ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-08-05, 04:54 PM
أبو أمير أبو أمير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 32
افتراضي التبرك بآثار الصالحين

من فضلكم ; أريد أن أسئلكم عن القول ابن حجر في الفتح حول التبرك بآثار الصالحين, حينما قال ابن حجر : "وهذا أصل في التبرك بآثار الصالحين." ما رأيكم.

وجزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-08-05, 06:17 PM
ابن المبارك ابن المبارك غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-09-04
المشاركات: 503
Exclamation

أخي وفقك الله أنصحك بقراءة كتاب (التبرك أنواعه وأحكامه)للدكتور: ناصر الجديع ،مكتبة الرشد
فقد تجد بغيتك فيه
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-08-05, 10:06 AM
زياد عوض زياد عوض غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-05-05
الدولة: الأردن
المشاركات: 805
افتراضي

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...C7%E1%E3%C7%C1
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-08-05, 01:08 PM
أبو معاذ الأسمري أبو معاذ الأسمري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-06-05
المشاركات: 79
افتراضي

من تلك الأثار:
الآثار المكانية قال شيخ الإسلام رحمه الله (والنصارى كثيراً ما يعظمون آثار القديسين منهم فلا يستبعد أنهم ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه كيف لا ؟ وهم قد أضلوا كثيراً من جهال المسلمين حتى صاروا يعّمدون أولادهم ويزعمون أن ذلك يوجب طول عمر للولد (الفتاوى27/460،4
تحريم تعظيم الآثار مافعله عمر رضي الله عنهـ فيما رواه المعرور بن سويد رحمه الله حيث قال "خرجنا مع عمر رضي الله عنه قال فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه فقال عمر ما شأنهم فقالوا :هذا مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعا فمن عرضت له فيه صلاة فليصل ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض"
المصنف ابن أبي شيبة (2/376،377)
قال أبو شامة نقلا عن بعض أهل العلم قولهم "أنه نهي عن إلصاق البطن والظهر بجدار القبر ومسحه باليد وذكر أن ذلك من البدع (كتاب الباعث 282)
فالتبرك بالأضرحة والقبور والمقامات والمشاهد مظاهره كثيرة منها تقبيل الحيطان ومسح الجدران وتقبيل الأعتاب وتقبيل الأضرحة والسجود لها قال الذهبي رحمه الله عندما ترجم للسيدة نفيسه :"ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف ولا يجوز مما فيه من الشرك ويسجدون لها ويلتمسون منها المغفرة وكل ذلك في دسائس دعاة العبيدية (سير أعلام النبلاء 10/106)
ومن مخازي التبرك ماحكى : أن أصحاب الحلاج بالغوا في التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته وهذا ولاشك من فرط حماقتهم وسوء اعتقادهم (الإبداع ص177)
ومن نفيس ما يذكر في هذه المسألة أن الشافعي إنما حمله على الرد على شيخه مالك بن أنس [أنه بلغه أن في الأندلس كُمّة لمالك (يعني قلنسوة ) يُستسقى بها وكان يقال لهم :قال رسول الله صلى الله علي وسلم فيقولون قال مالك] وهذا يؤكد ذم الشافعي لهذا الصنيع لما تضمن من المبالغة والخروج عن النهج السوي .
ومن ذلك
أن الحليمي نقل عن بعض أهل العلم النهى عن إلصاق البطن و الظهر بجدار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وعن مسحه باليد وأن ذلك من البدع وأقره الحليمي ودلل على صحته بأنه ما كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بمسح جدار بيته ولا بإلصاق البطن والظهر به مبيناً أنه كما يطاف بالكعبة ولا يمسح جدار القبر (المنهاج في شعب الإيمان 2/457)
وأكد السيوطي أن إلصاق البطن والظهر بجدار قبر لنبي صلى الله عليه وسلم وكذا تقبيله ومسحه أمور منهي عنها (الأمر بالتباع والنهى عن الابتداع 259
ولما تكلم ابن حجر الهيتمي عن البدع أغلظ على الصوفية الذين لبّس عليهم الشيطان طريقهم وحاد بهم عما كان علي المتقدمون ثم ذكر نحوا من كلام أبي شامة في تزيبين الشيطان لعوام تخليق الحيطان والعمد ونحوها
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-08-05, 01:27 PM
أبو أمير أبو أمير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 32
افتراضي

ما هو المقصود ابن حجر حين قال تلك الجملة ? هل رأى ابن حجر باستحباب في هذا الأمر ?
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-08-05, 01:39 PM
أبو أمير أبو أمير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 32
افتراضي

أنظر في أسفل على هذا الرابط :

http://hadith.al-islam.com/Display/D...Doc=0&Rec=1994
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 04-08-05, 03:24 PM
أبو عبدالله الأثري أبو عبدالله الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-06-05
الدولة: الكويت
المشاركات: 1,625
افتراضي

نعم أخي, رأى استحباب ذلك, وأخطأ رحمه الله, كما بين ذلك سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى في تعليقه على الفتح, إذ لم يثبت عن السلف تبركهم بأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
__________________
قال ابنُ أمِّ عبدٍ رضي الله عنه وأرضاه: " من أراد الآخرة أضرَّ بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضرَّ بالآخرة، يا قوم فأضروا بالفاني للباقي " السير 1/496
قال الإمام الذهبي - رحمه الله - : " ولو أنَّا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له, قمنا عليه وبدَّعناه, وهجرناه, لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما, والله الهادي إلى الحق, وهو أرحم الراحمين, فنعوذ بالله مِن الهوى والفظاظة " السير 14/40

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا *** و يأتيك بالأخبار من لم تــــزود
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 14-08-05, 09:07 PM
فوزان مطلق النجدي فوزان مطلق النجدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-06-05
المشاركات: 314
افتراضي

جزاكم الله خيرا على هذة الفوائد ولكن هل يعتبر تقبيل اليد من التبرك؟ فتقبيل التابعين ليد غير واحد من الصحابة ثابت في كثير من الاثار الصحيحة؟ أفيدوني رعاكم الله.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15-08-05, 02:33 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 872
افتراضي الباز22 اليافعي

التقبيل إن ثبت فليس للتبرك وودي ثبتلي ادعائك هذا بالأسانيد الصحيحة!!

الآن الواحد يقبل يد العالم والكبير من باب التوقير وليس التبرك
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 27-12-12, 01:25 PM
عبدالله الندوي عبدالله الندوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 02-12-11
المشاركات: 6
افتراضي رد: التبرك بآثار الصالحين

كلام مشاهير الائمة في التبرك بالصالحين
ابن عبد البر:
الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم(التمهيد - ابن عبد البر 13/ 67)
وفيه التبرك بأيمان الصالحين قياسا على ما صنعت عائشة بيد النبي صلى الله عليه وسلم(التمهيد (8/ 129)
القاضي عياض:
وقوله : (كان يؤتى بالصبيان فيبَرَك عليهم ويُحَئكهم) : فيه التبرك بأهل الفضل ، والتماس دعائهم ، والاقتداء بهذا الأدب والسيرة. (إكمال المعلم - القاضي عياض 2/ 60) فيه التبرك بالفضلاء ، ومشاهد الأنبياء وأهل الخير ومواطنهم ، ومواضع صلاتهم (إكمال المعلم (2/ 352)
النووي:
فيه التبرك بآثار الصالحين وفيه زيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم وتبريكهم أياهم(شرح مسلم - النووي1/ 244) فيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم(شرح مسلم - النووي 4/ 219)
القرطبي:
ويؤخذ منه التبرك بأهل الفضل (المفهم -القرطبي 4/ 22)
الحافظ ابن حجر:
وقد تقدم حديث عتبان وسؤاله النبي صلى الله عليه و سلم أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى وأجابة النبي صلى الله عليه و سلم إلى ذلك فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين. (فتح الباري - ابن حجر 1/ 569)
العيني:
فيه الدلالة على جواز التبرك بآثار الصالحين(عمدة القاري - العيني 4/ 386)
القاري:
قال النووي في الحديث التبرك بآثار الصالحين(مرقاة المفاتيح - القاري (13/ 128)
المناوي:
ثم في كل وقت إلى زمننا لزيارة قبره الشريف والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه فلا يأتيها إلا مؤمن ثابت الإيمان (فيض القدير - المناوي (2/ 411)
السندي:
وفيه من التبرك بآثار الصالحين مالا يخفى فإنه لا يزيده الا طيبا(حاشية السندي على النسائي 2/ 38)


