرفاً من رسالته إلى أهل مكة.

أصدر الشيخ محمود هذا الكتاب في عشرة أجزاء كبيرة وطبعت في مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ وقد توفى سنة 1352هـ وكان وصل إلى باب الهدي من مناسك الحج. ولم يكمل الكتاب.

وقد قام مصطفى علي البيومي بوضع مفتاح لهذه الأجزاء العشرة واحتوى هذا المفتاح على الفهارس الآتية:

1- فهرس الكتب والأبواب.

2- فهرس أوائل الأحاديث القولية.

3- فهرس أوائل الأحاديث الفعلية.

4- فهرس الألفاظ.

5- فهرس الموضوعات والأعلام والأحكام المستنبطة من الأحاديث.

6- فهرس جوامع الأعداد.

طبع هذا المفتاح عام 1356هـ (1937م).

إذن فكتاب ((المنهل العذب المورود)) شرح لقطعة من السنن ولم يتح للمؤلف أن يكمله فقام ابنه الشيخ أمين محمود خطاب السبكي بمحاولة إكمال الكتاب، فأصدر منه أربعة أجزاء وسمّاه ((فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود)).

طبع الجزء الأول عام 1375هـ (1955م) في مطبعة الاعتصام بالخيمية.

وطبع الجزء الثاني عام 1375هـ (1956م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الثالث عام 1379هـ (1959م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الرابع عام 1383هـ (1963م) في مطبعة السعادة بمصر.

وانتهى بباب في تعظيم الزنا. أي ما يعادل قريباً من آخر الجزء الثاني (صفحة 394) من طبعة محيي الدين ورقم الحديث الأخير الذي شرحه في طبعة محيي الدين هو 2312.

14- وهناك شروح أخرى ذكرتها الكتب التي تعني باحصاء التراث، وأتوقع أن تكون هناك كتب أخرى لم نعرف من خبرها شيئاً.

المختصرات

1 – مختصر المنذري:

وهو أهم المختصرات التي اختصرت سنن أبي داود، والمنذري هو زكي الدين عبدالعظيم عبدالقوي المنذري المتوفى سنة 656هـ وعرف مختصره باسم ((مختصر سنن أبي داود)) للمنذري غير أن حاجي خليفة زَعَم أنّ المنذري قد سمّاه ((المجتبى)) وذهب إلى أن السيوطي ألف عليه كتاباً سمّاه ((زهر الربى على المجتبى)) وتابع حاجي خليفة في هذا الزعم الأستاذ الخولي في كتابه ((مفتاح السنة)) والأستاذ سزكين في ((تاريخ التراث)) وبروكلمان في ((تاريخ الأدب)) والذي أراه أنّ حاجي خليفة وهم في هذا الزعم ويؤيد هذا الاتجاه أن كتاب السيوطي ((زهر الربى)) هو كتاب ألفه على سنن النسائي وليس على مختصر المنذري.

وكذلك فإن مما يؤيد هذا الاتجاه أن المنذري لم يصرح بهذه التسمية في المقدمة ولا لوّح بها، وكذلك لم يشر ابن القيم إلى هذه التسمية مع العلك أنه صرح بأن كتابه مبني على كتاب المنذري الاستاذان أحمد شاكر وحامد الفقي إلى هذه التسمية.

ومن نظرنا في الكتاب نجد أنه اختصر كتاب السنن على ما رتبه مصنفه من الكتب والأبواب أي لم يرتب الأحاديث ترتيباً جديداً كما فعل في كتاب مختصر مسلم الذي قال في مقدمته (ورتبته ترتيباً يسرع بالطالب إلى وجود مطالبه في مظنته) .

وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه.

ويلاحظ أنه حذف الأسانيد وكثيراً من تعليقات أبي داود وقد يثبت بعضها كما فعل في تعليقه على بئر بضاعة .

والحق أن كتاب المنذري له وجهان وجه يلحقه بالمختصرات ووجه يلحقه بالشروح فهو مختصر وشرح بآن.

قال ابن القيم في وصفه:

"وكان الإمام العلامة الحافظ زكي الدين المنذري قد أحسن في اختصاره وتهذيبه وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه فأحسن حتى لم يكد يدع للاحسان موضعاً وسبق حتى جاء من خلفه له تبعاً" .

وقال صاحب ((عون المعبود)) :

"اختصر الامام المنذري كتاب السنن من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه على تخريجه. ثم بيّن ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً أو معلولاً، وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان. وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده".

وقد طبع هذا الكتاب – على ما يذكر بروكلمان في حيدر آباد عام 1342هـ وطبع في دهلي عام 1891م.

وطبع في القاهرة كما ذكرنا قبل في مطبعة أنصار السنة المحمدية منشوراً مع كتابي الخطابي وابن القيم وصدر في ثمانية أجزاء كتب على الثلاثة الأولى أنها بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي وكتب على الخمسة الباقية أنها بتحقيق حامد الفقي، وهي طبعة جيدة مشكولة مرقمة الأحاديث .

2 – مختصر محمد بن الحسن بن علي البلخي:

وقد اختصره أيضاً محمد بن الحسن بن علي البلخي من رجال القرن السابع .

3 – تهذيب ابن القيم:

وابن القيم هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي المتوفى سنة 751هـ.

وتهذيبه أشبه بالحاشية منه بالتهذيب، فهو قد سكت عن أحاديث عديدة.

ثم تراه يفصل القول في شرح حديث وبيان فقهه وقد يفصل تفصيلاً لا تراه في المطولات. وقد ذكر في مقدمته خطته فقال: (فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها والكلام على متون مشكلة لم يفتحُ مْغَلقَها وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها وبسطت الكلام على مواضع قليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه) وقد طبع في دهلي سنة 1891م، كما طبع في الطبعة التي أشرت إليها قبل قليل وهي طبعة أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي.

دراسات عنه :

لن أستطيع الاستقصاء في مجال الدراسات وسأقتصر على ذكر أسماء بعض هذه الدراسات:

1- جمع زكريا الساجي المتوفى سنة 307هـ للسنن ما يوافق معانيها من آيات القرآن الكريم .

2- ألف أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الجياني المتوفى سنة 498هـ كتاباً بعنوان ((تسمية شيوخ أبي داود)) .

3- وشرح سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة 804هـ زوائد السنن على الصحيحين وتقع في مجلدين .

خاتمة

وبعد فهذا جهدٌ متواضع بذلته في دراسة هذا الكتاب العظيم من كتب رسول الله r، فإن أحسنت فبفضل الله وتوفيقه وكرمه وإن أخطأت فهذا شأن البشر (رَبّنا لاَ تُؤَاخِذنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأنَا) وحسبي أنني كنت جاداً في هذه الدراسة التي كانت على زحمة المشاغل وضيق الوقت، ولو لم يكن فيها إلا أنها أطلعت القراء الكرام على صفحة مشرقة وضاءة من تاريخ رجل من رجالاتنا، وذكرتهم بقيمة كتاب ((السنن))، لو لم يكن فيها إلاّ هذا فقط لكان فيها خير إن شاء الله. جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه، ووفقنا للعمل بما نعلم، وأعاذنا من الفتن التي كقطع الليل المظلم تصدُّ الناس عن سبيل الله ولا سيما في زماننا هذا الذي تكالبت فيه قوى الشر والبغي على بلاد المسلمين وتداعت أمم الكفر إليهم تداعي الأكلة إلى قصعتها، وجعلنا ممّن يحيون على شريعة الاسلام ويموتون في سبيل الذود عنها لا تنحرف بهم السبل ولا تغويهم المخاوف ولا المطامع، وممّن يكونون واعين متيقظين لما يحاك للإسلام وأهله وبلاده من كيد ماكر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(رَبّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعدَ إذْ هَديتَنَا وَهَبْ لَنا من لّدُنْكَ رَحْمَةً إنّكَ أنْتَ الوهّاب)(ربّنَا آتِنَا من لدنْكَ رَحْمَةً وَهَيئ لَنَا منْ أمْرِنَا رَشَدَا).

وصلى الله علي سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.

محمد بن لطفي بن عبداللطيف بن ياسين الصباغ

مراجع البحث

1- الاصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن علي.. ابن حجر مطبعة مصطفى محمد بمصر سنة 1358هـ – 1939م.

2- الاعلام لخير الدين الزركلي مطبعة كوستا تسبو ماس بمصر سنة 1373هـ – 1378م.

3- أمراء البيان لمحمد كرد علي. مطابع دار الكتب بيروت ط3 سنة 1388هـ – 1969م.

4- ايضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون طبعة الأوفست طهران سنة 1387هـ.

5- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث مطبعة محمد علي صبيح بمصر ط3 سنة 1377هـ – 1958م.

6- الباعث على الخلاص من حوادث القصاص لعبدالرحيم العراقي تحقيق محمد الصباغ نشر في العدد الرابع من مجلة اضواء الشريعة بالرياض سنة 1393هـ.

7- بحوث في تاريخ السنة المشرفة لأكرم ضياء العمري مطبعة الارشاد ببغداد سنة 1392هـ – 1972م.

8- البداية والنهاية لاسماعيل بن عمر بن كثير مطبعة السعادة بمصر سنة 1351هـ – 1358م.

9- تاج العروس في شرح القاموس لمحمد مرتضى الزبيدي المطبعة الخيرية بمصر سنة 1306هـ.

10- تاريخ الادب العربي لبروكلمان ترجمة د. عبدالحليم نجار دار المعارف بمصر سنة 1959م.

11- تاريخ آداب اللغة لجرجي زيدان دار الهلال بمصر سنة 1957م.

12- تاريع بغداد لأحمد بن علي الخطيب البغدادي مطبعة السعادة بمصر سنة 1931م.

13- تاريخ الخلفاء لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي مطبعة الفجالة الجديدة سنة 1389هـ – 1969م.

14- تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ترجمة فهمي أبو الفضل المطبعة الثقافية بمصر سنة 1971م.

15- تاريخ الطبري لمحمد بن جرير تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم دار المعارف بمصر.

16- تحذير الخواص من أكاذيب القصاص لعبدالرحمن أبي بكر السيوطي تحقيق محمد الصباغ المكتب الاسلامي بدمشق سنة 1392هـ سنة 1972م.

17- تحفة الأحوذي لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري طبع الهند سنة 1343هـ.

18- تحفة الاشراف ليوسف بن عبدالرحمن المزي عبدالصمد شرف الدين طبع بمباي الهند سنة 1384هـ – 1965م.

19- تدريب الراوي لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي نشر المكتبة العلمية بالمدينة سنة 1379هـ – 1959م.

20- تذكرة الحفاظ لمحمد بن أحمد الذهبي طبع حيدر آباد الهند 1376هـ – 1959م.

21- ترتيب المدارك للقاضي عياض.

22- التقريب مطبوع أعلى تدريب الراوي نشر المكتبة العلمية بالمدينة سنة 1376هـ – 1959م.

23- التقييد والايضاح لما اطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح للحفاظ العراقي تحقيق راغب الطباخ المطبعة بحلب سنة 1350هـ – 1931م.

24- تهذيب ابن عساكر لعبدالقادر بدران طبع دمشق.

25- تهذيب الأسماء واللغات ليحي بن شرق النووي – المطبعة المنيرية بمصر.

26- تهذيب التهذيب لأحمد بن علي بن حجر طبع حيدر أباد الهند سنة 1325هـ.

27- توجيه لطذاهر بن صالح الجزائري طبع مصر وأعيد تصويره بالأوفست في بيروت.

28- جامع الأصول لمبارك بن محمد بن الأثير مطبعة السنة المحمدية في مصر سنة 1368هـ – 1949هـ.

29- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم طبع حيدر آباد الهند سنة 1371هـ.

حجة الله البالغة للدهلوي.

30- الحديث النبوي لمحمد بن لطفي الصباغ المكتب الاسلامي ببيروت سنة 1392هـ – 1972م.

31- الخلاصة لأحمد بن عبدالله الخزرجي المطبعة الخيرية بمصر سنة 1322هـ.

32- الدرر الكامنة لأحمد بن علي بن حجر مطبعة المدني بمصر سنة 1385هـ – 1966م.

33- رسالة أبي داود تحقيق محمد الصباغ طبع دار العربية ببيروت سنة 1394هـ – 1974م.

34- الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني دار الفكر بدمشق سنة 1383هـ.

35- سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي دار احياء الكتب العربية 1372هـ – 1952م.

36- سنن أبي داود لسليمان بن الأشعث تحقيق محيي الدين عبدالحميد مطبعة السعادة بمصر سنة 1369هـ – 1950م.

37- سنن الترمذي لمحمد بن عيسى الترمذي المطبوع في أعلى تحفة الاحوذي طبع الهند سنة 1343هـ.

38- سنن الدارمي لعبدالله بن عبدالرحمن تحقيق محمد أحمد دهمان مطبعة الاعتدال بدمشق سنة 1349هـ.

39- سنن النسائي لأحمد بن شعيب المطبعة المصرية بالازهر بمصر.

40- سير أعلام النبلاء.

41- شذرات الذهب لعبدالحي بن أحمد بن العماد مكتبة القدسي بمصر سنة 1350هـ.

42- شروط الأئمة الخمسة لمحمد بن موسى الحازمي مكتبة القدسي بمصر سنة 1357هـ.

43- شروط الأئمة الستة لمحمد بن طاهر المقدسي بمصر سنة 1357هـ.

44- صحيح ابن خزيمة لمحمد بن اسحاق تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي مطابع دار القلم سنة 1391هـ – 1971م.

45- صحيح البخاري لمحمد بن اسماعيل مطبعة الفجالة الجديدة سنة 1376هـ.

46- صحيح مسم لمسلم بن الحجاج طبعة محمد علي صبيح.

47- الضوء اللامع لمحمد بن عبدالرحمن السخاوي مطبعة القدسي مصر سنة 1352هـ.

48- طبقات الحنابلة لمحمد بن أبي يعلى محمد حامد الفقي مطبعة السنة المحمدية.

49- طبقات الشافعية للسبكي تحقيق الحلو والطنامي مطبعة عيسى البابي بمصر سنة 1383هـ.

50- علوم الحديث لعثمان بن عبدالرحمن بن الصلاح تحقيق العتر مطبعة الاصيل حلب سنة 1386هـ – 1966م.

51- عون المعبود للعظيم أبادي طبع دهلي في الهند سنة 1343هـ.

52- فتح المغيث لمحمد بن عبدالرحمن السخاوي مطبعة العاصمة بمصر سنة 1388هـ.

فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود لأمين محمود خطاب السبكي مطبعة الاعتصام بالقاهرة سنة 1375هـ – 1955م.

53- فهرست ابن خير لابي بكر محمد بن خير لمكتبات المثنى والخانجي والمكتب التجاري سنة 1963م.

فهرس مخطوطات الظاهرية لمحمد ناصر الدين الالباني طبع دمشق.

54- القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروز أبادي مطبعة دار المأمون بمصر سنة 1357هـ – 1938م.

55- قواعد التحديث لجمال الدين بن محمد القاسمي مطبعة ابن زيدون دمشق سنة 1353هـ – 1935م.

56- كشف الظنون لمصطفى بن عبدالله حاجي خليفة طهران سنة 1387هـ.

57- الكني والاسماء للدولابي طبع حيدر أباد سنة 1322هـ.

58- لسان الميزان لأحمد بن علي بن حجر طبع حيدر آباد الهندسة 1325هـ

59- مختصر سنن أبي داود لعبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1366هـ.

60- مختصر صحيح مسلم لعبدالعظيم بن عبدالقوي تحقيق الالباني طبع وزارة الأوقاف الكويتية.

61- المستدرك لمحمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري طبع حيدر آباد الهند سنة 1333هـ.

62- المسند لأحمد بن حنبل المطبعة الميمنية بمصر سنة 1313هـ.

63- معالم السنن للخطابي تحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1366هـ.

64- معجم الأدباء لياقوت الحموي مطبعة دار المأمون مصر.

65- معجم البلدان لياقوت الحموي دار صادر ودار بيروت سنة 1374هـ – 1955م.

66- معجم المطبوعات العربية والمصرية ليوسف البيان سركيس مطبعة سركيس سنة 1346هـ – 1928م.

67- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث لمجموعة من المستشرقين طبع مكتبة بريل في لبدن.

68- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لمحمد فؤاد عبدالباقي مطابع الشعب بمصر سنة 1378هـ.

69- مفتاح السنة لمحمد عبدالعزيز الخولي مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

مفتاح المنهل العذب المورود لمصطفى علي البيومي.

70- المنتظم لعبدالرحمن بن علي بن الجوزي مطبعة دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد سنة 1358هـ.

71- المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الامام أحمد لعبدالرحمن بن محمد العليمي تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد مطبعة الدني بالقاهرة سنة 1393هـ – 1963م.

72- المنهل العذب المورود. لمحمود خطاب السبكي مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ.

73- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان لعلي بن أبي بكر الهيثمي بتحقيق محمد عبدالرزاق حمزة المطبعة السلفية بمصر ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي تحقيق البجاوي دار احياء الكتب العربية بمصر.

74- ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي تحقيق البجاوي دار احياء الكتب العربية بمصر.

75- هدية العارفين لاسماعيل بن محمد البغدادي طهران سنة 1387هـ.




المصدر مجلة البحوث الإسلامية -العدد1
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 14-09-12, 02:33 AM
محمود البغدادي محمود البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-12
المشاركات: 144
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

أبو داوود حيَاته وسننه
محمَد لطفي الصَباغ

مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فإن الشريعة المطهرة على المصدرين الخالدين: كتاب الله وسنة رسوله وفيهما الهدى والفلاح. من تمسك بها لم يضل، ولا يدعهما إعراضاً عنهما إلا زائغ هالك.
وقد حفظهما الله عز وجل من عدوان المعتدين، وتحريف المغرضين، فتكفل الله سبحانه بحفظ الذكر الحكيم "إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون" وهيأ للسنة رجالاً يذبون عنها افتراء المفترين وينقونها عن الزيف والدخيل حتى استبان الصحيح من السقيم واتضحت معالم الطريق. ووصلت إلينا كتب السنة متواترة لأصحابها بعد أن استغرقوا وسعهم وبذلوا جهدهم ولم يدعوا وسيلة من وسائل التثبت والتيقن إلا سلكوها. فجزاهم الله خير الجزاء وأحسن مثوبتهم في دار كرامته.
وأن مما يحق لنا أن نفخر به أعظم الفخر تلك الانجازات العظيمة التي حققها أولئك العلماء في ميدان التحقيق والتنقيح حتى غدت قواعد المصطلح مثلا يحتذى.
ومن أهم كتب السنة الكتب الستة، وهي: الصحيحان وسنن النسائي وسنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه.
وقد أصبح لهذه الكتب من المنزلة الرفيعة ما جعل بعض العلماء يطلق عليها اسم الصحاح ولم يزاحم هذه الكتب إلا مسند أحمد وموطأ مالك وسنن الدارمي، ولكل منها مزية... ومهما يكن من أمر فقد غدت هذه الكتب التسعة من أشهر كتب السنة ومصادر لفهم الدين أصوله وفروعه ومن أجل ذلك فقد حظيت بعناية المسلمين على مر العصور دراسة وشرحاً واستنباطاً وتخريجاً واختصاراً وفهرسة.... وبحثي المتواضع هذا محاولة في دراسة ((سنن أبي داود) وبيان منزلة هذا الكتاب وذكر خصائصه والتعريف بمؤلفه.

ويقع في بابين:
الأول: في حياته.
الثاني: في سننه.
وأرجو أن يكون كلامي تذكير لأهل العلم بواجب خدمة هذه الكتب وحثاً لأولي الأهلية على القيام بهذا الواجب، ولعل من أهم مجالات الخدمة التي تتطلبها تخريج أحاديث هذه الكتب وتحقيق الحكم عليها.
وأنا أعرف أن ذلك مطلب ليس يسيراً ولا هيناً، ذلك لأن الحديث الواحد قد يكون مروياً بأسانيد متعددة، فإذا كان سنده في كتاب ضعيفاً فليس ببعيد أن يكون وارداً في كتاب آخر معتمداً بسند قوي.
من أجل ذلك ينبغي أن تقرر أن هذا الحديث بهذا السند يستحق هذا الحكم، والذي يخفف من الحرج أمران:
أولهما: عندما تحكم على حديث بأنه ضعيف بسبب ضعف سنده لا نكون قد أخطأنا.
هذا والمشكلة تكون كبيرة عندما تدخل في الدين ما ليس منه أن نحكم على حديث بالضعف بسبب ضعف سنده فهذا أمر طبيعي، ويبقى هذا الحكم سارياً حتى نقف على طريق آخر صحيح له. وإذا بذل جهده ومستطاعه كان مأجوراً ان شاء الله ولا يكلف الله نفساً إلى وسعها.
وثانيهما: أنه مما يخفف من الحرج والمشقة أننا إذا جرينا على هذا النهج في الكتب الأخرى نستطيع بوساطة الفهارس العديدة أن نتبين بسهولة بالغة ان كان هذا الحديث مثلاً مروياً في كتاب آخر بسند صحيح.
وأحسب أن العقل الالكتروني يساعد في هذا المجال إن استخدم مساعدة فعالة.
وأنا أسأل الله أن يشرفني بالانضواء تحت لواء الخادمين لسنة رسوله r المدافعين عنها بها إنه سبحانه خير مسؤول.
"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وآخر دعوانا أن الحمد لله ر ب العالمين.

الرياض في 20 صفر سنة 1394هـ
محمد بن لطفي بن عبداللطيف بن ياسين الصباغ
الباب الأول: أبو داود حياته.

عصره:
ولد أبو داود في مطلع القرن الثالث الهجري وتوفي في أواخره.

والقرن الثالث هو العصر العلمي الذهبي في تاريخنا كله، وقد أتيح للمؤلف رحمه الله أن يشهد نضج الحضارة الاسلامية في هذا القرن، كما أتيح له أن يعيش هذا العصر الذي ازدحم بالعبقريات والموهوبين الافذاذ في شتى شؤون الفكر.

ويكفينا للدلالة على ذلك أن نذكر من أعلام هذا القرن الأسماء الآتية:

ففي الحديث:
كان البخاري ومسلم ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي.

وفي الفقه:
كان الربيع والمزني صاحبا الشافعي وداود الظاهري وغيرهم.

وفي الشعر:
كان علي بن الجهم وابن الرومي والبحتري وابن المعتز.

وفي العلم بالأدب:
كان المبرد وابن قتيبة والجاحظ وثعلب والفراء، وغيرهم كثير. وهكذا.. ولا شك في أنَّ أبا داود كان واحداً من هؤلاء العمالقة الأفذاذ في هذا العصر.

وكانت الحضارة قد بدأت تؤتي ثمارها وتنضج نضجاً رائعاً ترك أطيب الأثر في حياة المسلمين والدنيا كلها.

وما نزال معجبين بهذه الحضارة التي أينعت ثمارها وامتدت ظلالها في هذا القرن فكان هذا التراث العظيم الذي ما زالت الأجيال وستبقى تعيش مفيدة من مائدته.

ولد أبو داود سنة 202هـ في ظل الخليفة العباسي العالم المأمون، وإن استعراض أسماء الخلفاء الذين جاؤا إلى سدة الخلافة خلال حياة أبي داود ليشعرنا بفخامة العصر الذي كان فيه.

فبعد المأمون (ت218هـ) جاء للخلافة المعتصم (ت227هـ) ثم الواثق (ت232هـ) ثم المتوكل (ت247هـ) ثم المنتصر (ت248هـ) ثم المستعين (ت252هـ) ثم المعتز (ت255هـ) ثم المهتدي (ت256هـ) ثم المعتمد على الله (ت 279هـ).

وهذا الأخير حَجَر عليه أخوه الموفق واستبدّ بالأمر دونه، ولم يصبح خليفة، وللموفق مع أبي داود أخبار سنذكر طرفاً منها فيما بعد.

ومن المعروف أن اضطراب شؤون الدولة العباسية قد بدأ بمقتل المتوكل سنة 247هـ، فلقد أراد أن يكفكف من غلواء العسكريين الاتراك الذين بدأ تسلطهم أيام المعتصم فلم يفلح.

وإن عصراً هذا وزنه لا نستطيع أن نلم بجميع الجوانب فيه بكلمة مستعجلة.

ويكفينا أن نذكر بشأنه الأمور المقررة الآتية:

1- التناحر بين أفراد الأسرة الحاكمة كان على أشده.

2- سيطرة العناصر الأعجمية عموماً والتركية خصوصاً كان أمراً واضحاً.

3- الثورات في أطراف الدولة الاسلامية.

4- الثورة في قلب الدولة وفي العراق بصورة خاصة.

5- الصراع النصراني – الاسلامي في الحدود الشمالية الغربية.

6- تسلط رجال الفرق الضالة على بعض الخلفاء وممارسة لون من الاستبداد الفكري ومقاومة العلماء وسجنهم.

7- قيام نزعات فكرية متعددة، وبعضها هدام خطير.

ولولا أن الحياة الاجتماعية كانت تسير بوجه عام على سنن الاسلام العظيم وأن الحياة الفكرية والعلمية كانت تقوم بمهمتها في الهداية والارشاد وإقامة الحجة على أحقية الاسلام، لكانت الحياة السياسية تلقي لوناً قاتماً بعض الشيء على هذا العصر الموار.

اسمه . نسبه . نسبته

هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني.

وعمران هذا ذكر ابن عساكر وابن حجر أنه قتل مع علي بن أبي طالب بصفين . وأبو داود عربي صميم من الأزد ، والأزد قبيلة معروفة في اليمن .

والسجستاني نسبة إلى بلد سجستان، وهي بكسر السين وفتحها، والكسر اشهر، والجيم مكسورة فيهما ولم يذكر ياقوت في ((معجم البلدان)) إلا كسر السين .

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنه بلد يتاخم أطراف مكران والسند، وقررت أنه ما وراء هراة وذكر ياقوت أنه ناحية كبيرة وولاية واسعة وأنها جنوبي هراة، ووصف حسن جوها وثمراتها وسكانها وعاداتهم وقد وهم من زعم أنّ سجستان قرية من قرى البصرة .

وذكر الأستاذ محبّ الدين الخطيب رحمه الله في مقدمته لكتاب ((موارد الظمآن)) أن سجستان هي بلاد الأفغان الآن وهي في الحقيقة القسم الجنوبي من بلاد الأفغان.

ويقال له السجستاني والسجزي وهي نسبة على غير القياس قال فيها المنذري: وهو من عجيب التغيير في النسب .

وقيل: السجزي إلى سجز وهي سجستان .

نشأته

ولد أبو داود سنة 202هـ كما ذكرنا وتلقى العلم على علماء بلده، ثم ارتحل وطوّف بالبلاد في طلب العلم وتحصيل الرواية، فزار العراق والجزيرة والشام ومصر وكتب عن علماء هذه البلاد جميعاً. قال الخطيب:

"وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين" .

وليس من شك في أنّ هذه الرحلات قد وسعت من افقه وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء العالم الإسلامي.

والبلاد التي سكنها كثيرة نذكر منها ما وصل إليه علمنا وهي:

سجستان التي كانت بلده والتي نسب إليها، وخراسان، والري ، وهراة ، والكوفة التي دخلها سنة 221هـ كما ذكر الخطيب ، وبغداد التي قدم إليها مرات، وآخر مرة زارها كانت سنة 271هـ، وطرسوس التي أقام بها عشرين سنة ، ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر ، ومصر أيضاً، والبصرة التي انتقل إليها بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطناً ليرحل إليها طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بسببه فإنه قد خربت وهُجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليها من فتنة الزنج .

وهذا الخبر يدل على أن شهرة أبي داود قد طبقت الآفاق، فالناس يعرفون له قدره وفضله وشهرته، وأحسّت الدولة بذلك فطلبت إليه أن يرحل إلى البصرة البلدة المنكوبة لتعود إليها الحياة ولتعمر من جديد. وفي هذا دلالة على طبيعة حضارتنا ومنزلة العلم والعلماء فيها، فإن سكنى مثل أبي داود فيها كان العلاج لردِّ العمران إلى بلد مخرّب مهجور. وهكذا فقد وفق الله أبا داود أن يكون شخصية علمية مرموقة في عصره كان لها أكبر الأثر على الناس في عصره والعصور التي تلت.

علمه

كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام، وكان من أوسع العلماء معرفة بحديث رسول الله r وفقهه وعلله ومتونه ورجاله.

ويبدو أن علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى ويقدرونه حق قدره؛ يدل على ذلك عدد من الأخبار:

منها ما ذكروا من أنّ أحمد بن حنبل روى عنه حديثاً، وكان أبو داود شديد الاعتزاز به.

ومنها ما ذكروا من أن سهل بن عبدالله التستري جاء إلى أبي داود.

فقيل: يا أبا داود هذا سهل جاءك زائراً، فرحّب به وأجلّه.

فقال له سهل: يا أبا داود لي إليك حاجة.

قال: وما هي؟

قال: حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان.

قال: قد قضيتها مع الإمكان.

قال: أخرج إلي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول الله r حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله .

وكان علمه متعدد الجوانب، فهو – مع تخصصه في الحديث – فقيه عظيم، وقد عدّه الشيخ أبو الحسن الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، وكذا أبو يعلى في ((طبقات الحنابلة)) والعليمي في ((المنهج الأحمد)) .

وأبو داود ناقد كبير، وليس هذا غريباً على إمام من أئمة الحديث، لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستوى راقياً من رهافة الحسّ ودقة النقد، وسنرى في دارستنا لكتاب ((السنن)) نماذج من نقده العميق، ولكنني هنا أود أن أشير إلى مجال سبق إليه أبو داود ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأنّ الأقدمين لم يعرفوه، وذلك هو نقد الكتابة وتقدير عمرها بالنسبة إلى الحبر القديم والحديث، يدل على ذلك خبر جاء في كتاب ((الميزان)) للحافظ الذهبي وهو: (قال زكريا بن يحى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأيتنا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الاصول مغيرة بخط طري؛ كانت مراسيل فاسندها وزاد فيها) وتقدير العمر بالنسبة للحبر أمر يتصل بتقدير العمر بالنسبة إلى الورق ولا أستبعد أن تكون هناك حوادث من هذا القبيل في حياة صاحبنا العلمية، والله أعلم.

ومما يدل على مكانته العلمية ثناء العلماء عليه وسنذكر بعضه في الفقرة الآتية:

ثناء العلماء عليه

كان الثناء عليه من قبل المعاصرين له والذين جاؤوا من بعده مُنصباً على ناحيتين:

سعة علمه ودقة تحقيقه.

وكرم أخلاقه وتقواه.

فلقد كان – رحمه الله – مثلاً عالياً في صفتي المحدث القوي وهما العدالة والضبط.

وسنورد شذرات من أقوالهم.

1- قال أبو بكر الخلال :

"أبو داود سليمان الأشعث، الإمام المقدّم في زمانه رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدم" .

2- وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي :

"سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعمله وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث" .

3- وقال ابراهيم الحربي :

"ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي عليه السلام الحديد" .

4- وهذه الكلمة رويت أيضاً عن أبي بكر الصغاني .

5- وقال موسى بن هارون الحافظ :

"خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. ما رأيت أفضل منه" .

6- وقال علان بن عبدالصمد:

"كان من فرسان هذا الشأن" .

7- وقال أبو حاتم بن حبان :

"كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنف وذبّ عن السنن" .

8- وقال أبو عبدالله بن منده :

"الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي" .

9- وقال الحاكم :

"أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة" .

10- وقال محمد بن مخلد :

"كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ" .

11- وقال ابن ماكولا :

"هو إمام مشهور" .

12- 13- وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره بما لا يذكران أحداً في زمانه مثله .

14- وقال الذهبي :

"وبلغنا أنًّ أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك وكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبدالله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي r في هديه ودله" .

ولم يرض السبكي في ((طبقاته)) أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها، بل اختار الوقوف عند ابن مسعود .

ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضاً قوله في أبي داود:

"كان رأساً في الحديث، رأساً في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع حتى إنه كان يشبه بأحمد" .

15- وقال ابن الجوزي :

"كان عالماً حافظاً عارفاً بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل" .

وسيمر بنا عند الكلام على ((السنن)) مزيد من الثناء على أبي داود وشهادات أهل العلم بفضله.

أساتذته

إن الحديث عن أساتذته لا يتسع له صدر هذا المقال لأنَّ عددهم كبير، وقد ذكر ابن حجر أن شيوخه في ((السنن)) وغيرها من كتبه نحوٌ من 300 نفس .

وقد ألف العلماء في شيوخه المؤلفات، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن أساتذة أبي داود وسنورد أسماء بعضهم فيما يلي.

فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، واسحاق بن راهويه، وأبو عمرو الحوضي، ومسلم بن ابراهيم، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن اسماعيل المنقري التبوذكي، وعبدالله بن مسلمة القضبي، وهناد بن السري، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدّد بن مسرهد، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد ابن منصور، وحميد بن مسعدة، وحفص بن عمر وهو أبو عمر الضرير ، وتميم بن المنتصر، وحامد بن يحيى، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني.

ولن نستطيع أن نترجم لهؤلاء جميعاً وقد تعمدت أن أذكر المشهورين لتغني شهرتهم عن التعريف بهم.

وليس غريباً أن يكون عدد من أساتذته عمالقة علماء أفذاذاً لأن طبيعة العصر الذي كان فيه أبو داود تقتضي أن يكون هناك نماذج من هذا النوع، كما سبق أن أشرت إلى ذلك عند حديثي عن عصره. وكثرة الأساتذة أمر معروف معهود في تاريخنا الفكري .

وينبغي أن نخص واحداً من اساتذته بإشارة لابدَّ منها وهو الامام أحمد بن حنبل، فقط تكرر ذكره كثيراً في اخبار أبي داود، وقد اتصل به ورافقه، وعَرَض عليه ((سننه)) فاستجادها، وكان يسأله أبو داود كثيراً عن أمور الدين وشؤون الحديث، وقد بلغ من اهتمام أبي داود بأجوبة شيخه أحمد أنْ ألّف كتاباً جمع فيه الأسئلة التي ألقيت على الإمام أحمد وأجوبته عليها. وقد طبع هذا الكتاب بعنوان ((مسائل أحمد)).

وذكر العلماء في ترجمة أبي داود كثيراً من هذه الأسئلة التي كان أبو داود نفسه يتوجه بها إلى الإمام أحمد، أو الأسئلة التي كانت تطرح عليه بحضوره. فمن ذلك ما ذكره أبو يعلى أن أبا داود قال:

سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب: (مَلِك) أو (مالكِ)؟ يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: (مالك) أكثر ما جاء في الحديث فهذا سؤال سمعه فحفظه ورواه.

ونجده يصرح أحياناً بأنه هو الذي سأل الإمام أحمد كما في المثال الآتي:

قال أبو داود: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟

قال: لا، أو تُعلَمهُ أنَّ الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإن ترك كلامه فكلّمه، وإلاّ فألحقه به.

قال ابن مسعود: ((المرء بخدنه)) .

وكثيراً ما يذكر في كتابه ((السنن)) مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها الإمام أحمد .

وقد ينقل قوله دون أن يكون هذا القول جواباً لسؤال سائل كما ذكر أبو يعلى:

قال أبو داود: سمعت أبا عبدالله يقول: من قال إنّ الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر .

وهذا كثير الورود في ((السنن)) أيضاً.

ويظهر أن إعجابه البالغ بأحمد وحُبّه الكبير له كان يحمله على أن يتشبّه به حتى رأينا بعض العلماء يذكر تشبهه بأحمد، وهذا مشاهد عند الطلبة المعجبين بأستاذهم، فتراهم يقلدونه حتى في نبرات صوته وسلوكه ومظهره.

تلاميذه

روى عنه خلقٌ كثير من العلماء الأئمة؛ نذكر المشهورين منهم، من أمثال الامام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثاً واحداً كان أبو داود يعتزُّ بذلك جداً .

ومنهم الامام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والامام أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والامام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، ومنهم اسماعيل بن محمد الصفار، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبو عوانة الاسفراييني، وزكريا الساحبي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد يحيى الصولي.

ومن تلامذته رواة السنن عنه وعددهم تسعة ذكر الذهبي والسبكي سبعة منهم. وزاد ابن حجر راويين هما أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني، وأبو عيسى اسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاقه. أما الرواة السبعة الذين ذكرتهم معظم المصادر فهم:

– أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي.

– وأبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار.

– وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي.

– وأبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري.

– وأبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤامي.

– وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي.

– وأبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري.

وضعه الاجتماعي والمنزلي

كان الرجل يتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة، وقد اكتسب شهرة قليلة النظير، وشاع كتابه في حياته، وكان الطلبة يؤمّون منزله من كل مكان.

وكانت له مخالطة طيبة للعلماء في كل الأمصار، ويكفينا في الدلالة على ذلك ما ذكرناه في مبحث أساتذته، كما كانت له صلة قائمة على الاحترام مع الحكام، ويكفينا في الدلالة على ذلك أن يقوم رجل الدولة الأول الموفق بزيارته وأن يطلب منه ما يطلب لعمارة البصرة كما أشرنا. وكان الرجل متزوجاً وله أولاد من أشهرهم ابنه عبدالله.

ويبدو أنه كان حريصاً على أن يطلب أولاده العلم في وقت مبكر، ولذلك فقد كان يأخذهم معه ليحضروا مجالس العلم وليسمعوا.

نقل ياقوت عن ابن عساكر خبراً يرويه عن الحسن بن بندار قال: (كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم تعففاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه. وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابنٌ أمرد يحبُّ أن يسمع حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شدّ على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنه ملتحٍ، ثم احضره المجلس وأسمعه جزءاً.

فأخبر الشيخ بذلك، فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه هذا؟

فقال له: أيها الشيخ لا تنكر عليَّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذٍ من السماع عليك.

قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً. وحصل له ذلك الجزء الأول) .

وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له .

أخلاقه وصفاته

كان أبو داود رجلاً كبيراً ذا خلق كريم. كان صالحاً عابداً ورعاً، وكان ذكياً مجداً دؤوباً كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظاً شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبياً كريم النفس، وكان جريئاً في الحق أميناً على رسالة العلم قائماً بحق الدين. وسأورد فيما يلي أخباراً تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضاً في دراسة ((السنن)) أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال.

وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي اعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأنّ الناس يعانون الكثير من فقد هذا الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الويلات على الدين والعلم والحق.

والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في القاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديداً.

وكانت عاقبة ذلك دماراً للأمة ولكل معاني الخير فيها.

فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: ذكر أبو يعلى (أنّ محمد بن علي الآجري قال:

قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟

قال: عمروٌ أعلى عندنا. عليُّ بن الجعد وُسِمَ بميسم سوء قال: ((وما يسؤوني أن يعذب الله معاوية)) وقال: ((ابن عمر ذاك الصبي)) ) .

فأبو داود يعلن رأيه بصراحة، ويجرح علي بن الجعد ويذكر سبب الجرح وهو وقوعه في الصحابة، إذ أن كلمته في معاوية تدل على شيء من الكراهية لبعض الصحابة أو عدم اهتمام على أقل تقدير، وذلك عندما يقرر أنه لا يسؤوه أن يعذب الله معاوية رضي الله عنه، وكذلك فإنّ قوله عن ابن عمر إنه صبي فيه ما يدل على قلة احترام للصحابة وعلى التهوين من شأنهم.

ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر الذي قال:

كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحتُه فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن. فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فإذن له، فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال:

– ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟

– فقال: خلال ثلاث.

– فقال: وما هي؟

– قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج.

– فقال: هذه واحدة. هات الثانية.

– قال: وتروي لأولادي كتاب ((السنن))؟

– قال: نعم. هات الثالثة.

قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية، فإنَّ أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة.

فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.

قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة .

ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابن أبي بكر عبدالله صاحب التصانيف.

فقد قال عنه: ((ابني عبدالله كذَّابٌ)) .

طلابه

يبدو أنّ الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل الكتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن العلم أضحى عنده كل شيء؛ ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق، ولما سئل قال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه .

وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم يؤلف.

أقواله

كان الرجل حكيماً، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفاً، وصاحب حديث رسول الله r جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه.

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله:

الشهوة الخفية حب الرئاسة" .

وقوله:

"خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن" .

وقوله:

"من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ اراح جسده" .

وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة.

ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثاً عن كتابه السنن (جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله r: "الاعمال بالنيات".

وقوله r "من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

والثالث قوله r "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".

والرابع قوله r "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات" .

وفاته

توفى أبو داود رحمه الله يوم الجمعة 15 شوال من سنة 275هـ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدّم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الاسلامية.

كتبه:

1- المراسيل:

وقد طبع في القاهرة سنة 1310هـ.

ومخطوطاته موجودة في تركيا ومصر وغيرهما، وقد ذكرها سزكين في ((تاريخ التراث العربي)) .

2- مسائل الامام أحمد:

وهي مرتبة على أبواب الفقه، يذكر فيها أبو داود السؤال الموجّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الامام أحمد بن حنبل، وطبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخراً.

وقد ذكرته معظم الكتب التي ترجمت لأبي داود أو عنيت باحصاء تراثنا الاسلامي وذكر ابن حجر ان أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ هو راوي المسائل عنه .

3- الناسخ والمنسوخ:

ذكر ابن حجر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجار. ونقل السيوطي عن هذا الكتاب وذكره اسماعيل البغدادي بعنوان ((ناسخ القرآن ومنسوخه)) .

4- إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري:

قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه ((أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل)) كتاب مفيد وذكرها سزكين بعنوان: ((سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم)) وذكر أنها موجودة في كوبريلي وباريس . وذكر أن ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيراً في ((تهذيب التهذيب)) .

5- رسالته في وصف كتاب ((السنن)):

وحققتها ونشرتها في مجلة أضواء الشريعة في الرياض العدد الخامس سنه 1394هـ ثم نشرتها مفردة دار العربية في بيروت، وقد سبق أن نشرت في مصر سنة 1369هـ ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق .

6- كتاب الزهد:

وتوجد منه نسخة بالقرويين بفاس كما أشار إلى ذلك الأستاذ سزكين .

7- تسمية الاخوة الذين روي عنهم الحديث:

وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السّلفي، ومكتوبة بخط مغربي كما ذكر ذلك الأستاذ ناصر الدين الألباني وذكر الأستاذ أكرم العمري هذه الرسالة بعنوان ((تسمية الأخوة من أهل الأمصال)) وقال:

"وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالته ((تسمية الأخوة)) مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الاخوة الذين روي عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضاً" .

وذكر الاستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أن الرسالة تقع في 7 ورقات وأن الورقة 24 سطراً وأنها مكتوبة بخط ناعم، وذكر سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس الهجري .

8- أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء:

قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:

"رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة...، وينتهي بضعفاء المدينة" .

وهي نسخة ناقصة من أولها، وموجودة في الظاهرية .

9- كتاب القدر:

وذكر ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) باسم ((الردّ على أهل القدر)) وذكر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو عبدالله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري .

وقال سزكين: اقتبس منه ابن حجر في كتابه ((الاصابة)) .

10- كتاب البعث والنشور:

ذكره بروكلمان وذكر أنه موجود في دمشق .

11- المسائل التي حلف عليها الامام أحمد:

ذكره سزكين وقال: إنه موجود في دمشق .

12- دلائل النبوة:

ذكره إسماعيل البغدادي وابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) .

13- التفرد في السنن:

ذكره اسماعيل البغدادي .

14- فضائل الأنصار:

ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)) .

15- مسند مالك:

ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)) .

16- الدعاء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)) .

17- ابتداء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

18- أخبار الخوارج: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

الباب الثاني: سنن ابي داود.

هذا الكتاب من أهم كتب الإسلام كما أسلفنا، وهو أحد الكتب الستة التي تقبلتها الأمة بقبول حسن، وسنحاول في هذا الباب دراسته والتعرف لأهم خصائصه وشروحه ومختصراته، ومن ثم نتعرف إلى منزلته.

اسم الكتاب

الاسم المعروف به هو ((السنن)) ويبدو أنَّ المؤلف نفسه سمّاه بهذا الاسم، نستدلّ على ذلك من قوله في رسالته إلى أهل مكة.

(فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب ((السنن)) أهي أصح ما عرفت في الباب؟) .

وقوله في الرسالة المذكورة أيضاً: (وإن من الأحاديث في كتابي ((السنن)) ما ليس بمتصل، وهو مرسل...) .

وكذلك فإنّ العلماء على مرّ العصور كانوا يدعون كتابه بالسنن.

ومن المفيد أن نتعرف إلى مدلول كلمة ((السنن)):

السنن جمع سنة وهي لغة: الطريقة المسلوكة المتبعة. والسنة عند جمهور العلماء ترادف الحديث وهو قول النبي r وفعله وتقريره وصفته، وقد ذهب بعضهم إلى أن هناك فرقاً بين الكلمتين، وهو أن السنة هي الواقع العملي لمجتمع الاسلام في عهد الرسول r والصحابة، ويتضح هذا التفريق في مثل قول عبدالرحمن بن مهدي عندما سئل عن سفيان بن عيينة ومالك والأوزاعي.

فقال: الأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، وسفيان إمام في الحديث وليس بإمام في السنة ومالك إمام فيهما .

وقد فرق بعضهم بين الكلمتين تفريقاً قريباً من هذا فذهب إلى أن الحديث قول النبي وفعله وتقريره ووصفه.

أما السنة فهي التي تعني حكماً تشريعياً سواء روي فيه كلام أم لا.

وهناك استعمال خاص للسنن وهو أوثق صلة بموضوع بحثنا، وقد ذكره الكتّاني في كتابه القيم ((الرسالة المستطرفة)) فقال:

"وهي في اصطلاحهم الكتب المرتبة على الابواب الفقهية من الايمان والطهارة والصلاة والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف، لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة، ويسمى حديثاً" .

وهكذا فإن كتب السنن ينبغي أن تتوافر فيها الأمور الآتية:

1- أن تكتفي بذكر الأحاديث والا يذكر فيها شيء من الآثار.

2- أن تكون هذه الأحاديث متعلقة بالأحكام.

3- أن ترتب الأحاديث على أبواب الفقه .

ومن هنا يتضح لنا لماذا سمّى كتابه السنن، فذلك لأنه جمع أحاديثه من وجهة فقهية فلم يضمنه غير أحاديث الفقه والتشريع، مما ورد في الأخلاق والأخبار والزهد ونحو ذلك . قال في ((رسالته إلى أهل مكة)):

"وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها" .

ونقل بعضهم ممن لا علم لديهم ولا تحقيق عن القرطبي أنه سمّى كتاب أبي داود في تفسيره ((مصنف أبي داود)) وما أظنه إلا أنه يريد بذلك كتابه وليست تلك تسمية جديدة.

وقد يطلقون على كتاب أبي داود ونحوه لفظ الصحاح، قال حاجي خليفة ينقل عن ابن السبكي قوله في ((سنن أبي داود)):

"وهي من دواوين الإسلام، والفقهاء لا يتحاشون من اطلاق لفظ الصحاح عليها وعلى سنن الترمذي، ولا سيما سنن أبي داود" .

وقد جاء في كلام لأبي داود نقله محمد بن صالح الهاشمي ما قد يفيد أنه سمّاه ((المسند)) قال أبو داود:

"أقمتُ بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبتُ أربعة آلاف حديث" .

ولعله لا يريد بالمسند الاسم الخاص المصطلح عليه.

هل هو أول من صنف السنن

ذهب بعضهم إلى أنّ أبا داود هو أول من صنف في السنن قال الأستاذ الكتاني:

"وهو أول من صنف في السنن، وفيه نظر يتبيّن مما يأتي" .

ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن أبا داود كان من السابقين إلى التأليف في هذا المجال؛ ذلك لأن مجرد اختلاف العلماء في كونه أول من صنّف في السنن يدل بوضوح على سبقه في ذلك الصدد.

ومن الصعب دائماً الجزم بالأوليات، ويغلب على من يتشدد ويذهب مذهباً معيناً في الجزم يغلب عليه أنه يقع في الغلط.

ويذهب الخطابي إلى أن أبا داود لم يُسبَق إلى الإجادة في جمع السنن فقال:

"فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الاحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود" .

وقال الخطابي أيضاً:

"وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً ما، سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه" .

ثناء العلماء على السنن

لن أستطيع الحصر ولا الاستقصاء لو أردت أن أذكر كل ما قيل في الثناء على هذا الكتاب العظيم ولذلك فسأكتفي بإيراد بعض الكلمات لأشهر العلماء:

• قال أبو زكريا الساجي:

"كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب ((السنن)) لأبي داود عهد الاسلام" .

• وقال محمد بن مخلد:

"لما صنف أبو داود ((السنن)) وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقرّ له أهلُ زمانه بالحفظ فيه" .

• وقال ابن الأعرابي وأشار إلى النسخة وهي بين يديه:

"لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلى المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بته" .

وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال:

(وهذا – كمال قال – لا شكّ فيه، لأن الله تعالى أنزل كتابه تبياناً لكل شيء وقال: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئاً من أمر الدين لم يتضمن بيانَه الكتابُ، إلا أن البيان على ضربين:

بيان جلي تناوله الذكر نصاً، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً؛ فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولاً إلى النبي r وهو معنى قوله سبحانه "لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" من جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه) .

• وقال الخطابي أيضاً:

"كتاب السنن لأبي داود كتابٌ شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه وِرْدٌ ومنه شِرْبٌ، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً" .

وقال الخطابي أيضاً:

(اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم. فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نَقَلَتَه، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرُّها الموضوع ثم المقلوب – أعني ما قلب اسناده – ثم المجهول، وكتاب أبي داود خلّي منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته. وحكي لنا عن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه. وكان تصنيف علماء الحديث – قبل زمان أبي داود – الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآداباً، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحدٌ منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود، ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت فيه أكباد الابل ودامت إليه الرحل) .

• وقال أبو حامد الغزالي عن ((سنن أبي داود)):

"إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام" .

• وقال ابن القيم:

"لما كان كتاب ((السنن)) لأبي داود رحمه الله من الاسلام بالموضع الذي خصه الله به، بحيث صار حكماً بين أهل الإسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء" .

تاليفه

ألّف أبو داود كتابه ((السنن)) في وقت مبكر، وعني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة. هذا أمرٌ لا شك فيه.

أما كونه ألفه في وقت مبكر فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أنّ المؤلف روى كتابه ((السنن)) ببغداد ونقله عنه أهلها، ويقال: إنه صنفه قديماً وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه والإمام أحمد متوفى سنة 241هـ.

وقد يمكننا هذا النص أن نفهم أنه ألف الكتاب قبل أن يأتي بغداد، ولعلّه ألفه في طرسوس، لأنه جاء في أخباره أنه ألف المسند بطرسوس ومكث في ذلك مدة طويلة يبذل جهده في الاختيار والانتقاء والتبويب والترتيب. قال محمد بن صالح الهاشمي .

(قال أبو داود: أقمت بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله) ثم ذكر الأحاديث.

وواضح أنه يريد بالمسند كتابه ((السنن)) لأن قريباً من هذا النصّ نقله عنه ابن داسة مصرحاً فيه بذكر السنن ، وعدد أحاديث كتاب ((السنن)) قريب من هذا الرقم.

ومما يؤكد لنا أن تأليفه كان في وقت مبكر من حياته النظر في مجموع أخباره فهناك ما يدل على أن الرجل بذل به عناية فائقة وأنفق في ذلك مدة طويلة وأنه عرض هذا الكتاب بعد تمامه على الإمام أحمد المتوفى سنة 241هـ فإذا كان أبو داود قد ولد سنة 202هـ استغرق مدة عشرة سنوات في تأليفه وافترضنا أنه عرضه عليه قبل وفاته بخمس سنوات، فيكون عمر المؤلف عند ذلك بضعاً وعشرين سنة، أي في وقت النشاط والقدرة. وهذا وقت مبكر جداً.

وأما كونه عني به عناية بالغة فهذا أمر تدل عليه دلائل كثيرة كلها تقطع بأن المؤلف بذل مجهوداً كبيراً وأنه نظر فيه ونقحه وقرأه مرات وكان يزيد فيه وينقص.

من هذه الدلائل ما ذكره راوي هذا الكتاب الإمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي الذي قال بعد أن روى الحديث 911 ما يلي: (هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة) وقال صاحب ((عون المعبود)) في شرح ذلك: (أي لما حدّث وقرأ أبو داود هذا الكتاب في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث) .

ومن هذه الدلائل قول علي بن الحسن بن العبد: (سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وفي تتمة الخبر أنه قرأها في السنة التي مات فيها وهي سنة 275هـ.

أي أن المؤلف ظل يقرأ الكتاب ويذيعه في الناس مدة تقرب من أربعين سنة فلا عجب أن يكون واحد كعلي بن الحسن قد سمع منه هذا ست مرات.

ومن هذه الدلائل ما نقله أبو بكر بن داسة عن أبي داود حيث يقول:

(كتبت عن رسول الله r خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب – يعني كتاب السنن – جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:

أحدها: قوله r: "الأعمال بالنيات".

والثاني: قوله r: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

والثالث: قوله r: "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".

والرابع: قوله r: "الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات" .

ومما يدل على عنايته وإجادته لهذا الكتاب تعليق الذهبي على كلام أبي داود الذي نقله ابن داسة والمتضمن وعداً بتبين الضعيف الظاهر. قال الذهبي:

"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف والظاهر، وسكت عن التضعيف المحتمل" .
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 14-09-12, 02:35 AM
محمود البغدادي محمود البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-12
المشاركات: 144
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

رواياته

نتوقع أن يكون هذا الكتاب قد روي من طرق كثيرة، غير أنَّ الرواة الذين ذكرهم العلماء تسعة وقد أوردنا أسماءهم في كلامنا على تلامذته.

والحق أنّ هؤلاء الرواة الذين عرفناهم – وغيرهم كثير ممن لم نقف على أسمائهم – قد أدوا خدمة جليلة لكتاب أبي داود، وللسنة بوجه عام، فجزاهم الله عن ذلك خير الجزاء.

وقد انتهيت من بحثي إلى أن كتاب ((السنن)) متواتر إلى صاحبه دون شك. وأن أولئك الدساسين الذين يريدون أن يشككوا المسلمين بكتب ثقافتهم الدينية وبالأصول الإسلامية قوم دفعهم إلى ذلك التعصب الأعمى والحقد الدفين.

ذكر العلماء أن الروايات عن أبي داود بكتابه ((السنن)) كثيرة جداً وهذا أمر طبيعي، لأن رجلاً ظلَّ يقرئ كتابه مدة تقرب من أربعين سنة لابد أن يكون عدد الذين رووه عنه كبيراً، لا سيما أن أبا داود – كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في ترجمة حياته – محدث مشهور يقصده الناس لعلمه وفضله حتى إن الدولة رأت في سكناه بالبصرة سبباً لإحياء المدينة الميتة وعمارة القرية الخربة. ومن عادة المؤلفين أنهم دائماً في تنقيح مستمر لكتبهم، يقدمون ويؤخرون ويزيدون وينقصون، وكلما نظروا في أثر من آثارهم رأوا أنّه بحاجة إلى تعديل.

ومن أجل ذلك كان كلام الحافظ ابن كثير عن روايات سنن أبي داود هو الكلام الطبيعي الذي جاء نتيجة لما ذكرنا. قال في ((مختصر علوم الحديث)):

"الروايات عند أبي داود بكتابه السنن كثيرة جداً، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الاخرى" .

ولذلك كان أبو داود يحذف بعض الأحاديث ويزيد بعضاً في محاولات تنقيح الكتاب وإحكام ترتيبه، وقد مر معنا كلام اللؤلؤي الذي يذكر فيه أنّ أبا داود في المرة الرابعة لم يقرأ حديثاً – ذكره – ويحسن بنا أن نتعرف إلى أصحاب هذه الروايات وهم:

1- أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي:

وهذه النسبة تتصل بالمهنة، فهي نسبة إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه وقد توفي سنة 333هـ.

وروايته من أصح الروايات لأنه من آخر ما أملى أبو داود فقد سمع السنن مرات عديدة كانت آخرهن في السنة التي توفي فيها أبو داود: سنة 275هـ.

وقد روى عن اللؤلؤي هذه السنن القاسم بن جعفر بن عبدالواحد الهاشمي أبو عمر، وهو ممن ترجم له الخطيب وذكر أنه من أهل البصرة وعدّد أساتذته فذكر منهم اللؤلؤي وعبدالفاخر بن سلامة الحمصي ومحمد بن أحمد الأثرم وعلي بن إسحاق المارديني ويزيد بن إسماعيل الخلال ومحمد بن الحسين الزعفراني الواسطي، وأثنى عليه الخطيب فقال: (كان ثقة أميناً، ولي القضاء بالبصرة، وسمعتُ منه بها ((سنن أبي داود)) ) وذكر أنه ولد سنة 322هـ وتوفي سنة 414هـ.

وقد روى عن القاسم الهاشمي هذه السنن الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ والخطيب البغدادي إمام ثقة ذائع الصيت .

ورواية الخطيب هي التي اعتمدت بالنسبة للشائع من نسخ أبي داود برواية اللؤلؤي.

ومن المفيد أن نذكر أن ابن عساكر المتوفى سنة 571هـ قد ألف كتاب ((الإشراف على معرفة الأطراف)) الذي جمع فيه أطراف ((سنن أبي داود)) معتمداً على رواية اللؤلؤي . أما المزي المتوفى سنة 742هـ فقد جمع في كتابه ((تحفة الاشراف بمعرفة الأطراف)) أطراف أحاديث ((سنن أبي داود)) من الروايات الأربعة وهي روايات: اللؤلؤي، وابن داسة، وابن العبد، وابن الأعرابي، بحيث يورد حديث السنن ثم يقول: أخرجه أبو داود في باب كذا، فإن كان ذلك الحديث موجوداً في رواية اللؤلؤي يسكت عنه ولا يقول: إن هذا الحديث من رواية اللؤلؤي سواء كان ذلك الحديث في باقي الروايات الثلاثة موجوداً أم لا. وإن لم يكن الحديث من رواية اللؤلؤي، بل من رواية الثلاثة الآخرين أو من رواية واحد منهم فيقول بعد إخراجه: حديث أبي داود في رواية ابن داسة مثلاً أو رواية ابن العبد مثلاً أو في رواية ابن الأعرابي مثلاً أو في رواية هؤلاء الثلاثة أو اثنين منهم .

2- أبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار:

المتوفى سنة 346هـ. وروايته مشهورة ولا سيما في بلاد المغرب وتقارب رواية اللؤلؤي. والاختلاف بينهما غالباً بالتقديم والتأخير .

وقد وصلت إلينا بعض المخطوطات برواية ابن داسة وقد اعتمد على واحدة منها صاحب عون المعبود ونقل عن السيوطي قوله فيها: وروايته أكمل الروايات وقال: إن كثيراً من الروايات موجودة في رواية ابن داسة وليس هو في رواية اللؤلؤي كما نبهت على ذلك في مواضعها من هذا الشرح كما سنشير إلى ذلك في موضعه إن شاء الله. وقد أتيح لي أن أقف على نسخة مصححة على مخطوطة أثبتت الفروق بين رواية ابن داسة واللؤلؤي.

3- أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري المعروف بابن الأعرابي :

صاحب التصانيف، الإمام الزاهد الحافظ شيخ الحرم. كان أبو داود أحد أساتذته وقد سمع منه ((السنن)).

