ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > خزانة الكتب والأبحاث

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-09-05, 01:38 PM
علي محمد ونيس علي محمد ونيس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-08-05
المشاركات: 35
افتراضي فضائل الصيام وشهر رمضان

فضائل الصيام وشهر رمضان



إعداد
علي محمد ونيس

دراسات عليا ـ قسم الفقه المقارن ـ كلية الشريعة ـ جامعة الأزهر .








( مقدمة )

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وبعد ..........
فقد خلق الله تعالى الخلق لعبادته ، وشرع لهم ما يقربهم إليه ، وحرم عليهم ما يبعدهم عنه ، لئلا يزيغوا أو يضلوا ، قال تعالى :
" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين "
وقال تعالى :
" الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون "
ومع الأمر الإلهي العالي ، والتوجيه الرباني السامي ، الذي يجب على العباد أن يذعنوا له ، وأن يعملوا به ، فقد رغبهم الله تعالى فيه ، ورتب عليه الأجر والثواب ، وبين فيه وجوها من الحكم ، منها ما هو ظاهر جلي ، ومنها ما هو باطن خفي ، ومن الله على العلماء العاملين بوافر علمه وعظيم حكمته ، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، فغاصوا في معرفة معاني النصوص الشرعية ، وتأملوا في سائر العبادات حتى وصلوا فيها إلى بعض الأسرار الإلهية ، فعلموا المقصود منها ، وتدبروا المعقول من معانيها ، وأفاضوا من علم الله الذي آتاهم على أمة البشير النذير والسراج المنير ، فامتلأت قلوبهم بأنوار الهداية ، وشبعت نفوسهم من معاني الأحكام وحكم الشرائع وأسرار البيان .
ومن أجل العبادات التي بذلو الجهد في استخراج حكمها ، والوصول إلى أسرارها فريضة الصوم ، الذي هو أحد أركان الإسلام ، وفريضة من فرائض الله على الأنام ، يبذل في سبيله المتعبدون ما يبذلون من الجهد، ويحصل لهم فيه من المواقف والأحوال ما يكون عبرة لمن بعدهم من الأجيال ، فيتخذوه نبراسا ، ويكون لهم على مر الزمان مراسا ، ولكي يبقى ذكر هذه المواقف ، ويستمر العمل بها مع رجاء الزيادة عليها ، دونها جهابذة العلماء ، وقيدها ورثة الأنبياء ، ولكل واحد منهم في تصنيفه وجهة هو موليها ، وطريقة يرتضيها ، حتى غدت التآليف المتعددة في الفن الواحد كأزهار البستان ، أو ثمار الجنان ، يقطف منها الداخل فيها ما يريد ، من أقوال وآثار نبوية ، وقصص من حياة عباد الله الصالحين ، وأوليائه المتقين ، وحكم وأسرار أدركها المتأملون ، وأحسها المتعبدون .
وفي ذلك من الإعانة على الطاعة ، وتشمير ساعد الجد والاجتهاد ما هو معلوم ، فإن النفس إلى معرفة الأسرار الباطنة تواقة ، إذ بمعرفتها تعلو الهمم ، وتصعد النفوس أعالي القمم ، دون أن يكون عليها في ذلك مشقة ، فتنقلب آلام التعبدات لذة واشتياقا ، وتتحول مصاعبها أنسا وانطلاقا ، فإذا بالبعيد قريب ، وبالصعب سهل ، وبالألم لذة .
ولما كان الأمر كذلك ، فقد عزمت على جمع ما من الله به في سالف الأيام ، من فضائل الصيام وأسراره وحكمه ، رجاء أن يكون ذكرا لي بعد موتي ، ومجلبة للدعاء ممن يطالع سطوره ، فلا ينقطع بانقطاع العمر العمل ، ولا ينقضي بانقضاء الأجل .
وأحب أن ألفت الانتباه إلى أنني ذكرت بعض الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال ، لما هو معلوم من تسامح أهل العلم في رواية الضعيف إذا كان لا يتصل بالأحكام .

فيا إلهي هذه يدي ، ومن ورائها قلب يدعوك ، اللهم تقبل ما أنت أعلم بنقصانه ، وأدخل عظيم جرمي وتقصيري في واسع رحمتك ، يا أرحم الراحمين .

علي محمد محمد ونيس
مصر ـ أجهور الكبرى ـ طوخ ـ قليوبية
المقيم بدوحة قطر في /
1 / شعبان / 1326 هجريه
5 / سبتمبر / 2005 ميلاديه .

الكون يستقبل رمضان فاستقبلوه

ـ عن أبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ "
إن المخلوقات عند قدوم الشهر تتغير أحوالها ، وتتبدل طبيعتها ، فذاك الشيطان يعجز عن كثير من طرق الإغواء ، وسبل الإضلال ، وهذه الجنة تتجمل بحللها ، وتلك النار تغلق أبوابها ، تغير الجميع إلى ما غلب من صفات الله تعالى ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي "
أفلا تتغير أيها المسكين لتكون أهلا لرحمة رب العالمين ، إذا كان حالك بعد استسلام الشيطان ، وفتح الجنان وغلق النيران لا يتغير ، فهيهات أن يكون لك من الخير بعد ذلك نصيب .

" والمعنى أن الشياطين لا يخلصون فيه في إفساد الناس إلى ما يخلصون إليه في غيره ، لاشتغال أكثر المسلمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات ، وبقراءة القرآن وسائر العبادات ، والله أعلم "
أو تصفد حقيقة تعظيما للشهر ، ولا ينافيه وقوع الشرور فيه لأنها إنما تغل عن الصائم حقيقة بشروطه ، أو عن كل صائم والشر من جهات أخر كالنفس الخبيثة ، أو المقيد هو المتمرد منهم فيقع الشر من غيره .
قوله ( تفتح فيه أبواب الجنة ) أي أبواب أسبابها مجاز عن كثرة الطاعة ووجوه البر وهو كناية عن نزول الرحمة وعموم المغفرة فإن الباب إذا فتح يخرج ما فيه متواليا أو هو حقيقة وإن من مات من المؤمنين برمضان يكون من أهلها ويأتيه من روحها فرق من يموت في غيره ، وكذا القول في غلق أبواب النيران .
" فكيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران ، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين من أين يشبه هذا الزمان زمان . و في حديث آخر : ( أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحباً به و أهلاً )
جاء شهر الصيام بالبركات فأكرم به من زائر هو آت "

" قال معلى بن الفضل : كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم .
و قال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم : اللهم سلمني إلى رمضان و سلم لي رمضان و تسلمه مني متقبلاً .
بلوغ شهر رمضان و صيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه ، و يدل عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم ثم مات الثالث على فراشه بعدهما فرؤي في المنام سابقاً لهما فقال النبي صلى الله عليه و سلم : أليس صلى بعدهما كذا و كذا صلاة ، و أدرك رمضان فصامه ؟ ! ، فوالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء و الأرض . خرجه الإمام أحمد و غيره .
من رحم في رمضان فهو المرحوم ، و من حرم خيره فهو المحروم ، و من لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم .
أتى رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب من الفساد
فأد حقوقه قولاً و فعلاً و زادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب و ما سقاها تأوه نادماً يوم الحصاد

يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة ، يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة ، من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح ، من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يربح "

فبادر بالعمل الصلح في رمضان قبل أن ينصرم دون أمل في تكرار اللقاء ، فكم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله ، فصار قبله إلى ظلمة القبر ، كم من مستقبل يوماً لا يستكمله ، و مؤمل غداً لا يدركه ، إنكم لو أبصرتم الأجل و مسيره لأبغضتم الأمل و غروره .
كم ينادي حي على الفلاح و أنت خاسر ، كم تدعى إلى الصلاح و أنت على الفساد مثابر ، فيا أيها الغافل إلى متى ؟
إذا رمضان أتى مقبلا فاقبل فبالخير يستقبل
لعلك تخطئه قابلاً و تأتي بعذر فلا يقبل . "
" هذا عباد الله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، و في بقيته للعابدين مستمتع ،و هذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم و يسمع و هو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً يتصدع ، و مع هذا فلا قلب يخشع و لا عين تدمع ،و لا صيام يصان عن الحرام فينفع ، و لا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع .
قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع ، و تراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر و لا تسمع
كم تتلى علينا آيات القرآن و قلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة ،
و كم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة ، لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة و لا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة ،
أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة و إذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة ، و إذا صاموا صامت منهم الألسنة و الأسماع و الأبصار ، أفما لنا فيهم أسوة ؟ !!!
كما بيننا و بين حال الصفا أبعد مما بيننا وبين الصفا و المروة كلما حسنت منا الأقوال ساءت الأعمال ، فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و حسبنا الله .
يا نفس فاز الصالحون بالتقى و أبصروا الحق و قلبي قد عمي
يا حسنهم و الليل قد جنهم و نورهم يفوق نور الأنجم
ترنموا بالذكر في ليلهم فعيشهم قد طاب بالترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت دموعهم كلؤلؤ منتظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت و خلع الغفران خير القسم
ويحك يا نفس ألا تيقظ ينفع قبل أن تزل قدمي
مضى الزمان في توان و هوى فاستدركي ما قد بقي و اغتنمي . "
موعظة لعمر بن عبد العزيز في مبادرة الأجل بالأعمال :
" خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها فقال فيها : إنكم لم تخلقوا عبثاً و لن تتركوا سدى ، و إن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين عباده ، فقد خاب و خسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء ، و حرم جنة عرضها السموات و الأرض ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين و سيتركها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين ، و في كل يوم تشيعون غادياً و رائحاً إلى الله قد قضى نحبه و انقضى أجله فتودعونه و تدعونه في صدع من الأرض غير موسد و لا ممهد ، قد خلع الأسباب و فارق الأحباب و سكن التراب و واجه الحساب ، غنياً عما خلف فقيراً إلى ما أسلف ، فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت و انقضاء مواقيته ، و إني لأقول لكم هذه المقالة و ما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي و لكن أستغفر الله و أتوب إليه ، ثم رفع طرف ردائه و بكى حتى شهق ، ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه "

خصال الخير في رمضان
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
أُعطيت أمتي في شهر رمضان خمسَ خصال لم يعط أمة قبلهم ، خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ، ويزين الله كل يوم جنته .
ثم قال :
يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيرون إليك ، وتصفد فيه الشياطين ، ولا يخلصون فيه إلى ما يخلصون في غيره ، ويغفر لهم في آخر ليلة .
قيل : يا رسول الله هي ليلة القدر ؟ قال : لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله "
ـ عن أبي نضرة قال : سمعت جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ يقول : : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
أُعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يُعطهن نبي قبلي : أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله تعالى إليهم ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدا ، وأما الثانية فإن خُلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة ، وأما الرابعة فإن الله تعالى يأمر جنته فيقول لها :
استعدي وتزيني لعبادي أوشكوا أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي .
وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعا .
فقال رجل من القوم : أهي ليلة القدر ؟ فقال : لا ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم "

يا باغي الخير أقبل
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إذا كان أول ليلة من شهر رمضان : صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة "
ـ عن عرفجة قال : كنت في بيت فيه عتبة بن فرقد فأردت أن أحدث بحديث ، وكان رجل من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأنه أولى بالحديث مني ، فحدث الرجل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : في رمضان تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب النار ، ويصفد فيه كل شيطان مريد ، وينادي مناد كل ليلة : يا طالب الخير هلم ويا طالب الشر أمسك "
رمضان خير الشهور فأعدوا له العدة
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما مر بالمسلمين شهر قط خير لهم منه ، وما مر بالمنافقين شهر قط أشر لهم منه ، بمحلوف ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إن الله ليكتب أجره ونوافله ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله ، وذاك لأن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة ، ويعد فيه المنافق ابتغاء غفلات المؤمنين وعوراتهم ، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر "
فحال عباد الله الصالحين أن يعدوا ما يعينهم على التعبد في شهر رمضان قبل دخوله ، كما كان الصحابة يفعلون ، حتى كان يقع في نفوسهم ، وتلهج به ألسنتهم فيدعون الله ببلوغه قبله بستة أشهر ، وهذا دليل على قيامه في النفس ، مع معرفة كاملة بقدره ، وشوق بالغ لإدراك فضله .
فأين هؤلاء من قوم لا ينشغلون بقدومه أو إدباره ، بل أين هم ممن يكره إقباله ويفرح بإدباره .
" أنشد بعض الفاسدين المفسدين :
إذا العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار
و لا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاق على الصغار
و قال آخر :
جاء شعبان منذراً بالصيام فاسقياني راحاً بماء الغمام
و من كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه ، و له نصيب من قوله تعالى : و لقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها الآية ، و ربما كره كثير منهم صيام رمضان حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه
ـ كان للرشيد ابن سفيه فقال مرة :
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر و لا صمت شهراً بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقدرة على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ، و مات قبل أن يدركه رمضان آخر

رمضان شهر مبارك
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : لما حضر رمضان قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " قد جاءكم رمضان شهر مبارك ، افترض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنة ، ويغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه الشياطين ، فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم "
رمضان سيد الشهور
ـ عن هبيرة بن يريم ، عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : " الصيام جنة الرجل كجنة أحدكم في البأس ، وسيد الأيام يوم الجمعة ، وسيد الشهور شهر رمضان ، واعتبروا الناس بالأخدان فإن الرجل لا يخادن إلا من رضي نحوه أو حاله "
يكمل الأجر وإن نقص الشهر
ـ عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " شهران لا ينقصان شهرا عيد رمضان وذو الحجة "
قال النووي : " الأصح أن معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما وإن نقص عددهما ، وقيل : معناه لا ينقصان جميعا في سنة واحدة غالبا ، وقيل : لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان لأن فيه المناسك حكاه الخطابي وهو ضعيف ، والأول هو الصواب المعتمد ، ومعناه : أن قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من قام رمضان ايمانا واحتسابا ) وغير ذلك ، فكل هذه الفضائل تحصل سواء تم عدد رمضان أم نقص والله أعلم "
الجود في رمضان
الجود : هو سعة العطاء و كثرته و الله تعالى يوصف بالجود .
ـ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل ـ عليه السلام ـ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ ، يعرض عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن ، فإذا لقيه جبريل ـ عليه السلام ـ كان أجود بالخير من الريح المرسلة "

ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل ـ عليه السلام ـ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجود بالخير من الريح المرسلة "

" فدلك هذا على أنه ـ صلى الله عليه و سلم ـ أجود بني آدم على الإطلاق كما أنه أفضلهم و أعلمهم و أشجعهم و أكملهم في جميع الأوصاف الحميدة . و كان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم و المال ، و بذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه و هداية عباده و إيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم و وعظ جاهلهم و قضاء حوائجهم و تحمل أثقالهم ، و لم يزل ـ صلى الله عليه و سلم ـ على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ ، و لهذا قالت له خديجة في أول مبعثه : ( و الله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم ، و تقري الضيف ، و تحمل الكل و تكسب المعدوم ، و تعين على نوائب الحق ) .
ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة و تضاعفت أضعافاً كثيرة . و في الصحيحين عن أنس قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أحسن الناس و أشجع الناس ، و أجود الناس )
و في صحيح مسلم عنه قال : ( ما سئل رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه ، فجاء رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال : يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ) ، و في رواية : أن رجلاً سأل النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ غنماً بين جبلين ، فأعطاه إياه فأتى قومه فقال : ( يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً ما يخاف الفقر )
قال أنس : إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا ، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا و ما عليها .
و فيه أيضاً عن صفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ قال : لقد أعطاني رسول اللهj صلى الله عليه و سلم ـ ما أعطاني و إنه لمن أبغض الناس إلي ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي )
قال ابن شهاب : أعطاه يوم حنين مائة من النعم ثم مائة ثم مائة .
و في مغازي الواقدي : أن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ أعطى صفوان يومئذ وادياً مملوء إبلاً و نعماً ، فقال صفوان : أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي .
و في الصحيحين عن جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ : أن الأعراب علقوا بالنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ مرجعه من حنين يسألونه أن يقسم بينهم فقال : ( لو كان لي عدد هذه العضاة نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً و لا كذوباً ، و لا جباناً )
و فيهما عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال : ( ما سئل رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ شيئاً فقال : لا ، و إنه قال لجابر : لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا و هكذا و هكذا ، و قال : بيديه جميعاً )
و خرج البخاري من حديث سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ : ( إن شملة أهديت للنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فلبسها و هو محتاج إليها ، فسأله إياها رجل فأعطاه ، فلامه الناس و قالوا : كان محتاجاً إليها ، و قد علمت أنه لا يرد سائلاً ، فقال : إنما سألتها لتكون كفني فكانت كفنه )
و كان جوده ـ صلى الله عليه و سلم ـ كله لله ، و في ابتغاء مرضاته فإنه كان يبذل المال إما لفقير ، أو محتاج ، أو ينفقه في سبيل الله ، أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه ، و كان يؤثر على نفسه و أهله و أولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى و قيصر ، و يعيش في نفسه عيش الفقراء ، فيأتي عليه الشهر و الشهران لا يوقد في بيته نار ، و ربما ربط على بطنه الحجر من الجوع ، و كان قد أتاه صبي مرة فشكت إليه فاطمة ما تلقي من خدمة البيت و طلبت منه خادماً يكفيها مؤنة بيتها ، فأمرها أن تستعين بالتسبيح و التكبير و التحميد عند نومها ، و قال : ( لا أعطيك و أدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع ) و كان جوده ـ صلى الله عليه و سلم ـ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور ، كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضاً ، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة "

و قد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد و لا يصلح أن يكون ذلك إلا لرسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ .
لمست كفه أبتغي الغنى و لم أدر أن الجود من كفه يُعدي
وقال آخر :
تعود بسط الكف حتى لو انه ثناها لقبضٍ لم تجبه أناملُه
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف و الجود ساحله
و لو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله .
ولقد اقتدى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جهابذة أمته من العباد والعلماء ، فساروا على نهجه واقتفوا أثره ، حتى صاورا للناس على الجود علما ، وكانوا بحق ممن اتبع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان.
" فقد كان كثير من السلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به و يطوون .
كان ابن عمر يصوم و لا يفطر إلا مع المساكين فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة ، و كان إذا جاءه سائل و هو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام و قام فأعطاه السائل ، فيرجع و قد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائماً و لم يأكل شيئاً .
و اشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً ، و كان صائماً فوضع بين يديه عند فطوره فسمع سائلاً يقول : من يقرض الملي الوفي الغني ؟ فقال عبده المعدم من الحسنات فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه و بات طاوياً .
و جاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى و أصبح صائماً .
و كان الحسن يطعم إخوانه و هو صائم تطوعاً و يجلس يروحهم و هم يأكلون .
و كان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء و غيرها و هو صائم .
سلام الله على تلك الأرواح ، رحمة الله على تلك الأشباح ، لم يبق منها إلا أخبار و آثار ، كم بين من يمنع الحق الواجب عليه و بين أهل الإيثار .
لا تعرضن لذكرنا في ذكرِهم ليس الصحيحُ إذا مشى كالمُقعدِ
و له فوائد أخر ، قال الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ و لحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ، و لتشاغل كثير منهم بالصوم و الصلاة عن مكاسبهم ، و كذا قال القاضي أبو يعلى و غيره من أصحابنا أيضاً "
عرض القرآن في رمضان
ـ عن أبي هريرة ـ ري الله عنه ـ قال : " كان يعرض على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن كل عام مرة ، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه ، وكان يعتكف كل عام عشرا ، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه "
ـ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرض القرآن في كل رمضان على جبريل ، فيصبح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ليلته التي يعرض فيها ما يعرض وهو أجود من الريح المرسلة لا يُسأل عن شيء الا أعطاه ، حتى كان الشهر الذي هلك بعده عرض فيه عرضتين "
العمرة في رمضان
ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : " أراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحج فقالت امرأة لزوجها : أحجني مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جملك . فقال : ما عندي ما أحجك عليه . قالت : أحجني على جملك فلان . قال : ذاك حبيس في سبيل الله ـ عز وجل ـ فأتى رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله ، وإنها سألتني الحج معك ، قالت : أحجني مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت ما عندي ما أحجك عليه ، فقالت : أحجني على جملك فلان ، فقلت : ذاك حبيس في سبيل الله ، فقال : أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله ، قال : وإنها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجة معك ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أقرأها السلام ورحمة الله وبركاته ، وأخبرها أنها تعدل حجة معي يعني عمرة في رمضان "
لا يعدل الصوم عمل
ـ عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال : " أنشأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غزوة فأتيته فقلت : يا رسول الله ، ادع الله لي بالشهادة ، فقال : اللهم سلمهم وغنمهم ، قال : فسلمنا وغنمنا ، قال : ثم أنشأ غزوا ثالثا فأتيته فقلت : يا رسول الله إني أتيتك مرتين قبل مرتي هذه فسألتك أن تدعو الله لي بالشهادة فدعوت الله ـ عز وجل ـ أن يسلمنا ويغنمنا فسلمنا وغنمنا ، يا رسول الله فادع الله لي بالشهادة ، فقال : اللهم سلمهم وغنمهم ، قال : فسلمنا وغنمنا ، ثم أتيته فقلت : يا رسول الله مرني بعمل ، قال : عليك بالصوم فإنه لامثل له ، قال : فما رئي أبو أمامة ولا امرأته ولا خادمه الا صياما ، قال : فكان إذا رئي في دارهم دخان بالنهار قيل : اعتراهم ضيف ، نزل بهم نازل ، قال : فلبث بذلك ما شاء الله ثم أتيته فقلت : يا رسول الله أمرتنا بالصيام فأرجو أن يكون قد بارك الله لنا فيه ، يا رسول الله فمرني بعمل آخر ، قال اعلم أنك لن تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة ، وحط عنك بها خطيئة "

ـ عن رجاء بن حيوة عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال : " أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت : مرني بعمل يدخلني الجنة ، قال : عليك بالصوم فإنه لا عِدل له ، ثم أتيته الثانية فقال : عليك بالصيام "

وزاد ابن حبان : " فكان أبو أمامة لا يُرى في بيته الدخان نهارا إلا إذا نزل بهم ضيف ، فإذا رأوا الدخان نهارا عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف "

ـ عن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ قال : قلت : " يا رسول الله مرني بأمر ينفعني الله به قال : عليك بالصيام فإنه لا مثل له "

الصيام عبادة وإن كنت نائما

ـ عن عبد الله ابن أبي أوفى ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
نوم الصائم عبادة ، وصمته تسبيح ، وعمله مضاعف ، ودعاؤه مستجاب ، وذنبه مغفور "

ـ عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية قال : " الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدا وإن كان نائما على فراشه ، فكانت حفصة تقول : يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي . قال هشام : وقالت حفصة : الصيام جنة ما لم يخرقها صاحبها وخرقها الغيبة "

صوموا تصحوا

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " اغزوا تغنموا ، وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا "
" قال الحرالي : فيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة ، ففيه صحة للبدن والعقل بالتهيئة للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة المؤمنين والترقي إلى رتبة المحسنين ، وللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله ، فعلى قدر ما يستمد بواطن الناس من ظواهرهم ، يستمد ظاهر المؤمن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور باطنه كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة ، وفي الصوم غذاء للقلب كما يغذي الطعام الجسم ، ولذلك أجمع مجربةُ أعمال الديانة من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه على أن مفتاح الهدى والصحة الجوع ؛ لأن الأعضاء إذا وهنت لله نور الله القلب ، وصفى النفس ، وقوي الجسم ، ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوى من عادته في الدنيا لعامة خلقه "

صيام رمضان للمسافر والمرضع والحامل

ـ عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته "

ـ عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه "

ـ عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : صائم ، فقال : ليس من البر الصوم في السفر "

ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " سافر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهارا ليراه الناس ، ثم أفطر حتى دخل مكة ، قال : ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فصام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر "

ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " لا تعب على من صام ولا على من أفطر ، قد صام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في السفر وأفطر

ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : " غزونا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لست عشرة مضت من رمضان ، فمنا من صام ومنا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم "

ـ عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : الإفطار في السفر صدقة تصدق الله بها على عباده "

ـ عن كهمس قال : " سئل سالم ( أو سألته ) عن الصوم في السفر ، فقال : إن صمتم فقد أجزأ عنكم وإن أفطرتم فقد رخص لكم "

ـ عن أبي حمزة قال : " سألت ابن عباس عن الصوم في السفر ؟ فقال : عسر ويسر ، خذ بيسر الله عليك "

ـ عن أنس بن مالك أن رجلا من بني عبد الله بن كعب قال : " أغارت علينا خيل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوجدته يتغدى فقال : ادن فكل ، فقلت : إني صائم ، فقال : ادن أُحدثك عن الصوم أو الصيام ، إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام ، والله لقد قالهما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلتيهما أو إحداهما ، فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "

تعويد الصبيان على الصيام

ـ عن الربيع بنت معوذ قالت : أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائما فليصم قالت فكنا نصومه بعد ونصوم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار "


الجزاء من جنس العمل

ـ عن أبي بردة عن أبي موسى قال كنا في البحر فبينا نحن نسير وقد رفعنا الشراع ولا نرى جزيرة ولا شيئا إذ سمعنا مناديا ينادي يا أهل السفينة قفوا أخبركم فقمنا ننظر فلم نر شيئا فنادى سبعا فلما كانت السابعة قمت فقلت يا هذا اخبرنا ما تريد أن تخبرنا به فانك ترى حالنا ولا نستطيع أن نقف عليها قال الا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه أيما عبد اظمأ نفسه في الله في يوم حار ارواه الله يوم القيامة زاد أبو أسامة فكنت لا تشاء أن ترى أبا موسى صائما في يوم بعيد ما بين الطرفين الا رأيته "
ورواه عبد الرزاق وزاد : " قال أبو بردة : فكان أبو موسى لا يمر عليه يوم حار إلا صامه فجعل يتلوى فيه من العطش "

ـ عن ابن سيرين قال خرجت أم أيمن مهاجرة إلى الله وإلى رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وهي صائمة ليس معها زاد ولا حمولة ولا سقاء في شدة حر تهامة ، وقد كادت تموت من الجوع والعطش حتى إذا كان الحين الذي فيه يفطر الصائم سمعت خفيقا علي رأسها فرفعت رأسها فإذا دلو معلق برشاء أبيض ، قالت : فأخذته بيدي فشربت منه حتى رويت فما عطشت بعد ، قال : فكانت تصوم وتطوف لكي تعطش في صومها فما قدرت على أن تعطش حتى ماتت "

للصائمين في الجنة باب يخصهم

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : بأبي وأمي يا رسول الله ، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم "

ـ عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد "

ـ عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " للصائمين باب في الجنة يقال له الريان ، لا يدخل فيه أحد غيرهم ، فإذا دخل آخرهم أغلق ، من دخل فيه شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبدا "

الصوم كفارة

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه "

ـ عن حذيفة قال : قال : عمر ـ رضي الله عنه ـ : " من يحفظ حديثا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الفتنة ، قال حذيفة : أنا سمعته يقول : ( فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ، قال ليس أسأل عن هذه إنما أسأل عن التي تموج كما يموج البحر ، قال: وإن دون ذلك بابا مغلقا ، قال : فيفتح أو يكسر ؟ قال : يكسر ، قال : ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة ، فقلنا لمسروق : سله أكان عمر يعلم من الباب ؟ فسأله ، فقال : نعم ، كما يعلم أن دون غد الليلة "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرويه عن ربكم قال : " لكل عمل كفارة ، والصوم لي وأنا أجزي به ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "
ـ عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : " من كان صائما وعاد مريضا وشهد جنازة غفر له من بأس إلا أن يحدث من بعد "

ـ عن أبيه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له ، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة . ( قال ربعي : ولا أعلمه الا قد قال أو أحدهما ) "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صعد المنبر فقال : آمين آمين آمين ، فقيل : يا رسول الله ، إنك حين صعدت المنبر قلت : آمين آمين آمين ، قال : إن جبريل أتاني فقال : من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله ، قل : آمين ، فقلت : آمين ، ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله ، قل : آمين ، فقلت : آمين ، ومن ذكرتَ عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله ، قل : آمين ، فقلت : آمين "
و الجمهور على أن ذلك إنما يكفر الصغائر دون الكبائر ، إذ الكبائر لا تكفرها إلا التوبة . و يدل عليه ما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال : ( الصلوات الخمس ، الجمعة إلى الجمعة ، و رمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر )
قال ابن رجب : " قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر : إنه يرجى به مغفرة الذنوب كبائرها و صغائرها . و قال غيره مثل ذلك في الصوم أيضاً . و الجمهور على : أن الكبائر لا بد لها من توبة نصوح "
متى تتم مغفرة ذنوب الصائمين القائمين ؟

قال ابن رجب : " هذه الأسباب الثلاثة كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب ، و هي : صيام رمضان ، و قيامه ، و قيام ليلة القدر .
فقيام ليلة القدر بمجرده يكفر الذنوب لمن وقعت له ، كما في حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ و قد سبق ذكره ، و سواء كانت أول العشر أو أوسطه أو آخره و سواء شعر بها أو لم يشعر ، و لا يتأخر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشهر ، و أما صيام رمضان و قيامه فيتوقف التكفير بهما على تمام الشهر ، فإذا تم الشهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان و قيامه ، فيترتب له على ذلك مغفرة ما تقدم من ذنبه بتمام السببين و هما صيامه و قيامه . و قد يقال : إنه يغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلة من رمضان بقيام رمضان ، قبل تمام نهارها و تتأخر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصوم فيغفر لهم بالصوم في ليلة الفطر "

صفة الصوم الذي يكون كفارة

ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما كان ينبغي له أن يتحفظ فيه كفر ما قبله "
فعلى الصائم لينال وعد الله بالغفران أن يحسن له الصيام ، وذلك بالوفاء بحفظ اللسان وسائر الأعضاء والأركان ، والحرص على صيانة الجنان من وساوس الشيطان والآفات والأدران ، فمن وفى ما عليه من العمل كاملاً وُفى له الأجر كاملاً ، و من سلم ما عليه وفراً ، تسلم ماله نقداً لا مؤخراً .
و من نقص من العمل الذي عليه ، نقص من الأجر بحسب نقصه ، فلا يلم إلا نفسه ، قال سلمان ـ رضي الله عنه ـ : ( الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ، و من طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين ) .
فالصيام و سائر الأعمال على هذا المنوال ، من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين ، ومن طفف فيها فويل للمطففين .
أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته و يطفف في مكيال صيامه و صلاته ، ألا بعداً لِمَدين . في الحديث :( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته ) . إذا كان الويل لمن طفف مكيال الدنيا ، فكيف حال من طفف مكيال الدين :( فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون )
غداً تُوفى النفوس ما كسبت و يحصد الزارعون ما زرعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم و إن أساؤا فبئس ما صنعوا .