الزرقاني:
وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين (شرح الزرقاني على الموطأ 2/ 72)
ابن علان الصديقي:
وفي الحديث التبرّك بآثار الصالحين (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين 4/ 477)

اقوال العلماء السلفية
الصنعاني:
دل الحديث على صحة الجماعة في النفل.
وعلى صحة الصلاة للتعليم والتبرك كما تدل عليه القصة (سبل السلام - الصنعاني 2/ 31)
العظيم آبادي صاحب عون المعبود:
والحديث فيه ثبوت التبرك بآثار الصالحين والتلذذ بها(عون المعبود - العظيم آبادي 1/ 79)
وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم(عون المعبود 9/ 1064)
المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي:
فيه مشروعية التبرك بشعر أهل الفضل ونحوه (تحفة الأحوذي - المباركفوري 2/ 461)
الرحماني المباركفوري:
وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين (مرعاة المفاتيح - الرحماني المباركفوري 5/ 341)
وفيه التبرك بآثار الصالحين، والتلذذ بها(مرعاة المفاتيح (2/ 84)
وهو قول الشوكاني أيضا كما في المعتصر شرح كتاب التوحيد (ص50):
ذهب ابن حجر والشوكاني إلى جوازه، مستدلين بتبرك الصحابة بالرسول - صلى الله عليه وسلم
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 27-12-12, 11:35 PM
السني الحضرمي السني الحضرمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-01-06
المشاركات: 76
افتراضي رد : التبرك بآثار الصالحين

انصحك بمراجعة كتاب :

هذا رابط كتاب " التبرك أنواعه وأحكامه"



للشيخ ناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع



أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة من جامعة الإمام محمد بن سعود
مكتبة الرشد


http://archive.org/download/At-tabarrok/At-tabarrok.pdf


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


هذا الشريط للشيخ عبد الرحمن دمشقية حفظه الله يجمع فيه أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم في تحريم مس جدار القبر وتقبيله. ويثبت أن التبرك بمسح جدار القبر هو من عادة اليهود والنصارى .

لتحميل الشريط الرجاء الدخول للرابط التالي:


http://ar.islamway.net/lesson/69681?ref=search

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


التبرك المشروع والتبرك الممنوع



محاضرة للشيخ مسعد أنور حفظه الله

http://ar.islamway.net/lesson/54004?ref=search

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وهذا الموضوع مستفاد

من كتاب "التبرك أنواعه وأحكامه"
للشيخ ناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
إن مما لا شك فيه أن نبينا محمد صلى الله عيه وسلم مبارك في ذاته وآثاره، كما كان مباركا في أفعاله عليه الصلاة والسلام.
وهذا مما أكرم الله تعالى به أنبياءه ورسله جميعاً عليهم الصلاة والسلام.
ولهذا فإن صحابة الرسول صلى الله عيه وسلم ورضي الله عنهم تبركوا بذاته عليه الصلاة والسلام، وبآثاره الحسية المنفصلة منه صلى الله عيه وسلم في حياته، وأقرهم صلى الله عيه وسلم على ذلك ولم ينكر عليهم، ثم إنهم رضي الله عنهم تبركوا ومن بعدهم من سلف هذه الأمة الصالح بآثار الرسول صلى الله عيه وسلم بعد وفاته، مما يدل على مشروعية هذا التبرك.
وينبغي أن يعلم أنه لا يصاحب هذا التبرك ـ من جهة الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح ـ شيء يعارض أو يناقض توحيد الألوهية أو الربوبية، وأن هذا الفعل ليس من باب الغلو المذموم، وإلا لنبه على ذلك الرسول صلى الله عيه وسلم صحابته رضي الله عنهم، كما نهاهم عن بعض الألفاظ الشركية، وحذرهم من ألفاظ الغلو.
فينظر إذن إلى هذا على أنه تكريم وتشريف من الخالق سبحانه وتعالى لصفوة خلقه في بدنه، وما ينفصل عنه من آثاره الحسية، حيث وضع تبارك وتعالى في ذلك كله الخير والبركة.
وإذا كان الرسول صلى الله عيه وسلم يجوز التبرك به على هذا الوجه، فهل يجوز هذا التبرك أيضاً بغيره من الصالحين، قياسا عليه صلى الله عيه وسلم ؟ هذا ما سأتناوله في هذا المبحث بإذن الله تعالى.

* هل فعل الصحابة ذلك التبرك مع غيره صلى الله عيه وسلم ؟
إذا كان أصل دليل المسألة هو فعل الصحابة رضي الله عنهم معه صلى الله عيه وسلم ، وإقراره صلى الله عيه وسلم إياهم على ذلك، بل أمره صلى الله عيه وسلم إياهم بذلك أحيانا كما سلف بيانه، فهل وُجد هذا التبرك عند
الصحابة رضي الله عنهم مع غيره صلى الله عيه وسلم ؟ وهل أمر الرسول صلى الله عيه وسلم بذلك وأرشدهم إليه؟
الحق أنه لم يُؤثر عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه أمر بالتبرك بغيره من الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم، سواء بذواتهم أو بآثارهم، أو أرشد إلى شيء من ذلك. وكذا فلم يُنقل حصول هذا النوع من التبرك من قبل الصحابة رضي الله عنهم بغيره صلى الله عيه وسلم ، لا في حياته صلى الله عيه وسلم ولا بعد مماته عليه الصلاة والسلام.
لم يفعله الصحابة مع السابقين منهم إلى الإسلام وفضلائهم مثلا، ومنهم الخلفاء الراشدون ـ وهم أفضل الصحابة ـ وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم.
قال الإمام الشاطبي بعد أن أشار إلى ثبوت تبرك الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلى الله عيه وسلم وبآثاره، مناقشا مسألة إمكان التبرك أيضاً بالصالحين وبآثارهم ـ وهو من المحققين القلائل الذين تطرقوا لهذه المسألة ـ قال رحمه الله تعالى في "الاعتصام" (2/8-9):(الصحابة رضي الله عنهم بعد موته عليه الصلاة والسلام لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي صلى الله عيه وسلم بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر رضي الله عنه، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها ـ يقصد التبرك بالشعر والثياب وفضل الوضوء ونحو ذلك ـ، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي صلى الله عيه وسلم ، فهو إذا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء).