ومن شيوخه أيضاً الحسن بن محمد الزعفراني ومحمد بن عبدالملك الدقيقي. وروى عنه ابن المقرئ وابن منده وأحمد بن محمد بن مفرج القرطبي.

ولد ابن الأعرابي سنة 246هـ وتوفي 340هـ.

وقد سقط من نسخته كتاب الفتن والملاحم والحروف والقراءات والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس، وفاته أيضاً من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة .

4- أبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري المتوفى سنة 328هـ:

ويعرف بأبي الحسن الوراق سمع أبا داود السجستاني وعثمان بن خرزاذ الأنطاكي، روى عنه الدارقطني .

وهذه الرواية فيها من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي .

وقد جاء في آخر مخطوطة الرسالة التي في وصف السنن نص ينقل عن هذا الراوي (علي بن الحسن بن العبد) وهو قوله:

(سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وقد سبق أن أوردت هذا الكلام .

5- أبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤاسي .

6- أبو سالم محمد بن سعيد الجلودي .

7- أبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري .

8- أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني .

9- أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي الوراق المتوفى سنة 320هـ وقالوا: إنه وراق أبي داود .

تجزئة الكتاب

ذكر أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) أن عدد كتب هذه السنن 18 جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل. ويبدو أنّ النساخ والرواة جزؤوا الكتاب إلى أجزاء، ومن أجل ذلك فهذه التجزئة من إنسان لآخر.

أما تجزئة الخطيب البغدادي وهو الذي روى سنن أبي داود برواية اللؤلؤي فتبلغ تقديراً حوالي 30 جزءاً لأنه يفهم من تعليقات المحقق الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد أن عدد أجزاء المقدار المطبوع في الجزأين الأولين بلغ 14 جزءاً من تجزئة الخطيب البغدادي .

وقد استعرضت الجزأين الثالث والرابع فلم أجد المحقق ذكر شيئاً عن هذه التجزئة.

وفي عصر الطباعة رأينا كتاب أبي داود مطبوعاً في جزء مرة، ورأيناه مرة أخرى مطبوعاً في جزأين، ورأيناه مطبوعاً مرة ثالثة بأربعة أجزاء.

أقسام الكتاب وتبويبه

خلا الكتاب من المقدمة، وهذا موضع تعجب، ذلك لأنّ مؤلفه كتب رسالة في وصف سننه وهي أحسن ما تكون توضيحاً لعمله وعرضاً لخطته ووضعاً للأمور في نصابها، ولو أن قائلاً ذهب إلى أنها تصلح أن تسدّ مسدّ المقدمة لما كان مخطئاً.

وليس أبو داود وحده الذي خلا كتابه من المقدمة، بل شاركه في ذلك غيره، فالبخاري أيضاً لم يكتب لجامعه الصحيح مقدمة، لكنَّ الفرق بينهما أن البخاري رحمه الله لم يتح له النظر في كتابه بعد تأليفه ، أما أبو داود فقد بقي يقرأ ((السنن)) ويذيعها بين الناس أربعين سنة كما أسلفنا.

ولعلّ الأمر يتعلق بأطوار التأليف، إذ ليس البخاري وأبو داود وحدهما لم يكتبا مقدمات لكتبهما، بل نجد كذلك الامام أحمد لم يكتب مقدمة لمسنده وابن المبارك لم يكتب مقدمة لكاتبيه: الزهد، والجهاد.

2 – ينقسم كتاب ((السنن)) إلى كتب كبيرة بلغت 36 كتاباً هي:

1)الطهارة، 2)الصلاة، 3)الزكاة، 4)اللقطة، 5)المناسك، 6)النكاح، 7)الطلاق، 8)الصوم، 9)الجهاد، 10)الضحايا، 11)الصيد، 12)الوصايا، 13)الفرائض، 14)الخراج والإمارة والفيء، 15)الجنائز، 16)الأيمان والنذور، 17)البيوع، 18)الإجارة، 19)الأقضية، 20)العلم، 21)الأشربة، 22)الأطعمة، 23)الطب، 24)العتق، 25)الحروف والقراءات، 26)الحمام، 27)اللباس، 28)الترجل، 29)الخاتم، 30)الفتن، 31)المهدي، 32)الملاحم، 33)الحدود، 34)الديات، 34)السنة، 36)الأدب.

3 – وكل كتاب من هذه الكتب ينقسم إلى أبواب، باستثناء ثلاثة كتب لم نجد فيها أبواباً هي:

كتاب اللقطة – وكتاب الحروف والقراءات – وكتاب المهدي. ولا يستوي عدد أبواب الكتب، فبينما نجد كتاباً يشتمل على أكثر من مائة باب ككتاب الصلاة – الذي يشتمل على ثلاثمائة باب وسبعة وستين باباً – نجد كتاباً لا تتجاوز أبوابه الثلاثة ككتاب الحمام الذي اشتمل على ثلاثة أبواب فقط.

4 – وقد نجد باباً كبيراً تحته أبواب كثيرة، وذلك كالباب الذي جاء بعنوان ((باب تفريع أبواب الجمعة)) وقد جاء تحت 38 باباً.

وكالباب الذي جاء بعنوان ((جماع أبواب الاستسقاء وتفريعها)) وقد جاء تحته ثلاثة أبواب.

5 – هذا وليست الأبواب متساوية في حجمها وإن كان يغلب على معظمها القصر، فقلما نجد باباً يجاوز الصفحة. بل أكثر الأبواب قصيرة قصراً واضحاً، وربما لا يكون في الباب إلا أثر، كما في الباب الآتي: (باب إخفاء التشهد

حدثنا عبدالله بن سعيد الكندي، ثنا يونس – يعني ابن بكير – عن محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله قال: من السنة أن يخفى التشهد) .

وقد صرح أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه يعتمد قلة الأحاديث في الباب فقال:

"ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح؛ لأنه يكبر، وإنما أردت قرب منفعته" .

وهذه الخاصة من أبرز خصائص السنن، وكأن أبا داود استخرج من الحديث أو الحديثين أبرز ما فيهما فجعله عنوان الباب، أو كانه أدخل تحت العنوان أبرز الأحاديث عليه، ولذا يستطيع المرء أن يعثر على الحديث المطلوب بسهولة؛ لأن الباب قليل الأحاديث، ومن هنا قربت منفعته على حدّ تعبير أبي داود.

وأكد أبو داود حرصه على قلة الأحاديث في الباب فقال في ((رسالته إلى أهل مكة)): (وأذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه) أي من أجل زيادة كلام فيه؛ على أننا قد نقف على بعض الأبواب الطويلة، وذلك كباب صفة حجة النبي r الذي استغرق سبع صفحات . ولعل السبب يعود إلى موضوع الباب نفسه.

6 – وأخيراً فإنّ مجموع عدد أبواب كتاب ((السنن)) حسب إحصاء الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد هو 1889 باباً.

درجات أحاديث الكتاب وأنواعها

يذكر العلماء كتاب ((السنن)) لأبي داود على أنّه من مظانّ الحديث الحسن .

قال ابن الصلاح:

"رُوِّينا عنه – أي عن أبي داود – أنه قال: ذكرتُ الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديدٌ، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعض" .

وعقب ابن الصلاح على ذلك بقوله:

"فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين ولا نصّ على صحته أحدٌ عرفنا أنه الحسن عند أبي داود" .

وسنرى بعد قليل أن هذا الرأي موضع نظر لدى المحققين. هذا وقد حلّل البقاعي في ((حاشية على الألفية)) كلام أبي داود المتقدم وانتهى إلى أن هناك – على قول أبي داود – ستة أنواع من الأحاديث في كتابه وهي:

1- الأول الصحيح: ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته.

2- الثاني شبهه: ويجوز أن يريد به الصحيح لغيره.

3- الثالث مقاربه: ويجوز أنه يريد به الحسن لذاته.

4- الرابع الذي فيه وهن شديد.

5- وقوله (وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح) يفهم منه الذي فيه وهن ليس بشديد فهو قسم خامس، فإن لم يعتضد كان قسماً صالحاً للاعتبار فقط.

6- وإن اعتضد صار حسناً لغيره، أي للهيئة المجموعة وصلح للاحتجاج وكان قسماً سادساً .

وكذلك فإن للذهبي ذكر في ((سير أعلام النبلاء)) أن الأحاديث في ((سنن أبي داود)) ستة أنواع فقال:

1- إنَّ أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب.

2- ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر.

3- ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيداً سالماً من علة شذوذ.

4- ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً.

5- ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالباً.

6- ثم يليه ما كان بيّن الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالباً، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته .

والحق أن أحاديث أبي داود متفاوتة المراتب ومثل هذا التصنيف يعطي فكرة مناسبة عن أحاديث الكتاب، هذا وقد شهد العلماء بأنّ أبا داود قد وفى بوعده بتبيين ما فيه وهن شديد.

نقل السبكي عن الذهبي قوله الآتي:

"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف الظاهر وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسناً عنده ولابدّ، بل قد يكون مما فيه ضعف" .

وبالغ الحافظ السَّلَفيُّ فَزَعم أنَّ ما في سنن أبي داود صحيح، فقد ذكر الكتب الخمسة وقال:

"اتفق على صحتها علماءُ المشرق والمغرب".

فردّ عليه ابن الصلاح وقال:

"وهذا تساهل، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفاً أو منكراً أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرّح أبو داود فيما قدمنا روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره" .

وكلام ابن الصلاح هذا صحيح، وإن كان المحققون من العلماء – كما رأيت – لا يوافقونه على رأيه الذي ورد آنفاً من أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة. ومن هؤلاء المحققين الذهبي والحافظ العراقي وغيرهما.

والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين أو لم ينصّ على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين.

قال الأستاذ أحمد شاكر:

"إنَّ ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعّفها في شيء من أقواله الأخرى كأجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في ((السنن)) وضعفه في موضع آخر من كلامه حسناً، بل يكون عنده ضعيفاً.

وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعاً لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين أو لم ينص أحدٌ من أئمة الحديث على صحته" .

وقال في موضع آخر:

"وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن اسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قولٌ باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل" .

الضعيف في سنن أبي داود

في كتاب ((السنن)) كما اتضح لنا أحاديث ضعيفة، صرّح أبو داود نفسه بضعف بعضها، ولم يصرح بتضعيف بعضها الآخر؛ إمّا لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، وإما لأنه صرح في غير ((السنن)) بضعفها كما ذكر ذلك الاستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل .

فالأحاديث التي صرّح بضعفها أمرها هيّن، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحاً وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفاً.

ومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن اسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرك أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: (ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه) .

وهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي (وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء) إذ قد أخرج عن أبي جناب الكلبي ومحمد بن عبدالرحمن البيلماني وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم.

وروي عن جابر الجعفي فقد أخرج له الحديث رقم 1036 ونصّه ((إذا قام الامام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس فإن استوى قائماً فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو)) ثم قال عقبه: (وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث) .

وقد ترجم الذهبي في ((الميزان)) لجابر هذا وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه فقال بعد أن أورد الحديث رقم 287: (ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل...) ثم قال: (قال أبو داود: وعمرو بن ثابت رافضي رجل سوء ولكنه كان صدوقاً في الحديث) .

وروى أيضاً عن الحارث الأعور الحديث رقم 908 وفي الحارث ما فيه .

لماذا أورد في كتابه الضعيف

أورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية:

1- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكاماً فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.

2- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف إن لم يكن شديد الضعف أقوى من رأي الرجال ومن القياس (حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوَرْدي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الاسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب عيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال) .

وحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه:

"إن أردت أن أقتصر على ما صحّ عندي لم أر من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه" .

3- أما إذا كان الحديث شديد الضعف فإنما يورده ليدل على عدم تبنيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلاً: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم 908 فقط وهو: (عن أبي اسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله r: "يا عليّ! لا تفتح على الامام في الصلاة" قال أبو داود: أبو اسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها) .

أي أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث نفسه متهم بالكذب عرفنا أن الحديث شديد الضعف.

موازنة بين سنن أبي داود والصحيحين

هذا الموضوع وحده يصلح أن يكون محل دراسة خاصة وعناية تامة ويمكن أن تؤلف فيه رسالة كبيرة، غير أني أرمي من وراء ذكرها هنا أن أشير فقط إلى أن كتاب السنن جليل الشأن عند كثير من العلماء المتقدمين فهو يأتي بعد الصحيحين مباشرة، بل إن الخطابي رحمه الله قدّم السنن عليهما كما مر معنا في مبحث (ثناء العلماء على السنن) ويحسن أن ورد قول الخطابي مرة أخرى؛ قال: (فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابَيْ محمد بن اسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد إلاّ كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً) .

وقد أقام عدد من العلماء موازنة بين سنن أبي داود وصحيح مسلم وذكروا أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف، ومنهم من رجّح عمل هذا، ومنهم من رجح عمل ذاك، والذي يهمني من هذه الموازنة أن طائفة من العلماء ترى أنّ ((سنن أبي داود)) في درجة تقارب درجة الصحيحين أو تفوقها.

زوائد أبي داود

يظهر أن زوائده عمّا في الكتاب الخمسة الأخرى قليلة فقد سبق أن أوردنا أن الذهبي ذكر أن ما في ((السنن)) مما يوافق ما أخرجه الشيخان يبلغ شطر الكتاب .

وإذا تتبعنا تعليقات الحافظ المنذري تبيّن أنّ زوائده عما في الكتب الخمسة قليلة جداً، فما أقل الأحاديث التي لا يذكر المنذري أنها وردت في بعض هذه الكتب.

وقد ألّف بعضهم في شيء من ذلك فجمع زوائد أبي داود على الصحيحين وشرحها ويحسن أن نشير هنا إلى أن كتاب أبي داود أجمع هذه الكتب، نعم ليست فيه زيادات كثيرة على ما في هذه الكتب بمجموعها غير أن فيه كثيراً مما ليس في واحد منها على انفراد، هذا وزوائده أحسن حالاً من زوائد غيره كابن ماجه مثلاً.

خصائصه

يحسن أن نورد بعض الخصائص المهمة التي نستطيع أن نلمسها في ((السنن)).

تعدد الطرق:

هناك أحاديث كثيرة في ((السنن)) مروية بطريقين أو أكثر، وهو يورد هذين الطريقين أو هذه الطرق في الاسناد قبل أن يأتي بمتن الحديث غالباً، وإذا أراد التحويل من طريق إلى آخر رمز إلى ذلك بالحرف (ح) على عادة المحدثين قال في ((رسالته)): (وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث) .

تكرار الحديث:

في الحديث الواحد من المعاني والأحكام الشيء الكثير، فلقد أوتي r جوامع الكلم . فإذا أورد المؤلف الحديث في باب من الأبواب من أجل معنى وارد فيه، اضطر إلى اعادته في باب آخر من أجل معنى آخر تضمنه الحديث، ومن هنا كان لا مفر من تكرار الحديث في الكتب المصنفة على الأبواب .

وهذا هو السبب الذي جعل أبا داود يكرر الحديث أحياناً. ولكنه لا يبلغ في تكراره مبلغ البخاري في صحيحه. ولا يقطِّعه تقطيعه.

الدقة في إيراد الروايات

الدقة ظاهرة واضحة تمام الوضوح في ((كتاب السنن)) ونضرب على ذلك بعض الأمثلة:

– فهو إذا روى الحديث عن طريق رجلين يثبت الرواية التي يرى أنها الصواب ثم يورد رواية الرجل الآخر كما فعل في الحديث رقم 20 الذي رواه عن زهير بن حرب وهنّاد بن السري وفيه: (أما هذا فكان لا يستنزه من البول) وبعد أن انتهى من رواية الحديث قال: (قال هناد: ((يستتر)) مكان ((يستنزه)) ).

ومما يدلنا على أن أبا داود يرى الصواب رواية زهير أن عنوان الباب الذي ورد هذا الحديث فيه هو باب الاستبراء من البول .

– وقد يقتصر على رواية أحدهما دون أن يشير إلى الرواية الأخرى، ولكنه ينبه على أنه إنما أورد رواية فلان كما في الحديث 938 قال: (حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ومحمود بن خالد قالا:..) وبعد نهاية الحديث قال: (وهذا لفظ محمود) .

– وقد يروي الحديث عن أربعة رجال ولا يثبت واحدة يرجحها ثم ينبه على الروايات الأخرى، وإنما يورد الروايات الأربع مرة واحدة مجموعة على وجه يدل على الدقة والاختصار كالحديث 992 في باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة قال:

– (حَدَّثَنَا أحمد بنُ حَنْبل، وأحْمدُ بنُ مُحمّد بن شَبُّويهْ وَمُحمّد بن رافع وَمُحَمّدُ بن عبدالملِكِ الغزَّال قالوا:

– حَدَّثَنَا عبدُالرزَّاقِ عَنْ مَعْمرٍ عَن إسْماعيلَ عن أبيه عَنْ نَافِع عنِ ابنِ عُمَر قال: نَهَى رسُولُ اللهِ r.

قالَ أحمدُ بنُ حَنْبَل: أنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ في الصَّلاةِ وهُو مَعْتمدٌ عَلى يدِهِ.

قال ابنُ شَبُّويْه: نَهى أنْ يَعْتمِدَ الرَّجُلُ على يَدِهِ في الصَّلاةِ.

وقالَ ابنُ رَافِع: نَهى أنْ يُصَلّي الرَّجُلُ وَهُوَ مُعْتمِدٌ على يَدِهِ وذَكَره في بابِ الرفع من السُّجُود.

وقال ابنُ عبدالملِكِ: نَهَى أنْ يَعْتَمدَ الرَّجُلُ عَلى يَديْهِ إذَا نَهَضَ في الصَّلاة) .

ولم يرجح المؤلف رواية على رواية.

وقد يأتي بالحديث عن طرق بينها فروق طفيفة لا تؤثر في المعنى، ومع ذلك فهو حريص على ذكر هذه الفروق، كما فعل في الحديث رقم 4 الذي رواه عَنْ مُسَدّدْ بن مُسَرْهدٍ عَن حَمّادِ بن زَيْدٍ وعبدالوارِث (عَنْ عَبْدِالعزيز بن صُهَيّبٍ عَنْ أنَس بنِ مالِك قالَ: كانَ رسُولُ اللهِ r إذا دَخَلَ الخلاء قَال:

عَن حمّادٍ – قالْ: "اللّهمَُّ إنِّي أعُوذُ بِكَ".

وَقَالَ – عن عبدِالوَارثِ قالَ – ((أعُوذُ باللهِ من الخُبثِ وَالْخَبَائِث)) ) .

– ومن الأمثلة على ذلك – وهي كثيرة جداً – حديث البول في المستحمّ رقم 27 الذي رواه من أحمد بن حنبل والحسن بن علي وهو:

"لاَ يَبُولنَّ أحَدُكُمْ في مُسْتَحمِّه ثُمَّ يَغْتَسِل فِيه – قال أحْمَدُ: ثُمَّ يََتَوضأ فيهِ فإنَّ عَامّةَ الوَسْواسِ مِنه" .

والمؤلف هنا بيّن الفرق بين الروايتين أثناء الحديث. وهذه الدقة دليلٌ على مدى الحرص في نقل حديث النبي بالتحري الخالص والأداء الأمين. وتلك خصيصة خص الله بها أمة محمد r، فوق مجرد نقل أخبار النبي r وأحاديثه..

الاختصار

وفي كتاب أبي داود الاختصار الموفّق لأننا نجده مقترناً بالدقة البالغة والوضوح البيّن، وهذه خاصة من أهمّ الخصائص التي يمتاز بها كتاب ((السنن)).

• ومن مظاهر الاختصار ما مرَّ بنا في تبويب الكتاب من قلة الأحاديث في الباب الواحد.

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه يعمد إلى الحديث الطويل فيختصره فلا يورد منه إلا موضع الفقه منه، وقد أشار أبو داود نفسه إلى هذه الخاصة فقال في رسالته:

(وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك) .

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه يأتي بحديث، ثم بعد ذلك يأتي بسند آخر ويقول: (بمعناه) كما في الحديث رقم 34 فهذه الكلمة أغنته عن إعادة الحديث، ولكي يكون كلامه دقيقاً قال: (بمعناه) منبهاً على أنّ هناك فرقاً لفظياً بين الروايتين لا يؤثر في المعنى.

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه إذا وجد روايتين في إحداهما زيادة جاء بالأولى، ثم أورد سند الثانية وجاء بالزيادة ولا يعيد ما سبق ذكره، وإنما يكتفي بقوله: (وذكر الحديث) ومثل هذا كثير الورود في كتابه، فمن ذلك الأحاديث 111 – 112 – 113 – 114...

ففي الأول منها يذكر أبو داود حديث عبد خير الذي يصف وضوء عليّ رضي الله عنه كما يلي:

(حَدَّثَنَا مُسَدَّد. حَدَّثنَا أبو عوانَة. عَن خَالِدِ بنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عبدِ خيرٍ قالَ: أتَانا عليٌ رضي اللهُ عَنْهُ وَقَدْ صَلّى فَدَعا بطَهُورٍ فَقُلْنَا: مَا يَصْنَعُ بالطّهورِ وَقَدْ صَلّى؟ مَا يُريدُ إلاَّ ليُعَلِّمنَا فَأتِيَ بإنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْت، فأفْرَغَ مِن الإنَاء عَلى يميْنِهِ فَغَسَل يَدَيْهِ ثَلاثاً ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثَاً فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ منَ الكفِّ الذِي يأخُذُ فيهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً ثمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليمْنى ثَلاثَاً وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمال ثَلاثاً، ثمَّ جَعَلَ يَدَهُ في الاناء فَمَسَحَ بِرأسِهِ مَرَّةً واحدَة ثمَّ غَسَلَ رِجْلهُ اليُمْنى ثَلاثاً وَرِجْلَهُ الشِّمَال ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَعْلَمَ وُضُوء رسولِ اللهِ فَهُوَ هَذَا) .

• وبعد ذلك أورد أبو داود رواية أخرى بسند آخر عن عبد خير هي: (صلّى عَليَّ رَضَي اللهُ عَنْهُ الغَداةَ ثمَّ دَخَلَ الرَّحْبَةَ فَدَعَا بماءٍ فأتاهُ الغُلامُ بإناءٍ فيهِ مَاءٌ وَطَسْت قَالَ: فَأخَذَ الانَاء بيدِهِ اليُمْنَى فأفْرَغَ عَلى يدِهِ اليُسْرى وَغَسَلَ كفّيْهِ ثَلاثاً ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنَى في الإناء فَمَضْمَضَ ثَلاثاً واسْتَنْشَقَ ثَلاثاً. ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة قَالَ ثمَّ مَسَحَ رَأسَهُ مُقَدّمَه وَمُؤخّرَه مَرَة ثم ساق الحديث نحوه) .

• ثم أورد الرواية الثالثة بسند ثالث عن عبد خير أيضاً وفيها زيادة: (رأيت علياً رضي الله عنه أتى بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يديه ثلاثاً ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد وذكر الحديث) .

ثم أورد الرواية الرابعة عن زر بن حبيش: أنّهُ سَمعَ علياً رضيَ اللهُ عَنْهُ وسُئل عَنْ وُضُوء رَسُولِ اللهِ r فذكر الحديث. وقالَ: مَسَحَ على رأسِهِ حَتّى لمّا يَقْطُر، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَاً ثمَّ قَالَ: هَكَذا كَانَ وضُوءُ رَسُولُ الله r) .

• وإذا روى حديثاً مختصراً نقل قول الراوي باختصاره، كما في الحديث 49 فقد قال بعد أن أورده: (قال أبو داود: قال مسدّد: فكان حديثاً طويلاً ولكني اختصرته) .

طريقته واستقصاؤه

كان أبو داود – كما أسلفنا – يريد جمع أحاديث الأحكام التي يحتج بها الفقهاء وكان ذلك همه الأول، وقد استطاع أن يبلغ أكثر ما يريد، وهذا واضح من استعراض كتابه وهذا ما قرره العلماء أيضاً.

قال الدهلوي في ((حجة الله البالغة)):

"كانت همة أبي داود جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم، وبَنى عليها الأحكام علماءُ الأمصار فصنّف ((سننه)) وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل" .

وقال الدهلوي أيضاً في صدد حديثه عن الترمذي وأنه جمع بين طريقة الشيخين اللذين بيّنا وطريقة أبي داود الذي جمع كل ما ذهب إليه عالم من العلماء فقال:

"كان استحسن طريقة الشيخين حيث بيّنا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين وزاد" .

ويدلك على ذلك أنه يعقد باباً في جواز الشي وكراهته، وهذا كثير جداً، مثل: (باب كراهة استقبال القبلة عن الحاجة) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) ومثل (باب الوضوء من مسّ الذكر) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) .

وفي جمعه لكل ما ذهب إليه العلماء فوائد منها:

– بيان أنّ بعض الأحاديث أقوى من بعض، لا سيما عندما يعلق على واحدٍ مضعفاً إياه ويسكت عن آخر.

– ومنها بيان أنّ الأمر جائز مع الكراهة وليس حراماً، أو هوَ رخصة.

– ومنها إتاحة الفرصة للانسان لكي يوازن بين أقوال العلماء ويرجح ما ينصره الدليل ويعضده.

• وقد ذكر هو في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه قصد جمع أكبر قدر ممكن من السنن التي عليها مدار الأحكام فقال:

"فإنْ ذكر لك عن النبي r سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واهٍ إلاّ أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لما أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري" .

• ومن حرصه على الاستقصاء في جمع الأحاديث المتصلة بالأحكام أنه قد يورد الحديث دون سند بعد أن يكون قد أورد حديثاً مسنداً، كما في الحديث 16 وهو:

(حدثنا عثمان وأبو بكر قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر: مَرَّ رَجُلٌ عَلى النَبيِّ r وَهوَ يَبُول، فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ أبُو دَاوُد: وَرُوي عن ابنِ عُمَر وَغَيْرِه أنَّ النبيَّ r تَيَمّمَ ثمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السّلام) .

فالزيادة التي في الرواية الثانية قد أوردها هنا دون سند وبصيغة التمريض رغبة منه في الاستقصاء مع الاختصار؛ وذلك لأنه أوردها في باب التيمم بالسند وذلك في الحديث رقم 330، ولكنه ذكر هناك ما يدل على ضعف هذا الحديث.

– ومن طريقته أنه كثيراً ما يروي الحديث عن أكثر من شيخ وتارة عن ثلاثة وتارة عن أربعة.

ففي الحديث 188 روى الحديث عن شيخين وكذا في 1365.

وفي الحديث 185 روى الحديث عن ثلاثة شيوخ.

وفي الحديث 992 روى الحديث عن أربعة شيوخ.

عناوينه

للعناوين قيمة كبرى في كتب الحديث، ففيها يتجلّى فقه المؤلف وعلمه واستنباطه الدقيق وفهمه، ذلك لأن جهده مقصور على تبويب هذه الأحاديث ووضع عنوان لكل طائفة منها والتعليق على بعضها، إذ كتابه في جمع الأحاديث وليس في شرحها.

وسنذكر بعض الملاحظات حول عناوين أبي داود كما انتهينا إليها بعد شيء من الدراسة والتأمل:

1- الناحية الفقهية بادية في عناوين أبي داود، وهذا أمر طبيعي، لأن الكتاب مؤلف على أساس فقهي واضح، وهذه العناوين رؤوس مسائل فقهية بحثها الفقهاء. قال الدهلوي في ((حجة الله البالغة)):

"وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليها ذاهب" .

وقد يجد الانسان في هذه العناوين من المسائل الفقهية ما لا يكاد يجده في مطولات كتب الفقه.

2- عناوينه يغلب عليها الايجاز، وتبدو هذه الخاصة واضحة إذا قارنّا عناوين ((السنن)) بعناوين صحيح البخاري.

3- عناوين ((السنن)) مصوغة صياغة تغري قارئها وسامعها بقراءة أحاديث الباب التي تندرج تحته، ولنضرب بعض الأمثلة للتوضيح، فعناوين الكتاب كلها تصلح للتمثيل. لنأخذ العنوان الآتي: (باب الرجل ينعس والامام يخطب) هذا العنوان لا يبيّن لنا مضمون الباب، ولابُدَّ للإنسان من قراءة ما جاء في هذا الباب حتى يعرف: ما بال هذا الرجل الذي ينعس أثناء خطبة الامام، والحديث برقم 1119 وهو: "إذا نعسَ أحَدُكُمْ وَهُوَ في المسْجِدِ فَلْيَتَحوَّلْ مِن مجْلِسِهِ ذَلِكَ إلى غَيْرِه" .

• ولنأخذ العنوان الآتي: (باب من أدرك من الجمعة ركعة) كذلك هذا العنوان لا ينبئ عن مضمونه، ولابُدَّ للراغب في المعرفة من قراءة الباب، والحديث برقم 1121 وهو: "مَنْ أدْرَكَ منَ الجُمْعَةِ رَكْعَة من الصَّلاةِ فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلاة" .

• وكذلك العنوان: (باب الرد على الامام) لا يدري قارئ العنوان: أيجوز الرد أم لا يجوز. حتى إذا قرأ ما جاء في الباب عرف، والحديث برقم 1001 وهو (عَن سُمرََةَ: أمَرَنَا النّبيُّ r أنْ نَرُدَّ عَلى الامامِ وأنْ نَتَحابَّ وَأنْ يُسلّمَ بَعْضُنَا عَلى بَعْض) .

4- وقد يأتي بعنوان كبير يسميه (جماع أبواب..) أو (باب تفريع أبواب..) وذلك كما في (باب تفريع أبواب الجمعة) وتحته 38 باباً، و(جماع أبواب صلاة الاستسقاء وفروعها) وتحته ثلاثة أبواب.

5- وقد يأتي الباب خالياً من العنوان، ويقتصر المؤلف فيه على ذكر (باب) كما في كتاب الصلاة .

6- وقد يأتي بالعنوان بصيغة الاثبات، والحديث يدل على النفي. كما في الحديث 616 فالعنوان: باب الامام يتطوع في مكانه. والحديث هو: (لا يُصَلِّ الإمامُ في الموضِعِ الّذي صَلى فيهِ حَتّى يَتحوَّل).

وربما كان ذلك على تقدير (حكم الامام...) وجرى على طريقته في إغراء قارئ العنوان بقراءة ما ورد في الباب، وربما كان ذلك عندما يكون الحديث ضعيفاً، فالحديث المثال ضعيف بسبب الانقطاع، بيّنه أبو داود بقوله: (عطاء الحرساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) .

7- قد يأتي بالعنوان بصيغة استفهام، من ذلك مثلاً قوله (باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟) وقوله (كيف التكشف عند الحاجة؟) وقوله (إذا خاف الجنب البرد أيتيممم؟) وتختلف دلالة هذا الاستفهام من عنوان إلى عنوان. فهو يدل أحياناً على عدم جزم المؤلف بالحكم، وأحياناً أخرى يدل على الكيفية. وهو كثير جداً .

8- وربما لا ينطبق العنوان على المضمون أو لا يدل على المقصود إلا بعد طول تأمل: فمن ذلك عنوان (من جهر بها) أي بالبسملة. ففي هذا الباب ثلاثة أحاديث: أولها في عدم وجود البسملة في سورة براءة وثانيها في أن النبي r قبض ولم يبين لنا أنها منها وثالثها في أن النبي r لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم .

وقال صحاب ((عون المعبود)):

"والاستدلال بهذا الحديث وكذا بكل حديث يدل على أن البسملة من القرآن على الجهر بها ليس بصحيح" .

وكأنه بذلك يقول: إن حجة القائلين بذلك واهية ولا دليل لهم؛ لأن هذه الأحاديث لا تدل على رأيهم.

9- وقد يجيء حديث لا يناسب عنوان الباب الذي هو فيه، بينما هو يناسب عنوان الباب الذي قبله. كما في الحديث (887) الوارد في باب مقدار الركوع والسجود ، وليس فيه ما يتصل بموضوع الباب بل هو في موضوع الدعاء في الصلاة لأن فيه "مَنْ قَرأ مِنْكُمْ (والتينِ والزَّيْتونِ) فانْتَهى إلى آخِرِها (أليْسَ اللهُ بأحْكمِ الحاكمينْ) فَلْيَقُل: بَلى وَأنَا على ذَلِك مِن الشّاهِدِين".

وهذا الموضوع يناسب موضوع الباب السابق وهو (باب الدعاء في الصلاة) .

وفي مثل هذه الحالة قد يكون هذا الترتيب المغلوط عائداً إلى أن النساخ نقلوا حديثاً أو عنواناً من موضع إلى موضع.

تعليقاته

سبق أن تحدثت عن تبويب الكتاب وعن عناوينه وعن المنهج الذي انتهجه أبو داود في اختياره وأود فيما يأتي أن أتحدث عن تعليقاته، وهذه الأمور – كما أسلفت – هي التي تمثل جهد المؤلف وعلمه. ويحسن أن أبادر إلى بيان أني لا أعني بالتعليقات هنا المصطلح الحديثي لها وإنما أريد بها ما يورد أبو داود من كلام له علاقة بالحديث.

مواضعها ومقدارها:

– أما مواضعها فهي إما أن تكون خلال إيراده الحديث، ومن ذلك الحديث رقم 980 فقد مرّ رجلٌ اشتهر أبوه بحادثة مهمة فعرّف بأبيه حرصاً على الفائدة: (حدثنا القعنبي عن مالك عن نعيم بن عبدالله المجمر أن محمد بن عبدالله بن زيد – وعبدالله بن زيد هو الذي أٌري النداء بالصلاة – أخبره عن أبي سعود...) فالتعليق هنا كان في جملة اعتراضية حرصاً على إفادة القارئ والسامع. وقد يعترض بجملة معترضة ليزيل الالتباس، كما لو جاء اسم أحد الرواة كنية فيذكر لنا اسم هذا الراوي كما في الحديث 32 ففيه: (حدثني أبو أيوب – يعني الافريقي – عن عاصم) .

– وإما أن تكون التعليقات بعد إيراده الحديث. وهذا الغالب عليها. ولا حاجة للتمثيل عليها لأنّ كل الأمثلة القادمة هي من هذا النوع.

– وأما مقدارها، فهو يتفاوت من حديث إلى آخر. فبينما يكون التعليق جملة مختصرة إذا بنا نراها تبلغ أحياناً ما يقرب من صفحة.

مضمونها:

يمكن أن تصنف هذه التعليقات حسب الموضوع الذي تدور حوله، وسنورد ما وفقنا عليه من دراستنا لكتاب ((السنن)):

1 – كلامه حول الرجال:

تعتبر هذه التعليقات من الملاحظات الحديثية بوجه عام، ومقدارها في ((السنن)) لا بأس به، ولو جمعت هذه الملاحظات في الرجال والمتون ونسقت لتكوّن منها بحث لطيف.

ونستطيع أن نصنف كلامه في الرجال في زمرتين:

الأولى:

كلامه في التعريف بهم وذكر أنسابهم والتحقيق في المختلف فيه منها وتبيان ما اعتراها من تصحيف وغلط.

والثانية:

كلامه في جرحهم وتعديلهم.

التعريف

من الأمثلة على التعريف بالرجال أنه أورد الحديث 1067 وهو عن الصحابي طارق بن شهاب فقال: (قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي r ولم يسمع منه شيئاً) .

ومن ذلك تعريفه قعنب أحد رواة الحديث 2496 فقد عرّفه تعريفاً مفصلاً فقال: (قال أبو داود: كان قعنب رجلاً صالحاً، وكان ابن أبي ليلى أراد قعنباً على القضاء فأبى عليه، وقال: أنا أريد الحاجة بدرهم فاستعين عليها برجل قال: وأينا لا يستعين في حاجته؟ قال: أخرجوني حتى أنظر، فأخرج، فتوارى. قال سفيان: بينما هو متوارٍ إذ وقع عليه البيت فمات) .

ومن ذلك تعريفه بأبي العباس أحد رواة الحديث 2529 وهو (مُحَمّد بنُ كثيرٍ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ – عَن حَبيبِ بن أبي ثَابِتْ عَن أبي العبّاسِ عَنْ عَبْدالله بن عمرْ وقَالَ: جَاء رَجُلٌ إلى النّبي r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أجَاهِدُ؟ قَالَ: ألَكَ أبوانِ؟ قَالَ: نَعمْ. قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".

قال أبو داود: أبو العباس هذا: الشاعر، اسمه السائب بن فروخ) .

ومن ذلك تعريفه سليمان أحد رواة الحديث 975 فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفيّ الأصل كان بدمشق) .

ومن ذلك تفسيره نسبة أبي مصبح المقرائي أحد رواة الحديث 938 فقد قال بعد أن أورد الحديث يفسر هذه النسبة: (قال أبو داود: المقراء قبيلٌ من حمير) .

ومن ذلك تعريفه بأبي زيد أحد رواة الحديث رقم 10 فقد رأى أن ذكر الكنية وحدها لا يكفي فقال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة) .

ومن ذلك تبيينه المراد من أبي شجرة أحد رواة الحديث رقم 666 فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: أبو شجرة كثير بن مرة) .

وقد يبين بالتعليق بلد الراوي كما فعل في جعفر بن يحيى بن ثوبان أحد رواة الحديث 672. فقد قال (قال أبو داود: جعفر بن يحيى من أهل مكة) .

وقد يكون حديثه عن الرجل في هذه التعليقات تصويباً لخطأ وتصحيف أو تحقيقاً لاسم اختلف فيه:

فمن ذلك تصويبه لاسم أحد رواة الحديث 2522 وهو رباح بن الوليد الذي ورد مقلوباً مغلوطاً كما يلي: (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا يحيى بن حسان، ثنا الوليد بن رباح الذماري حدثني عمي نمران ابن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء...) فقد قال مصوباً هذا الخطأ: (قال أبو داود: صوابه رباح بن الوليد) .

ومن ذلك اشارته إلى قول آخر في اسم الرجل الوارد في الحديث وقد يكون أحدهما تصحيفاً للآخر، كما في الحديث 1007 الذي جاء فيه: (صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رِمْثَه فقال: صليت هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي r..) قال أبو داود عقب الحديث:

(قال أبو داود: وقد قيل (أبو أمية) مكان (أبي رمثة) .

ومن ذلك تحقيقه اسم أحد الرواة الحديث 63 وهو محمد بن عباد بن جعفر فقد ورد في رواية مغلوطاً فذكر القولين ثم رجح الصواب. وهذا الحديث رواه عن ثلاثة شيوخ وهم محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي. وجاء اسم الراوي في سنده هكذا (محمد بن جعفر بن الزبير) ثم قال: (قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء. وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر. قال أبو داود: وهو الصواب) .

وقد يورد أقوالاً مختلفة في اسم راوٍ ولا يرجح. كما في الحديث 888 فقد جاء في سنده اسم أحد الرواة: وهب ابن فانوس. وبعد أن أورد الحديث قال: (قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: قلت له: مأنوس أو مأبوس. قال: أما عبدالرزاق فيقول: مأبوس، وأما حفظي فمأنوس) ولم يرجح.

الجرح والتعديل

إن تعليقات أبي داود التي تتناول الرجال جرحاً وتعديلاً كثيرة لن نستطيع استقصائها وسترد أمثلة كثيرة منها الفقرة الآتية التي نتحدث فيها عن كلامه في تضعيف الحديث، ومن أجل ذلك فسأورد بعض الأمثلة هنا اكتفاء بما سيمر بنا في تضعيفه الحديث.

وهو – في جرحه للرجال – إما أن يورد قوله فيهم فقط دون أن ينقل عن بعض العلماء وإما أن يكون الحكم عليهم منقولاً عن الأئمة الذين تقدموه.

فمن الأمثلة على جرحه الرجال قوله في (عبدالسلام بن حرب) أحد رواة الحديث رقم 14: (وهو ضعيف) .

ومن ذلك قوله في (أبان بن طارق) أحد رواة الحديث رقم 3741: (إنه مجهول) .

وقد يورد الحكم على الرجال منقولاً عن العلماء كما فعل في الحكم على (عبدالرحمن بن اسحاق) أحد رواة الحديث 758 فقد نقل عن الامام أحمد تضعيفه إياه قال: (قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يضعف عبدالرحمن بن اسحاق الكوفي) .

2 – كلامه في تضعيف الحديث

لو ذهبت أستقصي تعليقاته في تضعيف الحديث لخرجت عن حدود البحث التي رسمتها لكثرتها مع تنوعها، ولكنني أذكر ما يعطي الفكرة النيرة عن تعليقاته في هذا الموضوع.

فمن الأمثلة على تضعيفه للحديث وبيانه سبَب الضعف ما رواه عن شيخه محمد بن اسماعيل بن أبي سمينة البصري في الحديث رقم 704 وَنصُّه:

(عن ابن عباس – قال أحسبه – عن رسولِ الله r قال: "إذَا صَلّى أحَدُكُمْ إلى غَير سترةٍ فإنّهُ يَقْطٌَعُ صَلاتَهُ الكلبُ والحمارُ والخنزيرُ واليَهُوديُّ والمجُوسِيُّ والمرأة، ويُجزِئ عَنْهُ إذا مَرّوا بينَ يديهِ على قَذْفَةٍ بحجَرْ" .

ثم قال المؤلف معلقاً:

قال أبو دواد: في نفسي من هذا الحديث شيء، كنتُ أذاكر به إبراهيم وغيره، فلم أر أحداً جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحداً جاء به عن هشام. وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة يعني محمد بن اسماعيل البصري مولى بني هاشم. والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه: على قذفة بحجر، وذكر الخنزير. وفيه نكارة قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن اسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه) .

ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث 19 فقد بين درجته ثم ذكر سبب الضعف ونصه: (عن همام، عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان النبي r إذا دخل الخلاء وضع خاتمه). قال: (قال أبو داود: هذا حديث منكر) ثما قال ذاكراً سبب الضعف: (وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنّ النبي r اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه. والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام) .

ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث رقم 132 فقد نقل إنكار أحمد وابن عيينة للحديث؛ وفي سنده (عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده) (قال أبو داود: قال مسدّد: فحدثت به يحيى فأنكره، وقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره ويقول: إيش هذا: طلحة عن أبيه عن جده) .

ومن الأمثلة على ذلك تضعيفه للحديث ببيان انقطاعه أي أن أحد الرواة لم يدرك الآخر، وهذا ما يعبر عن علماء الحديث بالانقطاع كما في الحديث 616 الذي جاء في سنده: (..عبدالعزيز بن عبدالملك ثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة).

قال أبو داود في تعليقه عليه: (قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث 1978 وقد جاء في سنده أن الحجاج يروي عن الزهري فقال في نقده: (قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 165 وفي سنده (.. أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة..) فقال أبو داود يضعفه (وقال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثورٌ هذا الحديث من رجاء) .

ومن ذلك تضعيفه للحديث بنقل أقوال بعض العلماء في توهين الحديث كما في الحديث 1004 وهو: ((حذف السلام سنة)) فقد قال عقبه:

(قال عيسى: نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث. قال أبو داود: سمعتُ أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفرياني (وهو أحد رواة الحديث) من مكة ترك رفع هذا الحديث وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه) .

ومن تضعيفه للحديث نقلاً عن بعض العلماء تعليقه على الحديث رقم 202 فقد قال عقبه: (قال أبو داود: قوله: الوضوء على من نال مضطجعاً هو حديث منكر لم يروه إلاّ يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة) ثم قال: (قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؛ ولم يعبأ بالحديث) .

وقد يضعف الحديث بالحكم عليه بأنه وهم دون أن يذكر سبب حكمه كما في فعل في الحديث 944 "التّسْبيحُ لِلرِّجالِ والتّصْفِيقُ للنِسّاء، مَنْ أشار في صَلاتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدلَها". يعني الصلاة قال أبو داود: هذا الحديث رقم) .

وقد يضعف الحديث والحكم عليه بأنه ليس بالقوي، كما فعل في الحديث 158 فقد قال في عقبه: (قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي. ورواه ابن ابي مريم ويحيى بن اسحاق والسليمي عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده) .

وكما في الحديث رقم 159 فقد قال عقبه:

(قال أبو داود: وروي هذا أيضاً عن أبي موسى الأشعريب عَن النّبيِّ صَلى اللهُ عَليهِ أنّهُ مَسَحَ عَلى الْجَوْرَبَين وليس بالمتصل ولا بالقوي) .

3 – فوائد حديثية

في تعليقات أبي داود فوائد حديثية أخرى ليست مقصورة على مبحث التصحيح والتضعيف، وسنذكر بعضاً منها:

فمن هذه الفوائد تعليقه على بعض الأحاديث بأن ينبه بأن رواة هذا الحديث كلهم مثلاً من بلد معين، وهذه مزية خاصة للسند ويدعو بعضهم الحديث الذي يكون سنده كذلك بالحديث المسلسل فمن ذلك تعليقه على الحديث رقم 91 حيث قال:

(قال أبو داود: هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 155 حيث قال:

(قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل البصرة) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 870 حيث قال بعده:

(قال أبو داود: وهذه الزيادة تخاف ألاّ تكون محفوظة. قال أبو داود انفرد أهل مصر باسناد هذين الحديثين: حديث الربيع وحديث أحمد بن يونس) .

ومن هذه الفوائد الحديثية: إشارته إلى أنَّ هذا الحديث لم يسند إلا من هذا الطريق كما جاء في تعليقه على الحديث رقم 15 حيث قال: (قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار) .

ومن الفوائد الحديثية ما يجريه من الموازنة بين روايتين يوردهما.

فقد أورد الحديثين 1053 و 1054؛ أحدهما في أنّ كفارة من ترك الجمعة دينار، وهو عن همّام. وثانيهما في أن كفارة من ترك الجمعة درهم – وهو عن أبي العلاء أيوب. وقال بعد أن أوردهما:

(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن اختلاف هذا الحديث فقال: همّامٌ عندي أحفظ من أيوب يعني أبا العلاء) .

وكذلك فقد أورد الحديث 1024 وهو:

(حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بنُ العَلاء، ثنا أبو خالِدٍ، عَن ابنِ عَجْلانَ، عَنْ زَيْد بنِ اسْلَم، عَنْ عَطَاء بنِ يَسَارٍ، عَنْ أبي سَعيد الخُدريّ قالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ r: "إذاً شَكَ أحَدُكُمْ في صَلاتِهِ فَلْيُلْقِ الشَكَّ وليبن على اليقين، فإذَا اسْتَيْقَنَ التّمامَ سَجَدَ سَجْدَتَينِ فإن كانت صَلاتُهُ تَامّةً كانَتْ الركْعَةُ نافِلَة والسّجْدتَان. وإنْ كَانَتْ نَاقِصَة كَانت الركعةُ تماماً لِصلاتِهِ وكانَت السّجْدتَانِ مُرْغمتيْ الشّيْطَان".

قال أبو داود: رواه هشام بن سعد ومحمد بن مطرف عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي r، وحديث أبي خالد أشبع) .

واكتفى بهذه الموازنة ولم يورد حديث ابن سعد ولا ابن مطرف.

وقد يعبر عن تفضيله لاحدى الروايتين بأن حديث فلان أتم، كما صنع في الحديث رقم 45 حيث قال:

(قال أبو داود: وحديث الأسود بن عام أتم) وكما صنع في الحديث رقم 62 فقد رواه عن محمد بن يحيى عن عبدالله بن يزيد ثم أورد تحويلاً فقال: (ح وحدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس قالا: ثنا عبدالرحمن ابن زياد. قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أتقن) وبعد أن أورد الحديث قال:

(قال أبو داود: وهذا حديث مسدد وهو أتم) .

ومن الفوائد الحديثة التي نجدها في التعليقات ما يتصل بمفهوم المصطلحات كالمرسل، فإنّ المرسل عند جمهور العلماء هو الحديث الذي سقط منه الصحابي ومنهم من يعم فيطلق المرسل على كل حديث سقط منه راو، ويبدو أن أبا داود من هؤلاء؛ يدل على ذلك تعليقه على الحديث 886 وسنده: (حدثنا عبدالملك بن مروان الأهوازي، ثنا أبو عامر وأبو داود عن ابن أبي ذئب عن اسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبدالله عن عبدالله بن مسعود... الخ..).

قال أبو داود: (هذا مرسل: عونٌ لم يدرك عبدالله) .

ومن الفوائد الحديثية أنه يذكر أحياناً أنّ هذا الراوي لم يخرج له في كتابه إلا هذا الحديث كما صنع في الحديث 1036 فقد أخرجه عن جابر الجعفي وهو رافضي كذاب، فقال بعد أن أورده:

(قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر إلا هذا الحديث) .

وكأنه يعتذر بذلك لضعف جابر، وأظنُّ أن مثل هذا التعليق إنما كان من أبي داود في قراءاته المتأخرة للكتاب وليس من تأليفه الأول.

4 – التعريف بالأمكنة

ويشغل هذا المقصد حيزاً ليس بالقليل من التعليقات، ويبحث أبو داود في هذا الأمر بحثاً موضوعياً ميدانياً – على التعبير الشائع – فيقوم بنفسه بقياس الأمكنة المذكورة في الحديث ورؤيتها والبحث في التطورات التي حصلت عليها ويصفها كما رآها.

وهذا تفكير علمي صحيح وأسلوب من التحقيق اليقيني في مثل هذه الموضوعات، ومن الأمثلة على ذلك تحقيقه لموضع (بئر بُضاعة) وقياسها ووصفها؛ فهو بعد أن أورد الحديث المشهور عن هذه البئر التي سئل النبي r عن الوضوء فيها على الرغم مما يطرح فيها من الفضلات فقال r: "الماءُ طهورٌ لا ينجسه شيء". وبعد أن أورد المؤلف روايتين للحديث قال:

(قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعد قال: سألتُ قَيِّمَ بئر بضاعة عن عمقها. قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.

قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون) فهو أولا يروي ما سمعه عن قتيبة بن سعد ويقره عليه؛ لأنه بعد أن زار البئر لم يذكر لنا خلاف ما روى.

ثم يذكر أنه هو بنفسه قاسها فوجد عرضها ستة أذرع، ويحكي لنا الطريقة التي استخدمها في هذا القياس وهي مدّ ردائه ثم ذرعه، ويحكي لنا أنه خشي أن يكون بناؤها قد غير عما كان عليه زمن الرسول، فسأل المشرف عليها الذي فتح له باب البستان الذي يضمها. فتأكد من أنها على حالها ثم وصف الماء الذي فيها بأنه متغير اللون.

وهذا صنيع علمي دقيق محمود.

وكذلك فقد عرَّف المكان الوارد في الحديث 37 وهو حصن باب أليون فقال: (قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل) .

5 – ذكر مناسبة ورود الحديث

من التعليقات إيراده مناسبة الحديث وغالباً ما يفعل ذلك إذا كان فيه تعارض مع حديث آخر. مثال ذلك أنه أورد حديثاً يمنع الالتفات في الصلاة وهو برقم 909 ثم جاء بحديث آخر برقم 916 يرخص في ذلك، وفيه (فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يُصَلَّي وَهُوَ يَلتفِتُ إلى الشَّعبْ) .

قال أبو داود: (وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل) وقد أورد الحديث مفصلاً برقم 2501 وكأني به يريد أن يقول إن الأصل عدم الالتفات إلا أن يكون هناك داعٍ تحتمه المصلحة كما في هذا الحديث؛ إذ أن الرسول r أرسل فارساً إلى الشعب ليلاً يحرس، فلما وقف r لصلاة الصبح جعل يلتفت، لهذا الاعتبار.

ومن المفيد أن نشير إلى أن هناك كتباً ألفت في بيان مناسبات الحديث من أشهرها كتاب ((البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف)) للعلامة المحدث السيد إبراهيم بن محمد كمال الدين نقيب مصر ثم الشام الشهير بابن حمزة الحسيني المتوفى سنة 1120هـ.

6 – شرح الكلمات

من أكثر التعليقات وروداً شرحه الكلمات الواردة في الأحاديث وهو على أنواع: فمنها شرحه المفردة دون أن يذكر في الشرح أحداً من العلماء والشرح كما فعل في الحديث 132 حيث قال: (حَتّى بَلَغَ القَذَالَ وَهُو أوَّلُ القَفَا) وكذلك فعل في الحديث 142 قال: (فأتينَا بِقِنَاعٍ والقِنَاعُ الطّبَقُ فِيهِ تَمْر) ومن الملاحظ أنّ هذه الشروح وردت خلال النصّ، وأحياناً يكون الشرح عقبه، وهكذا فعل في الحديث 947 وهو: (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ r عَن الاخْتِصَار في الصَّلاة، قَالَ أبو داوُد يَعني يَضعُ يَدَهُ عَلى خَاصِرتِه) .

وكذلك فعل في الحديث 3715 وهو: (قَالَت سَوْدَة: بَل أكَلْتَ مَغَافِير. قَالَ: بل شَرِبْتُ عَسَلاً سَقَتْني حَفْصَةُ، فقُلْتُ: جَرَسْتُ نحُله العُرْفُطَ. (قال أبو داود: المغافير: مقلة، وهي صمغة. وجرست: رعت العرفط: نبت من نبت النحل) .

وقد ينقل هذا الشرح عن عالم من علماء غريب الحديث:

كما في الحديث 3685 وهو: نَهَى r عَنِ الحمْرِ والمَيْسِر والغُبَيراء وَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام". قال أبو داود: (قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء السكركة تعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة) .

وقد تكون الكلمة واضحة المعنى في ذاتها غير أن المراد منها يحتاج إلى إيضاح فيتولى شرح ذلك.

كما في الحديث 666 الذي ورد فيه قوله r: "وَلِينُواْ بأيْدي إخْوانِكُم" فقال في شرحها: (قال أبو داود: ومعنى ((وَلِينُواْ بأيْدي إخْوانِكُم)). إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف) .

وكما في حديث أنس برقم 413 الذي فيه (حتى إذا اصفرت الشمس) فقد أورد بعد ذلك شرحاً لهذه الجملة مسبوقاً بسند ينتهي إلى الأوزاعي صاحب الشرح فقال:

(حدثنا محمود بن خالد، ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو – يعني الأوزاعي –: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمي صفراء) .

وقد يكون شرحه للكلمة بياناً للحكم الفقهي. مثال ذلك شرحه لكلمة (عجماء) الواردة في الحديث 4593 من قوله r: "الْعَجْماءُ جرْحُها جُبَار". فقال:

(قال أبو داود: العجماء: المنفلتة التي لا يكون معها أحد وتكون بالنهار لا تكون بالليل) .

فهو في هذا الشرح إنما يبين المراد من كلمة العجماء في الحديث ممزوجاً بالحكم الفقهي ولا يشرح الكلمة من الناحية اللغوية، فبيّن أنّ جرحها جبار عندما تكون منفلتة ليس معها أحد، وهذا خاص بالنهار. أما في الليل فلابد من مسؤولية تترتب على صاحبها إن فرط .

7 – آراء فقهية

سبق أن رأينا أن آراء الرجل الفقهية نستطيع أن نجدها في عناوين الأبواب من كتابه ونود هنا أن نتحدث عن الآراء الفقهية الكثيرة التي نقف عليها خلال تعليقاته على الأحاديث في كتاب السنن. ويمكن أن تصنّف آراؤه أنواعاً عدة:

فمن هذه الآراء الفقهية آراء ينسبها لجماعة من الصحابة أو التابعين.

فهو يقول بعد الحديث 159:

(قال أبو داود: ومَسَح على الجوربين عليُّ بن أبي طالب وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك وأبو أمامة، وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس) وهو في هذا يؤيد القول بالمسح على الجوربين بنقله عن هؤلاء الصحابة الذين يرون هذا الرأي.

ويقول في باب سجود السهو تعليقاً على الحديث 1035 (قال أبو داود: وكذلك سجدهما ابن الزبير قام من ثنتين قبل التسليم، وهو قول الزهري) .

وفي باب الاحتباء والامام يخطب أورد حديثين:

أولهما: برقم 1110

عَن مُعَاذِ بنِ أنَس أنَّ رسولَ اللهِ r نَهى عنِ الحبْوَةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ والإمَامُ يَخْطُبْ، وفي سند هذا الحديث سهل بن معاذ وأبو مرحوم، وقد تكلم فيهما.

ثانيهما: برقم 111

عَن يَعْلى بن شَدَّاد قالَ: شَهدتُّ مَع مُعاوِيةَ بَيْتَ المقْدِسِ فَجَمّعَ بِنَا، فَنَظَرْتُ فَإذا جُلُّ مَنْ في المسْجِدِ أصحَابُ النَبيِّ r فَرَأيْتُهُمْ مُحْتَبينَ والإمامُ يخطُبُ قال أبو داود: كان ابن عمر يحتبي والامام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب وابراهيم النخعي، ومكحول، واسماعيل بن محمد بن سعد، ونعيم بن سلامة قال: لا بأس بها.

قال أبو داود: ولم يبلغني أنّ أحداً كرهها إلا عبادة بن نُسَيّ) .

وكأن إيراده ذلك عنهم بعد أن أورد حديثين متعارضين تأييد لأحدهما ورد للآخر، وقد رأينا أنّه ردّ حديث النهي عن الحبوة بأن في سنده رجلين تكلم فيهما.

وكذلك فعل بعد الحديث 152 قال:

(قال أبو داود: أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون من أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو) .

وقد يورد آراء بعض التابعين، والأمثلة كثيرة يطول ذكرها.

وقد ينقل آراء العلماء التي تتضمن آراء فقهية، فمن ذلك نقله أقوال العلماء في تحديد بعض المقادير.

كما فعل بعد أن أورد حديث اغتسال النبي r بالصاع ووضوئه بالمدّ رقم95 قال:

(قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب وهو صاع النبي r) .

ومن أمثلة نقله آراء العلماء الفقهية تعليقه على الحديث 884 قال:

(قال أبو داود: قال أحمد: يعجبني في الفريضة أن يدعو بما في القرآن) .

وقد وجدت أبا داود في نقله آراء العلماء الفقهية يغلب عليه الاختصار والايجاز، وقد وجدته مرة يطيل في نقل ذلك إطالة تلفت النظر، وذلك في باب (من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة) .

ومن هذه الآراء الفقهية آراء اجتهادية تثبت لنا مقدرته الفقهية ووزنه الراجح في ذلك هذا كثير ونكتفي بالاشارة إلى بعض الأمثلة.

علق على الحديث رقم 342 التعليق الآتي:

(قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل الجمعة وإن أجنب) .

وأورد حديثين في قراءة صلاة المغرب أحدهما يدل على الاطالة وهو برقم 812 والآخر يدل على التخفيف وهو برقم 813 ثم ذهب إلى أن حديث التخفيف في القراءة نسخ حديث الاطالة فقال: (قال أبو داود: هذا يدل على أن ذاك منسوخ وهذا أصح) .

وأورد عدداً من الأحاديث الصحيحة عن عثمان رضي الله عنه في مسح الرأس فقال:

(قال أبو داود: أحاديث عثمان رضي الله عنه الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا فيها: (ومسح رأسه) ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره) .

ففي هذا التعليق رأي أبي داود الفقهي في مسألة مسح الرأس في الوضوء وأنه مرة واحدة.

وفيه طريقة الاستنتاج وهي المقارنة بين المغسول والممسوح، فقد ذكروا العدد في غير المسح ولم يذكروه في المسح.