الصوم سبب لدخول الجنة

ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ : دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّة ،َ قَالَ : تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ، قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا "

ـ عن أبي الزبير عن جابر ـ رضي الله عنه ـ : " أن رجلا سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات ، وصمت رمضان ، وأحللت الحلال ، وحرمت الحرام ، ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة ؟ قال : نعم . قال : والله لا أزيد على ذلك شيئا "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من آمن بالله وبرسوله ، وأقام الصلاة ، وصام رمضان ، كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها ، فقالوا : يا رسول الله أفلا نبشر الناس ، قال : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ، أراه فوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة . ( قال محمد بن فليح عن أبيه وفوقه عرش الرحمن ) "

ـ عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة : من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن ، وصام رمضان ، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا ، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه ، وأدى الأمانة . ( قالوا : يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة قال الغسل من الجنابة ) "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين "

ـ عن سليم بن عامر قال سمعت أبا أمامة ـ رضي الله عنه ـ يقول : " سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب في حجة الوداع فقال : اتقوا الله ربكم ، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأدوا زكاة أموالكم ، وأطيعوا ذا أمركم ، تدخلوا جنة ربكم " قال : فقلت لأبي أمامة : منذ كم سمعت من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الحديث ، قال سمعته وأنا بن ثلاثين "
ـ عن علي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن في الجنة غرفا تُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها ، فقام أعرابي فقال : لمن هي يا رسول الله ؟ قال : لمن أطاب الكلام ، وأطعم الطعام ، وأدام الصيام ، وصلى لله بالليل والناس نيام "

ـ عن طلحة بن عبيد الله ـ رضي الله عنه ـ : " أن رجلين من بلى قدما على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان إسلامهما جميعا ، فكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر ، فغزا المجتهد منهما فاستشهد ، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي ، قال طلحة : فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما ، فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ، ثم خرج فأذن للذي استشهد ، ثم رجع إلي فقال : ارجع فإنك لم يأن لك بعد ، فأصبح طلحةُ يحدث به الناس فعجبوا لذلك ، فبلغ ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحدثوه الحديث فقال : من أي ذلك تعجبون ؟ فقالوا : يا رسول الله ، هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم استشهد ، ودخل هذا الآخر الجنة قبله ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أليس قد مكث هذا بعده سنة ؟ قالوا : بلى ، قال : وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة ؟ قالوا : بلى ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض "

ـ عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قال : " كنت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير ، فقلت : يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار ، قال : لقد سألت عظيما وإنه ليسير على من يسره الله عليه : تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ، ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير : الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ النارَ الماءُ ، وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } حتى بلغ { جزاء بما كانوا يعملون } ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ، ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا نبي الله ، فأخذ بلسانه وقال : كف عليك هذا ، فقلت : يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ، فقال : ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم "

الصيام والقرآن يشفعان لصحابهما
ـ عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ، ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال فيشفعان "
ـ عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال : " كنت جالسا عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسمعته يقول : تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة ، قال : ثم مكث ساعة ، ثم قال : تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان ، يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف ، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك ، فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك ، فيقول : أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته ، وإنك اليوم من وراء كل تجارة ، فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا ، فيقولان : بم كُسينا هذه ؟ فيقال : بأخذ ولدكما القرآن ، ثم يقال له : اقرأ واصعد في درجات الجنة وغرفها ، فهو في صعود ما دام يقرأ هذاًً كان أو ترتيلا "

ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " يمثل القرآن يوم القيامة رجلا ، فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره فيتمثل خصما له ، فيقول : يا رب حملته إياي فشر حامل ، تعدى حدودي وضيع فرائضي وركب معصيتي وترك طاعتي ، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال : فشأنك به ، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار . ويؤتى برجل صالح قد كان حمله وحفظ أمره ، فيتمثل خصما له دونه فيقول : يا رب حملته إياي فخير حامل ، حفظ حدودي وعمل بفرائضي واجتنب معصيتي واتبع طاعتي ، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال : شأنك به ، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يلبسه حلة الاستبرق ، ويعقد عليه تاج المُلك ، ويسقيه كأس الخمر "

" قال ابن مسعود : ينبغي لقارىء القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ، و نهاره إذا الناس يفطرون ، و ببكائه إذا الناس يضحكون ، و بورعه إذا الناس يخلطون ، و بصمته إذا الناس يخوضون ، و بخشوعه إذا الناس يختالون ، و بحزنه إذا الناس يفرحون .
قال محمد بن كعب : كنا نعرف قارىء القرآن بصفرة لونه يشير إلى سهره و طول تهجده .
قال وهيب بن الورد : قيل لرجل ألا تنام ؟ قال : إن عجائب القرآن أطرن نومي .
و صحب رجل رجلاً شهرين فلم يره نائماً فقال : مالي لا أراك نائماً قال : إن عجائب القرآن أطرن نومي ، ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى .
قال أحمد أبي الحواري : إني لأقرا القرآن و أنظر في آيِه فيحير عقلي بها ، و أعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ، و يسعهم أن يشغلوا بشيء من الدنيا و هم يتلون كلام الله ، أما إنهم لو فهموا ما يتلون ، و عرفوا حقه و تلذذوا به و استحلوا المناجاة به ، لذهب عنهم النوم فرحاً بما قد رزقوا .
أنشد ذو النون المصري :
منع القرآنُ بوعده و وعيده مُقَل العيون بليلها لا تهجع
فهموا عن الملك العظيم كلامه فهماً تذل له الرقاب و تخضع
فأما من كان معه القرآن فنام عنه بالليل و لم يعمل به بالنهار ، فإنه ينتصب القرآنُ خصماً له يطالبه بحقوقه التي ضيعها "
فيا من ضيع عمره في غير الطاعة ، يا من فرط في شهره بل في دهره و أضاعه ، يا من بضاعته التسويف و التفريط ، و بئست البضاعة ، يا من جعل خصمه القرآن و شهر رمضان ، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة ؟!!!
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه و الصور في يوم القيامة ينفخ .

الصوم سبب للنجاة من النار
ـ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ : " مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من صام يوما في سبيل الله ـ عز وجل ـ زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفا "

ـ عن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض "

ـ عن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من صام يوما في سبيل الله ـ عز وجل ـ باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام "

ـ عن مطرف قال : دخلت على عثمان بن أبي العاص ـ رضي الله عنه ـ فدعا بلبن فقلت : إني صائم فقال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " الصوم جنة من النار كجنة أحدكم من القتال "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن ربكم يقول : كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والصوم لي وأنا أجزي به ، الصوم جنة من النار ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل : إني صائم "
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من صام يوما ابتغاء وجه الله تعالى ، بعده الله ـ عز وجل ـ من جهنم كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما "
ـ عبيد الله بن أحمد قال : سمعت شيخاً يقول : : بلغنا أن أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ كان يقول يا أيها الناس إني لكم ناصح ، إني عليكم شفيق ، صلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور ، وصوموا في الدنيا لحر يوم النشور ، وتصدقوا مخافة يوم عسير ، يا أيها الناس إني لكم ناصح إني عليكم شفيق "

عتقاء الله في كل ليلة من رمضان
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادي مناد : يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار ، وذلك كل ليلة "

ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن لله عتقاء من النار في كل يوم وليلة ، ولكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة ( يعني في رمضان ) "
قال المناوي : " ( دعوة مستجابة ) أي عند فطره أو عند بروز الأمر بعتقه وهذه منقبة عظيمة لرمضان وصوامه وللدعاء والداعي .
تنبيه ، قال الحكيم : دعاء كل إنسان إنما يخرج على قدر ما عنده من قوة القلب ، فربما يخرج شديد النور شمس تطلع ، وقد يخرج دعاء بمنزلة قمر يطلع ، ودعاء يخرج ببعض تقصير فنوره كالكواكب "

اشتراط سلامة الصيام للنجاة من النار

ـ عن عياض بن غطيف قال : " دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده من شكوى أصابه ، وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه ، قلت : كيف بات أبو عبيدة ؟ قالت : والله لقد بات بأجر ، فقال : أبو عبيدة ما بت بأجر ، وكان مقبلا بوجهه على الحائط ، فأقبل على القوم بوجهه فقال : ألا تسألونني عما قلت ؟ قالوا : ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه ، قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة ، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضا أو ماط أذى فالحسنة بعشر أمثالها ، والصوم جنة ما لم يخرقها ، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حِطة "

ـ عن أبي عبيدة بن الجراح ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : الصوم جنه ما لم يخرقها . ( قال أبو محمد : يعني بالغيبة ) "

ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه "

ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من لم يدع الخنا والكذب فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، ورب قائم حظه من قيامه السهر "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن الصيام ليس من الأكل والشرب فقط ، إنما الصيام من اللغو والرفث ، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل : إني صائم "

قال ابن رجب : " و سر هذا : أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات ، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرب إلى الله تعالى بترك المباحات كان بمثابة من يترك الفرائض و يتقرب بالنوافل ، و إن كان صومه مجزئاً عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته ، لأن العمل إنما يبطل بارتكاب ما نهي عنه فيه لخصوصه دون ارتكاب ما نهي عنه لغير معنى يختص به ، هذا هو قول جمهور العلماء ................................ و لهذا المعنى ـ و الله أعلم ـ ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام و الشراب على الصائم بالنهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل ، فإن تحريم هذا عام في كل زمان و مكان بخلاف الطعام و الشراب ، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام و الشراب في نهار صومه ، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل فإنه محرم بكل حال لا يباح في وقت من الأوقات "

ـ عن طليق بن قيس قال : قال أبو ذر : " إذا صمت فتحفظ ما استطعت " . وكان طليق إذا كان يوم صومه دخل فلم يخرج إلا لصلاة .

ـ عن سلمان بن موسى قال : قال جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ : " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ، ودع أذى الخاصة ، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ، ولا تجعل يوم فطرك وصومك سواء "

ـ عن أبي المتوكل عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : " أنه وأصحابه كانوا إذا صاموا قعدوا في المسجد وقالوا : نطهر صيامنا "

ـ عن الشعبي قال : قال عمر ـ رضي الله عنه ـ : " ليس الصيام من الطعام والشراب وحده ، ولكنه من الكذب والباطل واللغو والحلف "

ـ عن جعفر قال : " سمعت ميمونا يقول : إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب "

ـ عن ليث عن مجاهد قال :" خصلتان من حفظهما سلم له صومه : الغيبة والكذب "

ـ عن هشام عن حفصة عن أبي العالية قال : " الصائم في عبادة ما لم يغتب "

ـ عن يونس بن عبيد قال : " لا تجد شيئا من البر يتبعه البر كله غير اللسان ، فإنك تجد الرجل يكثر الصيام ويفطر على الحرام ، ويقوم الليل ويشهد الزور بالنهار ، وذكر أشياء نحو هذا ، ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق فيخالف ذلك عمله أبدا "

ـ عن عبيد مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أن امرأتين صامتا وأن رجلا قال : يا رسول الله إن ها هنا امرأتين قد صامتا وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش ، فأعرض عنه أو سكت ثم عاد ، ( وأراه قال : بالهاجرة ) قال : يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا ، قال : ادعهما ، قال : فجاءتا ، قال : فجيء بقدح أو عس فقال لإحداهما : قيئي فقاءت قيحا أو دما وصديدا ولحما حتى قاءت نصف القدح ، ثم قال للأخرى: قيئي ، فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتى ملأت القدح ، ثم قال : إن هاتين صامتا عما أحل الله ، وأفطرتا على ما حرم الله ـ عز وجل ـ عليهما ، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس "

إذا لم يكن في السمع مني تصاون و في بصري غض و في منطقي صمت
فحظي إذاً من صوميَ الجوع و الظما فإن قلت إني صمت يومي فما صمت .

قال ابن رجب : " و اعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال من الكذب و الظلم و العدوان على الناس في دمائهم و أموالهم و أعراضهم "

وقال أيضا : " فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع ، و عمل صالح له شافع .
كم نخرق صيامنا بسهام الكلام ثم نرقعه و قد اتسع الخرق على الراقع ، كم نرفو خروقه بمخيط الحسنات ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع .
كان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه .
إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم ؟ ارحموا من حسناته كلها سيئات و طاعاته كلها غفلات .
أستغفر الله من صيامي طول زماني و من صلاتي
صيامنا كله خروق و صلاتنا أيما صلاة
مستيقظ في الدجى و لكن أحسن من يقظتي سناتي "

ـ عن همام أخي وهب بن منبه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : " الغيبة تخرق الصوم والاستغفار يرقعه ، فمن استطاع منكم أن يجيء غدا بصومه مرقعا فليفعل "

فرحتا الصائم

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال الله : " كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جنة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني امرؤ صائم ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه "

ـ عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن الله ـ عز وجل ـ جعل حسنة بن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم ، والصوم لي وأنا أجزي به ، وللصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره ، وفرحة يوم القيامة ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "

قال البيهقي : " وأما قوله ( للصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه ) فمعناه ـ والله أعلم ـ فرحة عند إفطاره بما يجب له من الثواب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ، أو يأذن له في الإفطار ولم يأذن له في وصل الليل بالنهار فيتعجل هلاكه ، وإنما جاء في الحديث من أن للصائم عند فطره دعوة مستجابة ، وفرحة يوم القيامة بما يصل إليه من الثواب والجزاء "

وقال ابن رجب : " و قوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( للصائم فرحتان : فرحة عند فطره و فرحة عند لقاء ربه ) أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم و مشرب و منكح ، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه خصوصاً عند اشتداد الحاجة إليه ، فإن النفوس تفرح بذلك طبعاً فإن كان ذلك محبوباً لله كان محبوباً شرعاً ، و الصائم عند فطره كذلك . فكما أن الله تعالى حرم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات ، فقد أذن له فيها في ليل الصيام ، بل أحب منه المبادرة إلى تناولها في أول الليل و آخره ، فأحب عباده إليه أعجلهم فطراً ، و الله و ملائكته يصلون على المتسحرين . فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقرباً إلى الله و طاعة له ، و يبادر إليها في الليل تقرباً إلى الله و طاعة له فما تركها إلا بأمر ربه ، و لا عاد إليها إلا بأمر ربه فهو مطيع له في الحالين
................................ و أما فرحه عند لقاء ربه : فيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدخراً فيجده أحوج ما كان إليه كما قال تعالى :( و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً و أعظم أجراً ) ، و قال تعالى :( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ) ، و قال : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره )
و قد تقدم قول ابن عيينة : أن ثواب الصيام لا يأخذه الغرماء في المظالم بل يدخره الله عنده للصائم حتى يدخله به الجنة "

أعظم الصائمين أجرا أكثرهم لله ذكرا

ـ عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أن رجلا سأله فقال : أي الجهاد أعظم أجرا ؟ قال : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا ، قال : فأي الصائمين أعظم أجرا ؟ قال : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا ، ثم ذكر لنا الصلاة والزكاة والحج والصدقة ، كل ذلك ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا ، فقال أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ لعمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ : يا أبا حفص ، ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجل "

من أفطر في رمضان متعمدا

ـ عن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا : اصعد ، فقلت : إني لا أطيقه ، فقالا : إنا سنسهله لك ، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة ، قلت : ما هذه الأصوات ؟ قالا : هذا عواء أهل النار ، ثم انطلقا بي ، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما ، قال : قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : من أفطر يوما في رمضان من غير مرض ولا رخصة لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن صامه "

الشتاء غنيمة الصوام القوام

ـ عن عامر بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء "

ـ عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال : " كان يقول : إذا جاء الشتاء يا أهل القرآن طال الليل لصلاتكم وقصر النهار لصيامكم فاغتنموا "

ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " الشتاء ربيع المؤمن ، قصر نهاره فصام وطال ليله فقام "

فضل من كان آخر عمله الصيام

ـ عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال : " أسندت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى صدري فقال : من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة "

ـ عن محمد بن جحادة ، عن طلحة اليامي قال : سمعته يقول : " كنا نتحدث أنه من ختم له بإحدى ثلاث ( إما قال وجبت له الجنة وإما قال برئ من النار ) من صام شهر رمضان فإذا انقضى الشهر مات ، ومن خرج حاجا فإذا قدم من حجته مات ، ومن خرج معتمرا فإذا قدم من عمرته مات "

ـ عن أبي علي الحسن بن سلمان النهرواني أنه سئل : " ما علامة قبول صوم رمضان ؟
قال أن يموت في شوال قبل التلبس برديء الأعمال ، فمات في سادس شوال سنة خمس وعشرين وخمس مئة ـ رحمه الله ـ وأظهر عليه أهل بغداد من الجزع ما لم يُعهد مثله "

فضل خلوف فم الصائم

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم مرتين ، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك ، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها "

ـ قال ابن رجب : " قوله :( و لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) خلوف الفم : رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة لخلو المعدة من الطعام بالصيام ، و هي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدنيا لكنها طيبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته و ابتغاء مرضاته ، كما أن دم الشهيد يجيء يوم القيامة يثعب دماً لونه لون الدم و ريحه ريح المسك . و بهذا استدل من كره السواك للصائم أو لم يستحبه من العلماء ، وأول من علمناه استدل بذلك عطاء بن أبي رباح Kو روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه استدل به لكن من وجه لا يثبت ، و في المسألة خلاف مشهور بين العلماء ............ ..........................
و في طيب ريح خلوف الصائم عند الله ـ عز و جل ـ معنيان :
1ـ المعنى الأول : أن الصيام لما كان سراً بين العبد و بين ربه في الدنيا أظهره الله في الآخرة علانية للخلق ليشتهر بذلك أهل الصيام و يعرفون بصيامهم بين الناس جزاء لإخفائهم صيامهم في الدنيا . ...................
حُكي عن سهل بن عبد الله التستري الزاهد ـ رحمه الله ـ : أنه كان يواظب على الصيام ، فمر يوماً بثمار و بين يديه رطب حسن فاشتهت نفسه فرد شهوتها ، فقالت نفسه : فعلت بي كل بلية من سهر الليالي و ظمأ الهواجر فأعطني هذه الشهوة و استعملني في الطاعة كيف شئت ، فاشترى سهل من الرطب و خبز الحواري و قليل شوى و دخل موضعاً ليأكل فإذا رجلان يختصمان ، فقال أحدهما : إني محق وأنت مبطل أتريد أن أحلف لك أني محق وأن الأمر على ما زعمت ، قال : بلى ، فحلف فقال : و حق الصائمين إني محق في دعواي ، فقال سهل : هذا مبعوث الحق تعالى إلى هذا السوط بي ثم أخذ بلحيته و قال : يا سهل بلغ من شرفك و شرف صومك حتى يحلف العباد بصومك فيقول : و حق الصائمين ثم تفطر أنت على قليل رطب ...........................
و قد تفوح رائحة الصيام في الدنيا و تستنشق قبل الآخرة ، و هو نوعان :
أ ـ أحدهما : ما يدرك بالحواس الظاهرة .
كان عبد الله بن غالب من العباد المجتهدين في الصلاة و الصيام ، فلما دفن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك ، فرؤي في المنام فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره ؟ فقال : تلك رائحة التلاوة و الظمأ .
ب ـ و النوع الثاني : ما تستنشقه الأرواح و القلوب فيوجب ذلك للصائمين المخلصين المودة و المحبة في قلوب المؤمنين . و حديث الحارث الأشعري عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( أن زكريا ـ عليه السلام ـ قال لبني إسرائيل : آمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم تعجبه ريحه ، و إن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك ) خرجه الترمذي و غيره .
لما كان أمر المخلصين بصيامهم لمولاهم سراً بينه و بينهم ، أظهر الله سرهم لعباده فصار علانية ، فصار هذا التجلي و الإظهار جزاء لذلك الصون و الإسرار ...............................
2 ـ و المعنى الثاني : أن من عبد الله و أطاعه و طلب رضاه في الدنيا بعمل فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا فإن تلك الآثار غير مكروهة عند الله بل هي محبوبة له و طيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته و اتباع مرضاته ، فإخباره بذلك للعاملين في الدنيا فيه تطييب لقلوبهم لئلا يكره منهم ما وجد في الدنيا .................................................. .....................
كل شيء ناقص في عرف الناس في الدنيا حتى إذا انتسب إلى طاعته و رضاه فهو الكامل في الحقيقة . خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك
. عري المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل .
نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح .
انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر .
ذل الخائفين من سطوته هو العز .
تهتك المحبين في محبته أحسن من الستر .
بذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة .
جوع الصائمين لأجله هو الشبع .
عطشهم في طلب مرضاته هو الري .
نصب المجتهدين في خدمته هو الراحة .
ذل الفتى في الحب مكرمة و خضوعه لحبيبه شرف
هبت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب .
سعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح ،
وصلت البشارة للمنقطعين بالوصل ، و للمذنبين بالعفو ، و المستوجبين النار بالعتق .
لما سلسل الشيطان في شهر رمضان ، و خمدت نيران الشهوات بالصيام انعزل سلطان الهوى و صارت الدولة لحاكم العقل بالعدل ، فلم يبق للعاصي عذر .
يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي ،
يا شموس التقوى و الإيمان اطلعي ،
يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي ،
يا قلوب الصائمين اخشعي ،
يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك و اركعي ،
يا عيون المجتهدين لا تهجعي ،
يا ذنوب التائبين لا ترجعي ،
يا أرض الهوى ابلعي ماءك و يا سماء النفوس أقلعي ،
يا بروق العشاق للعشاق المعي ،
يا خواطر العارفين ارتعي ،
يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي ،
قد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوام فما منكم إلا من دعي :( يا قومنا أجيبوا داعي الله ) و يا همم المؤمنين أسرعي ، فطوبى لمن أجاب فأصاب ، و ويل لمن طرد عن الباب و ما دعي "

أخلاق الصائمين

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " الصيام جُنة فلا يرفث ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين ، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك ، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " لا تساب وأنت صائم ، فان شتمك أحد فقل : إني صائم ، وان كنت قائما فاقعد ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "

الصيام نصف الصبر

ـ عن جرير النهدي عن رجل من بني سليم قال : " عَدهُن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في يدي أو في يده : التسبيح نصف الميزان ، والحمد يملأه ، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض ، والصوم نصف الصبر ، والطهور نصف الإيمان "

" وإنما سمي الصيام صبرا لأن الصبر في كلام العرب الحبس ، والصائم يحبس نفسه عن أشياء جعل الله تعالى قوام بدنه بها ، وسمي الصبر ضياء لأن الشهوات إذا انقمعت به وانجلى عن القلب الظلام الغاشي إياه باستيلاء الشهوات على النفس ، نظر مواضع النفع له من عبادة الله تعالى فآثرها وابتدر إليها ومواضع الضر الذي يلحق من معاصي الله فاعتزلها وكف عنها ، وقد سماه في خبر آخر نصف الصبر "
" قال الحليمي ـ رحمه الله ـ : وهذا ـ والله أعلم ـ على أن جماع العبادات فعل أشياء وكف عن أشياء ، والصوم يقمع الشهوات ، فيتيسر به الكف عن المحارم وهو شطر الصبر ، لأنه صبر عن الشهوات ، فيتيسر به الكف عن المحارم وهو شطر الصبر ، لأنه صبر عن الشهوات ، ويبقى وراءه الصبر عن المشاق وهو تخلف الأفعال المأمور بها ، فهما صبران : صبر عن أشياء ، وصبر على أشياء والصوم يعين على أحدهما ( وهو الصبر عن الشهوات ) ، فهو إذا نصف الصبر ، ومنها أنه سماه 0 ( فرضا مجزيا ) ، وفي خبر آخر ( زكاة ) ، ويرجع معناهما إلى أنه ينقص من قوة البدن وينحل الجسم فيكون الصائم كأنه أخرج شيئا من جسده لوجه الله وهو يجزيه به "

قال ابن رجب : " و الصبر ثلاثة أنواع : صبر على طاعة الله ، و صبر عن محارم الله ، و صبر على أقدار الله المؤلمة .
و تجتمع الثلاثة في الصوم فإن فيه صبراً على طاعة الله ، و صبراً عما حرم الله على الصائم من الشهوات ، و صبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع و العطش و ضعف النفس و البدن ، و هذا الألم الناشىء من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه كما قال الله تعالى في المجاهدين :( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) "
ـ سعيد بن عامر قال كان صالح المري يدعو اللهم ارزقنا صبرا على طاعتك وارزقنا صبرا عند عزائم الأمور "

أجر الصوم يخرج عن ميزان التقدير

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن ربكم يقول : كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والصوم لي وأنا أجزي به ، الصوم جُنة من النار
ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل : إني صائم "
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "

قال البيهقي : " قال أبو عبيد : قد علمنا أن أعمال البر كلها لله تعالى وهو يجزي بها ، فنرى ـ والله أعلم ـ أنه إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه ، لأن الصوم ليس يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فيكتبه الحفظة ، إنما هو نية القلب وإمساك عن حركة المطعم والمشرب . يقول : فأنا أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف ، وليس على كتاب كتب له ، ومما يبين ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :
( ليس في الصوم رياء ).
قال أبو عبيد : حدثنيه عن ليث عن عقيل عن ابن شهاب رفعه ، قال : وذلك لأن الأعمال كلها لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم خاصة فإنما هو بالنية التي قد خفيت على الناس ، فإذا نواها فكيف يكون ها هنا رياء ؟ هذا عندي وجه الحديث والله أعلم .
قال أبو عبيد : بلغني عن سفيان بن عيينة أنه فسر قوله في الصوم (والصوم لي وأنا أجزي به ) ، قال : لأن الصوم هو الصبر ، يصبر الإنسان عن المطعم والمشرب والنكاح ، ثم قرأ قوله تعالى :
( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )
يقول : فثواب الصوم ليس له حساب يُعلم من كثرته . "

قال البيهقي : " قال الشيخ أحمد ـ رحمه الله ـ : وقوله ( الصوم لي وأنا أجزي به ) فمعناه ـ والله أعلم ـ أني العالم بجزائي والمالك له وليس ذلك مما أخبرتكم به من أن الحسنة بعشر أمثالها ، وأن مثل النفقة في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، لكن جزاء الصوم يجل عن هذا كله ، وأنا أعلم به وإلي أمره ، وهذا لأن كل عمل يعمله ابن آدم من الطاعات فإنما هو تبرر لا تنقص من بدنه شيئا إلا الصيام فإنه تعريض من الصائم نفسه للنقصان الذي قد يُضعف وقد يؤدي إلى الهلاك ، والصائم بصيامة مؤثر للرجوع إلى ربه مستسلم لذلك منشرح الصدر ، فكان صومه له عز اسمه من هذا الوجه .......................... ، وأما الخلوف فإنما جعله أطيب عند الله من ريح المسك ليبين انه وإن كان في الطباع من باب الأذى فإنه عند الله مرضي لا ينبغي إزالته بالسواك وغيره كما لا يزال دم الشهيد عنه بالغسل وأنه يثاب على الصبر عليه كما يثاب على الطعام والشراب والله أعلم "

قال ابن رجب : " و أما قوله : ( فإنه لي ) فإن الله خص الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال ، و قد كثر القول في معنى ذلك من الفقهاء و الصوفية و غيرهم ، و ذكروا فيه وجوهاً كثيرة . و من أحسن ما ذكر فيه وجهان :
أحدهما : أن الصيام هو مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية التي جبلت على الميل إليها لله ـ عز و جل ـ و لا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام ، لأن الإحرام إنما يترك فيه الجماع و دواعيه من الطيب دون سائر الشهوات من الأكل و الشرب ، وكذلك الاعتكاف مع أنه تابع للصيام ، و أما الصلاة فإنه و إن ترك المصلي فيها جميع الشهوات إلا أن مدتها لا تطول فلا يجد المصلي فقد الطعام و الشراب في صلاته ،.. و هذا بخلاف الصيام فإنه يستوعب النهار كله فيجد الصائم فقد هذه الشهوات ، و تتوق نفسه إليها خصوصاً في نهار الصيف لشدة حره و طوله ...............
فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه ثم تركته لله ـ عز وجل ـ في موضع لا يطلع عليه إلا الله كان ذلك دليلاً على صحة الإيمان ، فإن الصائم يعلم أن له رباً يطلع عليه في خلوته ، و قد حرم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة فأطاع ربه و امتثل أمره و اجتنب نهيه خوفاً من عقابه و رغبة في ثوابه فشكر الله تعالى له ذلك و اختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله ، و لهذا قال بعد ذلك :( إنه إنما ترك شهواته و طعامه و شرابه من أجلي ) قال بعض السلف : طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره .
لما علم المؤمن الصائم أن رضا مولاه في ترك شهواته قدم رضا مولاه على هواه فصارت لذته في ترك شهواته لله لإيمانه باطلاع الله و ثوابه أعظم من لذته في تناولها في الخلوة إيثاراً لرضا ربه على هوى نفسه ، بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشد من كراهته لألم الضرب ، و لهذا كثير من المؤمنين لو ضرب على أن يفطر في شهر رمضان لغير عذر لم يفعل لعلمه لكراهة الله لفطره في هذا الشهر ، و هذا من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أن الله يكرهه فتصير لذته فيما يرضى مولاه و إن كان مخالفاً لهواه ، و يكون ألمه فيما يكره مولاه و إن كان موافقاً لهواه ، و إذا كان هذا فيما حرم لعارض الصوم من الطعام و الشراب و مباشرة النساء فينبغي أن يتأكد ذلك فيما حرم على الإطلاق : كالزنا ، و شرب الخمر ، و أخذ الأموال أو الأعراض بغير حق ، و سفك الدماء المحرمة فإن هذا يسخطه الله على كل حال و في كل زمان و مكان . فإذا كمل إيمان المؤمن كره ذلك كله أعظم من كراهته للقتل و الضرب .
إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على وسني .
و قال آخر :
عذابه فيك عذب و بعده فيك قرب
و أنت عندي كروحي بل أنت منها أحب
حسبي من الحب أني لما تحب أحب
الوجه الثاني : أن الصيام سر بين العبد و ربه لا يطلع عليه غيره لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله ، و ترك لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها في العادة . و لذلك قيل : لا تكتبه الحفظة ، و قيل : إنه ليس فيه رياء . كذا قاله الإمام أحمد و غيره . و فيه حديث مرفوع مرسل . و هذا الوجه اختيار أبي عبيد و غيره ...................... و أهل محبته يحبون أن يعاملوه سراً بينهم و بينه بحيث لا يطلع على معاملتهم إياه سواه حتى كان بعضهم يود لو تمكن من عبادة لا تشعر بها الملائكة الحفظة ، و قال بعضهم : لما اطلع على بعض سرائره إنما كانت تطيب الحياة لما كانت المعاملة بيني و بينه سراً ، ثم دعا لنفسه بالموت فمات .
المحبون يغارون من اطلاع الأغيار على الأسرار التي بينهم و بين من يحبهم و يحبونه "

ـ عن يزيد بن قودر عن كعب الأحبار أنه قال : " ينادي في يوم القيامة مناد : أن كل حارث يعطى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب "


أجر الصائم يسبق النفقة في سبيل الله

ـ عن سهل بن معاذ عن أبيه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن الصلاة والصيام والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف "
قال المناوي : " ( بسبع مئة ضعف ) على حسب ما اقترن به من إخلاص النية والخشوع وغير ذلك ، وفي بعض الروايات إن الصوم يضاعف فوق ذلك بما لا يعلم قدر ثوابه إلا الله لأنه أفضل أنواع الصبر ، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ، وفي خبر : من قال سبحان الله كتب له مئة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة . وما ذكر بالنسبة للصلاة والصوم ظاهر ، وأما الذكر فالظاهر أنه خرج جوابا لسؤال سائل عجز عن الجهاد أو فقير ليس معه ما ينفقه ، فأخبره بأن ثواب العبادة في حقه يربو على ثواب ذي المال الصارف له في شؤون الغزو ومتعلقاته ، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، بل قد يعرض للجهاد ما يصيره أفضل من الصلاة والصيام وباقي أركان الإسلام كما مر "

الصوم وجاء

ـ عن علقمة قال : كنت مع عبد الله فلقيه عثمان بمنى فقال : يا أبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجة فخلوا ، فقال عثمان : هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكرا تذكرك ما كنت تعهد ؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلي فقال : يا علقمة ، فانتهيت إليه وهو يقول : أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "

ـ عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال جاء رجل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " يا رسول الله ائذن لي أن أختصي فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خِصاء أمتي الصيام والقيام "

الصوم يذهب الحقد ويطهر القلب

ـ عن أبي العلاء بن الشخير قال : " كنت مع مطرف في سوق الإبل فجاءه إعرابي معه قطعة أديم أو جراب فقال : من يقرأ أو فيكم من يقرأ ؟ قلت : نعم ، فأخذته فإذا فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبني زهير بن أقيش ـ حي من عُكل ـ إنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وفارقوا المشركين ، وأقروا بالخمس في غنائمهم وسهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفيه ، فإنهم آمنون بأمان الله ورسوله ) فقال له بعض القوم : هل سمعت من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئا تحدثناه ؟ قال : نعم ، قالوا : فحدثنا رحمك الله ، قال : سمعته يقول : ( من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر أو ثلاثة أيام من كل شهر ) فقال له القوم أو بعضهم : أأنت سمعت هذا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ألا أراكم تتهمونى أن أكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرة تخافون ، والله لا حدثتكم حديثا سائر اليوم ثم انطلق "