* ما سبب ترك الصحابة رضي الله عنهم هذا التبرك مع بعضهم؟
إذ لم يثبت حصول ذلك النوع من التبرك من جهة الصحابة رضي الله عنهم مع بعضهم
ـ وهم أفضل القرون ـ كما قرره الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ وغيره(1)، مع وجود مقتضيات هذا التبرك ـ طلب الخير والشفاء والبركة ـ وتوفر أسبابه، حيث الصحابة السابقين، والعشرة المبشرين رضي الله عنهم جميعاً.
كما أن الوفود التي كانت تبعث خارج المدينة لبعض المهمات ـ ومنهم كبار الصحابة ـ
لم يحصل التبرك بهم من قبل من بعثوا إليهم، مع بعد الرسول صلى الله عيه وسلم عنهم في حياته.
إذا كان الأمر كذلك، ما سبب إجماعهم على ترك هذا التبرك إذن؟ ولماذا لم يفعلوه مع بعضهم كما كانوا يفعلونه مع النبي صلى الله عيه وسلم ؟
إن السبب الرئيس في ترك الصحابة رضي الله عنهم ذلك التبرك مع بعضهم ـ والله أعلم ـ هو اعتقاد اختصاص الرسول صلى الله عيه وسلم به دون سواه ـ ما عدا سائر الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام ـ.
فقد اختص الله تبارك وتعالى الأنبياء والمرسلين بخصائص شريفة، لا توجد في غيرهم،
ومنها وجود البركة في ذواتهم وآثارهم تشريفاً وتكريماً.
فذوات الأشخاص وصفاتهم غير متساوية، كما قال الله تعالى:}اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ{(الأنعام:124) والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أفضل الناس.
وقد اصطفى الله تعالى أنبيائه، واجتباهم من بين سائر البشر }وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ{ (القصص:68) وتميزهم عن غيرهم بخصائص كثيرة أمر مشهور لا ينكر.
فهذا ونحوه هو الذي جعلهم يختلفون عن أولياء الله تعالى الصالحين، في هذه المسألة وغيرها.
ومع عظم فضل هؤلاء ورفعة قدرهم، إلا أن مرتبتهم دون مرتبة الأنبياء والمرسلين،
ولا يمكن أن يبلغوا درجتهم في الفضل والثواب وغير ذلك(2).
ولا شك أن النبي محمد صلى الله عيه وسلم هو أفضل الأنبياء والمرسلين، وأعظمهم بركة.
قال الشاطبي في "الاعتصام" (2/9) بعدما أثبت إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ترك ذلك التبرك فيما بينهم ـ مع فعلهم له مع النبي صلى الله عيه وسلم ـ قال رحمه الله تعالى مبينا أحد وجهي هذا التبرك:(أن يعتقدوا فيه الاختصاص، وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله، للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير، لأنه عليه الصلاة والسلام كان نورا كله... فمن التمس منه نوار وجده على أي جهة التمسه، بخلاف غيره من الأمة ـ وإن حصل له من نور الاقتداء به، والاهتداء بهديه ما شاء الله(3)ـ لا يبلغ مبلغه، على حال توازيه في مرتبته، ولا تقاربه، فصار هذا النوع مختصا به كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسْم على الزوجات، وشبه ذلك).
ثم قال رحمه الله مبينا حكم ذلك التبرك بغيره صلى الله عيه وسلم بناء على هذا الوجه:(فعلى هذا لمأخذ: لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة).
وذكر في موضع آخر ما يرجح هذا الوجه (وهو اطباقهم ـ أي الصحابة ـ على الترك،
إذ لو كان اعتقادهم التشريع(4) لعلم به بعضهم بعده، أو عملوا به ولو في بعض الأحوال،
إما وقوفا مع أصل المشروعية، وإما بناء على اعتقاد انتفاء العلة الموجبة للامتناع)(5).
وقال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض سياقه للنهي عن المبالغة في تعظيم الأولياء الصالحين، وتنزيلهم منزلة الأنبياء:(وكذلك التبرك بالآثار، فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي صلى الله عيه وسلم ، ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم... ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي صلى الله عيه وسلم ، مثل التبرك بوضوئه، وفضلاته، وشعره، وشرب فضل شرابه وطعامه)(6) اهـ.


* حكم قياس الصالحين على النبي صلى الله عيه وسلم :
1 ـ مما سبق يتبين أن ما رآه بعض العلماء(7) من قياس الصالحين على الرسول صلى الله عيه وسلم في جواز التبرك بذواتهم وآثارهم غير صحيح.
أ ـ فإن إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ترك التبرك بالذوات والآثار مع غير النبي صلى الله عيه وسلم ـمع وجود مقتضياته ـ يدل على أن هذا من خصائصه صلى الله عيه وسلم حيث إن الله تعالى اختص نبيه بجعل البركة في ذاته وآثاره، تكريما وتشريفا لصفوة خلقه عليه الصلاة والسلام.
ولو كان ذلك الفعل مشروعا لسارعوا إلى فعله، ولم يُجمعوا على تركه، فهم أحرص الناس على فعل الخير.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ تعليقا على قول بعض شراح الحديث (لا بأس بالتبرك بآثار الصالحين) إذا مروا بذكر شعر النبي صلى الله عيه وسلم ونحوه.
قال رحمه الله:(وهذا غلط ظاهر، لا يوافقهم عليه أهل العلم والحق، وذلك أنه ما ورد
إلا في حق النبي صلى الله عيه وسلم ، فأبوبكر وعمر وذو النورين عثمان وعلي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وبقية البدريين، وأهل بيعة الرضوان، ما فعل السلف هذا مع واحد منهم، أفيكون هذا منهم نقصا في تعظيم الخلفاء التعظيم اللائق بهم، أو أنهم لا يلتمسون ما ينفعهم. فاقتصارهم على
النبي صلى الله عيه وسلم يدل على أنه من خصائص النبي صلى الله عيه وسلم ...)(8).
ب ـ ومما يؤكد اختصاص النبي صلى الله عيه وسلم بهذا التبرك أن التابعين رحمهم الله تعالى قد ساروا على نهج الصحابة رضي الله عنهم في هذا الباب، فلم ينقل عنهم وقوع هذا التبرك مع الصحابة رضي الله عنهم ـ كما سبق ـ ولا فعله التابعون مع فضلائهم وقادتهم في العلم والدين(9)، وهكذا من بعدهم من أئمة الدين.
ج ـ ومما يؤكد الاختصاص أيضاً أنه لم يرد دليل شرعي على أن غير النبي صلى الله عيه وسلم مثله في التبرك بأجزاء ذاته وآثاره، فهو خاص به كغيره من خصائصه(10).
د ـ ولا شك أن اختصاص النبي صلى الله عيه وسلم بهذا التبرك يدل على عدم جواز قياس الصالحين عليه صلى الله عيه وسلم بجامع الفضل، وأن هذا الأمر قاصر عليه صلى الله عيه وسلم لا يتعداه إلى غيره.
فقد أجمع العلماء على أنه إذا ثبت الخصوصية في حق النبي صلى الله عيه وسلم فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه، إذ لو كان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى(11).
2 ـ لا يجوز قياس الصالحين وغيرهم على النبي صلى الله عيه وسلم في جواز هذا التبرك سدا للذريعة.
ولا ريب أن سد الذرائع قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة الإسلامية. فمن وجوه موانع القياس هنا سد الذرائع، خوفا من أن يفضي ذلك إلى الغلو فيمن يتبرك به من الصالحين.
يقول الشاطبي رحمه الله في بيان هذه العلة:(لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد،
بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج
به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس منه...)(12).
وقد يؤدي هذا التبرك بسبب الغلو والتعظيم إلى حـد الشرك(13)، فيكون ذريعة إليه،
كما قال ابن رجب رحمه الله حينما تكلم عن المنع من هذا التبرك ونحوه:(وفي الجملة، فهذه الأشياء فتنة للمعظَّم والمعظَّم، لما يُخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة، وربما يترقى إلى نوع من الشرك)(14).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عند مناقشته من أجاز هذا التبرك: لو أذن فيه على وجه البركة، من غير اعتقاد ذاتي، فهو سبب يوقع في التعلق على غير الله، والشريعة جاءت بسد أبواب الشرك(15).
وكما أن هذا التبرك فتنة للمعظَّم، فقد يكون أيضا فتنة للمعظَّم نفسه، كما أشار إليه ابن رجب آنفا.
فإن فعل هذا التبرك مع غيره صلى الله عيه وسلم لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه نفسه، فيورثه العجب والكبر

والرياء(16)، وتزكية النفس، وكل هذا من محرمات أفعال القلوب(17).
إلى غير ذلك من المفاسد الأخرى المترتبة على هذا التبرك.

مسألة: لا يصح أن يحتج بإمكان حصول تلك المفاسد من الغلو وأنواع الشرك مع التبرك بالنبي صلى الله عيه وسلم ، وذلك لمجيء النصوص الشرعية بجواز ذلك والأمر به في حقه صلى الله عيه وسلم خاصة(18)، مع العلم بوجوب عدم مصاحبة هذا التبرك مع الرسول صلى الله عيه وسلم شيء من الغلو أو الشرك.
وممن نص على منع قياس الصالحين على الرسول صلى الله عيه وسلم ـ فيما سبق ـ من العلماء المعاصرين: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. حيث قال تعليقا على رأي ابن حجر العسقلاني رحمه الله جواز التبرك بآثار الصالحين، قياسا على ما ورد في بعض الأحاديث من تبرك الصحابة بالرسول صلى الله عيه وسلم .
قال وفقه الله تعالى: التبرك بآثار الصالحين غير جائز، وإنما يجوز ذلك بالنبي صلى الله عيه وسلم خاصة،
لما جعل الله في جسده وما ماسه من البركة، وأما غيره فلا يقاس عليه لوجهين:
أحدهما: أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك مع غير النبي صلى الله عيه وسلم ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.
الوجه الثاني: سد ذريعة الشرك، لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يفضي إلى الغلو فيهم،
وعبادتهم من دون الله، فوجب المنع من ذلك(19).
وهكذا تبين لنا عدم جواز قياس الصالحين على النبي صلى الله عيه وسلم ، وعليه فلا يجوز التبرك بذوات الصالحين أو بآثارهم، فضلا عن غيرهم، وأن تعظيم الشيء والتبرك به لا يجوز إلا بدليل شرعي.