ومن هذه التعليقات تعليقات أصولية كما ترى في تعليقه على الحديث رقم 720 فقد أورد أبو داود أحاديث متعارضة في قطع الصلاة، وذكر عقب ذلك الخطة التي ينبغي أن تنتهجها إزاء ذلك فقال:

(قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن رسول الله r نظر إلى ما عمل به أصحابه بعده) وفي التعليقات روايات عن بعض التابعين يعلل فيها حكماً منقولاً عن النبي r.

فقد جاء بحديث عبدالله بن سرجس وهو برقم 29 أنَّ رَسُولَ اللهِ r نَهَى أن يُبالَ في الجُحْر. قال : قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟

قال: كان يقال: إنها مساكن الجن .

فنحن نرى أنّ أبا داود يورد كلام قتادة كتعليل للحكم، وقتادة يورده على صيغة لا تدل على الجزم: (كان يقال...).

8 – المصطلحات

في تعليقات أبي داود عدد من المصطلحات نذكر منها ما يلي:

(وذكر الحديث) (ساق قريباً من حديث فلان) (ساق الحديث نحوه) (باسناده ومعناه) (بمعناه).

وانظر الأحاديث 111 – 112 – 113 – 183 – 34 ويبدو أنّ مقتضى الاختصار مع الدقة والوضوح هو السبب في استعمال المؤلف لهذه المصطلحات، لأن هذه المصطلحات أنما يوردها أبو داود بعد أن يأتي بحديث ويريد أن يأتي بآخر.

ورأيته مرة استعمل كلمة (مقصور) بدل كلمة (موقوف) وكلمة (أسنده) بدل (رفعه).

وذلك في الحديث 1056 وهو: (حدثنا مُحَمْد بن يَحيى بن فارس، ثنا قَبِيصَه، ثنا سُفْيانُ، عن مُحَمّد بن سَعيد، عن أبي سَلمَة بن نبيه عن عَبدالله بن هارُون عن عَبدالله بن عَمْرو، عَنِ النَبيِّ r قَال: "الجُمعةُ على كُلِّ مَنْ سَمعَ النّداء". ثم قال: (قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على عبدالله بن عمرو. ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة) .

تعليقات غامضة

وهناك بعض التعليقات الغامضة التي لا تفهم إلا بعد طول نظر وتأمل، ومن ذلك التعليق الآتي مع سند الحديث رقم 975.

(حَدَّثَنَا مَحْمُود بنُ دَاود بن سُفْيَان، ثَنَا يحيى بن حَسّان ثَنَا سُليْمان بن موسى أبو داود، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سُلَيمانَ بنِ سَمُرة عَنْ أبيهِ سُليمَانَ بن سَمُرة. عَنْ سَمُرةَ بن جُنْدُبْ أمّا بَعْدُ أمَرنَا رسول اللهِ r إذا كانَ في وَسَطِ الصَّلاةِ أو حِين انقِضَائِها فابدؤوا قَبْل التّسْليمِ فقُولُوا: التّحِيّاتُ الطّيِّبَاتُ والصَّلَواتُ والمُلْكُ للهِ ثم سَلِّموا عَلى اليَمين ثمَّ سَلِّموا عَلى قَارِئِكُمْ وعَلى أنْفُسِكُمْ.

قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق.

قال أبو داود: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة) .

وغموض التعليق جاء من أنه لم يرد للحسن ولا للصحيفة ذكر.

وشرح هذا التعليق كما يأتي: قال في ((عون المعبود)):

(وفي سنن أبي داود في باب اتخاذ المساجد في الدور: عن سمرة بن جندب أنه كتب بنيه: (أما بعد فإن رسول الله r...) الحديث أنه كان عند أبناء سمرة صحيفة من سمرة، وأنهم جمعوا ما كتب إليهم سمرة فصارت هذه المكاتيب بمنزلة الصحيفة والكتاب.

وأما قول المؤلف: (دلت هذه الصحيفة...) فوجه دلالتها وتعلقها بالباب أن هذا اللفظ الذي رواه سليمان بن سمرة عن أبيه بقوله (أما بعد فإن رسول الله r..) من ألفاظ الصحيفة التي أملاها سمرة ورواها عنه ولده سليمان، فأراد أبو داود أن سليمان بن سمرة كما صح سماعه من أبيه بهذه الصحيفة وغيرها كذلك الحسن البصري صح سماعُه بهذه الصحيفة وغيرها من سمرة لأن كلاً منهما أي سليمان ابن سمرة وكذا الحسن بن يسار من الطبقة الثالثة، فدل ذلك أن الحسن سمع من سمرة كما أن سليمان بن سمرة سمع من أبيه سمرة لأنهما من الطبقة الثالثة فلما سمع سليمان من أبيه سمرة فلا مانع أن يكون الحسن سمع منه وأن أبا داود من القائلين بأن الحسن البصري ثبت سماعه من سمرة..) .

مخطوطات كتاب سنن أبي داود

ذكر بروكلمان وفؤاد سزكين مواضع وجود مخطوطات كاملة ومخطوطات ناقصة من هذا الكتاب، وقد كدت أنقل ذلك بأرقامه وعدد صفحات الموجود منه، ولكني لم أجد في ذلك كبير فائدة فرأيت أن أشير إلى أماكن وجودها، وبإمكان الراغب في الاطلاع عليها أن يرجع إلى هذين الكتابين:

برلين – ميونخ – باريس – بني جامع – أيا صوفيا – نور عثمانية – كوبريلي – مراد ملا – سليم آغا – شهيد علي – حكيم – الفاتم – جار الله – حسن حسني – الحميدية – خالد أفندي – مهرشاه – لاله لي – فيض الله رئيس الكتاب – مكتبة جامعة استامبول – عاطف – أنقرة صائب الرباط – تشستربيتي – منجانا – تيمور – طلعت – بلدية الاسكندرية – الأوقاف ببغداد – عليكرة – سبحان – بريل – بودليانا – الجزائر – دمشق – حلب – داماد زاده – سليمانية – يوسف آغا – تلممسان – مكتبة القرويين بفاس – مكتبة جامع الزيتونة – بنيكيبور – آصفية – رامبور – المتحف البريطاني.

وكنت أتمنى لو أنه كان بإمكاني أن أتعرف إلى كل من هذه المخطوطات وبأية رواية هي؟ وهناك مخطوطات أخرى في غير هذه الأمكنة ولكننا لم نقف عليها.

ولعلّ من أهمها تلك المخطوطة النفيسة التي وقف عليها الصديق العلامة الزميل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي وقد أخبرني أنها موجودة في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة، وقد ابتدأت بأحاديث من الباب الذي يسبق باب (من ترك القراءة في صلاته) وانتهت بباب (صوم الدهر تطوعاً). وهي برواية أبي بكر محمد بن بكر.. ابن داسة وعليها سماعات وقراءات، وعورضت النسخة بأصل الشيخ أبي الحسن ماسرجي رحمه الله وذكر الاختلاف بهامش النسخة.

ولعلّ من أهم هذه المخطوطات مخطوطة نفيسة لا أدري مكان وجودها على وجه اليقين وإن كنت أظن أنها موجود في مكة وقد وقفت على أمرها من نظري في نسخة سنن أبي داود المطبوعة التي كان يملكها الشيخ عبدالظاهر أبو السمح. إمام الحرم المكي رحمه الله، فقد قابل بعض طلبة العلم نسخة السنن المطبوعة بإشراف محمد محيي الدين عبدالحميد على هذه المخطوطة وقد نظرت فيها وافدت منها كثيراً.
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 14-09-12, 02:36 AM
محمود البغدادي محمود البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-12
المشاركات: 144
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

طبعاته

طبع هذا الكتاب مرات عديدة، ولكنه لم يطبع حتى الآن طبعة محققة. ونورد فيما يأتي الطبعات التي ذكرها سركيس وبروكلمان وسزكين ونزيد عليها ما وقفنا عليه. وكنت أود أن أتكلم على كل طبعة بكلمة وصفية نقديه، غير أن ذلك لم يتيسر لي الآن لأنني لم أستطع رؤية جميع هذه الطبعات وقد تتهيأ لي فرصة في المستقبل لذلك:

1- طبع بجزأين في المطبعة الكاستيلية بمصر سنة 1280هـ بعناية الشيخ نصر الهوريني رحمه الله .

2- وذكر بركلمان أنه طبع سنة 1271 – 1272م في دهلي بالهند.

3- وطبع بجزأين مع شروح على الهامش في الهند بدهلي سنة 1283.

4- وطبع جزء واحد منه مع شروح على الهامش في دهلي سنة 1890م وعدد صفحاته 168.

5- وطبع بجزء واحد في لكناو سنة 1840م.

6- وطبع في لكناو سنة 1877 – 1888م.

7- وطبع في لكناو سنة 1305هـ.

8- وطبع بجزء واحد في حيدر آباد سنة 1321هـ وصفحاته 393.

9- وطبع بجزأين مع شرح لأبي الحسنات محمد الفنجاني وذلك في لكناو سنة 1318هـ.

10- وذكر بروكلمان أنه طبع أيضاً بهامش شرح الموطأ للزرقاني سنة 1310هـ – 1320هـ في القاهرة.

11- وطبع بأربعة أجزاء مع شرح واسع جيد وهو ((عون المعبود)) في الهند سنة 1323هـ، وسنتحدث عن هذا الشرح فيما بعد، والذي يهمنا هنا هو متن أبي داود، وأستطيع أن أقرر أن هذه الطبعة هي أصح ما رأيت من الطبعات وأفضلها وأكثرها تحقيقاً.

فقد ذكر الشارح الأستاذ العظيم الأبادي أنه ظفر بإحدى عشرة نسخة من سنن أبي داود وكلها من رواية اللؤلؤي إلا نسخة واحدة فهي من رواية ابن داسة.

فقابل هذه النسخ بعضها على بعض ورجع إلى عشرات الكتب الأمهات من كتب الأئمة المتقدمين، واستطاع أن يميز رواية اللؤلؤي وأن يورد كل الروايات التي وصلت إليه وقال:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي أيضاً لكنه قليل جداً" .

ويبدو أنه قد بذل غاية الجهد، ولولا أنّ هذه الطبعة حجرية على الطريقة التي لا يزال إخواننا الهنود يجرون عليها الطباعة وأنها خالية من الترقيم لكان ينبغي أن يعتمد عليها جل الاعتماد.

12- وطبع في مصر سنة 1371هـ – 1952م طبعة سقيمة تجارية في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وكتب على هذه الطبعة: (تعليقات لفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد سعد علي من علماء الأزهر الشريف) كذا كتب على الورقة الغلاف.

والجدير بالذكر أن التعليقات نادرة وهي قليلة القيمة العلمية، والأستاذ المذكور وقّع بلقب (رئيس التصحيح بمطبع مصطفى البابي الحلبي) وهذه الطبعة جمعت مساوئ عدة من رداءة الورق وسوء الحرف وازدحام الصفحات وخلوها من الترقيم والتنقيط وقد ظهرت في جزأين صفحات الأول 595 وصفحات الثاني 680.

13- طبعة محمد محيي الدين عبدالحميد:

طبع هذا الكتاب على ورق صقيل وبحرف جميل بتحقيق الاستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد رحمه الله.

وكانت طبعته الأولى سنة 1354هـ – 1935م. وذكر في المقدمة أنه رجع إلى مخطوطات ومطبوعات ولكنه لم يذكر بالتفصيل ماهي هذه المخطوطات التي رجع إليها وأين مكان وجودها، ويبدو أنّه بالغ في ذلك مبالغة ظاهرة، ويكاد يظن المرء أنّ الرجل لم يرجع إلا إلى مطبوعة اعتمدها وأدخل فيها شيئاً من التعديلات التي أخذها عن مطبوعة أخرى. لأن الجهد الذي يبذله الانسان لابُدَّ أن يظهر له أثر ولا سيما بالنسبة لمن عانى أمور التحقيق وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة أجزاء مرقمة الأحاديث واستعمل المحقق فيها علامات الترقيم.

ولكننا لا نجد في حواشيها إلا تعليقات يسيرة جداً وليس في هذه التعليقات تخريج للأحاديث النبوية لأنه فيما يبدو لم يكلف نفسه في الطبعة الأولى عناء الرجوع إلى كتاب المنذري الذي أتيح له فيما بعد أن ينقل منه ثم صدرت الطبعة الثانية سنة 1369هـ – 1950م.

وفي هذه الطبعة أضاف إلى متن الكتاب إضافات كان يضعها بين معقوفتين ولم يذكر عنها شيئاً في المقدمة كما أضاف إلى تعليقاته تخريجاً للأحاديث وهو مأخوذ بحذافيره من كتاب المنذري ولم يذكر عنه شيئاً في المقدمة، والحق أنني وقفت على كثير من سرقات الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد وادعائه كلام غيره لنفسه وظلم العلماء الأقدمين وكتبت ما واجهته من ذلك في دراسة كنتُ أعددتها لكتاب شرح قطر الندى لابن هشام من نحو عشرين سنة سقت الأدلة الكثيرة، وما كنت أحب أن أذكر ذلك بعد أن توفي إلى رحمة الله غفر الله لنا وله، ولكن الشيء الذي راعني هو أن ينقل تعليقات الحافظ المنذري بكاملها وبحروفها دون أن يشير إلى ذلك في المقدمة.

ولو أنه فعل ذلك لأعطى لهذه التخريجات من القوة والرجحان والتوثيق شيئاً كثيراً ذلك لأن المنذري حافظ عظيم ومن المشتغلين بالسنة فعندما يكون تخريج الحديث منسوباً إليه فإن ذلك ادعى لأن يقبله القارئ ويتبناه عن قناعة لا تتوافر إلا للقلة من العلماء المحققين أمثال المنذري رحمه الله.

ويفيد في هذا المجال أن نقرر أن المنذري رحمه الله ذكر في مقدمة ((مختصره)) نهجاً علمياً دقيقاً فقال:

"واذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه" .

ولم يذكر الأستاذ المحقق مثل ذلك، فأوهم بإغفاله ذلك أن الحديث مخرج عند من ذكرهم المنذري ونقلهم عنه المحقق مخرّج بلفظه وربما لا يكون كذلك أما الشروح التي ذكرها الأستاذ المحقق رحمه الله فعلى الرغم من أنها في غاية الانجاز فإنها كذلك مأخوذة غالباً من شرح الخطابي بالحرف الواحد ولم ينسبها إليه، فأوهم أنها من عنده.

أما تعليقاته بشأن الرجال فليس هناك نهج يحكمه، فبينما هو يذكر لك في بعض الحالات الرأي في بعض الرجال إذا هو يسكت في الغالب ولا يورد شيئاً، ويبدو أنه لم يكن يكلف نفسه عناء التنقيب في بطون الكتب، بل كان إذا صادفه شيء في أقرب شرح له ذكره.

ومن ملاحظاتنا أنه لم يلتزم نهجاً واضحاً في الترقيم.

فقد يعطي الخبر المنقول عن عالم من العلماء رقماً كما في الحديث 769 وقد نقل فيه رأياً لمالك وهو: (لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه وآخره في الفريضة وغيرها) والنهج السليم في نظري أن لا يعطي لآراء العلماء أرقاماً يدخلها في أرقام الأحاديث، وأن يقتصر في الترقيم على الأحاديث. وكذلك فإن ترقيم الأحاديث ينبغي أن يراعى فيه واحد من أمور ثلاثة: فإن أن يكون الترقيم تابعاً لمتن الحديث، وإما أن يكون تابعاً للصحابي الذي أخرجه وإما أن يكون تابعاً لشيخ المؤلف الذي تلقى عنه الحديث، والغالب أن المحقق استخدم الأخير ولكنه لم يلتزم ذلك بدقة.

ففي صفحة 60 أحاديث عدة عن عليّ رضي الله عنه أعطاها أرقاماً لاختلاف شيخ المؤلف ولكنه في صفحة 248 لم يعط رواية اختلف فيها والصحابي عن الرواية المتقدمة ولم يعط الثانية رقماً، ومهما يكن من أمر هذه الطبعة فقد أدت خدمة وسدّت ثغرة فجزى الله ناشرها ومحققها خيراً.

الكتاب التي ألفت حول السنن

وقفت على أسماء عدد كبير من الكتب التي ألفت حول السنن وقد اتيح لي أن أطلع على بعض ما وصل إلينا منها، أما الباقي فبين مخطوط ومفقود.

ونستطيع أن نصنف الكتب التي ألفت حول السنن في زمر ثلاث:

1- شروح.

2- مختصرات.

3- دراسات.

الشروح: شَرحَ السنن كثيرون نذكر أهمهم فيما يأتي:

1- شرح الخطابي: من أنفع الشروح وأقدمها وعنوانه (معالم السنن) لأبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة 388هـ وهو منسوب إلى زيد بن الخطاب.

وهو يشرح المفردات الغربية والكلمات التي تحتاج إلى شرح شرحاً لغوياً واسعاً يدل على معرفة متبحرة باللغة وقد يستشهد لشرحه بأبيات أو جمل مأثورة عن العرب. ويشرح المراد من الجملة، ثم يشرح الحديث ويوفق بينه وبين ما روي على وجه قد يُظنُّ أن فيه خلافاً.

ثم يتحدث عن فقه الحديث ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذه الآراء.

ثم يذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بعنوان الباب.

طبع هذا الكتاب في حلب بأربعة أجزاء بتحقيق العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله سنة 1920 – 1924، 1932 – 1950م.

كتب على الأجزاء الثلاثة الأولى أنّها بتحقيقهما. وأما الجزء الرابع فما بعده حتى الثامن فقد كتب عليها أنها بتحقيق محمد حامد الفقي فقط، وقد أثبت في الأعلى من هذه الطبعة تهذيب المنذري ثم تحته معالم السنن وفي الأسفل تهذيب ابن القيم.

وقد لخص المعالم الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن ابراهيم المقدسي المتوفى سنة 765هـ وسمّاه (عجالة العالم من كتاب المعالم) .

2- العدد المودود في حواشي سنن أبي داود للحافظ المنذري المتوفى سنة 656هـ وقد ذكر سزكين مكان وجود مخطوطته.

3- وشرح ((السنن)) أيضاً شهاب الدين أحمد بن حسين بن ارسلان الرملي المتوفى سنة 744هـ ومخطوطاته موجودة في تركيا.

4- وشرح ((السنن)) قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين اليمني الشافعي المتوفى 752هـ في أربع مجلدات كبار في آخر عمره ومات عنه وهو مسوّدة .

5- وشرح هذا الكتاب أيضاً مغلطاي بن فليج المتوفى سنة 762هـ ولم يكمله .

6- وشرح هذا الكتاب أيضاً شهاب الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن ابراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزي. المتوفى بالقدس سنة 765هـ ويبدو أنه هو الذي لخص المعالم المذكور آنفاً. وسمّى شرحه ((انتحاء السنن واقتفاء السنن)) ومخطوطته محفوظة في مكتبة لاله لي في أربعة مجلدات تحت رقم 498 – 501.

7- وشرحه أيضاً عمر بن رسلان بن نصر البلقيني المتوفى سنة 805.

8- وشرح السنن أيضاً أبو زرعة العراقي ولي الدين أحمد بن عبدالرحيم المتوفى سنة 826هـ وأطال في شرحه جداً .

9- وشرح قطعة منه محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة 855هـ.

10- وشرحه السيوطي المتوفى سنة 911هـ وسمّاه ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود)) وتوجد منه مخطوطات عدة ذكرها سزكين .

11- وشرحه أبو الحسن محمد بن عبدالهادي السندي المتوفى سنة 1138هـ بعنوان ((فتح الودود على سنن أبي داود.

12- ((عون المعبود شرح سنن أبي داود)).

تأليف العلامة الشيخ شمس الحق العظيم أبادي، ويقع في أربع مجلدات كبيرة وقد طبع في الهند في دهلي سنة 1322هـ وقد أثبت في أعلى الصفحات سنن أبي داود بعد أن بذل جهداً مشكوراً في تحقيقه؛ فقد استطاع أن يميز بين رواية اللؤلؤي وغيره من الروايات ورجع في هذه الطبعة إلى إحدى عشرة مخطوطة.

أما شرحه فهو من أفضل الشروح وأكثرها استيعاباً لما قاله العلماء من قبله.

وهو لا يترك في الحديث شيئاً من ترجمة الرجال أو شرح للمفردات أو ذكر لآراء العلماء في المسألة لا يدع من ذلك شيئاً.

وقال في التنبيه الأول: أكثرت النقل من كلام الحافظ المنذري حتى قلت تحت كل حديث: (قال المنذري كذا وكذا) لأن الامام المنذري قد اختصر كتاب ((السنن)) من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه ثم بين ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً ومعلولاً وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان، وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده، وإني نقلت سكوته أيضاً ملتزماً به، فقلت: والحديث سكت عنه المنذري، إلا في بعض المواضع في أول الكتاب، فقد فاتني هذا الأمر، ومع ذلك فإني نقلت قدراً كثيراً من كلام أئمة الحديث في تنقيد أحاديث الكتاب من الصحة والضعف وبيان عللها وجرح الرواة وعدالتهم ما يشفي الصدور وتلذ الأعين فصار هذا الشرح بحمد الله تعالى مع اختصاره وايجازه مغنياً عما سواه، فكل حديث الكتاب فرداً فرداً من أول (باب التخلي عند قضاء الحاجة) إلى آخر باب (الرجل يسب الدهر) بينت حاله من القوة والضعف إلا ما شاء الله تعالى في أحاديث يسيرة مع أنه ليس في سنن أبي داود حديث اجتمع الناس على تركه) .

ويقول في آخر التنبيه الخامس:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي ولكنه قليل" .

طبع هذا الشرح كما أشرنا في الهند في دهلي سنة 1322هـ طبعة حجرية منقحة وفي كل جزء تصحيحات للأغلاط المطبعية بحيث أضحت هذه الطبعة إن صححت من أجود الطبعات.

وأعيد تصوير هذا الكتاب بالأوفست في بيروت.

ثم نشره محمد عبدالرحمن السلفي صاحب المكتبة السلفية في المدينة المنورة وطبعه في مصر وذكر أنه ضبط وتحقيق عبدالرحمن محمد عثمان، ونشر في الأعلى ((سنن أبي داود)) ويليه شرح ((عون المعبود))، ثم نشر في هامش الصفحات تهذيب ابن القيم وصدر الكتاب في أربعة عشر جزءاً، بدأ بطباعته سنة 1388هـ 1968م وانتهى 1389هـ (1969)م في مطابع المجد بالقاهرة.

ويبدو أن هذه الطبعة المتأخرة لا تمتاز إلا بكونها على ورق أبيض وبحرف مألوف.

13- وكذلك فقد شرح كتاب ((سنن أبي داود)) عالم معاصر هو الشيخ محمود محمد خطاب السبكي وسمّى كتابه:

((المنهل العذب المورود شرح سنن الامام أبي داود)) وذكر في المقدمة أنه شرع في سنة 1343هـ بقراءة سنن أبي داود مع نفر من الطلبة، فكانت نسخ الكتاب نادرة وقد صعب على الطلبة اقتناؤها، فأراد طبعه ليسهل الحصول عليه وكتب عليه شرحاً، وذكر أنه عني ببيان تراجم رجال الحديث وشرح ألفاظه وبيان معناه وما يستفاد منه من الأحكام، وأنه بيّن أوجه الخلاف وأدلته وذكر من خرّج الحديث سواء كان من الأئمة الستة أم غيرهم وبيّن حال الحديث من صحة أو حسن أو غيرهما وأورد مقدمة تشتمل على نبذة من مصطلح الحديث وترجمة المؤلف كما أورد في المقدمة طرفاً من رسالته إلى أهل مكة.

أصدر الشيخ محمود هذا الكتاب في عشرة أجزاء كبيرة وطبعت في مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ وقد توفى سنة 1352هـ وكان وصل إلى باب الهدي من مناسك الحج. ولم يكمل الكتاب.

وقد قام مصطفى علي البيومي بوضع مفتاح لهذه الأجزاء العشرة واحتوى هذا المفتاح على الفهارس الآتية:

1- فهرس الكتب والأبواب.

2- فهرس أوائل الأحاديث القولية.

3- فهرس أوائل الأحاديث الفعلية.

4- فهرس الألفاظ.

5- فهرس الموضوعات والأعلام والأحكام المستنبطة من الأحاديث.

6- فهرس جوامع الأعداد.

طبع هذا المفتاح عام 1356هـ (1937م).

إذن فكتاب ((المنهل العذب المورود)) شرح لقطعة من السنن ولم يتح للمؤلف أن يكمله فقام ابنه الشيخ أمين محمود خطاب السبكي بمحاولة إكمال الكتاب، فأصدر منه أربعة أجزاء وسمّاه ((فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود)).

طبع الجزء الأول عام 1375هـ (1955م) في مطبعة الاعتصام بالخيمية.

وطبع الجزء الثاني عام 1375هـ (1956م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الثالث عام 1379هـ (1959م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الرابع عام 1383هـ (1963م) في مطبعة السعادة بمصر.

وانتهى بباب في تعظيم الزنا. أي ما يعادل قريباً من آخر الجزء الثاني (صفحة 394) من طبعة محيي الدين ورقم الحديث الأخير الذي شرحه في طبعة محيي الدين هو 2312.

14- وهناك شروح أخرى ذكرتها الكتب التي تعني باحصاء التراث، وأتوقع أن تكون هناك كتب أخرى لم نعرف من خبرها شيئاً.

المختصرات

1 – مختصر المنذري:

وهو أهم المختصرات التي اختصرت سنن أبي داود، والمنذري هو زكي الدين عبدالعظيم عبدالقوي المنذري المتوفى سنة 656هـ وعرف مختصره باسم ((مختصر سنن أبي داود)) للمنذري غير أن حاجي خليفة زَعَم أنّ المنذري قد سمّاه ((المجتبى)) وذهب إلى أن السيوطي ألف عليه كتاباً سمّاه ((زهر الربى على المجتبى)) وتابع حاجي خليفة في هذا الزعم الأستاذ الخولي في كتابه ((مفتاح السنة)) والأستاذ سزكين في ((تاريخ التراث)) وبروكلمان في ((تاريخ الأدب)) والذي أراه أنّ حاجي خليفة وهم في هذا الزعم ويؤيد هذا الاتجاه أن كتاب السيوطي ((زهر الربى)) هو كتاب ألفه على سنن النسائي وليس على مختصر المنذري.

وكذلك فإن مما يؤيد هذا الاتجاه أن المنذري لم يصرح بهذه التسمية في المقدمة ولا لوّح بها، وكذلك لم يشر ابن القيم إلى هذه التسمية مع العلك أنه صرح بأن كتابه مبني على كتاب المنذري الاستاذان أحمد شاكر وحامد الفقي إلى هذه التسمية.

ومن نظرنا في الكتاب نجد أنه اختصر كتاب السنن على ما رتبه مصنفه من الكتب والأبواب أي لم يرتب الأحاديث ترتيباً جديداً كما فعل في كتاب مختصر مسلم الذي قال في مقدمته (ورتبته ترتيباً يسرع بالطالب إلى وجود مطالبه في مظنته) .

وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه.

ويلاحظ أنه حذف الأسانيد وكثيراً من تعليقات أبي داود وقد يثبت بعضها كما فعل في تعليقه على بئر بضاعة .

والحق أن كتاب المنذري له وجهان وجه يلحقه بالمختصرات ووجه يلحقه بالشروح فهو مختصر وشرح بآن.

قال ابن القيم في وصفه:

"وكان الإمام العلامة الحافظ زكي الدين المنذري قد أحسن في اختصاره وتهذيبه وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه فأحسن حتى لم يكد يدع للاحسان موضعاً وسبق حتى جاء من خلفه له تبعاً" .

وقال صاحب ((عون المعبود)) :

"اختصر الامام المنذري كتاب السنن من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه على تخريجه. ثم بيّن ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً أو معلولاً، وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان. وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده".

وقد طبع هذا الكتاب – على ما يذكر بروكلمان في حيدر آباد عام 1342هـ وطبع في دهلي عام 1891م.

وطبع في القاهرة كما ذكرنا قبل في مطبعة أنصار السنة المحمدية منشوراً مع كتابي الخطابي وابن القيم وصدر في ثمانية أجزاء كتب على الثلاثة الأولى أنها بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي وكتب على الخمسة الباقية أنها بتحقيق حامد الفقي، وهي طبعة جيدة مشكولة مرقمة الأحاديث .

2 – مختصر محمد بن الحسن بن علي البلخي:

وقد اختصره أيضاً محمد بن الحسن بن علي البلخي من رجال القرن السابع .

3 – تهذيب ابن القيم:

وابن القيم هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي المتوفى سنة 751هـ.

وتهذيبه أشبه بالحاشية منه بالتهذيب، فهو قد سكت عن أحاديث عديدة.

ثم تراه يفصل القول في شرح حديث وبيان فقهه وقد يفصل تفصيلاً لا تراه في المطولات. وقد ذكر في مقدمته خطته فقال: (فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها والكلام على متون مشكلة لم يفتحُ مْغَلقَها وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها وبسطت الكلام على مواضع قليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه) وقد طبع في دهلي سنة 1891م، كما طبع في الطبعة التي أشرت إليها قبل قليل وهي طبعة أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 14-09-12, 02:36 AM
محمود البغدادي محمود البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-12
المشاركات: 144
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

دراسات عنه :

لن أستطيع الاستقصاء في مجال الدراسات وسأقتصر على ذكر أسماء بعض هذه الدراسات:

1- جمع زكريا الساجي المتوفى سنة 307هـ للسنن ما يوافق معانيها من آيات القرآن الكريم .

2- ألف أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الجياني المتوفى سنة 498هـ كتاباً بعنوان ((تسمية شيوخ أبي داود)) .

3- وشرح سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة 804هـ زوائد السنن على الصحيحين وتقع في مجلدين .

خاتمة

وبعد فهذا جهدٌ متواضع بذلته في دراسة هذا الكتاب العظيم من كتب رسول الله r، فإن أحسنت فبفضل الله وتوفيقه وكرمه وإن أخطأت فهذا شأن البشر (رَبّنا لاَ تُؤَاخِذنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأنَا) وحسبي أنني كنت جاداً في هذه الدراسة التي كانت على زحمة المشاغل وضيق الوقت، ولو لم يكن فيها إلا أنها أطلعت القراء الكرام على صفحة مشرقة وضاءة من تاريخ رجل من رجالاتنا، وذكرتهم بقيمة كتاب ((السنن))، لو لم يكن فيها إلاّ هذا فقط لكان فيها خير إن شاء الله. جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه، ووفقنا للعمل بما نعلم، وأعاذنا من الفتن التي كقطع الليل المظلم تصدُّ الناس عن سبيل الله ولا سيما في زماننا هذا الذي تكالبت فيه قوى الشر والبغي على بلاد المسلمين وتداعت أمم الكفر إليهم تداعي الأكلة إلى قصعتها، وجعلنا ممّن يحيون على شريعة الاسلام ويموتون في سبيل الذود عنها لا تنحرف بهم السبل ولا تغويهم المخاوف ولا المطامع، وممّن يكونون واعين متيقظين لما يحاك للإسلام وأهله وبلاده من كيد ماكر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(رَبّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعدَ إذْ هَديتَنَا وَهَبْ لَنا من لّدُنْكَ رَحْمَةً إنّكَ أنْتَ الوهّاب)(ربّنَا آتِنَا من لدنْكَ رَحْمَةً وَهَيئ لَنَا منْ أمْرِنَا رَشَدَا).

وصلى الله علي سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.

محمد بن لطفي بن عبداللطيف بن ياسين الصباغ

مراجع البحث

1- الاصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن علي.. ابن حجر مطبعة مصطفى محمد بمصر سنة 1358هـ – 1939م.

2- الاعلام لخير الدين الزركلي مطبعة كوستا تسبو ماس بمصر سنة 1373هـ – 1378م.

3- أمراء البيان لمحمد كرد علي. مطابع دار الكتب بيروت ط3 سنة 1388هـ – 1969م.

4- ايضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون طبعة الأوفست طهران سنة 1387هـ.

5- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث مطبعة محمد علي صبيح بمصر ط3 سنة 1377هـ – 1958م.

6- الباعث على الخلاص من حوادث القصاص لعبدالرحيم العراقي تحقيق محمد الصباغ نشر في العدد الرابع من مجلة اضواء الشريعة بالرياض سنة 1393هـ.

7- بحوث في تاريخ السنة المشرفة لأكرم ضياء العمري مطبعة الارشاد ببغداد سنة 1392هـ – 1972م.

8- البداية والنهاية لاسماعيل بن عمر بن كثير مطبعة السعادة بمصر سنة 1351هـ – 1358م.

9- تاج العروس في شرح القاموس لمحمد مرتضى الزبيدي المطبعة الخيرية بمصر سنة 1306هـ.

10- تاريخ الادب العربي لبروكلمان ترجمة د. عبدالحليم نجار دار المعارف بمصر سنة 1959م.

11- تاريخ آداب اللغة لجرجي زيدان دار الهلال بمصر سنة 1957م.

12- تاريع بغداد لأحمد بن علي الخطيب البغدادي مطبعة السعادة بمصر سنة 1931م.

13- تاريخ الخلفاء لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي مطبعة الفجالة الجديدة سنة 1389هـ – 1969م.

14- تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ترجمة فهمي أبو الفضل المطبعة الثقافية بمصر سنة 1971م.

15- تاريخ الطبري لمحمد بن جرير تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم دار المعارف بمصر.

16- تحذير الخواص من أكاذيب القصاص لعبدالرحمن أبي بكر السيوطي تحقيق محمد الصباغ المكتب الاسلامي بدمشق سنة 1392هـ سنة 1972م.

17- تحفة الأحوذي لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري طبع الهند سنة 1343هـ.

18- تحفة الاشراف ليوسف بن عبدالرحمن المزي عبدالصمد شرف الدين طبع بمباي الهند سنة 1384هـ – 1965م.

19- تدريب الراوي لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي نشر المكتبة العلمية بالمدينة سنة 1379هـ – 1959م.

20- تذكرة الحفاظ لمحمد بن أحمد الذهبي طبع حيدر آباد الهند 1376هـ – 1959م.

21- ترتيب المدارك للقاضي عياض.

22- التقريب مطبوع أعلى تدريب الراوي نشر المكتبة العلمية بالمدينة سنة 1376هـ – 1959م.

23- التقييد والايضاح لما اطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح للحفاظ العراقي تحقيق راغب الطباخ المطبعة بحلب سنة 1350هـ – 1931م.

24- تهذيب ابن عساكر لعبدالقادر بدران طبع دمشق.

25- تهذيب الأسماء واللغات ليحي بن شرق النووي – المطبعة المنيرية بمصر.

26- تهذيب التهذيب لأحمد بن علي بن حجر طبع حيدر أباد الهند سنة 1325هـ.

27- توجيه لطذاهر بن صالح الجزائري طبع مصر وأعيد تصويره بالأوفست في بيروت.

28- جامع الأصول لمبارك بن محمد بن الأثير مطبعة السنة المحمدية في مصر سنة 1368هـ – 1949هـ.

29- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم طبع حيدر آباد الهند سنة 1371هـ.

حجة الله البالغة للدهلوي.

30- الحديث النبوي لمحمد بن لطفي الصباغ المكتب الاسلامي ببيروت سنة 1392هـ – 1972م.

31- الخلاصة لأحمد بن عبدالله الخزرجي المطبعة الخيرية بمصر سنة 1322هـ.

32- الدرر الكامنة لأحمد بن علي بن حجر مطبعة المدني بمصر سنة 1385هـ – 1966م.

33- رسالة أبي داود تحقيق محمد الصباغ طبع دار العربية ببيروت سنة 1394هـ – 1974م.

34- الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني دار الفكر بدمشق سنة 1383هـ.

35- سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي دار احياء الكتب العربية 1372هـ – 1952م.

36- سنن أبي داود لسليمان بن الأشعث تحقيق محيي الدين عبدالحميد مطبعة السعادة بمصر سنة 1369هـ – 1950م.

37- سنن الترمذي لمحمد بن عيسى الترمذي المطبوع في أعلى تحفة الاحوذي طبع الهند سنة 1343هـ.

38- سنن الدارمي لعبدالله بن عبدالرحمن تحقيق محمد أحمد دهمان مطبعة الاعتدال بدمشق سنة 1349هـ.

39- سنن النسائي لأحمد بن شعيب المطبعة المصرية بالازهر بمصر.

40- سير أعلام النبلاء.

41- شذرات الذهب لعبدالحي بن أحمد بن العماد مكتبة القدسي بمصر سنة 1350هـ.

42- شروط الأئمة الخمسة لمحمد بن موسى الحازمي مكتبة القدسي بمصر سنة 1357هـ.

43- شروط الأئمة الستة لمحمد بن طاهر المقدسي بمصر سنة 1357هـ.

44- صحيح ابن خزيمة لمحمد بن اسحاق تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي مطابع دار القلم سنة 1391هـ – 1971م.

45- صحيح البخاري لمحمد بن اسماعيل مطبعة الفجالة الجديدة سنة 1376هـ.

46- صحيح مسم لمسلم بن الحجاج طبعة محمد علي صبيح.

47- الضوء اللامع لمحمد بن عبدالرحمن السخاوي مطبعة القدسي مصر سنة 1352هـ.

48- طبقات الحنابلة لمحمد بن أبي يعلى محمد حامد الفقي مطبعة السنة المحمدية.

49- طبقات الشافعية للسبكي تحقيق الحلو والطنامي مطبعة عيسى البابي بمصر سنة 1383هـ.

50- علوم الحديث لعثمان بن عبدالرحمن بن الصلاح تحقيق العتر مطبعة الاصيل حلب سنة 1386هـ – 1966م.

51- عون المعبود للعظيم أبادي طبع دهلي في الهند سنة 1343هـ.

52- فتح المغيث لمحمد بن عبدالرحمن السخاوي مطبعة العاصمة بمصر سنة 1388هـ.

فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود لأمين محمود خطاب السبكي مطبعة الاعتصام بالقاهرة سنة 1375هـ – 1955م.

53- فهرست ابن خير لابي بكر محمد بن خير لمكتبات المثنى والخانجي والمكتب التجاري سنة 1963م.

فهرس مخطوطات الظاهرية لمحمد ناصر الدين الالباني طبع دمشق.

54- القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروز أبادي مطبعة دار المأمون بمصر سنة 1357هـ – 1938م.

55- قواعد التحديث لجمال الدين بن محمد القاسمي مطبعة ابن زيدون دمشق سنة 1353هـ – 1935م.

56- كشف الظنون لمصطفى بن عبدالله حاجي خليفة طهران سنة 1387هـ.

57- الكني والاسماء للدولابي طبع حيدر أباد سنة 1322هـ.

58- لسان الميزان لأحمد بن علي بن حجر طبع حيدر آباد الهندسة 1325هـ

59- مختصر سنن أبي داود لعبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1366هـ.

60- مختصر صحيح مسلم لعبدالعظيم بن عبدالقوي تحقيق الالباني طبع وزارة الأوقاف الكويتية.

61- المستدرك لمحمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري طبع حيدر آباد الهند سنة 1333هـ.

62- المسند لأحمد بن حنبل المطبعة الميمنية بمصر سنة 1313هـ.

63- معالم السنن للخطابي تحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1366هـ.

64- معجم الأدباء لياقوت الحموي مطبعة دار المأمون مصر.

65- معجم البلدان لياقوت الحموي دار صادر ودار بيروت سنة 1374هـ – 1955م.

66- معجم المطبوعات العربية والمصرية ليوسف البيان سركيس مطبعة سركيس سنة 1346هـ – 1928م.

67- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث لمجموعة من المستشرقين طبع مكتبة بريل في لبدن.

68- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لمحمد فؤاد عبدالباقي مطابع الشعب بمصر سنة 1378هـ.

69- مفتاح السنة لمحمد عبدالعزيز الخولي مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

مفتاح المنهل العذب المورود لمصطفى علي البيومي.

70- المنتظم لعبدالرحمن بن علي بن الجوزي مطبعة دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد سنة 1358هـ.

71- المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الامام أحمد لعبدالرحمن بن محمد العليمي تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد مطبعة الدني بالقاهرة سنة 1393هـ – 1963م.

72- المنهل العذب المورود. لمحمود خطاب السبكي مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ.

73- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان لعلي بن أبي بكر الهيثمي بتحقيق محمد عبدالرزاق حمزة المطبعة السلفية بمصر ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي تحقيق البجاوي دار احياء الكتب العربية بمصر.

74- ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي تحقيق البجاوي دار احياء الكتب العربية بمصر.

75- هدية العارفين لاسماعيل بن محمد البغدادي طهران سنة 1387هـ.




المصدر مجلة البحوث الإسلامية -العدد1
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 14-09-12, 08:22 AM
ابو الحسن الزغيبي ابو الحسن الزغيبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-10-09
المشاركات: 26
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اختي بارك الله فيك لعلك تستفيدين ممن خدم سنن ابي داود برسالة ماجستير او دكتوراة وأذكر منهم على سبيل المثال الشيخ محمد بن هادي لأني سمعت كثير من المشائخ يثنون على جهوده في سنن اب داوود وهو مهتم جداً بسنن أبي داود
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 14-09-12, 04:12 PM
محمد جلال المجتبى محمد جلال المجتبى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 2,989
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

فتح الودود
بذل المجهود
المنهل المورود
هل هذه الشروح مطبوعة ؟
__________________
يسر الله أمورنا وأموركم
الدعاء الدعاء الدعاء لا تنسوني منه
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 14-09-12, 04:17 PM
محمد جلال المجتبى محمد جلال المجتبى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 2,989
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود البغدادي مشاهدة المشاركة
طبعاته

طبع هذا الكتاب مرات عديدة، ولكنه لم يطبع حتى الآن طبعة محققة. ونورد فيما يأتي الطبعات التي ذكرها سركيس وبروكلمان وسزكين ونزيد عليها ما وقفنا عليه. وكنت أود أن أتكلم على كل طبعة بكلمة وصفية نقديه، غير أن ذلك لم يتيسر لي الآن لأنني لم أستطع رؤية جميع هذه الطبعات وقد تتهيأ لي فرصة في المستقبل لذلك:

1- طبع بجزأين في المطبعة الكاستيلية بمصر سنة 1280هـ بعناية الشيخ نصر الهوريني رحمه الله .

2- وذكر بركلمان أنه طبع سنة 1271 – 1272م في دهلي بالهند.

3- وطبع بجزأين مع شروح على الهامش في الهند بدهلي سنة 1283.

4- وطبع جزء واحد منه مع شروح على الهامش في دهلي سنة 1890م وعدد صفحاته 168.

5- وطبع بجزء واحد في لكناو سنة 1840م.

6- وطبع في لكناو سنة 1877 – 1888م.

7- وطبع في لكناو سنة 1305هـ.

8- وطبع بجزء واحد في حيدر آباد سنة 1321هـ وصفحاته 393.

9- وطبع بجزأين مع شرح لأبي الحسنات محمد الفنجاني وذلك في لكناو سنة 1318هـ.

10- وذكر بروكلمان أنه طبع أيضاً بهامش شرح الموطأ للزرقاني سنة 1310هـ – 1320هـ في القاهرة.

11- وطبع بأربعة أجزاء مع شرح واسع جيد وهو ((عون المعبود)) في الهند سنة 1323هـ، وسنتحدث عن هذا الشرح فيما بعد، والذي يهمنا هنا هو متن أبي داود، وأستطيع أن أقرر أن هذه الطبعة هي أصح ما رأيت من الطبعات وأفضلها وأكثرها تحقيقاً.

فقد ذكر الشارح الأستاذ العظيم الأبادي أنه ظفر بإحدى عشرة نسخة من سنن أبي داود وكلها من رواية اللؤلؤي إلا نسخة واحدة فهي من رواية ابن داسة.

فقابل هذه النسخ بعضها على بعض ورجع إلى عشرات الكتب الأمهات من كتب الأئمة المتقدمين، واستطاع أن يميز رواية اللؤلؤي وأن يورد كل الروايات التي وصلت إليه وقال:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي أيضاً لكنه قليل جداً" .

ويبدو أنه قد بذل غاية الجهد، ولولا أنّ هذه الطبعة حجرية على الطريقة التي لا يزال إخواننا الهنود يجرون عليها الطباعة وأنها خالية من الترقيم لكان ينبغي أن يعتمد عليها جل الاعتماد.

12- وطبع في مصر سنة 1371هـ – 1952م طبعة سقيمة تجارية في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وكتب على هذه الطبعة: (تعليقات لفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد سعد علي من علماء الأزهر الشريف) كذا كتب على الورقة الغلاف.

والجدير بالذكر أن التعليقات نادرة وهي قليلة القيمة العلمية، والأستاذ المذكور وقّع بلقب (رئيس التصحيح بمطبع مصطفى البابي الحلبي) وهذه الطبعة جمعت مساوئ عدة من رداءة الورق وسوء الحرف وازدحام الصفحات وخلوها من الترقيم والتنقيط وقد ظهرت في جزأين صفحات الأول 595 وصفحات الثاني 680.

13- طبعة محمد محيي الدين عبدالحميد:

طبع هذا الكتاب على ورق صقيل وبحرف جميل بتحقيق الاستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد رحمه الله.

وكانت طبعته الأولى سنة 1354هـ – 1935م. وذكر في المقدمة أنه رجع إلى مخطوطات ومطبوعات ولكنه لم يذكر بالتفصيل ماهي هذه المخطوطات التي رجع إليها وأين مكان وجودها، ويبدو أنّه بالغ في ذلك مبالغة ظاهرة، ويكاد يظن المرء أنّ الرجل لم يرجع إلا إلى مطبوعة اعتمدها وأدخل فيها شيئاً من التعديلات التي أخذها عن مطبوعة أخرى. لأن الجهد الذي يبذله الانسان لابُدَّ أن يظهر له أثر ولا سيما بالنسبة لمن عانى أمور التحقيق وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة أجزاء مرقمة الأحاديث واستعمل المحقق فيها علامات الترقيم.

ولكننا لا نجد في حواشيها إلا تعليقات يسيرة جداً وليس في هذه التعليقات تخريج للأحاديث النبوية لأنه فيما يبدو لم يكلف نفسه في الطبعة الأولى عناء الرجوع إلى كتاب المنذري الذي أتيح له فيما بعد أن ينقل منه ثم صدرت الطبعة الثانية سنة 1369هـ – 1950م.

وفي هذه الطبعة أضاف إلى متن الكتاب إضافات كان يضعها بين معقوفتين ولم يذكر عنها شيئاً في المقدمة كما أضاف إلى تعليقاته تخريجاً للأحاديث وهو مأخوذ بحذافيره من كتاب المنذري ولم يذكر عنه شيئاً في المقدمة، والحق أنني وقفت على كثير من سرقات الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد وادعائه كلام غيره لنفسه وظلم العلماء الأقدمين وكتبت ما واجهته من ذلك في دراسة كنتُ أعددتها لكتاب شرح قطر الندى لابن هشام من نحو عشرين سنة سقت الأدلة الكثيرة، وما كنت أحب أن أذكر ذلك بعد أن توفي إلى رحمة الله غفر الله لنا وله، ولكن الشيء الذي راعني هو أن ينقل تعليقات الحافظ المنذري بكاملها وبحروفها دون أن يشير إلى ذلك في المقدمة.

ولو أنه فعل ذلك لأعطى لهذه التخريجات من القوة والرجحان والتوثيق شيئاً كثيراً ذلك لأن المنذري حافظ عظيم ومن المشتغلين بالسنة فعندما يكون تخريج الحديث منسوباً إليه فإن ذلك ادعى لأن يقبله القارئ ويتبناه عن قناعة لا تتوافر إلا للقلة من العلماء المحققين أمثال المنذري رحمه الله.

ويفيد في هذا المجال أن نقرر أن المنذري رحمه الله ذكر في مقدمة ((مختصره)) نهجاً علمياً دقيقاً فقال:

"واذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه" .

ولم يذكر الأستاذ المحقق مثل ذلك، فأوهم بإغفاله ذلك أن الحديث مخرج عند من ذكرهم المنذري ونقلهم عنه المحقق مخرّج بلفظه وربما لا يكون كذلك أما الشروح التي ذكرها الأستاذ المحقق رحمه الله فعلى الرغم من أنها في غاية الانجاز فإنها كذلك مأخوذة غالباً من شرح الخطابي بالحرف الواحد ولم ينسبها إليه، فأوهم أنها من عنده.

أما تعليقاته بشأن الرجال فليس هناك نهج يحكمه، فبينما هو يذكر لك في بعض الحالات الرأي في بعض الرجال إذا هو يسكت في الغالب ولا يورد شيئاً، ويبدو أنه لم يكن يكلف نفسه عناء التنقيب في بطون الكتب، بل كان إذا صادفه شيء في أقرب شرح له ذكره.

ومن ملاحظاتنا أنه لم يلتزم نهجاً واضحاً في الترقيم.

فقد يعطي الخبر المنقول عن عالم من العلماء رقماً كما في الحديث 769 وقد نقل فيه رأياً لمالك وهو: (لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه وآخره في الفريضة وغيرها) والنهج السليم في نظري أن لا يعطي لآراء العلماء أرقاماً يدخلها في أرقام الأحاديث، وأن يقتصر في الترقيم على الأحاديث. وكذلك فإن ترقيم الأحاديث ينبغي أن يراعى فيه واحد من أمور ثلاثة: فإن أن يكون الترقيم تابعاً لمتن الحديث، وإما أن يكون تابعاً للصحابي الذي أخرجه وإما أن يكون تابعاً لشيخ المؤلف الذي تلقى عنه الحديث، والغالب أن المحقق استخدم الأخير ولكنه لم يلتزم ذلك بدقة.

ففي صفحة 60 أحاديث عدة عن عليّ رضي الله عنه أعطاها أرقاماً لاختلاف شيخ المؤلف ولكنه في صفحة 248 لم يعط رواية اختلف فيها والصحابي عن الرواية المتقدمة ولم يعط الثانية رقماً، ومهما يكن من أمر هذه الطبعة فقد أدت خدمة وسدّت ثغرة فجزى الله ناشرها ومحققها خيراً.

الكتاب التي ألفت حول السنن

وقفت على أسماء عدد كبير من الكتب التي ألفت حول السنن وقد اتيح لي أن أطلع على بعض ما وصل إلينا منها، أما الباقي فبين مخطوط ومفقود.

ونستطيع أن نصنف الكتب التي ألفت حول السنن في زمر ثلاث:

1- شروح.

2- مختصرات.

3- دراسات.

الشروح: شَرحَ السنن كثيرون نذكر أهمهم فيما يأتي:

1- شرح الخطابي: من أنفع الشروح وأقدمها وعنوانه (معالم السنن) لأبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة 388هـ وهو منسوب إلى زيد بن الخطاب.

وهو يشرح المفردات الغربية والكلمات التي تحتاج إلى شرح شرحاً لغوياً واسعاً يدل على معرفة متبحرة باللغة وقد يستشهد لشرحه بأبيات أو جمل مأثورة عن العرب. ويشرح المراد من الجملة، ثم يشرح الحديث ويوفق بينه وبين ما روي على وجه قد يُظنُّ أن فيه خلافاً.

ثم يتحدث عن فقه الحديث ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذه الآراء.

ثم يذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بعنوان الباب.

طبع هذا الكتاب في حلب بأربعة أجزاء بتحقيق العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله سنة 1920 – 1924، 1932 – 1950م.

كتب على الأجزاء الثلاثة الأولى أنّها بتحقيقهما. وأما الجزء الرابع فما بعده حتى الثامن فقد كتب عليها أنها بتحقيق محمد حامد الفقي فقط، وقد أثبت في الأعلى من هذه الطبعة تهذيب المنذري ثم تحته معالم السنن وفي الأسفل تهذيب ابن القيم.

وقد لخص المعالم الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن ابراهيم المقدسي المتوفى سنة 765هـ وسمّاه (عجالة العالم من كتاب المعالم) .

2- العدد المودود في حواشي سنن أبي داود للحافظ المنذري المتوفى سنة 656هـ وقد ذكر سزكين مكان وجود مخطوطته.

3- وشرح ((السنن)) أيضاً شهاب الدين أحمد بن حسين بن ارسلان الرملي المتوفى سنة 744هـ ومخطوطاته موجودة في تركيا.

4- وشرح ((السنن)) قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين اليمني الشافعي المتوفى 752هـ في أربع مجلدات كبار في آخر عمره ومات عنه وهو مسوّدة .

5- وشرح هذا الكتاب أيضاً مغلطاي بن فليج المتوفى سنة 762هـ ولم يكمله .

6- وشرح هذا الكتاب أيضاً شهاب الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن ابراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزي. المتوفى بالقدس سنة 765هـ ويبدو أنه هو الذي لخص المعالم المذكور آنفاً. وسمّى شرحه ((انتحاء السنن واقتفاء السنن)) ومخطوطته محفوظة في مكتبة لاله لي في أربعة مجلدات تحت رقم 498 – 501.

7- وشرحه أيضاً عمر بن رسلان بن نصر البلقيني المتوفى سنة 805.

8- وشرح السنن أيضاً أبو زرعة العراقي ولي الدين أحمد بن عبدالرحيم المتوفى سنة 826هـ وأطال في شرحه جداً .

9- وشرح قطعة منه محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة 855هـ.

10- وشرحه السيوطي المتوفى سنة 911هـ وسمّاه ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود)) وتوجد منه مخطوطات عدة ذكرها سزكين .

11- وشرحه أبو الحسن محمد بن عبدالهادي السندي المتوفى سنة 1138هـ بعنوان ((فتح الودود على سنن أبي داود.

12- ((عون المعبود شرح سنن أبي داود)).

تأليف العلامة الشيخ شمس الحق العظيم أبادي، ويقع في أربع مجلدات كبيرة وقد طبع في الهند في دهلي سنة 1322هـ وقد أثبت في أعلى الصفحات سنن أبي داود بعد أن بذل جهداً مشكوراً في تحقيقه؛ فقد استطاع أن يميز بين رواية اللؤلؤي وغيره من الروايات ورجع في هذه الطبعة إلى إحدى عشرة مخطوطة.

أما شرحه فهو من أفضل الشروح وأكثرها استيعاباً لما قاله العلماء من قبله.

وهو لا يترك في الحديث شيئاً من ترجمة الرجال أو شرح للمفردات أو ذكر لآراء العلماء في المسألة لا يدع من ذلك شيئاً.

وقال في التنبيه الأول: أكثرت النقل من كلام الحافظ المنذري حتى قلت تحت كل حديث: (قال المنذري كذا وكذا) لأن الامام المنذري قد اختصر كتاب ((السنن)) من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه ثم بين ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً ومعلولاً وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان، وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده، وإني نقلت سكوته أيضاً ملتزماً به، فقلت: والحديث سكت عنه المنذري، إلا في بعض المواضع في أول الكتاب، فقد فاتني هذا الأمر، ومع ذلك فإني نقلت قدراً كثيراً من كلام أئمة الحديث في تنقيد أحاديث الكتاب من الصحة والضعف وبيان عللها وجرح الرواة وعدالتهم ما يشفي الصدور وتلذ الأعين فصار هذا الشرح بحمد الله تعالى مع اختصاره وايجازه مغنياً عما سواه، فكل حديث الكتاب فرداً فرداً من أول (باب التخلي عند قضاء الحاجة) إلى آخر باب (الرجل يسب الدهر) بينت حاله من القوة والضعف إلا ما شاء الله تعالى في أحاديث يسيرة مع أنه ليس في سنن أبي داود حديث اجتمع الناس على تركه) .

ويقول في آخر التنبيه الخامس:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي ولكنه قليل" .

طبع هذا الشرح كما أشرنا في الهند في دهلي سنة 1322هـ طبعة حجرية منقحة وفي كل جزء تصحيحات للأغلاط المطبعية بحيث أضحت هذه الطبعة إن صححت من أجود الطبعات.

وأعيد تصوير هذا الكتاب بالأوفست في بيروت.

ثم نشره محمد عبدالرحمن السلفي صاحب المكتبة السلفية في المدينة المنورة وطبعه في مصر وذكر أنه ضبط وتحقيق عبدالرحمن محمد عثمان، ونشر في الأعلى ((سنن أبي داود)) ويليه شرح ((عون المعبود))، ثم نشر في هامش الصفحات تهذيب ابن القيم وصدر الكتاب في أربعة عشر جزءاً، بدأ بطباعته سنة 1388هـ 1968م وانتهى 1389هـ (1969)م في مطابع المجد بالقاهرة.

ويبدو أن هذه الطبعة المتأخرة لا تمتاز إلا بكونها على ورق أبيض وبحرف مألوف.

13- وكذلك فقد شرح كتاب ((سنن أبي داود)) عالم معاصر هو الشيخ محمود محمد خطاب السبكي وسمّى كتابه:

((المنهل العذب المورود شرح سنن الامام أبي داود)) وذكر في المقدمة أنه شرع في سنة 1343هـ بقراءة سنن أبي داود مع نفر من الطلبة، فكانت نسخ الكتاب نادرة وقد صعب على الطلبة اقتناؤها، فأراد طبعه ليسهل الحصول عليه وكتب عليه شرحاً، وذكر أنه عني ببيان تراجم رجال الحديث وشرح ألفاظه وبيان معناه وما يستفاد منه من الأحكام، وأنه بيّن أوجه الخلاف وأدلته وذكر من خرّج الحديث سواء كان من الأئمة الستة أم غيرهم وبيّن حال الحديث من صحة أو حسن أو غيرهما وأورد مقدمة تشتمل على نبذة من مصطلح الحديث وترجمة المؤلف كما أورد في المقدمة طرفاً من رسالته إلى أهل مكة.

أصدر الشيخ محمود هذا الكتاب في عشرة أجزاء كبيرة وطبعت في مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ وقد توفى سنة 1352هـ وكان وصل إلى باب الهدي من مناسك الحج. ولم يكمل الكتاب.

وقد قام مصطفى علي البيومي بوضع مفتاح لهذه الأجزاء العشرة واحتوى هذا المفتاح على الفهارس الآتية:

1- فهرس الكتب والأبواب.

2- فهرس أوائل الأحاديث القولية.

3- فهرس أوائل الأحاديث الفعلية.

4- فهرس الألفاظ.

5- فهرس الموضوعات والأعلام والأحكام المستنبطة من الأحاديث.

6- فهرس جوامع الأعداد.

طبع هذا المفتاح عام 1356هـ (1937م).

إذن فكتاب ((المنهل العذب المورود)) شرح لقطعة من السنن ولم يتح للمؤلف أن يكمله فقام ابنه الشيخ أمين محمود خطاب السبكي بمحاولة إكمال الكتاب، فأصدر منه أربعة أجزاء وسمّاه ((فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود)).

طبع الجزء الأول عام 1375هـ (1955م) في مطبعة الاعتصام بالخيمية.

وطبع الجزء الثاني عام 1375هـ (1956م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الثالث عام 1379هـ (1959م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الرابع عام 1383هـ (1963م) في مطبعة السعادة بمصر.

وانتهى بباب في تعظيم الزنا. أي ما يعادل قريباً من آخر الجزء الثاني (صفحة 394) من طبعة محيي الدين ورقم الحديث الأخير الذي شرحه في طبعة محيي الدين هو 2312.

14- وهناك شروح أخرى ذكرتها الكتب التي تعني باحصاء التراث، وأتوقع أن تكون هناك كتب أخرى لم نعرف من خبرها شيئاً.

