ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى اللغة العربية وعلومها

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 23-11-05, 03:39 PM
*خالد العصيمي* *خالد العصيمي* غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-06-05
المشاركات: 50
افتراضي ما هو اقدم خط كتبت به اللغة العربية

ما هو اقدم خط كتبت به اللغة العربية؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ولكم جزيل الشكر
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-12-05, 06:10 AM
إبراهيم الجوريشي إبراهيم الجوريشي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 02-12-04
المشاركات: 592
افتراضي

أنظر أخي الكريم هذا البحث لعلك تجد بغيتك فيه


الكتابة العربية بحث للدكتور غانم قدوري حمد

--------------------------------------------------------------------------------

الكتابة العربية

بقلم: د. غانم قدوري الحمد

الفصل الأول
المصادر والمنهج
المبحث الأول: علم الكتابة وأهميته
قد يتساءل بعض المهتمين بموضوع الكتابة عن صحة إطلاق كلمة (علم) على المباحث المتعلقة بالكتاية، ونحن حين نستخدم مصطلح (علم الكتابة)( ) فاننا نتبع في ذلك ما قرره عدد من العلماء السالفين من قديم، فالفارابي (ت 339هـ) يذكر العلوم التي يشتمل عليها (علم اللسان)، ومن بينها (علم قوانين الكتابة). وذكر طاش كبرى زاده(ت 962هـ) العلوم الخطية، ومن بينها (علم إملاء الخط العربي)( ).
واذا كانت كلمة (علم) تطلق على مجموع مسائل واصول كلية تجمعها جهة واحدة( )، فانه يكون استخدام مصطلح (علم الكتابة) استخداماً صحيحاً. فمما لا شك فيه أنّ لموضوع الكتابة مسائله وقضاياه التي تميزت عن علوم اللغة العربية الأخرى، وقد عَرَّفه نصر الهوريني بأنه: (علم بأصول يُعْرَفُ بها تأدية الكتابة على الصحة)، أو هو (قانون تعصم مراعاته من الخطأ في الخط، كما نعصم مراعاة القوانين النحوية من الخطأ في اللفظ)( ).
وقد ذكر بعض العلماء المتأخرين علوم العربية المسماة (علم الأدب)، وجعل من بينها (علم الخط)( )، لكن الخط يمكن أن يراد بها قواعد الإملاء، وهو المقصود هنا، ويمكن أن نستخدم في الدلالة على تجويد الكتابة وتحسين الخطوط وتنويعها( )، ولا دخل لعلم الخط بهذا المعنى في علوم العربية، وذلك لأن البحث في الكتابة العربية ينقسم على قسمين:
الأول بحث فني جمالي، يعنى بتحسين أشكال الحروف واظهارها بشكل جميل متناسق، يعجب العين ويرضي الذوق، ويدخل في ذلك ما يتعلق بأنواع الخطوط العربية من الكوفي والنسخ والثلث وغيرها.
والثاني بحث لغوي يعنى بدراسة العلاقة بين الرمز المكتوب والصوت المنطوق، ويعنى ببيان مقدار مطابقة المنطوق للمكتوب، وتحديد مظاهر القصور في الكتابة عن تمثيل المنطوق تمثيلا كاملا.
وعرفت اللغة العربية عددا من المصطلحات التي استخدمت للتعبير عما أسميناه (علم الكتابة)، منها: (الكتاب، والهجاء، والخط، والرسم، والإملاء)( )، وقد يكون تاريخ استخدام هذه المصطلحات على نحو ما هي مرتبة، فأقدمها استخداما مصطلح (الكتاب) وهو أحد مصادر الفعل (كَتَبَ) مثل الكَتْب والكتابة( )، وقد استخدم في عصر مبكر من القرن الأول الهجري، قبل تدوين علوم العربية وظهورها بشكل متميز( ). أما مصطلح (الهجاء) و (الخط) فقد ظهرا في عناوين أقدم الرسائل المؤلفة في قواعد الكتابة ، وإن كان مصطلح (الهجاء) أكثر شيوعا من مصطلح (الخط) الذي أختص في العصور المتأخرة بالدلالة على تجويد الكتابة وتحسين أشكال الحروف وتنويعها.
أما مصطلح (الرسم) فقد ظهر- على ما يبدو- في وقت متأخر نسبياً، إذ إن معاجم اللغة لا تذكر لمادة (رسم) أي معنى يتعلق بالخط، وأصل معنى (الرسم) هو الأثر، وَرَسْم كل شيء: أثره، والجمع رسوم( )، وقد استخدم في الدلالة على رسم المصحف أكثر من استخدامه في الدلالة على قواعد الكتابة التي صاغها علماء العربية( ).
وأما مصطلح (الإملاء) فهو مصدر الفعل أملى، يقال: أملى عليه الكتاب، أي قاله له فكتب عنه( )، وهو بهذا المعنى لا يدل على قواعد الكتابة، لكن العلاقة معنى الفعل (أملى) بالكتابة فانه لا يكون إملاء إلا مع الكتابة، استخدم مصطلح (الإملاء) للدلالة على قواعد الكتابة، وكان ذلك في وقت متأخر نسبيا، فقد استخدم طاش كبرى زاده (ت 962هـ) مصطلح (علم إملاء الخط العربي)( ). وصار مصطلح (الإملاء) هو الغالب في زماننا في الدلالة على قواعد الكتابة، واستخدم عنوانا لعدد من الرسائل المؤلفة في الموضوع.
وقد عَدَلْتُ في عنوان الكتاب عن استخدام أي من المصطلحات السابقة، لما قد تحدثه لدى القارئ المعاصر من لبس أو خلط ، لأن مصطلح (الكتاب) صار يطلق على ماكُتب في صحف يضمها غلاف ، وشاع مصطلح ( الهجاء) في الدلالة على أحد أغراض الشعر، وصارمصطلح (الرسم) يطلق على التصوير باليد ،وغلب مصطلح (الخط) على فن تجويد حروف الكتابة ،وعدلت عن مصطلح (علم الإملاء) لان مما نريد الحديث عنه هنا أوسع ما يدل عليه هذا المصطلح.
وكان عدد من علماء العربية قد ألحق مبحثا في بيان قواعد الإملاء في كتب النحو أو الصرف، ولكن ذلك لايعني أنه جزء منهما، فقد نقل السيوطي عن أبي حيان أنه قال: (وعلم الخط، ويقال له الهجاء، ليس من علم النحو، وإنما ذكره النحويون في كتبهم لضرورة مايحتاج اليه المبتدئ في لَفْظِه وفي كَتْبه. ولأن كثيرا من الكتابة مبني على أصول نحوية، ففي بيانها بيان لتلك الاصول)( ) وقال نصر الهوريني معلقا على قول أبي حيان (ليس من علم النحو): (يعني بل هو علم مستقل)( ).
وغني عن البيان ماللكتابة من دور كبير في حياة الانسان وفي بناء الحضارة الانسانية، لكن قد تخفى أهمية (علم الكتابة) على كثير ممن يتصورون أن تعلم حروف الهجاء في مراحل التعليم الاولى كاف في ضبط الكتابة وإجادة استخدامها، وهذا تصور فيه تبسيط للأمور وتغاض عن حقائق مهمة، تجعل من أمر معرفة تأريخ الكتابة وإتقان قواعدها أمراً ضروريا للمعلمين والمدرسين لاسيما المتخصصين منهم بتعليم اللغة العربية، كما أن ذلك يكون مفيدا لغيرهم، ومن تلك الحقائق:
(1) لاتتطابق صور الكلمات المكتوبة مع صورها المنطوقة، لأنه لايوجد نظام كتابي واحد يمثل اللغة المنطوقة كما هي( )، وتتفاوت النظم الكتابية في ذلك، فالرسم الانكليزي والرسم الفرنسي يذكران حين يراد التمثيل للإختلاف الكبير بين الرموز المكتوبة والأصوات المنطوقة( ). أما نظام الكتابة العربية فإنه يعد نظاما مثاليا من حيث وضع رمز واحد مستقل لكل وحدة صوتية، فهنالك في اللغة العربية ثمانية وعشرون صوتا جامدا (صامتا)، وهناك بأزائها ثمانية وعشرون رمزاً، خُصص كل رمز منها لصوت معين لايتعداه، وقد اتُّبع هذا المبدأ نفسه بالنسبة للحركات كذلك( ).
وعلى الرغم من أن الكتابة العربية أحسن حالا من غيرها في هذا المجال فإن هناك جملة من المبادئ تجب مراعاتها، كما أن هناك ظروفا تأريخية تنبغي ملاحظتها حتى نحصل على كتابة عربية صحيحة، ونصل الى فهم صحيح لظواهرها (لأن رسوم الكتابة لها دلالة خاصة على الألفاظ المقولة، ومالم تعرف تلك الدلالة تعذرت معرفة العبارة، وإن عرفت بملكة قاصرة كانت معرفتها أيضا قاصرة)( ). فنحن في الواقع نكتب كما يكتب الآخرون لاكما نريد أو نتصور.
ولما كانت الكتابة من أهم وسائل الإتصال الإنساني، فعن طريقها يتم التعرف على أفكار الآخرين، والتعبير عما لدى الفرد من معان ومفاهيم ومشاعر، وتسجيل الحوادث والوقائع، فإنه كثيرا مايكون الخطأ الكتابي في الرسم سببا في تغير المعنى وعدم وضوح الفكرة، لذلك تعتبر الكتابة الصحيحة عملية مهمة في التعليم، إذ أنها عنصر أساسي في عناصر الثقافة، وضرورة اجتماعية لنقل الأفكار والتعبير عنها، والوقوف على أفكار وآراء الآخرين والإلمام بها( ).
(2) إن علم الكتابة يمكن أن يقدّم تفسيرات لغوية أو تأريخية لكل اختلاف بين المنطوق والمرسوم، ويمكن أن يقّدم توضيحا لأصل العلامات الكتابية ودلالتها، وكل ذلك يجعل مستخدم الكتابة يتعامل مع نظام واضح الأبعاد، محدد الدلالات، مما يرسخ قواعد ذلك النظام ويجعله مفهوما لدى مستخدميه. على العكس مما لو كان مستخدموه يجهلون ذلك كله، فإنهم يكونون حينئذ أمام مايشبه الألغاز التي تثير حيرتهم ودهشتهم، وتجعلهم يتشككون في أمر ما يكتبون، فيكونون أقرب إلى الخطأ، كما أنهم يكونون حينئذ أمام ما يشبه الألغاز التي تثير حيرتهم ودهشتهم، وتجعلهم يتشككون في أمر ما يكتبون، فيكونون أقرب إلى الخطأ، كما أنهم يكونون أكثر استعداداً للتجاوب مع دعوات تغيير النظام الكتابي، التي هي نوع من التخريب الثقافي والتدمير الحضاري.
(3) إن اهمال تدريس قواعد الإملاء العربي في مراحل التعليم المختلفة والاكتفاء بما يحصله المتعلم في خلال مراحل التعليم الأولى، وما يمكن أن يضيفه إلى ذلك من ممارسته قراءة النصوص المطبوعة، كما أن فقدان المعرفة بالبعد التاريخي للكتابة العربية قد أدى ذلك كله إلى شيوع أخطاء كتابية كثيرة عند جمهور المثقفين، وقد تظهر تلك الأخطاء عند عدد ممن يتصدون لتعليم قواعد اللغة في المدارس والمعاهد، إلى جانب التقصير في استخدام العلامات الكتابية بشكل صحيح في كثير من الأحيان.
وليس من سبيل إلى التخلص من تلك الظاهرة إلا بدراسة تاريخ الكتابة العربية ومعرفة قواعدها، وهو أمر هين، لكن مهم في نفس الوقت.
المبحث الثاني: مصادر دراسة الكتابة العربية:
إن الكتابة العربية التي نستخدمها الآن ترجع في نشأتها الى عصر سابق للإسلام بقرنين أو ثلاث، لكن النصوص المكتوبة الباقية من حقبة ما قبل الإسلام قليلة جدا، على نحو ما سنبين في الفصل الثاني، وكان نزول القرآن بالعربية وتدوينه بالحرف العربي نقطة الأنطلاق الى مجال واسع من الإستخدام للكتابة العربية، وظهر التدوين المنظم للعلوم العربية والشرعية في القرن الثاني الهجري، وكان للكتابة نصيب في ذلك التدوين، فقد ألفت كتب مستقلة في بيان قواعدها وفي توضيح استخدام العلامات الكتابية فيها. ويجد الدارس للكتابة العربية اليوم مجموعات متنوعة من المصادر التي تمده بالمعلومات عن التأريخ وعن القواعد، ويمكن أن تقسم تلك المصادر على مجموعتين، هما: المصادر الأساسية، والمصادر الثانوية.
أولا: المصادر الأساسية:
وهي الكتب المؤلفة في بيان قواعد الكتابة العربية (أي الإملاء)، ولايتيسر الآن توضيح نشأة التأليف في هذا الموضوع على نحو مفصل، وحسبنا في هذا المقام الإشارة الى تلك المؤلفات مرتبة ترتيبا زمنيا، بادئين بأقدم ما عرف منها، منتهين عند أبي الوفا نصر الوفائي الهوريني المتوفى سنة (1291هـ) (1874م) الذي ألف كتاب ( المطالع النصرية في الأصول الخطية)، لأن كتب الإملاء التي ألفت بعده جاءت مختصرة موجزة، وكتبت لأغراض تعليمية بأسلوب مبسط، وإليك أسماء تلك المصادر مما وقفت عليه:
(1) كتاب الهجاء، لعلي بن حمزة الكسائي (ت189هـ)( )، وفي كتاب الخط لأبن السراج نصوص منقولة عن الكسائي، لعلها من كتابه( ).
(2) حد الهجاء، ليحيى بن زياد الفراء (ت207هـ)( ).
(3) كتاب الهجاء، لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني االبصري (ت255هـ)( ).
(4) كتاب أدب الكاتب، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت276هـ)، وفيه باب كبير عن الهجاء، وهو مطبوع( ).
(5) كتاب الخط والهجاء، لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد (ت285هـ)( )، وفي كتاب الخط لأبن السراج نصوص كثيرة منقولة عن المبرد( ).
(6) كتاب الهجاء، لأبي العباس أحمد بن يحيى الملقب بثعلب (ت291هـ)( )، وفي كتاب الخط لأبن السراج نصوص كثيرة منقولة عن ثعلب( ).
(7) كتاب الهجاء، لأبي الحسن محمد بن أحمد بن كيسان (ت299هـ)( ).
(8) كتاب الخط والقلم، لأبي طالب المفضل بن سلمة (ت حوالي 300هـ)( ).
(9) كتاب الخط لأبي بكر محمد بن السري بن السراج (ت316هـ)، وهو مطبوع( ).
(10) كتاب الهجاء، لأبي بكر محمد بن عثمان المعروف بالجعد (ت بعد320هـ)( ).
