ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > خزانة الكتب والأبحاث

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 23-11-05, 11:38 AM
أبو حاتم يوسف حميتو المالكي أبو حاتم يوسف حميتو المالكي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-05
الدولة: الدار البيضاء
المشاركات: 1,018
افتراضي مؤلفات الدكتور فتحي الدريني

من يملك نسخا من مؤلفات الدكتور فتحي الدريني فليتحفني بنسخ منها على النت ، وله المثوبة من الله
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-10-06, 01:53 AM
مصطفي سعد مصطفي سعد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-09-05
الدولة: egypt
المشاركات: 1,969
افتراضي

من هو الدكتور الدرينى من يفيدنا بفائدة عنه
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-10-06, 02:08 AM
أبو أكرم الحلبي أبو أكرم الحلبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-11-04
الدولة: سجن المؤمن
المشاركات: 1,296
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفي سعد مشاهدة المشاركة
من هو الدكتور الدرينى من يفيدنا بفائدة عنه
من الدكاترة البارزين في كلية الشريعة جامعة دمشق
والآن هو خارج سورية
له كتاب في الفقه المقارن يدرس في السنة الرابعة في كلية الشريعة
وإليك معلومات عن مؤهلات الدكتور العلمية:
1- دكتوراه في الفقه الإسلامي وأصوله -درجة الامتياز بمرتبة الشرف الأولى- من كلية الشريعة والقانون - جامعة الأزهر 1965
2- دبلوم العلوم السياسية - دراسات عليا - قسم الدكتوراه - كلية الحقوق - جامعة القاهرة 1954
3- دبلوم في العلوم القانونية من معهد البحوث والدراسات القانونية التابع لجامعة الدول العربية - القاهرة 1963
4- العالمية مع إجازة في تخصص القضاء الشرعي - كلية القانون والشريعة - جامعة الأزهر 1951
5- العالمية مع الإجازة في التدريس - من كلية اللغة العربية - جامعة الأزهر 1952
6- دبلوم في التربية وعلم النفس من كلية التربية - جامعة عين شمس 1952 القاهرة
7- ليسانس في الآداب - بتفوق - من كلية الآداب - جامعة القاهرة 1950
8- ليسانس في الشريعة - كلية القانون والشريعة - جامعة الأزهر 1947

وكفــــــــــــــــــــــى
الدكتور الدريني موسوعة بحق وكتابه الذي يدرس في الكلية من أبرز الكتاب وأشملها وأعظمها فائدة
حياكم الله
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-10-06, 02:14 AM
أبو أكرم الحلبي أبو أكرم الحلبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-11-04
الدولة: سجن المؤمن
المشاركات: 1,296
افتراضي

أما بالنسبة لطلب الدكتور يوسف :
كلنا نمني النفس بالحصول على هذه الكتب على الشبكة
ولكن للأسف غالبها تحتكره دور للنشر ولا تسمح بنشره على الشبكة
إضافة إلى عدم وجود لجنة متخصصة من الطلبة تقوم بهذا العمل
وهذا الموضوع سيتم مناقشته في الكلية إن شاء الله تعالى
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-10-06, 02:34 AM
مصطفي سعد مصطفي سعد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-09-05
الدولة: egypt
المشاركات: 1,969
افتراضي

ما هى المكتبة التى تطبع كتبه يا اكرم
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-10-06, 02:36 AM
أم مريم أم مريم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-08-06
المشاركات: 523
افتراضي

من أبحاث الدكتور محمد فتحي الدريني

في فلسفة علم أصول الفقه الإسلامي: هَل قوّة اسْتمرَار الحكم السابق ثابتة بالاستِصحاب شرعاً أو عقلاً؟


منهج البحث موَجهاً وَمفصلاً‏

1-غير مُجدٍ الاستدلالُ على حُجِّيَّةِ الاستصحاب شرعاً، باستمرار أحكام الشريعة إلى يوم القيامة، لأن خلود الشريعة ثابت بالأدلة التي نهضت به، وهي صريحة الدلالة على أنها دين الله إلى الزمن المقدَّر لبقاء هذا العالم، وهذا ليس بحكم الاستصحاب، على ما ذهب إليه كثير من الأصوليين!‏

2-تعريف الاستصحاب لغة واصطلاحاً.‏

3-إن ظن بقاء الحكم واستمراره –وهو الاستصحاب –باعتباره أثراً لازماً لعين دليل وجوده، هو أقوى من مجرد احتمال تغيُّرهِ.‏

4-ظنُّ البقاء والديمومة، لا يساوي يقين البقاء، فافترقا، نوعاً وحكماً.‏

5-الأحكام العقلية، ليست محلاًّ للاستصحاب، إذ ليس مناطه متحققاً فيها، فينبغي استبعادها من أنواع الاستصحاب التي أوردها الأصوليون في مصنفاتهم.‏

6-الشرع جاء مؤيِّداً لحكم العقل بالبراءة الأصلية، أو العَدَم الأصلي، عند انتفاء الدليل الشَّاغل للذمة بالتكاليف.‏

7-تأييد الشرع لحكم العقل بالبراءة الأصلية، لا يلغي حقيقة كون العقل هو دليل استمرار العَدم الأصلي، أو استدامة الحكم بهذه البراءة، حتى يرِدَ دليلٌ من الشرع يَشغلُ الذمة بالتكاليف.‏

8-الإمام البَزْدوي يقع في التناقض، إذ تراه يعتبر استمرار الحكم المبني على سبب، استصحاباً، وتارة يعتبر استمراره بمقتضى السبب نفسه الذي بني عليه تشريعه، لا بالاستصحاب!‏

9-أنواع الاستصحاب عند الأصوليين، وتحقيق المناط فيها.‏

10-المالكية، ووجهة نظرهم في استصحاب "الوصف" من حيث تطبيقهُ على بعض المسائل، أو الوقائع المتجددة، يخالفون جمهور الفقهاء من حيث اجتهادهم في هذا التطبيق، وبيان رأي ابن حزم في ذلك، والأمثلة التطبيقية المعروضة من العلاقات الزوجية.‏

11-تقدير موقف الأصوليين من اعتبار أنواع أخرى من الاستصحاب، وتحليلها، ومناقشتها في ضوء علم الأصول وفلسفته.‏

آ-النوع الأول: العَدَمَ الأصلي، أو براءة العَدَم الأصلية.‏

12-العقل المحض، لا يملك إثبات الأحكام ابتداءً، لأن دلالته مقصورة هنا على "العدَم الأصلي" أو البراءة من التكاليف، قبل ورود الشرع، ومع ذلك، فإن للعقل مَدخلاً دلالياً في تجاوز مقتضى أصل الإباحة، أو الحل العام، إلى إيجاب أمر ثبت بمقتضى حكم العقل العلمي المتخصص، أنّ فيه نفعاً عظيماً، وكذلك للعقل حكم بالمنع أيضاً في كل أمر يثبت بمقتضاه، أن فيه ضرراً كبيراً، بيِّناً، وان لم يرد في الشرع دليل خاص به، من نصٍّ أو إجماع، أو قياس، لأن فهم نفس الشرع، وروحِهِ العام، يوجب ذلك، ومردُّ هذا –فيما نعتقد –إلى استلهام القواعد العامة في التشريع، ومقاصده الأساسية.‏

13-الأصوليون يقررون في مصنَّفاتهم، أن "البراءة الأصليَّة" أو "العَدَم الأصلي" حكمّ عقليٌّ محض، وهو سابقٌ على ورود الشرع به، ومع ذلك يدرجونه في أنواع الاستصحاب!!‏

14-الأمثلة التطبيقية لاستمرار العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية، بحكم العقل.‏

15-هل الحكم الثابت بالإجماع، أو القياس، محلٌّ للاستصحاب؟؟.‏

16-الحكم الثابت عن طريق القياس، في الفرع المقيس، ليس محلاًّ للاستصحاب في ذاته، لأن الفرع تبعٌ للأصل، فإذا كان أصله محلاًّ للاستصحاب، كان الفرع محلاًّ له، تبعاً لذلك، وإلا فلا.‏

***‏

هَل قوّة اسْتمرَار الحكم السّابق ثابتة بالاستِصحاب شرعاً أو عقلاً؟‏

مقدمة:‏

لم تتفق كلمة الأصوليين والفقهاء على "مفهوم موحَّد" "للاستصحاب" ولا على "أنواعه" التي يتحقق فيها مناطُه، ولا على مدى "حجيته" في الاستدلال الأصولي، من حيث كونه خطَّة منهجية علمية، ينبغي أن يلتزمها المجتهد، ويعمل بما تؤدي إليه من أحكام، حين لا يظفر المجتهد من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس –بعد البحث والتحري –بما يغطي به الحالة، أو الحادثة المعروضة التي ثَبَتَ لها حكم سابق في الماضي، ولا يُدرى طروءُ دليل مغيِّر لها في الحاضر، على الرغم من مرور الزمن، حتى إذا أعيا المجتهدَ البحثُ عن الدليل المغيِّر، فلم يجده، لجأ حينئذ إلى "الاستصحاب" على أنه آخر الأدلة، أو على حد تعبير الأصوليين: "آخر مدار الفتوى" (1)‏

وعلى هذا، فقد تبين لك، أن شرط اللجوء إلى الاستدلال بالاستصحاب أصولياً، عن القائلين بحجيته، هو البحث عن الدليل المغيِّر لحكم الحادثة المعروضة الذي ثبت لها في الماضي، وعدم إمكان العثور عليه، أو وجدانه، فيحصل لدى المجتهد –بعد البحث والاستقصاء في المصادر التشريعية الأربعة المعروفة من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس، ولم يظفر بأي دليل مغيِّر –أقول يحصل لديه عندئذ ظنٌ بعدم الدليل، والظن بعدم الدليل المغيِّر أو المزيل، يستلزم النقيض، وهو الظن بالبقاء والاستمرار للحكم السابق، وهذا المَلحَظُ هو الذي ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار، إبَّان الاستدلال على مدى حجية الاستصحاب عند الأصوليين، على ما سيأتي تفصيله.‏

ونودُّ أن نشير هنا. إلى أن الظنَّ بالعدم (2) –ثمرةً للبحث والتحري، مما يستلزم الظن بالبقاء والاستمرار –ينزّل منزلة "العلم"، لأن "العلم" أو "الإدراك" مفهوم عامٌ يندرج فيه كلُّ من "اليقين" و الظن القوي" فكان الظن أو الإدراك القوي "علماً" أو بمنزلة "العلم" وهذا كاف في حجية الاستدلال في إثبات الأحكام في المعاملات، إجماعاً، على ما سيأتي بيانه في بحث "مدى حجيَّته".‏

هذا، وإذا كان البحث أو التحري، شرطاً مجمعاً عليه، من أجل الظفر بالدليل المغيِّر، فلا يجوز الاستدلال بالاستصحاب على حكم الوقائع المعروضة، قبل هذا (3)، لفقدان شرط العمل به، والشيء لا يوجد بدون شرطه، بل لا يصح، لأن "حكمة" هذا الشرط، هي جعل "الاستصحاب" آخر المطاف، فأي دليل من المصادر التشريعية المعروفة، يعثر عليه، يقدَّم عليه إذا عارض الحكم السابق،، لأن إرادة الشارع حينئذ اتجهت إلى تغيير ما كان ثابتاً قبلاً، فيرجَّح الدليل المغيَّر الطارئ على الدليل السابق الثابت في الماضي، سواء أكان عقلياً أم شرعياً، على ما نفصِّل القول فيه في مقامه.‏

فتلخَّص، أن المجتهد إذا بذل أقصى ما في وسعه العلمي في البحث عن الدليل المزيل، أو المغيِّر، لحكم للحالة الماضية، فلم يظفر به، لجأ حينئذ إلى الاستدلال بالاستصحاب –كما ذكرنا –فيسحب هذا الحكم السابق الثابت للحالة في الماضي، ليجعله قائماً مستمراً في الحاضر، والمستقبل، لأن مجرد مرور الزمن، لا يغيِّر حكمها الذي شرع لها ابتداء، دون دليل مؤثِّر جديد يقطع هذا الاستمرار والبقاء، وهذا معنى قول الأصوليين:‏

"الأصل بقاء ما كان على ما كان (4)" حتى يوجد الدليل المغيِّر، فهل يعتبر هذا أصلاً عاماً من أصول الاستدلال والاستنباط شرعاً، تقوم بها الحجة، عند عدم وجود الدليل المغيِّر؟؟ ذلكم هو موضوع البحث!!.‏

على أنه قبل تناول هذا البحث، لا بدَّ أن نشير –بادئ ذي بدء –إلى أن فريقاً من الأصوليين، اختلط الأمر عليه، فتجده لا يكاد يميِّز ببين حكم العقل المحض الذي يقضي بوجود الحكم، كما يقضي باستمراره أيضاً، وبين الاستصحاب، فالدليل على الاستمرار في مثل هذه الحال إذن، هو "العقل" لا الاستصحاب.‏

هذا، وتجد فريقاً آخر يشتبه الأمر عليه بين الاستدلال بالاستصحاب على استمرار الحكم الثابت به أصلُ وجود الحكم في الماضي، بدليل شرعي، وبين ما يدل العقل والشرع معاً، على وجود هذا الحكم واستمراره أيضاً، مما يدل على أن الشرع جاء مؤيداً لحكم العقل، ولو أراد تغييره، لورد الدليل الشرعي الطارئ على هذا التغيير، ولما لم يوجد هذا الدليل، نشأ الظن القوي بإرادة استدامة (5) الحكم العقلي، واستبقائه، فيبقى على ما كان.‏

هذا، ويقع التخليط أيضاً، بين استمرار الحكم الشرعي بالاستصحاب، وبين استمراره، نتيجة لازمة لحكم أصل وجوده الثابت له شرعاً في الزمن الماضي ابتداءً (6)، مما يتبين، أن المشرع، قد أقام الحكم السابق للحادثة على "سبب" اقتضى أصل وجوده، كما اقتضى استمراره معاً في الوقت عينه، فيكون استمرار الحكم، واستدامته –كما ترى –ثابتين باقتضاء "السبب" لا بحكم الاستصحاب، فينبغي ملاحظة هذا الفارق الحاسم، وهذه هي الأحكام الشرعية الممتدة. (7).‏

وأيضاً، إن ما كان استمراره من الأحكام –حاضراً ومستقبلاً –بمقتضى "سَبَبِهِ" الذي أقام الشارع نفسه الحكم على أساسه، ينبغي أن يكون هذا النوع أمراً مسلَّماً به شرعاً، مراعاة للسبب المؤثِّر بجعل الله تعالى في هذا الإيجاد والاستمرار كليهما، فخرج بذلك، عن أن يكون مثاراً للاختلاف في استمراره أو بقائه، وما يستوجب هذا البقاء بدوره من استتباع "الآثار" الواجب العمل بها، لقوة حجيتها، بقوة المؤثر فيها –وهو السبب –وهذا لا يمتُّ إلى "حقيقة الاستصحاب" مطلقاً، لما عرفت من أن "مناط" الاستصحاب، والاستدلال به، إنما يكون حيث لا دليل، وهذا دليله قائم، وهو "السبب" الشرعي الذي اقتضاه، بل الذي أقام الشارع الحكم عليه أصلاً.‏

وعلى هذا، فحجيَّة استمرار الحكم في مثل هذه الحال، وما يستوجب هذا الاستمرار من استتباع آثاره، مستمدة من حجيَّة "السبب" نفسه الذي اعتبره الشارع، بدليل إقامته الحكم عليه ابتداءً، فالبقاء إذن –في هذه الحال –أثرٌ للعلة أو السبب، وليس أثراً للاستدلال بالاستصحاب، أو عملاً بحكمه!!!‏

فتلخص، أن دليل الوجود الذي اقتضاه السبب، هو بعينه دليل البقاء والاستمرار، بقيام الحكم أصلاً على "سبب" يوجب استمراره، حتى يوجد الدليل الطارئ المؤثر في تغييره.‏

مثال ذلك: "الملك الثابت شرعاً، أثراً لعقد البيع، بل حكماً أصلياً له، والزوجية الثابتة بعقد الزواج، وشغل الذمة الثابت بعقد القرض، والضمان أو التعويض الثابتُ شغل الذمة به، بفعل الاتلاف مع التعدي، فإن أدلة ثبوت أصل وجود هذه الأحكام، هي عقد البيع، وعقد الزواج، وعقد القرض، وفعل الاتلاف تعدِّياً، وهي "أسباب جعليَّة" بمعنى أن الشارع قد جعلها "أسباباً" و"عللاً" مؤثرة في أصل وجود هذه الأحكام أو نشوئها بعد ان لم تكن، كما جعلها تقتضي استمرارها وبقاءها، حتى يطرأ الدليل المغيِّر، بأن يبيع "المالك" ما اشتراه، أو يهبه، أو تنتهي عقدة النكاح بالطلاق، أو يؤدي من شُغلت ذمته بالمال المقترَض إلى المقرِض، أو يبرئه المقرض، أو يعوِّض المتلف عما أتلف، على صاحبه، ولولا هذا الدليل المَغِّير، لبقي حكم الزواج قائماً مستمراً، حاضراً ومستقبلاً، وكذلك "الملكية" مستمر حكمُها لصاحبه، بعين السبب الذي أنشأ أصل وجودها في الماضي، ولوَوسعَ كل من شاهد عقد البيع إبَّان إبرامه، أن يشهد أمام القضاء، إذا ما دُعي إليه، عند التنازع، أن يشهد بأن الملك لمن اشترى بعقد شاهَدَ إبرامه في الماضي، بينه وبين البائع، وما زال، وما ذلك، إلا لقوة استمرار الحكم شرعاً، بعين دليل وجوده، أي بالعقد أو السبب، ولكن الأصوليين، وإن اتفقوا على هذا الحكم –أدخلوا هذا النوع من استمرار الوجود، في بحث الاستصحاب" على الرغم من عدم تحقق مناطه فيه، بل وأخذوا يستدلون به على حجية الاستصحاب، في حين أنه غير داخل في محل النزاع أصلاً، كما رأيت (8).‏

هذا، وقد أشرنا آنفاً، إلى صحة هذا الأصل، من أن الاستمرار هو أثر لازم لأصل وجود الحكم القائم على سبب يقتضيه، لا للاستصحاب، بدليل أن مثل هذه "العقود" والتصرفات التي هي "أسباب" لنشوء أحكامها، لا تقبل "التوقيت" بل التوقيت يفسدها، وعللوا ذلك، بأنه ينافي مقتضى "السبب" وهو "ديمومتها" أي استمرار أحكامها، فعقد الزواج المؤقت باطل، وعقد البيع لا يقبل "التوقيت"، فلو قلت: اشتريت هذه الأرض لسنتين، بطل العقد، وغير ذلك من العقود التبادلية، مما يدل على أنها أحكام شرعية ممتدة بمقتضى أسبابها التي نشأت عنها، ما عدا ما يقبل "التوقيت" بحكم طبيعته، كعقد الإجارة، لأنه عقد على المنافع لا على الأعيان، وهي بطبيعتها تتجدد شيئاً فشيئاً، وإذا كان استمرار الحكم في جريانه، واستتباع آثاره، ثابتاً بالسبب الذي اقتضى أصل وجوده، لا بحكم الاستصحاب، كما بينا، لم يكن ثمة وجه. لاستدلال الأصوليين على "حجية الاستصحاب" بمثل هذه العقود والتصرفات، إذ لا صلة لها بالاستصحاب أصلاً، لا من قريب ولا من بعيد، فكان الاستدلال بها، استدلالاً في غير موضوعه!.‏

1-غير مجد الاستدلالُ على حجية الاستصحاب، باستمرار أحكام الشريعة إلى يوم القيام، لأن خلود الشريعة بالأدلة التي نهضت به، وهي صريحة الدلالة على أنها دين الله إلى الزمن المقدر لبقاء هذا العالم، وهذا ليس بحكم الاستصحاب على ما ذهب إليه كثير من الأصوليين!‏

من عجب، أن ترى فريقاً من الأصوليين، يستدل على حجية "الاستصحاب" باستمرار أحكام الشريعة إلى الزمن المقدر لبقاء هذا العالم، وهذا –في الواقع –تخليط بين ما قام الدليل القاطع على استمراره وبقائه، بل وخلوده، وبين الاستمرار بحكم الاستصحاب، حيث لا دليل، ولا سبب، فوجب التمييز!!‏

أما أن "الإسلام" خالدٌ إلى يوم القيامة، فهذا ليس من قبيل "الاستصحاب" في شيء، لأن دوامه وبقاءه ثابت بالدليل الذي يوجب البقاء، والخلود، ذلك، لأن رسالة الإسلام خاتمة الشرائع، وليس ثمة من رسالة تأتي بعدها لتنسخها أبداً، بعد وفاته (، وكذلك لا رسول بعد محمد ( بل هو خاتم النبين، والمرسلين، بنص الكتاب العزيز: (ما كان محمدٌ، أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبين( ولا يُقبلُ ممَّن يبتغي غير الإسلام ديناً: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً، فلن يقبل منه.(.‏

هذا، وإذا ثبت يقيناً أن الإسلام هو "النعمة الكبرى" التي أسبغها الله تعالى على العالمين، باعتباره الرسالة الكاملة، وأنه هو الدين الذي ارتضاه لخلقه، أن يتعبدوه به، فليس بعد "النعمة الكبرى" و"كمال الرسالة" وارتضاء الله تعالى الإسلام لنا ديناً، شيءٌ يُبتغى!!‏

هذا، وقد علمت، أن الاستدلال بالاستصحاب، لا يكون إلا حيث لا دليل على التغيير، ولا سبب يقتضي الاستمرار بعد البحث والنظر، فيحصل للمجتهد حينئذ "ظن البقاء" لكن ما نحن فيه، ليس مظنون البقاء، بل مستقين البقاء والخلود، لقيام الأدلة القطعية على ذلك، فافترقا!!‏

هذا، وترى فريقاً آخر من الأصوليين، أيضا، يُنكر "حجيَّة" الاستصحاب أصلاً، دون تفصيل في "الأنواع" التي تفرعت عن أصل حقيقته –في تصور كل منهم –وفريقاً آخر يراه "حجة" في بعض الحالات دون بعض، بمعنى أنه يراه حجة، إذا كان الحكم السابق سلبياً، لا إيجابياً، لأدلة استندوا إليها، وستأتي مناقشتها، هذا عدا الفريق الذي يرى الاستصحاب "حجة مطلقاً" لأنه –في تصور هذا الفريق –مما يوجبه العقل، والفطرة والعرف العام في المجتمع البشري، فضلاعما استدلوا به من الإجماع، شريطة أن يبلغ "إدراك المجتهد" مستوى من الظن القوي بعدم الدليل المغيِّر، والظن كاف في الاستدلال به على إثبات أحكام المعاملات، لأنه بمنزلة "العلم" –كما قدمنا –تيسيراً على الناس في سعيهم، لتحقيق مصالحهم في التعامل، وحفظ حقوقهم، فيجوز استصحاب الحكم السابق للحال الثابتة بدليلها في الزمن الماضي، والحكم باستمرار آثاره في الحاضر والمستقبل، بناء على ثبوته في الماضي، ما لم يقم دليل طارئ مؤثر في تغييره، وقطع استمراره.‏

ونحن إزاء هذه الآراء المتعارضة (10)، في "حجية" الاستصحاب، ينبغي ِأن نُجلِّيَ "الحقيقة" ناصعة البيان، مدعمة بالأدلة، لاتصال "الاستصحاب" –باعتباره منهجاً يفضي بالمجتهد إلى تمكينه من استمداد الحلول لوقائع لا تحصى –أقول: لاتصاله بمرونة الشريعة، واقتدارها على مجابهة الوقائع المتجددة بما المستقصي، يمكن الحكم على آراء الأصوليين المتضاربة، للوصول إلى "الحق العلمي" وهذا يقتضينا، أن نحدد "مفهوم الاستصحاب" بادئ ذي بدء، فنقول:‏

2-تعريف الاستصحاب، لغةً، واصطلاحاً:‏

الاستصحاب لغة، طلب المصاحبة، واعتبارها، والمصاحبة ملحوظ فيها معنى "اللزوم (11) والمرافقة" يقال: استصحبت الكتاب، لازمته (12) ولم أفارقه، ومن هنا، قيل: "استصحبت الحال" وحكمها، إذا تمسكت بما كان قائماً في الماضي، كأنك جعلت تلك الحال، مصاحبة غير مفارقة، حتى الزمن الحاضر، بل والمستقبل.‏

وأما في اصطلاح الأصوليين، فمؤاده: أن ما ثبت في الزمن الماضي، فالأصل بقاؤه في الزمن الآتي، وكلُّ ما كان فيما مضى، ولم يظنَّ عدمه، فهو "مظنون البقاء" (13).‏

هذا، وقد عرفه ابن القيم في موسوعته "إعلام الموقعين" (14)" بما فيه "تفصيل لصفة الحكم المستصحب" من حيث كونه "سلبياً" أو "إيجابياً" وهو ما أكده في مواضع عدة، حيث يقول: "الاستصحاب استدامة ما كان ثابتاً، ونفيُ ما كان منفياً" وإلى هذا المعنى أشار الخوارزمي أيضاً –فيما نقله عنه الشوكاني –من حيث كون الاستصحاب منهجاً علمياً تقوم به الحجة في الاستدلال، بناء على مراحل من النظر والبحث، يتحتم على المجتهد سلوكها، واجتيازها، شرطاً مسبقاً ليصح استدلاله بالاستصحاب، مع الإشارة أيضاً إلى "صفة الحكم المستصحَب" من النفي والإيجاب، حيث يقول: "وهو –أي الاستصحاب –آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سُئل عن حادثة، يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجده، فيأخذ حكمها من استصحاب الحال، في النفي، والإثبات، فإن كان التردد (الشك) في زواله، فالأصل بقاؤه، وان كان التردد في ثبوته، فالأصل عدم ثبوته (15)"‏

وتفصيل ذلك: أن الاستدلال بالاستصحاب، لا يصح، إذا عارضه دليل على حكم الحادثة، مستمد من المصادر الأربعة المذكورة آنفاً، لأنها أقوى في الدلالة، فتقدّم، وهذا معنى قولنا: ان الاستصحاب آخر الأدلة.‏

-هذا، ويدل التعريف الآنف، على أن التردد أو الشك –وهو ما استوى فيه طرفاً الوجود والعدم –في مبلغ إدراك المجتهد، بحيث يفقد معه إمكانية ترجيح أحد الطرفين على الآخر، لكونهما مستويين في مبلغ ما ارتقى إليه المجتهد من إدراك، إذ الترجيح يفتقر إلى الدليل المرجح، وهو هنا منتف، أقول: لا يقوى التردد أو الشك على تغيير ما كان ثابتاً في الماضي، بخلاف "الظن" فإن مبلغ إدراك المجتهد لأحد الطرفين فيه أرجح من الآخر بالدليل وإلا ما كان ظناً.‏

وبناء على هذا، فإن "التردد" أو الشك، لا يقوى على تغيير ما كان ثابتاً في الماضي –نفياً أو إثباتاً –فيبقى الحكم على ما كان عليه، لسبب بسيط، هو أن احتمال التغيير –في إدراك المجتهد –مساو لاحتمال عدم التغيير، وليس ثمة من دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين، ومتى استوى الاحتمالان في إدراك المجتهد –وهذا هو معنى التردد أو الشك المشار إليه في تعريف الخوارزمي –كان ترجيح أحدهما على الآخر "تحكُّماً" وهو ما لا يجوز المصير إليه بحال، لبطلانه في الشرع، فيحصل لدى المجتهد حينئذ "الظن بالبقاء" أثراً للظن بعدم المغيِّر لزوماً، فتبقى الحال على ما كانت عليه في الماضي، مستوجبة حكمها الذي شُرع لها ابتداء، ويستمر هذا الحكم في الزمن الحاضر، والمستقبل أيضاً، مستتبعاً كافة آثاره، لعدم طريان المغيِّر.‏

يرشدك إلى هذا، أن المحقيين من الأصوليين، أدخلوا "ظن البقاء" مقوِّماً أصيلاً لمفهوم الاستصحاب، بل جعلوه "جوهر مناطه" لأنه لازمٌ للظن بعدم الدليل المغير –كما ذكرنا –ترى هذا واضحاً في تعريف الكمال بن الهمام للاستصحاب، حيث يقول مانصه:‏

"الاستصحاب هو الحكم ظناً ببقاء أمر، تحقق سابقاً، ولم يُظن عدمُه، بعد تحققه، (16) فانظر كيف جعل "ظن البقاء" لازماً للظن بعدم الدليل الطارئ المغيِّر.‏

يؤكد هذا، المفهوم المخالف لعبارة الكمال، وهو أنه: "لو ظُنَّ البقاء" هو الذي ينبغي العمل به، لاستغنائه عن الدليل، بحكم الاستمرار، أثراً لأصل الوجود، كما قدمنا.‏

فتلخص، أن قوة استمرار الحكم السابق الثابت بدليله ابتداءً، للحالة التي كانت قائمة في الماضي هذه القوة –في الواقع –مقتضى أو أثر لازم لعين دليل وجود ذلك الحكم، أو ثبوته، ولا تفتقر قوةُ الاستمرار هذه إلى دليل جديد مستقلٍّ يثبتها، إذِ الأصل، أنَّ ما ثبت من حكم شرعي لحالة أو شيء في الماضي، بدليله، ولم يوجد ما يغيره، ظُنَّ بقاؤه واستمرارهُ لزوماً لذلك الدليل نفسه، بعد البحث والنظر والتحري عن المغيِّر، ولم يُظفر به، إذ لو وجد لنقل إلينا عادة (17)، وهذا الاستمرار اللزومي هو ما تقضي به سُنن الكائنات وطبائع الموجودات، والشرع لم يأت ضدّاً عليها. وتفصيل ذلك:‏

ان الأصل في الأحكام الشرعية – على ما بينا آنفاً –أنها إذا ما ثبتت وتحققت بأدلتها، بقيت واستمرت، لأن دليل وجودها، وتحققها ابتداء، وفيما مضى، يستلزم ظَنَّ بقائها، وديمومة سريان آثارها –حاضراً ومستقبلاً –ما دام لم يوجد المغيِّر بعد البحث والتحري. والظنُّ القويُّ، كافٍ في الاستدلال لإثبات أحكام المعاملات، ووجوب العمل بما تستتبع من آثار، شريطة أن يبذل المجتهد أقصى وسعه في البحث عن الدليل المغير، ولم يظفر به، فيحصل عندئذ الظن بعدم هذا الدليل، وهذا بدوره يستلزم الظن بالبقاء والاستمرار، كما بينَّا.‏

على أن"الظن" في هذا المقام من تشريع المعاملات –وأحكامها –كما بينَّا –يُفسَّر بمعنى "العلم" و"الإدراك" بل يُنزَّل منزلتَهُ، حتى إذا حصل "العلم بعدم الدليل" استلزم "العلم بالبقاء" ضرورة، فكان الاستدلال بالاستصحاب –وهو ظن البقاء –استدلالاً بالعلم بعدم الدليل، لا بعدم العلم بالدليل –كما قيل –وهذا التمييز الدقيق بين النوعين من الاستدلال، ينبغي أن يكون مَلحَظاً معتبراً في "حُجِّيَِّة" قوة استمرار الحكم، وديمومة استتباع آثاره الملزمة، بعد حدوثه وثبوته، على ما سيأتي تفصيل القول فيه.‏

وقصارى القول: أن "ديمومة" الحكم السابق وبقاءه –حاضراً ومستقبلاً –ثابتة بعين دليل وجوده، ابتداء في الماضي، باعتبارها أثراً لازماً له، فكانت قوة الاستمرار إذن مستمدة من عين الدليل الذي أوجد الحكم أولاً، لأن الدليل الدال على الملزوم، دال على لازمه، أصولياً، هذا معنى قول الأصوليين: إن ديمومة الحكم، واستمراره "مستغنيةٌ" عن الدليل الجديد المستقل لُيثبتَها، اكتفاء بالدليل الذي أوجد الحكم ابتداءً، وفي هذا المعنى يقول الإمام السرخسي: "وما ثبت، فهو باق، لاستغناء البقاء عن الدليل (18)" ويقول الآمدي في كتابه الاحكام، في هذا الصدد: "... لأن ما تحقق وجوُدُه، أو عدمُهُ، في حالة من الأحوال، فإنه "يستلزم" ظن بقائه "والظنُّ حجةٌ متبعة في الشرعيات" (19) أي في أحكام المعاملات، دون العقائد.‏

هذا، ويلاحظ أنَّ الآمدي قد نوَّه بشأن الحكم العَدَمي "السلبي" فهو والحكم "الإيجابي الوجودي" في استمرار البقاء، سواء.‏

على أن عبارة الإمام السرخسي هذه، تدل بمفهومها المخالف، على أن نقيض "البقاء" –وهو الانقطاع وعدم الاستمرار –غير مستغنٍ عن الدليل، ليَثبُتَ هذا الانقطاع الطارئ. وكل ما كان مفتقراً إلى دليل يُثبته، فهو خلاف الأصل، فتعيَّن أن يكون "الأصل" أو القاعدة العامة، هو "البقاء والديمومة والاستمرار" لأنه مستغن عن الدليل، ومن أراد نقض هذا البقاء، فعليه بالدليل.‏

3-إن ظن بقاء الحكم واستمراره –وهو الاستصحاب –باعتباره أثراً لازماً لعين دليل وجوده، كان أقوى من مجرد احتمال تغيُّره.‏

ومعنى هذ، أن الحكم الشرعي إذا وجد، وثبت بدليله –إيجابياً كان أو سلبياً –فالأصل ديمومته، وبقاؤه واستمراره، ولا تفتقر قوة استمراره هذه، إلى دليل جديد مستقل يُثبتها، لأنها "الأصل" فكانت بذلك أقوى من احتمال التغير الطارئ الذي يفتقر إلى دليل يثبته (20)، لأنه خلاف الأصل.‏

وفي هذا المعنى يقول الآمدي في الإحكام ما نصه: "إنَّ ظنَّ البقاء أغلبُ من احتمال التغير" (21).‏

هذا، وإنما قلنا: إن "ظن البقاء" –وهو الاستصحاب –باعتباره ثابتاً أثراً لازماً لعين دليل الوجود، أو مقتضى له، فكان –لذلك –مستغنياً عن دليل آخر جديد يثبته وأنه هو الأصل، بخلاف احتمال تغيّره، لافتقاره إلى دليل طارئ مستقل ومؤثِّر يُثبته، فكان خلاف الأصل، إنما قلنا هذا، لأن "الأصل" دليل ثبوته مستمد من ذاته هو، أي من حيث كونه أصلاً، ولذا كان مستغنياً عن الدليل بنفسه، فثبت ما قلنا، من أن "الأصل البقاء والاستمرار" وإن قطع هذا الاستمرار، هو خلاف الأصل، لافتقاره إلى دليل طارئ مستقل جديد في قطع الاستمرار، أو رفع البقاء.‏

4-ظَنُّ البقاء والديمومة، لا يساوي يقين البقاء،فافترقا نوعاً وحكماً:‏

هذا، و"ظَنَّ البقاء" لا يساوي "يقين البقاء" فإن هذا الأخير، ليس مما نحن فيه، فلا يدخل عنصراً أو نوعاً، من الاستصحاب، وبيان ذلك:‏

ان قوة استمرار الحكم الشرعي، وديمومة استتباع آثاره الملزمة، يكفي في ثبوتها "غلبةُ الظن بالبقاء" التي استلزمها الظَّنُّ بعدم الدليل الجديد الطارئ المغيِّر، بعد البحث والاستقصاء –كما بينا –ومفاد هذا: أن قوة استمرار الحكم بعد حدوثه وثبوته، إذا ثبت يقيناً -لا ظناً –وبنص صريح، لم تكن هذه "القوة اليقينية" ثابتة بحكم الاستصحاب الظني، في شيء، بداهة، لعدم الحاجة إلى الاستصحاب حينئذ، لأنه آخر الأدلة، فيقدم الاستدلال بالنص الصريح الثابت الذي يفيد يقين البقاء، على "الظن الاستصحابي" الذي يفيد الاستمرار لزوماً ودلالة، فينبغي استبعاده من أنواع الاستصحاب، إذ لا يتحقق في مناطه، كما ترى، ومثال ذلك:‏

أن الشارع الحكيم، قد ينص صراحة على إنشاء الحكم الشرعي وعلى استمراره أبداً، في سياق النص نفسه، وذلك من مثل تشريع حكم "خَصلَة العقوبة المعنوية" للقاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء، فضلاً عن العقوبة المادية –وهي الجلد –في قوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم بشهادة أبداً(. فَقَطع لسان القاذف معنوياً –كما ترى –حكم شرعي أبدي –بالنص الصريح القاطع، ولو تاب القاذف على الراجح –ومعلوم أنه لا يُلجأ إلى الحكم بالظن الاستصحابي بالبقاء، إزاء ورود منطوق النص الصريح بذلك.‏

تجد هذا أيضاً، في مثل قوله –( -: "الجهادُ ماضٍ إلى يوم القيامة" فكان النص الصريح أقوى استدلالاً، من لازم الدليل.‏

وعلى هذا، فإن الاستصحاب –في الواقع –ليس دليلاً جديداً، وانما هو إعمالٌ لدليل سابق، أو تقرير له، عن طريق: "التلازم" بين دليل أصل الوجود، ولازمه من البقاء، وبيان ذلك:‏

أنه إذا كان "ظن البقاء" –وهو الاستصحاب –لازماً وأثراً، أو مقتضى لعين دليل الوجود، فالتلازم قائم بينهما، فحيث يوجد دليل الوجود، يستلزم ظنَّ البقاء، ما لم يوجد المغيِّر، فدل هذا "التلازم" على أن "الاستصحاب" ليس دليلاً مستقلاً، وانما هو –في حقيقته –إعمال للدليل السابق، عن طريق اللزوم، ولا ريب أن الدليل النصي الصريح، أقوى دلالة، وأجدر تقديماً على الدليل اللزومي.‏

نخلص من هذا، إلى أن الأحكام الشرعية الثابت وجودها، واستمرارها بالنص الصريح، ليست محلاً للاستصحاب أصلاً، ولا هي من عناصر موضوعه، لأن قوة استمرار الحكم، قد ثبتت بمنطوق النص الصريح المثبت لوجوده، بخلاف الاستصحاب، لأن ظن بقاء الشيء، لازم عقلي لوجوده، وليس نصاً صريحاً فيه.‏

5-الأحكام العقلية ليست محلاً للاستصحاب أيضاً، إذ ليس مناطه متحققاً فيها، فينبغي استبعادها من أنواع الاستصحاب، وبيان ذلك:‏

ان "الحكم العقلي المحض" مستمرٌ بآثاره الملزمة، باستمرار قيام دليله، وهو العقل، فما دام "العقل" قائماً ومستمراً، فما يقضي به من حكم، قائم ومستمر كذلك، إذ الحكم لا يتخلف عن دليله، وجوداً وبقاء، واستتباع آثار، أو بعبارة أخرى: إنه باستمرار قيام العقل، يستمر حكمه الذي يقضي به، ما دام لم يرد من الشرع ما يغيره، أو يوجب انقطاعه أو رفعه.‏

فالشارع –على سبيل المثال –أوجب صلوات خمساً فقط، فيحكم العقل وحده بعدم إيجاب صلاة سادسة (22)، لا يحكم النص الموجب لخمس صلوات، بل بموجب العقل.‏

على أن الشرع جاء مؤيداً لحكم العقل هذا، إذ لا حكم للعقل وحده في الشرعيات عند الجمهور، خلافاً للمعتزلة الذين يأخذون بمنطق العقل وحده، حتى في الشرعيات، ما دام لم يرد في الشرع ما يخالفه.‏

جُلُّ ما أقصد إليه، أنه إذا كان "العقل" وحده هو الدليل القائم الذي يحكم بالعدم الأصلي، أو "براءة الذمة" من التكاليف، فلا عمل للاستصحاب إذن في هذا المجال بداهة، لما علمت أن "حقيقة الاستصحاب" إنما يُستدل بها، ويُعمل بحكمها، حيث لا دليل، أي عند قيام الظن بعدم الدليل، بعد البحث، والنظر والتحري عن هذا الدليل المغيِّر، مما يلزم عنه الظن بالبقاء "للتلازم" القائم بين الظن بعدم الدليل، ونشوء الظن بالبقاء، إعمالاً للدليل السابق السالم عن طروِّ المغير، ولكن ما نحن فيه، ليس من هذا القبيل، لأن دليل الأحكام العقلية –وهو "العقل" –قاض بوجودها واستمرارها معاً، يقيناً لا ظناً، ومباشرة لا لزوماً، وأصالة لا تبعاً، فكان "الحكم العقلي" بالعدم الأصلي، أو البراءة الأصلية، أمراً خارجاً عن حقيقة الاستصحاب الأصولي –كما ترى –فينبغي بالتالي، أن يكون هذا النوع من الأحكام مستبعداً من أنواع الاستصحاب، وخارجاً عن مجال تطبيقه، وينبغي أيضاً، ألا يكون فيه خلاف، تحريراً لمحل النزاع.‏

وفي هذا المعنى يقول البزدوي، وشارح أصوله: "ثم لا خلاف، أن الاستصحاب "حكم عقلي" وهو كل حكم عرف وجوبه (ثبوته) وامتناعه، وحسنه، وقبحه، بمجرد العقل (23)" ويقول الإمام الغزالي: "دل العقل على البراءة الأصلية بشرط ألا يرد سمعٌ مغيِّر (249". أي دليل شرعي.‏

وجاء في روضة الناظر لابن قدامة، ما يؤكد هذا المعنى، حيث يقول:‏

"لأن العقل يدل على براءة الذمة حتى يقوم الدليل" (25) أي الناقل عن العدم الأصلي.‏

6-الشرع جاء مؤيداً لحكم العقل بالبراءة الأصلية، أو العدم الأصلي، عند انتفاء الدليل الشاغل للذمة بالتكاليف.‏

قلنا، إن "العدم الأصلي" أو "براءة الذمة" حكم عقلي محض، دل العقل عليه ابتداء، ويستمر هذا الحكم بالعدم، باستمرار قيام العقل الذي حكم به، إذ الحكم يستمر بقيام دليله، ولا يتخلف عنه، حتى يرد دليل من الشرع يغيِّره، ويقطع استمراره.‏

غير أن الشرع جاء مؤيداً لحكم العقل، وذلك في كثير من آي القرآن العظيم، من مثل قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه، فانتهى، فله ما سلف( (26). ووجه الاستدلال:‏

أن الآية الكريمة، قد أشار سبب نزولها، إلى أنه لما نزل تحريم الربا، ساورت الناس الخشية من الأموال التي اكتسبوها بالربا قبل التحريم، أي قد خالطتها أموال اكتسبت عن طريق الربا، فبينت الآية الكريمة، أن ما اكتسبوا من الربا قبل نزول التحريم، فهو على "البراءة الأصلية" حلالٌ لهم، ولا حرج عليهم فيه، وعموم الآية شامل لهذه الجزئية وغيرها، مما يدخل في معناها العام، إذ خصوص السبب، لا يقضي على عموم اللفظ.‏