المختصرات

1 – مختصر المنذري:

وهو أهم المختصرات التي اختصرت سنن أبي داود، والمنذري هو زكي الدين عبدالعظيم عبدالقوي المنذري المتوفى سنة 656هـ وعرف مختصره باسم ((مختصر سنن أبي داود)) للمنذري غير أن حاجي خليفة زَعَم أنّ المنذري قد سمّاه ((المجتبى)) وذهب إلى أن السيوطي ألف عليه كتاباً سمّاه ((زهر الربى على المجتبى)) وتابع حاجي خليفة في هذا الزعم الأستاذ الخولي في كتابه ((مفتاح السنة)) والأستاذ سزكين في ((تاريخ التراث)) وبروكلمان في ((تاريخ الأدب)) والذي أراه أنّ حاجي خليفة وهم في هذا الزعم ويؤيد هذا الاتجاه أن كتاب السيوطي ((زهر الربى)) هو كتاب ألفه على سنن النسائي وليس على مختصر المنذري.

وكذلك فإن مما يؤيد هذا الاتجاه أن المنذري لم يصرح بهذه التسمية في المقدمة ولا لوّح بها، وكذلك لم يشر ابن القيم إلى هذه التسمية مع العلك أنه صرح بأن كتابه مبني على كتاب المنذري الاستاذان أحمد شاكر وحامد الفقي إلى هذه التسمية.

ومن نظرنا في الكتاب نجد أنه اختصر كتاب السنن على ما رتبه مصنفه من الكتب والأبواب أي لم يرتب الأحاديث ترتيباً جديداً كما فعل في كتاب مختصر مسلم الذي قال في مقدمته (ورتبته ترتيباً يسرع بالطالب إلى وجود مطالبه في مظنته) .

وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه.

ويلاحظ أنه حذف الأسانيد وكثيراً من تعليقات أبي داود وقد يثبت بعضها كما فعل في تعليقه على بئر بضاعة .

والحق أن كتاب المنذري له وجهان وجه يلحقه بالمختصرات ووجه يلحقه بالشروح فهو مختصر وشرح بآن.

قال ابن القيم في وصفه:

"وكان الإمام العلامة الحافظ زكي الدين المنذري قد أحسن في اختصاره وتهذيبه وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه فأحسن حتى لم يكد يدع للاحسان موضعاً وسبق حتى جاء من خلفه له تبعاً" .

وقال صاحب ((عون المعبود)) :

"اختصر الامام المنذري كتاب السنن من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه على تخريجه. ثم بيّن ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً أو معلولاً، وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان. وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده".

وقد طبع هذا الكتاب – على ما يذكر بروكلمان في حيدر آباد عام 1342هـ وطبع في دهلي عام 1891م.

وطبع في القاهرة كما ذكرنا قبل في مطبعة أنصار السنة المحمدية منشوراً مع كتابي الخطابي وابن القيم وصدر في ثمانية أجزاء كتب على الثلاثة الأولى أنها بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي وكتب على الخمسة الباقية أنها بتحقيق حامد الفقي، وهي طبعة جيدة مشكولة مرقمة الأحاديث .

2 – مختصر محمد بن الحسن بن علي البلخي:

وقد اختصره أيضاً محمد بن الحسن بن علي البلخي من رجال القرن السابع .

3 – تهذيب ابن القيم:

وابن القيم هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي المتوفى سنة 751هـ.

وتهذيبه أشبه بالحاشية منه بالتهذيب، فهو قد سكت عن أحاديث عديدة.

ثم تراه يفصل القول في شرح حديث وبيان فقهه وقد يفصل تفصيلاً لا تراه في المطولات. وقد ذكر في مقدمته خطته فقال: (فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها والكلام على متون مشكلة لم يفتحُ مْغَلقَها وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها وبسطت الكلام على مواضع قليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه) وقد طبع في دهلي سنة 1891م، كما طبع في الطبعة التي أشرت إليها قبل قليل وهي طبعة أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي.
بارك الله فيك أصلا وفصلا
__________________
يسر الله أمورنا وأموركم
الدعاء الدعاء الدعاء لا تنسوني منه
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 14-09-12, 11:44 PM
محمود البغدادي محمود البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-12
المشاركات: 144
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

وفيكم بارك الله وليس لي الا النقل
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 15-09-12, 11:54 AM
جمال مؤمن جمال مؤمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-12
المشاركات: 118
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 16-09-12, 12:30 AM
مهند سراج مهند سراج غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-01-12
الدولة: بيروت
المشاركات: 48
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 16-09-12, 02:46 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرحمن نور الدين مشاهدة المشاركة
صحيح سنن أبي داود الكتاب الأم للعلامة الألباني
وضعيف كتب أبي داود الكتاب الأم للعلامة الألباني
تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته لابن القيم
الله يرفع قدرك ويجزاك الجنه
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 16-09-12, 02:48 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد جلال المجتبى مشاهدة المشاركة
شروح سنن ابي داود
معالم السنن للخطابي

عون المعبود

بذل المجهود
الله يجزاك الجنه
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 16-09-12, 02:49 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد جلال المجتبى مشاهدة المشاركة
ولاحد المعاصرين زوائد سنن ابي داود على الصحيحين - يوجد على النت
الله يرفع قدرك
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 16-09-12, 02:50 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد جلال المجتبى مشاهدة المشاركة
ط الرسالة مخرجة تخريجا لا باس به
الله يرفع قدرك
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 16-09-12, 02:51 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلطان بن جابر الجعدبي مشاهدة المشاركة
وتحقيق النص من اهم ما يتعلق بالسنن ، إذ أن سنن أبي داود نسخه كثيرة فعليك - بارك الله فيك - بتحقيق العوامه وأيضا تحقيق الدعاس فالأول مهتم بالنص أكثر والآخر متوسع في التخريج.
الله يرفع قدرك
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 16-09-12, 02:52 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رياض العاني مشاهدة المشاركة
لدراسة سنن ابي داود 1 يجب معرفةمنهجه وذلك بدراسة رسالته لااهل مكه 2 روايات السنن كرواية ابن الاعرابي ورواية ابن داسة 3 دراسة شروح سنن ابي داود 4 المستخرجات علي سنن ابي داود
الله يجزاك الجنه
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 16-09-12, 02:53 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود البغدادي مشاهدة المشاركة
هناك دراسة في مجلة البحوث الاسلامية ابو داود حيااته وسننه ، على هذا الرابط:
http://www.alifta.net/Fatawa/FatawaC...eNo=1&BookID=2

وإليكم روابط لعناوين رسائل مهمة عن سنن أبي داود:
ومن الجديد : فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود
تأليف ياسر بن محمد فتحي آل عيد , وفقه الله.
المجلد الأول فقط, ويحوي 100 حديث في أكثر من 700 صفحة, عن دار المحدث.والشيخ هو صاحب تخريج كتاب الذكر والدعاء للشيخ سعيد القحطاني.
وقد قال عنه الشيخ فريح البهلال - بعد اطلاعه على تخريجه لكتاب الذكر - (ص/9-10) : ( قرأت جل التخريج, وخصوصا ما حكم عليه المُخرِّج بالضعف أو الشذوذ أو النكارة, وتبين لي - والحق يقال - : أن المخرِّج متضلع بعلم الحديث, وعلله, ومصطلحه .. ).
نقلا عن الالوكة :
http://majles.alukah.net/showthread....A7%D9%88%D8%AF
وزوائد السنن على الصحيحين والكلام على احاديثه وبيان شيئ من علله :
http://www.waqfeya.com/book.php?bid=2941:

وإنجاز الوعود في زوائد ابي داود على الكتب الستة لسيد كسروي وهو على الوقفية على هذا الرابط : http://www.waqfeya.com/book.php?bid=3238

وأما طبعات سنن أبي داود
http://www.mahaja.com/showthread.*******.80%98%E2%80%98


وجاء في موقع الالوكة بعض عناوين الرسائل التي الفت على سنن الامام ابي داود :http://majles.alukah.net/showthread....A7%D9%88%D8%AF

وأيضا لا ننسى المعلقات في سنن ابي داود :
http://majles.alukah.net/showthread....A7%D9%88%D8%AF

وأما شروحه فيفصل في ابرزها الشيخ الخضير في كلامه على شروح الكتب الستة ،
ومن الشروح :
1.معالم السنن لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي المتوفى سنة (388هـ). موجود في المكتبة الوقفية
2-حاشية ابن القيم على السنن موجود على مكتبة مشكاة .
3.مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة(911هـ).وأظنها حاشية مختصرة كباقي حواشيه على الكتب الستة .
4.فتح الودود على سنن أبي داود تأليف أبي الحسن نور الدين بن عبد الهادي السندى المتوفى سنة (1138هـ).
5 عون المعبود في شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق عظيم آبادى. على المكتبة الوقفية
6.غاية المقصود في حل سنن أبي داود لمحمد شمس الحق عظيم آبادى. على المكتبة الوقفية ولم يطبع كاملا قال شيخنا السيد صبحي السامرائي هو من أفضل كتب فقه الحديث طبع منه 3 اجزاء فيما اعلم ،
7 - بذل المجهود للسهارنفوري الحنفي ،
8 - المنهل العذب المورود للسبكي .
9 - شرح سنن ابي داود للبدر العيني .


واما المستخرجات فمنها مستخرج المستخرج لمحمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبي .
ومستخرج قاسم بن اصبغ وعليه دراسات في المغرب .
قال الدكتور موفق وفقه الله في بحث المستخرجات له :
الإمامُ الحافظُ العَلاَّمةُ، شيخُ الأندلسِ، ومُسْنِدُها، أبو عبدِاللَّهِ محمدُ بنُ عَبْدِالملكِ بن أيمن بن فَرَجٍ القُرْطُبِيُّ (ت330هـ)([3])، قال الذَّهبيُّ: صَنَّفَ كتاباً في السُّننِ، خَرَّجَهُ على ((سُنن)) أبي داود([4])، والإمامُ الحافظُ العَلاَّمةُ مُحَدِّثُ الأندلس، أبو محمدٍ، قاسمُ بن أصْبَغ بن مُحَمَّدٍ القُرْطُبِيُّ، مولى بني أُمَيَّةَ (ت340هـ)([5])، قال الذَّهبيُّ: وَفاتَهُ السَّماع مِن أبي داودَ، فصَنَّفَ سُنناً على وَضْعِ سُننهِِ([6]). وقال الكَتَّانيُّ: ثُمَّ اختصر قاسمُ بن أصبغ كتابه وسمَّاهُ ((الْمُجتنى)) بالنُّون، فيه مِنَ الحديثِ الْمُسْنَدِ ألفٌ وأربعمائة وتسعونَ حديثاً، في سبعة أجزاء([7])، قد صَنَّفا هذين الكتابين بعد أن رحلا إلى بلادِ الْمَشْرِقِ..
وبحثه على هذا الرابط : http://www.kl28.net/knol4/?p=view&post=443751
الله يرفع قدرك ويبارك المولى في علمك وعملك ويرزقك من حيث لاتحتسب
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 16-09-12, 02:55 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود البغدادي مشاهدة المشاركة



أبو داوود حيَاته وسننه




محمَد لطفي الصَباغ









مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فإن الشريعة المطهرة على المصدرين الخالدين: كتاب الله وسنة رسوله وفيهما الهدى والفلاح. من تمسك بها لم يضل، ولا يدعهما إعراضاً عنهما إلا زائغ هالك.
وقد حفظهما الله عز وجل من عدوان المعتدين، وتحريف المغرضين، فتكفل الله سبحانه بحفظ الذكر الحكيم "إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون" وهيأ للسنة رجالاً يذبون عنها افتراء المفترين وينقونها عن الزيف والدخيل حتى استبان الصحيح من السقيم واتضحت معالم الطريق. ووصلت إلينا كتب السنة متواترة لأصحابها بعد أن استغرقوا وسعهم وبذلوا جهدهم ولم يدعوا وسيلة من وسائل التثبت والتيقن إلا سلكوها. فجزاهم الله خير الجزاء وأحسن مثوبتهم في دار كرامته.
وأن مما يحق لنا أن نفخر به أعظم الفخر تلك الانجازات العظيمة التي حققها أولئك العلماء في ميدان التحقيق والتنقيح حتى غدت قواعد المصطلح مثلا يحتذى.
ومن أهم كتب السنة الكتب الستة، وهي: الصحيحان وسنن النسائي وسنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه.
وقد أصبح لهذه الكتب من المنزلة الرفيعة ما جعل بعض العلماء يطلق عليها اسم الصحاح ولم يزاحم هذه الكتب إلا مسند أحمد وموطأ مالك وسنن الدارمي، ولكل منها مزية... ومهما يكن من أمر فقد غدت هذه الكتب التسعة من أشهر كتب السنة ومصادر لفهم الدين أصوله وفروعه ومن أجل ذلك فقد حظيت بعناية المسلمين على مر العصور دراسة وشرحاً واستنباطاً وتخريجاً واختصاراً وفهرسة.... وبحثي المتواضع هذا محاولة في دراسة ((سنن أبي داود) وبيان منزلة هذا الكتاب وذكر خصائصه والتعريف بمؤلفه.

ويقع في بابين:
الأول: في حياته.
الثاني: في سننه.
وأرجو أن يكون كلامي تذكير لأهل العلم بواجب خدمة هذه الكتب وحثاً لأولي الأهلية على القيام بهذا الواجب، ولعل من أهم مجالات الخدمة التي تتطلبها تخريج أحاديث هذه الكتب وتحقيق الحكم عليها.
وأنا أعرف أن ذلك مطلب ليس يسيراً ولا هيناً، ذلك لأن الحديث الواحد قد يكون مروياً بأسانيد متعددة، فإذا كان سنده في كتاب ضعيفاً فليس ببعيد أن يكون وارداً في كتاب آخر معتمداً بسند قوي.
من أجل ذلك ينبغي أن تقرر أن هذا الحديث بهذا السند يستحق هذا الحكم، والذي يخفف من الحرج أمران:
أولهما: عندما تحكم على حديث بأنه ضعيف بسبب ضعف سنده لا نكون قد أخطأنا.
هذا والمشكلة تكون كبيرة عندما تدخل في الدين ما ليس منه أن نحكم على حديث بالضعف بسبب ضعف سنده فهذا أمر طبيعي، ويبقى هذا الحكم سارياً حتى نقف على طريق آخر صحيح له. وإذا بذل جهده ومستطاعه كان مأجوراً ان شاء الله ولا يكلف الله نفساً إلى وسعها.
وثانيهما: أنه مما يخفف من الحرج والمشقة أننا إذا جرينا على هذا النهج في الكتب الأخرى نستطيع بوساطة الفهارس العديدة أن نتبين بسهولة بالغة ان كان هذا الحديث مثلاً مروياً في كتاب آخر بسند صحيح.
وأحسب أن العقل الالكتروني يساعد في هذا المجال إن استخدم مساعدة فعالة.
وأنا أسأل الله أن يشرفني بالانضواء تحت لواء الخادمين لسنة رسوله r المدافعين عنها بها إنه سبحانه خير مسؤول.
"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وآخر دعوانا أن الحمد لله ر ب العالمين.

الرياض في 20 صفر سنة 1394هـ
محمد بن لطفي بن عبداللطيف بن ياسين الصباغ
الباب الأول: أبو داود حياته.

عصره:
ولد أبو داود في مطلع القرن الثالث الهجري وتوفي في أواخره.

والقرن الثالث هو العصر العلمي الذهبي في تاريخنا كله، وقد أتيح للمؤلف رحمه الله أن يشهد نضج الحضارة الاسلامية في هذا القرن، كما أتيح له أن يعيش هذا العصر الذي ازدحم بالعبقريات والموهوبين الافذاذ في شتى شؤون الفكر.

ويكفينا للدلالة على ذلك أن نذكر من أعلام هذا القرن الأسماء الآتية:

ففي الحديث:
كان البخاري ومسلم ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي.

وفي الفقه:
كان الربيع والمزني صاحبا الشافعي وداود الظاهري وغيرهم.

وفي الشعر:
كان علي بن الجهم وابن الرومي والبحتري وابن المعتز.

وفي العلم بالأدب:
كان المبرد وابن قتيبة والجاحظ وثعلب والفراء، وغيرهم كثير. وهكذا.. ولا شك في أنَّ أبا داود كان واحداً من هؤلاء العمالقة الأفذاذ في هذا العصر.

وكانت الحضارة قد بدأت تؤتي ثمارها وتنضج نضجاً رائعاً ترك أطيب الأثر في حياة المسلمين والدنيا كلها.

وما نزال معجبين بهذه الحضارة التي أينعت ثمارها وامتدت ظلالها في هذا القرن فكان هذا التراث العظيم الذي ما زالت الأجيال وستبقى تعيش مفيدة من مائدته.

ولد أبو داود سنة 202هـ في ظل الخليفة العباسي العالم المأمون، وإن استعراض أسماء الخلفاء الذين جاؤا إلى سدة الخلافة خلال حياة أبي داود ليشعرنا بفخامة العصر الذي كان فيه.

فبعد المأمون (ت218هـ) جاء للخلافة المعتصم (ت227هـ) ثم الواثق (ت232هـ) ثم المتوكل (ت247هـ) ثم المنتصر (ت248هـ) ثم المستعين (ت252هـ) ثم المعتز (ت255هـ) ثم المهتدي (ت256هـ) ثم المعتمد على الله (ت 279هـ).

وهذا الأخير حَجَر عليه أخوه الموفق واستبدّ بالأمر دونه، ولم يصبح خليفة، وللموفق مع أبي داود أخبار سنذكر طرفاً منها فيما بعد.

ومن المعروف أن اضطراب شؤون الدولة العباسية قد بدأ بمقتل المتوكل سنة 247هـ، فلقد أراد أن يكفكف من غلواء العسكريين الاتراك الذين بدأ تسلطهم أيام المعتصم فلم يفلح.

وإن عصراً هذا وزنه لا نستطيع أن نلم بجميع الجوانب فيه بكلمة مستعجلة.

ويكفينا أن نذكر بشأنه الأمور المقررة الآتية:

1- التناحر بين أفراد الأسرة الحاكمة كان على أشده.

2- سيطرة العناصر الأعجمية عموماً والتركية خصوصاً كان أمراً واضحاً.

3- الثورات في أطراف الدولة الاسلامية.

4- الثورة في قلب الدولة وفي العراق بصورة خاصة.

5- الصراع النصراني – الاسلامي في الحدود الشمالية الغربية.

6- تسلط رجال الفرق الضالة على بعض الخلفاء وممارسة لون من الاستبداد الفكري ومقاومة العلماء وسجنهم.

7- قيام نزعات فكرية متعددة، وبعضها هدام خطير.

ولولا أن الحياة الاجتماعية كانت تسير بوجه عام على سنن الاسلام العظيم وأن الحياة الفكرية والعلمية كانت تقوم بمهمتها في الهداية والارشاد وإقامة الحجة على أحقية الاسلام، لكانت الحياة السياسية تلقي لوناً قاتماً بعض الشيء على هذا العصر الموار.

اسمه . نسبه . نسبته

هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني.

وعمران هذا ذكر ابن عساكر وابن حجر أنه قتل مع علي بن أبي طالب بصفين . وأبو داود عربي صميم من الأزد ، والأزد قبيلة معروفة في اليمن .

والسجستاني نسبة إلى بلد سجستان، وهي بكسر السين وفتحها، والكسر اشهر، والجيم مكسورة فيهما ولم يذكر ياقوت في ((معجم البلدان)) إلا كسر السين .

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنه بلد يتاخم أطراف مكران والسند، وقررت أنه ما وراء هراة وذكر ياقوت أنه ناحية كبيرة وولاية واسعة وأنها جنوبي هراة، ووصف حسن جوها وثمراتها وسكانها وعاداتهم وقد وهم من زعم أنّ سجستان قرية من قرى البصرة .

وذكر الأستاذ محبّ الدين الخطيب رحمه الله في مقدمته لكتاب ((موارد الظمآن)) أن سجستان هي بلاد الأفغان الآن وهي في الحقيقة القسم الجنوبي من بلاد الأفغان.

ويقال له السجستاني والسجزي وهي نسبة على غير القياس قال فيها المنذري: وهو من عجيب التغيير في النسب .

وقيل: السجزي إلى سجز وهي سجستان .

نشأته

ولد أبو داود سنة 202هـ كما ذكرنا وتلقى العلم على علماء بلده، ثم ارتحل وطوّف بالبلاد في طلب العلم وتحصيل الرواية، فزار العراق والجزيرة والشام ومصر وكتب عن علماء هذه البلاد جميعاً. قال الخطيب:

"وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين" .

وليس من شك في أنّ هذه الرحلات قد وسعت من افقه وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء العالم الإسلامي.

والبلاد التي سكنها كثيرة نذكر منها ما وصل إليه علمنا وهي:

سجستان التي كانت بلده والتي نسب إليها، وخراسان، والري ، وهراة ، والكوفة التي دخلها سنة 221هـ كما ذكر الخطيب ، وبغداد التي قدم إليها مرات، وآخر مرة زارها كانت سنة 271هـ، وطرسوس التي أقام بها عشرين سنة ، ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر ، ومصر أيضاً، والبصرة التي انتقل إليها بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطناً ليرحل إليها طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بسببه فإنه قد خربت وهُجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليها من فتنة الزنج .

وهذا الخبر يدل على أن شهرة أبي داود قد طبقت الآفاق، فالناس يعرفون له قدره وفضله وشهرته، وأحسّت الدولة بذلك فطلبت إليه أن يرحل إلى البصرة البلدة المنكوبة لتعود إليها الحياة ولتعمر من جديد. وفي هذا دلالة على طبيعة حضارتنا ومنزلة العلم والعلماء فيها، فإن سكنى مثل أبي داود فيها كان العلاج لردِّ العمران إلى بلد مخرّب مهجور. وهكذا فقد وفق الله أبا داود أن يكون شخصية علمية مرموقة في عصره كان لها أكبر الأثر على الناس في عصره والعصور التي تلت.

علمه

كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام، وكان من أوسع العلماء معرفة بحديث رسول الله r وفقهه وعلله ومتونه ورجاله.

ويبدو أن علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى ويقدرونه حق قدره؛ يدل على ذلك عدد من الأخبار:

منها ما ذكروا من أنّ أحمد بن حنبل روى عنه حديثاً، وكان أبو داود شديد الاعتزاز به.

ومنها ما ذكروا من أن سهل بن عبدالله التستري جاء إلى أبي داود.

فقيل: يا أبا داود هذا سهل جاءك زائراً، فرحّب به وأجلّه.

فقال له سهل: يا أبا داود لي إليك حاجة.

قال: وما هي؟

قال: حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان.

قال: قد قضيتها مع الإمكان.

قال: أخرج إلي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول الله r حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله .

وكان علمه متعدد الجوانب، فهو – مع تخصصه في الحديث – فقيه عظيم، وقد عدّه الشيخ أبو الحسن الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، وكذا أبو يعلى في ((طبقات الحنابلة)) والعليمي في ((المنهج الأحمد)) .

وأبو داود ناقد كبير، وليس هذا غريباً على إمام من أئمة الحديث، لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستوى راقياً من رهافة الحسّ ودقة النقد، وسنرى في دارستنا لكتاب ((السنن)) نماذج من نقده العميق، ولكنني هنا أود أن أشير إلى مجال سبق إليه أبو داود ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأنّ الأقدمين لم يعرفوه، وذلك هو نقد الكتابة وتقدير عمرها بالنسبة إلى الحبر القديم والحديث، يدل على ذلك خبر جاء في كتاب ((الميزان)) للحافظ الذهبي وهو: (قال زكريا بن يحى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأيتنا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الاصول مغيرة بخط طري؛ كانت مراسيل فاسندها وزاد فيها) وتقدير العمر بالنسبة للحبر أمر يتصل بتقدير العمر بالنسبة إلى الورق ولا أستبعد أن تكون هناك حوادث من هذا القبيل في حياة صاحبنا العلمية، والله أعلم.

ومما يدل على مكانته العلمية ثناء العلماء عليه وسنذكر بعضه في الفقرة الآتية:

ثناء العلماء عليه

كان الثناء عليه من قبل المعاصرين له والذين جاؤوا من بعده مُنصباً على ناحيتين:

سعة علمه ودقة تحقيقه.

وكرم أخلاقه وتقواه.

فلقد كان – رحمه الله – مثلاً عالياً في صفتي المحدث القوي وهما العدالة والضبط.

وسنورد شذرات من أقوالهم.

1- قال أبو بكر الخلال :

"أبو داود سليمان الأشعث، الإمام المقدّم في زمانه رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدم" .

2- وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي :

"سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعمله وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث" .

3- وقال ابراهيم الحربي :

"ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي عليه السلام الحديد" .

4- وهذه الكلمة رويت أيضاً عن أبي بكر الصغاني .

5- وقال موسى بن هارون الحافظ :

"خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. ما رأيت أفضل منه" .

6- وقال علان بن عبدالصمد:

"كان من فرسان هذا الشأن" .

7- وقال أبو حاتم بن حبان :

"كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنف وذبّ عن السنن" .

8- وقال أبو عبدالله بن منده :

"الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي" .

9- وقال الحاكم :

"أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة" .

10- وقال محمد بن مخلد :

"كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ" .

11- وقال ابن ماكولا :

"هو إمام مشهور" .

12- 13- وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره بما لا يذكران أحداً في زمانه مثله .

14- وقال الذهبي :

"وبلغنا أنًّ أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك وكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبدالله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي r في هديه ودله" .

ولم يرض السبكي في ((طبقاته)) أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها، بل اختار الوقوف عند ابن مسعود .

ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضاً قوله في أبي داود:

"كان رأساً في الحديث، رأساً في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع حتى إنه كان يشبه بأحمد" .

15- وقال ابن الجوزي :

"كان عالماً حافظاً عارفاً بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل" .

وسيمر بنا عند الكلام على ((السنن)) مزيد من الثناء على أبي داود وشهادات أهل العلم بفضله.

أساتذته

إن الحديث عن أساتذته لا يتسع له صدر هذا المقال لأنَّ عددهم كبير، وقد ذكر ابن حجر أن شيوخه في ((السنن)) وغيرها من كتبه نحوٌ من 300 نفس .

وقد ألف العلماء في شيوخه المؤلفات، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن أساتذة أبي داود وسنورد أسماء بعضهم فيما يلي.

فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، واسحاق بن راهويه، وأبو عمرو الحوضي، ومسلم بن ابراهيم، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن اسماعيل المنقري التبوذكي، وعبدالله بن مسلمة القضبي، وهناد بن السري، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدّد بن مسرهد، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد ابن منصور، وحميد بن مسعدة، وحفص بن عمر وهو أبو عمر الضرير ، وتميم بن المنتصر، وحامد بن يحيى، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني.

ولن نستطيع أن نترجم لهؤلاء جميعاً وقد تعمدت أن أذكر المشهورين لتغني شهرتهم عن التعريف بهم.

وليس غريباً أن يكون عدد من أساتذته عمالقة علماء أفذاذاً لأن طبيعة العصر الذي كان فيه أبو داود تقتضي أن يكون هناك نماذج من هذا النوع، كما سبق أن أشرت إلى ذلك عند حديثي عن عصره. وكثرة الأساتذة أمر معروف معهود في تاريخنا الفكري .

وينبغي أن نخص واحداً من اساتذته بإشارة لابدَّ منها وهو الامام أحمد بن حنبل، فقط تكرر ذكره كثيراً في اخبار أبي داود، وقد اتصل به ورافقه، وعَرَض عليه ((سننه)) فاستجادها، وكان يسأله أبو داود كثيراً عن أمور الدين وشؤون الحديث، وقد بلغ من اهتمام أبي داود بأجوبة شيخه أحمد أنْ ألّف كتاباً جمع فيه الأسئلة التي ألقيت على الإمام أحمد وأجوبته عليها. وقد طبع هذا الكتاب بعنوان ((مسائل أحمد)).

وذكر العلماء في ترجمة أبي داود كثيراً من هذه الأسئلة التي كان أبو داود نفسه يتوجه بها إلى الإمام أحمد، أو الأسئلة التي كانت تطرح عليه بحضوره. فمن ذلك ما ذكره أبو يعلى أن أبا داود قال:

سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب: (مَلِك) أو (مالكِ)؟ يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: (مالك) أكثر ما جاء في الحديث فهذا سؤال سمعه فحفظه ورواه.

ونجده يصرح أحياناً بأنه هو الذي سأل الإمام أحمد كما في المثال الآتي:

قال أبو داود: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟

قال: لا، أو تُعلَمهُ أنَّ الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإن ترك كلامه فكلّمه، وإلاّ فألحقه به.

قال ابن مسعود: ((المرء بخدنه)) .

وكثيراً ما يذكر في كتابه ((السنن)) مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها الإمام أحمد .

وقد ينقل قوله دون أن يكون هذا القول جواباً لسؤال سائل كما ذكر أبو يعلى:

قال أبو داود: سمعت أبا عبدالله يقول: من قال إنّ الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر .

وهذا كثير الورود في ((السنن)) أيضاً.

ويظهر أن إعجابه البالغ بأحمد وحُبّه الكبير له كان يحمله على أن يتشبّه به حتى رأينا بعض العلماء يذكر تشبهه بأحمد، وهذا مشاهد عند الطلبة المعجبين بأستاذهم، فتراهم يقلدونه حتى في نبرات صوته وسلوكه ومظهره.

تلاميذه

روى عنه خلقٌ كثير من العلماء الأئمة؛ نذكر المشهورين منهم، من أمثال الامام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثاً واحداً كان أبو داود يعتزُّ بذلك جداً .

ومنهم الامام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والامام أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والامام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، ومنهم اسماعيل بن محمد الصفار، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبو عوانة الاسفراييني، وزكريا الساحبي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد يحيى الصولي.

ومن تلامذته رواة السنن عنه وعددهم تسعة ذكر الذهبي والسبكي سبعة منهم. وزاد ابن حجر راويين هما أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني، وأبو عيسى اسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاقه. أما الرواة السبعة الذين ذكرتهم معظم المصادر فهم:

– أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي.

– وأبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار.

– وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي.

– وأبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري.

– وأبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤامي.

– وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي.

– وأبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري.

وضعه الاجتماعي والمنزلي

كان الرجل يتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة، وقد اكتسب شهرة قليلة النظير، وشاع كتابه في حياته، وكان الطلبة يؤمّون منزله من كل مكان.

وكانت له مخالطة طيبة للعلماء في كل الأمصار، ويكفينا في الدلالة على ذلك ما ذكرناه في مبحث أساتذته، كما كانت له صلة قائمة على الاحترام مع الحكام، ويكفينا في الدلالة على ذلك أن يقوم رجل الدولة الأول الموفق بزيارته وأن يطلب منه ما يطلب لعمارة البصرة كما أشرنا. وكان الرجل متزوجاً وله أولاد من أشهرهم ابنه عبدالله.

ويبدو أنه كان حريصاً على أن يطلب أولاده العلم في وقت مبكر، ولذلك فقد كان يأخذهم معه ليحضروا مجالس العلم وليسمعوا.

نقل ياقوت عن ابن عساكر خبراً يرويه عن الحسن بن بندار قال: (كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم تعففاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه. وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابنٌ أمرد يحبُّ أن يسمع حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شدّ على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنه ملتحٍ، ثم احضره المجلس وأسمعه جزءاً.

فأخبر الشيخ بذلك، فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه هذا؟

فقال له: أيها الشيخ لا تنكر عليَّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذٍ من السماع عليك.

قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً. وحصل له ذلك الجزء الأول) .

وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له .

أخلاقه وصفاته

كان أبو داود رجلاً كبيراً ذا خلق كريم. كان صالحاً عابداً ورعاً، وكان ذكياً مجداً دؤوباً كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظاً شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبياً كريم النفس، وكان جريئاً في الحق أميناً على رسالة العلم قائماً بحق الدين. وسأورد فيما يلي أخباراً تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضاً في دراسة ((السنن)) أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال.

وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي اعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأنّ الناس يعانون الكثير من فقد هذا الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الويلات على الدين والعلم والحق.

والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في القاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديداً.

وكانت عاقبة ذلك دماراً للأمة ولكل معاني الخير فيها.

فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: ذكر أبو يعلى (أنّ محمد بن علي الآجري قال:

قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟

قال: عمروٌ أعلى عندنا. عليُّ بن الجعد وُسِمَ بميسم سوء قال: ((وما يسؤوني أن يعذب الله معاوية)) وقال: ((ابن عمر ذاك الصبي)) ) .

فأبو داود يعلن رأيه بصراحة، ويجرح علي بن الجعد ويذكر سبب الجرح وهو وقوعه في الصحابة، إذ أن كلمته في معاوية تدل على شيء من الكراهية لبعض الصحابة أو عدم اهتمام على أقل تقدير، وذلك عندما يقرر أنه لا يسؤوه أن يعذب الله معاوية رضي الله عنه، وكذلك فإنّ قوله عن ابن عمر إنه صبي فيه ما يدل على قلة احترام للصحابة وعلى التهوين من شأنهم.

ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر الذي قال:

كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحتُه فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن. فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فإذن له، فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال:

– ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟

– فقال: خلال ثلاث.

– فقال: وما هي؟

– قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج.

– فقال: هذه واحدة. هات الثانية.

– قال: وتروي لأولادي كتاب ((السنن))؟

– قال: نعم. هات الثالثة.

قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية، فإنَّ أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة.

فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.

قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة .

ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابن أبي بكر عبدالله صاحب التصانيف.

فقد قال عنه: ((ابني عبدالله كذَّابٌ)) .

طلابه

يبدو أنّ الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل الكتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن العلم أضحى عنده كل شيء؛ ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق، ولما سئل قال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه .

وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم يؤلف.

أقواله

كان الرجل حكيماً، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفاً، وصاحب حديث رسول الله r جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه.

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله:

الشهوة الخفية حب الرئاسة" .

وقوله:

"خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن" .

وقوله:

"من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ اراح جسده" .

وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة.

ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثاً عن كتابه السنن (جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله r: "الاعمال بالنيات".

وقوله r "من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

والثالث قوله r "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".

والرابع قوله r "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات" .

وفاته

توفى أبو داود رحمه الله يوم الجمعة 15 شوال من سنة 275هـ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدّم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الاسلامية.

كتبه:

1- المراسيل:

وقد طبع في القاهرة سنة 1310هـ.

ومخطوطاته موجودة في تركيا ومصر وغيرهما، وقد ذكرها سزكين في ((تاريخ التراث العربي)) .

2- مسائل الامام أحمد:

وهي مرتبة على أبواب الفقه، يذكر فيها أبو داود السؤال الموجّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الامام أحمد بن حنبل، وطبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخراً.

وقد ذكرته معظم الكتب التي ترجمت لأبي داود أو عنيت باحصاء تراثنا الاسلامي وذكر ابن حجر ان أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ هو راوي المسائل عنه .

3- الناسخ والمنسوخ:

ذكر ابن حجر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجار. ونقل السيوطي عن هذا الكتاب وذكره اسماعيل البغدادي بعنوان ((ناسخ القرآن ومنسوخه)) .

4- إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري:

قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه ((أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل)) كتاب مفيد وذكرها سزكين بعنوان: ((سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم)) وذكر أنها موجودة في كوبريلي وباريس . وذكر أن ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيراً في ((تهذيب التهذيب)) .

5- رسالته في وصف كتاب ((السنن)):

وحققتها ونشرتها في مجلة أضواء الشريعة في الرياض العدد الخامس سنه 1394هـ ثم نشرتها مفردة دار العربية في بيروت، وقد سبق أن نشرت في مصر سنة 1369هـ ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق .

6- كتاب الزهد:

وتوجد منه نسخة بالقرويين بفاس كما أشار إلى ذلك الأستاذ سزكين .

7- تسمية الاخوة الذين روي عنهم الحديث:

وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السّلفي، ومكتوبة بخط مغربي كما ذكر ذلك الأستاذ ناصر الدين الألباني وذكر الأستاذ أكرم العمري هذه الرسالة بعنوان ((تسمية الأخوة من أهل الأمصال)) وقال:

"وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالته ((تسمية الأخوة)) مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الاخوة الذين روي عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضاً" .

وذكر الاستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أن الرسالة تقع في 7 ورقات وأن الورقة 24 سطراً وأنها مكتوبة بخط ناعم، وذكر سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس الهجري .

8- أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء:

قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:

"رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة...، وينتهي بضعفاء المدينة" .

وهي نسخة ناقصة من أولها، وموجودة في الظاهرية .

9- كتاب القدر:

وذكر ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) باسم ((الردّ على أهل القدر)) وذكر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو عبدالله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري .

وقال سزكين: اقتبس منه ابن حجر في كتابه ((الاصابة)) .

10- كتاب البعث والنشور:

ذكره بروكلمان وذكر أنه موجود في دمشق .

11- المسائل التي حلف عليها الامام أحمد:

ذكره سزكين وقال: إنه موجود في دمشق .

12- دلائل النبوة:

ذكره إسماعيل البغدادي وابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) .

13- التفرد في السنن:

ذكره اسماعيل البغدادي .

14- فضائل الأنصار:

ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)) .

15- مسند مالك:

ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)) .

16- الدعاء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)) .

17- ابتداء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

18- أخبار الخوارج: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

الباب الثاني: سنن ابي داود.

هذا الكتاب من أهم كتب الإسلام كما أسلفنا، وهو أحد الكتب الستة التي تقبلتها الأمة بقبول حسن، وسنحاول في هذا الباب دراسته والتعرف لأهم خصائصه وشروحه ومختصراته، ومن ثم نتعرف إلى منزلته.

اسم الكتاب

الاسم المعروف به هو ((السنن)) ويبدو أنَّ المؤلف نفسه سمّاه بهذا الاسم، نستدلّ على ذلك من قوله في رسالته إلى أهل مكة.

(فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب ((السنن)) أهي أصح ما عرفت في الباب؟) .

وقوله في الرسالة المذكورة أيضاً: (وإن من الأحاديث في كتابي ((السنن)) ما ليس بمتصل، وهو مرسل...) .

وكذلك فإنّ العلماء على مرّ العصور كانوا يدعون كتابه بالسنن.

ومن المفيد أن نتعرف إلى مدلول كلمة ((السنن)):

السنن جمع سنة وهي لغة: الطريقة المسلوكة المتبعة. والسنة عند جمهور العلماء ترادف الحديث وهو قول النبي r وفعله وتقريره وصفته، وقد ذهب بعضهم إلى أن هناك فرقاً بين الكلمتين، وهو أن السنة هي الواقع العملي لمجتمع الاسلام في عهد الرسول r والصحابة، ويتضح هذا التفريق في مثل قول عبدالرحمن بن مهدي عندما سئل عن سفيان بن عيينة ومالك والأوزاعي.

فقال: الأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، وسفيان إمام في الحديث وليس بإمام في السنة ومالك إمام فيهما .

وقد فرق بعضهم بين الكلمتين تفريقاً قريباً من هذا فذهب إلى أن الحديث قول النبي وفعله وتقريره ووصفه.

أما السنة فهي التي تعني حكماً تشريعياً سواء روي فيه كلام أم لا.

وهناك استعمال خاص للسنن وهو أوثق صلة بموضوع بحثنا، وقد ذكره الكتّاني في كتابه القيم ((الرسالة المستطرفة)) فقال:

"وهي في اصطلاحهم الكتب المرتبة على الابواب الفقهية من الايمان والطهارة والصلاة والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف، لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة، ويسمى حديثاً" .

وهكذا فإن كتب السنن ينبغي أن تتوافر فيها الأمور الآتية:

1- أن تكتفي بذكر الأحاديث والا يذكر فيها شيء من الآثار.

2- أن تكون هذه الأحاديث متعلقة بالأحكام.

3- أن ترتب الأحاديث على أبواب الفقه .

ومن هنا يتضح لنا لماذا سمّى كتابه السنن، فذلك لأنه جمع أحاديثه من وجهة فقهية فلم يضمنه غير أحاديث الفقه والتشريع، مما ورد في الأخلاق والأخبار والزهد ونحو ذلك . قال في ((رسالته إلى أهل مكة)):

"وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها" .

ونقل بعضهم ممن لا علم لديهم ولا تحقيق عن القرطبي أنه سمّى كتاب أبي داود في تفسيره ((مصنف أبي داود)) وما أظنه إلا أنه يريد بذلك كتابه وليست تلك تسمية جديدة.

وقد يطلقون على كتاب أبي داود ونحوه لفظ الصحاح، قال حاجي خليفة ينقل عن ابن السبكي قوله في ((سنن أبي داود)):

"وهي من دواوين الإسلام، والفقهاء لا يتحاشون من اطلاق لفظ الصحاح عليها وعلى سنن الترمذي، ولا سيما سنن أبي داود" .

وقد جاء في كلام لأبي داود نقله محمد بن صالح الهاشمي ما قد يفيد أنه سمّاه ((المسند)) قال أبو داود:

"أقمتُ بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبتُ أربعة آلاف حديث" .

ولعله لا يريد بالمسند الاسم الخاص المصطلح عليه.

هل هو أول من صنف السنن

ذهب بعضهم إلى أنّ أبا داود هو أول من صنف في السنن قال الأستاذ الكتاني:

"وهو أول من صنف في السنن، وفيه نظر يتبيّن مما يأتي" .

ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن أبا داود كان من السابقين إلى التأليف في هذا المجال؛ ذلك لأن مجرد اختلاف العلماء في كونه أول من صنّف في السنن يدل بوضوح على سبقه في ذلك الصدد.

ومن الصعب دائماً الجزم بالأوليات، ويغلب على من يتشدد ويذهب مذهباً معيناً في الجزم يغلب عليه أنه يقع في الغلط.

ويذهب الخطابي إلى أن أبا داود لم يُسبَق إلى الإجادة في جمع السنن فقال:

"فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الاحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود" .

وقال الخطابي أيضاً:

"وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً ما، سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه" .

ثناء العلماء على السنن

لن أستطيع الحصر ولا الاستقصاء لو أردت أن أذكر كل ما قيل في الثناء على هذا الكتاب العظيم ولذلك فسأكتفي بإيراد بعض الكلمات لأشهر العلماء:

• قال أبو زكريا الساجي:

"كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب ((السنن)) لأبي داود عهد الاسلام" .

• وقال محمد بن مخلد:

"لما صنف أبو داود ((السنن)) وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقرّ له أهلُ زمانه بالحفظ فيه" .

• وقال ابن الأعرابي وأشار إلى النسخة وهي بين يديه:

"لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلى المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بته" .

وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال:

(وهذا – كمال قال – لا شكّ فيه، لأن الله تعالى أنزل كتابه تبياناً لكل شيء وقال: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئاً من أمر الدين لم يتضمن بيانَه الكتابُ، إلا أن البيان على ضربين:

بيان جلي تناوله الذكر نصاً، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً؛ فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولاً إلى النبي r وهو معنى قوله سبحانه "لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" من جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه) .

• وقال الخطابي أيضاً:

"كتاب السنن لأبي داود كتابٌ شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه وِرْدٌ ومنه شِرْبٌ، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً" .

وقال الخطابي أيضاً:

(اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم. فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نَقَلَتَه، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرُّها الموضوع ثم المقلوب – أعني ما قلب اسناده – ثم المجهول، وكتاب أبي داود خلّي منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته. وحكي لنا عن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه. وكان تصنيف علماء الحديث – قبل زمان أبي داود – الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآداباً، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحدٌ منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود، ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت فيه أكباد الابل ودامت إليه الرحل) .

• وقال أبو حامد الغزالي عن ((سنن أبي داود)):

"إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام" .

• وقال ابن القيم:

"لما كان كتاب ((السنن)) لأبي داود رحمه الله من الاسلام بالموضع الذي خصه الله به، بحيث صار حكماً بين أهل الإسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء" .

تاليفه

ألّف أبو داود كتابه ((السنن)) في وقت مبكر، وعني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة. هذا أمرٌ لا شك فيه.

أما كونه ألفه في وقت مبكر فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أنّ المؤلف روى كتابه ((السنن)) ببغداد ونقله عنه أهلها، ويقال: إنه صنفه قديماً وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه والإمام أحمد متوفى سنة 241هـ.

وقد يمكننا هذا النص أن نفهم أنه ألف الكتاب قبل أن يأتي بغداد، ولعلّه ألفه في طرسوس، لأنه جاء في أخباره أنه ألف المسند بطرسوس ومكث في ذلك مدة طويلة يبذل جهده في الاختيار والانتقاء والتبويب والترتيب. قال محمد بن صالح الهاشمي .

(قال أبو داود: أقمت بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله) ثم ذكر الأحاديث.

وواضح أنه يريد بالمسند كتابه ((السنن)) لأن قريباً من هذا النصّ نقله عنه ابن داسة مصرحاً فيه بذكر السنن ، وعدد أحاديث كتاب ((السنن)) قريب من هذا الرقم.

ومما يؤكد لنا أن تأليفه كان في وقت مبكر من حياته النظر في مجموع أخباره فهناك ما يدل على أن الرجل بذل به عناية فائقة وأنفق في ذلك مدة طويلة وأنه عرض هذا الكتاب بعد تمامه على الإمام أحمد المتوفى سنة 241هـ فإذا كان أبو داود قد ولد سنة 202هـ استغرق مدة عشرة سنوات في تأليفه وافترضنا أنه عرضه عليه قبل وفاته بخمس سنوات، فيكون عمر المؤلف عند ذلك بضعاً وعشرين سنة، أي في وقت النشاط والقدرة. وهذا وقت مبكر جداً.

وأما كونه عني به عناية بالغة فهذا أمر تدل عليه دلائل كثيرة كلها تقطع بأن المؤلف بذل مجهوداً كبيراً وأنه نظر فيه ونقحه وقرأه مرات وكان يزيد فيه وينقص.

من هذه الدلائل ما ذكره راوي هذا الكتاب الإمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي الذي قال بعد أن روى الحديث 911 ما يلي: (هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة) وقال صاحب ((عون المعبود)) في شرح ذلك: (أي لما حدّث وقرأ أبو داود هذا الكتاب في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث) .

ومن هذه الدلائل قول علي بن الحسن بن العبد: (سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وفي تتمة الخبر أنه قرأها في السنة التي مات فيها وهي سنة 275هـ.

أي أن المؤلف ظل يقرأ الكتاب ويذيعه في الناس مدة تقرب من أربعين سنة فلا عجب أن يكون واحد كعلي بن الحسن قد سمع منه هذا ست مرات.

ومن هذه الدلائل ما نقله أبو بكر بن داسة عن أبي داود حيث يقول:

(كتبت عن رسول الله r خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب – يعني كتاب السنن – جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:

أحدها: قوله r: "الأعمال بالنيات".

والثاني: قوله r: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

والثالث: قوله r: "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".

والرابع: قوله r: "الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات" .

ومما يدل على عنايته وإجادته لهذا الكتاب تعليق الذهبي على كلام أبي داود الذي نقله ابن داسة والمتضمن وعداً بتبين الضعيف الظاهر. قال الذهبي:

"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف والظاهر، وسكت عن التضعيف المحتمل" .

رواياته

نتوقع أن يكون هذا الكتاب قد روي من طرق كثيرة، غير أنَّ الرواة الذين ذكرهم العلماء تسعة وقد أوردنا أسماءهم في كلامنا على تلامذته.

والحق أنّ هؤلاء الرواة الذين عرفناهم – وغيرهم كثير ممن لم نقف على أسمائهم – قد أدوا خدمة جليلة لكتاب أبي داود، وللسنة بوجه عام، فجزاهم الله عن ذلك خير الجزاء.

وقد انتهيت من بحثي إلى أن كتاب ((السنن)) متواتر إلى صاحبه دون شك. وأن أولئك الدساسين الذين يريدون أن يشككوا المسلمين بكتب ثقافتهم الدينية وبالأصول الإسلامية قوم دفعهم إلى ذلك التعصب الأعمى والحقد الدفين.

ذكر العلماء أن الروايات عن أبي داود بكتابه ((السنن)) كثيرة جداً وهذا أمر طبيعي، لأن رجلاً ظلَّ يقرئ كتابه مدة تقرب من أربعين سنة لابد أن يكون عدد الذين رووه عنه كبيراً، لا سيما أن أبا داود – كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في ترجمة حياته – محدث مشهور يقصده الناس لعلمه وفضله حتى إن الدولة رأت في سكناه بالبصرة سبباً لإحياء المدينة الميتة وعمارة القرية الخربة. ومن عادة المؤلفين أنهم دائماً في تنقيح مستمر لكتبهم، يقدمون ويؤخرون ويزيدون وينقصون، وكلما نظروا في أثر من آثارهم رأوا أنّه بحاجة إلى تعديل.

ومن أجل ذلك كان كلام الحافظ ابن كثير عن روايات سنن أبي داود هو الكلام الطبيعي الذي جاء نتيجة لما ذكرنا. قال في ((مختصر علوم الحديث)):

"الروايات عند أبي داود بكتابه السنن كثيرة جداً، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الاخرى" .

ولذلك كان أبو داود يحذف بعض الأحاديث ويزيد بعضاً في محاولات تنقيح الكتاب وإحكام ترتيبه، وقد مر معنا كلام اللؤلؤي الذي يذكر فيه أنّ أبا داود في المرة الرابعة لم يقرأ حديثاً – ذكره – ويحسن بنا أن نتعرف إلى أصحاب هذه الروايات وهم:

1- أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي:

وهذه النسبة تتصل بالمهنة، فهي نسبة إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه وقد توفي سنة 333هـ.

وروايته من أصح الروايات لأنه من آخر ما أملى أبو داود فقد سمع السنن مرات عديدة كانت آخرهن في السنة التي توفي فيها أبو داود: سنة 275هـ.

وقد روى عن اللؤلؤي هذه السنن القاسم بن جعفر بن عبدالواحد الهاشمي أبو عمر، وهو ممن ترجم له الخطيب وذكر أنه من أهل البصرة وعدّد أساتذته فذكر منهم اللؤلؤي وعبدالفاخر بن سلامة الحمصي ومحمد بن أحمد الأثرم وعلي بن إسحاق المارديني ويزيد بن إسماعيل الخلال ومحمد بن الحسين الزعفراني الواسطي، وأثنى عليه الخطيب فقال: (كان ثقة أميناً، ولي القضاء بالبصرة، وسمعتُ منه بها ((سنن أبي داود)) ) وذكر أنه ولد سنة 322هـ وتوفي سنة 414هـ.

وقد روى عن القاسم الهاشمي هذه السنن الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ والخطيب البغدادي إمام ثقة ذائع الصيت .

ورواية الخطيب هي التي اعتمدت بالنسبة للشائع من نسخ أبي داود برواية اللؤلؤي.

ومن المفيد أن نذكر أن ابن عساكر المتوفى سنة 571هـ قد ألف كتاب ((الإشراف على معرفة الأطراف)) الذي جمع فيه أطراف ((سنن أبي داود)) معتمداً على رواية اللؤلؤي . أما المزي المتوفى سنة 742هـ فقد جمع في كتابه ((تحفة الاشراف بمعرفة الأطراف)) أطراف أحاديث ((سنن أبي داود)) من الروايات الأربعة وهي روايات: اللؤلؤي، وابن داسة، وابن العبد، وابن الأعرابي، بحيث يورد حديث السنن ثم يقول: أخرجه أبو داود في باب كذا، فإن كان ذلك الحديث موجوداً في رواية اللؤلؤي يسكت عنه ولا يقول: إن هذا الحديث من رواية اللؤلؤي سواء كان ذلك الحديث في باقي الروايات الثلاثة موجوداً أم لا. وإن لم يكن الحديث من رواية اللؤلؤي، بل من رواية الثلاثة الآخرين أو من رواية واحد منهم فيقول بعد إخراجه: حديث أبي داود في رواية ابن داسة مثلاً أو رواية ابن العبد مثلاً أو في رواية ابن الأعرابي مثلاً أو في رواية هؤلاء الثلاثة أو اثنين منهم .

2- أبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار:

المتوفى سنة 346هـ. وروايته مشهورة ولا سيما في بلاد المغرب وتقارب رواية اللؤلؤي. والاختلاف بينهما غالباً بالتقديم والتأخير .

وقد وصلت إلينا بعض المخطوطات برواية ابن داسة وقد اعتمد على واحدة منها صاحب عون المعبود ونقل عن السيوطي قوله فيها: وروايته أكمل الروايات وقال: إن كثيراً من الروايات موجودة في رواية ابن داسة وليس هو في رواية اللؤلؤي كما نبهت على ذلك في مواضعها من هذا الشرح كما سنشير إلى ذلك في موضعه إن شاء الله. وقد أتيح لي أن أقف على نسخة مصححة على مخطوطة أثبتت الفروق بين رواية ابن داسة واللؤلؤي.

3- أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري المعروف بابن الأعرابي :

صاحب التصانيف، الإمام الزاهد الحافظ شيخ الحرم. كان أبو داود أحد أساتذته وقد سمع منه ((السنن)).

ومن شيوخه أيضاً الحسن بن محمد الزعفراني ومحمد بن عبدالملك الدقيقي. وروى عنه ابن المقرئ وابن منده وأحمد بن محمد بن مفرج القرطبي.

ولد ابن الأعرابي سنة 246هـ وتوفي 340هـ.

وقد سقط من نسخته كتاب الفتن والملاحم والحروف والقراءات والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس، وفاته أيضاً من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة .

4- أبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري المتوفى سنة 328هـ:

ويعرف بأبي الحسن الوراق سمع أبا داود السجستاني وعثمان بن خرزاذ الأنطاكي، روى عنه الدارقطني .

وهذه الرواية فيها من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي .

وقد جاء في آخر مخطوطة الرسالة التي في وصف السنن نص ينقل عن هذا الراوي (علي بن الحسن بن العبد) وهو قوله:

(سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وقد سبق أن أوردت هذا الكلام .

5- أبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤاسي .

6- أبو سالم محمد بن سعيد الجلودي .

7- أبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري .

8- أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني .

9- أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي الوراق المتوفى سنة 320هـ وقالوا: إنه وراق أبي داود .

تجزئة الكتاب

ذكر أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) أن عدد كتب هذه السنن 18 جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل. ويبدو أنّ النساخ والرواة جزؤوا الكتاب إلى أجزاء، ومن أجل ذلك فهذه التجزئة من إنسان لآخر.

أما تجزئة الخطيب البغدادي وهو الذي روى سنن أبي داود برواية اللؤلؤي فتبلغ تقديراً حوالي 30 جزءاً لأنه يفهم من تعليقات المحقق الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد أن عدد أجزاء المقدار المطبوع في الجزأين الأولين بلغ 14 جزءاً من تجزئة الخطيب البغدادي .

وقد استعرضت الجزأين الثالث والرابع فلم أجد المحقق ذكر شيئاً عن هذه التجزئة.

وفي عصر الطباعة رأينا كتاب أبي داود مطبوعاً في جزء مرة، ورأيناه مرة أخرى مطبوعاً في جزأين، ورأيناه مطبوعاً مرة ثالثة بأربعة أجزاء.

أقسام الكتاب وتبويبه

خلا الكتاب من المقدمة، وهذا موضع تعجب، ذلك لأنّ مؤلفه كتب رسالة في وصف سننه وهي أحسن ما تكون توضيحاً لعمله وعرضاً لخطته ووضعاً للأمور في نصابها، ولو أن قائلاً ذهب إلى أنها تصلح أن تسدّ مسدّ المقدمة لما كان مخطئاً.

وليس أبو داود وحده الذي خلا كتابه من المقدمة، بل شاركه في ذلك غيره، فالبخاري أيضاً لم يكتب لجامعه الصحيح مقدمة، لكنَّ الفرق بينهما أن البخاري رحمه الله لم يتح له النظر في كتابه بعد تأليفه ، أما أبو داود فقد بقي يقرأ ((السنن)) ويذيعها بين الناس أربعين سنة كما أسلفنا.

ولعلّ الأمر يتعلق بأطوار التأليف، إذ ليس البخاري وأبو داود وحدهما لم يكتبا مقدمات لكتبهما، بل نجد كذلك الامام أحمد لم يكتب مقدمة لمسنده وابن المبارك لم يكتب مقدمة لكاتبيه: الزهد، والجهاد.

2 – ينقسم كتاب ((السنن)) إلى كتب كبيرة بلغت 36 كتاباً هي:

1)الطهارة، 2)الصلاة، 3)الزكاة، 4)اللقطة، 5)المناسك، 6)النكاح، 7)الطلاق، 8)الصوم، 9)الجهاد، 10)الضحايا، 11)الصيد، 12)الوصايا، 13)الفرائض، 14)الخراج والإمارة والفيء، 15)الجنائز، 16)الأيمان والنذور، 17)البيوع، 18)الإجارة، 19)الأقضية، 20)العلم، 21)الأشربة، 22)الأطعمة، 23)الطب، 24)العتق، 25)الحروف والقراءات، 26)الحمام، 27)اللباس، 28)الترجل، 29)الخاتم، 30)الفتن، 31)المهدي، 32)الملاحم، 33)الحدود، 34)الديات، 34)السنة، 36)الأدب.

3 – وكل كتاب من هذه الكتب ينقسم إلى أبواب، باستثناء ثلاثة كتب لم نجد فيها أبواباً هي:

كتاب اللقطة – وكتاب الحروف والقراءات – وكتاب المهدي. ولا يستوي عدد أبواب الكتب، فبينما نجد كتاباً يشتمل على أكثر من مائة باب ككتاب الصلاة – الذي يشتمل على ثلاثمائة باب وسبعة وستين باباً – نجد كتاباً لا تتجاوز أبوابه الثلاثة ككتاب الحمام الذي اشتمل على ثلاثة أبواب فقط.

4 – وقد نجد باباً كبيراً تحته أبواب كثيرة، وذلك كالباب الذي جاء بعنوان ((باب تفريع أبواب الجمعة)) وقد جاء تحت 38 باباً.

وكالباب الذي جاء بعنوان ((جماع أبواب الاستسقاء وتفريعها)) وقد جاء تحته ثلاثة أبواب.

5 – هذا وليست الأبواب متساوية في حجمها وإن كان يغلب على معظمها القصر، فقلما نجد باباً يجاوز الصفحة. بل أكثر الأبواب قصيرة قصراً واضحاً، وربما لا يكون في الباب إلا أثر، كما في الباب الآتي: (باب إخفاء التشهد

حدثنا عبدالله بن سعيد الكندي، ثنا يونس – يعني ابن بكير – عن محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله قال: من السنة أن يخفى التشهد) .

وقد صرح أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه يعتمد قلة الأحاديث في الباب فقال:

"ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح؛ لأنه يكبر، وإنما أردت قرب منفعته" .

وهذه الخاصة من أبرز خصائص السنن، وكأن أبا داود استخرج من الحديث أو الحديثين أبرز ما فيهما فجعله عنوان الباب، أو كانه أدخل تحت العنوان أبرز الأحاديث عليه، ولذا يستطيع المرء أن يعثر على الحديث المطلوب بسهولة؛ لأن الباب قليل الأحاديث، ومن هنا قربت منفعته على حدّ تعبير أبي داود.

وأكد أبو داود حرصه على قلة الأحاديث في الباب فقال في ((رسالته إلى أهل مكة)): (وأذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه) أي من أجل زيادة كلام فيه؛ على أننا قد نقف على بعض الأبواب الطويلة، وذلك كباب صفة حجة النبي r الذي استغرق سبع صفحات . ولعل السبب يعود إلى موضوع الباب نفسه.