ـ عن رجل من بنى تميم قال : كنا عند باب معاوية بن أبي سفيان وفينا أبو ذر ـ رضي الله عنهما ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من
كل شهر صوم الدهر ، ويذهب مغلة الصدر ، قال : قلت : وما مغلة الصدر ؟ قال : رجس الشيطان "

الصومُ درجة عالية

ـ عن عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " إن المسلم المسدد ليدرك درجه الصوام القوام بآيات الله بحسن خلقه وكرم ضريبته "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر "

فضلُ خدمةِ الصائمين

ـ عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر قال : فنزلنا منزلا في يوم حار أكثرنا ظلا صاحب الكساء ، ومنا من يتقي الشمس بيده ، قال : فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذهب المفطرون اليوم بالأجر "
مَثَلُ الصائم

ـ عن الحرث الأشعري أن نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إن الله ـ عز وجل ـ أمر يحيى بن زكريا ـ عليهما السلام ـ بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وكاد أن يبطئ ، فقال له عيسى : إنك قد أُمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن ، فقال : يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي ، قال : فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله ـ عز وجل ـ أمرني بخمس كلمات أن اعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن : أولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا ، فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورِق أو ذهب ، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده ، فأيكم سره أن يكون عبده كذلك ؟ وإن الله ـ عز وجل ـ خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا .
وآمركم بالصلاة فإن الله ـ عز وجل ـ ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا .
وآمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك .
وآمركم بالصدقة فان مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه ، وقدموه ليضربوا عنقه فقال : هل لكم أن أفتدي نفسي منكم ؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه .
وآمركم بذكر الله ـ عز وجل ـ كثيرا وأن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه ، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله ـ عز وجل ـ قال : فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : بالجماعة ، والسمع والطاعة ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع ، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثاء جهنم ، قالوا : يا رسول الله وإن صام وإن صلى ؟ قال : وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم ، فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله ـ عز وجل ـ المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل "
صوم كصيام الدهر

ـ عن أبي قتادة أن رجلا أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " كيف تصوم فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما رأى عمر ـ رضي الله عنه ـ غضبه قال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، فجعل عمر ـ رضي الله عنه ـ يردد هذا الكلام حتى سكن غضبُه ، فقال عمر : يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله ؟ قال : لا صام ولا أفطر ، أو قال : لم يصم ولم يفطر ، قال : كيف من يصوم يومين ويفطر يوما ؟ قال : ويطيق ذلك أحد ؟ قال : كيف من يصوم يوما ويفطر يوما ؟ قال : ذاك صوم داود ـ عليه السلام ـ قال : كيف من يصوم يوما ويفطر يومين ؟ قال : وددت أني طوقت ذلك ، ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله ، وصيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله "

ما يقول إذا أفطر ؟

ـ عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " كان إذا أفطر قال : اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا صام ثم أفطر قال : اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت .
قال : وكان الربيع بن خثيم يقول : الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت "
طبقات الصوام

قال ابن رجب : " و الصائمون على طبقتين :
إحداهما : من ترك طعامه و شرابه و شهوته لله تعالى يرجو عنده عوض ذلك في الجنة ، فهذا قد تاجر مع الله و عامله و الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً ، ولا يخيب معه من عامله ، بل يربح عليه أعظم الربح ، وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله إلا أتاك الله خيراً منه " خرجه الإمام أحمد ، فهذا الصائم يعطى في الجنة ما شاء الله من طعام و شراب و نساء . قال الله تعالى :" كلوا و اشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية " قال مجاهد و غيره : نزلت في الصائمين .
الطبقة الثانية من الصائمين : من يصوم في الدنيا عما سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى ، و يحفظ البطن وما وعى ، ويذكر الموت و البلى ، و يريد الآخرة فيترك زينة الدنيا ، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه و فرحه برؤيته :
أهل الخصوص من الصوام صومهم صون اللسان عن البهتان و الكذب
و العارفون و أهل الإنس صومهم صون القلوب عن الأغيار و الحجب
العارفون لا يسليهم عن رؤية مولاهم قصر ، ولا يرويهم دون مشاهدته نهر ، هممهم أَجَل من ذلك :
كبرت همةُ عبد طَمِعت في أن تراك
من يَصُم عن مُفطرات فصِيامي عمن سواك
من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غداً في الجنة ، و من صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه . ( من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت ) .
و قد صمت عن لذات دهري كلها و يوم لقاكم ذاك فطر صيامي "

ـ وقال الإمام الغزالي : " اعلم أن الصوم ثلاث درجات : صوم العموم ، وصوم الخصوص ، وصوم خصوص الخصوص .
أما صوم العموم : فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله.
وأما صوم الخصوص : فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام .
وأما صوم خصوص الخصوص : فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية ، وكفه عما سوى الله ـ عز وجل ـ بالكلية ، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله ـ عز وجل ـ واليوم الآخر ، وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين ، فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا "

من أكل أو شرب ناسيا

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من أكل أو شرب ناسيا فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله "

فضل تعجيل الفطر وعلام يفطر

ـ عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر "
ـ عن بن أبي أوفى ـ رضي الله عنه ـ قال : " كنت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفر فصام حتى أمسى قال لرجل : انزل فاجدح لي ، قال : لو انتظرت حتى تمسي قال انزل فاجدح لي ، إذا رأيت الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم "
ـ عن عمارة بن عمير عن أبي عطية قال : " دخلت أنا ومسروق على عائشة ـ رضي الله عنها ـ فقلنا : يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة ، قالت : أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة قال قلنا عبد الله ( يعني ابن مسعود ) قالت : كذلك كان يصنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( زاد أبو كريب والآخر أبو موسى ) "
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر ، لأن اليهود والنصارى يؤخرون "

ـ عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تزال أمتى على سنتى ما لم تنتظر بفطرها النجوم " قال : " وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كان صائما أمر رجلا فأوفى على شيء فإذا قال : غابت الشمس أفطر "

ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفطر على رطبات قبل أن يصلي ، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات ، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء "

ـ عن سلمان بن عامر الضبي ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر " زاد بن عيينة " فإنه بركة فمن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال الله ـ عز وجل ـ : " إن أحب عبادي إلى أعجلهم فطرا "
إفطار الصالحين
ـ " كان أبو بكر أحمد بن علي العلبي يُقرئ القرآن ويؤم الناس ويعمل بيده ولا يقبل من أحد شيئا ، ويذهب بنفسه في كل ليلة إلى دجلة فيأخذ في كوز له ماء يفطر عليه ويمشي في حوائج نفسه ولا يستعين بأحد .
وكان إذا حج يزور القبور بمكة ويجيء إلى قبر الفضيل بن عياض ويخط بعصاه ويقول : يا رب ها هنا ، يا رب ها هنا .
فاتفق أنه خرج للحج في سنة ثلاث وخمس مائة ، فشهد عرفة محرما ، وتوفي عشية ذلك اليوم في أرض عرفات فحمل إلى مكة وطيف به حول البيت ، ودفن يوم منحر إلى جانب الفضيل بن عياض "

ـ عن الوليد بن عقبة قال : " كان يخبز لداود الطائي ستون رغيفا يلعقها بشريط ، يفطر كل ليلة على رغيفين بملح وماء : فأخذ ليلة فطره فجعل ينظر إليه . قال : ومولاة له سوداء تنظر إليه ، فقامت فجاءته بشيء من تمر على طبق فأفطر ثم أحيا ليلته وأصبح صائما . فلما جاء وقت الإفطار أخذ رغيفيه وملحا وماء "

ما يقول إذا أفطر

ـ عن مروان بن سالم المقفع قال : " رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف وقال : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أفطر قال : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله "

ـ عن معاذ بن زهرة أنه بلغه : " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا أفطر قال اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت "
الدعاء مستجاب للصائم حال صومه بل وفي رمضان كله

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ثلاثة لا يرد دعاؤهم : الإمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام يوم القيامة ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب ـ عز وجل ـ : بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين "

ـ عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذاكر الله في رمضان مغفور له ، وسائل الله فيه لا يخيب "

دعوة خاصة عند الإفطار

ـ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن لله عند كل فطر عتقاء ، وذلك في كل ليلة ( يعني من رمضان ) "

ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد " قال ابن أبي مليكة : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : ( اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ) .

ـ عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة " فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعى أهله وولده ودعا .

ـ عن نافع قال ابن عمر : " كان يُقال : إن لكل مؤمن دعوة مستجابة عند إفطاره إما أن تُعجل له في دنياه ، أو تُدخر له في آخرته .
قال : فكان ابن عمر يقول عند إفطاره : يا واسع المغفرة اغفر لي "

أجر من فطر صائما

ـ عن زيد بن خالد الجهني ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا "

ـ عن يحيى بن أبي كثير قال : " إن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ دعته امرأة ليفطر عندها ففعل وقال : إني أخبركِ أنه ليس من رجل يفطر عند أهل بيت إلا كان لهم مثل أجره ، فقالت : وددت أنك تتحين ( أو نحو ذلك ) لتفطر عندي ، قال : إني أريد أن أجعله لأهل بيتي "

ثواب الصائم إذا أطعم مفطرا وهو صائم

ـ عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية ـ رضي الله عنها ـ : " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل عليها فقدمت إليه طعاما فقال : كُلي ، فقالت : إني صائمة ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أُكل عنده حتى يفرغوا ، وربما قال حتى يشبعوا "
ما يقول لمن فطره وهو صائم

ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : " كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أفطر عند أهل بيت قال : أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامَكم الأبرار ، وتنزلت عليكم الملائكة "

ـ عن عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ قال : " أفطر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ فقال : أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار ، وصلت عليكم الملائكة "

فضل السحور والأمر بتأخيره

ـ عن أنس عن زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ قال : " تسحرنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قام إلى الصلاة ، قلت : كم كان بين الأذان والسحور ؟ قال : قدر خمسين آية "

ـ عن عدي قال : سمعت زر بن حبيش ـ رضي الله عنه ـ قال : " تسحرت مع حذيفة ثم خرجنا إلى الصلاة ، فلما أتينا المسجد صلينا ركعتين وأقيمت الصلاة وليس بينهما إلا هُنيهة "

ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " تسحروا فإن في السحور بركة "

ـ عن عبد الحميد صاحب الزيادي قال : سمعت عبد الله بن الحرث يحدث عن رجل من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " دخلت على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يتسحر فقال إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه "

ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " السحور أكله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء ، فان الله وملائكته يصلون على المتسحرين "

ـ عن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " نِعمَ سحور المؤمن التمر "

ـ عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ قال : " كان عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ يأمرنا أن نصنع له الطعام يتسحر به فلا يصيب منه كثيرا ، فقلنا : تأمرنا به ولا تصيب منه كثيرا ، قال : إني لا آمركم به أني أشتهيه ، ولكني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أُكلة السحر "

الدعوة إلى السحور

ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك عند السحور : " يا أنس إني أريد الصيام أطعمني شيئا ، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء ، وذلك بعد ما أذن بلال ، فقال : يا أنس انظر رجلا يأكل معي ، فدعوت زيد بن ثابت فجاء فقال : إني قد شربت شربة سويق وأنا أريد الصيام ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : وأنا أريد الصيام ، فتسحر معه ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة "

ـ عن العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ قال : " دعاني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السحور في رمضان فقال : هلم إلى الغداء المبارك "

ـ عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " البركة في ثلاثة : في الجماعة والثريد والسحور "


اعتكاف العشر الأواخر من رمضان
تعريف الاعتكاف :
" هو في اللغة الحبس والمكث واللزوم .
وفي الشرع المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة ، ويسمى الاعتكاف جوارا "
وعرفه بعض العلماء بقوله : " فمعنى الاعتكاف و حقيقته : قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق "
التعاريف تختلف بحسب منهج المُعَرف ، فالتعريف الأول نظر إلى حد الاعتكاف الشرعي ، ليُخرج به ما ينافيه من مبطلات ومكروهات .
والتعريف الثاني نظر إلى ثمرة الاعتكاف التي لا تحصل إلا بقطع القلب عما سوى الله ، وهذه حقيقة الاعتكاف عند ذوي البصائر ؛ لأنه لا يؤتي ثماره إلا بتحقق تلك الحقيقة ، فاعتكاف الصالحين انقطاع عن الخلق ، وأنس بالله ، ونسيان للشهوات والرغبات الطبعية ، ولعل هذا هو السر في امتناع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن مثل ذلك ، فقد كان يشد مئزره ، وذلك كناية عن الإقلال من الطعام والشراب والجماع .
" و كلما قويت المعرفة بالله و المحبة له و الأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية
على كل حال .
كان داود الطائي يقول في ليله : همك عطل على الهموم و حالف بيني و بين السهاد ، و شوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات و حال بيني و بين الشهوات .
مالي شغل سواه مالي شغل ما يصرف عن قلبي هواه عذل
ما أصنع إن جفا و خاب الأمل مني بدل و منه مالي بدل
وكان بعضهم لا يزال منفرداً في بيته خالياً بربه . فقيل له : أما تستوحش ؟ قال : كيف أستوحش و هو يقول : أنا جليس من ذكرني .
أوحشتني خلواتي بك من كل أنيسي
و تفردت فعاينـ تك بالغيب جليسي "

ـ قال الإمام البخاري : ( باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها لقوله تعالى { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } )
ـ عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال : " إن مثل المعتكف مثل المحرم ألقى نفسه بين يدي الرحمان فقال : والله لا أبرح حتى ترحمني "
ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله "
ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر "

ـ قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيره "

ـ عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوقظ أهله في العشر الأواخر من شهر رمضان ، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة "

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده "

ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ : " أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان ، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين ـ وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه ـ قال : من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ، وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها ، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها في كل وتر ، فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش ، فوكف المسجد فبصرت عيناي رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين "

ـ عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت : " وإن كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا "

ـ عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : " كان أبو بكر يصلي في رمضان كصلاته في سائر السنة ، فإذا دخلت العشر اجتهد "

اعتكاف النساء

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله ، فاستأذنت حفصةُ عائشةَ أن تضرب خباء فأذنت لها فضربت خباء ، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر ، فلما أصبح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى الأخبية فقال : ما هذا ؟ فأُخبر فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ، آلبر تُردن بهن ، فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشرا من شوال "

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " اعتكفت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ امرأة من أزواجه مستحاضة ، فكانت ترى الحمرة والصفرة ، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي "


الإكثار من نوافل الصوم عند أمن المضرة

الحض على صيام النفل مطلقا دون تقييد بزمن :

ـ عن علي قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن في الجنة لغرفا يُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها ، فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله ؟ قال : هي لمن أطاب الكلام ، وأطعم الطعام ، وأدام الصيام ، وصلى لله بالليل والناس نيام "

ـ عن حميد قال : سألت أنسا ـ رضي الله عنه ـ عن صيام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائما إلا رأيته ، ولا مفطرا إلا رأيته ، ولا من الليل قائما إلا رأيته ، ولا نائما إلا رأيته ، ولا مسست خزة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا شممت مسكة ولا عبيرة أطيب رائحة من رائحة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "

ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " ما صام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهرا كاملا قط غير رمضان ، ويصوم حتى يقول القائل : لا والله لا يفطر ، ويفطر حتى يقول القائل : لا والله لا يصوم "

ـ عن عبد الله بن شقيق قال : : قلت لعائشة ـ رضي الله عنها ـ أكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم شهرا كله ؟ قالت : ما علمته صام شهرا كله إلا رمضان ولا أفطره كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "

قال ابن رجب : " و قد رجح طائفة من العلماء منهم ابن المبارك و غيره : أن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ لم يستكمل صيام شعبان ، و إنما كان يصوم أكثره .
و يشهد له ما في صحيح مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : ما علمته ( تعني النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ ) صام شهراً كله إلا رمضان
. و في رواية له أيضاً عنها قالت : ما رأيته صام شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان . و في رواية له أيضاً : أنها قالت : لا أعلم نبي الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ قرأ القرآن كله في ليلة ، و لا صام شهراً كاملاً غير رمضان
. و في رواية له أيضاً قالت : ما رأيته قام ليلة حتى الصباح و لا صام شهراً متتابعاً إلا رمضان .
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : ما صام رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ شهراً كاملاً غير رمضان .
و كان ابن عباس يكره أن يصوم شهراً كاملاً غير رمضان . و روى عبد الرزاق في كتابه عن ابن جريج عن عطاء قال : كان ابن عباس بنهى عن صيام الشهر كاملاً و يقول : ليصمه إلا أياماً "

ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل ، فقلت : نعم ، قال : إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس ، لا صام من صام الدهر ، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله ، قلت : فإني أطيق أكثر من ذلك ، قال : فصم صوم داود ـ عليه السلام ـ كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى "

ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ فقلت : بلى يا رسول الله ، قال : فلا تفعل ، صم وأفطر وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا ، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها وإن ذلك صيام الدهر كله ، قال : فشددت فشُدد علي ، قلت : يا رسول الله إني أجد قوة ، قال : فصم صيام نبي الله داود ـ عليه السلام ـ ولا تزد عليه ، قلت : وما كان صيام نبي الله داود ـ عليه السلام ـ قال : نصف الدهر ، فكان عبد الله يقول بعد ما كبر : يا ليتني قبلت رخصة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "

ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال : " كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة ، قال : فإما ذكرت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإما أَرسل إلي فأتيته فقال لي : ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة ؟ فقلت : بلى يا نبي الله ، ولم أُرِد بذلك إلا الخير ، قال : فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، قلت : يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : فإن لزوجك عليك حقا ، ولزورك عليك حقا ، ولجسدك عليك حقا ، قال : فصم صوم داود نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه كان أعبد الناس ، قال : قلت : يا نبي الله وما صوم داود ؟ قال : كان يصوم يوما ويفطر يوما ، قال : واقرأ القرآن في كل شهر ، قال : قلت : يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : فاقرأه في كل عشرين ، قال : قلت : يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : فاقرأه في كل عشر ، قال : قلت : يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك ، فإن لزوجك عليك حقا ، ولزورك عليك حقا ، ولجسدك عليك حقا ، قال : فشددت فشُدد علي ، قال : وقال لي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر ، قال : فصرت إلى الذي قال لي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "

قال ابن رجب : " ما أشار إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : ( إن لنفسك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه ) يشير إلى أن النفس وديعة لله عند ابن آدم ، و هو مأمور أن يقوم بحقها ، و من حقها اللطف بها حتى توصل صاحبها إلى المنزل .
قال الحسن : نفوسكم مطاياكم إلى ربكم ، فأصلحوا مطاياكم توصلكم إلى ربكم .
فمن وفى نفسه حظها من المباح بنية التقوى به على تقويتها على أعمال الطاعات كان مأجوراً في ذلك . كما قال معاذ بن جبل : إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي . و من قصر في حقها حتى ضعفت و تضررت كان ظالماً ، و إلى هذا أشار النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ بقوله لعبد الله بن عمرو بن العاص : ( إنك إذا فعلت ذلك نفهت له النفس ، و هجمت له العين ) ومعنى نفهت : كلت و أعيت . و معنى هجمت العين : غارت . و قال لأعرابي جاءه فأسلم ثم أتاه من عام قابل و قد تغير فلم يعرفه ، فلما عرفه سأله عن حاله ؟ قال : ما أكلت بعدك طعاماً بنهار ، فقال النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( و من أمرك أن تعذب نفسك ؟ ! ) فمن عذب نفسه بأن حملها ما لا تطيقه من الصيام و نحوه ، فربما أثر ذلك في ضعف بدنه و عقله فيفوته من الطاعات الفاضلة أكثر مما حصله بتعذيبه نفسه بالصيام .
و كان النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ يتوسط في إعطاء نفسه حقها و يعدل فيها غاية العدل فيصوم و يفطر ، و يقوم و ينام و ينكح النساء ، و يأكل ما يجد من الطيبات كالحلواء و العسل و لحم الدجاج ، و تارة يجوع يربط على بطنه الحجر و قال : ( عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت : لا يا رب ، و لكن أجوع يوماً و أشبع يوماً ، فإذا جعت تضرعت إليك ، و ذكرتك ، و إذا شبعت حمدتك و شكرتك ) فاختار لنفسه أفضل الأحوال ليجمع بين مقامي الشكر و الصبر و الرضا "
ـ عن عبد الله بن عمرو قال : " أُخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أني أقول : والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت ، فقلت له : قد قلته بأبي أنت وأمي ، قال : فإنك لا تستطيع ذلك ، فصم وأفطر وقم ونم وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : فصم يوما وأفطر يومين ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : فصم يوما وأفطر يوما فذلك صيام داود ـ عليه السلام ـ وهو أفضل الصيام ، فقلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا أفضل من ذلك "

ـ عن أبي قِلابة قال : أخبرني أبو المليح قال : دخلت مع أبيك على عبد الله بن عمرو فحدثنا : " أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذُكر له صومي ، فدخل علي فألقيت له وسادة من آدم حشوها ليف ، فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه فقال : أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، قال : خمسا، قلت : يا رسول الله ، قال : سبعا ، قلت : يا رسول الله ، قال : تسعا ، قلت : يا رسول الله ، قال : إحدى عشرة ، ثم قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا صوم فوق صوم داود ـ عليه السلام ـ شطر الدهر ، صم يوما وأفطر يوما "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لو أن رجلا صام يوما تطوعا ثم أعطي ملء الأرض ذهبا لم يستوف ثوابه دون يوم الحساب "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم " زاد محرز في حديثه وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " الصيام نصف الصبر "
صوم النوافل عند الصالحين :

ـ عن أنس أن أبا طلحة كان يكثر الصوم على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان لا يفطر إلا من وجع "

ـ عن الزبير بن عبد الله عن جدة له يقال لها زهيمة قالت : " كان عثمان ( تعني ابن عفان ) يصوم الدهر ويقوم الليل إلا هجعة من أوله "
ـ عن سعد بن إبراهيم قال : " كان ممن يكثر الصوم ابن عمر وعائشة وسعيد بن المسيب "

ـ عن نافع عن بن عمر : " أن عمر سرد الصوم قبل موته بسنتين "

ـ ذكر عبيد الله بن أحمد الصيرفي عمن حدثه : " أن القاضي أبا العباس الأبيوردي كان يصوم الدهر ، وأن غالب إفطاره كان على الخبز والملح ، وكان فقيرا يظهر المروءة .
قال : ومكث شتوة لا يملك جبة يلبسها "

ـ عن هشام بن عروة قال : " صام أبي أربعين سنة أو ثلاثين سنة ما أفطر إلا يوم فطر أو يوم نحر ، ولقد قبض وإنه لصائم "
ـ عن هشام بن عروة : " أن أباه مات وهو صائم وجعلوا يقولون له أفطر فلم يفطر "
ـ وكان المسور بن مخرمة ـ رضي الله عنه ـ : " لا يشرب من الماء الذي يوضع في المسجد ويكرهه ، ويرى أنه صدقة ، وكان يصوم الدهر "

ـ قال عمر بن هارون : " كان شعبة يصوم الدهر كله "

ـ عن أبي إسحاق الطبري قال : " كان أحمد بن سليمان يصوم الدهر ، ويفطر كل ليلة على رغيف ، ويترك منه لقمة ، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف ، وأكل تلك اللقم التي استفضلها "
ـ وعن ابن أبي الزناد عن أبيه قال : " كان سليمان بن يسار يصوم الدهر ، وكان عطاء بن يسار يصوم يوما ويفطر يوما "

ـ قال محمد بن طلحة : " كان أبو عمرو متعبدا مجتهدا يصلي الليل ، وكان شديد النظر إلى النساء ، فدعا الله أن يذهب بصره فذهب بصرُه ، فلم يحتمل العمى فدعا الله أن يرد عليه بصره ، فبينا هو في المسجد إذ رفع رأسه فنظر إلى القنديل فدعا غلامه فقال : ما هذا ؟ قال : القنديل . قال : وذاك ، وذاك ، يعد قناديل المسجد ، وخر ساجدا ، شكر لله إذ رد عليه بصره ، فكان بعد ذلك إذا رأى المرأة طأطأ رأسه وكان يصوم الدهر "
ـ عن سلمة الفراء قال : " كان عتبة الغلام من نساك البصرة ، وكان من أصحاب الفلق ، وكان قد قوت لنفسه ستين فلقة يتعشى كل ليلة بفلقة ويتسحر بأخرى ، وكان يصوم الدهر ويأوي السواحل والجبابين "
ـ عن محمد بن عمر قال : " كان محمد بن عبد الرحمن يكنى أبا الحارث ، وكان من أورع الناس ، وكانوا يرمونه بالقدر وما كان قدريا . وكان يصلي الليل أجمع .
وأخبرني أخوه قال : كان يصوم يوما ويفطر يوما فوقعت الرجفة بالشام ، فقدم رجل من أهل الشام فحدثه عن الرجفة وكان يوم إفطاره فقلت له : قم تغذى ، قال : دعه اليوم فسرد الصوم من ذلك اليوم إلى أن مات ، وكان يتعشى بالخبز والزيت ، وله طيلسان وقميص يشتو فيه ويصيف ، ويحفظ حديثه كله "

ـ عن عبد المؤمن الصائغ قال : " دعوت رياحا ( يعني رياح بن عمرو القيسي ) ذات ليلة إلى منزلي ونحن بعبادان فجاء في السحر ، فقربت إليه طعاما فأصاب منه شيئا ، فقلت : ازدد فما أراك شبعت ، قال : فصاح صيحة أفزعني وقال : كيف أشبع في أيام الدنيا وشجرة الزقوم طعام الأثيم بين يدي ، قال : فرفعت الطعام من بين يديه فقلت : أنت في شيء ونحن في شيء "

ـ عن أحمد بن بكار قال : " غزا معنا إبراهيم بن أدهم غزاتين كل واحدة أشد من الأخرى ، غزاة عباس الأنطاكي وغزاة محكاف فلم يأخذ سهما ولا نفلا ، وكان لا يأكل من متاع الروم ، نجيء بالطرائف والعسل والدجاج فلا يأكل منه ويقول : هو حلال ولكني أزهد فيه ، كان يأكل مما حمل معه وكان يصوم "

ـ عن عبدة بن سليمان قال : " سمعت رجلا يسأل ابن المبارك عن الرجل يصوم يوما ويفطر يوما ؟ قال : هذا رجل يضيع نصف عمره وهو لايدري ( يعني لم لا يصومها جميعا ) "
قال الذهبي : أحسب ابن المبارك لم يذكر حينئذ حديث : ( أفضل الصوم صوم داود ) ولا حديث ( النهي عن صوم الدهر ) .
ـ قال يحيى بن معين : " أخرج غندر إلينا ذات يوم جرابا فيه كُتب فقال : " اجهدوا أن تخرجوا فيها خطأ ، قال : فما وجدنا فيه شيئا ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما منذ خمسين سنة "

ـ عن محمد بن واسع قال : " كان خليد العصري يصوم الدهر "

ـ قال قرة بن خالد : " كنا نعجب من ورع محمد بن سيرين فأنساناه ابنُ عون . قال بكار بن محمد : كان ابن عون يصوم يوما ويفطر يوما "

ـ عن بكار بن محمد قال : " ما رأيت ابن عون يمازح أحدا ولا يماري أحدا ، وكان مشغولا بنفسه ، وكان إذا صلى الغداة مكث مستقبلا القبلة في مجلسه يذكر الله ـ عز وجل ـ فإذا طلعت الشمس صلى ثم أقبل على أصحابه ، وما رأيته شاتما أحدا قط عبدا ولا أمة ولا دجاجة ولا شاة ، ولا رأيت أحدا أملك للسانه منه ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما حتى مات ، وكان إذا توضأ لا يعينه أحد ، وكان طَيب الريح لَين الكسوة ، وكان إذا خلا في منزله إنما هو صامت لا يزيد على : الحمد لله ربنا ، وما رأيته دخل حماما قط ، وكان إن وصل إنسانا بشيء وصله سرا ، وإن صنع شيئا صنعه سرا ، يكره أن يطلع عليه أحد ، وكان له سُبع يقرؤه كل ليلة فإذا لم يقرأه بالليل أتمه بالنهار ، وكان لا يُحفي شاربه ، وكان يأخذه أخذا وسطا "

ـ قال ابن عمار : " كان وكيع يصوم الدهر ويفطر يوم الشك والعيد ، وأخبرت أنه كان يشتكي إذا أفطر في هذه الأيام "

ـ عن شعبة قال : " كان ثابت البناني يقرأ القرآن في يوم وليلة ويصوم الدهر "

ـ عن عبد القدوس بن بكر بن خنيس قال : " كان الحسن بن صالح وأخوه علي ، وكان علي يفضل عليه ، وكان يقرآن القرآن وأمهما يتعاونون على العبادة ، بالليل لا ينامون وبالنهار لا يفطرون ، فلما ماتت أمهما تعاونا على القيام والصيام عنهما وعن أمهما ، فلما مات علي قام الحسن عن نفسه وعنهما ، وكان يقال للحسن : حية الوادي ( يعني لا ينام بالليل ) ، وكان يقول : إني أستحيي من الله تعالى أن أنام تكلفا حتى يكون النوم هو الذي يصير عني ، فإذا أنا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائما فلا أرقد الله عيني ، وكان لا يقبل من أحد شيئا ، فيجيء إليه صبيه وهو في المسجد فيقول أنا جائع فيعلله بشيء حتى يذهب الخادم إلى السوق فيبيع ما غزلت مولاته من الليل ويشتري قطنا ويشتري شيئا من الشعير فيجيء به فتطحنه ثم تعجنه فتخبز ما يأكل الصبيان والخادم وترفع له ولأهله لإفطارهما ، فلم يزل على ذلك رحمه الله "

ـ عن محمد بن عبد الله الأنصاري قال : " كان التيمي ( يعني سليمان التيمي ) عامة دهره يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد ، وليس وقت صلاة إلا وهو يصلي ، وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب ويصوم الدهر ، وانصرف الناس يوم عيد من الجبان فأصابتهم السماء فدخلوا مسجدا فتعاطوا فيه ، فإذا رجل متقنع قائم يصلي فنظروا فإذا سليمان التيمي "

ـ عن العباس بن يوسف الشكلي قال : " دخلت الإسكندرية فسألت : هل بها أحد من الزهاد ؟ فقالوا : فتى قد كان يصوم النهار ويقوم الليل فإذا أفطر أفطر على الشهوات ، فرأى رؤيا هالته فأخذ في التقلل وصار فطره في كل خمسة عشر يوما مرة . فقلت : فعلى أي شيء يفطر إذا أفطر ؟ فقيل لي : على شيء من الكسب وتمرات يعجنها فهي فطره من الوقت إلى الوقت . فقلت : فما الرؤيا التي رآها ؟ قالوا : رأى فتى وقف عليه فقال له :
تجوع فإن الجوع يورث أهله مصادر بر خيرها الدهر دائم
ولا تك ذا بطن رغيب وشهوة فتصبح في الدنيا وقلبك هائم . "

ـ عن محمد بن بهرام قال : " كان محمد بن واسع يصوم الدهر ويخفي ذلك "

ـ عن شعبة قال : " كان سعد بن إبراهيم الزهري يصوم الدهر "
وزاد ابن الجوزي : " ويقرأ القرآن في كل يوم وليلة "

ـ عن عبيد الله بن سعد الزهري قال : " قال عمي عن أبيه ، قال : سرد أبي سعد ابن إبراهيم الصوم أربعين سنة "
ـ وسئل معروف الكَرخي : " كيف تصوم ؟ فغالط السائل وقال : صوم نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان كذا وكذا ، وصوم داود كذا وكذا ، فألح عليه فقال : أُصبح دهري صائما فمن دعاني أكلت ولم أقل إني صائم "
ـ قال المروذي : " رأيت أبا عبد الله ( أحمد بن حنبل ) قد وهب لرجل قميصه " وقال : " ربما واسى من قوته ، وكان إذا جاءه أمر يهمه من أمر الدنيا لم يفطر وواصل "

ـ سمعت جماعة من شيوخ قزوين يقولون : " لم يَر أبو الحسن ـ رحمه الله ـ مثل نفسه في الفضل والزهد ، أدام الصيام ثلاثين سنة ، وكان يفطر على الخبز والملح وفضائله أكثر من أن تعد "