(11) كتاب الهجاء، لأبي الحسين أحمد بن سعد الكاتب (ت بعد324هـ)( ).
(12) كتاب الهجاء، لأبي بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري (ت328هـ)( ).
(13) كتاب أدب الكتاب، لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي (ت336هـ)، فيه أبواب موجزة عن الهجاء، وهو مطبوع( ).
(14) كتاب الخط، لأبي القاسم عبد الرحمن بن اسحاق الزجاجي (ت337هـ على الأرجح)، وهو مطبوع( ). وفي كتابه (الجمل) باب كبير خاص بموضوع الهجاء( ).
(15) كتاب الهجاء، لأبي محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه (ت347هـ)( )، وهو مطبوع طبعتين بعنوان (كتاب الكتاب)( ).
(16) كتاب الهجاء، لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني (ت384هـ)( )، وذكر له القفطي أيضا كتاب (شرح الهجاء لأبن السراج)( )، ولعلهما كتاب واحد.
(17) كتاب الهجاء، لأبي الحسين محمد بن الحسين (ت 421هـ)( ).
(18) فصل الخط، في كتاب (شرح المقدمة المحسبة) لطاهر بن أحمد بن بابشاذ (ت469هـ)( ).
(19) باب من الهجاء، لسعيد بن المبارك، المعروف بابن الدهان (ت569هـ)( ).
(20) باب الهجاء، في كتاب (تسهيل الفوائد) لأبي عبد الله محمد بن مالك (ت672هـ)( ). وفي شروحه أيضا.
(21) باب الخط، في كتاب (شرح الشافية)، لرضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذ (ت686هـ)( )، وشروح الشافية الأخرى أيضا.
(22) باب الهجاء، في كتاب (صبح الأعش)، لأبي العباس أحمد بن علي القلقشندي (ت821هـ)( ).
(23) باب الهجاء والخط، في كتاب (همع الهوامع)، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911هـ)( ).
(24) المطالع النصرية في الأصول الخطية، جمعها نصر الوفائي الهوريني (ت1291هـ=1874م)( ).
ثانيا: المصادر الثانوية:
وأعني بها المصادر التي لم تتحدث عن قواعد الإملاء، وانما بحثت موضوعات تتصل بتأريخ الكتابة العربية وتطورها، وما يتعلق باستخدام العلامات فيها، وهي لا تقل أهمية عن مصادر المجموعة السابقة في موضوع الكتابة العربية، ويمكن أن نذكر من هذه المجموعة:
(1) النصوص الخطية القديمة، مثل النقوش الحجرية، والمخطوطات القديمة للكتب العربية، وكذلك مخطوطات المصاحف، لا سيما القديمة منها. وقد ظهرت مجموعات مصورة تضم نماذج من هذه النصوص القديمة.( )
(2) كتب رسم المصحف، التي وصف فيها مؤلفوها طريقة رسم الكلمات في المصاحف التي كتبها الصحابة في خلافة عثمان بن عفان  والمصاحف القديمة المنقولة عنها. وهي تمثل صورة الكتابة العربية في تلك الفترة( ).
ومن أشهر كتب رسم المصحف المطبوعة كتاب الداني( )، والجهني( )، وابن وثيق( ).
(3) كتب النقط والشكل، وتعنى هذه الكتب بتأريخ العلامات في الكتابة العربية من نقاط وحركات ونحوها، وسوف نذكر ما عرف منها في فصل لاحق من هذا الكتاب، إن شاء الله.
(4) البحوث والكتب المؤلفة حديثا في أصل الكتابة العربية ونشأتها وتطورها، ومن أشهرها باللغة العربية بحث الدكتور خليل يحيى نامي( )، وكتاب الدكتور صلاح الدين المنجد( )، وكتاب السيدة سهيلة ياسين الجبوري( ) رحمها الله، وكتاب الدكتور رمزي البعلبكي( ).
وقد يستطيع الباحث المتتبع أن يضيف الى كل مجموعة مصادر أخرى، مما فاتني الأطلاع عليه، على أن ما ذكرته يمثل أهم المصادر التي يمكن أن تستند اليها دراسة الكتابة العربية من جوانبها كافة.
المبحث الثالث: مناهج العلماء في دراسة الكتابة
إن الصورة المثالية للكتابة الهجائية هي أن يكون فيها رمز كتابي واحد لكل صوت لغوي، وهذه الصورة يمكن أن تتحقق في الكتابة عند استخدامها في كتابة لغة ما لأول مرة، حيث تكون الكتابة حينئذ دقيقة الى حد كبير، وممثلة لأصوات اللغة بشكل عام، وخالية من الغموض أو القصور. ولكن هذه الصورة المثالية سرعان ما تختل بفعل التطور الذي يسرع الى اللغة المنطوقة بينما تظل أشكال الكلمات المكتوبة ثابتة لا تستجيب لذلك التطور الذي يصيب اللغة المنطوقة (إذ إن السبب الأساسي لأزمات الرسم ينحصر في استحالة مسايرة الرسم لحركة اللغة..)( ).
وكان علماء العربية قد أدركوا أن الكتابة لا تتحقق فيها المطابقة على نحو كامل بين المنطوق والمكتوب، وكان ذلك هو السبب الرئيسي في نشأة المباحث المتعلقة بقواعد الكتابة العربية، وتدوين تلك المباحث في كتب مستقلة، يقول ابن السراج وهو مؤلف أقدم كتاب مستقل وصل إلينا في قواعد الكتابة: ( فحق الكلمة اذا كتبت أن توفى عدد حروفها التي لها في الهجاء، وأن يصور كل حرف منها بصورته التي وضعت له...فالأصول ما ذكرت لك، ثم عرض للكتاب في الخط أشياء اتفقوا عليها، وعرفها القارئ لها منهم ولم يشكل عليهم، ولكل شيء من ذلك علة تذكر عند ذكره. والأشياء التي عرضت إنما هي إبدال حرف، وزيادة، وحذف، ووصل منفصلين، ولقد أفردت لكل نوع منها فصلا ذكرته فيه وما له من الحجج)( ).
وقال ابن درستويه في المعنى نفسه: (اعلم أن الكُتَّاب ربما يكتبون الكلمة على لفظها وعلى معناها، ويحذفون منها ما هو فيها، ويثبتون فيها ما ليس منها، ويبدلون الحرف من الحرف، ويصلون الكلمة بأخرى لاتتصل بها، ويفصلون بين أمثالها... ويحاولون بكل ذلك ضربا من القياس)( ).
وقد بنى المؤلفون في قواعد الكتابة العربية كتبهم على أساس مما ذكره ابن السراج وألمح إليه ابن درستويه، وقد يزيد بعضهم في عدد الأبواب وقد ينقص بعضهم، لكن الحقيقة واحدة، فابن السراج مثل ذكر في باب البدل ما يتعلق برسم الهمزة، وما يعرض له البدل من الحروف الأخرى، بينما فصل غيره الهمزة عن باب البدل لكثرة احكامها وإن كانت داخلة فيما يبدل من الحروف في الرسم، كما فعل ابن درستويه( )، وكذلك فعل ابن بابشاذ حين جعل مباحث الخط (يعني الكتابة) ثمانية حيث قال: (وجملة الأمر أن مداره على معرفة ثمانية أشياء، وهي: الممدود، والمقصور، والمهموز، والوصل، والقطع، والحذف، والزيادة، والبدل)( ).
وكان علماء رسم المصحف قد اتبع عدد منهم هذه الخطة في دراسة الكتابة، فيقول ابن

وثيق: (اعلم- وفقك الله- أن رسم المصحف يفتقر أولا الى معرفة خمسة فصول، عليها مداره:
الأول: ما وقع فيه من الحذف.
الثاني: ما وقع فيه من الزيادة.
الثالث: ما وقع فيه من قلب حرف الى حرف.
الرابع: أحكام الهمزات.
الخامس: ما وقع فيه من القطع والوصل )( ).
والمعروف أن الكتابة العربية كانت خالية من نقاط الإعجام وعلامات الحركات ونحوها، في أصل نشأتها، وأن ذلك حادث فيها بعد الإسلام، وصارت المباحث المتعلقة بالعلامات الكتابية علما له أصوله وكتبه، يعرف بعلم النقط والشكل، على نحو ما سنفصل ذلك، وقد ضمن عدد من المؤلفين في قواعد الكتابة العربية كتبهم فصلا عن النقط والشكل، وضم بعضهم إليها فصل في أنواع الخط العربي، ولعل ابن درستويه كان أكثرهم عناية بذلك في كتابه (الكتّاب).
وقد تكون أشمل خطة لدراسة الكتابة العربية هي التي اعتمدها نصر الهوريني في كتابه (المطالع النصرية)، وهي تتألف من مقدمة ومقصد وخاتمة. فالمقدمة تتضمن أربع مباحث، سماها (فوائد) وهي:
الأولى:في معنى الكتابة.
والثانية: في أصول الكتابات كلها.
والثالثة: في أولية الكتابة العربية.
والرابعة: في مبادئ الفن.
والمقصد الذي هو أصل الموضوع منحصر في أربعة أبواب:
الباب الأول: في بيان ما يجب أن يفصل، وما يجب أن يوصل.
الباب الثاني: في الحروف التي يختلف رسمها بحسب الإبدال، وهي: الهمزة، وأحرف العلة، وهاء التأنيث، ونحوها.
الباب الثالث: فيما يزاد من الحروف.
الباب الرابع: فيما يحذف من الحروف.
أما الخاتمة ففي الشكل والنقط( ).
ويتلخص من هذا العرض أن الكتابة العربية دراسة وافية، تحقق الغاية المرجوة في تعليم الكتابة الصحيحة، وفي تفهم ظواهرها التي لا تتطابق مع النطق، ومعرفة دلالة العلامات الكتابية وكيفية استعمالها يجب أن تشمل على الجوانب الآتية:
(1) أصل الكتابة العربية وتأريخ تطورها.
(2) دلالة العلامات الكتابية وتأريخها.
(3) قواعد رسم الكلمات وما فيها من حذف أو زيادةأو بدل، أو وصل وفصل.
(4) أنواع الخطوط العربية.
وسوف أستوفي دراسة هذه الجوانب في دراسة مستقلة، أضم إليها فصلا عن مستقبل الكتابة العربية، أبحث فيها-إن شاء الله- ما يوجه الى الكتابة العربية من مطاعن، وما دعا إليه بعض الدارسين من تغيير الحرف العربي، وأبين حقيقة تلك المطاعن والدعوات، وقيمتها في نظر البحث اللغوي، وميزان العلم وواقع الحال.
الفصل الثاني
أصل الكتابة العربية
إن البحث في أصول الكتابات القديمة أمر لا يخلو من المصاعب، فتقادم الأزمان وندرة الوثائق في كثير من الأحيان، والغرض في هذا الفصل إطلاع القارئ على آراء الباحثين والمؤرخين في أصل الكتابة العربية، وهو أمر مفيد في تفهم خصائص الكتابة العربية القديمة، وفي توضيح مراحل تطورها اللاحقة.
المبحث الأول: أنواع الكتابة
لعل من المناسب هنا الأشارة على نحو موجز إلى الصورة الأولى للكتابة الإنسانية، منذ اختراعها، وما آلت إليه في تطورها في العصور اللاحقة، وتتفق كلمة الدارسين اليوم على أن الكتابة بدأت تصويرية ثم صارت مقطعية، ثم انتهت الى الكتابة الأبجدية( ):
1- الكتابة التصويرية- الرمزية:
أقدم شكل للكتابة الأنسانية عرفه الأنسان هو الكتابة التصويرية، التي تقوم على أساس تمثيل كل شيء أو فكرة بعلامة أو صورة مساوية لذلك الشيء أو تلك الفكرة، وهي كتابة تتميز بأن قراءتها في متناول أي إنسان، لأن صورة الشيء تفصح عن مدلوله، فاذا رأينا صورة إنسان يحمل قوسا ومعه كلبه، وقريبا منه صورة غزال يعدو، أمكننا بسهولة أن ندرك أن ذلك يدل على رحلة صيد، ومن أشهر الكتابات التصويرية الكتابة الهيروغليفية، والصينية، والسومرية في صورتها القديمة، لأن أيا من هذه الكتابات الثلاث لم يبق على تلك الحالة، لقصور الصورة عن التعبير عن كل حاجات الأنسان، فتطورت تلك الكتابات باستخدام الأسلوب الرمزي في الكتابة، فكانت العلامة تستخدم للدلالة لا على الشيء المادي الذي تمثله فحسب، بل للدلالة أيضا على الأسماء والأفعال والصفات ذوات العلاقة بالشيء المادي الذي تمثله العلامة.
2- الكتابة المقطعية
كانت العلاقة في الكتابة التصويرية بين الشيء وصورته المكتوبة علاقة معنوية، يدركها كل إنسان
بغض النظر عن لغته التي يتكلمها، لكن تلك الكتابة كانت عاجزة عن التعبير عن الأفكار بشكل دقيق، فعمل الإنسان على تطويع الكتابة للتعبير عن حاجاته كافة، وذلك بجعل العلاقة بين الشيء وصورته المكتوبة علاقة صوتية، لكنها بدأت مقطعية، أي أن المقطع الصوتي المؤلف من أكثر من صوت يعبر عنه برمز واحد، وهكذا استطاع الإنسان أن يحلل ألفاظ اللغة الى مقاطع، وأن يستعمل الصورة للتعبير عن المقطع الصوتي .
فالكلمة (مَكْتَب) مثلا مؤلفة من مقطعين صوتين (مَكْ+تَبْ) وعن كتابتها سوف يستخدم الكاتب رمزين فقط رمز للمقطع الأول، ورمز للمقطع الثاني. ولو أراد ذلك الكاتب أن يكتب (مكسب، ومكرم، ومكوى، ومكبس، .... الخ) فانه سوف يستخدم الرمز الأول نفسه، في كتابة المقطع الأول في هذه الكلمات جميعا. ولو أراد أن يكتب (تَبْشير، وتَبْين، ومرتب، ومَعْتَب....الخ) فانه سوف يستخدم الرمز الثاني الذي استخدمه في كتابة (مكتب) في التعبيرعن المقطع الأول في الكلمتين الأوليتين، والمقطع الأخير في الكلمتين الأخيرتين، وهكذا. ومن أشهر الكتابات المقطعية القديمة الخط المسماري الذي كتب به السومريون والبابليون والآشوريون في العراق في العصور القديمة، ومن الكتابات المقطعية التي ما تزال حية مستعملة الكتابة الصينية .
والكتابة المقطعية تقتضي استخدام مئات الرموز للتعبير عن المقاطع الصوتية التي تتألف منها ألفاظ اللغة، ويشكل ذلك عقبة في طريق استخدام هذا النوع من الكتابات، ومن ثَمَّ فان خطوة أخرى كانت ضرورية لتصل الكتابة الى استخدام رمز واحد لكل صوت لغوي واحد.

3- الكتابة الأبجدية:
وتقوم هذه الكتابة على تخصيص رمز واحد للصوت الواحد، أي أن الرموز المستخدمة في الكتابة تكون بعدد مساو للأصوات التي تتألف منها اللغة وانخفضت بذلك الرموز المستخدمة في الكتابة الى ما يقارب الثلاثين، تزيد قليلا أو تنقص قليلا، بحسب اللغة التي تستخدم الكتابة، وعلى الرغم من أن هناك بعض النقائص التي يعاني منها عدد من الكتابات الأبجدية إلا أن هذا التطور في الكتابة قد نقلها الى مرحلة تتميز بأمرين معا، الأول: سهولة الأستخدام، والثاني: الدقة في تمثيل أصوات اللغة المكتوبة الى حد ما.
ومعظم الكتابات المستخدمة في زماننا من هذا النوع، لكن تحديد المكان والزمان الذي حصل فيه ذلك التطور لا يزال موضع خلاف بين الباحثين في أصل الكتابة، وان كانوا جميعا يشيرون الى المنطقة الواقعة شرقي البحر المتوسط وما يحاذيها من الجنوب، ويذكرون الكنعانيين والفينيقيين على أنهم رواد ذلك التطور، وأن ذلك قد تم في حدود منتصف الألف الثاني قبل الميلاد.
ومهما يكن من أمر فإن الكتابة العربية ترتبط في نظر معظم الباحثين المحدثين بتلك الكتابات الأبجدية التي كانت سائدة في بلدان شرقي البحر المتوسط المتصلة بشمال الجزيرة العربية، ويذهبون الى أنها تطورت عن الكتابة النبطية التي تمثل أحد الخطوط المتحدرة عن الكتابة الآرامية المشتقة من الأبجدية الفينيقية. والذي يعنينا أن نتحدث عنه بشكل مفصل هنا هو ما قيل عن أصل الكتابة العربية ومراحل تطورها القديمة.
المبحث الثاني: الخط العربي وأصوله التاريخية:
لاحظ الدارسون أن العرب استخدموا قبل الإسلام نوعين من الخط، الأول: المسند، وهو القديم الواسع الإنتشار في جنوب الجزيرة العربية وبعض أنحائها الشمالية، وكان قد زال من الإستخدام في الفترة القريبة من ظهور الأسلام.
الثاني: الخط الذي كان معروفا في الحجاز والمناطق الواقعة في شمال الجزيرة العربية وشمالها الشرقي، وهو الخط الذي استعمل في تدوين القرآن الكريم، وفي شؤون الدولة الإسلامية بعد ذلك، والخط العربي المستعمل في زماننا هو امتداد لذلك الخط.
والحديث عن أصل الكتابة العربية التي نستعملها اليوم يتداخل عند بعض الدارسين بالحديث عن الخط العربي الجنوبي المعروف في المصادر العربية القديمة بالمسند، ولذلك فان من المفيد للقارئ إعطاء فكرة عن المسند، قبل عرض ما قاله الباحثون عن أصل الكتابة العربية.
المطلب الأول: الخط العربي القديم (المُسْنَد):
عرف المؤرخون واللغويون القدماء كلمة (المسند)، وكان معناها واضحا لديهم على نحو محدد، قال ابن منظور: (والمسند خط لحمير مخالف لخطنا هذا، كانوا يكتبونه أيام ملكهم)( ). وقال ابن خلدون: (المسند، وهو كتابة حمير وأهل اليمن الأقدمين، وهو يخالف كتابة العرب المتأخرين من مصر)( ). وأشار بعض المؤرخين المتقدمين الى أن المسند قد زال من الإستعمال قبل الإسلام( ). وهو أمر أكده الدارسون المحدثون( ). إلا ان فرعا من المسند لا يزال مستخدما، وهو الكتابة الحبشية.
وفي تسمية هذا الخط بالمسند أقوال، فقديما قال القلقشندي: (سمي بذلك لأنهم كانوا يسندونه الى هود عليه السلام)( ). وحديثا قال اسرائيل ولفنسون: (والخط المسند يميل الى رسم الحروف رسما دقيقا مستقيما على هيئة الأعمدة، فالحروف عندهم على شكل العمارة التي تستند على أعمدة... وقد تنبه علماء المسلمين الى شكل هذه الكتابات وأطلقوا عليها لفظ المسند، لأن حروفها ترسم على هيئة خطوط مستندة إلى أعمدة)( ).
ويرفض الدكتور جواد علي تفسير ولفنسون هذا، ويقول بأنه تفسير أوحاه الخيال لأن كلمة (مسند) في العربية الجنوبية تعني الكتابة مطلقا، وقد وردت في مواضع متعددة من الكتابات والنقوش.. فكلمة مسند تعني في العربية الجنوبية ما تعنيه كلمة الخط أو الكتابة في لغة القرآن، ولم تكن مخصصة عند اليمانيين بخط حمير، أو غير حمير...)( ).
والمسند من الأقلام العتيقة، وهو أقدم الأقلام التي عرفت في شبه جزيرة العرب حتى الآن، ويبدو أنه كان معروفا في كل شبه جزيرة العرب قبل الأسلام، وربما كان القلم العام للعرب قبل المسيح، أي قبل ظهور أقلام أخرى ولدت على ما يظن بعد الميلاد، ومن ثم سماه بعض المحدثين بالقلم العربي الأول، أو القلم العربي القديم( )، وتسمية (المسند) بخط حمير لا تدل إلا على انهم آخر من كتب به، فقد سبقهم الى استعماله في اليمن المعينيون ثم السبئيون( )، كما استعمله أقوام عربية أخرى سكنت في أنحاء شبه الجزيرة الشمالية، وتركت نقوشا كثيرة مكتوبة بخط متحدر من المسند، وأقدم هذه النقوش هو اشتهر بين العلماء باسم النقوش الثمودية واللحيانية والصفوية، نسبة الى قبائل ثمود ولحيان وهي قبائل عربية قديمة استوطنت شمالي الجزيرة العربية، أما الصفوية باسمها مأخوذ من جبل الصفاة الموجودة في بادية الشام، حيث عثر على تلك النقوش في المنطقة القريبة منه( ).
ويتميز المسند بالخصائص الاتية( ): (تنظر صورة المسند في الشكل رقم 1)
(1) تتكون أبجدية المسند الاصل من 29 حرفا،كالابجدية العربية الشمالية، مع زيادة حرف واحد ينطق بين السين والشين .
(2) المسند خال من أية علامة للحركات أو حروف المد.
(3) تكتب حروف المسند منفصلة، ويفصل بين الكلمة والاخرى بخط عمودي، ويندر وجود الفاصل في النقوش الشمالية المتحدرة عن المسند .
(4) وتبدأ الكتابة بالمسند من اليمين في العادة، وتنتهي في اليسار، وقد يكتب النقوش بشكل متصل من اليمين الى اليسار، ثم من اليسار الى اليمين، وهكذا.
(5) يكتب الحرف المشدد مرتين غالبا.
وتسائل الباحثون عن أصل المسند، وعن علاقته بالخطوط السائدة قديما شرقي في البحر المتوسط، وشمالي الجزيرة العربية، التي يسميها كثير من الدارسين بالخطوط السامية. ويستخلص من حديثهم عن موضوع أربعة أقوال في أصل المسند، هي( ):
(1) ان المسند مشتق من الابجديات السامية الشمالية، السينائية، أو الفينقية، أو الكنعانية، وهذا يقتضي أن تكون تلك الابجديات أقدم تاريخا من المسند، وهو أمر غير مقطوع به تماما.
(2) ان المسند هو أقدم الابجديات المعروفة، وان الخطوط السامية الشمالية قد اشتقت منه، وهذا رأي يفتقر الى الادلة أكثر من الرأي السابق.
(3) ان المسند والخطوط السامية الشمالية قد اشتقا من أصل قديم واحد، وقد غابت عنا تفاصيل ذلك، أو لم يحن وقت لكشفها بعد.
(4) ومن الدارسين من قال: (إن من الصعب البت في الوقت الحاضر في موضوع أصل المسند، لأن صور الأبجديات القديمة الواصلة الينا لاتزال قليلة، ولانجد بين صورها وبين صور المسند تشابها كبيرا بحيث يمكن أن نستنبط من هذا التشابه حكما يفيدنا في تعيين أصل المسند. والتشابه بين حروف قليلة لايمكن أن يكون سببا للحكم باشتقاق خط من خط. وعندي أن الأبجدية العربية الجنوبية تمثل مجموعة خاصة، تفرعت من أصل لانعرف من أمره اليوم شيئا، لأن شكل حروف المسند لايشبه شكل حروف الأبجديات المعروفة، فلننتظر فلعل المستقبل يكشف للعلماء النقاب عن أبجديات مجهولة)( ).
المطلب الثاني: الخط العربي الشمالي:
أما الخط العربي الشمالي الذي نكتب به الى اليوم، فقد كان معروفا منذ قرنين أو ثلاثة قرون قبل الأسلام، لكن النقوش المعروفة منه من تلك الفترة قليلة، على عكس المسند الذي وجد الباحثون مئات النصوص منه، ولا يلزم الحديث هنا عن مقدار انتشار الخط العربي الشمالي قبل الإسلام( )، إلا بالقدر الذي يوضح ما قيل عن أصل ذلك الخط، ويمكن للدارس أن يتناول هذا الموضوع من جانبين، الأول: الروايات والأقوال القديمة في أصل الخط العربي، والثاني: رأي الباحثين المحدثين.
أولا: الروايات والأقوال القديمة:
تضمنت المصادر العربية القديمة أقوالا وروايات عن أولية الخط عامة، والخط العربي خاصة، لكن (الروايات في هذا الباب تكثر وتختلف) كما يقول ابن فارس( ). وقد رفضها كثير من الدارسين المحدثين لغلبة طابع الخرافة على أكثرها، لكني أعتقد أنها لا تخلو من بعض الإشارات الدالة، ومجرد إثارة التساؤل عن الموضوع أمر ذو قيمة، ويمكن إجمال ما جاء في المصادر القديمة عن أصل الخط العربي بما يأتي:
(1) روي عن كعب الأحبار أنه قال: أول من كتب الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها آدم عليه السلام، قبل موته بثلاث مئة سنة، كتبها في طين، ثم طبخه، فلما اصاب الأرض الغرق ايام نوح بقي ذلك، ووجد كل قوم كتابهم فكتبوه، فاصاب إسماعيل عليه السلام الكتاب العربي. وروي عن ابن عباس انه قال: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل عليه السلام( ) .
وهذه الروايات تفتقر الى التوثيق، واذا أمكن التثبت من اسانيدها الى كعب أو ابن عباس، فان السؤال الكبير عن مصادرها يظل يمثل مشكلة حقيقية، ومن ثم أشتد نكير بعض العلماء على رواية كعب فقال ابن النديم: (وأنا أبرأ الى الله من قوله...)( ).
ويحمل ابن فارس مثل تلك الروايات على أن الخط توقيف من الله تعالى وقال: ( فليس ببعيد أن يوقف آدم عليه السلام أو غيره من الأنبياء عليهم السلام- على الكتاب)( ). نعم ليس ذلك ببعيد، لكن القول به يحتاج إلى الخبر الصحيح، ولا يكاد يعرف مثله إلا عن طريق الوحي،
وليس في قوله تعالى: { الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم } [سورة العلق/4-5] ما يقطع أن المقصود بالأنسان هو آدم عليه السلام.
(2) وقال هشام بن محمد السائب الكلبي: إن أول من وضع الخط العربي قوم من الأوائل من العرب العاربة، وكانوا نزولا عند عدنان بن أد ، أسماؤهم: أبجد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، فوضعوا الكتاب العربي على أسمائهم، فلما وجدوا حروفا في الألفاظ ليست في أسمائهم ألحقوا بها، وسموها الروادف، وهي الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين. وتنقل المصادر عن ابن الكلبي أنهم كانوا ملوكا، ولمهلكهم قصة، قيل فيها شعر، استطلت ذكره( ).
ولم تكن هذه الرواية أسعد حظا بالقبول من سابقتها عند القدماء بله المحدثين، وأقل ما قيل فيها. أن البلوي ألحق في آخرها عبارة (والله أعلم)، ثم علق عليها بقوله: (لم يذكره في الخبر، أنا قلته!)( ) تشككا منه في صحته.
وقد صرح برفضها أحد المتقدمين محتجا بحجج ثلاث هي:
(أ) إن هذه الكلمات الواقعة على حروف الهجاء لم تزل مستعملة على وجه الدهر عند كل أمة وجيل من سكان الشرق والغرب في تعليم الهجاء.
(ب) إن أصول الهجاء العربي مؤسسة على أ ب ت ث ...، وأن تأليف الحروف على نسق أبجد هوز واستعماله عند العرب منقول عمن تقدمهم.
(ج) إن هذا الخبر صادر عن رجل كان يولد الأخبار وينتحل الأشعار( ).
(3) وقال هشام الكلبي أيضا: ان أول من وضع الخط العربي ثلاثة رجال من تولان، حي من طي، سكنوا الأنبار، وقيل بقّة، وهما من القرى العربية الكائنة على الفرات غربي العراق، قبل الإسلام اجتمعوا فوضعوا الكتابة العربية، وفي رواية: وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، وهم: مُرامر بن مُرَّة، وأسلم بن سِدْرة، وعامر بن جَدَرة، فأما مرامر فوضع الصور، واما أسلم ففصل ووصل، وأما عامر فوضع الإعجام. وبعض المصادر ترفع الخبر الى ابن عباس، ( ).
وقديما قال ابن العربي معلقا على هذه الرواية: (الكلبي متهم لايؤثر نقله)( ). في الرواية الى جانب ضعف الاسناد قضايا توقف عندها الباحثون المحدثون منها طبيعة الأسماء التي يبدو عليها أثر الصنعة، وماورد في بعض الروايات أنهم قاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، الراجح أن لكل من الكتابة العربية والكتابة السريانية تطوره المستقل عن أصلها القديم وهو الخط الآرامي( ) . اضافة الى أن ماتشير اليه الرواية من قدم الإعجام في الكتابة العربية لم يقم دليل عليه.
وترسم بعض المصادر العربية القديمة طريقا لأنتقال الكتابة العربية الى الحجاز بناء على هذه الرواية. وقد نقل ابن قتيبة عن شيخه أبي حاتم أنه قال عن الكتابة العربية: (ومن الأنبار انتشرت في الناس)( ). ونقل ابن أبي داود عن الشعبي أنه قال: (سألت المهاجرين: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الحيرة، وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار)( ).
(4) كان الخط العربي قديما يسمى (الجزم)( )، وقد نقلت كتب اللغة والمعاجم القديمة تفسيرا لهذه التسمية، عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني البصري (ت255هـ) وذكرت أنه قال: ( سمي جزما لأنه جزم عن المسند، أي أخذ منه)( ). قال ابن جني: (معنى جزم: أي قطع منه وولد عنه)( ). والمسند هو خط أهل اليمن قبل الأسلام، وقد تقدم الحديث عنه.
ولم تتوقف أكثر المصادر العربية القديمة عند هذا الرأي في أصل الخط العربي الشمالي، حتى جاء ابن خلدون فبنى عليه رأيه في أصل الخط العربي، وطريق انتقاله الى الحجاز، فقال في المقدمة: (وقد كان الخط العربي بالغا مبالغه من الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة، لما بلغت من الحضارة والترف، وهو المسمى بالخط الحميري. وانتقل منها الى الحيرة لما كان بها من دولة آل المنذر نسباء التبابعة في العصبية، والمجددين لملك العرب بأرض العراق. ولم يكن الخط عندهم من الإجادة كما كان عند التبابعة، لقصور ما بين الدولتين، فكانت الحضارة وتوابعها من الصنائع وغيرها قاصرة عن ذلك. ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر... فالقول بأن اهل الحجاز إنما لقنوها من الحيرة، ولقنها اهل الحيرة من التبابعة وحمير هو الأليق من الأقوال)( ).
وسنجد أن للمحدثين اعتراضات على هذه النظرية التي تربط بين المسند والخط العربي الشمالي، على الرغم من أن لها مؤيدين أيضا، لكن ما يجب ذكره هنا هو أن ابن خلدون قد تنبه في موضع آخر من المقدمة الى أن هناك فرقا بين الخطين، وذلك حيث قال: (ثم الكتابة مختلفة باصطلاحات البشر في رسومها وأشكالها، ويسمى ذلك قلما وخطا، فمنها الخط الحميري، ويسمى المسند، وهو كتابة حمير وأهل اليمن الأقدمين، وهو يخالف كتابة العرب المتأخرين من مضر، كما يخالف لغتهم، وإن[كان] الكل عربيا)( ).
تلك هي أشهر الروايات والأقوال القديمة في أصل الخط العربي، وهي تتصف بثلاث نقائص:
(1) عدم اعتمادها على الوثائق، أي النقوش الكتابية القديمة.
(2) تعارضها على نحو يمنع التوفيق بينها.
(3) ضعف أسانيدها واتهام رواتها، مما يضعف الثقة بها عموما.
ثانيا: آراء الدارسين المحدثين
اذا تجاوزنا المصادر الحديثة التي رددت الروايات القديمة فاننا نجد أنظار أكثر الدارسين متجهة الى قبول النظرية القائلة بأن الخط العربي منحدر عن الخط النبطي، وقلة منهم تأخذ برأي ابن خلدون وتحاول أن تؤكده بأدلة جديدة. ونتوقف عند رأي هؤلاء القلة أولا ثم نعرض رأي الأكثرية بعد ذلك.

القول بأن المسند أصل الخط العربي
أخذ عدد من الرواد الأوائل المحدثين من الباحثين في تاريخ الخط العربي بالفكرة القديمة القائلة بأن المسند أصل الخط العربي، منهم محمد طاهر الكردي( )، وحفني ناصف( )، وبعد أن اتسعت دراسة النقوش القديمة تبنى جمهور الباحثين النظرية بتحدر الكتابة العربية عن الخط النبطي، الآرامي الأصل.
ويبدو أن العاطفة المعتملة في صدور بعض الباحثين تدفعهم بين الحين والاخر الى تبني نظرية المسند، فالأستاذ أحمد حسين شرف الدين يلاحظ أن خاصية اتصال الحروف في الكتابة النبطية، وانفصالها في المسند (جعل الباحثين في حقل الأبجديات السامية يصدرون احكاما على أن أبجديتنا العربية التي نكتب بها الآن انما هي أبجدية آرامية اقتبسها العرب الأقدمون بواسطة الأنباط، وأنها لا تمت بصلة الى أبجدية العرب الأصلية التي هي المسند...)( ). ثم يقول: (وفي رأينا أن هذا الحكم فيه غاية الجور والتعسف)، وأن الكتابة النبطية في رأيه طورت المسند وادخلت عليه ظاهرة اتصال الحروف، فهي حلقة الأتصال بين كتابتنا العربية والمسند حسب رأيه( ).
وأدخل بعض الباحثين عنصرا جديدا في أصل الكتابة العربية، وهو كتابة الحضر التي تبدو عليها مسحة آرامية ظاهرة، وجعلها أحد أصول الكتابة العربية، في فكرة تتلخص بقوله: (إن الكتابة العربية نشأت بتأثير من الكتابات السابقة في المنطقة، حضرية ونبطية ومسند، وكتابات أخرى لها حضور بشكل أو أخر في الكتابة الجديدة التي تركزت في الأنبار والحيرة، ثم انتقلت الى الحجاز..)( ).
إن البحث في الخطوط القديمة وتحديد مسارات تطورها يجب أن يعتمد قبل كل شيء على الوثائق الخطية الأصلية، والمتمثلة بالنقوش الحجرية بالنسبة لتأريخ الكتابة العربية قبل الأسلام، وقد أظهرت دراسة تلك النقوش أن المسند لا يشكل حلقة مباشرة من حلقات تطور الخط العربي الشمالي. وقد رفض عدد من الباحثين، الذين درسوا النقوش العربية القديمة وقاموا بتحليل حروفها، النظرية القائلة بأن المسند هو أصل خطنا الذي نكتب به الآن( ). وقرروا أن كتابتنا ترجع الى خط الأنباط المشتق من الخط الآرامي.
الأصل النبطي للخط العربي:
النبط في أصل اللغة الماء الذي ينبط من قعر البئر اذا حفرت، واستنبط الماء استخرجه، وأطلقت كلمة النبط والأنباط على جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق، وانما سموا نبطا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين، وفي الشام أيضا أنباط( )، وهؤلاء بقايا شعوب قديمة كانت تغلب على لغتهم العجمة، فاذا نطقوا بالعربية ظهر على ألسنتهم الفساد( ).
والأنباط الذين يذكر الباحثون المحدثون أن خطهم هو أصل الخط العربي ليسوا النبط الذين تذكرهم المصادر العربية القديمة، لأن هؤلاء كانوا من الأقوام النازلة في العراق والشام وقت الفتح الأسلامي، أما أولئك فانهم عاشوا في بادية الشام الجنوبية والمناطق المحاذية لشمالي الجزيرة العربية، قبل الأسلام بقرون كثيرة، وجاءت معظم المعلومات عنهم من خلال الآثار الباقية في مدنهم، التي كان أشهرها بصرى وسد (البتراء) والحجر( )، وما عثر عليه من كتابات على الصخور في تلك الأنحاء.
وكان الأنباط قد كونوا دولة، وأول ملك نبطي يعرفه التاريخ هو (حارثة الأول) الذي حكم في حدود سنة( 169 ق.م)، ثم تعاقب ملوك الأنباط حتى كان آخرهم (رب إيل الثاني)، الذي استولى الرومان في عهده على عاصمة ملكهم سلع (البتراء) سنة106ب.م، وزال بذلك الكيان السياسي للأنباط، لكن دورهم الحضاري امتد بعد ذلك عدة قرون في ظل الأحتلال الروماني لبلاد الشام( ).
ويذهب معظم الباحثين الى أن الأنباط قبائل عربية الأصل، استوطنت في أنحاء الجزيرة العربية الشمالية وسرعان ما استقروا وتحضروا، وكونوا دولتهم التي كانت تمر من خلالها طرق التجارة الرئيسية، ولكنهم استخدموا الكتابة الآرامية التي كانت سائدة في الشام في عصر بزوغ دولة الأنباط( ).
وكان استخدام الأنباط للكتابة الآرامية بداية لنشوء الخط العربي الشمالي، فعلى أيديهم تطورت أشكال الحروف الآرامية، وصار لهم خط قديم تبدو عليه ملامح الأصل على نحو واضح، وخط متأخر امتاز بميله الى ربط حروفه بعضها ببعض، حتى اكتسب شكلا يمكن لقراء القلم العربي الشمالي أن يتعرفوا عليه بسهولة( ). (ينظر صورة الخط النبطي في الشكل رقم 2).
وعثر الباحثون على كثير من النقوش النبطية، وقاموا بدراستها وتحليليها، والذي يهمنا التعرف عليه هنا هو النقوش النبطية المتأخرة التي تظهر فيها ملامح التطور نحو الخط العربي بشكل واضح، ومن أشهرها نقش النمارة. ومن النقوش العربية القديمة التي يظهر فيها الخط العربي وقد تكاملت خصائصه، وتخلص من ملامح أصله النبطي- الآرامي نقش جبل أسيس ونقش حران، ويمكن أن نضم الى هذه المجموعة أقدم نقش اسلامي مؤرخ، وهو المعروف بنقش القاهرة. ومن خلال دراسة هذه النقوش يمكن للقارئ أن يتعرف على جانب من أدلة الباحثين المحدثين التي قادتهم الى القول بأن الخط العربي مشتق من الخط النبطي.
1- نقش النمّارة:
عثر على هذا النقش المستشرقان دوسو وماكلر سنة (1901م)على بعد كيلومتر واحد من النمارة، القائمة على أنقاض قصر روماني شرقي جبل الدروز، وهو شاهد قبر ملك عربي اسمه امرؤ القيس بن عمرو، المتوفى سنة328م. وقد عرف هذا النقش بنقش النمارة نسبة الى أسم الموضع الذي عثر على النقش بالقرب منه، (انظر الشكل رقم 3).
وهذه كلمات النقش مرسومة بحروف كتابتنا العربية: على نحو ما قرأها الذين درسوا هذا النقش، علما أن هناك اختلافا بينهم في قراءة بعض الكلمات أو تفسير معناها( ):
1- في نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسر التج.
2- وملك الأسرين ونزرو وملوكهم وهرب محجو عكدي وجأ
3- بزجي في حجج نجرن مدينت شمر وملك معدو ونزل بنيه
4- الشعوب ووكلهن فرسو لروم فلم يبلغ ملك مبلغه
5- عكدي هلك سنت 23 يوم 7 بكسلول بلسعد ذو ولده
إن الاختلاف في قراءة بعض الكلمات في النقش مثل (محجو) في السطر الثاني التي قرئت (مذ حجو) ، و(نزل) في السطر الثالث التي قرئت ايضا (بين) أو(نيل) وغيرها. وكذا الأختلاف في تفسير معاني بعض الكلمات لا يخفي السمة البارزة فيه، وهي كونه مكتوبا بلغة عربية واضحة، لاسيما اذا لاحظنا أن من تقاليد الكتابة آنذاك عدم إثبات الألف في وسط الكلمات، مثل التج: التاج، ونجرن: نجران، وكذلك زيادة الواو في آخر أسماء الأعلام مثل عمرو:عمر، ونزرو:نزار، ولا يمنع ذلك من وجود كلمات نبطية ذات صبغة آرامية مدرجة في النص لكونه عثر عليه في منطقة لا تخلو من مؤثرات لغوية غير عربية.
إن لهذا النقش أهمية تاريخية ولغوية تتمثل بقدمه، فهو مؤرخ بسنة 223 من تاريخ بصرى الذي يبدأ سنة 105م، السنة التي سقطت فيها مدينة بصرى على يد الرومان، الموافق لسنة 328 من التاريخ الميلادي( )، وتتمثل بشكله الكتابي الذي يعتبر حلقة الأتصال أو نقطة التحول من الخط النبطي ذي الملامح الآرامية الى الخط العربي الذي انفصل عن أصله وتميز بخصائص جديدة جعلت منه خطا مستقلا، صار بعد ذلك كتابة عالمية، بعد أن كتب به القرآن الكريم واتخذته الدولة العربية الأسلامية خطا رسميا لها.
2- نقش جبل أسيس
عثرت على هذا النقش بعثة ألمانية للتحري عن الآثار في سوريا في حزيران سنة 1965م، في منطقة تبعد 105 كيلومترات جنوب شرقي دمشق عند جبل أسيس. ويعد هذا النقش آخر نقش عربي جاهلي اكتشافا، فيما نعلم، ولا يزال هذا النقش غير معروف لدى كثير من الباحثين في تاريخ الكتابة العربية( ). وهذا نص كلماته بحروف كتابتنا التي نستخدمها اليوم (انظر الشكل رقم 4):

1. ابراهيم بن مغيرة الأوسي
2. أرسلني الحرث الملك على
3. سليمن مسلحة سنت
4. 423
وسنة 423 بتاريخ بصرى تقابل سنة 528م، ويبدو أن الحارث المذكور في النص هو الحارث بن جبلة الذي انتصر على المنذر الثالث اللخمي في عام 528م( ). وأن ابراهيم بن مغيرة الأوسي هو احد أتباع الملك المحاربين، فالمسلحة تعني ( القوم الذين يحفظون الثغور من العدو، وسموا مسلحة لأنهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنهم يسكنون المسلحة، وهي كالثغر والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة، فاذا راوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له)( ).
وكلمات هذا النقش مقروءة بشكل عام، وهي عربية خالية من أي مظهر من مظاهر العجمة، وهو على قصره ذو دلالة كبيرة في تتبع تطور الخط العربي قبل الأسلام، فيمكن القول إنه في سنة 528م كانت هناك كتابة عربية ذات خصائص متميزة في اشكال الحروف، وطريقة رسم الكلمات، المتمثلة بتجرد الحروف من نقاط الأعجام ومن علامات الحركات، وحذف الألف المتوسطة.
3- نقش حران
عثر بعض المستشرقين سنة1864م في منطقة حرّان اللجا، في المنطقة الشمالية من جبل الدروز، على كتابة مدونة باليونانية والعربية على حجر موضوع فوق باب كنيسة، وهو مؤرخ بسنة 463(من تقويم بصرى=568م)، وهذه كلمات النص مكتوبة بحروف كتابتنا (انظر الشكل رقم 5)
1.أنا شرحيل بن ظلمو بنيت ذا المرطول
2.سنة 463 بعد مفسد
3.خيبر
4.بعم
والقراءة الكاملة للنص فيأنا شراحيل بن ظالم، بنيت ذا المرطول(الكنيسة) سنة 568م، بعد مفسد خيبر بعام)، ومفسد خيبر قد يشير الى غزوة قام بهاالحارث بن أبي شمر أحد بني غسان لخيبر، على ما يذهب اليه بعض الدارسين( ).
ونقش حران يتميز بالخصائص الكتابية التي لاحظناها في نقش جبل أسيس، من حيث خلوه من نقاط الأعجام وعلامات الحركات، مثل كل النقوش العربية الجاهلية، ومن حيث حذف الألف المتوسطة، (شرحيل = شراحيل، ظلمو = ظالم، بعم = بعام)، والواو في آخر (ظلمو) هي مثل الواو المزيدة في الأعلام الواردة في نقش النمارة.
4- نقش القاهرة
اكتشف هذا النقش الأستاذ حسن محمد الهواري من بين عدد كبير من قطع الحجر أو الرخام المكتوبة بالخط الكوفي، التي تحتفظ بها دار الآثار العربية بالقاهرة، وهي مجلوبة من أقدم المقابر الأسلامية في القاهرة وأسوان، وذلك في سنة 1929م( ). وكتب مقالة بعنوان (أقدم أثر إسلامي) في مجلة الهلال المصرية( ). وهو اليوم محفوظ في متحف الفن الأسلامي في القاهرة برقم (29/1058) وحجم قطعة الحجر المكتوب عليها هو( 38سم×71سم)( ). ويطلق بعض الباحثين عليه نقش أسوان أحيانا، على أساس أنه عثر عليه في مقابر أسوان في جنوبي مصر( ). لكن الذي نص عليه حسن الهواري ومقالته عن النقش أنه لرجل (دفن بالقرافة بظاهر الفسطاط)( ). والصحيح أذن تسميته نقش القاهرة.
وقد اتفق الباحثون على قراءة كلمات هذا النقش ما عدا كلمتين أو ثلاثا، اختلفوا في قراءتها لأن النص غير منقط في الأصل، مثل النقوش الجاهلية، وهذه قراءة النص، مع الأشارة الى الكلمات المختلف في قراءتها بوضعها بين قوسي (انظر الشكل رقم6):
1.بسم الله الرحمن الرحيم هذا القبر
2. لعبد الرحمن بن (خير) (الحجري) اللهم اغفر له
3.وأدخله في رحمة منك (واننا) معه
4. استغفر له اذا قرأ هذا الكتب
5. وقل آمين وكتب هذا ا
6. لكتب في جمدي الآ
7. خر من سنت احدى و
8. ثلثين
اختلف الباحثون في قراءة كلمة (خير) في السطر الثاني، فقرأها بعضهم (جبر)، وكذلك قرأ بعضهم (الحجري) في السطر ذاته (الحجازي)( ). وقد رجح حسن الهواري (خير) و (الحجري) بفتح الحاء وسكون الجيم( ). وكذلك اختلفوا في قراءة كلمة (واننا) في السطر الثالث، فقرأها بعضهم (وآتنا)( )، وقرأها آخرون (وإيانا)( ). واقترح الدكتور خليل يحيى نامي قراءة كلمة (قرأ) في السطر الرابع (قرأت) بإضافة تاء الفاعل( )، فكانه برى ان الكاتب نسي كتابة التاء.
ومن خلال دراسة وتحليل أشكال الحروف في النقوش السابقة وغيرها رجح الدارسون النظرية القائلة بتطور الكتابة العربية عن الخط النبطي، ويؤيدون ذلك بأمرين آخرين هما( ):
1-ترتيب الحروف، فاستخدام العرب القدماء لالفاظ: أبجد هوز...الخ في تعليم الحروف دليل على اشتقاق الخط العربي من القلم النبطي المتفرع من الخط الارامي، حيث كان الاراميون يستعملون هذا الترتيب الذي أخذوه عن الفينيقيين. وحكاية الحروف الروادف التي مر ذكرها في الروايات العربية القديمة تشير الى أن علماء الخط العربي الأوائل الذين لانعرف عنهم شيئا يذكر قد ألحقوا الحروف التي تنفرد بها العربية في آخر ذلك الترتيب. أما ترتيب أ ب ت ث فجاءت في الكتابة العربية بعد الاسلام.
2- أسماء الحروف: حيث تتميز أسماء الحروف بوجود نطق الحرف في أول أسمه، فحين تقول جيم، فأول حروف الاسم جيم،وحين نقول كاف فأول ماننطق به كاف، وهكذا، ووجود هذه الظاهرة في أسماء الحروف العربية دليل على ارتباط الابجدية العربية بالابجديات التي كانت سائدة في منطقة الشام، التي تتميز فيها أسماء الحروف بهذه الظاهرة أيضا، وهي أقدم وجودا من الكتابة العربية.
ويبدوا أن الكتابة العربية نشأت في أطراف الجزيرة العربية الشمالية على أطراف بلاد الشام، حيث كان الانباط يقيمون أو يتجولون، ومن هناك انحدرت الى قلب الجزيرة قبل الإسلام، إما مباشرة، أو عن طريق القرى العربية التي كانت منتشرة غربي العراق على الفرات، مثل الأنبار والحيرة، وهو ما تشير إليه الروايات العربية القديمة.
ومن ملاحظة النقوش العربية الجاهلية يمكن القول إن الكتابة العربية بدأت تتميز منذ القرن الرابع الميلادي وأنها كانت قد اكتملت ملامحها في أوائل القرن السادس، ولا شك في أنه كلما ازدادت النقوش الكتابية العربية القديمة المكتشفة ساعد ذلك على تحديد مكان نشوء الكتابة وزمان استوائها على نحو أكثر تحديدا.
ومن المفيد هنا تلخيص خصائص الكتابة النبطية المتأخرة والكتابة العربية الجاهلية كما تبدو في النقوش، لأن مميزات الكتابة في هذه المرحلة تركت أثرها على الكتابة العربية في العصور اللاحقة، حتى عصرنا الحاضر، وأهم تلك الخصائص( ):
1- كانت الكتابة خالية من نقاط الأعجام، حيث يشترك أكثر من حرف برمز كتابي واحد، والسياق هو الذي يحدد الحرف المقصود.
2- لم تكن للحركات علامات خاصة بها.
3- حذف الألف المتوسطة، وكذا الياء والواو في بعض الحالات. ولا تزال بقايا من هذه الظاهرة في كتابتنا الى اليوم مثل: لكن، وهذا، وداود، وغيرها؟.
4-ارتباط الحروف بعضها ببعض في الكلمة الواحدة، ما عدا الحروف الستة، وهي الألف والراء والزاي والواو والدال والذال، فانها لا ترتبط بما بعدها.
5- رسم تاء التأنيث في آخر الأسماء بالتاء وليس بالهاء، مثل (مدينت، سنت).
6- زيادة واو في آخر أسماء الأعلام، في الكتابة النبطية، وظلت بقايا من هذه الظاهرة في الكتابة العربية في كلمة (عمرو).
وكانت هذه الخصائص الكتابية قد ظهرت بشكل واضح في رسم المصحف في صورته القديمة الأولى، قبل أن يعمل العلماء على تنقيطه ووضع علامات للحركات فيه( ).


هذا البحث منشور في مجلة الحكمة
__________________
أخـي لن تنال العـلـم إلا بسـتة .... سأنـبيك عـن تفصـيلها بـبيان
ذكـاء وحـرص واجتهـاد وبلغـة .... وصحـبة أستاذ وطـول زمـان

ذنوب الخلوات تؤدي إلى الانتكاسات
وطاعة الخلوات طريق للثبات حتى الممات
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-04-09, 02:41 AM
أبو زارع المدني أبو زارع المدني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-07-07
الدولة: جدة
المشاركات: 9,292
افتراضي

جزاكم الله خيرا
__________________
.
(اللهم إني أسألك من "الخير كله": عاجله وآجله, ما علمتُ منه وما لم أعلم .. وأعوذ بك من "الشر كله": عاجله وآجله, ما علمتُ منه وما لم أعلم)
.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:38 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.