6 – وأخيراً فإنّ مجموع عدد أبواب كتاب ((السنن)) حسب إحصاء الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد هو 1889 باباً.

درجات أحاديث الكتاب وأنواعها

يذكر العلماء كتاب ((السنن)) لأبي داود على أنّه من مظانّ الحديث الحسن .

قال ابن الصلاح:

"رُوِّينا عنه – أي عن أبي داود – أنه قال: ذكرتُ الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديدٌ، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعض" .

وعقب ابن الصلاح على ذلك بقوله:

"فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين ولا نصّ على صحته أحدٌ عرفنا أنه الحسن عند أبي داود" .

وسنرى بعد قليل أن هذا الرأي موضع نظر لدى المحققين. هذا وقد حلّل البقاعي في ((حاشية على الألفية)) كلام أبي داود المتقدم وانتهى إلى أن هناك – على قول أبي داود – ستة أنواع من الأحاديث في كتابه وهي:

1- الأول الصحيح: ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته.

2- الثاني شبهه: ويجوز أن يريد به الصحيح لغيره.

3- الثالث مقاربه: ويجوز أنه يريد به الحسن لذاته.

4- الرابع الذي فيه وهن شديد.

5- وقوله (وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح) يفهم منه الذي فيه وهن ليس بشديد فهو قسم خامس، فإن لم يعتضد كان قسماً صالحاً للاعتبار فقط.

6- وإن اعتضد صار حسناً لغيره، أي للهيئة المجموعة وصلح للاحتجاج وكان قسماً سادساً .

وكذلك فإن للذهبي ذكر في ((سير أعلام النبلاء)) أن الأحاديث في ((سنن أبي داود)) ستة أنواع فقال:

1- إنَّ أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب.

2- ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر.

3- ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيداً سالماً من علة شذوذ.

4- ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً.

5- ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالباً.

6- ثم يليه ما كان بيّن الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالباً، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته .

والحق أن أحاديث أبي داود متفاوتة المراتب ومثل هذا التصنيف يعطي فكرة مناسبة عن أحاديث الكتاب، هذا وقد شهد العلماء بأنّ أبا داود قد وفى بوعده بتبيين ما فيه وهن شديد.

نقل السبكي عن الذهبي قوله الآتي:

"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف الظاهر وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسناً عنده ولابدّ، بل قد يكون مما فيه ضعف" .

وبالغ الحافظ السَّلَفيُّ فَزَعم أنَّ ما في سنن أبي داود صحيح، فقد ذكر الكتب الخمسة وقال:

"اتفق على صحتها علماءُ المشرق والمغرب".

فردّ عليه ابن الصلاح وقال:

"وهذا تساهل، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفاً أو منكراً أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرّح أبو داود فيما قدمنا روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره" .

وكلام ابن الصلاح هذا صحيح، وإن كان المحققون من العلماء – كما رأيت – لا يوافقونه على رأيه الذي ورد آنفاً من أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة. ومن هؤلاء المحققين الذهبي والحافظ العراقي وغيرهما.

والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين أو لم ينصّ على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين.

قال الأستاذ أحمد شاكر:

"إنَّ ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعّفها في شيء من أقواله الأخرى كأجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في ((السنن)) وضعفه في موضع آخر من كلامه حسناً، بل يكون عنده ضعيفاً.

وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعاً لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين أو لم ينص أحدٌ من أئمة الحديث على صحته" .

وقال في موضع آخر:

"وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن اسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قولٌ باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل" .

الضعيف في سنن أبي داود

في كتاب ((السنن)) كما اتضح لنا أحاديث ضعيفة، صرّح أبو داود نفسه بضعف بعضها، ولم يصرح بتضعيف بعضها الآخر؛ إمّا لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، وإما لأنه صرح في غير ((السنن)) بضعفها كما ذكر ذلك الاستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل .

فالأحاديث التي صرّح بضعفها أمرها هيّن، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحاً وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفاً.

ومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن اسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرك أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: (ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه) .

وهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي (وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء) إذ قد أخرج عن أبي جناب الكلبي ومحمد بن عبدالرحمن البيلماني وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم.

وروي عن جابر الجعفي فقد أخرج له الحديث رقم 1036 ونصّه ((إذا قام الامام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس فإن استوى قائماً فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو)) ثم قال عقبه: (وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث) .

وقد ترجم الذهبي في ((الميزان)) لجابر هذا وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه فقال بعد أن أورد الحديث رقم 287: (ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل...) ثم قال: (قال أبو داود: وعمرو بن ثابت رافضي رجل سوء ولكنه كان صدوقاً في الحديث) .

وروى أيضاً عن الحارث الأعور الحديث رقم 908 وفي الحارث ما فيه .

لماذا أورد في كتابه الضعيف

أورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية:

1- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكاماً فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.

2- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف إن لم يكن شديد الضعف أقوى من رأي الرجال ومن القياس (حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوَرْدي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الاسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب عيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال) .

وحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه:

"إن أردت أن أقتصر على ما صحّ عندي لم أر من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه" .

3- أما إذا كان الحديث شديد الضعف فإنما يورده ليدل على عدم تبنيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلاً: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم 908 فقط وهو: (عن أبي اسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله r: "يا عليّ! لا تفتح على الامام في الصلاة" قال أبو داود: أبو اسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها) .

أي أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث نفسه متهم بالكذب عرفنا أن الحديث شديد الضعف.

موازنة بين سنن أبي داود والصحيحين

هذا الموضوع وحده يصلح أن يكون محل دراسة خاصة وعناية تامة ويمكن أن تؤلف فيه رسالة كبيرة، غير أني أرمي من وراء ذكرها هنا أن أشير فقط إلى أن كتاب السنن جليل الشأن عند كثير من العلماء المتقدمين فهو يأتي بعد الصحيحين مباشرة، بل إن الخطابي رحمه الله قدّم السنن عليهما كما مر معنا في مبحث (ثناء العلماء على السنن) ويحسن أن ورد قول الخطابي مرة أخرى؛ قال: (فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابَيْ محمد بن اسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد إلاّ كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً) .

وقد أقام عدد من العلماء موازنة بين سنن أبي داود وصحيح مسلم وذكروا أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف، ومنهم من رجّح عمل هذا، ومنهم من رجح عمل ذاك، والذي يهمني من هذه الموازنة أن طائفة من العلماء ترى أنّ ((سنن أبي داود)) في درجة تقارب درجة الصحيحين أو تفوقها.

زوائد أبي داود

يظهر أن زوائده عمّا في الكتاب الخمسة الأخرى قليلة فقد سبق أن أوردنا أن الذهبي ذكر أن ما في ((السنن)) مما يوافق ما أخرجه الشيخان يبلغ شطر الكتاب .

وإذا تتبعنا تعليقات الحافظ المنذري تبيّن أنّ زوائده عما في الكتب الخمسة قليلة جداً، فما أقل الأحاديث التي لا يذكر المنذري أنها وردت في بعض هذه الكتب.

وقد ألّف بعضهم في شيء من ذلك فجمع زوائد أبي داود على الصحيحين وشرحها ويحسن أن نشير هنا إلى أن كتاب أبي داود أجمع هذه الكتب، نعم ليست فيه زيادات كثيرة على ما في هذه الكتب بمجموعها غير أن فيه كثيراً مما ليس في واحد منها على انفراد، هذا وزوائده أحسن حالاً من زوائد غيره كابن ماجه مثلاً.

خصائصه

يحسن أن نورد بعض الخصائص المهمة التي نستطيع أن نلمسها في ((السنن)).

تعدد الطرق:

هناك أحاديث كثيرة في ((السنن)) مروية بطريقين أو أكثر، وهو يورد هذين الطريقين أو هذه الطرق في الاسناد قبل أن يأتي بمتن الحديث غالباً، وإذا أراد التحويل من طريق إلى آخر رمز إلى ذلك بالحرف (ح) على عادة المحدثين قال في ((رسالته)): (وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث) .

تكرار الحديث:

في الحديث الواحد من المعاني والأحكام الشيء الكثير، فلقد أوتي r جوامع الكلم . فإذا أورد المؤلف الحديث في باب من الأبواب من أجل معنى وارد فيه، اضطر إلى اعادته في باب آخر من أجل معنى آخر تضمنه الحديث، ومن هنا كان لا مفر من تكرار الحديث في الكتب المصنفة على الأبواب .

وهذا هو السبب الذي جعل أبا داود يكرر الحديث أحياناً. ولكنه لا يبلغ في تكراره مبلغ البخاري في صحيحه. ولا يقطِّعه تقطيعه.

الدقة في إيراد الروايات

الدقة ظاهرة واضحة تمام الوضوح في ((كتاب السنن)) ونضرب على ذلك بعض الأمثلة:

– فهو إذا روى الحديث عن طريق رجلين يثبت الرواية التي يرى أنها الصواب ثم يورد رواية الرجل الآخر كما فعل في الحديث رقم 20 الذي رواه عن زهير بن حرب وهنّاد بن السري وفيه: (أما هذا فكان لا يستنزه من البول) وبعد أن انتهى من رواية الحديث قال: (قال هناد: ((يستتر)) مكان ((يستنزه)) ).

ومما يدلنا على أن أبا داود يرى الصواب رواية زهير أن عنوان الباب الذي ورد هذا الحديث فيه هو باب الاستبراء من البول .

– وقد يقتصر على رواية أحدهما دون أن يشير إلى الرواية الأخرى، ولكنه ينبه على أنه إنما أورد رواية فلان كما في الحديث 938 قال: (حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ومحمود بن خالد قالا:..) وبعد نهاية الحديث قال: (وهذا لفظ محمود) .

– وقد يروي الحديث عن أربعة رجال ولا يثبت واحدة يرجحها ثم ينبه على الروايات الأخرى، وإنما يورد الروايات الأربع مرة واحدة مجموعة على وجه يدل على الدقة والاختصار كالحديث 992 في باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة قال:

– (حَدَّثَنَا أحمد بنُ حَنْبل، وأحْمدُ بنُ مُحمّد بن شَبُّويهْ وَمُحمّد بن رافع وَمُحَمّدُ بن عبدالملِكِ الغزَّال قالوا:

– حَدَّثَنَا عبدُالرزَّاقِ عَنْ مَعْمرٍ عَن إسْماعيلَ عن أبيه عَنْ نَافِع عنِ ابنِ عُمَر قال: نَهَى رسُولُ اللهِ r.

قالَ أحمدُ بنُ حَنْبَل: أنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ في الصَّلاةِ وهُو مَعْتمدٌ عَلى يدِهِ.

قال ابنُ شَبُّويْه: نَهى أنْ يَعْتمِدَ الرَّجُلُ على يَدِهِ في الصَّلاةِ.

وقالَ ابنُ رَافِع: نَهى أنْ يُصَلّي الرَّجُلُ وَهُوَ مُعْتمِدٌ على يَدِهِ وذَكَره في بابِ الرفع من السُّجُود.

وقال ابنُ عبدالملِكِ: نَهَى أنْ يَعْتَمدَ الرَّجُلُ عَلى يَديْهِ إذَا نَهَضَ في الصَّلاة) .

ولم يرجح المؤلف رواية على رواية.

وقد يأتي بالحديث عن طرق بينها فروق طفيفة لا تؤثر في المعنى، ومع ذلك فهو حريص على ذكر هذه الفروق، كما فعل في الحديث رقم 4 الذي رواه عَنْ مُسَدّدْ بن مُسَرْهدٍ عَن حَمّادِ بن زَيْدٍ وعبدالوارِث (عَنْ عَبْدِالعزيز بن صُهَيّبٍ عَنْ أنَس بنِ مالِك قالَ: كانَ رسُولُ اللهِ r إذا دَخَلَ الخلاء قَال:

عَن حمّادٍ – قالْ: "اللّهمَُّ إنِّي أعُوذُ بِكَ".

وَقَالَ – عن عبدِالوَارثِ قالَ – ((أعُوذُ باللهِ من الخُبثِ وَالْخَبَائِث)) ) .

– ومن الأمثلة على ذلك – وهي كثيرة جداً – حديث البول في المستحمّ رقم 27 الذي رواه من أحمد بن حنبل والحسن بن علي وهو:

"لاَ يَبُولنَّ أحَدُكُمْ في مُسْتَحمِّه ثُمَّ يَغْتَسِل فِيه – قال أحْمَدُ: ثُمَّ يََتَوضأ فيهِ فإنَّ عَامّةَ الوَسْواسِ مِنه" .

والمؤلف هنا بيّن الفرق بين الروايتين أثناء الحديث. وهذه الدقة دليلٌ على مدى الحرص في نقل حديث النبي بالتحري الخالص والأداء الأمين. وتلك خصيصة خص الله بها أمة محمد r، فوق مجرد نقل أخبار النبي r وأحاديثه..

الاختصار

وفي كتاب أبي داود الاختصار الموفّق لأننا نجده مقترناً بالدقة البالغة والوضوح البيّن، وهذه خاصة من أهمّ الخصائص التي يمتاز بها كتاب ((السنن)).

• ومن مظاهر الاختصار ما مرَّ بنا في تبويب الكتاب من قلة الأحاديث في الباب الواحد.

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه يعمد إلى الحديث الطويل فيختصره فلا يورد منه إلا موضع الفقه منه، وقد أشار أبو داود نفسه إلى هذه الخاصة فقال في رسالته:

(وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك) .

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه يأتي بحديث، ثم بعد ذلك يأتي بسند آخر ويقول: (بمعناه) كما في الحديث رقم 34 فهذه الكلمة أغنته عن إعادة الحديث، ولكي يكون كلامه دقيقاً قال: (بمعناه) منبهاً على أنّ هناك فرقاً لفظياً بين الروايتين لا يؤثر في المعنى.

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه إذا وجد روايتين في إحداهما زيادة جاء بالأولى، ثم أورد سند الثانية وجاء بالزيادة ولا يعيد ما سبق ذكره، وإنما يكتفي بقوله: (وذكر الحديث) ومثل هذا كثير الورود في كتابه، فمن ذلك الأحاديث 111 – 112 – 113 – 114...

ففي الأول منها يذكر أبو داود حديث عبد خير الذي يصف وضوء عليّ رضي الله عنه كما يلي:

(حَدَّثَنَا مُسَدَّد. حَدَّثنَا أبو عوانَة. عَن خَالِدِ بنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عبدِ خيرٍ قالَ: أتَانا عليٌ رضي اللهُ عَنْهُ وَقَدْ صَلّى فَدَعا بطَهُورٍ فَقُلْنَا: مَا يَصْنَعُ بالطّهورِ وَقَدْ صَلّى؟ مَا يُريدُ إلاَّ ليُعَلِّمنَا فَأتِيَ بإنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْت، فأفْرَغَ مِن الإنَاء عَلى يميْنِهِ فَغَسَل يَدَيْهِ ثَلاثاً ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثَاً فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ منَ الكفِّ الذِي يأخُذُ فيهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً ثمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليمْنى ثَلاثَاً وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمال ثَلاثاً، ثمَّ جَعَلَ يَدَهُ في الاناء فَمَسَحَ بِرأسِهِ مَرَّةً واحدَة ثمَّ غَسَلَ رِجْلهُ اليُمْنى ثَلاثاً وَرِجْلَهُ الشِّمَال ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَعْلَمَ وُضُوء رسولِ اللهِ فَهُوَ هَذَا) .

• وبعد ذلك أورد أبو داود رواية أخرى بسند آخر عن عبد خير هي: (صلّى عَليَّ رَضَي اللهُ عَنْهُ الغَداةَ ثمَّ دَخَلَ الرَّحْبَةَ فَدَعَا بماءٍ فأتاهُ الغُلامُ بإناءٍ فيهِ مَاءٌ وَطَسْت قَالَ: فَأخَذَ الانَاء بيدِهِ اليُمْنَى فأفْرَغَ عَلى يدِهِ اليُسْرى وَغَسَلَ كفّيْهِ ثَلاثاً ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنَى في الإناء فَمَضْمَضَ ثَلاثاً واسْتَنْشَقَ ثَلاثاً. ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة قَالَ ثمَّ مَسَحَ رَأسَهُ مُقَدّمَه وَمُؤخّرَه مَرَة ثم ساق الحديث نحوه) .

• ثم أورد الرواية الثالثة بسند ثالث عن عبد خير أيضاً وفيها زيادة: (رأيت علياً رضي الله عنه أتى بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يديه ثلاثاً ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد وذكر الحديث) .

ثم أورد الرواية الرابعة عن زر بن حبيش: أنّهُ سَمعَ علياً رضيَ اللهُ عَنْهُ وسُئل عَنْ وُضُوء رَسُولِ اللهِ r فذكر الحديث. وقالَ: مَسَحَ على رأسِهِ حَتّى لمّا يَقْطُر، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَاً ثمَّ قَالَ: هَكَذا كَانَ وضُوءُ رَسُولُ الله r) .

• وإذا روى حديثاً مختصراً نقل قول الراوي باختصاره، كما في الحديث 49 فقد قال بعد أن أورده: (قال أبو داود: قال مسدّد: فكان حديثاً طويلاً ولكني اختصرته) .

طريقته واستقصاؤه

كان أبو داود – كما أسلفنا – يريد جمع أحاديث الأحكام التي يحتج بها الفقهاء وكان ذلك همه الأول، وقد استطاع أن يبلغ أكثر ما يريد، وهذا واضح من استعراض كتابه وهذا ما قرره العلماء أيضاً.

قال الدهلوي في ((حجة الله البالغة)):

"كانت همة أبي داود جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم، وبَنى عليها الأحكام علماءُ الأمصار فصنّف ((سننه)) وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل" .

وقال الدهلوي أيضاً في صدد حديثه عن الترمذي وأنه جمع بين طريقة الشيخين اللذين بيّنا وطريقة أبي داود الذي جمع كل ما ذهب إليه عالم من العلماء فقال:

"كان استحسن طريقة الشيخين حيث بيّنا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين وزاد" .

ويدلك على ذلك أنه يعقد باباً في جواز الشي وكراهته، وهذا كثير جداً، مثل: (باب كراهة استقبال القبلة عن الحاجة) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) ومثل (باب الوضوء من مسّ الذكر) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) .

وفي جمعه لكل ما ذهب إليه العلماء فوائد منها:

– بيان أنّ بعض الأحاديث أقوى من بعض، لا سيما عندما يعلق على واحدٍ مضعفاً إياه ويسكت عن آخر.

– ومنها بيان أنّ الأمر جائز مع الكراهة وليس حراماً، أو هوَ رخصة.

– ومنها إتاحة الفرصة للانسان لكي يوازن بين أقوال العلماء ويرجح ما ينصره الدليل ويعضده.

• وقد ذكر هو في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه قصد جمع أكبر قدر ممكن من السنن التي عليها مدار الأحكام فقال:

"فإنْ ذكر لك عن النبي r سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واهٍ إلاّ أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لما أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري" .

• ومن حرصه على الاستقصاء في جمع الأحاديث المتصلة بالأحكام أنه قد يورد الحديث دون سند بعد أن يكون قد أورد حديثاً مسنداً، كما في الحديث 16 وهو:

(حدثنا عثمان وأبو بكر قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر: مَرَّ رَجُلٌ عَلى النَبيِّ r وَهوَ يَبُول، فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ أبُو دَاوُد: وَرُوي عن ابنِ عُمَر وَغَيْرِه أنَّ النبيَّ r تَيَمّمَ ثمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السّلام) .

فالزيادة التي في الرواية الثانية قد أوردها هنا دون سند وبصيغة التمريض رغبة منه في الاستقصاء مع الاختصار؛ وذلك لأنه أوردها في باب التيمم بالسند وذلك في الحديث رقم 330، ولكنه ذكر هناك ما يدل على ضعف هذا الحديث.

– ومن طريقته أنه كثيراً ما يروي الحديث عن أكثر من شيخ وتارة عن ثلاثة وتارة عن أربعة.

ففي الحديث 188 روى الحديث عن شيخين وكذا في 1365.

وفي الحديث 185 روى الحديث عن ثلاثة شيوخ.

وفي الحديث 992 روى الحديث عن أربعة شيوخ.

عناوينه

للعناوين قيمة كبرى في كتب الحديث، ففيها يتجلّى فقه المؤلف وعلمه واستنباطه الدقيق وفهمه، ذلك لأن جهده مقصور على تبويب هذه الأحاديث ووضع عنوان لكل طائفة منها والتعليق على بعضها، إذ كتابه في جمع الأحاديث وليس في شرحها.

وسنذكر بعض الملاحظات حول عناوين أبي داود كما انتهينا إليها بعد شيء من الدراسة والتأمل:

1- الناحية الفقهية بادية في عناوين أبي داود، وهذا أمر طبيعي، لأن الكتاب مؤلف على أساس فقهي واضح، وهذه العناوين رؤوس مسائل فقهية بحثها الفقهاء. قال الدهلوي في ((حجة الله البالغة)):

"وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليها ذاهب" .

وقد يجد الانسان في هذه العناوين من المسائل الفقهية ما لا يكاد يجده في مطولات كتب الفقه.

2- عناوينه يغلب عليها الايجاز، وتبدو هذه الخاصة واضحة إذا قارنّا عناوين ((السنن)) بعناوين صحيح البخاري.

3- عناوين ((السنن)) مصوغة صياغة تغري قارئها وسامعها بقراءة أحاديث الباب التي تندرج تحته، ولنضرب بعض الأمثلة للتوضيح، فعناوين الكتاب كلها تصلح للتمثيل. لنأخذ العنوان الآتي: (باب الرجل ينعس والامام يخطب) هذا العنوان لا يبيّن لنا مضمون الباب، ولابُدَّ للإنسان من قراءة ما جاء في هذا الباب حتى يعرف: ما بال هذا الرجل الذي ينعس أثناء خطبة الامام، والحديث برقم 1119 وهو: "إذا نعسَ أحَدُكُمْ وَهُوَ في المسْجِدِ فَلْيَتَحوَّلْ مِن مجْلِسِهِ ذَلِكَ إلى غَيْرِه" .

• ولنأخذ العنوان الآتي: (باب من أدرك من الجمعة ركعة) كذلك هذا العنوان لا ينبئ عن مضمونه، ولابُدَّ للراغب في المعرفة من قراءة الباب، والحديث برقم 1121 وهو: "مَنْ أدْرَكَ منَ الجُمْعَةِ رَكْعَة من الصَّلاةِ فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلاة" .

• وكذلك العنوان: (باب الرد على الامام) لا يدري قارئ العنوان: أيجوز الرد أم لا يجوز. حتى إذا قرأ ما جاء في الباب عرف، والحديث برقم 1001 وهو (عَن سُمرََةَ: أمَرَنَا النّبيُّ r أنْ نَرُدَّ عَلى الامامِ وأنْ نَتَحابَّ وَأنْ يُسلّمَ بَعْضُنَا عَلى بَعْض) .

4- وقد يأتي بعنوان كبير يسميه (جماع أبواب..) أو (باب تفريع أبواب..) وذلك كما في (باب تفريع أبواب الجمعة) وتحته 38 باباً، و(جماع أبواب صلاة الاستسقاء وفروعها) وتحته ثلاثة أبواب.

5- وقد يأتي الباب خالياً من العنوان، ويقتصر المؤلف فيه على ذكر (باب) كما في كتاب الصلاة .

6- وقد يأتي بالعنوان بصيغة الاثبات، والحديث يدل على النفي. كما في الحديث 616 فالعنوان: باب الامام يتطوع في مكانه. والحديث هو: (لا يُصَلِّ الإمامُ في الموضِعِ الّذي صَلى فيهِ حَتّى يَتحوَّل).

وربما كان ذلك على تقدير (حكم الامام...) وجرى على طريقته في إغراء قارئ العنوان بقراءة ما ورد في الباب، وربما كان ذلك عندما يكون الحديث ضعيفاً، فالحديث المثال ضعيف بسبب الانقطاع، بيّنه أبو داود بقوله: (عطاء الحرساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) .

7- قد يأتي بالعنوان بصيغة استفهام، من ذلك مثلاً قوله (باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟) وقوله (كيف التكشف عند الحاجة؟) وقوله (إذا خاف الجنب البرد أيتيممم؟) وتختلف دلالة هذا الاستفهام من عنوان إلى عنوان. فهو يدل أحياناً على عدم جزم المؤلف بالحكم، وأحياناً أخرى يدل على الكيفية. وهو كثير جداً .

8- وربما لا ينطبق العنوان على المضمون أو لا يدل على المقصود إلا بعد طول تأمل: فمن ذلك عنوان (من جهر بها) أي بالبسملة. ففي هذا الباب ثلاثة أحاديث: أولها في عدم وجود البسملة في سورة براءة وثانيها في أن النبي r قبض ولم يبين لنا أنها منها وثالثها في أن النبي r لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم .

وقال صحاب ((عون المعبود)):

"والاستدلال بهذا الحديث وكذا بكل حديث يدل على أن البسملة من القرآن على الجهر بها ليس بصحيح" .

وكأنه بذلك يقول: إن حجة القائلين بذلك واهية ولا دليل لهم؛ لأن هذه الأحاديث لا تدل على رأيهم.

9- وقد يجيء حديث لا يناسب عنوان الباب الذي هو فيه، بينما هو يناسب عنوان الباب الذي قبله. كما في الحديث (887) الوارد في باب مقدار الركوع والسجود ، وليس فيه ما يتصل بموضوع الباب بل هو في موضوع الدعاء في الصلاة لأن فيه "مَنْ قَرأ مِنْكُمْ (والتينِ والزَّيْتونِ) فانْتَهى إلى آخِرِها (أليْسَ اللهُ بأحْكمِ الحاكمينْ) فَلْيَقُل: بَلى وَأنَا على ذَلِك مِن الشّاهِدِين".

وهذا الموضوع يناسب موضوع الباب السابق وهو (باب الدعاء في الصلاة) .

وفي مثل هذه الحالة قد يكون هذا الترتيب المغلوط عائداً إلى أن النساخ نقلوا حديثاً أو عنواناً من موضع إلى موضع.

تعليقاته

سبق أن تحدثت عن تبويب الكتاب وعن عناوينه وعن المنهج الذي انتهجه أبو داود في اختياره وأود فيما يأتي أن أتحدث عن تعليقاته، وهذه الأمور – كما أسلفت – هي التي تمثل جهد المؤلف وعلمه. ويحسن أن أبادر إلى بيان أني لا أعني بالتعليقات هنا المصطلح الحديثي لها وإنما أريد بها ما يورد أبو داود من كلام له علاقة بالحديث.

مواضعها ومقدارها:

– أما مواضعها فهي إما أن تكون خلال إيراده الحديث، ومن ذلك الحديث رقم 980 فقد مرّ رجلٌ اشتهر أبوه بحادثة مهمة فعرّف بأبيه حرصاً على الفائدة: (حدثنا القعنبي عن مالك عن نعيم بن عبدالله المجمر أن محمد بن عبدالله بن زيد – وعبدالله بن زيد هو الذي أٌري النداء بالصلاة – أخبره عن أبي سعود...) فالتعليق هنا كان في جملة اعتراضية حرصاً على إفادة القارئ والسامع. وقد يعترض بجملة معترضة ليزيل الالتباس، كما لو جاء اسم أحد الرواة كنية فيذكر لنا اسم هذا الراوي كما في الحديث 32 ففيه: (حدثني أبو أيوب – يعني الافريقي – عن عاصم) .

– وإما أن تكون التعليقات بعد إيراده الحديث. وهذا الغالب عليها. ولا حاجة للتمثيل عليها لأنّ كل الأمثلة القادمة هي من هذا النوع.

– وأما مقدارها، فهو يتفاوت من حديث إلى آخر. فبينما يكون التعليق جملة مختصرة إذا بنا نراها تبلغ أحياناً ما يقرب من صفحة.

مضمونها:

يمكن أن تصنف هذه التعليقات حسب الموضوع الذي تدور حوله، وسنورد ما وفقنا عليه من دراستنا لكتاب ((السنن)):

1 – كلامه حول الرجال:

تعتبر هذه التعليقات من الملاحظات الحديثية بوجه عام، ومقدارها في ((السنن)) لا بأس به، ولو جمعت هذه الملاحظات في الرجال والمتون ونسقت لتكوّن منها بحث لطيف.

ونستطيع أن نصنف كلامه في الرجال في زمرتين:

الأولى:

كلامه في التعريف بهم وذكر أنسابهم والتحقيق في المختلف فيه منها وتبيان ما اعتراها من تصحيف وغلط.

والثانية:

كلامه في جرحهم وتعديلهم.

التعريف

من الأمثلة على التعريف بالرجال أنه أورد الحديث 1067 وهو عن الصحابي طارق بن شهاب فقال: (قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي r ولم يسمع منه شيئاً) .

ومن ذلك تعريفه قعنب أحد رواة الحديث 2496 فقد عرّفه تعريفاً مفصلاً فقال: (قال أبو داود: كان قعنب رجلاً صالحاً، وكان ابن أبي ليلى أراد قعنباً على القضاء فأبى عليه، وقال: أنا أريد الحاجة بدرهم فاستعين عليها برجل قال: وأينا لا يستعين في حاجته؟ قال: أخرجوني حتى أنظر، فأخرج، فتوارى. قال سفيان: بينما هو متوارٍ إذ وقع عليه البيت فمات) .

ومن ذلك تعريفه بأبي العباس أحد رواة الحديث 2529 وهو (مُحَمّد بنُ كثيرٍ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ – عَن حَبيبِ بن أبي ثَابِتْ عَن أبي العبّاسِ عَنْ عَبْدالله بن عمرْ وقَالَ: جَاء رَجُلٌ إلى النّبي r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أجَاهِدُ؟ قَالَ: ألَكَ أبوانِ؟ قَالَ: نَعمْ. قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".

قال أبو داود: أبو العباس هذا: الشاعر، اسمه السائب بن فروخ) .

ومن ذلك تعريفه سليمان أحد رواة الحديث 975 فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفيّ الأصل كان بدمشق) .

ومن ذلك تفسيره نسبة أبي مصبح المقرائي أحد رواة الحديث 938 فقد قال بعد أن أورد الحديث يفسر هذه النسبة: (قال أبو داود: المقراء قبيلٌ من حمير) .

ومن ذلك تعريفه بأبي زيد أحد رواة الحديث رقم 10 فقد رأى أن ذكر الكنية وحدها لا يكفي فقال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة) .

ومن ذلك تبيينه المراد من أبي شجرة أحد رواة الحديث رقم 666 فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: أبو شجرة كثير بن مرة) .

وقد يبين بالتعليق بلد الراوي كما فعل في جعفر بن يحيى بن ثوبان أحد رواة الحديث 672. فقد قال (قال أبو داود: جعفر بن يحيى من أهل مكة) .

وقد يكون حديثه عن الرجل في هذه التعليقات تصويباً لخطأ وتصحيف أو تحقيقاً لاسم اختلف فيه:

فمن ذلك تصويبه لاسم أحد رواة الحديث 2522 وهو رباح بن الوليد الذي ورد مقلوباً مغلوطاً كما يلي: (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا يحيى بن حسان، ثنا الوليد بن رباح الذماري حدثني عمي نمران ابن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء...) فقد قال مصوباً هذا الخطأ: (قال أبو داود: صوابه رباح بن الوليد) .

ومن ذلك اشارته إلى قول آخر في اسم الرجل الوارد في الحديث وقد يكون أحدهما تصحيفاً للآخر، كما في الحديث 1007 الذي جاء فيه: (صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رِمْثَه فقال: صليت هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي r..) قال أبو داود عقب الحديث:

(قال أبو داود: وقد قيل (أبو أمية) مكان (أبي رمثة) .

ومن ذلك تحقيقه اسم أحد الرواة الحديث 63 وهو محمد بن عباد بن جعفر فقد ورد في رواية مغلوطاً فذكر القولين ثم رجح الصواب. وهذا الحديث رواه عن ثلاثة شيوخ وهم محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي. وجاء اسم الراوي في سنده هكذا (محمد بن جعفر بن الزبير) ثم قال: (قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء. وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر. قال أبو داود: وهو الصواب) .

وقد يورد أقوالاً مختلفة في اسم راوٍ ولا يرجح. كما في الحديث 888 فقد جاء في سنده اسم أحد الرواة: وهب ابن فانوس. وبعد أن أورد الحديث قال: (قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: قلت له: مأنوس أو مأبوس. قال: أما عبدالرزاق فيقول: مأبوس، وأما حفظي فمأنوس) ولم يرجح.

الجرح والتعديل

إن تعليقات أبي داود التي تتناول الرجال جرحاً وتعديلاً كثيرة لن نستطيع استقصائها وسترد أمثلة كثيرة منها الفقرة الآتية التي نتحدث فيها عن كلامه في تضعيف الحديث، ومن أجل ذلك فسأورد بعض الأمثلة هنا اكتفاء بما سيمر بنا في تضعيفه الحديث.

وهو – في جرحه للرجال – إما أن يورد قوله فيهم فقط دون أن ينقل عن بعض العلماء وإما أن يكون الحكم عليهم منقولاً عن الأئمة الذين تقدموه.

فمن الأمثلة على جرحه الرجال قوله في (عبدالسلام بن حرب) أحد رواة الحديث رقم 14: (وهو ضعيف) .

ومن ذلك قوله في (أبان بن طارق) أحد رواة الحديث رقم 3741: (إنه مجهول) .

وقد يورد الحكم على الرجال منقولاً عن العلماء كما فعل في الحكم على (عبدالرحمن بن اسحاق) أحد رواة الحديث 758 فقد نقل عن الامام أحمد تضعيفه إياه قال: (قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يضعف عبدالرحمن بن اسحاق الكوفي) .

2 – كلامه في تضعيف الحديث

لو ذهبت أستقصي تعليقاته في تضعيف الحديث لخرجت عن حدود البحث التي رسمتها لكثرتها مع تنوعها، ولكنني أذكر ما يعطي الفكرة النيرة عن تعليقاته في هذا الموضوع.

فمن الأمثلة على تضعيفه للحديث وبيانه سبَب الضعف ما رواه عن شيخه محمد بن اسماعيل بن أبي سمينة البصري في الحديث رقم 704 وَنصُّه:

(عن ابن عباس – قال أحسبه – عن رسولِ الله r قال: "إذَا صَلّى أحَدُكُمْ إلى غَير سترةٍ فإنّهُ يَقْطٌَعُ صَلاتَهُ الكلبُ والحمارُ والخنزيرُ واليَهُوديُّ والمجُوسِيُّ والمرأة، ويُجزِئ عَنْهُ إذا مَرّوا بينَ يديهِ على قَذْفَةٍ بحجَرْ" .

ثم قال المؤلف معلقاً:

قال أبو دواد: في نفسي من هذا الحديث شيء، كنتُ أذاكر به إبراهيم وغيره، فلم أر أحداً جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحداً جاء به عن هشام. وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة يعني محمد بن اسماعيل البصري مولى بني هاشم. والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه: على قذفة بحجر، وذكر الخنزير. وفيه نكارة قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن اسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه) .

ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث 19 فقد بين درجته ثم ذكر سبب الضعف ونصه: (عن همام، عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان النبي r إذا دخل الخلاء وضع خاتمه). قال: (قال أبو داود: هذا حديث منكر) ثما قال ذاكراً سبب الضعف: (وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنّ النبي r اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه. والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام) .

ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث رقم 132 فقد نقل إنكار أحمد وابن عيينة للحديث؛ وفي سنده (عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده) (قال أبو داود: قال مسدّد: فحدثت به يحيى فأنكره، وقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره ويقول: إيش هذا: طلحة عن أبيه عن جده) .

ومن الأمثلة على ذلك تضعيفه للحديث ببيان انقطاعه أي أن أحد الرواة لم يدرك الآخر، وهذا ما يعبر عن علماء الحديث بالانقطاع كما في الحديث 616 الذي جاء في سنده: (..عبدالعزيز بن عبدالملك ثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة).

قال أبو داود في تعليقه عليه: (قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث 1978 وقد جاء في سنده أن الحجاج يروي عن الزهري فقال في نقده: (قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 165 وفي سنده (.. أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة..) فقال أبو داود يضعفه (وقال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثورٌ هذا الحديث من رجاء) .

ومن ذلك تضعيفه للحديث بنقل أقوال بعض العلماء في توهين الحديث كما في الحديث 1004 وهو: ((حذف السلام سنة)) فقد قال عقبه:

(قال عيسى: نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث. قال أبو داود: سمعتُ أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفرياني (وهو أحد رواة الحديث) من مكة ترك رفع هذا الحديث وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه) .

ومن تضعيفه للحديث نقلاً عن بعض العلماء تعليقه على الحديث رقم 202 فقد قال عقبه: (قال أبو داود: قوله: الوضوء على من نال مضطجعاً هو حديث منكر لم يروه إلاّ يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة) ثم قال: (قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؛ ولم يعبأ بالحديث) .

وقد يضعف الحديث بالحكم عليه بأنه وهم دون أن يذكر سبب حكمه كما في فعل في الحديث 944 "التّسْبيحُ لِلرِّجالِ والتّصْفِيقُ للنِسّاء، مَنْ أشار في صَلاتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدلَها". يعني الصلاة قال أبو داود: هذا الحديث رقم) .

وقد يضعف الحديث والحكم عليه بأنه ليس بالقوي، كما فعل في الحديث 158 فقد قال في عقبه: (قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي. ورواه ابن ابي مريم ويحيى بن اسحاق والسليمي عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده) .

وكما في الحديث رقم 159 فقد قال عقبه:

(قال أبو داود: وروي هذا أيضاً عن أبي موسى الأشعريب عَن النّبيِّ صَلى اللهُ عَليهِ أنّهُ مَسَحَ عَلى الْجَوْرَبَين وليس بالمتصل ولا بالقوي) .

3 – فوائد حديثية

في تعليقات أبي داود فوائد حديثية أخرى ليست مقصورة على مبحث التصحيح والتضعيف، وسنذكر بعضاً منها:

فمن هذه الفوائد تعليقه على بعض الأحاديث بأن ينبه بأن رواة هذا الحديث كلهم مثلاً من بلد معين، وهذه مزية خاصة للسند ويدعو بعضهم الحديث الذي يكون سنده كذلك بالحديث المسلسل فمن ذلك تعليقه على الحديث رقم 91 حيث قال:

(قال أبو داود: هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 155 حيث قال:

(قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل البصرة) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 870 حيث قال بعده:

(قال أبو داود: وهذه الزيادة تخاف ألاّ تكون محفوظة. قال أبو داود انفرد أهل مصر باسناد هذين الحديثين: حديث الربيع وحديث أحمد بن يونس) .

ومن هذه الفوائد الحديثية: إشارته إلى أنَّ هذا الحديث لم يسند إلا من هذا الطريق كما جاء في تعليقه على الحديث رقم 15 حيث قال: (قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار) .

ومن الفوائد الحديثية ما يجريه من الموازنة بين روايتين يوردهما.

فقد أورد الحديثين 1053 و 1054؛ أحدهما في أنّ كفارة من ترك الجمعة دينار، وهو عن همّام. وثانيهما في أن كفارة من ترك الجمعة درهم – وهو عن أبي العلاء أيوب. وقال بعد أن أوردهما:

(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن اختلاف هذا الحديث فقال: همّامٌ عندي أحفظ من أيوب يعني أبا العلاء) .

وكذلك فقد أورد الحديث 1024 وهو:

(حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بنُ العَلاء، ثنا أبو خالِدٍ، عَن ابنِ عَجْلانَ، عَنْ زَيْد بنِ اسْلَم، عَنْ عَطَاء بنِ يَسَارٍ، عَنْ أبي سَعيد الخُدريّ قالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ r: "إذاً شَكَ أحَدُكُمْ في صَلاتِهِ فَلْيُلْقِ الشَكَّ وليبن على اليقين، فإذَا اسْتَيْقَنَ التّمامَ سَجَدَ سَجْدَتَينِ فإن كانت صَلاتُهُ تَامّةً كانَتْ الركْعَةُ نافِلَة والسّجْدتَان. وإنْ كَانَتْ نَاقِصَة كَانت الركعةُ تماماً لِصلاتِهِ وكانَت السّجْدتَانِ مُرْغمتيْ الشّيْطَان".

قال أبو داود: رواه هشام بن سعد ومحمد بن مطرف عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي r، وحديث أبي خالد أشبع) .

واكتفى بهذه الموازنة ولم يورد حديث ابن سعد ولا ابن مطرف.

وقد يعبر عن تفضيله لاحدى الروايتين بأن حديث فلان أتم، كما صنع في الحديث رقم 45 حيث قال:

(قال أبو داود: وحديث الأسود بن عام أتم) وكما صنع في الحديث رقم 62 فقد رواه عن محمد بن يحيى عن عبدالله بن يزيد ثم أورد تحويلاً فقال: (ح وحدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس قالا: ثنا عبدالرحمن ابن زياد. قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أتقن) وبعد أن أورد الحديث قال:

(قال أبو داود: وهذا حديث مسدد وهو أتم) .

ومن الفوائد الحديثة التي نجدها في التعليقات ما يتصل بمفهوم المصطلحات كالمرسل، فإنّ المرسل عند جمهور العلماء هو الحديث الذي سقط منه الصحابي ومنهم من يعم فيطلق المرسل على كل حديث سقط منه راو، ويبدو أن أبا داود من هؤلاء؛ يدل على ذلك تعليقه على الحديث 886 وسنده: (حدثنا عبدالملك بن مروان الأهوازي، ثنا أبو عامر وأبو داود عن ابن أبي ذئب عن اسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبدالله عن عبدالله بن مسعود... الخ..).

قال أبو داود: (هذا مرسل: عونٌ لم يدرك عبدالله) .

ومن الفوائد الحديثية أنه يذكر أحياناً أنّ هذا الراوي لم يخرج له في كتابه إلا هذا الحديث كما صنع في الحديث 1036 فقد أخرجه عن جابر الجعفي وهو رافضي كذاب، فقال بعد أن أورده:

(قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر إلا هذا الحديث) .

وكأنه يعتذر بذلك لضعف جابر، وأظنُّ أن مثل هذا التعليق إنما كان من أبي داود في قراءاته المتأخرة للكتاب وليس من تأليفه الأول.

4 – التعريف بالأمكنة

ويشغل هذا المقصد حيزاً ليس بالقليل من التعليقات، ويبحث أبو داود في هذا الأمر بحثاً موضوعياً ميدانياً – على التعبير الشائع – فيقوم بنفسه بقياس الأمكنة المذكورة في الحديث ورؤيتها والبحث في التطورات التي حصلت عليها ويصفها كما رآها.

وهذا تفكير علمي صحيح وأسلوب من التحقيق اليقيني في مثل هذه الموضوعات، ومن الأمثلة على ذلك تحقيقه لموضع (بئر بُضاعة) وقياسها ووصفها؛ فهو بعد أن أورد الحديث المشهور عن هذه البئر التي سئل النبي r عن الوضوء فيها على الرغم مما يطرح فيها من الفضلات فقال r: "الماءُ طهورٌ لا ينجسه شيء". وبعد أن أورد المؤلف روايتين للحديث قال:

(قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعد قال: سألتُ قَيِّمَ بئر بضاعة عن عمقها. قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.

قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون) فهو أولا يروي ما سمعه عن قتيبة بن سعد ويقره عليه؛ لأنه بعد أن زار البئر لم يذكر لنا خلاف ما روى.

ثم يذكر أنه هو بنفسه قاسها فوجد عرضها ستة أذرع، ويحكي لنا الطريقة التي استخدمها في هذا القياس وهي مدّ ردائه ثم ذرعه، ويحكي لنا أنه خشي أن يكون بناؤها قد غير عما كان عليه زمن الرسول، فسأل المشرف عليها الذي فتح له باب البستان الذي يضمها. فتأكد من أنها على حالها ثم وصف الماء الذي فيها بأنه متغير اللون.

وهذا صنيع علمي دقيق محمود.

وكذلك فقد عرَّف المكان الوارد في الحديث 37 وهو حصن باب أليون فقال: (قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل) .

5 – ذكر مناسبة ورود الحديث

من التعليقات إيراده مناسبة الحديث وغالباً ما يفعل ذلك إذا كان فيه تعارض مع حديث آخر. مثال ذلك أنه أورد حديثاً يمنع الالتفات في الصلاة وهو برقم 909 ثم جاء بحديث آخر برقم 916 يرخص في ذلك، وفيه (فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يُصَلَّي وَهُوَ يَلتفِتُ إلى الشَّعبْ) .

قال أبو داود: (وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل) وقد أورد الحديث مفصلاً برقم 2501 وكأني به يريد أن يقول إن الأصل عدم الالتفات إلا أن يكون هناك داعٍ تحتمه المصلحة كما في هذا الحديث؛ إذ أن الرسول r أرسل فارساً إلى الشعب ليلاً يحرس، فلما وقف r لصلاة الصبح جعل يلتفت، لهذا الاعتبار.

ومن المفيد أن نشير إلى أن هناك كتباً ألفت في بيان مناسبات الحديث من أشهرها كتاب ((البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف)) للعلامة المحدث السيد إبراهيم بن محمد كمال الدين نقيب مصر ثم الشام الشهير بابن حمزة الحسيني المتوفى سنة 1120هـ.

6 – شرح الكلمات

من أكثر التعليقات وروداً شرحه الكلمات الواردة في الأحاديث وهو على أنواع: فمنها شرحه المفردة دون أن يذكر في الشرح أحداً من العلماء والشرح كما فعل في الحديث 132 حيث قال: (حَتّى بَلَغَ القَذَالَ وَهُو أوَّلُ القَفَا) وكذلك فعل في الحديث 142 قال: (فأتينَا بِقِنَاعٍ والقِنَاعُ الطّبَقُ فِيهِ تَمْر) ومن الملاحظ أنّ هذه الشروح وردت خلال النصّ، وأحياناً يكون الشرح عقبه، وهكذا فعل في الحديث 947 وهو: (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ r عَن الاخْتِصَار في الصَّلاة، قَالَ أبو داوُد يَعني يَضعُ يَدَهُ عَلى خَاصِرتِه) .

وكذلك فعل في الحديث 3715 وهو: (قَالَت سَوْدَة: بَل أكَلْتَ مَغَافِير. قَالَ: بل شَرِبْتُ عَسَلاً سَقَتْني حَفْصَةُ، فقُلْتُ: جَرَسْتُ نحُله العُرْفُطَ. (قال أبو داود: المغافير: مقلة، وهي صمغة. وجرست: رعت العرفط: نبت من نبت النحل) .

وقد ينقل هذا الشرح عن عالم من علماء غريب الحديث:

كما في الحديث 3685 وهو: نَهَى r عَنِ الحمْرِ والمَيْسِر والغُبَيراء وَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام". قال أبو داود: (قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء السكركة تعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة) .

وقد تكون الكلمة واضحة المعنى في ذاتها غير أن المراد منها يحتاج إلى إيضاح فيتولى شرح ذلك.

كما في الحديث 666 الذي ورد فيه قوله r: "وَلِينُواْ بأيْدي إخْوانِكُم" فقال في شرحها: (قال أبو داود: ومعنى ((وَلِينُواْ بأيْدي إخْوانِكُم)). إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف) .

وكما في حديث أنس برقم 413 الذي فيه (حتى إذا اصفرت الشمس) فقد أورد بعد ذلك شرحاً لهذه الجملة مسبوقاً بسند ينتهي إلى الأوزاعي صاحب الشرح فقال:

(حدثنا محمود بن خالد، ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو – يعني الأوزاعي –: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمي صفراء) .

وقد يكون شرحه للكلمة بياناً للحكم الفقهي. مثال ذلك شرحه لكلمة (عجماء) الواردة في الحديث 4593 من قوله r: "الْعَجْماءُ جرْحُها جُبَار". فقال:

(قال أبو داود: العجماء: المنفلتة التي لا يكون معها أحد وتكون بالنهار لا تكون بالليل) .

فهو في هذا الشرح إنما يبين المراد من كلمة العجماء في الحديث ممزوجاً بالحكم الفقهي ولا يشرح الكلمة من الناحية اللغوية، فبيّن أنّ جرحها جبار عندما تكون منفلتة ليس معها أحد، وهذا خاص بالنهار. أما في الليل فلابد من مسؤولية تترتب على صاحبها إن فرط .

7 – آراء فقهية

سبق أن رأينا أن آراء الرجل الفقهية نستطيع أن نجدها في عناوين الأبواب من كتابه ونود هنا أن نتحدث عن الآراء الفقهية الكثيرة التي نقف عليها خلال تعليقاته على الأحاديث في كتاب السنن. ويمكن أن تصنّف آراؤه أنواعاً عدة:

فمن هذه الآراء الفقهية آراء ينسبها لجماعة من الصحابة أو التابعين.

فهو يقول بعد الحديث 159:

(قال أبو داود: ومَسَح على الجوربين عليُّ بن أبي طالب وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك وأبو أمامة، وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس) وهو في هذا يؤيد القول بالمسح على الجوربين بنقله عن هؤلاء الصحابة الذين يرون هذا الرأي.

ويقول في باب سجود السهو تعليقاً على الحديث 1035 (قال أبو داود: وكذلك سجدهما ابن الزبير قام من ثنتين قبل التسليم، وهو قول الزهري) .

وفي باب الاحتباء والامام يخطب أورد حديثين:

أولهما: برقم 1110

عَن مُعَاذِ بنِ أنَس أنَّ رسولَ اللهِ r نَهى عنِ الحبْوَةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ والإمَامُ يَخْطُبْ، وفي سند هذا الحديث سهل بن معاذ وأبو مرحوم، وقد تكلم فيهما.

ثانيهما: برقم 111

عَن يَعْلى بن شَدَّاد قالَ: شَهدتُّ مَع مُعاوِيةَ بَيْتَ المقْدِسِ فَجَمّعَ بِنَا، فَنَظَرْتُ فَإذا جُلُّ مَنْ في المسْجِدِ أصحَابُ النَبيِّ r فَرَأيْتُهُمْ مُحْتَبينَ والإمامُ يخطُبُ قال أبو داود: كان ابن عمر يحتبي والامام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب وابراهيم النخعي، ومكحول، واسماعيل بن محمد بن سعد، ونعيم بن سلامة قال: لا بأس بها.

قال أبو داود: ولم يبلغني أنّ أحداً كرهها إلا عبادة بن نُسَيّ) .

وكأن إيراده ذلك عنهم بعد أن أورد حديثين متعارضين تأييد لأحدهما ورد للآخر، وقد رأينا أنّه ردّ حديث النهي عن الحبوة بأن في سنده رجلين تكلم فيهما.

وكذلك فعل بعد الحديث 152 قال:

(قال أبو داود: أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون من أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو) .

وقد يورد آراء بعض التابعين، والأمثلة كثيرة يطول ذكرها.

وقد ينقل آراء العلماء التي تتضمن آراء فقهية، فمن ذلك نقله أقوال العلماء في تحديد بعض المقادير.

كما فعل بعد أن أورد حديث اغتسال النبي r بالصاع ووضوئه بالمدّ رقم95 قال:

(قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب وهو صاع النبي r) .

ومن أمثلة نقله آراء العلماء الفقهية تعليقه على الحديث 884 قال:

(قال أبو داود: قال أحمد: يعجبني في الفريضة أن يدعو بما في القرآن) .

وقد وجدت أبا داود في نقله آراء العلماء الفقهية يغلب عليه الاختصار والايجاز، وقد وجدته مرة يطيل في نقل ذلك إطالة تلفت النظر، وذلك في باب (من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة) .

ومن هذه الآراء الفقهية آراء اجتهادية تثبت لنا مقدرته الفقهية ووزنه الراجح في ذلك هذا كثير ونكتفي بالاشارة إلى بعض الأمثلة.

علق على الحديث رقم 342 التعليق الآتي:

(قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل الجمعة وإن أجنب) .

وأورد حديثين في قراءة صلاة المغرب أحدهما يدل على الاطالة وهو برقم 812 والآخر يدل على التخفيف وهو برقم 813 ثم ذهب إلى أن حديث التخفيف في القراءة نسخ حديث الاطالة فقال: (قال أبو داود: هذا يدل على أن ذاك منسوخ وهذا أصح) .

وأورد عدداً من الأحاديث الصحيحة عن عثمان رضي الله عنه في مسح الرأس فقال:

(قال أبو داود: أحاديث عثمان رضي الله عنه الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا فيها: (ومسح رأسه) ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره) .

ففي هذا التعليق رأي أبي داود الفقهي في مسألة مسح الرأس في الوضوء وأنه مرة واحدة.

وفيه طريقة الاستنتاج وهي المقارنة بين المغسول والممسوح، فقد ذكروا العدد في غير المسح ولم يذكروه في المسح.

ومن هذه التعليقات تعليقات أصولية كما ترى في تعليقه على الحديث رقم 720 فقد أورد أبو داود أحاديث متعارضة في قطع الصلاة، وذكر عقب ذلك الخطة التي ينبغي أن تنتهجها إزاء ذلك فقال:

(قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن رسول الله r نظر إلى ما عمل به أصحابه بعده) وفي التعليقات روايات عن بعض التابعين يعلل فيها حكماً منقولاً عن النبي r.

فقد جاء بحديث عبدالله بن سرجس وهو برقم 29 أنَّ رَسُولَ اللهِ r نَهَى أن يُبالَ في الجُحْر. قال : قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟

قال: كان يقال: إنها مساكن الجن .

فنحن نرى أنّ أبا داود يورد كلام قتادة كتعليل للحكم، وقتادة يورده على صيغة لا تدل على الجزم: (كان يقال...).

8 – المصطلحات

في تعليقات أبي داود عدد من المصطلحات نذكر منها ما يلي:

(وذكر الحديث) (ساق قريباً من حديث فلان) (ساق الحديث نحوه) (باسناده ومعناه) (بمعناه).

وانظر الأحاديث 111 – 112 – 113 – 183 – 34 ويبدو أنّ مقتضى الاختصار مع الدقة والوضوح هو السبب في استعمال المؤلف لهذه المصطلحات، لأن هذه المصطلحات أنما يوردها أبو داود بعد أن يأتي بحديث ويريد أن يأتي بآخر.

ورأيته مرة استعمل كلمة (مقصور) بدل كلمة (موقوف) وكلمة (أسنده) بدل (رفعه).

وذلك في الحديث 1056 وهو: (حدثنا مُحَمْد بن يَحيى بن فارس، ثنا قَبِيصَه، ثنا سُفْيانُ، عن مُحَمّد بن سَعيد، عن أبي سَلمَة بن نبيه عن عَبدالله بن هارُون عن عَبدالله بن عَمْرو، عَنِ النَبيِّ r قَال: "الجُمعةُ على كُلِّ مَنْ سَمعَ النّداء". ثم قال: (قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على عبدالله بن عمرو. ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة) .

تعليقات غامضة

وهناك بعض التعليقات الغامضة التي لا تفهم إلا بعد طول نظر وتأمل، ومن ذلك التعليق الآتي مع سند الحديث رقم 975.

(حَدَّثَنَا مَحْمُود بنُ دَاود بن سُفْيَان، ثَنَا يحيى بن حَسّان ثَنَا سُليْمان بن موسى أبو داود، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سُلَيمانَ بنِ سَمُرة عَنْ أبيهِ سُليمَانَ بن سَمُرة. عَنْ سَمُرةَ بن جُنْدُبْ أمّا بَعْدُ أمَرنَا رسول اللهِ r إذا كانَ في وَسَطِ الصَّلاةِ أو حِين انقِضَائِها فابدؤوا قَبْل التّسْليمِ فقُولُوا: التّحِيّاتُ الطّيِّبَاتُ والصَّلَواتُ والمُلْكُ للهِ ثم سَلِّموا عَلى اليَمين ثمَّ سَلِّموا عَلى قَارِئِكُمْ وعَلى أنْفُسِكُمْ.

قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق.

قال أبو داود: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة) .

وغموض التعليق جاء من أنه لم يرد للحسن ولا للصحيفة ذكر.

وشرح هذا التعليق كما يأتي: قال في ((عون المعبود)):

(وفي سنن أبي داود في باب اتخاذ المساجد في الدور: عن سمرة بن جندب أنه كتب بنيه: (أما بعد فإن رسول الله r...) الحديث أنه كان عند أبناء سمرة صحيفة من سمرة، وأنهم جمعوا ما كتب إليهم سمرة فصارت هذه المكاتيب بمنزلة الصحيفة والكتاب.

وأما قول المؤلف: (دلت هذه الصحيفة...) فوجه دلالتها وتعلقها بالباب أن هذا اللفظ الذي رواه سليمان بن سمرة عن أبيه بقوله (أما بعد فإن رسول الله r..) من ألفاظ الصحيفة التي أملاها سمرة ورواها عنه ولده سليمان، فأراد أبو داود أن سليمان بن سمرة كما صح سماعه من أبيه بهذه الصحيفة وغيرها كذلك الحسن البصري صح سماعُه بهذه الصحيفة وغيرها من سمرة لأن كلاً منهما أي سليمان ابن سمرة وكذا الحسن بن يسار من الطبقة الثالثة، فدل ذلك أن الحسن سمع من سمرة كما أن سليمان بن سمرة سمع من أبيه سمرة لأنهما من الطبقة الثالثة فلما سمع سليمان من أبيه سمرة فلا مانع أن يكون الحسن سمع منه وأن أبا داود من القائلين بأن الحسن البصري ثبت سماعه من سمرة..) .

مخطوطات كتاب سنن أبي داود

ذكر بروكلمان وفؤاد سزكين مواضع وجود مخطوطات كاملة ومخطوطات ناقصة من هذا الكتاب، وقد كدت أنقل ذلك بأرقامه وعدد صفحات الموجود منه، ولكني لم أجد في ذلك كبير فائدة فرأيت أن أشير إلى أماكن وجودها، وبإمكان الراغب في الاطلاع عليها أن يرجع إلى هذين الكتابين:

برلين – ميونخ – باريس – بني جامع – أيا صوفيا – نور عثمانية – كوبريلي – مراد ملا – سليم آغا – شهيد علي – حكيم – الفاتم – جار الله – حسن حسني – الحميدية – خالد أفندي – مهرشاه – لاله لي – فيض الله رئيس الكتاب – مكتبة جامعة استامبول – عاطف – أنقرة صائب الرباط – تشستربيتي – منجانا – تيمور – طلعت – بلدية الاسكندرية – الأوقاف ببغداد – عليكرة – سبحان – بريل – بودليانا – الجزائر – دمشق – حلب – داماد زاده – سليمانية – يوسف آغا – تلممسان – مكتبة القرويين بفاس – مكتبة جامع الزيتونة – بنيكيبور – آصفية – رامبور – المتحف البريطاني.

وكنت أتمنى لو أنه كان بإمكاني أن أتعرف إلى كل من هذه المخطوطات وبأية رواية هي؟ وهناك مخطوطات أخرى في غير هذه الأمكنة ولكننا لم نقف عليها.

ولعلّ من أهمها تلك المخطوطة النفيسة التي وقف عليها الصديق العلامة الزميل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي وقد أخبرني أنها موجودة في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة، وقد ابتدأت بأحاديث من الباب الذي يسبق باب (من ترك القراءة في صلاته) وانتهت بباب (صوم الدهر تطوعاً). وهي برواية أبي بكر محمد بن بكر.. ابن داسة وعليها سماعات وقراءات، وعورضت النسخة بأصل الشيخ أبي الحسن ماسرجي رحمه الله وذكر الاختلاف بهامش النسخة.

