ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-03-16, 02:23 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

الحمد لله وبعد.
قال ربنا تبارك اسمه (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) من أراد العزة فالقرآن، ومن أراد الحفظ من كل باطل في العلم والسبيل.. فالقرآن، ومن أراد تحقيق الحمد فالقرآن..
وقال ربنا تبارك اسمه (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) أي أحدثوا كتبا عكفوا عليها، وتركوا كتاب الله، فتفرقوا في الدين.. لذلك رفعت العزة عن كثير من المسلمين.
ألست ترى القرآن لا يكاد يُقرأ إلا للتبرك؟ ألسنا قد استبدلناه بالمثناة؟ ووقفنا مع "المصالح المرسلة" كأنها غايات؟..
فهذه نبذ أهديها لك أخا الإيمان، دعوة إلى رد العلم كله إلى القرآن، لمن فتح الله بصيرته بالسنن التي هي بيان، قال مسروق بن عبد الرحمن: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا علمه في القرآن إلا أن علمنا يقصر عنه اهـ صحيح، رواه أبو خيثمة وأبو عبيد. فهذا باب الاستغناء بالقرآن، أن تأخذ مفاتحه من رسول الله وأصحابه، لا كقول الضُّلاّل الذين خلعوا من السنن أيديهم.. ولكن متى تعلمت سنة فالتمسها في كتاب الله، سنة ماضية.
روى مخارق بن سليم أن عبد الله بن مسعود كان يقول: إذا حدثتكم بحديث أتيتكم بتصديق ذلك من كتاب الله ، إن العبد المسلم إذا قال: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله قبض عليهن ملك، فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن، فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن تعالى ، ثم قرأ عبد الله (إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه). صحيح، رواه الطبراني.
وعنه قال عبد الله: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديق ذلك، إن العبد المسلم إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فيوسع له في قبره، ويفرج له فيه، ثم قرأ عبد الله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين). رواه الطبراني والحاكم وصححه والذهبي.
وكان ابن مسعود يقول: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين. رواه الطبراني والفريابي وغيرهما.
وعنه قال : لما أسرى ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم و موسى و عيسى فتذاكروا الساعة فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم ثم موسى فلم يكن عنده منها علم فتراجعوا الحديث إلى عيسى فقال عيسى: عهد الله إلي فيما دون وجبتها فلا نعلمها قال: فذكر من خروج الدجال فأهبط فأقتله ويرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج و هم من كل حدب ينسلون فلا يمرون بماء إلا شربوه و لا يمرون بشيء إلا أفسدوه فيجأرون إلى الله فيدعون الله فيميتهم فتجأر الأرض إلى الله مِن ريحهم و يجأرون إلي فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فيحمل أجسامهم فيقذفها في البحر ثم ينسف الجبال و تمد الأرض مد الأديم فعهد الله إلي إذا كان ذلك فإن الساعة من الناس كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها ليلا أو نهارا. قال عبد الله بن مسعود : فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله عز و جل (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج و هم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق). رواه الحاكم وصححه والذهبي.
وروى البخاري ومسلم عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان . قال عبد الله ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله جل ذكره (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله) الآية .
وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار . فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر. ثم قرأ (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) إلى قوله (للعسرى). رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرءوا إن شئتم (وظل ممدود). رواه البخاري. ونظائر هذا في الصحاح كثير. تدل على أنها سنة عن رسول الله جارية.
وعن أبي رزين قال خاصم نافعُ بن الأزرق ابنَ عباس فقال: هل تجد الصلوات الخمسَ في القرآن؟ فقال: نعم. ثم قرأ عليه (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) المغرب والفجر (وعشيا) العصر (وحين تظهرون) الظهر قال (ومن بعد صلاة العشاء). رواه عبد الرزاق والطبراني وصححه الحاكم والذهبي. ومثل هذا عن ابن عباس يكثر .
وكذلك كان التابعون بعدهم. فعن أيوب عن سعيد بن جبير قال: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله عز وجل حتى بلغني أنه قال: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار. قال سعيد: فقلت: أين هذا في كتاب الله ؟ حتى أتيت على هذه الآية: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) قال: من أهل الملل كلها. صحيح، رواه ابن أبي حاتم. ورواه الحاكم عن ابن عباس، وصححه والذهبي، والصواب عن سعيد قوله.
وعن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن دراة عن حمران مولى عثمان قال : مررت على عثمان بفخارة من ماء فدعا فتوضأ فأحسن الوضوء ثم قال : لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه و سلم غير مرة أو مرتين أو ثلاث مرات ما خبرتكموه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما توضأ عبد فأسبغ الوضوء ثم قام إلى الصلاة فصلاها إلا غفر له ما بينه و بين الصلاة الأخرى. قال محمد بن كعب: و كنت إذا سمعت حديثا من رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم التمسته في القرآن ، فالتمست هذا في القرآن فوجدته (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك) فقلت : إن الله لم يتم نعمته على نبيه حتى غفر له ذنوبه ثم قرأت في سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) إلى قوله (وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) فعلمت أن الله لم يتم عليكم النعمة حتى غفر لكم اهـ رواه البيهقي في الشعب وسنده صحيح إلى القرظي رحمه الله. وفي الباب آثار غيرها كثير ..
