ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 20-11-05, 11:37 PM
سليمان الخراشي سليمان الخراشي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-09-02
المشاركات: 798
افتراضي ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) : هل يدخل فيها المؤمنون ؟! ( مبحث للشنقيطي )

بسم الله الرحمن الرحيم

قال - رحمنا الله وإياه - في أضواء البيان (7/393- 395) عند تفسير قوله تعالى : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) :
( اعلم أن للعلماء كلاماً كثيراً في هذه الآية قائلين إنها تدل على أنه ينبغي التقشف والإقلال من التمتع بالمآكل والمشارب والملابس ونحو ذلك.
وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفعل ذلك خوفاً منه أن يدخل في عموم من يقال لهم يوم القيامة: ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) .. الآية، والمفسرون يذكرون هنا آثاراً كثيرة في ذلك، وأحوال أهل الصُـفة وما لاقوه من شدة العيش.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية هو أنها في الكفار وليست في المؤمنين الذين يتمتعون باللذات التي أباحها الله لهم، لأنه ما أباحها لهم ليُذهب بها حسناتهم !
وإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق، لأن الكتاب والسنة الصحيحة دالان عليه والله تعالى يقول : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) .. الآية.
أما كون الآية في الكفار، فقد صرَّح الله تعالى به في قوله : ( ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم ) .. الآية.
والقرآن والسنة الصحيحة قد دلا على أن الكافر إن عمل عملاً صالحاً مطابقاً للشرع، مخلصاً فيه لله، كالكافر الذي يبر والديه، ويصل الرحم ، ويقري الضيف، وينفس عن المكروب، ويعين المظلوم يبتغي بذلك وجه الله ؛ يثاب بعمله في دار الدنيا خاصة بالرزق والعافية، ونحو ذلك ولا نصيب له في الآخرة.
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) ، وقوله تعالى : ( من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) . وقد قيد تعالى هذا الثواب الدنيوي المذكور في الآيات بمشيئته وإرادته في قوله تعالى: ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورًا ) .

وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يُعطي بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" هذا لفظ مسلم في صحيحه.
وفي لفظ له عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم: "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدّخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته". اهـ.
فهذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه التصريح بأن الكافر يجازى بحسناته في الدنيا فقط، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً، وبمقتضى ذلك، يتعين تعييناً لا محيص عنه، أن الذي أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها هو الكافر، لأنه لا يجزى بحسناته إلا في الدنيا خاصة.
وأما المؤمن الذي يجزى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً، فلم يُذهب طيباته في الدنيا، لأن حسناته مدخرة له في الآخرة، مع أن الله تعالى يثيبه بها في الدنيا ؛ كما قال تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ، فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث لا يحتسب ثواباً في الدنيا وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة. والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.
وعلى كل حال ؛ فالله –جل وعلا- أباح لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم الطيبات في الحياة الدنيا، وأجاز لهم التمتع بها، ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة، كما قال تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) .
فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة، وهو صريح في أنهم لم يُذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.
ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة، يكون لهم أجر زائد على ذلك ؛لأن المؤمنين يؤجرون بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد، كما هو معلوم.
والنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يُذهب طيباته في الحياة الدنيا، لأنه يجزى في الدنيا فقط ؛ كالآيات المذكورة، وحديث أنس المذكور عند مسلم، قد قدمناها موضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) ، وذكرنا هناك أسانيد الحديث المذكور وألفاظه ) . انتهى . وانظر: (3/493) من أضواء البيان.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-11-05, 07:45 PM
فيصل المزني فيصل المزني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-10-05
المشاركات: 56
افتراضي

جزاك الله خير يا شيخ سليمان
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18-09-07, 06:46 AM
ابن عبد الغنى ابن عبد الغنى غير متصل حالياً
ستره الله فى الدنيا والآخرة
 
تاريخ التسجيل: 19-08-06
المشاركات: 1,011
افتراضي

ولماذا كان يستشهد الفاروق عمر بالآيه مخوفا بها نفسه والصحابه كما ورد فى بعض الآثار ؟
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 18-09-07, 06:45 PM
أبوصهيب المغربي أبوصهيب المغربي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-03-07
المشاركات: 176
افتراضي