وكذلك في مثل قوله تعالى: (وما كان لُيِضلَّ قوماً، بعد إذ هداهم، حتى يبين لهم ما يتقون( (27) ووجه الدلالة، أن الآية الكريمة، وإن كانت عامة في لفظها، لكن سبب نزولها خاص، يلقي الضوء على معناها، ولا يقصُر من عموم حكمها، وهو أن النبي ( لما استغفر لعمه أبي طالب، لأنه مات مشركاً، واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين، وأنزل الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا، أن يستغفروا للمشركين( ندموا على استغفارهم للمشركين، فبينت الآية، أن استغفارهم لهم قبل التحريم، على "البراءة الأصلية" لا مؤاخذة فيه، ولا مأثم، وينبغي ألا يكونوا في حرج منه، حتى يبين لهم ما يتقون" بورود الشرع المغيِّر، وذلك من مثل مسألة الاستغفار. بعد ورود الشرع بتحريمه، لا قبله، وفي هذا –كما ترى –تأكيد للعدم الأصلي (28).‏

وعلى هذا، فإن استمرار العدم الأصلي، ثابت بمقتضى العقل، لا بالاستصحاب، والعقل قائم، ومستمر قيامه، فيستمر حكمه به، فلا وجه لاستصحاب حكم العقل، فقول الإمام الغزالي: "وإذن فالاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي، أو شرعي (29)". قوله فيها نظر! إذ استمرار العدم الأصلي، مستمد من العقل أصالةً، وإلا ما كان حكماً عقلياً –كما يقول –فالعقل هو دليل البقاء أصالة، وإن كان الشرع جاء مؤيداً له، وهذا النوع من الأحكام لا خلاف في استمراره أيضاً.‏

7-تأييد الشرع لحكم العقل بالبراءة، لا يلغي حقيقة كون العقل هو دليل استمرار العدم الأصلي، أو استدامة الحكم بالبراءة الأصلية، حتى يرد دليل من الشرع يشغل الذمة بالتكاليف.‏

وإذا كان الأمر كذلك، فلا يدخل العدم الأصلي في مفهوم الاستصحاب أصلاً، من قِبَلَ أن "الاستصحاب" إنما يتحقق، حيث دليل غيره يدل على الاستمرار، وهذا يدل عليه العقل، فالدليل قائم، وبتأييد الشرع له، فشرط الاستصحاب لم يتحقق، ولا يوجد الشيء بدون شرطه المعلق عليه وجوده، بداهة.‏

وأيضاً، لا وجه لما ادعاه الإمام الغزالي، من استمرار الحكم الشرعي باستمرار "السبب" الذي نصبه الشارع أساساً له، حيث ادعى أنه نوع من "الاستصحاب" لأنا أشرنا آنفاً، أن دليل الاستمرار هو "السبب" الذي أقامه الشارع دليلاً وعلة مؤثرة في استمرار حكمه، فالدليل قائم، والاستصحاب إنما يتحقق مناطه إذا كان الاستمرار أثراً لازماً لدليل الوجود، لا لعلة توجب استمراره، ولا لدليل آخر مستقل يؤثر في بقائه، فوجب التمييز‍!‏

وعلى ضوء هذا، يمكنك الحكم على قول الإمام الغزالي، في اعتبار استدامة سببه، نوعاً من الاستصحاب، إذ يقول: "ومن هذا القبيل –الاستصحاب –الحكم بتكرار اللزوم والوجوب، إذا تكررت أسبابها، كتكرار شهر رمضان، وأوقات الصلوات، ونفقات الأقارب، عند تكرر الحاجات، إذا فهم انتصاب هذه "المعاني" أسباباً لهذه الأحكام من أدلة الشرع" (30)".‏

وعلى هذا، فالملك يثبت للمشتري، ويستمر حكمه، بعقد البيع نفسه –كما بيَّنا –لأن الشارع قد نصب هذا العقد، سبباً لثبوت الملك، واستمراره أيضاً، حتى يسع من شهد عقد البيع لهذا الشخص الذي انتقل إليه الملك بمقتضى هذا العقد في الماضي، أن يشهد له بالملك في الحاضر، استناداً إلى سببه، لا بالاستصحاب، بل يستمر هذا الملك –بحكم العقد –مستقبلاً أيضاً، ما لم يقم دليل طارئ يدل على التغيير، بأن باع المشتري ما اشتراه، وانتقل ملكه إلى غيره، أو وهبه إياه، أو ورثه عنه.‏

وكذلك، تثبت "الزوجية" بعقد الزواج، وتستمر أبداً، بموجب هذا السبب، وهو "العقد" المبرم في الماضي، إلى أن يقوم الدليل على إنهاء عقد الزواج بالطلاق، وكل حكم أقامه الشارع على "سبب" من عقد أو تصرف –ولو ماديا –إذا فُهم أنه أساس تشريع الحكم، بقي واستمر، واستتبع كافة آثاره، بمقتضى السبب نفسه، لا بالاستصحاب، حتى يظهر الدليل المغيِّر، تجنباً للتخليط بين استمرار الحكم بمقتضى السبب، واستمراره بحكم الاستصحاب.‏

هذا، وما يقال في "الحكم المطلق" الذي هو مُسبَّبٌ لسببه، هو مقول أيضاً في "الحكم المؤقت" المقيَّد بأجل مسمى في العقد، فإن استمراره إلى أجله ثابت بمقتضى سببه لأنه –كما ذكرنا –مُسبَّبٌ لذلك السبب شرعاً، كعقد الإجارة، فإن حكمه يستمر إلى الوقت المحدد فيه، وينقطع استمراره عند حلول أجله المسطور في العقد، إذ لا يوجد الشيء بعد انتهاء أجله، وهذا الاستمرار، بالسبب المقتضي شرعاً، لا بالاستصحاب.‏

وما يقال في العقود التي هي أسباب جعلية للأحكام، هو مقول أيضاً في التصرفات من الأفعال المادية، إذا انتصبت شرعاً، أسباباً لأحكام شرعية، فإن إتلاف الزرع على صاحبه، عدواناً، وبغير وجه حق، مثلاً، ينتصب "سبباً" لِشَغلِ ذمة المتلف بالضمان، حتى يؤدي المتلف تعويض ما أتلف لصاحب المال المُتلَف، أو أن يبرئه هذا، من التعويض، وهذا الاستمرار بالسبب لا بالاستصحاب، وهو أمر لا خلاف فيه بين الفقهاء.‏

8-الإمام البزدوي يقع في التناقض، إذ تراه يعتبر استمرار الحكم المبني على سبب، استصحاباً، وتارة يعتبر استمراره بمقتضى السبب الذي بنى عليه تشريعه لا بالاستصحاب!.‏

يشير إلى هذا التناقض، شارح أصول البزدوي حيث يقول: "ثم الشيخ –رحمه الله –ذكر في باب النسخ، أن الشراء –عقد البيع –يثبت به الملك، دون البقاء وذكر ههنا –أي في بحث الاستصحاب –ان الثبات بالشراء ملك مؤبد، وهذا يقتضي أن الشراء يوجب البقاء، كما يثبت أصل الملك، وهذا يتراءى تناقضاً (31)."‏

وحاول الشارح أن يؤوّل هذين القولين، بما يرفع هذا التناقض الظاهر، ولكنه –للأسف –لم يفلح (32).‏

ولا ريب، أن قوله: "الشراء يوجب البقاء، كما يثبت أصل الملك" صريح في أن استمرار الحكم بحكم السبب الذي هو الشراء، فهو دليله، وليس الاستصحاب، وهذا لا خلاف فيه.‏

نخلص من هذا، إلى أنه ينبغي، "تحرير محل النزاع" في الاستصحاب، لنستبعد ما ليس منه، مما لا يتحقق في مناطه، لا صورة ولا معنى، ثم نعمد بعد ذلك إلى ما أورد الأصوليون من أنواع الاستصحاب، لنبين حقيقتها على ضوء من مفهوم الاستصحاب الحق، ثم نستعرض بعد ذلك، آراء الأصوليين في "مدى حجِّيته" وأدلتهم لمناقشتها، وصولاً إلى "الحقيقة العلمية" التي هي ثمرة البحث، والاستدلال الأصولي.‏

9-أنواع الاستصحاب عند الأصوليين:‏

أن الأصوليين قد أوردوا في مصنفاتهم، أنواعاً من الاستصحاب، قد اعتبروها متحققاً فيها مناطه، وآشرنا آنفاً إلى أن بعضاً من هذه الأنواع، لا يندرج في مفهوم الاستصحاب أصلاً، فضلاً عن عدم توفر شروطه فيها، وأقمنا الأدلة على أنها ثابتة ومستمرة بأدلة أخرى، ليس منها الاستصحاب.‏

وتفصيلاً للبحث، نتناول هذه "الأنواع" التي أوردها الأصوليون على أنها من "الاستصحاب" نتناولها بالبحث، والنقد، والتوجيه، لنبقي منها، ما هو منه حقيقة، لِتحَقّقِ مناطه وشرطه فيه، ونستبعد دون ذلك، توصلاً إلى تحرير محل النزاع وحصر الآراء في مدى "حجية الاستصحاب" فيه، لنبين "منشأ الخلاف" ثم نرجح ما نراه أقوى دليلاً، وأدنى إلى تحقيق "العدل" بين الناس، بإيصال الحقوق إلى أربابها، ورعاية كافة مصالحهم، ورفع الحرج عنهم (33). هذا، ويرى الإمام السرخسي، أن أنواع الاستصحاب تنقسم أربعة أقسام، حيث يقول:‏

"ثم استصحاب الحال، ينقسم أربعة أقسام:‏

أحدها: استصحاب حكم الحال مع العلم يقيناً، بانعدام الدليل المغيِّر، وذلك بطريق الخبر عمَّن ينزل عليه الوحي، أو بطريق الحس فيما يُعرف به (34)، وهذا صحيح، قد علمنا الاستدلال به، في قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً...".‏

وأرى أن هذا القسم، ليس من الاستصحاب في شيء، من قِبَلِ أنَّ بقاء الحكم واستمراره، ثابت بالدليل اليقيني، لازماً للدليل اليقيني بالعلم بعدم المغيِّر –لخبر من الوحي، أو بطريق الحس فيما يعرف به، فدليل البقاء –كما ترى –قائمٌ يقيناً، مما لاينبغي أن يكون فيه خلاف، غير أن هذا ليس مما نحن بصدق البحث فيه، لأننا حدّدنا "حقيقةَ الاستصحاب" آنفاً، بأنه استدلال بمظنون البقاء، لازماً للظن بعدم الدليل المغيِّر، بعد بحث المجتهد عنه، ولم يظفر به، وكلاهما ظنٌّ استتبع ظناً، مما لا أثر فيه لليقين.‏

هذا، وقد أشار الإمام السرخسي، إلى أن بقاء الحكم –في مثل هذه الحال –"معلومٌ ضرورة" أي بداهة، بالدليل اليقيني، حيث يقول: "لأنه لما عُلم يقيناً بانعدام المغيِّر"، وقد كان الحكم ثابتاً بدليل في الماضي، وبقاؤه يستغني عن الدليل، فقد علم بقاؤه ضرورة (35) أي بداهة.‏

وأما النوع الثاني: فهو استصحاب حكم الحال بعدم دليل مغير ثابت بطريق النظر والاجتهاد بقدر الوسع –أي ظناً –وهذا يصلح لإبلاء العذر (36)، وللدفع، ولا يصلح للاحتجاج به على غيره" (37).‏

هذا النوع من "الحكم المطلق" الذي لم يقم دليل مستقل يدل على بقائه واستمراره، ولا على زواله، ولا على تأييده بالنص، أو استمراره مقتضى للسبب، كما لم يقم الدليل القاطع الذي يفيد اليقين أو العلم القطعي، بعدم المغيِّر أو المزيل، أقول هذا هو "محل النزاع" في الاستصحاب الذي وقع الخلاف في "مدى حجيته" على ما سيأتي تفصيل القول فيه (38)، من أنه استصحاب لحكم الحال ظناً، بناء على ثبوتها في الماضي، يدلك على هذا، قول صاحب كتاب كشف الأسرار: "فأما إذا كان الحكم ثابتاً بدليل مطلق، غير معترض للزوال، وقد طلب المجتهد الدليل المزيل، بقدر وسعه، ولم يظهر، فقد اختلف فيه" (39) أي في مدى حجيته في نظر الأصوليين.‏

النوع الثالث: "استصحاب حكم الحال، قبل التأمل والاجتهاد في طلب الدليل المغيِّر".‏

وهذا النوع ليس من الاستصحاب الذي هو "موضوع البحث" لفقدان شرطه، ولا يوجد الشيء بدون شرطه المتوقف عليه وجوده ولا خلاف في أنه لا يُستصحب.‏

هذا، وقد علمت أن شرطه، وجوب أن يبحث المجتهد ابتداء عن الدليل المغيِّر، قدر وسعه، ولم يظفر به، فيحصل لديه –نتيجة لذلك –الظنُّ بعدم الدليل المزيل، وقبل ذلك، يكون جاهلاً بهذا، والجهل هنا بتقصير منه (40)، فلا يكون جهله حجة ملزمة لغيره، ولا حجة في حق نفسه، لصيانة حقوقه، بل ولا عذراً، لأن بقاءه لم يُعلَم يقيناً ولا ظناً.‏

وبيان ذلك: "أن الجهل بالمغيِّر للتقصير في البحث والاجتهاد، لا يحصل معه ظن بعدم هذا الدليل، ضرورة، فلا يحصل بالتالي "ظنٌ بالبقاء" وحيث لا ظن بالبقاء، فلا استصحاب أصلاً، لأن "ظن البقاء" هو جوهر الاستصحاب –كما بينا –وحيث انتفى هذا الظن، انتفى الدليل، فيكن الاستدلال بالاستصحاب في مثل هذه الحال، استدلالاً بلا دليل، وهذا باطل لا يقول به أحد.‏

النوع الرابع: "استصحاب الحال، لإثبات الحكم ابتداءً، وهو خطأ محض، لأن الاستصحاب هو التمسك بالحكم الذي كان ثابتاً إلى أن يقوم الدليل المزيل، دون إنشاء حكم جديد، وفي إثبات الحكم ابتداء، لا يوجد هذا المعنى، ولا عمل لاستصحاب الحال فيه صورة ولا معنى: (41) هذا في نظر السرخسي، واجتهاد متأخري الحنفية، وستأتي مناقشة هذا الاجتهاد.‏

وتفسير ذلك: أن هذا النوع الذي يُدَّعى أنه من الاستصحاب، يُثبت حكماً جديداً وحقوقاً مبتدأة للمستصحب المستدل به، أي ينشئ لصالحه حقوقاً على الغير، لم تكن ثابتة له من قبل، على سبيل الإلزام، وهذا معنى قوله: "ابتداء" فهو إذن حجة –عند القائلين به –للإثبات، والاستحقاق، وإلزام الغير، بما لم يكن ثابتاً للمستصحب من قبل، وهذا ما لا يقول به السرخسي، خلافاً لغيره، لعدم تحقق معنى الاستصحاب في هذا النوع المُدَّعى أنه منه، بل هو –في نظر السرخسي –خطأ محض (42)، لأن معنى الاستصحاب، مقصورٌ عنده على "التمسك بالحكم الذي كان قائماً في الماضي، مستتبعاً آثاره التي كانت قائمة، وثابتة في ذلك الزمن، مستصحبة في الزمن الحاضر، ولكن دون أن يقوى على إثبات أحكام جديدة مبتدأة لم تكن ثابتة من قبل، لأن هذا المعنى –في رأي السرخسي ومن معه –يخالف معنى الاستصحاب محل البحث، إذ لا يتحقق فيه مناطه، لا من قريب ولا من بعيد، فلا يكون التمسك بهذا النوع حجة ملزمة للغير في إثبات حقوق، أو أحكام مبتدأة للمستدل به، لم تكن ثابتة له من قبل، وإنما يكون للاستصحاب –في نظره –حجةً مقصور على إبقاء ما كان على ما كان، ودفع من يدعي تغيُّر الحال، حتى يأتي بالدليل المغيِّر، فلا يصلح في إثبات أو إحداث أمر لم يكن، ومثاله التوضيحي: "المفقود الذي غاب، ولا يُدرى مكانه، ولا يعرف أحيٌّ هو أم ميت، لانقطاع أخباره، وكانت حياته معلومة عند غيابه وقبل فقده، يقيناً، فتُستصحب حياته هذه التي كانت قائمة في الماضي، تستصحب إلى الوقت الحاضر، ويعتبر –استصحاباً لهذه الحال –أنه حيٌّ، لغلبة الظن ببقائه، ويكون استصحاب هذه الحال حجة في إبقاء ما كان على ما كان، للمحافظة على حقوقه التي كانت ثابتة له عند فقده، وصياتها فقط، فلا يورَث بادعاء أنه مفقود، ولا تطلق منه زوجته، إذا ما طلبت طلاقها، لغيبته وفقده، إذ لم نقطع بموته مع الظن بالبقاء، بل تحفظ له حقوقه في أمواله، كما تحفظ حقوقه الزوجية، للاحتمال القوي في استمرار حياته، إلى أن يستبين أمره، إما بالعلم اليقيني بموته حساً، أو بحكم القضاء بأنه مات اعتباراً.‏

غير أنه لا يكتسب –أثناء فقده، وباستصحاب هذه الحال –حقوقاً جديدة لم تكن ثابتة له من قبل، فلو مات أحد أقاربه خلال فترة فقده، لا يرثُه هذا الغائب المفقود، لأن الإرث ينشئ له حقوقاً مبتدأة لم تكن ثابتة له عند غيابه وفقده، والاستصحاب –بما هو ظن البقاء –لا يصلح حجة قاطعة لتوريثه، إذ من شروط الإرث، تحقق حياة الوارث عند موت المورث، وهذا مظنون الحياة والبقاء، فلم يتحقق إذن شرط إرثه من غيره، ليكتسب حقوقاً جديدة مبتدأة، ولا يوجد الشيء بدون شرطه المتوقف عليه وجوده.‏

وظن بقائه، يصلح حجة لحفظ حقوقه وأمواله التي كانت قائمة وقت غيابه وفقده، لا لاكتسابه حقوقاً مبتدأة جديدة لم تكن –أي الإبقاء ما كان على ما كان –وهذا معنى قول الإمام السرخسي، ومتأخري الحنفية، من أن الاستصحاب ليس حجة مطلقة، بل هو حجة للدفع لا للاستحقاق والإثبات، أي لدفع دعاوى الخصم التي يدعي فيها حقوقاً على المفقود، صوناً لحقوقه، لا لإكساب المفقود حقوقاً جديدة لم تكن، لأن هذا تغيير للحال، والاستصحاب ليس حجة قاطعة ومطلقة، تصلح للتغيير، ولإثبات أمر لم يكن، بل يقوم –كما علمت –على "ظن البقاء" وفي هذا المعنى يقول الإمام السرخسي: "وقد بينا في مسألة "المفقود" أن الحياة المعلومة باستصحاب الحال، يكون في إبقاء ملكه في ماله على ما كان، ولا يكون حجة في إثبات الملك له ابتداء في مال قريبه إذا مات (43)" أي لا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن.‏

وعلى هذا، فالمفقود لا يرث، ولا يُورث في رأي الإمام السرخسي ومن وافقه.‏

والحق، أن هذا النوع من الاستصحاب، يطلق عليه الأصوليون، استصحاب "الوصف" فالحياة بالنسبة إلى المفقود "وصف" وقد كانت ثابتة به يقيناً عند غيابه، فتستمر ثابتة له، ظناً، حتى يقوم الدليل على موته، لأن الحياة هي الأصل.‏

وكذلك وصف الماء بالطهارة مثلاً، فإن هذا الوصف للماء، هو الأصل، فيستمر حتى يقوم الدليل الحسي، أو الأمارة المادية على نجاسته، من تغيُّر لونه، أو طعمه، أو ريحه، حتى إذا قام هذا الدليل الطارئ المغيِّر، انتقض الأصل به، أي انتقض وصف الطهارة بالدليل الحسي المغيِّر، وثبت له وصف استثنائي آخر بالدليل المؤثر الجديد، فكان خلاف الأصل.‏

وإذا توضأ شخص مثلاً، فقد اتصف بصفة الطهارة الطارئة يقيناً، فيستمر هذا الوصف ثابتاً له، حتى يقوم الدليل على نقيضه، فلو تردد أو شك، فالأصل الطهارة، ويُستصحب هذا "الوصف" حتى يقع في الظن –لا الشك –تغيره، وانتقاضه، إذ الشك –كما علمت –لا يقوى على نقض اليقين، أو الظن الغالب، إذ لا يُنقض الأقوى بالأضعف، بداهة.‏

وعلى هذا، فالصفة، سواء أكانت أصلية –كصفة الحياة بالنسبة إلى المفقود، أو طارئة –كصفة "الطهارة" بالنسبة إلى المتوضئ –فإنها تُستصحبُ وتستمر، وحكمها لازم مرافق لها في هذا الاستمرار، وتترتب عليه آثاره –على الخلاف الذي أشرنا بالنسبة إلى المفقود –حتى يثبت نقيضُه.‏

فتلخص، أن الأصل في حياة المفقود، هو "ظن البقاء" بمعنى، ظن استمرارها له استصحاباً، لا يقين في الحياة أو يقين استمرارها، والظن _في هذا المقام –يصلح –عند متأخري الحنفية –حجة في دفع الدعاوى عنه، لحفظ حقوقه، ما دام لم يستبن أمره على وجه القطع واليقين، ولا يصلح –عندهم –حجة لإثبات حقوق جديدة لم تكن ثابتة له من قبل، أي عند غيابه وفقده، على ما بينا من رأي الإمام السرخسي على وجه الخصوص وهو رأي متأخري الحنفية، لذا استقر في أصولهم، أن "الاستصحاب حجة في الدفع، لا في الإثبات" أي لإبقاء ما كان على ما كان، خلافاً للشافعية الذين يذهبون إلى أنه "حجة مطلقة" في الدفع والإثبات معاً، على ما سيأتي بحثه، ومناقشته في مقام "حجية الاستصحاب".‏

10-المالكية، ووجهة نظرهم في استصحاب "الوصف" من حيث تطبيقه على بعض المسائل، يخالفون جمهور الفقهاء في اجتهادهم في هذا التطبيق، نعرضه فيما يلي، توضيحاً لهذا النوع من الاستصحاب، وبيان رأي ابن حزم (45) في ذلك، ثم نعقِّب على كل أولئك بالمناقشة، والتقويم، لبيان ما هو الأرجح بقوة الدليل.‏

أشرت آنفاً، إلى أن الخلاف في التطبيق، لا في أصل القاعدة، وهو ما يطلق عليه الأصوليون، اصطلاح "تحقيق المناط" ومع أن المالكية مع متأخري الحنفية في أن الاستصحاب حجة في الدفع فقط، غير أنهم اختلفوا في التطبيق على كثير من المسائل المعروضة.‏

هذا، ومن تلك المسائل التي اختلفوا في حكمها، نتيجةً لاجتهادهم في تطبيق قواعد الاستصحاب، مع إقرارهم مبدئياً، بحجية تلك القواعد، ما يلي:‏

أولاً-المتوضئ يقيناً، تثبت له صفة الطهارة، على وجه العلم واليقين –كما قدمنا –وتستمرُّ له صفة الطهارة هذه في الزمن الآتي، حتى إذا اعتراه شك أو تردد في أنه أحدث، هل يؤثر هذا الشك الطارئ على اليقين السابق، فينقضه؟ وعلى هذا، فلا تجوز صلاته مع هذا الشك، أو أنها تجوز، إذ الشك، لا يقوى على نقض اليقين السابق المستصحَب .‏

أ-جمهور الفقهاء، على أن صلاته جائزة، تطبيقاً لقاعدة استصحاب "الوصف" إذ لا يثبت الشك إزاء اليقين، فلا عبرة بالأول، فيكون باطلاً، أو بعبارة أخرى: "لا يزول اليقين بالشك" فهو إذن متوضئ، وصلاته صحيحة، لتحقق شرطها، رغم ما اعترى الشرط من شك في زواله.‏

ب-وخالف في ذلك، الإمام مالك، حيث ذهب إلى أن صلاته لا تجوز مع هذا الشك في طهارته، حتى يتوضأ من جديد، وفي هذا –كما يخيل إليك بادئ الرأي –نقضٌ لقاعدة "استصحاب الوصف" التي مؤداها: أن "اليقين لا يزول بالشك" ولكن عند انعام النظر، ترى، أن الإمام مالكاً قد طبقها هي عينها، ولكن من جانب آخر تحقق فيها اليقين أيضاً، فينبغي أن ننظر إلى هذا الجانب، في نظر الإمام مالك، لأنه أدنى إلى "الاحتياط" في أداء العبادات بوجه خاص، أو الحل والحرمة، في العلاقة الزوجية، لأنها أقرب إلى العبادات أيضاً، فالقاعدة واحدة، ولكن وجهة النظر في تطبيقها يختلف باختلاف الجانب الذي ينبغي النظر إليه عند كل فريق وتطبيق القاعدة على أساسه، تحصيلاً للاحتياط والحذر!‏

وعلى هذا، فالإمام مالك –رحمه الله –لم ينكر أصل القاعدة –كما ترى- بل يراها قاعدة مُحكمة، شرعاً وعقلاً، تفرض حجِّيَّتُها وجوب العمل بمقتضاها، غير أنه يسلك في التطبيق مسلك الحذر والاحتياط، والأخذ بالحزم في الحل والحرمة، بما يبلغ مبلغ التشدد، فهو يرى في هذه المسألة ما يلي:‏

-أن "اليقين" كما هو ثابت في وصف الطهارة للمتوضئ ابتداء، وملازم له استصحاباً لحاله هذه، حتى يوجد المغيِّر، ولذا تجوز صلاته مع الشك في نقضها، إذ اليقين لا يزول بالشك، تطبيقاً للقاعدة، فإن الإمام مالكاً يرى –مع هذا –أن ثمة يقيناً من جانب آخر، يعتبر أصلاً أيضاً يجب الاعتداد به، وهو أقوى من حيث الاحتياط، ذلكم هو "شغل ذمة المكلف بفريضة الصلاة" فهي ثابتة يقيناً أيضاً، واليقين لا يزول بالشك، حتى إذا شك المتوضئ في نقض طهارته- والوضوء شرط صحة الصلاة –فإن يقين شغل ذمة المكلف بها، لا يرتفع ولا يزول، بالوضوء المشكوك فيه، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بطهارة مستيقن بها، تطبيقاً لعين القاعدة نفسها، "اليقين لا يزول بالشك" بناء على أصل اليقين أيضاً، ولكن من جانب آخر، وهذا –في نظرنا –أحوط بلا ريب.‏

إذن، يتجاذب هذه المسألة أصلان، أو قل: يقينان: يقين الوضوء والطهارة، مع الشك في زوالها، واليقين لا يزول بالشك، فتجوز الصلاة، وهو رأي الجمهور، ويقين من جانب آخر، وهو شغل ذمة المكلف بالصلاة، وهذا لا يزول بالشك في الطهارة، فتبقى ذمته مشغولة مع هذا الشك، فصلاته لا تجزئ ولا تبرأ ذمته، لأن اليقين لا يزول بالشك، ذلك، لأن شغلها بها، استصحاباً، حتى يرد دليل يفرغ الذمة منها يقيناً أيضاً، ولا يتم ذلك، إلا بإداء الصلاة على وجهها، بوضوء ثابت يقيناً، لا مكان للشك فيه، إذ الشك في الطهارة، لا يجعل الصلاة معه صحيحة مؤداة على وجه اليقين، بحيث تكون مجزئة تفرغ الذمة من شغلها بها، لأن شرط الصحة ينبغي أن يكون متيقناً لا شك فيه!‏

ولهذا، رجح المالكية هذا الأصل الثاني، احتياطاً في أداء العبادات، فلم يجيزوا الصلاة مع الشك في الطهارة، لأنها لا تبرئ الذمة من الفريضة التي شغلتها يقيناً، فقالوا: ينبغي الحذر، والاحتياط، في أداء العبادات، دون أن يلابسها شك، وهذا ما نرجحه!.‏

هذا مثال تطبيقي، اختلفت في حكمه، وجهات النظر، أثراً لتطبيق قواعد الاستصحاب عليه، مدعماً بالأدلة، كما رأيت، مع العلم أن ليس ثمة من خلاف في أصل تلك القواعد.‏

هذا، وترى المالكية يستقلون في اجتهادهم في تطبيق قواعد الاستصحاب، عن جمهور الفقهاء، لأنهم يرون، أنه قد ينشأ أصل آخر، يعارض الأول، مما يقتضي النظر والترجيح بالدليل القوي الذي يرفع التعارض الظاهر، فالقاعدة واحدة –كما ترى –ولا ضعف في حجيتها عند أيٍّ من الفريقين، غير أنه يتعارض هذان الأصلان في تطبيقها، فرجح الإمام مالك الأصل الثاني، لأنه أقوى في نظره، من حيث الاحتياط، فالاختلاف في وجه التطبيق، لا في أصل القاعدة، والاجتهاد في التطبيق، من أهم مناشئ اختلاف الفقهاء في المسائل والفروع.‏

مثال ذلك أيضاً في العلاقات الزوجية:‏

إذا شَكَّ من طلق زوجته، في عدد الطلقات، فلم يَدْرِ أطلَّقها ثلاثاً –وهو طلاق يرفع أصل الحل، أو طلَّقها واحدة –فلا يرتفع أصل الحل (46)، إذ يجوز له أن يراجعها في العدة، أو يعقد عليها عقداً جديداً –فالجمهور يرى، أن الطلاق –في حالة الشك هذه –يقع واحدة فقط، وقال مالك: يقع ثلاثاً.‏

وتعليل هذا الحكم عند الإمام مالك، جار على مسلكه في "الاحتياط" أي الأخذ بالحيطة والحذر، في معالجة مثل هذه المسائل، وذلك على أساس تعارض أصلين، يتجاذبان بحكميهما هذه المسألة، فلا بد من ترجيح أحدهما الذي هو أحوط.‏

أما الأصل الأول: فهو حلُّ الزوجية الثابت بيقين، قبل إيقاع الطلاق، فيستصحب هذا الأصل، ويستمر حكمه، حتى يرد الدَّليل الطارئ المغيِّر، أو الرافع لأصل الحل، وهذا ثابت بيقين –كما ذكرنا –فلا يزول هذا الأصل اليقيني بالشك في عدد الطلقات، فيقع واحدة، وهو رأي الجمهور.‏

وأما الأصل الثاني، فمؤداه: أن الطلاق إذا وقع، ثبت بيقين، غير أنه قد اعترى الشكُّ ثبوتَ الرجعة، والرجعة لا تثبت بالشك، فيقع الطلاق الثلاث، حيث لا رجعة، وهو رأي الإمام مالك، أخذاً بالاحتياط (47).‏

هذا، والأرجح –في نظرنا –رأي الجمهور.‏

وتفسير ذلك: أن الاحتياط" لا يكون في إيقاع الثلاث، بناء على أن "الرجعة" لا تثبت بالشك، لأن ثبوت الرجعة ليس مستمداً من الطلاق، بل هي مستمدة من عقد الزواج نفسه، وهو ثابت بيقين، وإنما الشك في رفعه، ودليل ذلك، أن "الرجعة" إنما هي "استدامة العقد" والعقد قائم يقيناً، ولا يزول اليقين بالشك، فكان الاحتياط –كما ترى –في عدم إيقاع الثلاث المشكوك فيه، إبقاء للعقد الثابت بيقين، ومنه تستمد الرجعة، ولا يُرَفعُ اليقينُ إلا بيقينٍ مثله، والطلاق الثلاث المشكوك في عدده، ليس أمراً يقينياً بالبداهة، وعليه، فلا يقع، ولا تأثير له على يقين أصل الحل الثابت.‏

هذا، وينكر ابن حزم اجتهاد المالكية في هذه المسألة، ويبطله، حيث يقول في كتابه، الإحكام: "وقال المالكيون.. إن أيقن أنه طلقها، ثم شك، أواحدة أو اثنتين، أو ثلاثاً، فهي طالق ثلاثاً..." (48). ويبطل ابن حزم اجتهاد المالكية هذا بقوله: "فإن قالوا: إنَّ ههنا، هو على يقين من الطلاق، فقلنا نعم، وعلى شك من الزيادة على طلاقها واحدة والشك باطل" (49).‏

11-تقدير موقف الأصوليين من اعتبار أنواع أخرى من الاستصحاب، وتحليلها ومناقشتها في ضوء علم الأصول وفلسفته.‏

ذكرنا آنفاً، أن ثمة أنواعاً أخرى من "الاستصحاب" اعتبرها بعض الأصوليين من صلبه، وضربوا لها الأمثلة التطبيقية، واستمدوا –من خلال الاستدلال بها –أحكاماً لمسائل بحثوها في مصنفاتهم "على ضوء من مفهوم تلك الأنواع، نتناولها بالبحث والتحليل، والمناقشة، لتقديرها، ووزنها في ضوء فلسفة علم الأصول.‏

-النوع الأول: العدم الأصلي، أو براءة العدم الأصلية.‏

وتفسير هذا، أن "الأصل براءة الذمة من التكاليف والواجبات –كما بينا آنفاً –حتى يرد من الشارع دليل يشغلها، ذلك، لأن الذمة خلقت بريئة من التكليف، حتى يرد الدليل الشرعي المثبت لشغلها بهذا التكليف، وهو الدليل المغيِّر للعدم الأصلي أو الناقل للذمة من براءة العدم الأصلية، وهذا معنى قولهم: الأصل العدم (50)، أو الأصل البراءة، أي انتفاء الأحكام التكليفية التي هي منشأ الالتزامات والحقوق، انتفاؤها قبل ورود الشرع.‏

والحق، أن هذا حكم عقلي محض يحكم بالبراءة من التكاليف، قبل ورود الشرع، ويستمر هذا الحكم السلبي أو العدمي، في الآتي من الزمن، حتى يثبت من جهة الشرع، ما يغيره.‏

وعلى هذا، فلا يعتبر "العدم الأصلي" أو "البراءة الأصلية" نوعاً من الاستصحاب –على التحقيق –لأن دليل الحكم بالعدم أو البراءة، هو "العقل المحض" ودليل استمرار هذا الانتفاء، ثابت بالعقل أيضاً لا بالاستصحاب، لسبب بسيط، هو أن "العقل إذا حكم بالانتفاء أو العدم ابتداء، حكم بالاستمرار والبقاء، حاضراً ومستقبلاً، لأنه قائم في كليهما، والحكم لا يتخلف عن دليله، ابتداء وبقاء، حتى يرد الدليل الطارئ المغيِّر الذي يقطع استمرار هذا النفي، أو البراءة، أو العدم، وهذا ليس من "الاستصحاب" بداهة، لأن "الاستصحاب" –كما علمت –إنما يتحقق مناطه، ليصح الاستدلال به، حيث لا دليل مستقلاً يقضي بالاستمرار، وما نحن فيه، دليله قائم، ومستقل منذ البداية، وهو قائم أيضاً في الحاضر، والمستقبل، وإذا استمر قيام العقل، استمر حكم العدم أو البراءة، ضرورة، والشرع جاء مؤيداً للعقل، ابتداء وبقاء، في حكمه بالعدم الأصلي، على الخصوص، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في اعتباره نوعاً من الاستصحاب، أو عدم اعتباره.‏

وبذلك يتبين لك، أن القول بكون العدم الأصلي، أو "البراءة الأصلية" نوعاً من الاستصحاب، أمر فيه نظر!‏

12-العقل لا يملك إثبات الأحكام ابتداء، لأن دلالته مقصورة على العدم الأصلي، أو البراءة من التكاليف قبل ورود الشرع، ومع ذلك، فإن للعقل مدخلاً دلاليلاً في تجاوز أصل الإباحة، أو الإذن العام، إلى إيجاب أمر ثبت بمقتضى حكم العقل العلمي المتخصص، أن فيه نفعاً كبيراً، وكذلك له حكم بالمنع أيضاً في كل أمر ثبت بمقتضاه، أن فيه ضرراً بيِّناً، وإن لم يرد في الشرع دليل خاص به من نص أو إجماع أو قياس، لأن فهم نفس الشرع، وروحه العام، يوجب ذلك، ومردُّ هذا –فيما نعتقد –إلى القواعد العامة في التشريع، ومقاصده الأساسية.‏

-وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي: ".. وإذاً النظرُ في الأحكام الشرعية، إما أن يكون في إثباتها، أو في نفيها، أما إثباتها (أي تشريعها ابتداء) فالعقل قاصر عن الدلالة عليه، وأما النفي، فالعقل قد دل عليه، إلى أن يرد "الدليل السمعي" بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، فانتهض دليلاً على أحد الشطرين، وهو النفي (52)".‏

هذا، ويؤكد الآمدي هذا الأصل، إذ يقول: "فالأصل في جميع الأحكام الشرعية إنما هو "العدم" (53) وبقاء ما كان على ما كان، إلا ما ورد عن الشارع بمخالفته –بمخالفة العدم –فإنا نحكم به، ونُبقي فيما عداه، عاملين بالنفي الأصلي (54)"‏

وعلى هذا يجب التمييز بين أن يحكم العقل بوجود أو ثبوت أحكام مبتدأة، بعد أن لم تكن، أي يُشرِّعها، وبين أن يحكم العقل بالعدم الأصلي، قبل ورود الشرع، فليس للعقل مدخل في الأول، أي بإنشاء أحكام جديدة لم تكن، أو تأسيس شرع جديد، لأن هذا من حق الله، ولم يجعل لأحد فيها خيرة. بل هو افتئات" على حق الله في التشريع، (إنِ الحكم إلا الله(.‏

أما في الثاني، فله مدخل في ذلك، إذ جاء مؤيداً له، كما قدمنا.‏

على أنا بيَّنا آنفاً، في بحث "الإباحة الأصلية" أو "أصل الحل العام" إلى أن يرد من الشارع ما يحرّم، استثناءً، أقول بيِّنا –استدراكاً على هذا الدليل –أن للعقل العلمي المتخصص، مدخلاً دلالياً في الاجتهاد، فيما لم يرد فيه نصٌ خاص به، أن يحكم بإيجاب أمر ثبت بالخبرة العلمية المتخصصة، أن فيه نفعاً كثيراً، أو بمنع أمر، ثبت بالنظر العقلي العلمي أيضاً، أن فيها ضرراً بيِّناً، ومردُّ ذلك –فيما نعتقد –القواعد العامة في التشريع، وهذا ينبغي ألا يكون فيه خلاف.‏

وفي هذا المعنى، يقول الإمام العز بن عبد السلام، بعد أن بيَّن "أن مصالح الدارين، وأسبابهما، ومفاسدهما، لا تعرف إلا بالشرع (55) يقول ما نصه: "ومن تتبَّع مقاصد الشرع، في جلب المصالح، ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك، اعتقادٌ أو عرفان، بأن هذه المصلحة، لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة، لا يجوز قربانها، وإن لم يكن في ذلك نص خاص ولا إجماع، ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع، يوجب ذلك (56)" أي باستلهام روح الشرع، ومعقوله العام، ومقاصده الأساسية، وقواعده الكلية، من قِبَلِ العقل العلمي المتخصص، بما نشأ لديه من ملكة مقتدرة، ثمرة لطول المران والتعمق في البحوث.‏

أما أن الشرع جاء مؤيداً لحكم العقل في هذا الصدد، فقد ذكرنا آنفاً، قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه، فانتهى، فله ما سلف (57) وقلنا: إن سبب نزولها خاص بشأن الأموال التي اكتسبت من الربا، قبل تحريمه، فدلت الآية الكريمة، أن ما كان منها قبل التحريم، فهو على "البراءة الأصلية" لأن حكم الآية بالتحريم، لا يشمل إلا الأموال التي اكتسبت بالربا بعد نزولها، لا قبله.‏

على أن خصوص السبب، لا يقضي على عموم اللفظ، كما هو معلوم أصوليا، ولا ريب، أن هذا النص القرآني، جاء تأييداً لحكم العقل بالبراءة قبل نزول الآية الكريمة.‏

وكذلك مثل قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوماً، بعد إذ هداهم، حتى يبيِّن لهم ما يتقون (58) ووجه الاستدلال –في ضوء سبب النزول –أن ما كان من النبي ( بل وما كان من المسلمين عامة، من استغفارهم للمشركين، قبل نزول تحريمه بالنص القرآني، فهو على "البراءة الأصلية" ليس فيه مأثم، ولا حرج، "حتى يبين لهم ما يتقون" بخلاف ما بعد نزول التحريم، وهذا بيِّنٌ.‏

13-الأصوليون (59) في مصنفاتهم، أن البراءة الأصلية، أو العدم الأصلي، حكم عقل محض، وهو سابق على ورود الشرع به.‏

ترى هذا واضحاً في قول الإمام الغزالي –على سبيل المثال –في كتابه المستصفى:‏

"دليل العقل، والاستصحاب... اعلم أن الأحكام السمعية، لا تُدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة" (60) ويقول أيضاً: "وانتفاء الأحكام، معلوم بدليل العقل، قبل ورود السمع (61)" أي قبل أحكام الشرع بهذه البراءة، أو العدم.‏

غير أن الإمام الغزالي، إذ يشير إلى دليل العقل، والاستصحاب، فإنما يشير إلى ذلك، بالعطف الذي يقتضي المغايرة بينهما، فهما إذن أمران متغايران، فلا يسوغ بعد ذلك أن يجعلهما أمراً واحداً، بقوله: "ونحن على استصحاب ذلك –أي حكم العقل –(62) إلى أن يرد السمع" أي حتى يرد دليل من الشرع بالتغيير، فإذا ورد لم يبق للعقل دلالة.‏

وبيان ذلك: أنَّ حكم العقل لا يستصحب، لأنَّا بينَّا، أن حكم العقل الذي أثبت حكم العدم الأصلي ابتداءً، هو نفسه الذي حكم باستمراره في الزمن الآتي انتهاءً، لأن العقل كان قائماً قبل الشرع، وبعد وروده، ولا يزال قائماً في الحاضر، وفي الزمن الآتي، ولا يتخلف الحكم عن دليله، كما ذكرنا، وإذا استمر قيام العقل استمر الحكم الثابت به بداهة، فلا حاجة إذن إلى الاستصحاب، لأن الاستصحاب إنما يلجأ إليه في الاستدلال، حيث لا دليل مستقلاً يدل على استمرار الحكم، وهذا دليله قائم، كما رأيت، وفرق بين أن يكون الاستمرار ثابتاً بدليل قائم مستقل، وبين أن يكون استمراره ثابتاً، أثراً لازماً لعين دليل وجود الحكم، فالدلالة في الثاني لزومية، وهذا هو الاستصحاب، وفي الأول عقلية أصلية، وليست ثابتة لزوماً، فافترقا! فحكم العقل في الاستمرار، كحكم النص في الاستمرار أو التأبيد، كلاهما ليس استصحاباً، كما قدمنا.‏