والله تعالى أعلم.
_____________________________

(1) من هؤلاء ابن رجب رحمه الله. انظر كتابه"الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم p بُعثت بين يدي الساعة i" (ص55).

(2) خالف في هذا بعض الصوفية حيث يفضلون الأولياء على الأنبياء. راجع مثلا كتاب "شرح العقيدة الطحاوية" لعلي بن أبي العز (ص493-495).

(3) يشير بهذا إلى البركة المعنوية للمؤمنين الصالحين الحاصلة بسبب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم .

(4) أي اعتقادهم أن هذا التبرك مشروع.

(5) "الاعتصام" (2/10).

(6) من كتاب "الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم p بعثت بين يدي الساعة i لابن رجب (ص55).

(7) من هؤلاء العلماء مثلاً النووي رحمه الله.انظر "شرح النووي لصحيح مسلم" (7/3)، (14/44)، وابن حجر العسقلاني رحمه الله. انظر "فتح الباري" (3/144،130،129، 5/341).

(8) من"مجموع فتاوى ورسائل ابن إبراهيم" (1/103-104)، وانظر"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد"(ص106).

(9) انظر كتاب "فتح المجيد" (ص106)، وكتاب "الدين الخالص" لمحمد صديق حسن (2/250).

(10) من كتاب "هذه مفاهيمنا" لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ (209) بتصرف.

(11) من كتاب "أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية" للدكتور محمد سليمان الأشقر (ص277) بتصرف.

(12) "الاعتصام" للشاطبي(2/9)، وقد ذكر الشاطبي احتمال أن الصحابة تركوا التبرك فيما بينهم من باب سد الذرائع.

(13) لقد حكى عن أصحاب الحلاج أنهم بالغوا في التبرك به، حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته، حتى ادعوا فيه الالهية، انظر "الاعتصام" للشاطبي (2/10).

(14) من كتاب "الحكم الجديرة بالإذاعة" لابن رجب (ص55).

(15) من "فتاوى ورسائل ابن إبراهيم" (1/104) بتصرف، وانظر كتاب "فتح المجيد" (ص106)، ورسالة "الشرك ومظاهره" لمبارك بن محمد الميلي (ص93)، وكتاب "الدين الخالص" لمحمد صديق حسن (2/250).

(16) من كتاب "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد" تأليف الشيخ سليمان ابن عبد الله بن محمد بن
عبد الوهاب(ص154).

(17) من كتاب "هذه مفاهيمنا" (ص210).

(18) من كتاب "الكواشف الجلية عن معاني الواسطية" لعبد العزيز بن محمد السلمان (ص746) بتصرف.

(19) انظر "فتح الباري" (3/130 هـ (1)، 144 هـ (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


التبرك بآثار النبي بين المشروع والممنوع


للشيخ عايض الدوسري

كتبَ الأستاذ (زهير كتبي) مقالة بعنوان بـ (التبرك بآثار سيدنا محمد مشروع وسنة مأثورة) ونُشرت في صحيفة الوطن السعودية في العدد (3045)، وقد أرسلتُ ردي هذا للصحيفة، لكنها للأسف لم تنشره!)
قبل أن أبدأ في التعليق التفصيلي على ما كتبه أخي الكريم (زهير)، أود أولاً أن أسجل شكري وتقديري لأخي الفاضل (زهير) على ما تضمنه مقاله من أمور صحيحة، وما فاض منه من محبة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فرضٌ لازمٌ لا يكون الإسلام إلا به، ومكانة نبينا الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم لا تعدلها مكانة، وحبه مغروسٌ في أفئدة أهلِ الإيمان، تتجمل به القلوب وتتزين به الصدور، صلى الله عليه وآله وسلم.
وأعظم ما تكون هذه المحبة حين يلتزم المحب في التعبير عنها بما جاءت به سنة المحبوب صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ الاتباعُ له هو أعظم برهانٍ على محبته محبةً حقيقيةً شرعيةً. ولأجل هذه النقطة بالذات أحببتُ التعليق على بعض ما كتبه الأخ زهير وفقه الله حول التبرك بآثار النبي –صلوات الله وسلامه عليه-، فقد لحظت في كلام الأخ زهير أمرين اثنين:
الأمر الأول: أن أخي (زهيراً) يستدل بما لا يكون مطابقًا مع دليله، فأدلة التبرك الصحيح يستدل بها على التبرك الممنوع، بل أحياناً يكون الدليل معاكسًا للاستدلال، كما في قصة عمر رضي الله عنه مع الحجر الأسود، وتأتي.
الأمر الثاني: أن الأخ الكريمَ يُطلق دعاوى عريضة ومُطلقة بدون دليلٍ، فضلاً أن يكون الدليل صحيحًا، كقوله إن هذه الآثار المنسوبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، حقائق متواترة، نقلها جيل عن جيل، أو كقصة منديل المسيح عليه السلام، إلى أخر تلك الدعاوى، ولم يكلّف نفسه التحقق من صحة ذلك، مع أن القاعدة عند العلماء: (إذا كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل).
وبعد هذه المقدمة، أشرعُ -بإذن الله- في البيان التفصيلي:

أولا: لم يُنكر أحد من علماء المسلمين قاطبة أو يشك في أنَّ نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو أفضل الأنبياء وسيد البشر وخاتم المرسلين، كما أنهم يؤمنون ببركته صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَّ بركته نوعان:
النوع الأول: بركة معنويَّة، وهي نبوته ورسالته وشريعته، وما اشتملت عليه من الحق المحض، والرحمة العامة، والسعادة التامة، وأنها السبيل الوحيد إلى الفلاح والنجاح والفوز بمرضاة الله.
النوع الثاني: بركة حسيَّة، وهي بركة ذاتِه، وبركة آثاره الحسيَّة المنفصلة عنه. فمن ذلك: تكثير الطعام، ونبع الماء بين أصابعه، وإبراء المريض، وغير ذلك مما ثبت.
وأما بركة ذاته وآثاره فلم يقع خلافٌ في ثبوتها، وجواز التبرك بها، ولا شك أنه صلى الله عليه وآله وسلم مباركٌ في ذاته وأفعاله وأقواله وآثاره، وقد كان أصحابه -رضوان الله عليهم- يتبركون بآثاره أثناء حياته وبعد مماته، وقد وقع بعض ذلك تحت سمع وبصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أقرهم على فعلهم، وكل حديث صحيح ساقه أخي (زهير) في مقاله؛ فهو من هذا القبيل، لا يتجاوزه، ولهذا فلا خلاف حول هذه المسألة بالتحديد.
فالصحابة رضوان الله عليهم، كما ثبت في الصحيح، قد تبركوا بمسح يده الشريفة الطاهرة أو غمسها في الماء رجاء بركتها، وتبركوا بشعره، وريقه، وعرقه، وما فَضُلَ من ماء وضوئه، أو بما لبسه من الثياب، أو ما فَضُلَ من طعامه وشرابه، وكان ذلك وقت حياته صلى الله عليه وآله وسلم.
أما بعد مماته، فقد ثبت في الصحيح، أنَّ الصحابة رضي الله عنهم تبركوا ببقايا الآثار الحسيَّة المنفصلة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كخاتمه، وبرده، وسيفه، وعصاه، وشعره، وثيابه، وآنيته، ونعله، وما شابهها.
ولذا فإن التبرك بآثار النبي، صلى الله عليه وآله وسلم مشروعٌ، فعله الصحابة، ومن بعدهم التابعون لهم بإحسان، لأن بركة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، باقيةٌ في آثاره، وعلمنا مشروعية ذلك بما صح من الروايات التي نقلت لنا فعل الصحابة وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فعلوا.
وهذه الأمور ليست كنوزًا مجهولةً مدفونة في أمّهات الكتب، بل هي معروفة ومنشورة ومشتهرة عند طلاب العلم، يَدرُسونها ويُدرِّسونها، لكنهم يفهمون المقصود منها فهمًا صحيحًا.

ثانيا: إذا ثبت أن التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشروع؛ فلا بد من التنبه للنـتيجة العملية الواقعية للمسألة، وهي: هل بقي للمسألة وجود في الواقع؟ بمعنى: هل يثبت الآن صحة أي أثر من الآثار التي يُقال إنها من الآثار النبوية؟ ذلك لأن المسألة شرعية، فلا بد من التثبت فيما يُقال إنه من آثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن أمة إسناد وتثبت، وكما جاء الوعيد في نسبة القول الذي لم يقله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليه؛ فكذا الأمر في نسبة فعلٍ أو أثرٍ له وهو ليس كذلك، وكما يُعرفُ ثبوت الحديث الشريف بأدلة وضوابط حدَّها علماء الحديث الأجلاء، فكذا لا بد من ثبوت ما يُزعم أنه من آثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأدلة وبراهين، و إلا جاز أن يَنسِبَ كلُّ أحدٍ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يشاء من الآثار والأغراض للاتجار، أو نحوه من الأسباب.
فالكذبُ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم جريمة شنيعة، وموبقة عظيمة، وكما كُذِبَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وفعله وفي الانتساب إلى نسبه الشريف: كذلك كُذِبَ عليه بادعاء آثارٍ له، وهي ليست كذلك في الحقيقة.
فالذي عليه العلماء المحققون سواءً المحدّثين المتثبتين أو حتى الآثاريين أنه لا يثبت شيء من ذلك اليوم! كما ستأتي النقول.
وقد كان الذين كانوا يملكون شيئًا من آثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ضنينين بما عندهم، فلم يكونوا يُؤثرون به غيرهم، ومنهم من كان حريصًا على أن تُدفن معه تلك الآثار، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، أنَّ الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بردته إنما سألها ليجعلها كفًا له إذا مات، فذهبت بدفنه.
وكما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى مُغَسِّلة ابنـته زينب -رضي الله عنها- إزاره كي تضعه على جسد ابنـته في قبرها.
وقد رُويَ أنَّ بعض الصحابة والتابعين الذين كانوا يمتلكون شيئًا من آثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم جعلوها معهم في قُبورهم تبركًا بها، كما رُوي عن معاوية –رضي الله عنه-، وكما رُوي عن الإمام أحمد رحمه الله.
وبعضُ آثاره، صلى الله عليه وآله وسلم، قد ثبت أنها فُقِدت، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر –رضي الله عنه- أن خاتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقع من عثمان –رضي الله عنه- في بئرٍ في المدينة يُدعى (أريس).
أيضًا نقلت كتب التاريخ، الاختلاف الكبير في مصدر البردة والقضيب، أما مصيرهما، فمنهم من قال إنها فُقدتِ بدفنها مع معاوية –رضي الله عنه-، ومنهم من قال إنها من ضمن ما أحرقه التـتار في بغداد سنة 656هـ، وأنها تلطخت بدم الخليفة العباسي المقتدر حينما داسه المغول بأحذيتهم حتى مات من الرفس، وأخذ هولاكو البردة والقضيب وأحرقهما وذر رمادهما، كما نقل ذلك السيوطي في كتابه كتاب تاريخ الخلفاء، والبغدادي في خزانة الأدب، والقرماني في تاريخ الدول. وكذلك نقلت كتب التاريخ ضياع (نعلين) يُقال أنهما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في فتنة تيمورلنك سنة 803 هـ.
ولذلك علق العلامة والمؤرخ (أحمد تيمور باشا) في كتابه (الآثار النبوية) على ما يُوجد من آثار نبوية في (اسطنبول) بقوله: (لم نر أحدًا من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب، ويتنازعها من الشكوك). وعلق أيضًا على موضوع الشعرات المنسُوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: أنه من الصعوبة معرفة الصحيح منها من الزائف!
ويقول خبير الآثار العالمي الشهير أ.د. عفيف البهنسي: إنه تمت دراسة الآثار التي يقال إنها نبوية في متاحف اسطنبول والنـتيجة أنه لا يُمكن إثبات أي شيء منها تاريخيًا، حتى ما يُنسب للصحابة الكرام، وغاية الأمر أن النادر منها يُمكن أن يرقى زمنياً للقرن الأول، دون أن يوجد أي إثبات أثري وتاريخي أنها لفلان من الناس دون غيره.
وقال المحدث الألباني، وهو المعروف بتبحره في علم الحديث: (ونحن نعلم أن آثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ثياب، أو شعر، أو فضلات: قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين).
ومما أدلة ذلك ما يُزعم أنه أثر قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض البلدان الإسلامية، حيث قام العلامة المؤرخ (أحمد تيمور باشا) بالمقابلة بين تلك الآثار، ووجدها سبعة أحجار، لا يشبه أحدها الآخر، لا في الصورة أو المقدار أو الحجم!!
وهذا واقع يدركه الباحث المنصف، خلافًا لما ذكره أخي (زهير) حين قرر أنَّ الآثار النبوية الشريفة اليوم هي حقائق لا يمكن للأيام والسنين محوها، وأنَّ المسلمين حفظوها في قلوبهم وأرواحهم .. إلخ. وهو كلام غير علمي.
وقد اختلف العلماء والمؤرخون في تعيـين مكان ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تُوجد أدلة صحيحة يمكن التعويل عليها في إثبات ذلك. فقد قال المؤرخ (أبو سالم العياشي) في (الرحلة العياشية) : (والعجب أنهم عيّنوا محلاً من الدار مقدار مضجع، وقالوا له: موضع ولادته صلى الله عليه وآله وسلم، ويـبعد عندي كل البعد تعيـين ذلك من طريق صحيح أو ضعيف).
وقال المؤرخ (حمد الجاسر) : (هذا الاختلاف في الموضع الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يحمل على القول بأن الجزم بأنه الموضع المعروف عند عامة الناس باسم المولد، لا يقوم على أساس تاريخي صحيح).
واختلاف العلماء في موضعٍ مثل هذا، يدل دلالة قطعيَّة على عدم اهتمام الصحابة والتابعين بتلك المواضع، وإلا لو كانت محل زيارة وعناية لما خفيَّ الموضع ألبتة.
ومما يدل دلالة برهانيَّة: ما ثبت في الصحيحين، عن طارق بن عبدالله، أنه قال: (انطلقتُ حاجًا، فمررتُ بقوم يصلون. قلتُ: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيعة الرضوان. فأتيتُ سعيد بن المسيب فأخبرته. فقال سعيد: حدثني أبي، أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجر، قال: فلما خرجنا من العام المقبل أنسيناها فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلموها، وعلمتموها أنتم! فأنتم أعلم؟!).
وكما ثبت في صحيح البخاري عن عبدالله بن عمر أنه قال: (رجعنا العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها! كانت رحمة من الله).
فهذا يدل دلالة واضحة جدًا أن هذا الموضع مع أهميته العالية، ومناسبته الشريفة جدًا، ومع كونه في طريق حجهم وعمرتهم، ومع كونهم شهدوا الموضع وهم أعدادٌ غفيرة، إلا أن جمهور الصحابة لم يعرف الموضع، واختلط عليهم، فإذا كان ذلك في مثل هذا الموضع الشهير ولهؤلاء: فكيف بغيره من المواضع ولغيرهم؟
قال الإمام النووي الشافعي: (قال العلماء: سبب خفائها؛ أن لا يُفتن الناس بها، لما جرى تحتها من الخير ونزول الرضوان والسكينة).
ومع ذلك، فإنه لما نسبَ بعضهم مكاناً للشجرة، وأخذوا يأتونها للتبرك، وبلغ ذلك الفاروق رضي الله عنه: أمر بقطع تلك الشجرة، قطعًا وحسمًا لأي موضعٍ أو مادة تُفضي إلى الشرك.
وكمثال واقعي على تخبط العوام اليوم وعدم الاعتداد بما يُشتهر عندهم: أنه تُتداول صورة مشتهرة يُزعم أنها صورة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من داخل الحجرة، ويعلّقها وينشرها كثيرون مصدقين ما قيل لهم، ويعتزون بها، وهي في الواقع صورة قبر جلال الدين الرومي الصوفي في قونية بتركيا! لكن العوام -بل حتى بعض الخواص- لا يتثبتون كما أمر الشرع! ورسخ عندهم أنها من الحقائق على تعبير الأخ المكرم زهير!

ثالثا: وهنا نأتي لما احتج به الأخ الفاضل (زهير)، فنقول: أما ما احتج به من فعل عبدالله بن عمر –رضي الله عنه- الذي كان يتـتبع مواضع وأماكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يصح الاحتجاج به، لأنه كان يفعل ذلك متابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس تبركًا بتلك الأماكن التي لم يقصدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذاتها أو لبركة فيها، بل من غير قصد. وقد اشتهر عبدالله بن عمر بحرصه على متابعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل شيء، فلم يكن يفعلها طلبًا للبركة في تلك الأماكن، بل كان يفعل ذلك لشدة حرصه على متابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
والذي يدل عليه ما رواه المعرور بن سويد، بإسناد صحيح على شرط مسلم، حيث قال: (خرجنا مع عمر بن الخطاب، فعرض لنا في بعض الطريق مسجد، فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا، حتى أحدثوها بِيَعاً، فمن عرضت له فيه صلاةٌ فليصل، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض).
وقد ثبت في الحديث الصحيح قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)، وفي آخر صحيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ).
وأما استدلال الأخ (زهير) بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني أعرف أنك حجر لا تضر ولا تنفع لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك). فإنه استدلالٌ على عكس مقصود عمر، إذ أن الحجر مما مسته يد الأنبياء، كما مسته يد نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك قبّله بفمه الشريف، فلو كان ذلك يقتضي البركة، لكان تقبيل الحجر لسببين: البركة فيه، ولأجل الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذي أثبته عمر إنما هو المتابعة، ونفى غيره، وهذا ما يُـبطل استدلال الأخ (زهير) به، بل هو على عكس مراده، فعمر –رضي الله عنه- نفى أن يكون تقبيل الحجر من أجل البركة، وأثبت أن الأمر مجرد عبادة واتباع وانقياد لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويجب أن يسأل الإنسان نفسه: لماذا خصَّ عمر –رضي الله عنه- هذا الاستثناء بالحجر الأسود دون سواء؟ أليس في هذا الدليل أن المسألة مسألة عبادة ومتابعة، لا مسألة تبرك؟ لذلك اتفق العلماء على أنه لا يشرع استلام وتقبيل مقام إبراهيم –عليه السلام-، مع أنه موضوع قدمي الخليل عليه السلام، فكيف يُشرع التبرك بما لم يثبت ببرهان أنه من آثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بما لم يقصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذاته؟
قال الإمام النووي الشافعي: (لا يُقبّل مقام إبراهيم ولا يستلمه، فإنه بدعة).
وروى ابن جرير عن قتادة قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها.
يقولون هذا في المقام، مع أنه مقامُ نبيٍ من أنبياء الله –تعالى-. وقد قال ابن القيم في زاد المعاد: (ليس على وجه الأرض موضعٌ يُشرع تقبيله واستلامه، وتُحط الخطايا والأوزار فيه؛ غير الحجر الأسود، والركن اليماني).
وقال الإمام النووي: (يكره مسحه –أي قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم- باليد وتقبيله، بل الأدب أن يـبتعد منه كما يـبتعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يُغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك.. ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة، فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع).
ولو جاز التقبيل والتمسح بكل ما مسَّه النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، لرأينا الصحابة -رضي الله عنهم- يتمسحون بجدران بيته والأماكن التي مسّها صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ما لم يُنقل ألبتة لعدم حصوله. ثم التقبيل والتمسح إنما يُفعل كعبادةٍ، والعبادة لا بد لها من دليل، مثلها مثل الطواف والسعي.
ولو جاز جعل القبر محلاً للتقبيل والتمسح والتبرك والطواف: لكان عيدًا يقصده الناس للاجتماع والتعظيم، وطلب الحاجة، وهذا ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجعلوا قبري عيدًا، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنـتم).
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قالت عائشة رضي الله عنها: (لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خَشي أو خُشي أن يُتخذ مسجدًا).
ولذلك لم يثبت أن أحدًا من الصحابة أو من التابعين لهم بإحسانٍ قد تبركوا بقبر النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أو أمروا بذلك، بل كانوا ينهون عن ذلك.
ومما استدل به الأخ (زهير) قصة (منديل المسيح) ووصفها بأنها رواية رائعة. أقول: ما هكذا يستدل أهل العلم، فإن هذه القصة باطلة، ولا أساس لها من الصحة، حيث أن المؤرخ (حسين الديار بكري) ساقها في كتابه (تاريخ الخميس) من غير سندٍ أو مصدرٍ، مع أن ما بينه وبين الحادثة نحو ثمانمائة سنة، هذا أولاً.
الأمر الثاني: أن القصة لو صحت لا دلالة فيها على اهتمام المسلمين بذلك المنديل، وبل فيها دلالة اهتمام الكفار بذلك، وهذا ليس حجة في دين المسلمين.
الثالث: أننا أمام أمرين اثنين: إما أن المنديل ثبتَ أنه للمسيح عليه السلام أو لم يثبت، فإن كان لم يثبت فلا دلالة في القصة إلا على تعظيم الكفار لمثل هذه الأمور، فهو دليل ضد الأخ زهير لا معه. وإن ثبت أنه منديل المسيح فدلَّ على تفريط المسلمين بآثار الأنبياء الثابتة، وتسليمها للكفار، وهذا يخالف كلام الأخ (زهير) من أنَّ المسلمين حفظوها في قلوبهم وأرواحهم، وعاشوها في حياتهم، ثم قاموا بنقلها تامة لتحفظ في عقول الأجيال!

أما قول الأخ (زهير) : (والتبرك لا يعني الشرك، بل إنه لا يؤدي إلى الشرك كما يخاف ويظن البعض، فالعقيدة الإسلامية راسخة في القلوب والعقول).
إن كان يقصد التبرك المشروع الذي تقدم شرحه فصحيح، وإن كان يقصد التبرك الممنوع، فهذا مخالفٌ للواقع المشاهد والمسموع الذي يعرفه كل من له أدنى اطلاعٍ على أحوال الناس، فقد رأيتُ بنفسي في مصر -في مكانٍ يُزعم أنه قبر رأس الحسين رضي الله عنه- الناس يطوفون على القبر كالكعبة، ويستلمون إحدى زواياه بالتكبير، ثم يطوفون عليه، ويتمسحون به، ويدعون الحسين باسمه أن يشفي مرضاهم ويُغني فقراءهم، فلما أنكرتُ عليهم ذلك، قال لي أحد سدنة القبر، مستدلاً على صحة فعلهم، وفاسد قولي: إنه شاهد يد الحسين عيانًا بيانًا تُسلم عليه وتُقره على فعله ذلك!
ويمكنك أن تشاهد القنوات الفضائية، أو المقاطع المرئية على الإنترنت، لترى حجم البدع والشرك والانحراف الذي وقع فيه كثيرٌ من المسلمين، فقد رأيناهم وسمعناهم يزعمون أن الولي الصالح أو الإمام هو الذي يخلق ويحيي ويميت ويقبض الأرواح، ويجري السحاب ويهزم الأحزاب، وغير ذلك مما تشيب له رؤوس الأطفال!
قال الإمام الشوكاني: (وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يـبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم).
وإن أردتَ شهادةَ من غير أهل السنة، فعليك بما كتبه آية الله العظمى (محمد الخالصي) في كتابه (علماء الشيعة) أو في رسالته إلى (رئيس الحكومة الإيرانية) حيث بيَّن أنه ما من مدينة أو قرية في إيران إلا ويوجد فيها قبر أو شجرة أو صخرة يقدسها الناس، ويلجؤون إليه في قضاء حوائجهم.
بل اقرأ كتب الصوفية وكراماتهم والتراجم المتأخرة وستـتكرر أمامك كثيراً عبارة: وقبره تُقضى عنده الحاجات، وتفرّج فيه الكربات! وقبره ظاهر يُزار ويُتبرك به! وأشد من ذلك!
ولا أدري لو أن الأخ زهيراً رأى عمرَ بن الخطاب –رضي الله عنه-، وهو يقطع تلك الشجرة حتى لا يفتتن الناس بها، فهل سيعترض عليه، ويقول: إن العقيدة الإسلامية راسخةٌ في القلوب والعقول؟!

أما قياسُه ثبوت مواقع بعض الآثار المزعومة بموضع (إبليس) – كما تسميه- فقياس غير صحيح، لأننا عرفنا مواضع الجمرات وغيرها: من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يُؤدي المناسك و يحدد المشاعر، فهذا دينٌ أُخذ من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي أمرنا بذلك، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (خذوا عني مناسككم)، فعرفنا بها ثبوت مواضع المناسك بصورة قطعية. وليس هناك نقلٌ ثابتٌ من وقت خليل الرحمن –عليه السلام- إلى اليومَ يمكن التعويلُ عليه في إثبات تلك المواضع التي وقف فيها إبليس.

أما الاستدلال بأقوال علماء النفس والاجتماع، فليس بحجة في العقيدة والدين، فالدين يُؤخذُ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس علم النفس حجة في الدين والعقيدة.
كما أنه لا يجوز الاحتجاج في العقيدة الإسلامية بما فعله الفراعنة واليهود والنصارى والوثنين، كيف ذلك ونبينا الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، كما رواه البخاري، قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه). وكذا قال صلى الله عليه وآله وسلم، كما رواه البخاري أيضًا: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك). بل ذلك عين المخالفة للحديث الصحيح: (لا تُطْروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم)!
ولذا، فنحن نفتخر ونعتز ونتبرك باتباع سنة نبينا الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، وما ثبت عنه، وما فعله الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يسعنا إلا أن نتبعهم شبرًا بشبر. ولذا فنحن نؤمن بالتبرك الذي دلَّ عليه النقل الصحيح، كالتبرك بتلاوة القرآن الكريم، وذكر الله، والتبرك بذات النبي في حياته وبما ثبت من آثاره المنفصلة عنه، ونتبرك بدعاء الصالحين لا بذواتهم أو آثارهم، ونتبرك بشرب ماء زمزم، ونحوه مما أرشدنا النص الصحيح إليه، فهذه عبادة، والعبادة توقيفية لا اجتهاد فيها ولا قياس.
وكذلك نؤمن ببركة ما ثبت في الصحيح، كبركة مكة والمدينة، والأقصى، والشام، واليمن، وبركة عجوة المدينة، وبركة شجرة الزيتون، والنخلة، وبركة اللبن، وبركة السحور، وبركة المطر، وبركة الخيل، إلى آخر ما ثبت. وبركة بعض الأزمان؛ كأيام رمضان، والعشر من ذي الحجة، وأيام التشريق، وليلة القدر، ويوم الجمعة، وبركة الثلث الآخير من الليل، وغيرها.
نأخذ كل ذلك من قوله وفعله صلى الله عليه وآله وسلم، وفعل أصحابه رضي الله عنهم، لا من الفراعنة أو الوثنيين واليهود والنصارى!

رابعاً: بعد اتضاح الموضوع للمنصف المتّبع للدليل الصحيح فلا بد من بيان نقطة أخرى مهمة جدًا تتصل بالمقام، وهي: أنه لا يوجد شخصٌ يساوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يُدانيه في الفضل، ولذا فإن بركة ذاته وأفعاله وآثاره خاصةٌ به صلى الله عليه وآله وسلم، ليست لأحدٍ غيره، ونحن إنما علمنا مشروعية التبرك بذاته وآثاره صلى الله عليه وآله وسلم من فعل الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بذلك واستحبابه ذلك، ومن الطريق نفسه علمنا عدم مشروعية التبرك بغيره؛ علمناه بما صحَ عن الصحابة رضوان الله عليهم. فهذا الأمر دين، والدين يُؤخذ بالنقل الصحيح، وليس بالأقيسةِ أو استحسان العقل، فالأصلُ في العبادات أنها لا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والدين قد تمّ وكَمُل بنص الآية الكريمة، ولم يـبق فيه مجالٌ لمستدرك.
فلم يُنقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أو استحب لأصحابه التبرك بذات غيره أو آثاره، ولم يُنقل أن أحدًا من الصحابة –رضي الله عنهم- تبرك بذات غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو آثاره، لا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بعد مماته.
كذلك لم يتبرك أحد من الصحابة بأصحاب السبق والفضل فيهم، كالخلفاء الأربعة، أو العشرة المبشرين بالجنة.
قال الإمام الشاطبي في كتابه (الاعتصام) عن الصحابة: (لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها -يعني التبرك بالآثار- بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو إذن إجماعٌ منهم على ترك تلك الأشياء).
ثم بيَّن الإمام الشاطبي سبب إجماع الصحابة على ترك التبرك بغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنهم اعتقدوا فيه الاختصاص، وأنَّ من تبرك بغيره فهو مُبتدع.
وقد أكد الإمام ابن رجب على أنَّ التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة مع النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم، ولم يكن يفعله التابعون مع الصحابة.
قال ابن رجب: (دل على أن هذا لا يُفعل إلا مع النبي، صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي الختام نسأل الله الهداية والتوفيق والسداد لجميع المسلمين، وأن يجعلنا ممن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم الاتباع الكامل فأحبه الله وغفر له، كما قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)، آمين.


مــنقول


ـــــــــــــــــــــــــــــ

أحكام التبرك



للشيخ محمد الهبدان




نقلا من موقع المختار الإسلامي


بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ،أما بعد:



فهذه نبذة يسيرة عن أحكام التبرك ..



التبرك: تفَعّل من البركة ، وهي كثرة الخير وثبوته.



اعلم رحمك الله أن التبرك على قسمين :



القسم الأول : تبرك مشروع وله أنواع منها :



1 ـ التبرك بالأقوال والأفعال والهيئات :



ـ بالأقوال : كقراءة القرآن فمن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات ، وأنه شفاء للناس وهدى ورحمة .



ـ بالأفعال : طلب العلم وتعلمه ؛ فمن بركته : الرفعة في الدنيا والآخرة .



ـ الهيئات : الاجتماع على الطعام ، يقول - صلى الله عليه وسلم - : " اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله عليه ، يباركْ لكم فيه " رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2/717) .



2 ـ التبرك بالأمكنة :
هناك أمكنة معينة جعل الله فيها البركة إذا تحقق في العمل الإخلاص والمتابعة .



فمن هذه الأمكنة :



ـ المساجد : وأعظمها المساجد الثلاثة ـ الحرم المكي ، والمدني ، والأقصى ـ والتماس البركة فيها إنما يكون بأداء الصلاة فيها ، والاعتكاف ، وحضور حلق العلم ، ولا يكون بالتمسح بجدرانها أو ترابها مما هو ممنوع .



ـ مكة والمدينة والشام : قال - صلى الله عليه وسلم - : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا إبراهيم لأهل مكة " رواه مسلم.



وقال - صلى الله عليه وسلم - : " طوبى لأهل الشام . فقلنا : لأي شيء ذاك ؟ فقال : لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه " رواه أحمد والحاكم وصححه على شرطهما .



فمن سكن مكة والمدينة طلبا لما فيها من البركة التي أخبر عنها النبي r فقد وفق إلى خير كثير ، بخلاف ما لو طلب التبرك بالتمسح بترابها وجدرانها وأشجارها وغير ذلك مما لم يرد به الشرع، فإنه بدعة.



ـ المشاعر المقدسة : كعرفة ومزدلفة ومنى ؛ فهي أماكن مباركة لما في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم بالحصول فيها في الأوقات المشروعة من غفران الذنوب وحصول الأجر الكبير .



3 ـ التبرك بالأزمنة :
هناك أزمنة خصها الشرع بزيادة فضل وبركة ، مثل :



ـ شهر رمضان : لما فيه من صيامه من غفران الذنوب ، وزيادة رزق المؤمن وغير ذلك .



ـ ليلة القدر : والتي هي خير من ألف شهر .



ـ عشر من ذي الحجة .



ـ يوم الجمعة .



ـ الثلث الأخير من الليل .



4 ـ التبرك بالأطعمة :
من الأطعمة التي تلتمس فيها البركة :



ـ زيت الزيتون فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كلوا الزيت وادهنوا به ؛ فإنه من شجرة مباركة " رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .



ـ اللبن : لحديث عائشة : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتي بلبن قال : كم في البيت بركة أو بركتين " رواه أحمد .



ـ الحبة السوداء : فهي شفاء من كل داء إلا السام كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - .



ـ ماء زمزم : فإنها مباركة ، إنها طعام طعم .



5 ـ التبرك بالحيوانات :
من الحيوانات التي تلتمس فيها البركة :



ـ الخيل : فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " رواه البخاري .