ولماذا كان يستشهد الفاروق عمر بالآيه مخوفا بها نفسه والصحابه كما ورد فى بعض الآثار
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18-09-07, 11:12 PM
عبد الباسط بن يوسف الغريب عبد الباسط بن يوسف الغريب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-02-07
المشاركات: 775
افتراضي

جزاك الله خيرا
أثر عمر ضعفه شيخنا الألباني رحمه الله في ضعيف الترغيب (1300) (1918) (1919)
لكن صح عن سعد أنه قالها :
عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال استأذن سعد رضي الله عنه على ابن عامر وتحته مرافق من حرير فأمر بها فرفعت فدخل عليه وهو على مطرف من خز
فقال له استأذنت وتحتي مرافق من حرير فأمرت بها فرفعت فقال له نعم الرجل أنت يا ابن عامر إن لم تكن ممن قال الله أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا والله لأن أضطجع على جمر الغضا أحب إلي أن أضطجع عليها
رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما
صحيح الترغيب (2055)
والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
أو يقال فيها كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأبي بكر وعمر :والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم .
أي إذا لم تؤدوا شكره كما أجاب شيخ الإسلام عن الاشكال في الحديث .
فيقال في الآية أذهبتم طيباتكم إذا لم تكونوا من الشاكرين .
والله أعلم
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 19-09-07, 12:15 AM
ابن وهب ابن وهب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-04-02
المشاركات: 6,957
افتراضي

قال ابن تيمية
(وقد تنازع الناس فيما ينال الكافر في الدنيا من التنعم هل هو نعمة في حقه أم لا على قولين وكان أصل النزاع بينهم هو النزاع في القدرة
والقدرية الذين يقولون لم يرد الله لكل أحد إلا خيرا له بخلقه وأمره وإنما العبد هو الذي أراد لنفسه الشر بمعصيته وبترك طاعته التي يستعملها بدون مشيئة الله وقدرته أراد لنفسه الشر
وهؤلاء يقولون ما نعم به الكافر فهو نعمة تامة كما نعم به المؤمن سواء إذ عندهم ليس لله نعمة خص بها المؤمن دون الكافر أصلا بل هما في النعم الدينيه سواء وهو ما بينه من أدلة الشرع والعقل وما خلقه من القدرة والألطاف ولكن أحدهما اهتدي بنفسه بغير نعمة أخري خاصة من الله والآخر ضل بنفسه من غير خذلان يخصه من الله وكذلك النعم الدنيوية هي في حقهما علي السواء
والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربما زادوا في المناظرة نوعا من الباطل وإن كانوا في الأكثر علي الحق فكثيرا ما يرد مناظر المبتدع باطلا عظيما بباطل دونه
تنازع الناس فيما ينال الكافر في الدنيا من التغم هل هو نعمه في حقه ام لا
ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة وأن لا يرد باطل بباطل
فقال كثير من هؤلاء ليس لله على الكافر نعمة دنيوية كما ليس له عليه نعمة دينية تخصه إذ اللذة المستعقبة ألما أعظم منها ليست بنعمة كالطعام المسموم وكمن أعطي غيره أموالا ليطمئن ثم يقتله أو يعذبه
قالوا والكافر كانت هذه النعم سببا في عذابه وعقابه كما قال تعالى إنما نملى لهم ليزدادوا إثما
وقال تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون
وقال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
وقال تعالى فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملى لهم إن كيدي متين
وخالفهم آخرون من أهل الإثبات للقدر أيضا فقالوا بل لله على الكافر نعم دنيوية
والقولان في عامة أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم
قال هؤلاء والقرآن قد دل على امتنانه على الكفار بنعمه ومطالبته إياهم بشكرها فكيف يقال ليست نعما قال تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا
نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها إلى قوله الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار إلى قوله وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار وقال تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وكيف يكون كفورا من لم ينعم عليه بنعمه
فالمراد لازم قول هؤلاء أن الكفار لم يحب عليهم شكر الله إذ لم يكن قد أنعم عليهم عندهم وهذا القول يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام فإن الله ذم الإنسان بكونه كفورا غير شكور إذ يقول إن الإنسان لربه لكنود وقال تعالى ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح فخور
وقد قال صالح عليه السلام لقومه واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين
وقال تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا
وقال تعالى وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله
وقال الأولون قد قال تعالى صراط الذين أنعمت عليهم
والكفار لم يدخلوا في هذا العموم فعلم أنهم خارجون عن النعمة وقال تعالى في خطابه للمؤمنين كلوا من طيبات ما رزقناكم وقال تعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به وقال تعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله
وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعم ولذة وسرور ولم تسم في حقهم نعمة على الخصوص وإنما تسمي نعمة باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم لأن المؤمن سعد بها في الدنيا والآخرة والكافر ينعم بها في الدنيا
وذلك أن كفر الكافر نعمة في حق المؤمنين فإنه لولا وجود الكفر والفسوق والعصيان لم يحصل جهاد المؤمنين للكفار وأمرهم الفساق والعصاة بالمعروف ونهيهم إياهم عن المنكر ولولا وجود شياطين الإنس والجن لم يحصل للمؤمنين من بعض هذه الأمور ومعاداتها ومجاهداتها ومخالفة الهوى فيها ما ينالون به أعلى الدرجات وأعظم الثواب
والأنسان فيه قوة الحب والبغض وسعادته في أن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله فإن لم يكن في العالم ما يبغضه ويجاهد أصحابه لم يتم إيمانه وجهاده وقد قال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون
قالوا ولو كانت هذه اللذات نعما مطلقة لكانت نعمة الله على أعدائه في الدنيا أعظم من نعمته على أوليائه قالوا ونعمة الله التي بدلوها كفرا هي إنزال الكتاب وإرسال الرسول حيث كفروا بها وجحدوا أنها حق كما قال عليه السلام ألا لا فخر إني من قريش
وكذلك قوله تعالى وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله هم الذين كفروا بما أنزل الله من الكتاب والرسل وتلك نعمة الله المعظمة وقال تعالى أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين
وحقيقة الأمر أن هذه الأمر فيها من التنعم باللذة والسرور في الدنيا ما لا نزاع فيه ولهذا قال تعالى بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون وقال تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم
الدنيا واستمتعتم بها وقال تعالى وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا وقال تعالى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل وقال تعالى وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وهذا أمر محسوس
لكن الكلام في أمرين أحدهما هل هي نعمة أم لا والثاني أن جنس تنعم المؤمن في الدنيا بالإيمان وما يتبعه هل هو مثل تنعم الكافر أو دونه أو فوقه وهذه هي المسألة المقدمة
فأما الأول فيقال اللذات في أنفسها ليست نفس فعل العبد بل قد تحدث عن فعله مع سبب آخر كسائر المتولدات التي يخلقها الله تعالى بأسباب منها فعل العبد
لكن اللذات تارة تكون بمعصية من ترك مأمور أو فعل محظور كاللذة الحاصلة بالزنا وبموافقة الفساق وبظلم الناس وبالشرك والقول على الله بغير علم فهنا المعصية هي سبب للعذاب الزائد على لذة الفعل لكن ألم العذاب قد يتقدم وقد يتأخر وهي تشبه أكل الطعام الطيب الذي فيه من السموم ما يمرض أو يقتل ثم ذلك العذاب يمكن دفعه بالتوبة وفعل حسنات أخر لكن يقال تلك اللذة الحاصلة بالمعصية لا تكون معادلة لها ما في التوبة عنها والأعمال الصالحة من المشقة والألم ولهذا قيل ترك الذنب أمر من التماس التوبة وقيل رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا
لكن فعل التوبة والحسنات الماحية قد يوجب من الثواب أعظم من ثواب ترك الذنب أولا فيكون ألم التائب أشد من التارك إذا استويا من جميع الوجوه وثوابه أكثر وكذلك لما يكفر الله به الخطايا من المصائب مرارة تزيد على حلاوة المعاصى
وتارة تكون اللذات بغير معصية من العبد لكن عليه أن يطيع الله فيها فيتجنب فيها ترك مأموره وفعل محظوره كما يؤتاه العبد من المال والسلطان ومن المآكل والمناكح التى ليست بمحرمة
والله سبحانه أمر مع أكل الطيبات بالشكر فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون وفي صحيح مسلم عن النبي أنه قال إن الله ليرضي عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها وفي الأثر الطاعم الشاكر كالصائم الصابر رواه ابن ماجة عن النبي
وقد قال تعالى ثم لتسألن يومئذ عن النعيم
ولما ضاف النبي أبا الهيثم بن التيهان وجلسوا في الظل وأطعمهم فاكهة ولحما وسقاهم ماء باردا قال هذا من النعيم الذي تسألون عنه
والسؤال عنه لطلب شكره لا لإثم فيه فالله تعالى يطلب من عباده شكر نعمه وعليه أن لا يستعين بطاعته على معصيته فإذا ترك ما وجب عليه في
نعمته من حق واستعان بها على محرم صار فعله بها وتركه لما فيها سببا للعذاب أيضا فالعذاب أستحقه بترك المأمور وفعل المحظور على النعمة التي هي من فعل الله تعالى وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره بعلمه ومشيئته وقدرته وخلقه
فأن حقيقة الأمر أنه نعم العبد تنعيما وكان ذلك التنعيم سببا لتعذيبه أيضا فقد اجتمع في حقه تنعيم وتعذيب ولكن التعذيب إنما كان بسبب معصيته حيث لم يؤد حق النعمة ولم يتق الله فيها
وعلى هذا فهذه التنعمات هي نعمة من وجه دون وجه فليست من النعم المطلقة ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقها ومقيدها فباعتبار ما فيها من التنعم يصلح أن يطلب حقها من الشكر وغيرها وينهى عن استعمالها في المعصية فتكون نعمة في باب الأمر والنهي والوعد والوعيد
وباعتبار أن صاحبها يترك فيها المأمور ويفعل فيها المحظور الذي يزيد عذابه على نعمها كانت وبالا عليه وكان أن لا يكون ذلك من حقه خيرا له من أن يكون فليست نعمة في حقه في باب القضاء والقدر والخلق والمشيئة العامة وإن كان يكون نعمة في حق عموم الخلق والمؤمنين وعلى هذا يظهر ما تقدم من خيرات الله فإن ذلك استدراج ومكر وإملاء
وهذا الذي ذكرناه من ثبوت الإنعام بها من وجه وسلبه من وجه آخر مثل ما ذكر الله في قوله تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه
فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما آبتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا فإنه قد أخبر أنه أكرمه وأنكر قول المبتلى ربي أكرمن واللفظ الذي أخبر الله به مثل اللفظ الذي أنكره الله من كلام المبتلى لكن المعني مختلف فإن المبتلي اعتقد أن هذه كرامة مطلقة وهي النعمة التي يقصد بها أن النعم إكرام له والإنعام بنعمة لا يكون سببا لعذاب أعظم منها وليس الأمر كذلك بل الله تعالى ابتلاه بها ابتلاء ليتبين هل يطيعه فيها أم يعصيه مع علمه بما سيكون من الأمرين لكن العلم بما سيكون شيء وكون الشيء والعلم به شيء