ـ وقال منجا بن سليم : قال لي الحسن بن محمد بن أحمد بن جميع : " إن جده صام وله اثنتا عشرة سنة يعني وسرد الصوم إلى أن توفي سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة "

ـ عن هشام بن حسان : " أن العلاء بن زياد كان قوت نفسه رغيفا كل يوم ، وكان يصوم حتى يخضر ويصلي حتى يسقط ، فدخل عليه أنس بن مالك والحسن ـ رضي الله عنهما ـ فقال : إن الله تعالى لم يأمرك بهذا كله ، فقال : إنما أنا عبد مملوك لا أدع من الاستكانة شيئا إلا جئته به "

ـ عن يحيى بن بِسطام الأصفر التميمي - وكان جارا لحسان بن أبي سنان ـ قال : " وكان حسان يصوم الدهر ، ويفطر على قرص ويتسحر بآخر ، فنحل وسقم جسمه جدا حتى صار كهيئة الخيال . فلما مات فأُدخل مُغتَسله ليُغسل ، كُشف الثوب عنه فإذا هو كهيئة الخيط الأسود ، قال : وأصحابه حوله يبكون "

ـ عن الحسن بن عمرو الفزاري قال : حدثني مولى لعمرو بن عتبة قال : " استيقظنا يوما حارا في ساعة حارة فطلبنا عمرو بن عتبة فوجدناه في جبل وهو ساجد وغمامة تظله ، وكنا نخرج إلى العدو فلا نتحارس لكثرة صلاته ، ورأيته ليلة يصلي فسمعنا زئير الأسد فهربنا وهو قائم يصلي لم ينصرف ، فقلنا له : أما خفت الأسد ، فقال : إني لأستحي من الله أن أخاف شيئا سواه "

ـ وقال السكن بن جميع : " سمعت الموطأ من جدي سنة سبع وخمسين ولي الآن سبع وثمانون سنة ، وقد سردت الصوم ولي ثمان وعشرون سنة ، وكذا سرد الصوم أبي وجدي "

ـ وقيل : " كان أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني يختم كل يوم ، مع دوام الصوم ، ويفطر على قرص واحد "

ـ قال ابن النجار : سمعت حمزة بن علي الحراني يقول : " كان شيخنا علي اليزدي يقول لنا : إذا مت فلا تدفنوني إلا بعد ثلاث فإني أخاف أن يكون بي سكتة ، قال : وكان جثيثا صاحب بلغم ، وكان يصوم شهر رجب ، فقبل أيام منه قال لنا : قد رجعت عن قولي فإذا مت فادفنوني في الحال فإني رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم يقول : يا علي صم رجبا عندنا . قال : فمات ليلة رجب "

ـ ذكر الذهبي : " أن الخطيب شيخ القراء أبا الفضل محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن الخليفة المهتدي بالله محمد بن الواثق هارون الهاشمي العباسي الرشيدي البغدادي وكان خطيبا بجامع القصر ثقة صالحا سرد الصوم أزيد من خمسين سنة "

ـ ذكر الذهبي : " أن ذاكر بن كامل الخفاف روى الكثير وتفرد ، وكان صالحا خيرا قليل الكلام ذاكرا الله يسرد الصوم ، ويتقوت من عمله ، وكان أميا لا يكتب "

ـ وروى أحمد بن أبي خيثمة عن محمد بن يزيد قال : " كان محمد ابن عبد الله الأسدي يصوم الدهر ، فكان إذا تسحر برغيف لم يصدع ، فإذا تسحر بنصف رغيف صدع من نصف النهار إلى آخره ، فإن لم يتسحر صدع يومه أجمع "

ـ عن ابن وهب قال حدثني مالك : " أن عامر بن عبد قيس كان يمر بالخربة فينادي مرارا يقول : يا خرب أين أهلك ؟ يا خرب قم ، يقول : بادوا وعامر بالأثر .
وأنه كان بالشام فأتاه أسد فقام إلى جنبه حتى أصبح فكلمه راهب ( يعني فيما رأى من صلاته ومن فعل الأسد ) فقال : ما نَبأُك ؟ فقال معاوية أخرجني إلى ههنا .
فقال له الراهب : إن ناسا أنت شرهم لخيار .
وكان معاوية قال له : كيف أنت منذ قدمت هذه البلاد ؟ قال : بخير إلا أني قعدت هاهنا ثلاثا كنت بالعراق أسمع التأذين فأقوم لذلك بالأسحار وها هنا أسمع النواقيس ، وكنت أصوم بالعراق فيصيبني الحر وشدة العطش وهذه أرض باردة ، وكنت أجلس مع قوم ينتقون الكلام كما ننتقى التمر ولم أجدهم ها هنا "

ـ عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : " كنا نغازي ومعنا عطاء الخراساني وكان يحيي الليل صلاة فإذا كان في جوف الليل نادى من فسطاطه :
يا يزيد بن جابر يا عبد الرحمن بن زيد بن جابر يا هشام بن الغاز .
قوموا فتوضئوا فصلوا قيام هذا الليل وصيام هذا النهار فذلك أهون من مقطعات الحديد ولباس القطران الوحا ثم الوحا النجا ثم النجا ثم يقبل على صلاته "

ـ عن حنش بن الحارث قال : " رأيت الأسود بن يزيد وقد ذهبت إحدى عينيه من الصوم "

ـ عن علقمه بن مرثد قال : " انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين ، منهم الأسود بن زيد . وكان يجتهد في العبادة ، ويصوم حتى يصفر ويخضر ، فلما احتضر بكى ، فقيل له : ما هذا الجزع ؟ فقال : ومالي لا أجزع ؟ ومن أحق بذلك مني ؟ والله لو أُتيت بالمغفرة من الله ـ عز وجل ـ لأهمني الحياء منه بما قد صنعت ، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه ولا يزال مستحيا منه "

ـ عن هنيدة امرأة إبراهيم النخعي : " أن إبراهيم كان يصوم يوما ويفطر يوما "

ـ عن رباح النخعي قال : " كان الأسود يصوم في السفر حتى يتغير لونه من العطش في اليوم الحار ، ونحن نشرب مرارا قبل أن يفرغ من راحلته في غير رمضان "

ـ عن علي بن مدرك : أن علقمة كان يقول للأسود : " ما تعذب هذا الجسد ؟ فيقول إنما أريد به الراحة "

ـ عن الهيثم بن جماز قال : " دخلت على يزيد الرقاشي وهو يبكي في يوم حار وقد عطش نفسه أربعين سنة فقال لي : ادخل تعال نبكي على الماء البارد في اليوم الحار . حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
( كل من ورد القيامة عطشان ) "

ـ عن قتادة : " أن عامر بن قيس لما حضره الموت جعل يبكي فقيل له ما يبكيك ؟
قال : ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وعلى قيام الليل في الشتاء "
ـ عن الحسن قال : " كان عامر بن عبد قيس إذا صلى الصبح تنحى في ناحية المسجد فقال : من أُقرئه ؟ قال : فيأتيه قوم فيقرئهم ، حتى إذا طلعت الشمس وأمكنته الصلاة قام يصلي إلى أن ينتصف النهار ثم يرجع إلى منزله فيقيل ، ثم يرجع إلى المسجد إذا زالت الشمس فيصلي حتى يصلي الظهر ، ثم يصلي إلى العصر فإذا صلى العصر في ناحية المسجد ثم يقول : من أقرأه ؟ قال : فيأتيه قوم فيقرئهم حتى إذا غربت الشمس صلى المغرب ثم يصلي حتى يصلي العشاء الآخرة ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد رغيفيه فيأكل ثم يهجع هجعة خفيفة ثم يقوم ، فإذا أسحر تناول رغيفه الآخر فأكله ثم شرب عليه شربة من ماء ثم يخرج إلى المسجد "

ـ عن سحيم مولى بني تميم قال : " جلست إلى عامر بن عبد الله وهو يصلي فتجوز في صلاته ثم أقبل علي فقال : أرحني بحاجتك فإني أبادر ؟ قلت : وما تبادر ؟ قال : ملك الموت رحمك الله ؟ قال : فقمت عنه وقام إلى صلاته "

ـ عن يزيد الرقاشي قال : " بلغنا أن عامر بن عبد الله لما احتضر بكى فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : هذا الموت غاية الساعين وإنا الله وإنا إليه راجعون ، والله ما أبكي جزعا من الموت ولكني أبكي على حر النهار وبرد الليل ، وإني أستعين بالله على مصرعي هذا بين يديه "

ـ عن عبيد الله بن محمد التيمي قال حدثني بعض أشياخنا : " أن رجلا من عامة هذه الأمة حضرته الوفاة فجزع جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا فقيل له في ذلك فقال : ما أبكي إلا على أن يصوم الصائمون لله ولست فيهم ، ويصلي المصلون ولست فيهم ، ويذكره الذاكرون ولست فيهم ، فذاك الذي أبكاني "

ـ عن سعير بن الخمس قال : " بلغنا أن روح بن زنباع دعا أعرابيا إلى طعامه فقال : لست أطعم إياها ثم قال له روح : الصوم في مثل هذا اليوم ؟ فقال الأعرابي : ادع أيامي تذهب باطلا ؟
فقال روح : لئن كنت يا أعرابي ضننت بأيامك أن تذهب باطلا لقد جاد بها روح "

ـ عن سعيد بن سالم ( و ليس بالقداح ) قال : " نزل روح بن زنباع منزلا بين مكة والمدينة في يوم عاصف وقرب غداءه فانحط عليه راع من جبل فقال : يا راعي هلم إلى الغذاء . قال : إني صائم . قال روح أو تصوم في هذا الحر الشديد . قال : فقال الراعي أفأدع أيامي تذهب باطلا ؟ قال : وأنشأ روح يقول :
لقد ضننت بأيامك يا راعِ إذ جاد بها روح بن زِنباعِ "

ـ عن عبد العزيز بن رفيع أنه قال في قوله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) قال : الصوم "
ـ عن علقمة قال : " أُتي عبد الله بشراب فقال : أعط علقمة أعط مسروقا فكلهم قال : إني صائم فقال : ( يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) "

ـ عن ابن شوذب قال : " كان ابن سيرين يصوم يوما ويفطر يوما وكان الذي يفطر فيه يتغدى فلا يتعشى ثم يتسحر ويصبح صائما "

ـ عن معمر بن عيسى عن مالك قال : " بلغني أن حسين بن رستم الأيلي دخل على قوم وهو صائم فقالوا له : افطر . فقال : إني وعدت الله وعدا وأنا أكره أن أخلف الله ما وعدته "

ـ قال أبو بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس قال : " دخل ناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غاز في أرض الروم وقد احتفر جورة في فسطاطه وجعل فيها نطعا وأفرغ فيه الماء وهو يتلصق فيه فقالوا : ما حملك على الصيام وأنت مسافر ؟ قال : لو حضر قتال لأفطرت ولتهيأت له وتقويت ، إن الخيل لا تجري الغايات وهن بدن ، إنما تجرى وهن ضمر ألا وإن أيامنا باقية جائية لها نعمل "
ـ قال أبو عاصم النبيل : " كان ابن جريج من العباد ، كان يصوم الدهر سوى ثلاثة أيام من الشهر ، وكان له امرأة عابدة "

ـ عن أبي بكر بن أبي الدنيا حدثني بعض أهل العلم قال : " دعا قوم رجلا إلى طعام فقال : إني صائم فقالوا : افطر اليوم وصم غدا . فقال ومن لي بغد "

ـ " رأى بعضهم بشر بن الحارث في المنام و بين يديه مائدة و هو يأكل و يقال له : كل يا من لم يأكل و اشرب يا من لم يشرب .
كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى و انقطع صوته فمات ، فرآه بعض أصحابه في المنام فسأله عن حاله فضحك و أنشد
قد كسي حلة البهاء و طافت بالأباريق حوله الخدام
ثم حلى و قيل يا قارىء ارقه فلعمري لقد براك الصيام
اجتاز بعض الصالحين بمناد ينادي على السحور في رمضان : يا ما خبأنا للصوام ، فتنبه بهذه الكلمة و أكثر من الصيام "

ـ قال ابن رجب : " باع قوم من السلف جارية ، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له و يستعدون بالأطعمة و غيرها ، فسألتهم ؟ فقالوا : نتهيأ لصيام رمضان ، فقالت : و أنتم لا تصومون إلا رمضان ؟!!! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ردوني عليهم .

ـ وقال : " باع الحسن بن صالح جارية له ، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم : يا أهل الدار الصلاة الصلاة . قالوا : طلع الفجر ؟ قالت : أنتم لا تصلون إلا المكتوبة ، ثم جاءت الحسن فقالت : بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني .

وقال : " قال بعض السلف : صم الدنيا و اجعل فطرك الموت ، الدنيا كلها شهر صيام ، المتقين يصومون فيه عن الشهوات المحرمات ، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم و استهلوا عيد فطرهم .
و قد صمت عن لذات دهري كلها و يوم لقاكم ذاك فطر صيامي
من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته ، و من تعجل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة و فواته ، و شاهد ذلك قوله تعالى : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا و استمتعتم بها ) ، و قول النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ) و ( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ) .
أنت في دار شتات فتأهب لشتاتك
و اجعل الدنيا كيوم صمته عن شهواتك
و ليكن فطرك عند اللـ ـه في يوم وفاتك "

ـ قال ابن رجب : " كان بعض الصالحين كثير التهجد و الصيام فصلى ليلة في المسجد و دعا فغلبته عيناه ، فرأى في منامه جماعة علم أنهم ليسوا من الآدميين بأيديهم أطباق عليها أرغفة بياض الثلج فوق كل رغيف در كأمثال الرمان فقالوا : كل ، فقال : إني أريد الصوم. قالوا له : يأمرك صاحب هذا البيت أن تأكل ، قال : فأكلت و جعلت آخذ ذلك الدر لاحتمله فقالوا له : دعه نغرسه لك شجراً يُنبت لك خيراً من هذا ، قال : أين ؟ قالوا : في دار لا تخرب ، و ثمر لا يتغير ، و ملك لا ينقطع ، و ثياب لا تبلى ، فيها رضوى و عيناً ، وقرة أعين أزواج رضيات مرضيات راضيات لا يغرن و لا يغرن فعليك بالانكماش فيما أنت ، فإنما هي غفوة حتى ترتحل فتنزل الدار ، فما مكث بعد هذه الرؤيا إلا جمعتين حتى توفي ، فرآه ليلة وفاته في المنام بعض أصحابه الذين حدثهم برؤياه و هو يقول : لا تعجب من شجر غرس لي في يوم حدثتك ، و قد حَمل فقال له : ما حَمل ؟ قال : لا تسأل ، لا يقدر أحد على صفته ،لم ير مثل الكريم إذا حل به مطيع .
يا قوم ألا خاطب في هذا الشهر إلى الرحمن ، ألا راغب فيما أعده الله للطائعين في الجنان ، ألا طالب لما أخبر به من النعيم المقيم مع أنه ليس الخبر كالعيان .
من يرد ملك الجنان فليدع عنه التواني
و ليقم في ظلمة الليـ ـل إلى نور القرآن
و ليصل صوماً بصوم إن هذا العيش فاني
إنما العيش جوار اللـ ـه في دار الأمان "

ـ قال ابن رجب : " رؤي بشر في المنام فسئل عن حاله ؟ فقال : علم قلة رغبتي في الطعام فأباحني النظر إليه .
و قيل لبعضهم : أين نطلبك في الآخرة ؟ قال : في زمرة الناظرين إلى الله ، قيل له : كيف علمت ذلك ؟ قال : بغض طرفي له عن كل محرم ، و باجتنابي فيه كل منكر و مأثم ، و قد سألته أن يجعل جنتي النظر إليه "
لا صام من صام الأبد :
ـ عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال : بلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أني أسرد الصوم وأصلي الليل ، فإما أرسل إلي وإما لقيته فقال : " ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تنام ؟ فصم وأفطر وقم ونم ، فإن لعينك عليك حظا وإن لنفسك وأهلك عليك حظا . قال : إني لأقوى لذلك . قال : فصم صيام داود ـ عليه السلام ـ قال : وكيف ؟ قال : كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى . قال : من لي بهذه يا نبي الله ؟ قال عطاء : لا أدري كيف ذكر صيام الأبد . قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا صام من صام الأبد مرتين "
ـ عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : من صام الأبد فلا صام ولا أفطر "

قال ابن رجب : " قوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ في صيام الدهر : ( لا صام و لا أفطر ) يعني أنه لا يجد مشقة الصيام و لا فقد الطعام و الشراب و الشهوة ، لأنه صار الصيام له عادة مألوفة فربما تضرر بتركه ، فإذا صام تارة و أفطر أخرى حصل له بالصيام مقصوده بترك هذه الشهوات و في نفسه داعية إليها ، و ذلك أفضل من أن يتركها و نفسه لا تتوق إليها "

قال ابن رجب : " قوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ في حق داود ـ عليه السلام ـ : ( كان يصوم يوماً و يفطر يوماً ، و لا يفر إذا لاقى ) يشير إلى أنه كان لا يضعفه صيامه عن ملاقاة عدوه و مجاهدته في سبيل الله . و لهذا روي عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ أنه قال لأصحابه يوم الفتح و كان في رمضان : ( إن هذا يوم قتال فافطروا ) ، و كان عمر إذا بعث سرية قال لهم : لا تصوموا فإن التقوي على الجهاد أفضل من الصوم .
فأفضل الصيام أن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل منه من القيام بحقوق الله تعالى أو حقوق عباده اللازمة ، فإن أضعف عن شيء من ذلك مما هو أفضل منه كان تركه أفضل .
فالأول : مثل أن يضعف الصيام عن الصلاة أو عن الذكر أو عن العلم كما قيل في النهي عن صيام الجمعة و يوم عرفة بعرفة أنه يضعف عن الذكر و الدعاء في هذين اليومين ، و كان ابن مسعود يقل الصوم و يقول : ( إنه يمنعني من قراءة القرآن ، و قراءة القرآن أحب إلي ) فقراءة القرآن أفضل من الصيام ، نص عليه سفيان الثوري و غيره من الأئمة ، و كذلك تعلم العلم النافع و تعليمه أفضل من الصيام ، و قد نص الأئمة الأربعة على أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ، و الصلاة أفضل من الصيام المتطوع به ، فيكون العلم أفضل من الصيام بطريق الأولى ، فإن العلم مصباح يستضاء به في ظلمة الجهل و الهوى ، فمن سار في طريق على غير مصباح لم يأمن أن يقع في بئر بوار فيعطب .
قال ابن سيرين : إن قوماً تركوا العلم و اتخذوا محاريب فصلوا و صاموا بغير علم ، و الله ما عمل أحد بغير علم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح .
و الثاني : مثل أن يضعف الصيام عن الكسب للعيال أو القيام بحقوق الزوجات فيكون تركه أفضل ، و إليه الإشارة بقوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( إن لأهلك عليك حقا )

المتطوع أمير نفسه :

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ : " أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتاها فقال : هل عندكم طعام ؟ فقلت : لا . قال : إني صائم ، ثم جاء يوما آخر فقالت عائشة : يا رسول الله إنا قد أهدى لنا حيس فدعا به فقال : أما إني قد أصبحت صائما فأكل "

ـ عن أم هانئ ـ رضي الله عنها ـ قالت : " لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأم هانئ عن يمينه قالت : فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه ثم ناوله أم هانئ فشربت منه فقالت : يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة . فقال لها أكنت تقضين شيئا ؟ قالت : لا . قال : فلا يضرك إن كان تطوعا "

ـ عن أبي الزبير عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن شاء طعم وإن شاء ترك "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا دعي أحدكم فليجب ، فإن كان مفطرا فليطعم ، وإن كان صائما فليصل "
ورواه نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ بمعناه وزاد "فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليدع "

ـ عن عكرمة قال : " كان ابن عباس يفطر من صوم التطوع ولا يبالي "

ـ عن مجالد عن الشعبي قال : " كان لا يرى بأسا أن يصبح الرجل صائما ثم يفطر "

أحب الصيام إلى الله :

ـ عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ـ عليه السلام ـ وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما "

الحض على صيام أيام مخصوصة
فضل صيام شعبان ولو بعد انتصافه :
ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم حتى نقول : لا يفطر ويفطر حتى نقول : لا يصوم ، فما رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ استكمل صيام شهر إلا رمضان ، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان "

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ حدثته قالت : " لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم شهرا أكثر من شعبان ، فإنه كان يصوم شعبان كله ، وكان يقول : خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وأحب الصلاة إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما داوم عليه وإن قلت ، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها "

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " كان أحب الشهور إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصومه شعبان بل كان يصله برمضان "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تقدموا صيام رمضان بيوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فيصومه "

ـ عن أبي سلمة عن أم سلمة ـ رضي الله عنهما ـ : " أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لا يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان "

ـ عن أبي سلمة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " لم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لشهر أكثر صياما منه لشعبان كان يصومه أو عامته "

ـ عن أبي سلمة قال : سألت عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن صيام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت : " كان يصوم حتى نقول : قد صام ، ويفطر حتى نقول : قد أفطر ، ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان ، كان يصوم شعبان كله ، كان يصوم شعبان إلا قليلا "

ـ عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال : قلت : يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال : ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم "

قال ابن رجب : " في حديث أسامة معنيين : أحدهما : أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب و رمضان ، يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام و شهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه فصار مغفولاً عنه ، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام و ليس كذلك . و روى ابن وهب قال : حدثنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعد عن أبيه عن عائشة قالت : ذُكر لرسول الله ناس يصومون رجباً ؟ فقال : فأين هم عن شعبان "

قال : " و فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة ، و أن ذلك محبوب لله ـ عز و جل ـ كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة و يقولون : هي ساعة غفلة . و لذلك فُضل القيام في وسط الليل المشمول بالغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر ، و قد قال النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الليلة فكن ) و لهذا المعنى كان النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ يريد أن يؤخر العشاء إلى نصف الليل ، و إنما علل ترك ذلك لخشية المشقة على الناس ، و لما خرج على أصحابه و هم ينتظرونه لصلاة العشاء قال لهم : ( ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ) وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر الله في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر له "

ـ عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : " سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أفضل الصيام قال : شعبان تعظيما لرمضان "

قال ابن رجب : " أفضل التطوع ما كان قريباً من رمضان قبله و بعده ، و ذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه ، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها و بعدها ، فيلتحق بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض ، وكذلك صيام ما قبل رمضان و بعده . فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة ، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه . و يكون قوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( أفضل الصيام بعد رمضان المحرم ) محمولاً على التطوع المطلق بالصيام ، فأما ما قبل رمضان و بعده فإنه يلتحق به في الفضل كما أن قوله في تمام الحديث : ( و أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل ) إنما أُريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب عند جمهور العلماء خلافاً لبعض الشافعية والله أعلم "
قال ابن رجب : " و قد قيل : في صوم شعبان معنى آخر : أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على الصيام و اعتاده ، و وجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام و لذته فيدخل في صيام رمضان بقوة و نشاط ، و لما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام و قراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان و ترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن "
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا "
قال أبو عيسى : " حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ ، ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم : أن يكون الرجل مفطرا فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان ، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يشبه قولهم حيث قال ـ صلى الله عليه وسلم : ( لا تقدموا شهر رمضان بصيام إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم ) وقد دل في هذا الحديث أنما الكراهية على من يتعمد الصيام لحال رمضان " انتهى .
أنشد بعضهم :
مضى رجب و ما أحسنت فيه و هذا شهر شعبان المبارك
فيا من ضيع الأوقات جهلاً بحرمتها أفق و احذر بوارك
فسوف تفارق اللذات قسراً و يخلي الموت كرهاً منك دارك
تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص و اجعل مدارك
على طلب السلامة من جحيم فخير ذوي الجرائم من تدارك .

وأنشد آخر :
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيان
و اتل القرآن و سبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح و قرآن
فاحمل على جسد ترجو النجاة له فسوف تضرم أجساد بنيران
كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل و جيران و إخوان
أفناهم الموت و استبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني
و معجب بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غد أثواب أكفان
حتى يعمر الإنسان مسكنه مصير مسكنه قبر لإنسان .

الخلاف في فضل ليلة النصف من شعبان وصيام يومها :
ـ قال ابن رجب : " و أما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر "

ـ عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقة إلا لمشرك أو مشاحن "

قال ابن رجب : " قال بعض السلف : أفضل الأعمال سلامة الصدور ، و سخاوة النفوس ، والنصيحة للأمة . و بهذه الخصال بلغ من بلغ لا بكثرة الاجتهاد في الصوم و الصلاة " انتهى .

ـ عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " يطلع الله ـ عز وجل ـ إلى خلقة ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا لاثنين مشاحن وقاتل نفس "
فاحذر أيها الغافل أن تمر عليك تلك الليلة إلا وأنت فيها على حال يؤهلك لمغفرة الله تعالى ، وجاهد نفسك طوال العام على سلامة الصدر ونقاء السريرة ، حتى إذا جاءت ليلة النصف كنت أهلا لاستحقاق الهبات ، ومحلا لمغفرة رب البريات ، ولا تؤمل امتداد العيش فإن الأجل قريب ، ولعل هذه هي آخر ليلة نصف شعبان تدركها ، وإن كنت من ذلك في ريب ، فابحث عن إخوانك الذين فقدتهم ، وقد أدركوا تلك الليلة في العام الماضي ، فأين هم الآن ؟
تخطفهم الموت ، وهو ينادي عليك بصوت مرتفع : لا فوت ، (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب )
يا مغروراً بطول الأمل ، يا مسروراً بسوء العمل ، كن من الموت على وجل ، فما تدري متى يهجم الأجل .
كل امرىء مصبح في أهله و الموت أدنى من شراك نعله
قال بعض السلف : كم من مستقبل يوماً لا يستكمله ، ومن مؤمل غداً لا يدركه ، إنكم لو رأيتم الأجل و مسيره لأبغضتم الأمل وغروره
أؤمل أن أخلد و المنايا تدور علي من كل النواحي
و ما أدري و إن أمسيت يوما لعلي لا أعيش إلى الصباح
كم ممن راح في طلب الدنيا أو غدا أصبح من سكان القبور غدا
أنشد بعضهم :
كأنك بالمضي إلى سبيلك و قد جد المجهز في رحيلك
و جيء بغاسل فاستعجلوه بقولهم له أفرغ غسيلك
و لم تحمل سوى كفن و قطن إليهم من كثيرك أو قليلك
و قد مد الرجال إليك نعشا فأنت عليه ممدود بطولك
وصلوا ثم إنهم تداعوا لحملك من بكورك أو أصيلك
فلما أسلموك نزلت قبرا و من لك بالسلامة في نزولك
أعانك يوم تدخله رحيم رؤوف بالعباد على دخولك
فسوف تجاور الموتى طويلا فذرني من قصيرك أو طويلك
أخي لقد نصحتك فاسمع لي و بالله استعنت على قبولك
ألست ترى المنايا كل حين تصيبك في أخيك و في خليلك

ـ عن العلاء بن الحارث أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الليل يصلي فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض ، فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجعت ، فلما رفع إلي رأسه من السجود وفرغ من صلاته قال :
يا عائشة أو يا حميراء أظننت أن النبي قد خاس بك ؟
قلت : لا والله يا رسول الله ولكنني ظننت أنك قبضت لطول سجودك . فقال :
أتدرين أي ليلة هذه ؟
قلت : الله ورسوله أعلم . قال : هذه ليلة النصف من شعبان ، إن الله ـ عز وجل ـ يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم "
وقال : " و ليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ، ومكحول و لقمان بن عامر و غيرهم يعظمونها و يجتهدون فيها في العبادة ، وعنهم أخذ الناس فضلها و تعظيمها و قد قيل : إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك ، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها ، منهم طائفة من عباد أهل البصرة و غيرهم ، و أنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ، و نقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة ، و هو قول أصحاب مالك و غيرهم و قالوا : ذلك كله بدعة .
و اختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين :
أحدهما : أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد . كان خالد بن معدان و لقمان بن عامر و غيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم و يتبخرون و يكتحلون و يقومون في المسجد ليلتهم تلك . و وافقهم إسحاق بن راهوية على ذلك و قال في قيامها في المساجد جماعة : ليس ببدعة ، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله .
و الثاني : أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة و القصص و الدعاء ، و لا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه . و هذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام و فقيههم و عالمهم ، و هذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى "
وأنشد بعضهم :
فقم ليلة النصف الشريف مصليا فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه
فكم من فتى قد بات في النصف آمناً و قد نسخت فيه صحيفة حتفه
فبادر بفعل الخير قبل انقضائه و حاذر هجوم الموت فيه بصرفه
و صم يومها لله و أحسن رجاءه لتظفر عند الكرب منه بلطفه .
صيام ستة من شوال :
ـ عن أبي أيوب الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ أنه حدثه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر "

ـ عن ثوبان ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيام السنة "

ـ عن ثوبان ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام سنة "

ـ عن ثوبان ـ رضي الله عنه ـ مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : " من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } "
استحباب صيام آخر شهر شعبان وقيل : وسطه :

ـ عن عمران بن حصين ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أنه سأله أو سأل رجلا وعمران يسمع فقال : يا أبا فلان أما صمت سرر هذا الشهر ؟ ( قال : أظنه قال : يعني رمضان ). قال الرجل : لا يا رسول الله ، قال : فإذا أفطرت فصم يومين " لم يقل الصلت أظنه يعني رمضان قال أبو عبد الله وقال ثابت عن مطرف عن عمران عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( من سرر شعبان )

ـ عن عبد الله بن أبي قيس سمع عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقول : " كان أحب الشهور إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان "

ـ عن ليث عن مجاهد قال : " إذا كان رجل يديم الصوم فلا بأس أن يصله "
المشهور أن سرر الشهر آخره ، وقد جمع أصحاب هذا القول بين الروايات التي فيها النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين ، والروايات التي معنا هنا .
قال ابن رجب : " و قد اختلف في تفسير السرار ، و المشهور أنه آخر الشهر ، يقال : سِرار الشهر ، و سَراره بكسر السين و فتحها ذكره ابن السكيت و غيره . و قيل : إن الفتح أفصح قاله الفراء . و سمي آخر الشهر سراراً : لاسترار القمر فيه . و ممن فسر السرار بآخر الشهر أبو عبيد و غيره من الأئمة . و كذلك بوب عليه البخاري صيام آخر الشهر ، و أشكل هذا على كثير من العلماء "

قال ابن رجب : " فصيام آخر شعبان ( على هذا القول ) له ثلاثة أحوال :
أحدها : أن يصوم بنية الرمضانية احتياطاً لرمضان فهذا منهي عنه و قد فعله بعض الصحابة ، و كأنهم لم يبلغهم النهي عنه ، و فرق ابن عمر بين يوم الغيم و الصحو في يوم الثلاثين من شعبان ، و تبعه الإمام أحمد .
و الثاني : أن يصام بنية الندب أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة و نحو ذلك فجوزه الجمهور ، و نهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان و رمضان بفطر يوم مطلقاً و هم طائفة من السلف ، و حكي كراهته أيضاً عن أبي حنيفة و الشافعي و فيه نظر .
و الثالث : أن يصام بنية التطوع المطلق فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان و رمضان بالفطر منهم الحسن و إن وافق صوماً كان يصومه ، و رخص فيه مالك و من وافقه ، وفرق الشافعي والأوزاعى وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أو لا ، وكذلك يفرق بين صيامه بأكثر من يومين و وصله برمضان فلا يكره أيضاً إلا عند من كره الابتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان فإنه ينهى عنه إلا أن يبتدىء الصيام قبل النصف ثم يصله برمضان .
و في الجملة فحديث أبي هريرة هو المعمول به في هذا الباب عند كثير من العلماء وأنه يكره التقدم قبل رمضان بالتطوع بالصيام بيوم أو يومين لمن ليس له به عادة ولا سَبَق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلاً بآخره "

صيام ثلاثة أيام من كل شهر :
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : " أوصاني خليلي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بثلاث : صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام "

ـ عن معاذة العدوية أنها سألت عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ؟ قالت : نعم . فقلت لها من أي أيام الشهر كان يصوم ؟ قالت :لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم "

ـ عن أبي قتادة الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ : " أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن صومه . قال : فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : عمر ـ رضي الله عنه ـ رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وببيعتنا بيعة . قال : فسئل عن صيام الدهر فقال : لا صام ولا أفطر ، أو ما صام وما أفطر . قال : فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم قال : ومن يطيق ذلك ؟ قال : وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين قال : ليت أن الله قوانا لذلك . قال : وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم قال : ذاك صوم أخي داود ـ عليه السلام ـ . قال : وسئل عن صوم يوم الاثنين قال : ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه . قال : فقال : صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر . قال : وسئل عن صوم يوم عرفة فقال : يكفر السنة الماضية والباقية . قال : وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال : يكفر السنة الماضية " وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال " وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما "

ـ عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر ، فأنزل الله ـ عز وجل ـ تصديق ذلك في كتابه { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } اليوم بعشرة أيام "

ـ عن أبي فراس أنه سمع عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ يقول : " سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى ، وصام داود نصف الدهر ، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر صام الدهر وأفطر الدهر "

ـ عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : " أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض ثلاث عشر وأربع عشرة وخمس عشرة "
ـ عن حفصة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم ثلاثة أيام من الشهر الإثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى "

ـ عن عثمان بن أبي العاص قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " صيام حسن ثلاثة أيام من الشهر "

ـ عن أبي إسحاق عن الحارث قال : " صوم شهر الصبر وصوم ثلاثة أيام من كل شهر يذهبون بلابل الصدر قال أبو إسحاق : وقال مجاهد : يذهبن وغر الصدر . قيل وما وغر الصدر ؟ قال : غشه "
ـ عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء أن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال ثلاث لا أدعهن حتى ألقى أبا القاسم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أبيت كل ليلة علي وتر وصلاة الضحى وأن أصوم من كل شهر ثلاثة أيام "

صوم عشر ذي الحجة :
ورد في بعض الأحاديث ما يدل بظاهره على عدم مشروعية صيام عشر ذي الحجة ، لكنها مؤولة بما يوافق نصوص الأحاديث الصريحة بمشروعية صيامها بل باستحبابها ، وأن النصوص التي استدلوا بها إنما هي في إثبات عدم صيامها جميعا ، لا في نفي صيامها مطلقا .