فانظر رحمك الله كيف كانت سنة الأولين في العلم والتعليم ، السننُ في صدورهم ، وروايتها بالمعنى تسعهم، والكتاب الذي يُدَرّس هو كتاب الله تعالى. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى كان عبد الله بن مسعود إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف فقرءوا وفسر لهم اهـ صحيح، رواه أبو عبيد. وقال إسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس السكوني قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن من أشراط الساعة أن يبسط القول ويخزن الفعل ، وإن من أشراط الساعة أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار ، وإن من أشراط الساعة أن تقرأ المثناة على رؤوس الملأ لا تغير . قيل : وما المثناة ؟ فقال : ما استُكتب من غير كتاب الله . قيل : يا أبا عبد الرحمن ، وكيف بما جاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما أخذتموه عمن تأمنونه على نفسه ودينه فاعقلوه ، وعليكم بالقرآن فتعلموه وعلموه أبناءكم فإنكم عنه تسألون ، وبه تجزون ، وكفى به واعظا لمن كان يعقل اهـ رواه أبو عبيد وغيره.
ولم يترك رسول الله إلا ما بين الدفتين قاله ابن عباس وعلي وابن أبي أوفى وغيرهم. وقال عمر بن الخطاب: حسبنا كتاب الله. رواه البخاري ومسلم. وقال عبيد بن عمير وطاووس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: لا يمسك الناس علي بشيء، لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه. وهذا مرسل جيد أخرجه عبد الرزاق وابن سعد، كتبته في الأطعمة. معناه أن كل سنة هي بيان لآية من كتاب الله تعالى شأنه. وقال هشام بن عامر لعائشة: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. رواه مسلم. وقال رسول الله: أعجب الناس إيمانا قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه. حسن، رواه البزار والطبراني وغيرهما.
فلا يبلغ الرجل أن يكون عالما فقيها متبعا، حتى يبصر السنة في القرآن، فيميز الأصل من البيان، فيعكف على كتاب الله، وهو كتاب جاهز لدرس التوحيد والفقه والأصول .. يشرحه بالسنن الماضية، كذلك سنة مَن سَلف رضي الله عنهم . كفاهم كتاب الله كما أنزله الله.
يتبع..
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-03-16, 03:05 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

ثم اعلم أخا الإسلام أن القرآن نزل على عرف العرب في لسانها، لا تتقيد "بوحدة الموضوع".
وهي مسألة تجدها هنا:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=359074
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-03-16, 05:19 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

فصل في الاستغناء بالقرآن في التوحيد والمواعظ والقصص
والقرآن أفضل "متن" لتدريس العقائد والرد على المبطلين، في آيات مباركات، وفي سورة التوحيد التي تعدل ثلث القرآن، (قل هو الله أحد) ذِكرُ الألوهية (الله الصمد) ذكر الربوبية (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) ذكر الأسماء والصفات. وفي سورة الناس كذلك (قل أعوذ برب الناس) الربوبية (ملك الناس) الأسماء والصفات (إله الناس) ذِكر الألوهية. والقرآن كله مبثوثة فيها معاني التوحيد، وبيان أسماء الله وصفاته، والتذكير به وبلقائه.. ومجموع ذلك كله في أم القرآن. وذِكرُ صفات الله تعالى في القرآن مفرقٌ، غير مجموع في سياق واحد، فتارة يقترن ذكرها بخبر، وتارة بأمر من لدنه سبحانه.. في مواضع مختلفة. والحكمة في تفريقها، ومن جمعها في سياق واحد ربما أوهم التشبيه. وطريقة القرآن هي الخير كله.
وفيه خير موعظة وذكرى لمن أراد الوعظ (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد).
وفي القرآن ذكر بدء الخلق خلق السماوات والأرض وخلق آدم ، وأخبار الأمم من قبلنا (نحن نقص عليك أحسن القصص). قال قيس بن سعد : جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً) (واذكر في الكتاب إسماعيل) الآية (واذكر في الكتاب إدريس) الآية. حتى بلغ (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين) قال ابن عباس: ذكِّرهم بأيام الله ، وأثن على من أثنى الله عليه اهـ رواه ابن وضاح، كتبته في المنتخل .
وفي القرآن غنية لمن ابتغى تدريس السيرة أخبارِ رسول الله وأيامه. فيه مبدأ نبإ محمد صلى الله عليه وسلم أنه دعوة إبراهيم في سورة البقرة وفي سورة إبراهيم، وبشارة عيسى به في سورة الصف، بل وموسى في الأعراف، بل والأنبياء كلهم في سورة آل عمران (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين). وذكر نشأته ويتمه وكفالته وشرح صدره ونكاحه خديجة وبدء الوحي في سورة الضحى والشرح. قال ابن جرير حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى) قال: كانت هذه منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى اهـ سند جيد. وبدء الوحي في قوله (ووجدك ضالا فهدى). (ووجدك عائلا فأغنى) بمال خديجة رحمة الله عليها.