6 ـ التبرك بالأشجار :
من الأشجار التي تلتمس فيها البركة :



ـ النخل : فقد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : " إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم " رواه البخاري .



7 ـ التبرك بالأنبياء - عليهم السلام - :
كالتبرك بعرقهم أو شعرهم أو ريقهم أو التمسح بهم ، فهذا جائز لأن الله تعالى جعل أجسادهم مباركة وثبت أن الصحابة فعلوه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيأتي الكلام عليه .



فهذه الأشياء تلتمس منها البركة حسب ما جاء عن الشارع ، ولا يتعدى بها الوجه المشروع والمباح .



القسم الثاني : التبرك الباطل



وقبل الخوض في أنواعه لابد أن نعرف حكم التبرك بهذه الأشياء وهي على قسمين :



القسم الأول : شرك أكبر : وذلك إذا طلب بركتها معتقدا أن هذا الشجر أو الحجر أو القبر إذا تمسح به أو تمرغ عليه أو التصق به يتوسط له عند الله فهذا اتخذه إله مع الله تعالى .



القسم الثاني : شرك أصغر : إذا كان هذا التبرك بنثر التراب عليه أو إلصاق الجسم بذلك أو التبرك بعين ونحوها جعله سببا لحصول البركة بدون اعتقاد أنه يوصل إلى الله ، كمن يلبس التميمة ونحوها ([1]).



1 ـ التبرك بالأمكنة المباركة على غير ما ورد في الشرع ؛ كتقبيل أبواب المساجد ، والتمسح بأعتابها والاستشفاء برتبتها ، ومثل ذلك : التمسح بجدران الكعبة ، أو مقام إبراهيم وغير ذلك .



2 ـ ومن ذلك أيضا الذهاب إلى القبور لا لقصد الزيارة ، وإنما لقصد الدعاء عندها لأجل بركتها واعتقاد أن الدعاء عندها أفضل .



3 ـ ومن ذلك : التبرك بالأماكن التي جلس فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - كغار حراء أو ثور أو موضع مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو موضع بيعة العقبة أو نحوها.



4 ـ ومن ذلك التبرك بالأماكن التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - اتفاقا كأن يكون في سفر ونحو ذلك ، ولم يقصد تخصيصها بالصلاة فيها ؛ فإنه لا يشرع تتبعها والتقرب إلى الله – تعالى - بالصلاة فيها ؛ لأنها لم تكن مقصودة لذاتها .



روى ابن سعد في الطبقات (2/100) عن نافع ؛ قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان ، فبصلون عندها ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فأوعدهم فيها وأمر بقطعها " .



5 ـ ومن ذلك : تخصيص أزمنة معينة بنوع من التعظيم والاحتفالات والعبادات ؛ كيوم مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ويوم الإسراء والمعراج ، ويوم الهجرة ، ويوم بدر ، وفتح مكة ، وغير ذلك ؛ فالتبرك بالأزمنة على هذا النحو من البدع .



6 ـ ومن ذلك : التبرك بالأحجار والأشجار ونحوها ؛ فيصلون عندها أو يأخذون ورقها أو يحتفظون بأحجار من مكة أو المدينة أو غيرهما أو شيء من أجزاء المساجد ، والاحتفاظ بهذه الأشياء للتبرك فكل هذا من التبرك الممنوع . كما في حديث أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - الذي ذكره المصنف .



7 ـ ومن ذلك : التبرك بذوات الصالحين وآثارهم ؛ فلم يؤثر عن أحد من الناس أنه تبرك بوضوء أبي بكر أو عرقه أو ثيابه أو ريقه أو غير ذلك ، ولا عمر ولا عثمان ولا علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ، وإنما كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتبركون بوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وجسمه وعرقه وريقه وشعره وملابسه ، وهذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن يقاس عليه أحد من الصالحين ، ولو كانوا الخلفاء الراشدين أو العشرة المبشرين ، فضلا عن غيرهم ؛ لأن التبرك عبادة مبناها على التوقيف والاتباع .



أسباب التبرك الباطل :



1 ـ الجهل بالدين : يقول ابن الجوزي : ( الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل ، فهو يدخل منه على الجهال بأمان ) [2] وقال القرافي المالكي : ( أصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ، كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استعطت والله تعالى هو المعين على الخير كله )[3]



2 ـ الغلو في التعظيم :كالغلو في الصالحين أو الأماكن ونحوها ، وهذا يكثر عند فرق الروافض والصوفية المبتدعة ، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " رواه النسائي، يقول البوصيري في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :



يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم



فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم



3 ـ التشبه بالكفار : فمن ذلك إحداث الاحتفال بالموالد والأعياد ، وبناء المساجد على القبور والتبرك بها ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لتتبعن سنن الذين من قبلكم ، شبرا بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم ، قلنا يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال : " فمن ؟ " رواه البخاري ومسلم .



آثار التبرك الممنوع:



1 ـ أن يوصل العبد للشرك الأكبر كمن يتبرك بالأموات من الأنبياء أو الصالحين وغيرهم .



2 ـ أن يكون التبرك وسيلة إلى الشرك كمن يصلي عند القبور أو يبني المساجد والقباب عليها ، أو الدعاء عندها .



3 ـ أن يبتدع الإنسان في دين الله – تعالى - فمن ذلك مثلا شد الرحال إلى زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأنبياء والصالحين أو التبرك بقبور الأنبياء والصالحين أو قصد مواضع صلاة أو جلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة أو الدعاء مما لم يفعله - صلى الله عليه وسلم - على وجه التعبد ، أو التبرك بمكان ولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بليلة مولده .



4 ـ أن يوصل العبد إلى اقتراف المعاصي وانتهاك الحرمات مثل ما يحصل في أعياد المولد النبي ، وأعياد موالد الأولياء من استعمال الأغاني والرقص واختلاط الرجال والنساء وتبذير الأموال لإقامة الحفلات ونحو ذلك .



5 ـ الوقوع في أنواع من الكذب من أجل الاستدلال على شرعية ما ذهبوا إليه أو لغرض تعيين موضع التبرك أو محله ، فقد أوردوا أحاديث موضوعة في فضل زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - وفي فضل الصخرة بالقدس ، أو زعمهم أن دار خديجة رضي الله عنها بمكة أفضل المواضع بعد المسجد الحرام ، وأن الدعاء يستجاب فيها ،ولعل خير مثال على ذلك من تعدد المدن التي يقال إن رأس الحسين بن علي - رضي الله عنهما - موجود فيها ، فقد بلغ عددها ثمانية أسماء .



6 ـ تحريف النصوص وتحمليها ما لا تحتمل : كاستدلالهم على مشروعية التبرك بالمواضع التي صلى فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحديث صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت عتبان بن مالك - رضي الله عنه - .



7 ـ إضاعة السنن: وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن ولهذا جاء في الحديث: " ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة " رواه أحمد.



8 ـ التغرير بالجهال، وإضلال الأجيال.



` قواعد لابد من معرفتها في هذا الباب:



الأولى : أن البركة كلها إنما هي من الله وحده ، فهو مالكها وواهبها ، فلا تطلب من غيره .



الثانية : أن جعل شيء سبباً في حصول بركة وخير ، لابد من دليل صحيح عليه ، إذ الأصل في ذلك التوقف.



الثالثة : أن الشيء إذا ثبت دليل بركته ، لم يَخْرج عن أحكام باب الأسباب ، من كونه لا يخرج عن قضاء الله وقدره ، وأن واهب البركة هو الله حقيقة ، لا السبب، إلى غير ذلك.



الرابعة : أن التبرك بما ثبت بركته ، لا يفيد غير المؤمن بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .



الخامسة : طريقة التبرك بما ثبتت بركته شرعاً ينبغي أن تكون شرعية ، وأن لا يبتدع في ذلك هيئات وطرائق لم يفعلها السلف الأول - رحمهم الله - . [4]



___________



([1]) انظر : شرح الشيخ صالح آل الشيخ على كتاب التوحيد (1/82) .



[2] ـ تلبيس إبليس ص 130 .



[3] ـ الفروق (4/265) .



[4] ـ انظر : إفادة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ص 47 للشيخ صالح الأسمري.




19/6/1429 هـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


التبرك المشروع والممنوع

للشيخ محمد صفوت نور الدين رحمه الله


http://www.alukah.net/Books/Files/Bo...prohibited.rar
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:40 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.