هذا، والإمام ابن قدامة، يصرِّح بأن: "العدم الأصلي" حكم عقلي، قبل ورود الشرع، إذ يقول: "استصحاب العدم الأصلي، حتى يرد دليل ناقل عنه (63) لأن العقل يدلُّ على براءة الذمة" (64)".‏

وما قيل في وصف الغزالي لحكم استمرار دليل العقل بأنه "استصحاب" يُقال في وصف ابن قدامة بذلك، فكلاهما لم يُصب في هذا "التكييف" للفارق الحاسم بينهما، كما بينا.‏

14-الأمثلة التطبيقية لاستمرار العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية، بحكم العقل:‏

قلنا: إن مفاد هذا الأصل من البراءة، أن الحكم بعدم إيجاب فعل، قبل أمر الشارع به، أو بنفي الحكم الشرعي التكليفي بوجه عام، قبل ورود دليله من الشارع، فإن "العقل" يدل على انتفائه إلى أن يرد دليل عن الشارع يترتب عليه وجوده أو ثبوته.‏

ويضرب الإمام الغزالي الأمثال التوضيحية لهذا الأصل، حيث يقول: "... إذا أوجب –الشارع –صوم شهر رمضان، بقي صوم شوال على "النفي الأصلي" –أي بقي منفيَّاً وجوبه بالعقل –وإذا أوجب على القادر، بقي العاجز على ما كان عليه (65)" لعدم الدليل على التكليف في حقه، ويحكم العقل بذلك قبل الشرع!!.‏

وهذا معناه، أن نفي الوجوب عن العاجز، ثابت بالعدم الأصلي عقلاً، لا بالدليل الذي أوجب على القادر شرعاً.‏

ويُستخلص من هذا، أن "العقل وحده" يستقلُّ بالحكم بانتفاء التكليف، وباستمرار هذا الحكم السلبي، لهذه الحال أيضاً، لأن كلاًّ من الحكم بالانتفاء ابتداءً، واستمرار هذا الانتفاء مرجعه "العقل" دليلاً عليهما، والعقل قائم، فلا محل للاستصحاب أصلاً -كما قدمنا –وهذا الحكم العقلي بعدم التكليف حجَّة، واتباعه واجب، بل هو الأصل، ولا خلاف فيه، وقد أيَّده الشرع ومن ادعى خلاف هذا الأصل، فعليه بالدليل المغيِّر، غير أن هذا الحكم العقلي بالعدم الأصلي، واستمراره، ليس نوعاً من الاستصحاب الذي نحن بصدد البحث فيه، على التحقيق لما قدمنا.‏

15-هل الحكم الثابت بالإجماع، أو القياس، محلٌ للاستصحاب؟‏

آ-أما الحكم الثابت بالإجماع، فإنه إذا انعقد على محل ذي صفة، ولم تتغير صفته، فإن هذا الحكم يستصحب، ويبقى مستمراً بالإجماع، ولا خلاف في ذلك.‏

ب-أما إذا تغيرت الصفة المُجمع عليها، فهل يستصحب حكم الإجماع بعد هذا التغيُّير، أو لا يستصحب؟؟.‏

اختلف الأصوليون في كون الحكم المجمع عليه، محلاًّ للاستصحاب، إذا انعقد هذا الإجماع ابتداء على فعل ذي صفة، ثم تَغيَّرت صفته، أثناء أدائه، وقبل اتمامه.‏

وصورة ذلك، أن المتيمم إذا رأى الماءَ، أثناء الصلاة، هل يمضي في صلاته حتى يُتمَّها، وتكون صحيحة، على الرغم من رؤيته الماء أثناء أدائها، استصحاباً لهذا الإجماع الذي انعقد –إبان الشروع فيها –على صحتها، ودوامها قبل رؤيته الماء، ولا يؤثر على صحتها، ودوامها، طَرَيان وجود الماء، أثناءها، فتكون صحيحة لا باطلة؟ لعدم ورود الدليل الشرعي على حكم هذه الحال من رؤية الماء أثناء الصلاة من قِبَلِ المتيمم.‏

1-قال فريق من الأصوليين –ومنهم الإمام الغزالي، وأبو حنيفة –لا محل للاستصحاب في مثل هذا الإجماع، إذ قالوا: تبطل الصلاة إذا رأى الماء أثناء أدائها، ولا اعتبار للإجماع الذي انعقد على صحتها، عند الشروع فيها، قبل رؤية الماء، إذ لا يستلزم هذا الإجماع، دوام انعقاده وحكمه بعد رؤية الماء، فهو منعقد –كما يقول الإمام الغزالي (67) –في حال عدم الماء، لا في حال وجوده، إذ بوجود الماء، يرتفع الإجماع، لتغيُّر الحال، ويصبح كأن لم يكن، ولا استصحابَ يُتصوّر لإجماعٍ غير موجود!! فينبغي أن يتوضأ من جديد، ويستأنف الصلاة. –ألا ترى إلى "الخمر" قد انعقد الإجماع على تحريمها، حتى إذا تغيّرت صفتها، فصارت خلاّ، ارتفع الإجماع، ولا يستصحب، لتغيّر الصفة، وهذا التغيّر قد جعله الله تعالى قاطعاً لاستمرار الحكم المجمع عليه الأول، وهو التحريم، ومثبتاً حكماً جديداً طارئاً مضاداً للحكم الأول، فكذلك ما نحن فيه.‏

وكذلك "جلد الميته" نجِس بالإجماع، حتى إذا دُبغ ارتفع هذا الإجماع، لتغيّرِ صفته، وأصبح طاهراً بالإجماع، لتغيُّر الحال، لأن الدباغة حال، أو صفة طارئة لجلد الميته، قد جعلها الله تعالى عله مغيَّرة لحكم نجاستها، ومثبتة لحكم آخر جديد، يضاد الحكم الأول، ذلك مثل بسيط نورده للتوضيح.‏

وعلى هذا، فلا محل للاستصحاب في إجماع من هذا القبيل، بالبداهة، عند هذا الفريق.‏

2-فريق آخر من الأصوليين، كالشافعي والآمدي (68)، يرى أن الإجماع إذا نعقد ابتداءً على حكم، يُستصحب هذا الحكم، ويدوم، ولو طرأ تغيّر الصفة، حتى يدل دليل من الشارع، على أن الوصف الجديد مغيَر للحكم.‏

وعلى هذا، فلا تبطل الصلاة –في مثالنا السابق –إذا وجد المتيمم الماء أثناءها، حتى يدل دليل من الشارع على أن رؤية الماء أثناء الصلاة مبطلة، أي مغيِّرة للحكم السابق، ولم يرد، لأن الشروع في الصلاة حالة التيمم، قد دل الإجماع على صحته ابتداء، فيبقى الإجماع مُستَصحباً، ومستمرَّ الدلالة، والحكم، على دوام الصة أثناءها، وحتى إتمام الأداء، ولو بعد طريان وجود الماء خلالها، ولا يقوى طروء وجود الماء، على قطع هذا الاستمرار، ما لم يرد من الشارع دليل على جعل هذا التغيُّر في الحال، موجباً لقطع الاستمرار!‏

وهذا بيِّنٌ، أن مثل هذا الإجماع محلٌّ للاستصحاب، كما ترى، خلافاً للفريق الأول.‏

فالخلاف في التطبيق، كما ترى، ولا خلاف في أصول القواعد، وحجيتها.‏

ونحن نرى، أن الرأي الأول، أقوى دليلاً، إذ سَنَنُ الشرع جارٍ على تغيُّر الحكم، إذا تغيَّرت الصفة المؤثرة في محله، ولا شك، أن الإجماع إذا انعقد على فعل أنه صحيح، في حال قيام صفة مؤثرة فيه، فإنه يزال يرتفع إذا تغيَّر الحال، أو الصفة، فحال وجود الماء، غير حال فقدانها، ولكلِّ حكم في الصلاة، والتيمم ترخيص في حال الضرورة، ولا ضرورة عند وجوده، سواء أكان عند الشروع في الفعل، أم أثناءه، لوحدة السبب.‏

هذا، ولا يقال إن الإجماع مجرد أمارة على وجود الدليل أو المستند، فلا يلزم من ارتفاع، الإجماع، ارتفاعُ دليله، أو مستنده، لأنا نقول، إن الإجماع إذا ما انعقد، كان هو الدليل، ولا يبحث عن مستنده، لأنه يقوم مقامه، إلا إذا تبين أن أساسه مصلحة زمنية متغيِّرة، فيتغيَّر الإجماع، بتغيُّر أساسه، أو مستنده الذي قام عليه، إذ لكل مصلحة حكمها الذي تقتضيه، ولكن ما نحن فيه، أمر تعبديٌّ خالص، وهو "الصلاة" وليس مصلحة دنيوية متغيرة، فلا صحة لقول من يدعي، أن الإجماع أمارة على المستند، حتى إذا ارتفع الإجماع، بقي المستند، أقول: لا يصح هذا القول، من قِبَلِ أنّ عصمة الأمة، منوطةٌ بإجماعها، وأنها لا تجتمع على ضلاله، فالحجية منوطة بذات الإجماع، لا بمسنده، كما ترى.‏

على أن "المستند" أو الدليل الذي ينهض عليه الإجماع، منوط حُكمُهُ بالأوصاف، أو العلل، أو الأسباب المؤثرة في اقتضاء الأحكام، فحيثما وجد الوصف، أو العلة، أو السبب، وجد الحكم، سواء انعقد عليه إجماع، أم لم ينعقد، حتى إذا انعقد، كان الإجماع لذاته هو الحجة، وليس هو مجرد أمارة، كما يُدَّعى!!‏

وعلى هذا، يترجح لدينا، أن الإجماع على حال، يرتفع إذا تغيرت هذه الحال، على النحو الذي بينَّا، فلا يكون الإجماع على محل فيه خلاف، محلاًّ للاستصحاب (69).‏

16-الحكم الثابت عن طريق القياس، في الفرع المقيس، ليس محلاًّ للاستصحاب في ذاته، لأن الفرع تبع الأصل، فإذا كان أصله محلاًّ للاستصحاب، كان الفرع محلاًّ له تبعاً لذلك، وإلا فلا.‏

وعلى هذا، فإن كان حكم الأصل باقياً مستمراً بالاستصحاب، وغير منسوخ، أخذ الفرع حكمه، والعكس صحيح.‏

يرشدك إلى هذا، أن حكم الأصل إذا لم يكن باقياً ومستمراً العمل به، بأن كان منسوخاً، لم يكن محلاًّ للاستصحاب، فكذلك حكم الفرع المقيس، لأنه يستمد حكم استمراره، أو انقطاعه، من حكم أصله.‏

على أنه إذا كان حكم الأصل منسوخاً، لم يكن محلاًّ للقياس أصلاً، فضلاً عن عدم جواز استصحابه، فلا يتعدى حكمه إلى الفرع بداهة، فالفرع ينتفي بانتفاء أصله. هذا، ومعلوم، أن شرط "صحة القياس" بالنسبة إلى حكم الأصل، ألاَّ يكون منسوخاً، لأن النسخ بيان لانتهاء أمد العمل بالحكم، حتى إذا انتهى أمد العمل بالحكم الأصلي، وألغي، كان هذا الإلغاء واجباً بالنسبة إلى الفرع من باب أولى.‏

هذا، وبالله التوفيق!‏

الدكتور محمد فتحي الدريني‏

عميد كلية الشريعة في جامعة دمشق‏

***‏

الحواشي:‏

(1)-إرشاد الفحول –ص 237 –للشوكاني –كشف الأسرار حـ3 –ص 1097 يقول شارح أصول البزدوي: "ان استصحاب حكم ثبت بدليل مطلق، غير معترض للزوال والبقاء، ليس بحجة قبل الاجتهاد في طلب الدليل المزيل"‏

-المرجع السابق.‏

(2)-وإنما يحصل الظن بعدم الدليل، بعد البحث والنظر، ولم يظفر به، لأنه لو وجد، لنقل إلينا عادة، آحاداً أو تواتراً، وإلا لزم القول بضياع شيء من الشريعة، وهذا باطل."‏

(3)-راجع في بحث الاستصحاب –الاحكام في أصول الأحكام –الآمدي –حـ4 –ص 160 –170 –والأحكام في أصول الأحكام –حـ 5 –ص5 –لابن حزم الأندلسي –إرشاد الفحول ص 237 –للشوكاني –التلويح والتوضيح –حـ3 ص 36 –لصدر الشريعة –كشف الأسرار حـ3 –ص1097 وما يليها –عبد العزيز البخاري.‏

(4)-المراجع السابقة.‏

(5)-المستصفى للغزالي –حـ1 ص217.‏

6-كشف الأسرار –حـ –ص1101 –للبخاري على أصول البزدوي.‏

(7)-قد وقع في هذا الخلط صاحب كشف أسرار، إذ يعتبر استمرار حكم بقاء الزوجية من الاستصحاب، في حين أن الزوجية قائمة أصلاً على السبب، وهو العقد، فيكون البقاء مقتضى للسبب لا للاستصحاب، حيث يقول: "إذا تيقن بالنكاح، ثم شك في الطلاق، لا يزول النكاح بما حدث من الشك، وهذا كله استصحاب" حـ3 –ص 1099.‏

(8)-المراجع السابقة –وراجع بوجه خاص، كشف الأسرار على أصول البزدوي –ح3 –ص1101 وما يليها.‏

(9)-التوضيح على التلويح –حـ2 –ص36 –لصدر الشريعة –تسهيل الوصول إلى علم الأصول –ص237 –عبد الرحمن المحلاوي.‏

(10)-التقرير والتحبير شرح التحرير –حـ3 –ص290 –لابن أمير الحاج –ط –دار الكتب العلمية –بيروت.‏

(11)-المصباح المنير –حـ1 –ص394.‏

(12)-كشف الأسرار –حـ3 –ص1097.‏

(13)-إرشاد الفحول –ص237 –للشوكاني.‏

(14)-ح1 –294 –ويقول صاحب كشف الأسرار: "وفي الشريعة –أي تعريف الاستصحاب في الشريعة –هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على أنه كان ثابتاً في الزمان الأول" حـ3 –ص1097-.‏

ويقصد بالزمان الأول –الزمن الماضي –والزمن الثاني أي الحاضر والمستقبل.‏

(15)-المرجع السابق.‏

(16)-التحرير وشرحه التقرير والتحبير –المجلد الثالث –ص290 –للكمال بن الهمام، والشرح لابن أمير الحاج.‏

(17)-وإلا لزم ضياع شيء من أحكام الشريعة، وهذا باطل لا يقول به أحد.‏

(18)-أصول السرخسي: ج2 ص 226 –كشف الأسرار: ج‍3 ص109 وما يليها –المستصفى مع فواتح الرحموت: ج‍1 ص222 –223.‏

(19)-ج‍4 ص172.‏

(20)-الاحكام في أصول الأحكام: ج4، ص173 –للآمدي.‏

(21)-المرجع السابق.‏

(22)-كشف الأسرار: ج‍3 ص1097.‏

(23)- كشف الأسرار : جـ3 ص 1097- للبخاري- على أصول البزدوي.‏

(24)-المستصفى مع فواتح الرحموت: جـ1 ص222 –للغزالي. والمراد بقوله: حتى يرد سمع مغير، أي دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، لأن هذين الأخيرين راجعان إلى الأولين.‏

(25)-روضة الناظر –شرح الشنقيطي: ص159.‏

(26)-البقرة /275.‏

(27)-التوبة /115.‏

(28)-روضة الناظر: لابن قدامة –ص160.‏

(29)-المستصفى: ج‍1 ص222 –ص223.‏

(30)-المستصفى مع فواتح الرحموت: ج‍1 ص223 –للغزالي.‏

(31)-كشف الأسرار ج‍3 –ص1102.‏

(32)-المرجع السابق.‏

(33)-راجع في أنواع الاستصحاب –أصول السرخسي: ج‍2 ص224 ص225 –كشف الأسرار على أصول البزدوي: وما يليها.‏

(34)-أصول السرخسي ج‍2 ص224.‏

(35)-أصول السرخسي: ج‍2 ص224.‏

(36)-المرجع السابق ص224 –225 وقوله: لإبلاء العذر، أي لم يعد في وسعه أن يبذل من الطاقة العلمية أكثر مما بذل، ولم يجد، فلم يكن مقصراً، وكفى بذلك عذراً.‏

(37)-المرجع السابق.‏

(38)-راجع كشف الأسرار: ج‍3 ص1100.‏

(39)-كشف الأسرار: ج‍3 ص1097.‏

(40)-أصول السرخسي: ج‍2 ص225.‏

(41)-أصول السرخسي: ج‍2 ص225.‏

(42)-المرجع السابق.‏

(43)-المرجع السابق: ج‍2 ص225 وهذا ما أشار إليه الشوكاني من أنه رأى متأخري الحنفية في أنه حجة لإبقاء ما كان، لا لإثبات أمر لم يكن، إرشاد الفحول ص237.‏

(44)-أصول الفقه: ص300 –301 –الشيخ أبو زهرة –مطبعة دار الفكر العربي، القاهرة.‏

(45)-الإحكام في أصول الأحكام: ج‍5 ص5.‏

(46)-من المعلوم، أن الطلاق الثلاث، تبين معه الزوجة بينونة كبرى، فلا تحل لزوجها المطلق إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، ويطلقها أو يموت عنها، وتعتد، وبعد انتهاء عدتها، تعود إلى زوجها الأول بعقد جديد، ومهر جديد، بخلاف ما إذ طلقها طلقة واحدة، رجعية، أو بائنة، بينونة صغرى، إذ يحل له أن يراجعها إلى عصمة نكاحه في الحال الأولى، لأن الطلاق الرجعي، تبقى الزوجية قائمة بعده خلال فترة العدة، فتثبت له الرجعة، دون عقد جديد، ودون رضاها، لأنها ما زالت زوجته، بخلاف البائن بينونة صغرى، فيجوز أن يراجعها إلى عصمة نكاحه، ولكن بعقد جديد ومهر جديد، وبرضاها، وأياً ما كان فإن الطلاق الرجعي، والبائن بينونة صغرى، لا يرفعان أصل الحل، أما الطلاق الثلاث، فتبين معه الزوجة بينونة كبرى أثر وقوعه، ولا يملك إرجاعها إلى عصمة نكاحه إلا بعد أن تتزوج زوجاً غيره، فيرفع هذا الطلاق، أصل الحل، كما ترى.‏

(47)-أصول الفقه، ص300 –ص301 –الشيخ محمد أبو زهرة.‏

(48)-الإحكام في أصول الأحكام / ج‍5 ص5.‏

(49)-المرجع السابق.‏

(50)-الاشباه والنظائر –ص53 وص57 للسيوطي.‏

51)-المستصفى –ح‍1 ص219 –للغزالي.‏

(52)-المرجع السابق.‏

(53)-أي انتفاء الأحكام الشرعية، وفراغ الذمة من تكاليفها إلى أن يرد الدليل الشرعي الناقل من العدم الأصلي إلى التكليف وشغل الذمة به.‏

(54)الاحكام –ح‍4 ص1750.‏

(55)-قواعد الاحكام - ح‍1 ص8 –للعز بن عبد السلام – وهو عين ما قرره الشباطي حيث يقول: "فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة، فهو الواضع لها مصلحة، وإلا فكان يمكن عقلاً، ألا تكون كذلك –الموافقات ح‍2 –ص315.‏

(56)-قواعد الأحكام.‏

(57)-المرجع السابق.‏

(58)-المرجع السابق.‏

(59)-المستصفى - ح‍1 ص217 مع فواتح الرحموت –شرح روضة الناظر –ص159 للشنقيطي.‏

(60)-المستصفى مع فواتح الرحموت - ح‍1 ص217.‏

(61)-المرجع السابق.‏

(62)-المرجع السابق ص226.‏

(63)-أي ناقل عن العدم الأصلي.‏

(64)- شرح روضة الناظر ص 129- لابن قدامة- والشارح الشنقيطي‏

(65)-المستصفى مع فواتح الرحموت - ح‍1 ص218 –كشف الأسرار - ح‍3 –ص1097 –وما بعدها.‏

(66)-المستصفى ح‍ 1-ص224 –للغزالي.‏

(67)-المستصفى مع فواتح الرحموت - ح‍1 –ص224.‏

(68)-الاحكام - ح‍4 ص5.‏

(69)-المرجع السابق.‏

***‏

المصادر والمراجع‏

1-الإحكام في أصول الأحكام الآمدي‏

2- الإحكام في أصول الأحكام ابن حزم‏

3-التوضيح مع شرح التلويح صدر الشريعة‏

4-كشف الأسرار على أصول البزدوي البخاري‏

5-إرشاد الفحول الشوكاني‏

6-المستصفى مع فواتح الرحموت الغزالي‏

7-التقرير والتحبير شرح التحرير ابن أمير الحاج‏

8-أصول السرخسي الرخسي‏

9-روضة الناظر في أصول فقه الحنابلة ابن قدامة المقدسي‏

10-قواعد الأحكام العز بن عبد السلام‏

11-الموافقات للشاطبي‏

12-الأشباه والنظائر للسيوطي‏

13-أصول الفقه محمد أبو زهرة‏


المصدر :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 29 - السنة الثامنة - تشرين الأول "اكتوبر" 1987 - صفر 1408
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-10-06, 02:41 AM
أم مريم أم مريم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-08-06
المشاركات: 523
افتراضي

بحث آخر له :

النظريّة العامّة للشريعة الإسلاميّة تحدد ذاتيتها، وطبيعة هدفها العام

ـــ د. فتحي الدريني

تمهيد في فلسفة التشريع الإسلامي:‏

المنهج العلمي الذي يجب اتخاذه أساساً في الاجتهاد التشريعي:‏

قبل أن نتناول هذا الموضوع الهام بالبحث والاستدلال أصولياً، ينبغي أن نحدِّد "طبيعة المنهج العلمي" الذي ينبغي اتخاذه أساساً فيه، إذ لا بحث بلا منهج، ضماناً لسلامة النتائج المنطقية والعلمية المترتبة عليه، وعصمةً للفكر من الوقوع في التناقض بين ماهية هذا المنهج المتَّخذ، وبين طبيعة المادة المدروسة، إذ من المقرر منطقياً، أن المنهج العلمي لدراسة مادةٍ ما، ينبغي أن يكون مشتقاً من طبيعتها.‏

اتخاذُ بعض فقهاء القانون الوضعي المعاصرين(1) منهجاً مادياً محسوساً قوامُه المشاهدة والتجربة في الاجتهاد التشريعي، لا يتفق وطبيعة التشريع.‏

تذهبُ بعضُ الفلسفات القانونية إلى أن المنهج الذي يجب أن يُصطنع في البحث والاجتهاد التشريعي والفقهي، هو أسلوب المشاهدة والتجربة، رصْداً للظواهر الاجتماعية، باعتبار أن القانون نفسه ليس إلا ظاهرة اجتماعية، مما يُشعر بقياس المنهج العلمي في البحث التشريعي على المنهج المتخذ في بحث العلوم الطبيعية، كالفيزياء والكيمياء، سواء بسواء، فيؤول الأمر حتماً إلى الجمع بين مادتين مختلفتين طبيعة ودوراً، وهدفاً، وهو ما ترفضه أصول مناهج البحث العلمي التي قامت على أساس إفراد كلِّ مادة بمنهج خاص، يشتق من طبيعتها.‏

هذا، والعلوم الطبيعية إذا كانت ماهيتها تقتضي أن يخضع البحث والنظر فيها لقانون "السببية" التي لا يتخلف فيه المسبَّب عن السبب الذي أحدثه، تلازماً واقعياً لا انفكاك له، بمقتضى سنة كونية ثابتة لا تجد لها تبديلاً، وأن البحث فيها لا يعدو أن يكون جُهداً فكرياً متعمقاً للكشف عن هذا الواقع القائم، لا لابتداع سُنَن أو علاقات جديدة لم تكن قائمة من قبل، مما يقتضي بالضرورة اتخاذ منهج "المشاهدة والتجربة" في المختبرات العلمية، رصداً لظواهر طَبَعيَّة واقعية تنتجها سُنَنٌ ثابتة، كما ذكرنا، ليتمكن الباحث من اشتقاق قواعد علمية كلية ثابتة، طرداً وعكساً، تحكم جزئيات موضوعها، دون تخلُّف لأيٍّ منها، إذ المسبَّبُ لا يزايلُ السبب الذي أحدثه، كما نوهنا، أقول إذا كان الأمر كذلك في العلوم الطبيعية، فإن التشريع من طبيعة أخرى لا تقتضي ذلك إطلاقاً، إذ لا يتَّسق معها، بل يرفضه، لسبب بسيط، هو أن هذا المنهج المادي المحسوس، يعتمد أموراً واقعية يَرصُدُها، إقامة للتشريع على أساسها، دون تغيير أو تقويم أو توجيه، أو تحديد لغايات مرسومة، فكان لذلك منهجاً "تقريرياً" محضاً، تفقد فيه المثل العليا، والقيم الإنسانية والمبادئ الخلقية دورها في التوجيه والتقويم، بل تفقد وجودها أصلاً، وهو ما لا يتفق وطبيعة التشريع ووظيفته في الحياة الإنسانية، وهذا، إن جاز في بعض التشريعات، فإنه لا يتأتى في التشريع الإسلامي بوجه خاص.‏

على أنَّ ما نقرره هنا ليس مجرد لوازم عقلية منطقية للمنهج المادي المجرَّد القائم على المشاهدة والتجربة، نستنتجها استنتاجاً، بل هو ما صرح به أنصار هذا المنهج من مثل العميد "ديجي" حيث يرى ضرورة استبعاد أن يكون للمثل العليا، والقيم الإنسانية دور في التقنين.‏

التشريع محكوم بقانون الغاية، فكان علماً تقويمياً لا تقريرياً.‏

هذا، ومما يؤكد اختلاف المادتين طبيعة ودوراً، وهدفاً، أن التشريع –كما هو معلوم- يحكم ظواهر إرادات المكلفين، وما تتجه إليه من غايات تستهدف تحقيقها، مما يعود إلى مصالحهم الذاتية المباشرة والحالَّة، عن طريق ممارستهم لما منحوا من حقوق وحريات عامة، فتغدو تلك "الغايات" المنشودة بعد تنفيذها، أوضاعاً اقتصادية، أو اجتماعية، أو سياسية قائمة، وهذا يتضح في التشريع الإسلامي بصورة أتم وأوضح، وذلك على الوجه التالي:‏

من المقرر إجماعاً، أن الحقوق والحريات "منشؤها الحكم الشرعي" الذي يتجهُ الخطابُ فيه إلى المكلف، وقد عرَّف الأصوليون "الحكم الشرعي" بأنه: "خطاب الله تعالى المتعلِّق بأفعال المكلفين" ومن المعلوم بالضرورة، أن الفعل الذي يتعلق به الحكم، إيجاباً أو سلباً، هو ظاهرة إرادية في المقام الأول، بلا مراء، إذ التكليف يستلزم الإرادة للتنفيذ فعلاً، فلا تنفيذ ولا امتثال بلا إرادة حرة مختارة واعية قاصدة، ليتم الابتلاء والجزاءُ عَدْلاً، وإلا كانت الإرادة مُفرغَةً من محتواها، وهذا الفعل الإرادي الذي نُفِّذ امتثالاً وطواعية، مُغيَّاً بغاية مرسومة ومحددة شرعاً هو مكلف بالاتجاه إليها إبَّان تصرفه، وتحقيقها واقعاً، إذ الحكم وحكمة تشريعه، أو غايته التي شرع من أجلها، مقترنان، نظراً وعملاً، بل "الحكمة" هي أساس تشريع الحكم، وقوام معقوليته، وإلا كان الحكم الذي يقتضي الفعل أو الكفَّ بلا غاية ولا حكمة، وهذا لا يُتصور في تشريع الله ورسوله، لأن هذا يستلزم العبث، والعبث لا يُشرع، لمنافاة ذلك للحكمة الإلهية، فوجب أن يكون لكُلِّ حكم حكمةٌ أو غايةٌ هي مقصود الشرع من أصل تشريعه، فكانت روحه وملاكَ أمره، ومعنى معناه، ومن ثمَّ لا يجوز بَتْرُ الحكم عن حكمته، انحرافاً عنها، أو تنكباً لها، أو اعتسافاً(2)، بل هو محرم قطعاً، لمناقضة قصد المشرع في تشريعه، تجد هذا بيِّناً صريحاً فيما قرره المحققون من الأصوليين، من أن قصد المكلف في العمل ينبغي أن يكون موافقاً لقصد الله في التشريع، حكماً ومقصداً معاً، من مِثل الإمام الشاطبي حيث يقول: "قصد الشارع من المكلَّف، أن يكون قصدهُ في العمل، موافقاً لقصد الله في التشريع(3)" ويُجلِّي هذا المعنى ويؤصِّله في موضع آخر من كتابه الموافقات في أصول الشريعة بقوله: "من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة، ومن ناقض الشريعة، فعمله في المناقضة باطل، فما يؤدي إليها باطل(4)".‏

وبيَّن أن المناقضة في "الغاية" هي علة الحكم بالبطلان، فكان ذلك دليلاً ساطعاً على أن التشريع يتخذ من المنهج الغائيِّ بحثاً في موضوعه.‏

يوضح هذا، ويؤكده أيضاً، أن الحكم ببطلان التصرف، للمناقضة، مؤيِّد عملي لتوجيه الإرادة إلى عدم التسبب فيها، عن طريق النشاط الحيوي في ممارسة الحقوق، أو الحريات، بل هو تقويم مؤيَّد بالجزاء التشريعي الذي يعامل المتصرف فيها بنقيض مقصوده، وما استهدفه من غاية غير مشروعة، إذ اعتُبر التصرف معدوماً حكماً، لا يترتب عليه أثر، وإن وجد حساً، لأن الظواهر الإرادية إذا لم تكن جارية على "سَنَن المشروعات" ووضعها الصحيح، ظاهراً وباطناً، شكلاً ومعنى، إرادة ومقصداً، لا تعتبر، ومن هنا ربط التشريع الإسلامي صحة التصرف، في جميع وجوه النشاط الإنساني، "بالعناصر الذاتية" للإنسان المكلف، من القصود والبواعث النفسية التي ترمي إلى تحقيق أغراض فعلية في المجتمع، إن في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، أو الخلقي أو الديني، إذ الحكم الذي يتعلق بتصرف ما، لم يشرع لذاته، بل لمعناه، أو للغاية التي يستهدف تحقيقها، وإنما الحكم وما تعلق به من تصرف هو مجرد وسيلة فحسب، تستمد هذه الوسيلة "قيمتها التشريعية" واعتبارها، ومشروعيتها، من تلك الغاية التي شرعت من أجلها، جلباً لمصلحة معتبرة، أو درءاً لمفسدة راجحة، إذ الوسيلة تأخذ حكم غايتها، وتسقط بسقوطها(5).‏

-هذا المؤيِّد العملي القضائي، وبسلطان الدولة، إنما شرع لحماية "ذاتية التشريع" ونظامه العام الذي يستشرف غايات ومقاصد أساسية شرعت من أجل تحقيقها، وهو مؤيِّد أيضاً لمنع التسبب في المناقضة إبان الكسب والانتفاع، بمقتضى الحقوق أو الحريات الممنوحة للمكلفين، لما أن هذه "المناقضة" تأتي على مقاصد التشريع هدماً وإبطالاً، إذ القصد غير الشرعي، هادماً للقصد الشرعي بداهة.‏

التشريع بما هو مرتبط أساساً بالظواهر الإرادية، على ما هو مقرر في مفهوم الحكم الشرعي أصولياً، وبما تتجه إليه الإرادة من غايات ومقاصد، بحكم البواعث النفسية الذاتية المتغايرة، توجب طبيعته أن يتخذ منهج الغاية أساساً في الاجتهاد التشريعي والفقهي، وهو يباين المنهج المادي المحسوس، منهج التقرير للواقع، طبيعة ودوراً وهدفاً.‏

يوضح الإمام الشاطبي، أن البُنية الذاتية للتشريع الإسلامي، وخصائصه، ومقاصده الأساسية، كل أولئك محكوم بقانون الغاية، لا بمنهج التقرير، يوضح ذلك بأجلى عبارة حيث يقول: "فالأحكام لم تشرع لأنفسها، بل شرعت لمعانٍ أُخَرَ، هي المصالح(6)" أي الغايات.‏

لذا، كانت "الغاية" بما هي هدف للحكم، وأساس في تشريعه، بل مناط "العدل" فيه، كانت هي المهيمنة على النص، المحددة لمعناه ولمجال تطبيقه أيضاً، ضيقاً وسعة، تبعاً لتحقيق هذه "الحكمة" في مظانِّ وجودها، تنفيذاً لمراد الشارع الذي تعلق بها، في أدق وأوسع مدى، فكان لزاماً على ذي الحق، أن تتجه إرادته شطرها، إبان تصرفه في حقه، تحقيقاً لها، لكونها "مناط العدل" حتى إذا تخلفت الغاية بالانحراف عنها، أو اعتسافها، كان البطلان! كما ذكرنا.‏

هذا، والحكم بالبطلان –كما قدمنا- هو جزاء تخلف الغاية، أو سقوط العدل في التصرف، وليس بعد العدل إلا الظلم، أو المفسدة أو العبث، وكل أولئك على النقيض من مقاصد التشريع وغاياته بالبداهة، يقول الإمام ابن تيمية في هذا الصدد: "كل ما خرج من العدل إلى الجور، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة" وفي هذا المعنى يقول الإمام القرافي أيضاً: "إن كل سبب شرعه الله لحكمة، لا يشرعه عند عدم تلك الحكمة(7)" ويؤكد هذا المعنى بعبارة أخرى بقوله: "كل سبب لا يحصِّل مقصوده، لا يشرع(8)" والمقصود هو غاية السبب، والسبب هو الفعل الناشئ عن حق أو إباحة(9)، فتأكد هذا المعنى أصلاً عامّاً في التشريع مؤداه: "أن ما يصير إلى النقيض من مقاصد التشريع وغاياته، باطل" فتجب الحيلولة دون وقوعه، وقاية، ودفعاً له بقدر الإمكان، حتى إذا وقع، وكان تصرفاً قولياً، كالعقود، بطل، وانعدم، لسقوط مشروعيته بسقوط غايته، والمقصود منه، والباطل معدوم اعتباراً لا يترتب عليه أثر، وإن كان تصرفاً فعلياً، وجب رفعه وإزالته، وقطع التسبب في استمراره(10).‏

المصلحة الجدِّية الحقيقية المعقولة التي شرعت غايةً مقصودة للشارع من تشريع الحق، هي مناط العدل.‏

ترى هذا المعنى بيِّناً مستقراً في مصادر علم الأصول، إذ يقرره المحققون من الأصوليين والفقهاء، أصلاً معنوياً عاماً تقوم عليه "المشروعية" وحيث تكون المشروعية، يكون "العدل" قطعاً، إذ لا مشروعية حيث ينتفي العدل، فنرى الإمام الشاطبي يعبِّر عن "الغاية" التي شرع الحكم وسيلة لتحقيقها، فكانت مقصودة في أصل تشريعه، يعبر عن هذه الغاية تارة بالمصلحة، أو الحكمة، أو "الباطن" أحياناً أخرى، وهي روح النص وملاك أمره، وعنصر معقوليته، بحيث إذا انتفت، غدا الحكم بلا أساس يسوِّغه، بل يذهب بمعقوليته.‏

ووجه إطلاق كلمة "الباطن(11)" على حكمة الحكم، أنها عنصر عقلي خارج عن منطوق النص، غالباً، وإن كان داخلاً في منطقه، فضلاً عن أن اتجاه الإرادة إبّان التصرف شطرها، أمر نفسي باطني، تجد هذا واضحاً إذ يؤصِّل هذا الأصل العام المعنوي في صراحة لا تقبل التأويل، ولا يلابسها غموض أو إبهام حيث يقول: "ولما ثبت أن الأحكام شرعت(12) لمصالح العباد، كانت الأعمال(13) معتبرة بذلك، لأن مقصود الشرع فيها، كما تبين، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه، على أصل المشروعية، فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً، والمصلحة مخالفة، فالفعل غير صحيح، وغير مشروع، لأن الأعمال الشرعية غير مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي "المصالح" التي شرعت لأجلها، فالذي عمل في ذلك على غير هذا الوضع، فليس على وضع المشروعات(14)" وهو أصل مجمع عليه، وإنما الاختلاف في شروط تطبيقه.‏

وهنا يبدو دور التشريع جلياً في التقويم لا في مجرد التقرير، إذ يقيم التشريع الإسلامي للعناصر النفسية، من سمو الغاية، وشرف الباعث، وطهارة النية، وخلقية الإرادة، المقام الأول في الاعتبار، ولا يخفى ما لذلك من أثر في التمكين للمثل العليا، والمبادئ الخلقية، والقيم الإنسانية الخالدة، بما هي معايير هذا التشريع العظيم!‏

وبيان ذلك، أن الدافع النفسي هو الذي يحرك الإرادة ويوجهها إلى ما يحدَّد لها من غاية ومقصد أو مصلحة، فيكون ذلك "الباعث" إذا ما صدر عنه الفعل واقعاً، هو معيار المشروعية وعدمها، تبعاً لمطابقته الغايةَ المرسومة، أو مجافاته إياها، وفي هذا دليل بيِّن على ما للعناصر النفسية الذاتية للمكلف إبان ممارسته للحقوق أو الحريات، من أثر على مشروعيتها، وقد ثبت هذا بقوله (: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" أي فقدت اعتبارها الشرعي، وأثرها، دنيا وأخرى، لهبوط المقصد عن التسامي إلى الهدف الأسمى من إعلاء كلمة الحق والعدل التي فيها خير الإنسانية جمعاء، وفي هذا قضاء مبرم على ظاهرة التحايل على مقاصد التشريع الموضوعية، وغاياته العليا، باتخاذ فعل مشروع في الأصل، ذريعة إلى تحقيق غرض غير مشروع، كما قضى على ظاهرة مجافاة المبادئ الخلقية، وضمن لها أصالتها وثباتها، بالتشريع الملزم فضلاً عن العقيدة، كما قضى على ظاهرة الغش نحو قواعد التشريع بتحليل محرم، أو إسقاط واجب، تحت ستار التصرف في الحق، أو تذرعاً بممارسة الإباحة أو الحرية العامة، أو عملاً بعرف سائد، أو تقاليد موروثة، لا تستند إلى "مصالح" يقرها الشرع، أو ورد بما يحرم موضوعها عيناً.‏

مدى أثر مبدأ الغائية على مشروعية العلاقات الدولية‏

على أن هذا الأصل يبدو أعظم أثراً، فيما يتعلق بالعلاقات الدولية التي تتخذ مظهر "المعاهدات" و "المواثيق" مما يؤكد القضاء على أسباب الاضطراب العالمي، فالباعث على إبرامها وما ينشد من مقصد يراد تحقيقه منها ينبغي أن يكون مشروعاً، والمشروعية إنما تعني وجوب إقامتها على أساس من الحق والعدل، وسيادة القيم الإنسانية، والمبادئ الخلقية الرفيعة التي من شأنها أن تحقق المصلحة الإنسانية العليا للبشر كافة، دون تمييز بلون أو لغة أو عنصر، أو اختلاف دين، ولهذا لم يجعل الإسلام اختلاف الدين عقبة في سبيل سياسته العامة في الإصلاح العالمي، لقوله تعالى: ( لا إكراه في الدين، قد تبيَن الرُّشد من الغيّ( لأن توحيد الناس معتقداً أمر محال، لقوله تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكوننَّ من الجاهلين(.‏

وتأسيساً على هذا، أقام الإسلام سياسته على أساس "وحدة النوع الإنساني" لوحدة مصدره، ومن هنا اعتبر "الإنسان العام" في حد ذاته، وبمعناه الصحيح، وحيثما كان "قيمة كبرى" بل ومن أجلِّ القيم، فاستبعد –نتيجة لذلك- كل سياسة ترمي إلى القضاء على هذا الإنسان، وحقه في الحياة الحرة الكريمة، أو تحطيم بنيته المعنوية، بالاستذلال والقهر، والاستضعاف في الأرض، جرياً وراء تحقيق حلم عنصري خاص، أو تفرداً في التوسع وبسط النفوذ، استعماراً أو استيطاناً، أو طمعاً في مغانم مادية عاجلة على حساب الشعوب المقهورة في بلادها، أو نزوعاً إلى الاستعلاء والهيمنة الدولية، أو غير ذلك من "البواعث" غير الإنسانية، لأن النشاط السياسي- في الإسلام- يُحكم بالأصل العام الذي قررنا، وهو "قانون الغاية" –لا قانون الغابة-لأن "الغاية" هي مناط المشروعية وعدمها، حسبما تكون مطابقة لما رسم لها من مثل إنسانية، وقيم موضوعية، ومبادئ خلقية لتتسق مع الصالح الإنساني العام الذي هو "الغاية القصوى" من التشريع الإسلامي كله، وإن النشاط السياسي لكل دولة ينبغي ألا يتنافى ومقتضى هذا الأصل القطعي، أو ينحرف عنه، أنانية، وأثرة، أو عصبية، وعنصرية "لتكون أمَّة هي أربى من أمة" وهذه "المصلحة الإنسانية العليا- في نظر الإسلام- تمثل "العدل الدولي" في أقوى صوره، وهو ما تحلم في تحقيقه شعوب الأرض، ولا سيما في هذا القرن العشرين.‏

والأدلة التي تنهض بهذا الأصل العام تفوق الحصر، من مثل قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا، إذا ضربتم في الأرض، فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام، لست مؤمناً، تبتغون عرض الحياة الدنيا، فعند الله مغانم كثيرة( ولقوله تعالى: (تلك الدار الآخرة، نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً( ولقوله عز وجل: (وقد خاب اليوم من استعلى(.‏

هذا، وموقف الإسلام إزاء مثل هذه الحال، موقف الصادّ المجاهد العنيد، إذ يفرض الجهاد فرضاً عينياً على كل مكلف قادر، في سبيل الله، كما فرضه لإنقاذ المستضعفين في الأرض إذا استغاثوا بالمسلمين مما نزل بساحتهم من الظلم والبغي والتسلط والقهر، دون أن يكون ثمة طمع من جانب المسلمين في اعتناقهم دين الإسلام، أو في شيء من المغانم المادية، لقوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان( إصراراً من الإسلام على وجوب محو ظاهرة البغي والاستضعاف والاستعمار في الأرض، عنوة وبقوة السلاح.‏

الإسلام يرفض مبدأ سياسة الأمر الواقع في المحيط الدولي:‏

ينتج عما تقدم، أن الإسلام –اتساقاً مع مبادئه العامة، ومقاصده الأساسية التي تنهض بمبدأ "الغائية" في العلاقات الدولية، لا يقرُّ مبدأ سياسة الأمر الواقع بإطلاق، إذ قد يكون هذا الواقع ظلماً وعدواناً مجسداً، وحكم البغي أنه يجب الانتصاف منه شرعاً، لقوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي، هم ينتصرون( أي انتصافاً لأنفسهم من عدوهم" ولقوله تعالى: (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم( ولقوله سبحانه: (فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم(.‏