وفيه ذكر الإسراء والمعراج في سورة بني إسرائيل والنجم ، وانشقاق القمر في سورة القمر ، وذكر ما آذاه به قومه في غير سورة . وفيه هجرة رسول الله وأصحابه (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) في آيات أخر . وذكر الغار ثاني اثنين في براءة . وبناء مسجده في قول الله تعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) "من أول يوم" تنبيه إن شاء الله على أن أول التأريخ من الهجرة ، كأنه أول أيام الأمة. وغزوة بدر في سورة الأنفال، ويوم أحد في آل عمران، والخندق في سورة الأحزاب، وفيها نكاحه زينب بنت جحش، وخبر الإفك في النور، وخبر بني النضير وبني قينقاع في الحشر، والحديبية في سورة الفتح، وفتح مكة في النصر، وحنين وتبوك في براءة، وحجة الوداع في المائدة. وموت إبراهيم ابن نبي الله تجده في قوله سبحانه (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) فدل على أن ابنه لا يبلغ مبلغ الرجال. وفي سورة النصر تنبيه على دنو أجله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
وفيه أنه ميت قبلهم وأنهم مُخلّفون بعده (إنك ميت وإنهم ميتون) في نظائرها. وفيه أن الخلفاء من بعده من المهاجرين ، فقد سمى الله المهاجرين في سورة الحشر الصادقين (أولئك هم الصادقون) وقال في براءة (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فأمر الناس أن يكونوا معهم، وبدأ بهم في قوله (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) الآية. فهم أئمة الناس، يروى هذا الفقه عن أبي بكر الصديق. وفيها دلالة على أن الصديق هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أول الصادقين. وخبر الرِّدَّة في قول الله تعالى (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين). وخلافة عمر في قول الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) كان التمكين زمان أمير المؤمنين، وفيها مدحٌ لزمانهما، ودلت الآية على أن الفسق والخروج عن الجماعة يكون بعد التمكين بعد عمر، فهو الباب قُفل الفتنة (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون). وقَتلُ عثمان مظلوما وسلطانُ معاوية في قول الله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل) قال زهدم الجرمي: كنا عند ابن عباس يوما، فقال والله لأحدثنكم بحديث ما هو بسر ولا علانية، ما هو بسر فأكتمكموه، ولا علانية فأخطب به، إنه لما وُثب على عثمان فقتل قلت لابن أبي طالب اجتنب هذا الأمر فستكفاه، فعصاني وما أراه يظفر، وأيم الله ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان لأن الله قال (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وأيم الله لتسيرن فيكم قريش بسيرة فارس والروم قال قلنا : فما تأمرنا يا ابن عباس إن أدركنا ذلك؟ قال: من أخذ منكم بما يعرف نجا ومن ترك وأنتم تاركون كان كبعض هذه القرون التي هلكت اهـ حديث بصري صحيح ، رواه عبد الرزاق وابن شَبَّةَ والطبراني. كان ابن عباس يومها بالبصرة أميرا لعلي. واقتتال المسلمين أيام الفتنة في قوله سبحانه في سورة الأنعام (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض). وبعدها قال سبحانه (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) دلالة على خروج الذين يخوضون في القرآن بالرأي وهم الحرورية وأهل البدع ..
وفيه ذكر الفتن بين يدي الساعة، وخروج الدجال ونزول عيسى في سورة الزخرف (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها) وفي سورة النساء (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) وقتال اليهود ومَلِكِهم الدجال في قوله (وإن عدتم عدنا) فقد عادوا إلى الإفساد في الأرض فيوشك الله أن يجعل الدبرة عليهم . وقوله (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) وفي قوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) وفي سورة الصف أيضا تنبيه على نصرة الإسلام في آخر الزمان مع عيسى ابن مريم . وفيه ذكر خروج يأجوج ومأجوج في الكهف والأنبياء، والدابة في النمل، وطلوع الشمس من مغربها وإغلاق باب التوبة في الأنعام. وقال ابن مسعود: لينتزعن هذا القرآن من بين أظهركم قالوا : يا أبا عبد الرحمن كيف ينتزع وقد أثبتناه في مصاحفنا ؟ قال : يسرى عليه في ليلة فلا يبقى في قلب عبد ولا مصحف منه شيء ويصبح الناس فقراء كالبهائم. ثم قرأ عبد الله (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا). صحيح رواه الطبراني وغيره. ورفع البيت في قوله سبحانه (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس).
وفيه بدء خلق الإنسان من طين أطوارا إلى موته، في آيات. وفتنة القبر في سورة إبراهيم وغيرها.
وفيه أحوال البعث والنفخ في الصور، والحشر، والقيام لرب العالمين، والإتيان بجهنم، والحوض في سورة الكوثر، والنجوى (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) في نظائرها، والصراط (وإن منكم إلا واردها)، وفيه ذكر الميزان، ومن يؤتون صحائفهم بالأيمان أو الشمائل خلف ظهورهم، وذكر النار وما فيها من الخزي نعوذ بالله منها. وفيه الشفاعة، وذكر الجنة ونعيمها (وأدخلهم الجنة عرفها لهم)، ورؤية الرب تبارك اسمه وتعالى جده. نسأل الله رحمته، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم.
فلا جرم أن قال ابن تيمية في سجنه رحمه الله: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها ، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن اهـ ذكره ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة [2/402]. فلنأخذ العبرة من هؤلاء الكبار ، رحمة الله عليهم ، وحشرنا وإياهم في حوض نبيه غير محجوبين .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-03-16, 09:26 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

فصل في اشتمال القرآن على فقه العمل
والقرآن هو سبيل التفقه في الدين لمن علم السنة، فإنه كتاب جاهز للتدريس.
من أراد فقه الطهارة فقد جمعت آيةُ الوضوء في المائدة فوائدَها، من فسرها بالسنة الماضية كفاه. ومثلها التي في سورة النساء، مع ما فيها من ذكر السهو والصلاة في حضرة الطعام، وما أشبه ذلك.
وقوله سبحانه (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) أي لا ينجسه شيء اشتمل على أحكام المياه، ومثله قوله (فلم تجدوا ماء) في آية الوضوء، تفصيله في السنة.
وقوله تعالى شأنه (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) الآية كلها تضمنت أحكام الحيض، أن العبرة بالعادة التي هي زمان الحيض في قوله (في المحيض) وهو مكان الحيض وزمان الحيض، وأن الطهر هو ذهابه بينته السنة، وأن الاستحاضة ليست حيضا، وأن رأس المولود يحلق لقوله (هو أذى) وفي الحديث: يماط عنه الأذى. وأن دم الحيض نجس. وأن الحائض لا تصلي لأنها غير طاهر، وفي معناها النفساء. وذكرت أمورَ الفِراش.. في مسائل بينتها السنة.