ـ عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " ما رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صائما في العشر قط "

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يصم العشر "
ـ عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه قالوا ولا الجهاد قال ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء "

ـ عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء "

ـ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما من عمل أذكى عند الله ولا أعظم أجرا من خير يعمله في العشر الأضحى قيل : ولا الجهاد في سبيل الله قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء .
قال : وكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه "
ـ عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر والخميس "

ـ عن ليث قال كان مجاهد يصوم العشر قال وكان عطاء يتكلفها "

ـ قال النووي : " قال العلماء : هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر ، والمراد بالعشر هنا : الأيام التسعة من أول ذي الحجة . قالوا : وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحبابا شديدا لاسيما التاسع منها وهو يوم عرفة ، وقد سبقت الأحاديث في فضله وثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه ( يعنى العشر الأوائل من ذي الحجة ) فيتأول قولها ( لم يصم العشر ) أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائما فيه ، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر ، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر الاثنين من الشهر والخميس " ورواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد والنسائي وفي روايتهما ( وخميسين ) " انتهى .

صوم يوم عرفة لغير الحاج :

ـ عن أم الفضل بنت الحارث ـ رضي الله عنها ـ : " أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال بعضهم : هو صائم ، وقال بعضهم : ليس بصائم ، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه "

ـ عن أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " كيف تصوم ؟ فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما رأى عمر ـ رضي الله عنه ـ غضبه قال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، فجعل عمر ـ رضي الله عنه ـ يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه . فقال عمر : يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله ؟ قال : لا صام ولا أفطر أو قال :لم يصم ولم يفطر . قال : كيف من يصوم يومين ويفطر يوما ؟ قال : ويطيق ذلك أحد . قال : كيف من يصوم يوما ويفطر يوما ؟ قال : ذاك صوم داود ـ عليه السلام ـ . قال : كيف من يصوم يوما ويفطر يومين ؟ قال : وددت أني طوقت ذلك . ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله ، وصيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله "

ـ عن عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفطر بعرفة وأرسلت أليه أم الفضل بلبن فشرب "

ـ عن عائشة قالت ما من السنة يوم أحب إلي أن أصومه من يوم عرفة "
يعني إن لم تكن محرمة بحج .
ـ عن مسروق : " أنه دخل على عائشة ـ رضي الله عنها ـ يوم عرفة فقال : " اسقوني فقالت عائشة : يا جارية اسقيه عسلا وما أنت يا مسروق بصائم ؟ فقال : لا إني أتخوف أن يكون يوم أضحى . فقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ : ليس كذلك يوم عرفة يوم يعرف الأيام ويوم النحر يوم ينحر الأيام ، أو ما سمعت يا مسروق أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعدله بصوم ألف يوم "

ـ عن حميد الطويل قال : ذُكر عند الحسن أن صيام عرفة يعدل صيام سنة فقال الحسن : ما أعلم ليوم فضلا على يوم ولا لليلة على ليلة إلا ليلة القدر فإنها خير من ألف شهر ، ولقد رأيت عثمان بن أبي العاص صام يوم عرفة يُرش عليه الماء من إداوة معه يتبرد به "

فضل الصوم في المحرم والأشهر الحرم :

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ يرفعه قال : " سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان ؟ فقال : أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم "

ـ عن نافع : " أن ابن عمر كان لا يكاد أن يفطر في أشهر الحرم ولا غيرها "

ـ عن عبد الله بن يسار وسليط أخيه قالا : " كان ابن عمر يصوم بمكة أشهر الحرام "

ـ عن يونس عن الحسن : " أنه كان يصوم أشهر الحرام "

صوم عاشوراء :

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه "

ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال : ما هذا ؟ قالوا : هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى . قال : فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه "

ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " ما رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان "
ـ عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " حين صام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع . قال : فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "

ـ عن سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : " بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن في الناس : من كان لم يصم فليصم ومن كان أكل فليتم صيامه إلي الليل "

ـ عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ـ رضي الله عنها ـ قالت : " أرسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة : من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه . فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم إياه عند الإفطار "

ـ عن أبي قتادة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " صيام يوم عاشوراء إني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله "

ـ عن ابن عباس قال : " أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصوم عاشوراء يوم العاشر "
صوم الاثنين والخميس :

ـ عن أبي قتادة الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن صوم الإثنين فقال : " فيه ولدت وفيه أنزل علي "

ـ عن مولى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القرى في طلب مال له فكان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس فقال له مولاه لم تصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير فقال : " إن نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وسئل عن ذلك فقال إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصوم الاثنين والخميس . فقيل : يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس . فقال : إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا متهاجرين يقول : دعهما حتى يصطلحا "

حرص السلف على هذه السنة :
ـ عن أبي عقبة قال كان أبو هريرة يصوم الاثنين والخميس "

ـ عن برد عن مكحول : " أنه كان يصوم الاثنين والخميس "
وفي الحلية عن برد عن مكحول أيضا : " أنه كان يصوم يوم الاثنين والخميس وكان يقول : ولد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين وترفع أعمال بني آدم يوم الاثنين والخميس "

ـ عن محمد بن إبراهيم كان أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ يصوم أياما من الجمعة يتابع بينهن فقيل له : أين أنت من الاثنين والخميس . قال : فكان يصومهما "

ـ عن عاصم عن زر عن عبد الله : " أنه كان يصوم الاثنين والخميس "

ـ قال ابن رجب : " روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في قوله ـ عز و جل ـ : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) قال : يكتب كل ما تكلم به من خير و شر حتى أنه ليكتب قوله : أكلت و شربت ، و ذهبت وجئت ورأيت ، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله و عمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقى سائره ، فذلك قوله تعالى :( يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب ) خرجه ابن أبي حاتم و غيره "

ـ قال ابن رجب : " و كان إبراهيم النخعي يبكي إلى امرأته يوم الخميس و تبكي إليه و يقول : اليوم تعرض أعمالنا على الله ـ عز و جل ـ . فهذا عرض خاص في هذين اليومين غير العرض العام كل يوم فإن ذلك عرض دائم بكرة و عشيا "

يا من عمله معروض على من يعلم السر و أخفى لا تبهرج فإن الناقد بصير .
السقم على الجسم له ترداد والعمر ينقص و الذنوب تزداد
ما أبعد شقتي و مالي زاد ما أكثر بهرجي و لي نقاد
صوم يوم الجمعة :
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده "

ـ عن جويرية بنت الحارث ـ رضي الله عنها ـ : " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال : أصمت أمس ؟ قالت : لا . قال : تريدين أن تصومي غدا ؟ قالت : لا . قال : فأفطري . وقال حماد بن الجعد سمعت قتادة حدثني أبو أيوب : أن جويرية حدثته فأمرها فأفطرت "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم "

ـ عن محمد بن عباد بن جعفر قال : " سألت جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ وهو يطوف بالبيت أنهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن صيام يوم الجمعة ؟ فقال : نعم ورب هذا البيت "
صوم يوم السبت :

ـ عن عبد الله بن بسر عن أخته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه "
استحباب إخفاء التطوع من الصيام وغيره

ـ روى الفلاس عن الخريبى قال : " كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : " إذا كان أحدكم صائما فليدهن حتى لا يُرى عليه أثر صومه ، وإذا بزق فليستتر ببزاقه ، وأشار يزيد بيده كأنه يغطي بها فاه "

ـ عن مسروق عن عبد الله : " قال إذا أصبحتم صياما فأصبحوا مدهنين "

ـ عن معمر عن قتادة قال : " يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غبرة الصائم "

ـ قال خلف بن تميم حدثنا زائدة : " أن منصورا صام أربعين سنة وقام ليلها ، وكان يبكي فتقول له أمه : يا بني قتلت قتيلا ؟ فيقول : أنا أعلم بما صنعت بنفسي ، فإذا كان الصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرق شفتيه وخرج إلى الناس "

ـ قال عمر بن هارون : " كان شعبة يصوم الدهر كله لا ترى عليه ، وكان سفيان الثوري يصوم ثلاثة أيام من الشهر ترى عليه "

ـ عن هلال بن يساف قال : " قال عيسى ابن مريم : إذا كان يوم يصوم أحدكم فليدهن شفتيه "
وفي رواية عبد الرزاق : " عن هلال بن يساف قال : كان عيسى ابن مريم يقول : إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته وليمسح شفتيه حتى يخرج إلى الناس فيقولوا : ليس بصائم ، وإذا صلى أحدكم فليدن عليه ستر بابه فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق ، وإذا أعطى أحدكم فليعط بيمينه وليخف من شماله "

ـ عن أبي حازم قال : " اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك "

ـ عن وهب بن منبه قال : " كان رجل من أفضل أهل زمانه وكان يُزار فيعظهم ، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال : إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأولاد والأوطان والأموال مخافة الطغيان ، وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم ، وإنما يحب أحدنا أن تقضى حاجته ، وإن اشترى أن يُقارَب لمكان دينه ، وإن لُقي حُيي ووُقِر لمكان دينه . فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك فأُعجب به فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه ، فلما رآه الرجل وقيل له : هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك فقال : وما يصنع بي ؟ فقيل : للكلام الذي وعظت به ، فسأل ردءه هل عندك طعام ؟ فقال : شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به ، فأتى به على مسح فوضع بين يديه فأخذ يأكل منه ، وكان يصوم النهار لا يفطر ، فوقف عليه الملك فسلم عليه فأجابه بإجابة خفيفة وأقبل على طعامه يأكله ، فقال الملك : فأين الرجل ؟ قيل له : هو هذا ، فقال : هذا الذي يأكل ؟ قيل : نعم . قال : فما عند هذا من خير ، فأدبر وانصرف فقال الرجل : الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به "

ـ عن حماد بن زيد قال : كان أيوب يقول : ليتق الله ـ عز وجل ـ رجل ، وإن زهد فلا يجعلن زهده عذابا على الناس ، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه ، وكان أيوب ممن يخفي زهده ، فدخلنا عليه مرة فإذا على فراشه محبس أحمر فرفعته أو رفعه بعض أصحابنا فإذا خصفة محشوة بليف "

ـ عن شعبة قال : " ربما ذهبت مع أيوب في الحاجة أريد أن أمشي معه فلا يدعني ، فيخرج فيأخذ ههنا وههنا لكي لا يفطن له . قال شعبة وقال أيوب : ذُكرت وما أحب أن أُذكر .
وعن حماد بن زيد قال : قال أيوب : لأن يستر الرجل الزهد خير له من أن يظهره .
وعن أبي بكر بن المفضل قال : سمعت أيوب يقول والله ما صدق عبد إلا سَره أن لا يُشعر بمكانه .
وعن حماد قال : غلب أيوبَ البكاءُ يوما فقال : الشيخ إذا كبر مج وغلبه فوه ، فوضع يده على فيه وقال الزكمة ربما عرضت "
قلت : هذه هي حقيقة التعبد ، فإن العابد حقا هو الذي لا يبالي بغير نظر الله ، فيكون عمل سره أحب إلى قلبه من عمل جهره ، بل لا يريد أن يراه أحد وهو يتعبد سوى الله .

ـ عن ابن عيينة قال : " كان هارون بن رباب يخفي الزهد ، وكان يلبس الصوف تحت ثيابه "

ـ عن حمزة ابن دِهقان قال : " قلت لبشر بن الحارث : أحب أن أخلو معك ، قال : إذا شئت فيكون يوما ، فرأيته قد دخل قبة فصلى فيها أربع ركعات لا أُحسن أصلى مثلها فسمعته يقول في سجوده : اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الذل أحب إلي من الشرف ، اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الفقر أحب إلي من الغنى ، اللهم إنك تعلم فوق عرشك أني لا أوثر على حبك شيئا . فلما سمعته أخذني الشهيق والبكاء فقال : اللهم أنت تعلم أني لو أعلم أن هذا هاهنا لم أتكلم "

ـ قال عبد الرحمن بن مهدي : قلت لابن المبارك : إبراهيم بن أدهم ممن سمع ؟ قال : قد سمع من الناس ، وله فضل في نفسه ، صاحب سرائر ، وما رأيته يُظهر تسبيحا ولا شيئا من الخير ، ولا أكل مع قوم قط إلا كان آخر من يرفع يده "
قلت :كان يفعل ذلك لئلا يقال : زهد في الطعام ، وهذا لعمري الإخلاص في أجمل صوره .

ـ عن محمد بن مسعر قال : " كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن ، فإذا فرغ من ورده لف رداءه ثم هجع هجعة خفيفة ، ثم يثب كالرجل الذي قد ضل منه شيء فهو يطلبه ، فإنما هو السواك والطهور ، ثم يستقبل المحراب كذلك إلى الفجر ، وكان يجهد على إخفاء ذلك جدا "
ـ قال مغيرة : " كان لشريح بيت يخلو فيه يوم الجمعة لا يدري الناس ما يصنع فيه "

ـ قال الفيض : " قال لي الفضيل : لو قيل لك : يامُرائي غضبت وشق عليك ، وعسى ما قيل لك حق ، تزيَنْتَ للدنيا وتصنعت ، وقصرت ثيابك وحسنت سمتك ، وكففت أذاك حتى يقال : أبو فلان عابد ما أحسن سمته ، فيُكرمونك وينتظرونك ويقصدونك ويهدون إليك ، مثل الدرهم الستوق ( أي الزائف المخلوط بالنحاس ) لا يعرفه كل أحد ، فإذا قُشر قُشر عن نحاس "

ـ قال محمد بن القاسم : " صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة ، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفا من الرياء ، وكان يدخل بيتا له ويغلق بابه ولم أدر ما يصنع حتى سمعت ابنا له صغيرا يحكي بكاءه فنهته أمه . فقلت لها : ما هذا ؟ قالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه ، وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل فلا يُرى عليه أثر البكاء "

ـ عن الثوري عن سُرية للربيع : " أنه كان يدخل عليه الداخل وفي حجره المصحف فيغطيه "

ـ قال ابن معين : " وكان يَحيى يجيء معه بمسباح فيدخل يده في ثيابه فيسبح "
ـ ومن كلام الحسن بن منصور : " رب معتزل للدنيا ببدنه مخالطها بقلبه ، ورب مخالط لها ببدنه مفارقها بقلبه وهو أكيسهما "

ـ قيل : " التقى سفيانُ والفضيلُ فتذاكرا فبكيا فقال سفيان : إني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا أعظم مجلس جلسناه بركة . فقال له فضيل : لكني أخاف أن يكون أعظم مجلس جلسناه شؤمأ ، أليس نظرت إلى أحسن ما عندك فتزينت به لي وتزينت لك فعبدتني وعبدتك ؟ فبكى سفيان حتى علا نحيبه ثم قال : أحييتني أحياك الله "

ـ عن أبي بكر بن عياش عن عاصم قال : " كان أبو وائل إذا صلى في بيته ينشج نشيجا ، ولو رجعت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله "

ـ عن سلام قال : " كان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك ، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة "

ـ عن خلف بن تميم قال : " سمعت أبي تميم بن مالك يقول : " كان منصور بن المعتمر إذا صلى الغداة أظهر النشاط لأصحابه فيحدثهم ويكثر إليهم ، ولعله إنما بات قائما على أطرافه ، كل ذلك ليخفي عليهم العمل "
قلت : أدرك منصورُ أيوبَ السختياني ، وسمع منه ، فما أشبه التلميذ بشيخه !!!!!
فالشيخ إما أن يكون لطلابه رحمة ، وإما أن يكون عليهم عقوبة ، فإذا علمهم ما ينفعهم كان لهم رحمة ، وإذا شغلهم بسفاسف الأمور كان عليهم نقمة .
فرحم الله أساتذة السلف ، الذين كانوا يستفاد من لحظهم قبل لفظهم ، لألسنتهم صائنين ، وللقرآن تالين ، ولحق العلم راعين .
ـ عن كعب قال : " رجال يباهى الله بهم ملائكته : الغازي في سبيل الله ، ومقدمة القوم إذا حملوا ، وحاميتهم إذا هزموا ، والذي يخفى صلاته ، والذي يخفي صيامه ، والذي يخفي صدقته ، والذي يخفي كل عمل صالح ما ينبغي أن يُخفى "

ـ عن أبي حفص بن شاهين قال : قرأت على جعفر بن محمد الثقفي ، سمعت سهل بن عبد الله يقول : " أول الحجاب الدعوى فإذا أخذوا في الدعوى حرموا "

ـ عن أبي بكر أحمد بن محمد السائح قال : سمعت القاسم بن محمد صاحب سهل يقول : سمعت سهل بن عبد الله يقول : " ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدعوى ، ولا طريق أقرب إليه من الافتقار "
فما أكثر أدعياء العلم والتعبد ، الذين ليس لهم نصيب سوى الحرمان ، فالمتشبع بما لم يُعطى كلابس ثوبي زور ، والمفتقر إليه مع كثرة عمله أهل لنيل الهبات ، فتوفيق الله لعباده منه إليهم صدقات ، وأولى الناس بالصدقات الفقراء ( إنما الصدقات للفقراء ) .

ـ عن علي بن سالم قال : سمعت سهل بن عبد الله ، وقيل له : " أي شيء أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص ، لأنه لها فيه نصيب "

ـ عن الأعمش قال : " كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي فإذا دخل الداخل نام على فراشه "

ـ عن عبد الله بن الشخير قال : " كنا نأتي عامر بن عبد الله وهو يصلي في مسجده ، فإذا رآنا تجوز في صلاته ثم انصرف فقال لنا : ما تريدون ؟ وكان يكره أن يرونه يصلي "

ـ قال رجاء بن أبي سلمة : " نظر الرجاء بن حيوة إلى رجل ينعس بعد الصبح فقال انتبه لا يظنون أن ذا عن سهر "

ـ قال ابن رجب : " . و قد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد كان يخرج من بيته إلى سوقه و معه رغيفان فيتصدق بهما و يصوم فيظن أهله أنه أكلهما ، و يظن أهل السوق أنه أكل في بيته "
وقال : " قال أبو التياح : أدركت أبي ومشيخة الحي إذا صام أحدهم ادهن ، و لبس صالح ثيابه "
وقال : " اشتهر بعض الصالحين بكثرة الصيام فكان يجتهد في إظهار فطره للناس ، حتى كان يقوم يوم الجمعة و الناس مجتمعون في مسجد الجامع فيأخذ إبريقاً فيضع بلبلته في فيه و يمصه و لا يزدرد منه شيئاً ، ويبقى ساعة كذلك ينظر الناس إليه فيظنون أنه يشرب الماء ، وما دخل إلى حلقه منه شيء . كم ستر الصادقون أحوالهم و ريح الصدق ينم عليهم .
ريح الصيام أطيب من ريح المسك ، تستنشقه قلوب المؤمنين و إن خفي ، و كلما طالت عليه المدة ازدادت قوة ريحه .
كمْ أكتم حبكم عن الأغيار و الدمع يُذيع في الهوى أسراري
كمْ أستركَم هتكتموا أسراري من يُخفي في الهوى لهيب النار
ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية .
وهبني كتمت السرا و قلت غيره أتَخفي على أهل القلوب السرائر
أبى ذاك أن السر في الوجه ناطق و أن ضمير القلب في العين ظاهر "

لا تصوم المرأة تطوعا بغير إذن زوجها

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه "
قال جمهور الفقهاء - بناء على هذا الحديث وغيره : إن الزوجة إذا صامت تطوعا بغير إذن زوجها ، فله أن يفطرها، وخص المالكية جواز تفطيرها بالجماع فقط ، دون الأكل والشرب، لأن احتياجه إليها الموجب لتفطيرها إنما هو من جهة الوطء . فإن أذن لها في الصوم، ثم رغب في فطرها للجماع أو غيره جاز لها الفطر عند جمهور العلماء ، لأن الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء أتم صومه، وإن شاء أفطر، ولا يلزمه القضاء ، وإنما يستحب له ذلك .
لا تترك صيام النوافل إلا لعمل صالح ينفعك

ـ عن عبد الرحمن بن يزيد قال كان عبد الله ( يعني ابن مسعود ) يُقل الصيام فقلنا له : إنك تُقل الصيام . قال : إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة والصلاة أحب إلي من الصيام "

ـ عن علقمة قال : كنا عند عبد الله ( يعني ابن مسعود ) فأُتي بشراب فقال : ناوِله القوم . فقالوا : نحن صيام . فقال : لكني لست صائما فشرب ثم قرأ ( يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) "
فضل قيام رمضان

يا رجال الليل جِدوا رُب داع لا يُرد
ما يقوم الليلَ إلا من له عزمٌ وجِد .
لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الانكسار و رفعوا قصص الاعتذار مضمونها : ( يا أيها العزيز مسنا و أهلنا الضر و جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل و تصدق علينا ) لبرز لهم التوقيع عليها : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين )
أشكو إلى الله كما قد شكى أولاد يعقوب إلى يوسف
قد مسني الضر و أنت الذي تعلم حالي و ترى موقفي
بضاعتي المزجاة محتاجة إلى سماح من كريم وفي
فقد أتى المسكين مُستمطراً جودَك فارحم ذله واعطف
فأوف كيلي و تصدق على هذا الْمُقل البائس الأضعف .

وقال آخر :
إذا أوجعتك الذنوب فداوِها برفع يدٍ بالليل و الليلُ مظلم
و لا تقنطن من رحمة الله إنما قُنوطك منها من ذنوبك أعظم
فرحمته للمحسنين كرامةٌ ورحمته للمذنبين تَكَرمُ .

ـ عن محمد بن أحمد الشمشاطي قال : سمعت ذا النون المصري يقول : " إن لله عبادا أسكنهم دار السلام فأخمصوا البطون عن مطاعم الحرام ، وأغمضوا الجفون عن مناظر الآثام ، وقيدوا الجوارح عن فضول الكلام ، وطووا الفرش وقاموا جوف الظلام ، وطلبوا الحور الحسان من الحي الذي لا ينام ، فلم يزالوا في نهارهم صياما ، وفي ليلهم قياما حتى أتاهم ملك الموت ـ عليه السلام ـ "

ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه . قال ابن شهاب : فتوفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر ـ رضي الله عنهما ـ "

ـ عن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه قال : " خرجت مع عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر : نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون . ( يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله ) "
قال ابن حجر في الفتح : " والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة ، والتحقيق : أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة ، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة ، وإلا فهي من قسم المباح ، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة "

ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرت : " أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته ، فأصبح الناس فتحدثوا ، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه ، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فصلى فصلوا بصلاته ، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لصلاة الصبح ، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال : أما بعد فإنه لم يَخْفَ علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها ، فتوفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأمر على ذلك "
ـ عن جبير بن نفير عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : " صمنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يصل بنا حتى بقي سبعٌ من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل ، فقلنا له : يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه . فقال : إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة ، ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر وصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح . قلت له : وما الفلاح ؟ قال : السحور "

هل يصلى القيام في رمضان وحده أم أن الجماعة أفضل ؟

ـ عن مجاهد قال : جاء رجل إلى ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فقال : " أُصلي خلف الإمام في رمضان ؟ قال : أتقرأ القرآن ؟ قال : نعم . قال : أفتنصت كأنك حمار ؟!! صل في بيتك "

ـ عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : " أنه كان لا يقوم خلف الإمام في رمضان "

ـ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن : " أنه سأل عائشة ـ رضي الله عنها ـ كيف كانت صلاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رمضان ؟ فقالت : ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا ، فقلت : يا رسول الله أتنام قبل أن توتر ؟ قال : يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي "

ـ عرفجة الثقفي قال : " كان علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماما وللنساء إماما . قال عرفجة : فكنت أنا إمام النساء "

ـ عن السائب بن يزيد : " أن عمر ـ رضي الله عنه ـ جمع الناس في رمضان على أُبي بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة يقرؤون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر "

قال أبو عيسى الترمذي : " واختار بن المبارك وأحمد وإسحاق الصلاة مع الإمام في شهر رمضان ، واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئا وفي الباب عن عائشة والنعمان بن بشير وابن عباس " انتهى .
قلت : والقول المنقول عن الشافعي هنا ليس على إطلاقه بل هو مقيد بثلاثة شروط نقلها ابن حجر في الفتح فقال : " وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه ثالثها : من كان يحفظ القرآن ، ولا يخاف من الكسل ، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه ؛ فصلاته في الجماعة والبيت سواء ، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل " انتهى .
وعلى هذا تحُمل الآثار الواردة في مشروعية صلاة التراويح في بيته منفردا ، والله أعلم .

قيام الصالحين في رمضان وفي غيره

تعب القيام والسهر راحة الأبد :
ـ عن أبي إسحاق الفزاري قال : " كان إبراهيم بن أدهم في شهر رمضان يحصد الزرع بالنهار ويصلي بالليل ، فمكث ثلاثين يوما لا ينام بالليل ولا بالنهار "
ـ عن إبراهيم عن همام بن الحارث أنه كان يدعو : " اللهم اشفني من النوم باليسير وارزقني سهرا في طاعتك فكان لا ينام إلا هنيهة وهو قاعد "
ـ عن حماد بن سلمة قال : " كان سليمان التيمي طوى فراشه أربعين سنة ، ولم يضع جنبه بالأرض عشرين سنة ( يعني كان ينام جالسا ) وكانت له امرأتان "
ـ عن أنس وابن سيرين أن امرأة مسروق قالت : " كان يصلي حتى تورمت قدماه ، فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه .
عن إبراهيم قال : كان مسروق يرخي السترة بينه وبين أهله ثم يقبل على صلاته ويخليهم ودنياهم "
ـ حَكى حفيد يحيى بن جَميع الغساني الصيداوي عن خادم جده طلحة : " أن جده أبا بكر كان يقوم الليل كله فإذا صلى الفجر نام إلى الضحى ، وإذا صلى الظهر يركع إلى العصر ، إلى أن قال : وكانت هذه عادته "

ـ قال محمد بن أبي حاتم الوراق : سمعت البخاري يقول : " ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها . قال : وكان أبو عبد الله يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة ، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم ، فقلت : أراك تحمل على نفسك ولم توقظني ؟ قال : أنت شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك "
ـ عن مالك بن أنس قال : كان صفوان يصلي في الشتاء في السطح وفي الصيف في بطن البيت يتيقظ بالحر والبرد حتى يصبح ثم يقول : هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم ، وإنه لترم رجلاه حتى تعود مثل السفط من قيام الليل ويظهر فيها عروقٌ خضرٌ "
ـ عن أمِّ عباد امرأة هشام بن حسان قالت : " كنا نزولا مع محمد بن سيرين في داره فكنا نسمع بكاءه بالليل وضَحِكَهُ بالنهار "
ـ عن سفيان بن عيينة ، أنه ذكر منصور بن المعتمر ، فقال : " قد كان عمش من البكاء .
وعن الثوري قال : لو رأيت منصوراً يصلي لقلت يموت الساعة "
ـ عن ابراهيم ابن مهدي يقول سمعت أبا الأحوص يقول : " قالت ابنة لجار منصور بن المعتمر لأبيها يا أبت أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة قال يا بنية ذاك منصور كان يقوم بالليل "

ـ عن سفيان قال بلغنا أن أم الربيع ابن خيْثم كانت تنادي ابنها الربيع فتقول : " يا بني يا ربيع ألا تنام ؟ فيقول : يا أُمَّه من جنَّ عليه الليلُ وهو يخاف البيات حُق له أن لا ينام ، قال : فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت : يا بني لعلك قتلت قتيلا ؟ فقال : نعم يا والدتي قد قتلت قتيلا ، قالت : ومن هذا القتيل يا بني حتى نتحمل على أهله فيعفون ؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء والسهر بعد لقد رحموك ، فيقول : يا والده هي نفسي "

ـ عن يحيى بن سعيد القطان قال : " خرج سليمان التيمي إلى مكة فكان يصلي الصبح بوضوء عشاء الآخرة ، وكان يأخذ بقول الحسن : أنه إذا غلب النوم على قلبه توضأ ، وكان يحيى يتعجب من صبر التيمي "
ـ عن محمد بن إبراهيم الهروي يقول : " قال أبي : من أراد ألا يُحجب دعاؤه من السماء فليتعاهد من نفسه خمسة أشياء : أولا أن يكون أكله غليه لا يأكل إلا ما لا بد منه ، ولباسه غلبة لا يلبس إلا مالا بد منه ، ونومه غلبه لا ينام إلا مالا بد منه ، وكلامه غلبه لا يتكلم إلا مالا بد منه ، والخامس أن يكون متضرعا حافظا لإرادته دائما حافظا لأعضائه كلها "

ـ عن سجف بن منظور قال : " صنع عبد الواحد طعاما وجمع عليه نفرا من إخوانه وكان فيهم عتبة . قال : فأكل القوم غير عتبة فإنه كان قائما على رؤوسهم يخدمهم . قال : فالتفت بعضهم إلى عتبة فنظر إلى عينيه والدموع تنحدر منها فسكت وأقبل على الطعام ، فلما فرغ القوم من طعامهم تفرقوا ، وأخبر الرجل عبد الواحد بما رأى من عتبة فقال له عبد الواحد : بأبي لم بكيت والقوم يطعمون ؟ قال : ذكرت موائد أهل الجنة والخدم قيام على رؤوسهم ، فشهق عبد الواحد شهقة خر مغشيا عليه . قال سجف : حدثني حصين بن القاسم قال فما رأيت عبد الواحد بعد ذلك اليوم دعا إنسانا إلى منزله ولا أكل طعاما إلا دون شبعه ولا يشرب الا أقل من ريه ولا أفتر ضاحكا حتى مضى لوجهه . قال : وأما عتبة فإنه جعل لله على نفسه أن لا يأكل إلا أقل من شبعه ولا يشرب إلا أقل من ريه ولا ينام من الليل والنهار إلا أقل من نبهه . قال : فقال له بعض أصحابه : لا تنم يا عتبة بالليل ونم بالنهار في الساعات اللاتي لا تحل فيها الصلاة فهذا أقل من نبهك ووفاء لنذرك . قال : فقال : أنا إذاً يا أبا عبد الله أريد أن أطلب الحيل فيما بيني وبين ربي ، لا أنام ليلا ولا نهارا إلا وأنا مغلوب . قال : فكنت إذا رأيته رأيته شبه الواله ، وما ظنك برجل لا ينام إلا مغلوبا ؟ قال : وكان يلبس الشعر تحت ثيابه ، فإذا كان يوم الجمعة ألقاه عنه ولبس من صالح الثياب "