وتأسيساً على هذا، لا يجوز التحالف مع الباغي، أو مسالمته، وتظل العلاقة بيننا وبينه علاقة عداء وحرب حتى يندفع العدوان، ويرجع عن بغيه، وتزول آثاره، إذ لا قيام لسلم على هوان وظلم، في شرع الإسلام، لأن ذلك محرم قطعاً، لصريح قوله عزَّ وجل: (ولا تَهِنوا، وتدعوا إلى السلم، وأنتم الأعلون( ولأن في مسالمته إبقاءً لعدوانه، ورضا بآثاره، وتسليماً باستمرارها، وهو مناف لمقصد المشرع رأساً، ومناقض للمصلحة العامة للأمة بأسرها، وما كان كذلك فليس من الشريعة في شيء، والجزاء على هذه المناقضة لشرع الله، دنيوي وأخروي معاً لقوله تعالى: (إلاَّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً، ويستبدل قوماً غيركم، ولا تضروه شيئاً( ومعنى هذا، الخزي في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة، ذلكم هو حكم الله تعالى وشرعه في هذه الحال، قطعاً، بالإجماع، لصريح ما تلونا، فالجهاد فرض عين على كافة العرب والمسلمين في بقاع الأرض، ولا سيما الدول المتاخمة لحدود العدو، أو القريبة منها.‏

البواعث غير الإنسانية قد تتخذ مظهراً فيما يبرم من معاهدات غير متكافئة على الصعيد الدولي:‏

هذا، وتبدو البواعث غير الإنسانية فيما يبرم من معاهدات غير متكافئة، استغلالاً لعنصر الضعف في الطرف الآخر، ووسيلة للاستعلاء، والإذلال والإعنات والتعجيز، ومعاناة الشقاء، تحصيلاً لمصلحة شعب على شعب بدافع عنصري مقيت، عصبية، وجهالة، ومن هنا يكون الدَّخَلُ والخداع الذي ينتاب ضمائر المتسلطين وقلوبهم، في إبرام المعاهدات، فيفسد عليهم تصرفهم حتى يلقي بهم في مراغة الإجرام الدولي الذي يستطير شره حتى يشمل بقاعاً كثيرة من شعوب الأرض، كما هو الحال اليوم في آسيا وإفريقيا، فيكون إجراماً دولياً في حق الإنسانية جمعاء، وهذا محرم قطعاً، لإهدار مصالح معظم شعوب الأرض، بغية تحقيق "مصلحة الأقوى" وهو عين السياسية "الميكافيلية(15)" التي نشأت في أوروبة، وفي إيطاليا بالذات، ولازمت هذه السياسة السياسة الدولية في هذا القرن العشرين، ولا سيما قبيل منتصفه في الحرب العالمية الثانية، من عنصرية النازية والفاشية، وفي أواخره في أيامنا هذه، من عنصرية الصهيونية.‏

تجد هذا محرَّماً قطعاً في مثل قوله تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دَخَلاً(16) بينكم، أن تكون أمة هي أربى من أمة(17)(.‏

بواعث المعنى الديني، والمثل الأعلى الأخلاقي لا تنفصل عن العمل السياسي في الإسلام، اتساقاً مع مبدأ الغائية فيه.‏

لعلك واجد –وأنت البصير الواعي- في ضوء ما تقدم من تحليل لفلسفة الإسلام التشريعية، أن المعنى الديني، والمثل الأعلى الأخلاقي، والقيم الإنسانية، كل أولئك لا ينفصل عن العمل السياسي، وهو –في نظرنا- صمام الأمان والاستقرار في العالم كله. هذا، ولا يتسع المقام لعرض فلسفة السياسة الوضعية، ومقارنتها بأصول السياسة في التشريع الإسلامي، فذلك رهن بمقامه من البحث والتحليل والتفصيل.‏

على أن هذا لا يمنعنا أن نشير إلى طائفة من "البواعث" التي تستهدف تحقيق غايات غير إنسانية، مما أصبح معروفاً بل مألوفاً في السياسة الاستعمارية التي تحدد مسارها نزعات عنصرية رعناء مسرفة غالباً، من مثل مبدأ "السياسة أولاً(18)" وهذا يعني فصل السياسة عن الخلق والقيم، واستئصالها من التفكير السياسي جملة، فضلاً عن أن يكون لها أثر في توجيهه، ذلك لأن المثل الإنسانية العليا ليست في صالح تلك السياسة العدوانية الغاشمة، إذ هي على النقيض مما تقتضيه أصول التشريع السياسي في الإسلام، وغاياته ومثله العليا، لسبب بسيط، هو أن الأحكام التي تتعلق بمبادئ الأخلاق، وتؤصِّل القيم الإنسانية، والمفاهيم الكلية التي تنهض بالمثل العليا، قد امتزجت بالأحكام التي تتعلق بمبادئ التشريع السياسي، وتدبير شؤون الدولة داخلاً وخارجاً، وهذا الامتزاج يستعصي على الفصل، بل الفصل عصيان وخروج عن أحكام الشرع جملة، تجد هذا جلياً في تحديد وظائف الدولة على وجه الإجمال عند الإمام الماوردي(19)، إذ يجعل القيم، والمفاهيم الكلية للأخلاق التي هي قوام الدين، أساساً لسياسة الدنيا، حيث يقول: إقامة الدولة "لحراسة الدين، وسياسة الدنيا(20)" أي سياسة الدنيا محكومة بقيم الدين وبمثله الإنسانية، وهي سياسة معينة قوامها قواعد من العدل المطلق حتى بين الأعداء(21)، والمساواة بين الشعوب في الاعتبار الإنساني، وعصمة الإنسان باعتباره "القيمة الكبرى" في هذا التشريع، والتسامح تجاه المخالف في الدين الذين ينهض بحقه في الجنسية والمواطنة ولاؤه السياسي للدولة في عقد أبدي، مما يورثه التمتع بكافة الحقوق، دون تمييز، بل وجوب البر والإقساط إليه(22) وتحريم الظلم والعدوان والبغي بجميع ألوانه وصوره، ومحاربة "العنصرية" بجميع صورها دون هوادة، باعتبارها –في نظره وفي الواقع- ضرباً من العصبية الجاهلية، وبذلك قضى الإسلام على كافة أسباب الاضطراب العالمي، حين جعل السياسة خادمة للمثل، تؤصلها في المجتمع "البشري" وذلك آية خلود رسالته.‏

وعلى هذا، أمكن القول بأن ظاهرة امتزاج المبادئ الخلقية، والقيم الإنسانية، بالقواعد التشريعية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، من خصائص التشريع السياسي الإسلامي وحده، تفرَّد بها من دون سائر الشرائع!!‏

لذا، ترى الإمام الغزالي، يقرر هذه "الخصيصة الفريدة" في تشريع الإسلام، بقوله: "إن السياسة من أشرف العلوم" ومناط الشرف هو عنصر الدين والخلق والمثل العليا، بلا مراء، لأنها قوام سياسته الرشيدة العادلة، وغاية رسالته، لقوله (: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".‏

هذا، وثمة مبادئ مستقرة في فلسفة السياسة الاستعمارية، ابتدعتها أهواء وبواعث لتحقيق أغراض غير إنسانية، تحركها، وتوجهها، وتحدد مسارها، من مثل مبدأ "فرِّق تسُد" وهو مبدأ العَيث في الأرض فساداً، من إهلاك الحرث والنسل، وسفك للدماء، وإزهاق للنفوس البريئة الآمنة في أوطانها، وتشريد أهلها منها، وتدمير معالم الحضارة مما هو في الواقع تبديد لثمرات الجهود البشرية التي أنتجتها عبر القرون، لتصبح خراباً يباباً، ظلماً وعتواً، بما تملك من ناصية القوة، وأدواتها من السلاح المتطور الفتاك الرهيب، فتظلم وتطغى، وتحطم البنى المعنوية لمن بقي حياً من الأناسيّ، وهو من أبشع صور الظلم والعدوان والبغي في الأرض، تجد تحريم ذلك كله في كثير من آيات الكتاب العزيز، من مثل قوله تعالى: (ولا تَعْثَوْا في الأرض مفسدين( وقوله عز وجل: (وأصْلحْ ولا تتبعْ سبيل المفسدين( وقوله عز شأنه: (ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها( بل ترى هذا الإسلام الحنيف، يَدْلِفُ إلى كَهْف أسرار النفوس البشرية في المداولات السياسية السرية، مما يعتبر من أسرار السياسة العليا في الدولة، ليرشد إلى وجوب أن يكون أساس تلك المداولات وغايتها "الإصلاح بين الناس" بإطلاق، مصداقاً لقوله تعالى: (لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهم، إلا من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس( حتى لا يتخذ من جوِّ الخفاء والسريَّة مجالاً لرسم خطط العدوان، أو تدبير المؤامرات.‏

ولا ريب، أن نَفْيَ "الخيريَّة" عن النجوى، يفيد التحريم في أسلوب القرآن الكريم، لأنه يعادل الشرَّ أو الإثم، يؤكد هذا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا، إذا تناجَيْتُم، فلا تَتَناجوْا بالإثم والعدوان( وهذا بإطلاق شامل للمداولات السياسية السرية، كما ترى.‏

والواقع، أن أساطين السياسة العنصرية والاستعمارية، أو دهاقنة الهيمنة الدولية، وإن كانوا متقدمين مادياً، من حيث أدوات الدمار المتطورة والرهيبة في هذا العصر بوجه خاص، غير أنهم –في الواقع- غير متحضرين إنسانياً، مما أفقد العالم صمَّام أمنه وسلْمه واستقراره، ولولا الرادع النووي، لشهد العالم كوارث لا يتصورها العقل البشري.‏

جُلُّ وكدنا هنا، أن نقيم الأدلة الصريحة القاطعة على أن النظرية العامة للتشريع الإسلامي، لا تجعل منه ثمرة للواقع على علاته، ولا هو خاضع له، ولا محكوم به، أو يستجيب له كيفما اتفق، تحت ضغط القوة وعنفوانها، سواء أكان ذلك "الواقع" عرفاً دولياً سائداً، قد اصطنعه المجتمع الدولي نفسه، لأغراض خاصة، مما لا يستند أصلاً إلى المصلحة الإنسانية العليا، وإن صاغه في قواعد ينتظمها القانون الدولي بغية أن تتقيد بها كل دولة في سياستها الخارجية، أم اتخذ مظهر المعاهدات الدولية غير المتكافئة، لتنفيذها كرهاً وعنوة على الصعيد الدولي، فرضها عدوٌّ متسلط، فأبرمت على سبيل القهر والغلبة، تحقيقاً لمكاسب غير مشروعة على حساب الجانب الضعيف، فافتقدت بذلك أصل مشروعيتها، وهو "التراضي الحر الكامل" أو كان محلها غير مشروع، لاتخاذها وسيلة لحمل المعتدى عليه على الرضا بوضع عدوان قائم كرهاً وإذلالاً، أو لاتخاذها الاغتصاب والاستلاب موضوعاً لها، وهذا الموضوع لا يقبل حكم التعاقد شرعاً، لسقوط المشروعية، باعتساف الغاية، أو لعدم قابلية محل المعاهدة لحكمها، لعدم مشروعيته أصلاً، فتبين بما لا يدع مجالاً للشك، أن التشريع محكوم بقانون الغاية، لا بحكم الواقع وتقريره، على ما ذهب إليه بعض فقهاء القانون الوضعي.‏

الأمر الواقع –في التشريع الإسلامي- مادة للدرس، والتمحيص، والتحليل لمقوماته، وملابساته، وسائر عناصره، وأهدافه، للحكم عليه، لا للاحتكام إليه، أو التسليم به على علاَّته.‏

إذا كانت "سياسة الأمر الواقع" على الصعيد الدولي مرفوضة في الإسلام قطعاً، لما قدمنا من الأدلة، فإن هذا "الواقع" يعتبر –في نظر الإسلام- مادة للدرس، والتحليل، واستبطان دوافعه، وتبيُّن مقوماته وعناصره، وغاياته، ظاهراً وباطناً، وكذلك سائر وجوه النشاط السياسي الدولي في كافة مواقعه ومجاليه، بخاصَّة، والنشاط الحيوي بعامة، فما كان منها يستند إلى المصالح المشروعة، والمقاصد الأساسية، فهو على سَنَنِ المشروعات، على حد تعبير الإمام الشاطبي، وما كان مبنياً في باطنه وبواعثه ومقاصده على مصالح مخالفة، فهو باطل حتماً، ولا يجوز المصير إليه، والإسلام يقوِّمه، ويوجهه، بل ويزيله إذا كان عدواناً وظلماً، لأن هذا من مهمته الكبرى، وهدفه العام، وإلا فلن تجري شؤون الحياة الإنسانية على استقامة، بل على فوضى وهرج وفوت حياة، إذ ليس بعد العدل إلا الظلم، وليس بعد المصلحة الجديَّة الحقيقية المعقولة إلا المفسدة!‏

ولا يخفى ما في ذلك من ضمان لتحقيق "ذاتية التشريع" وصون مقاصده أن تنهار، وهي مباني العدل، وموجهاته، بدليل أنها مناط المشروعية، ولا مشروعية حيث لا عدل، وبذلك كان الإسلام واقعياً، ومثالياً في آن معاً.‏

أما كونه واقعياً، فلأنه يتصل به درساً وتمحيصاً وتحليلاً، واستبطان غاية، وأما أنه مثالي، فلأنه يقوِّم هذا الواقع، ويوجهه الوجهة التي تتفق مع مُثُلِه وقيمه الإنسانية، ومعايير المصلحة والعدل فيه.‏

فتلخّص أن الإرادة الإنسانية قد تتنكب الغاية واقعاً، أو تخرج على التشريع جملةً، حكماً ومقصداً، أو تعتسف مقصد الشارع من تشريع الحكم في مواقع الوجود، أنانيةً وأثرة، أو استجابة للهوى –وما رأينا كالهوى عابثاً في التشريع- وعندئذ يكون دور التشريع تقويمياً لا تقريرياً، لحماية مقاصده العامة والخاصة، وصوناً لأصالة القيم الخلقية، والمثل العليا، أن تأتي عليها الأعراف والتقاليد التي هي من صنع المجتمع، وإرساءً لمبدأ العدل المطلق، ليستقيم أمر التعامل على سَنَن العدل والنَّصفة، ولتصبح تلك المقاصد كُلِّيُّهما وجزئيُّها –بعد ترجمتها من حيز النظر والتجريد إلى حيز العمل والتنفيذ، أقول لتصبح تلك "المقاصد" التي هي قوام المصالح الجدِّية الحقيقية الإنسانية، أوضاعاً قائمة، تحدد الإطار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، تحديداً يتفق وما تقتضيه الأسس العامة التي يضعها التشريع نفسه، ليكون بمثابة "صُوىً" أو "معالم كبرى" تشكل "النظرية العامة" للتشريع، بما تنهض به من "النظام الشرعي العام الثابت" الذي تتجلى فيه إرادة المشرع الحقيقية في "وحدة التشريع" واضحة جلية، مما يطلق عليه "الأساسيات" أو "المُحْكَمات" التي لا تقبل التأويل أو التغيير، لوضوحها وصراحتها، صوناً لذاتية التشريع وخصائصه، وقيَمِهِ المحورية التي تدور عليها أحكام الشريعة جملةً وتفصيلا كما ذكرنا، فكانت بذلك ثابتة في أصولها، متطورة في فروعها، على ما سيأتي بيانه، ولا يستقيم أمر المجتمع البشري كله، دولاً، وأمماً، وشعوباً، إلا على هذا الأساس، لقوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً، فاتبعوه( وقوله سبحانه: (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون(.‏

ينهض بمعقولية التشريع الإسلامي، كون مقاصده العليا، وأصوله العامة، وأحكامه التفصيلية، مغياة بمصالح جدية حقيقية وكلية، لا تتنافى وأصول التعقل الإنساني بوجه عام، فضلاً عن العقل العلمي المتخصص في موضوعها، مما يثبت أن التشريع الإسلامي والعقل الإنساني صنوان متلازمان، لا غنية لأحدهما عن الآخر، على ما يقرره الإمام الغزالي(23) وغيره من علماء الأصول.‏

لو لم يكن التشريع مغيّاً بمصالح حقيقية غير موهومة، وجدية ذات أثر فعال في جلب المنافع ودرء الأضرار والمفاسد، وكلية بحيث تكون عامة، لا يختص بها قبيل دون قبيل، أو أمة دون أخرى، أو طبقة دون غيرها من الطبقات، بحيث تصبح امتيازاً لها من دون الناس، دون مسوِّغ، أقول لو لم يكن التشريع الإسلامي بهذه المثابة، لفقد عنصر "معقوليته" ولاستحال عليه تكوين قناعات المكلفين بعدالته أو بجدواه، أو بعبارة أخرى، لكان العبث أو التحكم، وكلاهما لا يتصور وقوعه في التشريع الإسلامي بوجه خاص، وليس من المفروض ولا من المقبول أيضاً أن يقعا في تشريع وضعي غيره.‏

أما العبث، فلا يشرَّع، لخلوه عن الفائدة، ولمناقضته للأصل العام الذي قام عليه التشريع كله، وهو أن "الأحكام معلَّلة بمصالح العباد" أي مُغيَّاة بها، ومفسّرة في ضوئها، ومبنية على أساسها، تشريعاً نظرياً، وتصرفاً عملياً، -كما بينا- وهو أصل يقيني ثابت بالإجماع، لثبوته أولاً بالاستقراء من نصوص التشريع نفسه كتاباً وسنة، هذا فضلاً عن أن "العبث" في شِرعة الإسلام، منافٍ "للحكمة الإلهية" من إنزال الشريعة، بل إنزال الشرائع السماوية كافة، وإرسال الرسل، لقوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط( والقسط هو العدل، والعبث ينافيه، وهو ما أفصح عنه أئمة المحققين من الفقهاء من مثل ابن تيمية حيث يقول: "كل ما خرج من الحكمة إلى العبث فليس من الشريعة" وأيضاً "العقد" وهو من أكبر الأدوات في النظام التشريعي، لتبادل المنافع والأموال، إذا لم تترتب عليه فائدة جديدة لعاقِدَيْه، كان باطلاً، لأن تحصيل العقد لفائدة مبتدأة لم تكن حاصلة من قبل، شرط للانعقاد، نفياً للعبث في التعامل، فكيف إذا خلا عن الفائدة أصلاً؟ أو كان محله محرماً غير مشروع؟؟‏

مناط المشروعية في الحق –وهو المعنى الاجتماعي فيه- ينعكس على "مفهوم العقد" عند التحقيق، إذ المشروعية أساسها العدل، والعدل لا يتجزأ، ولا تناقض في شرع الله ورسوله، فيغدو "العقد" على هذا النظر، واقعة اجتماعية، لا تعاقداً فردياً محضاً، إعمالاً لسلطان الإرادة المطلق، لأن هذا أثر من آثار الفردية في المفهوم الذي يستوجب الإطلاق في التصرف، في الفلسفة الفردية، وهو ما لا يقره الشرع بحال، لسقوط المعنى الاجتماعي فيه، مما يفسح المجال للعبث، والتحكم، والاستغلال، ومنافاة الصالح العام، أو اختلال "التوازن" في اقتصاديات العقد، بظرف طارئ قد لا يكون للمتعاقدين يد في إحداثه.‏

لا يتسع المجال لبحث هذا كله وتفصيله، ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى تلك المفاهيم والأصول التشريعية الإسلامية الثابتة بالاستقراء، بإيجاز شديد.‏

إن المبدأ العام الذي يقوم عليه "العقد" في الإسلام، مشتق من المبدأ الذي يقوم عليه مفهوم الحق فيه، فكلاهما قائم على أساس اجتماعي، وأخلاقي، وإنساني، وتعالَجُ الناحية الاقتصادية في العقد- باعتباره من أعظم أدواتها أثراً، وأشدها احتياجاً إليه في تبادل المنافع والأموال –في ضوء ذلك كله.‏

وقد اشتق الإمام الشاطبي "جهة التعاون" مبدأ عاماً –بوجهيه الإيجابي والسلبي- حاكماً على التشريع كله، بحيث تقيد به الأوامر والنواهي الواردة في الشرع بما لا يخالف أو يناقض مقتضى ذلك المبدأ الهام(24)، لقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان( وهو –بوجهيه الإيجابي والسلبي- يوجب التكافل في التعامل، بل وفي جميع وجوه الحياة، وهو أصل مجمع عليه.‏

وهذا المبدأ أخلاقي في المقام الأول، غير أن الأصوليين والفقهاء، قد أعملوه قاعدة تشريعية عامة ملزمة في التعامل، ولم يتركوه لمحض اختيار المتعاقدين أو غيرهم. فهو يوجب على المدين الوفاء بالعقد خلقاً وديناً وشرعاً ملزماً، ولكنه يوجب في الوقت نفسه على الدائن ألا يتمسك بكافة مزايا العقد حتى في الظروف القاسية والأزمات الخاصة والعامة، لأن هذا لا يتفق ومبدأ "التعاون(25)" فضلاً عن أنه انتهاز لسوانح الفرص، واستغلال الأزمات، وإلا فلم حرم الاحتكار مثلاً؟ وهو في الأصل عقد بيع وشراء، وتصرف في حق الملك، ولم حرِّم بيع المضطر وشراؤه، وبيع المسترسل عديم الخبرة، حتى وصف بأنه ربا، والحرمة ليست منصبة على أصل البيع، لأنه حلال "وأحل الله البيع" ولكنه منصب على استغلال عدم الخبرة، أو الاضطرار، وهي ناحية ضعف في المشتري، بديل أن يكون الموقف الأخلاقي تجاهه تبصيره ونصحه وتوعيته بالثمن، والترفع عن غبنه، إعمالاً لمبدأ التعاون ومبدأ النصيحة في الدين!!‏

وقد تطغى إرادة أحد المتعاقدين الأقوى اقتصادياً، على الآخر، فيكون قبوله للعقد –في مثل هذه الحال- ظاهرياً لا رضاً حقيقياً، لمكان الاضطرار، كما هو واقع ومشهود وقت الأزمات.‏

هذا، ولماذا أجاز الحنفية "فسخ الإجارة للعذر" وهو الظرف الطارئ الذي يصبح تنفيذ العقد معه مرهقاً للمدين بسبب لا يد له فيه؟؟ وبات يهدده بضرر فادح لم يكن قد التزمه بالعقد أصلاً، بل نشأ الضرر البيّن عن هذا الظرف الطارئ؟؟‏

وإذا نظرنا إلى ما قدمنا آنفاً، من أن للحق "وظيفة اجتماعية" في التشريع الإسلامي، بما أقمنا من الأدلة، كان هذا المفهوم "للعقد" تطبيقاً لتلك الوظيفة، فيتطابق الحق والعقد، مفهوماً وأثراً(26) ودوراً.‏

وقد التفت إلى هذا المعنى، الإمام ابن تيمية، فقرر أن "لا بد في العقد من رضا المتعاقدين، وموافقة الشرع(27)" فليس العقد إذن شريعة المتعاقدين بإطلاق في نظر الإسلام، نفياً للاستغلال والعبث بالمقدرات، أو التحكم بسلطان الإرادة المطلق.‏

وأما "التحكم" –وهو عدم المعقولية الذي يستلزم مجرد التسلط- فهو منتفٍ في الشرع، ومحرم قطعاً.‏

أما كونه منتفياً في الشرع، فلأنا لم نجد في الشرع حكماً واحداً في التعامل غير معقول المعنى، أو غير مفضٍ إلى مصلحة معقولة مقصودة هو مفسر بها، ومبني على أساسها، إذ الأصل التعليل كما قدمنا.‏

وأما أنه محرم شرعاً، فلأن "التحكم" لا يعدو كونه مستشرفاً مجرد إخضاع المكلفين تحت سلطان التكليف، دون إمكان العثور على وجه معقول – ينهض بتفسيره لنفعهم أو صالحهم، وهو ما تواترت النصوص على عكسه(28)، بالأصل العام المجمع عليه، كما قدمنا. وأيضاً لو كان "تحكمياً" لانتفى كون تنفيذه طوعياً، يصدر عن قناعة ورضا، ومعلوم أن "مبدأ الرضائية" أصل عتيد في صحة العقود والمعاملات، بل وفي حل انتفاع كل من المتعاقدين بمال الآخر شرعاً، كما هو مقرر ومعلوم، بل "الحرية" هي أصل الاعتقاد، إذ لا إكراه في الدين "فكان التحكم منتفياً ومحرماً في الشرع أصلاً، عقيدة ومعاملة.‏

وأيضاً "التحكم" –بانتفاء "أصل المعقولية" فيه- ضرب من التسلط القاهر الذي يأباه الإسلام أشد الإباء، بل يحاربه، بما هو "دين العزة" وشرعة "العدل والإنصاف".‏

على أن الإسلام لم يجعل ذلك التحكم للرسول ( نفسه، لقوله تعالى: (وما أنت عليهم بجبار( بل نفى الله تعالى ذلك عن ذاته العليَّة لقوله سبحانه: (وما الله يريد ظلماً للعباد( وقوله تعالى: (وما ربك بظلاَّم للعبيد( وقوله سبحانه: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة( وفي الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلتُهُ بينكم محرَّماً، فلا تظَّالَموا( فثبت أن الشرع معلل بالمصالح المعقولة، فما خرج عن المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الظلم، فليس من الشرع في شيء.‏

معقولية التشريع تستلزم أن يكون المكلفون به أحراراً ذوي عزة، وهو ما جاء الكتاب العزيز بتأصيله في صريح نصوصه:‏

على أن الإسلام يخاطب بتشريعه أحراراً ذوي عزة، مصداقاً لقوله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين( وهذه "العزة" حقيقية وليست مجرد وصف قولي، من قِبَلِ أنه ينهض بها أمران: "معقولية التكليف، وقناعة المكلف" ومن ألزم نفسه بالتنفيذ والامتثال عن قناعة ورضا، وكفاية اختيار، كان حراً عزيزاً، بلا مراء.‏

وأيضاً، يدور التكليف كله على قيم إنسانية ثلاث: العصمة، والحرية، والمالكية، تجد ذلك مفصلاً في كتب الأصول(29)، ولا يتسع المجال لتفصيل القول فيها، أما الاعتساف والانحراف والنكوص والعصيان فلا يكون –والحالة هذه- قائماً على أساس معقول يسوِّغه، إلا أن يكون تحت تأثير "الهوى" والهوى آفة البشرية: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض" لكون الهوى منزعاً نفسياً من شأنه أن يُغشِّي على العقل منافذ التفكير الحر، أو يحول دون تنفيذ أحكامه، وفي هذا اغتيال للقيم الأساسية الإنسانية الثلاث التي لا قيام لمجتمع إنساني بدونها، من "الحرية والعصمة والمالكية" إذ لا تحقق لها إلا بتنفيذ التكليف والامتثال، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: (يا أيها الناس، إنما بغيكم على أنفسكم( وقوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها، وقوله تعالى في الجهاد المفروض: "إلا تنفروا، يعذبكم عذاباً أليماً، ويستبدل قوماً غيركم، ولا تضروه شيئاً".‏

ثمرة التمييز بين المنهج الحسي المادي التقريري، وبين المنهج الغائي التقويمي في الاجتهاد والبحث العلمي التشريعي:‏

التشريع دلالات ذات مقاصد هي معايير العدل فيه، وقدمنا آنفاً، أن "العدل" في الإسلام ليس مفهوماً ذهنياً فلسفياً مجرداً يحلِّق في آفاق من التأمل المحض البعيد عن الواقع، مما قد يستعصي على التطبيق، بل الدارس لمصادر الشريعة ومواردها، وما نتج عنها من اجتهادات الأصوليين والفقهاء، عبر القرون، يرى أن "العدل" في الإسلام يتمثل واقعاً في المقاصد والمصالح المرسومة شرعاً، وهي غايات الأحكام، نظرياً، ومناط مشروعية التصرف واقعياً وعملياً، والمشروعية هي العدل، ويترتب على هذا النظر أمران:‏

الأول: أن "العدل" مندمج في التشريع نفسه، نصاً وروحاً ومقصداً، ولا يستوحى من أمر خارج عنه، كالقانون الطبيعي مثلاً، لأن هذا القانون –فضلاً عن كونه مبهماً- قد ابتدع ظهيراً للفردية المطلقة، وهي منافية للإسلام رأساً.‏

الثاني: أن "معايير" التشريع هي التي يجب أن يحتكم إليها في وزن "الواقع" المعاش بجميع وجوهه ومناحيه، ليكون محكوماً بالتشريع عدلاً، لا العكس، وفي هذا تثبيت لأصالة القيم، وهذا فارق حاسم بين المنهج التقريري والغائي إذ الأول يبني التشريع على أساس الواقع، والظواهر الاجتماعية، بخلاف الثاني، فالواقع وظواهره مادة لتمحيصه، وتحليل عناصره، وتبين غاياته، ووزنه بميزان القيم، فما وافق معاييره شرع، وما خالفها رفض أو قوِّم بما يتفق وأصول العدل الثابتة فيه.‏

هذا، والظواهر الاجتماعية المخالفة لمقتضى الشرع منكر، والمنكر يجب تغييره لا إقراره، وإلا كان ذلك سبيلاً لتبدل قيم التشريع، ومعايير الخلق، وتبديل التشريع هو إنشاء قواعد مبتدأة، أو تأسيس فقه جديد، مما لم يأذن به الله، لأنه افتئات على حق الله في التشريع، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: (إن الحكم إلا الله( وقوله تعالى: (فوربِّك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم( وقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون(. هذا، ومما يؤكد وجوب اتخاذ القانون الغائي منهجاً في التشريع الاجتهادي، أن الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي ذو صلة وثقى بالمصلحة التي هي غاية الحكم، ومناط العدل فيه، فلا يُقَرُّ أمرٌ واقع أو عرف سائد أو معاملة دون أن يوزن كل أولئك بمعيارها، فكان ارتباط الاجتهاد بالغاية وثيقاً، لأنها وزان المشروعية.‏

على أن هذه "الغاية" قوامها أمران: "المعقولية" و "معطيات الخبرة العلمية المتخصصة في موضوعها" وليس بعد "المعقولية والعلم" شيء يبتغى، يرشدك إلى هذا، أن الإمام مالكاً –رحمه الله- قد اشترط – فيما اشترط- في "المصلحة" التي يبنى عليها الحكم، فيما لم يرد فيه نص أنها "إذا عُرضت على العقول تلقتها بالقبول" حتى إذا رفضتها العقول كانت غير مشروعة، لتخلف شروط المعقولية.‏

هذا، والمقصود: العقول العلمية المتخصصة لا العامية بداهة، إذ العامي لا رأي له ولا خبرة، ولو تبين فيما بعد أن رأيه صواب، إذ لم يكن منشؤه العلم ولا الخبرة العلمية، وأما إن كان رأيه خطأ، فالأصل فيه الخطأ.‏

فإذا تلقتها العقول بالقبول، كان ذلك قرينة على مطابقتها مقتضى العلم والحكمة، ولا يناكر الشرع مقتضى العلم، وإلا ما كان لفريضة طلب العلم بإطلاق وجه يفسرها، كما لا ينبغي لعاقل أن يقيم الحكم على غير ما يقضي به العلم، ألا ترى حكم الشرع في "الوباء" مثلاً، إذا انتشر في بيئة معينة، فإنه يقتضي ألا يخرج منها أو يدخل إليها أحد، لمصلحة الوقاية منه، حَجْراً صحياً، لكن من الذي يقرر أن ثمة "وباء" حقيقة، إنهم أولو الخبرة من الأطباء، فكان موضوع الحكم الشرعي إذاً عِلْماً، يعتمد الخبرة في تبينه، ثم على أساسه يكون الحكم الشرعي سلباً أو إيجاباً، تبعاً لوجود الوباء وانتفائه، وإلا كان الظلم في تقييد حرية الناس في تنقلهم، دون موجب يسوغه.‏

هذا، ومما يؤكد "معقولية" "المصلحة" في التشريع الإسلامي، أنها تفتقر دائماً إلى التصرف العقلي في تبينها، لأنها عنصر عقلي خارج عن منطوق النص غالباً، وهذا هو الاجتهاد بالرأي من أهله، وإن كانت داخلة في منطقه التشريعي، إذا لم يكن منصوصاً عليها صراحة، أو متبادرة من ظاهر المعنى اللغوي دون اجتهاد، وهذا قليل في الشرع نسبياً.‏

على أنه لو قصد عرضها على أهل العقول الراجحة، لما انتقص ذلك من "معقوليتها" شيئاً، وهنا تبدو صلة "العلم والعقل" بمضمون الحكم الشرعي أو مُتَعَلَّقِهِ، والعلم في تقدم مضطرد، والمصالح متكاثرة مستجدة، والعلم أو المعقولية شرط أساسي يتوقف عليه اعتبار المصالح المتجددة، مبنى للأحكام، على ما قرره الإمام مالك وغيره، فكان هذا دليلاً قاطعاً على عنصر "التقدم" في تشريع الإسلام، بتقدم "العلم" نفسه الذي هو شرط أساسي في اعتبار كافة المصالح شرعاً، مهما تجددت، وتعاور الناسَ الزمنُ، أو بتقدم العقل وارتقائه بتطور العلم.‏

هذا، وقد أشار الإمام الغزالي إلى هذا المعنى، قاصداً بالعقل، العلم، أو الخبرة العلمية المتخصصة من أهلها بقوله: "وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع(30)، واصطحب فيه الرأي(31) والشرع، وعلم أصول الفقه من هذا القبيل(32)، فإنه يأخذ من صَفْو الشرع والعقل، سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد(33) الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد(34)". وهذا بيِّن في أن الشرع والعقل صنوان متلازمان، وهو ما أكدناه آنفاً.‏

هذا، ومما يؤكد كون "المصلحة" الواقعية أو المتوقعة، وهي غاية الحكم –إذا ما استوفت شرائط اعتبارها، مبنى للحكم، ولا سيما في الوقائع المستجدة، والظروف المتطورة –ما صرح به الإمام ابن القيم حيث يقول: "فحيثما وجدت المصلحة، فَثَمَّ شرع الله ودينه" ولا جرم أن شرع الله ودينه هو "العدل" بعينه!‏

وعلى هذا، فالعدل في الإسلام أمر واقعي محسٌّ مدرك يتمثل في "المصلحة المعقولة" التي هي غاية الحكم، وبذلك تمكنت "المعقولية" العلمية في أصول ومباني الأحكام الشرعية، فكان الاجتهاد بالرأي في الإسلام وثيق الصلة بمفهوم العدل، بل لا يتصور الإسلام بلا اجتهاد في كل عصر، لتجدد الوقائع والأحداث، وتبدل الظروف، إلا إذا تصورنا تجريد الحكم عن مبناه من المصلحة والعدل، وهذا محال، ولأن الاجتهاد بالرأي تَعَيَّن وسيلةً لما يعرف به العدل، وما به يتحقق، والمصلحة هي الغاية، والحكم وسيلتها، فكان قانون الغاية هو المهيمن على الاجتهاد والبحث التشريعي كله، لأنه يتضمن معايير المشروعات من الوقائع والأحداث والظروف الاجتماعية المتغيرة، فكان ميزاناً للتقويم، وليس قانوناً للتقرير، ومن هنا كان حاكماً على الواقع، وليس محكوماً به، كما قدمنا، وهذا بيِّن.‏

الثالث: إن المثل العليا، والقيم الإنسانية، والمبادئ الخلقية الثابتة التي تعتبر من مدركات الحاسة الفطرية قبل أن تلتاث بمخلفات البيئة، أو بالعوامل المؤثرة من الأعراف والتقاليد الموروثة، أو التيارات المتطرفة الوافدة التي تقوم على أصول يعتبرونها حضارية وهي مناكرة لأصول الإسلام، أقول تلك المبادئ الخلقية التي تعتبر من مدركات الحاسة الفطرية النقية في نظر هذا التشريع –وهي ما يطلق عليها "البصيرة" لقوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره( - أقول تلك المبادئ الخلقية، قد مكَّن لها الإسلام في تشريعه، باعتبار أنه "دين الفطرة" مصداقاً لقوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيِّم(.‏

والفطرة إذا أطلقت شملت مقوماتها في الظاهر والباطن، كَمَلاً، أي جسداً وعقلاً ووجداناً وطاقات وغرائز وإرادة.‏

هذه المثل والقيم والمبادئ، ليس لها وجود، ولا ينبغي أن يكون لها أثر عند أصحاب المذهب التقريري –كما أشرنا- فلا ثبات لها، ولا أصالة –في نظرهم- لأنها خاضعة للتغير، والتشريع عندهم خاضع للواقع، فالواقع هو الذي يصوغ التشريع في اعتبارهم، وليس التشريع هو الذي يصوغ الواقع على عينه، وهذا على النقيض من التشريع الإسلامي الموحى به، كما ترى، لأن الإسلام جعل للمبادئ الأخلاقية والمثل الإنسانية الأثر البالغ في تقويم الإرادة وتوجيهها، بتطهير البواعث النفسية، بل لا تجد حكماً شرعياً واحداً في الإسلام، ألا ويستند أساساً إلى مبدأ خلقي، ينبع منه، أو يتأيد به، أو يستهدف قيمة إنسانية عليا، أو مثلاً أعلى خالداً يسعى إلى تحقيقه أو الاقتراب منه، وإلا فما معنى قوله (: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"؟.‏

-يرشد إلى هذا أيضاً، ويؤكده، أن "الأصول الدينية" النابعة من العقيدة نفسها، باعتبارها ميزان الخلق والمُثل، والعامل الفعال في ترسيخها وتعميقها في النفس الإنسانية، تجدها ممزوجة بالقواعد التشريعية، كما أسلفنا، من الرحمة، والبر، والإيثار، والوفاء، والمروءة، والعفو، والإحسان، والعفة، والصدق، والتسامح في التعامل، قضاء واقتضاء، وغير ذلك من الفضائل، وجماع ذلك كله، قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان( وعلى هذا، فالصفة الدينية في التشريع الإسلامي ميزة كبرى قد أكسبته الخصائص الآتية:‏

أولاً: قد مكنت للمثل العليا في هذا التشريع، وأصَّلت فيه مفاهيم الأخلاق، والفضائل، فكان لها منزع في التشريع، وهي قيم إنسانية خالدة على الدهر، يتسامى بها إلى عليا درجات الكمال الإنساني، بما هي أصول الحضارة الإنسانية الحقة.‏

ثانياً: أورثته خصوبة فائقة، ومرونة عجيبة، في مواجهة الوقائع المستجدة، وذلك بإمكان تحويل ما يفيض فيه من تلك القيم والمثل إلى قواعد تشريعية ملزمة، تفرغ في نظام آمر، مؤيَّداً بسلطان الدولة إذا رقّ وازع الدين، ألا ترى إلى الإمام أبي حنيفة، كيف كان يجيز للمالك أن يتصرف في ملكه على النحو الذي يشاء، ولو أضرَّ بجاره، ذهاباً منه إلى أن معنى الملك هو الحرية في التصرف، ويذهب من معنى الملك ما يزداد في تقييد حرية المالك؟ غير أنه لم يجز ذلك ديانة وخلقاً ومروءة، ولم يقيده قضاء ملزماً، لغلبة سلطان الدين على النفوس، حتى جاء صاحباه: الإمام أبو يوسف ومحمد، فقيدا المالك في تصرفه في ملكه بما يمنع الضرر الفاحش عن جاره، ديانة وقضاء ملزماً، استثناء من القياس العام، (استحساناً) وعللوا ذلك بالمصلحة، أي بالعدالة، لتغير تصرفات الناس، وعدم مراعاتهم لقواعد الأخلاق والديانة، وبذلك تحول الحكم الدِّياني الخلقي إلى حكم قضائي ملزم، لاقتضاء الظروف المستجدة ذلك.‏

ثالثاً: أنها جعلت لفعل المكلف، وتصرفه، حكمين: أحدهما دياني يحكم العلاقة سراً بين الإنسان وربه، على ما هو في الواقع ونفس الأمر، وثانيهما: قضائي، يحكم بالظاهر من الأمر، وقد تكون الحقيقة والباطن على خلاف ما يحكم به القضاء!! فلا بدَّ من حكم الدين المسيطر على الوجدان والضمير.‏

هذا، ولا ريب أن الحكم الدياني ذو أثر بالغ في توجيه المكلف إلى ما هو حق وعدل، إذا كان للعقيدة هيمنة وسؤدد على نفسه، فتبين بجلاء ما للعنصر الديني من أثر في تكوين إنسانية الإنسان.‏

-بعد هذا التمهيد في بحث المنهج العلمي في الاجتهاد التشريعي، حسبما تقضي به فلسفة التشريع الإسلامي، لما يترتب على اتخاذ غيره من المناهج- مما لا يتفق وطبيعة التشريع نفسه- من نتائج وثمرات متباينة، أتينا على ذكرها، قد تأتي على بنية التشريع وخصائصه ومقاصده جملة، على النحو الذي فصلنا تفصيلاً يناسب ما لهذا الموضوع من بالغ الأثر في التشريع، أقول بعد هذا التمهيد ننتقل إلى موضوعنا الأساسي، وهو النظرية العامة للشريعة الإسلامية، تحدد ذاتيتها، وطبيعة هدفها العام.‏

النظرية العامة للشريعة تحدد ذاتيتها، وطبيعة هدفها العام‏

قدمنا أن التشريع الإسلامي –باعتباره عِلماً تقويمياً لا تقريرياً- ينتظم البحث والاجتهاد فيه، منهج الغاية، وتقدير المآلات والنتائج الواقعة أو المتوقعة، أثراً لاتجاه الإرادة الإنسانية، وبواعثها في التصرف، وقد يقارن البواعث والقصود النفسية، ظروفٌ خارجية عارضة ملابسة ذات أثر في تشكيل علل أحكام جديدة تعارض حكم الأصل، ومن هنا، أشار الإمام الشاطبي إلى أن "النظر في مآلات الأفعال، معتبر مقصود شرعاً(36)" وإن على أساس هذا "المآل" –المتوقع أو الواقع فعلاً- يكون تكييف الفعل بالمشروعية وعدمها، بقطع النظر عن حكمها الأصلي، لأنها أضحت رهناً بذلك، ولا ريب أن هذه المرونة في "التكييف" تبعاً للعوامل النفسية، أو الظروف الموضوعية، تكسب التشريع قوة وقدرة فائقة على مجابهة الوقائع المستجدة، مهما تطور بالناس الزمن.‏

وننتقل إلى بحث "النظرية العامة للتشريع الإسلامي" بما تحدد ذاتيته، وخصائصه، وطبيعة هدفه العام.‏

يشير المحققون من الأصوليين في تحديدهم لأركان هذه النظرية إلى ما يلي:‏

المصالح –الكُلِّية والجزئية- ووسائلها من الأحكام، مبادئ، وقواعد، وتفصيلات، مما يختص بالشارع، وأن ليس للمجتهد سلطة ابتداع الأحكام، والمصالح، لما فيه من قضاء على تلك الذاتية وخصائصها، بتأسيس فقه جديد.‏