وأما قوله تعالى فأكرمه ونعمه فإنه تكريم بما فيه من اللذات ولهذا قرنه بقوله ونعمه ولهذا كانت خوارق العادات التي تسميها العامة كرامة ليست عند أهل التحقيق كرامة مطلقا بل في الحقيقة الكرامة هي لزوم الاستقامة وهى طاعة الله وإنما هي مما يبتلي الله به عبده فإن أطاعه بها رفعه وإن عصاه بها خفضه وإن كانت من آثار طاعة أخري كما قال تعالى وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا
وإذا كان في النعمة والكرامة هذان الوجهان فهي من باب الأمر والشرع نعمة يجب الشكر عليها وفي باب الحقيقة القدرية لم تكن لهذا الفاجر بها إلا فتنة ومحنة استوجب بمعصية الله فيها العذاب وهي في ظاهر الأمر أن يعرف حقيقة الباطن ابتلاء وامتحان يمكن أن تكون من أسباب سعادته ويمكن أن تكون من أسباب شقاوته وظهر بها جانب الابتلاء بالمر فإن الله يبتلي بالحلو والمر كما قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون وقال وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون
فمن ابتلاه الله بالمر بالبأساء والضراء والبأس وقدر عليه رزقه فليس ذلك إهانة له بل هو ابتلاء فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدا وإن عصاه في ذلك كان شقيا كما كان مثل ذلك سببا للسعادة في حق الأنبياء والمؤمنين وكان شقاء وسببا للشقاء في حق الكفار والفجار
وقال تعالى والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وقال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا وقال تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على
النفاق لا تعلهم نحن تعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلي عذاب عظيم وقال تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون وقال تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون
وكما أن الحسنات وهي المسار الظاهرة التي يبتلي بها العبد تكون عن طاعات فعلها العبد فكذلك السيئات وهي المكاره التي يبتلي بها العبد تكون عن معاصي فعلها العبد كما قال تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
وقال تعالى أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم
وقال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير
وقال تعالى فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله
وقال تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور
ثم تلك المسار التي هي من ثواب طاعته إذا عصي الله فيها كانت سببا لعذابه والمكاره التي هي عقوبة معصيته إذا أطاع الله فيها كانت سببا
لسعادته فتدبر هذا لتعلم أن الأعمال بخواتيمها وأن ما ظاهره نعمة هو لذة عاجلة قد تكون سببا للعذاب وما ظاهره عذاب وهو ألم عاجل قد يكون سببا للنعيم وما هو طاعه فيما يري الناس قد يكون سببا لهلاك العبد برجوعه عن الطاعة إذا ابتلي في هذه الطاعة وما هو معصية فيما يري الناس قد يكون سببا لسعادة العبد بتوبته منه وتصبره على المصيبة التي هي عقوبة ذلك الذنب
فالأمر والنهي يتعلق بالشيء الحاصل فيؤمر العبد بالطاعة مطلقا وينهي عن المعصية مطلقا ويؤمر بالشكر على كل ما يتنعم به
وأما القضاء والقدر وهو علم الله وكتابه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه فهو باعتبار الحقيقة الآجلة فالأعمال بخواتيمها والمنعم عليهم في الحقيقة هم الذين يموتون على الإيمان
)
انتهى من نسخة الكترونية
وأتبرأ إلى الله ما ففيه من تصحيف أو تحريف أو اضافة عناوين ليست من الكتاب
فليرجع إلى الكتاب الأصلي
__________________
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 19-09-07, 12:25 AM
ابن وهب ابن وهب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-04-02
المشاركات: 6,957
افتراضي

وللشيخ مساعد الطيار - وفقه الله
موضوع
بعنوان
الاستشهاد بالآيات في غير ما نزلت فيه وتنزيل آيات الكفار على المؤمنين
في ملتقى أهل التفسير

__________________
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 19-09-07, 01:29 AM
ابن عبد الغنى ابن عبد الغنى غير متصل حالياً
ستره الله فى الدنيا والآخرة
 
تاريخ التسجيل: 19-08-06
المشاركات: 1,011
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابن وهب مشاهدة المشاركة
وللشيخ مساعد الطيار - وفقه الله
موضوع
بعنوان
الاستشهاد بالآيات في غير ما نزلت فيه وتنزيل آيات الكفار على المؤمنين
في ملتقى أهل التفسير

شيخنا بن وهب اعيانى البحث عن الموضوع فهل تتكرم بوضع الرابط
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 19-09-07, 01:40 AM
ابن وهب ابن وهب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-04-02
المشاركات: 6,957
افتراضي

http://www.tafsir.org/vb/showthread....7711#post27711
__________________
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 24-09-07, 07:24 AM
ابومحمد بكري ابومحمد بكري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-03-06
المشاركات: 362
افتراضي

جزاك الله خيراً
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:10 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.