ولعلّ من أهم هذه المخطوطات مخطوطة نفيسة لا أدري مكان وجودها على وجه اليقين وإن كنت أظن أنها موجود في مكة وقد وقفت على أمرها من نظري في نسخة سنن أبي داود المطبوعة التي كان يملكها الشيخ عبدالظاهر أبو السمح. إمام الحرم المكي رحمه الله، فقد قابل بعض طلبة العلم نسخة السنن المطبوعة بإشراف محمد محيي الدين عبدالحميد على هذه المخطوطة وقد نظرت فيها وافدت منها كثيراً.

طبعاته

طبع هذا الكتاب مرات عديدة، ولكنه لم يطبع حتى الآن طبعة محققة. ونورد فيما يأتي الطبعات التي ذكرها سركيس وبروكلمان وسزكين ونزيد عليها ما وقفنا عليه. وكنت أود أن أتكلم على كل طبعة بكلمة وصفية نقديه، غير أن ذلك لم يتيسر لي الآن لأنني لم أستطع رؤية جميع هذه الطبعات وقد تتهيأ لي فرصة في المستقبل لذلك:

1- طبع بجزأين في المطبعة الكاستيلية بمصر سنة 1280هـ بعناية الشيخ نصر الهوريني رحمه الله .

2- وذكر بركلمان أنه طبع سنة 1271 – 1272م في دهلي بالهند.

3- وطبع بجزأين مع شروح على الهامش في الهند بدهلي سنة 1283.

4- وطبع جزء واحد منه مع شروح على الهامش في دهلي سنة 1890م وعدد صفحاته 168.

5- وطبع بجزء واحد في لكناو سنة 1840م.

6- وطبع في لكناو سنة 1877 – 1888م.

7- وطبع في لكناو سنة 1305هـ.

8- وطبع بجزء واحد في حيدر آباد سنة 1321هـ وصفحاته 393.

9- وطبع بجزأين مع شرح لأبي الحسنات محمد الفنجاني وذلك في لكناو سنة 1318هـ.

10- وذكر بروكلمان أنه طبع أيضاً بهامش شرح الموطأ للزرقاني سنة 1310هـ – 1320هـ في القاهرة.

11- وطبع بأربعة أجزاء مع شرح واسع جيد وهو ((عون المعبود)) في الهند سنة 1323هـ، وسنتحدث عن هذا الشرح فيما بعد، والذي يهمنا هنا هو متن أبي داود، وأستطيع أن أقرر أن هذه الطبعة هي أصح ما رأيت من الطبعات وأفضلها وأكثرها تحقيقاً.

فقد ذكر الشارح الأستاذ العظيم الأبادي أنه ظفر بإحدى عشرة نسخة من سنن أبي داود وكلها من رواية اللؤلؤي إلا نسخة واحدة فهي من رواية ابن داسة.

فقابل هذه النسخ بعضها على بعض ورجع إلى عشرات الكتب الأمهات من كتب الأئمة المتقدمين، واستطاع أن يميز رواية اللؤلؤي وأن يورد كل الروايات التي وصلت إليه وقال:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي أيضاً لكنه قليل جداً" .

ويبدو أنه قد بذل غاية الجهد، ولولا أنّ هذه الطبعة حجرية على الطريقة التي لا يزال إخواننا الهنود يجرون عليها الطباعة وأنها خالية من الترقيم لكان ينبغي أن يعتمد عليها جل الاعتماد.

12- وطبع في مصر سنة 1371هـ – 1952م طبعة سقيمة تجارية في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وكتب على هذه الطبعة: (تعليقات لفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد سعد علي من علماء الأزهر الشريف) كذا كتب على الورقة الغلاف.

والجدير بالذكر أن التعليقات نادرة وهي قليلة القيمة العلمية، والأستاذ المذكور وقّع بلقب (رئيس التصحيح بمطبع مصطفى البابي الحلبي) وهذه الطبعة جمعت مساوئ عدة من رداءة الورق وسوء الحرف وازدحام الصفحات وخلوها من الترقيم والتنقيط وقد ظهرت في جزأين صفحات الأول 595 وصفحات الثاني 680.

13- طبعة محمد محيي الدين عبدالحميد:

طبع هذا الكتاب على ورق صقيل وبحرف جميل بتحقيق الاستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد رحمه الله.

وكانت طبعته الأولى سنة 1354هـ – 1935م. وذكر في المقدمة أنه رجع إلى مخطوطات ومطبوعات ولكنه لم يذكر بالتفصيل ماهي هذه المخطوطات التي رجع إليها وأين مكان وجودها، ويبدو أنّه بالغ في ذلك مبالغة ظاهرة، ويكاد يظن المرء أنّ الرجل لم يرجع إلا إلى مطبوعة اعتمدها وأدخل فيها شيئاً من التعديلات التي أخذها عن مطبوعة أخرى. لأن الجهد الذي يبذله الانسان لابُدَّ أن يظهر له أثر ولا سيما بالنسبة لمن عانى أمور التحقيق وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة أجزاء مرقمة الأحاديث واستعمل المحقق فيها علامات الترقيم.

ولكننا لا نجد في حواشيها إلا تعليقات يسيرة جداً وليس في هذه التعليقات تخريج للأحاديث النبوية لأنه فيما يبدو لم يكلف نفسه في الطبعة الأولى عناء الرجوع إلى كتاب المنذري الذي أتيح له فيما بعد أن ينقل منه ثم صدرت الطبعة الثانية سنة 1369هـ – 1950م.

وفي هذه الطبعة أضاف إلى متن الكتاب إضافات كان يضعها بين معقوفتين ولم يذكر عنها شيئاً في المقدمة كما أضاف إلى تعليقاته تخريجاً للأحاديث وهو مأخوذ بحذافيره من كتاب المنذري ولم يذكر عنه شيئاً في المقدمة، والحق أنني وقفت على كثير من سرقات الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد وادعائه كلام غيره لنفسه وظلم العلماء الأقدمين وكتبت ما واجهته من ذلك في دراسة كنتُ أعددتها لكتاب شرح قطر الندى لابن هشام من نحو عشرين سنة سقت الأدلة الكثيرة، وما كنت أحب أن أذكر ذلك بعد أن توفي إلى رحمة الله غفر الله لنا وله، ولكن الشيء الذي راعني هو أن ينقل تعليقات الحافظ المنذري بكاملها وبحروفها دون أن يشير إلى ذلك في المقدمة.

ولو أنه فعل ذلك لأعطى لهذه التخريجات من القوة والرجحان والتوثيق شيئاً كثيراً ذلك لأن المنذري حافظ عظيم ومن المشتغلين بالسنة فعندما يكون تخريج الحديث منسوباً إليه فإن ذلك ادعى لأن يقبله القارئ ويتبناه عن قناعة لا تتوافر إلا للقلة من العلماء المحققين أمثال المنذري رحمه الله.

ويفيد في هذا المجال أن نقرر أن المنذري رحمه الله ذكر في مقدمة ((مختصره)) نهجاً علمياً دقيقاً فقال:

"واذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه" .

ولم يذكر الأستاذ المحقق مثل ذلك، فأوهم بإغفاله ذلك أن الحديث مخرج عند من ذكرهم المنذري ونقلهم عنه المحقق مخرّج بلفظه وربما لا يكون كذلك أما الشروح التي ذكرها الأستاذ المحقق رحمه الله فعلى الرغم من أنها في غاية الانجاز فإنها كذلك مأخوذة غالباً من شرح الخطابي بالحرف الواحد ولم ينسبها إليه، فأوهم أنها من عنده.

أما تعليقاته بشأن الرجال فليس هناك نهج يحكمه، فبينما هو يذكر لك في بعض الحالات الرأي في بعض الرجال إذا هو يسكت في الغالب ولا يورد شيئاً، ويبدو أنه لم يكن يكلف نفسه عناء التنقيب في بطون الكتب، بل كان إذا صادفه شيء في أقرب شرح له ذكره.

ومن ملاحظاتنا أنه لم يلتزم نهجاً واضحاً في الترقيم.

فقد يعطي الخبر المنقول عن عالم من العلماء رقماً كما في الحديث 769 وقد نقل فيه رأياً لمالك وهو: (لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه وآخره في الفريضة وغيرها) والنهج السليم في نظري أن لا يعطي لآراء العلماء أرقاماً يدخلها في أرقام الأحاديث، وأن يقتصر في الترقيم على الأحاديث. وكذلك فإن ترقيم الأحاديث ينبغي أن يراعى فيه واحد من أمور ثلاثة: فإن أن يكون الترقيم تابعاً لمتن الحديث، وإما أن يكون تابعاً للصحابي الذي أخرجه وإما أن يكون تابعاً لشيخ المؤلف الذي تلقى عنه الحديث، والغالب أن المحقق استخدم الأخير ولكنه لم يلتزم ذلك بدقة.

ففي صفحة 60 أحاديث عدة عن عليّ رضي الله عنه أعطاها أرقاماً لاختلاف شيخ المؤلف ولكنه في صفحة 248 لم يعط رواية اختلف فيها والصحابي عن الرواية المتقدمة ولم يعط الثانية رقماً، ومهما يكن من أمر هذه الطبعة فقد أدت خدمة وسدّت ثغرة فجزى الله ناشرها ومحققها خيراً.

الكتاب التي ألفت حول السنن

وقفت على أسماء عدد كبير من الكتب التي ألفت حول السنن وقد اتيح لي أن أطلع على بعض ما وصل إلينا منها، أما الباقي فبين مخطوط ومفقود.

ونستطيع أن نصنف الكتب التي ألفت حول السنن في زمر ثلاث:

1- شروح.

2- مختصرات.

3- دراسات.

الشروح: شَرحَ السنن كثيرون نذكر أهمهم فيما يأتي:

1- شرح الخطابي: من أنفع الشروح وأقدمها وعنوانه (معالم السنن) لأبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة 388هـ وهو منسوب إلى زيد بن الخطاب.

وهو يشرح المفردات الغربية والكلمات التي تحتاج إلى شرح شرحاً لغوياً واسعاً يدل على معرفة متبحرة باللغة وقد يستشهد لشرحه بأبيات أو جمل مأثورة عن العرب. ويشرح المراد من الجملة، ثم يشرح الحديث ويوفق بينه وبين ما روي على وجه قد يُظنُّ أن فيه خلافاً.

ثم يتحدث عن فقه الحديث ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذه الآراء.

ثم يذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بعنوان الباب.

طبع هذا الكتاب في حلب بأربعة أجزاء بتحقيق العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله سنة 1920 – 1924، 1932 – 1950م.

كتب على الأجزاء الثلاثة الأولى أنّها بتحقيقهما. وأما الجزء الرابع فما بعده حتى الثامن فقد كتب عليها أنها بتحقيق محمد حامد الفقي فقط، وقد أثبت في الأعلى من هذه الطبعة تهذيب المنذري ثم تحته معالم السنن وفي الأسفل تهذيب ابن القيم.

وقد لخص المعالم الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن ابراهيم المقدسي المتوفى سنة 765هـ وسمّاه (عجالة العالم من كتاب المعالم) .

2- العدد المودود في حواشي سنن أبي داود للحافظ المنذري المتوفى سنة 656هـ وقد ذكر سزكين مكان وجود مخطوطته.

3- وشرح ((السنن)) أيضاً شهاب الدين أحمد بن حسين بن ارسلان الرملي المتوفى سنة 744هـ ومخطوطاته موجودة في تركيا.

4- وشرح ((السنن)) قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين اليمني الشافعي المتوفى 752هـ في أربع مجلدات كبار في آخر عمره ومات عنه وهو مسوّدة .

5- وشرح هذا الكتاب أيضاً مغلطاي بن فليج المتوفى سنة 762هـ ولم يكمله .

6- وشرح هذا الكتاب أيضاً شهاب الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن ابراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزي. المتوفى بالقدس سنة 765هـ ويبدو أنه هو الذي لخص المعالم المذكور آنفاً. وسمّى شرحه ((انتحاء السنن واقتفاء السنن)) ومخطوطته محفوظة في مكتبة لاله لي في أربعة مجلدات تحت رقم 498 – 501.

7- وشرحه أيضاً عمر بن رسلان بن نصر البلقيني المتوفى سنة 805.

8- وشرح السنن أيضاً أبو زرعة العراقي ولي الدين أحمد بن عبدالرحيم المتوفى سنة 826هـ وأطال في شرحه جداً .

9- وشرح قطعة منه محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة 855هـ.

10- وشرحه السيوطي المتوفى سنة 911هـ وسمّاه ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود)) وتوجد منه مخطوطات عدة ذكرها سزكين .

11- وشرحه أبو الحسن محمد بن عبدالهادي السندي المتوفى سنة 1138هـ بعنوان ((فتح الودود على سنن أبي داود.

12- ((عون المعبود شرح سنن أبي داود)).

تأليف العلامة الشيخ شمس الحق العظيم أبادي، ويقع في أربع مجلدات كبيرة وقد طبع في الهند في دهلي سنة 1322هـ وقد أثبت في أعلى الصفحات سنن أبي داود بعد أن بذل جهداً مشكوراً في تحقيقه؛ فقد استطاع أن يميز بين رواية اللؤلؤي وغيره من الروايات ورجع في هذه الطبعة إلى إحدى عشرة مخطوطة.

أما شرحه فهو من أفضل الشروح وأكثرها استيعاباً لما قاله العلماء من قبله.

وهو لا يترك في الحديث شيئاً من ترجمة الرجال أو شرح للمفردات أو ذكر لآراء العلماء في المسألة لا يدع من ذلك شيئاً.

وقال في التنبيه الأول: أكثرت النقل من كلام الحافظ المنذري حتى قلت تحت كل حديث: (قال المنذري كذا وكذا) لأن الامام المنذري قد اختصر كتاب ((السنن)) من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه ثم بين ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً ومعلولاً وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان، وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده، وإني نقلت سكوته أيضاً ملتزماً به، فقلت: والحديث سكت عنه المنذري، إلا في بعض المواضع في أول الكتاب، فقد فاتني هذا الأمر، ومع ذلك فإني نقلت قدراً كثيراً من كلام أئمة الحديث في تنقيد أحاديث الكتاب من الصحة والضعف وبيان عللها وجرح الرواة وعدالتهم ما يشفي الصدور وتلذ الأعين فصار هذا الشرح بحمد الله تعالى مع اختصاره وايجازه مغنياً عما سواه، فكل حديث الكتاب فرداً فرداً من أول (باب التخلي عند قضاء الحاجة) إلى آخر باب (الرجل يسب الدهر) بينت حاله من القوة والضعف إلا ما شاء الله تعالى في أحاديث يسيرة مع أنه ليس في سنن أبي داود حديث اجتمع الناس على تركه) .

ويقول في آخر التنبيه الخامس:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي ولكنه قليل" .

طبع هذا الشرح كما أشرنا في الهند في دهلي سنة 1322هـ طبعة حجرية منقحة وفي كل جزء تصحيحات للأغلاط المطبعية بحيث أضحت هذه الطبعة إن صححت من أجود الطبعات.

وأعيد تصوير هذا الكتاب بالأوفست في بيروت.

ثم نشره محمد عبدالرحمن السلفي صاحب المكتبة السلفية في المدينة المنورة وطبعه في مصر وذكر أنه ضبط وتحقيق عبدالرحمن محمد عثمان، ونشر في الأعلى ((سنن أبي داود)) ويليه شرح ((عون المعبود))، ثم نشر في هامش الصفحات تهذيب ابن القيم وصدر الكتاب في أربعة عشر جزءاً، بدأ بطباعته سنة 1388هـ 1968م وانتهى 1389هـ (1969)م في مطابع المجد بالقاهرة.

ويبدو أن هذه الطبعة المتأخرة لا تمتاز إلا بكونها على ورق أبيض وبحرف مألوف.

13- وكذلك فقد شرح كتاب ((سنن أبي داود)) عالم معاصر هو الشيخ محمود محمد خطاب السبكي وسمّى كتابه:

((المنهل العذب المورود شرح سنن الامام أبي داود)) وذكر في المقدمة أنه شرع في سنة 1343هـ بقراءة سنن أبي داود مع نفر من الطلبة، فكانت نسخ الكتاب نادرة وقد صعب على الطلبة اقتناؤها، فأراد طبعه ليسهل الحصول عليه وكتب عليه شرحاً، وذكر أنه عني ببيان تراجم رجال الحديث وشرح ألفاظه وبيان معناه وما يستفاد منه من الأحكام، وأنه بيّن أوجه الخلاف وأدلته وذكر من خرّج الحديث سواء كان من الأئمة الستة أم غيرهم وبيّن حال الحديث من صحة أو حسن أو غيرهما وأورد مقدمة تشتمل على نبذة من مصطلح الحديث وترجمة المؤلف كما أورد في المقدمة طرفاً من رسالته إلى أهل مكة.

أصدر الشيخ محمود هذا الكتاب في عشرة أجزاء كبيرة وطبعت في مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ وقد توفى سنة 1352هـ وكان وصل إلى باب الهدي من مناسك الحج. ولم يكمل الكتاب.

وقد قام مصطفى علي البيومي بوضع مفتاح لهذه الأجزاء العشرة واحتوى هذا المفتاح على الفهارس الآتية:

1- فهرس الكتب والأبواب.

2- فهرس أوائل الأحاديث القولية.

3- فهرس أوائل الأحاديث الفعلية.

4- فهرس الألفاظ.

5- فهرس الموضوعات والأعلام والأحكام المستنبطة من الأحاديث.

6- فهرس جوامع الأعداد.

طبع هذا المفتاح عام 1356هـ (1937م).

إذن فكتاب ((المنهل العذب المورود)) شرح لقطعة من السنن ولم يتح للمؤلف أن يكمله فقام ابنه الشيخ أمين محمود خطاب السبكي بمحاولة إكمال الكتاب، فأصدر منه أربعة أجزاء وسمّاه ((فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود)).

طبع الجزء الأول عام 1375هـ (1955م) في مطبعة الاعتصام بالخيمية.

وطبع الجزء الثاني عام 1375هـ (1956م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الثالث عام 1379هـ (1959م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الرابع عام 1383هـ (1963م) في مطبعة السعادة بمصر.

وانتهى بباب في تعظيم الزنا. أي ما يعادل قريباً من آخر الجزء الثاني (صفحة 394) من طبعة محيي الدين ورقم الحديث الأخير الذي شرحه في طبعة محيي الدين هو 2312.

14- وهناك شروح أخرى ذكرتها الكتب التي تعني باحصاء التراث، وأتوقع أن تكون هناك كتب أخرى لم نعرف من خبرها شيئاً.

المختصرات

1 – مختصر المنذري:

وهو أهم المختصرات التي اختصرت سنن أبي داود، والمنذري هو زكي الدين عبدالعظيم عبدالقوي المنذري المتوفى سنة 656هـ وعرف مختصره باسم ((مختصر سنن أبي داود)) للمنذري غير أن حاجي خليفة زَعَم أنّ المنذري قد سمّاه ((المجتبى)) وذهب إلى أن السيوطي ألف عليه كتاباً سمّاه ((زهر الربى على المجتبى)) وتابع حاجي خليفة في هذا الزعم الأستاذ الخولي في كتابه ((مفتاح السنة)) والأستاذ سزكين في ((تاريخ التراث)) وبروكلمان في ((تاريخ الأدب)) والذي أراه أنّ حاجي خليفة وهم في هذا الزعم ويؤيد هذا الاتجاه أن كتاب السيوطي ((زهر الربى)) هو كتاب ألفه على سنن النسائي وليس على مختصر المنذري.

وكذلك فإن مما يؤيد هذا الاتجاه أن المنذري لم يصرح بهذه التسمية في المقدمة ولا لوّح بها، وكذلك لم يشر ابن القيم إلى هذه التسمية مع العلك أنه صرح بأن كتابه مبني على كتاب المنذري الاستاذان أحمد شاكر وحامد الفقي إلى هذه التسمية.

ومن نظرنا في الكتاب نجد أنه اختصر كتاب السنن على ما رتبه مصنفه من الكتب والأبواب أي لم يرتب الأحاديث ترتيباً جديداً كما فعل في كتاب مختصر مسلم الذي قال في مقدمته (ورتبته ترتيباً يسرع بالطالب إلى وجود مطالبه في مظنته) .

وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه.

ويلاحظ أنه حذف الأسانيد وكثيراً من تعليقات أبي داود وقد يثبت بعضها كما فعل في تعليقه على بئر بضاعة .

والحق أن كتاب المنذري له وجهان وجه يلحقه بالمختصرات ووجه يلحقه بالشروح فهو مختصر وشرح بآن.

قال ابن القيم في وصفه:

"وكان الإمام العلامة الحافظ زكي الدين المنذري قد أحسن في اختصاره وتهذيبه وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه فأحسن حتى لم يكد يدع للاحسان موضعاً وسبق حتى جاء من خلفه له تبعاً" .

وقال صاحب ((عون المعبود)) :

"اختصر الامام المنذري كتاب السنن من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه على تخريجه. ثم بيّن ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً أو معلولاً، وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان. وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده".

وقد طبع هذا الكتاب – على ما يذكر بروكلمان في حيدر آباد عام 1342هـ وطبع في دهلي عام 1891م.

وطبع في القاهرة كما ذكرنا قبل في مطبعة أنصار السنة المحمدية منشوراً مع كتابي الخطابي وابن القيم وصدر في ثمانية أجزاء كتب على الثلاثة الأولى أنها بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي وكتب على الخمسة الباقية أنها بتحقيق حامد الفقي، وهي طبعة جيدة مشكولة مرقمة الأحاديث .

2 – مختصر محمد بن الحسن بن علي البلخي:

وقد اختصره أيضاً محمد بن الحسن بن علي البلخي من رجال القرن السابع .

3 – تهذيب ابن القيم:

وابن القيم هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي المتوفى سنة 751هـ.

وتهذيبه أشبه بالحاشية منه بالتهذيب، فهو قد سكت عن أحاديث عديدة.

ثم تراه يفصل القول في شرح حديث وبيان فقهه وقد يفصل تفصيلاً لا تراه في المطولات. وقد ذكر في مقدمته خطته فقال: (فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها والكلام على متون مشكلة لم يفتحُ مْغَلقَها وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها وبسطت الكلام على مواضع قليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه) وقد طبع في دهلي سنة 1891م، كما طبع في الطبعة التي أشرت إليها قبل قليل وهي طبعة أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي.

دراسات عنه :

لن أستطيع الاستقصاء في مجال الدراسات وسأقتصر على ذكر أسماء بعض هذه الدراسات:

1- جمع زكريا الساجي المتوفى سنة 307هـ للسنن ما يوافق معانيها من آيات القرآن الكريم .

2- ألف أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الجياني المتوفى سنة 498هـ كتاباً بعنوان ((تسمية شيوخ أبي داود)) .

3- وشرح سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة 804هـ زوائد السنن على الصحيحين وتقع في مجلدين .

خاتمة

وبعد فهذا جهدٌ متواضع بذلته في دراسة هذا الكتاب العظيم من كتب رسول الله r، فإن أحسنت فبفضل الله وتوفيقه وكرمه وإن أخطأت فهذا شأن البشر (رَبّنا لاَ تُؤَاخِذنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأنَا) وحسبي أنني كنت جاداً في هذه الدراسة التي كانت على زحمة المشاغل وضيق الوقت، ولو لم يكن فيها إلا أنها أطلعت القراء الكرام على صفحة مشرقة وضاءة من تاريخ رجل من رجالاتنا، وذكرتهم بقيمة كتاب ((السنن))، لو لم يكن فيها إلاّ هذا فقط لكان فيها خير إن شاء الله. جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه، ووفقنا للعمل بما نعلم، وأعاذنا من الفتن التي كقطع الليل المظلم تصدُّ الناس عن سبيل الله ولا سيما في زماننا هذا الذي تكالبت فيه قوى الشر والبغي على بلاد المسلمين وتداعت أمم الكفر إليهم تداعي الأكلة إلى قصعتها، وجعلنا ممّن يحيون على شريعة الاسلام ويموتون في سبيل الذود عنها لا تنحرف بهم السبل ولا تغويهم المخاوف ولا المطامع، وممّن يكونون واعين متيقظين لما يحاك للإسلام وأهله وبلاده من كيد ماكر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(رَبّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعدَ إذْ هَديتَنَا وَهَبْ لَنا من لّدُنْكَ رَحْمَةً إنّكَ أنْتَ الوهّاب)(ربّنَا آتِنَا من لدنْكَ رَحْمَةً وَهَيئ لَنَا منْ أمْرِنَا رَشَدَا).

وصلى الله علي سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.

محمد بن لطفي بن عبداللطيف بن ياسين الصباغ

مراجع البحث

1- الاصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن علي.. ابن حجر مطبعة مصطفى محمد بمصر سنة 1358هـ – 1939م.

2- الاعلام لخير الدين الزركلي مطبعة كوستا تسبو ماس بمصر سنة 1373هـ – 1378م.

3- أمراء البيان لمحمد كرد علي. مطابع دار الكتب بيروت ط3 سنة 1388هـ – 1969م.

4- ايضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون طبعة الأوفست طهران سنة 1387هـ.

5- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث مطبعة محمد علي صبيح بمصر ط3 سنة 1377هـ – 1958م.

6- الباعث على الخلاص من حوادث القصاص لعبدالرحيم العراقي تحقيق محمد الصباغ نشر في العدد الرابع من مجلة اضواء الشريعة بالرياض سنة 1393هـ.

7- بحوث في تاريخ السنة المشرفة لأكرم ضياء العمري مطبعة الارشاد ببغداد سنة 1392هـ – 1972م.

8- البداية والنهاية لاسماعيل بن عمر بن كثير مطبعة السعادة بمصر سنة 1351هـ – 1358م.

9- تاج العروس في شرح القاموس لمحمد مرتضى الزبيدي المطبعة الخيرية بمصر سنة 1306هـ.

10- تاريخ الادب العربي لبروكلمان ترجمة د. عبدالحليم نجار دار المعارف بمصر سنة 1959م.

11- تاريخ آداب اللغة لجرجي زيدان دار الهلال بمصر سنة 1957م.

12- تاريع بغداد لأحمد بن علي الخطيب البغدادي مطبعة السعادة بمصر سنة 1931م.

13- تاريخ الخلفاء لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي مطبعة الفجالة الجديدة سنة 1389هـ – 1969م.

14- تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ترجمة فهمي أبو الفضل المطبعة الثقافية بمصر سنة 1971م.

15- تاريخ الطبري لمحمد بن جرير تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم دار المعارف بمصر.

16- تحذير الخواص من أكاذيب القصاص لعبدالرحمن أبي بكر السيوطي تحقيق محمد الصباغ المكتب الاسلامي بدمشق سنة 1392هـ سنة 1972م.

17- تحفة الأحوذي لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري طبع الهند سنة 1343هـ.

18- تحفة الاشراف ليوسف بن عبدالرحمن المزي عبدالصمد شرف الدين طبع بمباي الهند سنة 1384هـ – 1965م.

19- تدريب الراوي لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي نشر المكتبة العلمية بالمدينة سنة 1379هـ – 1959م.

20- تذكرة الحفاظ لمحمد بن أحمد الذهبي طبع حيدر آباد الهند 1376هـ – 1959م.

21- ترتيب المدارك للقاضي عياض.

22- التقريب مطبوع أعلى تدريب الراوي نشر المكتبة العلمية بالمدينة سنة 1376هـ – 1959م.

23- التقييد والايضاح لما اطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح للحفاظ العراقي تحقيق راغب الطباخ المطبعة بحلب سنة 1350هـ – 1931م.

24- تهذيب ابن عساكر لعبدالقادر بدران طبع دمشق.

25- تهذيب الأسماء واللغات ليحي بن شرق النووي – المطبعة المنيرية بمصر.

26- تهذيب التهذيب لأحمد بن علي بن حجر طبع حيدر أباد الهند سنة 1325هـ.

27- توجيه لطذاهر بن صالح الجزائري طبع مصر وأعيد تصويره بالأوفست في بيروت.

28- جامع الأصول لمبارك بن محمد بن الأثير مطبعة السنة المحمدية في مصر سنة 1368هـ – 1949هـ.

29- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم طبع حيدر آباد الهند سنة 1371هـ.

حجة الله البالغة للدهلوي.

30- الحديث النبوي لمحمد بن لطفي الصباغ المكتب الاسلامي ببيروت سنة 1392هـ – 1972م.

31- الخلاصة لأحمد بن عبدالله الخزرجي المطبعة الخيرية بمصر سنة 1322هـ.

32- الدرر الكامنة لأحمد بن علي بن حجر مطبعة المدني بمصر سنة 1385هـ – 1966م.

33- رسالة أبي داود تحقيق محمد الصباغ طبع دار العربية ببيروت سنة 1394هـ – 1974م.

34- الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني دار الفكر بدمشق سنة 1383هـ.

35- سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي دار احياء الكتب العربية 1372هـ – 1952م.

36- سنن أبي داود لسليمان بن الأشعث تحقيق محيي الدين عبدالحميد مطبعة السعادة بمصر سنة 1369هـ – 1950م.

37- سنن الترمذي لمحمد بن عيسى الترمذي المطبوع في أعلى تحفة الاحوذي طبع الهند سنة 1343هـ.

38- سنن الدارمي لعبدالله بن عبدالرحمن تحقيق محمد أحمد دهمان مطبعة الاعتدال بدمشق سنة 1349هـ.

39- سنن النسائي لأحمد بن شعيب المطبعة المصرية بالازهر بمصر.

40- سير أعلام النبلاء.

41- شذرات الذهب لعبدالحي بن أحمد بن العماد مكتبة القدسي بمصر سنة 1350هـ.

42- شروط الأئمة الخمسة لمحمد بن موسى الحازمي مكتبة القدسي بمصر سنة 1357هـ.

43- شروط الأئمة الستة لمحمد بن طاهر المقدسي بمصر سنة 1357هـ.

44- صحيح ابن خزيمة لمحمد بن اسحاق تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي مطابع دار القلم سنة 1391هـ – 1971م.

45- صحيح البخاري لمحمد بن اسماعيل مطبعة الفجالة الجديدة سنة 1376هـ.

46- صحيح مسم لمسلم بن الحجاج طبعة محمد علي صبيح.

47- الضوء اللامع لمحمد بن عبدالرحمن السخاوي مطبعة القدسي مصر سنة 1352هـ.

48- طبقات الحنابلة لمحمد بن أبي يعلى محمد حامد الفقي مطبعة السنة المحمدية.

49- طبقات الشافعية للسبكي تحقيق الحلو والطنامي مطبعة عيسى البابي بمصر سنة 1383هـ.

50- علوم الحديث لعثمان بن عبدالرحمن بن الصلاح تحقيق العتر مطبعة الاصيل حلب سنة 1386هـ – 1966م.

51- عون المعبود للعظيم أبادي طبع دهلي في الهند سنة 1343هـ.

52- فتح المغيث لمحمد بن عبدالرحمن السخاوي مطبعة العاصمة بمصر سنة 1388هـ.

فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود لأمين محمود خطاب السبكي مطبعة الاعتصام بالقاهرة سنة 1375هـ – 1955م.

53- فهرست ابن خير لابي بكر محمد بن خير لمكتبات المثنى والخانجي والمكتب التجاري سنة 1963م.

فهرس مخطوطات الظاهرية لمحمد ناصر الدين الالباني طبع دمشق.

54- القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروز أبادي مطبعة دار المأمون بمصر سنة 1357هـ – 1938م.

55- قواعد التحديث لجمال الدين بن محمد القاسمي مطبعة ابن زيدون دمشق سنة 1353هـ – 1935م.

56- كشف الظنون لمصطفى بن عبدالله حاجي خليفة طهران سنة 1387هـ.

57- الكني والاسماء للدولابي طبع حيدر أباد سنة 1322هـ.

58- لسان الميزان لأحمد بن علي بن حجر طبع حيدر آباد الهندسة 1325هـ

59- مختصر سنن أبي داود لعبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1366هـ.

60- مختصر صحيح مسلم لعبدالعظيم بن عبدالقوي تحقيق الالباني طبع وزارة الأوقاف الكويتية.

61- المستدرك لمحمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري طبع حيدر آباد الهند سنة 1333هـ.

62- المسند لأحمد بن حنبل المطبعة الميمنية بمصر سنة 1313هـ.

63- معالم السنن للخطابي تحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1366هـ.

64- معجم الأدباء لياقوت الحموي مطبعة دار المأمون مصر.

65- معجم البلدان لياقوت الحموي دار صادر ودار بيروت سنة 1374هـ – 1955م.

66- معجم المطبوعات العربية والمصرية ليوسف البيان سركيس مطبعة سركيس سنة 1346هـ – 1928م.

67- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث لمجموعة من المستشرقين طبع مكتبة بريل في لبدن.

68- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لمحمد فؤاد عبدالباقي مطابع الشعب بمصر سنة 1378هـ.

69- مفتاح السنة لمحمد عبدالعزيز الخولي مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

مفتاح المنهل العذب المورود لمصطفى علي البيومي.

70- المنتظم لعبدالرحمن بن علي بن الجوزي مطبعة دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد سنة 1358هـ.

71- المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الامام أحمد لعبدالرحمن بن محمد العليمي تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد مطبعة الدني بالقاهرة سنة 1393هـ – 1963م.

72- المنهل العذب المورود. لمحمود خطاب السبكي مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ.

73- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان لعلي بن أبي بكر الهيثمي بتحقيق محمد عبدالرزاق حمزة المطبعة السلفية بمصر ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي تحقيق البجاوي دار احياء الكتب العربية بمصر.

74- ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي تحقيق البجاوي دار احياء الكتب العربية بمصر.

75- هدية العارفين لاسماعيل بن محمد البغدادي طهران سنة 1387هـ.





المصدر مجلة البحوث الإسلامية -العدد1
الله يجزاك الجنه ويعطيك العافيه
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 16-09-12, 03:01 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود البغدادي مشاهدة المشاركة



أبو داوود حيَاته وسننه




محمَد لطفي الصَباغ








مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فإن الشريعة المطهرة على المصدرين الخالدين: كتاب الله وسنة رسوله وفيهما الهدى والفلاح. من تمسك بها لم يضل، ولا يدعهما إعراضاً عنهما إلا زائغ هالك.
وقد حفظهما الله عز وجل من عدوان المعتدين، وتحريف المغرضين، فتكفل الله سبحانه بحفظ الذكر الحكيم "إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون" وهيأ للسنة رجالاً يذبون عنها افتراء المفترين وينقونها عن الزيف والدخيل حتى استبان الصحيح من السقيم واتضحت معالم الطريق. ووصلت إلينا كتب السنة متواترة لأصحابها بعد أن استغرقوا وسعهم وبذلوا جهدهم ولم يدعوا وسيلة من وسائل التثبت والتيقن إلا سلكوها. فجزاهم الله خير الجزاء وأحسن مثوبتهم في دار كرامته.
وأن مما يحق لنا أن نفخر به أعظم الفخر تلك الانجازات العظيمة التي حققها أولئك العلماء في ميدان التحقيق والتنقيح حتى غدت قواعد المصطلح مثلا يحتذى.
ومن أهم كتب السنة الكتب الستة، وهي: الصحيحان وسنن النسائي وسنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه.
وقد أصبح لهذه الكتب من المنزلة الرفيعة ما جعل بعض العلماء يطلق عليها اسم الصحاح ولم يزاحم هذه الكتب إلا مسند أحمد وموطأ مالك وسنن الدارمي، ولكل منها مزية... ومهما يكن من أمر فقد غدت هذه الكتب التسعة من أشهر كتب السنة ومصادر لفهم الدين أصوله وفروعه ومن أجل ذلك فقد حظيت بعناية المسلمين على مر العصور دراسة وشرحاً واستنباطاً وتخريجاً واختصاراً وفهرسة.... وبحثي المتواضع هذا محاولة في دراسة ((سنن أبي داود) وبيان منزلة هذا الكتاب وذكر خصائصه والتعريف بمؤلفه.

ويقع في بابين:
الأول: في حياته.
الثاني: في سننه.
وأرجو أن يكون كلامي تذكير لأهل العلم بواجب خدمة هذه الكتب وحثاً لأولي الأهلية على القيام بهذا الواجب، ولعل من أهم مجالات الخدمة التي تتطلبها تخريج أحاديث هذه الكتب وتحقيق الحكم عليها.
وأنا أعرف أن ذلك مطلب ليس يسيراً ولا هيناً، ذلك لأن الحديث الواحد قد يكون مروياً بأسانيد متعددة، فإذا كان سنده في كتاب ضعيفاً فليس ببعيد أن يكون وارداً في كتاب آخر معتمداً بسند قوي.
من أجل ذلك ينبغي أن تقرر أن هذا الحديث بهذا السند يستحق هذا الحكم، والذي يخفف من الحرج أمران:
أولهما: عندما تحكم على حديث بأنه ضعيف بسبب ضعف سنده لا نكون قد أخطأنا.
هذا والمشكلة تكون كبيرة عندما تدخل في الدين ما ليس منه أن نحكم على حديث بالضعف بسبب ضعف سنده فهذا أمر طبيعي، ويبقى هذا الحكم سارياً حتى نقف على طريق آخر صحيح له. وإذا بذل جهده ومستطاعه كان مأجوراً ان شاء الله ولا يكلف الله نفساً إلى وسعها.
وثانيهما: أنه مما يخفف من الحرج والمشقة أننا إذا جرينا على هذا النهج في الكتب الأخرى نستطيع بوساطة الفهارس العديدة أن نتبين بسهولة بالغة ان كان هذا الحديث مثلاً مروياً في كتاب آخر بسند صحيح.
وأحسب أن العقل الالكتروني يساعد في هذا المجال إن استخدم مساعدة فعالة.
وأنا أسأل الله أن يشرفني بالانضواء تحت لواء الخادمين لسنة رسوله r المدافعين عنها بها إنه سبحانه خير مسؤول.
"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وآخر دعوانا أن الحمد لله ر ب العالمين.

الرياض في 20 صفر سنة 1394هـ
محمد بن لطفي بن عبداللطيف بن ياسين الصباغ
الباب الأول: أبو داود حياته.

عصره:
ولد أبو داود في مطلع القرن الثالث الهجري وتوفي في أواخره.

والقرن الثالث هو العصر العلمي الذهبي في تاريخنا كله، وقد أتيح للمؤلف رحمه الله أن يشهد نضج الحضارة الاسلامية في هذا القرن، كما أتيح له أن يعيش هذا العصر الذي ازدحم بالعبقريات والموهوبين الافذاذ في شتى شؤون الفكر.

ويكفينا للدلالة على ذلك أن نذكر من أعلام هذا القرن الأسماء الآتية:

ففي الحديث:
كان البخاري ومسلم ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي.

وفي الفقه:
كان الربيع والمزني صاحبا الشافعي وداود الظاهري وغيرهم.

وفي الشعر:
كان علي بن الجهم وابن الرومي والبحتري وابن المعتز.

وفي العلم بالأدب:
كان المبرد وابن قتيبة والجاحظ وثعلب والفراء، وغيرهم كثير. وهكذا.. ولا شك في أنَّ أبا داود كان واحداً من هؤلاء العمالقة الأفذاذ في هذا العصر.

وكانت الحضارة قد بدأت تؤتي ثمارها وتنضج نضجاً رائعاً ترك أطيب الأثر في حياة المسلمين والدنيا كلها.

وما نزال معجبين بهذه الحضارة التي أينعت ثمارها وامتدت ظلالها في هذا القرن فكان هذا التراث العظيم الذي ما زالت الأجيال وستبقى تعيش مفيدة من مائدته.

ولد أبو داود سنة 202هـ في ظل الخليفة العباسي العالم المأمون، وإن استعراض أسماء الخلفاء الذين جاؤا إلى سدة الخلافة خلال حياة أبي داود ليشعرنا بفخامة العصر الذي كان فيه.

فبعد المأمون (ت218هـ) جاء للخلافة المعتصم (ت227هـ) ثم الواثق (ت232هـ) ثم المتوكل (ت247هـ) ثم المنتصر (ت248هـ) ثم المستعين (ت252هـ) ثم المعتز (ت255هـ) ثم المهتدي (ت256هـ) ثم المعتمد على الله (ت 279هـ).

وهذا الأخير حَجَر عليه أخوه الموفق واستبدّ بالأمر دونه، ولم يصبح خليفة، وللموفق مع أبي داود أخبار سنذكر طرفاً منها فيما بعد.

ومن المعروف أن اضطراب شؤون الدولة العباسية قد بدأ بمقتل المتوكل سنة 247هـ، فلقد أراد أن يكفكف من غلواء العسكريين الاتراك الذين بدأ تسلطهم أيام المعتصم فلم يفلح.

وإن عصراً هذا وزنه لا نستطيع أن نلم بجميع الجوانب فيه بكلمة مستعجلة.

ويكفينا أن نذكر بشأنه الأمور المقررة الآتية:

1- التناحر بين أفراد الأسرة الحاكمة كان على أشده.

2- سيطرة العناصر الأعجمية عموماً والتركية خصوصاً كان أمراً واضحاً.

3- الثورات في أطراف الدولة الاسلامية.

4- الثورة في قلب الدولة وفي العراق بصورة خاصة.

5- الصراع النصراني – الاسلامي في الحدود الشمالية الغربية.

6- تسلط رجال الفرق الضالة على بعض الخلفاء وممارسة لون من الاستبداد الفكري ومقاومة العلماء وسجنهم.

7- قيام نزعات فكرية متعددة، وبعضها هدام خطير.

ولولا أن الحياة الاجتماعية كانت تسير بوجه عام على سنن الاسلام العظيم وأن الحياة الفكرية والعلمية كانت تقوم بمهمتها في الهداية والارشاد وإقامة الحجة على أحقية الاسلام، لكانت الحياة السياسية تلقي لوناً قاتماً بعض الشيء على هذا العصر الموار.

اسمه . نسبه . نسبته

هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني.

وعمران هذا ذكر ابن عساكر وابن حجر أنه قتل مع علي بن أبي طالب بصفين . وأبو داود عربي صميم من الأزد ، والأزد قبيلة معروفة في اليمن .

والسجستاني نسبة إلى بلد سجستان، وهي بكسر السين وفتحها، والكسر اشهر، والجيم مكسورة فيهما ولم يذكر ياقوت في ((معجم البلدان)) إلا كسر السين .

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنه بلد يتاخم أطراف مكران والسند، وقررت أنه ما وراء هراة وذكر ياقوت أنه ناحية كبيرة وولاية واسعة وأنها جنوبي هراة، ووصف حسن جوها وثمراتها وسكانها وعاداتهم وقد وهم من زعم أنّ سجستان قرية من قرى البصرة .

وذكر الأستاذ محبّ الدين الخطيب رحمه الله في مقدمته لكتاب ((موارد الظمآن)) أن سجستان هي بلاد الأفغان الآن وهي في الحقيقة القسم الجنوبي من بلاد الأفغان.

ويقال له السجستاني والسجزي وهي نسبة على غير القياس قال فيها المنذري: وهو من عجيب التغيير في النسب .

وقيل: السجزي إلى سجز وهي سجستان .

نشأته

ولد أبو داود سنة 202هـ كما ذكرنا وتلقى العلم على علماء بلده، ثم ارتحل وطوّف بالبلاد في طلب العلم وتحصيل الرواية، فزار العراق والجزيرة والشام ومصر وكتب عن علماء هذه البلاد جميعاً. قال الخطيب:

"وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين" .

وليس من شك في أنّ هذه الرحلات قد وسعت من افقه وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء العالم الإسلامي.

والبلاد التي سكنها كثيرة نذكر منها ما وصل إليه علمنا وهي:

سجستان التي كانت بلده والتي نسب إليها، وخراسان، والري ، وهراة ، والكوفة التي دخلها سنة 221هـ كما ذكر الخطيب ، وبغداد التي قدم إليها مرات، وآخر مرة زارها كانت سنة 271هـ، وطرسوس التي أقام بها عشرين سنة ، ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر ، ومصر أيضاً، والبصرة التي انتقل إليها بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطناً ليرحل إليها طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بسببه فإنه قد خربت وهُجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليها من فتنة الزنج .

وهذا الخبر يدل على أن شهرة أبي داود قد طبقت الآفاق، فالناس يعرفون له قدره وفضله وشهرته، وأحسّت الدولة بذلك فطلبت إليه أن يرحل إلى البصرة البلدة المنكوبة لتعود إليها الحياة ولتعمر من جديد. وفي هذا دلالة على طبيعة حضارتنا ومنزلة العلم والعلماء فيها، فإن سكنى مثل أبي داود فيها كان العلاج لردِّ العمران إلى بلد مخرّب مهجور. وهكذا فقد وفق الله أبا داود أن يكون شخصية علمية مرموقة في عصره كان لها أكبر الأثر على الناس في عصره والعصور التي تلت.

علمه

كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام، وكان من أوسع العلماء معرفة بحديث رسول الله r وفقهه وعلله ومتونه ورجاله.

ويبدو أن علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى ويقدرونه حق قدره؛ يدل على ذلك عدد من الأخبار:

منها ما ذكروا من أنّ أحمد بن حنبل روى عنه حديثاً، وكان أبو داود شديد الاعتزاز به.

ومنها ما ذكروا من أن سهل بن عبدالله التستري جاء إلى أبي داود.

فقيل: يا أبا داود هذا سهل جاءك زائراً، فرحّب به وأجلّه.

فقال له سهل: يا أبا داود لي إليك حاجة.

قال: وما هي؟

قال: حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان.

قال: قد قضيتها مع الإمكان.

قال: أخرج إلي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول الله r حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله .

وكان علمه متعدد الجوانب، فهو – مع تخصصه في الحديث – فقيه عظيم، وقد عدّه الشيخ أبو الحسن الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، وكذا أبو يعلى في ((طبقات الحنابلة)) والعليمي في ((المنهج الأحمد)) .

وأبو داود ناقد كبير، وليس هذا غريباً على إمام من أئمة الحديث، لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستوى راقياً من رهافة الحسّ ودقة النقد، وسنرى في دارستنا لكتاب ((السنن)) نماذج من نقده العميق، ولكنني هنا أود أن أشير إلى مجال سبق إليه أبو داود ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأنّ الأقدمين لم يعرفوه، وذلك هو نقد الكتابة وتقدير عمرها بالنسبة إلى الحبر القديم والحديث، يدل على ذلك خبر جاء في كتاب ((الميزان)) للحافظ الذهبي وهو: (قال زكريا بن يحى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأيتنا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الاصول مغيرة بخط طري؛ كانت مراسيل فاسندها وزاد فيها) وتقدير العمر بالنسبة للحبر أمر يتصل بتقدير العمر بالنسبة إلى الورق ولا أستبعد أن تكون هناك حوادث من هذا القبيل في حياة صاحبنا العلمية، والله أعلم.

ومما يدل على مكانته العلمية ثناء العلماء عليه وسنذكر بعضه في الفقرة الآتية:

ثناء العلماء عليه

كان الثناء عليه من قبل المعاصرين له والذين جاؤوا من بعده مُنصباً على ناحيتين:

سعة علمه ودقة تحقيقه.

وكرم أخلاقه وتقواه.

فلقد كان – رحمه الله – مثلاً عالياً في صفتي المحدث القوي وهما العدالة والضبط.

وسنورد شذرات من أقوالهم.

1- قال أبو بكر الخلال :

"أبو داود سليمان الأشعث، الإمام المقدّم في زمانه رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدم" .

2- وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي :

"سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعمله وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث" .

3- وقال ابراهيم الحربي :

"ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي عليه السلام الحديد" .

4- وهذه الكلمة رويت أيضاً عن أبي بكر الصغاني .

5- وقال موسى بن هارون الحافظ :

"خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. ما رأيت أفضل منه" .

6- وقال علان بن عبدالصمد:

"كان من فرسان هذا الشأن" .

7- وقال أبو حاتم بن حبان :

"كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنف وذبّ عن السنن" .

8- وقال أبو عبدالله بن منده :

"الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي" .

9- وقال الحاكم :

"أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة" .

10- وقال محمد بن مخلد :

"كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ" .

11- وقال ابن ماكولا :

"هو إمام مشهور" .

12- 13- وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره بما لا يذكران أحداً في زمانه مثله .

14- وقال الذهبي :

"وبلغنا أنًّ أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك وكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبدالله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي r في هديه ودله" .

ولم يرض السبكي في ((طبقاته)) أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها، بل اختار الوقوف عند ابن مسعود .

ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضاً قوله في أبي داود:

"كان رأساً في الحديث، رأساً في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع حتى إنه كان يشبه بأحمد" .

15- وقال ابن الجوزي :

"كان عالماً حافظاً عارفاً بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل" .

وسيمر بنا عند الكلام على ((السنن)) مزيد من الثناء على أبي داود وشهادات أهل العلم بفضله.

أساتذته

إن الحديث عن أساتذته لا يتسع له صدر هذا المقال لأنَّ عددهم كبير، وقد ذكر ابن حجر أن شيوخه في ((السنن)) وغيرها من كتبه نحوٌ من 300 نفس .

وقد ألف العلماء في شيوخه المؤلفات، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن أساتذة أبي داود وسنورد أسماء بعضهم فيما يلي.

فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، واسحاق بن راهويه، وأبو عمرو الحوضي، ومسلم بن ابراهيم، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن اسماعيل المنقري التبوذكي، وعبدالله بن مسلمة القضبي، وهناد بن السري، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدّد بن مسرهد، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد ابن منصور، وحميد بن مسعدة، وحفص بن عمر وهو أبو عمر الضرير ، وتميم بن المنتصر، وحامد بن يحيى، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني.

ولن نستطيع أن نترجم لهؤلاء جميعاً وقد تعمدت أن أذكر المشهورين لتغني شهرتهم عن التعريف بهم.

وليس غريباً أن يكون عدد من أساتذته عمالقة علماء أفذاذاً لأن طبيعة العصر الذي كان فيه أبو داود تقتضي أن يكون هناك نماذج من هذا النوع، كما سبق أن أشرت إلى ذلك عند حديثي عن عصره. وكثرة الأساتذة أمر معروف معهود في تاريخنا الفكري .

وينبغي أن نخص واحداً من اساتذته بإشارة لابدَّ منها وهو الامام أحمد بن حنبل، فقط تكرر ذكره كثيراً في اخبار أبي داود، وقد اتصل به ورافقه، وعَرَض عليه ((سننه)) فاستجادها، وكان يسأله أبو داود كثيراً عن أمور الدين وشؤون الحديث، وقد بلغ من اهتمام أبي داود بأجوبة شيخه أحمد أنْ ألّف كتاباً جمع فيه الأسئلة التي ألقيت على الإمام أحمد وأجوبته عليها. وقد طبع هذا الكتاب بعنوان ((مسائل أحمد)).

وذكر العلماء في ترجمة أبي داود كثيراً من هذه الأسئلة التي كان أبو داود نفسه يتوجه بها إلى الإمام أحمد، أو الأسئلة التي كانت تطرح عليه بحضوره. فمن ذلك ما ذكره أبو يعلى أن أبا داود قال:

سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب: (مَلِك) أو (مالكِ)؟ يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: (مالك) أكثر ما جاء في الحديث فهذا سؤال سمعه فحفظه ورواه.

ونجده يصرح أحياناً بأنه هو الذي سأل الإمام أحمد كما في المثال الآتي:

قال أبو داود: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟

قال: لا، أو تُعلَمهُ أنَّ الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإن ترك كلامه فكلّمه، وإلاّ فألحقه به.

قال ابن مسعود: ((المرء بخدنه)) .

وكثيراً ما يذكر في كتابه ((السنن)) مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها الإمام أحمد .

وقد ينقل قوله دون أن يكون هذا القول جواباً لسؤال سائل كما ذكر أبو يعلى:

قال أبو داود: سمعت أبا عبدالله يقول: من قال إنّ الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر .

وهذا كثير الورود في ((السنن)) أيضاً.

ويظهر أن إعجابه البالغ بأحمد وحُبّه الكبير له كان يحمله على أن يتشبّه به حتى رأينا بعض العلماء يذكر تشبهه بأحمد، وهذا مشاهد عند الطلبة المعجبين بأستاذهم، فتراهم يقلدونه حتى في نبرات صوته وسلوكه ومظهره.

تلاميذه

روى عنه خلقٌ كثير من العلماء الأئمة؛ نذكر المشهورين منهم، من أمثال الامام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثاً واحداً كان أبو داود يعتزُّ بذلك جداً .

ومنهم الامام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والامام أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والامام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، ومنهم اسماعيل بن محمد الصفار، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبو عوانة الاسفراييني، وزكريا الساحبي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد يحيى الصولي.

ومن تلامذته رواة السنن عنه وعددهم تسعة ذكر الذهبي والسبكي سبعة منهم. وزاد ابن حجر راويين هما أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني، وأبو عيسى اسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاقه. أما الرواة السبعة الذين ذكرتهم معظم المصادر فهم:

– أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي.

– وأبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار.

– وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي.

– وأبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري.

– وأبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤامي.

– وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي.

– وأبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري.

وضعه الاجتماعي والمنزلي

كان الرجل يتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة، وقد اكتسب شهرة قليلة النظير، وشاع كتابه في حياته، وكان الطلبة يؤمّون منزله من كل مكان.

وكانت له مخالطة طيبة للعلماء في كل الأمصار، ويكفينا في الدلالة على ذلك ما ذكرناه في مبحث أساتذته، كما كانت له صلة قائمة على الاحترام مع الحكام، ويكفينا في الدلالة على ذلك أن يقوم رجل الدولة الأول الموفق بزيارته وأن يطلب منه ما يطلب لعمارة البصرة كما أشرنا. وكان الرجل متزوجاً وله أولاد من أشهرهم ابنه عبدالله.

ويبدو أنه كان حريصاً على أن يطلب أولاده العلم في وقت مبكر، ولذلك فقد كان يأخذهم معه ليحضروا مجالس العلم وليسمعوا.

نقل ياقوت عن ابن عساكر خبراً يرويه عن الحسن بن بندار قال: (كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم تعففاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه. وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابنٌ أمرد يحبُّ أن يسمع حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شدّ على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنه ملتحٍ، ثم احضره المجلس وأسمعه جزءاً.

فأخبر الشيخ بذلك، فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه هذا؟

فقال له: أيها الشيخ لا تنكر عليَّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذٍ من السماع عليك.

قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً. وحصل له ذلك الجزء الأول) .

وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له .

أخلاقه وصفاته

كان أبو داود رجلاً كبيراً ذا خلق كريم. كان صالحاً عابداً ورعاً، وكان ذكياً مجداً دؤوباً كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظاً شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبياً كريم النفس، وكان جريئاً في الحق أميناً على رسالة العلم قائماً بحق الدين. وسأورد فيما يلي أخباراً تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضاً في دراسة ((السنن)) أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال.

وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي اعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأنّ الناس يعانون الكثير من فقد هذا الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الويلات على الدين والعلم والحق.

والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في القاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديداً.

وكانت عاقبة ذلك دماراً للأمة ولكل معاني الخير فيها.

فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: ذكر أبو يعلى (أنّ محمد بن علي الآجري قال:

قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟

قال: عمروٌ أعلى عندنا. عليُّ بن الجعد وُسِمَ بميسم سوء قال: ((وما يسؤوني أن يعذب الله معاوية)) وقال: ((ابن عمر ذاك الصبي)) ) .

فأبو داود يعلن رأيه بصراحة، ويجرح علي بن الجعد ويذكر سبب الجرح وهو وقوعه في الصحابة، إذ أن كلمته في معاوية تدل على شيء من الكراهية لبعض الصحابة أو عدم اهتمام على أقل تقدير، وذلك عندما يقرر أنه لا يسؤوه أن يعذب الله معاوية رضي الله عنه، وكذلك فإنّ قوله عن ابن عمر إنه صبي فيه ما يدل على قلة احترام للصحابة وعلى التهوين من شأنهم.

ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر الذي قال:

كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحتُه فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن. فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فإذن له، فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال:

– ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟

– فقال: خلال ثلاث.

– فقال: وما هي؟

– قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج.

– فقال: هذه واحدة. هات الثانية.

– قال: وتروي لأولادي كتاب ((السنن))؟

– قال: نعم. هات الثالثة.

قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية، فإنَّ أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة.

فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.

قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة .

ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابن أبي بكر عبدالله صاحب التصانيف.

فقد قال عنه: ((ابني عبدالله كذَّابٌ)) .

طلابه

يبدو أنّ الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل الكتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن العلم أضحى عنده كل شيء؛ ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق، ولما سئل قال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه .

وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم يؤلف.

أقواله

كان الرجل حكيماً، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفاً، وصاحب حديث رسول الله r جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه.

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله:

الشهوة الخفية حب الرئاسة" .

وقوله:

"خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن" .

وقوله:

"من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ اراح جسده" .

وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة.

ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثاً عن كتابه السنن (جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله r: "الاعمال بالنيات".

وقوله r "من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

والثالث قوله r "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".

والرابع قوله r "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات" .

وفاته

توفى أبو داود رحمه الله يوم الجمعة 15 شوال من سنة 275هـ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدّم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الاسلامية.

كتبه:

1- المراسيل:

وقد طبع في القاهرة سنة 1310هـ.

ومخطوطاته موجودة في تركيا ومصر وغيرهما، وقد ذكرها سزكين في ((تاريخ التراث العربي)) .

2- مسائل الامام أحمد:

وهي مرتبة على أبواب الفقه، يذكر فيها أبو داود السؤال الموجّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الامام أحمد بن حنبل، وطبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخراً.

وقد ذكرته معظم الكتب التي ترجمت لأبي داود أو عنيت باحصاء تراثنا الاسلامي وذكر ابن حجر ان أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ هو راوي المسائل عنه .

3- الناسخ والمنسوخ:

ذكر ابن حجر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجار. ونقل السيوطي عن هذا الكتاب وذكره اسماعيل البغدادي بعنوان ((ناسخ القرآن ومنسوخه)) .

4- إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري:

قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه ((أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل)) كتاب مفيد وذكرها سزكين بعنوان: ((سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم)) وذكر أنها موجودة في كوبريلي وباريس . وذكر أن ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيراً في ((تهذيب التهذيب)) .

5- رسالته في وصف كتاب ((السنن)):

وحققتها ونشرتها في مجلة أضواء الشريعة في الرياض العدد الخامس سنه 1394هـ ثم نشرتها مفردة دار العربية في بيروت، وقد سبق أن نشرت في مصر سنة 1369هـ ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق .

6- كتاب الزهد:

وتوجد منه نسخة بالقرويين بفاس كما أشار إلى ذلك الأستاذ سزكين .

7- تسمية الاخوة الذين روي عنهم الحديث:

وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السّلفي، ومكتوبة بخط مغربي كما ذكر ذلك الأستاذ ناصر الدين الألباني وذكر الأستاذ أكرم العمري هذه الرسالة بعنوان ((تسمية الأخوة من أهل الأمصال)) وقال:

"وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالته ((تسمية الأخوة)) مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الاخوة الذين روي عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضاً" .

وذكر الاستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أن الرسالة تقع في 7 ورقات وأن الورقة 24 سطراً وأنها مكتوبة بخط ناعم، وذكر سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس الهجري .

8- أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء:

قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:

"رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة...، وينتهي بضعفاء المدينة" .

وهي نسخة ناقصة من أولها، وموجودة في الظاهرية .

9- كتاب القدر:

وذكر ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) باسم ((الردّ على أهل القدر)) وذكر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو عبدالله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري .

وقال سزكين: اقتبس منه ابن حجر في كتابه ((الاصابة)) .

10- كتاب البعث والنشور:

ذكره بروكلمان وذكر أنه موجود في دمشق .

11- المسائل التي حلف عليها الامام أحمد:

ذكره سزكين وقال: إنه موجود في دمشق .

12- دلائل النبوة:

ذكره إسماعيل البغدادي وابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) .

13- التفرد في السنن:

ذكره اسماعيل البغدادي .

14- فضائل الأنصار:

ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)) .

15- مسند مالك:

ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)) .

16- الدعاء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)) .

17- ابتداء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

18- أخبار الخوارج: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

الباب الثاني: سنن ابي داود.

هذا الكتاب من أهم كتب الإسلام كما أسلفنا، وهو أحد الكتب الستة التي تقبلتها الأمة بقبول حسن، وسنحاول في هذا الباب دراسته والتعرف لأهم خصائصه وشروحه ومختصراته، ومن ثم نتعرف إلى منزلته.

اسم الكتاب

الاسم المعروف به هو ((السنن)) ويبدو أنَّ المؤلف نفسه سمّاه بهذا الاسم، نستدلّ على ذلك من قوله في رسالته إلى أهل مكة.

(فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب ((السنن)) أهي أصح ما عرفت في الباب؟) .

وقوله في الرسالة المذكورة أيضاً: (وإن من الأحاديث في كتابي ((السنن)) ما ليس بمتصل، وهو مرسل...) .

وكذلك فإنّ العلماء على مرّ العصور كانوا يدعون كتابه بالسنن.

ومن المفيد أن نتعرف إلى مدلول كلمة ((السنن)):

السنن جمع سنة وهي لغة: الطريقة المسلوكة المتبعة. والسنة عند جمهور العلماء ترادف الحديث وهو قول النبي r وفعله وتقريره وصفته، وقد ذهب بعضهم إلى أن هناك فرقاً بين الكلمتين، وهو أن السنة هي الواقع العملي لمجتمع الاسلام في عهد الرسول r والصحابة، ويتضح هذا التفريق في مثل قول عبدالرحمن بن مهدي عندما سئل عن سفيان بن عيينة ومالك والأوزاعي.

فقال: الأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، وسفيان إمام في الحديث وليس بإمام في السنة ومالك إمام فيهما .

وقد فرق بعضهم بين الكلمتين تفريقاً قريباً من هذا فذهب إلى أن الحديث قول النبي وفعله وتقريره ووصفه.

أما السنة فهي التي تعني حكماً تشريعياً سواء روي فيه كلام أم لا.

وهناك استعمال خاص للسنن وهو أوثق صلة بموضوع بحثنا، وقد ذكره الكتّاني في كتابه القيم ((الرسالة المستطرفة)) فقال:

"وهي في اصطلاحهم الكتب المرتبة على الابواب الفقهية من الايمان والطهارة والصلاة والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف، لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة، ويسمى حديثاً" .

وهكذا فإن كتب السنن ينبغي أن تتوافر فيها الأمور الآتية:

1- أن تكتفي بذكر الأحاديث والا يذكر فيها شيء من الآثار.

2- أن تكون هذه الأحاديث متعلقة بالأحكام.

3- أن ترتب الأحاديث على أبواب الفقه .

ومن هنا يتضح لنا لماذا سمّى كتابه السنن، فذلك لأنه جمع أحاديثه من وجهة فقهية فلم يضمنه غير أحاديث الفقه والتشريع، مما ورد في الأخلاق والأخبار والزهد ونحو ذلك . قال في ((رسالته إلى أهل مكة)):

"وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها" .

ونقل بعضهم ممن لا علم لديهم ولا تحقيق عن القرطبي أنه سمّى كتاب أبي داود في تفسيره ((مصنف أبي داود)) وما أظنه إلا أنه يريد بذلك كتابه وليست تلك تسمية جديدة.

وقد يطلقون على كتاب أبي داود ونحوه لفظ الصحاح، قال حاجي خليفة ينقل عن ابن السبكي قوله في ((سنن أبي داود)):

"وهي من دواوين الإسلام، والفقهاء لا يتحاشون من اطلاق لفظ الصحاح عليها وعلى سنن الترمذي، ولا سيما سنن أبي داود" .

وقد جاء في كلام لأبي داود نقله محمد بن صالح الهاشمي ما قد يفيد أنه سمّاه ((المسند)) قال أبو داود:

"أقمتُ بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبتُ أربعة آلاف حديث" .

ولعله لا يريد بالمسند الاسم الخاص المصطلح عليه.

هل هو أول من صنف السنن

ذهب بعضهم إلى أنّ أبا داود هو أول من صنف في السنن قال الأستاذ الكتاني:

"وهو أول من صنف في السنن، وفيه نظر يتبيّن مما يأتي" .

ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن أبا داود كان من السابقين إلى التأليف في هذا المجال؛ ذلك لأن مجرد اختلاف العلماء في كونه أول من صنّف في السنن يدل بوضوح على سبقه في ذلك الصدد.

ومن الصعب دائماً الجزم بالأوليات، ويغلب على من يتشدد ويذهب مذهباً معيناً في الجزم يغلب عليه أنه يقع في الغلط.

ويذهب الخطابي إلى أن أبا داود لم يُسبَق إلى الإجادة في جمع السنن فقال:

"فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الاحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود" .

وقال الخطابي أيضاً:

"وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً ما، سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه" .

ثناء العلماء على السنن

لن أستطيع الحصر ولا الاستقصاء لو أردت أن أذكر كل ما قيل في الثناء على هذا الكتاب العظيم ولذلك فسأكتفي بإيراد بعض الكلمات لأشهر العلماء:

• قال أبو زكريا الساجي:

"كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب ((السنن)) لأبي داود عهد الاسلام" .

• وقال محمد بن مخلد:

"لما صنف أبو داود ((السنن)) وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقرّ له أهلُ زمانه بالحفظ فيه" .

• وقال ابن الأعرابي وأشار إلى النسخة وهي بين يديه:

"لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلى المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بته" .

وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال:

(وهذا – كمال قال – لا شكّ فيه، لأن الله تعالى أنزل كتابه تبياناً لكل شيء وقال: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئاً من أمر الدين لم يتضمن بيانَه الكتابُ، إلا أن البيان على ضربين:

بيان جلي تناوله الذكر نصاً، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً؛ فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولاً إلى النبي r وهو معنى قوله سبحانه "لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" من جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه) .

• وقال الخطابي أيضاً:

"كتاب السنن لأبي داود كتابٌ شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه وِرْدٌ ومنه شِرْبٌ، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً" .

وقال الخطابي أيضاً:

(اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم. فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نَقَلَتَه، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرُّها الموضوع ثم المقلوب – أعني ما قلب اسناده – ثم المجهول، وكتاب أبي داود خلّي منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته. وحكي لنا عن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه. وكان تصنيف علماء الحديث – قبل زمان أبي داود – الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآداباً، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحدٌ منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود، ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت فيه أكباد الابل ودامت إليه الرحل) .

• وقال أبو حامد الغزالي عن ((سنن أبي داود)):

"إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام" .

• وقال ابن القيم:

"لما كان كتاب ((السنن)) لأبي داود رحمه الله من الاسلام بالموضع الذي خصه الله به، بحيث صار حكماً بين أهل الإسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء" .

تاليفه

ألّف أبو داود كتابه ((السنن)) في وقت مبكر، وعني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة. هذا أمرٌ لا شك فيه.

أما كونه ألفه في وقت مبكر فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أنّ المؤلف روى كتابه ((السنن)) ببغداد ونقله عنه أهلها، ويقال: إنه صنفه قديماً وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه والإمام أحمد متوفى سنة 241هـ.

وقد يمكننا هذا النص أن نفهم أنه ألف الكتاب قبل أن يأتي بغداد، ولعلّه ألفه في طرسوس، لأنه جاء في أخباره أنه ألف المسند بطرسوس ومكث في ذلك مدة طويلة يبذل جهده في الاختيار والانتقاء والتبويب والترتيب. قال محمد بن صالح الهاشمي .

(قال أبو داود: أقمت بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله) ثم ذكر الأحاديث.

وواضح أنه يريد بالمسند كتابه ((السنن)) لأن قريباً من هذا النصّ نقله عنه ابن داسة مصرحاً فيه بذكر السنن ، وعدد أحاديث كتاب ((السنن)) قريب من هذا الرقم.

ومما يؤكد لنا أن تأليفه كان في وقت مبكر من حياته النظر في مجموع أخباره فهناك ما يدل على أن الرجل بذل به عناية فائقة وأنفق في ذلك مدة طويلة وأنه عرض هذا الكتاب بعد تمامه على الإمام أحمد المتوفى سنة 241هـ فإذا كان أبو داود قد ولد سنة 202هـ استغرق مدة عشرة سنوات في تأليفه وافترضنا أنه عرضه عليه قبل وفاته بخمس سنوات، فيكون عمر المؤلف عند ذلك بضعاً وعشرين سنة، أي في وقت النشاط والقدرة. وهذا وقت مبكر جداً.

وأما كونه عني به عناية بالغة فهذا أمر تدل عليه دلائل كثيرة كلها تقطع بأن المؤلف بذل مجهوداً كبيراً وأنه نظر فيه ونقحه وقرأه مرات وكان يزيد فيه وينقص.

من هذه الدلائل ما ذكره راوي هذا الكتاب الإمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي الذي قال بعد أن روى الحديث 911 ما يلي: (هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة) وقال صاحب ((عون المعبود)) في شرح ذلك: (أي لما حدّث وقرأ أبو داود هذا الكتاب في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث) .

ومن هذه الدلائل قول علي بن الحسن بن العبد: (سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وفي تتمة الخبر أنه قرأها في السنة التي مات فيها وهي سنة 275هـ.

أي أن المؤلف ظل يقرأ الكتاب ويذيعه في الناس مدة تقرب من أربعين سنة فلا عجب أن يكون واحد كعلي بن الحسن قد سمع منه هذا ست مرات.

ومن هذه الدلائل ما نقله أبو بكر بن داسة عن أبي داود حيث يقول:

(كتبت عن رسول الله r خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب – يعني كتاب السنن – جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:

أحدها: قوله r: "الأعمال بالنيات".

والثاني: قوله r: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

والثالث: قوله r: "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".

والرابع: قوله r: "الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات" .

ومما يدل على عنايته وإجادته لهذا الكتاب تعليق الذهبي على كلام أبي داود الذي نقله ابن داسة والمتضمن وعداً بتبين الضعيف الظاهر. قال الذهبي:

"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف والظاهر، وسكت عن التضعيف المحتمل" .
نفع الله بعلمك وعملك
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 16-09-12, 03:04 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود البغدادي مشاهدة المشاركة
رواياته

نتوقع أن يكون هذا الكتاب قد روي من طرق كثيرة، غير أنَّ الرواة الذين ذكرهم العلماء تسعة وقد أوردنا أسماءهم في كلامنا على تلامذته.

والحق أنّ هؤلاء الرواة الذين عرفناهم – وغيرهم كثير ممن لم نقف على أسمائهم – قد أدوا خدمة جليلة لكتاب أبي داود، وللسنة بوجه عام، فجزاهم الله عن ذلك خير الجزاء.

وقد انتهيت من بحثي إلى أن كتاب ((السنن)) متواتر إلى صاحبه دون شك. وأن أولئك الدساسين الذين يريدون أن يشككوا المسلمين بكتب ثقافتهم الدينية وبالأصول الإسلامية قوم دفعهم إلى ذلك التعصب الأعمى والحقد الدفين.

ذكر العلماء أن الروايات عن أبي داود بكتابه ((السنن)) كثيرة جداً وهذا أمر طبيعي، لأن رجلاً ظلَّ يقرئ كتابه مدة تقرب من أربعين سنة لابد أن يكون عدد الذين رووه عنه كبيراً، لا سيما أن أبا داود – كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في ترجمة حياته – محدث مشهور يقصده الناس لعلمه وفضله حتى إن الدولة رأت في سكناه بالبصرة سبباً لإحياء المدينة الميتة وعمارة القرية الخربة. ومن عادة المؤلفين أنهم دائماً في تنقيح مستمر لكتبهم، يقدمون ويؤخرون ويزيدون وينقصون، وكلما نظروا في أثر من آثارهم رأوا أنّه بحاجة إلى تعديل.

ومن أجل ذلك كان كلام الحافظ ابن كثير عن روايات سنن أبي داود هو الكلام الطبيعي الذي جاء نتيجة لما ذكرنا. قال في ((مختصر علوم الحديث)):

"الروايات عند أبي داود بكتابه السنن كثيرة جداً، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الاخرى" .

ولذلك كان أبو داود يحذف بعض الأحاديث ويزيد بعضاً في محاولات تنقيح الكتاب وإحكام ترتيبه، وقد مر معنا كلام اللؤلؤي الذي يذكر فيه أنّ أبا داود في المرة الرابعة لم يقرأ حديثاً – ذكره – ويحسن بنا أن نتعرف إلى أصحاب هذه الروايات وهم:

1- أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي:

وهذه النسبة تتصل بالمهنة، فهي نسبة إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه وقد توفي سنة 333هـ.

وروايته من أصح الروايات لأنه من آخر ما أملى أبو داود فقد سمع السنن مرات عديدة كانت آخرهن في السنة التي توفي فيها أبو داود: سنة 275هـ.

وقد روى عن اللؤلؤي هذه السنن القاسم بن جعفر بن عبدالواحد الهاشمي أبو عمر، وهو ممن ترجم له الخطيب وذكر أنه من أهل البصرة وعدّد أساتذته فذكر منهم اللؤلؤي وعبدالفاخر بن سلامة الحمصي ومحمد بن أحمد الأثرم وعلي بن إسحاق المارديني ويزيد بن إسماعيل الخلال ومحمد بن الحسين الزعفراني الواسطي، وأثنى عليه الخطيب فقال: (كان ثقة أميناً، ولي القضاء بالبصرة، وسمعتُ منه بها ((سنن أبي داود)) ) وذكر أنه ولد سنة 322هـ وتوفي سنة 414هـ.

وقد روى عن القاسم الهاشمي هذه السنن الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ والخطيب البغدادي إمام ثقة ذائع الصيت .

ورواية الخطيب هي التي اعتمدت بالنسبة للشائع من نسخ أبي داود برواية اللؤلؤي.

ومن المفيد أن نذكر أن ابن عساكر المتوفى سنة 571هـ قد ألف كتاب ((الإشراف على معرفة الأطراف)) الذي جمع فيه أطراف ((سنن أبي داود)) معتمداً على رواية اللؤلؤي . أما المزي المتوفى سنة 742هـ فقد جمع في كتابه ((تحفة الاشراف بمعرفة الأطراف)) أطراف أحاديث ((سنن أبي داود)) من الروايات الأربعة وهي روايات: اللؤلؤي، وابن داسة، وابن العبد، وابن الأعرابي، بحيث يورد حديث السنن ثم يقول: أخرجه أبو داود في باب كذا، فإن كان ذلك الحديث موجوداً في رواية اللؤلؤي يسكت عنه ولا يقول: إن هذا الحديث من رواية اللؤلؤي سواء كان ذلك الحديث في باقي الروايات الثلاثة موجوداً أم لا. وإن لم يكن الحديث من رواية اللؤلؤي، بل من رواية الثلاثة الآخرين أو من رواية واحد منهم فيقول بعد إخراجه: حديث أبي داود في رواية ابن داسة مثلاً أو رواية ابن العبد مثلاً أو في رواية ابن الأعرابي مثلاً أو في رواية هؤلاء الثلاثة أو اثنين منهم .

2- أبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار:

المتوفى سنة 346هـ. وروايته مشهورة ولا سيما في بلاد المغرب وتقارب رواية اللؤلؤي. والاختلاف بينهما غالباً بالتقديم والتأخير .

وقد وصلت إلينا بعض المخطوطات برواية ابن داسة وقد اعتمد على واحدة منها صاحب عون المعبود ونقل عن السيوطي قوله فيها: وروايته أكمل الروايات وقال: إن كثيراً من الروايات موجودة في رواية ابن داسة وليس هو في رواية اللؤلؤي كما نبهت على ذلك في مواضعها من هذا الشرح كما سنشير إلى ذلك في موضعه إن شاء الله. وقد أتيح لي أن أقف على نسخة مصححة على مخطوطة أثبتت الفروق بين رواية ابن داسة واللؤلؤي.

3- أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري المعروف بابن الأعرابي :

صاحب التصانيف، الإمام الزاهد الحافظ شيخ الحرم. كان أبو داود أحد أساتذته وقد سمع منه ((السنن)).

ومن شيوخه أيضاً الحسن بن محمد الزعفراني ومحمد بن عبدالملك الدقيقي. وروى عنه ابن المقرئ وابن منده وأحمد بن محمد بن مفرج القرطبي.

ولد ابن الأعرابي سنة 246هـ وتوفي 340هـ.

وقد سقط من نسخته كتاب الفتن والملاحم والحروف والقراءات والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس، وفاته أيضاً من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة .

4- أبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري المتوفى سنة 328هـ:

ويعرف بأبي الحسن الوراق سمع أبا داود السجستاني وعثمان بن خرزاذ الأنطاكي، روى عنه الدارقطني .

وهذه الرواية فيها من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي .

وقد جاء في آخر مخطوطة الرسالة التي في وصف السنن نص ينقل عن هذا الراوي (علي بن الحسن بن العبد) وهو قوله:

(سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وقد سبق أن أوردت هذا الكلام .

5- أبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤاسي .

6- أبو سالم محمد بن سعيد الجلودي .

7- أبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري .

8- أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني .

9- أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي الوراق المتوفى سنة 320هـ وقالوا: إنه وراق أبي داود .

تجزئة الكتاب

ذكر أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) أن عدد كتب هذه السنن 18 جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل. ويبدو أنّ النساخ والرواة جزؤوا الكتاب إلى أجزاء، ومن أجل ذلك فهذه التجزئة من إنسان لآخر.

أما تجزئة الخطيب البغدادي وهو الذي روى سنن أبي داود برواية اللؤلؤي فتبلغ تقديراً حوالي 30 جزءاً لأنه يفهم من تعليقات المحقق الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد أن عدد أجزاء المقدار المطبوع في الجزأين الأولين بلغ 14 جزءاً من تجزئة الخطيب البغدادي .

وقد استعرضت الجزأين الثالث والرابع فلم أجد المحقق ذكر شيئاً عن هذه التجزئة.

وفي عصر الطباعة رأينا كتاب أبي داود مطبوعاً في جزء مرة، ورأيناه مرة أخرى مطبوعاً في جزأين، ورأيناه مطبوعاً مرة ثالثة بأربعة أجزاء.

أقسام الكتاب وتبويبه

خلا الكتاب من المقدمة، وهذا موضع تعجب، ذلك لأنّ مؤلفه كتب رسالة في وصف سننه وهي أحسن ما تكون توضيحاً لعمله وعرضاً لخطته ووضعاً للأمور في نصابها، ولو أن قائلاً ذهب إلى أنها تصلح أن تسدّ مسدّ المقدمة لما كان مخطئاً.

وليس أبو داود وحده الذي خلا كتابه من المقدمة، بل شاركه في ذلك غيره، فالبخاري أيضاً لم يكتب لجامعه الصحيح مقدمة، لكنَّ الفرق بينهما أن البخاري رحمه الله لم يتح له النظر في كتابه بعد تأليفه ، أما أبو داود فقد بقي يقرأ ((السنن)) ويذيعها بين الناس أربعين سنة كما أسلفنا.

ولعلّ الأمر يتعلق بأطوار التأليف، إذ ليس البخاري وأبو داود وحدهما لم يكتبا مقدمات لكتبهما، بل نجد كذلك الامام أحمد لم يكتب مقدمة لمسنده وابن المبارك لم يكتب مقدمة لكاتبيه: الزهد، والجهاد.

2 – ينقسم كتاب ((السنن)) إلى كتب كبيرة بلغت 36 كتاباً هي:

1)الطهارة، 2)الصلاة، 3)الزكاة، 4)اللقطة، 5)المناسك، 6)النكاح، 7)الطلاق، 8)الصوم، 9)الجهاد، 10)الضحايا، 11)الصيد، 12)الوصايا، 13)الفرائض، 14)الخراج والإمارة والفيء، 15)الجنائز، 16)الأيمان والنذور، 17)البيوع، 18)الإجارة، 19)الأقضية، 20)العلم، 21)الأشربة، 22)الأطعمة، 23)الطب، 24)العتق، 25)الحروف والقراءات، 26)الحمام، 27)اللباس، 28)الترجل، 29)الخاتم، 30)الفتن، 31)المهدي، 32)الملاحم، 33)الحدود، 34)الديات، 34)السنة، 36)الأدب.

3 – وكل كتاب من هذه الكتب ينقسم إلى أبواب، باستثناء ثلاثة كتب لم نجد فيها أبواباً هي:

كتاب اللقطة – وكتاب الحروف والقراءات – وكتاب المهدي. ولا يستوي عدد أبواب الكتب، فبينما نجد كتاباً يشتمل على أكثر من مائة باب ككتاب الصلاة – الذي يشتمل على ثلاثمائة باب وسبعة وستين باباً – نجد كتاباً لا تتجاوز أبوابه الثلاثة ككتاب الحمام الذي اشتمل على ثلاثة أبواب فقط.

4 – وقد نجد باباً كبيراً تحته أبواب كثيرة، وذلك كالباب الذي جاء بعنوان ((باب تفريع أبواب الجمعة)) وقد جاء تحت 38 باباً.

وكالباب الذي جاء بعنوان ((جماع أبواب الاستسقاء وتفريعها)) وقد جاء تحته ثلاثة أبواب.

5 – هذا وليست الأبواب متساوية في حجمها وإن كان يغلب على معظمها القصر، فقلما نجد باباً يجاوز الصفحة. بل أكثر الأبواب قصيرة قصراً واضحاً، وربما لا يكون في الباب إلا أثر، كما في الباب الآتي: (باب إخفاء التشهد

حدثنا عبدالله بن سعيد الكندي، ثنا يونس – يعني ابن بكير – عن محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله قال: من السنة أن يخفى التشهد) .

وقد صرح أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه يعتمد قلة الأحاديث في الباب فقال:

"ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح؛ لأنه يكبر، وإنما أردت قرب منفعته" .

وهذه الخاصة من أبرز خصائص السنن، وكأن أبا داود استخرج من الحديث أو الحديثين أبرز ما فيهما فجعله عنوان الباب، أو كانه أدخل تحت العنوان أبرز الأحاديث عليه، ولذا يستطيع المرء أن يعثر على الحديث المطلوب بسهولة؛ لأن الباب قليل الأحاديث، ومن هنا قربت منفعته على حدّ تعبير أبي داود.

وأكد أبو داود حرصه على قلة الأحاديث في الباب فقال في ((رسالته إلى أهل مكة)): (وأذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه) أي من أجل زيادة كلام فيه؛ على أننا قد نقف على بعض الأبواب الطويلة، وذلك كباب صفة حجة النبي r الذي استغرق سبع صفحات . ولعل السبب يعود إلى موضوع الباب نفسه.

6 – وأخيراً فإنّ مجموع عدد أبواب كتاب ((السنن)) حسب إحصاء الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد هو 1889 باباً.

درجات أحاديث الكتاب وأنواعها

يذكر العلماء كتاب ((السنن)) لأبي داود على أنّه من مظانّ الحديث الحسن .

قال ابن الصلاح:

"رُوِّينا عنه – أي عن أبي داود – أنه قال: ذكرتُ الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديدٌ، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعض" .

وعقب ابن الصلاح على ذلك بقوله:

"فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين ولا نصّ على صحته أحدٌ عرفنا أنه الحسن عند أبي داود" .

وسنرى بعد قليل أن هذا الرأي موضع نظر لدى المحققين. هذا وقد حلّل البقاعي في ((حاشية على الألفية)) كلام أبي داود المتقدم وانتهى إلى أن هناك – على قول أبي داود – ستة أنواع من الأحاديث في كتابه وهي:

1- الأول الصحيح: ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته.

2- الثاني شبهه: ويجوز أن يريد به الصحيح لغيره.

3- الثالث مقاربه: ويجوز أنه يريد به الحسن لذاته.

4- الرابع الذي فيه وهن شديد.

5- وقوله (وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح) يفهم منه الذي فيه وهن ليس بشديد فهو قسم خامس، فإن لم يعتضد كان قسماً صالحاً للاعتبار فقط.

6- وإن اعتضد صار حسناً لغيره، أي للهيئة المجموعة وصلح للاحتجاج وكان قسماً سادساً .

وكذلك فإن للذهبي ذكر في ((سير أعلام النبلاء)) أن الأحاديث في ((سنن أبي داود)) ستة أنواع فقال:

1- إنَّ أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب.

2- ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر.

3- ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيداً سالماً من علة شذوذ.

4- ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً.

5- ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالباً.

6- ثم يليه ما كان بيّن الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالباً، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته .

والحق أن أحاديث أبي داود متفاوتة المراتب ومثل هذا التصنيف يعطي فكرة مناسبة عن أحاديث الكتاب، هذا وقد شهد العلماء بأنّ أبا داود قد وفى بوعده بتبيين ما فيه وهن شديد.

نقل السبكي عن الذهبي قوله الآتي:

"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف الظاهر وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسناً عنده ولابدّ، بل قد يكون مما فيه ضعف" .

وبالغ الحافظ السَّلَفيُّ فَزَعم أنَّ ما في سنن أبي داود صحيح، فقد ذكر الكتب الخمسة وقال:

"اتفق على صحتها علماءُ المشرق والمغرب".

فردّ عليه ابن الصلاح وقال:

"وهذا تساهل، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفاً أو منكراً أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرّح أبو داود فيما قدمنا روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره" .

وكلام ابن الصلاح هذا صحيح، وإن كان المحققون من العلماء – كما رأيت – لا يوافقونه على رأيه الذي ورد آنفاً من أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة. ومن هؤلاء المحققين الذهبي والحافظ العراقي وغيرهما.

والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين أو لم ينصّ على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين.

قال الأستاذ أحمد شاكر:

"إنَّ ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعّفها في شيء من أقواله الأخرى كأجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في ((السنن)) وضعفه في موضع آخر من كلامه حسناً، بل يكون عنده ضعيفاً.

وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعاً لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين أو لم ينص أحدٌ من أئمة الحديث على صحته" .

وقال في موضع آخر:

"وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن اسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قولٌ باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل" .

الضعيف في سنن أبي داود

في كتاب ((السنن)) كما اتضح لنا أحاديث ضعيفة، صرّح أبو داود نفسه بضعف بعضها، ولم يصرح بتضعيف بعضها الآخر؛ إمّا لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، وإما لأنه صرح في غير ((السنن)) بضعفها كما ذكر ذلك الاستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل .

فالأحاديث التي صرّح بضعفها أمرها هيّن، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحاً وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفاً.

ومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن اسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرك أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: (ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه) .

وهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي (وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء) إذ قد أخرج عن أبي جناب الكلبي ومحمد بن عبدالرحمن البيلماني وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم.

وروي عن جابر الجعفي فقد أخرج له الحديث رقم 1036 ونصّه ((إذا قام الامام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس فإن استوى قائماً فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو)) ثم قال عقبه: (وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث) .

وقد ترجم الذهبي في ((الميزان)) لجابر هذا وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه فقال بعد أن أورد الحديث رقم 287: (ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل...) ثم قال: (قال أبو داود: وعمرو بن ثابت رافضي رجل سوء ولكنه كان صدوقاً في الحديث) .

وروى أيضاً عن الحارث الأعور الحديث رقم 908 وفي الحارث ما فيه .

لماذا أورد في كتابه الضعيف

أورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية:

1- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكاماً فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.

2- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف إن لم يكن شديد الضعف أقوى من رأي الرجال ومن القياس (حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوَرْدي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الاسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب عيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال) .

وحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه:

"إن أردت أن أقتصر على ما صحّ عندي لم أر من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه" .

3- أما إذا كان الحديث شديد الضعف فإنما يورده ليدل على عدم تبنيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلاً: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم 908 فقط وهو: (عن أبي اسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله r: "يا عليّ! لا تفتح على الامام في الصلاة" قال أبو داود: أبو اسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها) .

أي أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث نفسه متهم بالكذب عرفنا أن الحديث شديد الضعف.

موازنة بين سنن أبي داود والصحيحين

هذا الموضوع وحده يصلح أن يكون محل دراسة خاصة وعناية تامة ويمكن أن تؤلف فيه رسالة كبيرة، غير أني أرمي من وراء ذكرها هنا أن أشير فقط إلى أن كتاب السنن جليل الشأن عند كثير من العلماء المتقدمين فهو يأتي بعد الصحيحين مباشرة، بل إن الخطابي رحمه الله قدّم السنن عليهما كما مر معنا في مبحث (ثناء العلماء على السنن) ويحسن أن ورد قول الخطابي مرة أخرى؛ قال: (فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابَيْ محمد بن اسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد إلاّ كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً) .

وقد أقام عدد من العلماء موازنة بين سنن أبي داود وصحيح مسلم وذكروا أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف، ومنهم من رجّح عمل هذا، ومنهم من رجح عمل ذاك، والذي يهمني من هذه الموازنة أن طائفة من العلماء ترى أنّ ((سنن أبي داود)) في درجة تقارب درجة الصحيحين أو تفوقها.

زوائد أبي داود

يظهر أن زوائده عمّا في الكتاب الخمسة الأخرى قليلة فقد سبق أن أوردنا أن الذهبي ذكر أن ما في ((السنن)) مما يوافق ما أخرجه الشيخان يبلغ شطر الكتاب .

وإذا تتبعنا تعليقات الحافظ المنذري تبيّن أنّ زوائده عما في الكتب الخمسة قليلة جداً، فما أقل الأحاديث التي لا يذكر المنذري أنها وردت في بعض هذه الكتب.

وقد ألّف بعضهم في شيء من ذلك فجمع زوائد أبي داود على الصحيحين وشرحها ويحسن أن نشير هنا إلى أن كتاب أبي داود أجمع هذه الكتب، نعم ليست فيه زيادات كثيرة على ما في هذه الكتب بمجموعها غير أن فيه كثيراً مما ليس في واحد منها على انفراد، هذا وزوائده أحسن حالاً من زوائد غيره كابن ماجه مثلاً.

خصائصه

يحسن أن نورد بعض الخصائص المهمة التي نستطيع أن نلمسها في ((السنن)).

تعدد الطرق:

هناك أحاديث كثيرة في ((السنن)) مروية بطريقين أو أكثر، وهو يورد هذين الطريقين أو هذه الطرق في الاسناد قبل أن يأتي بمتن الحديث غالباً، وإذا أراد التحويل من طريق إلى آخر رمز إلى ذلك بالحرف (ح) على عادة المحدثين قال في ((رسالته)): (وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث) .

تكرار الحديث:

في الحديث الواحد من المعاني والأحكام الشيء الكثير، فلقد أوتي r جوامع الكلم . فإذا أورد المؤلف الحديث في باب من الأبواب من أجل معنى وارد فيه، اضطر إلى اعادته في باب آخر من أجل معنى آخر تضمنه الحديث، ومن هنا كان لا مفر من تكرار الحديث في الكتب المصنفة على الأبواب .

وهذا هو السبب الذي جعل أبا داود يكرر الحديث أحياناً. ولكنه لا يبلغ في تكراره مبلغ البخاري في صحيحه. ولا يقطِّعه تقطيعه.

الدقة في إيراد الروايات

الدقة ظاهرة واضحة تمام الوضوح في ((كتاب السنن)) ونضرب على ذلك بعض الأمثلة:

– فهو إذا روى الحديث عن طريق رجلين يثبت الرواية التي يرى أنها الصواب ثم يورد رواية الرجل الآخر كما فعل في الحديث رقم 20 الذي رواه عن زهير بن حرب وهنّاد بن السري وفيه: (أما هذا فكان لا يستنزه من البول) وبعد أن انتهى من رواية الحديث قال: (قال هناد: ((يستتر)) مكان ((يستنزه)) ).

ومما يدلنا على أن أبا داود يرى الصواب رواية زهير أن عنوان الباب الذي ورد هذا الحديث فيه هو باب الاستبراء من البول .

– وقد يقتصر على رواية أحدهما دون أن يشير إلى الرواية الأخرى، ولكنه ينبه على أنه إنما أورد رواية فلان كما في الحديث 938 قال: (حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ومحمود بن خالد قالا:..) وبعد نهاية الحديث قال: (وهذا لفظ محمود) .

– وقد يروي الحديث عن أربعة رجال ولا يثبت واحدة يرجحها ثم ينبه على الروايات الأخرى، وإنما يورد الروايات الأربع مرة واحدة مجموعة على وجه يدل على الدقة والاختصار كالحديث 992 في باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة قال:

– (حَدَّثَنَا أحمد بنُ حَنْبل، وأحْمدُ بنُ مُحمّد بن شَبُّويهْ وَمُحمّد بن رافع وَمُحَمّدُ بن عبدالملِكِ الغزَّال قالوا:

– حَدَّثَنَا عبدُالرزَّاقِ عَنْ مَعْمرٍ عَن إسْماعيلَ عن أبيه عَنْ نَافِع عنِ ابنِ عُمَر قال: نَهَى رسُولُ اللهِ r.

قالَ أحمدُ بنُ حَنْبَل: أنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ في الصَّلاةِ وهُو مَعْتمدٌ عَلى يدِهِ.

قال ابنُ شَبُّويْه: نَهى أنْ يَعْتمِدَ الرَّجُلُ على يَدِهِ في الصَّلاةِ.

وقالَ ابنُ رَافِع: نَهى أنْ يُصَلّي الرَّجُلُ وَهُوَ مُعْتمِدٌ على يَدِهِ وذَكَره في بابِ الرفع من السُّجُود.

وقال ابنُ عبدالملِكِ: نَهَى أنْ يَعْتَمدَ الرَّجُلُ عَلى يَديْهِ إذَا نَهَضَ في الصَّلاة) .

ولم يرجح المؤلف رواية على رواية.

وقد يأتي بالحديث عن طرق بينها فروق طفيفة لا تؤثر في المعنى، ومع ذلك فهو حريص على ذكر هذه الفروق، كما فعل في الحديث رقم 4 الذي رواه عَنْ مُسَدّدْ بن مُسَرْهدٍ عَن حَمّادِ بن زَيْدٍ وعبدالوارِث (عَنْ عَبْدِالعزيز بن صُهَيّبٍ عَنْ أنَس بنِ مالِك قالَ: كانَ رسُولُ اللهِ r إذا دَخَلَ الخلاء قَال:

عَن حمّادٍ – قالْ: "اللّهمَُّ إنِّي أعُوذُ بِكَ".

وَقَالَ – عن عبدِالوَارثِ قالَ – ((أعُوذُ باللهِ من الخُبثِ وَالْخَبَائِث)) ) .

– ومن الأمثلة على ذلك – وهي كثيرة جداً – حديث البول في المستحمّ رقم 27 الذي رواه من أحمد بن حنبل والحسن بن علي وهو:

"لاَ يَبُولنَّ أحَدُكُمْ في مُسْتَحمِّه ثُمَّ يَغْتَسِل فِيه – قال أحْمَدُ: ثُمَّ يََتَوضأ فيهِ فإنَّ عَامّةَ الوَسْواسِ مِنه" .

والمؤلف هنا بيّن الفرق بين الروايتين أثناء الحديث. وهذه الدقة دليلٌ على مدى الحرص في نقل حديث النبي بالتحري الخالص والأداء الأمين. وتلك خصيصة خص الله بها أمة محمد r، فوق مجرد نقل أخبار النبي r وأحاديثه..

الاختصار

وفي كتاب أبي داود الاختصار الموفّق لأننا نجده مقترناً بالدقة البالغة والوضوح البيّن، وهذه خاصة من أهمّ الخصائص التي يمتاز بها كتاب ((السنن)).

• ومن مظاهر الاختصار ما مرَّ بنا في تبويب الكتاب من قلة الأحاديث في الباب الواحد.

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه يعمد إلى الحديث الطويل فيختصره فلا يورد منه إلا موضع الفقه منه، وقد أشار أبو داود نفسه إلى هذه الخاصة فقال في رسالته:

(وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك) .

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه يأتي بحديث، ثم بعد ذلك يأتي بسند آخر ويقول: (بمعناه) كما في الحديث رقم 34 فهذه الكلمة أغنته عن إعادة الحديث، ولكي يكون كلامه دقيقاً قال: (بمعناه) منبهاً على أنّ هناك فرقاً لفظياً بين الروايتين لا يؤثر في المعنى.

• ومن أنواع هذا الاختصار أنه إذا وجد روايتين في إحداهما زيادة جاء بالأولى، ثم أورد سند الثانية وجاء بالزيادة ولا يعيد ما سبق ذكره، وإنما يكتفي بقوله: (وذكر الحديث) ومثل هذا كثير الورود في كتابه، فمن ذلك الأحاديث 111 – 112 – 113 – 114...

ففي الأول منها يذكر أبو داود حديث عبد خير الذي يصف وضوء عليّ رضي الله عنه كما يلي:

(حَدَّثَنَا مُسَدَّد. حَدَّثنَا أبو عوانَة. عَن خَالِدِ بنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عبدِ خيرٍ قالَ: أتَانا عليٌ رضي اللهُ عَنْهُ وَقَدْ صَلّى فَدَعا بطَهُورٍ فَقُلْنَا: مَا يَصْنَعُ بالطّهورِ وَقَدْ صَلّى؟ مَا يُريدُ إلاَّ ليُعَلِّمنَا فَأتِيَ بإنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْت، فأفْرَغَ مِن الإنَاء عَلى يميْنِهِ فَغَسَل يَدَيْهِ ثَلاثاً ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثَاً فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ منَ الكفِّ الذِي يأخُذُ فيهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً ثمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليمْنى ثَلاثَاً وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمال ثَلاثاً، ثمَّ جَعَلَ يَدَهُ في الاناء فَمَسَحَ بِرأسِهِ مَرَّةً واحدَة ثمَّ غَسَلَ رِجْلهُ اليُمْنى ثَلاثاً وَرِجْلَهُ الشِّمَال ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَعْلَمَ وُضُوء رسولِ اللهِ فَهُوَ هَذَا) .

• وبعد ذلك أورد أبو داود رواية أخرى بسند آخر عن عبد خير هي: (صلّى عَليَّ رَضَي اللهُ عَنْهُ الغَداةَ ثمَّ دَخَلَ الرَّحْبَةَ فَدَعَا بماءٍ فأتاهُ الغُلامُ بإناءٍ فيهِ مَاءٌ وَطَسْت قَالَ: فَأخَذَ الانَاء بيدِهِ اليُمْنَى فأفْرَغَ عَلى يدِهِ اليُسْرى وَغَسَلَ كفّيْهِ ثَلاثاً ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنَى في الإناء فَمَضْمَضَ ثَلاثاً واسْتَنْشَقَ ثَلاثاً. ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة قَالَ ثمَّ مَسَحَ رَأسَهُ مُقَدّمَه وَمُؤخّرَه مَرَة ثم ساق الحديث نحوه) .

• ثم أورد الرواية الثالثة بسند ثالث عن عبد خير أيضاً وفيها زيادة: (رأيت علياً رضي الله عنه أتى بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يديه ثلاثاً ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد وذكر الحديث) .

ثم أورد الرواية الرابعة عن زر بن حبيش: أنّهُ سَمعَ علياً رضيَ اللهُ عَنْهُ وسُئل عَنْ وُضُوء رَسُولِ اللهِ r فذكر الحديث. وقالَ: مَسَحَ على رأسِهِ حَتّى لمّا يَقْطُر، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَاً ثمَّ قَالَ: هَكَذا كَانَ وضُوءُ رَسُولُ الله r) .

• وإذا روى حديثاً مختصراً نقل قول الراوي باختصاره، كما في الحديث 49 فقد قال بعد أن أورده: (قال أبو داود: قال مسدّد: فكان حديثاً طويلاً ولكني اختصرته) .

طريقته واستقصاؤه

كان أبو داود – كما أسلفنا – يريد جمع أحاديث الأحكام التي يحتج بها الفقهاء وكان ذلك همه الأول، وقد استطاع أن يبلغ أكثر ما يريد، وهذا واضح من استعراض كتابه وهذا ما قرره العلماء أيضاً.

قال الدهلوي في ((حجة الله البالغة)):

"كانت همة أبي داود جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم، وبَنى عليها الأحكام علماءُ الأمصار فصنّف ((سننه)) وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل" .

وقال الدهلوي أيضاً في صدد حديثه عن الترمذي وأنه جمع بين طريقة الشيخين اللذين بيّنا وطريقة أبي داود الذي جمع كل ما ذهب إليه عالم من العلماء فقال:

"كان استحسن طريقة الشيخين حيث بيّنا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين وزاد" .

ويدلك على ذلك أنه يعقد باباً في جواز الشي وكراهته، وهذا كثير جداً، مثل: (باب كراهة استقبال القبلة عن الحاجة) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) ومثل (باب الوضوء من مسّ الذكر) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) .

وفي جمعه لكل ما ذهب إليه العلماء فوائد منها:

– بيان أنّ بعض الأحاديث أقوى من بعض، لا سيما عندما يعلق على واحدٍ مضعفاً إياه ويسكت عن آخر.

– ومنها بيان أنّ الأمر جائز مع الكراهة وليس حراماً، أو هوَ رخصة.

– ومنها إتاحة الفرصة للانسان لكي يوازن بين أقوال العلماء ويرجح ما ينصره الدليل ويعضده.

• وقد ذكر هو في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه قصد جمع أكبر قدر ممكن من السنن التي عليها مدار الأحكام فقال:

"فإنْ ذكر لك عن النبي r سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واهٍ إلاّ أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لما أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري" .

• ومن حرصه على الاستقصاء في جمع الأحاديث المتصلة بالأحكام أنه قد يورد الحديث دون سند بعد أن يكون قد أورد حديثاً مسنداً، كما في الحديث 16 وهو:

(حدثنا عثمان وأبو بكر قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر: مَرَّ رَجُلٌ عَلى النَبيِّ r وَهوَ يَبُول، فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ أبُو دَاوُد: وَرُوي عن ابنِ عُمَر وَغَيْرِه أنَّ النبيَّ r تَيَمّمَ ثمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السّلام) .

فالزيادة التي في الرواية الثانية قد أوردها هنا دون سند وبصيغة التمريض رغبة منه في الاستقصاء مع الاختصار؛ وذلك لأنه أوردها في باب التيمم بالسند وذلك في الحديث رقم 330، ولكنه ذكر هناك ما يدل على ضعف هذا الحديث.

– ومن طريقته أنه كثيراً ما يروي الحديث عن أكثر من شيخ وتارة عن ثلاثة وتارة عن أربعة.

ففي الحديث 188 روى الحديث عن شيخين وكذا في 1365.

وفي الحديث 185 روى الحديث عن ثلاثة شيوخ.

وفي الحديث 992 روى الحديث عن أربعة شيوخ.

عناوينه

للعناوين قيمة كبرى في كتب الحديث، ففيها يتجلّى فقه المؤلف وعلمه واستنباطه الدقيق وفهمه، ذلك لأن جهده مقصور على تبويب هذه الأحاديث ووضع عنوان لكل طائفة منها والتعليق على بعضها، إذ كتابه في جمع الأحاديث وليس في شرحها.

وسنذكر بعض الملاحظات حول عناوين أبي داود كما انتهينا إليها بعد شيء من الدراسة والتأمل:

1- الناحية الفقهية بادية في عناوين أبي داود، وهذا أمر طبيعي، لأن الكتاب مؤلف على أساس فقهي واضح، وهذه العناوين رؤوس مسائل فقهية بحثها الفقهاء. قال الدهلوي في ((حجة الله البالغة)):

"وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليها ذاهب" .

وقد يجد الانسان في هذه العناوين من المسائل الفقهية ما لا يكاد يجده في مطولات كتب الفقه.

2- عناوينه يغلب عليها الايجاز، وتبدو هذه الخاصة واضحة إذا قارنّا عناوين ((السنن)) بعناوين صحيح البخاري.

3- عناوين ((السنن)) مصوغة صياغة تغري قارئها وسامعها بقراءة أحاديث الباب التي تندرج تحته، ولنضرب بعض الأمثلة للتوضيح، فعناوين الكتاب كلها تصلح للتمثيل. لنأخذ العنوان الآتي: (باب الرجل ينعس والامام يخطب) هذا العنوان لا يبيّن لنا مضمون الباب، ولابُدَّ للإنسان من قراءة ما جاء في هذا الباب حتى يعرف: ما بال هذا الرجل الذي ينعس أثناء خطبة الامام، والحديث برقم 1119 وهو: "إذا نعسَ أحَدُكُمْ وَهُوَ في المسْجِدِ فَلْيَتَحوَّلْ مِن مجْلِسِهِ ذَلِكَ إلى غَيْرِه" .

• ولنأخذ العنوان الآتي: (باب من أدرك من الجمعة ركعة) كذلك هذا العنوان لا ينبئ عن مضمونه، ولابُدَّ للراغب في المعرفة من قراءة الباب، والحديث برقم 1121 وهو: "مَنْ أدْرَكَ منَ الجُمْعَةِ رَكْعَة من الصَّلاةِ فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلاة" .

• وكذلك العنوان: (باب الرد على الامام) لا يدري قارئ العنوان: أيجوز الرد أم لا يجوز. حتى إذا قرأ ما جاء في الباب عرف، والحديث برقم 1001 وهو (عَن سُمرََةَ: أمَرَنَا النّبيُّ r أنْ نَرُدَّ عَلى الامامِ وأنْ نَتَحابَّ وَأنْ يُسلّمَ بَعْضُنَا عَلى بَعْض) .

4- وقد يأتي بعنوان كبير يسميه (جماع أبواب..) أو (باب تفريع أبواب..) وذلك كما في (باب تفريع أبواب الجمعة) وتحته 38 باباً، و(جماع أبواب صلاة الاستسقاء وفروعها) وتحته ثلاثة أبواب.

5- وقد يأتي الباب خالياً من العنوان، ويقتصر المؤلف فيه على ذكر (باب) كما في كتاب الصلاة .

6- وقد يأتي بالعنوان بصيغة الاثبات، والحديث يدل على النفي. كما في الحديث 616 فالعنوان: باب الامام يتطوع في مكانه. والحديث هو: (لا يُصَلِّ الإمامُ في الموضِعِ الّذي صَلى فيهِ حَتّى يَتحوَّل).

وربما كان ذلك على تقدير (حكم الامام...) وجرى على طريقته في إغراء قارئ العنوان بقراءة ما ورد في الباب، وربما كان ذلك عندما يكون الحديث ضعيفاً، فالحديث المثال ضعيف بسبب الانقطاع، بيّنه أبو داود بقوله: (عطاء الحرساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) .

7- قد يأتي بالعنوان بصيغة استفهام، من ذلك مثلاً قوله (باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟) وقوله (كيف التكشف عند الحاجة؟) وقوله (إذا خاف الجنب البرد أيتيممم؟) وتختلف دلالة هذا الاستفهام من عنوان إلى عنوان. فهو يدل أحياناً على عدم جزم المؤلف بالحكم، وأحياناً أخرى يدل على الكيفية. وهو كثير جداً .

8- وربما لا ينطبق العنوان على المضمون أو لا يدل على المقصود إلا بعد طول تأمل: فمن ذلك عنوان (من جهر بها) أي بالبسملة. ففي هذا الباب ثلاثة أحاديث: أولها في عدم وجود البسملة في سورة براءة وثانيها في أن النبي r قبض ولم يبين لنا أنها منها وثالثها في أن النبي r لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم .

وقال صحاب ((عون المعبود)):

"والاستدلال بهذا الحديث وكذا بكل حديث يدل على أن البسملة من القرآن على الجهر بها ليس بصحيح" .

وكأنه بذلك يقول: إن حجة القائلين بذلك واهية ولا دليل لهم؛ لأن هذه الأحاديث لا تدل على رأيهم.

9- وقد يجيء حديث لا يناسب عنوان الباب الذي هو فيه، بينما هو يناسب عنوان الباب الذي قبله. كما في الحديث (887) الوارد في باب مقدار الركوع والسجود ، وليس فيه ما يتصل بموضوع الباب بل هو في موضوع الدعاء في الصلاة لأن فيه "مَنْ قَرأ مِنْكُمْ (والتينِ والزَّيْتونِ) فانْتَهى إلى آخِرِها (أليْسَ اللهُ بأحْكمِ الحاكمينْ) فَلْيَقُل: بَلى وَأنَا على ذَلِك مِن الشّاهِدِين".

وهذا الموضوع يناسب موضوع الباب السابق وهو (باب الدعاء في الصلاة) .

وفي مثل هذه الحالة قد يكون هذا الترتيب المغلوط عائداً إلى أن النساخ نقلوا حديثاً أو عنواناً من موضع إلى موضع.

تعليقاته

سبق أن تحدثت عن تبويب الكتاب وعن عناوينه وعن المنهج الذي انتهجه أبو داود في اختياره وأود فيما يأتي أن أتحدث عن تعليقاته، وهذه الأمور – كما أسلفت – هي التي تمثل جهد المؤلف وعلمه. ويحسن أن أبادر إلى بيان أني لا أعني بالتعليقات هنا المصطلح الحديثي لها وإنما أريد بها ما يورد أبو داود من كلام له علاقة بالحديث.

مواضعها ومقدارها:

– أما مواضعها فهي إما أن تكون خلال إيراده الحديث، ومن ذلك الحديث رقم 980 فقد مرّ رجلٌ اشتهر أبوه بحادثة مهمة فعرّف بأبيه حرصاً على الفائدة: (حدثنا القعنبي عن مالك عن نعيم بن عبدالله المجمر أن محمد بن عبدالله بن زيد – وعبدالله بن زيد هو الذي أٌري النداء بالصلاة – أخبره عن أبي سعود...) فالتعليق هنا كان في جملة اعتراضية حرصاً على إفادة القارئ والسامع. وقد يعترض بجملة معترضة ليزيل الالتباس، كما لو جاء اسم أحد الرواة كنية فيذكر لنا اسم هذا الراوي كما في الحديث 32 ففيه: (حدثني أبو أيوب – يعني الافريقي – عن عاصم) .

– وإما أن تكون التعليقات بعد إيراده الحديث. وهذا الغالب عليها. ولا حاجة للتمثيل عليها لأنّ كل الأمثلة القادمة هي من هذا النوع.

– وأما مقدارها، فهو يتفاوت من حديث إلى آخر. فبينما يكون التعليق جملة مختصرة إذا بنا نراها تبلغ أحياناً ما يقرب من صفحة.

مضمونها:

يمكن أن تصنف هذه التعليقات حسب الموضوع الذي تدور حوله، وسنورد ما وفقنا عليه من دراستنا لكتاب ((السنن)):

1 – كلامه حول الرجال:

تعتبر هذه التعليقات من الملاحظات الحديثية بوجه عام، ومقدارها في ((السنن)) لا بأس به، ولو جمعت هذه الملاحظات في الرجال والمتون ونسقت لتكوّن منها بحث لطيف.

ونستطيع أن نصنف كلامه في الرجال في زمرتين:

الأولى:

كلامه في التعريف بهم وذكر أنسابهم والتحقيق في المختلف فيه منها وتبيان ما اعتراها من تصحيف وغلط.

والثانية:

كلامه في جرحهم وتعديلهم.

التعريف

من الأمثلة على التعريف بالرجال أنه أورد الحديث 1067 وهو عن الصحابي طارق بن شهاب فقال: (قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي r ولم يسمع منه شيئاً) .

ومن ذلك تعريفه قعنب أحد رواة الحديث 2496 فقد عرّفه تعريفاً مفصلاً فقال: (قال أبو داود: كان قعنب رجلاً صالحاً، وكان ابن أبي ليلى أراد قعنباً على القضاء فأبى عليه، وقال: أنا أريد الحاجة بدرهم فاستعين عليها برجل قال: وأينا لا يستعين في حاجته؟ قال: أخرجوني حتى أنظر، فأخرج، فتوارى. قال سفيان: بينما هو متوارٍ إذ وقع عليه البيت فمات) .

ومن ذلك تعريفه بأبي العباس أحد رواة الحديث 2529 وهو (مُحَمّد بنُ كثيرٍ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ – عَن حَبيبِ بن أبي ثَابِتْ عَن أبي العبّاسِ عَنْ عَبْدالله بن عمرْ وقَالَ: جَاء رَجُلٌ إلى النّبي r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أجَاهِدُ؟ قَالَ: ألَكَ أبوانِ؟ قَالَ: نَعمْ. قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".

قال أبو داود: أبو العباس هذا: الشاعر، اسمه السائب بن فروخ) .

ومن ذلك تعريفه سليمان أحد رواة الحديث 975 فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفيّ الأصل كان بدمشق) .

ومن ذلك تفسيره نسبة أبي مصبح المقرائي أحد رواة الحديث 938 فقد قال بعد أن أورد الحديث يفسر هذه النسبة: (قال أبو داود: المقراء قبيلٌ من حمير) .

ومن ذلك تعريفه بأبي زيد أحد رواة الحديث رقم 10 فقد رأى أن ذكر الكنية وحدها لا يكفي فقال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة) .

ومن ذلك تبيينه المراد من أبي شجرة أحد رواة الحديث رقم 666 فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: أبو شجرة كثير بن مرة) .

وقد يبين بالتعليق بلد الراوي كما فعل في جعفر بن يحيى بن ثوبان أحد رواة الحديث 672. فقد قال (قال أبو داود: جعفر بن يحيى من أهل مكة) .

وقد يكون حديثه عن الرجل في هذه التعليقات تصويباً لخطأ وتصحيف أو تحقيقاً لاسم اختلف فيه:

فمن ذلك تصويبه لاسم أحد رواة الحديث 2522 وهو رباح بن الوليد الذي ورد مقلوباً مغلوطاً كما يلي: (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا يحيى بن حسان، ثنا الوليد بن رباح الذماري حدثني عمي نمران ابن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء...) فقد قال مصوباً هذا الخطأ: (قال أبو داود: صوابه رباح بن الوليد) .

ومن ذلك اشارته إلى قول آخر في اسم الرجل الوارد في الحديث وقد يكون أحدهما تصحيفاً للآخر، كما في الحديث 1007 الذي جاء فيه: (صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رِمْثَه فقال: صليت هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي r..) قال أبو داود عقب الحديث:

(قال أبو داود: وقد قيل (أبو أمية) مكان (أبي رمثة) .

ومن ذلك تحقيقه اسم أحد الرواة الحديث 63 وهو محمد بن عباد بن جعفر فقد ورد في رواية مغلوطاً فذكر القولين ثم رجح الصواب. وهذا الحديث رواه عن ثلاثة شيوخ وهم محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي. وجاء اسم الراوي في سنده هكذا (محمد بن جعفر بن الزبير) ثم قال: (قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء. وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر. قال أبو داود: وهو الصواب) .

وقد يورد أقوالاً مختلفة في اسم راوٍ ولا يرجح. كما في الحديث 888 فقد جاء في سنده اسم أحد الرواة: وهب ابن فانوس. وبعد أن أورد الحديث قال: (قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: قلت له: مأنوس أو مأبوس. قال: أما عبدالرزاق فيقول: مأبوس، وأما حفظي فمأنوس) ولم يرجح.

الجرح والتعديل

إن تعليقات أبي داود التي تتناول الرجال جرحاً وتعديلاً كثيرة لن نستطيع استقصائها وسترد أمثلة كثيرة منها الفقرة الآتية التي نتحدث فيها عن كلامه في تضعيف الحديث، ومن أجل ذلك فسأورد بعض الأمثلة هنا اكتفاء بما سيمر بنا في تضعيفه الحديث.

وهو – في جرحه للرجال – إما أن يورد قوله فيهم فقط دون أن ينقل عن بعض العلماء وإما أن يكون الحكم عليهم منقولاً عن الأئمة الذين تقدموه.

فمن الأمثلة على جرحه الرجال قوله في (عبدالسلام بن حرب) أحد رواة الحديث رقم 14: (وهو ضعيف) .

ومن ذلك قوله في (أبان بن طارق) أحد رواة الحديث رقم 3741: (إنه مجهول) .

وقد يورد الحكم على الرجال منقولاً عن العلماء كما فعل في الحكم على (عبدالرحمن بن اسحاق) أحد رواة الحديث 758 فقد نقل عن الامام أحمد تضعيفه إياه قال: (قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يضعف عبدالرحمن بن اسحاق الكوفي) .

2 – كلامه في تضعيف الحديث

لو ذهبت أستقصي تعليقاته في تضعيف الحديث لخرجت عن حدود البحث التي رسمتها لكثرتها مع تنوعها، ولكنني أذكر ما يعطي الفكرة النيرة عن تعليقاته في هذا الموضوع.

فمن الأمثلة على تضعيفه للحديث وبيانه سبَب الضعف ما رواه عن شيخه محمد بن اسماعيل بن أبي سمينة البصري في الحديث رقم 704 وَنصُّه:

(عن ابن عباس – قال أحسبه – عن رسولِ الله r قال: "إذَا صَلّى أحَدُكُمْ إلى غَير سترةٍ فإنّهُ يَقْطٌَعُ صَلاتَهُ الكلبُ والحمارُ والخنزيرُ واليَهُوديُّ والمجُوسِيُّ والمرأة، ويُجزِئ عَنْهُ إذا مَرّوا بينَ يديهِ على قَذْفَةٍ بحجَرْ" .

ثم قال المؤلف معلقاً:

قال أبو دواد: في نفسي من هذا الحديث شيء، كنتُ أذاكر به إبراهيم وغيره، فلم أر أحداً جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحداً جاء به عن هشام. وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة يعني محمد بن اسماعيل البصري مولى بني هاشم. والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه: على قذفة بحجر، وذكر الخنزير. وفيه نكارة قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن اسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه) .

ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث 19 فقد بين درجته ثم ذكر سبب الضعف ونصه: (عن همام، عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان النبي r إذا دخل الخلاء وضع خاتمه). قال: (قال أبو داود: هذا حديث منكر) ثما قال ذاكراً سبب الضعف: (وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنّ النبي r اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه. والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام) .

ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث رقم 132 فقد نقل إنكار أحمد وابن عيينة للحديث؛ وفي سنده (عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده) (قال أبو داود: قال مسدّد: فحدثت به يحيى فأنكره، وقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره ويقول: إيش هذا: طلحة عن أبيه عن جده) .

ومن الأمثلة على ذلك تضعيفه للحديث ببيان انقطاعه أي أن أحد الرواة لم يدرك الآخر، وهذا ما يعبر عن علماء الحديث بالانقطاع كما في الحديث 616 الذي جاء في سنده: (..عبدالعزيز بن عبدالملك ثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة).

قال أبو داود في تعليقه عليه: (قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث 1978 وقد جاء في سنده أن الحجاج يروي عن الزهري فقال في نقده: (قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 165 وفي سنده (.. أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة..) فقال أبو داود يضعفه (وقال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثورٌ هذا الحديث من رجاء) .

ومن ذلك تضعيفه للحديث بنقل أقوال بعض العلماء في توهين الحديث كما في الحديث 1004 وهو: ((حذف السلام سنة)) فقد قال عقبه:

(قال عيسى: نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث. قال أبو داود: سمعتُ أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفرياني (وهو أحد رواة الحديث) من مكة ترك رفع هذا الحديث وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه) .

ومن تضعيفه للحديث نقلاً عن بعض العلماء تعليقه على الحديث رقم 202 فقد قال عقبه: (قال أبو داود: قوله: الوضوء على من نال مضطجعاً هو حديث منكر لم يروه إلاّ يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة) ثم قال: (قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؛ ولم يعبأ بالحديث) .

وقد يضعف الحديث بالحكم عليه بأنه وهم دون أن يذكر سبب حكمه كما في فعل في الحديث 944 "التّسْبيحُ لِلرِّجالِ والتّصْفِيقُ للنِسّاء، مَنْ أشار في صَلاتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدلَها". يعني الصلاة قال أبو داود: هذا الحديث رقم) .

وقد يضعف الحديث والحكم عليه بأنه ليس بالقوي، كما فعل في الحديث 158 فقد قال في عقبه: (قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي. ورواه ابن ابي مريم ويحيى بن اسحاق والسليمي عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده) .

وكما في الحديث رقم 159 فقد قال عقبه:

(قال أبو داود: وروي هذا أيضاً عن أبي موسى الأشعريب عَن النّبيِّ صَلى اللهُ عَليهِ أنّهُ مَسَحَ عَلى الْجَوْرَبَين وليس بالمتصل ولا بالقوي) .

3 – فوائد حديثية

في تعليقات أبي داود فوائد حديثية أخرى ليست مقصورة على مبحث التصحيح والتضعيف، وسنذكر بعضاً منها:

فمن هذه الفوائد تعليقه على بعض الأحاديث بأن ينبه بأن رواة هذا الحديث كلهم مثلاً من بلد معين، وهذه مزية خاصة للسند ويدعو بعضهم الحديث الذي يكون سنده كذلك بالحديث المسلسل فمن ذلك تعليقه على الحديث رقم 91 حيث قال:

(قال أبو داود: هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 155 حيث قال:

(قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل البصرة) .

ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم 870 حيث قال بعده:

(قال أبو داود: وهذه الزيادة تخاف ألاّ تكون محفوظة. قال أبو داود انفرد أهل مصر باسناد هذين الحديثين: حديث الربيع وحديث أحمد بن يونس) .

ومن هذه الفوائد الحديثية: إشارته إلى أنَّ هذا الحديث لم يسند إلا من هذا الطريق كما جاء في تعليقه على الحديث رقم 15 حيث قال: (قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار) .

ومن الفوائد الحديثية ما يجريه من الموازنة بين روايتين يوردهما.

فقد أورد الحديثين 1053 و 1054؛ أحدهما في أنّ كفارة من ترك الجمعة دينار، وهو عن همّام. وثانيهما في أن كفارة من ترك الجمعة درهم – وهو عن أبي العلاء أيوب. وقال بعد أن أوردهما:

(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن اختلاف هذا الحديث فقال: همّامٌ عندي أحفظ من أيوب يعني أبا العلاء) .

وكذلك فقد أورد الحديث 1024 وهو:

(حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بنُ العَلاء، ثنا أبو خالِدٍ، عَن ابنِ عَجْلانَ، عَنْ زَيْد بنِ اسْلَم، عَنْ عَطَاء بنِ يَسَارٍ، عَنْ أبي سَعيد الخُدريّ قالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ r: "إذاً شَكَ أحَدُكُمْ في صَلاتِهِ فَلْيُلْقِ الشَكَّ وليبن على اليقين، فإذَا اسْتَيْقَنَ التّمامَ سَجَدَ سَجْدَتَينِ فإن كانت صَلاتُهُ تَامّةً كانَتْ الركْعَةُ نافِلَة والسّجْدتَان. وإنْ كَانَتْ نَاقِصَة كَانت الركعةُ تماماً لِصلاتِهِ وكانَت السّجْدتَانِ مُرْغمتيْ الشّيْطَان".

قال أبو داود: رواه هشام بن سعد ومحمد بن مطرف عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي r، وحديث أبي خالد أشبع) .

واكتفى بهذه الموازنة ولم يورد حديث ابن سعد ولا ابن مطرف.

وقد يعبر عن تفضيله لاحدى الروايتين بأن حديث فلان أتم، كما صنع في الحديث رقم 45 حيث قال:

(قال أبو داود: وحديث الأسود بن عام أتم) وكما صنع في الحديث رقم 62 فقد رواه عن محمد بن يحيى عن عبدالله بن يزيد ثم أورد تحويلاً فقال: (ح وحدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس قالا: ثنا عبدالرحمن ابن زياد. قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أتقن) وبعد أن أورد الحديث قال:

(قال أبو داود: وهذا حديث مسدد وهو أتم) .

ومن الفوائد الحديثة التي نجدها في التعليقات ما يتصل بمفهوم المصطلحات كالمرسل، فإنّ المرسل عند جمهور العلماء هو الحديث الذي سقط منه الصحابي ومنهم من يعم فيطلق المرسل على كل حديث سقط منه راو، ويبدو أن أبا داود من هؤلاء؛ يدل على ذلك تعليقه على الحديث 886 وسنده: (حدثنا عبدالملك بن مروان الأهوازي، ثنا أبو عامر وأبو داود عن ابن أبي ذئب عن اسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبدالله عن عبدالله بن مسعود... الخ..).

قال أبو داود: (هذا مرسل: عونٌ لم يدرك عبدالله) .

ومن الفوائد الحديثية أنه يذكر أحياناً أنّ هذا الراوي لم يخرج له في كتابه إلا هذا الحديث كما صنع في الحديث 1036 فقد أخرجه عن جابر الجعفي وهو رافضي كذاب، فقال بعد أن أورده:

(قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر إلا هذا الحديث) .

وكأنه يعتذر بذلك لضعف جابر، وأظنُّ أن مثل هذا التعليق إنما كان من أبي داود في قراءاته المتأخرة للكتاب وليس من تأليفه الأول.

4 – التعريف بالأمكنة

ويشغل هذا المقصد حيزاً ليس بالقليل من التعليقات، ويبحث أبو داود في هذا الأمر بحثاً موضوعياً ميدانياً – على التعبير الشائع – فيقوم بنفسه بقياس الأمكنة المذكورة في الحديث ورؤيتها والبحث في التطورات التي حصلت عليها ويصفها كما رآها.

وهذا تفكير علمي صحيح وأسلوب من التحقيق اليقيني في مثل هذه الموضوعات، ومن الأمثلة على ذلك تحقيقه لموضع (بئر بُضاعة) وقياسها ووصفها؛ فهو بعد أن أورد الحديث المشهور عن هذه البئر التي سئل النبي r عن الوضوء فيها على الرغم مما يطرح فيها من الفضلات فقال r: "الماءُ طهورٌ لا ينجسه شيء". وبعد أن أورد المؤلف روايتين للحديث قال:

(قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعد قال: سألتُ قَيِّمَ بئر بضاعة عن عمقها. قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.

قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون) فهو أولا يروي ما سمعه عن قتيبة بن سعد ويقره عليه؛ لأنه بعد أن زار البئر لم يذكر لنا خلاف ما روى.

ثم يذكر أنه هو بنفسه قاسها فوجد عرضها ستة أذرع، ويحكي لنا الطريقة التي استخدمها في هذا القياس وهي مدّ ردائه ثم ذرعه، ويحكي لنا أنه خشي أن يكون بناؤها قد غير عما كان عليه زمن الرسول، فسأل المشرف عليها الذي فتح له باب البستان الذي يضمها. فتأكد من أنها على حالها ثم وصف الماء الذي فيها بأنه متغير اللون.

وهذا صنيع علمي دقيق محمود.

وكذلك فقد عرَّف المكان الوارد في الحديث 37 وهو حصن باب أليون فقال: (قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل) .

5 – ذكر مناسبة ورود الحديث

من التعليقات إيراده مناسبة الحديث وغالباً ما يفعل ذلك إذا كان فيه تعارض مع حديث آخر. مثال ذلك أنه أورد حديثاً يمنع الالتفات في الصلاة وهو برقم 909 ثم جاء بحديث آخر برقم 916 يرخص في ذلك، وفيه (فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يُصَلَّي وَهُوَ يَلتفِتُ إلى الشَّعبْ) .

قال أبو داود: (وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل) وقد أورد الحديث مفصلاً برقم 2501 وكأني به يريد أن يقول إن الأصل عدم الالتفات إلا أن يكون هناك داعٍ تحتمه المصلحة كما في هذا الحديث؛ إذ أن الرسول r أرسل فارساً إلى الشعب ليلاً يحرس، فلما وقف r لصلاة الصبح جعل يلتفت، لهذا الاعتبار.

ومن المفيد أن نشير إلى أن هناك كتباً ألفت في بيان مناسبات الحديث من أشهرها كتاب ((البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف)) للعلامة المحدث السيد إبراهيم بن محمد كمال الدين نقيب مصر ثم الشام الشهير بابن حمزة الحسيني المتوفى سنة 1120هـ.

6 – شرح الكلمات

من أكثر التعليقات وروداً شرحه الكلمات الواردة في الأحاديث وهو على أنواع: فمنها شرحه المفردة دون أن يذكر في الشرح أحداً من العلماء والشرح كما فعل في الحديث 132 حيث قال: (حَتّى بَلَغَ القَذَالَ وَهُو أوَّلُ القَفَا) وكذلك فعل في الحديث 142 قال: (فأتينَا بِقِنَاعٍ والقِنَاعُ الطّبَقُ فِيهِ تَمْر) ومن الملاحظ أنّ هذه الشروح وردت خلال النصّ، وأحياناً يكون الشرح عقبه، وهكذا فعل في الحديث 947 وهو: (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ r عَن الاخْتِصَار في الصَّلاة، قَالَ أبو داوُد يَعني يَضعُ يَدَهُ عَلى خَاصِرتِه) .

وكذلك فعل في الحديث 3715 وهو: (قَالَت سَوْدَة: بَل أكَلْتَ مَغَافِير. قَالَ: بل شَرِبْتُ عَسَلاً سَقَتْني حَفْصَةُ، فقُلْتُ: جَرَسْتُ نحُله العُرْفُطَ. (قال أبو داود: المغافير: مقلة، وهي صمغة. وجرست: رعت العرفط: نبت من نبت النحل) .

وقد ينقل هذا الشرح عن عالم من علماء غريب الحديث:

كما في الحديث 3685 وهو: نَهَى r عَنِ الحمْرِ والمَيْسِر والغُبَيراء وَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام". قال أبو داود: (قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء السكركة تعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة) .

وقد تكون الكلمة واضحة المعنى في ذاتها غير أن المراد منها يحتاج إلى إيضاح فيتولى شرح ذلك.

كما في الحديث 666 الذي ورد فيه قوله r: "وَلِينُواْ بأيْدي إخْوانِكُم" فقال في شرحها: (قال أبو داود: ومعنى ((وَلِينُواْ بأيْدي إخْوانِكُم)). إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف) .

وكما في حديث أنس برقم 413 الذي فيه (حتى إذا اصفرت الشمس) فقد أورد بعد ذلك شرحاً لهذه الجملة مسبوقاً بسند ينتهي إلى الأوزاعي صاحب الشرح فقال:

(حدثنا محمود بن خالد، ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو – يعني الأوزاعي –: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمي صفراء) .

وقد يكون شرحه للكلمة بياناً للحكم الفقهي. مثال ذلك شرحه لكلمة (عجماء) الواردة في الحديث 4593 من قوله r: "الْعَجْماءُ جرْحُها جُبَار". فقال:

(قال أبو داود: العجماء: المنفلتة التي لا يكون معها أحد وتكون بالنهار لا تكون بالليل) .

فهو في هذا الشرح إنما يبين المراد من كلمة العجماء في الحديث ممزوجاً بالحكم الفقهي ولا يشرح الكلمة من الناحية اللغوية، فبيّن أنّ جرحها جبار عندما تكون منفلتة ليس معها أحد، وهذا خاص بالنهار. أما في الليل فلابد من مسؤولية تترتب على صاحبها إن فرط .

7 – آراء فقهية

سبق أن رأينا أن آراء الرجل الفقهية نستطيع أن نجدها في عناوين الأبواب من كتابه ونود هنا أن نتحدث عن الآراء الفقهية الكثيرة التي نقف عليها خلال تعليقاته على الأحاديث في كتاب السنن. ويمكن أن تصنّف آراؤه أنواعاً عدة:

فمن هذه الآراء الفقهية آراء ينسبها لجماعة من الصحابة أو التابعين.

فهو يقول بعد الحديث 159:

(قال أبو داود: ومَسَح على الجوربين عليُّ بن أبي طالب وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك وأبو أمامة، وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس) وهو في هذا يؤيد القول بالمسح على الجوربين بنقله عن هؤلاء الصحابة الذين يرون هذا الرأي.

ويقول في باب سجود السهو تعليقاً على الحديث 1035 (قال أبو داود: وكذلك سجدهما ابن الزبير قام من ثنتين قبل التسليم، وهو قول الزهري) .

وفي باب الاحتباء والامام يخطب أورد حديثين:

أولهما: برقم 1110

عَن مُعَاذِ بنِ أنَس أنَّ رسولَ اللهِ r نَهى عنِ الحبْوَةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ والإمَامُ يَخْطُبْ، وفي سند هذا الحديث سهل بن معاذ وأبو مرحوم، وقد تكلم فيهما.

ثانيهما: برقم 111

عَن يَعْلى بن شَدَّاد قالَ: شَهدتُّ مَع مُعاوِيةَ بَيْتَ المقْدِسِ فَجَمّعَ بِنَا، فَنَظَرْتُ فَإذا جُلُّ مَنْ في المسْجِدِ أصحَابُ النَبيِّ r فَرَأيْتُهُمْ مُحْتَبينَ والإمامُ يخطُبُ قال أبو داود: كان ابن عمر يحتبي والامام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب وابراهيم النخعي، ومكحول، واسماعيل بن محمد بن سعد، ونعيم بن سلامة قال: لا بأس بها.

قال أبو داود: ولم يبلغني أنّ أحداً كرهها إلا عبادة بن نُسَيّ) .

وكأن إيراده ذلك عنهم بعد أن أورد حديثين متعارضين تأييد لأحدهما ورد للآخر، وقد رأينا أنّه ردّ حديث النهي عن الحبوة بأن في سنده رجلين تكلم فيهما.

وكذلك فعل بعد الحديث 152 قال:

(قال أبو داود: أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون من أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو) .

وقد يورد آراء بعض التابعين، والأمثلة كثيرة يطول ذكرها.

وقد ينقل آراء العلماء التي تتضمن آراء فقهية، فمن ذلك نقله أقوال العلماء في تحديد بعض المقادير.

كما فعل بعد أن أورد حديث اغتسال النبي r بالصاع ووضوئه بالمدّ رقم95 قال:

(قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب وهو صاع النبي r) .

ومن أمثلة نقله آراء العلماء الفقهية تعليقه على الحديث 884 قال:

(قال أبو داود: قال أحمد: يعجبني في الفريضة أن يدعو بما في القرآن) .

وقد وجدت أبا داود في نقله آراء العلماء الفقهية يغلب عليه الاختصار والايجاز، وقد وجدته مرة يطيل في نقل ذلك إطالة تلفت النظر، وذلك في باب (من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة) .

ومن هذه الآراء الفقهية آراء اجتهادية تثبت لنا مقدرته الفقهية ووزنه الراجح في ذلك هذا كثير ونكتفي بالاشارة إلى بعض الأمثلة.

علق على الحديث رقم 342 التعليق الآتي:

(قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل الجمعة وإن أجنب) .

وأورد حديثين في قراءة صلاة المغرب أحدهما يدل على الاطالة وهو برقم 812 والآخر يدل على التخفيف وهو برقم 813 ثم ذهب إلى أن حديث التخفيف في القراءة نسخ حديث الاطالة فقال: (قال أبو داود: هذا يدل على أن ذاك منسوخ وهذا أصح) .

وأورد عدداً من الأحاديث الصحيحة عن عثمان رضي الله عنه في مسح الرأس فقال:

(قال أبو داود: أحاديث عثمان رضي الله عنه الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا فيها: (ومسح رأسه) ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره) .

ففي هذا التعليق رأي أبي داود الفقهي في مسألة مسح الرأس في الوضوء وأنه مرة واحدة.

وفيه طريقة الاستنتاج وهي المقارنة بين المغسول والممسوح، فقد ذكروا العدد في غير المسح ولم يذكروه في المسح.

ومن هذه التعليقات تعليقات أصولية كما ترى في تعليقه على الحديث رقم 720 فقد أورد أبو داود أحاديث متعارضة في قطع الصلاة، وذكر عقب ذلك الخطة التي ينبغي أن تنتهجها إزاء ذلك فقال:

(قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن رسول الله r نظر إلى ما عمل به أصحابه بعده) وفي التعليقات روايات عن بعض التابعين يعلل فيها حكماً منقولاً عن النبي r.

فقد جاء بحديث عبدالله بن سرجس وهو برقم 29 أنَّ رَسُولَ اللهِ r نَهَى أن يُبالَ في الجُحْر. قال : قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟

قال: كان يقال: إنها مساكن الجن .

فنحن نرى أنّ أبا داود يورد كلام قتادة كتعليل للحكم، وقتادة يورده على صيغة لا تدل على الجزم: (كان يقال...).

8 – المصطلحات

في تعليقات أبي داود عدد من المصطلحات نذكر منها ما يلي:

(وذكر الحديث) (ساق قريباً من حديث فلان) (ساق الحديث نحوه) (باسناده ومعناه) (بمعناه).

وانظر الأحاديث 111 – 112 – 113 – 183 – 34 ويبدو أنّ مقتضى الاختصار مع الدقة والوضوح هو السبب في استعمال المؤلف لهذه المصطلحات، لأن هذه المصطلحات أنما يوردها أبو داود بعد أن يأتي بحديث ويريد أن يأتي بآخر.

ورأيته مرة استعمل كلمة (مقصور) بدل كلمة (موقوف) وكلمة (أسنده) بدل (رفعه).

وذلك في الحديث 1056 وهو: (حدثنا مُحَمْد بن يَحيى بن فارس، ثنا قَبِيصَه، ثنا سُفْيانُ، عن مُحَمّد بن سَعيد، عن أبي سَلمَة بن نبيه عن عَبدالله بن هارُون عن عَبدالله بن عَمْرو، عَنِ النَبيِّ r قَال: "الجُمعةُ على كُلِّ مَنْ سَمعَ النّداء". ثم قال: (قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على عبدالله بن عمرو. ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة) .

تعليقات غامضة

وهناك بعض التعليقات الغامضة التي لا تفهم إلا بعد طول نظر وتأمل، ومن ذلك التعليق الآتي مع سند الحديث رقم 975.

(حَدَّثَنَا مَحْمُود بنُ دَاود بن سُفْيَان، ثَنَا يحيى بن حَسّان ثَنَا سُليْمان بن موسى أبو داود، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سُلَيمانَ بنِ سَمُرة عَنْ أبيهِ سُليمَانَ بن سَمُرة. عَنْ سَمُرةَ بن جُنْدُبْ أمّا بَعْدُ أمَرنَا رسول اللهِ r إذا كانَ في وَسَطِ الصَّلاةِ أو حِين انقِضَائِها فابدؤوا قَبْل التّسْليمِ فقُولُوا: التّحِيّاتُ الطّيِّبَاتُ والصَّلَواتُ والمُلْكُ للهِ ثم سَلِّموا عَلى اليَمين ثمَّ سَلِّموا عَلى قَارِئِكُمْ وعَلى أنْفُسِكُمْ.

قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق.

قال أبو داود: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة) .

وغموض التعليق جاء من أنه لم يرد للحسن ولا للصحيفة ذكر.

وشرح هذا التعليق كما يأتي: قال في ((عون المعبود)):

(وفي سنن أبي داود في باب اتخاذ المساجد في الدور: عن سمرة بن جندب أنه كتب بنيه: (أما بعد فإن رسول الله r...) الحديث أنه كان عند أبناء سمرة صحيفة من سمرة، وأنهم جمعوا ما كتب إليهم سمرة فصارت هذه المكاتيب بمنزلة الصحيفة والكتاب.

وأما قول المؤلف: (دلت هذه الصحيفة...) فوجه دلالتها وتعلقها بالباب أن هذا اللفظ الذي رواه سليمان بن سمرة عن أبيه بقوله (أما بعد فإن رسول الله r..) من ألفاظ الصحيفة التي أملاها سمرة ورواها عنه ولده سليمان، فأراد أبو داود أن سليمان بن سمرة كما صح سماعه من أبيه بهذه الصحيفة وغيرها كذلك الحسن البصري صح سماعُه بهذه الصحيفة وغيرها من سمرة لأن كلاً منهما أي سليمان ابن سمرة وكذا الحسن بن يسار من الطبقة الثالثة، فدل ذلك أن الحسن سمع من سمرة كما أن سليمان بن سمرة سمع من أبيه سمرة لأنهما من الطبقة الثالثة فلما سمع سليمان من أبيه سمرة فلا مانع أن يكون الحسن سمع منه وأن أبا داود من القائلين بأن الحسن البصري ثبت سماعه من سمرة..) .

مخطوطات كتاب سنن أبي داود

ذكر بروكلمان وفؤاد سزكين مواضع وجود مخطوطات كاملة ومخطوطات ناقصة من هذا الكتاب، وقد كدت أنقل ذلك بأرقامه وعدد صفحات الموجود منه، ولكني لم أجد في ذلك كبير فائدة فرأيت أن أشير إلى أماكن وجودها، وبإمكان الراغب في الاطلاع عليها أن يرجع إلى هذين الكتابين:

برلين – ميونخ – باريس – بني جامع – أيا صوفيا – نور عثمانية – كوبريلي – مراد ملا – سليم آغا – شهيد علي – حكيم – الفاتم – جار الله – حسن حسني – الحميدية – خالد أفندي – مهرشاه – لاله لي – فيض الله رئيس الكتاب – مكتبة جامعة استامبول – عاطف – أنقرة صائب الرباط – تشستربيتي – منجانا – تيمور – طلعت – بلدية الاسكندرية – الأوقاف ببغداد – عليكرة – سبحان – بريل – بودليانا – الجزائر – دمشق – حلب – داماد زاده – سليمانية – يوسف آغا – تلممسان – مكتبة القرويين بفاس – مكتبة جامع الزيتونة – بنيكيبور – آصفية – رامبور – المتحف البريطاني.

وكنت أتمنى لو أنه كان بإمكاني أن أتعرف إلى كل من هذه المخطوطات وبأية رواية هي؟ وهناك مخطوطات أخرى في غير هذه الأمكنة ولكننا لم نقف عليها.

ولعلّ من أهمها تلك المخطوطة النفيسة التي وقف عليها الصديق العلامة الزميل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي وقد أخبرني أنها موجودة في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة، وقد ابتدأت بأحاديث من الباب الذي يسبق باب (من ترك القراءة في صلاته) وانتهت بباب (صوم الدهر تطوعاً). وهي برواية أبي بكر محمد بن بكر.. ابن داسة وعليها سماعات وقراءات، وعورضت النسخة بأصل الشيخ أبي الحسن ماسرجي رحمه الله وذكر الاختلاف بهامش النسخة.

ولعلّ من أهم هذه المخطوطات مخطوطة نفيسة لا أدري مكان وجودها على وجه اليقين وإن كنت أظن أنها موجود في مكة وقد وقفت على أمرها من نظري في نسخة سنن أبي داود المطبوعة التي كان يملكها الشيخ عبدالظاهر أبو السمح. إمام الحرم المكي رحمه الله، فقد قابل بعض طلبة العلم نسخة السنن المطبوعة بإشراف محمد محيي الدين عبدالحميد على هذه المخطوطة وقد نظرت فيها وافدت منها كثيراً.
الله يكتب اجرك ويبارك لك في كل حرف
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 16-09-12, 03:05 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود البغدادي مشاهدة المشاركة
طبعاته

طبع هذا الكتاب مرات عديدة، ولكنه لم يطبع حتى الآن طبعة محققة. ونورد فيما يأتي الطبعات التي ذكرها سركيس وبروكلمان وسزكين ونزيد عليها ما وقفنا عليه. وكنت أود أن أتكلم على كل طبعة بكلمة وصفية نقديه، غير أن ذلك لم يتيسر لي الآن لأنني لم أستطع رؤية جميع هذه الطبعات وقد تتهيأ لي فرصة في المستقبل لذلك:

1- طبع بجزأين في المطبعة الكاستيلية بمصر سنة 1280هـ بعناية الشيخ نصر الهوريني رحمه الله .

2- وذكر بركلمان أنه طبع سنة 1271 – 1272م في دهلي بالهند.

3- وطبع بجزأين مع شروح على الهامش في الهند بدهلي سنة 1283.

4- وطبع جزء واحد منه مع شروح على الهامش في دهلي سنة 1890م وعدد صفحاته 168.

5- وطبع بجزء واحد في لكناو سنة 1840م.

6- وطبع في لكناو سنة 1877 – 1888م.

7- وطبع في لكناو سنة 1305هـ.

8- وطبع بجزء واحد في حيدر آباد سنة 1321هـ وصفحاته 393.

9- وطبع بجزأين مع شرح لأبي الحسنات محمد الفنجاني وذلك في لكناو سنة 1318هـ.

10- وذكر بروكلمان أنه طبع أيضاً بهامش شرح الموطأ للزرقاني سنة 1310هـ – 1320هـ في القاهرة.

11- وطبع بأربعة أجزاء مع شرح واسع جيد وهو ((عون المعبود)) في الهند سنة 1323هـ، وسنتحدث عن هذا الشرح فيما بعد، والذي يهمنا هنا هو متن أبي داود، وأستطيع أن أقرر أن هذه الطبعة هي أصح ما رأيت من الطبعات وأفضلها وأكثرها تحقيقاً.

فقد ذكر الشارح الأستاذ العظيم الأبادي أنه ظفر بإحدى عشرة نسخة من سنن أبي داود وكلها من رواية اللؤلؤي إلا نسخة واحدة فهي من رواية ابن داسة.

فقابل هذه النسخ بعضها على بعض ورجع إلى عشرات الكتب الأمهات من كتب الأئمة المتقدمين، واستطاع أن يميز رواية اللؤلؤي وأن يورد كل الروايات التي وصلت إليه وقال:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي أيضاً لكنه قليل جداً" .

ويبدو أنه قد بذل غاية الجهد، ولولا أنّ هذه الطبعة حجرية على الطريقة التي لا يزال إخواننا الهنود يجرون عليها الطباعة وأنها خالية من الترقيم لكان ينبغي أن يعتمد عليها جل الاعتماد.

12- وطبع في مصر سنة 1371هـ – 1952م طبعة سقيمة تجارية في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وكتب على هذه الطبعة: (تعليقات لفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد سعد علي من علماء الأزهر الشريف) كذا كتب على الورقة الغلاف.

والجدير بالذكر أن التعليقات نادرة وهي قليلة القيمة العلمية، والأستاذ المذكور وقّع بلقب (رئيس التصحيح بمطبع مصطفى البابي الحلبي) وهذه الطبعة جمعت مساوئ عدة من رداءة الورق وسوء الحرف وازدحام الصفحات وخلوها من الترقيم والتنقيط وقد ظهرت في جزأين صفحات الأول 595 وصفحات الثاني 680.

13- طبعة محمد محيي الدين عبدالحميد:

طبع هذا الكتاب على ورق صقيل وبحرف جميل بتحقيق الاستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد رحمه الله.

وكانت طبعته الأولى سنة 1354هـ – 1935م. وذكر في المقدمة أنه رجع إلى مخطوطات ومطبوعات ولكنه لم يذكر بالتفصيل ماهي هذه المخطوطات التي رجع إليها وأين مكان وجودها، ويبدو أنّه بالغ في ذلك مبالغة ظاهرة، ويكاد يظن المرء أنّ الرجل لم يرجع إلا إلى مطبوعة اعتمدها وأدخل فيها شيئاً من التعديلات التي أخذها عن مطبوعة أخرى. لأن الجهد الذي يبذله الانسان لابُدَّ أن يظهر له أثر ولا سيما بالنسبة لمن عانى أمور التحقيق وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة أجزاء مرقمة الأحاديث واستعمل المحقق فيها علامات الترقيم.

ولكننا لا نجد في حواشيها إلا تعليقات يسيرة جداً وليس في هذه التعليقات تخريج للأحاديث النبوية لأنه فيما يبدو لم يكلف نفسه في الطبعة الأولى عناء الرجوع إلى كتاب المنذري الذي أتيح له فيما بعد أن ينقل منه ثم صدرت الطبعة الثانية سنة 1369هـ – 1950م.

وفي هذه الطبعة أضاف إلى متن الكتاب إضافات كان يضعها بين معقوفتين ولم يذكر عنها شيئاً في المقدمة كما أضاف إلى تعليقاته تخريجاً للأحاديث وهو مأخوذ بحذافيره من كتاب المنذري ولم يذكر عنه شيئاً في المقدمة، والحق أنني وقفت على كثير من سرقات الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد وادعائه كلام غيره لنفسه وظلم العلماء الأقدمين وكتبت ما واجهته من ذلك في دراسة كنتُ أعددتها لكتاب شرح قطر الندى لابن هشام من نحو عشرين سنة سقت الأدلة الكثيرة، وما كنت أحب أن أذكر ذلك بعد أن توفي إلى رحمة الله غفر الله لنا وله، ولكن الشيء الذي راعني هو أن ينقل تعليقات الحافظ المنذري بكاملها وبحروفها دون أن يشير إلى ذلك في المقدمة.

ولو أنه فعل ذلك لأعطى لهذه التخريجات من القوة والرجحان والتوثيق شيئاً كثيراً ذلك لأن المنذري حافظ عظيم ومن المشتغلين بالسنة فعندما يكون تخريج الحديث منسوباً إليه فإن ذلك ادعى لأن يقبله القارئ ويتبناه عن قناعة لا تتوافر إلا للقلة من العلماء المحققين أمثال المنذري رحمه الله.

ويفيد في هذا المجال أن نقرر أن المنذري رحمه الله ذكر في مقدمة ((مختصره)) نهجاً علمياً دقيقاً فقال:

"واذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه" .

ولم يذكر الأستاذ المحقق مثل ذلك، فأوهم بإغفاله ذلك أن الحديث مخرج عند من ذكرهم المنذري ونقلهم عنه المحقق مخرّج بلفظه وربما لا يكون كذلك أما الشروح التي ذكرها الأستاذ المحقق رحمه الله فعلى الرغم من أنها في غاية الانجاز فإنها كذلك مأخوذة غالباً من شرح الخطابي بالحرف الواحد ولم ينسبها إليه، فأوهم أنها من عنده.

أما تعليقاته بشأن الرجال فليس هناك نهج يحكمه، فبينما هو يذكر لك في بعض الحالات الرأي في بعض الرجال إذا هو يسكت في الغالب ولا يورد شيئاً، ويبدو أنه لم يكن يكلف نفسه عناء التنقيب في بطون الكتب، بل كان إذا صادفه شيء في أقرب شرح له ذكره.

ومن ملاحظاتنا أنه لم يلتزم نهجاً واضحاً في الترقيم.

فقد يعطي الخبر المنقول عن عالم من العلماء رقماً كما في الحديث 769 وقد نقل فيه رأياً لمالك وهو: (لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه وآخره في الفريضة وغيرها) والنهج السليم في نظري أن لا يعطي لآراء العلماء أرقاماً يدخلها في أرقام الأحاديث، وأن يقتصر في الترقيم على الأحاديث. وكذلك فإن ترقيم الأحاديث ينبغي أن يراعى فيه واحد من أمور ثلاثة: فإن أن يكون الترقيم تابعاً لمتن الحديث، وإما أن يكون تابعاً للصحابي الذي أخرجه وإما أن يكون تابعاً لشيخ المؤلف الذي تلقى عنه الحديث، والغالب أن المحقق استخدم الأخير ولكنه لم يلتزم ذلك بدقة.

ففي صفحة 60 أحاديث عدة عن عليّ رضي الله عنه أعطاها أرقاماً لاختلاف شيخ المؤلف ولكنه في صفحة 248 لم يعط رواية اختلف فيها والصحابي عن الرواية المتقدمة ولم يعط الثانية رقماً، ومهما يكن من أمر هذه الطبعة فقد أدت خدمة وسدّت ثغرة فجزى الله ناشرها ومحققها خيراً.

الكتاب التي ألفت حول السنن

وقفت على أسماء عدد كبير من الكتب التي ألفت حول السنن وقد اتيح لي أن أطلع على بعض ما وصل إلينا منها، أما الباقي فبين مخطوط ومفقود.

ونستطيع أن نصنف الكتب التي ألفت حول السنن في زمر ثلاث:

1- شروح.

2- مختصرات.

3- دراسات.

الشروح: شَرحَ السنن كثيرون نذكر أهمهم فيما يأتي:

1- شرح الخطابي: من أنفع الشروح وأقدمها وعنوانه (معالم السنن) لأبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة 388هـ وهو منسوب إلى زيد بن الخطاب.

وهو يشرح المفردات الغربية والكلمات التي تحتاج إلى شرح شرحاً لغوياً واسعاً يدل على معرفة متبحرة باللغة وقد يستشهد لشرحه بأبيات أو جمل مأثورة عن العرب. ويشرح المراد من الجملة، ثم يشرح الحديث ويوفق بينه وبين ما روي على وجه قد يُظنُّ أن فيه خلافاً.

ثم يتحدث عن فقه الحديث ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذه الآراء.

ثم يذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بعنوان الباب.

طبع هذا الكتاب في حلب بأربعة أجزاء بتحقيق العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله سنة 1920 – 1924، 1932 – 1950م.

كتب على الأجزاء الثلاثة الأولى أنّها بتحقيقهما. وأما الجزء الرابع فما بعده حتى الثامن فقد كتب عليها أنها بتحقيق محمد حامد الفقي فقط، وقد أثبت في الأعلى من هذه الطبعة تهذيب المنذري ثم تحته معالم السنن وفي الأسفل تهذيب ابن القيم.

وقد لخص المعالم الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن ابراهيم المقدسي المتوفى سنة 765هـ وسمّاه (عجالة العالم من كتاب المعالم) .

2- العدد المودود في حواشي سنن أبي داود للحافظ المنذري المتوفى سنة 656هـ وقد ذكر سزكين مكان وجود مخطوطته.

3- وشرح ((السنن)) أيضاً شهاب الدين أحمد بن حسين بن ارسلان الرملي المتوفى سنة 744هـ ومخطوطاته موجودة في تركيا.

4- وشرح ((السنن)) قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين اليمني الشافعي المتوفى 752هـ في أربع مجلدات كبار في آخر عمره ومات عنه وهو مسوّدة .

5- وشرح هذا الكتاب أيضاً مغلطاي بن فليج المتوفى سنة 762هـ ولم يكمله .

6- وشرح هذا الكتاب أيضاً شهاب الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن ابراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزي. المتوفى بالقدس سنة 765هـ ويبدو أنه هو الذي لخص المعالم المذكور آنفاً. وسمّى شرحه ((انتحاء السنن واقتفاء السنن)) ومخطوطته محفوظة في مكتبة لاله لي في أربعة مجلدات تحت رقم 498 – 501.

7- وشرحه أيضاً عمر بن رسلان بن نصر البلقيني المتوفى سنة 805.

8- وشرح السنن أيضاً أبو زرعة العراقي ولي الدين أحمد بن عبدالرحيم المتوفى سنة 826هـ وأطال في شرحه جداً .

9- وشرح قطعة منه محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة 855هـ.

10- وشرحه السيوطي المتوفى سنة 911هـ وسمّاه ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود)) وتوجد منه مخطوطات عدة ذكرها سزكين .

11- وشرحه أبو الحسن محمد بن عبدالهادي السندي المتوفى سنة 1138هـ بعنوان ((فتح الودود على سنن أبي داود.

12- ((عون المعبود شرح سنن أبي داود)).

تأليف العلامة الشيخ شمس الحق العظيم أبادي، ويقع في أربع مجلدات كبيرة وقد طبع في الهند في دهلي سنة 1322هـ وقد أثبت في أعلى الصفحات سنن أبي داود بعد أن بذل جهداً مشكوراً في تحقيقه؛ فقد استطاع أن يميز بين رواية اللؤلؤي وغيره من الروايات ورجع في هذه الطبعة إلى إحدى عشرة مخطوطة.

أما شرحه فهو من أفضل الشروح وأكثرها استيعاباً لما قاله العلماء من قبله.

وهو لا يترك في الحديث شيئاً من ترجمة الرجال أو شرح للمفردات أو ذكر لآراء العلماء في المسألة لا يدع من ذلك شيئاً.

وقال في التنبيه الأول: أكثرت النقل من كلام الحافظ المنذري حتى قلت تحت كل حديث: (قال المنذري كذا وكذا) لأن الامام المنذري قد اختصر كتاب ((السنن)) من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه ثم بين ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً ومعلولاً وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان، وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده، وإني نقلت سكوته أيضاً ملتزماً به، فقلت: والحديث سكت عنه المنذري، إلا في بعض المواضع في أول الكتاب، فقد فاتني هذا الأمر، ومع ذلك فإني نقلت قدراً كثيراً من كلام أئمة الحديث في تنقيد أحاديث الكتاب من الصحة والضعف وبيان عللها وجرح الرواة وعدالتهم ما يشفي الصدور وتلذ الأعين فصار هذا الشرح بحمد الله تعالى مع اختصاره وايجازه مغنياً عما سواه، فكل حديث الكتاب فرداً فرداً من أول (باب التخلي عند قضاء الحاجة) إلى آخر باب (الرجل يسب الدهر) بينت حاله من القوة والضعف إلا ما شاء الله تعالى في أحاديث يسيرة مع أنه ليس في سنن أبي داود حديث اجتمع الناس على تركه) .

ويقول في آخر التنبيه الخامس:

"فصار هذا المتن والشرح جامعاً لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملي ولكنه قليل" .

طبع هذا الشرح كما أشرنا في الهند في دهلي سنة 1322هـ طبعة حجرية منقحة وفي كل جزء تصحيحات للأغلاط المطبعية بحيث أضحت هذه الطبعة إن صححت من أجود الطبعات.

وأعيد تصوير هذا الكتاب بالأوفست في بيروت.

ثم نشره محمد عبدالرحمن السلفي صاحب المكتبة السلفية في المدينة المنورة وطبعه في مصر وذكر أنه ضبط وتحقيق عبدالرحمن محمد عثمان، ونشر في الأعلى ((سنن أبي داود)) ويليه شرح ((عون المعبود))، ثم نشر في هامش الصفحات تهذيب ابن القيم وصدر الكتاب في أربعة عشر جزءاً، بدأ بطباعته سنة 1388هـ 1968م وانتهى 1389هـ (1969)م في مطابع المجد بالقاهرة.

ويبدو أن هذه الطبعة المتأخرة لا تمتاز إلا بكونها على ورق أبيض وبحرف مألوف.

13- وكذلك فقد شرح كتاب ((سنن أبي داود)) عالم معاصر هو الشيخ محمود محمد خطاب السبكي وسمّى كتابه:

((المنهل العذب المورود شرح سنن الامام أبي داود)) وذكر في المقدمة أنه شرع في سنة 1343هـ بقراءة سنن أبي داود مع نفر من الطلبة، فكانت نسخ الكتاب نادرة وقد صعب على الطلبة اقتناؤها، فأراد طبعه ليسهل الحصول عليه وكتب عليه شرحاً، وذكر أنه عني ببيان تراجم رجال الحديث وشرح ألفاظه وبيان معناه وما يستفاد منه من الأحكام، وأنه بيّن أوجه الخلاف وأدلته وذكر من خرّج الحديث سواء كان من الأئمة الستة أم غيرهم وبيّن حال الحديث من صحة أو حسن أو غيرهما وأورد مقدمة تشتمل على نبذة من مصطلح الحديث وترجمة المؤلف كما أورد في المقدمة طرفاً من رسالته إلى أهل مكة.

أصدر الشيخ محمود هذا الكتاب في عشرة أجزاء كبيرة وطبعت في مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ وقد توفى سنة 1352هـ وكان وصل إلى باب الهدي من مناسك الحج. ولم يكمل الكتاب.

وقد قام مصطفى علي البيومي بوضع مفتاح لهذه الأجزاء العشرة واحتوى هذا المفتاح على الفهارس الآتية:

1- فهرس الكتب والأبواب.

2- فهرس أوائل الأحاديث القولية.

3- فهرس أوائل الأحاديث الفعلية.

4- فهرس الألفاظ.

5- فهرس الموضوعات والأعلام والأحكام المستنبطة من الأحاديث.

6- فهرس جوامع الأعداد.

طبع هذا المفتاح عام 1356هـ (1937م).

إذن فكتاب ((المنهل العذب المورود)) شرح لقطعة من السنن ولم يتح للمؤلف أن يكمله فقام ابنه الشيخ أمين محمود خطاب السبكي بمحاولة إكمال الكتاب، فأصدر منه أربعة أجزاء وسمّاه ((فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود)).

طبع الجزء الأول عام 1375هـ (1955م) في مطبعة الاعتصام بالخيمية.

وطبع الجزء الثاني عام 1375هـ (1956م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الثالث عام 1379هـ (1959م) في مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

وطبع الجزء الرابع عام 1383هـ (1963م) في مطبعة السعادة بمصر.

وانتهى بباب في تعظيم الزنا. أي ما يعادل قريباً من آخر الجزء الثاني (صفحة 394) من طبعة محيي الدين ورقم الحديث الأخير الذي شرحه في طبعة محيي الدين هو 2312.

14- وهناك شروح أخرى ذكرتها الكتب التي تعني باحصاء التراث، وأتوقع أن تكون هناك كتب أخرى لم نعرف من خبرها شيئاً.

المختصرات

1 – مختصر المنذري:

وهو أهم المختصرات التي اختصرت سنن أبي داود، والمنذري هو زكي الدين عبدالعظيم عبدالقوي المنذري المتوفى سنة 656هـ وعرف مختصره باسم ((مختصر سنن أبي داود)) للمنذري غير أن حاجي خليفة زَعَم أنّ المنذري قد سمّاه ((المجتبى)) وذهب إلى أن السيوطي ألف عليه كتاباً سمّاه ((زهر الربى على المجتبى)) وتابع حاجي خليفة في هذا الزعم الأستاذ الخولي في كتابه ((مفتاح السنة)) والأستاذ سزكين في ((تاريخ التراث)) وبروكلمان في ((تاريخ الأدب)) والذي أراه أنّ حاجي خليفة وهم في هذا الزعم ويؤيد هذا الاتجاه أن كتاب السيوطي ((زهر الربى)) هو كتاب ألفه على سنن النسائي وليس على مختصر المنذري.

وكذلك فإن مما يؤيد هذا الاتجاه أن المنذري لم يصرح بهذه التسمية في المقدمة ولا لوّح بها، وكذلك لم يشر ابن القيم إلى هذه التسمية مع العلك أنه صرح بأن كتابه مبني على كتاب المنذري الاستاذان أحمد شاكر وحامد الفقي إلى هذه التسمية.

ومن نظرنا في الكتاب نجد أنه اختصر كتاب السنن على ما رتبه مصنفه من الكتب والأبواب أي لم يرتب الأحاديث ترتيباً جديداً كما فعل في كتاب مختصر مسلم الذي قال في مقدمته (ورتبته ترتيباً يسرع بالطالب إلى وجود مطالبه في مظنته) .

وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه.

ويلاحظ أنه حذف الأسانيد وكثيراً من تعليقات أبي داود وقد يثبت بعضها كما فعل في تعليقه على بئر بضاعة .

والحق أن كتاب المنذري له وجهان وجه يلحقه بالمختصرات ووجه يلحقه بالشروح فهو مختصر وشرح بآن.

قال ابن القيم في وصفه:

"وكان الإمام العلامة الحافظ زكي الدين المنذري قد أحسن في اختصاره وتهذيبه وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه فأحسن حتى لم يكد يدع للاحسان موضعاً وسبق حتى جاء من خلفه له تبعاً" .

وقال صاحب ((عون المعبود)) :

"اختصر الامام المنذري كتاب السنن من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه على تخريجه. ثم بيّن ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفاً أو معلولاً، وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان. وهذا تصحيح من المنذري رحمه الله لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسناً عنده".

وقد طبع هذا الكتاب – على ما يذكر بروكلمان في حيدر آباد عام 1342هـ وطبع في دهلي عام 1891م.

وطبع في القاهرة كما ذكرنا قبل في مطبعة أنصار السنة المحمدية منشوراً مع كتابي الخطابي وابن القيم وصدر في ثمانية أجزاء كتب على الثلاثة الأولى أنها بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي وكتب على الخمسة الباقية أنها بتحقيق حامد الفقي، وهي طبعة جيدة مشكولة مرقمة الأحاديث .

2 – مختصر محمد بن الحسن بن علي البلخي:

وقد اختصره أيضاً محمد بن الحسن بن علي البلخي من رجال القرن السابع .

3 – تهذيب ابن القيم:

وابن القيم هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي المتوفى سنة 751هـ.

وتهذيبه أشبه بالحاشية منه بالتهذيب، فهو قد سكت عن أحاديث عديدة.

ثم تراه يفصل القول في شرح حديث وبيان فقهه وقد يفصل تفصيلاً لا تراه في المطولات. وقد ذكر في مقدمته خطته فقال: (فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها والكلام على متون مشكلة لم يفتحُ مْغَلقَها وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها وبسطت الكلام على مواضع قليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه) وقد طبع في دهلي سنة 1891م، كما طبع في الطبعة التي أشرت إليها قبل قليل وهي طبعة أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي.
الله يجزاك الجنه ويبارك المولي في علمك
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 16-09-12, 03:07 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود البغدادي مشاهدة المشاركة
دراسات عنه :

لن أستطيع الاستقصاء في مجال الدراسات وسأقتصر على ذكر أسماء بعض هذه الدراسات:

1- جمع زكريا الساجي المتوفى سنة 307هـ للسنن ما يوافق معانيها من آيات القرآن الكريم .

2- ألف أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الجياني المتوفى سنة 498هـ كتاباً بعنوان ((تسمية شيوخ أبي داود)) .

3- وشرح سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة 804هـ زوائد السنن على الصحيحين وتقع في مجلدين .

خاتمة

وبعد فهذا جهدٌ متواضع بذلته في دراسة هذا الكتاب العظيم من كتب رسول الله r، فإن أحسنت فبفضل الله وتوفيقه وكرمه وإن أخطأت فهذا شأن البشر (رَبّنا لاَ تُؤَاخِذنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأنَا) وحسبي أنني كنت جاداً في هذه الدراسة التي كانت على زحمة المشاغل وضيق الوقت، ولو لم يكن فيها إلا أنها أطلعت القراء الكرام على صفحة مشرقة وضاءة من تاريخ رجل من رجالاتنا، وذكرتهم بقيمة كتاب ((السنن))، لو لم يكن فيها إلاّ هذا فقط لكان فيها خير إن شاء الله. جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه، ووفقنا للعمل بما نعلم، وأعاذنا من الفتن التي كقطع الليل المظلم تصدُّ الناس عن سبيل الله ولا سيما في زماننا هذا الذي تكالبت فيه قوى الشر والبغي على بلاد المسلمين وتداعت أمم الكفر إليهم تداعي الأكلة إلى قصعتها، وجعلنا ممّن يحيون على شريعة الاسلام ويموتون في سبيل الذود عنها لا تنحرف بهم السبل ولا تغويهم المخاوف ولا المطامع، وممّن يكونون واعين متيقظين لما يحاك للإسلام وأهله وبلاده من كيد ماكر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(رَبّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعدَ إذْ هَديتَنَا وَهَبْ لَنا من لّدُنْكَ رَحْمَةً إنّكَ أنْتَ الوهّاب)(ربّنَا آتِنَا من لدنْكَ رَحْمَةً وَهَيئ لَنَا منْ أمْرِنَا رَشَدَا).

وصلى الله علي سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.

محمد بن لطفي بن عبداللطيف بن ياسين الصباغ

مراجع البحث

1- الاصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن علي.. ابن حجر مطبعة مصطفى محمد بمصر سنة 1358هـ – 1939م.

2- الاعلام لخير الدين الزركلي مطبعة كوستا تسبو ماس بمصر سنة 1373هـ – 1378م.

3- أمراء البيان لمحمد كرد علي. مطابع دار الكتب بيروت ط3 سنة 1388هـ – 1969م.

4- ايضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون طبعة الأوفست طهران سنة 1387هـ.

5- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث مطبعة محمد علي صبيح بمصر ط3 سنة 1377هـ – 1958م.

6- الباعث على الخلاص من حوادث القصاص لعبدالرحيم العراقي تحقيق محمد الصباغ نشر في العدد الرابع من مجلة اضواء الشريعة بالرياض سنة 1393هـ.

7- بحوث في تاريخ السنة المشرفة لأكرم ضياء العمري مطبعة الارشاد ببغداد سنة 1392هـ – 1972م.

8- البداية والنهاية لاسماعيل بن عمر بن كثير مطبعة السعادة بمصر سنة 1351هـ – 1358م.

9- تاج العروس في شرح القاموس لمحمد مرتضى الزبيدي المطبعة الخيرية بمصر سنة 1306هـ.

10- تاريخ الادب العربي لبروكلمان ترجمة د. عبدالحليم نجار دار المعارف بمصر سنة 1959م.

11- تاريخ آداب اللغة لجرجي زيدان دار الهلال بمصر سنة 1957م.

12- تاريع بغداد لأحمد بن علي الخطيب البغدادي مطبعة السعادة بمصر سنة 1931م.

13- تاريخ الخلفاء لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي مطبعة الفجالة الجديدة سنة 1389هـ – 1969م.

14- تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ترجمة فهمي أبو الفضل المطبعة الثقافية بمصر سنة 1971م.

15- تاريخ الطبري لمحمد بن جرير تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم دار المعارف بمصر.

16- تحذير الخواص من أكاذيب القصاص لعبدالرحمن أبي بكر السيوطي تحقيق محمد الصباغ المكتب الاسلامي بدمشق سنة 1392هـ سنة 1972م.

17- تحفة الأحوذي لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري طبع الهند سنة 1343هـ.

18- تحفة الاشراف ليوسف بن عبدالرحمن المزي عبدالصمد شرف الدين طبع بمباي الهند سنة 1384هـ – 1965م.

19- تدريب الراوي لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي نشر المكتبة العلمية بالمدينة سنة 1379هـ – 1959م.

20- تذكرة الحفاظ لمحمد بن أحمد الذهبي طبع حيدر آباد الهند 1376هـ – 1959م.

21- ترتيب المدارك للقاضي عياض.

22- التقريب مطبوع أعلى تدريب الراوي نشر المكتبة العلمية بالمدينة سنة 1376هـ – 1959م.

23- التقييد والايضاح لما اطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح للحفاظ العراقي تحقيق راغب الطباخ المطبعة بحلب سنة 1350هـ – 1931م.

24- تهذيب ابن عساكر لعبدالقادر بدران طبع دمشق.

25- تهذيب الأسماء واللغات ليحي بن شرق النووي – المطبعة المنيرية بمصر.

26- تهذيب التهذيب لأحمد بن علي بن حجر طبع حيدر أباد الهند سنة 1325هـ.

27- توجيه لطذاهر بن صالح الجزائري طبع مصر وأعيد تصويره بالأوفست في بيروت.

28- جامع الأصول لمبارك بن محمد بن الأثير مطبعة السنة المحمدية في مصر سنة 1368هـ – 1949هـ.

29- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم طبع حيدر آباد الهند سنة 1371هـ.

حجة الله البالغة للدهلوي.

30- الحديث النبوي لمحمد بن لطفي الصباغ المكتب الاسلامي ببيروت سنة 1392هـ – 1972م.

31- الخلاصة لأحمد بن عبدالله الخزرجي المطبعة الخيرية بمصر سنة 1322هـ.

32- الدرر الكامنة لأحمد بن علي بن حجر مطبعة المدني بمصر سنة 1385هـ – 1966م.

33- رسالة أبي داود تحقيق محمد الصباغ طبع دار العربية ببيروت سنة 1394هـ – 1974م.

34- الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني دار الفكر بدمشق سنة 1383هـ.

35- سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي دار احياء الكتب العربية 1372هـ – 1952م.

36- سنن أبي داود لسليمان بن الأشعث تحقيق محيي الدين عبدالحميد مطبعة السعادة بمصر سنة 1369هـ – 1950م.

37- سنن الترمذي لمحمد بن عيسى الترمذي المطبوع في أعلى تحفة الاحوذي طبع الهند سنة 1343هـ.

38- سنن الدارمي لعبدالله بن عبدالرحمن تحقيق محمد أحمد دهمان مطبعة الاعتدال بدمشق سنة 1349هـ.

39- سنن النسائي لأحمد بن شعيب المطبعة المصرية بالازهر بمصر.

40- سير أعلام النبلاء.

41- شذرات الذهب لعبدالحي بن أحمد بن العماد مكتبة القدسي بمصر سنة 1350هـ.

42- شروط الأئمة الخمسة لمحمد بن موسى الحازمي مكتبة القدسي بمصر سنة 1357هـ.

43- شروط الأئمة الستة لمحمد بن طاهر المقدسي بمصر سنة 1357هـ.

44- صحيح ابن خزيمة لمحمد بن اسحاق تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي مطابع دار القلم سنة 1391هـ – 1971م.

45- صحيح البخاري لمحمد بن اسماعيل مطبعة الفجالة الجديدة سنة 1376هـ.

46- صحيح مسم لمسلم بن الحجاج طبعة محمد علي صبيح.

47- الضوء اللامع لمحمد بن عبدالرحمن السخاوي مطبعة القدسي مصر سنة 1352هـ.

48- طبقات الحنابلة لمحمد بن أبي يعلى محمد حامد الفقي مطبعة السنة المحمدية.

49- طبقات الشافعية للسبكي تحقيق الحلو والطنامي مطبعة عيسى البابي بمصر سنة 1383هـ.

50- علوم الحديث لعثمان بن عبدالرحمن بن الصلاح تحقيق العتر مطبعة الاصيل حلب سنة 1386هـ – 1966م.

51- عون المعبود للعظيم أبادي طبع دهلي في الهند سنة 1343هـ.

52- فتح المغيث لمحمد بن عبدالرحمن السخاوي مطبعة العاصمة بمصر سنة 1388هـ.

فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود لأمين محمود خطاب السبكي مطبعة الاعتصام بالقاهرة سنة 1375هـ – 1955م.

53- فهرست ابن خير لابي بكر محمد بن خير لمكتبات المثنى والخانجي والمكتب التجاري سنة 1963م.

فهرس مخطوطات الظاهرية لمحمد ناصر الدين الالباني طبع دمشق.

54- القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروز أبادي مطبعة دار المأمون بمصر سنة 1357هـ – 1938م.

55- قواعد التحديث لجمال الدين بن محمد القاسمي مطبعة ابن زيدون دمشق سنة 1353هـ – 1935م.

56- كشف الظنون لمصطفى بن عبدالله حاجي خليفة طهران سنة 1387هـ.

57- الكني والاسماء للدولابي طبع حيدر أباد سنة 1322هـ.

58- لسان الميزان لأحمد بن علي بن حجر طبع حيدر آباد الهندسة 1325هـ

59- مختصر سنن أبي داود لعبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1366هـ.

60- مختصر صحيح مسلم لعبدالعظيم بن عبدالقوي تحقيق الالباني طبع وزارة الأوقاف الكويتية.

61- المستدرك لمحمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري طبع حيدر آباد الهند سنة 1333هـ.

62- المسند لأحمد بن حنبل المطبعة الميمنية بمصر سنة 1313هـ.

63- معالم السنن للخطابي تحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1366هـ.

64- معجم الأدباء لياقوت الحموي مطبعة دار المأمون مصر.

65- معجم البلدان لياقوت الحموي دار صادر ودار بيروت سنة 1374هـ – 1955م.

66- معجم المطبوعات العربية والمصرية ليوسف البيان سركيس مطبعة سركيس سنة 1346هـ – 1928م.

67- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث لمجموعة من المستشرقين طبع مكتبة بريل في لبدن.

68- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لمحمد فؤاد عبدالباقي مطابع الشعب بمصر سنة 1378هـ.

69- مفتاح السنة لمحمد عبدالعزيز الخولي مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

مفتاح المنهل العذب المورود لمصطفى علي البيومي.

70- المنتظم لعبدالرحمن بن علي بن الجوزي مطبعة دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد سنة 1358هـ.

71- المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الامام أحمد لعبدالرحمن بن محمد العليمي تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد مطبعة الدني بالقاهرة سنة 1393هـ – 1963م.

72- المنهل العذب المورود. لمحمود خطاب السبكي مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1351هـ.

73- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان لعلي بن أبي بكر الهيثمي بتحقيق محمد عبدالرزاق حمزة المطبعة السلفية بمصر ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي تحقيق البجاوي دار احياء الكتب العربية بمصر.

74- ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي تحقيق البجاوي دار احياء الكتب العربية بمصر.

75- هدية العارفين لاسماعيل بن محمد البغدادي طهران سنة 1387هـ.




المصدر مجلة البحوث الإسلامية -العدد1
الله يجزاك الجنه ويكتب اجرك
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 16-09-12, 03:08 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو الحسن الزغيبي مشاهدة المشاركة
اختي بارك الله فيك لعلك تستفيدين ممن خدم سنن ابي داود برسالة ماجستير او دكتوراة وأذكر منهم على سبيل المثال الشيخ محمد بن هادي لأني سمعت كثير من المشائخ يثنون على جهوده في سنن اب داوود وهو مهتم جداً بسنن أبي داود
الله يكتب اجرك ويبارك في علمك
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 16-09-12, 03:09 AM
طالبة ماجستير حديث وعلومة طالبة ماجستير حديث وعلومة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-09-12
المشاركات: 56
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد جلال المجتبى مشاهدة المشاركة
فتح الودود
بذل المجهود
المنهل المورود
هل هذه الشروح مطبوعة ؟
الله يجزاك كل ماتتمناة
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 16-09-12, 10:22 AM
أبو المهند القصيمي أبو المهند القصيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-02-06
المشاركات: 1,716
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

هناك رسائل جامعية "ماجستير" ألفت ونوقشت في الأحاديث التي ذكر فيها أبو داود اختلافاً وهي:
1- التي ذكر فيها أبو داود الاختلاف في الوصل والإرسال للشيخ د.تركي الغميز.
2- التي ذكر فيها أبو داود اختلاف في الرفع والوقف للشيخ د. محمد الفراج.
3- التي ذكر فيها أبو داود الاختلاف في زيادة راو وعدمه للشيخ إبراهيم العبيكي.
4- التي ذكر فيها أبو داود الاختلاف في تسمية الراوي بعد المدار للشيخ عبدالله المنسلح.

والرسالتان الأوليان نوقشتا في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض، والأخيرتان في جامعة القصيم.
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 15-10-12, 11:22 AM
ابو جودى المصرى ابو جودى المصرى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-10-09
المشاركات: 1,866
افتراضي رد: ما اهم كتب ألفت في سنن أبي داوود ؟؟؟

بارك الله فيكم
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ألفت , أبي , اهل , داوود , سنن , ؟؟؟ , كتب

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:51 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.