فالتشريع الإسلامي –حكماً ومقصداً، أو قل حكماً ومصلحة- من وضع الشارع.‏

أما الحكم فواضح، وأما "المصلحة" فليس معنى وضع الشارع لها، سلب صفة "المعقولية" عنها، وإلا ما كانت شريعة ذات أهداف، ومقاصد، معقولة المعنى، وقد فصل القول في ذلك، الإمام الشاطبي والإمام العز بن عبد السلام، ليؤكدا "ذاتية" الشريعة يقول الإمام الشاطبي: "إن كون المصلحة مصلحةً تُقصد بالحكم، والمفسدة كذلك، مما يختص بالشارع، فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة(37)، فهو الواضع لها مصلحة، وإلا فكان يمكن عقلاً ألا تكون كذلك(38)" وهذا صريح وبيِّن.‏

ومعنى ذلك، ان من المصالح ما يبدو للعقل مصلحة، ولكنك ترى الشارع قد ألغاها، نصاً أو دلالة، إما لمجافاتها للعدل، أو للمصلحة الحقيقية الكلية التي ينبغي أن تقوم حياة المجتمع ونظامه على أساسها، إن في الميدان الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، أو الوجداني والخلقي، فمن ذلك مثلاً، تحديد نصيب الأنثى في الإرث على النصف من نصيب الذكر، لاعتبارات اجتماعية واقتصادية ومالية تتعلق بنظام الأسرة كله، وإن بدا لبعضهم أن "المصلحة" في المساواة، لا سيما إذا نظر إلى هذه الجزئية مبتورة عن النظام التشريعي العام للأسرة والمجتمع معاً، لأن الشارع ألغى هذه المصلحة المظنونة نصاً(39)، لاتصال هذا الإلغاء بالعدل في توزيع التبعات المالية، ومبدأ القوامة، وكذلك تحريم كافة وجوه الاستغلال إبان التصرف في الملكية الفردية، من الاحتكار(40)، والربا، والغرر، وبيع الاسترسال(41)، وبيع المضطر وشرائه، والغبن الفاحش الناتج عن استغلال ناحية ضعف في الطرف المغبون، من عدم الخبرة، أو عدم كفاية الاختيار، أو الطيش البيِّن، أو الهوى الجامح، أو استغلال ظروف طرأت من شأنها أن تخل بالتوازن في اقتصاديات العقد بين طرفيه، بحيث ينتفى هذا "التوازن" بين التزاماته المتبادلة، مما يجافي قانون "العدل" والإنصاف في التعامل، ولا ريب أن العدل فوق العقد، لأن العقد شرع وسيلة لتحقيق العدل، لا للافتئات عليه!‏

فقد يرى بعضهم، أنَّ في ذلك أو في طائفة منه "مصالح اقتصادية" ما دام قد تم التعاقد فيه على أساس التراضي، توصلا إلى تحقيق منافع متبادلة في العوضين بين طرفيه بوجه خاص، أو لما له من أثر في النشاط الاقتصادي بوجه عام، ولكن الشارع الإسلامي قد حرم الأساس الذي قام عليه مثل هذا التعاقد، إلغاء لتلك المصالح المظنونة أو الموهومة، لكونها غير مشروعة، لأسباب تتصل بالعدالة، صوناً له من اختلال التوازن الفاحش بين التزامات كل من الطرفين، وهو ضرب من أكل أموال الناس بدون وجه حق، أو لانتفاء ما يقابله من عوض، أو لاستغلال أزمة أو حاجة الطرف الضعيف، أو لأن "التراضي" لم يكن كاملاً حراً، بسبب ضغط الظروف القاسية، حتى كان قبولاً ظاهرياً لا رضاً حقيقياً، وهكذا ترى أن التشريع الإسلامي لا يكتفي بأن يكون العاقدان على درجة سواء من "الأهلية الشرعية الكاملة" بل يشترط –إلى ذلك- أن يكونا متساويين أيضاً من حيث "القوة الاقتصادية" حتى لا يستغل أحدهما الطرف الآخر الضعيف، فيكون مذعناً أو مرغماً في قبوله، لا راضياً حقيقة، فيفقد التصرف بذلك أساس انعقاده، وهذا تحرٍّ دقيق لأصل العدل في التعامل.‏

هذا، وقد أشار الإمام ابن رشد، إلى أن أساس "العدل" في التعامل، وتبادل المنافع، هو "مقاربة التساوي" بين العوضين، حتى لا يكون بينهما تفاوت شاسع يتخذ مظهراً مادياً هو ما يطلق عليه "الغبن الفاحش".‏

هذا بيان "للمصلحة" في الميدان الاقتصادي على سبيل المثال.‏

وأما "المصلحة" في الميدان السياسي وعلى الصعيد الدولي بوجه خاص، فتراها تتعلق بالمصلحة الإنسانية العليا، وعلى المستوى العالمي، فضلاً عن تعلقها بمصالح العرب والمسلمين في دولهم بخاصة، بحيث لا تفضي رعاية المصلحة الخاصة إلى استحكام التناقض بينهما، وقد مهد الإسلام السبيل إلى "التوفيق" بمحو أسباب الاضطراب العالمي كافة، كتحريم العدوان، والبغي، والاستعمار، لتكون أمة هي أربى من أمة، والمعاهدات غير المتكافئة، واستغلال الشعوب المستضعفة في الأرض، واستئصال شأفة "العنصرية" من الوجود الدولي، إذ حاربها الإسلام محاربة لا هوادة فيهل، وغير ذلك مما لا يتسع المجال لتفصيله، تحقيقاً للعدل الدولي بين البشر، وهو أساس السلم العالمي.‏

وأما "المصلحة" في الميدان السياسي داخلاً، فقد أرسى مثلاً "مبدأ الشورى" وترك تفصيل إجراءات تنفيذه للاجتهاد بالرأي من أهله حسب الظروف، وذلك لأن "المصلحة الحقيقية" راجعة إلى "الرعية" رأساً، بحكم توجه النداءات الإلهية بالتكليف إلى الأمة أصالة، وولي الأمر نائب عنها في التنفيذ، ولذا جاءت النصوص بإرساء "مبدأ المسؤولية" تجاه ولي الأمر بقوله (: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته" ولا ريب أن المسؤولية عن "الرعية" إنما هي مسؤولية عن "مصلحتها" وقد تأكد هذا بالقاعدة المحكمة التي ناطت تصرفات ولي الأمر بالمصلحة العامة في الدولة، ومؤداها: "التصرف في الرعية منوط بالمصلحة(43)".‏

فالسلطة -في التشريع الإسلامي- حق ممنوح من الرعية أصلاً، عن طريق الشورى، ولكنه حق وظيفي غيري لا شخصي، بمعنى أنه "حق وواجب" معاً، ولا ترجع المصلحة فيها إلى من يمارسها شخصياً، بل إلى الأمة مباشرة، وإذا كانت "مصلحة الأمة" هي أساس مشروعية الولاية عليها، أعني مشروعية السلطة، فإن التصرف السياسي المنافي لتلك المصلحة، يفقد مشروعية الولاية، بالمنافاة، ما دامت مصلحة الأمة هي أساس الولاية العامة.‏

هذا في "المصالح" وأنها من وضع الشارع نصاً ودلالة.‏

وأما الأحكام، فمن البدهي ألا يكون ثمة افتئات عليها، لأنها ثمرة حق الله في التشريع، وهو ما يؤكده الإمام الشاطبي بقوله: "وأما تحريم الحرام، وتحليل الحلال، وما أشبهه، فمن حق الله تعالى، لأنه تشريع مبتدأ، وإنشاء كلية شرعية ألزمها العباد، فليس لهم فيها تحكُّم، فهو مجرد أحكام فيما ليس لغير الله فيه خيرة" وهذا بيِّن.‏

الأحكام منشأ الحقوق:‏

إن النظرية العامة تقضي بأن "الحق" منشؤه الحكم الشرعي، وليس "ذات الإنسان" أو العقل المجرد، سواء أكان "الحكم الشرعي" منصوصاً عليه، أو مستفاداً ومستنبطاً دلالة عن طريق الاجتهاد في أصوله المعتبرة شرعاً(44)، وعلى هذا فمصادر الحقوق والحريات هي مصادر التشريع نفسه.‏

ويؤكد الإمام الشاطبي هذا المعنى بقوله: "فإن ما هو لله من الحقوق، فهو لله، وما كان للعبد –الإنسان الفرد- فراجع إلى الله، من جهة حق الله فيه، ومن جهة كون حق العبد من حقوق الله، إذ كان لله ألاَّ يجعل للعبد حقاً أصلاً(45)".‏

ويترتب على هذا المعنى نتائج فقهية أصولية منطقية:‏

أولها: أن الشريعة هي أساس الحق، وليس الحق صفة ذاتية من صفات الإنسان، أو خاصة من خصائصه الفطرية، كما يرى أنصار المذهب الفردي فيما ابتدعوه من فلسفة القانون عندهم، حتى يكون الأصل في الحق الفردية في المفهوم، والإطلاق في التصرف، لأنه –في زعمهم- سابق في وجوده على القانون والمجتمع والدولة(46)، فالنظرية الإسلامية قائمة على أساس أن الشريعة هي التي أنشأت الحق إنشاءً، بما شرعت من الأحكام المستفادة من نصوصها أو دلالاتها، والتشريع دلالات(47).‏

هذا، ويقرر الإمام الشاطبي هذا الأصل بصورة جلية، لا لبس فيها ولا إبهام، حيث يقول: "لأن ما هو حق للعبد –للإنسان الفرد- إنما ثبت كونه حقاً، بإثبات الشرع ذلك له، لا بكونه مستحقاً لذلك بحكم الأصل (48)".‏

فالحق ثابت بالشرع، ومنحة منه تعالى بشرعه.‏

الثاني: أن الإنسان لم يخلق حراً، أو مزوداً بالحقوق والحريات كما يتصور الفرديون، لأنه ليس مخاطباً بالحكم قبل التكليف، فلا يثبت الحق كَمَلاً إلا بالتكليف(49)، وإنما خلق ليكون حراً، بمقتضى تكاليف الشرع ومسؤولياته الجسام، إذ لا تكليف بلا مسؤولية!‏

وعلى هذا، يتبدى لك، أن التشريع الإسلامي بجعله التكليف منشأ الحقوق، يكون قد أولى عنايته أداء "الواجبات" قبل تقريره منح الحقوق والحريات، ذهاباً منه، إلى أن في النهوض بهذه "التكاليف(50)" على الوجه الأكمل والمرسوم شرعاً، ضماناً كافياً لتحقيق وصيانة الحقوق والحريات، وبذلك كان "التلازم" المستحكم بين "عنصر الإلزام" بالتكليف، وعنصر الحق أو الحرية، بحيث لا يتصور الانفكاك بينهما، وهذا فارق حاسم بين حقوق الإنسان، والحريات العامة في الإسلام، وبين ما استقر منها في المواثيق الدولية، أو من قبلها إبان الثورة الفرنسية، لسبب بسيط، هو أن هذه المواثيق قد افتقدت عنصر "الإلزام" ولا سيما على الصعيد الدولي(51)، فضلاً عن الاختلاف في المفهوم- ولا أدل على ذلك من الاتفاق على أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفسه، قد افتقد عنصر الإلزام، في الحياة الدولية، حتى غدا عديم الأثر، وهل تصرف الرجل الأبيض عسكرياً وسياسياً في إفريقيا السوداء مثلاً، مما يعتبر أثراً للتقيد بهذا الإعلان؟؟؟ أو هل اعتداء إسرائيل على بعض البلاد العربية، واستيلاؤها على مساحات واسعة من أراضيها، وإمعانها في الاغتصاب والتوسع عنوة وبقوة السلاح، وإعمالها هذا السلاح الرهيب في أصحابها الشرعيين تقتيلاً وتشريداً، ومعاملتها للعرب المجاهدين والمناضلين عن حقوقهم المشروعة في أراضيهم المحتلة، بألوان من التعذيب الوحشي الذي لم يشهد التاريخ له نظيراً، وعلى مرأى ومسمع من هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، مما يمكن اعتباره مظهراً للتقيد بمقتضيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والالتزام بها؟؟؟ ما نظن!!!‏

كذلك، لا تكاد تجد لهذا الميثاق الدولي، ولا لقرارات جمعية الأمم، ومجلس الأمن انعكاساً أو أثراً في المسالك السياسية لتصرفات الدول العدوانية، ولا سيما تلك التي تقوم على سياسة التمييز العنصري بوجه خاص، حتى بين مواطنيها هي، مما هو واقع ومشهود في أعظم الدول حضارة مادية!!‏

لذا، لا يمكن تصور الإنسان حراً في المفهوم الإسلامي، إلا منذ أن أصبح يعتقد أنه مكلف ومسؤول.‏

ذلك، لأن معنى الحرية الذي نهض به التكليف قد غدا في أغوار النفس الإنسانية معتقداً، يمارسه على الوجه المرسوم له شرعاً، امتثالاً لأمر الله، وعن طواعية وكامل رضا، أو بعبارة أخرى، إن المسلم الحق لا يصدر عنه تصرف أو نشاط حيوي: مادي أو فكري أو وجداني، بمقتضى ما رسم له الشارع فيما خوطب به من تكاليف، إلا إذا كان يعتقد ابتداء، وفي قرارة نفسه، أنه مكلف به شرعاً، لا بعامل الاستهواء، أو بتسليط الغرائز الدنيا الأولية السليقية التي تغري بالتصرف المطلق، طمعاً في تحصيل الثمرات القريبة العاجلة، أو استجابة للعصبية والهوى، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، وحذر منه، لفساد مآلاته على المجتمع البشري كله –بقوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض( وهو المعنى الذي أكده الإمام الشاطبي في عبارة موجزة جامعة: "ما جاءت الشريعة إلا لتخرج الناس عن دواعي أهوائهم" وهذا هو الجانب العملي الذي يستند أساساً إلى أصل اعتقادي راسخ يتضمن عنصر التكليف أو الالتزام الذاتي(52).‏

وأما قول عمر –رضي الله عنه-:"كيف استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" أي بمقتضى صفة "الآدمية" التي تقتضي –بحكم الشرع- ما يؤصل المعنى الإسلامي الحقيقي للحرية في نفوسهم، على خلاف ما ألفوه، وذلك بالتكليف والمسؤولية وبالمعنى الإنساني في مفهومه، مما جاء به هذا الشرع الحنيف، إذ ليس الانسياق والانطلاق وراء الشهوات، أو سلائق الغرائز الأولية غير الموجهة –في نظر هذا الشرع- حرية، بل هي آفة البشرية، إذ ليس "الهوى" –في المفهوم القرآني- إلا إرسال النفس على عواهنها، تهالكاً على المال والجنس، دون ضبط ولا توجيه، وإلا فلا نزاع، أن الحقوق والحريات أساسها "الشرع" أو التكليف إجماعاً، بما ضمنها من معان جديدة خاصة، ناط بها مشروعيتها، وأقامها على عنصر الاعتقاد أيضاً، وقد كانت من قبل غير محددة المفهوم، ولا مقيدة التصرف، ولا مستبينة الغاية، تجري هكذا فوضى سليقية بدائية غريزية لا ترى فيها مظهراً لتشريع موجه، ولا في معانيها "قيماً" ترقى بها إلى مستوى المعقولية أو المعنى الإنساني الذي يليق بكرامة الآدمية "ولقد كرمنا بني آدم" تجد هذا واضحاً فيما نادت به الثورة الفرنسية من حقوق وحريات(53)، حيث أطلقتها، بل أفرغتها منا المعنى الاجتماعي والإنساني، لتملأها بمعنى الفردية أو الأثرة والأنانية المطلقة، مما يستلزم التجاهل التام لحق المجتمع، تطرفاً منها في تقديس الفرد وحقوقه.‏

ولقد تأثرت قوانين الدول الاستعمارية بهذه الفلسفة التي اعتبروها أساساً للحضارة، فانتقلت إلينا –بحكم الاستعمار- ميراثاً، حتى استقر في أذهاننا المفهوم الفردي المطلق، ولا سيما في الميدان الاقتصادي، وظننا أنها من تعاليم الإسلام، بفضل الغفلة عن حقائقه، وأصول تشريعه، أو بعامل نفسي من الإلف للعرف الساري في التعامل التقليدي، والحق أن تعاليم الكتاب والسنة، وآثار السلف الصالح، والموسوعات الأصولية والفقهية للمحققين من الأصوليين والفقهاء، كالإمام الشاطبي، والإمام مالك، والإمام الباجي، وأئمة الحنابلة، وفي مقدمتهم الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والإمام القرافي، والإمام الكاساني –سلطان العلماء- كل أولئك وغيرهم –كما بينا- على خلاف ما تقضي به فلسفة الثورة الفرنسية والقوانين التي تأثرت بها، في مفهوم الحقوق والحريات، وبيان ذلك:‏

فلسفة الحريات العامة(54) في المذهب الفردي الذي تبنته الثورة الفرنسية تقوم أساساً على فكرة تقييد سلطة الحاكم، منعاً من العسف السياسي:‏

ابتدعت الفلسفة الفردية فكرة الحريات المطلقة ابتداعاً، كرد فعل للعسف السياسي يومئذ، ورأت في هذه الفكرة ضماناً كافياً لتقييد سلطة الحكم، ورأى أنصارها أن المعنى الفردي المطلق في مفهوم الحق، وإطلاق التصرف فيه، هو الذي ينهض بمفهوم "العدل" في اعتبارهم، مقاومة للاستبداد السياسي، أو بعبارة أخرى إن معنى الحرية قد تركز في معنى الإفلات من سلطة الحكم، فحسب(55)، وهو تدبير سياسي –كما ترى- وليس معنى فقهياً تشريعياً اجتماعياً متوازناً أو معقولاً، وما كان التشريع العادل يوماً، يعرف التطرف ليقاوم تطرفاً مثله، ولا ينبغي أن يكون للانفعال أو الهوى منزع في التشريع، لما يفضي إلى الغلو والظلم غالباً، وما لهذا أو لمثله أنزلت أو وضعت الشرائع بداهة!‏

هذا، والتطرف الذي أشرنا إليه منشؤه ما أصَّلوه هم من "مبدأ سلطان الإرادة المطلق" تدعيماً لفردية الفرد، وتقديساً لحقوقه، بإطلاق إرادته في التصرف، والإسلام لا يقدس الفرد، وإنما يحترم إنسانية الإنسان، كما يحترم حق الأمة أيضاً احتراماً يكفل صيانة مصالحها التي تربو على المصالح الفردية على استقلال، نفعاً وأثراً، لما يأتي تفصيله.‏

ويتجه على هذا النظر الفلسفي المحض الذي ابتدع فكرة الحريات العامة، ضماناً يقي من العسف السياسي، أن هذه الحريات المطلقة قد بقيت هي نفسها دون ضمان يقي من سوء ممارستها، أو اتخاذها مطية للعسف بالنسبة إلى الغير من الأفراد والمجتمع، ولا يعقل في تشريع ما، يقيم للعدل والمصلحة المعقولة وزنهما، أن يمنع العسف ليقع في عسف مثله، أو أشد خطراً، لذا ترى الإسلام قد أقام فلسفته التشريعية على أساس تضمين المعنى الإنساني والاجتماعي مفهوم الحرية، ضماناً كافياً للحيلولة دون الاعتساف في ممارستها، وناط بهذا المعنى مفهوم العدل، بأن جعل بينه وبين المشروعية تلازماً، بحيث إذا انتفى المعنى الاجتماعي في التصرف الفردي، انتفت المشروعية وسقطت، ولا سيما عند تعارض الحرية الفردية مع المصلحة العامة، كما بينا، وهذا أصل مقطوع به، ومجمع عليه، تحقيقاً للتوازن عملاً وواقعاً، ثم أقام الحق والحرية على أساس التكليف المؤيد بالعقيدة، ضماناً للتقيد بالمعنى الإنساني، لأنه يستند إلى أصل اعتقادي قبل أن يكون تدبيراً تشريعياً أو سياسياً محضاً، ومن هنا نشأت "الوظيفة الاجتماعية" للحق والحرية التي هي أساس التكافل الاجتماعي الملزم، أو "جهة التعاون" واستخلص العلماء من هذا –كما رأيت- المبدأ العام الذي هو قوام الحريات والحقوق ومؤداه أن "حق الغير محافظ عليه شرعاً" وهو حق الله تعالى في كل حق فردي، بما يحقق من معنى "العدل الاجتماعي" في الإسلام.‏

وقد أفضى هذا النظر الفلسفي المتطرف من جانب الفرديين، إلى مآس وفواجع ظلت أوروبة تعاني منها إلى عهد قريب، ولا سيما بعد ظهور الإنتاج الكبير نتيجة للتقدم الصناعي، بما أباحت للفرد من تأثيل الثروات، بأي طريق كان، فأجازت الاحتكار، والتعامل بالربا، ولو مضاعفاً، وسائر صنوف الاستغلال، أثراً للنزعة الفردية المتطرفة، وصدى للإطلاق في التصرف، ولسقوط المعنى الإنساني من مفهوم الحق الفردي، وهو خلاف سَنَن المشروعات في الإسلام.‏

هذا، وإذا كانت الأديان والشرائع السماوية كافة قد أجمعت على أن للاعتقاد الحق سلطاناً بالغ الأثر في ميدان النفس الإنسانية، لا يرتقي إلى مستواه أثر العلم، أو توجيه العقل، أو سلطان الضمير، ولا سيما في توجيه الغرائز وتسديدها، فإن الإسلام يمتاز بشيء واحد،هو أنه رتب النتائج العملية للأصول الاعتقادية، في تشريع وتكليف ملزم قائم على موجهات العدل الاجتماعي ومبانيه حقاً مشتركاً بين البشر حتى الأعداء، وهو مبدأ رائع حقاً لا تجد له نظيراً في الشرائع، ولن تجد بديلاً عنه يفضله في مستقبل البشرية –فيما أعتقد- وهو قوله تعالى: (ولا يجرمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألاَّ تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى(56)".‏

وتأسيساً على هذا، فلا الحريات العامة في الإسلام قد ابتدعت كضمانة لمنع الاستبداد في الحكم، ولا الحكم نفسه –في الإسلام- قائم على أساس السلطة المطلقة التي يتصرف فيها الحاكم فوق ما يشاء ويهوى، لأن الحكم في الإسلام قائم على أساس تشريعه العادل، وأن الظلم هو عدو الإسلام الأول، وليس أمر التشريع بيد الحاكم، بل لم يُجعل لأحد، ولو كان نبيَّاً مصطفى، لقوله تعالى مخاطباً نبيه (: "ليس لك من الأمر شيء" وإنما السنة وحي أيضاً من عند الله، معنى، لقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" جاءت تفسيراً للقرآن، أو تفصيلاً أو تقريراً على ما هو معروف وأما التشريع فلله وحده، لقوله تعالى: (إن الحكم إلا لله( فمشكلات أوروبة، وما نجم عنها من فلسفات تتصل بالتشريع، ليست موجودة أصلاً في الإسلام.‏

الثالث: على أن اتصال "حقوق الإنسان" بالتكليف الملزم القائم على عنصر الاعتقاد منذ أنزل هذا التشريع على الأرض وحياً، ضماناً لعدم الانحراف في ممارستها، وتوطيداً لكونها "وسائل عملية" لتحقيق المقاصد الأساسية للمجتمع الإنساني، من مثل حرمة النفس الإنسانية، ومثلها العليا، وقيمها الخالدة، وفي مقدمتها "الدين" وبه تكوين إنسانية الإنسان، ثم "العقل الإنساني العام" في ملكاته وطاقاته التي لا حدود لها، حفظاً له من كل ما يشل هذه الطاقات، ووجوب تنميته بالعلم المفروض طلبه، ثم النسب حفظاً للأجيال الخالفة، ولاستمرار تعهد الآباء بالأبناء، وصوناً للعرض والشرف، ثم "المال" ووجوب تنميته واستثماره، وعدم الإسراف فيه، أو التقتير، أقول: إن اتصال حقوق الإنسان بالتكليف القائم على عنصر الاعتقاد، كوسائل عملية لتحقيق هذه المقاصد الأساسية للمجتمع الإنساني في أي بيئة أو عصر وجد بحيث لو انخرم واحد من تلك المقاصد، لم تجر الحياة الإنسانية فيه على استقامة، بل على فساد وتهارج وتسافك دماء، يجعل من تلك الحقوق –على تنوع موضوعاتها ومتعلقاتها ومحالها- استجابة عملية وواقعية لما تقتضيه كافة عناصر الفطرة الإنسانية، كملاً، مادة ومعنى، ظاهراً وباطناً، جسداً وعقلاً ووجداناً وروحاً، وإرادة، دون إهمال أو تجاهل لأي منها، وهذا هو "كمال التشريع" الذي يستجيب لكافة مطالب الفطرة الإنسانية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم( وكل تشريع يناقض أصول الفطرة ظاهراً أو باطناً، مكتوب له الفشل حتماً، إذ التشريع للإنسان –بما هو إنسان- بفطرته الكاملة.‏

ويستدل من هذا، على أن الإسلام يرى –وبحق- أن عنصراً واحداً من عناصر الفطرة- وهو العنصر الجسدي أو المادي- لا تكفي الاستجابة لمطالبه، لإقامة نظام اجتماعي كامل، متوازن، ومتكافل!! بل هو تشريع ناقص مبتسر.‏

ويرى أيضاً، إن تفاوت الملكات بين الأفراد لا يحول دون تحقيق توازنها في نظام اجتماعي يتسم بالخلقية والإنسانية، ذلك لأن الفطرة الإنسانية ذاتها، قد ثبت أنها نزاعة إلى السمو كلما وجدت إلى ذلك سبيلاً، بالتبصير والتوعية والتوجيه الصالح، ولا أدل على ذلك من هذا الفرق الشاسع بين وضع الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده!‏

ومن هنا، كان لهيمنة العقيدة، وسلطان الروح، دور بالغ الأثر في مجال النفس الإنسانية، تسامياً وارتقاء في معارج الكمال، بحيث تتضاءل نسبة تأثير العقل أو الضمير إزاءها، إذ غالباً ما يكون كل منهما معتقل الحكم بالهوى.‏

هذا، وقد صور القرآن الكريم ما للعقيدة من سؤدد على النفوس، بقوله سبحانه: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان( وقوله تعالى حاكياً محاورة الشيطان للذين أتبعوه: "وما كان لي عليكم من سلطان، إلا أن دعوتكم، فاستجبتم لي، فلا تلوموني، ولوموا أنفسكم".‏

آفة البشرية إذن، سلطان الهوى على النفوس، والمنازع الغريزية البدائية غير الموجهة، ومن هنا، انطلقت "الحكمة القرآنية" في جعل الحقوق والحريات مظهراً للاعتقاد ابتداء لقوة سلطانه، وبما يستند إليه من التكليف والمسؤولية، اعتقالاً للهوى نفسه: "وأما من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى".‏

إذن، لا تجد في تشريع الإسلام للحقوق والحريات مشكلة إنسانية تتعلق بالجسد، أو بالمطالب المادية، لأنه أباح له ما في السموات والأرض في حدود ما سن ورسم، بجعله مسخراً له، والتسخير يقتضي الانتفاع، وخلق للإنسان ما في الأرض جميعاً، وأباح الزينة، غير أنه يرى أن "المشكلة الحقيقية" تكمن في التوفيق بين مطالب الجسد ومطالب الروح، ولهذا دارت أحكام هذا التكليف على تحقيق هذا التوفيق، ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، وهو ما تفرد به الإسلام من دون سائر الشرائع السماوية والوضعية على السواء.‏

ولا ريب أن التوجيه الإلهي، تنداح أمامه بوارق الظنون، وتخيلات الأوهام، وغمائم الفروض والاحتمالات، ويحول دون الانسياق الأعمى وراء الشهوات من المال والجنس، واطراح الفضائل والكمالات النفسية، في غفلة عن منطق العقل، ويقظة الضمير، وخلقية الإرادة الحرة، لموضوعية ذلك التوجيه، وشموله، وحقِّيَّتِهِ، ومعقوليته، وعدله المطلق، وهذه الملكات العليا من العقل والضمير والإرادة، هي التي تولاها التشريع الإسلامي بالتبصير والإحياء والتقويم، بالعقيدة والتشريع معاً، فضلاً عن بسطه سلطان الروح، وهيمنة العقيدة النقية على النفوس.‏

الرابع: عنصر الواجب في مفهوم الحق والحرية، عنصر جوهري في التشريع الإسلامي، نهض به التكليف، والتكليف إلزام، فضلاً عن أنه مؤيَّدٌ بالمعتقد، وبسلطان الدولة إذا خف وازع الدين.‏

عنصر الاعتقاد مؤيِّد قوي لعنصر الواجب في مفهوم الحق والحرية عملاً وتشريعاً، بما ينشأ عنه من وازع الدين، وهذا –إذا صح- كان أبلغ أثراً، وأضمن نتائج من الوازع السلطوي الخارجي، بلا مراء.‏

التفات بعض علماء الاجتماع في أوروبة في القرون الأخيرة إلى "عنصر الواجب" في مفهوم الحق، وضرورة إقامة النظام الاجتماعي على أساسه، مشتقاً من قواعد الدين.‏

يرى بعض علماء الاجتماع في أوروبة، في القرون الأخيرة، ومنهم "أوجست كونت" –من كبار فلاسفتها- ضرورة إقامة نظم دينية تحكم أوروبة، بما يساير تقدمها الحضاري، فكان أن اقترح "فكرة الواجب" في تشريع الحقوق، لينفي عنها "معنى الفردية في المفهوم" و "الإطلاق في التصرف" وقد أصَّل الإسلام هذا المعنى على نحو أوسع شمولاً، وأعمق جذوراً، وأنفذ أثراً، على النحو الذي رأيت في نظريته العامة.‏

ويفهم من هذا، أن "عنصر الواجب" ينبغي أن يشتق من الدين، ليكسب صفة الالتزام الذاتي النابع عن قناعة راسخة، مما يشعر بأن الحق ومقوماته لم يُخْلق الإنسان مزوداً بها، وإنما خلق ليكون صاحب حق بمقتضى الواجب والتكليف والمسؤولية الدينية إلى جانب المسؤولية الدنيوية المؤيدة بالتشريع الملزم، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً( أي ذا قدر وخطر وشأن؟ وإذا فسرت "هل" بمعنى "التحقيق" لا بمعنى "الاستفهام" كان معنى الآية الكريمة: "قد مضى على الإنسان زمن طويل(57) من الدهر قبل التكليف، لم يكن فيه ذا قدر وخطر وشأن يذكر".‏

هذا، والإنسان لا يفقد شخصيته المعنوية بداهة إلا إذا كان لا يملك حقوقه وحرياته، لأنها مقومات هذه الشخصية في بعدها المعنوي، فالإنسان بلا حقوق لَقَىً مُضَيَّع، يؤكد هذا المعنى، الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة حيث يقول: (قد أتى على الإنسان حين لم يكن له فيه قدر، ثم لما حمل أمانة التكليف التي عجزت عنها السموات والأرض(58)، ظهر فضله على الكل وصار شيئاً مذكوراً، ذا قدر وخطر(59)" اهـ. وهذا صريح فيما قررنا، وهو ما فهمه الصحابة إذ يقول بعضهم: "أنا يوم آمنت بالله الأحد، لن أُذِلَّ نفسي لأحد" وهذا أقصى معاني الحرية وأبلغها، والإنسان –في اعتبار الإسلام- كائن حي عاقل حر مكلف مستقل مسؤول، وتكليفه منشأ حقوقه، واستقلالُهُ ليس تاماً، بل هو مرتبط بمجتمعه في دائرة "التعاون" على البر والخير المشترك، كما أسلفنا.‏

ولعلَّ إضفاء صفة القدر والعِظَم على الليلة التي أنزل فيها القرآن الكريم(60) ناشئ من كونه أصل الهداية والتكليف، والإنسان استمد هذا "القدر" من ذلك التكليف نفسه، لأنه في واقع الأمر "تشريف" فثبت أن "التكليف" منشأ الحق والحرية لا ذات الإنسان.‏

الخامس: كل حق فردي(61) أو حرية عامة –في التشريع الإسلامي- مشوب بحق الغير، فلا يتضمن معنى الخلوص لصاحبه بحيث يوليه سلطة التصرف فيه وفق ما تملي عليه رغبته، أو مشيئته المطلقة، لأنه مقيد أصلاً برعاية حق الغير –كما أسلفنا- فرعاً عما تمكَّن فيه شرعاً من المعنى الإنساني والاجتماعي إزاء الصالح الخاص، حتى غدا ذا مفهوم فردي واجتماعي معاً، وهو أصل التكافل في الإسلام.‏

هذا، وحق الغير الذي تجب مراعاته إبان تصرف الفرد في حقوقه، أعم من أن يكون راجعاً إلى الأفراد على استقلال، أو المجتمع أو الأمة بعامة، ولا ريب أن مراعاة هذا الأخير مفروضة على وجه أشد وآكد، لشمول النفع، وعِظَم الخطر.‏

هذا، وقد كيَّف الأصوليون "حق الغير" هذا بأنه "حق الله" وفسروا هذا التكييف بعِظَم خطره، وشمول نفعه، وهو ما يتضمن معنى "المصلحة العامة" قطعاً(62)، فكانت ذات "قيمة كبرى" في هذا التشريع.‏

-ويترتب على هذا التكييف، أنه لا يسع ذا الحق ولا غيره إسقاطُ حق الغير، بل لا خيرة له في إهداره إبان تصرفه في حقه كسباً وانتفاعاً، سلباً أو إيجاباً، على حد تعبير الإمام الشاطبي، فكان "حق الغير" عنصراً جوهرياً في مفهوم الحق الفردي ينشأ عنه أصل تقييده بمراعاته، تحقيقاً للتكافل الاجتماعي الملزم، في كافة شؤون الحياة الإنسانية، مادياً ومعنوياً على السواء.‏

والممعن في بحوث الأصوليين يدرك أن هذا المعنى لحق الغير يطابق ما يعرف اليوم من معنى "النظام العام" الثابت، بدليل أن مشروعية الحق" تصرفاً واستعمالاً، منوطة بمراعاته، وهذا من خصائص النظام العام، بل ترى الحق الفردي نفسه لا يستمد "قيمته" من ذاته في اعتبار الشارع، بما هو وسيلة، بل يستمدها من "الغاية" التي شرع من أجلها بما في ذلك رعاية حق الغير هذا، وهو ما أطلق عليه الإمام الشاطبي "جهة التعاون" كما أشرنا، لسبب بسيط هو أن الوسيلة تأخذ حكم غايتها، كما أسلفنا.‏

إذن عنصر "الغيرية" جوهري في مفهوم الحق الفردي في شرع الإسلام، وهو "المعنى الاجتماعي والإنساني" الذي مكَّن له الشارع الإسلامي في الحقوق الفردية كافة لينفي عنها معنى الفردية المطلق، تحقيقاً للتكافل الاجتماعي الملزم، كما بينا، ترى ذلك بيناً في قول الإمام الشاطبي: "وأيضاً، ففي العادات – الحقوق والحريات- "حق الله" تعالى من جهة وجه الكسب، ووجه الانتفاع، لأن حق الغير محافَظٌ عليه شرعاً، أيضاً، ولا خيرة فيه للعبد، فهو حق الله تعالى صِرْفاً في حق الغير(63).." وفي قوله أيضاً في موضع آخر، "فإن ما هو لله، فهو لله، وما كان للعبد، فراجع إلى الله، من جهة حق الله فيه(64)".‏

فتبين بجلاء، أن التشريع الإسلامي قد ضمَّن الحق الفردي معنى جديداً(65) لم يكن معروفاً في الشرائع من قبل، هو عنصر "الواجب" بالنسبة إلى حق الغير من الفرد أو المجتمع أو الأمة بعامة، بل ولا في الشرائع الوضعية الحديثة إلا منذ عهد قريب، وعلى نحو ضيق ومبهم، فضلاً عن اعتراف الإسلام بحق الفرد، وبحق المجتمع معاً على سواء، دون تطرف بإلغاء أي منهما على حساب الآخر.‏

وبيان ذلك، أن المحرَّم في جميع الشرائع، هو الاعتداء على حق الغير بالمجاوزة، وهذا فعل ممنوع لذاته، لخروجه عن حدود الحق الموضوعية، وليس المقصود بالمحافظة على حق الغير –في الإسلام- هذا المعنى فحسب، بل المراد –كما أشار الإمام الشاطبي- إن حق الغير محافظ عليه شرعاً، إبان استعمال الفرد لحقه كسباً وانتفاعاً، على حد تعبيره، ولو ضمن حدود حقه الموضوعية، ودون مجاوزة، صوناً للغير من إلحاق الضرر البيِّن به، فرداً كان ذلك الغير أو مجتمعاً، تحت ستار التصرف في الحق، باتخاذه ذريعة إلى ذلك، أو بالتذرع بأي فعل ظاهر الجواز، لتحقيق غرض غير مشروع، حتى يكون الفعل معيباً في غرضه، وإن كان –من حيث الأصل- مشروعاً في ذاته، فتسقط مشروعية الفعل، كما تسقط أيضاً إذا أفضى من تلقاء نفسه ودون قصد من صاحبه، إلى مآل ضرري، بل ولو كان القصد حسناً، على ما سيأتي بيانه، لأن التشريع الإسلامي ينظر أيضاً إلى مآل(66) التصرف في حد ذاته، أو إلى واقعة الضرر المادية المتوقعة أو الواقعة في المجتمع، من حيث هي، ولو كانت ثمرة لاستعمال حق، بقطع النظر عن العناصر الذاتية لصاحب الحق في مثل هذه الحال، ويحول دون وقوعها، دفعاً لها، أو رفعاً لها بعد الوقوع ولو كان القصد حسناً، إعمالاً للقاعدة المُحكمة: "يدفع الضرر بقدر الإمكان" ولقول الإمام الشاطبي: "والأشياء إنما تحل وتحرم بمآلاتها(67)" رعاية لحق المجتمع، إذ لا يسع الفرد –في التشريع الإسلامي- الانفصال عن مجتمعه بحال، ولا يملك الخيرة في الترخص من وجوب تكافله معه تكافلاً حقيقياً حيوياً ملزماً، وهذا كما يشير إليه الإمام الشاطبي من باب "الحكم على الخاصة لأجل العامة(68)" أي من باب الحكم على الفرد من أجل مصلحة المجتمع، نفياً للتناقض، بل يوغل التشريع الإسلامي في رعاية حق المجتمع إزاء المصلحة الخاصة، فيرسي أساساً تشريعياً يستند إليه وجوب التكافل، بأن جعل للمجتمع حقاً يتعلق بحق الفرد، ولا سيما وقت الأزمات الطارئة، وهذا "التكافل" يمثل "عنصر الواجب" في مفهوم الحق الخاص، فإذا نظرنا إلى منشأ الحق، وهو "التكليف" مؤيَّداً بالمسؤولية، ثم نظرنا إلى "عنصر الواجب" فيه، حقاً للمجتمع، تأدى بنا ذلك بالضرورة إلى أن "الحقوق" في النظرية العامة للتشريع الإسلامي قد آلت إلى أن تكون "واجبات" بمقتضى أصل التكليف، قبل أن تكون حقوقاً وحريات. أما أن للمجتمع حقاً قد شرعه الإسلام متعلقاً بحق الفرد، أثراً للمعنى الاجتماعي والإنساني فيه، وهو المعنى الجديد الذي أشرنا إليه، فإنك لواجد هذا بيِّناً صريحاً في تعليلات الفقهاء، وهم بصدد التدليل على حرمة التصرف في حق الملكية على وجه الاحتكار مثلاً، تربصاً بالناس الغلاء فيما يحتاجون إليه من مقومات حياتهم الأساسية، مما ورد في السنة(69) الثابتة بما يفيد كونه جريمة كبرى(70)، ولو كان هذا التصرف في الأصل استعمالاً لحق، لكنه لما كان على وجه يضر بالمجتمع ضرراً بالغاً من حيث أثره ومآله، كان ظلماً، والظلم حرام، تجد هذا في تعليل أئمة الحنفية مثلاً، وعلى رأسهم الإمام الكاساني –سلطان العلماء- حيث يقول: "ولأن الاحتكار من باب الظلم، فقد تعلق به حق العامة، (المجتمع) فإذا امتنع البائع عن بيعه عند شدة حاجتهم إليه، فقد منعهم حقهم، ومنع الحق عن المستحق ظلم" وإنه حرام(71)". ولا يعدو الاحتكار أن يكون وسيلة للاستغلال إبان أزمات اقتصادية قائمة، أو لخلقها إن لم تكن، وأياً ما كان فهو جريمة كبرى بنص الأحاديث الثابتة.‏

-هذا، وقد التفت بعض الفقهاء المحدثين إلى هذا الأصل العتيد حيث يقول: "وأنه كلما اشتدت الحاجة، عظم حق الناس في الأموال المملوكة، وضيّقت حرية التصرف والانتفاع، وحرية المنع والامتناع(72)".‏

هذا، ولا يترك تنفيذ مبدأ التكافل لخيرة الأفراد، بل يلزمون به إلزاماً بسلطان الدولة عدلاً، لاستناده إلى حق قد شرع أصلاً متعلقاً بحق الفرد فيما يملك "ولولي الأمر أن يتدخل بالمنع إذا تجاوز المالك حدود التصرف العادل في ملكه(73)" والعدل في الإسلام مطلق، فكان مهيمناً على تصرفات الأفراد في حقوقهم، توجيهاً لها إلى ما يقتضيه، لأن مصلحة المجتمع –كما نرى- من أقوى صور العدل في الإسلام، فلا يترك العدل المطلق للإرادات الفردية، لمكان الجشع وحب الاستغلال في نفوسهم –أثرة وأنانية- وهذا لا يفتقر إلى برهنة لأنه واقع ومشهود!‏

الإسلام إذ يؤصِّل مبدأ الملكية الفردية في تشريعه الاقتصادي، غير أنه لا يجعله عقبة تحول دون رعاية الصالح العام، بل يقدم هذا الأخير عند التعارض الطارئ المستحكم، وتعذُّر التوفيق.‏

يقول الإمام الشاطبي: "المصلحة العامة مقدمة(74)" "والحكم على الخاصة من أجل العامة" مبدأ مستقر في التشريع، كما أشرنا، وهذا عند استحالة التوفيق بين المصلحتين المتعارضتين، بشروط معروفة، فتهدر الخاصة مع التعويض العادل، إن كان له مقتضٍ، لأن إهدار المصلحة العامة، شر كبير لا يصار إليه ببديهة العقل، فضلاً عن حكمة الشرع.‏

وإنما اشترطنا استحالة التوفيق بين المصلحتين، لأنه بالتوفيق يرتفع التعارض حفظاً للحقين معاً ما أمكن.‏