ـ عن المسيب بن واضح أراه عن المبارك أو غيره قال : " أقام سليمان التيمي أربعين سنة إمام الجامع بالبصرة يصلي العشاء الآخرة والصبح بوضوء واحد "

ـ عن عبد الملك بن قريب الأصمعي قال : " بلغني أن سليمان التيمي قال لأهله هلموا حتى نجزئ الليل فان شئتم كفيتكم أوله وإن شئتم كفيتكم آخره "

ـ عن أم جعفر بنت النعمان عن أسماء بنت أبي بكر قالت : " كان ابن الزبير ، قوام الليل وصوام النهار ، وكان يسمى حمام المسجد "

ـ قال سفيان : " زار قيس بن مسلم محمد بن جحادة ذات ليلة فأتاه وهو في المسجد بعد صلاة العشاء ، قال : ومحمد قائم يصلي . فقام قيس بن مسلم في الناحية الأخرى يصلي . فلم يزالا على ذلك حتى طلع الفجر "
ـ عن هارون بن عبد الله قال : حدثنا سيار قال : قلت لبكر بن أيوب : " يا أبا يحيى كان أبوك يجهر بالقرآن من الليل قال نعم جهرا شديدا وكان يقوم السحر الأعلى "

ـ عن الحسن بن علي بن مسلم الباهلي قال : سمعت أبا النوار العدوي يقول : " بنو عدي أشد أهل هذه البلدة اجتهادا ، هذا أبو الصهباء لا ينام ليله ولا يفطر نهاره ، وهذه امرأته معاذة ابنة عبد الله لم ترفع رأسها إلى السماء أربعين عاما "
ـ عن الحسن بن سالم قال : " عرفت سهلا سنين من عمره كان يقوم الليل بفرد رجل يناجي ربه حتى يصبح "
ـ عن محمد بن الحجاج بن جعفر بن إياس بن نذير الضبي قال : " كان أبو بكر بن عياش يقوم الليل في قباء صوف وسراويل وعكازة يضعها في صدره فيتكئ عليها حين كبر فيحيي ليلته "
ـ عن شيبان بن جسر عن أبيه قال : " أنا والله الذي لا إله إلا هو أدخلت ثابتا البُناني لحده ومعي حميد الطويل أو رجل غيره ( شك محمد ) قال : فلما سوينا عليه اللبن سقطت لبنة فإذا أنا به يصلي في قبره فقلت للذي معي : ألا ترى ؟!! قال : اسكت فلما سوينا عليه وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها : ما كان عمل أبيك ثابت ؟ فقالت : وما رأيتم ؟ فأخبرناها فقالت : كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السحر قال في دعائه : اللهم إن كنت أعطيت أحدا من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها فما كان الله ليرد ذلك الدعاء "

ـ قال ابن الجوزي وقال لي أبو محمد عبد الله بن المقرىء : " كان أبو المعالي لا ينام إلا جالسا ولا يلبس إلا ثوبا واحدا شتاء كان أو صيفا ، وكان إذا اشتد البرد عليه يشد المئزر بين كتفيه "

ـ عن سفيان قال : " كان قيس بن مسلم الجدلي يصلي حتى السحر ، ثم يجلس فيمسح البكاء ساعة بعد ساعة وهو يقول : لأمر ما خُلقنا ، لئن لم نُعَنْ على الآخرة بخير لنهلكن "
ـ عن محمد بن عباد قال حدثني أبي قال : " ربما زارني عاصم الأحول وهو صائم فيفطر ، فإذا صلى العشاء تنحى فصلى فلا يزال يصلي حتى يطلع الفجر لا يضع جنبه "

ـ عن هشام قال : " ما رأيت قط أصبر على طول القيام والسهر من ثابت البناني ، صحبناه مرة إلى مكة فكنا إن نزلنا ليلا فهو قائم يصلي وإلا فمتى شئت أن تراه أو تحس به مستيقظا ونحن نسير إما باكيا وإما تاليا "
ـ جعفر بن سليمان قال : حدثنا ثابت البناني قال : كان رجل من العباد يقول : " إذا أنا نمت ثم استيقظت ثم أردت أن أعود إلى النوم فلا أنام الله عيني إذاً . قال جعفر : كنا نراه يعني نفسه "
ـ عن محمد بن الفضيل بن غزوان عن أبيه قال : " كان لكرز عود عند المحراب يعتمد عليه إذا نعس "
ـ عن مالك بن إسماعيل قال : سمعت سفيان بن عيينة ( وأعانه على بعض الحديث أخوه محمد ) قال : " آلى صفوان ابن سليم أن لا يضع جنبه إلى الأرض حتى يلقى الله ـ عز وجل ـ فلما حضره الموت وهو منتصب قالت له ابنته : يا أبت أنت في هذه الحالة لو ألْقيْتَ نفسك ؟ قال : يا بنية إذاً ما وفيت له بالقول "
ـ عن عيسى بن عمرو قال : " كان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلا فيقف على القبور فيقول : يا أهل القبور ، طويت الصحف ، ورفعت الأعمال . ثم يبكي ، ثم يصف بين قدميه حتى يصبح فيرجع فيشهد صلاة الصبح "
ـ عن الحسن بن عمرو الفزاري قال : حدثني مولى عمرو بن عتبة قال : " استيقظنا يوما حارا في ساعة حارة ، فطلبنا عمرو بن عتبة فوجدناه في جبل وهو ساجد ، وغمامة تظله وكنا نخرج إلى العدو فلا نتحارس ، لكثرة صلاته ، ورأيته ليلة يصلي فسمعنا زئير الأسد فهربنا وهو قائم يصلي لم ينصرف . فقلنا له : أما خفت الأسد ؟ فقال : إني لأستحي من الله أن يخاف شيئا سواه "

ـ عن شرحبيل بن مسلم : " أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله فقال بعض أهله : هو في المسجد ، فأتيا المسجد فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه فأحصى أحدهما أنه ركع ثلثمائة والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف "
ـ عن عيسى ابن يونس عن ابن أبي خالد قال : " رأيت مرة بن شراحيل يصلي على لبد وهو يمسك بوتد في الحائط وكان في قيامه يثنى على الله ويركع ويسجد "
ـ عن ابن أبي الهذيل قال : " قلت لمرة الهمداني وكان قد كبر : كم بقي من صلاتك ؟ قال : شطر مائتان وخمسون ركعة في كل يوم "
ـ عن مالك بن مغول قال : " كان بالبصرة ثلاثة متعبدون صلة ابن أشيم وكلثوم بن الأسود ورجل آخر ، فكان صلة إذا كان الليل خرج إلى أجمة يعبد الله تعالى فيها ، ففطن له رجل فقام له في الأكمة لينظر إلى عبادته فأتى سبُع فبصر به صلةُ فأتاه فقال : قم أيها السبُع فابتغ الرزق ، فتمطى السبع وذهب ثم قام لعبادته ، فلما كان في السحر قال : اللهم إن صلة ليس بأهل أن يسألك الجنة ولكن سترا من النار "
ـ عن القاسم بن راشد الشيباني قال : " كان زمعةُ نازلاً عندنا ، وكان له أهلٌ وبنات ، وكان يقوم فيصلي ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته :
يا أيها الركب الْمُعرِّسونا أكل هذا الليل ترقدونا ؟
ألا تقومون فترحلونا ؟
قال : فيتواثبون فيسمع من ههنا باكٍ ، ومن ههنا داعٍ ، ومن ههنا قارىء ، ومن ههنا متوضىء ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته : عند الصباح يحمد القومُ السرى ـ رحمه الله ـ "
ـ عن المحاربي قال : قال لي سفيان : " عمرو بن قيس هو الذي أدبني ، علمني قراءة القرآن وعلمني الفرائض ، وكنت أطلبه في سوقه فإن لم أجده في سوقه وجدته في بيته ، إما يصلي وإما يقرأ في المصحف ، كأنه يبادر أمورا تفوته ، فإن لم أجده في بيته وجدته في بعض مساجد الكوفة في زاوية من زوايا المسجد كأنه سارق قاعدا يبكي ، فإن لم أجده وجدته في المقبرة قاعدا ينوح على نفسه "
ـ عن مسعر عن رجل قال : " أتى طاووسُ رجلاً في السحر فقالوا : هو نائم ، قال : ما كنت أرى أن أحدا ينام في السحر "

ـ عن محمد بن سعد قال : سمعت يزيد بن هارون يقول في وصف أبو المعتمر سليمان بن طرخان التيمي : " وكان من العباد المجتهدين يصلي الغداة بوضوء العشاء الآخر ، وكان هو وابنه المعتمر يدوران بالليل في المساجد فيصليان مرة في هذا المسجد ومرة في هذا حتى يصبحا "
ـ عن ابن شُبرمة قال : " صحبت كرزا في سفر وكان إذا مر ببقعة نظيفة نزل فصلى "
ـ عن أبي عبد الله الكِسائي قال : " بلغني أن رجلا رأى في المنام كأن ملكا يقول لآخر وهو على سور المدينة : اقلب . قال : كيف أقلب والنعمان بن عبد السلام قائم يصلي ؟ "
ـ عن مهدي بن ميمون قال : " كان واصل مولى أبي عيينة جارا لي ، وكان يسكن في غُرفة ، فكنت أسمع قراءتَه من الليل ، وكان لا ينام من الليل إلا يسيرا ، قال : فغاب غيبة إلى مكة ، وكنت أسمع القراءة من غرفته على نحو من صوته كأني لا أنكر من الصوت شيئا . قال : وباب الغرفة مغلق ، فلم يلبث أن قدم من سفره فذكرت له ذلك ، فقال : وما أنكرتَ من ذلك ؟ هؤلاء سكان الدار يصلون بصلاتنا ويسمعون لقراءتنا . قال : قلت : أفتراهم ؟ قال : لا . ولكني أحس بهم وأسمع تأمينهم عند الدعاء ، وربما غلب علي النوم فيوقظوني "
ـ قال ابن رجب : " كانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل : قد ذهب الليل و بين أيدينا طريق بعيد و زاد قليل ، و قوافل الصالحين قد سارت قدامنا و نحن قد بقينا .
يا نائم الليل كم ترقد قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ
و خذ من الليل و أوقاته ورداً إذا ما هجع الرُّقدُ
من نام حتى ينقضي ليلُه لم يبلغ المنزل أو يجهدُ
قل لذوي الألباب أهل التقى قنطرة العرض لكم موعدُ .
دعاء القائمين وابتهال الخاشعين :

ـ يُحكي عن بعض أصحاب أبي العباس الخواص قال : " كنت أحب الوقوف على شيء من أسرار سهل بن عبد الله فسألت بعض أصحابه عن قُوتِه فلم يخبرني أحد منهم عنه بشيء ، فقصدت مجلسه ليلة من ا لليالي فإذا هو قائم يصلي فأطلت القيام وهو قائم لا يركع فإذا أنا بشاة جاءت فرجمت باب المسجد وأنا أراها ، فلما سمع حركة الباب ركع وسجد وسلم وخرج وفتح الباب ، فدنت الشاة منه ووقفت بين يديه فمسح ضرعها ، وكان قد أخذ قدحا من طاق المسجد فحلبها وجلس فشرب ، ثم مسح بضرعها وكلمها بالفارسية فذهبت في الصحراء ورجع هو إلى محرابه "
ـ عن جامع بن أعين الفراء قال : " وجهني أخي إلى إبراهيم ابن أدهم وهو يرعى الخيل في الملون ، وملأ جرابا من السويق والتمر ، وأعطاني لحما مشويا فقال : أعطه إبراهيم ابن أدهم وأقره مني السلام ، قال : فجئته بعد العصر فإذا هو في الغابة ، فنظرت إلى فَرَسِنَا وقعدت حتى خرج إبراهيم عند اصفرار الشمس وعليه عباءة على كتفيه وجبة صوف وهو يسبح فقالوا : قد أقبل إبراهيم وقد رمضوا له كفا من شعير وعجوة وهيئوا له منها ثلاثة أقراص ، فقمت فسلمت عليه وأقرأته سلام أخي فقال لهم : أروه فرس أخيه يفرح ، فقلت : قد رأيته ، ووضعت الجراب بين يديه وقلت : هدية أخي لك ، فقال لأصحابه : متى جاء هذا ؟ قالوا : بعد العصر ، قال : فهلا أكلتموه ؟ ثم قال : ابسطوا العباءة ، ونفض الجراب عليها ثم جعل يقول : ادعوا فلانا ادعوا فلانا ثم قال لهم : كلوا ، وهو قائم يقول لهم : كلوا كلوا فقلت لأصحابه : إن أخي إنما بعث بهذا إلى إبراهيم ليأكل منه ولم تتركوا له شيئا ، فقالوا : إن إبراهيم ليس يأكل إلا ثلاثة أقراص من شعير بملح جريش ، ثم صلى بنا العتمة ثم ما زال راكعا وساجدا ومتفكرا حتى الصبح ، ثم صلى بنا الصبح على وضوء العتمة "
ـ عن أبي جعفر الداني قال : " كنت في دار إبراهيم ابن عيسى ، وكان إذا فرغ من صلاته وقت السحر يدعو لليهود والنصارى والمجوس ويقول : اللهم اهدهم ، فإذا فرغ من دعائه يرفع يديه يقول : اللهم إن كنت مُدخِلي النار فعَظِّم خِلقَتي حتى لا يكون لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها موضع . ومن كلامه : المؤمن حسنٌ بالله ظنه واثق بوعده ، اتخذ التقوى رقيبا والقرآن دليلا والخوف مَحجَّة والشوق مطية والوجل شعارا والصلاة كنزا والصبر وزيرا والحياء أميرا ، لا يزداد لله برا وصلاحا إلا ازداد الله عليه خوفا ، أحسن الظن بالله فأحسن العمل "

ـ عن أم سعيد بن علقمة ( وكان سعيد من نساك النخع وكانت أمه طائية ) قالت : " كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير فكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ . قالت : ولربما سمعته في جوف الليل يقول : اللهم همك عطل عليَّ الهموم وحال بيني وبين السهاد ، وشوقي إلى النظر إليك منع مني اللذات والشهوات ، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب . قالت : ولربما ترنم في السحر بشيء من القرآن فأرى أن جميع نعيم الدنيا جُمع في ترنمه تلك الساعة . قالت : وكان يكون في الدار وحده ، وكان لا يُصَبِّح ( تعني لا يُسرج ) "

ـ عن رجاء بن مسلم العبدي قال : " كنا نكون عند عَجردة العمية في الدار . قال : فكانت تحيي الليل صلاة . وربما قال : تقوم من أول الليل إلى السحر ، فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون : إليك قطع العابدون دجى الليالي بتبكير الدُّلج إلى ظُلَمِ الأسحار يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك ، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك ، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين ، وأن تُلحقني بعبادك الصالحين ، فأنت أكرم الكرماء ، وأرحم الرحماء ، وأعظم العظماء ، يا كريم . ثم تخر ساجدة فلا تزال تبكي وتدعو في سجودها حتى يطلع الفجر فكان ذلك دأبها ثلاثين سنة .
وعن عبد الرحمن بن عمرو الباهلي قال : حدثتني دلال بنت أبي المدل قالت : حدثتني أمي آمنة بنت يعلى بن سهيل قالت : " كانت عجردة العمية تغشانا فتظل عندنا اليوم واليومين . قالت : فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها وتقنعت ثم قامت إلى المحراب فلا تزال تصلي إلى السحر ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر .
قالت : فقلت لها ، أو قال لها بعض أهل الدار : لو نمت من الليل شيئا . فبكت وقالت : ذكر الموت لا يدعني أنام .
وعن جعفر بن سليمان قال : حدثني بعض نسائي ، أمي أو غيرها من أهلي قالت : " رأيت عجردة العمية في يوم عيد عليها جبة صوف ، وقناع صوف ، وكساء صوف . قالت : فنظرت فإذا هي جلد وعظم . قالت : وسمعتهم يذكرون عنها أنها لم تفطر ستين عاما "
ـ عن هلال بن دارم بن قيس الدارمي قال : " كان خليفة العبدي جارا لنا فكان يقوم إذا هدأت العيون فيقول : اللهم إليك قمت أبتغي ما عندك من الخيرات ، ثم يعمد إلى محرابه فلا يزال يصلي حتى يطلع الفجر . قال : وحدثتني عجوز كانت تكون معه في الدار قالت كنت أسمعه يدعو في السجود يقول : اللهم هب لي إنابةَ إخبات منيب ، وزيني في خلقك بطاعتك ، وحسني لديك بحسن خدمتك ، وأكرمني إذا وفد إليك المتقون فأنت خير مقصود وخير معبود خير محمود وخير مشكور "

وفي رواية أخرى عن هلال بن دارم أيضا قال: " وحدثتني عجوز تكون معه ( يعني خليفة ) في الدار قالت : فكنت أسمعه إذا دعا في السحر يقول : قام البطَّالون وقمت معهم ، قمنا إليك ونحن متعرضون لجودك فكم من ذي جرم عظيم قد صفحت له عن جرمه ، وكم من ذي كرب عظيم قد فرجت له عن كربه ، وكم من ذي ضر كثير قد كشفت له عن ضره ، فبعزتك ما دعانا إلى مسألتك بعدما انطوينا عليه من معصيتك إلا الذي عرفنا من جودك وكرمك ، فأنت المؤمل لكل خير والمرجو عند كل نائبة 0"
ـ قال منصور بن عمار : " حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول : إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل ، ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي وغرني سترك المرخى علي ، وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي فالآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك ، واشباباه واشباباه . قال : فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله تعالى ( نارا وقودها الناس والحجارة ....الآية ) فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حِسَّا فمضيت ، فلما كان من الغد رجعت في مدْرَجَتي فإذا أنا بجنازة قد أُخرجت ، وإذا أنا بعجوز قد ذهب متنها ( يعني قوتها ) فسألتها عن أمر الميت ؟ ولم تكن عرفتني فقالت : هذا رجل لا جزاه إلا جزاءه ( تعنيه هو ) ، مر بابني البارحة وهو قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله تعالى فتفطرت مرارته فوقع ميتا ـ رحمه الله تعالى ـ "
وفي رواية أخرى : " قال منصور : ثم سمعت للصوت اضطرابا شديدا وسكن الصوت فقلت : إن هناك بلية ، فعلَّمتُ على الباب علامةً ومضيت لحاجتي ، فلما رجعت من الغداة إذ أنا بجنازة منصوبة وعجوزٌ تدخل وتخرج باكية فقلت لها : يا أمة الله من هذا الميت منك ؟ قالت : إليك عني لا تجدد علي أحزاني . قلت : إني رجل غريب أخبريني . قالت : والله لولا أنك غريب ما خبَّرتك ، هذا ولدي من موالي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان إذا جن عليه الليل قام في محرابه يبكي على ذنوبه ، وكان يعمل هذا الخوص فيقسم كسبه ثلاثا : فثلث يطعمني وثلث للمساكين وثلث يفطر عليه ، فمر علينا البارحة رجل لا جزاه الله خيرا فقرأ عند ولدي آيات فيها النار ، فلم يزل يضطرب ويبكي حتى مات ـ رحمه الله ـ قال منصور : فهذه صفة الخائفين إذا خافوا السطوة "
إعانة أولياء الرحمن على ختم آي القرآن :
ـ عن أحمد بن عبد الله بن يونس قال : " كان معروف بن واصل التيمي إمام مسجد بني عمرو بن سعد ، وكان يختم القرآن في كل ثلاث سفرا وحضرا . أم قومه ستين سنة لم يسه في صلاة قط لأنها كانت تهمه "
وزاد ابن الجوزي : " وليس في وقت صلاة إلا وهو يصلي ، وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب ، ويصوم الدهر "

ـ وعن ابن سعد بن إبراهيم قال : " كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يقرأ القرآن "

ـ عن أبي الملهب ، عن أبي بن كعب : " أنه كان يختم القرآن في كل ثماني ليال ، وكان تميم الداري يختمه في سبع "
ـ عن مسبح بن سعيد قال : " كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان في أول ليلة من رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم فيقرأ في كل ركعة عشرين آية ، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن ، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال ، ويقول عند كل ختمة : دعوة مستجابة "
ـ قال الحاكم حدثنا محمد بن خالد المطوعي حدثنا مسبح بن سعيد قال : " كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة ويقوم بعد التروايح كل ثلاث ليال بختمة "
ـ عن علي بن المديني قال : " كان عبد الرحمن بن مهدي يختم في كل ليلتين ، وكان ورده في كل ليلة نصف القرآن "
ـ عن مهدي بن ميمون قال : " مكثت حفصة بنت سيرين في مصلاها ثلاثين سنة لا تخرج إلا لحاجة أو لقائلة "

ـ عن عبد الكريم بن معاوية قال : " ذكر لي عن حفصة أنها كانت تقرأ نصف القرآن في كل ليلة وكانت تصوم الدهر وتفطر العيدين وأيام التشريق "

ـ عن مسلم بن يناق المكي قال : " ركع ابن الزبير يوما ركعة ، فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ، وما رفع رأسه "
ـ عن محمد بن صالح العجلي عن أبيه قال : " كان يختم القرآن في بيته كل ليلة : أمهم الثلث وعلي الثلث وحسن الثلث ، فماتت أمهما فكانا يختمانه ، ثم مات علي فكان حسن يختمه كل ليلة "

ـ قال الدار قطني : " كان سُليم بن عِتر يقص وهو قائم . قال : وروي عنه أنه كان يختم كل ليلة ثلاث ختمات ، ويأتي امرأته ويغتسل ثلاث مرات ، وأنها قالت بعد موته : رحمك الله لقد كنت ترضي ربك وترضي أهلك "

ـ عن صالح بن عمر خالي قال : " كان الحسن يقعد مع أصحابه فلا يقوم حتى يختم منصور بن زاذان القرآن .
ـ عن هشام بن حسان قال : صليت إلى جنب منصور بن زاذان فيما بين المغرب والعشاء الآخرة فقرأ القرآن وبلغ بالثانية إلى النحل .

ـ عن مخلد بن حسين قال : كان منصور بن زاذان يختم القرآن في كل يوم وليلة "

ـ عن محمد بن خالد الضبي قال : " لم يكن يُدرى كيف يقرأ خيثمة القرآن حتى مرض فجاءته امرأته فجلست بين يديه فبكت فقال لها : ما يبكيك ؟ الموت لا بد منه ، فقالت له المرأة : الرجال بعدك علي حرام ، فقال لها خيثمة : ما كل هذا أردت منك ، إنما كنت أخاف رجلا واحدا وهو أخي محمد بن عبد الرحمن ، وهو رجل فاسق يتناول الشراب فكرهت أن يشرب في بيتي الشراب بعد إذ القرآن يتلى فيه في كل ثلاث "
ـ عن شعبة قال : " كان ثابت البُناني يقرأ القرآن في يوم وليلة ويصوم الدهر "

ـ جعفر قال : سمعت ثابتا يقول : ما تركت في المسجد الجامع سارية إلا وقد ختمت القرآن عندها وبكيت عندها "
ـ عن محمد بن خالد : " أن خيثمة بن عبد الرحمن كان يختم القرآن في ثلاث "
ـ عن هشام قال : " كان ابن سيرين يحي الليل في رمضان "
ـ عن محمد بن ذكوان قال سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه عبد الله : " أنه كان يقرأ القرآن من الجمعة إلى الجمعة ويقرأه في رمضان في ثلاث "

ـ عن الهيثم بن خارجة قال : " رأيت أبا بكر بن عياش في النوم قدامه طبق رطب سكر ، فقلت له : يا أبا بكر ألا تدعونا إليه ، وقد كنت شهيا على الطعام فقال لي : يا هيثم هذا طعام أهل الجنة لا يأكله أهل الدنيا ، قال قلت : وبم نلت ؟ قال : تسألني عن هذا وقد مضى علي ست وثمانون سنة أختم في كل ليلة فيها القرآن "
ـ عن ابن سعد بن إبراهيم قال : " كان أبي سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين ، وخمس وعشرين ، وسبع وعشرين ، وتسع عشرين لم يفطر حتى يختم القرآن ، وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة ، وكان كثيرا إذا أفطر يرسلني إلى مساكين فيأكلون معه ـ رحمه الله ـ "
ـ عن أبي عثمان النهدي قال : " دعا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بثلاث قراء فاستقرأهم ، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ للناس ثلاثين آية ، وأمر أوسطهم أن يقرأ خمسا وعشرين ، وأمر أبطأهم أن يقرا للناس عشرين آية ، وكذلك رواه الثوري عن عاصم "
ـ عن السائب بن يزيد أنه قال : " أمر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ، وكان القارىء يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام ، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر "
ـ عن داود بن الحصين عن عبد الرحمن بن هرمز قال : سمعته يقول : " ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرةَ في شهر رمضان . قال : فكان القراء يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قام بها القراء في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف عنهم "
ـ عن الحسن قال : " كان الناس يقومون في رمضان فيصلون العشاء حين يذهب ربع الليل وينصرفون وعليهم ربع آخر "
ـ عن إبراهيم قال : " كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين وكان ينام بين المغرب والعشاء وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال "
ـ عن إبراهيم النخعي : " أنه كان يختم القرآن في شهر رمضان في كل ثلاث فإذا دخلت العشر ختم في ليلتين واغتسل كل ليلة "
ـ قال الذهبي : الزاهد العابد المتأله أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمي البغدادي : " كان له في كل يوم ختمة وفي رمضان تسعون ختمة وبقي في ختمة مفردة بضع عشرة سنة يتفهم ويتدبر "
وفي رواية في صفة الصفوة : " كان له في كل يوم ختمة ، وفي شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات ، وبقي في ختمة يستنبط مودع القرآن بضع عشرة سنة فمات قبل أن يختمها "
ـ قال الخطيب : " لم أر أحسن قراءة منه ( يعني عبد الله بن محمد التيمي ابن العباس ) أدرك رمضان ببغداد فصلى التراويح بالناس ثم يحيي بقية الليل صلاة فسمعته يقول لم أضع جنبي للنوم في هذا الشهر ليلا ولا نهارا "
ـ أبو الأشهب قال : " كان أبو رجاء يختم بنا في رمضان كل عشرة أيام "
ـ قال الذهبي في ترجمة ابن العفيف أبي الجود حاتم بن المسلم بن أبي العرب الشيخ الإمام المقرىء المحدث أبو الحسن الحارثي المصري الحوفي : " قال المنذري : كان على طريقةٍ حسنةٍ ، كثير التلاوة ليلا ونهارا ، وأبوه أحد المنقطعين المشهورين بالصلاح .
وقال التقي عبيد : كان فقيرا صبورا له قبول ، يختم في الشهر ثلاثين ختمة ، وله في رمضان ستون ختمة ـ رحمه الله ـ "
ـ وعن المأمون الخليفة العباسي : " أنه تلا في رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة "

ـ عن محمد بن فضيل بن غزوان عن أبيه قال : " دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا عند مصلاه حُفيرة قد ملأها تبنا وبسط عليها كساءً من طول القيام ، فكان يقرأ في اليوم والليلة القرآن ثلاث مرات "
الظاهر أنه تعمد حفر هذا المكان ثم ملأه تبنا لِيَلِينَ ، فإذا قام بعد ذلك خففت عنه آلام القيام ، فانظر كيف كانوا يعدون العدة ـ رحمهم الله ـ .

ـ عن عبد الملك بن حبيب قال : " رحلت من القيروان وما أظن أن أحدا أخشع من البُهلول ابن راشد حتى لقيت وكيعاً ، وكان يقرأ في رمضان في الليل ختمة وثلثا ويصلي ثنتي عشرة من الضحى ويصلي من الظهر إلى العصر "
ـ عن سلام بن أبي مطيع عن قتادة : " أنه كان يختم القرآن في كل سبع "
زاد ابن الجوزي : " فإذا جاء العشر ( يعني الأواخر من رمضان ) ختم في كل ليلة مرة "
ـ عن عبد الكريم يقول كان طلق بن حبيب لا يركع إذا افتتح القراءة حتى يبلغ العنكبوت وكان يقول إني أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صلبي "
ـ قال البغوي : " ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل منه ( يعني زهير بن محمد بن قُمير ) سمعته يقول : أشتهي لحماً من أربعين سنة ولا آكله حتى أدخل الروم فآكل من مغانم الروم .
وحدثني ولده محمد بن زهير قال : كان أبي يجمعنا في وقت ختمه للقرآن في شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث مرات يختم تسعين ختمة في رمضان "
ـ عن محمد بن مِسْعَر قال : " كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن فإذا فرغ من ورده لف رداءه ثم هجع عليه هجعة خفيفة ثم يثب كالرجل الذي ضل منه شيء فهو يطلبه ، وإنما هو السواك والطهور ، ثم يستقبل المحراب فكذلك إلى الفجر ، وكان يجهد على إخفاء ذلك جدا "

ـ حكى أبو طالب بن عبد السميع عن أبيه : " أن المستظهر بالله طلب من يُصلي به ويلقن أولاده وأن يكون ضريرا ، فوقع اختياره على القاضي أبي الحسن المبارك بن محمد بن الدَّواس مقرئ واسط قبل القلانسي ، فكان مكرما له حتى إنه من كثرة إعجابه به كان أول رمضان قد شرع في التراويح فقرأ في الركعتين الأوليين آية آية ، فلما سلم قال له المستظهر : زدنا من التلاوة فتلا آيتين آيتين فقال له : زدنا ، فلم يزل حتى كان يقوم كل ليلة بجزء ، وإنه ليلة عطِش فناوله الخليفةُ الكوزَ فقال خادم : ادع لأمير المؤمنين فإنه شرفك بمناولته إياك ، فقال : جزى العمى عني خيرا ثم نهض إلى الصلاة ولم يزد على ذلك "
ـ قالت أم منصور بن المعتمر لما مات منصور ـ رحمه الله ـ : "بُنَيَّ صام رمضان وقامه فما أكل ولا نام حتى صامه وقامه .
ورواه غيره عن محمد بن عبد الوهاب وقال في الحديث : كان يصوم رمضان ويقومه فما يضع جنبه حتى ينسلخ "

ـ عن أبي عمار قال : سمعت عطاء بن جبلة يقول : " سألوا أم منصور بن المعتمر عن عمله ؟ فقالت : كان ثلث الليل يقرأ ، وثلثه يبكي وثلثه يدعو "
ـ عن عبد الله بن مغيث بن سعدان اليشكري قال : حدثتني ابنة بنت عمران عن أبيها ( وكان قد عاهد الله أن لا ينام بليل أبدا إلا مُستغلَبا ) قالت : قال أبي : جئت إلى طاعة الله طول الحياة ولولا الركوع والسجود وقراءة القرآن ما باليت أن أعيش في الدنيا فُواقا . قال : فلم يزل مجهودا على ذلك حتى مات ـ رحمه الله ـ قالت : فرأيته في منامي فقلت : يا أبت إنه لا عهد بك منذ فارقتنا . قال : يا بنية فكيف تعهدين من فارق الحياة وصار إلى ضيق القبور وظلمتها ؟ قالت : فقلت : يا أبت كيف حالك منذ فارقتنا ؟ قال : خير حال يا بنية بُوِّئنا المنازل ومُهدت لنا المضاجع ، نحن ههنا نُغدى ونُراح برزقنا من الجنة . قالت : فقلت : فما الذي بلَّغكم هذا ؟ قال : الضمير الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله "
ـ قال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت الدارقطني سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد النسوي المعدل بمصر يقول : سمعت أبا بكر بن الحداد يقول : " أخذت نفسي بما رواه الربيع عن الشافعي أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة ، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة "
ـ عن هشام بن حسان قال : " كنت أُصلي أنا ومنصور بن زاذان جميعا وأشار مخلد بأُصبُعيه السبابة والتي تليها ، فكان إذا جاء شهر رمضان ختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء ختمتين ، ثم يقرأ إلى الطواسين قبل أن تقام الصلاة ، قال : وكانوا إذ ذاك يؤخرون العشاء في شهر رمضان إلى أن يذهب ربع الليل ، فكان منصور يجيء والحسن جالس مع أصحابه فيقوم إلى عمودٍ يُصلي فيختم القرآن ، ثم يأتي الحسن فيجلس قبل أن يفترق أصحابه ، وكان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء في غير شهر رمضان ، وكان يأتي وقد سدل عمامته على عاتقه فيقوم فيصلي ويبكي ويمسح بعمامته عينيه فلا يزال حتى يبلها كلها بدموعه ثم يلفها ويضعها بين يديه . قال مخلد : ولو أن غير هشام يخبرني بهذا ما صدقته . قال مخلد : وكان هو وهشام يصليان جميعا "
لعله يقصد بختم القرآن هنا : أنه كان إذا أراد أن يختم تربص بختمته هذه الأوقات ، لا أنه كان يقرأ القرآن كاملا في هذا الوقت اليسير ، والله أعلم .
ـ قال ابن رجب : " و كان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال و بعضهم في كل سبع منهم قتادة ، و بعضهم في كل عشرة منهم أبو رجاء العطاردي .
وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة و غيرها ،
كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان ،
و كان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة ، و في بقية الشهر في ثلاث ،
و كان قتادة يختم في كل سبع دائماً و في رمضان في كل ثلاث ، و في العشر الأواخر كل ليلة ،
و كان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة ،
و عن أبي حنيفة نحوه ،
و كان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان ،
و كان الزهري إذا دخل رمضان قال : فإنما هو تلاوة القرآن و إطعام الطعام .
قال ابن عبد الحكم : كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث و مجالسة أهل العلم ، و أقبل على تلاوة القرآن من المصحف .
قال عبد الرزاق : كان سفيان الثوري : إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة و أقبل على قراءة القرآن .
و كانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت .
و قال سفيان : كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف و جمع إليه أصحابه .
و إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان و المكان و هو قول أحمد و إسحاق و غيرهما من الأئمة ، و عليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره "
هكذا يتدبرون ويخشعون :
ـ عن حوْشب عن الحسن قال : " تفقدوا الحلاوة في ثلاث في الصلاة وفي القرآن وفي الذكر فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا ، فإن لم تجدوها فاعلم أن بابك مغلق "

ـ عن معمر مؤذن التيمي قال : " صلى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة وسمعته يقرأ تبارك الذي بيده الملك قال : فلما أتى على هذه الآية ( فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ) جعل يرددها حتى خف أهل المسجد فانصرفوا قال فخرجت وتركته قال وغدوت لأذان الفجر فنظرت فإذا هو في مقامه قال فسمعت فإذا هو فيها لم يجزها وهو يقول فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا "
ـ عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال : " سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه ما الذي أبكاه ؟ فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء ، فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي ، قال : يا أخي ما الذي أبكاك قد رُعتَ أهلك ؟ أفمن علة أم ما بك ؟ قال : فقال : إنه مرت بي آية في كتاب الله ـ عز وجل ـ ، قال : وما هي ؟ قال : قول الله تعالى ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) ، قال : فبكى أبو حازم أيضا معه واشتد بكاؤهما ، قال : فقال بعض أهله لأبي حازم : جئنا بك لتفرج عنه فزدته ، قال : فأخبرهم ما الذي أبكاهما "

ـ عن أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : " ما رأيت أحداً الخوف أظهر على وجهه والخشوع من الحسن بن صالح بن حيي قام ليلة بـ (عم يتسآءلون ) فغشي عليه فلم يختمها حتى طلع الفجر "

ـ قال أبو يوسف الفولي : " سمعت إبراهيم ابن أدهم يقول : لقيت عابدا من العباد قيل إنه لا ينام الليل فقلت له :لم لا تنام ؟ فقال لي : منعتني عجائب القرآن أن أنام "
ـ عن عون بن موسى قال : " سقط حائط المسجد ومسلم بن يسار قائم يصلي فما علم به "
ـ عن عبد الله بن أبي سليم قال : " كان علي بن الحسين إذا مشى لا تجاوز يده فخذه ، ولا يخطر بيده ، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة ، فقيل له : مالك ؟ فقال : ما تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي ؟ "
ـ عن أبي نوح الأنصاري قال : " وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد ، فجعلوا يقولون له : يا ابن رسول الله النار ، يا ابن رسول الله النار ، فما رفع رأسه حتى أطفئت . فقيل له : ما الذي ألهاك عنها ؟ قال : ألهتني عنها النار الأخرى "
ـ وكان ثابت البُناني يقول : " ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل "
ـ عن حبيب بن الشهيد : " أن مسلم بن يسار كان قائما يصلي فوقع حريق إلى جنبه فما شعر به حتى طفئت النار
ـ وعن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه : أنه كان يصلي ذات يوم فدخل رجل من أهل الشام ففزعوا واجتمع له أهل الدار ، فلما انصرفوا قالت له أم عبد الله : دخل هذا الشامي ففزع أهل الدار فلم تنصرف إليهم أو كما قالت ، قال : ما شعرت .
ـ قال معتمر : وبلغني أن مسلما كان يقول لأهله : إذا كانت لكم حاجة فتكلموا وأنا أصلي .
وعن عبد الله ابن مسلم بن يسار عن أبيه قال : ما رأيته يصلي قط إلا ظننت أنه مريض .
وعن ابن شوذب قال : كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته في بيته : تحدثوا فلست أسمع حديثكم .
ـ وعن عون بن موسى قال : سقط حائط المسجد ومسلم بن يسار قائم يصلي فما علم به .
ـ وعن ميمون بن حيان قال : ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتا في صلاته قط خفيفة ولا طويلة ، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدمه وإنه لفي المسجد في الصلاة فما التفت .
ـ وعن عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال : كان مسلم بن يسار إذا دخل المنزل سكت أهل البيت فلا يسمع لهم كلام وإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا .
ـ وعن غيلان بن جرير قال : كان مسلم بن يسار إذا رُؤي وهو يصلي كأنه ثوب ملقى .
ـ وعن ابن عون قال : كان مسلم بن يسار إذا كان في غير صلاة كأنه في صلاة .
ـ وعن عبد الله بن المبارك قال سفيان عن رجل عن مسلم ابن يسار : أنه سجد سجدة فوقعت ثنيتاه فدخل عليه أبو إياس فأخذ يعزيه ويهون عليه ، فذَكر مسلمٌ من تعظيم الله ـ عز وجل ـ .
ـ وعن ابن عون قال : رأيت مسلم بن يسار يصلي كأنه وتد لا يميل على قدم مرة ولا على قدم مرة ولا يتحرك له ثوب "
عاشوا سجودا فماتوا سجودا : ( من عاش على شيء مات عليه )
ـ عن محمد بن حميد قال : " كان عبد الله بن الزبير يحيي الدهر أجمع ، ليلة قائما حتى يصبح ، وليلة يحييها راكعا حتى الصباح ، وليلة يحييها ساجدا حتى الصباح "
ـ عن ابن حرملة قال : " حفظت صلاة ابن المسيب وعمله بالنهار فسألت مولاه عن عمله بالليل فأخبرني فقال : كان لا يدع أن يقرأ بصاد والقرآن كل ليلة فسألته عن ذلك ؟ فأخبر أن رجلا من الأنصار صلى إلى شجرة فقرأ بصاد فلما مر بالسجدة سجد وسجدة الشجرة معه فسمعها تقول : اللهم أعطني بهذه السجدة أجرا وضع عني بها وزرا وارزقني بها شكرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود "
ـ قال الزبير بن بكار : وحدثني يحيى بن مسكين قال : " ما رأيت أحدا قط أكثر ركوعا وسجودا من مصعب بن ثابت ، كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة ويصوم الدهر "
ـ عن محمد بن ذكوان قال سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه عبد الله : " أنه كان يقرأ القرآن من الجمعة إلى الجمعة ويقرأه في رمضان في ثلاث "
ـ عن أبي إسحاق قال : " حج مسروق فما بات إلا ساجدا "
ـ عن علي بن فضيل قال : " رأيت سفيان الثوري ساجداً حول البيت ، فطفت سبعة أسابيع قبل أن يرفع رأسه "

ـ عن ابن وهب قال : " رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي بصلاة العشاء "

ـ عن عمرو بن أبي عاصم قال : " سمعت الخليل البصري يقول سمعت يزيد بن يزيد يقول في سجوده خبثنا أنفسنا بالذنوب فطيبنا بالمغفرة "

ـ عن العلاء بن عبد الكريم الإيامي قال : " كنا نأتي مُرة الهمداني فيخرج إلينا فنرى أثر السجود في جبهته وكفيه وركبتيه وقدميه قال : فيجلس معنا هنيهة ثم يقوم فإنما هو ركوع وسجود "

ـ عن أصبغ بن زيد قال : " كان أويس القرني إذا أمسى يقول : هذه ليلة الركوع فيركع حتى يصبح ، وكان يقول إذا أمسى : هذه ليلة السجود فيسجد حتى يصبح ، وكان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب ثم يقول : اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذني به ومن مات عريانا فلا تؤاخذني به "
ـ عن عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار قال : حدثني أبي قال : " رأيت مسلماً وهو ساجدٌ وهو يقول في سجوده : متى ألقاك وأنت عني راض ؟ ويذهب في الدعاء ثم يقول : متى ألقاك وأنت عني راض ؟ "
ـ عن يوسف بن الحسين قال : " سمعت ذا النون يقول : مررت برجل بجبل اللكام وهو ساجد يقول في سجوده : إلهي ، بك عرفتك فما حاجتي إلى غيرك "

ـ عن الربيع بن صبيح قال : قال مكحول : " رأيت سيدا من ساداتكم يا أهل البصرة دخل الكعبة فصلى ركعتين بين العمودين المقدَّمَين وهو ساجد فبكى حتى بل المرمر فسمعته يقول : اغفر لي ذنوبي وما قدمته يداي قال : فإذا هو مسلم بن يسار "
ـ عن قيس بن الربيع عن عاصم قال : " سمعت شقيق بن سلمة يقول وهو ساجد : رب اغفر لي رب اعف عني ، إن تعف عني فطَوْلاً من فضلك ، وإن تعذبني تعبني غير ظالم لي ولا مسبوق ، قال : ثم يبكي حتى أسمع نحيبه من وراء المسجد "

ـ عن أبي بكر بن عياش قال : " رأيت حبيبَ بن أبي ثابت ساجدا فلو رأيته قلتَ : ميت ( يعني من طول السجود ) "
ـ عن إبراهيم عن همام قال : ": انتهيت إلى معضد ( هو أبو زيد العجلي ) وهو ساجد فأتيته وهو يقول : اللهم اشفني من النوم باليسير ثم مضى في صلاته "
ـ وقال أبو محمد الحريري : " كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته وكان يوم جمعة وهو يقرأ القرآن فقلت : يا أبا القاسم أرفق بنفسك ، فقال : يا أبا محمد ما رأيت أحدا أحوج إليه مني في هذا الوقت ، وها هي ذا تطوى صحيفتي .
وعنه قال : حضرت عند الجنيد قبل وفاته بساعتين ، فلم يزل باكيا وساجدا فقلت له : يا أبا القاسم قد بلغ بك ما أرى من الجهد ، فقال : يا أبا محمد أحوج ما كنت إليه هذه الساعة ، فلم يزل باكيا وساجدا حتى فارق الدنيا .
وعن فارس بن محمد قال : كان أبو القاسم الجنيد كثير الصلاة ثم رأيناه في وقت موته وهو يدرس ويُقدِّم إليه الوسادة فيسجد عليها . فقيل له : ألا روحت عن نفسك ؟ فقال : طريق وصلت به إلى الله لا أقطعه "
ـ عن الأعمش قال : " كان شاب من شباب أهل الكوفة من التابعين ذَبُل من غير سَقم ، وانحنى من غير كِبر ، وقرَحَتْ الجبهة من السجود وصار للدموع في خده أُخدود . قال : فدخلَتْ عليه والدتُه ليلة من الليالي فقالت له : يا بني إن القليل من العمل الدائم لا يُمل خير من الكثير يُمل ، وإني أتخوف أن يكون الله قد رآك على وجه من وجوه عبادته ثم يراك بعد هذه قد مللت وفترت فيمقتك ، يا بني مالي أرى الناس يفرحون وأراك حزينا لا تفرح ، وأراهم يهدءون وينامون وأراك صائما لا تأكل ولا تشرب ؟ قال لها : يا والدتي أُدن مني جزيت عني الحسنى ، إني تفكرت في الموت فرأيت الموت لا يترك الكبير ولا يرحم الصغير ، يا أماه جُزيت عني الحسنى إن لابنك غدا في القبر نوما طويلا ، وإن لابنك غدا في البرزخ لحبسا طويلا وإن لابنك غدا في البِلى ذلا كثيرا ، يا أمتاه إني أُمرت بالسباق وغاية السباق الجنة ، إن بلغتُ الغايةَ فلحتُ وإن قصرت عن الغاية هلكت ، يا أمتاه إني في طلب منزل عسى أن ينفعني وينفعك يوما . قال : فانصرفتْ فرقدتْ فلما أصبحت أتت عبد الله بن مسعود صاحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت : يا صاحب رسول الله إن لي ابنا قد ذبل من غير سقم وانحنى من غير كبر وقرحت جبهته من السجود وصارت دموعه في خده أخدوود ! يا صاحب رسول الله إن الناس ينامون وابني لا يهدأ ولا ينام ، والناس يأكلون وابني صائم لا يأكل ولا يشرب ، ويفرح الناس ويضحكون وابني حزين لا يفرح ولا يضحك ، وأنت رجل من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جربت من الأمور مالم نجرب ورأيت منها مالم نر فهل لك أن تمشي معي لعلك ترى أثر ذلك عليه . قال : فمشى معها فلما دخل إلى ابنها نظر إلى نور العبادة يتقد بين عينيه فقال له عبد الله بن مسعود : بأبي أنت وأمي يا خاطب الحور العين ، بأبي أنت وأمي يا طالب دار السلام ، بأبي أنت وأمي يا من قد اشتاق إلى أبي القاسم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه . قال : فحدثني . قال : شعرت أنه من دخل النار جريح لا يُداوى جرحه أبدا ، وشعرت أنه من دخل النار كسيرا لا يجبر كسره أبدا ، إن أهل النار منها يأكلون ومنها يشربون وفي أدراكها يتقلبون وبمقامع الحديد إلى قعرها يضربون ويردون . قال : فصعق الفتى صعقة خر مغشيا عليه . قال : فأتت أمه فوضعت يدها على رأسه ثم قالت : يا صاحب رسول الله إنما جئت بك إلى ابني لتعظه ولم أجئ بك لتقتله . قال : فصب على وجهه من الماء فأفاق . قال عبد الله بن مسعود : يا هذا إن لنفسك عليك حقا ولبدنك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه . قال : يا صاحب رسول الله ما رأيتَ الخيل وهي في الميدان ؟ قال : بلى قد رأيتها . قال : فأيها رأيت المبادر ؟ قال : الْمُضمر الْمُخف . قال : فأنا أحب أن أضمر نفسي لعل الله يبلغ بي غاية المتقين . فقال له : وفقك الله وأرشدك "
ـ قال أبو نعيم : " مات مجاهد وهو ساجد "

ـ قال نوح بن حبيب : " كان أبو بشر ساجدا خلف المقام حين مات ـ رحمه الله ـ "

ـ قال ابن سعد : " ولد عبد العزيز بن أبي حازم سنة سبع ومئة ، وتوفي وهو ساجد في سنة أربع وثمانين ومئة ـ رحمه الله ـ "

ـ قال الذهبي : " محمد بن شجاع الفقيه أحد الأعلام أبو عبد الله البغدادي الحنفي ويعرف بابن الثلجي وكان صاحب تعبد وتهجد وتلاوة مات ساجدا "

ـ قال الذهبي : " الإمام شيخ الإسلام أبو الفضل جعفر بن الحسن الفقيه الحنبلي المقرئ صاحب القاضي أبي يعلى ، أثنى عليه ابن النجار وبالغ في تعظيمه وذكر أنه كان يختم كل يوم في ركعة واحدة ، مات في الصلاة ساجدا "
ـ عن يحيى بن سعيد يقول : " مات موسى الصغير خلف المقام وهو ساجد . قلت : شهدته . قال : كنت بمكة فقالوا : مات وهو ساجد . قلت : شهدته قال كنت بمكة فقالوا مات وهو ساجد "

ـ قال الذهبي : " ابن الحاج شيخ الأندلس ومفتيها وقاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم بن لب التجيبي القرطبي المالكي ابن الحاج ، كان كثير الخشوع والذكر قتل ظلما يوم الجمعة وهو ساجد "
ـ عن الوليد بن مسلم أن أبا ثعلبة كان يقول : " إني لأرجو أن لا يخنقني الله ـ عز وجل ـ كما يخنقكم ، قال : فبينما هو في صَرحةِ داره إذ نادى : يا عبد الرحمن ، وقد قتل عبد الرحمن مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما أحس بالموت أتى مسجد بيته فخر ساجدا فمات وهو ساجد "
ـ قال الذهبي : " الشيخ الإمام العلامة مفتي الشام جمال الإسلام أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد بن علي بن الفتح السلمي الدمشقي الشافعي الفرضي ، كان عالما بالتفسير والأصول والفقه والتذكير والفرائض والحساب وتعبير المنامات توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة ساجدا في صلاة الفجر "

أفضل القيام
ـ عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ـ عليه السلام ـ ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، ويصوم يوما ويفطر يوما "

الضاحك المقر بذنبه خير من الباكي الْمُدِلُّ بصلاته وعمله

ـ عن ابن أبي غنية عن سفيان الثوري قال : " مر عابد براهب فقال العابد : يا راهب ما بلغ ( أحسبه قال ) من عبادتك ؟ قال الراهب : ينبغي لمن يعلم أن الجنة حق والنار حق أن لا تأتي عليه ساعة إلا وهو قائم يصلي . قال العابد : إني لأبكي حتى ينبت العشب من دموع عيني . قال الراهب : إن الذي يضحك ويقر خير من الذي يبكي ويدل ؛ لأن المدل لا تجاوز صلاته رأسه "
ـ عن أبي داود الْجِفْري قال : " دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا هو يبكي ، فقلت له : ما يبكيك ؟ قال : إن بابي ، مغلق وإن ستري لمسبل ، ومُنعت حزبي أن أقرأه البارحة وما هو إلا من ذنب أحدثته "
ـ عن جعفر قال : " كان مالك بن دينار من أحفظ الناس للقرآن ، وكان يقرأ علينا كل يوم جزءا من القرآن حتى يختم ، فإن أسقط حرفا قال : بذنب مني وما الله بظلام للعبيد "

فضل ليلة القدر

ـ قال البخاري : " باب فضل ليلة القدر وقول الله تعالى { إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر } قال بن عيينة ما كان في القرآن { ما أدراك } فقد أَعلمه وما قال { وما يدريك } فإنه لم يَُعلمه "

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه "
ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله ـ عز وجل ـ عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتُغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حُرم "
ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : " دخل رمضان فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حُرمها فقد حُرم الخيرَ كلَّه ، ولا يُحرم خيرها إلا محروم "
ـ عن أبي إسحاق عن الشعبي : " في قوله ( من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر ) . قال : تُسلم الملائكةُ ليلةَ القدر على أهل المساجد حتى يطلع الفجرُ "

ـ عن مالك بن أنس أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : " إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك ، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرُهم في طول العمر ، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر "

ـ عن مجاهد في قوله ( سلام هي ) قال : " هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوء ولا يُحدِث فيها أذى "

النيات خير من الأعمال
قال ابن رجب : " قال جويبر : قلت للضحاك : أرأيت النُّفساء و الحائض و المسافر و النائم لهم في ليلة القدر نصيب ؟ قال : نعم ، كل من تقبل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر .
إخواني المعول على القبول لا على الاجتهاد ، و الاعتبار ببر القلوب لا بعمل الأبدان .
رب قائم حظه من قيامه السهر ، كم من قائم محروم و كم من نائم مرحوم نام و قلبه ذاكر ، و هذا قام و قلبه فاجر .
إن المقادير إذا ساعدت ألحقت النائم بالقائم
لكن العبد مأمورٌ بالسعي في اكتساب الخيرات و الاجتهاد في الأعمال الصالحات ، و كل ميسر لما خلق له ، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، و أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة :( فأما من أعطى و اتقى * و صدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * و أما من بخل و استغنى * و كذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى ) فالمبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر .
تولى العمر في سهو و في لهو و في خسر فيا ضيعة ما أنفقت في الأيام من عمري
و مالي في الذي ضيعت من عمري من عذر فما أغفلنا من واجبات الحمد و الشكر
أما قد خصنا الله بشهر أيما شهر بشهر أنزل الرحمن فيه أشرف الذكر
و هل يشبه شهر و فيه ليلة القدر فكم من خبر صح بما فيها من الخير
روينا عن ثقات أنها تطلب في الوتر فطوبى لامرىء يطلبها في هذه العشر
ففيها تنزل الأملاك بالأنوار و البر قد قال سلام هي حتى مطلع الفجر
ألا فادخرها إنها من أنفس الذخر فكم من معلق فيها من النار و لا يدري

ـ عن جعفر قال سمعت ثابتا البناني يقول : " نية المؤمن أبلغ من عمله ، إن المؤمن ينوي أن يقوم الليل ويصوم النهار ويخرج من ماله فلا تتابعه نفسه على ذلك فنيته أبلغ من عمله "

ـ عن يعقوب بن المغيرة قال : " كنا مع إبراهيم ابن أدهم في الحصاد في شهر رمضان فقيل له : يا أبا إسحاق لو دخلت بنا إلى المدينة فنصوم العشر الأواخر بالمدينة لعلنا ندرك ليلة القدر فقال : أقيموا ههنا وأجيدوا العمل ولكم بكل ليلة ليلة القدر "

فضل الوتر من العشر الأواخر
ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر ، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه ، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ، ثم قال : كنت أُجاور هذه العشر ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر ، فمن كان اعتكف معي فليثبت في مُعتكفه ، وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتُها ، فابتغوها في العشر الأواخر وابتغوها في كل وتر ، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين ، فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت فوكف المسجد في مصلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة إحدى وعشرين ، فبصرت عيني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونظرت إليه وقد انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طينا وماء "

ـ عن الزهري عن سالم عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال : " رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوتر منها "

ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : اعتكف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبان له ، فلما انقضين أمر بالبناء فقُوض ، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد ، ثم خرج على الناس فقال : يا أيها الناس إنها كانت أبينت لي ليلة القدر وإني خرجت لأخبركم بها فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان فنُسِّيتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان ، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ، قال : قلت : يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا ، قال : أجل نحن أحق بذلك منكم ، قال : قلت : ما التاسعة والسابعة والخامسة ؟ قال : إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين وهي التاسعة ، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة ، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة . ( وقال ابن خلَّاد مكان يحتقان : يختصمان ) "
ـ عن أبي قِلابة قال : " ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في الوتر منها "
ـ عن ابراهيم بن سعد عن أبيه قال : " كان أبي سعد بن ابراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين لم يفطر حتى يختم القرآن ، وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة ، وكان كثيرا إذا أفطر يرسلني إلى مساكين يأكلون معه "
ـ عن هشام قال : " كان لحفصة كفن مُعد ، فإذا حجت وأحرمت لبسته ، وكانت إذا كانت العشر الأواخر من رمضان قامت من الليل فلبسته "

من رأى أن ليلة القدر في سبع وعشرين

ـ عن عبدة وعاصم بن أبي النجود سمعا زر بن حبيش يقول : " سألت أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ فقلت : إن أخاك بن مسعود يقول : من يقم الحول يصب ليلة القدر ، فقال : ـ رحمه الله ـ أراد أن لا يتكل الناس ، أمَا إنه قد علم أنها في رمضان ، وأنها في العشر الأواخر ، وأنها ليلة سبع وعشرين ، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين ، فقلت : بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر ؟ قال : بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها ( يعني الشمس ) "

ـ عن أُبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال : قال أبي في ليلة القدر : " والله إني لأعلمها . قال : شعبة وأكبر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقيامها ، هي ليلة سبع وعشرين . وإنما شك شعبة في هذا الحرف : هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : وحدثني بها صاحب لي عنه "

ـ عن أبي عقرب الأسدي قال : " أتينا ابن مسعود في داره فوجدناه فوق البيت فسمعناه يقول قبل أن ينزل : صدق الله ورسوله ، فلما نزل قلنا : يا أبا عبد الرحمن سمعناك تقول : صدق الله ورسوله ، فقال : ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر ، وذلك أن الشمس تطلع يومئذ بيضاء لا شعاع لها ، فنظرت إلى الشمس فوجدتها كما حدَّثتُ فكبرت "