وقول الله تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) الآية، أتت على أحكام المساجد، منها كراهة زخرفتها، وفضل كنسها، وأنها لا تغلق أبوابها، وأن صلاة الجماعة في المساجد للرجال، وأن صلاة النساء في بيوتهن، في مسائل غيرها كثير.
وفي القرآن الأمر باستقبال القبلة في سورة البقرة، ودعاء افتتاح الصلاة في قول الله تعالى (وسبح بحمد ربك حين تقوم) وذِكر الاستعاذة في قوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم). ودل قول الله تعالى (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) على أن الفاتحة تثنى في كل صلاة. والأمر بالركوع والسجود، والأمر بإقام الصلاة، وبالتشهد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال سبحانه (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) بصلاتك بقراءتك، فأثبتت الجهر، وبينت السنة تفاصيل كل ذلك، كيف تطيع الله تعالى في ما أمر.
وفي القرآن ذكر المواقيت في حديث أبي رزين الكوفي عن ابن عباس، تقدم ذكره، وثبت نحوه عن أبي هريرة، وقال الله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر) .
وفي قول الله تعالى (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) أحكام اللباس ومنه الصلاة في النعال فإنها من زينة العرب، وغيرها مما لو ثَوّرت القرآن بالسنة لفُتح لك باب الاستغناء بالقرآن في التفقه في الدين. ثم يؤخذ من السنة البيانُ بالعمل. وفي قول الله تعالى (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) أن الذهب والحرير للنساء دون الرجال ، كذلك سائر ما كان من شأنهن لا يكون للرجال. وما سوى ذلك في قوله سبحانه (تستخرجون حلية تلبسونها).
وذَكَر القرآنُ النجاسات متفرقة في مظانها مثل الدم والخمر والحيض ، وفي ذكر (الغائط) وهو المنخفض من الأرض الخلاء، دلالة على أن ما يفعله المتغوط وهو البول والغائط والودي نجس تنزه عنه الثياب والمساجد والبيوت، لذلك يبتعد به إلى الخلاء.
وقوله تعالى (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) تضمن أحكام الأذان ككراهة التغني بالأذان لأنه من اللعب، والأذان لوقت الصلاة، ومتابعة المؤذن في كلماته لقوله (ناديتهم)، والمنادي واحد لكن السامع مشارك له كقوله (فعقروها) والعاقر واحد (إذ انبعث أشقاها) (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر)، وكقوله (قد أجيبت دعوتكما) ..
وفي سورة الجمعة أحكام الجمعة، كالتجمل لها في قوله (فاسعوا إلى ذكر الله) مع قوله (خذوا زينتكم عند كل مسجد) فدخل فيه الغسل والطيب وحسن الملبس، وأن المشي لها أفضل من الركوب، والأذان لها، وأن الخطبة شرعت لذكر الله، لا يصلح فيها حديث أهل الدنيا والسياسات، وأن الخطبة قيام لقوله (تركوك قائما)، وفيها النهي عن اللغو في الخطبة لقوله (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك)، وفيها أن الخطبة قبل الصلاة لقوله (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا)، وأن القائلة بعدها، وأن يوم الجمعة لا يعطل من البيع والتجارة .. في مسائل دلت عليها السنة .
وقول الله تعالى (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) فيه صلاة الجنازة وتشييع الميت إلى قبره (ثم أماته فأقبره). وتجهيزه في قوله (والتفت الساق بالساق).
وقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) إلى قوله (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) جامع لمسائل الصيام ، وصلاة العيد ، والاعتكافِ لمن تعلم السنن .
وقول الله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) جامع لأحكام الصدقات ، في نظائره في البقرة والأنعام . وزكاةُ الفطر في سورة الأعلى .
وقول الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) إلى قوله (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) جمعت الآيات أحكام الحج، مع نظائرها في سورة الحج وآل عمران، وفدية الصيد في سورة المائدة .
والقرآن ذكر أحكام الأنكحة والمحارم ومسائل النكاح والطلاق والعِدد في سورة البقرة والنساء وسورة الطلاق. والظهار في سورة المجادلة. واللعان في سورة النور .
وقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) إلى قوله (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) جمع أحكام الأيمان والنذور. والقسامة في قوله تعالى (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها) الآية. فإنما استُنطق صاحب الدم ، كذلك في القسامة يتقاسم أولياء الدم الأيمان .
والحدود في سورة النور والمائدة، في مسائل لمن ثَوّر القرآن بالسنن الماضية. ورجم الزاني المحصن في قول الله تعالى (ويدرأ عنها العذاب) وقوله (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) الآية من سورة المائدة نزلت في ذلك، بينته السنة مع الآية المنسوخة (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة). فمن كان مُدَرّسا مسائل الحدود فهذه أبوابها يشرحها بالسنة الماضية.
وآداب النساء والبيوت في سورة النور والأحزاب من الاستئذان والحجاب وغض البصر وذم الخضوع بالقول وبيان المحارم ..
وأحكام القصاص والديات في سورة البقرة والمائدة والنساء، بينت السنة مقاديرها.
وفي البقرة والنساء وسورة محمد أحكام الجهاد، والغنائم والأنفال في سورة الأنفال، والفيء في الحشر ، وصلاة الخوف في النساء والبقرة .
وأحكام البيوع وما شابهها مبثوثة في سورة البقرة والنساء وغيرهما . فعامة مسائل البيوع ترجع إلى ثلاثة أبواب : باب الربا وباب الغرر وباب الغبن . فأما الربا فقد ذكره الله تعالى في البقرة وآل عمران . والغرر هو من الميسر ذكره الله تعالى في المائدة . والغبن في قوله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وما يؤمر به من الصدق وينهى عنه من الكذب والخداع مثل قوله سبحانه (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون). بل هذه الآية (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) انتظمت الأبواب كلها . ونزلت تتناول المضاربة لأنها كانت من أكثر كسب قريش. والإجارة في قول صاحب موسى (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) .
وأبواب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح في سورة المائدة. وتحريم لحوم السباع وكواسر الطير دل عليه القرآن بينته السنة، إذ قد حرم الله ما أكل السبع، ورخص في صيد المعلَّم خاصة من الجوارح كلابا كانت أو طيرا، فدل على أنهن بخلاف الحلال. وجماع هذه الأبواب في قول الله تعالى (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث).
وفي سورة النساء أحكام المواريث والوصايا. وفي قصة البقرة ما يدل على أن القاتل لا يوَرَّث. وأدنى العصبة في قول الله تعالى (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية ، ذَكَرَتِ ذوي المحارم للنساء والعصبة. ومثلها قوله سبحانه (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم) الآية، من بيوتكم من بيوت أبنائكم، وولد الرجل من كسبه (ما أغنى عنه ماله وما كسب) ولده. كل ذلك يفسّره العالم بالسنة للطلاب العلم.
والقرآن في ذلك كله كافٍ لتدريس العلم وتفسيره بالسنة، لمن طلب العلم والإيمان، لا تحتاج معه إلى مثناة.
وقد روى ابن وهب بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا سورة البقرة وسورة النساء وسورة المائدة وسورة الحج وسورة النور، فإن فيهن الفرائض اهـ أخرجه الحاكم وغيره.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-03-16, 02:34 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

فصل في سياق أصول الفقه من كتاب الله
إذ قد علمت أن نظم القرآن عربي، فكذلك كانت مسائل الأصول فيه على هذه السُّنّة. وهذه أجود شيء، وأنفعها لفطرة ابن آدم، إذ قد تخللت الآياتُ الجوامعُ بالذكر والمواعظ الحسان، فيجمع العبد خير العلم والإيمان، غير ذي عوج ولا يُبسٍ. فأين منه التصانيف التي جردت المسائل الأصولية عن غاياتها ومنافعها ..
أصل جامع:
قال الله سبحانه (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذِرين بلسان عربي مبين) هذه الآية أصل من أصول الفقه، مع نظائرها الدالة على أن القرآن عربي جوامع كافية شافية، تُدَرّس بالسنن.
فمن مسائلها أن القرآن نزل على نظم العرب لا تلتزم بوحدة الموضوع، وقد تقدم ذكره.
ومنها أنهم كانوا يعتنون بالمعنى في كلامهم أكثر من عنايتهم باللفظ، لذلك كانوا يسوغون الرواية بالمعنى، فتجد هذا في قصائدهم ربما روي البيت بحروف مختلفة والمعنى واحد. فنزل القرآن على هذا السَّنن، على سبعة أحرف، وفي الحرف الواحد تأتي القصة الواحدة بكلمات مختلفة، بعجل حنيذ بعجل سمين، ونظائر ذلك. لذلك جرت السنة بالرواية بالمعنى لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومنها أن القرآن خاطبهم بما يعرفون، فإن اللسان يتضمن المعارف وما شابهها، ألا ترى أن الله تعالى يقول (والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا) لأن العرب كانوا يحبون الظل لغلبة الحر على بلادهم إلا قليلا، حتى شوقهم الله تعالى إلى ظل ممدود (وندخلهم ظلا ظليلا)، ولو نزل بلسان الروم لأكَّدَ إن شاء الله ذكرَ الدفء وما في معناه، لأنهم بأرض باردة يشتهون فيها الشمس. ومنه قوله تبارك اسمه (سرابيل تقيكم الحر) ولم يذكر هنا وقايته من البرد لأن قريشا كانوا أهل حر. وذكر القرآن الجبال وألوانها.. لأنهم كانوا أهل جبال يسْتَكِنُّون فيها ويضربون بها الأمثال ويرونها رواسي وأوتادا للأرض، قال زهير بن أبي سلمى : ألا لا أرى على الحَوَادثِ باقِياً .. ولا خالِداً إلاّ الجِبالَ الرّواسِيَا. ومنه ذِكر الخيام (حور مقصورات في الخيام). ومنه قوله سبحانه (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) لأنهم كانوا أصحاب وبر وهو جلد الإبل وشعر وهو جلد المعز. ومنه قوله (بنين وحفدة) ولم يقل بنات، بل عاب قبلها على من كره الأنثى لحال العرب من فرحهم بالبنين دون الإناث، حتى كانوا يُرَفّئ بعضهم بعضا بالبنين دون الإناث. ومنه أن العرب تحب البياض في النساء وتراه نصف الحسن كما يروى عن عائشة، بخلاف ناس من أهل الآفاق يحبون السمرة، فنزل القرآن بذكر ذلك قال سبحانه في نساء الجنة (كأنهن بيض مكنون) في نظائرها. ومنه حُبّ العرب للحَوَر، والمرأة العيناء كبيرة العين، فذكر الله (الحور العين) في الجنة، بخلاف أمم أخرى تحب زرقة العيون .. والقرآن ما تتبعته ألفيت هذه المعاني صادقة موتفقة.
فمن عرف هذا علم الفائدة في ذكر الله تعالى الشعرى خاصة (وأنه هو رب الشعرى) وهو رب السماوات والأرض وما فيهن، ولكن خزاعة من العرب عبدتها خاصة. ومنه قوله (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) فذكر الإبل خاصة لقوم تعودوا على وصفها في أشعارهم والتأمل في خلقتها.. وقد ذهبت العجمة بقوم ظنوا أن "التنصيص على الإبل خاصة لإعجاز فيه". والله المستعان. ولما كانت العرب في الحج إذا قضت مناسكها تجتمع قبل النفر تذكر أحسابها ويفخرون بآبائهم نزل القرآن فيهم (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا)، ومن الناس من أشكل عليه ذكر الآباء، وقال: إنما نتذكر أبناءنا وأزواجنا.. ولكن للتخصيص سياق في ما عهدته العرب، كل ذلك من اللسان الذي ينبغي على من يتفقه في الدين أن يراعيه..
ومنه في الحلال والحرام أن تعلم الفائدة من تحريم أشياء بالنص دون أخرى وهي حرام لا بالنص، فقد حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير بالنص يسميه باسمه، وحرم الخمر والربا، لأن العرب كانت تتعاطى ذلك ولا تحرمه، ولم يحرم عليهم لحم الكلاب ولحم البشر.. لأنهم كانوا يحرمونه ويكرهونه (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه)، ولم ينه عنه لأن النهي يكون عما يُفعل، ولكن أحالهم على معارفهم في جوامع الكلم (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) أي ما تستطيبه العرب وما تستخبثه. ونهى القرآن عن وأد البنات لأنهم كانوا يفعلونه، ولم ينههم عن وأد الأبناء أو قتل الآباء لأنهم ما كانوا يفعلونه، وكل ذلك حرام على من فعله. فما بَدّلت العرب من فطرتها ودين إبراهيم عليه السلام نطق القرآن بما يقيمهم بالقسط، ومنه تحريمهم أشياء من الطيبات كالبحيرة والسائبة.. جاء البيان الصريح بأنه حلال. وقال إبراهيم النخعي: المشركون كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فأكلوا منها، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل اهـ رواه ابن جرير. فجاء الأمر بالأكل منها (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) ومعناه أنه حلال لا فرض.
فمن أخذَتِ العجمة من علمه شعبة أشكل عليه مجيء النص بتحريم أشياء دون أخرى مثلها، وتحليل أشياء دون أخرى مثلها، وهو كتاب قد فصل المحرمات (وفصل لكم ما حرم عليكم). وقد ذكرت هذه الفائدة في ما روي في لحم الضبع من كتاب الأطعمة.
وقد ذهب ناس إلى أن المرأة ليس عليها أن تخدم زوجها، قالوا : لم يأت النص بذلك. وكيف يأمر القرآن العرب بشيء هي تفعله وتوجبه، وهو سنة فيهم جارية ؟ بل هذا حجة على من جوّز تغيير سنة العرب، والله تعالى أمر بأصل كبير (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وخدمتُها زوجَها من العدل الذي كان في العرب لا تحتاج إلى أمر به أو نهي عن خلافه.
فالعموم في كل حرف عامٍّ إنما يفهم بلسان العرب على هذه السبيل مثل لفظ الطيبات والخبائث. ما تفهمه العرب من العموم هو المراد. ولا يفتي ولا يصف العلم إلا عربي أو من تعرب لسانه مثل سلمان الفارسي. ومن أدخل في العموم ما لا تعرفه العرب رُد عليه قوله لأجل هذا الأصل، كقول من حرم خنزير البحر وتوهم أن لفظ الخنزير يشمله، وغفل عن أن العرب لا تسميه خنزيرا، ولكن كل ما يخرج من البحر حوت في لسانها. راجعه في المنتخل.
وهذا الأصل ينقض بدعَ الباطنية وأهلِ الأهواء في تأويلهم، ومذاهبَ من قالوا "بالإعجاز العلمي" الذين فسروا القرآن بلسان التجريبيين، (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين). وقولَ من أجاز ترجمة القرآن إلى لسان العجم، فكيف تقع معانيه في نفس من لا يحب الظل، ويشتهي الدفء ..؟ ولكن يُدعَون إلى طاعة الله ورسوله. أما التدبر والتفقه فلمن حَذِق العربية .
وإنما يصح ما يذكر في ما يسمى بالإعجاز العلمي ما كان من التأويل الذي هو تحقق ما كان معلوم المعنى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) فالعلم بمعنى ما أخبروا به ما عرفه النبي وأصحابه، وتأويله رؤيته في زمان وقوعه. قال الله تعالى (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق). وهذا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في أحد جناحي الذباب داء، فلما عاين التجريبيون ذلك، أتاهم تأويل ما كان معلوم المعنى.
وبهذا الأصل ينكشف إشكال من استعظم أن يوجد في القرآن حروفٌ أصلها من العجم كالمشكاة والإستبرق .. إذا عرفنا معنى اللسان وأن الغرض هو السياق والاستعمال وعرف التخاطب .. لم يضرنا أن تكون حروف مما استعملته العرب أصلها من العجم، إذ هي عربية بالاستعمال .
يتبع..
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 08-03-16, 09:32 AM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)


من أصول الفقه في القرآن
أصل جامع:
قال الله تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم)
هذه الآية المباركة أصل من أصول الفقه ونظائرها الدالة على أن الأمية من صفات العرب المحمودة، وهي من صفات الشريعة المباركة، وليست أمة من الزمان في تاريخ الأمة. لذلك قال (وآخرين منهم) فهو وصف دائم.
والأمي الذي بقي على أصل فطرته، على ما ولدته أمه، ومن صفاته أنه لا يكتب ولا يحسب كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رفعه: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا. يعني تمام ثلاثين اهـ فقد يكتب الرجل ويحسب وهو أمي كما كان علماء الصحابة عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم.. والمعنى أننا لا نحتاج في ديننا إلى كتابة ولا إلى حساب، حتى وإن كان منا من تعلم الكتاب والحساب. (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) لذلك لم يكونوا بحاجة إلى تدوين العلم لما رزقهم الله من الحفظ مع الأمية، والمعونةُ على قدر المؤنة.. وهذا شيء لم يكن في أهل الكتاب من قبل، إنما يقرؤون كتبهم نظرا، حتى إذا طووها لم يعرفوا ما فيها. بخلاف هذه الأمة المباركة أناجيلهم في صدورهم كما يقرأ أهل الكتاب في أسفارهم خبرا عن أمة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم.
مَن فهم هذا أدرك أن الدين مكتمل دون كتابة المصحف ولا تدوين للسنة. ولما نزلت (اليوم أكملت لكم دينكم) عرفوا صدقها، وإنما يفهم الكمال في الآية الأميون الذين لا يحتاجون إلى كتابة العلم. ومن تعلم على طريقة الروم بقي في نفسه شبهة ..
ومن الأمية نزول القرآن على سبعة أحرف على العرب الأميين ليسهل الحفظ والفهم والعمل. وفي الترمذي وصححه عن أبي بن كعب قال : لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم جبريل فقال يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط . قال : يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف اهـ
ومن الأمية أن السنة في وقوت الصلوات معرفتها بالظلال والشمس.. بخلاف من تكلف حساب الفلك، حتى خرج عن حد الأمية واليسر، وخالف السنة البينة. وليس التعمق والتكلف منا في شيء في علم ولا عمل. بل الدين يعمل به كل أمي.
ومنها اليسر في بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو رحمة للعالمين، كان يبين المعاني الشرعية بأيسر سبيل، تارة يبين الشيء بأثره وثمرته كقوله في تفسير الكِبْر : الكبر بطر الحق وغمط الناس. رواه مسلم. ومثله تعريفه للإسلام والإيمان والإحسان، فسره بالعمل المطلوب من العلم، واسأل المناطقة كيف يرون حدود هذه المسميات .. وتارة يبين بالمعاينة بالعمل، كبيانه وقوتَ الصلوات للذي سأله عنها، فقال له: صل معنا هذين اليومين. رواه مسلم. وأمثلة ذلك كثيرة جدا.
هذا الأصل معرفته تنفع في تمييز صحيح الفتاوى مما دونها، فقد غلط من ميز مسافة القصر في السفر بالمساحة، والعرب ما كانت تمسح الأرض، والميل عندها مد البصر.. وقول من ميزها بعرف أهل البلد أصح.
وفي سهو المصلي أقوال للناس، منها ما لا يجري على وصف الأمية، كقول من قال: سجود السهو على ما جاءت به الأخبار إذا نهض من ثنتين سجدهما قبل التسليم ولا تشهد فيهما على حديث ابن بحينة، وإذا شك فرجع إلى اليقين سجدهما قبل التسليم على حديث أبي سعيد الخدري، وإذا سلم من ثنتين أو من ثلاث سجدهما بعد التسليم على حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، وإذا شك فكان ممن يرجع إلى التحري سجدهما بعد التسليم على حديث ابن مسعود. وكل سهو يدخل عليه يسجدهما قبل التسليم، سوى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ذكر اهـ وهذا القول يعسر على أكثر الناس فهمه والعمل به في صلاتهم ، كيف والشريعة جاءت على ما يطيق الأميون، والسهو لا تخلو منه صلاة عبد. ولم يثبت عن أصحاب محمد غير قولين، السهو كله بعد السلام وهذا قول أكثرهم، وهو الأشبه، وقول بأنه قبل السلام. وطريقة الصحابة جارية على هذا الأصل، فمن اتبعهم كان عاملا بأصول الإسلام.

يتبع..
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-03-16, 10:59 AM
سيدي محمد اندَيَّه سيدي محمد اندَيَّه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-10-07
الدولة: موريتانيا
المشاركات: 1,655
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

لله درك وعلى الله أجرك.

واصل أخي لعل الله ينفع بما تكتب أقواما لا يرون القرآن إلا ترانيم وابتهالات بلا حكم ولا منهج ، ولو عرفوا القرآن حق المعرفة لعلموا أنه يهدي للتي هي أقوم.

والغريب أن يرى البعض أن التركيز على القرآن في أخذ الأحكام يقرب من منهج القرآنيين المعرضين عن السنة النبوية والعياذ بالله ، ولكن معاذ الله! بل الاعتماد على كتاب الله في كل شيء يزيد من المهارة في القرآن بسبب التدبر العميق الموصل للفهم الدقيق ، لا سيما إن صحب ذلك معرفة السنة والاطلاع على فهم سلفنا الصالح لكتاب الله.
__________________
اللهم أحينا حياة السعداء وأمتنا ميتة الشهداء
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-03-16, 01:12 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

أحسن الله إليك أخي الكريم.
والله ما تدبر عبد هذه المعاني إلا ازداد حبا لكتاب الله ويقينا بعزته، أنه عزيز لا مثل له، وأنه عزيز لا غالب له.. وأنه خير الكلام..
(والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك) (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)
وقال عبد الله بن مسعود: من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله، فلينظر فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم اهـ صحيح، رواه الطبراني والفريابي وغيرهما. ومن أخذت المؤلفات من قلبه شعبة، انتقص من يقينه بقدرها.. والتابع تابع..
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 08-03-16, 01:15 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

أصل جامع:
قال الله تعالى جده (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الآية ونظائرها في القرآن والحديث، دالة على أن الدين هو الفطرة، فسننه جارية على الفطرة. ومن أسماء الله المؤمن، وهو الذي يصَدّق شريعته بما يخلق في الناس (ألا له الخلق والأمر) والشرع والقدر واحد.. وذُكر لابن مسعود أن يتداووا بالخمر فقال: إن الله عز وجل لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. رواه أحمد وغيره، وقالته عائشة أيضا. فما سن رسول الله من سنة إلا وهي من الفطرة لا يدفعها تأويلُ ذاهبٍ. والشريعة و"الواقع" لا يختلفان. ومَن غيّر من الشريعة شيئا تغيرت فطرته إلى سوء، لذلك تفسد أحوال الأمم بخروجهم عن منهاج النبوة..
وهذا الأصل تحتاجه في أمور، منها أنه حجة في أن الدين سننه وأحكامه لا تتغير، فكما لا تبديل لخلق الله كذلك لا تبديل لكلمات الله، والدين صالح لكل زمان ومكان وأمة. ومن زعم في مسألة أن أحكام الشريعة تتغير أُلزم بهذا الأصل، ثم سئل الحجة من كلام الله ومن السنة على الإذن في تغييره، بأن يعلق الحكم بوصف متغير كالعرف ونحوه. وقد كان الصحابة على الفطرة، قال ابن مسعود: إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول اهـ كتبته في المنتخل.
وليس من هذا الباب ما وقع في السنة من اختلاف الفتوى باختلاف مقتضيات الأحوال، فإن الشرع لم يأت بالتسوية بين المتناقضين ولا بالتفريق بين المتماثلين. قال الله تعالى (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن) الآية. وهذا من الحكمة التي أنزل الله على رسوله (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة). وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه. فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب اهـ صححه الألباني. وثبت مثل هذا عن ابن عمر وابن عباس، كتبته في الصوم.
وهذا الأصل يهدي من اختلاف الناس في مسائل كقول من رخص في حلق اللحية وهي من سنن الفطرة التي لا تبديل لها. ومنها كراهة حلق الإبط، فإن النتف فطرة ابن آدم كان بأرض باردة أو حارة، ومن تعذر بالعسر غلط، فأين منه الختان؟ ومن مسائله أن الصواب في الصوم أن لكل مصر رؤيته، إذ كان متعذرا قبل أزماننا هذه لتعذر الاتصال، ولما سهل معرفة أول رؤية تعذر اجتماع المسلمين على صوم واحد للفتنة.. فما لا يتحقق في الأرض لا يكون من الشرع مطلوبا. وهذا قول ابن عباس ولا يعلم له مخالف. ومنها أن التداوي بالحرام حرام..
ومن مسائل هذا الأصل ما يدخل في مباحث الأمية، وقد تقدم طرف منها، والقرآن متشابه مثاني، يشبه بعضه بعضا.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 09-03-16, 12:48 AM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: سبيل الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان (متجدد)

أصل جامع:
قال الله ربنا (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) هذه الآية ونظائرها، وما صح عن رسول الله في هذا المعنى، أصل للفقه آمر باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم تدرك أصله في القرآن. من هذا الباب ما في الصحيحين عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت. فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هو في كتاب الله. فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. قال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قالت بلى. قال فإنه قد نهى عنه. الحديث. وعبد الله يعلم في القرآن أن الله لعن الشيطان الذي أمر أولياءه أن يغيروا خلق الله، في سورة النساء. ولكنه جاءها بأصل عام لئلا تعترض على السنة في مسائل أخرى. فإن العبد مأمور باتباع رسول الله على كل حال صلى الله عليه وسلم.
وهنا أصل معه (وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) أصل يأمر بالطاعة، وما قبله يأمر بالاتباع، والطاعةُ للأمر، والاتباع للعمل (فاتبعوني وأطيعوا أمري). فالعبد مأمور باتباع سنته، كما أنه مأمور بامتثال أمره. ولا يتعارضان إذ لا اختلاف في القرآن.
فهنا فائدتان: أولهما أن ما يذكر من تعارض القول والفعل في سنة رسول الله بأيهما يؤخذ ليس بصحيح، والأمثلة عليها تكثر كما ورد في استقبال القبلة لغائط أو بول، وما كان خالصا له من دون المؤمنين. فإن الطاعة لا تخالف الاتباع إلا عند من قصّر في معرفة السنن، فتوهم التعارض، وهو غير حاصل، وكله يستدل عليه بعمل أصحابه، فإنهم أول من دخل في الطاعة وأخذ بالاتباع، كما قال ابن مسعود عن رسول الله: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. الحديث، رواه مسلم.
ثانيهما: أن الأمر لا يؤخذ منه عمل بالنظر، حتى يراجَع عملُه الذي أمرنا باتباعه. فإنّ مَن عمد إلى خبر عام وانتزع منه صفة للتعبد يقول أطيع رسول الله، قلنا الطاعة للأمر لا تخالف الاتباع للفعل. فكما أنك مأمور بطاعة أمره أنت مأمور باتباعه في فعله وتركه، فالمراد من الأمر المطلوب طاعته، هو ما عمل به هو وأصحابه. وهذا مثل ما جاء في حديث سهل بن سعد: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. لا يؤخذ من هذا العموم هيئة لم تثبت في العمل، كقول من استحسن وضع اليدين بعد الركوع، بل نقول إن القصد من الأمر المطلوب طاعته هو ما جرى عليه العمل المتبع، وهو وضعهما قبل الركوع. وعليه تجري سائر المسائل المحدثة، فإنما يُنتصر لها بشبهة العموم ويُترك العمل. وهو معنى بسطته في المنتخل، بحمد الله تعالى.
يتبع..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:58 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.