هذا، وقد صاغ الفقهاء استقراء من جزئيات الأحكام التي لا تحصى في الشرع، قاعدة فقهية تؤكد مضمون الأولى، ولكنها أكثر تفصيلاً مؤداها ما نصه: "يتحمل الضرر الخاص، في سبيل دفع ضرر عام(75)". وهذا في الحالات التي تتعارض فيها المصلحة الخاصة مع العامة، تعارضاً طارئاً مستحكماً يستعصي على التوفيق، ولو لم يكن هذا التعارض نتيجة مباشرة لقصد المكلف، بأن طرأ تلقائياً بفعل الظروف الخارجية، كالأزمات الاقتصادية القائمة، أو ظروف الحرب، فالإسلام يقدر النتائج المتوقعة أو الواقعة في حد ذاتها، ولا يجعل من الحق الخاص عقبة تحول دون رعاية المصلحة العامة، وتنميتها وازدهارها وتقدمها، بل تراه يزيل العوائق التي تعترض سبيل ذلك بتقديمها وترجيحها، كما بيّنا، استناداً إلى مفهوم "العدل" فيه، إذ المصلحة العامة –كما نوهنا- تجسِّد مفهوم العدل عملاً وواقعاً في أقوى صوره في الإسلام، وإلا فلم كانت قواعد التنسيق والموازنة تقضي بترجيح الصالح العام بالإجماع، من مثل ما قدمنا عن الإمام الشاطبي قوله: "المصلحة العامة مقدمة(76)" ومن مثل: "يتحمل الضرر الخاص، في سبيل دفع ضرر عام(77)".‏

قواعد التنسيق(78) والموازنة عند التعارض بين المصلحة الفردية والعامة إبان تصرفات الأفراد في حقوقهم، أو ممارساتهم للحريات العامة، تحصيلاً لمصالحهم الخاصة في الواقع المعاش، هذه القواعد هي –في الأصل- خطط تشريعية يلتزمها المجتهد أيضاً في استنباطه للأحكام الاجتهادية من مصادرها في ظل الظروف الملابسة للمجتمع والدولة في كل عصر، فكانت قواعد للتنسيق يلتزمها الحاكم أو القضاء، في الحكم على الوقائع المعروضة، كما هي قواعد يلتزمها المشرع الاجتهادي في التشريع في إنشاء النظم التي تحتاجها الدولة في كافة مرافقها، سواء بسواء.‏

هذه القواعد ترسم الخطط التشريعية العملية، أو المنهج التشريعي للاجتهاد العملي في استنباط نظم فرعية من مصادرها، مما تحتاجه الدولة في مختلف الشؤون من سياسية واقتصادية واجتماعية، استجابة لما تقتضيه المصلحة العامة واقعاً وعملاً في ظل ظروفها الملابسة، فضلاً عن كونها قواعد يحكم على ضوئها بالترجيح بعد الموازنة، في الوقائع الجزئية نتيجة للتصرفات الفردية.‏

الأساس الواقعي الذي ينهض عليه هذا الأصل في فلسفة التشريع الإسلامي:‏

يستند الأصل العام الذي يقضي بتقديم المصلحة العامة على الخاصة عند التعارض، وعدم إمكان التوفيق، إلى ملحظ تشريعي عميق الصلة بالواقع الإنساني المعاش، وهو جدير بالتقدير.‏

وبيان ذلك: أن تحقيق ما تقتضيه المصلحة العامة، شرط أساسي تتوقف عليه- في الواقع- إمكانية الفرد من تحقيق مصالحه الذاتية المباشرة والحالَّة، إذ الفرد ليس بطبيعته منعزلاً عن المجتمع، بل لا يسعه العيش- بحكم كونه كائناً اجتماعياً- إلا في وسط اجتماعي، هذا الوسط الاجتماعي الذي تتوقف عليه حياة الإنسان الفرد في تلبية مطالبه، ذو مصلحة عامة، هي بعينها شرط أيضاً تتوقف عليه إمكانية الفرد لتحقيق مصالحه، والتمتع بحقوقه وحرياته على الوجه الكامل الذي يليق بإنسانية الإنسان.‏

ويترتب على هذا، أن مناقضة المصلحة العامة تعود إلى الفرد نفسه بالضرر المحقق حالاً أو مآلاً، لانهيار شروط إمكانية تمتعه بحقوقه، بالمناقضة، فإذا أدرك الأفراد هذه الحقيقة الواقعية في العالم الإنساني المعاش، عن بصيرة ووعي، ألزموا أنفسهم تلقائياً برعاية هذا الشرط، والعمل جدياً على عدم انخرامه أو تخلفه، ليتمكنوا من استيفاء حقوقهم المشروعة على الوجه الأكمل، إذ لا تحقق لشيء بفوات شرطه الذي يتوقف عليه وجوده، أو صحته أو كماله، دون أن ينتاب ذلك، أو يلزم عنه، ضرر أو فساد راجح. وهذا من قضايا العقل والدين، وتنهض به سياسة التشريع الإسلامي التي تقوم بدورها على مقومات ترجع كلها إلى استقامة أمر المعاش والمعاد، ومن أهمها قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب" وهذا هو "عنصر الواجب" في مفهوم الحق الفردي كما قدمنا، الأمر الذي يؤول إلى المعنى الاجتماعي والإنساني في ملاك معناه، وقوام أمره، كما يؤول إلى توفير إمكانية تحصيله والتمتع بثمراته، فالشرط هنا لحفظ الكيان –كما ترى- كيلا يفضى تخلف الشرط إلى انتقائه، وإلا فلماذا كان تحقق المعنى الاجتماعي في مفهوم الحق الفردي مناط المشروعية في استعماله؟؟؟!!‏

تهاون الأفراد في رعاية المصلحة العامة، مرده –في الأصل- عدم توافر الوعي الكامل لإدراك هاتيك الصلة الوثقى التي وثقها الإسلام بين الحرية الفردية وبين المصلحة العامة، استجابة للواقع الإنساني المعاش، فضلاً عن الأثرة والأنانية:‏

ليس تهاون الأفراد –إبان ممارستهم لما منحوا من حريات وحقوق- في رعاية المصلحة العامة، ناجماً عن وعي عميق مدرك للصلة الوثقى المُحْكَمة التي أنشأها الإسلام بين المصلحة الخاصة والعامة، نزولاً على مقتضيات الواقع الإنساني، بل عن غفلة، ومحدودية ثقافة أو تعقل، أو قصور إدراك غالباً، وقد تغلب الأنانية والأثرة والجشع أحياناً.‏

هذا، وتتأثر المصلحة العامة عادة بتغير الظروف، والظروف بالناس قُلَّب، فوجب ملاحظة هذه العوارض، فيتغير الحكم لذلك بتغير ما تقتضيه المصلحة، ولا سيما المصلحة العامة، وقد أدرك هذا المعنى بعض الفقهاء المحدثين، فعبر عن ذلك بقوله: "إنما ترتبط جميع الأحكام(79) بالمصالح، إذ الغاية منها، جلب المنافع، ودرء المفاسد، حتى إن الرسول ( كان ينهى عن الشيء لمصلحة تقتضيه، ثم يبيحه، إذا تغيرت الحال، وصارت المصلحة في إباحته، فغاية الشرع هو المصلحة(80)".‏

والذي يفهم من هذا، إن "المصلحة" بما هي غاية التشريع، وأساس أحكامه، جملة وتفصيلاً، وعنصر معقوليته، فيما يتعلق بالمعاملات، يدل دلالة بينة على مدى وثوق الصلة بين هذا التشريع، والواقع الحيوي المعاش، في كل عصر وبيئة، ذلك، لأن "المصلحة" إنما تعني الحاجات والمطالب التي يفتقر إليها الإنسان الفرد، والأمة، والدولة على السواء، ولا ريب أن في بناء الأحكام المناسبة على هذه الحاجات والمطالب الحيوية التي تسمى "مصالح" استجابة واقعية لها، وتحقيقاً عملياً، بلا مراء، والإسلام وضع قواعد التنسيق عند التعارض.‏

وإذا كان لنا من تعليق على عبارة الأستاذ الكبير، فهو وجوب تقييد إطلاق عبارته، بما لا يمس أصلاً قاطعاً في التشريع، لأن هذا في الأساسيات المحكمات التي لا يجوز تأويلها أو تغييرها، لأنها من النظام العام الثابت، وليكن ما قرره خاصاً بالمباحات والحريات العامة. هذا، وتقييد المباح بالوجوب أو المنع، لمصلحة تقتضي ذلك، جائز بالإجماع، إذ لوليِّ الأمر أن يوقف العمل بالمباح إذا أفضى استعماله- في ظرف معين- إلى ضرر راجح يمس مصلحة المجتمع، أو يوجبه، ويلغي جانب الترك فيه، إذا كان في هذا الإيجاب تحقيق للصالح العام، لما قدمنا أن المصلحة العامة واجبة الاعتبار والتقديم على الإباحات الجزئية، أو التصرفات الفردية، عند التعارض المستحكم، لسبب بسيط ومعقول، هو أن دفع الضرر اللاحق بالمجتمع من جراء ممارسة بعض الأفراد لحرياتهم، أرجح مصلحة مما يحصِّلون لأنفسهم من المصالح الشخصية، في هذه الحال، على تقدير إطلاق حريتهم، وعدم تقييدهم، فكان هذا أساس المنع من ممارسة الإباحة الفردية.‏

هذا، وإيقاف العمل بالمباح، هو كما يدل عليه مفهومه، "موقوت" بزوال الظرف الذي أدى إلى الضرر العام، حتى إذا زال المانع عاد الممنوع، وهذا هو معنى تغير الأحكام بتغير الأزمان، أي بتغير الظروف والعوارض الطارئة، وفي هذا المبدأ من المرونة والسعة ما لا يخفى!‏

ومفاد هذا، أن الفعل المشروع، يصبح غير مشروع، إذا أفضى إلى مآل ممنوع، وهو الضرر الراجح(81).‏

وسبيل ذلك إجراء الموازنة، مع ضرورة الاستعانة بعنصر الخبرة العلمية المتعلقة بموضوع الحكم، كما أسلفنا.‏

تحقيق التوازن من أصول العدل في الإسلام، وذلك بين المصالح والمضار نتيجة لكل تصرف مشروع في الأصل.‏

يجب تحقيق "التوازن" بين المنافع والمضار الناتجة عن كل فعل مشروع في الأصل، تحقيقاً للمصلحة الراجحة، وهو من أصول العدل في الإسلام.‏

وعلى هذا، فما غلب نفعه شرع، وما غلب ضرره، منع، ولو كان في الأصل مشروعاً، بالنظر إلى مآله، لا بالنظر إلى أصله من حيث هو، لأن الحقائق لا تتبدل، وإنما يتبدل الحكم تبعاً لتبدل المآلات بفعل العوارض الطارئة، وفي هذا من المرونة ما لا ينقضي الإعجاب منه، وليس هذا الأصل مراعى في التشريعات الفردية.‏

هذا، وإذا تهاون الأفراد في رعاية المصلحة العامة، أو جهة التعاون –على حد تعبير الإمام الشاطبي- فإن على الدولة أن تلزم الأفراد بذلك بتشريعاتها الملزمة، ولو كان ذلك التهاون عن حسن نية، أو سذاجة أو قصور إدراك، وقد صور الرسول ( هذا المعنى في حديث السفينة أروع تصوير، نرى من الضروري إيراده هنا للتوضيح في صورته المادية الحيوية المجسمة، مع استخلاص النتائج والثمرات الفقهية والأصولية من منطوق الحديث الشريف وفحواه، لصلتها الوثيقة بموضوع البحث.‏

تصوير حي مجسَّم للتكافل الاجتماعي الملزم شرعاً في جميع مجالات الحياة، ومسؤولية المجتمع والدولة عن تصرفات الأفراد في حقوقهم وحرياتهم، ولو كانت ببواعث حسنة، إذا ما قَصُرَ نظر الفرد عن إدراك مآل تصرفه في حقه، غفلةً منه أو سذاجة، أو ضيق أفق، أقول تصوير حي مجسم للتكافل ينهض به حديث السفينة.‏

مؤدى الحديث الشريف: [أن قوماً ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها، إذا أرادوا أن يستقوا، مروا على من فوقهم، فقال أحدهم: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه، هلك وهلكوا جميعاً].‏

ويستنتج من الحديث الشريف، قواعد تشريعية أصولية تتصل بالنظرية العامة للشريعة الإسلامية، وما قامت عليه من مفهوم الحق، والحرية، ومدى وجوب الإشراف على تصرفات الأفراد، نوجزها فيما يلي:‏

أولاً: إن الفرد –في الحديث الشريف- يتصرف في حقه، لقوله: "لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً" فهو إذن ليس متجاوزاً، ولا معتدياً على حق غيره، وإنما يتصرف في حدود نصيبه الخاص، وفق منطوق الحديث.‏

ثانياً: حسن نيته في هذا التصرف واضح، لقوله: "ولم نؤذِ من فوقنا" وهذا صريح في انتفاء قصد الإضرار لديه، غير أن حسن النية هنا، عن غفلة أو سذاجة، أو قصور إدراك للعواقب –فيما يبدو- مما يستوجب الإشراف والتوجيه ثم المنع.‏

ثالثاً: اتجه قصده إلى "التوفيق" بين مصلحته الخاصة في الاستقاء، وبين مصلحة من هم في أعلى السفينة –في الوقت نفسه- بعدم إيذائهم بالمرور من فوقهم، بل بنية دفع الضرر عنهم، ولكنه –فيما يبدو- أخطأ التقدير، لعدم تبصره بمآل تصرفه في نصيبه وحقه على هذا الوجه.‏

رابعاً: التصرف الفردي الساذج –دون وعي وتبصر في العواقب، وفي حدود الحق –قد يفضي إلى ضرر عام بل وخطير أيضاً، بما يفيده منطوق الحديث، إذ قد يتعلق بالمصير، وهذا ممنوع شرعاً، ولو كان التصرف في الحق –في الأصل- جائزاً ومشروعاً، لقول الإمام الشاطبي: "وهو منع الجائز، لئلا يتوسل به إلى الممنوع(82)" وقد انعقد الإجماع على هذا الأصل. ولا ريب أن الحق لم يشرع، ويمنح لصاحبه شرعاً، لهذا المآل، قطعاً، فكان على النقيض من قصد الشارع.‏

هذا، وقد يكون ما يفضي إليه تصرف الأفراد من مصير، أمراً داخلياً أو دولياً، وأياً ما كان، فهو مآل ممنوع قطعاً يُمنع التسبب فيه بنص الحديث الشريف، إذ المآل هو الأصل في التكييف الشرعي، كما قدمنا.‏

خامساً: أن الفرد ينبغي ألا يتعنت، أو يستبد برأيه الناشئ عن خطأ في التقدير، بزعم أنه يتصرف في حقه، سذاجة وغفلة ودون تبصر بالأضرار التي تلحق مجتمعه الذي يشاركه الحياة، كما يشاركه في وحدة المصير "فإن أخذوا على يديه، نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا جميعاً".‏

سادساً: تقييد حرية الأفراد في تصرفاتهم في حقوقهم، ليس استلاباً لها، أو امتهاناً لهم، أو انتقاصاً من شخصيتهم المعنوية، كما يظن خطأ، وسوء تقدير، أو جهلاً بحقائق الإسلام، وأصول تشريعه، وإنما هو تقييد اقتضته الضرورة لحمايتهم هم أولاً، وصوناً لكيان مجتمعهم، ووقاية لهم جميعاً مما عسى أن يؤدي بهم إلى سوء المصير، وهذا ما ينهض دليلاً قوياً على قيام الصلة الوثقى التي تربط بين الفرد ومجتمعه، حياة ومصيراً، فلا يتصور الانفصال بينهما بحال. فتبين بجلاء، أن التقييد بالتشريع ليس عبثاً، ولا تحكماً ولا إعناتاً، ولا استلاباً لحرية، ولا هضماً لحق، وإنما كان "حماية" وإقصاء وتجنيباً للفرد والمجتمع كليهما عن كل تسبب يؤدي بهما إلى سوء المآل، وهذا هو ما ينهض بعنصر "المعقولية" في مفهوم "المصلحة" في شرع الإسلام، وليس في الخروج على مثل هذه "المصالح" معنى معقول يسوغه، إن لم يكن سفهاً وإجراماً.‏

سابعاً: الحديث الشريف بإطلاقه يشمل التكافل الملزم في شتى مناحي الحياة: الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والحربية، وغيرها، إذ لم يخصَّص هذا التكافل بناحية دون أخرى، لإطلاق النص، كما يلقي بالمسؤولية الدنيوية والأخروية على الكافة "فإن أخذوا على يديه" فيشمل بعمومه الأمة كلها، وباعتبار أن الدولة تمثل الأمة، كانت مسؤولة نيابة عنها، وهي عين المسؤولية المقررة في حديث: "الإمام راع ومسؤول عن رعيته" أي عن الأمة بعامة، والمسؤولية عنهم هي المسؤولية عن مصلحتهم العامة. بداهة.‏

ثامناً: بيَّن الحديث أن "التضاد" العارض المستحكم بين الفرد والمجتمع، أمر لا وجود له في هذا التشريع، ولا يجيز الإسلام قيامه، أو التسبب فيه، بل يوجب دفعه قبل الوقوع، اتقاء لسوء العاقبة، لأن دفع الضرر قبل الوقوع أوجب من رفعه وإزالته بعد الوقوع، وقد لا يمكن رفعه في بعض الحالات والظروف، وإلا فما معنى نص الحديث "هَلَكَ وهلكوا جميعاً"!‏

"فالتضاد" يجب الحيلولة دون وقوعه، بمنع التسبب في إحداثه، ولو تحت ستار الحق، سداً للذريعة، وهو مبدأ مجمع عليه، كما قدمنا(83).‏

تاسعاً: يجب منع التسبب ولو بالقوة، وسلطان الدولة وهذا مستفاد من نص الحديث: "فإن أخذوا على يديه" وهو المنع إكراهاً، وذلك حملاً له على التكافل الملزم الذي يوجبه وحدة المصير!‏

عاشراً: "عنصر الواجب" في مفهوم الحق الفردي واضح في نص الحديث، وحكمه، وهو المعنى الاجتماعي والإنساني الذي ضمَّنه الإسلام مفهوم الحق والحرية الفردية، وإلا فلم كان "المنع" إكراهاً وبالقوة؟؟ لوقاية المجتمع بلا ريب!‏

وهو المعنى الذي تنهض عليه "الوظيفة الاجتماعية" للحق في الإسلام، وهذا معنى جديد أتى به الإسلام في مفهوم الحق دون سائر الشرائع، وبيان ذلك:‏

معنى الجِدَّة في مفهوم الحق والحرية في الإسلام، منشؤه كون الحق الفردي، وحق المجتمع، كليهما معترفاً به في تشريعه، وعلى قدم المساواة من الاعتبار في غير محل العوارض، والتضاد الطارئ، وكلاهما يمثلان "القيمة المحورية" التي يدور عليها التشريع كله، أحكاماً، وقواعد، ومبادئ، ومقاصد أساسية، دون إلغاء لأي منهما، أو تطرف نحو اليمين أو اليسار، وهذا المنطق التشريعي اقتضى كون "المعنى الاجتماعي" عنصراً تكوينياً في مفهوم الحق الفردي، رعاية لحق المجتمع إبان التصرف الفردي في الحق، وهذا هو معنى التكافل الملزم، أو الوظيفة الاجتماعية للحق والحرية، وهو ما صوره حديث السفينة أروع تصوير، وإن أخذت التشريعات الوضعية –في عصرنا هذا- تبتعد عن التطرف، وتقترب من المعنى الجديد الذي جاء به الإسلام على تفاوت فيما بينها.‏

تتبدى عبقرية التشريع الإسلامي حقاً في أنه لم يتجاهل أياً من مكونات الواقع، من الفرد أو المجتمع، لأنه تشريع موضوعي، وليس ثمرة للإرادات الإنسانية المتغيرة بما يحركها من نوازع وأهواء، أو انفعالات حادة حتى يكون صدى لردود الفعل، بل هو تنزيل من حكيم حميد، فكل من الفرد والمجتمع، ذو حق معتبر، وأساسي في هذا التشريع، وذو مصلحة راجعة إلى كل منهما، ومختصة به، وليست حصيلة لمصالح الآخر، غير أن ثمَّة صلة وثقى تربط بينهما، يؤكدها ويُعلي من قيمتها واعتبارها ورعايتها، وحدة المصير، ولا يجوز التصرف من قبل أي منهما، أو ممن يمثلهما، على نحو يعود على هذه الصلة بالنقض، لما يفضي إليه ذلك، من وخيم العواقب، كما رأينا، ولهذا تجب رعاية مصلحة كل منهما على سواء، دون وكس أو شطط، فلا يجيز أن يبغي أحدهما على الآخر، منعاً من الإخلال بمبدأ "التوازن" بينهما، ما أمكن، فلا الفرد يُبخس حقه فيما يملك، وإنما يمنع من التعسف فيه، ولا المجتمع يهضم حقه، ويُجار عليه فيما يُصلح من شأنه، ويمهد السبيل لازدهاره ورخائه، وتنميته، عملاً بقوله تعالى: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم( والآية الكريمة بعمومها، شاملة لهما معاً –كما ترى- مما يدل على أن الإسلام يعتبر إلغاء أي منهما، ظلماً كبيراً، لأن النهي إذا انصب على ما يهدم الحق في العصمه، وفي المال، كان للتحريم قطعاً، فلأن ينصب على استئصاله جملة، من باب أولى:‏

يرشد إلى هذا تقسيم الأصوليين الحق إلى قسمين: حق الفرد، وحق المجتمع(84).‏

هذا، والإمام مالك –رحمه الله تعالى- ضرب لنا مثلاً لذلك، فهو إذ يقر التسعير الجبري العادل، مؤيِّداً لمقاومة "الاحتكار" وكسره، قد استند إلى مبدأ وجوب رعاية "الحقين" معاً، توفيقاً بينهما، وتحقيقاً لكل من المصلحتين: مصلحة الفرد، ومصلحة المجتمع على سواء، والتوفيق –كما نعلم- يرفع التعارض أو التضاد بينهما، وهذان الحقان هما "القيمة المحورية(85)" التي يدور عليها التشريع كله –كما ذكرنا- تجد هذا المعنى ملحوظاً في تعليله لوجوب التسعير الجبري العادل، حين تعين وسيلة لرعاية الحقين، حيث يقول: "ويَمنَحُ البائع ربحاً معقولاً، ولا يسوِّغ –أي ولي الأمر- له- للبائع المحتكر- ما يضر بالناس(86)".‏

فرعاية حق البائع، تتمثل في الربح المعقول، دون بخس أو شطط، ورعاية حق الناس (المجتمع) تتمثل في سداد حاجاتهم، دون مغالاة أو استغلال، وبذلك يتحقق التوازن" بين الحقين، وهو قوام العدل في التعامل، دون افتئات على أحدهما، أو استغلال للأزمات.‏

ولو رحنا نحتكم إلى القياس الأولوي على ما ورد في السنة الثابتة في هذا الصدد، لرأينا ما يؤكد هذا المعنى بصورة أوضح، فقد عرضت السنَّة قضية الأنصاري مع سَمُرة بن جندب، حين اشتكى الأول –وهو صاحب البستان- تأذِّيه من استطراق سَمُرة بستانه للوصول إلى نخلته القائمة فيه، اشتكى ذلك لرسول الله ( فقال –عليه السلام- لصاحب النخلة- سمرة: "بِعْهُ نخلتك" فأبى سمرة، ثم قال –عليه السلام- "فهَبْهُ إياها، ولك مثلها في الجنة" فأبى، فقال الرسول ( لسمرة صاحب النخلة: "إنما أنت مضارٌّ، ولا ضَرَر ولا ضِرار في الإسلام(87)" فلا احترام إذن للملكية الفردية المضارّة، إذ لم تشرع في الإسلام لهذا الغرض أصلاً، ويجب استئصال شأفة منشأ الضرر الراجح، رعاية لحق الغير(88)، ومنعاً من تعنت المالك إذا ارتكب متن الشطط في المضارة، والرسول ( هو ولي الأمر في الأمة، وإذا كان هذا هو الحكم بالنسبة لما يقع من الضرر على فرد واحد، فلأن يكون هذا الحكم عينه بالنسبة للضرر الواقع على المجتمع من باب أولى، لتقرُّر علة الحكم هنا بصورة أشد، فكان الحكم مترتباً بصورة آكد، دفعاً للضرر الأعظم.‏

على أنا قد قدمنا، أن "الصالح العام" هو الأصل في الاعتبار شرعاً عند التعارض الطارئ المستحكم، وإنه الإطار الذي ينبغي أن تدور في فلكه المصالح الفردية، أو الحريات العامة، دون انفصال عنه، أو افتئات عليه، أو مناقضة له، لأنه "حق الله" الذي لا يجوز إسقاطه، أو إهماله، أو النزول عنه، أو الاتفاق على خلاف ما يقتضيه، أو بعبارة أخرى لأنه "من النظام الشرعي العام الثابت" إجماعاً، لعظيم خطره، وشمول نفعه، على حد تعبير الأصوليين(89).‏

وتأسيساً على هذا، لا يسع مالك الأرض مثلاً أن يتركها بوراً دون استثمار، تعطيلاً لها دون مسوّغ معقول، لأنه ما منح حقاً إلا ليؤدي واجباً، ولأن "عنصر الواجب" جوهري في مفهومه –كما قدمنا- ولا سيما إذا كانت الأمة- حسب تقرير الخبراء- في حاجة ماسة إلى الإنتاج، أقول تركها بوراً بدعوى أنه حر التصرف في حقه، بل تتقرر حريته في التصرف في حقه من خلال الصالح العام، إذ لا يخلص حقٌّ لفرد في شرع الإسلام، إلا أن يكون حق المجتمع متعلقاً به، وعنصراً جوهرياً في مفهومه، فيجبر على ذلك من هذا الوجه، فكان موقفه "السلبي" هذا محرماً شرعاً، لإخلاله بمبدأ التكافل الملزم بينه وبني مجتمعه، إذ لا يجوز له التخلي عن أداء ما تستلزمه حاجة المجتمع وهو قادر، وقد بينا، أن حق المجتمع لا يجوز إهماله، ولا النزول عنه، ولا مخالفة ما يقتضيه، لأنه "حق الله" صِرفاً في حق الفرد، كما يقول الإمام الشاطبي، وعلى هذا انعقد الإجماع، بدليل قواعد الترجيح المستقرة في الشرع.‏

وأيضاً، أساس مشروعية الحق –كما بينا- جلب المصالح، ودرء المفاسد والأضرار، اتساقاً مع الأصل العام الذي قام عليه التشريع كله، فإذا غدا الحق مجلبة للضرر العام، أو وسيلة مفضية إليه في ظرف من الظروف، فقد عاد على أصل تشريعه بالنقض، ومناقضة الشرع باطلة، فما أدى إلى ذلك باطل، فيمنع من التسبب فيه، فالمناقضة –كما ترى- ليست من الشارع، وإنما هي من فعل المكلف.‏

وأيضاً، إهمال استثمار الأرض تضييع للمال مآلاً، وتضييع المال حرام قطعاً، بل في ذلك قضاء على مصارف الزكاة من هذا المال، ولا يجوز التسبب في ذلك البتة، ومن تلك المصارف الفقراء ومرافق الدولة! والزكاة أصل اعتقادي في وجوب التكافل الاجتماعي الملزم، فلا يجوز نقضه أو العمل على خلاف ما يقتضيه، وإلا تسرب سبب النقض إلى أصل الاعتقاد!‏

هذا، ولا يَسَعُ مالك الأرض أيضاً أن يزرع ما يشاء ويختار من صنوف الحاصلات والثمار، إذا كانت الأمة قد بلغت بها الحاجة الماسة إلى نوع أو أنواع معينة منه، سداداً ووفاء لها، خشية الاعتماد على الدول الأجنبية في تغطيتها بأثمان باهظة، وفي هذا من الضرر العام ما لا يخفى، فإذا قضت الخبرة الزراعية أو العلمية الاقتصادية بوجوب استثمار نوع معين من الحاصلات أو أنواع منها، اشتدت حاجة الأمة إليها، فلا يسع الزراع مخالفة ولي الأمر في ذلك، بل يجبر على القيام بواجبه، لأن ما تقضي به القواعد المقررة، بالنسبة إلى ولي الأمر: "أن تصرفه على الرعية منوط بالمصلحة(90)، أي بمصلحة الأمة، ولأن جهة "التعاون" تشمل كل أولئك، وعنصر الخبرة العلمية مقوّم أساسي من مقومات العدل في الإسلام، على ما بينا، وإسقاط حق الأمة، أو التصرف على خلاف ما يقتضيه، محرم شرعاً، لإسقاط المعنى الاجتماعي والإنساني في مفهوم حق الفرد، ولأنه "حق الله" –كما بينا- وهو مناط المشروعية، فتسقط هذه المشروعية لانتفاء مناطها، إذ لا انفصال لحق الفرد عن حق المجتمع، تكافلاً ملزماً شرعاً، وفي هذا المعنى يقول بعض الفقهاء المحدثين: "والأساس في ذلك، هو أن الحقوق مهما تكن شخصية، لا يمكن أن تكون منفصلة انفصالاً كاملاً عن حقوق الناس (المجتمع)(91)".‏

فتلخص، أن وجوب استثمار الأموال بعامة –لا الأراضي فحسب- حلاً للأزمات الاقتصادية- وتوجيه هذا الاستثمار على ضوء ما تقتضيه ظروف المجتمع، تحقيقاً للوظيفة الاجتماعية التي خُلقَت الأموال ومنحت لأربابها، من أجلها، أمر واجب الأداء شرعاً، لأن المالك مسؤول شرعاً عن أداء تلك الوظيفة مسؤولية دنيوية وأخروية معاً، وولي الأمر مسؤول أيضاً عن أدائها، لأن رعايته للمصلحة العامة، هي أساس مشروعية ولايته على الأمة وفي هذا يقول بعض الباحثين المحدثين: "أما كيف يكون تنفيذ ولي الأمر لهذا التكليف، ضرورة القيام باستثمار الأموال، فهذا أمر تعالجه السياسة الشرعية في كل بلد إسلامي على ضوء ظروف هذا البلد، وطبيعة الموارد المعطلة، وتحديد مدة التعطيل التي تجيز تدخل ولي الأمر، إذ لا بد أن تتفاوت هذه المدة بحسب طبيعة المورد، من أرض قابلة للزراعة، أو منجم، أو مصنع، أو متجر، وعلى ضوء الأسباب التي أدت إلى هذا التعطيل، هل كانت مجرد عناد واستكبار من المالك، أو كانت لأسباب قهرية، لا قِبَلَ له وحده بالتغلب عليها؟(92)".‏

على أن الأصولي المحقق الإمام الشاطبي قد سبق إلى تقرير هذا المعنى بقرون حيث أتى بالأساس الفقهي الذي يقوم عليه وجوب استثمار الأموال كافة، أداء لما لها من وظيفة اجتماعية تتصل بمقاصد التشريع الأساسية، لا بفرع جزئي أو حكم تفصيلي فحسب، ترى هذا الأساس أو الأصل الفقهي العام مشاراً إليه في قوله انه: "من ضروريِّ الحفظ خشية ألا يَفِي، أو أنْ يَفْنى(93)".‏

ومعنى هذا، أن حفظ المال عن طريق تنميته واستثماره، واقع في مرتبة "الضروريات" وهي أعلى مقاصد التشريع اعتباراً ورتبة وأهمية، ومن ثم فلا يجوز العمل- إيجاباً أو سلباً- على إهدار مقصد من هذه المقاصد الأساسية، للضرر البالغ الذي ينتاب المجتمع، وقد أشار إلى ذلك الإمام الشاطبي معللاً باعتبار المآل، ذلك لأن إهمال تنمية المال يُفضي إلى أحد أمرين، مآلاً، وكلاهما محرم المصير إليه:‏

أحدهما: خشية ألا يفي المال بحاجات المجتمع المتعددة، فيقع في أزمات اقتصادية حادة.‏

الثاني: خشية فناء المال بالاستهلاك، إذ ليس ثمة من استثمار للمال، أو إنتاج يقوم بديلاً عن المال المستهلك، وهذا دمار محقق، بفناء المال الذي هو قوام المجتمع.‏

ما المقصود بالمصلحة التي شرع الحق من أجلها، بحيث يكون تحقيقها أداء لما للحق من وظيفة اجتماعية.‏

قدمنا آنفاً، أن مبدأ التكافل الاجتماعي والاقتصادي والعسكري والسياسي الملزم في التشريع الإسلامي الذي ينهض بالمحافظة على حق الغير في المواقف السلبية والإيجابية على السواء، تنفيذاً لمقتضاه في الواقع المعاش، أقول هذا المبدأ يستمد تفسيره من الأصول الاعتقادية الدينية(94)، والأخلاقية، فضلاً عن الأصول التشريعية، إذ لا فصل بينها في هذا التشريع، مما ينعكس أثره بالتالي على مفهوم الحق الفردي، فيجعله ذا معنى فردي واجتماعي معاً، هو أساس وظيفته الاجتماعية، ومناط المشروعية والعدل فيه، تصرفاً واستعمالاً، مما ينأى به عن مفهوم الفردية المطلق، ويقضي بالتالي على البواعث غير الإنسانية، ويحول دون التسبب في الإضرار بالمصلحة العامة، ولو عن سذاجة وغفلة بسلطان الدولة إن لم يتم ذلك اختياراً على ما بينا من تصوير ذلك مجسداً في حديث السفينة، لأن العدل، والمصلحة العامة، لا يتركان للإرادات الفردية المطلقة!!.‏

وعلى هذا، فالمصلحة التي شرع الحق من أجلها، ليست ذاتية فردية مطلقة أيضاً، كالحق تماماً، وآية ذلك، أنك ترى الإسلام يوجب على الفرد أن يكون متكافلاً مع نفسه أولاً، بحيث لا يخل بمعناه في حق نفسه، ولهذا، كان "حق الحياة" –وهو أعظم حقوق الإنسان قيمة، وأعلاها شأناً، وأعظمها أثراً- ملحوظاً فيه المعنى الاجتماعي، والديني، فهو حق وواجب معاً، في نظر الإسلام، فإذا كان من حق الإنسان أن يحيا، فإن من واجبه أن يحيا كذلك، وهذا "الواجب" أداؤه حق خالص لله تعالى في حياة كل إنسان، لتحقيق "العبودية" لله تعالى أولاً: (وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون( وحق للمجتمع الإنساني أيضاً، لاتصاله بأمانة التكليف، وعمارة الدنيا، على مقتضى النظر الشرعي، معنى ومقصداً، وإمضاء لسنة الابتلاء التي قام عليها أصل التكليف، بل الوجود الإنساني كله: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة، ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً(.‏

وعلى هذا، فالإطلاق في الحريات العامة والحقوق، في التشريع الإسلامي، لا يستقيم مع عنصر التكليف فيه، كما ترى.‏

وبيان ذلك، أن التكليف إذا كان معناه توجيه الخطاب إلى الإنسان البالغ العاقل (المكلف) بواجب يطلب إليه أداؤه شرعاً، إيجاباً أو سلباً، كما أسلفنا، فإن هذا الواجب لا بد أن يقابله "حق" ينشئ سلطة تمكن المكلف من الأداء، وإلا تعذر النهوض بالتكليف، ومن هنا قيل: "لا حق حيث لا واجب". والتكاليف إذا أديت، كانت حقوقاً للغير قطعاً، فبالتكاليف تصان حقوق الناس بعضهم قِبَل بعض، ولا مِرْية أن إطلاق الحق أو الحرية، لا يستقيم مع هذا التكليف، لأنه مقيد به، وعلى النحو الذي رسم.‏

حياة الإنسان –في التشريع الإسلامي- ليست حقاً خالصاً له، بل هي مشوبة بحق الله تعالى، وحق المجتمع، تنفيذاً لأمانة التكليف، وتفسيراً لمعنى استخلافه في الأرض:‏

حق الحياة –في الإسلام- قائم أساساً على حقائق نفسية عقائدية، قبل أن يكون تدبيراً دستورياً أو سياسياً، فكان مظهراً للعقيدة أولاً، وقبل أن يكون منتظماً أو مُفرغاً في نص دستوري آمر، ذلك لأن الإنسان نفسه، لم يُخلق عبثاً، ولن يترك سدى، فحقوقه وحرياته كذلك، لم تمنح له عبثاً.‏

ومن هنا حرم الإسلام "الانتحار" وهدد الشرع عليه بأشد العذاب، فلا يملك الإنسان إسقاط حقه في الحياة، بإتلاف نفسه، أو تسليط غيره على هذا الإتلاف، أو تعريضها للتهلكة، دون مقصد شرعي هو أعلى منها اعتباراً، كالجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة( وقوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق( وقوله تعالى: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها، فكأنما أحيا الناس جميعاً( وقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم(.‏

فحياة الإنسان إذن، ليست ملكاً خالصاً له، في شِرعة الإسلام، وإنما هي ملك لباريها، قد منحها الإنسان حقاً، ليتمكن من أداء رسالة التكليف، ولا ريب أن إزهاقها عبثاً، قطع له عن أدائها، ومناف لمقصد الشارع من منحه حق الحياة أصلاً، فكان جريمة كبرى، بدليل لازمها من العقاب الأخروي الشديد(95).‏

وفي هذا المعنى، يقول الإمام الشاطبي:‏

"ونفس المكلف داخلة في هذا الحق –حق الله- إذ ليس له التسليط على نفسه بالإتلاف(96)". والانتحار ثابت تحريمه بالسنَّة الثابتة.‏

هذا في النفس، وكذلك المال جارٍ على هذا الأسلوب، فلا يملك الإنسان إتلاف ماله عبثاً، لأن حق المال ممنوح له شرعاً، لتمكينه من أداء وظيفته الاجتماعية، تحقيقاً لمبدأ التكافل، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي:‏

"فإذا كان –المال- في يده، وأراد التصرف فيه وإتلافه في غير مقصد شرعي يبيحه الشارع فلا(97)..".‏

وأكد هذا المعنى الإمام القرافي أيضاً فيما إذا أراد المالك تضييع ماله بإلقائه في البحر، مثلاً، فإن الشارع يحجر عليه، لأن المال خلق عوناً له في دنياه وآخرته(98).." كما حرَّم الإسراف، إذ كل إسراف، فيه حقٌّ مضيَّع، كما حرم التقتير والاكتناز، وكل ذلك مخالف للغرض الذي من أجله منح المال للأفراد عن طريق اكتسابه بالطرق المشروعة، ولأن للمجتمع حقاً في هذا المال، كما بينا آنفاً، هذا مثال لتكافل الإنسان مع نفسه في حياته وماله.‏

-أما بالنسبة لتكافل الإنسان مع غيره، فذلك متوقف على تحديد معنى المصلحة التي شرع من أجلها الحق أيضاً.‏

قد يتبادر إلى الذهن، أن المصلحة التي شرع الحق الفردي من أجلها في الإسلام، هي مجرد المنفعة التي يجنيها صاحب الحق، ثمرةً مباشرة لتصرفه فيه، أو لاستثماره له، وممارسته لسلطاته، وفي جميع الأحوال، ولكن هذا النظر فردي محض غير سديد، لأنه مؤذن بالتغاضي عن تأثير اختلاف العوارض والظروف، في مشروعية ممارسة الحق شرعاً، تبعاً لما لذلك من مآل ينتاب المجتمع.‏

وقد أشرنا من قبل، إلى أن هذه "العوارض" قد تكون نفسية وإرادية، (بواعث) وقد تكون عوارض خارجية لازمة، وغير إرادية، (ظروف ملابسة) ومع ذلك، فإن لها في الشرع أثراً في تكييف التصرف بالمشروعية وعدمها، تبعاً لطبيعة تلك العوارض، ومدى تأثيرها، نفعاً أو ضراً، من خلال النتائج والمآلات(99).‏

يوضح هذا، إن الزواج بالكتابيات الأجنبيات مثلاً، مباح في الأصل، لقوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب( أي مباح لكم التزوج بالعفيفات من نساء أهل الكتاب، لحكمة تأليف قلوبهن، ولإزالة ما عسى أن يعتري قلوب أهل الكتاب عامة من وحشة المخالفة في الدين، بالمصاهرة، فضلاً عن وجوب البر والإقساط إليهم، ولكنه قد يصبح حراماً وممنوعاً، لعوارض طارئة خارجية قد يفضي تأثيرها إلى عقبى الفساد، كالتزوج باليهوديات الإسرائيليات مثلاً، في مثل ظروفنا الراهنة، لما يفضي إليه في ظل هذه العوارض والظروف الحربية مع إسرائيل، من أضرار عسكرية أو سياسية تؤدي بالأمة كلها إلى سوء المصير. ومعلوم أن التزوج بالكتابيات الأجنبيات –ولا سيما المحاربات منهن- لم يشرع أصلاً لهذا المآل الممنوع، فيغدو هذا الزواج حراماً قطعاً بالنظر إلى وخيم عواقبه الواقعة أو المتوقعة، ولا سيما بالنسبة إلى رجال السلك السياسي والعسكري بوجه خاص، خشية تأثير هؤلاء النسوة على أزواجهن بانتهاج سياسة معينة معادية لسياسة الدولة، أو خشية تسرب أسرار الدولة عن طريقهن، بحكم المخالطة الزوجية، ولو كان قصد مريد الزواج منهن حسناً، غفلة منه وسذاجة، وقصر إدراك للعواقب.‏

هذا، وقد أدرك الإمام عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- ببعد نظره هذا المعنى الاجتماعي في الحرية العامة، فأرسل إلى واليه على فارس، إبان فتحها، حذيفة بن اليمان- وكان قد تزوج بكتابية من تلك البلاد –فأرسل إليه: "إذا أتاك كتابي هذا فطلِّق"!! فرد عليه حذيفة بقوله: "أحلال هذا الزواج أو حرام؟" فقال عمر الخليفة: إني أعلم هذا، ولكني أخشى الفتنة!!(100) وعلى هذا، فقد تكون "المصلحة" مشروعة في الأصل، وتنطوي على المنفعة التي أقرها الشارع، ولكن قد يلزم عنها مفاسد وأضرار- بفعل الظروف القائمة- مما قد يتصل بالمصلحة العامة، ويكون صاحبها في غفلة عنها، فيجب الإشراف على تصرفات الأفراد في حقوقهم، وتحصيل مصالحهم، إذ لا تعتبر المصلحة مصلحة شرعاً إذا لزم عنها مفسدة تساويها أو تزيد عنها!‏

وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي: "ولا مصلحة تتوقع مطلقاً مع إمكان وقوع مفسدة توازيها، أو تزيد عنها(101)" وهذا بين في أن كلاً من الفرد والمجتمع في كفالة الآخر، لوثوق الصلة بينهما، عملاً ومصلحة ومصيراً.‏