ـ عن عبد الله ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلا أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " يا نبي الله إنى شيخ كبير عليل يشق على القيام فأْمُرني بليلة لعل الله يوفقني فيها ليلة القدر ، قال : عليك بالسابعة "
ـ عن حسان بن عبد الله السهمي قال : سألت زر بن حبيش ـ رضي الله عنه ـ عن ليلة القدر فقال كان عمر وحذيفة ـ رضي الله عنهما ـ وناس من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يشكون فيها أنها ليلة سبع وعشرين . قال زر : فواصلها "
ـ عن عبد الله بن شريك قال : سمعت أنسا وزِرَّاً ـ رضي الله عنهما ـ يقولان : " ليلة سبع وعشرين ، وإذا كانت تلك الليلة فليغتسل أحدكم وليفطر على لبن وليؤخر فطره إلى السحر "
الأدلة على ذلك :
" و استدل من رجح ليلة سبع و عشرين :
بأن أبي بن كعب كان يحلف على ذلك و يقول : بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها . خرجه مسلم و خرجه أيضاً بلفظ آخر عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : " و الله إني لأعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ بقيامها هي ليلة سبع و عشرين .
و في مسند الإمام أحمد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما أن رجلاً قال : يا رسول الله إني شيخ كبير عليل يشق علي القيام فمرني بليلة يوفقني الله فيها لليلة القدر قال : عليك بالسابعة ) و إسناده على شرط البخاري.
و روى الإمام أحمد أيضاً قال حدثنا يزيد بن هارون : أنبأنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : من كان منكم مُتحريها فليتحرها ليلة سبع و عشرين ، أو قال : تحروها ليلة سبع و عشرين ، يعني ليلة القدر ) .
و رواه شبابة و وهب بن جرير عن شعبة مثله ، ورواه أسود بن عامر عن شعبة مثله ، و زاد : ( في السبع البواقي )
قال شعبة : و أخبرني ثقة عن سفيان أنه إنما قال : في السبع البواقي يعني لم يقل : ليلة سبع و عشرين قال أحمد في رواية ابنه صالح الثقة هو يحيى بن سعيد قال شعبة : فلا أدري أيهما قال .
و رواه عمرو عن شعبة و قال في حديثه : ( ليلة سبع و عشرين ) ، أو قال : ( في السبع الأواخر ) بالشك فرجع الأمر إلى أن شعبة شك في لفظه .
و رواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمرو قال : ( كانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه و سلم إنها الليلة السابعة من العشر الأواخر فقال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : أرى رؤياكم أنها قد تواطأت إنها ليلة السابعة في العشر الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها ليلة السابعة من العشر الأواخر ) كذا رواه حنبل بن إسحاق عن عارم عن حماد و كذا خرجه الطحاوي عن إبراهيم بن مرزوق عن عارم .
و رواه البخاري في صحيحه عن عارم إلا أنه لم يذكر لفظة : ( ليلة السابعة ) بل قال : ( من كان متحريها فليتحرها في العشر الأواخر )
ورواه عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( جاء رجل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ فقال : يا رسول الله إني رأيت في النوم ليلة القدر كأنها ليلة سابعة فقال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : إني أرى رؤياكم قد تواطأت ، إنها ليلة سابعة فمن كان متحريها منكم فليتحرها في ليلة سابعة )
قال معمر : فكان أيوب يغتسل في ليلة ثلاث و عشرين يشير إلى أنه حملها على سابعة تبقى .
و خرجه الثعلبي في تفسيره من طريق الحسن بن عبد الأعلى عن عبد الرزاق بهذا الإسناد و قال في حديثه : ( ليلة سابعة تبقى ) . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( إني أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث و عشرين فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئاً فليقم ليلة ثلاث و عشرين ) ، و هذه الألفاظ غير محفوظة في الحديث ، و الله أعلم .
و في سنن أبي داود بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح عن معاوية عن النبي صلى الله عليه و سلم في ليلة القدر : ( ليلة سبع و عشرين ) ، و خرجه ابن حبان في صحيحه و صححه ابن عبد البر و له علة ، و هي وقفه على معاوية و هو أصح عند الإمام أحمد و الدارقطني و قد اختلف أيضاً عليه في لفظه .
و في المسند عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً أتى النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فقال : متى ليلة القدر ؟ فقال : ( من يذكر منكم ليلة الصهباوات . قال عبد الله : أنا بأبي أنت و أمي و إن في يدي لتمرات أتسحر بهن مستتراً بمؤخرة رحل من الفجر و ذلك حين طلع القمر )
و خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده و زاد : ( و ذلك ليلة سبع و عشرين ) ، و قال : صالح الإسناد .و الصهباوات : موضع بقرب خيبر .
و في المسند أيضاً من وجه آخر عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( إن ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان ) و إذا حسبنا أول السبع الأواخر ليلة أربع و عشرين كانت ليلة سبع و عشرين نصف السبع ، لأن قبلها ثلاث ليال و بعدها ثلاث .
و مما يرجح أن ليلة القدر ليلة سبع و عشرين : أنها من السبع الأواخر التي أمر النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ بالتماسها فيها بالاتفاق . و في دخول الثالثة و العشرين في السبع اختلاف سبق ذكره ، و لا خلاف أنها آكد من الخامس و العشرين .
و مما يدل على ذلك أيضاً حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ في قيام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم في أفراد السبع الأواخر و أنه قام بهم في الثالثة و العشرين إلى ثلث الليل ، و في الخامسة إلى نصف الليل ، و في السابعة إلى آخر الليل حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح ، و جمع أهله ليلتئذ وجمع الناس ، و هذا كله يدل على تأكدها على سائر أفراد السبع و العشر .
و مما يدل على ذلك ما استشهد به ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ بحضرة عمر ـ رضي الله عنه ـ و الصحابة معه واستحسنه عمر ـ رضي الله عنه ـ ، و قد روي من وجوه متعددة : فروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن قتادة و عاصم أنهما سمعا عكرمة يقول : ( قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ دعا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا أنها في العشر الأواخر . قال ابن عباس : ( فقلت لعمر ـ رضي الله عنه ـ : ( إني لأعلم أو إني لأظن أي ليلة هي ؟ قال عمر ـ رضي الله عنه ـ : و أي ليلة هي ؟ : قلت : سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر ، فقال عمر رضي الله عنه : و من أين علمت ذلك ؟ قال : فقلت : إن الله خلق سبع سموات و سبع أرضين و سبعة أيام ، وإن الدهر يدور على سبع ، و خلق الله الإنسان في سبع ، و يأكل من سبع ، و يسجد على سبع ، و الطواف بالبيت سبع ، و رمي الجمار سبع لا يشاء ذكرها ، فقال عمر رضي الله عنه : لقد فطنت لأمر ما فطنا له )
وكان قتادة يزيد على ابن عباس في قوله : ( يأكل من سبع قال هو قول الله ـ عز وجل ـ : ( فأنبتنا فيها حباً * وعنباً وقضباً * و زيتوناً ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة ً وأباً ) و لكن في هذه الرواية : أنها في سبع تمضي أو تبقى بالترديد في ذلك .
و خرَّجه ابن شاهين من رواية عبد الواحد بن زياد عن عاصم الأحول حدثني لاحق بن حميد و عكرمة قالا : قال عمر رضي الله عنه : ( من يعلم ليلة القدر ؟ فذكر الحديث بنحوه و زاد : أن ابن عباس قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( هي في العشر سبع تمضي أو سبع تبقى ) فخالف في إسناده و جعله مرسلاً و رفع آخره .
روى ابن عبد البر بإسناد صحيح من طريق سعيد بن جبير قال : ( كان ناس من المهاجرين وَجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس ، فجمعهم ثم سألهم عن ليلة القدر ؟ فأكثروا فيها فقال بعضهم : كنا نراها في العشر الأوسط ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر فأكثروا فيها ، فقال بعضهم : ليلة إحدى و عشرون ، وقال بعضهم : ليلة ثلاث وعشرين ، وقال بعضهم : ليلة سبع و عشرين ، فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ :يا ابن عباس تكلم فقال : الله أعلم ، قال عمر : قد نعلم أن الله يعلم ، و إنما نسألك عن علمك ، فقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : إن الله وتر يحب الوتر خلق من خلقه سبع سموات فاستوى عليهن ، و خلق الأرض سبعا ، و جعل عدة الأيام سبعاً ، و رمي الجمار سبعاً و خلق الإنسان من سبع ، وجعل رزقه من سبع ، فقال عمر : خُلق الإنسان من سبع ، و جُعل رزقه من سبع هذا أمرٌ ما فهمته ؟ فقال : إن الله تعالى يقول : ( و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) حتى بلغ آخر الآيات و قرأ : ( أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حباً * و عنباً وقضبا * وزيتوناً و نخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة و أباً * متاعاً لكم ولأنعامك ) ثم قال : و الأب للدواب .
و خرَّجه ابن سعد في طبقاته عن إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير فذكره بمعناه ، و زاد في آخره : ( قال : و أما ليلة القدر فما تراها إن شاء الله إلا ليلة ثلاث و عشرين يمضين أو سبع يبقين ) و الظاهر أن هذا سمعه سعيد بن جبير من ابن عباس فيكون متصلاً .
وروى عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( دعا عمر الأشياخ من أصحاب محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ ذات يوم فقال لهم : ( إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في ليلة القدر ما قد علمتم ، التمسوها في العشر الأواخر وتراً ففي أي الوتر ترونها ؟ فقال رجل برأيه : أنها تاسعة ، سابعة ، خامسة ، ثالثة ، ثم قال : يا ابن عباس تكلم فقلت : أقول برأيي . قال : عن رأيك أسألك ، فقلت : إني سمعت رسول الله أكثَرَ من ذِكْرِ السبع ) و ذكر باقيه بمعنى ما تقدم و في آخره ( قال عمر ـ رضي الله عنه ـ : أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستوي شؤون رأسه ) خرجه الإسماعيلي في مسند عمر و الحاكم ، و قال : صحيح الإسناد .
و خرجه الثعلبي في تفسيره و زاد : ( قال ابن عباس : ( فما أراها إلا ليلة ثلاث و عشرين لسبع بقين )
و خرَّج علي بن المديني في كتاب العِلل المرفوع منه و قال : هو صالح و ليس مما يحتج به .
و روى مسلم الملائي ـ و هو ضعيف ـ عن مجاهد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن عمر قال له : ( أخبرني برأيك عن ليلة القدر فذكر معنى ما تقدم ) و فيه : ( أن ابن عباس قال : لا أراها إلا في سبع يبقين من رمضان فقال عمر وافق رأيي رأيك )
و روي بإسناد فيه ضعف عن محمد بن كعب عن ابن عباس : ( أن عمر ـ رضي الله عنه ـ جلس في رهط من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فتذاكروا ليلة القدر فذكر معنى ما تقدم ) و زاد فيه عن ابن عباس أنه قال : ( و أُعطى من المثاني سبعاً ، و نهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع ، و قسم الميراث في كتابه على سبع ، و نقعُ في السجود من أجسادنا على سبع ، و قال : فأراها في السبع الأواخر من رمضان ) و ليس في شيء من هذه الروايات أنها ليلة سبع و عشرين جزماً بل في بعضها الترديد بين ثلاث و سبع ، و في بعضها : أنها ليلة ثلاث و عشرين لأنها أول السبع الأواخر على رأيه .
و قد صح عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه كان ينضح على أهله الماء ليلة ثلاث و عشرين خرجه عبد الرزاق ، و خرجه ابن أبي عاصم مرفوعاً و الموقوف أصح .
و قد استنبط طائفة من المتأخرين من القرآن أنها ليلة سبع و عشرين موضعين :
أحدهما : أن الله تعالى ذكر ليلة القدر في سورة القدر في ثلاثة مواضع منها ، و ليلة القدر حروفها تسع حروف و التسع إذا ضربت في ثلاثة فهي سبع و عشرون .
و الثاني : أنه قال : ( سلام هي ) ، فكلمة هي : هي الكلمة السابعة و العشرون من السورة فإن كلماتها كلها ثلاثون كلمة .
قال ابن عطية : هذا من ملح التفسير لا من متين العلم . و هو كما قال .
و مما استدل به من رجح ليلة سبع و عشرين بالآيات و العلامات التي رأيت فيها قديماً و حديثاً ، و بما وقع فيها من إجابة الدعوات .
فقد تقدم عن أبي بن كعب أنه استدل على ذلك بطلوع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها ، و كان عبدة ابن أبي لبابة يقول : هي ليلة سبع وعشرين . و يستدل على ذلك فإنه قد جرب ذلك بأشياء و بالنجوم ، خرجه عبد الرزاق .
و روي عن عبدة : ( أنه ذاق ماء البحر ليلة سبع و عشرين فإذا هو عذب ) ذكره الإمام أحمد بإسناده .
( و طاف بعض السلف ليلة سبع و عشرين بالبيت الحرام فرأى الملائكة في الهواء طائفين فوق رؤوس الناس )
و روى أبو موسى المديني من طريق أبي الشيخ الأصبهاني بإسناد له عن حماد بن شعيب عن رجل منهم قال :( كنت بالسواد فلما كان في العشر الأواخر جعلت أنظر بالليل فقال لي رجل منهم : إلى أي شيء تنظر ؟ قلت : إلى ليلة القدر قال : فنم فإني سأخبرك ، فلما كان ليلة سبع وعشرين جاء و أخذ بيدي فذهب بي إلى النخل فإذا النخل واضع سعفه في الأرض فقال : لسنا نرى هذا في السنة كلها إلا في هذه الليلة .
و ذكر أبو موسى بأسانيد له : ( أن رجلاً مقعداً دعا الله ليلة سبع و عشرين فأطلقه ) ، و عن امرأة مقعدة كذلك .
و عن رجل بالبصرة: ( كان أخرس ثلاثين سنة فدعا الله ليلة سبع و عشرين فأطلق لسانه فتكلم )
و ذكر الوزير أبو المظفر ابن هبيرة : ( أنه رأى ليلة سبع و عشرين و كانت ليلة جمعة باباً في السماء مفتوحاً شامي الكعبة قال : فظننته حيال الحجرة النبوية المقدسة قال : ولم يزل كذلك إلى أن التَفَتُ إلى المشرق لأنظر طلوع الفجر ثم التفت إليه فوجدته قد غاب . قال : وإن وقع في ليلة من أوتار العشر ليلة جمعة فهي أرجى من غيرها )
و اعلم أن جميع هذه العلامات لا توجب القطع بليلة القدر ، و قد روى سلمة بن شبيب في كتاب فضائل رمضان،حدثنا إبراهيم بن الحكم حدثني أبي قال : حدثني فرقد : ( أن أناساً من الصحابة كانوا في المسجد فسمعوا كلاماً من السماء ورأوا نوراً من السماء و باباً من السماء و ذلك في شهر رمضان فأخبروا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما رأوا فزعم أن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال : أما النور فنور رب العزة تعالى ، و أما الباب فباب السماء ، و الكلام كلام الأنبياء فكل شهر رمضان على هذه الحال ، و لكن هذه ليلة كشف غطاؤها ) و هذا مرسل ضعيف "
من رأى ليلة القدر في ثلاث وعشرين
ـ عن بن عبد الله بن أنيس الجهني عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال : قلت : " يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها وأنا أصلي فيها بحمد الله فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد فقال : أنزل ليلة ثلاث وعشرين ، فقلت لابنه : كيف كان أبوك يصنع ؟ قال : كان يدخل المسجد إذا صلى العصر فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلي الصبح ، فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس عليها فلحق بباديته "

ـ عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال : " كنت في مجلس بني سلمة وأنا أصغرهم فقالوا : من يسأل لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ليلة القدر وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان فخرجت فوافيت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلاة المغرب ثم قمت بباب بيته فمر بي فقال : ادخل فدخلت فأتى بعَشائه فرآني أكف عنه من قلته ، فلما فرغ قال : ناولني نعلي ، فقام وقمت معه فقال : كأن لك حاجة ؟ قلت : أجل ، أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر ؟ فقال : كم الليلة ؟ فقلت : اثنتان وعشرون ، قال : هي الليلة ، ثم رجع فقال : أو القابلة يريد ليلة ثلاث وعشرين "

ـ عن إبراهيم عن الأسود قال : " كانت عائشة توقظنا ليلة ثلاث وعشرين من رمضان "
ـ عن معمر عمن سمع الحسن يقول : " نظرت الشمس عشرين سنة فرأيتها تطلع صبيحة أربع وعشرين من رمضان ليس لها شعاع "
ـ عن عبيد الله بن أبي يزيد قال : " رأيت ابن عباس يرش على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين "

تفصيل القول في تعيين ليلة القدر
" وقد اختلف الناس في ليلة القدر كثيراً فحكى عن بعضهم أنها رفعت و حديث أبي ذر يرد ذلك .
و روي عن محمد بن الحنفية أنها في كل سبع سنين مرة و في إسناده ضعف .
و عن بعضهم أنها في كل السنة حُكي عن ابن مسعود و طائفة من الكوفيين ، و روي عن أبي حنيفة.
و قال الجمهور : هي في رمضان كل سنة .
ثم منهم من قال : هي في الشهر كله .
و حكي عن بعض المتقدمين : أنها أول ليلة منه .
و قالت طائفة : هي في النصف الثاني منه ، و قد حكي عن أبي يوسف و محمد .
و قد تقدم قول من قال : إنها ليلة بدر على اختلافهم هي ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة .
و قال الجمهور : هي منحصرة في العشر الأواخر و اختلفوا في أي ليالي العشر أرجى :
فحكي عن الحسن و مالك أنها تطلب في جميع ليال العشر ، أشفاعه و أوتاره و رجحه بعض أصحابنا ، و قال : لأن قول النبي صلى الله عليه و سلم : التمسوها في تاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو خامسة تبقى إن حملناه على تقدير كمال الشهر كانت أشفاعاً ، و إن حملناه على ما بقي منه حقيقة كان الأمر موقوفاً على كمال الشهر فلا يعلم قبله ، فإن كان تاماً كانت الليالي المأمور بها بطلبها أشفاعاً ، و إن كان ناقصاً كانت أوتاراً ، فيوجب ذلك الاجتهاد في القيام في كلا الليلتين الشفع منها و الوتر .
وقال الأكثرون ( يعني من الجمهور ) : بل بعض لياليه أرجى من بعض . و قالوا : الأوتار أرجى في الجملة ، ثم اختلفوا أي الأوتار أرجى : فمنهم من قال : ليلة إحدى و عشرين ، وهو المشهور عن الشافعي لحديث أبي سعيد الخدري ، و قد ذكرناه فيما سبق ، وحُكي عنه أنها تطلب ليلة إحدى و عشرين ، وثلاث وعشرين ، قال في القديم : كأني رأيت والله أعلم أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى و عشرين ، و ليلة ثلاث و عشرين ، و هي التي مات فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه .وقد جاء في ليلة سبع عشرة ، و ليلة أربع و عشرين ، و ليلة سبع و عشرين انتهى .
وقد روي عن علي و ابن مسعود رضي الله عنهما : أنها تطلب ليلة إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين ، وحكى للشافعي قول آخر : أرجاها ليلة ثلاث و عشرين ، و هذا قول أهل المدينة ، و حكاه سفيان الثوري عن أهل مكة و المدينة . و ممن روي عنه أنه كان يوقظ أهلها فيها ابن عباس و عائشة و هو قول مكحول .
و روى رشدين بن سعد عن زهرة بن معبد قال : ( أصابني احتلام في أرض العدو وأنا في البحر ليلة ثلاث وعشرين في رمضان ، فذهبت لأغتسل فسقطت في الماء فإذا الماء عذب ، فناديت أصحابي أعلمهم أني في ماء عذب . قال ابن عبد البر : هذه الليلة تعرف بليلة الْجُهني بالمدينة ( يعني عبد الله بن أنيس ) . و قد روي عنه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره بقيامها .
و في صحيح مسلم عنه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في ليلة القدر : ( أريت أني أسجد صبيحتها في ماء و طين ، فانصرف النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ من صلاة الصبح يوم ثلاث و عشرين و على جبهته أثر الماء و الطين ) .
و قال سعيد بن المسيب : ( كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفر من أصحابه فقال : ( ألا أخبركم بليلة القدر ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، فسكت ساعة ثم قال : لقد قلت لكم ما قلت آنفاً و أنا أعلمها ثم أُنسيتها ، أرأيتم يوماً كنا بموضع كذا و كذا ـ أي ليلة هي في غزوة غزاها ـ فقالو
: سرنا فقفلنا حتى استقام ملأ القوم على أنها ليلة ثلاث و عشرين .) خرجه عبد الرزاق في كتابه .
و رجحت طائفة ليلة أربع و عشرين و هم : الحسن و أهل البصرة ، و قد روي عن أنس ، و كان حميد و أيوب و ثابت يحتاطون فيجمعون بين الليلتين أعني ليلة ثلاث و أربع .
و رجحت طائفة ليلة سبع وعشرين ، وحكاه الثوري عن أهل الكوفة وقال : نحن نقول : هي ليلة سبع و عشرين لِمَا جاءنا عن أبي بن كعب و ممن قال بهذا أبي بن كعب ، وكان يحلف عليه و لا يستثني وزر بن حبيش ، و عبده بن أبي لبابة . وروي عن قنان بن عبد الله النهي قال : سألت زِرَّاً عن ليلة القدر ؟ فقال : كان عمر و حذيفة و أناس من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين ، خرجه ابن أبي شيبة ، و هو قول أحمد و إسحاق .
و ذهب أبو قِلابة إلى أنها تنتقل في ليالي العشر . و روي عنه أنها تنتقل في أوتاره خاصة .
و ممن قال بانتقالها في ليال العشر : المزني و ابن خزيمة ، و حكاه ابن عبد البر عن مالك و الثوري و الشافعي و أحمد و أبي ثور و في صحة ذلك عنهم بعد ، و إنما قول هؤلاء أنها في العشر و تطلب في لياليه كله "
قال الترمذي : " وفي الباب عن عمر وأبي وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله وابن عمر والفلتان بن عاصم وأنس وأبي سعيد وعبد الله بن أنيس والزبيري وأبي بكرة وابن عباس وبلال وعبادة بن الصامت .
قال أبو عيسى : " وأكثر الروايات عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : ( التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر ) وروي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ليلة القدر أنها ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين وآخر ليلة من رمضان .
قال أبو عيسى : قال الشافعي : كأن هذا عندي والله أعلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يجيب على نحو ما يُسأل عنه ، يقال له : نلتمسها في ليلة كذا ؟ فيقول : التمسوها في ليلة كذا ، قال الشافعي : وأقوى الروايات عندي فيها ليلة إحدى وعشرين "
قال أبو عيسى : وقد روي عن أبي بن كعب : ( أنه كان يحلف أنها ليلة سبع وعشرين ويقول : أخبرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعلامتها فعددنا وحفظنا ) وروي عن أبي قِلابة أنه قال : ( ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر ) حدثنا بذلك عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قِلابة بهذا " انتهى .
ما يقول وما يفعل في ليلة القدر
ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قلت : " يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال : قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني "
ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " لو أدركت ليلة القدر ما سألت الله إلا العفو والعافية "
العفوُّ من أسماء الله تعالى ، و هو المتجاوز عن سيئات عباده ، الماحي لأثارها عنهم ، و هو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده ، و يحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض ، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه ، و عفوه أحب إليه من عقوبته ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : أعوذ برضاك من سخطك ، وعفوك من عقوبتك "

ـ قال يحيى بن معاذ : " لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الناس عليه "
يشير إلى أنه ابتلى كثيراً من أوليائه و أحبابه بشيء من الذنوب ليعاملهم بالعفو فإنه يحب العفو .

ـ قال بعض السلف الصالح : " لو علمت أحب الأعمال إلى الله تعالى لأجهدت نفسي فيه ، فرأى قائلاً يقول له في منامه : إنك تريد ما لا يكون ، إن الله يحب أن يعفو و يغفر . و إنما أَحب أن يعفو ليكون العباد كلهم تحت عفوه ، و لا يُدِل عليه أحد منهم بعمل "
ـ قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ و أبو سعد الشعيبي قالا : سمعنا أبا عمرو بن أبي جعفر الحيري يقول : سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل كثيرا يقول في مجلسه وفي غير المجلس : " عفوك ثم يقول : عفوك يا عفو . في المحيا عفوك ، وفي الممات عفوك ، وفي القبور عفوك ، وعند النشور عفوك ، وعند تطاير الصحف عفوك ، وفي القيامة عفوك ، وفي مناقشة الحساب عفوك ، وعند ممر الصراط عفوك ، وعند الميزان عفوك ، وفي جميع الأحوال عفوك ، يا عفو عفوك .
قال أبو عمرو : ورؤي أبو عثمان في المنام بعد وفاته بأيام فقيل له : بماذا انتفعت من أعمالك في الدنيا ؟ فقال : بقولي عفوك عفوك "

ـ كان بعض المتقدمين يقول في دعائه : ( اللهم إن ذنوبي قد عظمت فجلت عن الصفة ، و إنها صغيرة في جنب عفوك ، فاعف عني )
و قال آخر منهم : ( جرمي عظيم ، و عفوك كثير ، فاجمع بين جرمي و عفوك يا كريم )
يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبرُ
أكبر الأوزار في جنب عفو الله يصغُرُ . "

قال ابن رجب : " و إنما أَمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر ؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحاً ولا حالاً ولا مقالاً فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر .

قال يحيى بن معاذ : ( ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو )

إن كنتُ لا أصلح للقُرب فشأنك عفوٌ عن الذنب

كان مطرف يقول في دعائه : ( اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا * فإن ا المولى قد يعفو عن عبده وهو عنه غير راض * )
من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا ، و كان غاية أمله أن يطمع في العفو ، و من كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة ."

يا رب عبدك قد أتا ك و قد أساء و قد هفا
يكفيه منك حياؤه من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنو ب الموبقات و أسرفا
و قد استجار بذيل عف وك من عقابك ملحفا
يارب فاعف و عافه فلأنت أولى من عفا .

ـ قال سفيان الثوري : " الدعاء في تلك الليلة أحب إلي من الصلاة . قال : و إذا كان يقرأ و هو يدعو و يرغب إلى الله في الدعاء و المسألة لعله يوافق ، انتهى "
و مراده أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء و إن صلى و دعا كان حسناً .
ـ و قد قال الشعبي في ليلة القدر : " ليلها كنهارها ، و قال الشافعي في القديم : استحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها . و هذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر ليله و نهاره و الله أعلم "
ـ قال ابن رجب : " قال ابن جرير : كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر ، وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة .
ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر فأمر زر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع و عشرين من رمضان .
و روي عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ : ( أنه إذا كان ليلة أربع و عشرين اغتسل و تطيب و لبس حلة إزار أو رداء ، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل .
و كان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث و عشرين و أربع و عشرين و يلبس ثوبين جديدين و يستجمر ويقول : ( ليلة ثلاث و عشرين هي ليلة أهل المدينة و التي تليها ليلتنا ، يعني البصريين )
و قال حماد بن سلمة : ( كان ثابت البناني و حميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما و يتطيبان و يطيبون المسجد بالنضوح و الدخنة في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر )
و قال ثابت : ( كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم و كان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر )
فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين ، والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن كما يشرع ذلك في الجمع الأعياد وكذلك يشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات كما قال تعالى :( خذوا زينتكم عند كل مسجد)
. و قال ابن عمر : الله أحق أن يتزين له . و روي عنه مرفوعاً .
و لا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة و الإنابة إلى الله تعالى وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها ، فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئاً قال الله تعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم و ريشاً و لباس التقوى ذلك خير .)
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عُرياناً و إن كان كاسيا
لا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا من زين ظاهره و باطنه و طهرهما خصوصاً لملك الملوك الذي يعلم السر و أخفى ، وهو لا ينظر إلى صوركم و إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم ، فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس و باطنه بلباس التقوى . أنشد الشبلي :
قالوا غداً العيد ماذا أنت لابسه فقلت خلعة ساق حبه جوعا
فقر و صبرهما ثوبان تحتهما قلب يرى ألفه الأعياد و الجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به يوم التزاور فبالثوب الذي خلعا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي والعيد ما كنت لي مرأى و مستمتعا .

التورع من قول : صمت رمضان كله أو قمت رمضان كله إذ لا بد من غفلة

ـ عن أبي بكرة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا يقولن أحدكم إني صمت رمضان كله وقمته كله ، فلا أدري أكره التزكية أو قال: لا بد من نومة أو رقدة "
ختام رمضان نسأل الله القبول

ترحل شهر الصبر والهفاه وانصرما و اختص بالفوز في الجنات من خدما
و أصبح الغافل المسكين منكسراً مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما
من فاته الزرع في وقت البِدار فما تراه يحصد إلا الهمَّ والندما

وقال آخر :
سلام من الرحمن كل أوان على خير شهر قد مضى و زمان
سلام الله على الصيام فإنه أمان من الرحمن كل أمان
لئن فنيت أيامك الغر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفان

كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل و إكماله و إتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله و يخافون من رده و هؤلاء الذين : ( يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة )
ـ روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ قال : ( كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل ، ألم تسمعوا الله عز و جل يقول : إنما يتقبل الله من المتقين )
ـ و عن فَضالة بن عبيد قال : ( لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا و ما فيها لأن الله يقول : إنما يتقبل الله من المتقين )
ـ قال ابن دينار : الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل .
ـ و قال عطاء السلمي : الحذر : الاتقاء على العمل أن لا يكون لله .
ـ و قال عبد العزيز بن أبي رواد : أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا .
ـ قال بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم .
ـ خرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته : أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوماً و قمتم ثلاثين ليلة ، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم .
ـ كان بعض السلف يظْهَرُ عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له : إنه يوم فرح وسرور فيقول : صدقتم ، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملاً فلا أدري أيقبله مني أم لا ؟
ـ رأى وهب بن الورد قوماً يضحكون في يوم عيد فقال : إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين . و إن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين .
ـ و عن الحسن قال : إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته ، فسبق قوم ففازوا و تخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون و يخسر فيه المبطلون .
لعلك غضبان و قلبي غافل سلام على الدارين إن كنت راضيا
ـ روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان : يا ليت شعري من هذا المقبول فنُهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه .
ـ و عن ابن مسعود أنه كان يقول : من هذا المقبول منا فنهنيه ومن هذا المحروم منا فنعزيه ، أيها المقبول هنيئاً لك ، أيها المردود جبر الله مصيبتك .
ليت شعري من فيه يقبل منا فيهنا يا خيبة المردود
من تولى عنه بغير قبول أرغم الله أنفه بخزي شديد
ماذا فات من فاته خير رمضان ، وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان ، كم بين من حظه فيه القبول والغفران ، ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران ، رب قائم حظه من قيامه السهر وصائم حظه من صيامه الجوع والعطش .
ما أصنع هكذا جرى المقدور الجبر لغيري و أنا المكسور
أسير ذنب مقيد مهجور هل يمكن أن يغير المقدور
وقال غيره
سار القوم والشقاء يقعدني حازوا القرب والجفا يبعدني
حسبي حسبي إلى متى تطردني أعدائي دائي وكلهم يقصدني
وقال غيره
أسباب هواك أوهنت أسبابي من بعد جفاك فالضنى أولى بي
ضاقت حيلي و أنت تدري ما بي فارحم فالعبد واقف بالباب

ـ كان أبو قِلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار .

الاستغفار لجبر التقصير ومحو الأوزار

ـ والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فيختم به الصلاة و الحج وقيام الليل ، ويختم به المجالس فإن كانت ذكراً كان كالطابع عليها ، وإن كانت لغواً كان كفارة لها ، فكذلك ينبغي أن تختم صيام رمضان بالاستغفار .
ـ وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر ، فإن الفطر طُهرة للصائم من اللغو و الرفث ، والاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث .
ـ و لهذا قال بعض العلماء المتقدمين : إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة .
ـ و قال عمر بن عبد العزيز في كتابه : قولوا كما قال أبوكم آدم : ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين ، و قولوا كما قال نوح ـ عليه السلام ـ : وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ، وقولوا كما قال موسى ـ عليه السلام ـ : رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ، وقولوا كما قال ذو النون ـ عليه السلام ـ : سبحانك إني كنت من الظالمين .
ـ ويروى عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرقعه ، فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل .
و قريب من هذا أمر النبي ـ عليه السلام ـ لعائشة ـ رضي الله عنها ـ في ليلة القدر بسؤال العفو . فإن المؤمن يجتهد في شهر رمضان في صيامه و قيامه فإذا قرب فراغه و صادف ليلة القدر لم يسأل الله تعالى إلا العفو كالمسيء المقصر . كان صلة بن أشيم يحي الليل ثم يقول في دعائه عند السحر : اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ، و مثلي يجترىء أن يسألك الجنة . كان مطرف يقول : اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا . قال يحيى بن معاذ : ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو .
إن كنت لا أصلح للقرب فشأنكم عفو عن الذنب

ـ قال الحسن : أكثروا من الاستغفار فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة .

ـ عن علي بن أبي مريم قال : قال رياح القيسي : " لي نيف وأربعون ذنبا قد استغفرت لكل ذنب مئة ألف مرة "

ـ سئل ابن الجوزي : أيما أفضل أسبح أو أستغفر ؟ قال : الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور "

ـ قال الشعبي : " خطب عبد الملك فقال : اللهم إن ذنوبي عظام وهي صغار في جنب عفوك يا كريم فاغفرها لي "

ـ قال عطاء بن مسلم : " كان الأعمش يقول حدثني يحيى بن وثاب وكنت إذا رأيته قد جثا قلت : هذا وقف للحساب فيقول : أي رب أذنبت كذا فعفوت عني فلا أعود ، وأذنبت كذا فعفوت عني فلا أعود "










* مقدمة
* الكون يستقبل رمضان فاستقبلوه
ـ موعظة لعمر بن عبد العزيز في مبادرة الأجل بالأعمال
* خصال الخير في رمضان
* يا باغي الخير أقبل
* رمضان شهر مبارك
* رمضان سيد الشهور
* يكمل الأجر وإن نقص الشهر
* الجود في رمضان
* عرض القرآن في رمضان
* العمرة في رمضان
* لا يعدل الصوم عمل
* الصيام عبادة وإن كنت نائما
* صوموا تصحوا
* صيام رمضان للمسافر والمرضع والحامل
* تعويد الصبيان على الصيام
* الجزاء من جنس العمل
* للصائمين في الجنة باب يخصهم
* الصوم كفارة
* متى تتم مغفرة ذنوب الصائمين القائمين ؟
* صفة الصوم الذي يكون كفارة
* الصوم سبب لدخول الجنة
* الصيام والقرآن يشفعان لصحابهما
* الصوم سبب للنجاة من النار
* عتقاء الله في كل ليلة من رمضان
* اشتراط سلامة الصيام للنجاة من النار
* فرحتا الصائم
* أعظم الصائمين أجرا أكثرهم لله ذكرا
* من أفطر في رمضان متعمدا
* الشتاء غنيمة الصوام القوام
* فضل من كان آخر عمله الصيام
* فضل خلوف فم الصائم
* أخلاق الصائمين
* الصيام نصف الصبر
* أجر الصوم يخرج عن ميزان التقدير
* أجر الصائم يسبق النفقة في سبيل الله
* الصوم وجاء
* الصوم يذهب الحقد ويطهر القلب
* الصومُ درجة عالية
* فضلُ خدمةِ الصائمين
* مَثَلُ الصائم
* صوم كصيام الدهر
* ما يقول إذا أفطر ؟
* طبقات الصوام
* من أكل أو شرب ناسيا
* فضل تعجيل الفطر وعلام يفطر
* إفطار الصالحين
* ما يقول إذا أفطر
* الدعاء مستجاب للصائم حال صومه بل وفي رمضان كله
* دعوة خاصة عند الإفطار
* أجر من فطر صائما
* ثواب الصائم إذا أطعم مفطرا وهو صائم
* ما يقول لمن فطره وهو صائم
* فضل السحور والأمر بتأخيره
* الدعوة إلى السحور
* اعتكاف العشر الأواخر من رمضان
* اعتكاف النساء
* الإكثار من نوافل الصوم عند أمن المضرة :
ـ الحض على صيام النفل مطلقا دون تقييد بزمن
ـ صوم النوافل عند الصالحين
ـ لا صام من صام الأبد
ـ المتطوع أمير نفسه
ـ أحب الصيام إلى الله
* الحض على صيام أيام مخصوصة :
ـ فضل صيام شعبان ولو بعد انتصافه
ـ الخلاف في فضل ليلة النصف من شعبان وصيام يومها
ـ صيام ستة من شوال
ـ استحباب صيام آخر شهر شعبان وقيل : وسطه
ـ صيام ثلاثة أيام من كل شهر
ـ صوم عشر ذي الحجة
ـ صوم يوم عرفة لغير الحاج
ـ فضل الصوم في المحرم والأشهر الحرم
ـ صوم عاشوراء
ـ صوم الاثنين والخميس
ـ حرص السلف على هذه السنة
ـ صوم يوم الجمعة
ـ صوم يوم السبت
* استحباب إخفاء التطوع من الصيام وغيره
* لا تصوم المرأة تطوعا بغير إذن زوجها
* لا تترك صيام النوافل إلا لعمل صالح ينفعك
* فضل قيام رمضان
* هل يصلى القيام في رمضان وحده أم أن الجماعة أفضل ؟
* قيام الصالحين في رمضان وفي غيره :
ـ تعب القيام والسهر راحة الأبد
ـ دعاء القائمين وابتهال الخاشعين
ـ إعانة أولياء الرحمن على ختم آي القرآن
ـ هكذا يتدبرون ويخشعون
ـ عاشوا سجودا فماتوا سجودا : ( من عاش على شيء مات عليه )
* أفضل القيام
* الضاحك المقر بذنبه خير من الباكي الْمُدِلُّ بصلاته وعمله
* فضل ليلة القدر
* النيات خير من الأعمال
* فضل الوتر من العشر الأواخر
* من رأى أن ليلة القدر في سبع وعشرين :
ـ الأدلة على ذلك
* من رأى ليلة القدر في ثلاث وعشرين
* تفصيل القول في تعيين ليلة القدر
* ما يقول وما يفعل في ليلة القدر
* التورع من قول : صمت رمضان كله أو قمت رمضان كله إذ لا بد من غفلة
* ختام رمضان نسأل الله القبول
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-07-11, 06:35 PM
وليد وليد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-08-09
الدولة: مصر
المشاركات: 425
افتراضي رد: فضائل الصيام وشهر رمضان

جزاكم الله خيرا

ولكن لي تنبيه على ضرورة التأكد من صحة الأحاديث والآثار

وبارك الله فيكم
__________________
أيانفس بالمأثور من خير مرسل***وبأصحابه والتابعين تمسكي
خافي غدا يوم الحساب جهنما***إذا لفحت نيرانها أن تَمَسك
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24-07-12, 05:17 PM
محمد بن جرير محمد بن جرير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-08-04
المشاركات: 174
افتراضي رد: فضائل الصيام وشهر رمضان

وهذا تخريج بسيط للاحاديث والآثار الواردة في المقال المذكور
الملفات المرفقة
نوع الملف: rar fadailalsiyam.rar‏ (241.7 كيلوبايت, المشاهدات 99)
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:48 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.