فالمعنى الاجتماعي في مفهوم الحق الفردي في الإسلام الذي يحقق التكافل الاجتماعي عملاً، لربط المشروعية به، ينبغي ألاَّ يسقطه الباعث النفسي للمتصرف، أو الظرف الخارجي الملابس، حتى إذا سقط بأي منهما، لا تغدو "المصلحة" التي شرع من أجلها الحق الفردي معتبرة، ولو كانت –من حيث ذاتها- منفعة أقرها الشارع في الأصل، فيمنع التسبب في تحصيلها ابتداء بالتشريع الملزم، أو ترفع وتزال إذا وقعت كما رأينا في سياسة الخليفة عمر تُجاه واليه على بلاد فارس إبان فتحها، ولأن "الحكمة" التي شرع حكم التزوج بالكتابيات –وهو الإباحة- لا تتحقق في ظل ظروف الفتح أو الحرب هذه غالباً، لما عسى أن يكون في نفس الزوجة الكتابية الأجنبية من رواسب كراهيتها للعرب والمسلمين ما يدفعها إلى الكيد نحوهم، عن طريق زوجها، فالذي يتوقع تحققه –في مثل هذه الظروف الراهنة- النقيض من حكمة التشريع، وهو الضرر العام اللاحق بالدولة، سياسياً أو عسكرياً، فتمنع ممارسة هذه الحرية على هذا الوجه منعاً باتاً على النحو الذي رأينا من صنيع الخليفة عمر رضي الله عنه. وأيضاً، قد قدمنا، أن الحكم وحكمة تشريعه مقترنان، نظراً وتطبيقاً، ولأن "الحكمة" روح الحكم، والغاية المقصودة من أصل تشريعه، أو بعبارة أخرى، الحكمة هي مصدر قيمة ما منح الحكم من حق، وسبب حماية ذلك الحق شرعاً، فإذا سقطت هذه "الحكمة" في ظرف من الظروف، وتحت تأثيره، فلا يشرع الحكم(102) عند سقوطها، لأنها الغاية، ولا يشرع الحكم عند ظن عدم ترتب حكمة تشريعه عليه، كما أوضحنا من قبل، فكيف إذا لزم عن تنفيذ الحكم ضرر عام وخطير!! وهذا هو "المآل" الذي يُكيَّفُ الفعل الناشئ عن التصرف الفردي، بالمشروعية وعدمها، إذ لا يتصور انفصال الفرد عن مجتمعه، مطلقاً، بل هو ملزم بالتكافل معه، ومسؤول عن كل تصرف يصدر عنه في ضوء مبدأ التكافل هذا، تحقيقاً للتعاون العملي، كما أسلفنا.‏

وأيضاً، قد قررنا الأصل المعنوي العام الذي يحكم التصرفات الفردية كافة من خلال مآلاتها في الظروف المحيطة، مؤداه: "ان كل فعل –في الأصل- مشروع، يصبح غير مشروع، إذا أفضى إلى مآل ممنوع(103)".‏

ولا يخفى بعد هذا الذي قدمنا، ما في أصول هذا التشريع العظيم، ومنهج الاجتهاد فيه، مما ينهض بنظريته العامة في الحقوق كافة، ولا سيما "حقوق الإنسان" ما يقيم الدليل البين على خصوبته، ومرونته، وقدرته الفائقة على مجابهة كافة الاحتمالات والظروف في كل عصر وبيئة، وإمداده إياها بالحكم المناسب على ضوء النتائج المتوقعة والواقعة على نحو يحقق مقاصد التشريع في المجتمع الإنساني، وبما يحفظ "التوازن" بين الفرد والمجتمع، ويربطها معاً حياة ومصيراً، بعد تأصيل حق كل منهما، كقيمة محورية للتشريع كله وما يستهدفه من مصلحة يختص بها كل منهما، على سواء، دون تناقض أو تطرف نحو اليمين أو اليسار، مع العمل واقعاً بالمصلحة الراجحة، عند التعارض المستحكم، تحقيقاً عملياً للتكافل الاجتماعي والسياسي والعسكري والاقتصادي، لأن كلاً منهما في كفالة الآخر على وجه ملزم، ويصون الإسلام المصلحة العامة كما رأيت تدعيماً لها، ويزيل العوائق التي تعترض سبيل نموها، وازدهارها، وتقدمها، بدليل ترجيحها عند التعارض، ووقايتها من مآلات تصرفات الأفراد قبل الوقوع، واعتبارها أقوى صور العدل في التشريع، دون افتئات على المصلحة الفردية، وشخصية الإنسان المعنوية، بحفظ حقوقه المادية والمعنوية، ولكن بمضمونها الاجتماعي والإنساني كعنصر جوهري ترتبط به مشروعية التصرف، وهو معنى جديد أتى به الإسلام في مفهوم حقوق الإنسان، وبما مكَّن هذا التشريع للمثل العليا، والقيم الإنسانية الخالدة، توجيهاً للمجتمع والأفراد، بل حملاً لهما على الارتقاء إليها، وتحقيقها أو الاقتراب منها، حتى لا يُخْلِد إلى الواقع على علاته، يساعده في ذلك العقيدة النقية الراسخة، منبع الأصول الأخلاقية، فكان بذلك مثالياً وواقعياً معاً، وجامعاً بين مطالب الجسد والروح، ومصالح الفرد والمجتمع، وهذه خصائص انفرد بها الإسلام وحده، فصدقت بذلك قضية كماله وخلوده، ونكتفي بهذا القدر، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.‏

الدكتور فتحي الدريني‏

الدكتور فتحي الدريني. رئيس قسم العقائد في كلية الشريعة- بجامعة دمشق.‏

له من المؤلفات: 1-المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 2- أصول التشريع الإسلامي ومناهج الاجتهاد بالرأي. 3-الفقه المقارن مع المذاهب. 4-الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده. 5-نظرية التعسف في استعمال الحق بين الشريعة والقانون. 6-خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم. 7-حقوق الابتكار في الفقه الإسلامي المقارن. 8-النظريات الفقهية.‏

الحواشي‏

(1)أصول القوانين –ص 61 وما يليها –للأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري، والدكتور حشمت أبو ستيت- أصول القانون- ص 158 و ص542- للدكتور حسن كيرة.‏

(2)ويرى الإمام الشاطبي والإمام الغزالي، أن حكمة التشريع هي المهيمن على النص، تحدد معناه، وترسم مجال تطبيقه –راجع مؤلفنا "الفقه المقارن" ص 48 وما يليها –شفاء الغليل- ص 60- للإمام الغزالي.‏

(3)الموافقات –جـ2- ص 331. للإمام الشاطبي.‏

(4)المرجع السابق –جـ2- ص 333.‏

(5)يقول صاحب منح الجليل: والوسيلة لا تشرع عند ظن عدم ترتب المقصود عليها –جـ2- ص102-ص103.‏

(6)الموافقات في أصول الشريعة –جـ2- ص385-387- هذا، وخصائص التشريع تنحدر من مقاصده وغاياته.‏

(7)الفروق –جـ3- ص 171-.‏

(8)المرجع السابق.‏

(9)ولهذا كانت الجهالة التي لا يمكن استدراكها أو إزالتها في الموصى له، مبطلة للوصية، إذ لا يمكن معها تنفيذ الوصية، وتحقيق الغاية منها، من تسليم الموصى به إلى الموصى له المجهول، فلا تكون الوصية مفيدة، وكل تصرف لا يفيد فهو عبث، والعبث يخل بمقصد الشارع، و ينافي حكمة التشريع – الهداية جـ4- باب الوصايا.‏

(10)المراجع السابقة.‏

(11)الموافقات –جـ2- ص 385.‏

(12)وفي هذا إشارة إلى أن الأحكام شرعت وسائل لغاياتها هي المصالح التي تنهض بحكمة التشريع، وهي روح النص وملاك أمره، وعنصر معقوليته.‏

(13)وهذه هي ثمرة التصرف بسلطات الحق، ومكنات الإباحة أو الحرية العامة، وهي مشروعة في الأصل، لاستنادها إلى حق أو حرية عامة.‏

(14)أي معتبرة شرعاً إذا اتجهت إلى تحقيقها.‏

(15)أساطين الفكر السياسي –ص180- للدكتور شحاته- وكتابنا خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم. ص 371 وما يليها.‏

(16)الدخَل، هو الخداع والمكر، شبهت الآية الكريمة الساسة المخادعين الذين يحملهم مكرهم على إبرام المعاهدات، ثم نقضها خيانة وغدراً، بغية تحقيق مصالحهم الخاصة، أو مصالح شعوبهم على حساب مصالح شعوب أخرى، شبهتهم بالمرأة الحمقاء التي تُحكم غزلها أول النهار لتنقضه آخره- والأيمان هي العهود والمواثيق.‏

(17)أي أكثر مكاسب ومنافع وغنائم وقوة، وهذه هي الغاية من اتخاذ المعاهدات وسيلة تخفي وراءها بواعث الشر والمكر.‏

(18)انظر كتابنا: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم- ص 371 وما يليها.‏

(19)الأحكام السلطانية- ص5 وما يليها.‏

(20)المرجع السابق.‏

(21)بقوله تعالى: (ولا يَجرمنَّكم شنان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى(.‏

(22)بقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم إن تبروهم، وتقسطوا إليهم).‏

(23)المستصفى –جـ1- ص5.‏

(24)عقد الإمام الشاطبي –فصلاً لبحث هذا الموضوع في كتابه الموافقات، وأتى بالشواهد والتطبيقات من الكتاب والسنة وعمل الصحابة لتأصيله- جـ3 ص 121 ورد في الحديث "بيع المضطر وشراؤه حرام" وفي لفظ "بيع المضطر وشراؤه ربا".‏

(25)الموافقات –جـ3- ص 257-راجع فيه بحثاً قيماً عقده الإمام الشاطبي تحت عنوان: "الأمر والنهي يتواردان على الفعل، وأحدهما راجع إلى جهة الأصل، والآخر راجع إلى جهة التعاون".‏

(26)راجع نظرية الظروف الطارئة في كتابنا "النظرية الفقهية".‏

(27)الفتاوى –جـ3- ص 80 وما يليها.‏

(28)راجع بحثاً مستفيضاً في مقاصد الشريعة للإمام الشاطبي –الموافقات- جـ2 ص 2 وما يليها.‏

(29)أما العصمة –فهي عصمة الإنسان في نفسه وماله وعرضه، وأما الحرية، فهي التحرر من العبودية والخضوع لغير الله وشرعه، وأما المالكية، فمصدر صناعي يعني كونه مالكاً لكافة حقوق الإنسان –التوضيح- جـ2- ص 162- صدر الشريعة.‏

(30)نصوص الشرع.‏

(31)الرأي من أهله، وهم العلماء المتخصصون، أو ذوو الخبرة العلمية التي يتوقف عليها اعتبار المصلحة مبنى للحكم الشرعي.‏

(32)وهو المنهج العلمي في الاجتهاد التشريعي لاستنباط الأحكام من أصولها وأدلتها، سواء عن طريق النص أو الدلالات.‏

(33)التقليد إلغاء للعقل، بل للشخصية العلمية، وهي في مقابل التصرف العقلي، والبحث العلمي المبتكر على منهج منطقي مرسوم.‏

(34)المستصفى –جـ1- ص2- للإمام الغزالي.‏

(35)تبين الحقائق –جـ4- ص 126- للإمام الزيلعى.‏

(36)الموافقات –جـ4- ص 196- وما يليها- جـ3- ص 359- يقول الإمام الشاطبي في هذا الصدد أيضاً-: "الأشياء إنما تحل وتحرم، بمآلاتها" –المرجع السابق- ويقصد بالأشياء الأفعال التي يُمارس بها ما يمنحه الحق من سلطات، لا الأشياء المحرمة أصلاً.‏

(37)وفي هذا إشارة إلى أن الحكم وسيلة غايته المصلحة التي شرع من أجلها- والمقصود بالمصالح الكلية، المصالح العامة- وبالجزئية، المصالح الخاصة.‏

(38)الموافقات –جـ2- ص 315- وراجع في هذا المعنى أيضاً قواعد الأحكام جـ1- ص8- للإمام بن عبد السلام.‏

(39)بقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين( وهذا نص قاطع صريح لا يحتمل التأويل.‏

(40)لقوله- (: "لا يحتكر إلا خاطئ" والخطء هو العصيان الآثم، ولقوله –عليه السلام: "من احتكر على المسلمين طعامهم، كان حقاً على الله أن يُقعده بعظم من النار" أي بمكان عظيم من النار، وهذا العقاب لا يكون إلا على جريمة عظمى.‏

(41) بيع المسترسل، هو الذي لا يتمكن من المساومة، أو هو عديم الخبرة الذي لا يحسن المبايعات، فيغبن –فيها عادة غبناً غير مألوف.‏

(42)بداية المجتهد –جـ- ص- وكتابنا الفقه المقارن- ص 180 وما يليها.‏

(43)القاعدة/ الخامسة في الأشباه والنظائر للسيوطي.‏

(44)كالإجماع، والقياس، وغيرهما من المعايير الاجتهادية المعروفة في أصول الفقه الإسلامي.‏

(45)الموافقات –جـ2- ص 316.‏

(46)الحريات العامة –ص76- للدكتور طعيمة الجرف.‏

(47)بمعنى أن النص قد يفيد أكثر من معنى، عن طريق منطوقه، أو إشارته، أو علته أو مفهومه المخالف، أو عن طريق الاقتضاء واللوازم العقلية، أو تحكيم مقاصد التشريع الأساسية وما يتبعها.‏

(48)الموافقات –جـ2- ص 316.‏

(49)وثبت الحق للحمل استثناء في بعض الأمور.‏

(50)كقوله عليه السلام: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه" أي الاعتداء على كل أولئك محرم، وفي تحريم الاعتداء على هذه "العصمة" في وجوهها الثلاثة، صيانة لحق الإنسان في الحياة، وفي المال، وفي العرض. وكقوله تعالى: ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق( وكقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل( أي تأصيلاً لحق الملكية، وصيانة له، فكان أصلاً ثابتاً في النظام الاجتماعي والاقتصادي في الإسلام، ومعلوماً من الدين بالضرورة، لقطعية الأدلة التي نهضت به، فكانت الملكية الفردية من الأساسيات المحكمات التي لا تحتمل تأويلاً.‏

(51)الحريات العامة –ص10 وما يليها- للدكتور عبد الحميد متولي.‏

(52)انظر في هذا الموضوع بحثاً مفصلاً في مجلة "نهج الإسلام" السنة الثانية –العدد السابع- غرة ربيع الأول- 1404- كانون الثاني – 1982.‏

(53)الحريات العامة - ص 32- للدكتور طعيمة الجرف- أصول النظم الاجتماعية- ص 222- للدكتور الجمال.‏

(54)الحريات العامة- ص 15 وما يليها –للدكتور عبد الحميد متولي.‏

(55)المرجع السابق.‏

(56)وتفسير الآية الكريمة: "ولا يحملنكم بغضكم وكراهيتكم لقوم، وعداؤكم لهم على ألا تعدلوا، بل عليكم إقامة العدل بينهم، لأن ذلك أقرب للتقوى، أي مرضاة لله تعالى".‏

فالعدل حق إنساني مشترك، لا يعبث بميزانه انفعالات من عداء أو مودة أو غيرهما.‏

(57)أخذ هذا المعنى من تنكير "حين" للمبالغة.‏

(58)لفقدانها ملكات الفطرة الإنسانية.‏

(59)الجامع لأحكام القرآن –جـ19- ص 119 بتصرف يسير.‏

(60)لقوله تعالى: ( إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر(.‏

(61)خلافاً لما ذهب إليه الفرديون، من أن حق الفرد غاية في ذاته، ويولي صاحبه سلطة التصرف فيه بإطلاق ما دام لا يجاوز حدوده الموضوعية، على ما سيأتي تفصيله.‏

(62)راجع كتب الأصول في بحث المحكوم فيه، وقد تضمن بحث الحقوق.‏

(63)جـ3- 257- الموافقات- وفيه بحث مطول في جهة التعاون ورعايتها، بل تقديمها على المصلحة الخاصة عند التعارض المستحكم، وضرب مثالاً لذلك شارحه: "تشريح جثث الأموات لفائدة طب الأحياء" المرجع السابق.‏

(64)الموافقات –جـ2 ص 316- و راجع كتابنا "الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده" الطبعة الثانية- ص 71.‏

(65)سيأتي بيان وجه الجدة فيه.‏

(66)يقول الإمام الشاطبي: "والأشياء إنما تحل وتحرم بمآلاتها" الموافقات جـ3- ص 258- ويقول في موضع آخر: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً".‏

(67)المرجع السابق –جـ4-ص196 وما يليها.‏

(68)المرجع السابق –جـ3- ص 259.‏

-والإمام الشاطبي يقصد بقوله: "الأشياء تحل وتحرم بمآلاتها" الأشياء (الأفعال)، التي هي مشروعة في الأصل، دون الأشياء (الأفعال) المحرمة أصلاً، لأن هذه لا تحل إلا عند الضرورة، للقاعدة المعروفة: "عند الضرورات تباح المحظورات".‏

(69)راجع هذا البحث تفصيلاً في كتابنا، الفقه المقارن" موضوع الاحتكار، والتسعير الجبري.‏

(70)بدليل لازم حكمه شرعاً، وهو التهديد بما هدد به الشارع على الربا، بل أشد.‏

(71)البدائع –جـ5- ص 129- للإمام الكاساني- وراجع أيضاً، تبيين الحقائق –جـ6- ص 27 للإمام الزيلعي- والفتاوى الهندية –جـ3- ص 214- وحاشية الدر –جـ5- ص278- لابن عابدين- والاختيار- جـ4- ص 236- للموصللي- الخراج- ص 105- لأبي يوسف.‏

(72)المجتمع الإنساني –ص191- للشيخ محرر أبي زهرة..‏

(73)المرجع السابق –ص190.‏

(74)الموافقات –جـ4- ص 196-وما يليها.‏

(75)مجلة الأحكام –مادة/ 26.‏

(76)الموافقات –جـ4- ص196 وما يليها- وجـ 2- ص348- وجـ2 ص360- وانظر في هذا المعنى أيضاً- أعلام الموقعين- جـ3- ص 138-ص139-والطرق الحكمية –ص 202 وص 307- لابن القيم- وتبيين الحقائق- جـ4 ص 196- للإمام الزيلعي- الأشباه والنظائر- ص 79- للإمام السيوطي- الأشباه والنظائر مع حاشية الحموي- ص 122 وما يليها.‏

-وانظر في اعتبار المآلات –الشاطبي- جـ4- ص 196 وما يليها وجـ 2-ص 348- وص 360- للإمام الشاطبي- وانظر أيضاً القواعد الفقهية التي تؤصل هذا المعنى في مجلة الأحكام- المادة/ 26 والمادة/ 27 والمادة/ 29.‏

(77)المادة/ 26 مجلة الأحكام.‏

(78)من قواعد التنسيق: "الضرر الأشد يُزال بالأخف" مادة/ 27- وقاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" بشرط أن تكون المفسدة راجحة وغالبة، وقاعدة "يتحمَّل الضرر الخاص في سبيل دفع ضرر عام" مادة/ 26 وقاعدة: "المصلحة العامة مقدمة" الموافقات –جـ4- ص 196- وما يليها. للإمام الشاطبي. وانظر أيضاً، أصل اعتبار المآلات- للإمام الشاطبي- الموافقات-جـ4 ص 196 وما يليها- وجـ2-ص360- والأشباه والنظائر للسيوطي- ص79- تفسير القرآن- ص 564- للشيخ شلتوت –شيخ الجامع الأزهر سابقاً.‏

(79) والأحكام الأحكام هي مناشئ الحقوق والخيرات، كما قدمنا.‏

(80)السياسة الشرعية- ص6- ص7- للشيخ عبد الوهاب خلاف- أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق- بجامعة القاهرة سابقاً.‏

(81)وهذا ما يعرف بمبدأ سد الذرائع وهو –كما يقول الإمام الشاطبي "منع الجائز، لئلا يتوسل به إلى الممنوع" الموافقات جـ3- ص 220.‏

(82)وهو ما يطلق عليه الأصوليون "مبدأ سد الذرائع" وهو أصل مجمع عليه في الجملة، وليس الخلاف في بعض الفروع التطبيقية مما يبطل قضية الإجماع.‏

الموافقات –جـ3-ص220- وراجع التعليقات في الهامش أيضاً.‏

(83)الموافقات –جـ3- ص220-ص221- وانظر في الهامش.‏

(84)راجع كتب الأصول- في باب المحكوم فيه –وهو الحق- تجدهم يقسمون الحق تقسيماً رئيساً إلى قسمين: حق العبد –أي حق الإنسان- وحق الله، وهو حق الأمة‏

-فالنهي عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن سفك الدماء ظلماً، هو نهي تحريم قطعاً، لأنه متعلق بالعصمة في النفس والمال- سبل السلام- جـ3- ص113.‏

(85)نظرية التعسف- ص8-9- الطبعة الثالثة- لكاتب المقال.‏

(86)المنتقى شرح الموطأ –جـ5- ص15-17.‏

(87)الطرق الحكمية –ص289- لابن قيم الجوزية- قواعد ابن رجب الحنبلي- ص140- جامع العلوم والحكم-ص223.‏

(88)القواعد –ص140- لابن رجب- الطرق الحكمية- ص 289- وما يليها- لابن القيم- تنقيح الفصول-ص200- للقرافي- جامع العلوم والحكم- ص223- لابن رجب.‏

(89)راجع في تفصيل هذا الموضوع كتابنا خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ص 274 وكتابنا –نظرية التعسف في استعمال الحق- الطبعة الثالثة- موضوع التضامن من أجل رعاية المصلحة العامة.‏

(90)نص القاعدة العامة: "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة" مادة/ من مجلة الأحكام.‏

(91)المجتمع الإنساني –ص190- ص191- الشيخ أبو زهرة.‏

(92)راجع البحث المقدم إلى المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف: ص 126- للمرحوم الدكتور محمد عبد الله العربي.‏

(93)الموافقات –جـ4- ص5 وما يليها- وراجع أيضاً كتابنا: "الفقه المقارن" ص 607.‏

(94)فالزكاة أصل اعتقادي ينهض بأصل التكافل الاجتماعي، لأنه من أركان الإسلام الخمسة، كما هو معلوم، ثم هو أصل تشريعي ملزم أيضاً، لأنها تُجبى إلزاماً بسلطان الدولة، ولهذا قاتل أبو بكر الصديق الخليفة، المانعين لها.‏

-على أن للإمام أن يفرض في أموال الأغنياء ما يكفي لتحقيق التكافل الاجتماعي إذا لم تفِ حصيلة الزكاة بذلك، وليس في بيت المال ما يكفي، مما يؤكد أن مقصود الشارع هو تحقيق التكافل لا مجرد فرض الزكاة. وأما الأصول الأخلاقية فمن مثل الرحمة، والولاية، والإيثار، والفضل والأخوة والنصرة وما إليها.‏

(95)راجع مقالاً مستفيضاً في هذا المعنى –مجلة نهج الإسلام- العدد الممتاز- السادس- غرة ذي الحجة- سنة 1401هـ - تشرين الأول سنة 1981- لكاتب هذا المقال.‏

-وتحريم الانتحار ثابت بالسنة.‏

(96)الموافقات –جـ2- ص 322.‏

(97)جـ3- ص337 وما يليها.‏

(98)الفروق –جـ3- ص140 وما يليها.‏

(99)الموافقات –جـ4- ص196.‏

(100)وقد وردت هذه الحادثة في أوثق المصادر الفقهية والتاريخية، وأقدمها، من مثل كتاب الآثار ص 75- للإمام محمد ابن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة النمان- وتاريخ الطبري- جـ6- ص 147- وكتاب المغني لابن قدامة- في الفقه الحنبلي –جـ6-ص590- وغير ذلك من المصادر الموثوقة.‏

(101)الموافقات –جـ3-ص357. وراجع أيضاً مسلم الثبوت –جـ2- ص264- لابن عبد الشكور.‏

(102)منح الجليل-جـ2-ص102-ص103- قواعد الأحكام –جـ2- ص 161-ص162.‏

(103)راجع كتابنا: "أصول التشريع الإسلامي، ومناهج الاجتهاد بالرأي" –ص19- وما يليها.‏

ثبت المصادر والمراجع‏

-الموافقات في أصول الشريعة- للشاطبي.‏

-المنتقى شرح الموطأ- للباجي.‏

-البدائع- للكاساني.‏

-فتح القدير على الهداية- للكمال بن الهمام.‏

-المغني- لابن قدامة المقدسي.‏

-الآثار- للإمام محمد بن الحسن الشيباني.‏

-منح الجليل. شرح مختصر خليل- للشيخ محمد عليش.‏

-الأحكام السلطانية –للماوردي.‏

-بداية المجتهد- لابن رشد.‏

-جامع العلوم والحكم- لابن رجب.‏

-القواعد-لابن رجب.‏

-أعلام الموقعين- لابن القيم.‏

-الفتاوى- لابن تيمية.‏

-الاختيار- للموصلي.‏

-تاريخ الطبري- للطبري.‏

-المستصفى- للغزالي.‏

-شفاء الغليل- للغزالي.‏

-الفروق- للقرافي.‏

-تنقيح الفصول- للقرافي.‏

-التوضيح مع حاشية التلويح- لصدر الشريعة.‏

-مسلم الثبوت- لمحب الدين بن عبد الشكور.‏

-الطرق الحكمية- لابن القيم.‏

-رد المحتار- لابن عابدين.‏

-سبل السلام-للصنعاني.‏

-نيل الأوطار- للشوكاني.‏

-تفسير القرآن- للشيخ شلتوت.‏

-السياسة الشرعية- للشيخ عبد الوهاب خلاف.‏

-قواعد الأحكام – للعز بن عبد السلام.‏

-المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي- للدكتور فتحي الدريني.‏

-خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم- للدكتور فتحي الدريني.‏

-الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده- للدكتور فتحي الدريني.‏

-نظرية التعسف في استعمال الحق- للدكتور فتحي الدريني.‏

-النظريات الفقهية – للدكتور فتحي الدريني.‏

-الفقه المقارن- للدكتور فتحي الدريني.‏

-أصول التشريع الإسلامي- الدكتور فتحي الدريني.‏

-المجتمع الإنساني- للشيخ أبو زهرة.‏

المراجع في القانون والسياسة‏

-أصول القوانين –للدكتور عبد الرزاق السنهوري.‏

والدكتور حشمت أبو ستيت.‏

-أصول القانون- للدكتور حسين كيرة.‏

-أصول النظم الاجتماعية- للدكتور الجمال.‏

-النظريات والمذاهب السياسية- الدكتور الخشاب.‏

-الحريات العامة- للدكتور عبد الحميد متولي.‏

-الحريات العامة للدكتور طعيمة الجرف.‏

-النظريات السياسية- للدكتور ثروت بدوي.‏

-أساطين الفكر السياسي- للدكتور شحاته سعفان.

المصدر :

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان : 11 - جمادى الآخر 1403 نيسان "أبريل" السنة الثالثة و 12 - رمضان 1403 تموز "يوليو" 1983
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 11-10-06, 02:43 AM
أم مريم أم مريم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-08-06
المشاركات: 523
افتراضي

و ستجد مواضيع أخرى له :
أنظر روابطها في هذه الصفحة :

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=15993
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 11-10-06, 02:47 AM
أبو أكرم الحلبي أبو أكرم الحلبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-11-04
الدولة: سجن المؤمن
المشاركات: 1,296
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفي سعد مشاهدة المشاركة
ما هى المكتبة التى تطبع كتبه يا اكرم
السلام عليكم
هنالك عدة دور تتولى ذلك؛ مثلاً:
1- دار الرشيد طبعت للدكتور: المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي.
2- مؤسسة الرسالة: الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، نظرية التعسف في استعمال الحق بين الشريعة والقانون، حق الابتكار في الفقه الإسلامي المقارن، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم...
3- جامعة دمشق: أصول التشريع الإسلامي، الفقه الإسلامي المقارن مع المذاهب، أصول الفقه الإسلامي( بالاشتراك مع مؤسسة الأمالي)، النظريات الفقهية.
4- وطبع للدكتور في كلية الحقوق بالجزائر أصول المعاملات في الفقه الإسلامي في مؤسسة الأمالي 1972
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 11-10-06, 02:47 AM
أم مريم أم مريم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-08-06
المشاركات: 523
افتراضي

و هذا بحث آخر له :
منهج الأصوليين في التقريب بين المذاهب الإسلامية

الدكتور محمد فتحي الدريني ـ الأردن ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد بات من المسلّم به أن التشريع بطبيعته من أكبر العوامل المؤثرة في الكيان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للأمة، بل والحضاري بوجه عام، ولذا كان ينبغي أن يكون من أولى وظائفه واختصاصاته تحقيق (التوازن) في تلك الكيانات وفق نظام متسق، لاّ يعتريه في ترتيبه للمصالح الحقيقية المعتبرة ـ للفرد والأمة ـ اختلال أو تناقض، إقامة لتلك المصالح وتنمية وحفظا.

المنهج القرآني:

غير أن التشريع الإسلامي بوجه خاص ـ بما هو إلهي المصدر ـ يتضمن نظاما: كليا، وعاما، ومطلقا، وإنسانيا، وأبديا، محكما بنيانه، ومتوازنا بين الفرد والأمة، وبين مصالح الدنيا والآخرة، دون افتئات لاحداهما على الأخرى فيما ينهض به من (مفاهيم كلية) تجلت في منهج القرآن نفسه في بيانه للأحكام، حيث لم ينزل إلى (التفصيلات الجزئية) إلاّ في القليل، وعلى وجه كلي أيضاً، أي: يكون تطبيقا دقيقا وأمينا لهذا الوجه الكلي.

وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي ـ وهو الأصولي الثبت ـ ما نصه: (تعريف القرآن للأحكام أكثره كلي لا جزئي. وحيث جاء جزئيا فمأخذه على الكلية)(1). ويعلل الإمام الشاطبي هذا المنهج في التشريع القرآني، فيقول:

(وإذا كان القرآن كذلك فهو على اختصاره جامع، ولا يكون جامعا إلاّ والمجموع فيه أمور كليات).

هذا، وعلى الرغم من أن السنة جاءت مبينة لما اجمل القرآن في (مفاهيمه الكلية) بقوله تعالى: (و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)(2). وبقوله (ص) (أعطيت القرآن، ومثله معه ) فإنه من المعلوم أن الوقائع المستجدة لا تنحصر بدليل: أن كثيرا من النوازل وما ينشيء الناس والدول في كل عصر من تصرفات وعقود قولية أو فعلية لا تزال عارية عن أحكام الشرع، ولاسيما على الصعيد الدولي، مما يفتقر إلى اجتهاد علمي من أهله لتغطية هذه الوقائع والمستجدات والعلاقات الدولية بالأحكام الشرعية في ضوء ما بثت الشريعة من (مفاهيم كلية) وما فسرت (السنة) من أحكام جزئية تتعلق كلها بمصالح حيوية ذات طبائع مختلفة، عامة كانت أم خاصة، فضلا عن المقاصد العامة الأساسية.

وفي تصوري أن هذا الأسلوب البياني الرائع المعجز الذي اتخذه القرآن الكريم من اصطفائه (للمفاهيم الكلية) لتشريع الأحكام غالبا إنما يفسر على اساس أن هذا إيمان من قبل المشرع الحكيم (جل جلاله) إلى المجتهدين في كل عصر أن يسلكوا هذا (المنهج التشريعي) إبان استنباطهم للأحكام، الفرعية أو الجزئية التي يفتقر إليها المجتمع والدولة لتدبير شؤونهما، فيما يعرض لهما من حاجات تفتقر إلى ما يغطيها من أحكام هذا التشريع، وذلك بأن يتنزل (المفهوم الكلي) على ما يتحقق فيه مناطه ؛ كيلا يقع التخالف، أو التناقض بين الأحكام الجزئية الاجتهادية من جهة، وبين (المفاهيم الكلية) المنزلة وحيا في القرآن الكريم من جهة أخرى، دون بتر أو فصل للحكم الفرعي العملي عن (مفهومه الكلي) الذي يندرج تحته. وفي هذا ضبط لعملية الاجتهاد، وتضييق لهوة الخلاف بين المجتهدين في اجتهاداتهم الفردية الفرعية للمسائل العملية التي تطرأ.

وعلى هذا، ينبغي أن لا يكون ثمة انفصال بين (الجزئي والكلي) من المفاهيم القرآنية التي تؤلف في مجموعها بنيانا تشريعيا محكما جاء على وجه نشأت عنه المعجزة الإلهية الخالدة.

الاجتهاد التأصيلي والفروعي:

وأيضا، هذا (المنهج التشريعي) يقتضيه النظر الكلي العام للتشريع الإلهي على ما يقرره الإمام الشاطبي ـ ليجعل من الاجتهاد التشريعي من قبل المجتهدين في كل عصر تطبيقا أمينا (للكليات) من المفاهيم العامة المطلقة للقرآن العظيم، وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي في بيانه الأصولي الدقيق ما نصه:

(إن الجزئيات لو لم تكن معتبرة ومقصودة في إقامة الكلي لم يصح الأمر بالكلي من أصله ؛ لأن الكلي ـ من حيث هو كلي ـ لا يصح القصد في التكليف إليه ؛ لأنه راجع لأمر (معقول) لا يحصل في الخارج إلاّ في ضمن الجزئيات، فتوجه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق، وذلك ممنوع الوقوع...(فإذا كان لا يحصل الكلي إلاّ بحصول الجزئيات) فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات)(3).

ومعنى هذا بيّن نلخّصه فيما يلي:

إن (المفاهيم الكلية ) في القرآن الكريم الذي جاء بها أسلوبا فذا معجزا في بيانه للأحكام ـ أمرا ونهيا وإخبار يتضمن معناهما ـ هي بطبيعتها معان عقلية مجردة، ـ عامة ومطلقة ـ لا يمكن أن تتحقق بذاتها في الوجود الخارجي إلاّ في ضمن جزئياتها، أو من خلال ما يندرج في كل منها من فروع ووقائع عملية يتحقق فيها (مناط المفهوم الكلي) الذي تندرج فيه. وهذا ـ بلا ريب ـ منهج علمي تشريعي يضبط عملية الاجتهاد، ثم هو أمس بمعنى: (التشريع) الذي يتسم بطابع العموم والإطلاق من ناحية، وأقوى من الاستجابة لسنة التطور والتغير في الحياة الإنسانية من (التشريع الفروعي) من ناحية أخرى ؛ لاستعصاء هذا الأخير على العمومية والإطلاق والعجز بالتالي عن استيعاب المستجدات إلاّ عن طريق (القياس) وهذا وان اتسع عقلا مجاله، لانسحاب الحكم القياسي على غير المنصوص عليه منطقيا لاتحاد العلة، يغدو عمومه عقليا ؛ لعموم علته ظنا راجحا، في حين أن (الكليات) وإن كانت مفاهيم كلية غير أنها مصوغة بنص عام يستغرق ما لا يحصى كثرة من الفروع التي تندرج في كل منها مباشرة، لا عن طريق (العلة) أي بطريق غير مباشر، فكان هذا الأخير أتم اتساقا، وأقوى فاعلية، لطبيعة التشريع، وأداء وظائفه من (القياس الجزئي الخاص) بلا مراء !! وأدنى إلى تحقيق قصد الشارع.

على أن مما يغني عن (القياس الأصولي) الفروعي في أصله، والظني من حيث حكمه يغني عنه (العموم المعنوي) الثابت قطعا بالاستقرار التام للجزئيات ـ على حد تعبير الامام الشاطبي ـ بحيث يتصفح المجتهد الجزيئات الواردة في السنة الثابتة، وفي القرآن الكريم ـ وهي جزئيات قليلة نسبيا ـ كما ذكرناه فيستخلص من كل طائفة من تلك الجزئيات (معنى عاما) يسلكها جميعا وإن اختلفت موضوعاتها، وبذلك لا يكتفي المجتهد بالصيغ العامة الواردة في الكتاب والسنة، بل يمتد اجتهاده إلى اقتناص (المعاني العامة) أيضاً ارتقاء من تفصيلات الفروع الجزئية المختلفة موضوعاتها إلى أفق رحب من (المعاني الكلية) وهذا (اجتهاد تأصيلي عام ) ـ كما ترى ـ يكسب التشريع مرونة عجيبة في الاستجابة لمتغيرات الزمن، وتطوير الحياة بالناس، ويستغنى به عن (القياس) في كثير من المجالات ثم هو ـ آخر الأمر ـ تكييف للاجتهاد التشريعي بما يتفق مع (المنهج الكلي) الذي صاغه الله تعالى في بيانه للأحكام في كتابه العزيز.

وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي مشيرا إلى تضييق (هوة الخلف) في الاجتهاد الفرعي الفقهي، وأنه أدعى إلى (التقريب) بين وجهات النظر طالما كان منطلقه العموم الكلي في صيغه العامة في أصل وضعها اللغوي، أو في (العموم المعنوي) الثابت قطعا عن طريق الاستقراء التام في (الاجتهاد التأصيلي) اتساقا مع طبيعة (المنهج القرآني) في معظمه كما بينا، وهذا بلا ريب منهج أصولي علمي تشريعي يضبط ـ كما أشرنا ـ عملية الاجتهاد لتجري على (منطق عام محكم) من شأنه ألا يفتح وليجة أو سبيلا إلى الاختلاف العميق الجذري الذي لا يتأتى معه توفيق ـ لكان (التناقض) فيه ـ نتيجة للاجتهاد بالرأي في المسائل التفصيلية التي بحثت على استقلال، دون إدراجها في (المفاهيم الكلية) نصا أو دلالة، وهذا يعتبر أكبر عامل مؤثر في تشتت التوجه لدى الأمة الإسلاميّة بعامة ؛ لمكان (النتائج ) التي هي مآلات التطبيق الجزئي المستقل، مما لا يرضي عنه الشارع الحكيم على النحو الذي نراه لدى الاجتهاد الفروعي في المذاهب المختلفة.

الاجتهاد والاستقراء:

وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي المدل العريق بسعة أفقه العلمي الأصولي والمتصل بمقاصد الشريعة الأساسية بما تشكل من (كليات الغايات) للمصالح المعتبرة ـ ما نصه:

(العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط، بل له طريقان:

أحدهما: الصيغ إذا وردت، هو المشهور في كلام أهل الأصول.

الثاني: استقراء مواقع المعنى، حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى (العموم المستفاد من الصيغ) ثم يقيم الأدلة على صحة هذه القضية في الاستدلال )(4).

هذا، ويؤكد الإمام الشاطبي ضرورة هذا (الاجتهاد التأصيلي) عن طريق الاستقراء التام في جزئيات الأدلة من الكتاب والسنة، ضبطا لعملية الاجتهاد أن تتخالف أو تتناقض مع منطق التشريع العام أو روحه، بحيث تجري على نظام واحد، وترتيب لا اختلال فيه، لمكان اتساق الجزئي مع مفهوم كليه، بقوله فيما نصه:

(إن المقصود بالكلي هنا: أن تجري أمور الخلق على ترتيب ونظام واحد، لا تفاوت فيه، ولا اختلاف، وإهمال القصد في الجزئيات يرجع إلى إهمال القصد في الكليات، فإنه ـ مع الإهمال ـ لا يجري كليا بالقصد، وقد فرضناه كليا، هذا خلف ـ أي: تناقض ـ فلابد من (صحة القصد) إلى حصول الجزئيات، وليس البعض في ذلك أولى من البعض، فانحتم القصد إلى الجميع وهو المطلوب)(5).

هذا بيان دقيق حقا، مؤداه: أنه لا يجعل للاجتهاد الفروعي وليجة ينفذ منها إلى نشوء الخلاف القائم على (التناقض المستحكم) الذي من شأنه أن يمس (مبدأ المشروعية العليا) مآلا، وذلك بأن يشتت (التوجيهات التشريعية) في الأمة، أو يحمل على (التناقض) في التصورات الذهنية الجزئية، مما ينعكس بالتالي سلبيا على كيان المجتمع الإسلامي كله، فتنتقض بذلك عرى التآلف والتواد جراء هذا (التناقض) الذي اتسعت رحابه، إذ لا تتم وحدة سياسية، واجتماعية، واقتصادية إلاّ بالاستناد إلى وحدة أحكام التشريع ـ جزئيا وكليا ـ معا، حسب ما يقتضيه العصر.

والشارع الحكيم قد شرع ابتداء في القرآن العظيم(الكليات) ـ كما ذكرنا ـ إيماء إلى أن ينبغي اتخاذها أساسا لكل ما يتفرع من جزئيات لوحدة المناط فيهما، وإذا كانت (الكليات) قد شرعها الشارع الحكيم بالقصد إليها حتما، و إلاّ ما أنزلها وحيا ابتداء، فكذلك (الجزئيات) ينبغي أن تفهم وتطبق أيضاً في ضوء كلياتها، فتكون (الكليات والجزئيات) كلتاهما ـ على هذا النظرـ مشروعتين بالقصد إليهما شرعا، دون انفصال إحداهما عن الأخرى استقلالا، ونتيجة لذلك: أن كل مسألة أو واقعة تطرأ ينبغي أن يتحقق فيها (مفهوم كلي) يتعلق بها مناطه كاملا، وإلاّ ما كان الجزئي تطبيقا لكلية ـ والفرض أنه مطابقه مناطا ـ كيلا يؤول الأمر بالمسلمين ـ من حيث نظام تشريعهم ـ ان يصبحوا مأخوذين بهذا التخالف، أو التناقض، فيما يفرزه الاجتهاد من أحكام في المسائل أو الجزئيات المعروضة، فيفضي ذلك حتما إلى (الإخلال بتوازن المجتمع الإسلامي في كياناته الأساسية من الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، إخلالا ماديا ومعنويا معا) ومن شان ذلك ان يحول بالضرورة دون أداء التشريع وظائفه التي أنزل من اجلها، فضلا من ان يحول دون السعي الحثيث الجاد والمخلص لتحقيق (الوحدة الإسلاميّة ) المفروضة شرعا على الأمة الإسلاميّة قاطبة !! إذ انجاز الوحدة معلوم من الدين بالضرورة أو على هذا فلابد ان تكون تلك المفاهيم الكلية التشريعية في القرآن الكريم. ملكات عقلية راسخة تهيمن على التعقل الاجتهادي وتوجهه لتصبح تلك الملكات بصائر منيرة، ولعل في قوله تعالى: (قد جاء كم بصائر من ربكم فمن ابصر فلنفسه ومن عمي فعليها)(6). إشارة إلى هذا المعنى !!.

وبذلك التوجيه الإلهي الحكيم. يتحدد بل ويستقيم الاتجاه العام للمسلمين فيما يحقق مصالحهم المتعلقة بتلك الأحكام الفروعية، المتكاثرة والمتطورة المندرجة في مفاهيمها الكلية !.

الأساس التشريعي للوحدة:

وفضلا عن ذلك فقد وضع التشريع الإلهي ـ حرصا منه تعالى على تحقيق وحدة المسلمين ـ وضع كافة (الأساسيات) التشريعية (التي تستند إليها هذه (الوحدة في شتى أقطارهم، تلك (الأساسيات) الثابتة في التشريع الإسلامي على سبيل (القطع) مما لا يملك أحد أن يخالف أمرها، شرعها سبيلا ميسرا لإقامة هذه (الوحدة) مما يدل دلالة صريحة على بلوغ هذه (الوحدة) في التقدير الإلهي مبلغ أسمى فرائضه بدليل أنه فرض وحدة الأمة وشرع لها وسائل تحقيقها من الأساسيات الثابته على سبيل القطع، أي: أنه تعالى شرع الغاية والوسيلة العملية لتحقيقها، والأمة الإسلاميّة ـ مهما تعددت حكوماتها وأقطارها ـ مأخوذة ومسؤولة حتما عن أداء هذا الفرض العظيم وإنجازه من الناحية الدينية، ومن الناحية السياسية بوجه خاص، فضلا عن الناحية الاجتماعية والاقتصادية لقوله سبحانه: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (7) وقوله عز وجل: ( ان هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون) (8) ثم نهى سبحانه نهيا صريحا يفيد التحريم القاطع عن التفرق والتنازع بقوله جل شأنه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (9) مما يدل على أن (التقاعس) عن أداء هذا الفرض الذي هو من أجل الفرائض يؤدي حتما إلى انفراط عقد الأمة وانهيار قواها المادية، والمعنوية، وظهور الأعداء عليها بصريح النص الآنف الذكر ! ومن المعلوم أصوليا: أن النهي عن الشيء أمر بضده !!.

هذا الذي أتى به الامام الشاطبي، الأصولي المبتكر المجدد في رسمه لمنهج الاجتهاد في الاستنباط للأحكام التي تفتقر إليها الحوادث أو الوقائع المتكاثرة عبر الزمن، بمقتضى سنة التطور في الحياة الإنسانية، لم نر أحدا من فحول الأصوليين: كالإمام الغزالي والآمدي، والعز بن عبد السلام، وغيرهم. لم نر أحدا من مثل هؤلاء الأصوليين الأقحاح، من تطرق إلى هذا منهم قد أبدى اعتراضا عليه، أو أتى بما ينقضه، فكان ذلك (إجماعا اصوليا) على صحة هذا (المنهج التأصيلي) الذي يتجه بجمعه إلى تحقيق مقصد الشارع من التشريع، جزئيا وكليا، استيحاء من المنهج القرآني الكلي في تقريره للأحكام، لما يتسم به من (العمومية، والإطلاق)، فضلا عن (المفاهيم الكلية) التي تتفق مع طبيعة التشريع نفسه علميا، وفي كل عصر وبيئة وذلك من آيات خلود الشريعة وديمومتها بلا مراءا، ولهذا قال الامام الشاطبي: شرعت أحكام القرآن على وجه كلي وعام ومطلق.

هذا، وكل أمر ـ من التشريع العملي الفروعي الاجتهادي ـ مختلف فيه لو رد إلى (المفهوم الكلي) الذي يتحقق مناطه فيه لارتفع الخلاف غالبا، أو على الأقل لو بقي الخلاف لما كان جذريا يغوص في أعماق (التناقض) الذي خيل بالتصور الذهني الاجتهادي أولا، كما يخل بالنظام المحكم الذي شرعه الله تعالى، وهذا محال، لأن شرع الله تعالى لا تناقض فيه، ولان هذا ينبئ إما عن العجز عن إدراك حقائق الأمور، أو عن العبث، وكلاهما محال عليه سبحانه، ولعل هذا هو المعني بقوله تعالى: ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)(10) !!.

وفي هذا المعنى الجليل يقول الامام الشاطبي ما نصه: (لقد ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الدنيوية والاخروية ابتداء، وذلك على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل، ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات، أو الحاجيات، أو التحسينات، فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تختل أحكامها لم يكن التشريع موضوعا لها، إذ ليس كونها (مصالح) إذ ذاك، بأولى من كونها (مفاسد)، ولكن الشارع قاصد بها أن تكون (مصالح) على الإطلاق، فلابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه، أبديا، وكليا، وعاما ومطلقا، في جميع أنوا ع التكليف والمكلفين، وجميع الأحوال)(11).

فتلخص لدينا: أن ما وضعه الإمام الشاطبي من قواعد أصولية، ومن منهج علمي مرسوم يتفق ومنهج الشارع نفسه في تشريعه للأحكام في القرآن العظيم كما بينا، وينبغي أن يتم الاجتهاد الفروعي الدؤوب المتواصل على غرار (المنهج التأصيلي) بما يصون منطقية التشريع، واتساق نظامه المحكم، بحيث لا يعتريه اختلال ولا تناقض، لا بحسب الجزء، ولا بحسب الكل، إقامة للمصالح الحقيقية وتنميتها، والحفاظ عليها، إذ بالاختلال تنقلب المصالح مفاسد، والعكس صحيح، وذلك مناقض للشارع كفاحا، والمناقضة باطلة، بل ومحرمة قطعا فيما يؤدي إليها مثلها!!.

فثبت أن هذا (المنهج التأصيلي العلمي ) الذي يتفق وطبيعة التشريع نفسه ـ فضلا عن التشريع الإلهي ـ هو الكفيل بتدبير شؤون الأمة بما يحقق مصالح الدنيا والآخرة دون افتئات، أو اختلال ما وضع لها من نظام، لا بحسب الكل، ولا بحسب الجزء، كما يرفع أسباب الخلاف الجذري المستحكم في الفروع، أو ـ على الأقل ـ يضيق من هوته، فلا ينخرم مع هذا المنهج نظام المصالح بجميع مراتبها من حيث قوة أثرها في المجتمع الإسلامي مهما ترامت أطراف بيئاته من الضروريات، أو الحاجات، أو التحسينيات، بحيث لا يتخلف حكم فرعي عملي للمسائل أو الوقائع المعروضة على بساط البحث، لا يتخلف كل منها عن مفهومه الكلي، إذ لابد أن يتجه القصد في الاجتهاد إلى (الجزئي والكلي) معا ؛ لأن قصد الشارع اتجه إليهما معا كيلا يقع التناقض، وهو علة بطلان الاجتهاد المتناقض، وما ينتج عنه من أحكام ـ ولا سيما فيما لم يرد فيه نص معين ـ يتناوله بخصوصه ضبطا لعملية الاجتهاد على وجهها الأصولي العلمي المرسوم أن تشتط، أو أن تعتسف المسار الاجتهادي العام الذي حددته هذه (المفاهيم الكلية) في التشريع الإسلامي كما أشرنا، لأنها لم تشرع في القرآن الكريم على هذا النحو عبثا ولا تحكما، فينبغي إذن (تحكيمها) حال طروء العوارض، أو الوقائع المستجدة، أيا كانت طبائعها، أو مجالاتها، وذلك آية خلود الشريعة بلا نزاع !!.

قاعدة المستثنيات:

إن من الأدلة القاطعة على (كمال الشريعة) أنها أقامت اعتبارا خاصا للظروف المستجدة العارضة وللأحوال الطارئة المتغايرة ؛ لأن هذا من سنة الحياة المتطورة في هذا الوجود فبالإضافة إلى القواعد الكلية في التشريع الإلهي فقد شرع الله أحكاما أخرى (استثنائية) حفاظا على (المصالح) أن تنخرم،أو يفضي تطبيق الحكم العام الأصلي إلى نتائج ومآلات ـ نتيجة لتغير الظروف ـ لا يرضى الشارع عنها، بل قد تكون على (النقيض) مما يقتضيه روح التشريع العام، أو ينافي مقاصده العامة الأساسية في التشريع.

ومن هنا وضع الاصوليون واصحاب القواعد العامة (قاعدة المستثنيات)، ومن أولئك: الامام العز بن عبد السلام، إذ أدرج في كتابه القيم (قواعد الأحكام) (قاعة المستثنيات ) هذه يقول فيها ما نصه:

(اعلم: أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة ـ دنيوية وأخروية ـ تجمع كل قاعدة منها (علة واحدة)، ثم (استثنى) منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أو مفسدة تربي على تلك المصالح، وكذلك شرع لهم السعي في درء المفاسد في الدارين، أو في إحداهما، تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم (استثنى) منها ما في اجتنابه مشقة شديدة، أو مصلحة تربي على تلك المفسدة، وكل ذلك رحمة بعباده، ونظر لهم، ورفق، ويعبر عن ذلك كله بما (خالف القياس ) وذلك جاء في العبادات، والمعارضات، وسائر التصرفات) (12).

وهذا صريح ـ كما ترى ـ بأن الظروف والأحوال الملابسة عامل مؤثر في تغيير ما ينجم عن تطبيق الحكم الشرعي الفرعي على الوقائع في ظل ما يلابسها من عوارض.

أقول: ما ينجم أو يلزم عن ذلك من نتائج أو مآلات هي: أضرار أو مفاسد تربي على ما كان قد قرر لها الشارع من (مصالح) حين تشريع الحكم الأصلي ابتداء، لتلك الوقائع عرية عن الظروف التي لا بستها بحكم تطور الزمن، فتخرج حينئذ من قاعدتها الأصلية الأولى لتدخل في قاعدة أخرى تناسب (المال) الذي اقتضاها.

ذلك ؛ لان (المفسدة) إذا كانت تربي على ا لمصلحة فالعبرة بالحكم الشرعي الراجح بعد الموازنة، فيكون الحكم في مثل هذا المقام سلبيا، دفعا للضرر الراجح الذي نجم عن تغير الظروف ؛ لأن مفسدة المآل غلبت مصلحة الأصل !! وهذا يحث إلى مبدأ سد الذرائع !!.

وكذلك القول فيما إذا كان الكلي العام يندرج فيه فعل محرم في الأصل، ولكن ظروف الحال استدعت إجازته استثناء لما يلحق الناس من تطبيق الحكم العام وهو التحريم ـ مشقة بالغة، وهذا ضرر عام، فيستثنى حينئذ هذا الفعل بمجرد من اللفظ العام، ليعطي حكما إيجابيا صونا للصالح العام، وهذا ما يطلق عليه ( الاستحسان) وهو ـ كما يقول الإمام ابن رشد ـ: التفات إلى المصلحة والعدل !!!.

هذا الذي نقرره هنا استنادا لما ورد في القرآن الكريم، والسنة الثابتة، من (استثناءات) للوقائع التي لا بستها الظروف تصون المصالح، وتدرا المفاسد، وقررها أيضاً الأصوليون من مثل: الامام العز بن عبد السلام وغيره هو ما جاء به الإمام الشاطبي ( كنظرية عامة في الاجتهاد الفروعي) ولا سيما في تطبيقات أحكام الفروع في ظل الظروف المتغيرة، مراعاة لها لتأثيرها البالغ على نتائج التطبيق، وهو ماسماه (مبدأ النظر في مآلات الأفعال) وقال: إنه معتبر مقصود شرعا، سواء كانت الأفعال موافقة مشروعة ـ أم مخالفة ـ غيرمشروعة ـ وأقام الأدلة التي تنهض بهذا الأصل العظيم الذي يستند إليه أحكام الفروع كيلا يكون التطبيق آليا، غير مستبصر بنتائج هذا التطبيق في ظل الظروف المتغايرة وهذا الأصل العظيم يحول دون اختلاف الأحكام الفروعية، وتضاربها ما دام الحكم ينهض به المآل والنتائج التي تترتب على التطبيق أثرا للظروف الملابسة!! احتذاء بتصرفات الشارع نفسه في هذا الاستثناء حسب الظروف المقتضية(13).

هذا , وتخلف الجزئي عن كلية في هذا المقام لم يكن اعتباطا، بل ( الظروف واقعة، أو متوقعه) درءا للضرر الراجح جلبا للمصلحة الراجحة، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي ما نصه:

(فعلى هذا، تخلف آحاد الجزئيات ـ استثناؤها ـ عن مقتضى الكلي، إن كان لغير عارض ـ أي: لغير ظروف وأحوال طارئة ـ فلا يصح شرعا، وإن كان لعارض فذلك ـ أي: التخلف أو الاستثناء ـ راجع إلى المحافظة على ذلك الكلي من جهة أخرى أو على كلي آخر، فالأول: يكون قادحا تخلفه عن الكلي، والثاني: لا يكون قادحا) (14).

أما إذا كان النص يتعلق بتحريم مسألة جزئية خاصة تحريما قاطعا فلا يجرى فيها الاستثناء في حالة الضرورة.

وفي هذا تفسير لوجوب الاستثناء تطبيقا للأجدر من (الكليات) بما يناسب آثار الظروف من النتائج عند طروئها فعلا، أو توقع طروئها، وهذا مفاده: أن (الجمود الفقهي أو التعصب المذهبي) فيما يتعلق بالمنقولات الاجتهادية من المذاهب المختلفة لا يتفق وقواعد الأصول في الاجتهاد التشريعي المستقاة من منهج القرآن الكريم نفسه في منهجه الكلي من حيث بيانه للأحكام كما فصلنا، استندنا فيه إلى إجماع الأصوليين تلك القواعد الكلية التي تستجيب لتغير الظروف، حذرا أو اتقاء من النتائج التي لا يرضاها الشارع جراء التطبيق المرتجل ـ غير المستبصر أو الآلي ـ دونما اعتبار وتقدير للظروف المتغيرة من حيث هي عامل مؤثر في النتائج، ولأن التصرفات التي يأتي بها المكلفون، أو يصدرون عنها محكومة شرعا بنتائجها، ولهذا أوجب الشارع التحقيق من (مشروعية البواعث والقصود النفسية) لما تؤدي إليه من مآلات ونتائج ولهذا رأينا الامام ابن قيم الجوزية يضع قاعدة عامة في الدوافع النفسية التي تكشف عنها الأمارات والقرائن بقوله: (القصد روح العقد، مصححه، ومبطله) أي: بالنظر إلى ما يؤول إليه الباعث من نتائج ؛ لأن (الدافع النفسي) للتصرف قبل تنفيذه هو باعث مستكن في النفس، وبعد تنفيذه نتيجة ومآل وواقع في الخارج، فالتصرف إذن يصح بصحة مآله، ويفسد بفساد هذا المآل، ولولا أن التشريع الإسلامي يقيم وزنا كبيرا لمشروعية المآل لاعض الطرف عن البواعث والقصود، ولهذا احتفل بها احتفالا كبيرا جدا (إنما الأعمال بالنيات).

وكذلك الأمر إذا كان المآل والنتائج تلقائية غير مقصودة، فينبغي أن تكون على حالة مشروعة أيضاً، وإلا هدمت (المصالح) وصيرتها إلى (مفاسد)، وحكمة الشارع تأبي أن تكون مآل تطبيق شرعه بآي حال من الأحوال مفضيا إلى النقيض مما بني عليه شرعه ابتداء من جلب المصالح، ودرء الأضرار والمفاسد. وهذا هو الشأن في كل تشريع دقيق محكم، لا يعتريه الباطل من بين يديه ولا من خلفه !! وهذا ـ في نظرنا ـ أدعى إلى (التقريب بين المذاهب الفقهية) بلا نزاع إذ اعتمدت هذه (المفاهيم الكلية) إن في الحالات العادية أو في العوارض الاستثنائية على السواء ؛ لأن (وحدة الأصول والقواعد) من شأنها أن تؤدى إلى (التقارب) ان لم تكن مفضية إلى (وحدة) النظر التشريعي والاجتهادي دون ريب !!!.

تاريخ الاجتهاد:

المجتهدون في القرن الثاني الهجري بوجه خاص وما يليه حتى القرن الرابع كانوا على إحاطة تامة بأصول الشريعة وأسرارها، و(مقاصدها الأساسية العامة ) التي يفتقر إلى تحقيقها كل مجتمع إنساني ليستقيم أمره، ويستوي نظام حياته دون اختلال فيه أو إهمال لأي نوع من مصالحه الحيوية التي تحفظ عليه توازنه ماديا ومعنويا، كما كان أولئك المجتهدون على تفهم عميق للأدلة التي تستند إليها تلك الأصول، وتتغيا غاياتها، متمكنين من تبين أنواعها، متبصرين بوجوه الاستدلال بها وبطرق دلالاتها اللغوية والعقلية، بعد (الركون) إلى حجية تلك الطرق بما يقدرهم على استثمار كافة طاقات النص التشريعي ـ كليا كان أم جزئيا ـ من حيث (الإبانة) عن مراد الشارع وقصد فيما شرع من الأصول العامة، ولدلائل الجزئية على السواء، تلك الدلائل التي تبين لهم أنها تطبيق دقيق للمفاهيم الكلية ـ على ما أثبته الامام الشاطبي ـ من حيث إن الشارع الحكيم قد شرعها (وسائل) عملية، وناجعة لتحقيق مقاصده ومراداته في أوسع مدى كيلا يخالف الحكم عن غايته، تطبيقا وتنفيذا، وإلا كان بطلان التصرف، إذ (الوسائل) وإن كانت في الأصل أحكاما شرعية قدرها الشارع تقديرا يحفظ صلاحيتها لتحقيق غاياتها، غير أن تلك (الغايات والمقاصد) أعظم تقديرا ووزنا، حتى إذا تقاعس الحكم عن تحقيق (الغاية) أو المقصد الشرعي من أصل تشريعه ابتداء لظروف وملابسات محتفة، أو أدى إلى نقيض مقصوده، أوقف تطبيق هذا الحكم في تلك الظروف ليطبق على هذا الواقعة المحتفة بظروفها كلي آخر، يفضي إلى (نتائج شرعية) لا تنوب عن مقاصد الشريعة الكلية، حتى لا يكون ثمة تناقض بين الجزئي والكلي في نطاق الشريعة، أو يصادم مقتضى (مبدأ المشروعية العليا) فيها على النحو الذي بسطنا القول فيه آنفا.

أقول: إن هؤلاء المجتهدين من التابعين وتابعيهم قد تفقهوا بسلفهم الصالح من (الصحابة) الكرام الذين اقتعدوا غارب (الاجتهاد الفروعي ) للوقائع المتكاثرة، والمختلفة في طبائعها بفضل اتساع حركة الفتوح، إن الاجتهاد، أو القضاء أو الفتيا، أو تدبير شؤون الدولة سياسيا ؛ لأن معظمهم كانوا رجال دولة، أو أعضاء في (مجلس شورى الحكم) فضلا عن كونهم مجتهدين علماء في الاستنباط بما يناسب ظروف الأمة ـ داخلا وخارجا ـ في هذه الدولة المترامية الأطراف، وإن كانت أصول تلك الأحكام ـ بادئ ذي بدء ـ مستقرة في نفوسهم بالقوة، وفي أذهانهم معاني ومقاصد استقراء اللغة وبلاغتها، وأسرارها في البيان، ثم أعقب ذلك تدوينا.

غيران التابعين وتابعيهم حتى القرن الرابع قد سلكوا سبيل (الاجتهاد التأصيلي) الذي قوامه ارتقاء بالفكر الاجتهادي الأصولي التشريعي بوجه عام إلى (مفاهيم أصولية عامة) و(قواعد كلية) قد اصلوها لضبط التفكير الاجتهادي، وتقويما للتفهم التشريعي وتوجيها لعملية الاستنباط، ضبطا يجعله (علمي الاتجاه)، (موضوعي النظر)، (يعلل الحكم) بما ورث عدالة التشريع، وقناعة المكلف للامتثال الطوعي (بين المقصد) توثيقا للمصالح الحقيقية المعتبرة (كلي المفهوم ) تأكيدا لمنطقية التشريع !!!

الاجتهاد تكليف شرعي:

على أن هذا النوع من الاجتهاد المستقل المبكر بشقيه (التأصيلي والتفريعي) بما ينطوي على عبء من النظر ثقيل استنباطا، وتطبيقا معا ـ وعلل الاجتهاد في التطبيق لا يقل خطرا وأهمية عن الاجتهاد في الاستنباط ـ

أقول: بما ينطوي عليه هذا الاجتهاد بشقيه من النظر العقلي، والبحث الأصولي من عبء ثقيل، وبما كان يترك من (آثار) بالغة في حياة المجتمع الإسلامي سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا إنما كان أداء لفريضة محكمة ـ وإن كانت كفائية ـ ترتقي ـ في اعتقادهم ـ إلى مستوى (العبادات) سواء بسواء، وبما أدركه الإمام الشافعي الذي يعتبر أول مدون لعلم الأصول كملا، بما ينبيء عن (نظرية عامة كاملة للشريعة ) حيث يقول في كتابه (الرسالة): (إن الله تعالى ابتلى عباده بالاجتهاد كما ابتلاهم في سائر فرائضه أي: كلفهم به.

الاجتهاد والتجديد

هذا والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في عصره المبارك لا يفتأ يعلن على الملأ أن الاجتهاد بما هو ضرورة تشريعية وحيوية لتدبير شؤون الأمة فعلا ـ لا لمجرد إظهار قوة النفاذ العقلي، أو الكلمة الاجتهادية المبتكرة المبدعة ـ ولتكييف حياتها بمفاهيم الشريعة ومقتضيات بصائرها وحقائقها، وقد أكد (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يكون اجتهادا متجددا عبر القرون ؛ لتبدل الظروف وتغير المصالح صدى لسنة التطور في الحياة الإنسانية التي هي ما تقتضيه سنة العقل الانساني المبدع نفسه ثمرة في أصل فطرته، مما يتنافى مع (الجمود الفقهي) رأسا، أو (التعصب المذهبي) الذي يقتضي بطبيعته العكوف على المنقولات الاجتهادية ـ ولو كانت معرفة في القدم ـ يعكف المجتهد عليها دون نظر متجدد بما يناسب الوقائع بظروفها المستجدة في كل عصر بيئة ! قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها) ولهذا يقول الإمام القرافي: (إن الجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين ) غير أن (التجدد في الاجتهاد) الذي ينافي الجمود الفقهي لا ينبغي تغيير النصوص التشريعية في الكتاب والسنة، ولا يخالف عن أمرها ومقتضاها ؛ لأن الشريعة الإسلاميّة قوامها هذه النصوص المقدسة الموحاة، فكان ارتباطها بها أبديا، وبيان ذلك:

إن (التجديد) الوارد في نص الحديث الشريف الذي رويناه ذو مفهوم ينبغي أن لا يعزب عن تعقل المجتهد فليس من مفهوم (التجديد) في الحديث الآنف ـ كما قلنا ـ تغيير أي نص من نصوص الشريعة ـ كتاب وسنة ـ أو العبث بمعانيها الحقيقية، أو المظنونة ظنا راجحا، أو تاويلها تاويلا مستكرها لا يجري على قواعد التأويل الأصولية إشباعا لنزعة التعصب، أو استجابة لرغبة الجمود دون نظر أو اجتهاد ؛ لأن هذا أشبه ما يكون بالتقليد الذي لا يقوم على دليل ولا يدعمه برهان، وهذا محرم شرعا بالنسبة إلى المجتهد في كل عصر، إذ لا يجوز للمجتهد أن يأخذ برأي غيره ما دام هو قادر على الاجتهاد ؛ ولأن رأي المجتهد الفرد لا يلزم إلاّ صاحبه تنفيذا لعملية أو فريضة الاجتهاد المستمرة أبدا، ودون توقف، والى يوم القيامة.

وإذا صح أن يوصف الإسلام بشيء فإنما يوصف بكونه دين الاجتهاد استنباطا وتطبيقا معا، ولا يغني أحدهما عن الآخر ! خلاصة معنى التجديد الذي أعلنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على الملأ إيذانا بوجوبه في كل عصر وعلى رأس كل مائة سنة.

فتلخص: أن المقصود بالتجديد الذي أوجبه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (على رأس كل مائة سنة) هو: (تجلية حقائق الإسلام ) وبيان (مفاهيمه الأساسية الكلية والجزئية ) مما يقوم عليه (كيانه التشريعي، والعقائدي، والعبادي، والأخلاقي) صونا لها من التزييف، أو الاختلاط، أو التشويه، أو الإبداع، إذ ربما يرين على تلك الحقائق والمفاهيم ظلمات كثيفة من الفكر الأجنبي المستورد، أو المنافي يغشي على جوهرها، أو ربما يؤثر في تعقلها تيارات ثقافية وافدة منحرفة أو معادية تمازج تلك المفاهيم، فتلتاث بها فكرة التدين، بل وحقائق هذا الدين الحنيف، أو عقائده بما تشوهها (المبتدعات العرفية) المحلية القارة، فتستقر في النفوس على أنها (حقائق من الدين) لبعد العهد بها، وتكرر وقوع تلك المبتدعات، واستحكام ألفها، أو لغفلة الناس عن زيفها وتحريفها، وهذا ـ دون ريب ـ يفتقر إلى الاجتهاد من أهله متجددا يتمثل في بحوث علمية لبيان (جوهر الدين) وإظهار(حقائقه) بما ينزع عنه شوائب التزييف والتشويه في الفهم، ويطهره مما الصق به أعداؤه من قضايا عن طريق التأويل المستكره للنصوص بما لا تحتمل، لا لغة، ولا عقلا، ولا مجازا جاريا على سنن بلاغتها في التوسع اللغوي بما نراه في كل عصر من جانب معظم المستشرقين وأقزامهم الذين يكنون للإسلام عداء متأصلا دفينا، وبما يأتون به من افتراءات ملفقة يلصقونها بالإسلام ليشككوا المسلمين في حقيقة دينهم، أو يزحزحوهم عنه، وهذا الأمر قد بلغ حدا من الأهمية والخطورة ـ في نظر الشارع ـ أن افتقر إلى بعض من المجتهدين المخلصين الأحقاء بالبيان والتبليغ على نحو ما بعث الله رسلا مكرمين.

الاجتهاد وراثة الأنبياء:

وهذا المعنى الجليل قد قرره الامام الشاطبي بأجلى بيان، حيث يقول: (فإذا بلغ الإنسان مبلغا يفهم فيه عن الشارع قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة وفي كل باب من أبوابها ـ أي: أصبح مجتهدا مطلقا ـ فقد حصل له وصف هو سبب في تنزله منزلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في التعليم والفتيا لما يحمل بين جنبيه من معاني النبوة، وإن لم يكن نبيا) (15).

هذا، ولا ريب أن قيام المجتهد الحق بهذه (المهمة العظمى) خلفا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تفهم حقائق رسالته، ومقاصدها الأساسية العليا (وفي أدائها على الوجه الأوفى والأكمل ـ قولا وعملا ـ يعتبر واجباً قطعا، لأنه يؤديها على الوجه الذي أداها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون تقول، أو تزيد، أو تشويه، أو تحريف، أو ابتداع، ولذا بات من المتفق عليه عند جمهور الأصوليين، أن (الاجتهاد) في تفهم حقائق التشريع، وتحملها، وأدائها، والاستنباط والتطبيق على مقتضى تلك الحقائق كان واجبا كفائيا، وبه يرفع مقام المجتهد إلى مقام الجديرين بأن يخلفوا (النبوة في مهامها) لما تخفق بين جنبيه معانيها، وإن لم يكن نبيا ؛ لبلوغه في معراج الاجتهاد والتجديد ـ على النحو الذي فصلنا ـ أسمى مبالغة!!!.

وفي تقرير هذا المعنى العظيم، وتأكيده، يقول الامام الشاطبي، ما نصه: ـ

(إن العالم وارث النبي، فالبيان ـ في حقه ـ لابد منه، من حيث هو عالم لما ثبت من كون العلماء ورثة الأنبياء، وهذا معنى صحيح ثابت، ويلزم من كون العالم وارثا قيامه مقام مورثه في (البيان) وإذا كان (البيان فرضا) على الموروث لزم أن يكون فرضا على الوارث أيضاً، ولا فرق في (البيان) بين ما يفتقر إلى اجتهاد وبين ما هو بين في نفسه ) (16).

هذا المعنى الذي يقرره الامام الشاطبي هو: من معنى (التجديد) بالمفهوم الذي حددناه بسبب وثيق !!.

وأيضا (التبليغ الذي اضطلع به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمقتضى أمر الله تعالى إياه بذلك في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من بك وان لم تفعل فما بلغت رسالته) (17) مأمور به الوارث ـ كما بينا ـ لقيامه مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فثبت قطعا أن (المجتهد المستقل غير المقلد) يحمل (أمانات ووظائف النبوة عينها) إذ لا معنى لهذا الأصل عملا، إلاّ بما يستلزم من تكاليف تلك الأمانات: (وان لم تفعل فما بلغت رسالته) أي: فما بلغت أمانته، وإلا ما كان لوصفها بالأمانة معنى أو وجه معقول !!.

وعلى هذا، صح أن كل ما هو موجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو بعينه موجه إلى (المجتهد الحق) في كل عصر، وبيئة، غير مقلد ولا متعصب لرأي إمامه، بل هو مأخوذ رأسا بوجوب التلقي عما بلغ النبي من رسالته، إذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إمامه، وموروثه، بيانا ومعاني، ومباني وكليات، ومقاصد لا يرم ذلك انحرافا أو تقولا أو تبديلا، وتزيدا قيد أنملة ! وإلا انخرمت الأمانة، وهذا محرم بإطلاقه !.

وأيضا فيما يتعلق بالحكم، جاء قوله تعالى صريحا: (انا انزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ) (18) ليفيد أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحكم باجتهاده فيما لم ينزل فيه وحي، ثم ينزل الوحي مخطئا أو مصوبا، فكذلك من يقوم مقامه إلاّ ما يتعلق بالوحي، ودليل ذلك من نص الآية الكريمة التي تلوناها، ووجه الاستدلال: ـ

إن (الإراءة) في الآية الكريمة من قوله تعالى (بما أراك الله ) لا يمكن أن يصرف معناها إلى (الإراءة) البصرية أو الحسية من الرؤية بالعين، ذلك لأن (الأحكام الشرعية) التي يراد بها أمور معنوية معقولة وذهنية مجردة، لا ترى بالعين حسا، بل تدرك تعقلا كما لا يسوغ أن تفسر (الرؤية) في الآية الكريمة بمعنى (العلم) اليقيني ؛ لأنه لا يوجد في الآية الكريمة إلاّ (مفعولان) بينما هي تحتاج إلى (ثلاثة مفاعيل) فلم يبق إلاّ أن تكون من (الاجتهاد).

هذا، وإذا كان في الآية الكريمة احتمالان:

أولهما: أن يفسر قوله تعالى: (بما أراك الله) أي: بما نص عليه في الكتاب العزيز.

ثانيهما: أن المراد من قوله تعالى: (بما أراك الله) من خلال اجتهادك ونظرك في أحكام الكتاب وأدلته، فإن في هذا ـ على الراجح ـ دليلا على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجتهد فيما لا نص فيه حتى ينزل عليه الوحي في حكم الواقعة المعروضة مصوبا أو مخطئا، بل وقد وقع ذلك فعلا.

على أنا لسنا الآن بصدد إقامة الأدلة على وقوع الاجتهاد منه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما قصدنا هنا إلى إثبات وجوب اجتهاد ورثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتهادا واجبا على (الكفاية) وأن يقوموا بهذه المهمة التي تكافئ التبليغ والبيان والحكم كلما أعوز الأمر ذلك ؛ لقيامهم مقام النبوة، ولا سيما بعد انقطاع الوحي من باب أولى !! وهذا ما أشار اليه ابن العربي في تفسيره، إذ يقول (بما أراك الله) أي: بما أعلمك، وذلك بوحي أو نظر، أي بالاجتهاد !.

ولما كان (المجتهد الحق لا صلة له بالإيحاء الإلهي فتعين (النظر الاجتهادي) كما أعوز الأمر ذلك، لقيامه مقام النبوة في ذلك، ولأن (فطرة البيان القرآني) وطبيعته تقتضي ذلك ؛ لمكان النصوص العامة والمطلقة فيه، وكذات السنة. هذا ونتيجة ذلك أن: (الجمود الفقهي أو التعصب المذهبي) يناكر ذلك قطعا ؛ لأنه إطراح للنظر الاجتهادي المفروض، للأمرين الذين أشرنا إليهما.

الاجتهاد أمانة:

وأيضا: الاجتهاد هو (أمانة المجتهد الحق) وتأدية الأمانة العلمية والفكرية واجب شرعا، بل هي فرض تكافلي (كفائي) لا يجوز التخلي عنها، أو اغتيالها، بالتقليد أو الجمود، دون إعادة النظر في المنقولات الاجتهادية، لاختلاف الظروف، وتكاثر الوقائع، وإذا كان الاجتهاد (فريضة الدين) فهي أيضاً (أمانة العلم) ولا سيما إذا استدعى ذلك إقامة الدين على (اصوله الستفرة) على حد تعبير الامام الماوردي(19).

أضف إلى ذلك أن (الاجتهاد) ـ في جوهره ـ استجابة لواقع خصيصة (الإبداع الفكرية ) المغروسة في طبيعة القعل نفسه فطرة، وإلا ما كان (التطور في الحياة الإنسانية).

غير أن ذلك (الإبداع) مقيد بأن يكون في إطار الشريعة (لا يخرج عنها، ولا يناقض روحها، أو يصادم (القطعيات) فيها، فكانت فريضة الاجتهاد في الإسلام ـ كما ترى ـ مطابقة لفطرة العقل، ولمقتضيات سنة التطور الماضية في هذا الوجود الإنساني !!.

على أن الإمام الشاطبي قد أشار إلى هذا (القيد) المهم في التجديد والإبداع التشريعي والفكري بما فطر عليه العقل الإنساني في أصل خلقته إذا يقول ما معنا:

لا يمكن الاستجابة للحاجات المتنوعة في طبائعها والمتكاثرة، والمصالح المتجددة عبر العصور بحكم سنة التطور في الحياة الإنسانية والوجود البشري ـ ثمرة طبيعية للفكر الإنساني المبدع بحكم فطرته ـ إلاّ بالاجتهاد من أهله، وبذل الطاقة العلمية والفكرية إلى أقصى حدودها وإمكانياتها فكان (الاجتهاد) لابد منه ولا غنى عنه، فضلا عن أن (الاجتهاد) استجابة لواقع خصيصة الإبداع الفكري المغروسة في فطرة العقل نفسه، ولكن في (حدود الشرع) وإلا كان (التخلف) و(الانتكاس) وفقدان التوازن مما لا يتفق وأصول الإسلام قطعا، إذا قد اتجهت إرادة الخالق ـ جل وعلا ـ إلى إقامة مقاصد الشريعة وتنميتها، وحفظها، وهذه المقاصد العامة العليا الأساسية هي (مبنى المصالح العامة والفردية) للمجتمع الإنساني لا الإسلامي فحسب في كل عصر وبيئة، ولكن من حيث وضع الشارع لها، لا من حيث مطلق إدراك المكلف إياها (20).

لا مجال للأهواء:

وفي هذا المعنى يقول ما نصه: (المصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية) ويقيم بعض الأدلة على هذا المعنى بقوله: (إنما جاءت ـ الشريعة ـ لتخرج الناس عن دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عبادا لله اختيارا كما أنهم عبيد لله اضطرارا (21).

على أن الاجتهاد في المصالح ـ نظرا وتحقيقا ـ إنما ينصب أساسا على تحديد خصائص الأفعال التي تناسب تحقيقها ؛ لأن (المصالح) من حيث هي غايات تستهدفها الأفعال التي تتسم بخصائص مناسبة معينة لذلك التحقيق. وأما الاجتهاد في الحكم الشرعي؛ فمنصب على بناء تلك الأفعال وتشريعه لها على نحو يغلب على الظن إفضاء هذا الحكم إلى تحقيق غايته من المصلحة المعتبرة، بحيث يفرعه عن كليه لا يريم عنه، ولا ينافيه، وإلا كان الاعتساف، وهذا لا يتم ـ عقلا وواقعا ـ إلاّ بأعمال الاجتهاد، فثبت أن (التقليد) الذي هو عري عن الدليل ـ جزئيا وكليا ـ أو (التعصب ) لرأي مجتهد كليهما ضرب من ضروب (الهوى المتبع) وذلك مناف قطعا لهذا الأصل العام، وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي: (لذلك احتج إلى فتح باب الاجتهاد...) فلا يجوز إغلاقه بأي حال من الأحوال، ويعلل ذلك بقوله: (فإما أن يترك الناس مع أهوائهم، أو ينظر إليها بغير اجتهاد شرعي ـ أي تقليدا أو تعصبا ـ وهو أيضاً (اتباع للهوى) وذلك كله فساد فلا يكون بد من التوقف لا إلى غاية وهو معنى (تعطيل التكليف لزوما) (22).

والتعطيل: اطراح العمل بشرع الله بالكلية.

وتفسير ذلك: أن الامام الشاطبي يشير بقوله: (ترك الناس إلى أهوائهم) إلى أن افتقار الناس إلى أحكام شرعية تستجيب لما يستجد لديهم من الوقائع والمشاكل ـ قد تكون معقدة ـ وما ينزل بساحتهم تترى من الأحداث الطارئة: السياسية منها، والاقتصادية، والاجتماعية، ثم تقاعد المجتهدون عن إمدادهم بالحلول الملائمة المستمدة من روح الشرع، ومفاهيمه الكلية فإن هذا (التقاعد) يلجئهم قسرا إلى أن يشرعوا من عند أنفسهم، وأن يتبعوا ـ في هذا التشريع ـ أهواءهم أو أن يضطروا إلى الاستعانة بما عند الأجنبي من التشريعات التي لا تقوم على أصول الإسلام وشرعه بل تقوم على النظر العقلي المحض وهذا محرم قطعا وبالإجماع، لأنه تشريع مناف لشرع الله وأحكام من غير ما أنزل الله !!.

وهذا مفاد قول الامام الشاطبي: (أو نظر إليها بغير اجتهاد شرعي مما يرونه ملائما للطارئ من الأحداث ) ومعلوم أن (التحكم) ممنوع ومحرم شرعا، لأنه يتنافى مع (قاعدة اعتبار المصالح المعتبرة في الأحكام).

وعلى هذا كان (التحكم المذهبي ) بالتقليد، أو التعصب بالهوى منافيا رأسا (للتحكيم الشرعي) الذي نصت على وجوبه صراحة الآية الكريمة من قوله عز وجل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) (23)، أي لا يحكمون أهواءهم.

وأيضا أن التعصب مذهبيا يحول بالضرورة دون (التقريب بين المذاهب) بل يوسع من شقة الخلاف بينهما المؤدي بدوره إلى اختلاف المسلمين فيما بينهم على أمر تشريع ربهم، فضلا عن أن (المتعصب مذهبيا) إنما يبتغي دوما نصرة مذهبه، لا نصرة شرع الإسلام وكل ذلك فساد محرم، بل يجب الحيلولة دون وقوعه، مما يشكل بالتالي عاملا مؤثرا في الإخلال بتوازن المجتمع الإسلامي كله، إخلالا يتناول (مقوماته المادية والمعنوية ) على السواء، وهذا مما لا يجوز شرعا المصير إليه فما أدى إليه مثله !!.

أما الاختلاف اليسير فيما يتعلق بالنصوص الظنية، أو ما يشبهها من تقدير خصائص الأفعال، وما تقتضيه من أحكام يغلب عن الظن إفضاء تنفيذه إلى المصالح الحقيقية المعتبرة، فذلك ليس اختلافا جذريا، ولا تناقضا مستحكما يستحيل معه التوفيق ؛ لأنه مما تقتضيه فطرة البيان القرآني نفسه ـ على حد تعبير الامام الشافعي في كتابه (الرسالة) بحكم كونه من لوازم الاجتهاد ولا يحول دون التقريب بين آراء المجتهدين، ثم هو أخر الأمر لا يخل بتوازن المجتمع في أي كياناته مما يسعف بالتالي على (إنجاز التقريب) الذي يجعل السبيل إلى تحقيق (الوحدة الإسلاميّة ) ميسرا، بل يفضي إليها تلقائيا بحكم وحدة الأصول العامة والمفاهيم الكلية، والمقاصد الكلية الأساسية العليا التي هي مباني (المصالح) للامة والأفراد، وذلك هو مقصد الشارع من وضع الشريعة ابتداء.

1 ـ الموافقات في أصول الشريعة 3: 266.
2 ـ النحل: 44.
3 ـ الموافقات 2: 63.
4 ـ الموافقات 3: 169 بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. دار الفكر ـ بيروت.
5 ـ المرجع السابق 2: 62 بتحقيق الشيخ دراز ـ دار المعرفة ـ بيروت.
6 ـ الأنعام: 104.
7 ـ آل عمران: 103.
8 ـ الأنبياء: 92.
9 ـ الانفال: 46.
10 ـ النساء: 82.
11 ـ الموافقات 2: 37.
12 ـ الموافقات 2: 138.
13 ـ الموافقات 4: 196 وما يليها.
14 ـ الموافقات 2: 64 بتحقيق الشيخ دراز.
15 ـ الموافقات: 4: 142 وما يليها.
16 ـ المرجع السابق.
17 ـ المائدة: 67.
18 ـ النساء: 105.
19 ـ الأحكام السلطانية: 5 وما يليها.
20 ـ الموافقات 2: 27 بتحقيق الشيخ دراز.
21 ـ المرجع السابق: 38 وما يليها.
22 ـ المرجع السابق 4: 104.
23 ـ النساء: 65.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 11-10-06, 02:49 AM
أم مريم أم مريم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-08-06
المشاركات: 523
افتراضي

و هذا :

بحث مقارن في أصول الفقه الإسلامي

رابطه :

http://www.almeshkat.net/books/archive/books/fekh1.zip
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 11-10-06, 02:53 AM
أم مريم أم مريم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-08-06
المشاركات: 523
افتراضي

و هذه بعض أبحاثه المنشورة في مجلة صدى الايمان :


العلاقة بين الوحدة الإسلامية والحضارة الإنسانية


من فلسفة أصول التشريع الدولي في الإسلام


مصارف الزكاة في قوله تعالى (وفي سبيل الله)


المنهج الأصولي في الإجتهاد

http://www.aliman-group.com/arther-results.asp?id=12
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 11-10-06, 01:10 PM
إبراهيم الجوريشي إبراهيم الجوريشي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 02-12-04
المشاركات: 592
افتراضي

جزاكم الله خيرا
__________________
أخـي لن تنال العـلـم إلا بسـتة .... سأنـبيك عـن تفصـيلها بـبيان
ذكـاء وحـرص واجتهـاد وبلغـة .... وصحـبة أستاذ وطـول زمـان

ذنوب الخلوات تؤدي إلى الانتكاسات
وطاعة الخلوات طريق للثبات حتى الممات
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 11-10-06, 11:15 PM
مصطفي سعد مصطفي سعد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-09-05
الدولة: egypt
المشاركات: 1,969
افتراضي

شكرا لاصحاب الوقفية ومن يعمل عليها
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 23-04-07, 01:42 AM
ابو صفوان عبد العزيز البيضاوي ابو صفوان عبد العزيز البيضاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 02-03-07
الدولة: maroc
المشاركات: 166
افتراضي

جزاكم الله خيرا
حقا اتحفتمونا بهده البحوث............................................ .................................................. .................................................. .................................................. .................................................. .......
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 07-05-08, 10:41 AM
أشرف عبد الله أشرف عبد الله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-04-05
المشاركات: 407
افتراضي

السلام عليكم
هل سمع أحدكم بوفاة الدكتور فتحي الدريني منذ قرابة شهر عن سن يقرب من التسعين
وجزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس