ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 23-11-05, 08:30 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي مقالات الشيخ مساعد الطيار في ملتقى أهل التفسير

نظرات في علوم القرآن


--------------------------------------------------------------------------------

نظرات في علوم القرآن
إن علوم القرآن من العلوم التي لم تنضج بعد ، ولا زالت بحاجة إلى إعادة نظر ، إضافة ونقد وتحرير .
وسأذكر في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله طروحات تتعلق بهذا الموضوع ، وستكون موضوعات متفرقة غير مرتبة ، وسأطرح منها حسب ما يتيسر لي من الوقت في الكتابة فيه ، وقد كنت أتمنى لو أسير على تصنيف السيوطي في الإتقان ، وأذكر تحت كل موضوع يطرحه تلخيصًا لما يطرحه ، ثم أطرح ما في جعبتي من تتميم واستدراك ونقد ، لكن هذا يتطلَّب وقتًا لا أراه بين يدي الآن ، وعسى الله أن ييسِّر لي ذلك مستقبًلا ، إنه سميع مجيب .
وقبل الحديث عن هذه الموضوعات أذكر أنَّ من أبرز ما يحتاج إلى تجديد في هذا العلم :
الأولى : تحرير تأثر الكتابة في هذا العلم بما تحررت كتابته في العلوم الأخرى .
الثانية : حاجة هذا العلم إلى التجديد من جهة تحرير مصطلحاته بناءً على استقراء أمثلة الموضوعات في كلام السلف وتفاسيرهم .
الثالثة : وضع كشاف للنصوص الواردة عن السلف يكون مفهرسًا فهرسة موضوعية ، بحيث يورد فيه كل الجزئيات المذكورة في كلام السلف حسب الموضوعات الدقيقة الجزئية الواردة في نصوصهم ، وهذا العمل ـ لو تَمَّ ـ فإنه نفيسٌ جدًّا ، وهو مما يفيد الباحثين في موضوعات علوم القرآن .
وسأطرح أمثلة تتعلق بالنقطة الأولى والثانية في الموضوعات التي ألقيها في هذه السلسلة ، أما المسألة الثالثة ، فأطرح فكرتها هنا ؛ لأنها لن تمرَّ في هذه الموضوعات المطروحة :مثال :
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : » لما نزلت : (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) قلنا : يا رسول الله ، أينا لا يظلم نفسه ؟.
قال : ليس كما تقولون : (لم يلبسوا إيمانهم بظلم ) : بشرك ، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه : (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) « .
يمكن فهرسة الموضوعات الموجودة في هذا الأثر على شكل الفوائد الآتية :
1 ـ أن الصحابة إذا أشكل عليهم شيء من القرآن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم . ( مشكل التفسير عند الصحابة ) .
2 ـ أن الصحابة كانوا يجتهدون في فهم المعنى ، فإذا أشكل عليهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن سلوك هذا السبيل ، بل أرشدهم إلى معنى الآية . ( اجتهاد الصحابة في التفسير في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ) .
3 ـ أن الصحابة كانوا يرجعون إلى المعروف من لغتهم العربية ، ففسروا الظلم بما يعرفون . ( الأخذ بلغة العرب عند الصحابة )
4 ـ أنهم أخذوا بعموم الظلم ، وهذا دليل على أنهم يرون أن ألفاظ القرآن علة العموم . ( الأخذ بعموم اللفظ عند الصحابة )
5 ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المرجع في بيان القرآن . ( التفسير النبوي للقرآن )
6 ـ أن تفسير القرآن بالقرآن منهج صحيح لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم . ( تفسير القرآن بالقرآن ) .
وأسأل التوفيق والإخلاص في القول والعمل .
أولاً : موضوع العموم والخصوص
لم يخرج من كَتَبَ في موضوع العموم والخصوص في الدراسات القرآنية من ربقة علم أصول الفقه ، فصار الحديث في هذا الموضوع نسخة مكررة عما هو موجود في كتب أصول الفقه إلا في القليل النادر .
ويلاحظ على موضوع العموم والخصوص المطروح في علوم القرآن :
1 ـ أنه ـ في الغالب ـ يتعلق بعلم الأحكام الشرعية ، وهذا في حقيقته جزء من مسألة العموم ، وليس كل ما يتعلق بالعموم في القرآن .
2 ـ أنه لا يبعد أن يكون الموضوع المتعلق بالعموم والخصوص من جهة تعلقه بالأحكام الشرعية = أقلَّ من غيره مما ستراه منسيًا في بحث هذا الموضوع في علوم القرآن .
ملخص مبحث العموم والخصوص في كتاب الإتقان
طرق السيوطي هذا الموضوع في النوع الخامس والأربعين من أنوع علوم القرآن ( 3 : 43 ـ 51 ) ، وبيَّن فيه تعريف العام ، وألفاظ العموم وصيغة ، وأقسام العام ( العام الباقي على عمومه ، والعام المراد به الخصوص ، والعام المخصوص ) وقد ذكر ستة فروق بين القسمين الأخيرين ، ثم أورد مخصص الهام المتصل ومخصص العام المنفصل ، ثم ذكر تخصيص القرآن بالسنة في فصل ، ثم ذكر خمسة مسائل منثورة في تتعلق بالعموم والخصوص .
وجُلُّ ما ذكره في هذا النوع مأخوذ من كتب أصول الفقه ، وقد أشار إلى هذه المسألة الدكتور حازم سعيد حيدر في كتابه النافع ( علوم القرآن بين البرهان والإتقان ) ، قال : » وهذا النوع له ارتباط وثيق بأصول الفقه ، لذلك قلَّ كتاب من كتب الأصول يخلو منه ، لذا نقل السيوطي فيه عن البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين ، وعن المستصفى للغزالي ، والإبهاج في شرح المنهاج للسبكي ، دون أن يسمِّيَها ، ولكن سمَّى أصحابها ... « . ( ص : 428 ـ 429 ) .
ومن المباحث المرتبطة بالعموم ـ وهي غير موجودة في كتب علوم القرآن التي كتبت في هذا الموضوع ـ ما يأتي :
المسألة الأولى : الأصل في الأحكام الشرعية المذكورة في القرآن أنها على العموم ، ويلحق بها الأخبار .
أما الأحكام الشرعية ، فقد نصَّ الطبري ( ت : 310 ) على أن السلف كانوا يرون أن حكم الله فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم على العموم الظاهر دون الخصوص الباطن ، قال ف تعليقه على قصة البقرة من سورة البقرة : » وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم من قولهم إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم على العموم الظاهر دون الخصوص الباطن إلا أن يخص بعض ما عمه ظاهر التنزيل كتاب من الله أو رسول الله وأن التنزيل أو الرسول إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمت ذلك الجنس خاصة وسائر حكم الآية على العموم على نحو ما قد بيناه في كتابنا كتاب الرسالة من لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام في قولنا في العموم والخصوص وموافقة قولهم في ذلك قولنا ومذهبهم مذهبنا وتخطئتهم قول القائلين بالخصوص في الأحكام وشهادتهم على فساد قول من قال : حكم الآية الجائية مجيء العموم على العموم ما لم يختص منها بعض ما عمته الآية فإن خص منها بعض فحكم الآية حينئذ على الخصوص فيما خص منها وسائر ذلك على العموم
وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفا ممن عاب على بني إسرائيل مسألتهم نبيهم صلى الله عليه وسلم عن صفة البقرة التي أمروا بذبحها وسنها وحليتها رأوا أنهم كانوا في مسألتهم رسول الله  موسى ذلك مخطئين ، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر إذ أمروا بذبحها بقوله : أن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فذبحوها كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدين وللحق مطيعين إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع وسن دون سن ورأوا مع ذلك أنهم إذا سألوا موسى عن سنها فأخبرهم عنها وحصرهم منها على سن دون سن ونوع دون نوع وخص من جميع أنواع البقر نوعا منها كانوا في مسألتهم إياه في المسألة الثانية بعد الذي خص لهم من أنواع البقر من الخطأ على مثل الذي كانوا عليه من الخطأ في مسألتهم إياه المسألة الأولى وكذلك رأوا أنهم في المسألة الثالثة على مثل الذي كانوا عليه من ذلك في الأولى والثانية وأن اللازم كان لهم في الحالة الأولى استعمال ظاهر الأمر وذبح أي بهيمة شاءوا مما وقع عليها اسم بقرة وكذلك رأوا أن اللازم كان لهم في الحال الثانية استعمال ظاهر الأمر وذبح أي بهيمة شاءوا مما وقع عليها اسم بقرة عوان لا فارض ولا بكر ولم يروا أن حكمهم إذ خص لهم بعض البقر دون البعض في الحالة الثانية انتقل عن اللازم الذي كان لهم في الحالة الأولى من استعمال ظاهر الأمر إلى الخصوص ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك مع الرواية التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافقة لقولهم دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه فيما أمر ونهى على العموم ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له وأنه إذا خص منه شيء فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر وسائر حكم الآية على ظاهرها العام ويؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه وقد زعم بعض من عظمت جهالته واشتدت حيرته أن القوم إنما سألوا موسى ما سألوا بعد أمر الله إياهم بذبح بقرة من البقر لأنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها خصت بذلك كما خصت عصا موسى في معناها فسألوه أن يحليها لهم ليعرفوها ولو كان الجاهل تدبر قوله هذا لسهل عليه ما استصعب من القول وذلك أنه استعظم من القوم مسألتهم نبيهم ما سألوه تشددا منهم في دينهم ثم أضاف إليهم من الأمر ما هو أعظم مما استنكره أن يكون كان منهم فزعم أنهم كانوا يرون أنه جائز أن يفرض الله عليهم فرضا ويتعبدهم بعبادة ثم لا يبين لهم ما يفرض عليهم ويتعبدهم به حتى يسألوا بيان ذلك لهم فأضاف إلى الله تعالى ذكره ما لا يجوز إضافته إليه ونسب القوم من الجهل إلى ما لا ينسب المجانين إليه فزعم أنهم كانوا يسألون ربهم أن يفرض عليهم الفرائض فتعوذ بالله من الحيرة ونسأله التوفيق والهداية « .
وأما الأخبار ، فالظاهر أنها كالأحكام في العموم ، لذا نشأ عند ابن جرير الطبري ( ت : 310 ) قاعدة : الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه ، وهذه القاعدة من أكثر القواعد التي اعتمدها الطبري ( ت : 310 ) في ترجيحاته بين الأقوال .
ومن أمثلة ترجيحاته المعتمدة على العموم :
في قوله تعالى : وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ] الذاريات : 22 [ .
ذكر في معنى » وما توعدون « قولين عن السلف :
الأول : الخير والشر .
والثاني : الجنة والنار .
ثمَّ قال : » وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي القول الذي قاله مجاهد لأن الله عَمَّ الخَبَرَ بقوله : وما توعدون عن كل ما وعدنا من خير أو شر ، ولم يخصص بذلك بعضا دون بعض ، فهو على عمومه كما عمَّه الله جل ثناؤه « . تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 26 : 206 ) .
ومبحث العموم في أخبار الله ، وترجيحات الطبري ( ت : 310 ) من المباحث التي تصلح للترقية ، وفيه فوائد لطيفة ، منها :
معرفة الكمية التي حكم الطبري ( ت : 310 ) فيها بالعموم .
معرفة العلل الموجبة للخصوص عند الطبري ( ت : 310 ) .
تطبيقات بعض العلل التي توجب التخصيص عند الطبري ( ت : 310 ) . إلى غير ذلك .
فائدة : لم يرد عن السلف مصطلح العموم والإطلاق المقابلان للتخصيص والتقييد ، وهذان المصطلحان من تقييدات المتأخرين ، بل كانت عباراتهم على عادتهم مؤدية للمعنى المراد دون التحديد بهذه المصطلحات ، ولذا ورد عنهم في تفسير قصة البقرة عبارات متقاربة في أنهم لو أخذوا بقرة ما كانت لأجزأت عنهم .
المسألة الثانية : أن الأسباب لا تُخصِّص الألفاظ العامة ، بل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وهذه مسألة مشهورة مذكورة عند الأصوليين وغيرهم ، لكن تطبيقاتها الكثيرة متناثرة في كتب التفسير ، وهي صالحة بمفردها لأن تكون بحثًا مستقلاً ، يُحرَّر فيها ما يتعلق بهذه القاعدة وما فيها من تطبيقات ، ويناقش فيها ـ كذلك ـ القول القائل : العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ ، والبحث في من قال به من العلماء ، وثمرة الخلاف وأثره على التفسير ، كل ذلك يكون من خلال التطبيقات الموجودة في التفسير .
ومن المفسرين الذين نصَّوا على قاعدة ( العبرة بعموم اللفظ ) الطبري ( ت : 310 ) : ، قال : » ... مع أن الآية تنْزل في معنى فَتَعُمُّ ما نزلت به فيه وغيره فيلزم حكمها جميع ما عمته لما قد بينا من القول في العموم والخصوص في كتابنا كتاب البيان عن أصول الأحكام « . تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 5 : 9 ) .
ويدخل في هذا المعنى ما يشمل المراد بالمعنى الذي قد يعبر عنه بعض السلف بالنُّزول ، كالوارد في تفسير قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ  ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ] الزمر : 30 ـ 31 [ .
فقد ورد أنها في اختصام المؤمنين والكافرين والمظلوم والظالم .
وورد عن ابن عمر قال : نزلت علينا هذه الآية وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة فقلنا هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه .
قال الطبري ( ت : 310 ) : » وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : عني بذلك : إنك يا محمد ستموت ، وإنكم أيها الناس ستموتون ، ثم إن جميعكم أيها الناس تختصمون عند ربكم : مؤمنكم وكافركم ، ومحقوكم ومبطلوكم ، وظالموكم ومظلوموكم حتى يؤخذ لكل منكم ممن لصاحبه قبله حق حقه .
وإنما قلنا : هذا القول أولى بالصواب ؛ لأن الله عَمَّ بقوله : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون خطاب جميع عباده ، فلم يخصص بذلك منهم بعضا دون بعض ، فذلك على عمومه على ما عمَّه الله به .
وقد تنْزل الآية في معنًى ثم يكون داخلا في حكمها كل ما كان في معنى ما نزلت به « . تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 24 : 2 ) .
ويدخل في هذا ما يحكونه من نزول بعض الآيات في عدد من الأشخاص ، فإنه لا يلزم أن تكون نزلت فيهم ، ولا أن تكون نزلت في أحدهم ، والنظر ـ من جهة التفسير ـ في هذا الحال إلى صحة انطباق المذكورين على معنى الآية ، ومن ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر ] الكوثر : 3 [ .
فقد ورد أن الأبتر : العاص بن وائل ، وقيل : عقبة بن أبي معيط .
وقد يكون أحدهما هو المعنيُّ بنُزول الآية ، وقد يكونان معًا ، وقد لا يكونان المعنيين قصدًا بنُزولها .
وفي جميع هذه الأحوال ، فإنَّ هذان الشخصان ممن ينطبق عليهم وصف الشانئ للرسول  ، فهم ممن أبغضه ، فجعله الله منقطعًا عن كل خير ، والله أعلم .
ولأجل هذا ، فإن الآية تعمُّ كل من كان مبغضًا لرسول الله  من لدن أعدائه الأُوَلِ من قريش والعرب إلى يوم الدين .
قال الطبري ( ت : 310 ) : » وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن الله ـ تعالى ذكره ـ أخبر أن مبغض رسول الله  هو الأقل الأذل المنقطع عقبه ، فذلك صفة كل من أبغضه من الناس ، وإن كانت الآية نزلت في شخص بعينه « . تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 30 : 330 ) .
ملاحظة : في تحقيق السبب الذي نزلت الآية من أجله فائدة لا تدخل في مجال التفسير ، بل في مجالات علمية أخرى ، ولعلي أطرح هذه الفكرة في مقالة مستقلة ، أذكر فيها متى تقع الحاجة إلى تحرير أسباب النُّزول ، والله الموفق .
المسألة الثالثة : أنه يكثر في تفسير السلف للعمومات التمثيل لها :
وهذا الأسلوب التفسيري عندهم يعتبر من أكثر تفسيراتهم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ( ت : 728 ) في رسالته في أصول التفسير ، حيث قال في نوعي اختلاف التنوع : » ... وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير ـ تارة لتنوع الأسماء والصفات ، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه ؛ كالتمثيلات ـ هما الغالب في تفسير سلف الأمة ، الذي يُظنُّ أنه مختلف « . مقدمة في أصول التفسير ، تحقيق عدنان زرزور ( ص : 49 ) .
وإذا كان التمثيل للعموم كثير في تفسير سلف الأمة فأين هو في مباحث العموم التي تُدرس في علوم القرآن ؟!
إنَّ هذا الموضوع مما لا تكاد تجده في من بحث في العموم والخصوص ؛ لأنَّ البحث فيه منتخب مما كُتِبَ في علم أصول الفقه ، فغاب هذا المبحث المهم عن من كتب العموم والخصوص في علوم القرآن .
وفي هذا الموضوع بحثان مهمَّان :
الأول : كيف حُكِمَ على تفسيرات السلف للعموم بالتمثيلات أنها من قبيل المثال لا التخصيص ؟
الثاني : إذا ثبت أنَّ تفسير السلف للعموم بالتمثيلات إنما هو على سبيل المثال لا على سبيل التخصيص ، فهل يخالف ذلك قاعدة : الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه ؟
أما الجواب عن الأول ، فإن ذلك ظاهر بالاستقراء في تفاسيرهم ، وبتنوع عبارة المفسر عن المعنى العام أحيانًا ، فترد عنه عبارة على سبيل المثال ، وترد عنه عبارة أخرى على سبيل المثال للعامِّ .
ومن أمثلة ما ورد من تنوع عبارة المفسر عن المعنى العام ما ورد عن ابن عباس (ت : 68 ) في تفسير قوله تعالى : وشاهد ومشهود ] البروج : 3 [ ، فقد ورد عنه العبارات الآتية :
1 ـ من طريق عطية العوفي : الشاهد : يوم الجمعة ، والمشهود : يوم عرفة .
2 ـ من طريق يوسف المكي عنه : الشاهد : محمد ، والمشهود : يوم القيامة ، وقرأ : ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود .
3 ـ من طريق على بن أبي طلحة : الشاهد : الله ، والمشهود : يوم القيامة .
4 ـ من طريق مجاهد : الشاهد : يوم عرفة ، والمشهود : يوم القيامة .
وإنما تنوعت العبارات عن ابن عباس ( ت : 68 ) رضي الله عنهما ؛ لأنه نحى إلى التمثيل لذلك الاسم العام ، وهو الشاهد والمشهود ، وإذا تأملت أقواله التفسيرية في الشاهد وجدتها مما ينطبق عليه وصف الشاهد وكذا أقواله في المشهود ينطبق عليها وصف المشهود .
ولو حملت عبارته على التخصيص لذهبت إلى تناقض الرواية عنه ، كما يظن من جَهِلَ طريقة السلف في التفسير فحكم على هذا التنوع وأمثاله بالتناقض ، وهو في الحقيقة ليس كذلك .
كما أنه قد ورد عن بعضهم الإشارة إلى هذا ، قال الطبري : » حدثني يعقوب قال ثني هشيم قال أخبرنا أبو بشر وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر : هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه .
قال أبو بشر : فقلت لسعيد بن جبير فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه « . تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 30 : 321 ) .
وأما الجواب عن الثاني ، فإنه يقال : لا اختلاف بين الترجيح بقاعدة العموم والقول بالتمثيل ، وإنما تُذكر القاعدة لئلا يُفهم أن هذه التمثيلات على سبيل التخصيص ، وهذا يعني أن عباراتهم في التمثيل ليست حجة في تخصيص العامِّ إلا أن يَرِدَ في سياق العبارة ما يدلُّ على إرادة المفسر من السلف التخصيصَ .
وإذا ورد التخصيص للَّفظ العامِّ ، وظهر ضعف التخصيص ، فإنَّ القاعدة تكون من باب ردِّ التخصيص .
أما إذا حملتَ الأقوال على التمثيل ، فإنَّ القول بالقاعدة يكون للتنبيه على العموم ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : تعميم اللفظ على عمومه الأعم دون تقييده بسياق الآية .
إن هذه المسألة من المسائل المهمة في هذا الموضوع ، وهي مما يدخل ضمن موضوع الاستنباط ؛ لأنَّ فيها العبور عما سيق اللفظ أو الجملة فيه إلى معانٍ تدخل فيهما بتجريدهما عن سياقهما الذي هما فيه .
ويظهر أن القياس هو الذي يمثِّل هذه المسألة ؛ لأنَّ الخروج باللفظ أو الجملة عن سياقهما إدخالٌ لصور لم يدل عليها ظاهر اللفظة أو الجملة في السياق .
ويدخل في هذا المهيع من الصور :
1 ـ إدخال ما ليس في حكم الآية بها .
2 ـ الاستشهاد بالآية على ما لم تنْزل فيه .
3 ـ تنْزيل الآية على واقعة حدثت بعد نزول القرآن .
ومن أمثلة إدخال ما ليس في حكم الآية بها : ما ورد في تفسير قوله تعالى : الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ] البقرة : 3 [ ، قال الراغب الأصفهاني ( ت : بعد : 400 ) : » فالإنفاق من الرزق ـ بالنظر العامي ـ : من المال ؛ كما تقدَّم .
وأما بالنظر الخاصي : فقد يكون الإنفاق من جميع المعاون التي آتانا الله ـ عز وجل ـ من النعم الباطنة والظاهرة ؛ كالعلم والقوة والجاه والمال . ألا ترى إلى قوله عليه السلام : إن علمًا لا يقال به ، ككنْز لا يُنفق منه .
وبهذا النظر عدَّ الشجاعة وبذل الجاه وبذل العلم من الجود حتى قال الشاعر :
....................... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وقال آخر :
بحر يجود بماله وبجاهه والجود كل الجود بذل الجاه
وقال حكيم : الجود التامُّ : بذل العلم .
فمتاع الدنيا عرض زائل ينقصه الإنفاق . وإذا تزاحم عليه قوم ثَلَمَ بعضهم حال بعضٍ ، والعلم بالضدِّ ، فهو باق دائم ، ويزكو على النفقة ، ولا يثلم تناول البعض حال الباقين .
وإلى هذا ذهب بعض المحققين ، فقال : ومما رزقناهم ينفقون ؛ أي : مما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون . فعلى هذا [ هو ] عام في كل ذلك « . مقدمة جامع التفاسير ، تحقيق أحمد حسن فرحات ( ص : 158 ـ 159 ) .
وهذا المثال ظاهر جدًّا ، فسياق الآية كما هو ظاهر في الإنفاق المالي ، بدلالة قرن النفقة بالصلاة ، والذي يقرن بها غالبًا هو الزكاة ، وبدلالة أن مصطلح النفقة في القرآن يغلب على النفقة المالية .
وعلى هذا جاء تفسير السلف مع اختلافهم في نوع النفقة المالية ، هل هي النفقة الواجبة ؛ أي الزكاة وما يجب من النفقة على الأهل ، أم هي ما دون ذلك من النفقة المستحبة ؟ وأقوالهم لم تخرج عن أن المراد بها الإنفاق المالي ، وعلى هذا فالصواب أنَّ الآية في الإنفاق المالي قطعًا ، لكن ما ذكره الراغب ( ت : بعد :400 ) من أنه يدخل فيها جميع أنواع الإنفاق التي يبذلها المسلم من العلم والجاه والقوة وغيرها = غير مرادٍ إرادة أولية ، وإدخاله إنما هو من باب تعميم اللفظ على عمومه الأعمِّ ، وإخراجه من مدلول سياقه المالي ، إلى غيره ، فجعل الرزق يشمل جميع ما يعطيه الله العبد من النعم المعنوية والحسية ، وتكون النفقة من هذه النعم كل بحسبها ، والله أعلم .
ومن أمثلة الاستشهاد بالآية على ما لم تنْزل فيه ، ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) ] الكهف : 54 [ ، فقد روى البخاري ( ت : 256 ) في صحيحه ، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله  طرقه وفاطمة بنت رسول الله  ليلة ، فقال : ألا تُصليان ؟
فقلت : يا رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا .
فأنصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا ، ثم سمعته وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه ، ويقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً « .
وهذه الآية نازلة في سياق الكفار ، واستشهد بها الرسول  على حالِ علي  ، لصدق هذا المقطع على حاله ، والله أعلم .
ومن أمثلة تنْزيل الآية على واقعة حدثت بعد نزول القرآن ، ما ورد عن علي بن أبي طالب  في تفسير قوله تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً  الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ] الكهف : 103 ـ 104 [ . فقد سأله عبد الله بن الكواء ، فقال: » أنتم يا أهل حروراء « . وقال في رواية أخرى : » أنت وأصحابك منهم « . تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 16 : 34 ) .
وتنْزيل السلف بعض الآيات على أهل البدع الذي حدثوا في عصرهم شهير ومتوافر ، ويظهر التعميم في هذا الجملة في أنها تدلُّ على قوم يعملون ، ويحسبون أنهم بهذا العمل من الصالحين المرضين لربهم ، وهم في حقيقة الأمر من أهل الضلال الذين خسروا سعيهم ، والخوارج مثال من أمثلة هؤلاء القوم ، والله أعلم .
ملاحظة : قد سبق طرح موضوع الاستشهاد بالآيات التي نزلت في الكفار وتنْزيلها على المؤمنين في مقالة سابقة في هذا الملتقى . هنا
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=233
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23-11-05, 08:35 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

مُلَحُ التفسير ولطائفه (1)


--------------------------------------------------------------------------------

مُلَحُ التفسير ولطائفه
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد ، فقد أحببت أن أُشْرِكَ إخواني في الملتقى معي في موضوع حيوي يحرص عليه كثير ممن يقرأ في كتب التفسير ، وهي ما يسمى بلطائف التفسير ، أو ملحه ، أو نكته ، وقد يتوسَّع بعضهم فيسمِّيها فوائد ، مع أن الفوائد أوسع مدلولاً من المصطلحات السابقة .
وما سأكتبه لكم إنما هو مفتاح لهذا الموضوع ، ولا يبعد أن لو أخذه باحث وفتَّق أكمامه لخرج بزهر كثير ، وثمر وفير ، فكم من موضوع ينظر إليه ناظر مبدعٌ فيزيد وفيه ، ثم يبدئ ويعيد ، فإذا هو أمام موضوع مبتكر جديد ؛ ينافس بجدَّتِه ، ويعجبُ ناظره بجودته .
وسأجعل الموضوع على مسائل :

المسألة الأولى : تحليل المصطلحات السابقة :
أولاً : اللطائف :
ترجع مادة ( لطف) إلى معنيين :
الأول : الدقة أو الخفاء ، وهذا باب ( لَطُفَ) بضم الطاء .
والثاني : الرفق ، وهذا باب (لَطَفَ) بفتح الطاء .
ويجوز أن يكون المعنيان مرادين في اللطائف ، وتكون تسميتها باللطائف لما فيها من الخفاء الذي لا يُدرك إلا بإمعان نظر ، أوللترفُّقٍ في الوصول إلى اللطيفة ، أو لاجتماعهما معًا فيها .

ثانيًا : المُلحُ :
سمِّيت مُلَحًا لما فيها من الغرابة التي يستعذبها القارئ ويستلذُّها حتى تستولي على لُبِّهِ . قال الراغب في المفردات : (( ثمَّ استُعير من لفظ المِلح الملاحةُ ، فقيل : رجل مليحٌ ، وذلك يرجع إلى حسنٍ يغمض إدراكه )) .
وكذا مُلَحُ الكلام وطرائفُه استعيرت من هذا الباب ، ويظهر أنها أشبهت بحسنها الملح الذي يُحسِّنُ طعم الطعام ويزيِّنه .

ثالثًا : النُّكت :
سُمِّيتَ نُكتًا ، لأنها تؤثِّر على لُبِّ قارئها ، فأصل النَّكت يرجع إلى معنى التأثير اليسير على الشي ، كما قال ابن فارس في مقاييس اللغة ، ومن نكت الأرض : إذا ضربها بقضيب ، فضربها بالقضيب يُحدِث أثرًا فيها ، ومن قوله صلى الله عليه وسلم : (( نُكِتَ في قلبه نُكتةٌ سوداء )) ؛ لأنَّ الذنب يؤثر في القلب ، فيكون من أثره نقطة سوداء تصير على القلب ، والله أعلم .
وبعد هذا ، فإن في التحليل اللغوي ما يحتاج إلى زيادة إفصاح وبحث ، لكني جعلته مدخلاً لهذا الموضوع الذي يرغب فيه كثيرٌ من قارئ التفسير ، وتراه يأخذُ بمجامع لُبِّهم ، والله الموفق .

المسألة الثانية :مقام المُلح من العلم :
ذكرها الشاطبي في الموافقات ( تحقيق :مشهور سلمان : 1 : 107 ) المقدمة التاسعة من مقدمات كتابه ، فقال : (( من العلم ما هو صُلْبٌ ، ومنه ما هو مُلَحُ العلم لا من صُلبِه ، ومنه ما ليس من صلب العلم ولا مُلَحه )) . وقد فصَّل هذه الثلاثة ، فارجع إليها تكرُّمًا .
المسألة الثالثة : قواعد في اللطائف والمُلَح والنكت :
أولاً : النكت لا تتزاحم.
المراد بذلك أنَّ اللفظة الواحد أو الجملة الواحدة يمكن أن تحتوي على أكثر من نكته ، وهذه النكت لا تتعارض فيما بينها ، وهي صحيحة كلُها ، فيجوز أن تكون كلُّ هذه النُّكت مرادةً بهذا اللفظ أو هذه الجملة ، ومن أمثلة ذلك :
قال الآلوسي : (( … ((فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا )) إخبار عن عاجل أمرهم وآجله من الضحك القليل في الدنيا والبكاء الكثير في الأخرى .
وإخراجه في صورة الأمر للدلالة على تحتم وقوع المخبر به ، وذلك لأن صيغة الأمر للوجوب في الأصل والأكثر ، فاستعمل في لازم معناه .
أو لأنه لا يحتمل الصدق والكذب بخلاف الخبر ؛ كذا قرره الشهاب ، ثم قال : فإن قلت : الوجوب لا يقتضي الوجود ، وقد قالوا : إنه يعبر عن الأمر بالخبر للمبالغة لاقتضائه تحقق المأمور به ، فالخبر آكد ، وقد مرَّ مثله ، فما باله عكس ؟
قلت : لا منافاة بينهما كما قيل ؛لأن لكل مقام مقالا ، والنكت لا تتزاحم ، فإذا عبر عن الأمر بالخبر لإفادة أن المأمور لشدة امتثاله كأنه وقع منه ذلك ، وتحقق قبل الأمر كان أبلغ .
وإذا عبر عن الخبر بالأمر لإفادة لزومه ووجوبه كأنه مأمور به أفاد ذلك مبالغة من جهة أخرى )) ( روح المعاني 10 : 152 )
وقال الطاهر ابن عاشور : (( والواو في قوله : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفؤاً أَحَدٌ) (الاخلاص:4) اعتراضية ، وهي واو الحال ، كالواو في قوله تعالى : ( وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ)(سـبأ: من الآية17) فإنها تذييل لجملة : (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا )(سـبأ: من الآية17) .
ويجوز كون الواو عاطفة إن جعلت الواو الأولى عاطفة ، ويكون المقصود من الجملة إثبات وصف مخالفته تعالى للحوادث ، وتكون استفادة معنى التذييل تبعًا للمعنى ، والنكت لا تتزاحم )) ( التحرير والتنوير 30 : 620 ) . (1)
وانظر أمثلة لمصطلح : النكت لا تتزاحم : روح المعاني ( 5 : 122 / 10 : 83 / 15 : 341 ) التحرير والتنوير ( 28 : 346 ).

ثانيًا : النكت لا يلزم منها الاطراد
المراد أن النكتة أو اللطيفة التي تستنبطها في سياق لا يلزم تُعارض بسبب ساق آخر خالف السياق الأول في النظم ، لأن الاطراد ليس من شروط اللطائف والنكت ، وقد نصَّ الآلوسي على ذلك ، فقال : (( … ((وإذا شئنا بدلنا أمثالهم)) أي : أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في شدة الخلق .
((تبديلا)) بديعا لا ريب فيه ؛ يعني : البعث والنشأة الأخرى ، فالتبديل في الصفات ؛ لأن المعاد هو المبتدأ .
ولكون الأمر محققًا كائنا جيء بـ(إذا) .
وذكر المشيئة لإبهام وقته ، ومثله شائع ، كما يقول العظيم لمن يسأله الأنعام : إذا شئتُ أحسِن إليك .
ويجوز أن يكون المعنى : وإذا شئنا أهلكناهم وبدلنا غيرهم ممن يطيع .
فالتبديل في الذوات ، و(إذا) لتحقق قدرته تعالى عليه ، وتحقق ما يقتضيه من كفرهم المقتضي لاستئصالهم ، فجعل ذلك المقدور المهدد به كالمحقق ، وعبر عنه بما يعبر به عنه .
ولعله الذي أراده الزمخشري بما نقل عنه من قوله : إنما جاز ذلك لأنه وعيد جيء به على سبيل المبالغة ، كأن له وقتًا معينًا .
ولا يعترض عليه بقوله تعالى : ((وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم )) ؛ لأن النكات لا يلزم إطرادها فافهم والوجه الأول أوفق بسياق النظم الجليل )) ( روح المعاني 29 : 167 ) .

ثالثًا : ما يكون نكتة في علم قد يكون متنا وصلبا في علم آخر .
وهذا يكثر في علم التفسير ، من جهة اعتبار علم البلاغة ليس من علم التفسير ، إذ المراد بالتفسير بيان المعنى ، وما وراء ذلك من علوم الآية فإنه يخرج عن صلب التفسير ومتنه ، ومنه علم البلاغة .
والملاحظ أن كثيرًا مما يطلق عليه المفسرون نكتًا ولطائف فإنه من علم البلاغة ، وقد تتبعت هذين اللفظين عند الزمخشري والآلوسي وغيرهما ، فظهر لي كثرة التعبير عن دقائق بلاغية باللطائف .
والمقصود أن النكات البلاغية واللطائف الأسلوبية تكون في علم التفسير من باب اللطائف والنكت ، وتكون في علم البلاغة من المتن والصلب ، والله أعلم .

رابعًا : النكات واللطائف ليس لها ضابط في ذاتها ، ولا في قبولها فقد يكون ما تعده لطيفة يعده غيرك غير ذلك .
وقد أشار إلى ذلك الطاهر ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى : (( وثامنهم كلبهم )) من سورة الكهف ، وتعليقه على من يرى أن هذه الواو هي (واو الثمانية) ، فقال في نهاية حديثه في تفسير هذه الجملة : (( ومن غريب الاتفاق أن كان لحقيقة الثمانية اعتلاق بالمواضع الخمسة المذكورة من القرآن إما بلفظه ، كما هنا وآية الحاقة ، وإما بالانتهاء إليه كما في آية براءة وآية التحريم ، وإما بكون مسماه معدودًا بعدد الثمانية ، كما في آية الزمر .
ولقد يُعَدُّ الانتباه إلى ذلك من اللطائف ، ولا يبلغ أن يكون من المعارف ، وإذا كانت كذلك ولم يكن لها ضابط مضبوط فليس من البعيد عدُّ القاضي الفاضل منها آية سورة التحريم ؛ لآتها صادفت الثامنة في الذكر ، وإن لم تكن ثامنة في صفات الموصوفين ، وكذلك لعَدِّ الثعلبي آية سورة الحاقة .
ومثل هذه اللطائف كالزهرة تُشَمُّ ، ولا تُحَكُّ )) ( التحرير والتنوير 15 : 293 ) .

ـــــــــــــــــــ
(1) ملاحظة : الآيات عند الطاهر على رواية قالون عن نافع . وفي المطبوع واو قبل (( لا تتزاحم )) والصواب حذفها .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=530
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23-11-05, 08:36 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

ملح التفسير ولطائفه (2)


--------------------------------------------------------------------------------

ملح التفسير ولطائفه (2)
قبل أن أبدأ الموضوع الذي سأطرحه في ذكر بعض المعتنين بملح التفسير ولطائفه ، وذكر بعض النقول التي نصَّ العلماء على لطافتها = أذكر سؤالاً وجَّهه لي بعض الأصحاب ، وهو : هل للملح واللطائف حدٌّ تُعرف به ، بحيث يقال : إن هذه المعلومة من اللطائف ، وتلك ليست من الطائف ؟
وهو سؤالٌ وجيه ، ومهم في هذا الباب ، وليس عندي فيه غير بادي الرأي ، وإني لأتمنى أن يتولى أحد الباحثين هذا الموضوع ، ويوليه عنايته ، ليخرج بفوائده .
والذي يمكن القول به الآن :
1 ـ أن ذلك مبني على معرفة صلب العلم أوَّلاً ، فإذا تحدَّد صلب العلم ، فإنه يمكن أن يفيد في معرفة ما وراء صلبه من اللطائف وغيرها .
2 ـ أن اللطائف إذا لم تعلم ، فإنها لا تؤثر في فهم متن المسألة وأصلها ، وإذا عُلِمت فإنها تزيد المسألة من جهة العلم بها لطيفةً ، لا من جهة أصل المسألة .
3 ـ أنَّ اللطائف تختلف من حيث درجة القوة والقبول ، فقد تكون بعضها من القوة بحيث يكاد يتفق عليها القراء ، لما يرون من حسنها .
وقد يُختلَف في بعضها ، وهذا ما يحتاج إلى بيان ضوابط قبول تلك اللطائف ، ومعرفة طريقة تصحيحها .
واللطائف كغيرها من مسائل أصل العلم ، فشروط قبول القول في مسألة علمية يندرج على شرط قبول اللطائف ، وإن كان قد يُتخفَّفُ في بعض ذلك ؛ لأن اللطيفة ـ كما قال الطاهر ابن عاشور ـ كالزهرة تُشَمُّ ولا تُحكُّ ، فإعمال التحقيق العلمي التامِّ لها قد يُخرجها من ملح العلم إلى ما دون ذلك .
ويظهر أن بعض الشروط لابدَّ منها ، كأن تكون المعلومة المذكورة على أنها من الملح واللطائف صحيحة في ذاتها ، وهذا الشرط لو طُبِّقَ على بعض ما سًمي بالملح واللطائف لربما زال عنها هذا الوصف .
وبعد هذا أرجع إلى الموضوعين اللذين خصصت لهما هذه المقالة .
أولاً : بعض المفسرين المعتنين باللطائف :
الزمخشري ( ت : 538 ) . في الكشاف .
الرازي ( ت : 606 ) في التفسير الكبير .
البقاعي ( ت : 885 ) في نظم الدرر .
أبو السعود ( ت : 951 ) في إرشاد العقل السليم .
شيخ زاده ( ت : 951 ) في حاشيته على البيضاوي .
الخطيب الشربيني ( ت : 977 ) في السراج المنير .
الشهاب الخفاجي ( ت : 1069 ) في حاشيته على البيضاوي .
سليمان الجمل ( ت : 1204 ) في حاشيته على الجلالين .
الآلوسي ( ت : 1270 ) في روح المعاني .
القاسمي ( ت : 1332 ) في محاسن التأويل .
الطاهر بن عاشور ( ت : 1393 ) في التحرير والتنوير .
ثانيً أمثلة للملح واللطائف :
1 ـ قال ابن عطية : (( والبسملة تسعة عشر حرفا .
فقال بعض الناس إن رواية بلغتهم أن ملائكة النار الذين قال الله فيهم : (عليها تسعة عشر) ترتب عددهم على حروف بسم الله الرحمن الرحيم لكل حرف ملك ، وهم يقولون في كل أفعالهم : بسم الله الرحمن الرحيم ، فمن هنالك هي قوتهم ، وباسم الله استضلعوا .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذه من مُلَحِ التفسير وليست من متين العلم ، وهي نظير قولهم في ليلة القدر : إنها ليلة سبع وعشرين مراعاة للفظة هي في كلمات سورة (إنا أنزلناه)
ونظير قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا ؛ قول القائل : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فإنها بضعة وثلاثون حرفا ؛ قالوا : فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول )) . المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، لابن عطية الأندلسي ( 1 : 61 ) .
ومن باب التنبيه على ما يسمى بـ(الإعجاز العددي ) أذكر بعض الأمور على سبيل البحث لا التقرير :
أولاً : أنه قد ورد في بعض آثار السلف اعتبار العدد في بعض الاستنباطات ، لكنها ليست كثيرة ، ولم يبنوا عليها معرفة المغيبات .
ثانيًا : أن ما ظهر من ذلك فإنه من الملح واللطائف ، وليست من متين العلم كما ذكر ابن عطية .
ثالثًا : أن كثيرًا مما حُكمَ فيه بالإعجاز العددي يدخله التحكُّم ، وذلك بعدِّ شيء وترك شيء ليوافق العددُ المسألةَ التي سيق من أجلها ، ولو تتبع بعض المعتنين بهذا الباب طريقة أهل العدد هؤلاء ، فلا أشكُّ أن سيجد كثيرًا من تحريف الأرقام لتوافق المسألة التي يريدون إثباتها .
رابعًا : أن هذه اللطائف المستنبطة من العدد ليست من التفسير في شيء ، ولا يبنى عليها فهم معنى ، بل هي من قبيل الاستنباطات .
خامسًا : أنه يكثر في ما يسمى بالإعجاز العددي القول على الله بغير علم ، وهو قول بالرأي المحض ، وخطؤه أكثر من صوابه ، والله المستعان .
سادسًا : أن أي بحث في ما يسمى بالإعجاز العددي إذا دخل في باب المغيبات التي لم تأت بعد ، فهو من باب ادعاء علم الغيب ، وهذا من الأمور التي اختص الله بها ، فلا يجوز الجزم به ، ولا اعتماده .
2 ـ قال ابن كثير (( ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث ، وتطييب له )) . تفسير ابن كثير ( 1 : 16 ) .
3 ـ قال الزركشي : (( ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتى قبلها ؛ لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة :
البخل .
وترك الصلاة .
والرياء فيها .
ومنع الزكاة .
فذكر هنا في مقابلة البخل : (إنا أعطيناك الكوثر) ؛ أى : الكثير .
وفى مقابلة ترك الصلاة : (فصلِّ) ؛ أي : دُمْ عليها .
وفى مقابلة الرياء : (لربك) ؛ أي : لرضاه لا للناس .
وفى مقابلة منع الماعون : (وانحر) ، وأراد به التصدق بلحم الأضاحى .
فاعتبر هذه المناسبة العجيبة )) . البرهان في علوم القرآن ، للزركشي ( 1 : 39 ) .
4 ـ قال الزركشي : ( … المثال الثاني قوله تعالى : (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) ، قال : معناه : وما أنت مصدق لنا .
فيقال :
ما الحكمة في العدول عن الجناس وهلاَّ ، قيل : وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين ، فإنه يؤدي معنى الأول مع زيادة رعاية التجنيس اللفظي ؟
والجواب :
أن في مؤمن لنا من المعنى ما ليس في مصدق ، وذلك أنك إذا قلت : مصدق لي ، فمعناه : قال لي : صدقت .
وأما مؤمن ، فمعناه مع التصديق : إعطاء الأمن ، ومقصودهم التصديق وزيادة ، وهو طلب الأمن فلهذا عدل إليه .
فتأمل هذا اللطائف الغريبة والأسرار العجيبة فإنه نوع من الإعجاز )) . البرهان في علوم القرآن ، للزركشي ( 3 : 454 ) .
5 ـ قال أبو السعود قي قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة:6) .
قال : (( ومن لطائف الآية الكريمة أنها مشتملة على سبعة أمور ، كلها مثنى :
طهارتان : أصل وبدل .
والأصل اثنان : مستوعب وغير مستوعب .
وباعتبار الفعل : غسل ومسح
وباعتبار المحل : محدود وغير محدود
وأن آلتهما : مائع وجامد .
وموجبهما : حدث أصغر وأكبر .
وأن المبيح للعدول إلى البدل : مرض وسفر
وأن الموعود عليهما تطهير الذنوب وإتمام النعمة )) . تفسير أبي السعود ( 3 : 11 )
6 ـ قال الآلوسي في قوله تعالى : ( قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(يوسف: من الآية25) .
قال : (( … ولقد أتت في تلك الحالة التي يدهش فيها الفطن اللوذعي حيث شاهدها زوجها على تلك الهيئة بحيلة جمعت فيها غرضيها ، وهما :
تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر الحال .
واستنْزال يوسف عليه السلام عن رأيه في استعصائه عليها ، وعدم مواتاته لها على مرادها ؛ بإلقاء الرعب في قلبه من مكرها طمعا في مواقعته لها مُكْرَهًا عند يأسها عن ذلك مختارًا ، كما قالت : (لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين ) .
ثم إنها جعلت صدور الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام أمرًا محققًا ، مفروغًا عنه ، غنيًا عن الإخبار بوقوعه ، وإن ما هي عليه من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائها .
ولم تصرِّح بالاسم ، بل أتت بلفظٍ عام تهويلاً للأمر ، ومبالغةً في التخويف ؛ كأن ذلك قانون مطَّردٌ في حق كل أحدٍ كائنَا من كان .
وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز إعظامًا للخطب ، وإغراءً له على تحقيق ما يتوخاه بحكم الغضب والحمية ، كذا قرَّره غير واحد .
وذكر الإمام [ يعني : الرازي ] في تفسيره ما فيه نوع مخالفة لذلك حيث قال : إن في الآية لطائف :
أحدها : أن حبَّها الشديد ليوسف عليه السلام حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع ، وذلك لأنها بدأت بذكر السجن ، وأخرت ذكر العذاب ؛ لأن المحِبَّ لا يسعى في إيلام المحبوب .
وأيضا : إنها لم تذكر أن يوسف عليه السلام يجب أن يقابل بأحد هذين الأمرين ، بل ذكرت ذلك ذكرًا كليًّا صونًا للمحبوب عن الذكر بالشر والألم .
وأيضا : قالت : (إلا أن يسجن) ، والمراد منه : أن يُسجن يومًا أو أقل على سبيل التخفيف ، فأمَّا الحبس الدائم فإنه لا يُعبَّر عنه يهذه العبارة ، بل يقال : يجب أن يجعل من المسجونين ألا ترى أن فرعون كيف قال حين هدد موسى عليه السلام : (لئن اتخذت إلها لأجعلنك من المسجونين ) … )) . روح المعاني للألوسي ( 12 : 218 ) .
7 ـ قال عطية سالم في تكملة أضواء البيان : (( ومن اللطائف في قوله تعالى : ( وإن تظاهرا عليه ) إلى آخر ما سمعته من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه أنه قال : إن المتظاهرتين على رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأتان فقط تآمرتا عليه فيما بينهما ، فجاء بيان الموالين له ضدهما كل من ذكر في الآية ، فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ما يدل على عِظَمِ كيدهن وضعف الرجال أمامهن ، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : ( إن كيدكن عظيم ) ، بينما قال في كيد الشيطان : ( إن كيد الشيطـان كان ضعيفا )
وقد عبر الشاعر عن ذلك بقوله :
ما استعظم الإله كيدهنه إلا لأنهن هن هنه )) . أضواء البيان ( 8 : 221 )
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=577
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-11-05, 08:38 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

التعليق على أثر ابن عباس في تقسيم التفسير


--------------------------------------------------------------------------------

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد :
فإنه مما نُقِل في تقسيم التفسير ما رُوِيَ عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ( ت : 68 ) ، قال :» التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله « (1).
تفصيل هذه الأوجه :
الوجه الأول : ما تعرفه العرب من كلامها : يشمل هذا القسم ألفاظ القرآن، وأساليبه في الخطاب ، وذلك لأنه نزل بلغتهم وعلى طرائقهم في الكلام .
وهذه الألفاظ والأساليب معلومةٌ لديهم غير خافية ، وإن كان قد يخفى على أفراد منهم شيء منها ، وذلك لغرابتها على مسمعه ، أو لعدم اعتياده عليها في لغة قومه ، كما خفي على ابن عباس بعض معاني مفرداته ؛ كلفظ فاطر ، فقد روى الطبري ( ت : 310 ) عن مجاهد ( ت : 104 ) ، قال : » سمعت ابن عباس يقول : كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض ؛ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : لصاحبه : أنا فطرتها ؛ يقول : أنا ابتدأتها « (2).
والأساليب لما كانت على سنَنِهم في الكلام( 3)لم يَخْفَ عليهم المراد بها ، فيعلمون من قوله تعالى : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (الدخان:49) أن هذا الخطاب خطاب امتهان وتهكم ، وإن كانت ألفاظه مما يستعمل في المدح ، وذلك لأن السياق يدل على معنى الامتهان .
وقد ورد عنهم في تفسير قوله تعالى : (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود:87) أن قولهم له : (إنك لأنت الحليم الرشيد( أنه من باب الاستهزاء (4)، قال ابن عباس ( ت : 68 ) : » يقولون : إنك لست بحليم ولا رشيد « (5).
ومعرفة هذه الأساليب وإدراكها لم يكن منهم بجُهدٍ ولا تكلُّفٍ ؛ إذ هي من صميم لغتهم التي يتحدثون بها ، وإن لم ينصُّوا على كلِّ ما فيها من استعمالات (6 ).
وإنما ظهر لهذه الأساليب الفنُّ المدوَّنُ بعدُ باسم علم البلاغة لما احتاج المتأخرون إلى الوصول إلى تعلُّمِ طرائق العرب وتفننها في أساليب خطابها .
وقد يرد هنا سؤال ، وهو لم لم يتكلَّم السلف في هذه الأساليب كما تكلموا في بيان مفرداته ومعانيه (7 )؟
والجواب ـ والله أعلم ـ : له أكثر من وجه :
الأول : أنَّه لم تقم دواعي ذلك وأسبابه التي إنما ظهرت لما برز الحديث عن إعجاز القرآن ، والمجادلة في ذلك ، وإقامة الحجة على علُّوه وفصاحته أمام فئام من الزنادقة الذين طعنوا فيه من هذه الجهة .
الثاني : أنَّ المفردات لا يتمُّ فهم الخطاب بدون معرفتها ، بخلافه كثير من الأساليب التي من جهِلها فإنه لا يخفى عليه المعنى .
الثالث : أنَّ الكثرة الكاثرة من علوم السلف إنما هي فيما يكون له ثمرة عملية لا نظرية فقط ، وذلك ما لا يوجد في الكلام عن هذه الأساليب التي يغلب عليها الجانب النظري (8 ).
والوارد عنهم في بيان الأساليب أقل من الوارد عنهم في بيان الألفاظ ، ويظهر أنهم لم يبينوها لعدم الحاجة إليها كما هو الحال في بيان الألفاظ التي لا يُفهم الكلام بدونها .
والأصل في هذا الوجه أنه من فروض الكفاية ، إذ لا يجب على كل مسلم معرفة جميع المعاني اللغوية والأساليب الكلامية الواردة في القرآن ، ولهذا قد يخفى على بعض الأكابر من الصحابة ـ فضلاً عن غيرهم ـ شيءٌ مما يرتبط بلغته ، ومن ذلك ما رواه الطبري ( ت : 310 ) بسنده أنس بن مالك ، قال : » : قرأ عمر : (عبس وتولى) ( عبس : 1 ) حتى أتى على هذه الآية : (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) (عبس:31)
، قال : قد علِمنا ما الفاكهة ، فما الأبُّ ؟ ثمَّ أحسبه ـ شك الطبري ـ قال : إن هذا لهو التكلف « (9 ) .
ويظهر أنه إنما خَفِيَ عليه لأنَّ هذا اللفظ مما لم يُستخدم في لهجة قريش ، والله أعلم .
وإذا كان يُبنى على اللغة عملٌ فقهيٌّ فإنَّ معرفة تلك القضية اللغوية مما يكون في مجال الواجب ؛ لأنه لا يقوم الحكم الفقهي إلا بمعرفة معنى اللفظِ ، ومن أشهر الأمثلة التي يُمثَّلُ بها ما ورد في تفسير لفظ القُرْءِ من قوله تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)(البقرة: من الآية228) ، والخلاف الوارد في معنى القروء ـ هل هي الحيض أم الأطهار ـ لا يُخرِج معرفة هذا اللفظ عن الواجب ؛ أي أنه لابدَّ من معرفة المراد بها لغة ليبنى عليها الحكم ن سواءً اختير معنى الطهر أو معنى الحيض .
الوجه الثاني : ما لا يعذر أحد بجهله :
وهذا يشمل الأمر بالفرائض ، والنهي عنه المحارم ، وأصول الأخلاق والعقائد .
فقوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة:43) ، وقوله : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(آل عمران: من الآية97) ، وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) لا يعذر أحد بجهل مثل هذه الخطابات وهو يقرأ القرآن .
وكذا يدخل فيه ما جاء من أمر بالصدق والأمانة والنهي عن الكذب والخيانة ، وعن إتيان الفواحش ، وغير هذه من الأوامر والنواهي المتعلقة بالأخلاق .
ويدخل فيه ما يتعلق بالعقائد ؛ كقوله تعالى : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)(محمد: من الآية19) ، وقوله : )وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:25) ، وغيرها من الأوامر والنواهي المتعلقة بالتوحيد . هذه كلها داخلة في الواجب الذي يجب على المسلم تعلمه من التفسير .
الوجه الثالث : ما تعلمه العلماء .
ومما يشمله هذا القسم ، ما تشابه منه على عامة الناس ، سواءً أكان في الأحكام أم في المعاني .
وهذا القسم من فروض الكفاية .
وهو كثير في القرآن ؛ لأن كل من خفي عليه معنى فإنه من المتشابه عنده ، فيحتاج إلى أن يبحث أو يسأل عن ما خفي عليه فهم معناه .
الوجه الرابع : ما لا يعمله إلا الله ، ومن ادعى علمه فقد كذب :
ويشمل هذا حقائق المغيبات ، ووقت وقوعها .
فالدابة التي تخرج في آخر الزمان لا يعلم كيفها حقيقتها إلا الله ، ولا يعلم وقت خروجها إلا الله . وهكذا سائر الغيبيات .
وهذا النوع غير واجب على أحد ، بل من تجشم تفسيره فقد أثِمَ وافترى على الله ، وادعى علمًا لا يعلمه إلا الله سبحانه (10 ).
………………………………..
( 1) تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 1 : 34 ) ، وإيضاح الوقف والابتداء ( 1 : 101 ) .
وقد اعتمد الطبري ( ت : 310 ) على هذا الأثر في ذكر الوجوه التي من قِبَلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن ، قال :» ... ونحن قائلون في البيان عن وجوه مطالب تأويله :
قال الله جل ذكره وتقدست أسماؤه، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون " (النحل: 44) وقال أيضاً جل ذكره: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون " (النحل: 64) وقال: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب،" (آل عمران: 7).
فقد تبين ببيان الله جل ذكره:
أن مما أنزل الله من القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم، ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم.
وذلك تأويل جميع ما فيه: من وجوه أمره واجبه وندبه وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيه، التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه، إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له تأويله، بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها، دالة أمته على تأويله.
وأن منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار. وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى ابن مريم، وما أشبه ذلك: فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. وبذلك أنزل ربنا محكم كتابه، فقال: "يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون " (الأعراف: 187). وكان" نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيئًا من ذلك، لم يدل عليه إلا بأشراطه دون تحديده بوقته كالذي روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه، إذ ذكر الدجال: إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه، وإن يخرج بعدي، فالله خليفتي عليكم "، وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده علم أوقات شيء منه بمقادير السنين والأيام، وأن الله جل ثناؤه إنما كان عرفه مجيئه بأشراطه، ووقته بأدلته.
وأن منه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن. وذلك: إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم. وذلك كسامع منهم لو سمع تاليًا يتلو: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون " (البقرة: 11، 12) لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفساداً، والمعاني التي جعلها الله إصلاحًا. فالذي يعلمه ذو اللسان الذي بلسانه نزل القرآن من تأويل القرآن، هو ما وصفت: من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيآتها التي خص الله بعلمها نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يدرك علمه إلا ببيانه، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه.
وبمثل ما قلنا من ذلك روي الخبر عن ابن عباس:
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، قال:قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره.
قال أبو جعفر: وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس: من أن أحدًا لا يعذر بجهالته، معنى غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله. وإنما هو خبر عن أن من تأويله ما لا يجوز لأحد الجهل به. وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر في إسناده نظر:
حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث، عن الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانىء، عن عبدالله بن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابة لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره، ومن ادعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب ".
(2) تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 7 : 159 ) .
(3) ينظر في أساليب العرب في خطابها : مقدمة أبي عبيدة في مجاز القرآن ، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ، والصاحبي في فقه اللغة لابن فارس .
(4) ورد النصُّ بذلك عن ابن جريج وابن زيد عند الطبري ( 12 : 103 ) ، وعن ميميون بن مهران وقتادة عند ابن أبي حاتم ( 6 : 2073 ) .
(5) تفسير ابن أبي حاتم ، تحقيق : أسعد محمد الطيب ( 6 : 2073 ) .
(6) يقول ابن القيم في زاد المعاد ( 5 : 599 ) : » ... فابن مسعود رضي الله عنه أشار بتأخر نزول سورة الطلاق إلى أن آية الاعتداد بوضع الحمل لآية البقرة إن كان عمومها مرادا أو مخصصة لها إن لم يكن عمومها مرادا أو للمراد منها أو مقيدة لإطلاقها وعلى التقديرات الثلاث فيتعين تقديمها على تلك وإطلاقها وهذا من كمال فقهه رضي الله عنه ورسوخه في العلم ومما يبين أن الفقه سجية للقوم وطبيعة لا يتكلفونها كما أن العربية والمعاني والبيان لهم كذلك فمن بعدهم فإنما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم وأنى له « .
(7) يقول الزمخشري في تعليقه على هذا السؤال : » ... وأما إغفال السلف ما نحن بصدده ، وإهمالهم الدلالة على سننه ، والمشي على جَدَدِه = فلأن القوم كانوا أبناء الآخرة ، وإن نشأوا في حِجْر هذه الغادرة ، ديدنهم قِصَرُ الآمال ، وأخذ العلوم لتصحيح الأعمال ، وكانوا يتوخون الأهم فالأهم ، والأولى فالأولى ، والأزلف فالأزلف من مرضاة المولى .
ولأنهم كانوا مشاغيل بجرِّ أعباء الجهاد ، مُعَنِّين بتقويم صفات أهل العناد ، معكوفي الهمم على نشر الأعلام لنصرة الإسلام ، فكان ما بُعِثَ به النبي عليه الصلاة والسلام لتعليمه وتلقينه ، وأُرسِلَ للتوقيف عليه وتبيينه = أهم عندهم مما كانوا مطبوعين على معرفته ، مجبولين على تبين حاله وصفته ، وكان ـ إذ ذاك ـ البيان غضًا طريًا ، واللسان سليمًا من اللكنة بريًّا ، وطرق الفصاحة مسلوكة سائرة ، ومنازلهم مأهولة عامرة ، وقد مهَّد عذرهم تعويل ما شاع وتواتر ، واستفاض وتظاهر من عجز العرب وثبات العلم به ورسوخه في الصدور ، وبقائه في القلوب على ممرِّ العصور ... « . إعجاز سورة الكوثر ، للزمخشري ، تحقيق : حامد الخفاف ( ص : 62 ) .
(8) ذكر الشاطبي ( ت : 790 ) في مقدمات الموافقات أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يخوضوا في الأشياء التي ليس تحتها عمل ، ينظر : الموافقات ، تحقيق مشهور سلمان ( 1 : 55 ) .
(9)تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 30 : 59 ) .
(10) وقد ذكر الماوردي ( ت : 450 ) في النكت والعيون ( 1 : 37 ـ 38 ) أثر ابن عباس ، وعلق عليه ، فقال : » ... أما الذي تعرفه العرب بكلامها ، فهو حقائق اللغة ، وموضوع كلامهم .
وأما الذي لا يُعذر أحد بجهالته ، فهو ما يلزم الكافة في القرآن من الشرائع وجملة التوحيد .
وأما الذي يعلمه العلماء ، فهو وجوه تأويل المتشابه وفروع الحكام .
وأما الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة .
وهذا التقسيم الذي ذكره ابن عباس صحيح ، غير أن ما لا يُعذر أحد بجهالته داخل في جملة ما يعلمه العلماء من الرجوع إليهم في تأويله ، وإنما يختلف القسمان في فرض العلم به ، فما لا يُعذر أحد بجهله يكون فرض العلم به على الأعيان ، وما يختص بالعلماء يكون فرض العلم به على الكفاية ، فصار التفسير منقسمًا إلى ثلاثة أقسام :
أحدها : ما اختص الله بعلمه ؛ كالغيوب ، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره ، ولا يجوز أن يؤخذ إلا عن توقيف ...
والقسم الثاني : ما يرجع فيه إلى لسان العرب ، وذلك شيئان : اللغة والإعراب ...
والقسم الثالث : ما يرجع فيه إلى اجتهاد العلماء ، وهو تأويل المتشابه واستنباط الأحكام ، وبيان المجمل ، وتخصيص العام ... « . وقد ذكر تفصيلات في هذه الأقسام يحسن مراجعتها ، ففيها فوائد .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=519
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 23-11-05, 08:40 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

التفسير الموضوعي .. وجهة نظر أخرى


--------------------------------------------------------------------------------

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فلقد كثر القول من بعض المعاصرين في التفسير الذي سارت عليه علماء الأمة منذ القديم ، ورأوا أن عصر التفسير التحليلي ـ كما يسمونه ـ قد انتهى ، وأن العصر بحاجة إلى تجديد الطريقة في عرض التفسير ، وقد زعم بعضهم أن التفسير الموضوعي هو الذي يمكنه حلُّ المشكلات ، والإجابة عن المعضلات ، وأنه الأنسب إلى أسلوب العصر ، وهذا ضرب من القول لا برهان له . بل هذا اللون من عرض الآيات والاستنباط منها مما يستفاد منه في المحاضرات والكلمات ، والتفسير على الأسلوب المعهود باقٍ لا يمكن إزالته والبعد عنه .
ولا أدري لماذا يذهب من يصل إلى فكرة جديدة إلى نقد السابق أو نقضه لكي يُثبِت حُسْنَ ما عنده ؟ !
لماذا لا يكون المجدِّدُ في مثل هذه العلوم بانيًا لا هادمًا ، ويكون ذاكرًا لما فعله سلفه ، مستوعبًا لما قدَّموه مستفيدًا مما طرحوه ، ولا يكون ممن يرى إمكانية ترك السابق والإتيان بما لا يمتُّ لهم بصلةٍ ؟
لماذا يعرض بعض الباحثين فكرته التي وصل إليها بالتضخيم ، والتعميم ، وبدعوى أن سلوكها هو الذي ينفع الأمة الآن ، وهو المنقذ لها من مشكلاتها وهمومها .
إن هذه النظرة التي قد تصدر من بعض الباحثين من غير قصد = يجب التنبيه عليها ، وتصحيحها ، كما يجب أن يُعلم أن تصحيحها والاستدراك عليها لا يعني التشنيع على أصحابها وإخراجهم من دائرة البحث العلمي ، لكن الأمر يرجع إلى نقطتين :
الأول : انفعالات لا يمكن أن ينفكَّ عنها الناقد حينما يرى مثل هذه الأخطاء التي صارت تسري ، ولا يرى من يقاومها ، وهذه الانفعالات ردَّةُ فعلٍ على ما يقع من تلك الأخطاء ، وكل ذلك راجع إلى الطبيعة البشرية التي فطر الله عليها الإنسان .
الثاني : أنَّ هذه الدعاوى كبيرة ، وهي تُلزِم غيرها ـ فضلاً عن نفس طارحها ـ ما لا يلزم ، بل قد تقام من أجل ذلك الندوات والمحاضرات ، وتكتب الكتب والمقالات ، وهي لا تستحقُّ هذا الزخم الهائل ، ولو وُضِعت في مقامها لكان أولى .
ومن العجيب أنَّ بعض الأفكار المهمة ، لا تلقى مثل هذا الاهتمام ، وذلك من سرِّ من قدر الله الذي يقف المسلم بالتسليم .
إن التوازن والاعتدال في الطرح ، وفي وضع الموضوعات في مواضعها مما يحسن أن نتناصح فيه ، وأن لا يبخل بعضنا على بعض في ذلك ؛ لأن من طبيعة البشر أنها إذا اتجهت إلى موضوع لا ترى غيره ، وقد يراه غيرك ، ويكون أولى مما أنت فيه ، وهكذا .
التفسير الموضوعي نموذجًا
رأيت بعض الباحثين يرى أن دراسة القرآن على أسلوب التفسير الموضوعي ضرورة لازمة ، ويقول ـ بعد ذكره لطريقة المفسرين السابقين ـ : ( ولما كان ذلك كذلك كان السعي إلى منهج أشمل مطلوبًا ، وأبلغ حجة ، وأبين طريقًا ؛ منهج يقضي بالتوقف عن عملية التجزئة في تفسير آيات هذا الكتاب ، والاتجاه به اتجاهًا موضوعيًا = ضرورة لازمة ) .
وقال في موطن آخر : ( ... غاية الأمر أنني أدعو إلى التوقف عن التعامل التجزيئي مع القرآن الكريم ، والاتجاه إلى تفسير القرآن تفسيرًا موضوعيًا .
إنني أهدف إلى بيان أن التفسير الموضوعي للقرآن هو الأليق والأنسب والأولى بالاتباع في هذا العصر سواء في ذلك التفسير الذي يعالج وحدة الموضوع في القرآن ، أو ذلك الذي يعالج وحدة الموضوع في السورة ، وهو الأنسب للتدريس في المؤسسات والمعاهد العلمية ... )
ويقول : ( وحينما نقول : إن التفسير الموضوعي يجلي الحقائق القرآنية ، ونعلم أن هذه الحقائق هي التي تهيئ فكر المسلم وقلبه للصلاح ندرك حينئذ أهمية التفسير الموضوعي ودوره في إحداث الوثبة الحضارية ... ) .
ويقول آخر : ( ... لذا لا يمكن أن نجابه مشاكل العصر ومعطيات الحضارة إلا بأسلوب الدراسات الموضوعية للقرآن الكريم ، أو بأسلوب التفسير الموضوعي ) .
وهذه المقولات من هؤلاء الفضلاء فيها تزيُّدٌ ظاهر ، ودعوى عريضة تحتاج إلى برهان قوي ، وحجة واضحة ، ولو قيل : إن التفسير الموضوعي يمثل لبنة من لبنات معالجة شيء من القضايا والمشكلات بطريقة القرآن = لكان أقرب ، لكن أن يكون هذا الأسلوب هو الأسلوب الأمثل ، والأولى ، فذلك دونه خرط القتاد .
ملحوظات على التفسير الموضوعي
أولاً : إن التفسير الموضوعي يدخل في باب الفوائد والاستنباطات ، وليس من التفسير الذي هو بيان معني القرآن .
وبتأمُّلِ هذه الإضافة يظهر أن أمامك تفسير جديد ، أي بيان معانٍ جديدة للقرآن من طريق موضوعاته .
لكن حينما تكشف عن ما كُتِبَ في التفسير الموضوعي ستجدُ أنها ترجِع إلى فوائد واستنباطات ، وليس فيها بيان معني جديدة لآيات القرآن ، وعلى هذا فنسبتها للتفسير غير دقيقة . بل الصحيح أنها ( موضوعات قرآنية ) ، وهذا العنوان أدق من تسمية هذا اللون بالتفسير الموضوعي .
وما ذكرته لك هنا أرجو أن لا تتعجَّل بردِّه قبل أن تحدِّدَ معنى التفسير ، وأن تطَّلِع على الإضافة التي أضافها من كتب في موضوع من الموضوعات باسم التفسير الموضوعي ، ولك أن تتأمل إضافته ، هل هي من باب التفسير ، أو من باب الفوائد والاستنباطات ؟
وحقيقة التفسير الموضوعي كما يأتي :
1 ـ جمع متفرق من الآيات التي تتحدث عن موضوعٍ أو لفظة أو جملة [ يخرج عن هذا دراسة موضوع من خلال سورة ]
2 ـ دراسة هذا المجموع بعد تبويبه
3 ـ استنتاج الفوائد ، واستخلاص الهدايات والعِبَر من هذا المجموع .
ثانيًا : إن التفسير الموضوعي ( بأنواعه الثلاثة ) يُدرس من خلال القرآن ، فهو بحث قرآني بحت ، ولكن الملاحظ في دراسة الموضوع من خلال القرآن أن كثيرًا من الموضوعات لا يمكن بحثها من خلال القرآن فقط ؛ لأنَّ صورة الموضوع لا تتمُّ بالنظر إلى القرآن فقط ، بل لابدَّ من إضافة السنة وآثار السلف لبيان هذا الموضوع .
وعند تأمُّلِ بعض الموضوعات تجد أنها على ثلاثة أقسام :
الأول : قسم يمكن بحثه من خلال القرآن ؛ لغزارة مادته ، كإهلاك الأمم الكافرة من خلال القرآن .
الثاني : قسم لا يمكن بحثه من خلال القرآن لقلة مادته في القرآن ؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الأسر وأحكامه ، إذ الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعن الأسير في القرآن قليل ، وهو في السنة أكثر .
الثالث : قسم تكثر مادته في القرآن وفي السنة ، ويكون في تخصيص دراسته في القرآن فقط قصور في تصوُّرِ الموضوع بشمولية ، كموضوع العلم ، وموضوع الجهاد ، وغيرها كثير .
وقد يقول قائل : إن الغرض من دراسة الموضوع من خلال القرآن طرح طريقة القرآن فقط ؟
فالجواب : ثُمَّ ماذا ، أليس الباحث سيبني أحكامًا وفوائد ؟
فإذا كان كذلك فلابدَّ أن يحتاج إلى مصادر أخرى في بحثه ، ومن أهمها السنة النبوية ، وإلا كان بحثًا ناقصًا بلا ريب .
ثالثًا : منْزلة السنة وأقوال السلف في التفسير الموضوعي :
لقد أثَّر عنوان هذا اللون ، وهو التفسير الموضوعي على التعامل مع أهم مصدرين من مصادر التفسير ، وإذا تأملت ما سطَّره منظرو التفسير الموضوعي ، وجدتهم لا يمكن أن ينفكوا عن السنة أو آثار السلف ، لكن ما مقامهما ، وكيف بتعاملون معهما ؟
أما السنة ، فقد جعلوها شارحة للقرآن ، ولا يصحُّ أن يُنشأ عنصر من عناصر الموضوع القرآني من السنة .
وهذا التقييد من جهة الافتراض صحيح ، لكنه سيُفقِد البحث في الموضوعات كثيرًا من الأمور المهمة بسبب الاقتصار على القرآن وحده ، ولو رحتُ أضرب لك الأمثلة في ذلك لغدت كثيرةً لا حصر لها ، ولأمثِّل لك بمثال واحدٍ يكون نبراسًا لغيره .
لو بحثت موضوع الصلاة ، وقلت ( الصلاة في القرآن ) فإنك لا تستطيع أن تتحدَّث عن موضوع مهمٍّ في الصلاة ، وهو زمن فرضية الصلوات الخمس ومكان ذلك الفرض ؛ لأنك لا تجدُ في القرآن ما يشير إلى ذلك البتة . ومن ثَمَّ فأنك لو جعلت من عناصر بحثك : ( مكان فرض الصلاة ) لكان خطأً عند أصحاب التفسير الموضوعي ؛ لأنه لا يوجد في القرآن ما يشير إلى هذا الموضوع ، والعناوين لابدَّ أن تكون مستوحاة من الآيات لا من غيرها .
ولقد ساق الاقتصار على دراسة الموضوع من خلال القرآن إلى خلل في التعبير يظهر من لوازمه أن الاعتماد على القرآن وحده يكفي في تصور موضوع من الموضوعات الإسلامية ، يقول أحدهم : ( إننا إذا أردنا أن نبني المجتمع المسلم ، فيجب أن نقيمه على الأسس والأصول القرآنية . وأكثر الشعوب قد انحرفت ـ من حيث لا تدري ـ عن هذه الأسس والأصول في أكثر مجالات الحياة . ولن تتحقق لها السعادة إلا برجوعها إلى تلك الأسس والأصول التي بات الناس في غفلة عنها بقصد أو بغير قصد .
فلغياب كثير من أسس القرآن وأصوله عن فهم الناس وسلوكهم آثرنا أن يكون البحث في التفسير الموضوعي مقتصرًا على القرآن الكريم فحسب ، فإنه الوسيلة الوحيدة التي تصحح المواقف والمفاهيم المتعلقة بالوجود ودور الإنسان فيه ، وما يتصل بذلك من حقائق ومبادئ ) انتهى .
إذا كان يستطيع أخذ هذه الأمور من القرآن مباشرة فأين دور السنة ؟
وهل يعني قوله هذا الناس قد فهموا أسس وأصول السنة ، فلم يحتاجوا إلى بين ذلك لهم ، وبقي عليهم بيان أسس وأصول القرآن فقط ؟!
ألا يمكن أن يرد على هذا الكلام : ما الفرق بين القرآنيين الذي لا يرون الأخذ بالسنة لاعتقادهم باكتفاء القرآن ببيان كل شيء ؟
إنني أقول بكل ثقة : إن من سلك في دراسة بعض الموضوعات الإسلامية الكبيرة أسلوب التفسير الموضوعي قد ألزم نفسه بما لا يلزم ، وادخلها في مضايق هو في غنى عنها ، فلماذا هذا التجزئة لمتلازمين لا ينفكان : الكتاب والسنة ؟!
أما أقوال السلف ( الصحابة والتابعون وأتباع التابعين ) عندهم فهي كالسنة من جهة عدم إضافة عنوان بسبب قول من أقوالهم .
لكن الموضوع الذي لم يبينه أحد ممن اطلعت على كلامه في التفسير الموضوعي هو : كيف سيفهم معنى الآيات ؟ هل سيعتمد على مصادر التفسير المعروفة ، أو سيجتهد اجتهادًا خاصًّا خارج إطار هذه المصادر ؟
لقد جاء الحديث عن الإفادة من تفسير السلف عند أصحاب التفسير الموضوعي كلامًا مبهمًا مجملاً لا يدلُّ على الأسلوب الذي سيتعامل به هؤلاء مع أقوالهم التي لا يمكن لمفسِّر جاء بعدهم أن ينفك عنها البتة .
وقد جعلوا تفاسير السلف مادة للتوضيح لا يُستقى منها عناوين موضوعات في البحث ، وهذا فيه انفكاك من أمر لا ينفك البتة ، خصوصًا إذا كان البحث في دراسة ( لفظة أو جملة من خلال القرآن ).
فمثلاً ، لو كنت تبحث في موضوع ( القنوت في القرآن ) ، وجعلت من عناوينك الرئيسة :
القنوت : الطاعة الدائمة
ثمَّ استدللت بقوله تعالى : (( كل له قانتون )) ، فإن السؤال الذي سيرد هنا : من أين استقيت عنوانك هذا ؟
فالجواب : إما أن يكون من دلالة اللغة ، وإما أن يكون من تفسير المفسرين ، وكلا المصدرين عندهم لا يُبنى منه عنوان .
ففي مثل هذه الحال ، هل يمكن الانفكاك من تفسير السلف ؟!
أعود فأقول : إن طريقة التفسير الموضوعي هذه فيه إلزامٌ بما لا يلزم .
وهناك مسألة أخرى في تفسير السلف لم يبيِّنها أصحاب التفسير الموضوعي ، وهي : كيف يتعامل مع اختلاف السلف في تفسير لفظة أو جملة من آية ؟
هل سيُعرضُ عن الاختلاف ويختار ما يراه متوجِّهًا مع بحثه ؟
هل سيناقش الاختلاف ، ثمَّ يرجِّح ما يظهر له ؟
وهل سيكون ترجيحه هذا موضوعيًا بحيث لا يكون للموضوع الذي اختاره تأثيرٌ على ترجيحه ؟
وإذا كان الاختلاف من باب اختلاف التنوع الذي تحتمل الآية فيه الأقوال هل سيستدلُّ بها في مواضع متعدِّدة بحسب ما قيل في معناها من أقوال صحيحة ؟
كل ذلك لم يُحرِّره أصحاب التفسير الموضوعي مع أنه لا يمكنهم أن ينفكَّوا عنه ، وإنما اكتفوا من تفسير السلف بأن لا يضع عنوانًا مأخوذًا من تفسيرهم .
رابعًا : إن من يقرأ ما كُتِبَ في التفسير الموضوعي من جهتيه التنظيرية والتطبيقية سيجد عدم الاتفاق في كثيرٍ منه ، فهذا يستدرك على هذا في التنظيرات ، وذاك لا يرضى طريقة هذا في التطبيقات .
ولاشكَّ أن هذه الاستدراكات نابعة من جدَّةِ الموضوع ، وعدم وضوحه منذ بداياته في النصف الثاني من القرن الرابع عشر ، وهذا يعني أنَّ مجال الاستدراك لازال مستمرًّا .
خامسًا : إن طريقة كتابة التفسير الموضوعي سواء أكان موضوعًا من خلال القرآن أم كان موضوعًا من خلال سورة غير متفقٍ عليها .
فبعضهم ينحى في الكتابة إلى الأسلوب الأدبي والخطابي ، فتراه يقلِّب عبارته ، ويبدي ويعيد في ألفاظ ينتقيها ، ويطيل الكلام في موضوع يمكن إجماله في سطر ونصف السطر .
وقد اطَّلعت على رسائل سارت على هذا الأسلوب ، فاستغربت القصد إلى هذا التطويل في العبارات لأجل إثبات قضية يمكن إثباتها وبيانها بأقل مما الحال عليه في هذه الرسائل ، حتى ظهر لي أن هذا الأسلوب مقصودٌ لذاته ، ولا تتمُّ الرسالة إلا به . وهذا ـ في الحقيقة ـ من الحشو الذي يمكن الاستغناء عنه .
وبعضهم ينحى إلى تقرير المسألة تقريرًا علميًا مباشرًا بلا حشو عبارات لا داعي لها ، وهذا هو السبيل الأمثل في العلم ، لأن الأساليب الخطابية والأدبية لا مدخل لها في إثبات المسائل العلمية ، وإنما قد توجد فيها كوجود الملح في الطعام ، فإذا زادت فسد الكلام كما يفسد بزيادة الملح الطعام .
سادسًا : من طرائف ما وقع لي فيما يتعلق بهذا الموضوع أني كنت أتحدث مع أستاذ من أساتذة الثقافة الإسلامية في كلية الشريعة بالرياض ، فقلت له : ألا يوج موضوعات علمية قدِّمت لكم وصار بينكم وبين قسم الدعوة بكلية الدعوة والإعلام منازعة في الموضوع ، هل هو من موضوعات الثقافة الإسلامية أو من موضوعات الدعوة الإسلامية ؟
فقال لي بل قد تكون المنازعة بين ثلاثة أقسام ، وهي قسم القرآن وقسم الثقافة وقسم الدعوة ، حينما يكون من موضوعات التفسير الموضوعي .
وأخيرًا أقول : إنني على غير قناعة بالمطروح في التفسير الموضوعي ، لا من جهة الاصطلاح ، ولا من جهة التنظير والتطبيق . وأتمنى لو صُحِّحَ مسار هذا الموضوع ، إذ فيه نفع وفوائد كثيرة ، لكن بعد ترشيده وتسديده .
أسأل الله أن يجعل هذا الكلام من باب النصح والتصويب لا من باب التثريب ، وأسأله أن يرينا ـ جميعًا ـ الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=566
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23-11-05, 08:42 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

سؤال عن احتواء جمع أبي بكر للأحرف السبعة


--------------------------------------------------------------------------------

لقد سألني الأخ الفاضل حسين المطيري الأستاذ بقسم الدراسات القرآنية عن جمع أبي بكر رضي الله عنه ، هل يشمل الأحرف السبعة ؟
وأقول إنَّ موضوع جمع القرآن من الموضوعات التي تحتاج إلى رسائل ، وليست رسالة واحدة ، وقد طرح الأستاذ محمد أبو زيد رسالته العلمية المعنونة بـ( جمع القرآن في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر الحديث) في الأنترنت ، وهو موجود في موقع الخيمة ، وفيها فوائد نفيسة يحسن بمن له اهتمام بعلوم القرآن أن يرجع إليها .
وأعود فأقول : إن موضوع جمع المصحف عمومًا يرتبط بعدد من الموضوعات لا يمكن أن ينفكَّ عنها ، وإلا كان البحث ـ في نظري ـ في نقص ، وهذه الموضوعات :
1 ـ رسم المصحف .
2 ـ الأحرف السبعة .
3 ـ اختلاف القراءات القرآنية .
وإدراك هذه الأمور تحلُّ شيئًا كثيرًا من المشكلات الواردة على جمع المصحف .
ثمَّ إن بحث هذا الموضوع يحتاج إلى ثلاث مقدمات :
الأولى : جمع الآثار المتعلقة بجمع المصحف ، والمتعلقة بالموضوعات الثلاثة التي سبق الإشارة إليها لأخذ ما يفيد منها في موضوع جمع المصحف .
الثانية : تصوُّر الواقع الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم حال جمع المصحف في أزمنته المتعددة .
الثالثة : الاستنباط العقلي المبني على الآثار وتصوُّر الواقع .
وأعود إلى السؤال المطروح فأقول :
1 ـ إنَّ ما جمعه أبو بكر رضي الله عنه ليس فيه تفاصيل ، ولا يمكن الجزم بشيءٍ إلا أنه جمع المصحف ، والأصل أنَّ هذا المصحف يحتوي على القرآن النازل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومادام يحتويه فإنَّ إثبات الزيادة على كونه يحتوي أكثر من ذلك مما يحتاج إلى دليل خاصٍّ ، وليس من دليل يدلُّ على ذلك.
2 ـ إنَّ افتراض اختلاف المكتوب في مصحف أبي بكر رضي الله عنه عما بقي من المكتوب من القرآن على اللخف والرقاع وغيرها أمر لا يدلُّ عليه دليلٌ أيضًا ، والأصل أنَّ ما دوِّن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن النازل الثابت قراءته ، وهو الذي جمعه أبو بكر رضي الله عنه في مصحف واحدٍ ، فعمل أبي بكر رضي الله عنه إنما هو جمع متفرقٍ في مصحف واحدٍ .
وإنما أقول ذلك لأن الأمر عندي أنَّ ما يتعلق بالقرآن فإنَّ الأصل فيه التوقيف ، وليس للرسول صلى الله عليه وسلم ، بَلْهَ الصحابة رضي الله عنهم أي تدخُّلٍ فيه ، وذلك في حروفه وطريقة أدائه وترتب آيِهِ وسوره .
وجَهْلُ بعض الصحابة رضي الله عنهم بشيء من ذلك ، أو اجتهادهم رضي الله عنهم في ترتيب مصاحفهم على ترتيبٍ معيَّنٍ ـ إن صحَّ ـ فإنه لا يُخرج هذه الأمور عن كونها توقيفية ، هذا هو الأصل عندي ، ولست أرى أنه قد وقع من الصحابة رضي الله عنهم مخالفة لما كان من شأن القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن الأمر أنهم لم يُلزَموا إلزامًا عامًّا بشيءٍ من أمر القرآن إلا في عهد عثمان رضي الله عنه .
3 ـ إنه مما لا خلاف فيه أنَّ كثيرًا من قراءات القرآن ترجع إلى أمورٍ صوتية لا يمكن كتابتها ، فإن كانت هذه الصوتيات عند من يرى أنَّ أبا بكر جمع الأحرف السبعة ، فإنه يخالف هذا الأصل ؛ لنَّ هذا مما لا يمكن أن يُكتب ، ومن ثَمَّ فإن أبا بكر لم يكتبه على الأحرف السبعة بل نقص عنده ما يتعلق بالصوتيات من الإمالة والإدغام وغيرهما .
4 ـ كما أنَّ من نقل رسم المصاحف العثمانية أشار بوضوح صريحٍ أنَّ بعض الكلمات القرآنية كُتِبَت على وجه واحدٍ في الرسم ، وهي في القراءة تحتمل أكثر من وجه ، وهذا يدلُّ على أمور ، منها :
ـ أنَّ الرسم اصطلاح ، وهم كتبوه على الوجوه المتغايرة التي يعرفونها ، لذا وقع الاختلاف في كتابة بعض المتماثلات بوجوه مختلفة نظرًا لاختلاف التغاير في رسمها ، ولا يلزم منه أمر آخر ، كما اجتهد بعضهم في استنباط علاقة وجوه القراءة بتغاير الرسم ، وهذا قد يحصل في بعض المواطن لكنه غير لازم في جميع تغاير الرسم .
واختلاف التغاير في الرسم لازال حتى اليوم قائمًا بين الكَتَبَةِ ، وهو محلُّ تطوِّرٍ يعرفه من قرأ في موضوع الإملاء عبر القرون ، وهو اختلافُ تغايرٍ بحتٍ ، واجتهادٌ من العلماء ، والأمر فيه واسعٌ جدًّا ، وارجع إلى اختلاف المعاصرين في كتابة لفظة ( شئون / شؤون ) وغيرها ، وقس عليه في أمر تغاير الرسم .
ـ أن الكتبة من الصحابة لم يعتبروا اختلاف هذه الرسوم ، وجعلوا القراء هي القاضية على الرسم ؛ لذا تجدُ في كتاب (المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) للداني ( ت : 44 ) بابًا بعنوان ( ذكر ما اتفقت على رسمه مصاحف أهل الأمصار من أول القرآن إلى آخره ) ، وقد ذكر فيه عددًا من كلمات القرآن كُتِبَت على وجه واحدٍ من الرسم ، وسأذكر منها مثالين يحسن بك أن تراجعهما في كتب الرسم ليظهر لك صحة ما أقول :
الكلمة الأولى : (( الصراط )) فقد كُتِبَت في جميع المصاحف بالصاد ، فيها ثلاث قراءات صحيحة ، وهي مما حُكِمَ بتواترِه .
الأولى : بالسين وهي رواية قنبل عن ابن كثير المكي .
الثانية : بإشمام الصاد زايًا ، وهي رواية خلف عن حمزة .
الثالثة : بالصاد كما رسمت في جميع المصاحف ، وهي قراءة الباقين ، وهم الجمهور (1).
فلو كان الرسم معتبرًا ، فلا أقلَّ من أن يرسموا الصراط في مصحف بالصاد وفي مصحف بالسين ، وإنما تركوا ذلك ؛ لأنَّ القراءة قاضية على الرسم ، وعندهم لا يؤخذ من الرسم طريقة القراءة ، فالقراءة أولاً ، والرسم تبعٌ .
الكلمة الثانية : (( ضنين )) ، وقد رُسِمت في جميع المصاحف بالضاد ، وقرئت على وجهين :
الأول : بالظاء ، وقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي
الثانية : بالضاد ، كما هي مرسومة في المصاحف ، وقرأ بها الباقون من القراء السبعة .
وهاتان القراءتان لا يحتمل بعضهما البعض لا من جهة الرسم ولا من جهة المعنى ، وهذا مما يدلُّك أيضًا على أنَّ الأصل في قراءة القرآن نقل حروفه قراءة ، والرسم تبع له ، ولا يلزم أن يوافق الرسم جميع المحفوظ الملفوظ من القرآن الكريم ، والله أعلم .
وإذا تبيَّن لك هذا ، فاعلم أنَّ مصحف أبي بكر رضي الله عنه قد كُتِبَ على صورة واحدةٍ ، هذا هو الأصل ، مع احتمال أن يكون قد رسمت بعض حروفه التي وقع فيها تغاير في المصحف نفسِه ، في أي مكان منه إما في حواشيه ، وإما أن تكتب الكلمات المتغايرة متتالية ، وهذا لا يحكمه إلا الاطلاع المباشر على مصحف أبي بكر رضي الله عنه ، وذلك ما لا سبيل إليه كما تعلم .
والمقصود من ذلك أنَّ كون أبي بكر رسمه على وجه واحد من الرسم فإنه لا يعني أنه أهدر وجوه القراءة الأخرى ؛ لأنها مما يُتلقى من طريق القراء لا من الرسم فتأمَّل هذا .
وإذا كان ذلك كذلك ، فلا يصحُّ أن يقال : إنَّ مصحف أبي بكر حوى الحرف السبعة ، ولا أنَّه حوى ما بقي منها مما لم يُنسخ ، إلا إذا عرَّف المتكلِّم بهذا مقصوده بالأحرف السبعة ، والله الموفق .
واعلم أنَّ الموضوع طويل ، ولا أراني ألممت إلا بمقصوده إلا على عجلٍ ، وهو لا يروي غليلاً ، ولا يشفي عليلاً ، وأسأل الله أن يوفِّق بعض الباحثين لإعادة النظر في هذا الموضوع الخطير ،و آخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين .
ــــــــــــــــ
(1) قال السخاوي ( ت : 643 ) في الوسيلة إلى كشف العقيلة ( ص : 89 ) : (( قلت : ورأيت في كتاب القراءات لأبي عبيد عند ذكر الصراط ؛ قال أبو عبيد : والقراءة عندنا بالصاد ؛ لاجتماع المصاحف في الأمصار كلها على الخطِّ بالصاد )) .
وهذه طريقة من الترجيح معروفة قبل ابن جرير الطبري ( ت : 310 ) ، ولا أدري لماذا فُتِحت عين بعضهم على ابن جرير ( ت : 310 ) ، ولم تر أقوال الآخرين ، وإنما سُقت هذا هنا لأنبه إلى حاجة هذا الموضوع إلى بحث مستفيضٍ ، وهو من الموضوعات المهمة التي يحسن بالمتخصصين ألا يغضُّوا الطرف عنها ، وأن يبحثه أكثر من متخصِّص لتتواطأ أقوالهم على تبيين هذه المسألة الشائكة المهمة ، وأن يردوا تلك القالة المنكرة التي أُلصِقت بابن جرير الطبري الذي لم يكن بِدْعَا في هذا المنهج ، بل سبقه علماء ولحقه علماء ، وللموضوع جوانب أخرى تحتاج إلى بيان .
هذا ، وقد ألَمَّ بجوانب متعلقة بتاريخها الأستاذ الباحث زيد بن علي مهدي بن أحمد مهارش في رسالته العلمية التي قدمها ـ لقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بالرياض ـ لنيل درجة الماجستير ، وهي بعنوان ( منهج الإمام الطبري في القراءة وضوابط اختيارها في تفسيره ) .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23-11-05, 08:47 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

التعليق على الوقف اللازم في قوله تعالى : ( ماذا أراد الله بهذا مثلا )


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد:
فقد طلب مني بعض الإخوة في هذا الملتقى أن أطرح بعض المسائل التي ناقشتها في رسالة الماجستير ، وكانت بعنوان ( وقوف القرآن وأثرها في التفسير ) ، وقد استحسنت هذه الفكرة ، فرأيت أن أطرح منها ما تيسر.
وسأبدأ هذا الطرح بالتعليق على أول وقف لازم في مصحف المدينة النبوية ، وهو الوقف الوارد في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) (البقرة:26).
فأقول مستعينًا بالله :
الوقف اللازم في هذه الآية على قوله تعالى :(مثلاً) الثانية.
فما معنى الكلام بناءً على هذا الوقف ؟
إن لزوم الوقف على قوله تعالى :(مثلاً) يدل على انفصال الجملة من قوله تعالى : ( وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ) عمَّا بعدها، فتمَّ هنا كلام الكفار.
ثم أعقبه الله جل ذكره ببيان فائدة المثل بقوله تعالى : (يضل به كثيراً و يهدي به كثيراً ) ، فهذا من الله ابتداءُ كلامٍ تعقيباً على قولهم ، و رداً عليهم.
وما الإشكال الوارد في الوصل لو وصل القارئ ؟
ولو وصل القارئ قوله تعالى : (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا ) لأوهَمَ أن قوله تعالى : (يضل به كثيراً … ) من تمام قول الكفار .
وقد أورد المفسرون هذين المعنيين السابقين ، و اختار أكثرهـم الوقف على قـوله تعـالى : (مثلاً ) ، وأعلُّوا المعنى الثاني .
قال أبو جعفر الطبري :(يعني بقوله جل و عز : (يضل به كثيراً ) يضل الله به كثيراً من خلقه , و الهاء في (به) من ذكر المثل ، و هذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدأ ، و معنى الكلام أن الله يضل بالمثل الذي يضر به كثيراً من أهل النفاق و الكفر )) (1)
ثم استدل لصحة هذا الوقف بما جاء في سورة المدثر من قوله تعالى : ( وليقول الذين في قلوبهم مرض و الكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل به من يشاء و يهدي من بشاء ) .
قال الطبري : (( وفيما في سورة المدثر من قول الله : ( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) ما ينبئ عن أنه في سورة البقرة كذلك مبتدأ ، أعني قوله : (يضل به كثيراً ) )) (2).
وقد تبع الطبريَّ في الاستدلال بهذه الآية على صحة الوقف في آيه البقرة أبو جعفر النحاس حيث قال : (( والأَولى في هذا ما قاله أبو حاتم ، والدليل على ذلك ... )) (3) . ثم ساق آيه المدثر .
و قال الشوكاني : (( وقوله : ( يضل به كثيراً و يهدي به كثيراً ) هو كالتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بـ(أما) ، فهو خبر من الله سبحانه )) (4).
و قال ابن جزي الكلبي : (( (يضل به ) من كلام الله جواباً للذين قالوا ماذا أراد الله بهذا مثلا ، وهو أيضاً تفسير لما أراد الله بضرب المثل من الهدى والضلال )) (5).
و ممن اختار هذا المعنى : السُّدِّيُّ ، ومقاتل ؛ كما نقل ذلك عنهما ابن الجوزي في تفسيره (6) .
واختاره السجاوندي (7) ، وأبو حيان في تفسيره (8) ، ومن نقلتُ أقوالَهم فيما سبق .
و اختار المعنى الثاني ـ وهو أن يكون الكلام من تمام كلام الكفار ـ : الفــراء (9) وابن قتيبة (10) .
قال الفراء : (( وقوله : (ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيراً و يهدي به كثيراً) ؛ كأنه قال ـ والله أعلم ـ : ماذا أراد الله بهذا بمثل ـ لا يعرفه كل أحد ـ يضل به هذا ويهدي به هذا . قال الله : ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)(البقرة: من الآية26) )) (11).
وقد اعتُرضَ على قول الفراء بما يأتي :
أن الكافرين لا يُقرُّون بأن في القرآن شيئاً من الهداية ، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة (12).
و قال أبو حيان ـ مناقشاً لهذا القول ـ : (( واختار بعض المعربين والمفسرين أن يكون قوله تعالى : ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً)(البقرة: من الآية26) في موضع الصفة لمثل … فعلى هذا يكون من كلام الذين كفروا ، وهذا الوجه ليس بظاهر ؛ لأن الذي ذكر أن الله لا يستحيي منه هو ضرب مثلٍ ما ؛ أيِّ مثلٍ كان : بعوضة أو ما فوقها ، والذين كفروا إنما سألوا سؤال استهزاء وليسوا معترفين بأن هذا المثل يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً إلا إن ضَمَّن معنى الكلام : إن ذلك على حسب اعتقادكم وزعمكم أيها المؤمنون ، فيمكن ذلك ، ولكن كونه إخباراً من الله تعالى هو الظاهر )) (13).

أقوال علماء الوقف :
اختلف علماء الوقف في الحكم على هذا الموضع على أقوالٍ :
الأول : أنه تام ، وبه قال أبو حاتم ، وأبو جعفر النحاس (14).
الثاني : أنه حسن ، وبه قال أبو العلا الهمذاني (15).
الثالث : أنه لازم ، وهو قول السجاوندي (16).
الرابع : التفصيل بين الكفاية والجواز ، وهو قول الأشموني ، حيث قال : (( كافٍ ، على استئناف ما بعده جواباً من الله للكفار . وإن جُعل من تتمَّةِ الحكاية عنهم كان جائزاً (17) )) (18).
هذا ، وقد سبق ذكر الوجه التفسيري المترجح ، وهو قول الجمهور ، حيث جعلوا قوله تعالى : ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً)(البقرة: من الآية26) من قول الله استئنافاً للردِّ على الكفار . وبهذا الوجه يكون الفصل بين الجملتين بالوقف هو المرجَّح ، وهذا يتناسب من حكم عليه بالتمام والكفاية واللزوم .
وكونه كافياً أقرب ؛ لأن الجملة فيها ردٌّ على ما سبق من كلام الكفار ، وبهذا تكون مرتبطة بما قبلها من جهة المعنى ؛ لأن الحديث عن ضرب المثل لم يتمَّ بعد . والعلة التي ذكرها السجاوندي تجعل تخيُّر الوقف على هذا الموضع أولى ، وإن كان كافياً .
أما حكم أبي العلاء الهمذاني عليه بأنه حسن , وكذا ما ذكره الأشموني من أنه إن جعل من تتمه الحكاية عنهم كان جائزاً فهو موافق لاختيار الفراء التفسيري , وقد سبق الرد عليه .
ــــــــــــــ
( ) تفسير الطبري 1 : 181 .
(2) تفسير الطبري 1 : 181 .
(3) القطع والائتناف 129 .
(4) فتح القدير 1 : 57 ، وهو بنصه في فتح البيان ، لصديق خان 1 : 94 ، وانظر : تفسير القرطبي 1 : 209 ، وروح المعاني 1 : 209 .
(5) تفسير ابن جزي 1 : 42 .
(6) زاد المسير 1 : 43 .
(7) علل الوقوف 1 : 89 .
(8) البحر المحيط 1 : 125 .
(9) معاني القرآن 1 : 23 .
(10) انظر : زاد المسير 1 : 43 .
( 1) معاني القرآن 1 : 23 .
(2 ) انظر : فتح القدير 1 : 57 ، وفتح البيان 1 : 94 .
(3 ) البحر المحيط 1 : 125 .
(4 ) انظر : القطع والائتناف 129 .
(5 ) الهادي إلى معرفة المقاطع والمبادي 1 : 44 .
(6 ) علل الوقوف 1 : 89 .
(7 ) قال الأشموني في منار الهدى (ص : 10 ) عن مصطلح الجائز : (( … ثمَّ الأصلح ، وهو الذي يعبر عنه بالجائز )) . ولم يشرح بأكثر من هذا .
(8 ) منار الهدى 37 .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1027
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 23-11-05, 08:49 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

(2) التعليق على الوقف اللازم على قوله تعالى (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم)


--------------------------------------------------------------------------------

قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (البقرة:118) .
الوقف اللازم في هذه الآية على قوله تعالى : (مثل قولهم ) ، ومن ثَمَّ ، فما بعدها مفصول عنها .
ويكون مقول القول محذوفاً ، قد دلَّ عليه سباق الآية ، وهو ما ذكره الله من قولِ الذين لا يعلمون : ( لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ) ، فمقولهم المحذوف : هو هذا الاقتراح .
ولو وصل القارئ قولَه تعالى : ( مثل قولهم ) بقوله تعالى : ( تشابهت قلوبهم ) ؛ لتُوهِّم أن جملة : ( تشابهت قلوبهم ) هي مقولُ القَولِ ، وليس الأمر كذلك ، وبناءً عليه لَزِمَ الوقف على قوله : ( مثل قولهم ) ؛ لِيُفهَم المعنى بالفصل .
قال شيخ زاده في حاشيته على البيضاوي : (( قوله : (تشابهت قلوبهم ) استئناف على وجه تعليلِ تشابُهِ مقالتِهم بمقالةِ من قبلهم )) (1) .
وقال الآلوسي في قوله : (تشابهت قلوبهم ) : (( والجملة مقررة لما قبلها )) (2) .
وقال أبو حيان : (( ( تشابهت قلوبهم ) الضمير عائد على الذين لا يعلمون والذين من قبلهم ، لما ذكر تماثل المقالات ، وهي صادرة عن الأهواء والقلوب ، ذَكَرَ تماثلَ قلوبهم في العمى والجهل ؛ كقوله تعالى : ( أتواصوا به ) ( الذاريات : 53 ) )) (3) .
أقوال علماء الوقف :
اختلف علماء الوقف في الحكم على هذا الموضع على أقوالٍ :
الأول : أنَّ الوقف تامٌّ ، وهو اختيار ابن مجاهد أحمد بن موسى (4) ، والهمذاني (5) .
الثاني : أنَّ الوقف كافٍ ، وبه قال الأنصاري (6) .
الثالث : أنه حسن ، وهو قول الأشموني (7) .
الرابع : أنه مطلق ، وهو قول السجاوندي (8).
و الأَولى في الحكم هنا : الفصلُ بين الجملتين ، للْعِلَّةِ المذكورة ، وهي أن يُتَوَهَّمَ أنَّ قوله تعالى : (تشابهت قلوبهم ) من مقول الكفار .
والصواب أن المقول محذوف ، وأن هذه الجملة مستأنفة ، وبهذا يكون قول الأشموني بأنه وقف حَسَنٌ غير صحيح ، لأنه يلزم من ذلك التعلق الإعرابي وهو غير موجود .
ومع هذا الاستئناف هل الوقف من التام أو الكافي ؟.
الأصحُّ أنَّ الوقف كافٍ ؛ لأن السياق ما زال متصلاً بالحديث عن الكفار ، ويؤكد ذلك الضمير في قوله : ((قلوبهم )) ، فهو يعود على الذين لا يعلمون والذين من قبلهم المذكورين في الآية . وبهذا تكون الآية مرتبطة بما قبلها في المعنى ، واللهُ أعلمُ .
و أما حكم السجاوندي بأنه مطلق ، فصحيح أيضًا ؛ لأن جملة : (تشابهت قلوبهم ) يصحُّ البدء بها ، لأن ضابطَ الوقف المطلق عنده هو صِحَّةُ البَدْءِ بما بعد الوقف . والله أعلم .
ــــــــــــــــ

(1 ) حاشية شيخ زاده على البيضاوي 1 : 402 .
(2) روح المعاني 1 : 370 ، وانظر : التحرير والتنوير 1 : 689 ، فقد ذكر مثل ذلك .
(3) البحر المحيط 1 : 367 ، وانظر : تفسير ابن جزي 1 : 58 .
(4) انظر : القطع والائتناف 161 .
(5) الهادي في معرفة المقاطع والمبادي 1 : 73 .
(6) المقصد 47 ـ 48 .
(7) منار الهدى 47 ـ 48 .
(8) علل الوقوف 1 : 121 .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1065
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 23-11-05, 08:50 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

(3) الوقف اللازم على قوله تعالى ( ويسخرون من الذين آمنوا)


--------------------------------------------------------------------------------

قوله تعالى :(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (البقرة:212)

الوقف اللازم في هذه الآية على قوله تعالى : (ويسخرون من الذين آمنوا ) .
ولهذه الجملة احتمالان في الإعراب :
الأول : أن تكون معطوفة على جملة ( زين للذين كفروا ) .
الثاني : أن تكون جملة حاليةً على تقدير : وهم يسخرون (1) .
وبناءً على هذا الوقف ، فإنَّ جملة : (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) محمولةٌ على الاستئناف .
ووجه الإشكال في الوصل بيَّنها السجاوندي ، فقال : » ولو وصل صار (فوقهم ) ظرفاً لـ(يسخرون) ، أو حالاً لفاعل (يسخرون) ، وقُبْحُهُ ظاهرٌ « (2).
والصواب من الإعرابِ أنَّ الواو عاطفة ، وأن جملة (والذين اتقوا ) معطوف على جملة (زين للذين كفروا) (3) .
أقوال علماء الوقف :
اختلف علماء الوقف في الحكم على هذا الموضع على أقوال :
الأول : أنَّ الوقف كافٍ ، وهو اختيار الداني (4) ، والغزال (5).
الثاني : أن الوقف حسنٌ ، وبهذا الوقف قال أبو جعفر النحاس (6) ، وابن الأنباري (7) ، والهمذاني (8) ، والأنصاري (9) ، والأشموني (10) .
الثالث : أن الوقف لازم ، وهو اختيار السجاوندي (11).
وأولى هذه الأقوال قول من قال : إنَّ الوقف حَسَنٌ ؛ لأن جملة (والذين اتقوا ) مرتبطة إعراباً بجملة (زين للذين كفروا) وهذا الرابطُ اللفظي الإعرابي يجعل الوقف حسناً .
ولِوُجودِ هذا الرابط اللفظي الإعرابي لا يصلح أن يكون الوقف كافياً ، كما لا يصلح البدءُ بجملة (والذين اتقوا ) الذي هو نتيجةُ الحكم باللازم .
أمَّا ما عَلَّلَ به السجاوندي فهو من البُعْدِ والتَّكلفِ بمكان ؛ لأنَّ هذه العلة ـ لو صحَّت ـ لا يدركها إلا المتخصص في علم النَّحو . ويلزم من عِلَّتِهِ أنْ يُفهَم أنَّ جملة (الذين اتقوا ) عطف على جملة (الذين آمنوا) ، وأنَّ قوله : (فوقهم ) ظرف لـ(يسخرون) أو حالٌ لفاعلِ (يسخرون) ، وهذا لا يُدْرَكُ إلا بتأمل .
ولو بدأ القارئ من قوله تعالى : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) ، فوقف هنا ، لكان واضحاً أنَّ الفوقية للمتقين وأنَّ الظرف (فوقهم) لا يتعلق بهذا الفعل البعيد عنه ، وهو (يسخرون) .
.......................................
(1 ) انظر : البحر المحيط 2 : 130 ، والدر المصون 2 : 372 .
(2) علل الوقوف 1 : 168 .
(3) انظر : الجدول في إعراب القرآن 2 : 362 ، وإعراب القرآن الكريم ، لمحيي الدين درويش 1 : 312 .
(4) المكتفى 83 .
(5) الوقف والابتداء 1 : 268 ، وعبارته : » حسن « ، وهي تعني الكافي عند غيره .
(6) القطع والائتناف 183 .
(7) إيضاح الوقف 1 : 549 .
(8) الهادي في معرفة المقاطع والمبادي 1 : 110 .
(9) المقصد ، بحاشية منار الهدى 58 .
(10) منار الهدى 58 .
(1 1) علل الوقوف 1 : 168 .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1123
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 23-11-05, 08:52 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

هل أنكر ابن جرير قراءة متواترة أو ردَّها ؟


--------------------------------------------------------------------------------

هل أنكر ابن جرير قراءة متواترة أو ردَّها ؟
الحمد لله القائل : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى صحبه الغرِّ الميامين ، وعلى تابعيهم إلى يوم الدين ، أما بعد :
فإنَّ هذا الموضوع كان مما يشغلني منذ زمن ، وكنت كلما أردت الكتابة فيه صرفتني عنه صوارف ، وقد رأيت أنه لابدَّ من الإشارة التي تغني عن العبارة ، وأنه لابدَّ من الذبِّ عن هذا الإمام العظيم الذي لا أدَّعي له العصمة ـ كلا وحاشا ـ وإنما المراد بيان منهجه الذي سار عليه في نقد القراءة ، والذي لم يكن بدعًا فيه .
وهنا يحسن التنبيه على أمرين غير متلازمين ، وهما :
الأول : احترام العالم وطريقته العلمية ورأيه الذي يذهب إليه .
والثاني : ردُّ رأيه إذا كان مخالفًا للصواب .
فالأولى لا يلزم منها قبول كلِّ رأي يصدر عنه ، والثانية لا يلزم منها عدم احترامه وتقديره .
والمقصود هنا أنَّ المسلم مأمور باتباع الحقِّ لا الرجال ، فإذا ظهر له أنَّ الحقَّ ليس مع هذا العالم بل مع غيره لزمه اتباع الحقِّ .
وقد تكوَّنت عندي خلال دراسة هذا الموضوع = أفكار في موضوع تواتر القراءات وما يتعلق بكتبها وتاريخها ، وكذا موضوع القراءات عند الطبري ، ولعل الله يعينني على إتمام تحريرها ، وعرضها من خلال هذا الملتقى المبارك أو من خلال كتاب يجمع أشتات تلك المسائل ، والله الموفق .
وأعود إلى أصل المسألة فأقول :
هل أنكر ابن جرير قراءة متواترة أو ردَّها ؟
إنَّ الجواب عن هذا السؤال يلزم من البحث في أمرين :
الأول : مفهوم التواتر ، وهذا يحتاج إلى بحث مستفيضٍ مستقلٍّ ؛ لأنه قد أصابه غبشٌ وعدمُ وضوحٍ ، فالتواتر في كل علم يختلف ، ولا تكاد تجدُ هذه العبارة في كتب السابقين ، وإنما تجد عندهم : ( قراءة العامة / القراءة المستفيضة / القراءة المشهورة / قراءة قراء الأمصار ) وغيرها من المصطلحات التي تدلُّ على شيوع القراءة وانتشارها ، أمَّا لفظ التواتر فلم أقف عليه عند من قبل الطبري ( ت : 310 ) ، ولا عند ابن مجاهد ( ت : 324 ) الذي سبَّع السبعة ، ولا عند الداني ( ت : 444 ) في كتابه التيسير ، الذي اعتمده الشاطبي ( ت : 590 ) ونَظَمَهُ في قصيدته اللامية التي صارت تُعرف بالشاطبية . وإنما جاء هذا المصطلح متأخِّرًا بعد تسبيع السبعة بزمنٍ .
فابن مجاهد ( ت : 324 ) يقول في كتابه السبعة ( ص : 49 ) : (( والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أوَّليهم تلقِّيًا ، وقام بها كل في مصر من هذه الأمصار رجلٌ ممن أخذ من التابعين ، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته وسلكوا فيها طريقه ، وتمسكوا بمذهبه )) .
وقال في موطن آخر من مقدمته لهذا الكتاب ( ص : 87 ) : (( … فهؤلاء سبعة نفرٍ من أهل الحجاز والعراق والشام ، خلفوا في القراءة التابعين ، وأجمعت على قراءتهم العوامُّ من أهل كلِّ مصر من الأمصار ، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفًا شاذًّا فيقرأ به ، من الحروف التي رُويت عن بعض الأوائل منفردة ، فذلك غير داخلٍ في قراءة العوامِّ ، ولا ينبغي لذي لبٍّ أن يتجاوز ما مضت عليه الأمة والسلف بوجه يراه جائزًا في العربية ، أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه )) .
استطراد : من باب المناسبة أدعو الإخوة المتخصصين في العلوم إلى إقامة مدارسات في مقدمات كتب العلوم ، ففيها نفائس وقواعد وفوائد لا تُحصى ، كما أنها تبيِّن مناهج المؤلفين وشيئًا من مصطلحاتهم وعباراتهم ، وقد لمست ذلك في قراءتي لبعض مقدمات كتب التفسير وغيرها من كتب التخصص مع بعض الأصحاب ، وفقني الله وإياكم إلى الصواب .
وقال الداني ( ت : 444 ) في التيسير ( ص : 2 ) : (( … ويتضمن من الروايات والطرق ما اشتهر وانتشر عند التالين ، وصحَّ وثبت عند المتصدرين من الأيمة المتقدمين )) .
وهؤلاء الأئمة السبعة الذين تلقت العامة قراءتهم بالقبول ، قد يرد عنهم حروف مفردة لم يقبلها العلماء ، وهي خارج القراءة العامة التي أقرأ بها الإمام منهم ، لذا لا يُعدُّ كل ما روي عنهم في درجة واحدة من القبول ، بل ما كان معروفًا بالنقل من الطرق المعتبرة عند أهل هذا الشأن .
وإنما أُشير لهذا ليُعلم أنَّ الحكم بقبول قراءتهم إنما هو فيما اختاروه وأقرءوا به العامة وانتشر ، دون تلك الأفراد التي لا يخلو منها إمام منهم .
وإذا تأملت ما ذكره هؤلاء العلماء من أسانيد القراءة وجدتها تقف عند هؤلاء السبعة ، فهي في حقيقتها أفراد ، لكن لما تلقتها الأمة بالقبول فإنها صارت قراءة مستفيضة مشهورة ، وهذا لو كان هو الضابط بدل التواتر لكان ، لكن للفظ التواتر سلطان يحتاج إلى تحريرٍ .
ولعلك على خُبرٍ بنِزاع ـ ليس هذا محلُّه ـ وهو ما المتواتر من السبعة ، هل هو أفراد القراءات أم مجموعها ؟ وهذا من الموضوعات التي تحتاج إلى تنبيه ليتبصَّر به من يكتب في موضوع تواتر القراءات .
وإنه ليس من شكٍّ اليوم بصحة ما تلقته الأمة من كتاب ربها وقرأته على مرِّ العصور بقراءتها العشر التي تلقتها بالقبول جيلاً عن جيلٍ ، ولا أودُّ أن يُفهم طرح هذه المسألة للنقاش أن في الأمر شكًّا في تواتر القراءات اليوم ، وإنما المراد النظر إلى القراءات في كلِ جيل ، والاعتذار لما وقع من بعض العلماء العارفين من ردِّ بعض القراءات ، وأنهم إنما ردُّوها بأسلوبٍ علميٍّ مناسب لما تلقوه من القراءات ، وليس عن هوى أو جهلٍ منهم .
ولا يصلح اليوم الاستدلال بردِّ هؤلاء العلماء للقراءات اليوم بعد قيام الحجة بقبولها واعتماد تواترها بعد تسبيعها أو تعشيرها .
والأمر أطول مما صورته لك هنا ، أسأل الله أن يوفق من يكتب فيه كتابة مستفيضة تجلِّي غامضه ، وتبيِّن طرائق العلماء في كلِّ عصر في تلقي القراءة ، وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه .
الثاني : هل ثبت أن ابن جرير أثبت تواتر قراءة ثمَّ أنكرها ، فإن كان ثبت ذلك ، فهنا الملامة تقع ، والإنكار عليه يصح .
لكن الأمر بخلاف ذلك ، فما ردَّه أو اعترض عليه لم يكن مما ثبتت استفاضته وشهرته عنده ، بل هو عنده في حكم الشاذ الذي لا يُعترضُ به على المستفيض من القراءة .
ومن عباراته في هذا المقام ـ وهي كثيرة :
1 ـ ( وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط ، فغير جائز الاعتراض به على الحجة ) تحقيق شاكر 16 : 4 .
2 ـ ( الحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة ، فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم = كانت الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم ) تحقيق شاكر 9 : 566 .
ولأضرب لك مثالاً تطبيقيًّا ناقش فيه ابن جرير قراءة حُكِمَ عليها بالتواتر بعده ، فقد أورد في قوله تعالى : (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران:36) .
قال : (( واختلف القرأة في قراءة ذلك ، فقرأته عامة القراء : (وَضَعَتْ) ، خبرًا من الله ـ عز وجل ـ عن نفسه أنه العالم بما وضعت من غير قِيلِها : ( رب إني وضعتها أنثى ) .
وقرأ ذلك بعض المتقدمين : (والله أعلم بما وضعتُ) ، على وجه الخبر بذلك عن أم مريم أنها هي القائلة : والله أعلم ـ بما ولدت ـ مِنِّي .
وأولى القراءتين بالصواب : ما نقلته الحجة مستفيضة فيها قراءته بينها ، لا يتدافعون صحتها ، وذلك قراءة من قرأ : (والله أعلم بما وضعتْ) ، ولا يُعْتَرَضُ بالشاذِّ عنها عليها )) تفسير الطبري ، تحقيق د/ عبد الله التركي ( 5 : 336 ) .
والقراءة التي اختارها هي قراءة نافع وابن كثير وحفص عن عاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي .
والقراءة التي حكم عليها بالشذوذ هي قراءة أبي بكر عن عاصم وابن عامر .
والقراءتان بالنسبة لنا قراءتان سبعيَّتان مقبولتان بلا إشكال ، لكن كانت القراءة الأخرى بالنسبة للطبري ( ت : 310 ) شاذَّةً لمخالفتها قول الجمهور من القراء ، وقراءة الجمهور عنده معتبرة ، وهو يحكيها على أنها إجماعٌ والإجماع حجة ، وما خالف الإجماع من قول الواحد والاثنين فلا اعتبار به عنده ، وعلى هذا سار في حكاياته للإجماع في التفسير والقراءات وغيرهما .
وعلى هذا فهو سائر على منهجٍ علميٍّ صحيح ، لكن النتيجة التي حكم بها يخالفه غيره فيها ، وقول غيره هو المقدم ، وهم جمهور علماء القراءة الذين قبلوا هذه القراءة التي شذَّذها .
ومن هنا أقول : إنَّ الحكم بشذوذ القراءة عند الطبري وغيره مما يحتاج إلى دراسة وبحث عميق .
وأعود فأقول : إنه إذا كان يحكم على القراءة بالشذوذ بالنسبة إلى ما وصله من علم بهذه القراءة ، فكيف يقال إنه ينكر القراءة المتواترة ، أو أنه يردها ؟!
هل أثبت الطبري تواترها ثمَّ طعن فيها وردَّها ؟!
ولو تنبَّه من اعترض على ابن جرير إلى هذه المسألة لما أصدر هذا الحكم ، وهو أنَّ ابن جرير ينكر القراءات المتواترة ، أو يعترض عليها وينتقدها .
ثمَّ إنَّ ابن جرير له منهجٌ علميٌّ واضح في نقد القراءات ، وهذا المنهج الذي تبِعه لم يكن بدعًا فيه ، بل سار عليه فيه من قبله ، كما سار عليه من بعدَه .
وقد أشار إلى طرفه في كتابه الجامع ، قال أبو عبد الله المنتوري ( ت : 834 ) في كتابه شرح الدرر اللوامع في أصل مقرأة نافع ( 2 : 864 ) : (( وقال الطبري في الجامع : ثم كل من اختار حرفًا من المقبولين من الأئمة المشهورين بالسنة والاقتداء بمن مضى من علماء الشريعة = راعى في اختياره :
الرواية أوَّلاً .
ثمَّ موافقة المصحف الإمام ثانيًا .
ثم العربية ثالثًا .
فمن لم يراع الأشياء الثلاثة في اختياره لم يُقبل اختياره ، ولم يتداولْه أهل السنة والجماعة )) .
وهذه الأصول الثلاثة التي أشار إليها هي التي سار عليها العلماء في توثيق القراءة ونقدها ، ولهم في ذلك نصوص وتطبيقات يعرفها من قرأ في كتب القراءات وتوجيهها .
وهذا المنهج الذي سار عليه الطبري في قبول القراءة أو نقدها منهج علميُّ معتبر عند غيره ، وقد أفاض في بيان ذلك الباحث ( زيد بن علي مهارش ) المحاضر بكلية المعلمين بجيزان في رسالته الماتعة ( منهج ابن جرير الطبري في القراءات وضوابط اختيارها في تفسيره ) تحت باب بعنوان ( ضوابط اختيار القراءة عند الطبري ) .
ولولا خشية الإطالة لذكرت لك من عبارات العلماء ما تواطأت مع عبارته في اعتبار هذه الشروط الثلاثة .
ولأجل صحة الرواية ردَّ قراءة ابن عامر ولم يقبلها ، وقد علل لذلك فقال : (( وقد زعم بعضهم أن عبد الله بن عامر أخذ قراءته عن المغيرة بن أبي شِهاب المخزومي وعليه قرأ الْقُرْآن ، وأن المغيرة قرأ على عثمان رضي الله عنه .
وهذا غير معروف عن عثمان ، وذلك أنا لا نعلم أن أحدا ادعى أنَّ عثمان أقرأه الْقُرْآن ، بل لا نَحْفَظ عنه من أحرف الْقُرْآن إلا أحرفا يسيرة ، ولو كان سبيله في الانتصاب لأخذ القرآن على من قرأ عليه السبيل التي وصفها الراوي عن المغيرة بن أبي شهاب ما ذكرنا ، كان لا شك قد شارك المغيرة في القراءة عليه والحكاية عنه غيره من المسلمين ، إما من أدانيه وأهل الخصوص به ، وإما من الأباعد والأقاصي ، فقد كان له من أقاربه وأدانيه من هو أمس رحماً ، وأوجب حقا من المغيرة ، كأولاده وبني أعمامه ومواليه وعشيرته من لا يحصي عدده كثرة ، وفي عدم مدعي ذلك عن عثمان الدليل الواضح على بطول قول من أضاف قراءة عبد الله بن عامر إلى المغيرة بن أبي شهاب ، ثم إلى أن أخذها المغيرة بن أبي شهاب عن عثمان قراءة عليه .
وبعدُ ، فإنَّ الَّذِي حكى ذلك وقاله رجل مجهول من أهل الشام لا يعرف بالنقل في أهل النقل ، ولا بالْقُرْآن في أهل الْقُرْآن ، يقال عراك بن خالد المري ، ذكر ذلك عنه هشام بن عمار ، وعراك لا يعرفه أهل الآثار ولا نعلم أحدا روى عنه غير هشام بن عمار.
وقد حدثني بقراءة عبد الله بن عامر كلها العباس بن الوليد البيروتي وقال حدثني عبد الحميد بن بكار عن أيوب بن تميم عن يحي بن الحارث عن عبد الله بن عامر اليحصبي أن هذه حروف أهل الشام التي يقرءونها .
فنسب عبد الله بن عامر قراءته إلى أنها حروف أهل الشام في هذه الرواية التي رواها لي العباس بن الوليد ، ولم يضفها إلى أحد منهم بعينه ، ولعله أراد بقوله : إنها حروف أهل الشام أنه قد أخذ ذلك عن جماعة من قرائها ، فقد كان أدرك منهم من الصحابة وقدماء السلف خلقا كثيرا ، ولو كانت قراءته أخذها كما ذكر عراك بن خالد عن يحي بن الحارث عنه عن المغيرة بن أبي شهاب عن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يكن ليترك بيان ذلك إن شاء الله تعالى مع جلالة قدر عثمان ، ومكانه عند أهل الشام ، ليُعَرِّفهم بذلك فضل حروفه على غيرها من حروف القراء )) . نقلاً عن مقال للشيخ أحمد بن فارس السلوم في ملتقى أهل الحديث .
وقال أبو عمرو الداني في كتاب جامع البيان ( مخطوط / لوحة 28 ) : (( وقد كان محمد بن جرير الطبري فيما أخبرنا الفارسي عن عبد الواحد بن عمر عنه يضعِّف اتصال قراءة ابن عامر ويُبْطِل مادتها من جهتين :
إحداهما : أن الناقل لاتصالها مجهول في نقلة الأخبار …في حملة القرآن وهو عراك بن خالد المقرئ ، وأنه لم يرو عنه غير هشام بن عمار وحده .
والثانية : أن أحدًا من الناس لم يَدَّعِ أن عثمان أقرأه القرآن ، قال : ولو كان سبيله في الانتصاب ؛ لأخذ القرآن على من قرأه عليه السبيل التي وصفها الراوي عن المغيرة ، كان لا شك قد شارك المغيرة في القراءة عليه والحكاية عنه غيره من المسلمين ؛ إما من دانيه وأهل الخصوص ، وإما من الأباعد منه والأقاصي ، فقد كان له من أقاربه وأدانيه من هو أمس به رحما وأوجب حقا من المغيرة ؛ كأولاده وبني أعمامه ومواليه وعشيرته ، ومن الأباعد من لا يُحصى عدده كثرة .
وفي عدم مدعي ذلك على عثمان ـ رضي الله عنه ـ الدليلُ الواضحُ على بُطُولِ قولِ من أضاف قراءة عبد الله بن عامر إلى المغيرة بن شهاب ، ثم إلى أن أخذها المغيرة عن عثمان قراءة عليه )) انتهى .
وهذا الموقف من الطبري من جهة علمية مقبول ، أي : أنه لم يردَّ القراءة من باب الجهل أو الهوى ، وإنما ردَّها لاعتبار علميٍّ مقبول من جهة البحث ، لكن النتيجة التي توصَّل إليها غير صحيحة ، ولم يقبلها العلماء الذين اعتبروا قراءة ابن عامر ورضوها ، وقد تلقها الناس بالقبول .
فالذي استنكره الطبري من السند ، وهو عراك بن خالد قد عرفه غيره ووثَّقه في النقل ، ومن عرف حجة على من لم يعرف .
وعراك له رواية في الحديث ، وقد ذكره المحدثون في تراجمهم ، ومن أوسع تراجمه ما ذكره المزي في تهذيب الكمال ، وقد ذكر من روى عنهم ، وهم :
إبراهيم بن أبي عبلة ، وإبراهيم بن وثيمة النصري ، وأبوه خالد بن يزيد المري ، وأبو أمية عبد الرحمن بن السندي مولى عمر بن عبد العزيز ، وعبد الملك بن أبان ، وعثمان بن عطاء الخرساني ، ويحيى بن الحارث الذِّماري ، وقرأ عليه القرآن .
ثمَّ ذكر من رووا عنه ، وهم :
أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن بن بكار الدمشقي ، وأبو الفضل الربيع بن ثعلب المقرئ ، وقرأ عليه القرآن ، وعبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان المقرئ ، ومحمد بن ذكوان الدمشقي ، ومحمد بن وهب بن عطية السلمي ، ومروان بن محمد الطاطري ، وموسى بن عامر المريّ ، وهشام بن عمار ، وقرأ عليه القرآن .
ونقل المزيُّ عن المقرئ أبي علي أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني ، قال : عراك بن خالد من المشهورين عند أهل الشام بالقراءة والأخذ عن يحيى بن الحارث ، وعن أبيه ، وعن غيره بالضبط عنهم . ( ينظر : تهذيب الكمال 5 : 149 ) .
ومن كان هذا حاله في الآثار والقرآن ، فقد ارتفعت عنه الجهالة التي حكم بها الطبري رحمه الله ، فما كان بالنسبة له مجهولاً لا يُعرف ، كان بالنسبة لغيره معروفًا موثَّقًا في نقل القراءة ، والله أعلم .
وممن اعترض عليه وردَّ قوله أبو عمرو الداني فقد انتقده بعد سياقه لاحتجاج الطبري السابق ، كما لذا نبَّه الشاطبي إلى عدم الاغترار بنقد الطبري لقراءة ابن عامر .
ولا شكَّ عندنا اليوم أنَّ قراءة ابن عامر من القراءات المقبولة المتلقاة جيلاً بعد جيل بالرضا والقبول ، وأنَّ قول الطبري ـ مع جلالته ـ غير مقبولٍ فيها ، وإن كان بالنسبة له هو عنده وجه في عدم قبولها ؛ لأنَّ سندها لم يتصل عنده .
ثُمَّ أعود فأقول : إنَّ أوَّل ما يجب على من زعم أنَّ ابن جرير أنكر قراءة متواترةً أن يُثبتَ تواترها عند ابن جرير أوَّلاً ، ثمَّ يُسلَّم له تعبيره هذا .
أما أن يُحكَّم ابن جرير إلى مصطلح لم ينشأ إلا بعده ، فإن هذا مما لا يخفى بطلانه علميًّا ، وهذه مسألة تعود إلى معنى التواتر في القراءات ، ومتى نشأ الحكم بتواتر السبعة أو العشرة .
فتسبيع السبعة أو تعشير العشرة والحكم عليها أنها هي القراءات المتواترة ، أو السبعة متواترة والثلاثة الأخرى مشهورة ـ على اختلافٍ لا أثر له في صحة قراءتهم ـ إنما جاء بعد ابن جرير ، والحكم عليه بشيء جاء بعده ظاهر الفساد .
وأرجو ـ بعد هذا ـ أن يتضح الموقف الصحيح من الإمام الطبري في ردِّه للقراءات التي حكم العلماء بقبولها ، وهو عدم الاعتداد بردِّه وإنكاره لها ، لكن لا يقال إنه أنكر قراءة متواترةً ، والله الموفق .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=991
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 23-11-05, 09:36 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

ترجيح المعني بقوله تعالى ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله ) بين ابن جرير وابن كثير


--------------------------------------------------------------------------------

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد :
فقد عنَّ لي أن أكتب في منهج ابن جرير الطبري ( ت : 310 ) ، واحترت في كيفية البداية في ذلك ، ثمَّ رأيت أن أكتب ما أكتبه متفرقًّا متنقلاً بين أودية هذا الكتاب العظيم ( جامع البيان عن تأويل آي القرآن ) الذي لم يكتب عن منهج الإمام فيه كتابة حقَّة حتى الآن .
وقد رأيت أن أذكر في هذه الحلقة آية وقع فيها خلاف في الترجيح بين ابن جرير ( ت : 310 ) وابن كثير الدمشقي ( ت : 774 ) ، وأبين فيها عن شيء من منهج ابن جرير فيما يتعلق بترجيحه بالسياق .
قوله تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة:114) .
أورد الإمام في تفسير الآية قولين :
القول الأول : أن المراد بهم النصارى ، والقائلون بهذا اختلفوا على رأيين في معنى المنع والخراب :
الرأي الأول : أنهم كانوا يطرحون فيه الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه ، وقد رواه مجاهد
الرأي الثاني : أنهم النصارى الذين أعانوا بختنصر على اليهود ، خربوا المسجد ومنعوا من الصلاة فيه ، وهذا مسند إلى قتادة والسدي .
وأما ابن عباس فقال هم النصارى ، ولم يذكر معنى الفساد ولا الخراب .
القول الثاني : أنهم قريش حين منعوا رسول الله يوم الحديبية من البيت ، ورواه عن ابن زيد .
ثم قال : (( وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال عنى الله عز وجل بقوله ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه النصارى وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس وأعانوا بختنصر على ذلك ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده
والدليل على صحة ما قلنا في ذلك قيام الحجة بأن لا قوم في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله وسعى في خرابها إلا أحد المسجدين إما مسجد بيت المقدس وإما المسجد الحرام
وإذ كان ذلك كذلك وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه = صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية وبعمارته كان افتخارهم وإن كان بعض أفعالهم فيه كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم
وأخرى أن الآية التي قبل قوله ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر ولا للمسجد الحرام قبلها فيوجه الخبر بقول الله عز وجل ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه إليهم وإلى المسجد الحرام
وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلا إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت .
فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك إذ كان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في المسجد المقدس فمنعوا من الصلاة فيه فيلجئون توجيه قوله ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه إلى أنه معني به مسجد بيت المقدس فقد أخطأ فيما ظن من ذلك
وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد ، وإن كان قد دل بعموم قوله : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) أن كل مانع مصليًا في مسجد لله فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين )) .
واعترض ابن كثير الدمشقي ( ت : 774 ) على هذا فقال : (( ثم اختار بن جرير القول الأول واحتج بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس .
قلت والذي يظهر والله أعلم القول الثاني كما قاله بن زيد وروي عن ابن عباس لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كان دينهم أقوم من دين اليهود وكانوا أقرب منهم ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا إذ ذاك لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون وأيضا فانه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام .
وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة فأي خراب أعظم مما فعلوا أخرجوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم كما قال تعالى : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ، وقال تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) ، وقال تعالى : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا اليما ) .
فقال تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ) ، فإذا كان من هو كذلك مطرودا منها مصدودا عنها فأي خراب لها أعظم من ذلك وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها ورفعها عن الدنس والشرك )) .
فيه مسائل :
الأولى : اعتماد ابن جرير على الآثار والواقع والسياق في ترجيح ما ذهب إليه ، فحجته الأولى الآثار التي حكاها عن الجمهور ، وهي التي يشهد له الواقع التاريخي ، وذلك أنه قد وقع لبيت المقدس خرابٌ ومنع من الصلاة .
والحجة الثانية السياق ، حيث إن الآيات قبلها في أهل الكتاب ، ولم يجر للعرب ذكر فتصرف الآية إليهم .
وكون الآية تصدق على العرب لا يعني أنها نزلت بشأنهم أولاً ، وهذا الذي يريده الإمام رحمه الله ، والذي يدل على ذلك أنه قال في آخر كلامه : ((وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد ، وإن كان قد دل بعموم قوله : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) أن كل مانع مصليًا في مسجد لله فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين )) .
وهذا يعني أنه يرى إدخال العرب وغيرهم ممن يصدق عليهم هذا الوصف ، ولكن تحريره هنا رحمه الله : من المَعْنِيِّ بالآية أولاً .
أما ابن كثير فعكس المسألة ، وجعل دخول النصارى في معنى الآية محتملاً لأجل العموم ، قال : (( قلت وهذا لا ينفي أن يكون داخلا في معنى عموم الآية فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت تصلى إليها اليهود عوقبوا شرعا وقدرا بالذلة فيه إلا في أحيان من الدهر أشحن بهم بيت المقدس وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم والله أعلم )) .
وصارت المسألة هنا : من المَعْنِيِّ بالآية أولاً مع اتفاقهما رحمهما الله على تعميم الآية ، ولا شكَّ أن السياق يدل على ما قاله ابن جرير رحمه الله تعالى .
الثانية : الذي يظهر من كلام ابن كثير الدمشقي ( ت : 884 ) أنه لم يعرِّج على الحجة الثانية ، وهي السياق ، ويبدو أن سبب ذلك طول كلام ابن جرير ، وأنه أخَّر هذه الحجة ، فقرأ أول الاحتجاج ولم يتنبه لها ، والله أعلم ، إذ لو انتبها لها لردَّها ، كما ردَّ الأولى . ( ينظر تعليق محمود شاكر على هذه الآية / 2 : 523 ) .
الثالثة : إن من يقرأ كلام ابن جرير في هذا الموضع وفي غيره يحسن به ألا يتعجَّل في فهم عبارة ابن جرير حتى يقرأه بعناية ؛ نظرًا لأمور ، منها :
1 ـ طول الفصل في الجمل .
2 ـ طول الاحتجاج ، كما هو الحال هنا .
3 ـ وصفه للقول الذي يخالفه وبيان حججه ، وقد يشوبه طول أيضًا ، ثم يكرُّ إلى القول الذي يراه صوابًا فيبيِّن حججه له ، ومن عباراته في هذا الباب قوله ـ بعد كلام طويل في خبر رواه السدي عن أشياخه عند قوله تعالى (( أتجعل فيها من يفسد فيها ـ : ( وهذا الذي ذكرناه هو صفة مِنَّا لتأويل الخبر ، لا القول الذي نختاره في تأويل الآية ) .
وهذا الاستدراك منه في محلِّه ؛ لأنَّ طول كلامه قد يقطع المرء عن إتمامه ، فيظن أن ابن جرير يرجح هذا القول ، ولكن الأمر ليس كذلك .
وأخيرًا ، فإن أثر الاعتماد على السياق يظهر جليًّا عند ابن جرير الطبري ، وقد استعمل دلالة السياق استعمالاً واسعًا ، وبرز عنده في مجالات متعددة ، وقد كتب فيه الأخ الفاضل عبد الحكيم القاسم ـ وفقه الله ـ المحاضر بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض رسالة علمية نال بها درجة الماجستير .
وسيأتي إن شاء الله بعض القضايا السياقية عند ابن جرير ، والله الموفق .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1180
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 23-11-05, 09:37 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

مفهوم النسخ عند الطبري وأثره على تعليقاته على تفسير السلف ، مع بيان مصطلحهم في ذلك


--------------------------------------------------------------------------------

مفهوم النسخ عند الطبري وأثره على تعليقاته على تفسير السلف ، مع بيان مصطلحهم في ذلك

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين ، أما بعد :
فإن تفسير ابن جرير معين لا يكاد ينضب من الموضوعات القرآنية المتناثرة فيه ، وهي بحاجة إلى تنقيب وكشف عن مكنوناتها .
ولقد حرصت على أن أطرح في هذا المقال مثالاً لذلك ، غير أني قبل أن أبدأ به أذكر لك ـ أيها القارئ الكريم ـ ملحوظة لابدَّ منها عند من يريد النقل من ابن جرير ، وهي حاجتك إلى النقل الطويل لكي تتضح المسألة كما طرحها هذا الإمام ، وذلك مني اعتذار عما قد تجده من طول في النقل أثناء دراسة مسألة من المسائل التي طرحها الإمام رحمه الله تعالى .
وبعد هذه المقدمة أقول : لقد كان ابن جرير رحمه الله تعالى فقيهًا أصوليًّا ، وقد كتب في أصول الأحكام أسماه ( البيان عن أصول الأحكام ) ، وقد نصَّ عليه في كتاب التفسير في غير ما موضع ، ومنها قوله : (( وقد دللنا في كتابنا كتاب البيان عن أصول الأحكام )) .
وقد كان إذا مرَّ بموضوع له علاقة بأصول الأحكام ـ كالنسخ مثلاً ـ أشار إلى أنه قد توسع فيه في كتابه هذا ، وأعرض عن التفصيل في كتاب التفسير .
وإليك هذه المواضع أمثلة على ذلك :
1 ـ قال : (( وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها لما قد بينا في كتابنا كتاب البيان عن أصول الأحكام )) ط : الحلبي / 1 : 508 .
2 ـ وقال : (( وأولى الأقوال بالصواب في قوله : (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) أن يقال هو عام في كل ما قضاه الله وبرأه لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم وغير جائز إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا كتاب البيان عن أصول الأحكام )) ط : الحلبي / 1 : 510 .
3 ـ وقال : (( ... وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى ذكره قال : ( ومتعوهن ) ، فأمر الرجال أن يمتعوهن وأمره فرض إلا أن يبين تعالى ذكره أنه عنى به الندب والإرشاد لما قد بينا في كتابنا المسمى بلطيف البيان عن أصول الأحكام لقوله ( وللمطلقات متاع بالمعروف ) ... )) ط : الحلبي / 2 : 536 .
ومن الموضوعات التي لم يمكنه إغفال جوانب منها في تفسيره موضوع النسخ ؛ لكثرة وروده في تفسيرات السلف ، فما المصطلح الذي سار عليه ابن جرير ، وما أثر ذلك على تعليقاته على مصطلح السلف في النسخ .
أولاً : تعريف النسخ عند ابن جرير :
قال : ((يعني جل ثناؤه بقوله : (ما ننسخ من آية ) إلى غيره فنبدله ونغيره .
وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا والمحظور مباحا ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة ، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ
وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيره
فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية فسواء إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها أوفر حظها فترك أو محي أثرها فعفي ونسي إذ هي حينئذ في كلتا حالتيها منسوخة
والحكم الحادث المبدل به الحكم الأول والمنقول إليه فرض العباد هو الناسخ يقال منه نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا والنسخة الاسم )) . ط : الحلبي / 1 : 475 .
وقال : (( وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب لأن القائلين أن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ، وقد دللنا في كتابنا كتاب البيان عن أصول الأحكام أن النسخ لا يكون نسخا إلا ما كان نفيا لحكم غيره بكل معانيه حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعا على صحته بوجه من الوجوه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع )) . ط : الحلبي / 6 : 246
وقال : ((النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر له ناف من كل وجوهه )) ط : الحلبي 3 : 149 .
ثانيًا : لا بدَّ للنسخ من دلالة تدلُّ عليه .
قال : (( ... لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم والتحكم لا يعجز عنه أحد )) ط : الحلبي / 2 : 190 .
وقال : (( ... فإذ كان قوله عز وجل : (فأينما تولوا فثم وجه الله ) محتملا ما ذكرنا من الأوجه ، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها ؛ لأن الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ ، ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) معني به : فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثم قبلتكم ... )) ط : الحلبي / 1 : 505 .
ثالثًا : النسخ في الأحكام أما الأخبار فلا تُنسخ :
قال الطبري : (( ... وذلك أن يحول الحلال حراما ، والحرام حلالا ، والمباح محظورا ، والمحظور مباحا ، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة ، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ )) ط : الحلبي / 1 : 475 .
وقال : (( ... والأخبار لا يكون فيها نسخ ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي )) . ط : الحلبي / 30 : 12
أثر عدم العمل بمفهوم النسخ الاصطلاحي عند الطبري :
المثال الأول :
قال الطبري : (( وقد روي عن مقاتل بن حيان في ذلك ما حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي قال ثنا عمرو بن أبي سلمة قال سألت أبا معاذ الخرساني عن قول الله : (لابثين فيها أحقابا ) ، فأخبرنا عن مقاتل بن حيان ، قال : منسوخة ، نسختها : ( فلن نزيدكم إلا عذابا ) .
ولا معنى لهذا القول ؛ لأن قوله : ( لابثين فيها أحقابا ) خبر ، والأخبار لا يكون فيها نسخ ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي )) . ط : الحلبي /30 : 12.
ولو حُمِلَ كلام مقاتل بن حيان على مفهوم النسخ عند السلف ـ وهو مطلق الرفع لشيءٍ من معنى الآية أو حكمها ، وهو أعم من المصطلح الذي ذكره الطبري ـ لما كان في الأمر إشكالٌ ، ويكون مراد مقاتل أنَّ الآية الأخرى تبين أنهم إذا انتهوا من عذابٍ في هذه الأحقاب ، فإنه يزاد عليهم العذاب بعد ذلك ، ويكون قول مقاتل من باب بيان المجمل ، وبيان المجمل نوع من النسخ الذي يقع في الآية على مصطلح النسخ عند السلف .
المثال الثاني :
قال الطبري : (( حدثنا أبو كريب قال ثنا عثمان بن سعيد قال ثنا خالد عن حسين بن قيس عن عكرمة عن بن عباس في قوله : (كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) ، قال : نسختها : ( قالوا سمعنا وأطعنا ) .
وهذا قول لا معنى له لأن نسخ الأحكام من قِبَلِ الله جل وعز لا من قبل العباد وقوله : ( قالوا سمعنا وأطعنا ) خبر من الله عن عباده المؤمنين وأنهم قالوه ، لا نسخ منه )) ط : الحلبي / 2 : 344 .
وهذا القول المذكور عن ابن عباس مشكلٌ يحتاج إلى بيانٍ ، فأقول :
1 ـ إن النسخ الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما ليس النسخ الاصطلاحي عند ابن جرير ، وذلك ظاهر بلا ريب .
2 ـ أن مصطلح النسخ عند ابن عباس ـ وغيره من السلف ـ له ثلاثة أحوال :
الأول : أن يراد به نسخ حكمٍ شرعي بحكم شرعي آخر ، كما هو النسخ الاصطلاحي عند المتأخرين .
الثاني : أن يكون المراد بالنسخ رفع جزء من حكم أو خبرٍ ، ويكون ذلك بتخصيص عموم ، أو تقييد مطلق ، أو بيان مجمل ، أو استثناءٍ .
أورد الطبري عن ابن جريج ، قال : (( قال الله تعالى ذكره : ( من كفر بالله من بعد إيمانه ) ، ثم نسخ واستثنى فقال : ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها غفور رحيم ) )) ط : الحلبي / 14 : 183 . وكذا رواه عن الحسن وعكرمة في الآية نفسها . وينظر عن ابن عباس ( 18 : 110 ) .
وهذا نص صريح واضح في ترادف النسخ والاستثناء عندهم ، وقس عليه غيره من المصطلحات الأخرى .
الثالث : أن يُنسخ توهمُ معنى غير مراد بالآية ( ينظر : فتاوى شيخ الإسلام 13 :272 ـ 273 ) .
وذلك مثل ما رواه مسلم عن أبي هريرة ، قال : (( لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جثوا على الركب ، وقالوا : يا رسول الله ، كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ، بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .
فلما أقر بها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) .
فلما فعلوا ذلك نسخها الله ، فأنزل الله : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) )) .
فعبارة أبي هريرة : ( نسخها ) ، أي : نسخ المعنى المتوهم في الآية الأولى .
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( 14 : 106 ) : (( ... والمقصود هنا أن قوله تعالى : ( وإن تبدوا ما فى انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله )) حق ، والنسخ فيها هو رفع فَهْمِ من فَهِمَ من الآية ما لم تدل عليه ، فمن فَهِمَ أن الله يكلف نفسا ما لاتسعه ، فقد نسخ الله فهمه وظنَّه ، ومن فَهِمَ منها أن المغفرة والعذاب بلا حكمة وعدل فقد نسخ فهمه وظنه ، فقوله : ( لايكلف الله نفسا إلا وسعها ) ردُّ للأول . وقوله : ( لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت ) رد للثاني ... )) .
وقال في الفتاوى ( 14 : 69 ) : (( وكثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يُظن أن الآية دالة عليه )) .
وهذا المثال الوارد عن أبي هريرة يمكن أن يدخل في بيان المجمل ، غير أنه يقع فيه فهم غير مراد فتأتي الآية الأخرى ببيان المراد ، فيرتفع المعنى الذي ألقي في نفوسهم ، بخلاف المجمل الذي لا يبين المراد منه أولاً .
فإذا وقع فهم لها منه ثم جاء البيان بآية أخرى ، فهو من القسم الثالث ، وإن لم يقع فهم أوليُّ ، بل كان المعنى مشكلاً مطلقًا ، ثم جاء البيان بآية أخرى فهو من قبيل المجمل .
والذي يدل على نسخ المعنى الذي يقع في الأفهام ، قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (الحج:52) .
3 ـ إذا تبينت أحوال النسخ عند السلف ، فالذي يظهر لي أن ابن عباس قد أغرب في عبارته ، وأن مراده أن يرفع توهم وقوع النكوص عن هذا الأمر المكروه ، وعدم الرضا به من الصحابة الكرام ، إذ قوله تعالى : ( سمعنا وأطعنا ) فيه إشارة إلى وقوع امتثال الأمر ، والآية فيها إلماح بغير ذلك في قوله ( وهو كره لكم ، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم ) ، إذ قد يقع في الذهن احتمال عدم الرضا أو العمل ، فأراد ابن عباس أن ينفي هذا الاحتمال ، وأن يبين أن الصحابة كان أمرهم على الامتثال .
وهذا التخريج ـ مع غرابته ـ مطروح للمدارسة في فهم عبارة ابن عباس رضي الله عنه ، وباب تخريج الأقوال أوسع من باب الاستدلال .
ويظهر من هذا المثالين أنَّ الإمام الطبري رحمه الله تعالى لم يكن يُعْمِلُ مصطلح السلف في النسخ ، ولذا كان يعترض على مثل هذا المثال ، وفي هذا فائدة علمية ذات خطر ، وهي أن تعرف مصطلح كلِّ قوم ، ولا تحمل كلامهم على مصطلح غيرهم ، فتقع في الخطأ .
مسألة متممة لمبحث النسخ عند السلف :
يقع السؤال عن كيفية إدراك أن السلف أرادوا بلفظ النسخ غير النسخ الاصطلاحي ؟
والجواب أن يقال :
إن كان النص الذي ورد عليه لفظ النسخ خبرًا ، فاحمله على مطلق الرفع لجزء من معنى الآية ، ويمكن أن يصطلح عليه بالنسخ الجزئي .
ثم ابحث عن الأنسب له من تقسيمات المتأخرين ، فقد يكون تقييد مطلق ، وقد يكون بيان مجمل ، وقد يكون تخصيص عامٍّ ، وقد يكون استثناءً من مستثنى منه .
ولا يصح بحال أن يكون مرادهم بالنسخ هنا النسخ الكلي للمعنى ؛ لأن هذا النسخ الكلي لا يأتي إلا في الأحكام .
وإن كان النص الذي ورد عليه لفظ النسخ حُكمًا شرعيًا ، فإنه لا يُصار إلى الحكم بمراد الواحد منهم أنه أراد النسخ الكلي في اصطلاح المتأخرين إلا إذا دلت عبارته على ذلك ، أما إذا كانت عبارةً مطلقة فالأولى حملها على المناسب لها من تقسيمات المتأخرين من تقييد مطلق ، أو بيان مجمل ، أو تخصيص عامٍّ ، أو استثناءً من مستثنى منه .
أما إذا كان النص مما ثبت فيه النسخ بلا إشكال ، فالصحيح أن تُحمل عبارتهم على النسخ الاصطلاحي الكلي ، والله أعلم .
ومن حرَّر النسخ على هذا السبيل بان له أنَّ النسخ الاصطلاحي الكلي لم يكن كثيرًا عند السلف ، خلافًا لما توهمه بعض المعاصرين من كثرته عنهم ، وراح يردُّ أقوالهم ، ويخطِّئ أفهامهم .
والسبيل في التعامل مع أقوال السلف أن تبحث العلل والأسباب الموجبة لهم بهذا القول أو ذاك ، وعدم الردِّ لها إلا بعد أن تنفذ السبل في قبول رأيهم أو توجيهه ، ذلك أنَّ هؤلاء أعلم منا بكتاب الله ، وأتقى منا لله ، فلا يُشنَّع عليهم بسبب أقوالٍ لم نفهم نحن مرادهم بها ، ولا أدركنا فقههم فيها ، والاعتذار لهم في أقوالهم ، وتخريجها على المخرج الحسن هو السبيل الأمثل الأقوم ، والله الموفق .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1229
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 23-11-05, 09:39 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

نظرة في صفات الحروف


--------------------------------------------------------------------------------

بمناسبة طرح الأستاذ فرغلي لتجويد الحروف ، وبيان ما يقع من الخطأ في نطقها ، حيث رأيته يذكر صفات كل حرف من الحروف ، أقول :
إن صفات الحروف من الموضوعات المهمة في الدراسات الصوتية التجويدية ، وبمعرفتها يتبن كثير من الفوائد الصوتية ؛ كمعرفة أسباب قلب حرف إلى حرف آخر ـ مثلاً ـ وإدغام حرف في حرفٍ ، وغيرها من الفوائد .
وعندي في صفات الحروف تساؤلات ، منها :
1 ـ هل الصفات التي تُدرس من خلال الجزرية ثفات متفق عليها بحيث لا يُزاد عليها ولا ينقص منها ؟
2 ـ ما حال الصفات التي ذكرها السابقةن ، ولم يتعرض لها ابن الجزري ، كالصفات التي ذكرها مكي بن أبي طالب في كتابه الرعاية .
إن المتأمل في الصفات التي ذكرها ابن الجزري يجد الملحوظات الآتية :
أولاً : إن بعض الصفات لا علاقة لها بالصوت ، ولا تؤثر في طريقة خروج الحرف ، وهي صفة الذلاقة وضدها الإصمات ، فهاتان الصفتان لهما علاقة بالعربية ، حيث يعرف العربي من الحرف المُعرَّب أو الأعجمي ، كما نصَّ على ذلك الخليل في كتاب العين ، قال : (( ... فإذا وردت عليك كلمة رابعية أو خماسية مُعرَّاة من حروف الذلق أو الشفوية ، ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرف واحد أو اثنان أو فوق ذلك ؛ فاعلم أن تلك الكلمة محدثة مبتدَعة ليست من كلام العرب ؛ لأنك لست واجدًا من يسمع من كلام العرب كلمة واحدة رباعية او خماسية إلا وفيها من حروف الذلق والشفوية واحد أو اثنان أو أكثر ... )) العين 1 : 52 .
وحروف الذلق والشفوية عنده هي ( ر ل ن ف ب م ) ثلاثة ذلقية ، وهي ( ل ن ر ) وثلثة شفوية ( م ب ف ) العين 1 : 51 .
وما كان هذا شأنه من أمر الصفة ، فهو بمعزل عن أن يكون له تأثيرٌ في صوت الحرف .
وإذا كان كذلك فذكره في صفات الحروف فضلة ، بل لا داعي له ، والله أعلم .
ثانيًا : من الصفات ما يكون له أثر في قوة الحرف دون أن يكون له أثر مباشر في نطقه ، فالهمس ـ مثلاً ـ لو نُطِقَ حرف من حروفه بدونه لم يخرج هذا الحرف ، أما الإطباق ، فلا يُتصَّورُ عدم الإتيان به ، وكذا الانفتاح ، لذا لا تجد مقرئًا يُدرِّس التجويد يقول للمتعلم أطبق هذا الحرف أو افتح هذا الحرف .
وذكر الإطباق والانفتاح إنما يفيد في معرفة الحروف التي اشتملت على صفات قوية وصفات ضعيفة .
والذي يظهر لي الآن أنه لو لم تُذكر هاتان الصفتان فإنهما لا تؤثِّران في أداء الحرف من الجهة الصوتية بخلاف ترك الهمس أو الشدة وما يضادهما ، أو ترك القلقلة ، فإن لتركها أو العمل بها أثر في نطق الحرف ، والله أعلم .
ثالثًا : تذكر صفات بعض الحروف ، ولا يُحرَّر المراد بالكيفية ، فالصفير ـ مثلاً ـ في السين والصاد والزاي هل المطلوب الإتيان بالحرف مصفورًا واضح الصفير ، أم المراد أنهما قابلان للصفير ؟
والمراد بكلامي هنا : مالمقدار المطلوب في هذه الصفة ؟
فأنت تقول للمتعلم: قلقل حرف القاف ، ولا تراك تقول له : اصفر حرف الصاد .
رابعًا : صفة الانحراف التي في اللام والراء من حقها أن تُذكر في المخارج دون الصفات ، ولا أثر لمعرفة هذه الصفة في باب الصفات ، ومما يدل على ذلك ما يقع من الغفلة عن التنبيه على مخرج اللام بدقَّة بسبب عدم الكلام عن الانحراف في مخرج اللام، فإنهم يصفون مخرج اللام فيقولون: أدنى حافة اللسان إلى منتهاها مع ما يحاذيها من اللثة العليا .
ويصفون مخرج النون فيقولون : طرف اللسان تحت مخرج اللام قليلاً مع ما يليه من لثة الأسنان العليا .
لاحظ قولهم : تحت مخرج اللام ، واللام لا تخرج من طرف اللسان بل من حافته ، فمن أين جاءت تحتية الطرف للام ؟
جاءت هذه من كونه يقع للام بعد استوائها في هذا المخرج المذكور انحرافٌ للطرف ، فيعمل الطرف مع الحافة عند خروج اللام ، فالحافة أصل في المخرج وعمل الطرف بسبب الانحراف عند نطق اللام .
فقولهم تحت مخرج اللام غير دقيق ، إذ لابدَّ من تقييدة بعبارة المنحرف ، فيقال : تحت مخرج اللام المنحرف ؛ لأنه هو الذي يكون تحته مخرج النون .
أما في الراء ، فهم يشيرون ـ في الغالب ـ إلى الانحراف الكائن في الراء ، حيث ينحرف من الطرف إلى ظهره ، وقد يسميه بعضهم رأس ظهر الطرف .
وإذا تأملت هذه الصفة في الحرفين فإنك لا تجد لها أثرًا في النطق إذ الانحراف مرتبط بالمخرج ، فلو نُطقَا بغير الانحراف لانعدم الحرف أصلاً ، فلو استغنيَ عن ذكرهما بالإشارة إليهما في الحديث عن مخرج اللام والراء .
خامسًا : أغفل ابن الجزري رحمه الله تعالى في ذكر الصفات صفة مهمة ، وهي الغنة ، ومن حقها أن تُذكر في الصفات لأثرها الواضح في النطق .
سادسًا : ألا يمكن صياغة الصفات صياغة تتناسب مع ما يكون له أثر في النطق ، وترك الصفات التي ليس لها أثر مباشرٌ فيه ؛ لأنَّ أهم ما في معرفة الصفات كيفية النطق بالحرف العربي نطقًا سليمًا ، فلو جُعل هذا هو المعيار في ذكر الصفات لاختُزلت بعض الصفات ، ولم يبق منها إلا ما له أثر ظاهر في النطق .
ولا يقال : إن في هذا تغييرًا لما هو مألوفٌ منذ قرون ، فهذا التغيير خاضع للاجتهاد ، ولا زال العلماء يحررون في العلوم ، ويستدرك بعضهم على بعضٍ دون أن يكون في ذلك غضاضة . ولو قيل مثل هذا لابن الجزري لما ترك الصفات التي أوصلها مكي إلى قرابة الأربعين صفة ، لكنه حرَّر واجتهد ، وكل مشكور مأجور .
بل إنني أدعو إلى صياغة علم التجويد صياغة تتناسب مع التطبيق ، وتقلل من التنظيرات والعلل التي ليست من صلب هذا العلم ، وكذا ما دخله من اجتهادات متأخرة صار العمل عليها عند بعض المقرئين ، وليس فيها سند عن المتقدمين ممن ألف في هذا العلم ، وهذه مسألة أراها مهمة للغاية للتجديد في طرح هذا العلم ، وتقريبه بصورة واضحة مشرقة بعيدة عن التعقيد والتطويل الذي لا يفيد كثيرين ممن يريدون تعلم هذا العلم .
ولموضوع علم التجويد كلام غير هذا أرجو أن ييسر الله طرحه في هذا الملتقى ، والله الموفق .
رجاء : أرجو من الإخوة الكرام المشاركة الهادفة والنقد البناء ، والأخذ والعطاء بصدر رحب وسعة بال واحتمال للرأي المقابل والردِّ بالحجج العلمية دون التهويش والأساليب الخطابية التي لا تفيد في ثبوت العلم .
وإني لأرجو أن تكون هذه سمة هذا الملتقى في جميع طروحاته ، والله يتولانا جميعًا ، ويجعلنا ممن يريد وجهه ، ويخدم كتابه إنه سمبع مجيب .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 23-11-05, 09:41 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

عبارات السلف في الوقف والابتداء


--------------------------------------------------------------------------------

عبارات السلف في الوقف
إنَّ من يكتب في علم من العلوم الإسلامية يحرص على رفع علمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يجد في كلامه ما يدُّل عليه نزل إلى الصحابة ، فإن لم يجد نزل إلى التابعين ، ثمَّ أتباعهم .
كما أن حديثهم عن العلم قد يكون نصًّا ، وقد يكون إشارة .
والحديث هنا سيكون منصبًّا على المنثور من أقوال السلف في علم الوقف والابتداء ، ومن الأمثلة الواردة عنهم ما يأتي :
1 ـ قوله تعالى : (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) ( النساء : 83 ) .
عن ابن عباس ، قال : (( قوله : (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ) : فانقطع الكلام « تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 5 : 183 ) .
2 ـ قال تعالى : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ( آل عمران : 83 ) .
قال السيوطي : (( وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ( أسلم من في السموات ) قال : هذه مفصولة . (ومن في الأرض طوعا وكرها ) )) . الدر المنثور ( 2 : 254 ) .
3 ـ قوله تعالى : ( َالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) . ( الحديد : 19 ) .
عن ابن عباس في قوله : (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) قال : هذه مفصولة (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) .
وعن أبي الضحى : (أولئك هم الصديقون ) ، ثم استأنف الكلام فقال : (والشهداء عند ربهم ) .
وعن الضحاك قال : (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) هذه مفصولة ، سماهم الله صديقين بأنهم آمنوا بالله وصدقوا رسوله ، ثم قال : (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) . الآثار في تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 27 : 230 ـ 231 ) .
4 ـ قوله تعالى : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ 0 وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَام ) ( الرحمن : 26 ـ 27 ) .
قال السيوطي : (( وصح عن الشعبي أنه قال : إذا قرأت : (كل من عليها فان ) فلا تسكت حتى تقرأ : (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) . قلت : أخرجه ابن أبي حاتم )) الإتقان ( 1 : 222 ) .
5 ـ قوله تعالى : (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ) ( الرعد : 17 ) .
قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول : (( (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) قال : ما أطاقت ملأها فاحتمل السيل زبدا رابيا ، قال : انقضى الكلام ، ثم استقبل ، فقال : ( ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) قال : المتاع : الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه ( زبد مثله ) قال : خبث ذلك مثل زبد السيل . قال : وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض فأما الزبد فيذهب جفاء ، قال : فذلك مثل الحق والباطل )) تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 13 : 135 ) .
6 ـ قوله تعالى : (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) ( الذاريات : 17 ) .
قال الطبري : (( حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله : (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) : قال الله : ( إن المتقين في جنات وعيون ) إلى (محسنين) ؛ كانوا قليلا ، يقول : المحسنون كانوا قليلا ، هذه مفصولة ، ثم استأنف فقال : ( من الليل ما يهجعون ) . تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 26 : 199 ) .
7 ـ قوله تعالى : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ ) ( محمد : 20 ـ 21 ) .
قال الطبري : (( حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (فأولى لهم ) قال : هذه وعيد ، (فأولى لهم ) ، ثم انقطع الكلام ، فقال : (طاعة وقول معروف ) )) . تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 26 : 55 ) .
8 ـ قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( الأعراف : 189 ـ 190 ) .
عن السدي قال : (( هذا من الموصول والمفصول ؛ قوله : (جعلا له شركاء فيما آتاهما ) في شأن آدم وحواء ، ثم قال الله تبارك وتعالى : (فتعالى الله عما يشركون ) ، قال : عما يشرك المشركون ، ولم يعنهما )) تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 9 : 149 ) .
قال السيوطي : (( وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله : ( فتعالى الله عما يشركون ) هذه فصل بين آية آدم خاصة في آلهة العرب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال : هذه مفصولة ، أطاعاه في الولد . (فتعالى الله عما يشركون ) هذه لقوم محمد )) .الدر المنثور ( 3 : 626 ) .
9 ـ قوله تعالى : (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِين ) ( النحل : 30 ) .
قال الداني : (( حدثنا محمد بن عبد الله المري ، قال حدثنا أبي ، قال حدثنا علي بن الحسن ، قال : حدثنا أبو داود ، حدثنا يحيى بن سلام في قوله : ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً ) ؛ أي : أنزل خيرًا ، قال : ثمَّ انقطع الكلام ، ثم قال الله تعالى : : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ) : آمنوا )فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة ) : الجنة )) .المكتفى ( ص : 350 ـ 351 ) .
ملاحظات على عبارات السلف الواردة في الوقوف :
1 ـ أن الوقف عند مفسري السلف تابع للمعنى ( أي : التفسير ) ، كما يظهر من الروايات الواردة عنهم .
والمراد أنهم نبهوا على الوقف لارتباطه بالتفسير ، فهم فهموا المعنى ، ثمَّ حكوا الوقوف بناءً على ما فهموا ، فالتفسير أوَّلاً ، والوقف ثانيًا .
ولم يظهر في آثارهم ارتباط هذه العبارات بالقراءة ، سوى ما ورد عن الشعبي ، لكن يمكن الاستفادة من هذه المرويات في تأصيل هذا العلم ، والتنبيه على وروده عن السلف ، واعتنائهم به على أنه أثر من آثار التفسير ، والله أعلم .
2 ـ أن مفسري السلف لم يتتبعوا الوقوف في القرآن كما تتبعه من جاء بعدهم .
3 ـ أنَّ مصطلحات الوقف المتعددة لم تظهر عند مفسري السلف .
4 ـ أنه يمكن أن يُذكر من عبارات السلف ما يكون عنوانًا لهذا العلم ، ومن العناوين المستنبطة من عباراتهم :
القطع والاستئناف . المقطوع والموصول . المقطوع والمفصول . الموصول والمفصول .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1631
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 23-11-05, 09:42 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

(1) نظرات في المعرَّب ( الطور )


--------------------------------------------------------------------------------

(1) نظرات في المعرَّب ( الطور )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد :
فأثناء قراءاتي في أراء بعض المُحدَثين فيما يتعلق بما يُسمَّى ( المُعرَّب ) صرت أتأمل في الألفاظ التي ترد في قصص الأنبياء ، فظهر لي بعض اللطائف ، وسأجتهد في تسطير هذه اللطائف في مقالات متتابعة في هذا الملتقى ، والله الموفق .
لفظ ( الطور )
ورد لفظ ( الطور ) في عشرة مواطن في القرآن الكريم ، وهي كالآتي :
ـ(وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ) موضعان في البقرة ( 63 ، 93 ) .
ـ ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدًا ) النساء : 154 .
ـ ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) مريم : 52 .
ـ ( قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ) طه : 80 .
ـ ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن ) المؤمنون : 20 .
ـ ( آنس من جانب الطور نارًا ) القصص : 29 .
ـ ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) القصص : 64 .
ـ ( والطور * وكتاب مسطور ) الطور : 1 ـ 2 .
ـ ( والتين والزيتون * وطور سينين ) التين 1 ـ 2 ) .
والطور هو الجبل ، ويدل على ذلك أن الله قد ذكر رفع الطور فوق بني إسرائيل ، وأخذ الميثاق ، فقال في سورة البقرة ( 63 ) : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) ، وقال في سورة البقرة ( 93 ) : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ) ، وقال في النساء : ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ) ، ولما ذكر رفع الطور في سورة الأعراف ( 171 ) قال : ( وإذ نتقنا فوقهم الجبل كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) ، فدلَّ هذا على أن الطور هو الجبل ، وهذا من باب الألفاظ المتعددة التي تُطلق على مسمَّى واحدٍ .
والملاحظُ على لفظة الطور في القرآن :
1 ـ أنها وردت في قصة موسى عليه السلام .
2 ـ أنها وردت في الجزء الشمالي من جزيرة العرب .
والذي يظهر ظنًّا ـ والله أعلم ـ أن إطلاق الطور على الجبل في عهد موسى عليه السلام كان شهيرًا ، يوازي إطلاق لفظ الجبل ، فذكر الله ما كان منطوقًا عندهم في وقتهم .
ويكون إطلاق الطور على جبل بعينه ؛ كالطور الذي كلَّم الله عليه موسى عليه السلام ، أو الطور الذي ووُعِد عنده بنو إسرائيل ، أو أن الطور ما يكون فيه نبات ، فإن ذلك كله من باب إطلاق اللفظ المطلق على فرد من أفراده ، وذلك معروف من أساليب العرب في الخطاب ، وقد ورد في القرآن ؛ كقوله تعالى : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) ، و لا تخرج هذه الأقوال في الطور به عن أن يكون المراد به الجبل .
ولا يقال : إن من كان في ذلك الوقت لم يكونوا عربًا ، فكيف حَكَمْتَ بذلك ؟
والجواب عن ذلك أن يقال : إن العربية قديمة جدًّا ، ولا يماري في ذلك إلاَّ ممارٍ جَدِلٌّ لا يريد الوصول إلى الحقِّ ، وأُلْمحُ إليك بتلميح سريع جدًّ :
1 ـ النبي صالح عليه السلام من أنبياء العرب الذين ظهروا في جزيرة العرب ، واسمه مأخوذ من مادة ( صَلَحَ ) ، وهي مادة ـ كما ترى ـ عريقة قديمة ، وغيرها كثيرٌ جدًّا .
والنبي صالح عليه السلام سابق للنبي إبراهيم عليه السلام ، ومن باب أولى أن يكون سابقًا لبني إسرائيل ، فالعربية قديمة جدًّا ، وهي قبل هؤلاء بلا مراء .
2 ـ أنه قد ذكر المؤرخون أنه قد خرجت خمس هجرات ضخمة من جزيرة العرب إلى شمالها في بلاد العراق والشام ، وكانت أوائلها قديمة جدًّا ، وقد استوطنت هذه الشعوب العربية المهاجرة من جنوب الجزيرة ووسطها مناطق الشمال في العراق والشام ، وتناسلوا فيها وأقاموا حضارات لازالت بعض آثارها شاهدة عليهم . بل انطلقوا على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، وعمروا أجزاء من شواطئه ، كما عمروا مصر وليبيا ، وحالهم في ذلك كحالنا نحن العرب اليوم من الامتداد والاتساع .
لكن الذي حصل ـ مع الأسف ـ أنَّ منطقتنا العربية قد غُرِّبت في دراساتنا ، فصرنا نتلقَّف ما يمليه الأساتذة المستشرقون دون وعي لما حصل منهم من تزييف لتاريخ هذه المنطقة العريق عروبةً لغة وتاريخًا ، والله المستعان .
ومن الملاحظ أنهم اعتمدوا الأسماء التي وردت في التوراة على أنها أسماء لا خلاف فيها ، وأنهم أقوامٌ متعدِّدوا الجنسيات لا علاقة بينهم ، كما لا علاقة بين العربي والهندي ، والعربي والبريطاني . والأمر ليس كذلك ، فهم شعوب عربية تتحدث لغة مشتركة ، وينفرد كلٌّ منهم بلهجته الخاصة ، كما هو الحال يوم نزلت الرسالة ، والحال التي نعيشها اليوم .
وهذا موضوع قد طرحه بعض المعاصرين ، ووضحوه وضوحًا بيِّنًا ، منهم الدكتور محمد بهجت القيسي في كتابه المتميِّز ( ملامح في فقه اللهجات العربيات من الأكادية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية ) .
والمقصود أنَّ لفظ الطور مما نطق به موسى عليه السلام ، وهو مما بقي من الألفاظ العربية في اللهجة السائدة في عصره ، ونطق به العرب من بعده ، والله أعلم .
ولا تفهم من قولي هذا أن موسى عليه السلام كان يتكلم لغة العرب التي استقرت ونزل بها القرآن ، وإنما كان يتكلم بلغة عربية قديمة فيها أصول اشتقاق الألفاظ التي نطق بها العرب ، وإن كان قد يختلف طريق نطقها عما هو عليه نطق من قاربه من الشعوب العربية الأخرى ، كما أنه ـ بلا شكٍّ ـ يخالف اللغة التي نزل بها القرآن نطقًا ونحوًا ، وإن اتفق معها جذورًا ، والله أعلم .
هذا وللحديث بقية ، والله الموفق .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1788
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 23-11-05, 09:43 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

(2) نظرات في المعرب ( موسى عليه السلام في مدين )


--------------------------------------------------------------------------------

(2) (نظرات في المعرَّب )موسى عليه السلام في مدين
قال تعالى : (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (القصص : 23 ـ 28 ) .
أولاً : مدين قرية عربية ، وهي في شمال الجزيرة على الجانب المقابل لمصر .
وهذا يعني أنَّ سكانها عربٌ يتكلمون العربية وقت موسى عليه السلام .
والملاحظ أنَّ موسى عليه السلام لم يحتج إلى ترجمانٍ للحديث مع المرأتين .
ولا يقال : إن وجود الترجمان محتملٌ ، إذ إن ذلك يلزم منه أن موسى عليه السلام صار يتكلم لغته ويبحث عمن يعرفها ثمَّ ذهب إلى المرأتين ووقع الخطاب ، ثم جاءت البنت وكلمت الترجمان ، ثم كلم الترجمان موسى عليه السلام ... الخ .
لا شكَّ أن تصور ذلك وافتراضه غير مرضيٍّ .
كما أن افتراض أنهم تكلموا بلغة الإشارة والرموز غير وجيه كذلك .
فإذا كان موسى عليه السلام قد كلَّمهما مباشرة دون ترجمان ، فما اللغة المشتركة التي كانوا يتحدثونها .
الذي يبدو ـ ظنَّا ـ أنها عربية تلك الزمان ، كانت مثل ما هي عليه اليوم لهجات العرب في مصر والجزيرة والشام والعراق ، حيث يمكن أن يتخاطب أولئك بلهجاتهم ، ويفهم بعضهم من بعضٍ .
فهل يا تُرى يحتاج المصري اليوم إلى ترجمان له إذا دخل مدينة ينبع ؟
الذي يبدو أن الحال كان كما هو عليه اليوم ، وإنما الأمر لا يعدو لهجات يتكلم بها كل أهل منطقة .
لا تستغرب ذلك ، فهل هناك ما يدل على غيره ؟
هل كانت مصر في يوم من الأيام بمعزل عن الاتصال بهذه البقعة العربية من جزيرة العرب ؟
إذن كيف اختار موسى مدين ، وجاء إليها إلا أن يكون هناك تواصل بينها وبين مصر .
واسمح لي أن أسألك عن لغة موسى ما هي ؟
وكأني بك ستقول : العبرية ( سيأتي حديث عنها في مقال لاحق إن شاء الله ) .
وأقول لك : من أين تولدت هذه اللغة ؟
وهل بقيت لغة يعقوب عليه السلام وأبنائه الاثني عشر صامدة أمام لغة المصريين حتى زمن موسى عليه السلام ( يُقدَّر الزمن بين موسى ويوسف عليهما السلام بستة قرونٍ تقريبًا ) ؟
لا يمكن تصوُّر هذا البتة ، إلا أن يكونوا في معزل تامٍّ عن مجتمعهم ، وذلك ما لم يكن .
ولعلك تقول : إن لغة العبادة بين بني إسرائيل يمكن أن تكون بقيت .
فأقول لك : حتى لو بقيت هذه اللغة ، فإنها لا تعدو ثلة من الأحبار قَرَأَةِ الكتب ، أما عامة بني إسرائيل فسيتكلمون باللغة التي تسيطر على المدينة التي يقطنونها ، كما هو الحال فيهم لما سكنوا جزيرة العرب انتظارًا لنبي آخر الزمان ، لعله أن يخرج منهم .
إن الموضوع كما ترى شائك متشابك ، لكن يكفيني أن أدعوك معي إلى التفكير من جديد في هذا الموضوع .
تنبيهان :
الأول : لا يصحُّ أن الذي نزل عنده موسى هو النبي شعيب عليه السلام ، لبعد ما بينهما في الزمن ، وإن كان اسمه شُعيبًا ، فلعله غير النبي عليه السلام ، وقد حقق ذلك جمع من العلماء ، منهم شيخ الإسلام في رسالة خاصة في ذلك ، وهي في الجزء الأول من اجمع المسائل والرسائل الذي حققه الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله .
الثاني : اسم زوجة موسى عليه السلام ( صِفُّورة ) ، وهو اسم عربي دخله التحوير ، والأصل ( عصفورة ) ، وقد ذكر مؤلفو ( قاموس الكتاب المقدس / ص : 544) هذه المعلومة ، فقالوا : » صِفُّورة : اسم مدياني معناه عصفورة « .
وينتج عن لطيفة ، وهي علاقة العرب ببني إسرائيل ، فالعرب أخوال لأولاد موسى من عصفورة بنت شيخ مدين .
وليست هذه أول علاقة ، فما بالهم يحسدوننا ويكرهون كل شيء عربي ؟!
ثانيًا : كما لم يحتج موسى إلى ترجمان بينه وبين المرأتين ، فكذلك لم يحتج إليه في مخاطبة والدهما من باب أولى ، والعقد الذي تمَّ بين موسى وشيخ مدين كان مدة ثمان سنين أو عشرة ، وقد قضى موسى العشرة كلها ، لكن الملاحظ هنا أنه جاء بعبارة ( ثماني حِجَج ) جمعُ حجة ، فمن أين جاء التعبير عن هذا بهذا .
1 ـ إنَّ شيخ مدين ممن يؤرخون بالحجِّ ؛ تلك الشعيرة العظيمة التي بقيت آثارها في العرب دون من سواهم ، وإن كان الأنبياء بعد إبراهيم قد حجوا كما ثبت في آثارٍ ليس هذا محلُّ ذكرها ، وكان من بين من حجَّ موسى عليه السلام .
وكل ذلك مصداق لقوله تعالى : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج:27) .
2 ـ أن موسى عليه السلام قد فهم عن شيخ مدين ما يقصده من عبارة ( حِجج ) ، وهذا يشير إلى معرفة موسى عليه السلام آنذاك بهذه الشعيرة ، وإن كان لا يمكن الجزم بذلك .
ومن الأمور التي تدعو إلى القول بمعرفته بالحج آنذاك أن دعوة إبراهيم بالحج كانت لبنيه وغيرهم ، وبنو إسرائيل من أبنائه ، ولا يُتصوَّر أن لا يكون عندهم علمٌ بالحجِّ ، كما لا يخلو أن يكون في حديثهم إشارة إليه ، وقد يكون موسى سمعها قبل نبوته ، فهو مع كونه في بيت فرعون كان مختلطًا ببني إسرائيل في مصر ، والله أعلم .
لكنك حينما لا تجد هذه الشعيرة في كتبهم ، فإن ذلك مما يخفونه من باب العداء للعرب ولكل ما هو عربي ، وذلك أمر قد طبعوا أنفسهم عليه من دهور سالفة ، ولولا خشيت الاستطراد لذكرت أمثلة لذلك .
3 ـ أنه لا يبعد أن يكون اللفظ الذي تلفظ به شيخ مدين ( حِجَج ) كما ننطقه اليوم أو قريبًا منه ، فالحج قديمٌ جدًّا .
فعدم تكرر هذا المدلول ( حجج ) في القرآن ، واختياره في هذا الموطن واختصاصه به ، مع وجود ما يقوم مقامه كل هذا مما يُستأنس به لما قلت من كونه هو ما نطق به شيخ مدين ، والله أعلم بغيبه .
وللحديث بقية
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1817
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 23-11-05, 09:45 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

(3) (نظرات في المعرَّب ) عربية في بيت فرعون


--------------------------------------------------------------------------------

(3) (نظرات في المعرَّب ) عربية في بيت فرعون
لازلت أيها القارئ الكريم أريد أن ألفت انتباهك إلى عراقة العرب وماضيهم وحضارتهم وتأثيرهم في الأمم ، الأمر الذي يريد أعداء العرب والمسلمين من يهود والمستشرقين وغيرهم ممن تبعهم عن قصد أو غير قصد .
وأن أصل بك إلى عمق هذه اللغة الشريفة في التاريخ القديم ، وأنها إن لم تكن أسبق اللغات ، فهي من أسبقها ، وسيظهر ذلك في حلقات قادمة إن شاء الله .
ولأذكر لك اليوم خبرًا غريبًا ، وهو أن امرأة فرعون عربية الاسم ، وهذا يعني أنها عربية الأصل ، ولا يبعد أن يكون زوجها كذلك ، وسيأتي التنبيه إليه .
إن اسم امرأة فرعون ( آسية ) ، وقد ورد هذا الاسم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل ورد عنه اسم أبيها ، وهو ( مزاحم ) ، وهذان الاسمان ينضحان بالعربية كما ترى ، وإليك بعض الآثار الواردة في اسم امرأة فرعون .
1 ـ روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كَمُلَ من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام ) ، وفي الصحيحين غير هذا الحديث في اسمها .
2 ـ وروى أبو داود عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير نساء العالمين مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم )
3 ـ وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران ، فآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ) .
4 ـ ذكر أبو داود حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا داود يعني ابن الفرات عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون) .
5 ـ وروى النسائي في فضائل الصحابة ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد قال أنا غندر قال أنا شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ) .
وفي اسمها واسم أبيها أحاديث وآثارٌ غير هذه تركتها اختصارًا .
وقد جاء في ضبط اسمها في الإكمال لابن ماكولا ( 1: 92) : (( وأما آسية بعد الهمزة ألف بكسر السين المبهمة وفتح الياء المعجمة باثنتين من تحتها ؛ فهي آسية بنت مزاحم امرأة فرعون )) .
وقد تسمى بها من العرب نساء ، ورد في تكملة الإكمال ( 1 : 138 ) : (( وأما آسية بكسر السين المهملة وفتح الياء المعجمة من تحتها باثنتين ، فهي آسية بنت فرج الجرهمية نزلت من مكة الحجون حديثها عند عبد الله بن جراد ذكرها أبو نعيم في معرفة الصحابيات )) .
أما احتمالات معنى هذا الاسم ، كما هو وارد في كتب اللغة فما يأتي :
1 ـ أن يكون الاسم مأخوذًا من : أسوت الجرح ؛ أي : داويته ، وسمِّي الطبيب الآسي لذلك ، وكذا المرأة آسية .
2 ـ أو يكون من أسوت بين القوم ؛ أي : أصلحت بينهم ، فهو آسي ، وهي آسية .
3 ـ أو هو من الأسى ؛ أي : الحزن ، فهو آسي ، وهي آسية .
4 ـ أو من أساه في مصيبته ؛ أي : عزَّاه ، فهو آسي ، وهي آسية .
5 ـ والآسية من البناء : المحكم .
6 ـ والآسية : الدعامة ، يُدعم بها البناء .
7 ـ والآسية : السارية .
قال الجوهري : وأهل البادية يسمون الخاتنة آسية كنايةً .
( ينظر في هذا مادة ( أ س ي ) من مقاييس اللغة ، وتاج العروس ، وغيرهما .
ولا أظنُّ أن تأصيل هذا الاسم بحاجة إلى أكثر من هذا ، فهو واضحُ العربية .
أما اسم أبيها ( مزاحم ) ، فأوضح من أن يؤصَّل عربية ، وهو مأخوذٌ من مادة ( زحم ) .
والمقصود : أنَّ زوجة فرعون عربية الاسم ، وكذا اسم أبيها ، وهذا يدلُّ على أنها من العربِ ، وكما قلت : لا يبعد أن يكون زوجها فرعون عربيًا ، وكذا وردت عروبته في المصادر الإسلامية ، ولعلي أذكره في حلقة لاحقة ، والله الموفق .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1838
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 23-11-05, 09:46 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم


(4) (نظرات في المُعرَّب) آدم في السماء.

كما قلت لك سابقًا : لقد كنت أُأَخِّر الحديث عن هذه القضية ريثما أرتب قراءاتي فيها ، غير أن الوقت يمضي يومًا بعد يومٍ ، ولا أجد متسعًا من الوقت أتفرغ فيه لإعادة قراءاتي فيه ، وترتيب هذا الموضوع من جديد .
ولما كان الأمر كذلك رأيت أن أدلِي بما في دلوي من معلومات متناثرة في هذا الموضوع راجيًا من الله أن يتمم لي بركة العلم والوقت ، فأستطيع إعادة تسطير هذا الموضوع مرة أخرى بما يتناسب مع أهميته ومشكلاته وما فيه من فوائد ونفائس ظهرت لبعض المعاصرين حين دخلوا في موازنة بين اللغات القديمة ، فخرجوا بشيءٍ جديد في مادته .
وقد احترت في هذا الموضوع من أين أبدأُ به ، وما ترتيبي فيه ، لكني رأيت أن أُجري القلم بما ينصب عليه من الذهن ، ثم يكون ترتيب الموضوع فيما بعد إذا انتهى طرحه في هذا الملتقى .

آدم في السماء

خلق الله المخلوقات : ملائكة وجِنًّا ، وأرضًا وسماءً ، وأخرج منافع الأرض ، وهيَّئها للساكن الجديد ، ثمَّ خلقه ، خلق آدم من تراب الأرض التي سيسكنها ، فجلَّ الله في حكمته ، وتعالى في سلطانه .
فما مدلول هذا الاسم ؟
ذكر ابن جرير عن بعض السلف أنه سُمِّي آدم من أديم الأرض ؛ لأنه خلق من مجموع تربتها ، كما وردت بهذا الآثار ، ومن الآثار الواردة في كونه سمِّي نسبةً إلى أديم الأرض :
1 ـ أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( بعث رب العزة ملك الموت ، فأخذ من أديم الأرض ؛ من عذبها ومالحها ، فخلق منه آدم ، ومن ثم سمي آدم ؛ لأنه خلق من أديم الأرض )
2 ـ وقال ابن جرير : وحدثنا أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن جده عن علي قال : ( إن آدم خلق من أديم الأرض ؛ فيه الطيب والصالح والرديء ، فكل ذلك أنت راء في ولده الصالح والرديء ) .
قال الطبري ـ معلقًا على هذين الأثرين وغيرهما ـ الأرض : (( وقد روي عن رسول الله خبر يحقق ما قال من حكينا قوله في معنى آدم )) ثم ساق بسنده إلى رسول الله ، قال : ( إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ) .
ثم قال الطبري : ((فعلى التأويل الذي تأول آدم من تأوله بمعنى أنه خلق من أديم الأرض يجب أن يكون أصل آدم ؛ سُمِّي به أبو البشر كما سمي أحمد بالفعل من الإحماد وأسعد من الإسعاد فلذلك لم يجر ويكون تأويله حينئذ آدم الملك الأرض يعني به أبلغ أدمتها وأدمتها وجهها الظاهر لرأي العين كما أن جلدة كل ذي جلدة له أدمة ومن ذلك سمي الإدام إداما لأنه صار كالجلدة العليا مما هي منه ثم نقل من الفعل فجعل اسما للشخص بعينه )) .
وقد قيل في اسم أصل اسم آدم أقوال أخرى ، ونُسِب إلى لغات ترجع في نهايتها إلى اللغة العروبية الأم . ( انظر : تاج العروس ، مادة (أدم) ، وحاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي ( 2 : 124 ـ 125 ) ) .
وليس هذا مجال الاستطراد في هذا ، إذ يكفي وضوح الاشتقاق العربي في هذا الاسم ، إذ اللغات الأخرى المذكورة ، وهي السريانية أو العبرية ترجع إلى اللغة العربية الأولى : لغة الاشتقاق التي سيرد الإشارة إليها عبر هذه الجزئية .
واسم آدم لم يتغيِّر عند أصحاب الكتب السماوية ، فهو بهذا الاسم بعينه عندهم ، وهذا يشير إلى اللغة الأولى التي تكلم بها آدم عليه السلام ، وأنها لغة اشتقاق تتوالد فيها الكلمات من أصول ثابتة ، قد يموت بعضها فينسى ، وقد يبقى بعضها باهتة الدلالة غير معروف الأصل ، وقد يستمر كثير منها في اللغة الخالدة الباقية ، وهو المتمثل في لغات عرب الجزيرة الذين بقيت في لغتهم فكرة الاشتقاق وما زالت مستمرةً ، مع ملاحظة الاختلاف في طريقة الاشتقاق ، ومحل هذا كتب فقه اللغة .
وإذا كنت تستغرب أن يكون اسم آدم مشتقٌّ من أديم الأرض الذي هو أصل مادته ، فاسمع هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم .
روى الإمام أحمد بسنده إلى إبراهيم بن عبد الله بن قارض أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وهو مريض ، فقال له عبد الرحمن رضي الله عنه : وصلتك رحم . إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قال الله عز وجل : أنا الرحمن خلقت الرحم ، وشققت لها اسما من اسمي ، فمن يصلها أصله ، ومن يقطعها أقطعه فأبُتُّه ، أو قال من يَبُتُّها أبُتُّه ) .
وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله عز وجل : أنا الرحمن ، وهي الرحم شققت لها من اسمى ؛ من يصلها أصله ، ومن يقطعها أقطعه فأبتُّه ) .
ألا ترى دلالة الاشتقاق واضحة في علاقة الرحِمِ بالرحمن ، إنها لغة الاشتقاق ، تلك اللغة النامية الخالدة ، فتأمل جيدًا هذه الحيثية فإنها أصل في تأصيل لغة العرب ، وبيان قدمها في التاريخ .
ومما يستأنس به في هذا الباب من الأخبار ما رواه الطبري عن ابن عباس قال : (( فأخرج إبليس من الجنة حين لعن وأسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه ، فسألها : من أنت ؟
فقالت : امرأة .
قال : ولم خلقتِ ؟
قالت : تسكن إلي .
قالت له الملائكة ـ ينظرون ما بلغ علمه ـ : ما اسمها يا آدم ؟
قال : حواء .
قالوا : ولم سميتَ حواء ؟
قال : لأنها خلقت من شيء حي )) تفسير الطبري ط : الحلبي ج: 1 ص: 214
ففي هذا الخبر ترى أن آدم اشتق اسم زوجه من معنى الحياة ؛ لأنها خُلِقت من حيٍّ .
أضف إلى ذلك ما رواه مسلم بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( خلق الله عز وجل آدم على صورته طوله ستون ذراعا ، فلما خلقه قال : اذهب ، فسلم على أولئك النفر ـ وهم نفر من الملائكة جلوس ـ فاستمع ما يجيبونك ، فإنها تحيَّتك وتحيَّة ذريتك .
قال : فذهب ، فقال : السلام عليكم .
فقالوا : السلام عليك ورحمة الله .
قال : فزادوه ورحمة الله )) . صحيح مسلم ج: 4 ص: 2183 .
يقول الله لآدم : فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، وأنت ترى أن السلام باقٍ في أصحاب الديانات السماوية .
وأنت تعلم أن السلام اسم من أسماء الله ، كما ورد في قوله تعالى : (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر:23)
وإليك بعض الأمثلة .
1 ـ راجع في القرآن تحية الله لأوليائه ، وتحية الملائكة للأنبياء ، والتحية التي يتلقى بها الملائكة المؤمنين يوم القيامة ، ومن أمثلتها :
قوله تعالى : (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (يـس:58) .
قوله تعالى : (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) (هود:69) .
قوله تعالى : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: 23 ـ 24) .
قوله تعالى : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل:32) .
وكل هذا راجع إلى معنى اسم السلام سبحانه ، وهو أثر من آثاره ، فهو الذي يسلِّم على عبادة بالقول ، ويسلِّمهم من الشرور .
وإذا أخذت بعين الاعتبار أن الأسماء لا تتغير بتغير اللغة التي نُقِل إليها ، وإنما قد يحدث لها بعض التحوير الذي يتناسب مع لهجة اللغة التي انتقل إليها الاسم = ظهر لك أنَّ أسماء الله ثابتة له منذ الأزل ، وأنه قد نطق بها الملائكة وآدم في السماء ، فالله والرحمن والسلام قد وردت في هذه الآثار ، مما يُستنتج منه أنها هكذا كانت تُنطق في ذلك الحين ، وليس هناك ما يدل على سوى ذلك ، خصوصًا إذا أضفت ما ورد من اشتقاق الرِّحِم من اسم الرحمن .
2 ـ من أسماء أنبياء بني إسرائيل ( سليمان عليه السلام ) ، وفيه معنى السلام ، وهو مأخوذ من مادة ( سلم ) ، وقد جاء في قاموس الكتاب المقدس ( ص : 481 ) ما نصه : (( سليمان : اسم عبري معناه : رجل سلام ) . وارجع إلى تحليل أكثر لهذا الاسم في كتاب العلم الأعجمي في القرآن مفسرًا بالقرآن لرؤوف أبو سعدة ( 2 : 159 وما بعدها ) = تجد وضوح عربية هذا الاسم ، وأنه جاء على صيغة العربية المنطوق بها آنذاك .
3 ـ ورد في صحيح مسلم في قصة موسى مع الخضر ما نصُّه : (( ... قال يقصان آثارهما حتى أتيا الصخرة ، فرأى رجلاً مسجى عليه بثوب ، فسلم عليه موسى .
فقال له الخضر : أنَّى بأرضك السلام .
قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل )) (صحيح مسلم ج: 4 ص: 1848) . وهذا يدخل في تفسير قول الله لآدم : (فإنها تحيتك وتحية ذريتك ) ، والسلام ـ فيما يظهر ـ مما بقي عند أصحاب الديانات السماوية ، كما ذكرت لك سابقًا .
أقول هذا من باب الاحتمال والظنِّ والله أعلم .
4 ـ لازال اليهود إلى اليوم يقولون ( شالوم ) بمعنى السلام ، وهم يُشيِّنون السين ( أي : يجعلون السين شينًا ) .
ومن باب الاستطراد أيضًا تجد أحبارهم وقساوسة النصارى يقولون في خاتمة دعائهم ( آمين ) إلى اليوم ، فمن أخذ من مَنْ إلا أن تكون اللغة بينهم واحدة المصدر .
وإنني أدعو إلى بحث فكرة الاشتقاق عند مفسري السلف واللغويين ، فإنه سيظهر بجمع المواد التي حُكي فيها الاشتقاق فوائد جمَّة ، قد تدلنا على خيوطٍ في أصول العربية القديمة تلك اللغة الشريفة التي مرَّت بعصور من التطور والتحوُّر ، لكنها لم تتغير في أصولها الاشتقاقية .
وإني أُدرِك أن بعض الاشتقاقات التي ذكرها مفسرو السلف قد يُعترضُ عليها وتُضعَّف ، بل قد يحكم بعضهم على بعض هذه التحليلات الاشتقاقية بالسذاجة ، لكن النظر هنا إلى وجود أصل هذه الفكرة ، ووردها عندهم ، وإدراكهم لها ، ومن الأمثلة على هذه الاشتقاقات عند المفسرين :
1 ـ عن أبي العالية قال : (( إنما سمي العِجْل لأنهم عجلوا ، فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى )) ( تفسير الطبري ط : الحلبي 1 : 283 ) .
2 ـ قال مقاتل : (( تفسير آدم عليه السلام لأنه خلق من أديم الأرض ، وتفسير حواء لأنها خلقت من حي ، وتفسير نوح لأنه ناح على قومه ، وتفسير إبراهيم : أبو الأمم ، ويقال : أب رحيم ، وتفسير إسحاق لضحك سارة ، ويعقوب ، لأنه خرج من بطن أمه قابضًا على عقب العيص ، وتفسير يوسف زيادة في الحسن ، وتفسير يحيى : أحيي من بين ميتين ؛ لأنه خرج من بين شيخ كبير وعجوز عاقر صلى الله عليهم أجمعين )) . تفسير مقاتل ( 3 : 53 ) .
هذا ، وسيأتي الحديث عن هؤلاء الأعلام الكرام الذين ذكرهم مقاتل ، وبيان أصول عربية هذه أسمائهم إن شاء الله .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1898
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 23-11-05, 09:48 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

(5) (نظرات في المعرب) العبرانيون وإبراهيم العبراني


--------------------------------------------------------------------------------


إن التوغل في التاريخ القديم صعب للغاية ، غير أنَّ هناك إشارات ودلالات يهتدي بها من يريد إثبات قضية ما .
واليوم أطرح لكم شيئًا يتعلق بعروبة إبراهيم عليه السلام ، وأبين لكم نقد النظرية العبرية المزعومة ، فأقول :
لقد عاش إبراهيم حياته الأولى في العراق ، وحصل له ما حصل مع قومه عبدة النجوم والأصنام على السواء ، ثمَّ هاجر عليه السلام من العراق ومع زوجه سارَّة ( لاحظ عروبة هذا الاسم ) ، وابن أخيه لوط ( لاحظ عروبة هذا الاسم ) .
فمن هم قوم إبراهيم عليه السلام ؟
سكن قوم إبراهيم في ( أور : مدينة بالقربة من البصرة الآن ) في جنوب العراق ، وهي منطقة عربية منذ القدم ، قامت إليها هجرات عربية من الجزيرة العربية على مراحل مختلفة الزمن .
وقد ظهر أنبياء في جزيرة العرب قبل إبراهيم ، منهم نوح ، وصالح ، وهود ، وشعيب ، ثمَّ جاءت رسالة إبراهيم بعد ذلك .
فالعرب سابقون لإبراهيم قطعًا ـ فيما لو فُرِضَ أنه ليس بعربي ـ لا يخالف في ذلك إلاَّ مجادل لا يريد الوصول إلى الحق .
ويكاد يجمع مؤرخو الحضارات القديمة اليوم أنَّ الشعوب التي سكنت منطقة العراق والشام ومصر وشمال القارة الإفريقية وساحل البحر الأحمر من جهة أفريقية ، يكادون يجمعون على أنهم شعوب عربية خرجت من جزيرة العرب . ( ينظر على سبيل المثال : دراسات تاريخية لنجمد معروف الدواليبي )
لكنَّ بعضهم ـ مع الأسف ـ يستخدم مصطلح ( السامية ) للدلالة على تلك الشعوب ، ويجعل العرب قسمًا منهم ، وهذا منه مكابرة وبعدٌ عن الحقِّ .
ومصطلح السامية قد ظهر زيفه وبطلانه بما لا يحتاج إلى كبير إعمال ذهن ، وعلي أطرح نقده في مقال لاحق ( ينظر : نقد النظرية السامية ، ج1 ، أسطورة النظرية السامية : توفيق سليمان ، دار دمشق للطباعة والنشر ، ط 1 ، 1982م ) .
أما الكلدانيون الذين تُنسب إليهم هذه المدينة، فكانت لغتهم الأكادية ( ينظر : معجم الحضارات السامية ، مادة كلدانيون ) .
والأكادية هي أحد اللغات العروبية القديمة التي خرجت من جزيرة العرب مع هؤلاء الكلدانيين الذين استقروا في جنوب العراق اليوم ( ينظر في اللغة الأكادية العربية كتاب : ملامح فقه اللهجات العربيات من الأكادية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية ، للدكتورمحمد بهجت القيسي ) .
تنبيه : هكذا جاءت قراءة الغربيين لهذه المادة ( كلدان ) بالكاف ، ولا يبعد أن تكون مأخوذة من مادة ( خَلَدَ ) ، وليس ( كلد ) ، وأنت على خُبرٍ بأن الغربيين لا ينطقون لفظ الخاء ، بل يبدلونه بحرف الكاف .
وإذا كان من مادة خلد ، فهو واضح العربية بلا ريب ، ويكونون هم الخالديون ، بنو خالد ، الخالدي ، والله أعلم .
ومادة ( كلد ) عربية أيضًا ، وهي تدل على صلابة في الشيء ، ومن اسم الحارث بن كَلَدَة الطبيب العربي المشهور ( ينظر في هذه المادة : مقاييس اللغة لابن فارس ) .
كما أن مادة الأكاديين قد تكون قراءتها الصحيحة ( عكاديين ) من مادة ( عكد ) ، ويرجع ابن فارس أصل هذه المادة إلى التجمع والتراكم . ( ينظر مقاييس اللغة ، مادة : عكد ) .
وأنت على خُبرٍ أيضًا بأنَّ قراء الغرب للغتنا لا ينطقون العين ، بل يُبدلونها ألفًا .
أما ( أكد ) في لغة العرب ، فالهمزة منقلبة من الواو ، كما ذكر ابن فارس في مقاييس اللغة ، مادة ( أكد ) .
تنبيه : قد يخطر ببالك استفسار ؛ هذا نصُّه :
لِمَ جعلت اللغة العربية المدونة أصلاً في فهم تلك اللغات العروبية القديمة ؟
وهذا سؤال مهم جدًّا ، ولعلي آتي على شيء منه في مقالة مستقلَّة أبين فيها بعض ظواهر اللغة العربية كالاشتقاق ، والقلب والبدل وغيرها من الظواهر ، وأنها طريق إلى فهم معاني تلك الكلمات التي في اللغات العروبية القديمة ، التي قد يكون مات فيها أصل الكلمة أو معناها ، وانظر على سبيل المثال تفسير ( وفومها ) عند الفراء في معانيه ، وعنه الطبري في تفسيره ، والأزهري في تهذيب اللغة .
أعود إلى موضوع المقالة ، وهو عروبة إبراهيم وعبرانيته ، فأقول :
1 ـ إنَّ اسم إبراهيم قد اختلفت في أصله الآراء ، وكثرت في النظر في اشتقاقه ، فمنهم من جعله ( أب رحيم ) ، ومنهم من جعله ( آب رام ؛ أي : أبو العلا ) ، ومنهم من جعله من مادة ( بره ) ، أي صاحب البرهان ... الخ من تحليل لهذا الاسم . ( ينظر في هذا : العلم الأعجمي في القرآن مفسرًا بالقرآن ، لرؤوف أبو سعدة ، ومعرب القرآن عربي أصيل للدكتور جاسر أبو صفية ، ومقالة بعنوان : تأصيل عروبة إبراهيم ، لأحمد نصيف الجنابي ، مجلة الضاد ، بغداد ، ج2: 1409 ـ 1989 ) .
ولكني إلى اليوم لم أصل إلى ما تطمئن إليه نفسي من أصل اشتقاق هذا الاسم العربي ، أما من له صلة قرابة بإبراهيم ( آزر ، إسماعيل ، إسحاق ، يعقوب ، سارة ، هاجر ، لوط ) فإني سآتي ـ إن شاء الله ـ على بيان عروبتهم .
2 ـ هل كان إبراهيم عبرانيًّا ؟
لقد خرج إبراهيم بمن معه من لعراق ، ثمَّ اتَّجه إلى الشام ، فأين كان مسكنه ؟
الذي يظهر من سيرته أنه سكن بادية الشام ، وأنه كان صاحب بقر ؛ لأنه جاء بعجل حنيذ لأضيافه ، ولأنه كان ساكنًا في بادية الشام ، وكان عابرًا إليها من العراق سُمِّي ( إبرام العبراني ) .
فأصل الكلمة عربيٌ صحيح ، مأخوذ من مادة (عبر) التي تدلُّ على الانتقال من مكان إلى مكان كما هو حال إبراهيم عليه السلام الذي عبر من (أور الكلدانيين ) إلى بادية الشام .
ويظهر أنَّ العبراني ـ آنذاك ـ كانت له إطلاقات ، منها :
1 ـ أنها تُطلق على الذي يعبر إلى شيء كما هو أصل دلالة اللفظة ، وكذا كان حال إبراهيم حيث عبر إلى بادية الشام .
2 ـ أنه ساكن البادية ، وكذا كان حال إبراهيم عليه السلام ، حيث استقرَّ ببادية الشام ، وكان يتنقَّل إلى ما جاورها من المدن طلبًا للتجارة ، كما ذهب إلى مصر في رحلته المعروفة .
والذي يدلُّ على ذلك ما ورد في سورة يوسف لما جاء بأبويه إلى مصر ، قال تعالى : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف:100) ، فإبراهيم وذريته ( إسحاق وابن يعقوب وأبناء يعقوب ) كانوا في البادية كما هو نصُّ الآية ( وجاء بكم من البدو ) .
ولا يلزم من كونهم كانوا في البادية عيب أو نقيصة ، بل تلك كانت مشيئة الله لهم ، والله يفعل ما يشاء لا معقِّب لحكمه .
وكما أنَّ بداوتهم ليس فيها نقيصة ، فليس على إبراهيم أبي الأنبياء من نقيصة من كونه لم يؤمن به في وقته كثيرٌ ، بل لم يُذكر أنه آمن به ـ وهو من هو في الفضل من بين الأنبياء ـ سوى زوجه وهاجر وأبنائه منهما ولوط .
ومن هذا تعرف أنَّ الوصف بالعبرانية لا يعني قومية معينة ، ولا لغة مستقلة محددة مطلقًا ، بل هو وصف لحال إبراهيم من بين الشعوب التي نزل بجوارها .
3 ـ إذا كان هذا الوصف هو لحال إبراهيم عليه السلام ، فإنه يُعلم أنَّ هذا الوصف قد بقي في أحفاده من نسل إسحاق من بعده ، فهم عبروا أيضًا إلى مصر ، وهم بهذا يُسمون بالعبرانيين لأجل هذه الدلالة الوصفية فحسب .
4 ـ وإذا رجعنا إلى لغة إبراهيم عليه السلام ، فإننا لن نجدها لغة مستقلَّة مغايرة مغايرةً تامةً لغة سكان الشام آنذاك ، ومما يستأنس به في هذا أنَّ الله سبحانه وتعالى أرسل لوطًا إلى قرى سدوم وعمورة وغيرها ، ولو لم يكن يعرف لسانهم لما صَلُحَ لأن يبعث لهم ، والله تعالى يقول : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (إبراهيم:4) ، فدلَّ هذا على أنَّ لسان لوط ولسان من أُرسِل إليهم واحدٌ ، وهو اللسان الذي يتكلم به أصحاب هذه المنطقة في عراقهم وشامهم ومصرهم وجزيرتهم العربية كما هو الحال اليوم في توحًّدِ اللغة .
5 ـ وُلِدَ لإبراهيم ولدان : إسماعيل ، وقد سكن مع أمه هاجر المصرية ( لاحظ عربية اسمها ) في مكة ، وسيأتي إن شاء الله حديثًا عنها .
ثمَّ وُلِدَ له ابن إسحاق الذي بقي عنده في بادية الشام ، ووُلِدَ لإسحاق يعقوب ، ووُلِدَ ليعقوب بنوه الاثنا عشر ، ومكث هؤلاء في البلدية كما هو نصُّ الآية السالفة ، وكانت لغتهم بلا ريب هي لغة أبيهم يعقوب ، وجدهم إسحاق ، وجد أبيهم إبراهيم ، ولم تكن لهم لغة خاصة مستقلة البتة .
ثمَّ نزلوا إلى مصر ، وسكنوا فيها فعاشروا الناس وخالطوهم إلى عهد موسى عليه السلام ( بين يوسف وموسى نحو أربعمائة سنة ونيف كما في أسفارهم ) ، فهل يا تُرى بقوا على لغة آبائهم التي دخلوا بها ولم يتأثَّروا بلغة المصريين ؟!
إنَّ الذي يظهر لي أنَّ العبرية وصف لهم من جهة القومية لا اللغة بقي ملتصقًا بهم ، ومعناه كما ذكرتُ لك سابقًا ، أما اللغة التي يتحدثون بها فإنما هي بمثابة لهجة من اللهجات العروبية آنذاك ، ولا تخرج عن ذلك القطر العربي الكبير .
فالعبرانيون بمعنى : الذين يعبرون ، أو بمعنى البدو الرُّحَّل هو المعنى المراد بهم ، لكن هؤلاء أوتوا القدرة على تبديل وتحريف الأشياء ، كيف لا ، وقد حرَّفوا كلام الله وشرعه ، فانطلى على كثيرين أن لهم لغة مستقلَّة ، وأنَّ لها حروفًا خاصًّة ، ورسمًا خاصًا ، وليس الأمر كذلك ، فهم من بيئة عربية لم يخرجوا منها ، وإنما الأمر يرجع إلى تقادم عهدهم عن اللغة العربية المعيارية التي نزل بها القرآن .
وقد تقول : إنَّه ورد في البخاري في وصف ورقة بن نوفل : ( وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ) .
فأقول لك : نعم هو كتاب عبراني ، وله رسمه الخاصُّ لكنه لم يكن خاصًّا بهم فقط ، بل هم استفادوه من غيرهم ، وهو لا يخرج عن اللغات العروبية ولا الرسم المتعارف عليه عندهم . وهذا مبحث يحتاج إلى مزيد بسط ليس هذا محلُّه ، وهو يتعلق باللغات التي جاء النصُّ عليها في كتبهم ، كما يتعلق بالوقت الذي دُوِّنت فيه هذه الكتب ، ونوع اللغة ( اللهجة العروبية ) التي كانوا يتحدثونها آنذاك ، ونوع الرسم الذي رُسِمت به ، وذلك ما لم يكن خاصًّا بهم كما سيظهر إن شاء الله في بحث هذه الجزئية بحثًا مستقلاًّ .
وللحديث بقية .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=2050
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 23-11-05, 09:51 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

الاستشهاد بالآيات في غير ما نزلت فيه وتَنْـزِيلِ آياتِ الكُفَّارِ عَلَى المُؤْمِنِينَ


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ن وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد:
فأشكر حرص الإخوة القائمين على ملتقى أهل التفسير لاستضافتي في موقعهم ، وطلبهم المشاركة الفعلية معهم ، وأرجو أن ييسر الله لي ذلك ، وأن ينفعني وإياهم ، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا يوم أن نلقاه .
وقد رأيت أن أبدأ أول مشاركة بمقال نشرته في مجلة مواكب التي تصدر عن الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة ( ع 12 ، جمادى الأولى 1423 ) .

الاستشهاد بالآيات في غير ما نزلت فيه وتَنْـزِيلِ آياتِ الكُفَّارِ عَلَى المُؤْمِنِينَ

يكثر استشهاد الوعاظ وغيرهم بآيات مساقاتها الكاملة لا تدلُّ على ما استشهدوا به ، كما فعل بعضهم بوضع رسمٍ للدشِّ (اللاقط الفضائي) ، وكتب تحتها جزءَ آيةٍ ، وهي قوله تعالى :(;يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) الحشر : 2
ولو نظرت إلى مساق الآية كاملاً لعلمت أنَّه في يهود بني النظير ، وانها تذكر ما حصل لهم لما حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرجهم من حصونهم المنيعة ، قال تعالى :(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ) الحشر : 2
فهل يصحُّ هذا الاستدال وأمثاله ؟
هذا ما سأجتهد في تأصيله في هذه المقالة الموجزة .
إنَّ في الموضوع جانبان متقاربان :
الأول : الاستشهاد بجزء من الآية في غير ما وردت من أجلِه في الأصل .
الثاني : تنْزيل الآية على واقعة حادثةٍ ، وجعلُها مما يدخل في معنى الآيةِ .
فهل يوجد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة ومن بعدهم ما يدلُّ على صحَّةِ هذا العملِ ؟
1 ـ في تفسير قوله تعالى :(وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) الكهف : 54 ، يورد بعض المفسرين ما ورد في خبر علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ، فقال : ألا تُصَلِّيان ؟!
فقلت : يا رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ، ولم يرجع إليَّ شيئًا ، ثم سمعته وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه ويقول :(وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) الكهف : 54 أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم .
وإذا رجعت إلى مساق الآيات التي ورد فيها هذا الجزء من الآية وجدته حديثًا عن الذين كفروا ، قال تعالى :(مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ، وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ، وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً ، وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً ، وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ، وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً) الكهف : 51 ـ 58
ومن هذه السياقات يتضح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اقتطع هذا الجزء الذي يصدق على حال علي رضي الله عنه ، ولا يعني هذا أنَّه ممن اتصف بباقي تلك الصفات المذكورات أبدًا .
2 ـ في تفسير قوله تعالى :(أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا)الأحقاف : 20[1] ، ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ عمر رضي الله عنه رأى في يد جابر بن عبد الله درهمًا فقال : ما هذا الدرهم ؟
قال : أريد ان أشتري لحمًا لأهلي قَرِمُوا إليه .
فقال : أفكلما اشتهيتم شيئًا اشتريتموه ؟! أين تذهب عنكم هذه الآيةُ :(أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) الأحقاف : 20 .
والآية التي يستشهد بها أمير المؤمنين جاءت في سياق التقريع والتوبيخ للكافرين ، وليست في سياق المؤمنين ، قال تعالى :(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُون) الأحقاف : 20 ، ومع ذلك استشهد بها أمير المؤمنين ونزَّلها على أهل الإيمان .
وهناك عدَّة آثارٍ ستأتي لاحقًا ، والمراد مما مضى أنَّ أصل هذا الموضوع موجودٌ في السنة وأقوال الصحابة .
إذا تأمَّلت هذه المسألةُ وجدت أنها ترجع إلى أصلٍ من أصولِ التفسيرِ ، وهو التفسيرُ على القياسِ ، والمرادُ به : إلحاقُ معنًى باطنٍ في الآيةِ بظاهرِها الَّذي يدلُّ عليه اللَّفظُ .
قالَ ابن القيِّم ( ت : 751 ) :( وتفسيرُ النَّاسِ يدورُ على ثلاثةِ أصولٍ :
تفسيرٌ على اللَّفظِ ، وهو الَّذي ينحو إليه المتأخِّرونَ .
وتفسيرٌ على المعنى ، وهو الَّذي يذكرُهُ السَّلفُ .
وتفسيرٌ على الإشارةِ والقياسِ ، وهو الَّذي ينحو إليه كثيرٌ من الصُّوفيَّةِ وغيرِهم).[2]
والتفسير على القياس موجودٌ في تفسيرِ السلفِ ؛ لكنَّه أقلُّ من القسمين الآخَرين . ومن أمثلتِه ، ما ورد في قوله تعالى :(فَلَمَّا زَاغُوا أزَاغَ الله) الصف : 5 ، أنها نزلتْ في الخوارجِ.[3]
فالمفسِّر انتزع هذا المقطع من الآيةِ ، ونزَّله على الخوارجِ الذين لم يكونوا عند نزولِ هذه الآياتِ ، وإنما جاءوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي ، وإذا نظرتَ إلى سياقِ الآيةِ ، وجدتَ أنه في الحديثِ عن بني إسرائيل ، وأنهم هم الموصوفون بهذا الوصف ، قال الله تعالى :(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) الصف : 5
والمفسِّرُ هنا إنما أراد أنْ يُنبِّه إلى دخولِ الخوارجِ في حكمِ هذه المقطع من الآيةِ ، وأنهم مثالٌ لقومٍ مالوا عن الحقِّ ، فأمالَ اللهُ قلوبهم جزاءً وفاقاً لميلِهم ، وتنْزيل ذلك المقطع من الآية على الخوارجِ إنما هو على سبيلِ القياسِ بأمرِ بني إسرائيلَ ، وليس مراده أنهم هم سبب نزولها ، فهذا لا يقول به عاقل .
وعلى هذا يُقاسُ ما وردَ عن السلفِ في حكايةِ نزولِ بعض الآياتِ في أهلِ البدعِ ، وأنهم أرادوا التنبيه على دخولهم في حكم الآيةِ ، لا أنهم هم المعنيون بها دون غيرهم ، خاصةً إذا كانَ المذكورون غيرُ موجودينَ في وقتِ التنْزيل ؛ كأهلِ البدعِ الذينَ نُزِّلتْ عليهم بعضُ الآياتِ ، واللهُ أعلمُ .
قال الشاطبي :( …كما قاله القاضي إسماعيل ـ في قوله تعالى :(إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ) الأنعام : 159 بعد ما حكى أنها نزلت في الخوارج ـ : وكأنَّ القائل بالتخصيص ، والله أعلم ،لم يقل به بالقصد الأول ، بل أتى بمثالٍ مما تتضمنه الآية ؛ كالمثال المذكور ، فإنه موافق لما قال ، مشتهراً ( كذا) في ذلك الزمان ، فهو أولى ما يمثل به ، ويبقى ما عداه مسكوتاً عن ذكره عند القائل به ، ولو سئل عن العموم لقال به .
وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع ، إنما تحصل على التفسير ، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما نزلت في قصة نصارى نجران ؟! ثمَّ نُزِّلت على الخوارج ، حسبما تقدم ، إلى غير ذلك مما يذكـر في التفسير ، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة لا حسب ما يقتضيه اللفظ لغةً .
وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال المفسرين المتقدمين ، وهو الأولَى لمناصبهم في العلم ، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة).[4]
وفي قوله تعالى :(وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الأنفال : 71 قال ابن عطيَّةَ ( ت : 542 ) :(وأما تفسير الآية بقصة عبد الله بن أبي السرح ، فينبغي أن يُحرَّرَ ، فإن جُلبتْ قصةُ عبد الله بن أبي السرح على أنها مثالٌ ، كما يمكن أن تُجْلَبَ أمثلةٌ في عصرنا من ذلك ، فحسنٌ . وإن جُلبت علـى أنَّ الآية نزلت في ذلك ، فخطاٌ ؛ لأنَّ ابن أبي السرحِ إنما تبيَّن أمره في يوم فتح مكة ، وهذه الآية نزلت عَقِيبَ بدرٍ).[5]
وفي قوله تعالى :(فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) الفجر : 15 ـ 20
قال ابن عطية ( ت : 542 ) :( ذكر الله تعالى في هذه الآية ما كانت قريش تقوله وتستدلُّ به على إكرام الله تعالى وإهانته لعبده ، وذلك أنهم كانوا يرون أن من عنده الغنى والثروة والأولاد ، فهو المُكرَم ، وبضدِّه المهانُ .
ومن حيثُ كان هذا المقطع غالباً على كثير من الكفار ، جاء التوبيخُ في هذه الآية لاسم الجنسِ ؛ إذ قد يقع بعض المؤمنين في شيء من هذا المنْزع [6]، ومن ذلك حديث الأعرابِ الذين كانوا يقصدون المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن نال منهم خيراً ، قال : هذا دين حسنٌ ، ومن نال منهم شرٌّ ، قال : هذا دين سوءٍ).[7]
وقال ابن عطية ( ت : 542 ) في قوله تعالى :(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) الأنبياء : 1 :( وقوله تعالى :(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) عامٌّ في جميع الناسِ ، وإن كان المشارُ إليه في ذلك الوقت كفار قريشٍ ، ويدلُّ على ذلك ما بعدها من الآياتِ ، وقوله :(وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) ؛ يريد : الكفار .
قال القاضي أبو محمد [8]رحمه الله :(ويتَّجِهُ من هذه الآيةِ على العُصاةِ من المؤمنين قِسْطُهُم .
وقوله تعالى :(ما يأتيهم) وما بعدها مختصٌّ بالكفارِ).[9]
وقال في قوله تعالى :(وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يونس : 12 ).
وقوله :(مرَّ) يقتضي أن نزولها في الكفار ، ثم هي بَعْدُ تتناول كل من دخل تحت معناها من كافرٍ أو عاصٍ).[10]
وقد ذكر الشنقيطي ( ت : 1393 ) ـ في معرضِ ردِّه على التقليدِ ـ آياتٍ في النهي عن التقليدِ ، فقال :(… وقال جل وعز :(وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) الزخرف : 23 ـ 24 ، فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء ، فقالوا : إنا بما أرسلتم به كافرون .
وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عزَّ وجل :(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) الأنفال : 22 ، وقال : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) البقرة : 166 ـ 167 ، وقال عز وجل ـ عائباً لأهل الكفر وذامّاً لهم ـ :(ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون)[11] ، وقال :(وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا) الأحزاب : 67 ، ومثل هذا في القرآن كثير في ذمِّ تقليد الآباء والرؤساء .
وقد احتجَّ العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ، ولم يمنعهم كفرُ أولئك[12] من الاحتجاج بها ؛ لأنَّ التشبيه لم يقع منهم من جهة كفرِ أحدهما وإيمانِ الآخرِ، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجةٍ للمقلِّد ، كما لو قلَّد رجلٌ ، فكفرَ ، وقلَّدَ آخرٌ ، فأذنبَ ، وقلَّدَ آخرٌ في مسألةِ دنياه ، فأخطأ وجهها ، كان كلُّ واحدٍ ملوماً على التقليدِ بغيرِ حجةٍ ؛ لأنَّ كل تقليدٍ يشبه بعضه بعضًا ، وإن اختلفت الآثامُ).[13]

ومن هذه النقولِ يتحصَّلُ ما يأتي :
1 ـ أنَّ مثلَ هذه التفاسيرِ أو الاستشهادات إنما جاءتْ على سبيلِ القياسِ .
2 ـ أنَّ هذا الأسلوبَ معروفٌ في السنة وآثار السلف ومن جاء بعدهم من العلماءِ ، ولذا حكموا بإبطالِ التقليدِ اعتمادًا على الآياتِ النازلةِ في الكفارِ .
3 ـ أنَّ القياسَ إنما هو بالاتصافِ بشيءٍ من أوصافِ الكفارِ التي قد تقع من عموم الناسِ . أما الأوصاف التي تختصُّ بوصف الكفرِ الأكبر ؛ كنواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، فهذه لو عمل بشيء منها فإنه يخرج عن مسمى الإيمان إلى الكفر ، ولا يدخل في ما سيق البحث من أجله .
وليس يلزمُ من تنْزيلِ الحكمِ بشيءٍ من أوصافِ الكفارِ على أحدِ العصاةِ ، أنه مُتَّصفٌ بكاملِ أوصاف الكفارِ ، وإلاَّ لكان الكلامُ عن كفارٍ ، لا عن مؤمنينَ ، وهذا ما وضَّحه الشنقيطيُّ ( ت : 1393 ) في المثال الذي ذكره في حكمِ التقليدِ .
ضوابط وتنبيهات في مسألة الاستشهاد وما جرى مجراها :
أولاً : يحسُنُ ذكرُ مدلولِ الآيةِ المطابقِ ، وهو أنها نازلةٌ في الكفارِ ، وأنه يُستفادُ منها أنَّ من اتصف بهذه الصفةِ من المسلمينَ ، فأنه يُلحقُ بحكم الكفارِ ، ولكنْ كلٌّ بِحَسَبِه ، فهذا كافرٌ كفراً محضاً ، وهذا مسلمٌ عاصٍ وافق الكفارَ في هذه الصفةِ ، واللهُ أعلمُ .
ثانيًا : إنَّ من سلكَ هذا الطريقَ ، فإنه لا يصحُّ أنْ يقصِرَ الآيةَ على ما فسَّرَ به قياساً ، ولو فعلَ لكانَ فِعْلُه تحكُّماً بلا دليلٍ ، كما هو حالُ أهل البدعِ ، والتَّحَكُّمُ لا يَعجزُ عنه أحدٌ .
ثالثًا : يلزمُ أن يكونَ بين معنى الآيةِ الظاهرِ وبين ما ذكرَه من الاستشهاد أو التفسيرِ قياساً ارتباطٌ ظاهرٌ ، وإلاَّ كانَ الاستشهاد بالآية أو حملُها على التفسيرِ القياسيِّ خطأً .
وليعلم أنَّ الاستشهاد أشبهَ حكاية الأمثال التي يتمثَّلُ بها الناس في محاوراتهم ، مع ملاحظة الفارقِ بين الأمرين كما سيأتي ، فكم من الناس يتمثَّل بقول الشاعر :
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
وخراش في هذا البيت كلب صيدٍ ، وقد يحسبه السامعون اسم رجلٍ ، والاستشهاد به على أنه كلب ليس يعني أبدًا أنَّ المستشهد عليه يكون كلبًا ، فالمثل يُحكى كما قيل ، ويستفاد منه في الأحوال المشابهة لأصل المثل ، ولا يعني هذا التماثل في كل شيء .
غير أنَّ الاستشهاد بالآية القرآنية يلزم منه معرفة الأصل الذي تدلُّ عليه الآيةُ ، وإلاَّ لما أمكن إدراك وجه الشبه بين المستشهَد به والمستشهَدِ عليه .
كما يلزم إثبات ذلك الأصل والقولَ به ، ثمَّ الاستدلال به بعد ذلك ، وهذا لا يلزم في المثلِ ، فكم من مثل تنَزِّله على واقعة معيَّنة ، وأنت لا تعرف أصل حكاية هذا المثلَ ، ولا يضير هذا شيئًا إن كنت تعرف مكان ضربه ، وهذا ما لا يتأتَّى مع آيات القرآن .
ومما يُنبَّه عليه هنا أنه لا يجوز الاستشهاد بالقرآن في مواطن الهزل ، فهذا حرام لا يجوز القول به ، ومثله الاقتباس الذي يعمله بعض الشعراء في شعرهم ، فيدخلون مقطعًا من آيةٍ في مواطن هزلية أو غير لائقة بالقرآن ، فيجب الحذر من ذلك ؛ لنه من المحرمات ، فالقرآن جِدٌّ كلُّه ليس فيه هزل ، كما قال تعالى :(إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) الطارق : 14
وأخيرًا ، يجبُ أن يُعلمَ أنَّ هذا الاستشهاد أو حمل الآية على التفسير بالقياس أنه من التفسيرِ بالرأي ، ولذا يلزمُ الحذرُ منه ، والتأكُّدُ من صحةِ حملِ الآيةِ عليه.

ـــــــــ
* الحواشي:
(1) انظر الدر المنثور (7:445-446) وقد أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي ، كما أورد السيوطي عدة آثار عن عمر بن رضي الله عنه في نفس المعنى (7:446-447).
(2) التبيان في أقسام القرآن ، تحقيق طه شاهين ص 51
(3) ورد ذلك عن أبي أمامة ، انظر تفسير الطبري . ط. الحلبي (28:86-87)
(4) الاعتصام للشاطبي ، تحقيق محمد رشيد رضا (1:103)
(5) المحرر الوجيز ، ط.قطر (6:386-387)
(6) نقل الطاهر بن عاشور هذه الجملة عن ابن عطية ، ولم يعترض عليها ، انظر : التحرير والتنوير (30:326-327)
(7) المحرر الوجيز ، ط. قطر (10:122)
(8) هو ابن عطية.
(9) المُحرر الوجيز ، ط.قطر (10:122)
(10) المحرر الوجيز ، ط.قطر عند تفسير الآية.
(11) كذا وردت عند الشيخ ، وفي هذا وهم لأنه جمع بين آيتين من سورتين مختلفتين فيهما القصة نفسها ، والآيات التي تصلح لغرضه ما في سورة الشعراء من قوله تعالى :(واتل علهم نبأ إبراهيم..) إلى قوله :(قالوا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون). الشعراء:69-74
(12) يقصد فكر المقلدين من الكفار الذين نزلت الآيات حاكية أمرهم في تقليد الآباء والرؤساء.
(13) أضواء البيان (7:490-491)


__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=46
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 23-11-05, 09:59 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

المفردة القرآنية .. المراحل التي تمرُّ بها حال تفسيرها(1 _ 5 )


--------------------------------------------------------------------------------

المفردة القرآنية .. المراحل التي تمرُّ بها حال تفسيرها
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله الطيبين ، وعلى صحبه الكرام ، وعلى من تابعهم إلى يوم القيام ، أما بعد :
فقد أدرتُ الفِكْرَ في المفردة القرآنية ، فظهر لي في دراستي لها عدد من الموضوعات التي قد تكون مطروقة لكنها تحتاج إلى جمع في مكان واحدٍ يتعلق بالمفردة القرآنية ، التي قد تختصُّ ببعض المعاني التي لا تجدها في دراسة الدارسين للغة العرب .
ومما طرأ لي في هذا الموضوع أنَّ ألفاظ القرآن لا تخرج عن خمس مراحل ، وهي :
الأول : أن تأتي اللفظة على الأصل الاشتقاقي .
الثاني : أن تأتي اللفظة على الاستعمال الغالب عند العرب ، وفي هذه الحال يكون فيها معنى الأصل الاشتقاقي .
الثالث : أن يكون للفظة استعمال سياقيٌّ ، وهو ما استفاد منه أصحاب ( الوجوه والنظائر ) فركَّبوا كتبهم منه .
والاستعمال السياقي قد يرجع إلى أصل اللفظة الاشتقاقي ، وقد يرجع إلى المعنى الغالب في استعمال اللفظة عند العرب ، وهو على كلِّ الأحوال لا يخلو من الأصل الاشتقاقي .
الرابع : المصطلح الشرعي ، وهذا كثير في القرآن ، والمقصود به أن يكون استخدام اللفظ في القرآن والسنة على معنى خاصٍّ ؛ كالصلاة والزكاة والحج والجهاد ، وغيرها .
والمصطلح الشرعي لا بدَّ أن يكون راجعًا من جهة المعنى إلى الأصل الاشتقاقي ، وقد يكون راجعًا إلى أحد المعاني التي غلب استعمال اللفظ فيها عند العرب .
الخامس : المصطلح القرآني ، وهو أخصُّ من المصطلح الشرعي ومن الاستعمال السياقي ؛ لأنَّ المراد به أن يكون اللفظ في القرآن جائيًا على معنى معيِّنٍ من معاني اللفظِ ، فيكون معنى اللفظ الأعم قد خُصَّ في القرآن بجزء من هذا المعنى العامٍّ ، أو يكون له أكثر من دلالة لغوية فتكون أحد الدلالات هي المستعملة لهذا اللفظ في القرآن .
وسأتحدَّث عن كل نوع من هذه الأنواع المذكورة ، وأضرب له أمثلة ، وأسأل الله المعونة والتوفيق والسداد .
أولاً : الأصل الاشتقاقي للَّفظة .
يعتبر الاعتناء بالأصل الاشتقاقي للفظة من المسائل المهمة لمن يدرس التفسير ، لحاجته الماسَّة لدقة توجيه التفسيرات التي تُفسِّر بها اللفظة القرآنية .
ولا تكاد تخلو لفظة قرآنية من وجود أصل اشتقاقي ، ومعرفته تزيد المفسِّر عمقًا في معرفة دلالة الألفاظ ومعرفة مناسبة تفسيرات المفسرين لأصل هذا اللفظ .
ولم تخل تفسيرات السلف من الإشارة إلى مسألة الاشتقاق ، فتجد في تفسيراتهم التنبيه على هذه المسألة اللغوية المهمة ، ومن ذلك ما رواه الطبري ( ت : 310 ) وغيره في تفسير قوله تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) (البقرة: من الآية31) ، فقد أورد عن ابن عباس ( ت : 68 ) أنه قال : (( بعث رب العزة ملك الموت فأخذ من أديم الأرض ؛ من عذبِها ومالحها ، فخلق منه آدم ، ومن ثَمَّ سُمِّي آدم ؛ لأنه خلق من الأرض )) .
وفي تفسير غريب لأبي العالية ( ت : 93 ) في تفسيره لقوله تعالى : (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)(البقرة: من الآية51) قال : (( إنما سُمِّي العجل ؛ لأنهم عَجِلُوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى )) .
وممن له في تفسيره شيء من العناية بهذا الباب مقاتل بن سليمان ( ت : 150 ) ، ومن غريب ما ورد عنه في الاشتقاق قوله : (( تفسير آدم عليه السلام ؛ لأنه خُلِق من أديم الأرض ، وتفسير حواء ؛ لأنها خُلِقت من حيٍّ ، وتفسير نوح ؛ لأنه ناح على قومه ، وتفسير إبراهيم : أبو الأمم ، ويقال : أبٌ رحيم ، وتفسير إسحاق ؛ لضحِك سارَّة ، ويعقوب ؛ لأنه خرج من بطن أمه قابض على عقب العيص ، وتفسير يوسف : زيادة في الحسن ، وتفسير يحيى : أحيي من بين ميتين ؛ لأنه خرج من بين شيخ كبير وعجوز عاقر ، صلى الله عليهم أجمعين )) . تفسير مقاتل بتحقيق د / عبد الله شحاته ( 3 : 53 ) .
وممن عُنيَ بأصل الاشتقاق من اللغويين ابن قتيبة ( ت : 276 ) ، في كتابيه ( تأويل مشكل القرآن ) ، و ( تفسير غريب القرآن ) .
ومن ذلك قوله : (( أصل قضى : حَتَمَ ، كقول الله عز وجل : (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْت)(الزمر: من الآية42) ؛ أي : حَتَمَه عليها .
ثُمَّ يصير الحتم بمعانٍ ؛ كقوله : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)(الاسراء: من الآية23) ؛ أي : أمر ؛ لأنه لما أمر حتم بالأمر .
وكقوله (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ )(الإسراء: من الآية4) ؛ أي : أعلمناهم ؛ لأنه لما اخبرهم أنهم سيفسدون في الأرض ، حتم بوقوع الخبر .
وقوله : (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات)(فصلت: من الآية12) ؛ أي : فصنعهن .
وقوله : (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض)(طـه: من الآية72) ؛ أي : فاصنع ما أنت صانع .
ومثله قوله : (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيّ)(يونس: من الآية71) ؛ أي : اعملوا ما أنتم عاملون ولا تُنظِرون .
قال أبو ذؤيب :
وعليهما مسرودتان قضاهما** داود أو صَنَعُ السوابغ تبَّع
أي : صنعهما داود وتُبَّع .
وقال الآخر في عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
قضيت أموًا ثم غادرت بعدها** بوائج في أكمامها لم تُفَتَّقِ .
أي : عملت أعمالاً ؛ لأنَّ كل من عمل عملاً وفرغ منه فقد حتمه وقطعه .
ومنه قيل للحاكم : قاض ؛ لأنه يقطع على الناس الأمور ويحتِم .
وقيل : قُضِيَ قضاءك ؛ أي : فُرِغ منه أمرك .
وقالوا للميت : قد قضى ؛ أي : فرغ .
وهذه كلها فروع ترجع إلى أصل واحدٍ )) . تأويل مشكل القرآن ( ص : 442 ) .
ويظهر أنَّ ابن فارس ( ت : 395 ) قد استفاد منه هذه الفكرة ، فصنَّف كتابه العظيم ( مقاييس اللغة ) منتهجًا بذلك ما كان قد طرحه ابن قتيبه ( ت : 276 ) في كتابيه السابقين . ينظر : مقدمة السيد أحمد صقر لكتاب تأويل مشكل القرآن ( ص : 83 ) .
كما عُنيَ الراغب الأصفهاني ( ت : 400 ) بأصل الاشتقاق في كتابه ( مفردات ألفاظ القرآن ) .
ثمَّ إنك تجد لأصل الاشتقاق منثورات في كتب اللغويين ، ككتاب الاشتقاق للأصمعي ( ت : 215 ) ، وابن دريد ( ت : 321 ) ، وغيرها من كتب أهل اللغة .
وممن كان لهم بذلك عناية واضحة أبو علي الفارسي( ت : 377 ) ، وتلميذه ابن جني ( ت : 392 )
وليس المقصد التأريخ لهذه المسألة العلمية ، وإنما ذكرت إشارات منه .
وقد يكون للفظة أصل واحد تدور عليه تصريفات الكلمة في لغة العرب ، وقد يكون لها أكثر من أصل .
ومن أمثلة الألفاظ القرآنية التي يكون لها أصل واحدٌ لفظ ( الأليم ) ، قال ابن فارس ( ت : 395 ) : (( الألف واللام والميم أصل واحدٌ ، وهو الوجع )) ، وعلى هذا فإنَّ تَصَرُّفَات مادة ( أَلَمَ ) ترجع إلى هذا المعنى الكلي ، فكل تقلُّباته في القرآن وفي استعمال العرب يعود إلى معنى الوجع ؛ كقوله تعالى : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10)
وقوله تعالى : (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء:104) .
أهمية معرفة أصل الاشتقاق :
معرفة أصل اشتقاق اللفظ يفيد في جمع جملة من المفردات القرآنية المتناثرة بتصريفات متعددة تحت معنى كليِّ واحد ، وهذه المعرفة تسوق إلى تفسير اللفظ في سياقه ، بحيث يُعبَّر عنه بما يناسبه في هذا السياق ، ويعبر عنه بما يناسبه في السياق الآخر ، وكلها ترجع إلى هذا المعنى الاشتقاقي الكليِّ .
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ 0 وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) (الانشقاق: 17 ـ 18) ، فمادة ( وسق ) تدلُّ على جمع وضمِّ واحتواء ، ولفظت وسق واتسق مشتقة منها ، فمعنى الآية الأولى : والليل وما جمع وحوى وضمَّ من نجوم وغيرها .
ومعنى الآية الأخرى : والقمر إذا اجتمع واكتمل فصار بدرًا .
وبهذا تكون مادة اللفظتين من أصل واحد ، وهو الجمع والضمُّ .
ومنها لفظ ( أيد ) بمعنى قوَّى ، وقد ورد لهذا الأصل عدة تصريفات ، منها :
قوله تعالى : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (المائدة:110) .
وقوله تعالى : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة:22) .
وقوله تعالى : (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:17) .
وقوله تعالى : (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذريات:47) .
وقوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) (البقرة:87) .
فالمعنى الذي ترجع إليه الألفاظ ( أيدتك / أيَّدهم / أيدناه / ذا الأيد / بأيد ) كلها ترجع إلى معنى القوة . ( قويتك / قواهم / قويناه / ذا القوة / بقوة ) .
ومنها قوله تعالى : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) (البقرة: من الآية255) ، وقوله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) (التكوير:8) .
فلفظ : لا يؤوده بمعنى : لا يُثقِله .
والموؤودة هي البنت التي تُدفنُ وهي حيَّة ، وإذا أرجعت اللفظ إلى أصل اشتقاقه ، وجدت أنها إنما سُمِّت موؤودة ؛ لأنها أُثقِلت بالتراب حتَّى ماتت ، فرجعت اللفظة إلى أصل الثِّقَلِ ، فصارت لفظتي ( يؤوده ، والموؤودة ) ترجعان إلى أصل واحد ، وهو الثِّقَلُ .
وللحديث بقية ….


==================================================


المفردة القرآنية .. المراحل التي تمرُّ بها حال تفسيرها (2)


--------------------------------------------------------------------------------

ثانيًا : أن تأتي اللفظة على الاستعمال الغالب عند العرب .
إنَّ اللغة كائن حيٌّ متولد ، ومن أبرز ما في لغة العرب كثرة تصرفات الألفاظ المنبثقة من الأصل اللغوي الكلي للفظة ، والمراد هنا أنه يغلب استعمال أحد هذه التصريفات اللفظية على معنى مشهور متبادرٍ بين المخاطبين ، فإذا وقع في الكلام فإنَّ الذهن ينصرف إليه ، لكن قد يأتي تفسيرٌ آخر للكلامِ بناءًا ، على أنَّ هذا التصريف في اللفظة يرد بمعنى آخر ، فيُحمل الكلام عليه .
ولأضرب لك مثلاً يوضح مرادي من ذلك :
مادة ( ثَوَبَ ) أصل صحيح واحد ، وهو العود والرجوع ، قاله ابن فارس في مقاييس اللغة . وزاد الراغب الأصفهاني في مفرداته قيدًا في معنى العود والرجوع ، فقال : (( أصل الثوب : رجوع الشيء إلى حالته الأولى التي كان عليها ، أو إلى الحالة المقدَّرة المقصودة بالفكرة … فمن الرجوع إلى الحالة الأولى قولهم : ثاب فلان إلى داره … ومن الرجوع إلى الحالة المقدَّرة المقصودة بالفكرة : الثوبُ ، سُمِّي بذلك لرجوع الغزل إلى الحالة التي قُدِّرت له (1)، وكذا ثواب العمل … )) .
وقد ورد استعمال العرب للفظة (أثاب) ولفظة (الثواب) في الجزاء على العمل ، وقد ورد في القرآن من هذين عدد من الآيات ؛ منها :
قوله تعالى : (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:85) .
وقوله تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح:18) .
وقوله تعالى : (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:148) .
وقوله تعالى : (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف:31) .
وقوله تعالى : (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً) (مريم:76) .
وغلب استعمال لفظة (الثياب) على الملبوسات ، وقد ورد في القرآن في عدة آيات ؛ منها :
قوله تعالى : (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (هود:5) .
وقوله تعالى : (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف:31) .
وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور:58) .
ويُستفاد من معرفة غلبة استعمال الهرب للفظة ما بمعنى من المعاني أن تُحمَل على هذا المعنى حال اختلاف التفسير ، ومن ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى : (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (المدثر:4) ، فقد ورد في معنى الثياب في هذه الآية أقوال ، منها :
1 ـ أنها الثياب الملبوسة ، ويشهد لهذا غلبة استعمال هذا اللفظ بهذا التصريف عن العرب على ما يُلبس .
2 ـ وقد فسَّر بعضهم الثياب بالفعل والعمل ، والمراد : أصلح عملك ، واجعله خالصًا لله ، وقد ورد هذا الإطلاق عن العرب ، فكان الرجل إذا كان خبيث العمل ، قالوا : فلان خبيث الثياب ، وإذا كان حسن العمل ، قالوا : فلان طاهر الثياب ، قاله أبو رُزين ( تفسير الطبري ) .
وهذا المعنى مركبٌ من تصوُّرِ مادتين لغويتين ، وهما : الثوب ، واللبس ، فلما كان العمل يتلبس به الإنسان كما يتلبس بثوبه الذي يلبسه ، عبَّروا عن الثوب بالعمل من أجل هذا المعنى ، والله أعلم .
وكأنَّ في العمل معنى العود ؛ وكأنه تُصِّورَ أنَّ الإنسان يعمل العمل ، ثمَّ يعود إليه ، ففيه أصل معنى مادة الثوب ، وهي العَودُ ، والله أعلم .
3 ـ وفسَّر آخرون بأن المراد بالثياب : النفس ، والمعنى : طهر نفسك من المعاصي والدَّنس .
ومنه ما نُسِب إلى ليلى الأخيلية ، قالت :
رموها بأثواب خفاف فلا ترى لها شبهًا إلا النعام المًنَفَّرا
والمراد رموا الركاب بأبدانهم ؛ أي : ركبوا الإبل .
ولا يبعد أنهم سمَّوا الأبدان أثوابًا لكثرة ملابستها للأثواب ، وهذا من طرائق تسميات الأشياء عند العرب ، فكثرة الملابسة تنقل الاسم من المعنى المتبادر المعروف إلى معنى آخر ، حتى يصير اسمًا له ، وبهذا يكون من معاني اللفظة .
وهذا من دقيق تاريخ الألفاظ ، وهو علمٌ عزيزٌ ، ونيله صعبٌ ، وأغلبه من الظَّنٍ أو غلبته على حسب ما يتحرَّر في دراسة كل لفظ من الألفاظ .
ومن تسميته للشيء بما يلابسه أو ينتج عنه ما ورد من تسميته النوم بردًا ، وعليه حُملَ قوله تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً) (النبأ:24) ؛ : لا يذوقون نومًا ولا شرابًا ، وإنما سمَّوا النوم بردًا ؛ لأنَّ النائم يبرد جسمه ، والله أعلم .
ومن ذهب إلى هذا التفسير فإنَّ قوله ـ من جهة التفسير ـ يتضمَّنُ قول من قال : أصلح عملك ؛ لأنَّ إصلاح العمل جزءٌ من تطهير النفس ، والله أعلم .
لكن لو ذهب مرجِّح إلى ترجيح معنى الثياب الملبوسة في هذه الآية لغلبة هذا الاستعمال على معنى اللفظة عند العرب ، وكونه هو الظاهر المتبادر في تفسيرها لجاز ، وهو مذهبٌ صحيح في ترجيح هذا المعنى .
مثالٌ آخر :
مادة (لبس) أصل صحيح واحد يدل على مخالطة ومداخلة ، قاله ابن فارس في مقاييس اللغة . وجعل الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن أصل اللبس : السَّتر (2) ، والذي يظهر من هذه المادة أن أصلها ما ذهب إليه ابن فارس ، وما قاله الراغب إنما هو أثر من آثار أصل هذه المادة ، وليس هو أصلها ، فلاختلاط والمداخلة مظِنَّةُ السَّتر ، ويمكن أن بقال : كل مخالطة يقع فيها سَتْرٌ ، ولا يلزم أنَّ كل سترٍ يكون فيه مخالطة .
ومما ورد من تصريفات الألفاظ من هذه المادة في القرآن : ( لباس / لبسنا / يلبسون / تلبسون / يلبسكم / لبس / لبوس )
ومما جاء على أصل معنى المادة في القرآن :
قوله تعالى : (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:42) .
وقوله تعالى : (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام:9) .
وقوله تعالى : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82) .
وأشهر المعاني والإطلاقات في هذه المادة يعود إلى الثياب الملبوسة ، ومنها :
قوله تعالى : (يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ) (الدخان:53) .
وقوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (لأعراف:26) .
وقوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (لأعراف:27) .
وقوله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) (فاطر:33) .
وقد غلب هذه الاستعمال ـ وهو الثياب الملبوسة ـ على هذه المادة ، حتى كاد أن يكون أصلاً لها ، لذا ترى أنَّ التشبيه يقع بها في بعض موارد لفظ اللبس ، ومن ذلك قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) (البقرة:187) .
وقوله تعالى : (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) (لأعراف:26) .
وقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً) (الفرقان:47) .
وقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً) (النبأ:10) .
وقوله تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112) .
وكلُّ هذه السياق نُظِرَ فيها إلى معنى الثياب الملبوسة ، ووقع تنظير هذه المعاني في هذه السياقات بها ، وعلى سبيل المثال : جُعِلَ الليل بمخالطته للناس وتغطيته لهم كاللباس الذي يخالطهم ويغطيهم ، وقس على ذلك غيرها من الآيات الأخرى .
والمعنى الأصلي لهذه اللفظة ، وهو المخالطة والمداخلة لم يتأخر في أي استعمال من هذه الاستعمالات ، وإن كان قد يغيب ؛ لأنَّ النظر في السياقات إلى الاستعمال ، وليس إلى أصل الاشتقاق .
وللحديث بقية
ـــــــــــــــــــ
(1) يمكن أن يكون تسمية الثوب من معنى آخر ذكره ابن فارس ، قال : (( والثوب الملبوس محتمل أن يكون من هذا القياس ؛ لأنه يلبس ثم يلبس ويثاب إليه )) .
(2) مسألة اختلاف العلماء في أصل المادة مما أرجأت الحديث عنه لأنظر هل له أثر في بيان المعاني واختلافها في السياقات القرآنية ، أو أنَّ الاختلاف ليس له أثر من هذه الجهة ، وإن ظهر لي فيها شيءٌ فإني سأطرحه لاحقًا إن شاء الله .



==============================================

المفردة القرآنية .. المراحل التي تمرُّ بها حال تفسيرها (3)
ثالثًا : الاستعمال السياقي
هذه هي المرحلة الثالثة التي تقع للمفردة القرآنية ، فأي كلمة لها في سياقها معنى مراد ، قد يكون خارج المعنى اللغوي المطابق ، وهذا المعنى المراد للكلمة في هذا السياق قد يكون في أكثر من سياق قرآني ، وقد لا يكون له إلا سياق واحد .
ومن الاستعمال السياقي انطلقت كتب الوجوه والنظائر(1) في تعيين الوجوه للألفاظ القرآنية ، لذا تعدَّدت الوجوه للفظ الواحد الذي يعود إلى معنى لغوي واحدٍ ؛ لأنه لا اعتبار لأصل اللفظ ولا لاستعمال العرب في تحديد الوجوه إلا إذا كان هو المعنى المراد في السياق .
ومن أمثلة ذلك في كتب الوجوه والنظائر :
ـ قال الدامغاني ( ت : 478 ) : (( تفسير إفك على سبعة أوجه : الكذب . عبادة الأصنام . ادعاء الولد لله تعالى . قذف المحصنات . الصرف . التقليب . السحر .
فوجه منها : الإفك ؛ يعني : الكذب ، قوله تعالى في سورة الأحقاف : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله : (فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) (الأحقاف: من الآية11) ؛ يقولون : كَذِبٌ تَقَادَم ، ونظيره فيها : (وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ) (الأحقاف: من الآية28) ، ونحوه كثير .
والوجه الثاني : إفك : عبادة الأصنام ، قوله تعالى في سورة والصافات : (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) (الصافات: 85 ـ 86) ؛ يعني : عبادة آلهةٍ دون الله .
والوجه الثالث : الإفك : ادعاء الولد لله تعالى ، قوله تعالى في سورة الصافات : (أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الصافات: 151 ـ 152) .
والوجه الرابع : الإفك : قذف المحصنات ، قوله تعالى في سورة النور : (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) (النور: من الآية11) ؛ يعني : بهتان عائشة رضي الله عنها .
والوجه الخامس : الإفك : الصرف ، قوله تعالى في سورة والذاريات : (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) (الذريات:9) ، كقوله تعالى في سورة الأحقاف : ( لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا)(الاحقاف: من الآية22) ؛ أي : لتصرفنا ، ونحوه كثير .
والوجه السادس : الإفك : التقليب ، قوله تعالى في سورة والنجم : (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) (النجم:53) ، كقوله تعالى في سورة الحاقة : (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ)(الحاقة: من الآية9) .
والوجه السابع : الإفك : السحر ، قوله تعالى في سورة الشعراء : ( تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ)(الشعراء: من الآية45) . )) ( الوجوه والنظائر للدامغاني / تحقيق : فاطمة يوسف / ص : 72 ـ 74 ) .
وإذا رجعت إلى تحليل هذه اللفظة من جهة الاشتقاق والاستعمال العربي ظهر لك ما يأتي :
1 ـ قال ابن فارس : ( الهمزة والفاء والكاف أصل واحد يدلُّ على قلب الشيء وصرفه عن وجهه ) ( مقاييس اللغة / مادة : أفك ) .
وزاد الراغب قيدًا في أصل المادة ، فقال: ( كل مصروف عن وجهه الذي يحقُّ أن يكون عليه ، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهابِّ : مؤتفكة … ) . ( المفردات : ص : 79 ) .
وهذا يعني أنَّ هذه الدلالة الأصلية ستكون موجودة في جميع الوجوه المذكورة ، وهي كذلك :
فالكذب فيه معنى القلب والصرف ، فهو قلب للحق باطلاً ، وللباطل حقًّا .
وعبادة الأصنام قلب لعبادة الحقيقة إلى العبادة الباطلة .
وادعاء الولد لله تعالى قلب للحقيقة التي هي الوحدانية إلى الإشراك .
وقذف المحصنات قلب للحقيقة ، حيث يجعل العفيفات زانيات .
وأما الصرف والتقليب فهو المعنى الأصلي للفظة .
والسحر : فيه قلب للحقائق ، وجعل الباطل حقًّا والحقَّ باطلاً .
2 ـ وإذا رجعت إلى استعمال العرب للإفك ، فإنه يغلب إطلاقه على أشدِّ الكذبِ ، ويرجع إلى هذا المعنى الوجه الأول والثاني والثالث والرابع .
فالرابع مثلاً ، وهو قذف المحصنات ، إنما ذُكِر وجهًا مستقلاً نظرًا لأن المراد بالإفك في هذا الموضع الافتراء الذي افتراه المنافقون في حقِّ بيت النبوة ، حيث قذفوا عائشة رضي الله عنها ، وهو في النهاية عائد إلى الكذب ، وإنما جاء التعبير عنه يقذف المحصنات ؛ لأنَّ مراد المؤلف هنا بيان المراد بالإفك من جهة الاستعمال السياقي وليس بيان معناه من جهة اللغة .
كما يرجع إلى هذا المعنى الوجه السابع ، وهو السحر ؛ لأنَّ الآية التي استدل بها لهذا الوجه تدلُّ على هذا ، وهي قوله تعالى : (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ)(الشعراء:45) ، أي : ما يكذبونه من العصي والحبال التي يسحرون بها أعين الناس فيخيل للناس أنها ثعابين ، وهي ليست كذلك .
وأما الألفاظ : ( يؤفك / تأفكنا / المؤتفكات ) ، فإنها تأتي بمعنى الصرف والقلب الذي هو أصل معنى اللفظ ، ولذا فالوجه الخامس والسادس معناهما واحدٌ ، ولا داعي لجعلهما وجهين متغايرين .
ولو تُتُبِّعت أقوال المفسرين في تفسير الألفاظ لوجدتهم كثيرًا ما يبينون المراد باللفظ في سياقه دون ردِّه إلى معناه اللغوي ، وعلى هذا الأسلوب جمهور تفسير السلف ، وهو ما يُعبَّر عنه (بالتفسير على المعنى ) .
وعلى سبيل المثال ، لو رجعت إلى تفسير قوله تعالى : (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) (لأعراف:117) ، فإنك ستجد في تفسير السلف ليأفكون :
1 ـ يكذبون ، وذلك قول مجاهد ، وهو بيان لمعنى الإفك من جهة الاستعمال اللغوي ، وهو مراد في الآية .
2 ـ حبالهم وعصيهم ، وهذا قول الحسن ، وهذا بيان للمراد من جهة السياق ، فالذي يأفكونه ؛ أي يكذبون به هو حبالهم وعصيُّهم .
ولا تنافي بين القولين ، فالأول بين المعنى المراد من جهة اللغة ، والثاني بين المعنى المراد من جهة السياق ، والله أعلم .
والنظر إلى الاستعمال السياقي للفظة جعل بعض المفسرين يحكمون بالخطأ على بعض التفاسير ، وليست تلك التخطئة بسديدة ؛ لأنَّ المفسر غير ملزم دائمًا ببيان المعنى من جهة اللغة ، بل قد يكون بيان اللفظة من جهة اللغة في مثل هذا الحال من الاستطراد الذي لا يحتاجه المقام .
والنظر إلى الاستعمال السياقي لا ينفك عنه اللغوي الذي يقصد بيان الألفاظ القرآن وعربيته ، بله مفسرو السلف الذين يكثر في تفسيرهم الاعتناء ببيان المعاني دون تحرير الألفاظ من جهة اللغة ، ومن أمثلة ذلك تفسير أبي عبيدة كمعمر بن المثنى البصري ( ت : 210 ) لقوله تعالى : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل)(البقرة: من الآية191) ، قال : (( أي : الكفر أشدُّ من القتل في أشهر الحُرُمِ ؛ يقال : رجلٌ مفتونٌ في دينه ؛ أي : كافر )) . ( مجاز القرآن / 1 : 68 ) .
ولو ذهب أبو عبيدة إلى التفسير اللغوي ، لقال : الفتنة : الامتحان والاختبار ، لكنه ذهب إلى تفسير المراد بالفتنة في هذا السياق ، وهو الكفر ، والله أعلم .
وقد يجمع بين التفسير على اللفظ والتفسير على المعنى ، وذلك في مثل قوله تعالى : (وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)(الأعراف: من الآية24) ، قال : (( إلى وقت يوم القيامة ، وقال :
وما مِزَاحُكَ بَعْدَ الحِلْمِ والدِّينِ وقد علاكَ مَشِيبٌ حين لا حين
أي : وقت لا وقت )) . ( مجاز القرآن / 1 : 212 ) .
فقوله : (( إلى وقت )) هذا بيان لغوي لمعنى الحين .
وقوله : (( يوم القيامة )) هذا بيان للمراد بالحين على التعيين في هذا السياق ، وهذا تفسير معنى .
وهناك فرع لمسألة التفسير على المعنى اللغوي والتفسير على المعنى السياقي لعلي أطرحه لاحقًا إن شاء الله .
وللحديث بقية .
ـــــــــــــــ
(1) قد يسمى هذا العلم بالأشباه والنظائر ، وهذه التسمية فيها نظر ، وقد بيَّنته في كتابي ( التفسير اللغوي للقرآن الكريم : ص : 89 ـ 90

=================================================

المفردة القرآنية .. المراحل التي تمرُّ بها حال تفسيرها (4)
رابعَا : المصطلح الشرعي :
يراد بالمصطلح الشرعي ما جاء بيان معناه في لغة الشارع سواءً أكان ذلك في القرآن أم كان في السنة النبوية .
وكلام الشارع مبني على بيان الشرعيات لا على بيان اللغات ، لذا استخدم ما تعرفه العرب من كلامها وزاد عليه معاني أو خصَّص ألفاظًا على معنى معيَّن ، وهذا يُعرف من جهة الشرع ، وهو ما يسمى بالتعريف الشرعي ، فنقول مثلاً :
تعريف الصلاة لغة ، ونبين فيه أصل معنى اللفظ واستعمالات العرب لهذا اللفظ في لغتها .
تعريف الصلاة شرعًا ، ونبين استعمال الشارع للصلاة ، وهو أنه نقلها من المعنى اللغوي المعروف إلى معنى زائد أو مخصوص بأعمال وأفعال مخصوصة سمَّاه صلاةً .
والمعنى الشرعي لا ينفكُّ عن أصل اللفظ في لغة العرب ، وهو موجودٌ فيه غير أنه يزيد عليه بتحديدات شرعية لم تعرفها العرب من قبل .
ولقد برز عند العلماء بسبب هذا قاعدة تقديم المعنى الشرعي على المعنى اللغوي عند وجود احتمال التعارض بين المعنيين في سياق واحد ، وسبب ذلك أنَّ الشارع معنيٌّ ببيان الشرع لا بيان اللغات .
ومن أوضح أمثلة احتمال التعارض بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي ما ورد في قوله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) (التوبة: من الآية84) ، إذ السياق يحتمل المعنيين ، فقد يكون المراد : لا تدع لهم ، وهو معنى الصلاة في أصل اللغة .
وقد يكون المراد لا تصلِّ عليهم صلاة الجنازة ، وهو المعنى الشرعي المخصوص ، وهو المقدَّم هنا .
لكن الصلاة على المؤمنين قد وردت في سياق آخر ، ولا يُراد بها الصلاة الشرعية ، بل الصلاة بمعناها اللغوي ، وهو الدعاء ، وذلك في قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) (التوبة: من الآية103) .
فالصلاة المأمور بها هنا هي الدعاء ، بدلالة قول عبد الله بن أبي أوفى كما في صحيح البخاري ( ج: 4 ص: 1529) : قال : (( … ثم كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أتاه قوم بصدقة قال : اللهم صلِّ عليهم . فأتاه أبي بصدقته ، فقال : اللهم صَلِّ على آل أبي أوفى )) .
فدلَّ هذا الحديث أنَّ صلاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن جاء بصدقته ليست صلاة مخصوصة ، بل هي مجرد الدعاء لهم ، ولو كانت صلاة مخصوصة كصلاة الجنائز أو غيرها لبيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله .
وفِعْلُه هنا ـ وهو نوع من التفسير النبوي ، وهو ما يسمَّى بتأوُّل القرآن ـ دلَّ على أنَّ المراد المعنى اللغوي .
وهذا الموضوع ـ وهو المصطلح الشرعي ـ من الموضوعات المهمة ، وقد تطرَّق إليه علماء العقائد وعلماء أصول الفقه ، لكن الملاحظ أنَّ كثيرًا منهم قد يحيد عن المعنى الشرعي في بعض الأبواب ، ويدَّعي بقاءها على المعنى اللغوي ؛ لشبهة وقعت له في ذلك الباب ، ومن أوضح الأمثلة في ذلك قصر المرجئة مسمَّى الإيمان في الشرع على التصديق دون دخول الأعمال في مسمَّاه ، وهذا مخالف للشرع الذي بين دخول الأعمال في مسمى الإيمان ، وكذا فهم السلف ذلك .
ولهذا لو قال قائلٌ : إنَّ المراد بالصلاة : الدعاء فقط ، بناءً على المعنى اللغوي ، كما جعل ذلك مسمى الإيمان على المعنى اللغوي عند الشارع ؛ لأنَكَر عليه ذلك ، واحتجَّ عليه بورود الشرع بمعنى الصلاة ، فإذا كان ذلك كذلك عنده ، فإنه يُحتجُّ عليه بورود مسمى الإيمان على العمل ، والنصِّ على دخولها فيه .
وهذا الموضوع يطول الحديث عنه ، وهو يؤخذ من كتب الاعتقاد ، ولعل الإشارة هنا كافية في الدلالة على المقصود .
هذا ، وقد كُتِبَ في المعنى الشرعي كتابات كثيرة ، وأشير هنا إلى دراسة معاصرة جيدة في هذا الباب ، وهي ( التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن ) تأليف الأستاذ عودة خليل أبو عودة .
ولعلك تلاحظ من خلال الحديث السابق أن مستوى تفسير اللفظ بالمصطلح الشرعي أخصُّ من المستويات السابقة ، فكلُّ لفظة لها مصطلح شرعي متميز لها أصل واستعمال في لغة العرب ، ولا يلزم من كل لفظٍ في لغة العرب أن يكون له مصطلح شرعي خاصٌّ .
ومن باب الفائدة ، فإنَّ بعض الباحثين يخلط بين المعنى الاصطلاحي في العلوم والمعنى الشرعي ، فيقول مثلاً : تعريف المعجزة شرعًا .
وهذا خطأ ؛ لأنَّ هذا اللفظ ليس من مصطلحات الشارع ولا استخدمها ، والصواب أن يقال : تعريف المعجزة اصطلاحًا ؛ أي : فيما اصطلح عليه العلماء الذين بحثوا المعجزة .
والمراد أنه لا يُنسب إلى اصطلاح الشرع إلا ما نصَّ عليه أو كان موجودًا فيه على معنى مستقلٍّ عن المعنى اللغوي .
أما اصطلاحات العلماء في العلوم ـ وإن كانت في بعض العلوم الشرعية التي لها مساس بالأصلين : الكتاب والسنة ـ فإنها لا يصلح أن يُطلق عليه مسمى المصطلح الشرعي ؛ لأنَّ ذلك من مصطلح العالم وليس من مصطلح الشارع .


=================================================



المفردة القرآنية (5) المصطلح القرآني
قد يكون اللفظ القرآني له وجه واحدٌ في الاستعمال العربي ، ولا يرد في الشرع زيادة على هذا المعنى ، كما هو الحال في المصطلح الشرعي ، بل ترى أن اللفظ باقٍ على استعماله العربي ، وهذا كثيرٌ جدًا في القرآن الكريم ، ومن أمثلة ذلك لفظ ( مَزَجَ ) ، فقد ورد في القرآن في مواضع ، وهي :
قوله تعالى : (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً) (الانسان:5) ، وقوله تعالى : (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً) (الانسان:17) ، وقوله تعالى : (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ) (المطففين:27) .
ولفظة ( مزج ) لا تخرج عن معناها الذي يدلُّ على خلط الشيء بغيره ، وهذا لا يدخل في المصطلح القرآني ؛ لأنَّ المراد بالمصطلح القرآني أن يكون له تخيُّرٌ دلالي للفظة تتعدَّد فيها الدلالة اللغوية ، أو أن يكون للفظة مدلول واسع فيستخدمها القرآن في مدلول خاصٍّ بعينه دون ما سواه .
وإذا كان استعمال اللفظة القرآنية على وجه واحد ، ولها في اللغة معنى واسع أو أن لها أكثر من مدلول ، فإنه يمكن إطلاق ( المصطلح القرآني ) أو ( عادة القرآن ) ، أو ( طريقة القرآن ) على استعمال هذه اللفظة .
ومن هنا يمكن أن يقسم الموضوع إلى قسمين :
القسم الأول : أن يكون للفظة في اللغة مدلول واسع ، فيخصُّ القرآن من هذا المدلول استعمالاً خاصًّا لهذه اللفظة ، كلفظ ( وصف ) فهو لفظ يشمل كل موصوف ، وإنما يدرك كون المادة في الصدق أو الكذب من السياق ، فلا يُخصُّ إلا به .
ومن أمثلة ذلك مادة ( وصف ) ، فمدلول لفظة ( وصف ) تعمُّ مطلق الوصف للأشياء سواءً أكان الوصف كاذبًا ، أم كان الوصف صادقًا ، وإذا نظرت في موارد هذه اللفظة في القرآن ، فإنك تجدتها تجيء فيما يكون من باب الكذب ، وليس لمطلق الوصف أو لصادقه .
قال تعالى : (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف:18) .
وقال تعالى : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) (النحل:62)
وقال تعالى : ( وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (الأنعام:139) .
وتنظر الآيات الآتية ( الأنعام : 100 / يوسف : 77 / النحل : 116 / الأنبياء : 18 ، 22 ، 112 / المؤمنون : 19 ، 96 / الصافات : 159 ، 180 / الزخرف : 82 ) .
قال شيخ الإسلام (( ... فان الصفة عندهم قائمة بالموصوف ليست مجرد قول الواصف إن قاله من يقول : إن الصفة هي الوصف ، وهى مجرد قول الواصف ، فالواصف إن لم يكن قوله مطابقا كان كاذبا ، ولهذا إنما يجيء الوصف في القرآن مستعملا في الكذب بأنه وصف يقوم بالواصف من غير أن يقوم بالموصوف شيء كقوله سبحانه : (سيجزيهم وصفهم ) ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) ( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ) ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) .
وقد جاء مستعملا في الصدق فيما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة : أن رجلا كان يُكثِر قراءة ( قل هو الله أحد ) ، فقال النبي : سلوه لم يفعل ذلك ؟
فقال : لأنها صفة الرحمن ، فأنا أحبُّها .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أخبروه أن الله يحبه ... )) .مجموع الفتاوى ج: 6 ص: 118 ـ 319 .
ومن الأمثلة كذلك مادة ( فرى ) ، قال الراغب : (( الفريُ: قطع الجلد للخرز والإصلاح ، والإفراء للإفساد ، والافتراء فيهما ، وفي الإفساد أكثر ، وكذلك استعمل في القرآن في الكذب والشرك والظلم ، نحو : ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيما) (النساء : 48 ) ، ( انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) (النساء : 50 ) ، ( افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا) (الأنعام : 140 )، ( وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) (المائدة : 103 ) ، ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) (يونس : 38 ) ، ( وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِب) (يونس : 60 ) ، ( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) (هود: 50 ) ، ( لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) (مريم: 27 ) )) . مفردات ألفظ القرآن ( ص : 634 )
ينظر أيضًا في مفردات الراغب الأصفهاني لفظ ( زعم : 380 ، الذوق 332 ) .
الثاني : أن يكون للفظة أكثر من مدلول على سبيل الاشتراك اللفظي اللغوي ، لكن الوارد من هذا الاشتراك أحد المعاني .
ومن ذلك لفظة ( شَطْرَ ) ، فلها في اللغة ثلاثة أصول :
الأول : يدل على نصف الشيءِ .
الثاني : يدل على المواجهة ، أو الاتجاه للشيء .
الثالث : يدل على البعد
( ينظر : مقاييس اللغة ، مادة شطر ، وقد جعلها على أصلين ، حيث جعل الثاني والثالث أصلاً واحدًا ) .
والذي ورد في القرآن من هذه المعاني الثلاثة المعنى الثاني ، وهو الاتجاه ، وقد ورد في قوله تعالى : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة:144) ) .
وقوله تعالى : ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:149) .
وقوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (البقرة:150)
ومن اللطائف في هذه المادة أنها لم ترد في القرآن إلا في التوجه إلى الكعبة ، كما ترى في هذه الآيات الكريمات .
أما أن يكون للفظة أكثر من مدلول في لغة العرب ، ويرد التفسير بها ، فهذا كثير جدًّا ، وقد يرد التفسير بها في موطن دون موطن ، كما هو الحال في الوجوه ، وقد يُختلف في تفسير اللفظ في ذاته ، فيَحملُه مفسر على معنى ، ويحمله آخر على معنى آخر ، مثل تفسير لفظ ( سجرت ، عسعس ، كورت ) وغيرها ، وهذا النوع خارج عن المراد بهذا الموضوع .
وهاهنا تنبيهات :
الأول : أنَّ ألفاظ المصطلح القرآني للفظة أقل بكثير من ( المصطلح الشرعي ) أو ( الوجوه والنظائر ) .
الثاني : أن السبيل إلى معرفة (المصطلح القرآني ) الاستقراء التامُّ للفظة في مواردها ، والتأكدُّ من أنها جاءت على وجه واحدٍ لا غير ، أما إذا كان لها أكثر من وجه ، فإنها تخرج من هذا ، وتكون من باب ( الوجوه والنظائر ) كلفظ البعل ـ مثلاً ـ فالبعل في القرآن الزوج إلا قوله تعالى : (أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) (الصافات:125) ، فإنه أراد صنمًا .
والآيات التي ورد فيها البعل بمعنى الزوج هي : ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ ) (النور: من الآية31) .
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً ) (النساء: من الآية128) .
( قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) (هود:72) .
وبهذا ينتهي الحديث الأول عن المفردة القرآنية ، وسيتبعه إن شاء الله حديث آخر عن علاقة اللفظ بالمعنى المفسِّر لها عند المفسرين ، أسأل الله أن يبارك في الوقت والعلم ، حتى يخرج هذا البحث ، والله الموفق .
وقبل أن أنهي الحديث : أشكر الإخوة الذين تابعوا هذا الموضوع ، وأخصُّ منهم من كان له تعليق عليه ، فلكم جميعًا من الله الجزاء الأوفى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com

http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=925
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 23-11-05, 10:04 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

نفائس الوزير ابن هبيرة في تعليقاته على بعض الآيات


--------------------------------------------------------------------------------

الإخوة الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
لقد فتح الأخ الفاضل أبو مجاهد زاوية مفيدة في هذا الملتقى ، وأعاد عنوانها للتوافق مع مضمونها أكثر ، ولتكون واضحة لمن أراد أن يشارك فيها .
أقوال في التفسير من غير كتب التفسير (مع التنبيه على فوائد تهم الباحثين في هذا المجال)
وهذه الزاوية نفيسة جدًّا ، لأنك قد تجد في كتابٍ من كتاب الأدب ، أو من كتب التاريخ ، أو من كتب التراجم ، أو غيرها = تعليقات على بعض الآيات هي كالشوارد التي لا يمكن أن تُعقَل بعقالٍ إلا عقال التقييد ، وقد كفانا الأخ الفاضل أبو مجاهد في هذا الملتقى مكان عقلِ هذه الفوائدِ ، فكل من ظفر بصيد طرحه في هذه الزاوية ، حتى يجتمع لأرباب هذا التخصص فوائد هذه الشوارد في مكان واحد يرتادونه ، وينهلون منه .
وإني أستأذنه في طرح هذه المشاركة مستقلة ، لطولها ، ثمَّ يمكن بعد ذلك ضمُّها إلى زاويته المباركة .
وهذا الصيد الذي أقدمه لكم من نفائس الوزير الحنبلي ابن هبيرة ( ت : 560 ) ، وهي تدلُّ على فكر ثاقب ، ونظر عميق ، وتدبر في كتاب الله ، وسعة اطلاعٍ في العلم ، وسأرتبها مرقمة ، وسأحذف مما ذكره المصدر ما لا علاقة له بالآيات ، وهو صالح لأن يخرج في كراسٍ صغير مع التعليق عليه ، وموازنته بما ذكره غيره من العلماء في الآيات التي أظهر فيها فوائد والله الموفق .
قال ابن رجب في ذيل الطبقات 1/264
قال ابن الجوزي في المقتبس :
(1) سمعت الوزير يقول : الآيات اللواتي في الأنعام ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) [الأنعام: من الآية151] محكمات ، وقد اتفقت عليها الشرائع ، وإنما قال في الآية الأولى : ( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) [البقرة: من الآية73 ] في الثانية : ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) [الأنعام: من الآية152] وفي الثالثة : ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [البقرة: من الآية21] ؛ لأن كل آية يليق بها ذلك ، فإنه قال في الأولى : ( أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) [الأنعام: من الآية151] والعقل يشهد أن الخالق لا شريك له ، ويدعوا العقل إلى بر الوالدين ، ونهى عن قتل الولد ، وإتيان الفواحش ؛ لأن الإنسان يغار من الفاحشة على ابنته وأخته ، فكذلك هو ، ينبغي أن يجتنبها ، وكذلك قتل النفس ، فلما لاقتت هذه الأمور بالعقل ، قال : ( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ولما قال في الآية الثانية : ( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ ) [الأنعام: من الآية152] والمعنى : أذكر لو هلكت فصار ولدك يتيماً ، واذكر عند ورثتك ، لو كنت الموروث له ، واذكر كيف تحب العدل لك في القول ؟ فاعدل في حق غيرك ، وكما لا تؤثر أن يخان عهدك فلا تخن ، فلاق بهذه الأشياء التذكر ، فقال : ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) [الأنعام: من الآية152] وقال في الثالثة : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ) [الأنعام: من الآية153] ، فلاق بذلك اتقاء الزلل ، فلذلك قال : ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [البقرة: من الآية21] .
(2) قال : وسمعته يقول في قوله تعالى : ( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) [صّ: من الآية80] قال : ليس هذا بإجابة سؤاله ، وإنما سأل الانتظار ، فقيل له : كذا قدر ، لا أنه جواب سؤالك ، لكنه مما فهم .
(3) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ) [التوبة: من الآية51] قال : إنما لم يقل : ما كتب علينا ؛ لأنه أمر يتعلق بالمؤمن ، ولا يصيب المؤمن شيء إلا وهو له ، إن كان خيراً فهو له في العاجل ، وإن كان شراً فهو ثواب له في الآجل .
(4) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( حِجَاباً مَسْتُوراً ) [الاسراء: من الآية45] قال أهل التفسير : يقولون : ساتراً ، والصواب : حمله على ظاهره ، وأن يكون الحجاب مستوراً عن العيون فلا يرى ، وذلك أبلغ .
(5) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ ) [الكهف: من الآية39] قال : ما قال : ما شاء الله كان ولا يكون ، بل أطلق اللفظ ؛ ليعم الماضي والمستقبل والراهن .
(6) قال : وتدبرت قوله تعالى : ( لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) [الكهف: من الآية39] فرأيت لها ثلاثة أوجه .
أحدها : أن قائلها يتبرأ من حوله وقوته ، ويسلم الأمر إلى مالكه .
والثاني : أنه يعلم أن لا قوة للمخلوقين إلا بالله ، فلا يخاف منهم ؛ إذ قواهم لا تكون إلا بالله ، وذلك يوجب الخوف من الله وحده .
والثالث : أنه رد على الفلاسفة والطبائعيين الذين يدعون القوى في الأشياء بطبيعتها ، فإن هذه الكلمة بينت أن القوىّ لا يكون إلاَّ بالله .
(7) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً ) [الكهف:97] قال ( التاء ) من حروف الشدة ، تقول في الشيء القريب الأمر : ما استطعته ، وفي الشديد : ما استطعته ، فالمعنى : ما أطاقوا ظهوره لضعفهم ، وما قدروا على نقله لقوته وشدته .
(8) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ) [طـه: من الآية15] قال : المعنى إني قد أظهرت حين أعلمت بكونها ، لكن قاربت أن أخفيها بتكذيب المشرك بها ، وغفلة المؤمن عنها ، فالمشرك لا يصدق كونها ، والمؤمن يهمل الاستعداد لها .
(9) قال : وقرأت عليه ما جمعه من خواطره ، قال : قرأ عندي قارئ ، قال : ( هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي ) [طـه: من الآية84] فأنكرت في معنى اشتقاقها ، فنظرت فإذا وضعها للتنبيه ، والله لا يجوز أن يخاطب بهذا ، ولم أر أحداً خاطب الله عز وجل بحرف التنبيه إلا الكفار ، كما قال الله عز وجل : ( رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ ) [النحل: من الآية86] ، ( رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا ) [لأعراف: من الآية38] وما رأيت أحداً من الأنبياء خاطب ربه بحرف التنبيه ، والله أعلم .
فأما قوله : ( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ) [الزخرف:88] فإنه قد تقدم الخطاب بقوله : يا رب ، فبقيت ( ها ) للتمكين ، ولما خاطب الله عز وجل المنافقين ، قال : ( هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) [النساء: من الآية109] وكرم المؤمنين بإسقاط ( ها ) فقال : ( هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ ) [آل عمران: من الآية119] وكان التنبيه للمؤمنين أخف .
(10) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ ) [الانبياء: من الآية110] المعنى : أنه إذا اشتدت الأصوات وتغالبت فإنها حالة لا يسمع فيها الإنسان . والله عز وجل يسمع كلام كل شخص بعينه ، ولا يشغله سمع عن سمع .
(11) قال : وقوله : ( قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ) [الانبياء: من الآية112] قال : المراد منه : كن أنت أيها القائل على الحق ؛ ليمكنك أن تقول : احكم بالحق ، لأن المبطل لا يمكنه أن يقول : احكم بالحق .
(12) وقال في قوله تعالى : ( لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ) [النور: من الآية53] قال : وقع لي فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن المعنى : لا تقسموا واخرجوا من غير قسم ، فيكون المحرك لكم إلى الخروج الأمر لا القسم ؛ فإن من خرج لأجل قسمه ليس كمن خرج لأمر ربه .
والثاني : أن المعنى نحن نعلم ما في قلوبكم ، وهل أنتم على عزم الموافقة للرسول في الخروج ؟ فالقسم هاهنا إعلام منكم لنا بما في قلوبكم . وهذا يدل منكم على أنكم ما علمتم أن الله يطلع على ما في القلوب .
والثالث : أنكم ما أقسمتم إلا وأنتم تظنون أنا نتهمكم ، ولولا أنكم في محل تهمة ما ظننتم ذلك فيكم . وبهذا المعنى وقع المتنبي ، فقال :
وفي يمينك ما أنت واعده ما دل أنك في الميعاد متهم
(13) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ) [الفرقان:8] قال : العجب لجهلهم حين أرادوا أن يلقى إليه كنز أو تكون له جنة . ولو فهموا علموا أن كل الكنوز له وجميع الدنيا ملكه . أو ليس قد قهر أرباب الكنوز ، وحكم في جميع الملوك ؟ وكان من تمام معجزاته أن الأموال لم تفتح عليه في زمنه ؛ لئلا يقول قائل قد جرت العادة بأن إقامة الدول ، وقهر الأعداء بكثرة الأموال ، فتمت المعجزة بالغلبة والقهر من غير مال ، ولا كثرة أعوان ، ثم فتحت الدنيا على أصحابه ، ففرقوا ما جمعه الملوك بالشره ، فأخرجوه فيما خلق له ، ولم يمسكوه إمساك الكافرين ، ليعلموا الناس بإخراج ذلك المال : أن لنا داراً سوى هذه ، ومقراً غير هذا .
وكان من تمام المعجزات للنبي  : أنه لما جاءهم بالهدى فلم يقبل ، سلّ السيف على الجاحد ، ليعلمه أن الذي ابتعثني قاهر بالسيف بعد القهر بالحجج .
ومما يقوي صدقه أن قيصر وكبار الملوك لم يوفقوا للإيمان به ؛ لئلا يقول قائل : إنما ظهر لأن فلان الملك تعصب له فتقوى به ، فبان أن أمره من السماء لا بنصرة أهل الأرض .
(14) وقال في قوله تعالى : ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ) [الفرقان: من الآية19] قال : المعنى : فقد كذبكم أصنامكم بقولكم ؛ لأنكم ادعيتم أنها الآلهة وقد أقررتم أنها لا تنفع فإقراركم يكذب دعواكم .
(15) وقال في قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ) [الفرقان: من الآية20] قال : فهو يدل على فضل هداية الخلق بالعلم ، ويبين شرف العالم على الزاهد المنقطع ؛ فإن النبي  كالطبيب ، والطبيب يكون عند المرضى ، فلو انقطع عنهم هلكوا .
(16) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ) [النمل: من الآية19] قال : هذا من تمام برّ الوالدين . كأن هذا الولد خاف أن يكون والده قصرا في شكر الرب عز وجل ، فسأل الله أن يلهمه الشكر على ما أنعم به عليه وعليهما ؛ ليقوم بما وجب عليهما من الشكر إن كانا قصرا .
(17) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ ) [القصص: من الآية80] قال : إيثار ثواب الآجل على العاجل حالة العلماء ، فمن كان هكذا فهو عالم . ومن آثر العاجل على الآجل فليس بعالم .
(18) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ ) [القصص: من الآية71] وفي الآية التي تليها : ( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) [القصص: من الآية72] قال : إنما ذكر السماع عند ذكر الليل والإبصار عند ذكر النهار ؛ لأن الإنسان يدرك سمعه في الليل أكثر من إدراكه بالنهار ، ويرى بالنهار أكثر مما يرى بالليل .
وقال المبرد : سلطان السمع في الليل ، وسلطان البصر في النهار .
(19) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ) [فاطر: من الآية3] قال : فطلبت الفكر في المناسبة بين ذكر النعمة وبين قوله تعالى : ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ) [فاطر: من الآية3] فرأيت أن كل نعمة ينالها العبد فالله خالقها ، فقد أنعم بخلقه لتلك النعمة ، وبسوقها إلى المنعم عليه .
(20) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ) [سـبأ: من الآية46] قال : المعنى : أن يكون قيامكم خالصاً لله عز وجل ، لا لغلبة خصومكم ، فحينئذ تفوزون بالهدى .
(21) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ) [يّـس: من الآية20] وفي الآية الأخرى : ( وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ) [القصص: من الآية20] فرأيت الفائدة في تقديم ذكر الرجل وتأخيره : أن ذكر الأوصاف قبل ذكر الموصوف أبلغ في المدح من تقديم ذكره على وصفه ؛ فإن الناس يقولون : الرئيس الأجل فلان ، فنظرت فإذا الذي زيد في مدحه ، وهو صاحب يس أمر بالمعروف ، وأعان الرسل ، وصبر على القتل ، والآخر إنما حذر موسى من القتل ، فسلم موسى بقبوله مشورته . فالأول هو الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر ، والثاني هو ناصر الآمر بالمعروف . فاستحق الأول الزيادة . ثم تأملت ذكر أقصى المدينة ، فإذا الرجلان جاءا من بُعد في الأمر بالمعروف ، ولم يتقاعدا لبعد الطريق .
(22) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ) [يّـس: من الآية 26ـ27] قال : المعنى : يأتيهم يعلمون بأي شيء وقع غفرانه . والمعنى : أنه غفر لي بشيء يسير فعلته ، لا بأمر عظيم .
(23) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ . إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ . فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ) [الدخان: من الآية 34ـ37] قال : ربما توهم جاهل أنهم لم يجابوا عما سألوا ، وليس كذلك ؛ فإن الذي سألوا لا يصلح أن يكون دليلاً على البعث ؛ لأنهم لو أجيبوا إلى ما سألوا لم يكن ذلك حجة على من تقدم ، ولا على من تأخر ، ولم يزد على أن يكون لمن تقدم وعدا ، ولمن تأخر خبراً ، اللهم إلا أن يجيء لكل واحد أبوه ، فتصير هذه الدار دار البعث . ثم لو جاز وقوع مثل هذه كان إحياء ملك يضرب به الأمثال أولى ، كتبع ، لا أنتم يا أهل مكة ، فإنكم لا تعرفون في بقاع الأرض .
(24) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) [غافر: من الآية7] قال : علمت الملائكة أن الله عز وجل يحب عباده المؤمنين ، فتقربوا إليه بالشفاعة فيهم . وأحسن القرب أن يسأل المحب إكرام حبيبه ، فإنك لو سألت شخصاً أن يزيد في إكرام ولده لارتفعت عنده ، حيث تحته على إكرام محبوبه .
(25) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ) [الواقعة: من الآية65] ( لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ) [الواقعة: من الآية70] قال : تأملت دخول اللام وخروجها ، فرأيت المعنى : أن اللام تقع للاستقبال ، تقول : لأضربنك ، أي فيما بعد ، لا في الحال . والمعنى ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ . أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ) [الواقعة: من الآية 63ـ65] أي : في مستقبل الزمان إذا تم فاستحصد ، وذلك أشد العذاب ، لأنها حالة انتهاء تعب الزراع ، واجتماع الدين عليه ، لرجاء القضاء بعد الحصاد ، مع فراغ البيوت من الأقوات .
وأما في الماء : فقال : ( لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ) [الواقعة:70] أي الآن ؛ لأنا لو أخرنا ذلك لشرب العطشان ، وادخر منه الإنسان .
(26) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) [الممتحنة: من الآية5] قال : المعنى : لا تبتلينا بأمر يوجب افتتان الكفار بنا ، فإنه إذا خذل المتقي ونصر العاصي فتن الكافر ، وقال : لو كان مذهب هذا صحيحاً ما غلب …

(27) وذكر صاحب سيرة الوزير قال : سمعته يقول في قوله تعالى : ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هِيَ عَصَايَ ) [طـه:18ـ17] قال : في حمل العصا عظة ؛ لأنها من شيء قد كان نامياً فقطع ، فكلما رآها حاملها تذكر الموت .
قال : ومن هذا قيل لابن سيرين رحمه الله : رجل رأى في المنام أنه يضرب بطبل ؟ فقال : هذه موعظة ؛ لأن الطبل من خشب قد كان نامياً فقطع ، ومن أغشية كانت جلود حيوان قد ذبح . وهذا أثر الموعظة .
(28) وسمعته يقول في قوله تعالى : ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) [البقرة: من الآية10] قال : المريض يجد الطعوم على خلاف ما هي عليه ، فيرى الحامض حلواً ، والحلو مراً . وكذلك هؤلاء يرون الحق باطلاً ، والباطل حقاً …

(29) قال وسمعته يقول في قوله تعالى : ( إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) [المدثر:25] قال : العرب لا تعرف ذا ولا هذا إلا في الإشارة إلى الحاضر . وإنما أشار هذا القائل إلى هذا المسموع . فمن قال : إن المسموع عبارة عن القديم ، فقد قال : هذا قول البشر …
(30) وكان يقول في قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا ) [الأنعام: من الآية123] إنه على التقديم والتأخير ، أي : جعلنا مجرميها أكابر …
(31) وقال : الحبس غير مشروع إلا في مواضع .
أحدها : إذا سرق فقطعت يمينه ، ثم سرق فقطعت رجله ، ثم سرق : حبس ولم يقطع ، في إحدى الروايتين .
الثاني : أمسك رجل رجلاً لآخر فقتله : حبس الممسك حتى يموت ، في إحدى الروايتين أيضاً .
الثالث : ما يراه الإمام كفَّا لفساد مفسد ؛ لقوله تعالى : ( وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ) [صّ:38] وما يراه أبو حنيفة في قطاع الطريق ، فإنه يحبسهم حتى يتوبوا ، فأما الحبس على الدين فمن الأمور المحدثة ، وأول من حبس فيه شريح القاضي ، وقضت السنة في عهد رسول الله  وأبي بكر وعمر وعثمان : أنه لا يحبس على الدين ، ولكن يتلازم الخصمان .
فأما الحبس الذي هو الآن فإني لا أعرف أنه يجوز عند أحد من المسلمين . وذلك أنه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم ، غير متمكنين من الوضوء والصلاة ، ويتأذون بذلك بحره وبرده . فهذا كله محدث . ولقد حرصت مراراً على فكه ، فحال دونه ما قد اعتاده الناس منه ، وأنا في إزالته حريص والله الموفق .
(32) وقال في حديث الزبير في شراج الحرة : فيه جواز أن يكون السقي للأول ، ثم الذي بعده . إلا أن هذا في النخل خاصة ، وما يجري مجراه . وأما الزرع وما لا يصبر على العطش أكثر من جمعة ونحو ذلك : فإن الماء يتناصف فيه بالسوية ، كما قال تعالى : ( وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ) [القمر: من الآية28] .
(33) وقال في سورة الضحى لما توالى فيها قسمان ، وجوابان مثبتان ، وجوابان نافيان ، فالقسمان : ( وَالضُّحَى . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ) [الضحى: 1ـ2] والجوابان النافيان : ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) [الضحى:3] والجوابان المثبتان : ( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) [الضحى: 4ـ5] .
ثم قرر بنعم ثلاث ، وأتبعهن ثلاث : كل واحدة من الوصايا شكر النعمة التي قوبلت بها .
فإحداهن : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى ) [الضحى:6] وجوابها : ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) [الضحى:9] .

والثانية : ( وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى ) [الضحى:7] فقابلها بقوله : ( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) [الضحى:10] وهذا لأن السائل ضال يبغي الهدى .
والثالثة : ( وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ) [الضحى:8] فقابلها بقوله : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) [الضحى:11] .
وإنما قال : ( وَمَا قَلَى ) [الضحى: من الآية3] ولم يقل : وما قلاك ؛ لأن القلى بغض بعد حب ، وذلك لا يجوز على الله تعالى . والمعنى : وما قلى أحداً قط ، ثم قال : ( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ) [الضحى:4] ولم يقل : خير من الإطلاق . وإنما المعنى خير لك ولمن آمن بك .
وقوله : ( فَآوَى ) [الضحى: من الآية6] ولم يقل : فآواك ، لأنه أراد : آوى بك إلى يوم القيامة …
(34) وقد ذكر الوزير في كلامه على شرح حديث : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " وهو الذي أفرد من كتابه ( الإفصاح ) فوائد غريبة .
فذكر في أول كلامه : أن اختصاص المساجد ببعض أرباب المذاهب بدعة محدثة ، فلا يقال : هذه مساجد أصحاب أحمد ، فيمنع منها أصحاب الشافعي ، ولا بالعكس ؛ فإن هذا من البدع . وقد قال تعالى في المسجد الحرام : ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) [الحج: من الآية25] وهو أفضل المساجد …
انتهى ، ولله الحمد والمنة .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=541
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 23-11-05, 10:06 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

مسائل علوم القرآن بين النقل والاجتهاد


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الإخوة الكرام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :
فقد وعدتكم في مقالة ( الطريق إلى حل الأحرف السبعة (1) ) أن أطرح لكم هذا الموضوع . وهو ـ في نظري ـ قد لا يكون خافيًا على كثيرين ، لكني أذكره من باب التذكرة . ومعرفة هذه القضية من الأصول التي يحسن لدارس علوم القرآن أن يعرفها ؛ لأنه سيضطر إليها في بعض المسائل العلمية المتعلقة بهذا العلم .
لكن يحسن أيضًا أن ينتبه إلى أنَّ بعض الاحتمال العقلي الذي يُورد في بعض المسائل يقرب أو يبعد بحسب نوع ذلك الاحتمال . وأتمنى أن يوفق الله أحدنا في هذا الملتقى لاستنباط ضوابط الاحتمالات العقلية التي تقبل في علوم القرآن .
وأذكر ضابطًا ـ على سبيل المثال ـ : أن يكون الاحتمال العقلي موافقًا للواقع المدروس في قضية من القضايا .
فمن أمثلة ما يخالف واقع القضية المدروسة بعض ما طُرِح في تخريج أثر أنس بن مالك ، حيث قال : ((مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، قال : ونحن ورثناه )) وفي رواية عن قتادة قال : (( سألت أنس بن مالك رضي الله عنه من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال : أربعة ؛ كلهم من الأنصار : أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد )) .
والأثران رواهما البخاري ، وفيهما إشكال من جهة الحصر ، ومن جهة الاختلاف في الرابع من جامعي القرآن هل هو أبي بن كعب ، أو أبو الدرداء .
وقد خُرِّج قول أنس في هذا الحصر بأن المراد بالجمع الكتابة لا الحفظ .
وهذا التخريج لا يتوافق مع ما حصل من جمع القرآن في عهد أبي بكر ، ثم عثمان ، إذ لو كان ذلك التخريج صحيحًا لجاء لهذا الجمع الذي عندهم ذكر أثناء جمعه في هين العهدين . فهو مخالف لواقع كتابة المصحف فيما يبدو ، والله أعلم .
ومن باب الاستطراد ، وكون الشيء بالشيء يُذكر = أقول : إن دراسة مصطلحات السلف في العلوم مما يحتاج إلى عناية ، ولا أدري هل بُحث هذا أم لا ، ومن أمثلة هذه المصطلحات في علوم القرآن عند السلف مصطلح الجمع ، ومصطلح القُّرَّاء الذي كانوا يطلقونه على الفقهاء منهم فيما يبدو ، وهو محل بحث ، عسى الله أن ييسر لأحد الإخوة في هذا الملتقى أن يبحثه .
وأعود إلى صلب الموضوع ، فأقول :
إذا نظرت إلى علوم القرآن وسبرتها فإنه سيظهر لك ما يأتي :
أولاً : أنَّ جملة من مسائله نقلية لا مجال فيها للرأي ، كنقل القراءات التي قُرِئَ بها ، وأسباب النُّزول الصريحة ، ومبهمات القرآن ، وفضائل الآيات والسور .
فلا مجال للقول بأن حرف كذا يقرأ بكذا إلا بأثر ، ولا مجال للحكم بأن سبب نزول الآية كذا إلا بالنقل ، ولا مجال لتحديد أن المراد بالشجرة التي أكل منها آدم إلا بالنقل ، ولا مجال للقول بفضل سورة من السور إلا بالنقل .
والمقصود هنا أن طريقة الوصول إلى هذه المعلومة من طريق النقل ، ولا يقع فيها الاجتهاد ، وليس المقصود هنا تحرير صحة المنقول ، فهذا مجاله مجال آخر .
ثانيًا : أن جملة منها الأصل فيها نقلي ، لكن إذا انعدم النقل قام القياس والاجتهاد المبني على النقلي ؛ كعلم المكي والمدني .
قال السيوطي ( ت : 911 ) : » وقال الجعبري : لمعرفة المكي والمدني طريقان : سماعي ، وقياسي .
فالسماعي : ما وصل إلينا نزوله بأحدهما .
والقياسي : كل سورة فيها : يا أيها الناس فقط ، أو كلا ، أو أولها حرف تَهَجٍّ سوى الزهراوين والرعد ، أو فيها قصة آدم وإبليس سوى البقرة = فهي مكية .
وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية .
وكل سورة فيها فريضة أو حَدٌّ فهي مدنية « ( الإتقان 1 : 48 ) .
ثالثًا : وأن بعضًا من علومه مبني على الاجتهاد المحض ؛ كعلم تناسب الآي والسور ، وعلم إعجاز القرآن .
وإذا كان ذلك كذلك ، فإن بعض المسائل العلمية في علوم القرآن قد تكون من باب الاجتهاد المستند إلى النصوص ، أو إلى الواقع الذي المرتبط بالمسألة ، أو إلى غيرها من القرائن التي يستند إليها المجتهد في بيان بعض مسائله وتحريرها .
ومن ثمَّ ، فلا تثريب على من تكلم عن هذه المسائل التي تعتمد على الاستنباط والاستدلال ما دام كلامه مبنيًا على علم ، كما هو الحال في غيره من العلوم التي يقع فيها الاجتهاد .
وقد يكون اختلاف في فهم المنقول ، فيحمله بعضهم على معنى ، ويحمله آخر على معنى ، وهذا سائغ ومقبول من الاختلاف ، وهو من باب اختلاف التنوع الذي يقع فيه الباحثون ، فلا تثريب في ذلك ، ولا يزال الاختلاف في هذه الأمة قائمًا ، وهو محمود ما دام فيه سعة صدر وأفق ، وتقبُّلٍ للقول الآخر في محالِّ الاجتهاد ، وذلك الذي يثري العلم ، ويزيد المتعلمين .
بل إن تقبل أقوال الآخرين المبنية على الاجتهاد من أول ما يحسن بطالب العلم تعلمه والتأدب به ، وأن لا يكون مقلدًا لقول فلان ؛ لأنه فلان ، بل يكون متبعًا ؛ أي متبصرًا بما قال ، عارفًا به ، قادرًا على الدفاع عنه ، وعلى التعبير به .
وأرجو أن يتَّسم هذا الملتقى بحسن التنوع في طرح الآراء ، وتقبُّل الاجتهادات مع الأدب الجمِّ بين أصحابه ، والله الموفق .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=198
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 23-11-05, 10:09 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

قراءة حفص عن عاصم ليست من مرويات الطبري في القراءات


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين ، أما بعد :
فكنت قد طرحت في هذا الملتقى موضوعًا يتعلق بالقراءات عند ابن جرير ، وخلصت فيه إلى أن ابن جرير لا يردُّ قراءةً متواترةً ، وعللت ذلك الأمر بما تجده على هذا الرابط .
واليوم ظهر لي أن ابن جرير الطبري لم يكن عنده سند بقراءة حفص عن عاصم ، وإني أستبيحكم أيها القراء الكرم عذرًا في أن أذكر لكم قصة هذه الفائدة :
كنت يوم الثلاثاء الموافق ( 17 : 9 : 1424 ) أكتب في تفسير ( جزء تبارك ) تفسيرَ قوله تعالى : (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى) (المعارج:16) ، فقرأت في تفسير الطبري ط : دار هجر (23 : 216 ) ما نصُّه : (( ... والصواب من القول في ذلك عندنا أن لظى الخبر ونزاعة ابتداء فذلك رفع ولا يجوز النصب في القراءة لإجماع قراء الأمصار على رفعها ولا قارئ قرأ كذلك بالنصب وإن كان للنصب في العربية وجه )) .
فاستغربت قولَه هذا ؛ لأنَّ قراءة حفص بنصب (نزاعةً ) ، والطبري يقول : (( ولا قارئ قرأ كذلك بالنصب ، وإن كان للنصب في العربية وجه )) ، وعلقت عليه بأن كلامه يشير إلى أنه لم يكن عنده سندٌ بقراءة حفص عن عاصم .
ثمَّ رأيت من الغد الشيخ المقرئ محمد بن عوض زايد الحرباوي أستاذ القراءات في قسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض ، فعرضت عليه كلام الطبري ، فاستغربه ، فذكرت ما توقعته من كون سند حفص ليس من مرويات الطبري .
فقال لي : لو رجعت إلى كتابي ( مفردات القراءات العشرة من طريق الشاطبية والدرة ) إلى قراءة (( معذرةً )) بالنصب فإنها من مفردات حفص ، ونظرت ماذا يقول فيها ، فلما اطلعت على كتابه ـ وهو نفيس في هذا الباب ـ تتبعت كل مفردات حفص ، وقرأت تعليقات الطبري عليها ، فظهر لي بجلاءٍ ما توصلت إليه ـ وسيظهر لك ـ أيها القارئ الكريم ـ من خلال الأمثلة التي سأستعرضها لك إن شاء الله .
وأثناء بحثي في هذه المفردات وعرضها على تفسير الطبري اتصل بي الأخ الباحث حسين المطيري أستاذ القرآن بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض ، فعرضت عليه ما توصلت له ، فطرب له واستحسنه ، وذكر لي فائدة نفيسة تتعلق بطريقي عاصم ، وهو أن طريق شعبة هو المقدم عند المتقدمين ، ولعل هذا يشير إلى عدم ورود سند حفص عند الطبري ، وهذه الفائدة نصٌّ لابن مجاهد في كتاب السبعة ( ص : 71 ) ، قال فيه : (( وإلى قراءة عاصم صار بعض أهل الكوفة وليست بالغالبة عليهم ؛ لأن أضبط من أخذ عن عاصم أبو بكر بن عياش ـ فيما يقال ـ لأنه تعلمها منه تعلما خمسا خمسا .
وكان أهل الكوفة لا يأتمون في قراءة عاصم بأحد ممن يثبتونه في القراءة عليه إلا بأبي بكر بن عياش ، وكان أبو بكر لا يكاد يُمَكِّن من نفسه من أرادها منه ، فقلَّتْ بالكوفة من أجل ذلك ، وعَزَّ من يحسنها ، وصار الغالب على أهل الكوفة إلى اليوم قراءة حمزة بن حبيب الزيات )) .
وإذا تأملت هذا النصَّ ظهر لك أن قراءة حفص عن عاصم في وقت الطبري (ت : 310 ) الذي كان في طبقة شيوخ ابن مجاهد ( ت : 324 ) لم يكن لها قبول كغيرها .
وبعد ذكري لك قصة هذه الفائدة أذكر لك أمثلة من تفسير الطبري تدلُّ على أنه لم يكن عنده سند حفص عن عاصم :
المثال الأول : قوله تعالى : (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) (الكهف:59) .
قال الطبري : (( واختلفت القراء في قراءة قوله : ( لمهلكهم ) :
فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق ( لِمُهْلَكِهم ) بضم الميم وفتح اللام ، على توجيه ذلك إلى أنه مصدر من أهلكوا إهلاكا
وقرأه عاصم ( لِمَهْلَكهم ) بفتح الميم واللام على توجيهه إلى المصدر من هلكوا هلاكا ومهلكا .
وأولى القراءتين بالصواب عندي في ذلك قراءة من قرأه ( لِمُهْلَكهم ) بضم الميم وفتح اللام ؛ لإجماع الحجة من القراء عليه ، واستدلالا بقوله : ( وتلك القرى أهلكناهم ) ؛ فأن يكون المصدر من ( أهلكنا ) إذ كان قد تقدم قبله أَولى )) . تفسير الطبري ، ط : دار هجر ( 15 : 306 ـ 307 ) .
في هذا المثال ذكر قراءتين فقط : الأولى قراءة الجمهور ، والثانية قراءة عاصم ، وهي من طريق شعبة بن عياش .
ولم يذكر القراءة الثالثة ، وهي قراءة حفص عن عاصم ( لِمَهْلِكِهم ) بفتح الميم وكسر اللام .
ولو كانت عنده لما تركها ، وقد ذكر قراءة عاصم بنصِّها .
المثال الثاني : قوله تعالى (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم:25) .
قال الطبري : (( واختلف القرأة في قراءة قوله : (تساقط ) :
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة والكوفة ( تَسَّاقط ) بالتاء من تساقط وتشديد السين بمعنى تتساقط عليك النخلة رطبا جنيا ثم تدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدد ، وكأن الذين قرؤوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى : وهزي إليك بجذع النخلة تسَّاقط النخلة عليك رطبا جنيَا .
وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة : ( تَسَاقط ) بالتاء وتخفيف السين ، ووجهوا معنى الكلام إلى مثل ما وجَّهه إليه مشددوها غير أنهم خالفوهم في القراءة .
وروي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك : ( يَسَّاقط ) بالياء .
حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا يزيد ، عن جرير بن حازم ، عن أبي إسحاق ، قال سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك .
وكأنه وجه معنى الكلام إلى : وهزي إليك بجذع النخلة يتساقط عليك رطبًا جنيًا .
وروي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه ( تُسقِط ) بضم التاء وإسقاط الألف .
حدثنا بذلك بن حميد قال ثنا يحيى بن واضح قال ثنا عبد المؤمن قال : سمعت أبا نهيك يقرؤه كذلك . وكأنه وجه معنى الكلام إلى : تسقط النخلة عليك رطبا جنيا .
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن هذه القراءات الثلاث ؛ أعني : تَسَّاقط بالتاء وتشديد السين ، وبالتاء وتخفيف السين وبالياء وتشديد السين قراءات متقاربات المعاني قد قرأ بكل واحدة منهن قراء أهل معرفة بالقرآن فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه ... )) . تفسير الطبري ط : دار هجر (15 : 513 ـ 514 ) .
وهذه القراءات ليس فيها ـ كما ترى ـ قراءة حفص عن عاصم ( تُساقِط ) بضم التاء وكسر القاف ، ولو كانت عنده لذكرها ، وهو كما رأيت ذكر قراءات شاذة ، والله أعلم .
المثال الثالث : ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْب) (القصص: 32) .
قال الطبري : (( واختلفت القرأة في قراءة ذلك :
فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز والبصرة ( من الرَّهَبِ ) بفتح الراء والهاء .
وقرأته عامة قرأة الكوفة ( من الرُّهْب ) بضم الراء وتسكين الهاء .
والقول في ذلك : أنهما قراءتان متفقتا المعنى ، مشهورتان في قراء الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب )) تفسير الطبري ط : دار هجر ( 18 246 ) .
ولم يذكر قراءة حفص بفتح الراء وتسكين الهاء ( من الرَّهْبِ ) ، ولو كانت عنده لذكرها ، والله أعلم .
المثال الثالث : قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) (الأحزاب: 13) .
قال الطبري : (( والقرأة على فتح الميم من قوله : ( لا مَقَامَ لكم ) بمعنى لا موضع قيام لكم . وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها ؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها .
وذُكِرَ عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ذلك : ( لا مُقَام ) لكم بضم الميم يعني لا إقامة لكم )) . تفسير الطبري ، ط : دار هجر ( 19 : 43 ) .
ولم يورد أن هذه القراءة التي نسبها إلى أبي عبد الرحمن السلمي قرأ بها عاصم من طريق حفص ، ولو كانت عنده لذكرها ، ومن ثَمَّ ، فإنه لا يصحُّ في مثل هذا المقام أن يقال : إن الطبري ردَّ قراءة حفص عن عاصم ؛ لأنه لا يعلمها ، والله أعلم .
المثال الخامس : قوله تعالى : (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً) (غافر: 37) .
قال الطبري : (( وقوله : (فأطلع إلى إله موسى ) اختلف القرأة في قراءة قوله : ( فأطلع ) :
فقرأت ذلك عامة قرأة الأمصار (فأطلعُ ) بضم العين ردًّا على قوله : (أبلغُ الأسباب ) وعطفا به عليه .
وذُكِر عن حميد الأعرج أنه قرأ ( فأطلعَ ) نصبًا جوابا لِـ(لعلِّي ) ، وقد ذكر الفراء أن بعض العرب أنشده :
عل صروف الدهر أو دُولاتها
يدلننا اللمة من لَمَّاتِها
فتستريحَ النفس من زفراتها
فنصب فتستريحَ على أنها جواب لِلَعَلَّ
والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفعُ في ذلك ؛ لإجماع الحجة من القراء عليه )) . تفسير الطبري ، ط : دار هجر ( 20 : 326 ـ 327 ) .
وهذه القراءة التي نسبها إلى حميد ، ولم يستجزها هي قراءة حفص عن عاصم ، ولكنه لم يذكرها عنه ؛ لأنها ليست عنده روايةً ، وهذه كسابقتها ، فلا يقال : عن الطبري ردَّ قراءة حفصٍ عن عاصمٍ ، وإنما يصح ذلك لو انه نصَّ على هذا السند من الرواية ثمَّ ردَّه ، والله أعلم .
وبعد هذه الأمثلة لعله يظهر لك جليًّا أن قراءة حفص عن عاصمٍ لم تكن من مرويات الطبري رحمه الله تعالى ، لذا لا يُشنَّع عليه بردِّ القراءة التي انفرد بها حفص ، بزعم أنها قراءة حفص عن عاصم ، وأنها متواترة ، فتأمل ذلك جيِّدًا تسلم من عيبِ هذا الإمام بما ليس فيه .
وقبل أن أختم هذا البحث أذكر مسألة ، ثمَّ مسردًا لانفرادات حفص لتراجع تعامل الطبري معها إن شئت .
أولاً : المسألة العلمية :
إذا ثبت أنَّ الطبري لم يُسند قراءة عاصم من طريق حفص ، وليست هذه الرواية من مروياته في القراءة ، فإنه لا يحسن رسم الكلمة التي انفرد بها حفص على ما يوافق قراءته ؛ لأن الإمام الطبري لا يفسر القرآن برواية حفص عن عاصم ، وسأذكر لك مثالاً يوضِّح وقوع اللبس على محقِّقي تفسير الطبري الفضلاء في دار هجر .
في قوله تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) (الروم:22) .
قال الطبري (( ... (وألوانكم ) ؛ يقول : واختلاف ألوان أجسامكم .
( إن في ذلك لآيات للعالمين ) ؛ يقول : إن في فعله ذلك كذلك لعبرا وأدلة لخلقه الذين يعقلون أنه لا يعيبه إعادتهم لهيئتهم التي كانوا بها قبل مماتهم من بعد فنائهم .
وقد بينا معنى العالَمين فيما مضى قبل )) تفسير الطبري ، ط : دار هجر ( 18 : 479 ) .
لقد قرأ المحققون الفضلاء لفظ ( العالَمين ) بكسر اللام هكذا ( العالِمين ) ، ثمَّ أعادوا إلى ما ذكر الطبري أنه مضى قبل ، وذلك ـ كما ظنوا ـ ( ص : 407 ) من هذا الجزء ، وهو قوله تعالى : ( وما يعقلها إلا العالمون ) ( العنكبوت : 43 ) .
وهذا لا يتناسب مع قراءته التي دلَّ عليها بتفسيره حيث قال : (( لعبرة وأدلة لخلقه ... )) وهؤلاء هم العالَمون بفتح اللام ، لا العالِمون بكسرها ، والله أعلم .

ثانيًا : مفردات حفص من كتاب مفردات القراء العشرة من طريق الشاطبية والدرة ، للأستاذ محمد بن عوض زايد الحرباوي :
1 ـ هُزُوا ، وجميع ما ورد مثله / بالواو بدلا من الهمزة ، وضم الزاي .
2 ـ يُرجعون ( آل عمرن : 83 ) / بياء الغيبة مضمومة .
3 ـ يجمعون ( آل عمران : 157 ) / بياء الغيبة ، والباقون بالتاء .
4 ـ سوف يؤتيهم ( النساء : 152 ) / بالياء ، والباقون بالنون .
5 ـ استَحَقَّ ( المائدة : 107 ) / بفتح التاء والحاء ، والباقون بضم التاء وكسر الحاء .
6 ـ تَلْقَفُ ( الأعراف : 117 ، طه : 69 ، الشعراء : 45 ) / بسكون اللام مع تخفيف القاف .
7 ـ معذرةً ( الأعراف : 164 ) / بنصب التاء ، والباقون بالرفع .
8 ـ مُوهِنُ كيد ( الأنفال : 18 ) / بسكون الواو مع تخفيف الهاء ، وحذف التنوين وجرِّ الكيد .
9 ـ معيَ عدوًّا ( التوبة : 83 ) / فتح الياء ، وأسكنها الباقون .
10 ـ متاعَ ( يونس : 23 ) / بنصب العين ، ورفعها الباقون .
11 ـ ويوم يحشرهم ( يونس : 45 ) / بياء الغيبة ، والباقون بالنون .
12 ـ من كلٍ زوجين ( هود : 40 ) / بتنوين ( كلٍ ) والباقون بترك التنوين .
13 ـ يا بني ( يوسف : 6 ) / بفتح الياء .
14 ـ دأَبًا ( يوسف : 47 ) / بفتح همزة ( دأَبا ) والباقون بالسكون .
15 ـ نوحي إليهم ( يوسف : 109 ) وفي النحل والأنبياء / بالنون مع كسر الحاء ، والباقون بالياء مع كسر الحاء .
16 ـ ليَ عليكم ( إبراهيم : 22 ) / فتح الياء من ( ليَ ) ، والباقون بسكونها .
17 ـ ورجِلِك ( الإسراء : 64 ) بكسر الجيم ، والباقون بسكون الجيم .
18 ـ لمَهلِكهم ( الكهف : 59 ) / بفتح الميم وكسر اللام ، وشعبة بفتح الميم واللام ، والباقون بضم الميم وفتح اللام .
19 ـ تُسَاقِط ( مريم : 25 ) / بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف .
20 ـ إن هذان ( طه : 63 ) / بسكون النون في إن . وهذان بالألف مع تخفيف النون .
21 ـ قال رب احكم ( الأنبياء : 112 ) إثبات الألف في قال ، والباقون بحذف الألف على سبيل الأمر ( قُل ) .
22 ـ سواءً ( الحج : 25 ) بنصب الهمزة ، والباقون برفعها .
23 ـ والخامسةَ أن غضب ( النور : 9 ) / بنصب التاء من ( الخامسةَ ) ، والباقون بالرفع .
24 ـ تستطيعون ( الفرقان : 19 ) بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة .
هذه بعض الانفرادات ، وبعضها تركته لأنه ذُكر في النقول السابقة ، وبعضها مما يتعلق بالأداء ، وهو مما لا يعتني به الطبري .
وأخيرًا أُشير إلى ملحوظة تحتاج إلى استقراءٍ آخر لعلي أنقله من رسالةِ ماجستير في اختيار أبي عبيد للباحث عبد الباقي سيسي .
ويظهر لي ـ وهو مما يحتاج إلى دراسة فاحصة ـ أن الطبري كوفي الأصول يعتمد على علمائهم ، فاعتمد على الفراء في الإعراب ، واعتمد على أبي عبيد في القراءة ، والله أعلم .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1071
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 23-11-05, 10:13 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

الطريق إلى حل مشكلة الأحرف السبعة ( 1 )


--------------------------------------------------------------------------------

الطريق إلى حل مشكلة الأحرف السبعة ( 1 )
إن هذا الموضوع من أعظم مشكل علوم القرآن ، ولا أُرى أنه يُختلف في ذلك .
ومهما تعدد الدراسات فيها ، وتكاثر الآراء حول المراد بها ، فإنه يبقى في نفس القارئ أسئلة لا يرى لها حلاًّ .
وإن تعدد الدراسات من الأمور المحمودة في البحث العلمي ؛ لأنَّ العقول تختلف في نظراتها ، وفي طريقة عرضها ، وفي استنباطاتها ، وقد يوجد جزء من الحق في هذه المسألة عند باحث ، ويوجد جزء آخر عند غيره ، وهكذا .
وأذكر أنَّ الأخ الفاضل محمد بن عبد العزيز الخضيري طرح سؤالاً على أحد أساتذتنا أثناء الدراسات العليا لإعداد درجة الماجستير ، فقال : لماذا لا يكون مثل هذا الموضوع وغيره من الموضوعات المشكلة محلَّ بحثٍ في الدراسات العليا ؟
فكان من جواب الأستاذ الدكتور أن قال بأن هذا الموضوع مشكل ، ولا يوجد له حلُّ ، ودراسته إنما هي تكرار لما كُتبَ .
وهذا الموضوع وأمثاله من أبرز وأهم الموضوعات التي تصلح للنقاش والدراسة في الدراسات العليا ؛ لأن مناقشة مثل هذا الموضوع بحدِّ ذاته مفيد للدارس ، فضلاً عما يمكن أن يفتح عليه من الرأي الصائب الذي قد يخرج به .
ولست أرى أن الموضوع قد انتهى بقول فلان ، بل لا زال الموضوع بحاجة إلى بحثٍ ، وأعمال من سبق إنما هي مفاتيح للدراسة ، وبعضها أوفر فائدة من بعض .
وإذا كان ذلك كذلك ، فإني سأطرح لك ـ أيها القارئ الكريم ـ خلاصة ما توصلت إليه في قراءة هذا الموضوع ، وإني لأسأل الله التوفيق في القول والعمل .
أولاً : إنَّ الدراسات المتقدمة والمتأخرة قد تناولت هذا الموضوع بطرق شتى ، وسأذكر نوعين من الدراسات المعاصرة من باب بيان أمثلة لهذه الدراسات ، وليس من باب استقرائها .
الدراسة الأولى : دراسة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ في كتابه ( حديث الأحرف السبعة ) .
وقد تميَّزت هذه الدراسة بالاستقراء لحديث الأحرف السبعة ودراسة سنده ، ثم استقراء أراء العلماء في المراد بها مع الاستدراك على كل قول بما فيه من وجوه الضعف .
وبعد استدراكاته هذه خلُص إلى رأيه المتميز في المراد بالأحرف السبعة ، وشرحه مبينا مأخذ كل قيد ذكره في التعريف . ومن أهم ما يحسن التنبه له في هذا الرأي أنه اعتمد على نص الحديث في استنباط معنى الأحرف ، وهذه سابقة جيدة تفكُّ شيئًا كبيرًا من معنى هذه الأحرف .
ثم طرح بعد ذلك الحكمة من الأحرف السبعة ، ثم ذكر فصولاً تتعلق بالقراءات وصلتها بالأحرف السبعة ، وما يتعلق بتواترها ، ثم ما يتعلق بمعنى الاختيار وحقيقته .
وتُعدُّ هذه الدراسة أنفس ما كُتِب في هذا الموضوع .
وإني لأنوه هنا بأن هذا المنهج الذي سلكه الشيخ عبد العزيز في طريقة دراسة الأحرف هو المنهج السديد في دراسة كثير من موضوعات علوم القرآن المعلَّقة أو الناقصة بحثًا ، حيث يتم جمع الآثار المتعلقة بالموضوع ، ثم يقوم الباحث بدراسة تلك النصوص واستنباط الفوائد والأحكام منها .
وسأعرض لكم لاحقًا ـ إن شاء الله ـ أمرًا يتعلق بعلوم القرآن ، وهو ( علوم القرآن بين الآثار والاستنباط ) ، وسأطرق فيه ما يمكن أن يكون فيه الرأي من هذه الموضوعات .
الدراسة الثانية : دراسة الدكتور حسن ضياء الدين عتر في كتابه ( الأحرف السبعة ومنْزلة القراءات منها ) .
وهي دراسة واسعة للأحرف السبعة ، ومن أبرز ما فيها أن المؤلف أنه يذكر الحديث ، ثم يذكر ما يحمله الحديث من فوائد متعلقة بالموضوع .
وهذه طريقة حسنة في دراسة الموضوع ، وفي الكتاب مسائل وفوائد كثيرة تتعلق بهذا الموضوع ، وهو من الكتب المفيدة في هذا الموضوع ، وإن كان المؤلف لم يخرج فيه عن أن الأحرف السبعة سبع لغات هي أشهر وأفصح لغات العرب أنزل الله القرآن بها ( ص : 177 ) .
الدراسة :
المســألة الأولى :
لقد نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ، وبقي في المدينة مدة من الزمن يقرأ بما كان يقرأ به في مكة .
ولم ينْزل عليه الترخيص بالقراءة بالأحرف السبعة إلا في المدينة ، كما هو ظاهر من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار ، قال : فأتاه جبريل عليه السلام ، فقال : » إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف .
فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك .
ثم أتاه الثانية ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين .
فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك .
ثم جاءه الثالثة ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف .
فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك .
ثم جاءه الرابعة ، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا « . رواه مسلم .
وقد أفاد هذا الحديث ما يأتي :
1 ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف المراد بالحرف الذي يراد القراءة به ، لذا استزاد تخفيفًا على الأمة .
ولما كان عارفًا بهذه الأحرف ، فإنه قد علَّمها الصحابة رضي الله عنهم ، وقرؤوا بها ، ويشهد لذلك ما وقع لعمر بن الخطاب مع حكيم بن حزام في قراءته لسورة الفرقان .
وهذا فيه ردٌّ على من يزعم أنَّ الأحرف السبعة من المتشابه . وذلك صحيح إن كان المراد به أنه متشابه على قائلة ، أما أن يكون متشابهًا على كل أحد ، فلا .
2 ـ أن الأمر بالقراءة بهذه الأحرف كان في المدينة بدلالة قوله : » أضاة بني غفار « ، وهو موضع بالمدينة ، ويشهد له ما روي من طريق آخر أن جبريل لقيه عند أحجار المِرَى أو أحجار المِراء ، وهي قباء كما في النهاية في غريب الأثر لابن الأثير .
3 ـ أن العدد سبعة مقصودٌ ، وليس المراد به التكثير ، بدلالة التدرج الذي ذُكِر في الحديث ، ولو كان العدد غير مقصود لما كان لهذا التدرج معنى ، بل لجاء الأمر بالقراءة على سبعة أحرف من أول الأمر .
4 ـ أن القراءة كانت على حرف واحدٍ قبل نزول هذا التيسير ، وهذا الحرف كان يوافق لغة قريش ( ينظر : سنن القراء ومناهج المجودين : 32 ) .
وهذا متوافق مع طبيعة الرسالة ؛ لأنَّ الرسول يرسل بلسان قومه ، وينْزل الكتاب عليه بلسانهم ، ولسان قريش معروف مشهور بين العرب بسبب الحجِّ الذي يقومون به إلى مكة ، فكان كثير منهم يمكنهم القراءة به ، والله أعلم .
ولا تعجل عليَّ هنا باستنباط أنَّ الأحرف هي لغات ، فليس الأمر كذلك على إطلاقه ، بل هناك تفصيل سيأتي في حينه .
5 ـ إن نزول الأحرف السبعة قد كان متأخِّرًا ، وقد ذكر الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ أنه كان بعد فتح مكة ، حيث بدأت قبائل العرب على اختلاف ألسنتها ولهجاتها تدخل في دين الله أفواجًا . ( سنن القراء ومناهج المجودين : 32 ) .
وهذا الوقت الذي نزلت فيه الأحرف السبعة هو أنسب الأوقات بالنسبة لتلك الوفود التي سترد المدينة وتتعلم القرآن ، فكان من تيسير الله أن أنزل تلك الأحرف تيسيرًا لهم ، كما ورد في الحديث ، وهذا التيسير لا زال مستمرًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=191
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 23-11-05, 10:16 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

تفسير يحيى بن سلام ومختصَراه


--------------------------------------------------------------------------------

كنت قد شاركت في دورة علمية في الدمام قبل ما يزيد على ثلاث سنوات ، وكانت عن كتب التفسير ، وما يتعلق بها ، متتبعًا المطبوع منها خلال القرون ، وكنت أدون ملاحظات سريعة لتكون منطلقًا لي في الإلقاء ، وكان مما دونته هذه المعلومات عن تفسير يحيى بن سلام وتفسير هود بن محكم وتفسير ابن أبي زمنين ، وقد رأيت أن أضعها هنا ، وإن تيسر لي بعد ذلك قراءة متأنية لتفسير يحيى ، فلعي أضيفها إن شاء الله .
تفسير القرآن ليحيى بن سلام البصري ( ت : 200 )
1 ـ أخذ يحيى بن سلام عن علماءِ البصرةِ نحاتِها ولغوييها ومفسِّريها ، لذا ورد في كتابه بعض المسائل الإعرابية ، وهو بذلك يُعدُّ من أوائل من أدخلوا الإعراب في التفسير الشامل للقرآن .
2 ـ اعتمد الإسناد في روايته عن المفسرين ، وقد يورد بعض الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
3 ـ روى عن الحسن ( ت : 110 ) ، وقتادة ( ت : 117 ) فأكثر عنهما ، وروى عن مجاهد ( ت : 104 ) ، وعكرمة ( ت : 105 ) ، والكلبي ( ت : 146 ) ، وغيرهم .
4 ـ اعتنى بالقراءات فأوردها وأورد توجيهها .
في قوله تعالى : (وما هو على الغيب بضنين) ، قال : (( (وما هو على الغيب) : الوحي . (بضنين) : ببخيل يبخل عليكم به ، وبعضهم يقرأ (بظنين ؛ أي : بمتهم )) تفسير ابن أبي زمنين ( 5 : 101 ) .
5 ـ يصدِّر تفسيره أو تعليقه أو استنباطه بقوله : (( قال يحيى )) .
ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى :( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (النور : 61 )
قال : (( ( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) : تفسير قتادة ، قال : منعت البيوت زمانًا ، كان الرجل لا يتضيَّف أحدًا ولا يأكل في بيت غيره تأثُّمًا من ذلك .
قال يحيى : بلغني أن ذلك حين نزلت هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل ) ( النساء : 29 ) .
قال قتادة : فكان أول من رخَّص الله له الأعمى والأعرج والمريض ، ثمَّ رخَّص لعامَّة المؤمنين (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) إلى قوله : (أو صديقكم ) .
فقوله : (أو ما ملكتم مفاتحه) قال بعضهم : هم المملوكون الذين هم خزنة على بيوت مواليهم .
وقوله : (صديقكم) قيل للحسن : الرجل يدخل على الرجل ـ يعني : فيأكل منه صديقه ـ فيخرج الرجل من بيته ، ويرى الآخر الشيء من الطعام في البيت ، فيأكل منه ؟
فقال : كُلْ من طعام أخيك .
قال يحيى : لم يذكر الله في هذه الآية بيت الابن ، فرأيت النبي عليه السلام إنما قال : ( أنت ومالك لأبيك ) من هذه الآية )) تفسير القرآن لابن أبي زمنين (3 : 247 ) .
6 ـ وليحيى بن سلام ( ت : 200 ) في تفسيره اختيارات ، وقد ذكرها بعض المفسرين ؛ كالماوردي ( ت : 450 ) ، ومن نقل عن الماوردي ؛ كابن الجوزي ( ت : 597 ) ، والقرطبي ( ت : 671 ) .
7 ـ مع قِدَمِ هذا التفسير ، وكونه مسندًا إلى المفسرين ، فإنَّك لا تجد عنه نقلاً في كتب التفسير المسندة ؛ كتفسير الطبري ( ت : 310 ) ، وابن أبي حاتم ( ت : 327 ) ، وغيرهما ، ولم يُفِد منه السيوطي ( ت : 911 ) في الدر المنثور ، مع أنه نقل في آخره عن ابن حجر قوله : (( ومنها تفسير يحيى بن سلام المغربي، وهو كبير في نحو ستة أسفار، أكثر فيه النقل عن التابعين وغيرهم ،، وهو لين الحديث ، وفيما يرويه مناكير كثيره ، وشيوخه مثل سعيد بن أبي عروبة ومالك والثوري )) الدر المنثور ( 8 : 701 ـ 702 ) ، وقد نقله عن العجاب في بيان الأسباب لابن حجر ( 1 : 219 ) .
8 ـ وفي نقل الماوردي ( ـ : 450 ) من تفسير يحيى ، وذكر اختياراته ، ما يستأنس به أن تفسيره قد دخل بغداد بعد الطبري ( ت : 310 ) ، وابن أبي حاتم ( ت : 327 ) ، واستفاد منه الماوردي ( ت : 450 ) .
************************************
تفسير القرآن لهود بن مُحَكِّم الهواري الإباضي
1 ـ لم يذكر استفادته من تفسير يحيى ابن سلام ، مع انه اعتمده ، ويكاد أن يكون مختصرًا له ، مع ما أضاف إليه هود ، كما أشار إلى ذلك محقق الكتاب .
2 ـ قال محقق الكتاب : (( ... فالملاحظ أنه يحذف الأحاديث التي لم تصحَّ عنده ، والتي لا تتفق مع أصول مذهبه .
لقد حذف أحاديث في تفسير قوله تعالى من سورة مريم ، الآية 87 : (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً) ، وهي أحاديث في الشفاعة .
وحذف أحاديث متتابعة في تفسير قوله تعالى من أوائل سورة الحجر : (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) ، وهي أحاديث حول من سُمُّوا بالجهنميين ، أو بعتقاء الرحمن ، لم تصحَّ عنده كذلك )) مقدمة بلحاج بن سعيد شريفي محقق تفسير هود بن محكم ( 1 : 37 ) .
3 ـ حذف الإسناد ، واختصر كثيرًا من الآثار ، وقد عدَّها محقق الكتاب من عيوب تفسير هود .
4 ـ يذكر كلام يحيى بقوله : ( قال بعضهم ) ، وقد يذكر هذه العبارة عن غيره .
5 ـ أدخل بعض أراء الإباضية من فقه واعتقاد في مختصره هذا ، وقد تتبعه المحقق ، وبين مواطن ذلك ، قال المحقق بلحاج : (( إذا وردت كلمة ( أصحابنا) من الشيخ الهواري ، فإنما يقصد بها علماء الإباضية ، وسيذكرهم بأسمائهم عند تفسير بعض آيات الإحكام خاصة ؛ يذكر جابر بن زيد ، وأبا عبيد مسلم بن أبي كريمة .
ويزيد أحيانًا : (والعامة من فقهائنا ) . )) حاشية مقدمة تفسير هود بن محكم (1 : 81 ) .
6 ـ ومن أمثلة ما يغيره من تفسير ابن سلام ليوافق مذهبه ، ما ورد في تفسير قوله تعالى : (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) ، فقد ورد تفسير يحيى له ، فقال : (لا تشركوا ) . كذا ورد عند ابن أبي زمنين ( 1 : 122 ) ، ويُنظر ما قاله محقق تفسير هود .
وورد في تفسير هود بن محكم ( 1 : 84 ) : (( قوله : (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ) بالعمل بالمعصية )) .
قال المحقق بلحاج : (( ... وهذا تفسير ابن سلام ولا شكَّ ، وما جاء من تغيير في التأويل أو من زيادة مما أثبته من (د و ق و ع ) ، فهو للشيخ هود الهواري .
وهذا نموذج من عمله في كامل الكتاب ، فما جاء في تفسير ابن سلام موافقًا لأصول الإباضية أثبته ، وما خالفها حذفه وأثبت مكانه ما وافق رأي الإباضية في مسألة الإيمان والكفر ، وفي مسائل أخرى من مسائل الخلاف )) حاشية مقدمة تفسير هود بن محكم (1 : 81 ) .
7 ـ هذا التفسير الذي سار على مذهب الإباضية يُعدُّ أول تفسير لهم ، كما نصَّ على ذلك المحقق ، فقال : (( ... إننا لا نعلم للإباضية تفاسير كاملة لكتاب الله قبل الهواري إلا تفسيرًا يُنسبُ إلى الإمام عبد الرحمن بن رستم وآخر إلى الإمام عبد الوهاب ، وليس ببعيد أن يكون الهواري قد اطَّلع عليهما . وليس بين أيدينا الآن ـ فيما بحثت وعلمت ـ شيء من تفسيريهما حتى نتمكن من المقارنة بين هذه التفاسير ، ونخرج بجواب شافٍ في الموضوع .
أما أبو المنيب محمد بن يانس ، المفسر الذي ناظر المعتزلة ، فلم يؤثر عنه انه ترك أثرًا مكتوبًا في التفسير )) حاشية مقدمة تفسير هود بن محكم (1 : 85 ) .
أقول : وأنا أشك أن يكون قد اطلع على هذين التفسيرين إن كانا موجودين فعلاً ، إذ ما الداعي إلى أن يختصر تفسيرًا لا يوافق مذهبه ، ويعدل عن التفاسير الموافقة لمذهبه ؟!
حالة الاستفادة من الكتاب :
 بما أن المؤلف إباضي المعتقد ، فيمكن دراسة أثر هذا المذهب على التفسير من خلال تفسير هود بن محكِّم .
 الموازنة بين ابن أبي زمنين
******************************************
تفسير القرآن العزيز للأمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زَمَنِين ، شيخ قرطبة ، الإمام الزاهد القدوة( ت : 399 ) .
1 ـ تفسيره من التفاسير المتوسطة .
2 ـ هو تهذيب لتفسير يحيى بن سلام البصري ( ت : 200 ) ، وقد ذكر سبب اخصتاره في أمور :
أ ـ وجود تكرار كثير في تفسيره .
ب ـ ذكره لأحاديث يقوم علم التفسير بدونها .
ج ـ قلة نشاط أكثر الطالبين للعلوم في زمانه .
3 ـ وقد زاد على تفسير يحيى ( ت : 200 ) بعض الزيادات ، وهي :
أ ـ ما لم يفسره يحيى .
ب ـ أضاف كثيرًا مما لم يذكره من اللغة والنحو على ما نقل عن النحويين وأصحاب اللغة السالكين لمناهج الفقهاء في التأويل .
وقد ميَّز زياداتها بأن بدأها بقوله : ( قال محمد ) .
مميزات التفسير :
1 ـ قِدَمُ التفسيرِ ، واعتماده على تفسير متقدم يُعنى بآثار السلف ، وتفسير يحيى بن سلام البصري ( ت : 200 ) .
2 ـ كون مؤلفه من أهل السنة والجماعة .
ومن أمثلة ذلك ما ورد في تفسيره لقوله تعالى : (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت : 3 ) قال : (( (ولقد فتنا) : اختبرنا . ( الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ) بما أظهروا من الإيمان . وليعلمن الكاذبين ؛ يعني : الذين يظهرون الإيمان ، وقلوبهم على الكفر ، وهم المنافقون ، وهذا علم الفعال .
قال محمد : معنى علم الفعال : العلم الذي تقوم به الحجة ، وعليه يكون الجزاء ، وقد علم الله الصادق من والكاذب قبل خلقهما ) .
3 ـ سلاسة عبارته ، ووضوحها .
4 ـ ما فيه من الاختصار .
5 ـ ما فيه من الزيادات المهمة ، كالاستشهاد للمعاني اللغوية بالشعر ، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى : (وأذنت لربها وحقت ) ، قال : (( قال محمد : يقال : أذِنتُ للشيءِ آذَنُ أَذَنًا : إذا سمعت . قال الشاعر :
صمٌّ إذا سمعوا خيرًا ذُكرتُ به وإن ذُكِرتُ بسوءٍ عندهم أذِنوا) ( 5 : 111 ) .
منهجه في التفسير :
1 ـ اختصار تفسير يحيى .
2 ـ اختصار إسناده .
3 ـ حذف المكرر منه .
4 ـ إضافة زيادات عليه من جهة اللغة والنحو وتوجيه القراءة .
من أمثلة اللغة :
في قوله تعالى : ( ولا تصعر خدك للناس ) ، قال : (( (ولا تصاعر خدك للناس ) لا تعرض بوجهك عنهم استكبارًا .
قال محمد : ومن قرأ : (تصعر) فعلى وجه المبالغة ، وأصل الكلمة من قولهم : أصاب البعير صَعَرٌ : إذا أصابه داءٌ فلوى منه عنقه ) ( 3 : 375 ).
ومن أمثلة الإعراب :
في قوله تعالى : (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ) ، قال : (( قال محمد : من قرأ جواب بالنصب جعل ( أن قالوا) اسم كان )) ( 3 : 344 ) .
وفي قوله تعالى : (فإياي فاعبدون ) ، قال : (( قال محمد : (فإياي) منصوب بفعل مضمر ، الذي ظهر تفسيره ؛ المعنى : فاعبدوا إياي فاعبدون )) ( 3 : 351 )
وممن نصَّ على بعض من أفاد منه في اللغة والنحو : أبو عبيدة ( تفسير ابن أبي زمنين 3 : 360 ) ،والزجاج ( تفسير ابن أبي زمنين 3 : 364 ) .
5 ـ اعتمد على أبي عبيد في توجيه القراءة ، ومن ذلك قوله :
((قال محمد : قرأ نافع : (الأيكة) ، وكذا قرأ التي في قاف . وقرأ التي في الشعراء وفي ص : (ليكة) بغير ألف ولام ، ولم يصرفهما ، فيما ذكر أبو عبيد ، وقال : وجدنا في بعض التفاسير أنَّ (ليكة) اسم القرية التي كانوا فيها ، و(الأيكة) : البلاد كلها )) ( 2 : 390 ) .
وفي قوله تعالى : (هذا الذي كنتم به تدعون ) ، قال : (( قال محمد : ذكر أبو عبيد أن من القراء من قرأ : (الذي كنتم به تدْعون) خفيفة ؛ لأنهم كانوا يدعون بالعذاب في قوله : (اللهم إن كان هذا هو الحق من عنك فأمطر علينا حجارة) الآية ، قال : وقرأ أكثرهم (تدَّعون) بالتشديد ، وقال : هي القراءة عندنا ، والتشديد مأخوذ من التخفيف . (تدْعون) تفعلون ، و(تدَّعون) تفتعلون ، مشتقة منه )) ( 5 : 16 ) .
حال الاستفادة من الكتاب :
1 ـ الكتاب يصلح للقراءة المنتظمة ، ولسهولة عبارته ، فإنه يصلح للمبتدئين ، ولمن يريد الاطلاع العام على التفسير .
ويمكن دراسة موضوعات في هذا الكتاب ، ومنها :
2 ـ منهج ابن أبي زمنين في زياداته على ابن سلام .
3 ـ منهج يحيى بن سلام من خلال مختصر ابن أبي زمنين .
الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=3358
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 23-11-05, 10:20 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

النكت على الإتقان في علوم القرآن


--------------------------------------------------------------------------------

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين المبعوث للثقلين ، محمد بن عبد الله ، وعلى آله الطيبين ، وصحابته الغرِّ الميامين ، وعلى تابعيهم ومن تبعهم إلى يوم الدين ، أما بعد :
فقد كان يُلحُّ عليَّ بعض الأصحاب في فتح درس في علوم القرآن ؛ نظرًا لخلوِّ مدارس المساجد من هذه المادة الهامَّة ، وكنت أقدِّم رجلاً وأُأخِّر أخرى ؛ تهيُّبًا لهذا الموضوع ، وخشية من ازدحام الوقت فيضعف التحضير لهذه المادة العلمية ، وما زلت أُمنِّي النفس به ، وأرجو أن يحصل ، حتى كان ما كان ، إذ ألحَّ عليَّ أخوين كريمين من أهل مكة في أن أفتح درسًا شهريًّا في الإتقان يكون في يوم واحد منه بواقع ثلاثة دروس ، فاستجبت لهما تحت إلحاحهما ، وتركت الأمر لله يفعل ما يشاء .
ولما رأيت الأمر يتوجَّه عمدت إلى جلسة التفسير التي أعقدها في تفسير الطبري ، فاقترحت على من يحضر معي أن نجعل نصف ساعة للإتقان نتدارسه ونعلق عليه بما يمُنُّ الله به ، فكان ولله الحمد نافعًا مفيدًا . واستمر الحال كذلك حتى بدأت بإلقاء هذه الدروس في مكة المكرمة ، فكانت بدايتها في شهر محرم من سنة 1426 ، حيث ألقيت ثلاثة دروس في مقدمة تشمل ( علوم القرآن .. المصطلح ومراحل النشأة والكتب ) ، وقد ظهر لي في ألقائها فوائد جديدة تتعلق بعلوم القرآن ، فلله الحمد والمنَّة ، ثم ألقيت في شهر صفر من هذا العام ثلاثة دروس ، وقد شملت مقدمة كتاب الإتقان ، والنوع الأول من أنواع علوم القرآن ( المكي والمدني ) ، وقد رأيت ـ بعد الاستشارة ـ أن أطرح في الملتقى خلاصة ما ألقيه من هذه الدروس على أسلوب التعليق والنُّكت ، فأذكر ذلك في نقاطٍ لتكون أيسر وأضبط .
وإني إذ أطرح ذلك لأرجو أن يُتحفني إخواني باقتراحاتهم حول دراسة هذا الكتاب الذي صار أصلاً من أصول كُتب علوم القرآن ، وأتمنى أن يسددوا ما يرون من نقص فيما أكتب ، والله أسأل لي ولكم التوفيق والسداد .
هذا ، وقد سمَّيت هذه التعليقات بهذا العنوان :

النكت على الإتقان في علوم القرآن

تيمُّنًا بفعل أسلافنا من العلماء ، ولأنَّ المقصود ليس شرح الكتاب بحذافيره ، وإنما التعليق على ما يحتاج إلى تعليق ، والتنبيه على لطائف وفوائد ومستدركات ، فأسأل الله في ذلك المعونة التوفيق ، إنه سميع مجيب .
قال السيوطي :
(1 :4 ) ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين إذ لم يدونوا كتابا في أنواع علوم القرآن كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث فسمعت شيخنا أستاذ الأستاذين وإنسان عين الناظرين خلاصة الوجود علامة الزمان فخر العصر وعين الأوان أبا عبد الله محيي الدين الكافيجي مد الله في أجله وأسبغ عليه ظله يقول : » قد دونت في علوم التفسير كتابا لم أسبق إليه « ، فكتبته عنه ، فإذا هو صغير الحجم جدا وحاصل ما فيه بابان الأول في ذكر معنى التفسير والتأويل والقرآن والسورة والآية والثاني في شروط القول فيه بالرأي وبعدهما خاتمة في آداب العالم والمتعلم فلم يشف لي ذلك غليلا ولم يهدني إلى المقصود سبيلا .
التعليق :
1 ـ الكافيجي : محمد بن سليمان ( ت : 879 ) لُقِّب بذلك لكثرة اشتغالة بالكافية في النحو لابن الحاجب .
2 ـ يُفهم من قوله : » مد الله في أجله وأسبغ عليه ظله « يشير إلى أن السيوطي كتب كتابة قبل وفاة شيخه ؛ أي قبل سنة 879 ، والله أعلم .
3 ـ جاء عنوان كتاب الكافيجي في أحد النسخ التي اعتمد عليها محقق الكتاب ناصر بن محمد المطرودي ( التيسير في قواعد علم التفسير ) .
4 ـ استفاد السيوطي من كتاب الكافيجي ـ على صغر حجمه ـ في كتابية التحبير والإتقان .
5 ـ اختزل السيوطي ذكر عناوين كتاب شيخة ، وكذا ذكر أنواع العلوم التي تطرَّق إليها ، أو أشار إليها ، ويظهر هذا بقراءة ما دوَّنه الكافيَجي ، وموازنته بعرض السيوطي لكتاب ( التيسير في قواعد علم التفسير ).
فالباب الأول : الذي قال عنه السيوطي : » الأول في ذكر معنى التفسير والتأويل والقرآن والسورة والآية « فيه عدد من المسائل المتعلقة بعلوم القرآن ، منها : حكم التفسير بالرأي ، والعلوم التي يحتاج إليها المفسر ، وإعجاز القرآن ، ووجوب التواتر في نقل القرآن ، وشروط القراءة الصحيحة ، والمحكم والمتشابه ، ونزول القرآن ، وأسباب النُّزول « . أفاده محقق كتاب التيسير .
قال السيوطي :
(1 : 4 ) قال : » ثم أوقفني شيخنا شيخ مشايخ الإسلام قاضي القضاة وخلاصة الأنام حامل لواء المذهب المطلبي علم الدين البلقيني رحمه الله تعالى على كتاب في ذلك لأخيه قاضي القضاة جلال الدين سماه ( مواقع العلوم من مواقع النجوم ) فرأيته تأليفا لطيفا ومجموعا ظريفا ذا ترتيب وتقرير وتنويع وتحبير .
قال في خطبته قد اشتهرت عن الإمام الشافعي رضي الله عنه مخاطبة لبعض خلفاء بني العباس فيها ذكر بعض أنواع القرآن يحصل منها لمقصدنا الاقتباس وقد صنف في علوم الحديث جماعة في القديم والحديث وتلك الأنواع في سنده دون متنه وفي مسنديه وأهل فنه وأنواع القرآن شاملة وعلومه كاملة فأردت أن أذكر في هذا التصنيف ما وصل إلى علمي مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف وينحصر في أمور
الأمر الأول مواطن النزول وأوقاته ووقائعه وفي ذلك اثنا عشر نوعا المكي المدني السفري الحضري الليلي النهاري الصيفي الشتائي الفراشي النومي أسباب النزول أول ما نزل آخر ما نزل
الأمر الثاني السند وهو ستة أنواع المتواتر الآحاد الشاذ قراءات النبي e الرواة الحفاظ
الأمر الثالث الأداء وهو ستة أنواع الوقف الابتداء الإمالة المد تخفيف الهمزة الإدغام
الأمر الرابع : الألفاظ وهو سبعة أنواع الغريب المعرب المجاز المشترك المترادف الاستعارة التشبيه .
الأمر الخامس المعاني المتعلقة بالأحكام وهو أربعة عشر نوعا العام الباقي على عمومه العام المخصوص العام الذي أريد به الخصوص ما خص فيه الكتاب السنة ما خصصت فيه السنة الكتاب المجمل المبين المؤول المفهوم المطلق المقيد الناسخ والمنسوخ نوع من الناسخ والمنسوخ وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين
الأمر السادس : المعاني المتعلقة بالألفاظ وهو خمسة أنواع الفصل الوصل الإيجاز الإطناب القصر .
وبذلك تكملت الأنواع خمسين ومن الأنواع ما لا يدخل تحت الحصر الأسماء الكنى الألقاب المبهمات فهذا نهاية ما حصر من الأنواع هذا آخر ما ذكره القاضي جلال الدين في الخطبة ثم تكلم في كل نوع منها بكلام مختصر يحتاج إلى تحرير وتتمات وزوائد مهمات فصنفت في ذلك كتابا سميته التحبير في علوم التفسير ضمنته ما ذكر البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها وأضفت إليه فوائد سمحت القريحة بنقلها
التعليق :
1 ـ علم الدين البلقيني : صالح بن عمر بن رسلان ( ت : 868 ) .
2 ـ جلال الدين البلقيني : عبد الرحمن بن عمر بن رسلان ( ت : 824 ) .
3 ـ تقسيم البلقيني ( ت : 824 ) من أنفس التقاسيم ، حيث عمدَ إلى نوعٍ كلي ثم ذكر ما يندرج تحته .
4 ـ يظهر أثر التصنيف في العلوم على تقسيم البلقيني ( ت : 824 ) لأنواع علوم القرآن في أمرين
الأول : أنه أراد أن يناظر بعلوم الحديث ، فيجعل كتابًا يحتوي على علوم القرآن كما هو الواقع في علوم الحديث .
وهذا الأمر قد سبق إليه الزركشي ( ت : 794 ) كما سيأتي ، و أشار إليه السيوطي في خطبة كتابه الإتقان بقوله : » ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين إذ لم يدونوا كتابا في أنواع علوم القرآن كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث « .
كما أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه التحبير فقال : » وإن مما أهمل المتقدمون تدوينه حتى تحلى في آخر الزمان بأحسن زينة علم التفسير الذي هو كمصطلح الحديث فلم يدونه أحد لا في القديم ولا في الحديث حتى جاء شيخ الإسلام وعمدة الأنام علامة العصر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني رحمه الله تعالى فعمل فيه كتابه مواقع العلوم من مواقع النجوم « .
الثاني : أنَّ من الأقسام الستة ما هو من علوم مشاركة ، وليس من صلب علوم القرآن ، وقد أخذ من هذه العلوم مصطلحاتها ، فذكرها ، وإليك التفصيل :
قوله : » الأمر الثاني السند وهو ستة أنواع المتواتر الآحاد الشاذ قراءات النبي الرواة الحفاظ « هذا التقسيم مأخوذ من مصطلح الحديث .
قوله : » الأمر الرابع : الألفاظ وهو سبعة أنواع الغريب المعرب المجاز المشترك المترادف الاستعارة التشبيه « . هذا مأخوذ من علوم اللغة .
قوله : » الأمر الخامس المعاني المتعلقة بالأحكام وهو أربعة عشر نوعا العام الباقي على عمومه العام المخصوص العام الذي أريد به الخصوص ما خص فيه الكتاب السنة ما خصصت فيه السنة الكتاب المجمل المبين المؤول المفهوم المطلق المقيد الناسخ والمنسوخ نوع من الناسخ والمنسوخ وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين « . هذا مأخوذ من علم أصول الفقه .
قوله : » الأمر السادس : المعاني المتعلقة بالألفاظ وهو خمسة أنواع الفصل الوصل الإيجاز الإطناب القصر « . هذا مأخوذ من علم البلاغة .
5 ـ قول البلقيني في الأمر الرابع : » المعاني المتعلقة بالأحكام « ، يمكن الاصطلاح عليها بعبارة ( عوارض الألفاظ ) .
6 ـ قول البلقيني في الأمر السادس : » المعاني المتعلقة بالألفاظ « يمكن الاصطلاح عليها بعلم البلاغة ، أو ينبَّه أنها من جهة البلاغة × لأنه مرَّ في الأمر الرابع قوله : » الألفاظ ، وهي سبعة أنواع ... « .

قال السيوطي :
( 1 : 6 ) : » هذا آخر ما ذكره القاضي جلال الدين في الخطبة ثم تكلم في كل نوع منها بكلام مختصر يحتاج إلى تحرير وتتمات وزوائد مهمات فصنفت في ذلك كتابا سميته ( التحبير في علوم التفسير ) ضمنته ما ذكر البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها وأضفت إليه فوائد سمحت القريحة بنقلها
وقلت في خطبته أما بعد فإن العلوم وإن كثر عددها وانتشر في الخافقين مددها فغايتها بحر قعره لا يدرك ونهايتها طود شامخ لا يستطاع إلى ذروته أن يسلك ولهذا يفتح لعالم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرق إليه من المتقدمين الأسباب وإن مما أهمل المتقدمون تدوينه حتى تحلى في آخر الزمان بأحسن زينة علم التفسير الذي هو كمصطلح الحديث فلم يدونه أحد لا في القديم ولا في الحديث حتى جاء شيخ الإسلام وعمدة الأنام علامة العصر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني رحمه الله تعالى فعمل فيه كتابه مواقع العلوم من مواقع النجوم فنقحه وهذبه وقسم أنواعه ورتبه ولم يسبق إلى هذه المرتبة فإنه جعله نيفا وخمسين نوعا منقسمة إلى ستة أقسام وتكلم في كل نوع منها بالمتين من الكلام فكان كما قال الإمام أبو السعادات ابن الأثير في مقدمة نهايته كل مبتدئ لشيء لم يسبق إليه ومبتدع أمرا لم يتقدم فيه عليه فإنه يكون قليلا ثم يكثر وصغيرا ثم يكبر
فظهر لي استخراج أنواع لم يسبق إليها وزيادة مهمات لم يستوف الكلام عليها فجردت الهمة إلى وضع كتاب في هذا العلم وأجمع به إن شاء الله تعالى شوارده وأضم إليه فوائده وأنظم في سلكه فرائده لأكون في إيجاد هذا العلم ثاني اثنين وواحدا في جمع الشتيت منه كألف أو كألفين ومصيرا فني التفسير والحديث في استكمال التقاسيم إلفين وإذ برز نور كمامه وفاح وطلع بدر كماله ولاح وأذن فجره بالصباح ونادى داعيه بالفلاح سميته ( التحبير في علوم التفسير ) .
ثمَّ ذكر فهرس الأنواع التي كتبها في التحبير ، ثم قال ( 1 : 10 ) : » وهذا آخر ما ذكرته في خطبة التحبير وقد تم هذا الكتاب ولله الحمد من سنة اثنتين وسبعين وكتبه من هو في طبقة أشياخي من أولي التحقيق « .
التعليق :
1 ـ أن السيوطي جعل كتاب البُلقيني أصلاً لكتابه التحبير ، وزاد عليه زيادات .
2 ـ أن اطلاع السيوطي على كتاب البلقيني كان متقدِّمًا جدًّا ، حيث اعتمده في التحبير ، وهو قبل الإتقان .
وقد ذكر سنة الانتهاء من كتاب التحبير ، وهي ( 872 ) ، ويلاحظ أن شيخه الكافيجي توفي سنة ( 879 ) ، وقد قال عنه : » مد الله في أجله « مما يعني أنَّ تأليف الإتقان كان بين سنة (872 ) وسنة ( 879 ).
3 ـ كان المقصد من تأليف التحبير ما ذكره في قوله ( 1 : 6 ) : » فظهر لي استخراج أنواع لم يَسبِق إليها وزيادة مهمات لم يستوف الكلام عليها فجردت الهمة إلى وضع كتاب في هذا العلم وأجمع به إن شاء الله تعالى شوارده وأضم إليه فوائده وأنظم في سلكه فرائده « .
وهذا يعني أنه يريد تكميل كتاب البلقيني فقط ، ولم يدَّعِ أنه سبق سبقًا مطلقًا إلى ما زاده على البلقيني ، بل هو ـ في أغلب زياداته ـ ناقلٌ .
وردت عبارة : » لم يسبق « في التحبير على النحو الآتي : » لم أُسبق « ، ويظهر لي أن ما في الإتقان أدق ؛ لأنه بنى كتابه على كتاب البلقيني ، فهو يوازن زياداته وسبقه به ، وليس بمطلق سبقه غيره من العلماء ، والله أعلم .
4 ـ يلاحظ أنه في مقدمته للتحبير ، وذكره للأنواع نصَّ على الزيادات التي زادها على البلقيني ، ولما نقلها إلى الإتقان لم ينصَّ على هذه الزيادات .
5 ـ يمكن القول بأن أغلب كتاب البلقيني بين يدينا ، وذلك بتجريد زيادات السيوطي التي نصَّ عليها .
6 ـ كما اعتمد السيوطي على كتاب البلقيني وزاد عليه في التحبير ، فإنه اعتمد عليه اعتمادًا كليًّا في كتابه ( النُّقاية ) ، فذكر أنواع البلقيني نفسها ، ولم يزد عليها ، وبهذا يمكن موازنة الأنواع وأمثلتها بين ما ذكره في التحبير وما ذكره في رسالة أصول التفسير من كتاب النُّقاية .
قال السيوطي :
( 1 : 10 ) : » ثم خطر لي بعد ذلك أن أؤلف كتابا مبسوطا ومجموعا مضبوطا أسلك فيه طريق الإحصاء وأمشي فيه على منهاج الاستقصاء هذا كله وأنا أظن أني متفرد بذلك غير مسبوق بالخوض في هذه المسالك فبينا أنا أجيل في ذلك فكرا أقدم رجلا وأؤخر أخرى إذ بلغني أن الشيخ الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي أحد متأخري أصحابنا الشافعيين ألف كتابا في ذلك حافلا يسمى البرهان في علوم القرآن فتطلبته حتى وقفت عليه فوجدته قال في خطبته :
لما كانت علوم القرآن لا تحصى ومعانيه لا تستقصى وجبت العناية بالقدر الممكن ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على أنواع علومه كما وضع الناس ذلك بالنسبة إلى علم الحديث فاستخرت الله تعالى وله الحمد في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه وخاضوا في نكته وعيونه وضمنته من المعاني الأنيقة والحكم الرشيقة ما بهر القلوب عجبا ليكون مفتاحا لأبوابه عنوانا على كتابه معينا للمفسر على حقائقه مطلعا على بعض أسراره ودقائقه وسميته البرهان في علوم القرآن وهذه فهرست أنواعه ... « .
ثم ذكر سبعة وأربعين نوعًا ثم قال : » واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره ثم لم يحكم أمره ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله والرمز إلى بعض فصوله فإن الصناعة طويلة والعمر قصير وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير .
هذا آخر كلام الزركشي في خطبته
التعليق :
1 ـ أنه حين تصنيف كتابه التحبير لم يكن اطلع على برهان الزركشي ( ت : 794 ) .
2 ـ من تقدم وفاة الزركشي على شيخ شيوخ السيوطي جلال الدين البلقيني ( ت : 824 ) ، وعلى شيخ السيوطي الكافيجي ( ت : 879 ) ، وادعاؤهما عدم الاطلاع على مؤلف سابق في هذا العلم = ما يدل على عدم اطلاعهما على كتاب الزركشي ، والله أعلم .
3 ـ أنه قصد تأليف الإتقان بعد انتهائه من التحبير ، وبعد اطلاعه على البرهان للزركشي .
4 ـ أن الزركشي لم يذكر سابقًا له ابتدع هذا التصنيف ، وبهذا يكون أول من قصد جمع علوم القرآن جمعًا مستوعبًا .
5 ـ توافق الزركشي والبلقيني وكذا السيوطي في التنظير بعلوم الحديث في التأليف .
6 ـ من أهداف تأليف كتاب البرهان أن يكون معينًا للمفسر على حقائقه ، ومطلعًا على بعض أسراره ودقائقه .

قال السيوطي ( 1 : 14 ) : » ولما وقفت على هذا الكتاب ازددت به سرورا وحمدت الله كثيرا وقوي العزم على إبراز ما أضمرته وشددت الحزم في إنشاء التصنيف الذي قصدته فوضعت هذا الكتاب العلي الشان الجلي البرهان الكثير الفوائد والإتقان ورتبت أنواعه ترتيبا أنسب من ترتيب البرهان وأدمجت بعض الأنواع في بعض وفصلت ما حقه أن يبان وزدته على ما فيه من الفوائد والفرائد والقواعد والشوارد ما يشنف الآذان وسميته ب الإتقان في علوم القرآن وسترى في كل نوع منه إن شاء الله تعالى ما يصلح أن يكون بالتصنيف مفردا وستروى من مناهله العذبة ريا لا ظمأ بعده أبدا وقد جعلته مقدمة للتفسير الكبير الذي شرعت فيه وسميته ب مجمع البحرين ومطلع البدرين الجامع لتحرير الرواية وتقرير الدراية ومن الله استمد التوفيق والهداية والمعونة والرعاية إنه قريب مجيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وهذه فهرست أنواعه ... « .
ثم قال بعد أن عدَّها (1 : 17 ـ 18 ) : » فهذه ثمانون نوعا على سبيل الإدماج ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت على الثلاثمائة « .
التعليق :
1 ـ الفرح بالمواطأة من دأب العلماء ، فإنَّ ذلك يدل على صحة السلوك في العلم ، وعدم الانفراد والشذوذ .
2 ـ ترتيب الإتقان جاء نتيجة لعدد من ترتيبات سابقة له ، وذلك في ترتيب البلقيني والزركشي وترتيبه هو في التحبير .
3 ـ عمل السيوطي في الترتيب ـ فيما يراه أنسب من البرهان ـ على :
ـ إدماج بعض الأنواع في بعض .
ـ فصل ما حقُّه أن يُبان .
ـ الزيادة على ما عند الزركشي .
وبهذا صارت الأنواع عنده ثمانين نوعًا ، وعند البلقيني خمسين نوعًا ، وعنده في التحبير مائة واثنين ، وعند الزركشي سبعة وأربعين نوعًا .
4 ـ صلاحية كل نوع من الأنواع بالإفراد في التأليف ، مما يعني ثراء هذه الأنواع ، وإمكانية التفصيل والزيادة عليها .
5 ـ كما أنه يمكن بفصل هذه الأنواع وتشقيقها أن تصل إلى أكثر من الثلاثمائة ، وكذا عمد ابن عقيلة المكي في كتابه الزيادة والإحسان حيث شقَّق وفرَّق ما جمعه السيوطي .
6 ـ أن السيوطي جعل كتابه هذا مقدمة لتفسيره الكبير ( مجمع البحرين ومطلع البدرين الجامع لتحرير الرواية وتقرير الدراية ) ، وكأنه يشير بهذا إلى علاقة علوم القرآن بما يطرحه المفسرون في كتبهم كما مضت إشارة الزركشي له ، والله أعلم .
وهذا يقودنا إلى معرفة ما يحتاجه المفسر في صلب التفسير ، وإدراك المعنى المراد من الخطاب ، وما يحتاجه في مسائل التفسير من علوم تتعلق بالسورة أو بالآية ، وإن لم يٌبنَ عليها فهم مباشرٌ في المعنى ؛ إلا أنها تُعدُّ من علوم القرآن .

قال السيوطي ( 1 : 18 ) : » وغالب هذه الأنواع فيها تصانيف مفردة وقفت على كثير منها .
ومن المصنفات في مثل هذا النمط وليس في الحقيقة مثله ولا قريبا منه وإنما هي طائفة يسيرة ونبذة قصيرة فنون الأفنان في علوم القرآن لابن الجوزي وجمال القراء للشيخ علم الدين السخاوي والمرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز لأبي شامة والبرهان في مشكلات القرآن لأبي المعالي عزيزي بن عبد الملك المعروف بشيذلة وكلها بالنسبة إلى نوع من هذا الكتاب كحبة رمل في جنب رمل عالج ونقطة قطر في حيال بحر زاخر
وهذه أسماء الكتب التي نظرتها على هذا الكتاب ولخصته منها « .
وذكر أنواعها ، وهي : الكتب النقلية ، وكتب جوامع الحديث والمسانيد ، وكتب القراءات وتعلقات الأداء ، وكتب اللغات والغريب والعربية وإعراب ، وكتب الأحكام ومتعلقاتها ، وكتب الإعجاز وفنون البلاغة ، وكتب الرسم ، وكتب جامعة ، وتفاسير غير المحدِّثين .
التعليق :
1 ـ قوله : » وغالب هذه الأنواع فيها تصانيف مفردة وقفت على كثير منها « . سيذكرها عند كل نوع من هذه الأنواع ، وهذا يدل على سعة اطلاعه على الكتب المفردة في هذا العلم الذي قصد جمعه .
2 ـ ذكر بعض الكتب التي جمعت بعض أنواع علوم القرآن ، لكنها لم تستوعب ، وهذه الكتب هي :
ـ فنون الأفنان لابن الجوزي ( ت : 597 ) .
ـ جمال القراء للسخاوي ( ت : 643 ) .
ـ المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز لأبي شامة ( ت : 665 ) .
ـ البرهان في مشكلات القرآن لأبي المعالي عزيزي بن عبد الملك المعروف بشيذلة ( ت : 494 ) .
وهذه الكتب سبق طرحها في اللقاءات السابقة تحت عنوان ( الجمع الجزئي ) ، وقد فات السيوطي منها بعضها وقد سبق ذكر بعضها في الدروس السابقة .
3 ـ هذه المراجع المتنوعة تدلُّ على أنَّ جمع علوم القرآن جمعًا كليًّا لم يطرأ إلا متأخِّرًا ، وكانت تلك المراجع زادًا يتزود به السيوطي لتنظيم أنواع علوم القرآن ، وإبراز موضوعاتها ومسائلها .
4 ـ يلاحظ أنه لم يذكر كتب أصول الفقه مع رجوعه إليها في تقرير المباحث المتعلقة بعوارض الألفاظ من تخصيص العام وتقييد المطلق وغيرها .

ملحوظات عامة على السيوطي ومنهجه في كتاب الإتقان :
أولاً : يلاحظ أنه لم يُعن ـ كما لم يُعن غيره من المتقدمين ـ بتعريف علوم القرآن كفنٍّ مدوَّنٍ .
ثانيًا : غلب على السيوطي في كتابه الجمع دون التحرير ، فالتحري الموجود ٌليل بالنسبة للمنقول .
ثالثًا : وقع في تشقيق بعض أنواع علوم القرآن مما يمكن أن يكون تحت مسمى واحدٍ .
رابعًا : ذكر بعض أنواع العلوم التي هي من جنس واحدٍ ، ولم يستوعب ما يماثلها في الباب .
خامسًا : اختلاف المصطلح الذي استخدمه السيوطي في كتبه الثلاثة :
1 ـ علم التفسير في كتابه ( التحبير في علم التفسير ) ، وكتابه ( النُّقاية ) .
2 ـ علوم القرآن في كتابه ( الإتقان في علوم القرآن ) .
سادسًا : مما يحمد للسيوطي في كتابه هذا :
1 ـ جمع المتفرق ، وهذا مقصد من مقاصد التصنيف .
2 ـ في هذا الجمع حفظ نصوص من كتب مفقودة .
3 ـ ذكر المؤلفات في أنواع علوم القرآن .
4 ـ نسب الكتب إلى مؤلفيها ، بحيث يستفاد منه في إثبات الكتاب إلى مؤلفه .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=3281
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 23-11-05, 10:34 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

ملخص في منهج الطبري في تفسيره


--------------------------------------------------------------------------------

الإخوة الكرام :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :
فأقدم لكم ملخصًا موجزًا يصف طريقة ابن جرير في كتابه ، وهو من باب التذكرة ، إذ الكلام المفصل على منهج هذا الإمام لا يحتمله هذا المقام ، وما لا يُدركُ كله لا يُترك جُلُّه من أجل عدم إدراك الكلِّ .
أملى ابن جرير كتابه جامع البيان عن تأويل آي القرآن على تلاميذه من سنة ( 283 ) إلى سنة ( 290 ) ، ثمَّ قُرئ عليه سنة ( 306 ) ، وقد أطبق العلماء على الثناء على كتابه .
وقد قدَّمَ الطبريُّ لتفسيرِه بمقدمة علميَّةِ حشدَ فيها جملة من مسائل علوم القرآن ، منها : اللغة التي نزل بها القرآن والأحرفُ السبعة ، والمعربُ ، وطرق التفسيرِ ، وقد عنون لها بقوله : ( القول في الوجوه التي من قِبَلِها يُوصلُ إلى معرفةِ تأويلِ القرآنِ ) ، وتأويل القرآنِ بالرأي ، وذكر من تُرضى روايتهم ومن لا تُرضى في التَّفسيرِ .
ثمَّ ذكر القولَ في تأويلِ أسماء القرآنِ وسورِه وآيه ، ثمَّ القول في تأويلِ أسماء فاتحة الكتابِ ، ثمَّ القول في الاستعاذةِ ، ثُمَّ القول في البسملةِ .
ثمَّ ابتدأ التفسيرَ بسورة الفاتحة ، حتى ختم تفسيرَه بسورةِ النَّاسِ .
ـ كان يُجزِّئ الآيةَ التي يُريدُ تفسيرَها إلى أجزاء ، فيفسرها جماة جملة ، ويعمدُ إلى تفسير هذه الجملة ، فيذكر المعنى الجملي لها بعدها ، أو يذكره أثناء ترجيحه عن كان هناك خلاف في تفسيرها .
ـ إذا لم يكن هناك خلاف بين أهل التأويل فسَّر تفسيرًا جُمْلِيًا ، ثم قال : وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ـ وإذا كان بين أهل التأويل خلاف ، فقد يذكر التفسير الجملي ، ثم ينص على وجود الخلاف ، ويقول : واختلفَ أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ ذلكَ ، فقال بعضهـــم فيه نحوَ الذي قلنا فيه
ـ وقد يذكر اختلاف أهل التأويل بعد المقطع المفسَّرِ مباشرةً ، ثمَّ يذكر التفسير الجملي أثناء ترجيحه .
ـ ومن عادته أن يُترجمُ لكل قولٍ بقوله : فقال بعضهم …. ، ثمَّ يقول : ذكر من قال ذلك ، ثمَّ يذكر أقوالهم مسندًا إليهم بما وصله عنهم من أسانيد . ، ثمَّ يقول : وقال غيرهم ، وقال آخرون … ، ثمَّ يذكر أقوالهم ، فإذا انتهى من عرضِ أقوالِهم ، رجَّحَ ما يراه صوابًا ، وغالبًا ما تكون عبارته : قال أبو جعفر : والقول الذي هو عندي أولى بالصواب ، قول من قال ، أو يذكر عبارة مقاربةً لها ، ثمَّ يذكر ترجيحَه ، ومستندَه في الترجيحِ ، وغالبًا ما يكون مستندُه قاعدةً علميَّة ترجيحيَّةً ، وهو مما تميَّزَ به في تفسيرِه .
ـ اعتمدَ أقوال ثلاث طبقات من طبقات مفسري السلف ، وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين ، ولم يكن له ترتيب معيَّن يسير عليه في ذكر أقوالهم ، وإن كان يغلب عليه تأخير الرواية عن ابن زيد ( ت : 182 ) .
ـ ويحرص على ذكر ما ورده عنهم بالإسناد إليهم ، ولو تعدَّدت الأسانيد في القول الواحد .
ـ وقد يورد قول الواحد منهم ويعتمده إذا لم يكن عنده غيره .
ـ ولم يخرج في ترجيحاته عن قول هذه الطبقات الثلاث إلا نادرًا ، وكان شرطه في كتابه أن لا يخرج المفسر عن أقوال هذه الطبقات الثلاث ( ينظر : تفسير الطبري ، ط : الحلبي 1 : 41 ) .
ـ ولهذا ردَّ أقوال أهل العربية المخالفة لأقوال السلف أدنى مخالفةٍ ، ولم يعتمد عليها إلا إذا لم يرد عن السلف في مقطع من مقاطع الآية شيء ( ينظر تفسيره للواو في قوله ( والذي فطرنا ) فقد اعتمد ما ذكره الفراء من احتمالات ) .
وإذا ذكر علماء العربية فإنه لا يذكر أسماءهم إلا نادرًا ، وإنما ينسبهم إلى علمهم الذي برزوا فيه ، وإلى مدينتهم التي ينتمون إليها ، كقوله : » قال بعض نحويي البصرة « .
وغالب ما يروي عنهم مما يتعلق بالإعراب .
ـ اعتمد الطبري النظر إلى صحة المعنى المفسَّرِ به ، وإلى تلاؤمه مع السياق ، وقد كان هذا هو المنهج العامَّ في تفسيره ، وكان يعتمد على صحة المعنى في الترجيح بين الأقوال .
ـ وكان لا يبين درجة إسناد الآثار إلا نادرًا ، ولم يكن من منهجه نقد أسانيد التفسير ، كما أنه لم يعمد إلى ما يقال من طريقة : من أسندك فقد أحالك .
ـ وكان ـ في الغالب ـ لا يفرق بين طبقات السلف في الترجيح ، وقد يقدم قول أتباع التابعين أو التابعين على قول الصحابي .
ـ وإن كان في بعض المواطن يقدم قول الصحابة ، خصوصًا فيما يتعلق بالنُّزول.
ـ يقدم قول الجمهور على قول غيرهم ، وقد يعدُّه إجماعًا ، ويَعُدُّ القول المخالف لهم شاذًّا .
ـ يَعُدُّ عدم قول السلف بقولٍ دلالة على إجماعهم على تركه ، ويرجح بهذه الحجة عنده .
ـ لم يلتزم بالأخذ بقول الصحابي في الغيبيات .
ـ لم يُعْرِضْ عن مرويات بني إسرائيل لأنه تلقاها بالآثار التي يروي بها عن السلف ، وقد يبني المعنى على مجمل ما فيها من المعنى المبيِّن للآية ( ينظر : تفسير الطبري ، ط : الحلبي : 1 : 274 ) .
ـ يؤخر أقوال أهل العربية ، ويجعلها بعد أقوال السلف ، وأحيانًا بعد ترجيحه بين أقوال السلف .
ـ لا يقبل أقوال اللغويين المخالفة لأقوال السلف ، ولو كان لها وجه صحيح في المعنى .
هذا ما أردت التنبيه عليه من منهج الطبري ، وقد بقي بعض المسائل لعل الله أن يمن بكتابتها ـ خصوصًا ما يتعلق بالقراءات ـ والله الموفق .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=95
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 23-11-05, 10:37 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

رأي آخر في الإسرائليات في كتب التفسير


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
في هذا الصباح (السبت 2/3/1424) كنت أود أن أُتحف هذا الملتقى الرائع بموضوع ، فتذكرت كلامًا كنت علَّقته على موضوع الإسرائيليات أثناء شرحي لرسالة شيخ الإسلام في أصول التفسير ـ أسأل الله أن ييسر طباعتها ـ فرأيت أن أنقل لكم ما شرحت به كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ولما نظرت إليه وجدته طويلاً جدَّا ، فأعتذر لكم سلفاً عن هذا الطول الذي قد ينسي آخرُهُ أولَه في مثل صفحات ملتقى أهل التفسير على الإنترنت.
وأفيدكم أني قد وجدت ما كتبه الأخ الفاضل أبو بيان زاده الله بيانًا ، فأعجبني طرحه ، إذ الموافقة بين ما سأطرحه وما طرحه متمثلة في شيء كثير ، والحمد لله على مثل هذه المواطآت العلمية التي تريح الباحث حينما يجد أن غيره ـ بلا مواطأة واتفاق مسبق ـ قد توصل إلى ما توصل إليه هو.
كما أشكر الأخ الفاضل أحمد البريدي الذي طرح سؤالاً في سلسلته في هذا الملتقى ( مشكل التفسير ) حول أثر ابن عباس في النهي عن سؤال أهل الكتاب ، وقد وعدته بالإجابة على هذا الأثر أثناء لقاء تمَّ بيننا ، كما أنَّ في حديثي هذا إجابة أخرى عنه .
وهذا أوان الشروع في الحديث عن الإسرائيليات ، وهو مجتزءٌ من حديثٍ قبله .
.......
أولاً : أن بعض أخبار بني إسرائيل منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً صحيحًا ، ولا ريب في قبول هذه الأخبار ، حتى لو كانت فيما لا يقوم عليه علم أو عمل ، كاسم صاحب موسى أنه الخَضِرُ .

ثانياً: أنَّ أخبار بني إسرائيل على ثلاثة أحوال :
- أحدها : ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح .
- والثاني : ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه . والضابط في القبول والردِّ في هذا هو الشرع ، فما كان موافقًا قُبِلَ ، وما كان مخالفًا لم يُقبل.
ويدل لذلك أمثلة ، منها ما رواه الطبري ( ت : 310 ) عن سعيد بن المسيب ، قال : قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود : أين جهنم ؟
فقال : البحر .
فقال : ما أراه إلا صادقًا ، ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) ، (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) مخففة « [تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 27 : 18 )]. فصدَّقه أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه ؛ لوجود ما يشهد له من القرآن .
وما رواه البخاري ( ت : 256 ) ، قال : وقال أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة ، وذكر كعب الأحبار ، فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب . صحيح البخاري ج: 6 ص: 2679
وقد يقع الردُّ من بعض الناس لبعض الإسرائيليات بدعوى مخالفة الشرع ، ولا يكون ذلك صحيحًا في الحقيقة ؛ لأنَّ ما ينسبه إلى الشرع قد لا يكون صحيحًا ، بل هو رأي عقلي محضٌ وقع فيه شبه عنده أنه من الشرع ، ويظهر ذلك جليًا فيما يتعلق بعصمة الأنبياء ، إذ معرفة حدود هذه العصمة قد دخله التخريج العقلي ، والتأويل المنحرف بدعوى تنْزيه الأنبياء ، فظهر بذلك مخالفة ظاهر القرآن .

- والثالث : ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، فلا نؤمن به ولا نكذبه .
ويلاحظ في هذا القسم أنه تجوز حكايته ، وعلى هذا عمل السلف في التفسير وغيره ، ولم يقع النكير على هذا بينهم إلا بسبب الإكثار من الرجوع إليهم ، أو بسبب تصديقهم فيما يقولون. كما يلاحظ أنَّ غالب هذا القسم مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني .
وهذه الأخبار قد تكون منقولة عن الصحابة ، وما كان كذلك فالنفس إليه أسكن ، وقد تكون منقولة عن التابعين ، وهذا النقل أقل في القبول من المنقول عن الصحابي لاعتبارات ، منها :

1 ـ أنَّ المنقول عن الصحابة أقل من المنقول عن التابعين .
2 ـ احتمال أن يكون رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عمن أخذها عن النبي صلى الله عليه وسلم .
3 ـ أن جزم الصحابي بما يقوله لا يتصور معه أنه نقله عن بني إسرائيل .
ويلاحظ هنا أنَّ ضابط العقل أو الغرابة ليس مما يُتفقُ عليه .
ففي تفسير قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً) الأحزاب : 69 ، ورد الخبر الآتي :
إن موسى كان رجلاً حَيِيًّا سِتِّيرًا ، لا يُرَى من جلده شيء استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يستَتِر هذا التستر إلا من عيب بجلده : إما برصٌ ، وإما أُدْرَةٌ ، وإما آفةٌ .
وإن الله أراد أن يُبَرِّئه مما قالوا لموسى ، فَخَلا يومًا وحده ، فوضع ثيابه على الحجر ، ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عَدَا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه ، وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ، فرأوه عُرْيانا أحسن ما خلق الله ، وأبرأه مما يقولون .
وقام الحجر ، فأخذ ثوبه ، فلبسه ، وطَفِقَ بالحجر ضربًا بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا ، فذلك قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً) الأحزاب : 69 .
فهذا الخبر لا تخفى غرابته ، وقد لا يحتمل العقل تصديقه ، لكن إذا علِمت أنه خبر صحيح مرويٌّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رواه البخاري ( ت : 256 ) وغيره = سلَّمت لذلك الخبر ، وأدركت أنه خبر حقيقي واقع ، مع ما فيه من الغرابة .
وليس يعني هذا أن يُقبل كل خبرٍ مع ما فيه من الغرابة ، لكن المراد أنَّ الغرابة ليست ضابطًا كافيًا في ردِّ مثل هذه الأخبار ، والله أعلم .
ومن الأمور التي يحسن التنبه لها أنَّ رواية السلف للإسرائيلية ـ خصوصًا الصحابة ـ لا يعني قبول ما فيها من التفاصيل ، ومرادهم بها بيان مجمل ما ورد في القرآن بمجل ما ذُكِرَ في القصة ، دون أن يلزم ذكرهم لها إيمانهم بهذه التفاصيل التي تحتاج في نقلها إلى سند صحيح ، وذلك عزيز جدًّا فيما يرويه بنو إسرائيل في كتبهم
وقد ورد عنهم أنهم يميزون كذبها ويعرفونه ، ولا يصدقون كل ما يُروى لهم من الإسرائيليات ، وإن كان الذي يذكرها لهم محله الصدق عندهم ، ومن ذلك ما ورد في خبر الخليفة معاوية بن أبي سفيان .
قال البخاري ( ت : 256 ) : وقال أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة ، وذكر كعب الأحبار ، فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب صحيح البخاري ج: 6 ص: 2679
قال ابن حجر : » وقال ابن حبان في كتاب الثقات : أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر به ، ولم يُرِدْ أنه كان كذابًا .
وقال غيره : الضمير في قوله لنبلو عليه للكتاب لا لكعب ، وإنما يقع في كتابهم الكذب ؛ لكونهم بدَّلوه وحرَّفوه .
وقال عياض : يصح عوده على الكتاب ، ويصح عوده على كعب وعلى حديثه ، وإن لم يقصد الكذب ويتعمده ؛ إذ لا يشترط في مسمى الكذب التعمد ، بل هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه ، وليس فيه تجريح لكعب بالكذب .
وقال ابن الجوزي : المعنى : إن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبًا ، لا أنه يتعمد الكذب ، وإلا فقد كان كعب من أخيار الأحبار «[ فتح الباري ( 13 : 335 )]

بعض الأمور التي تتعلق بالإسرائليات:
إن من يستقري الإسرائيليات التي وردت عن السلف ، سيجد الأمور الآتية :
1 ـ أنها أخبار لا يبنى عليها أحكام عملية .
2 ـ أنه لم يرد عن السلف أنهم اعتمدوا حكمًا شرعيًا مأخوذًا من روايات بني إسرائيل .
3 ـ أنه لا يلزم اعتقاد صحتها ، بل هي مجرد خبر .
4 ـ أنَّ فيها ما لم يثبت عن الصحابة ، بل عن من دونهم .
5 ـ أن تعليق الأمر في بعض الإسرائيليات على أنه لا يقبلها العقل أمر نسبي ، فما تراه أنت مخالف للعقل ، قد يراه غيرك موافق للعقل .
6 ـ أن الكثرة الكاثرة في هذه الإسرائيليات لا يوضح أمرا يتعلق بالتفسير بل يكون التفسير واضحا بدونها وقد يكون معلوما من حيث الجملة والإسرائيلية لاتفيد فيه زيادة ولا قيد .
7 ـ أن هذه الإسرائيليات من قبيل التفسير بالرأي .

إن كون الإسرائيليات مصدرًا يستفيد منه المفسر في حال بيان معنى كلام الله لا يعني أن تقبلَ كلَّ ما يُفسَّر به هذا من طريق هذا المصدر ، فهذه الإسرائيليات كالتفسير باللغة ، وليس كل ما فسِّر به من جهة اللغة يكون صحيحًا ، وكذلك الحال هنا .
ولما كان التفسير بالرأي قد يقع في ربط آية بآية ، وربط حديث بآية ، فكذلك يقع بربط قصة إسرائيلية بآية ، مع ملاحظة الفرق بين هذه المصادر من جهة قوة الاعتماد عليه ، والوثوق به من حيث هو ، لا من حيث الربط الذي يكون بالاجتهاد ، والاجتهاد قد لا يصح ولو كان من باب تفسير آية بآية .
وإذا كان المراد بالتفسير بيان المعنى ، فاعتبر الإسرائيلية مثالاً في التفسير لبيان المعنى ، وليست حاكمة على النص القرآني ، ولا قاطعةً بهذا المعنى دون غيره من المعاني المحتملة ، ولست ملزمًا بقبولها .
ولاحظ أن بعض الآية التي فُسِّرت بالإسرائيليات معروفة المعنى على جهة الإجمال ، والمراد بها واضح لا لبس فيه ، لكن يقع المراد بتعيين هذا المجمل ، هل هو ما جاء في القصة الإسرائيلية ، أو هو غير ذلك .
وإذا جعلت نظرك إلى أصل القصة دون تفاصيلها التي لا يمكن أن تضبط من طريق الإسرائيليات ، واعتبرت هذا الجزء الجملي فيها ، وجعلته مما يوضح معنى الآية ، كما يمكن أن توضحه بأي قصة أخرى ترد عليك ، فإنك تسلم من إشكالية القول بالاعتماد على الإسرائيليات ، وإني لأرجو أن يكون هذا هو منهج السلف في هذه الإسرائيليات ، وأنهم يستشهدون بها ، ولا يعتمدون عليها ، والله أعلم .
ولأضرب لك مثالاً يُحتذى ، وهو ما ورد في تفسير قوله تعالى : (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ) [ص : 34 ].
قال ابن كثير : » قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم يعني شيطانا ثم أناب أي رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته قال ابن جرير وكان اسم ذلك الشيطان صخرا قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وقيل آصف قاله مجاهد وقيل صرد قاله مجاهد أيضا وقيل حقيق قاله السدي وقد ذكروا القصة مبسوطة ومختصرة « . تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 35
ثم ذكر القصة عن بعض السلف ، ثم قال : » وأرى هذه كلها من الإسرائيليات ، ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا حدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : (وألقينا علىكرسيه جسدا ثم أناب) قال أراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها هاتي خاتمي فأعطته إياه فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء قال لها هاتي خاتمي قالت قد أعطيته سليمان قال أنا سليمان قالت كذبت ما انت بسليمان فجعل لا يأتي أحدا يقول له أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة فلما / رأى ذلك سليمان عرف أنه من أمر الله عز وجل قال وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله تبارك وتعالى أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان قال فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن تنكرن من سليمان شيئا قلن نعم إنه يأتينا ونحن نحيض وما كان يأتينا قبل ذلك فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبا فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس وقالوا بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفر الناس سليمان عليه الصلاة والسلام فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته وكان سليمان عليه السلام يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان عليه الصلاة والسلام فقال تحمل لي هذا السمك فقال نعم قال بكم قال بسمكة من هذا السمك قال فحمل سليمان عليه الصلاة والسلام السمك ثم انطلق به إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان عليه الصلاة والسلام فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه قال فلما لبسه دانت له الجن والانس والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان عليه السلام في طلبه وكان شيطانا مريدا فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماط مع الرصاص قال فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان عليه الصلاة والسلام فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله تبارك وتعالى ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسدا ثم أناب يعني الشيطان الذي كان سلط عليه .
إسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قوي ، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما ـ إن صح عنه ـ من أهل الكتاب ، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه الصلاة والسلام ، فالظاهر أنهم يكذبون عليه [إن كذب اليهود على أنبياء الله أمر ظاهر لمن قرأ أسفارهم ، وهم يتعمَّدون الحطَّ من مقام الأنبياء ليسلم لهم ما يرتكبونه من الذنوب ، وكأنهم يريدون أن يقولوا : إن هذا مما لم يسلم منه الأنبياء فضلا عمن هو دونهم . ومن العجيب من أخبارهم أنهم يصفون داود بالملك دون النبي ، وهم يتجاهلون وصفه بالنبوة عن قصد ؛ إما لأن زمنه هو الزمن الذي عزَّ فيه اليهود ، وصاروا ذوي شأن وبسطة ، وإما لأن يجعلوا ما يصفونه به زورًا وبهتانًا محطًّا لهم في الاقتداء به متى شاءوا ، أو تركه متى شاءوا ؛ لأنه ليس بنبي .
هذا ، ومفهوم النبوة وما يتعلق بها من الأوصاف التي كانوا يطلقونها على بعض الأنبياء ـ كالكاهن وغيره ـ مما يحتاج إلى بحث لمعرفة أثر هذا المفهوم على اعتقادهم وعملهم]
ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء ، فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان ، بل عصمهن الله عز وجل من تشريفا وتكريما لنبيه عليه السلام .
وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف رضي الله عنه كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب « .تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 36تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 37
وقد أورد البخاري في ترجمة سليمان عليه السلام من أخبار الأنبياء في صحيحه تفسير الجسد بالشيطان ، وأورد أيضًا الحديث الآتي :
حدثنا خالد بن مخلد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قال سليمان بن داود : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ؛ تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله .
فقال له صاحبه : إن شاء الله ، فلم يقل ، ولم تَحْمِل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو قالها لجاهدوا في سبيل الله .
قال شعيب وابن أبي الزناد تسعين ، وهو أصح « . صحيح البخاري ج: 3 ص: 1260
وقد حكى الثعلبي ( ت : 427 ) أنَّ بعض المفسرين جعل هذا الحديث تفسيرًا للجسد في الآية.[الكشف والبيان ( 8 : 206 ـ 207 )]

تحليل التفسير:
إنَّ أمامك في هذه الآية عددًا من الروايات الإسرائيلية الواردة عن السلف ، ومعها خبرٌ صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والأمر هنا هو النظر في معنى الآية ، والمراد بالفتنة التي فتنها سليمان عليه السلام ، وليس النظر هنا إلى صحة الأخبار ، وإنما إلى صحة حمل هذه الأخبار على فتنة سليمان عليه السلام ، لبيان ما وقع فيه سليمان عليه السلام .
فأيهما أولى : التفسير بمجمل الروايات التي وردت عن السلف ، أو التفسير بهذا الحديث الوارد في أخبار سليمان عليه السلام ؟
إن حمل الآية على هذا أو ذاك من باب الرأي ، لكن أيهما أنسب في فهم الآية ، وسياقها ؟
إنَّ مجمل الأخبار التي حكاها المفسرون أنَّ الشيطان سُلِّط على سليمان عليه السلام ، وأنه بلغ من تسليطه أن سلبه ملكه ، وأنكره الناس ، حتى عاد إليه ملكه وانتقم من هذا الشيطان العاتي .
وعلى هذا المجمل وردة روايات المفسرين ، وهو قول الجمهور منهم ، حتى إنه لا يكاد يوجد خلاف بين السلف على هذا المجمل من القصة ، والسياق يشير إليه ، وذلك لأنه لما طلب المُلْكَ الذي لا ينبغي لأحد من بعده ، كان منه تحكمه في الشياطين ، ولم يكن قبل فتنه معصومًا عن تسلطهم عليه .
وليس في هذا الأمر غرابة ؛ لأن الله يبتلي عباده بما يشاء ، ويبتلى الرجل على قدر دينه ، وكون الله قد قدَّر تسلط بعض الشياطين على الأنبياء ، فإن ذلك مما لا ينكره إلا من تجرَّد من قبول الأخبار ، إذ قد صح الخبر بلا نكير أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سُحِرَ ، وكان سحره فيما يتعلق ببشريته دون نبوته ، وما السحر إلا تسلط من الشيطان ، وكان ذلك من البلاء الذي قدَّره الله على أفضل خلق صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ نجَّاه منه .
فإذا كان هذا مستقرًا عنك بلا نكير ، ولم تكن ممن يرد الأخبار الصحاح التي وردت في مثل هذا المقام ، فمالذي يدعوك إلى إنكار أصل القصة التي وردت في فتنة سليمان ، وأنه كان فيها تسليط للشيطان عليه ، لكن ما مدى هذا التسليط ، وما التفاصيل التي حصلت ، فهذا مما لا يمكن إدراكه إلا بخبر معصوم ، والخبر المعصوم ليس موجودًا في هذه الروايات ، لذا كان انتقاد هذه التفاصيل دون أصلها .

أما ما رواه البخاري ( ت : 256 ) من خبر سليمان عليه السلام ، فلا يصلح أن يكون تفسيرًا للآية ، قال الطاهر بن عاشور ( ت : 1393 ) : » وليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك تأويل هذه الآية . ولا وضع البخاري ولا الترمذي الحديث في التفسير في كتابيهما .
قال جماعة : فذلك النصف من الإنسان هو الجسد الملقى على كرسيه ، جاءت به القابلة ، فألقته له وهو على كرسيه ، فالفتنة على هذا خيبة أمله ، ومخالفة ما أبلغه صاحبه .
وإطلاق الجسد على ذلك المولود ؛ إما لأنه وُلِدَ ميتًا ، كما هو ظاهر قوله : شق رجل ، وإما لأنه كان خلقه غير معتاد ، فكان مجرد جسد .
وهذا تفسير بعيدٌ ؛ لأن الخبر لم يقتض أن الشقَّ الذي ولدته المرأة كان حيًّا ، ولا أنه جلس على كرسي سليمان .
وتركيب هذه الآية على ذلك الخبر تكلُّف «.[التحرير والتنوير ( 23 : 260 )]
وبعد هذا ، لو لم يكن عندك خبر من أخبار بني إسرائيل ، ولا غيره من الآثار ، فهل يخفى عليك البيان الجملي ، والمعنى المراد بالآية ؟
لا أظنَّ أن ذلك يخفى عليك ، فأنت ستدرك المعنى والمراد دون الاعتماد على مرويات بني إسرائيل التي تتميز بذكر تفاصيل في القصة قد تزيد المعنى وضوحًا ، دون أن تكون أصلاً في فهم المعنى .

ويصعب الأمر في تفسير الآية حين لا يرد عن السلف إشارة إلى غير الإسرائيليات ، وفيها ما فيها من الغرابة والنكارة ، ومن ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى : (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ % إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ % إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ % قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ % يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ص : 21 ـ 26
قال ابن كثير ( ت : 774 ) : » قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذة من الإسرائيليات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديث لا يصح سنده ؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه.
ويزيد ، وإن كان من الصالحين ، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة ، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة ، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل ، فإن القرآن حق ، وما تضمن فهو حق أيضًا «.[تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، تحقيق : سامي السلامة ( 7 : 60 )]
ولم يتكلم ابن كثير ( ت : 774 ) على هذه الآيات ، ولا ذكر قصتها . وما ذلك إلا لكونها مشكلة عنده رحمه الله .
أما القصة ، فقد ذكرها غيره ، وهم كثير ، ومن رواياتها :
قال الطبري ( ت : 310 ) : » حدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله : (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) قال : إن داود قال : يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لوددت أنك أعطيتني مثله .
قال الله : إني ابتليتهم بما لم أبتلك به ، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به وأعطيتك كما أعطيتهم .
قال : نعم .
قال له : فاعمل حتى أرى بلاءك .
فكان ما شاء الله أن يكون ، وطال ذلك عليه ، فكاد أن ينساه ، فبينا هو في محرابه ، إذ وقعت عليه حمامة من ذهب ، فأراد أن يأخذها ، فطارت إلى كوة المحراب ، فذهب ليأخذها ، فطارت ، فاطَّلع من الكوة ، فرأى امرأة تغتسل ، فنَزل نبي الله من المحراب ، فأرسل إليها ، فجاءته ، فسألها عن زوجها وعن شأنها ، فأخبرته أن زوجها غائب ، فكتب إلى أمير تلك السرية : أن يؤمره على السرايا ؛ ليهلك زوجها ، ففعل ، فكان يصاب أصحابه وينجو ، وربما نُصروا ، وإن الله عز وجل لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنقذه ، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسوَّر عليه الخصمان من قِبَلِ وجهه ، فلما رآهما وهو يقرأ فزع وسكت .
وقال : لقد استُضعفت في ملكي حتى إن الناس يستورون علي محرابي .
قالا له : لا تخف ، خصمان بغى بعضنا على بعض ، ولم يكن لنا بُدٌّ من أن نأتيك ، فاسمع منا .
قال أحدهما : إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة أنثى ، ولي نعجة واحدة ، فقال : أكفلنيها ؛ يريد أن يُتَمِّمَ بها مئة ، ويتركني ليس لي شيء ، وعزني في الخطاب .
قال : إن دعوتُ ودعا كان أكثر ، وإن بطشتُ وبطش كان أشد مني ، فذلك قوله : (وعزني في الخطاب).
قال له داود : أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) إلى قوله : (وقليل ما هم) ، ونسي نفسه ، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك ، فتبسم أحدهما إلى الآخر ، فرآه داود ، وظن أنما فُتِنَ ، فاستغفر ربه ، وخَرَّ راكعًا ، وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من دموع عينيه ، ثم شدد الله له ملكه «.[تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 23 : 146 )]
هذه أخفُّ الروايات في شأن هذا الابتلاء الذي أصيب به داود عليه السلام ، وهي كما ترى فيها ما فيها .
وورد في الروايات الأخرى أنَّ الرجل قُتِلَ في الغزو بسبب طلب داود من أمير حربه أن يجعله ممن يتقدمون بالتابوت ؛ لأنَّ من يتقدم به لا يجوز له أن يفر حتى يموت أو يضعه بين يدي العدو وينجو ، وإن كان الغالب على حملة التابوت الموت .
فلما تقدم الرجل بالتابوت كان ممن مات ، فلما انتهت عِدَّةُ امراته تقدم إليها داود عليه السلام فتزوجها.
حاشية :[ينظر ـ على سبيل المثال ـ في هذه القصة : تفسير الطبري ، ط : الحلبي ( 23 : 147 ـ 150 ) ، ويلاحظ أن الرواية الإسلامية لهذه الإسرائيلية قد خلت من البهتان الذي ألصقته يهود بنبي الله داود من أنه زنى بالمرأة ـ والعياذ بالله ـ وزوجها في الغزو ، ثم أنه
قدمه في حملة التابوت ... القصة .
فهذا من البهتان العظيم الذي يستحيا من ذكره في حقِّ أصفياء الله ، وإنما أوردته لأنه يُظهِر أن الذين نقلوا الإسرائيليات لم ينقلوا كل ما فيها من البهتان ، والله أعلم .]
وهذا الخبر مشهور في بني إسرائيل ، وهو في أسفارهم كما هو مروي عن السلف ، لكن من دون ذكر اتهامه عليه السلام بشنيعة الزنا ، وظاهر أن السلف تلقوه منهم ، وأنهم لم يذكروا هذه التهمة الباطلة .
وجائز أن يكون للقصة أصل صحيح ، لكن زيد عليها زيادات أبعدتها عن الصحة ، وليس ذلك بغريب على أمة قتلت الأنبياء وكذبت عليهم ، هذا فضلا عن تقادم العهد ، وعدم تدوين مثل هذه الأخبار وقت وقوعها ولا بُعيده ، مما يعطي فرصة لدخول مثل هذه التفاصيل الغريبة .
ولو أُخِذَ الأمر على أنه أراد أن تكون هذه المرأة زوجةً له ، وأنه تمنى أن لو قُتِلَ زوجها في سبيل الله ، ولكن الله لم يقدِّر له الموت ، كما هو ظاهر الرواية السابقة عن ابن عباس ( ت : 68 ) ، فأرسل الله له الملائكة على صورة المختصمين في أمر النِّعاج ـ وهي إشارة للزوجات ـ ليُبَيِّنوا له ما وقع فيه من الخطأ .
وهذا القدر يدخل في النطاق البشري ، ولا يوجد ما يمنع وقوعه من النبي سوى الرأي بأنه مما يُخلُّ بالمروءة ، وقد يكون هذا الأمر مما يجوز في شريعتهم ، فالشرائع تختلف .
وداود عليه السلام لم يقتله ، ولا أمر بذلك ، وإنما كان هو في الغزو ، والغزاة إنما يذهبون للجهاد ، وهم متيقنون بالموت .
والموت في سبيل الله شرف يطلبه كل مسلم ، فقدَّمه لذلك الشرف حرصًا منه على هذه المرأة ، فكان في ذلك الخطأ ، والله أعلم .
ولقد كان داود غنيًا عن مثلها ، لكن الله ابتلاه ، ولله أن يبتلي عباده بما شاء ، فأي مانع من أن تكون البلوى على هذه الصورة ؟
هذا ، والله أعلم بما كان . ولو كان ، فهل يلزم أن تكون هذه القصة هي المرادة من هذه الآيات .
خذ الآيات على ظاهرها ، وفسِّرها بهذا الظاهر ، دون أن يكون في ذهنك مثل هذه القصة ، ماذا سيكون التفسير ؟
يقول الله تعالى : (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) ص : 21 ؛ أي : هل جاءك خبر من بني إسرائيل حين قفزوا إلى بيت داود ، ودخلوا عليه ، وهو في مكان عبادته .
ولو كانوا ملائكة لما احتاجوا أن يقفزوا ، فكان في قوله تعالى : (تسوروا المحراب) إشارة واضحة أنهم من البشر ، كما أنَّ في الإخبار عنهم أنهم خصمة إشارة إلى وقوع أمر يتخاصمون عليه ، وهو شأن هذه الغنم ، وأنهم لم يكن لهم بدُّ من فعل ذلك الأمر المشين ، وهو تسور المحراب على داود ، وليس ذلك الخُلقُ بغريب على قَتَلَتِ الأنبياء .
فالموضوع في نظرهم لا يستحق بلغ درجة لا يُحتمل معها الانتظار ، ففعلوا ما فعلوا ، ولم يراعوا حرمة بيت داود ، ولا وقته الذي لم يكن فيه مستعدًّا لتلقي الخصوم .
ولا زال حال بعض الناس اليوم على هذا ، فتراه يتصل على المفتي في أي ساعة من ليل أو نهار يطلب الفتوى ، وليس في نظره همُّ ولا شغل غيرها ، وهو غير مراع لآداب الوقت ، والمناسب منه في طلب الفتوى .
قوله تعالى : (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) ص : 22 .
لقد كان من الطبعي أن يخاف داود عليه السلام هؤلاء الداخلين عليه محرابه في ساعة لا يستقبل فيها أحدًا ، لكنهما بادراه بما يريدان ، وهو ما شغلهم ، وجعلهم يأتونه في هذا الوقت الغريب ، وأعلماه بأنهما متخاصمان ، وطلبا منه على سجية بني إسرائيل المتعنتة أن يحكم بينهم بالحق ولا يميل مع أحدهما على الآخر ، وأنَّى لنبي الله داود عليه السلام الذي أوتي الحكمة وفصل الخطاب أن يَحيف على المتخاصمين ، لكنها هِنَةٌ من أخلاق بني إسرائيل الذين قالوا لموسى ، وهو يأمرهم أن يذبحوا البقرة : (أتتخذنا هزوا) البقرة : 67 ، وأنَّى لنبي الله موسى أن يهزأ .
قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) ص : 23
هذه هي الخصومة ، خصومة بين صاحبي نعاج ، وهي نعاج حقيقة ، فمجتمع داود عليه السلام مجتمع رعوي زراعي ، يدل على ذلك تلك الخصومة التي ذكره الله سبحانه في سورة الأنبياء بين أصحاب الغنم وأصحاب الحرث ، قال تعالى : (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) الأنبياء : 78
وهذه المشكلة حصلت بين أصحاب الماشية ، ولتصور الحدث أحكي لك واقع الحدث تخيُّلاً لا تحقيقًا ؛ لتقريب تلك الصورة التي وقعت :
هذان جاران ، أحدهما يملك تسعة وتسعين نعجة ، والآخر يملك نعجة واحدة ، ومن عادة أهل القرى أن تسرح ماشيتهم مع الراعي حتى المساء ، فإذا عادت في المساء دخلت تلك النعجة المنفردة مع نعاج صاحبه الكثيرة .
ثمَّ يأتي صاحب النعجة ليخرج نعجته من بين نعاج صاحبه ، فتخيل ماذا يحدث من إزعاج صاحب النعاج كل ليلة حينما يدخل صاحب النعجة ليخرج نعجته من بين تلك النعاج .
لما كان الحال كذلك ، قال له صاحب النعاج : أكفلنيها ؛ أي : اجعلها في كفالتي ، تبقى مع نعاجي ، وتأكل وتشرب ، دون أن تزعجني كل ليلة وتزعج نعاجي .
لكن صاحب النعجة رجل مُتَعَنِّتٌ ، ضيِّق الفهم ، فركب رأسه ورأى أنَّ في هذا تجنٍ عليه ، ومضايقة له في نعاجه ، وكان رجلاً خَصِمًا ، فخاصم ، وكان هو المتحدث عند داود عليه السلام ، فانطلق في الشكاية ، وأظهر أنه صاحب حقٍّ ، مع أن صاحبه يريد أن يَبَرَّه ، ولم يزد عن قوله : أكفلنيها ، ولكنه زعم أن صاحب النعاج قد غلبه في الخطاب والمخاصمة .
ثمَّ تكلَّم داود مستعجلاً في الحكم في القضية قبل أن يسمع حجة الرجل الآخر ، فقال : (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ) ص : 24 ، وبهذا الاستعجال ، وعدم سماع الخصم الآخر ، وقع داود في ما يستحق عليه المعاتبة ، ثم استدرك عجلته في القضية ، فأدرك أنها الفتنة التي اختبره الله بها ، فاستغفر ربه ، وخر راكعً منيبًا لربه .
ثم قال الله معقبًا على قضية الخصوم : (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ص : 26 ، فالمقدمة للقصة ، وتضاعيفها وتعقيبها كله في الحكم والقضية ، ولا يظهر لأمر المرأة شيء ، فقد جاءت المقدمة منوهةً بما أعطى الله داود من الحكمة وفصل الخطاب في قوله تعالى : (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) ص : 20 ، ثم ذكر بعدها قضية الخصوم الذين تسوروا المحراب ، ثمَّ عقَّب بتذكير داود بأن الله جعله خليفة في الأرض وأمره له بأن يحكم بين الناس بالحق ، هذا هو ظاهر الآيات ، والله أعلم بالصواب .

مسائل تتعلق بالإسرائليات :
أولاً : تعليق الأمر بالإسرائيلية دون راوي الإسرائيلية .
إن الخبر الغيبي إذا كان مرتبطًا بقصص بني إسرائيل على سبيل الخصوص ، فإن الأولى أن يقال فيه : فيه شبه الخبر الإسرائيلي ، حتى يتوقف فيه ، دون أن يكون التعليق على راوي الخبر ، فلا يقال : يتوقف فيه لأنه من رواية ابن عباس ( ت : 68 ) ، وهو مشهور بالأخذ عن أهل الكتاب ؛ لأن هذا يلزم منه التوقف في كل خبر غيبي يرويه ابن عباس ( ت : 68 ) ، إذ سيقال : يتوقف في هذا النقل ؛ لأن ابن عباس ( ت : 68 ) يروي عن بني إسرائيل ، وعند التحقيق لا تجد الأمر كذلك .
والوارد عن الصحابة له خصوصية ، كما قال شيخ الإسلام ( ت : 728 ) : » ... وما نُقِل في ذلك عن الصحابة نقلاً صحيحًا ، فالنفس إليه أسكن مما نُقِل عن بعض التابعين ؛ لأن احتمال أن يكون سمعه ومن النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى ، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ، ومع جزم الصحابي بما يقوله ، كيف يقال : إنه أخذه عن أهل الكتاب ، وقد نُهوا عن تصديقهم «.[مقدمة في أصول التفسير ، تحقيق : عدنان زرزور ( ص : 58 )]
وابن عباس ( ت : 68 ) قد اشتهر أخذه عن بني إسرائيل ، وصحَّ عنه بعض الأمور الغيبية ، فلو عُمِلَ بهذه القاعدة لما قٌبِلَ قوله فيها ، ولكنَّ الأمر على خلاف ذلك ، فقد قُبِلَ قوله ، وأُخِذَ به ، ومن ذلك ما ورد عنه في الكرسي ، قال عبد الله بن احمد بن حنبل : حدثني أبي ، نا ابن مهدي ، عن سفيان ، عن عمار الدُّهْنِي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : الكرسي موضع القدمين ، والعرش لا يقدر أحد قدره «.[السنة ( 2 : 454 ) ، وقد روي في غير ما كتاب من كتب السنة]
فإذا أعملت هذه القاعدة ، وهي أن من عُرِفَ بالأخذ عن بني إسرائيل ، وكنت ممن ظهر له أن ابن عباس ( ت : 68 ) قد أخذ عنهم ، فإنك ستتوقف في دلالة هذا الخبر ، وهذا ما لم يعمل به أهل السنة ، بل تلقوا خبره بالقبول ، وأثبتوا به هذه العقيدة التي يتضمنها الخبر .
وأخذ ابن عباس ( ت : 68 ) عن أهل الكتاب مما لا يحتاج إلى إثبات ، لكن الأمر الذي يحتاج إلى بحث ما ورد عنه في صحيح البخاري ( ت : 256 ) ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، أخبرنا ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء ، وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث ، تقرءونه محضًا لم يُشَبْ ، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا ، وغيَّروا ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلاً ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ، لا والله ، ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذى أنزل إليكم « .
فما مراده من هذا النهي ؟
لقد حرصت على تتبع هذا الأثر عن ابن عباس لعلي أظفر بشرح يبين مقصوده ، لكني لم أظفر بشيء في ذلك ، وقد اجتهدت في تبيُّن الاحتمالات التي جعلت ابن عباس ( ت :68 ) يقول هذا ، مع أنه قد ورد عنه الأخذ عن بني إسرائيل ، فظهر لي منها :

أولاً : أن يكون يريد الأحكام والعقائد دون غيرها من الأخبار ؛ لأن هذين الأمرين لا يجوز أن يؤخذا عن غير المعصوم في خبره .
أما الأخبار الأخرى فإنها مما لا يلزم تصديقه ولا تكذيبه ، ولا يُبنى عليها علم ، وليس فيها هدى ، قال ابن كثير ( ت : 747 ) : » ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل وما أقل الصدق فيه ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحا قال ابن جرير 213 حدثنا ابن بشار أبو عاصم أخبرنا سفيان عن سليمان ابن عامر عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير عن عبد الله هو ابن مسعود قال لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال « .
ثانيًا : أن يكون رأيًا متأخرًا له .
ثالثًا : أنه رأى كثرة الرجوع إليهم ، فأراد أن يسد هذا الباب .
ثانيًا : معرفة المصدر الذي نقلت منه الإسرائيلية .
ثالثًا : الموقف من كتب التفسير التي تروي الإسرائيليات .
لا تخلو كتب التفسير التي تنقل أخبار بني إسرائيل من حالتين :
الأولى : أن تنقل من كتب أهل الكتاب مباشرة ، كما تجده في كتاب التحرير والتنوير ، للطاهر بن عاشور ( ت : 1393 ) .
الثانية : أن تكون كتب التفسير تنقل بالرواية عمن نقل هذه الإسرائيليات ، وعلى هذا أغلب كتب التفسير ، كتفسير ابن جرير الطبري ( ت : 310 ) ، والكشف والبيان للثعلبي ( ت : 427 ) ، وتفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ( ت : 774 ) ، وغيرها من كتب التفسير التي تعنى بالمأثور عن السلف .
وهذا النوع من كتب التفسير قد يوجه النقد إلى أصحابها بأنهم يروون الإسرائيليات ، ولا ينقدونها .
وإذا تأمَّلت هذه النقود مليًّا ، وجدتها لا توجَّه إلى هؤلاء المفسرين فحسب ؛ لأنهم نقلوا ما وجدوا في الآثار عن السلف ، لكنه في حقيقته يعود إلى نقد منهج السلف في التعامل مع هذه الإسرائيليات ، وذكرهم لها في تفاسيرهم .
إن هذا هو نتيجة نقد الكتب التي تذكر الإسرائيليات ولا تنقدها ، فهل يقع اللوم على المفسر الذي نقل المرويات ، أو يقع على الذين تُروى عنهم من السلف ؟!
إن وجود الإسرائيليات ليس عيبًا يخدش قيمة التفسير ، وليس من الأخطاء لتي يتحملها المؤلفون في التفسير حينما ينقلون ما بلغهم عن مفسري السلف ، وقد أشار إلى ذكر القاسمي ( ت : 1332 ) تحت قاعدة بعنوان ( قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات ) ، قال :» ... فإذً لا يخفى أن من وجوه التفسير معرفة القصص المجملة في غضون الآيات الكريمة ، ثم ما كان منها غير إسرائيلي ؛ كالذي جرى في عهده صلى الله عليه وسلم ، أو أخبر عنه ، فهذا تكفل ببيانه المحدثون ، وقد ررو بالأسانيد المتصلة ، فلا مغمز فيه .
وأما ما كان إسرائيليًا ، وهو الذي أخذ جانبًا وافرًا من التنْزيل العزير ، فقد تلقى السلف شرح قصصه ، إما مما استفاض على الألسنة ودار من نبئهم ، وإما من المشافهة عن الإسرائيلين الذين آمنوا .
وهؤلاء كانوا تلقفوا أنباءهم من قادتهم ؛ إذ الصحف كانت عزيزة لم تتبادلها الأيدي كما هو في العصور الأخيرة . واشتهر ضنُّ رؤسائهم بنشرها لدى عمومهم ، إبقاءً على زمام سيطرتهم ، فيروون ما شاءوا غير مؤاخَذين ولا مناقَشين ، فذاع ما ذاع .
ومع ذلك فلا مغمز على مفسرينا الأقدمين في ذلك ، طابق أسفارهم أم لا ، إذ لم يألوا جهدًا في نشر العلم وإيضاح ما بلغهم وسمعوه ؛ إما تحسينًا للظن في رواة تلك الأنباء لا يروون إلا الصحيح ، وإما تعويلاً على ما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : » بلغوا عني ولول آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج « . ورواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هؤيرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : » حدثوا عن بني إسرائي ولا حرج « . فترخَّصوا في روايتها كيفما كانت ، ذهابًا إلى أن القصد منها الاعتبار بالوقائع التي أحدثها الله تعالى لمن سلف ؛ لينهجوا منهج من أطاع ، فإُثنِي عليه وفاز ، وينكبوا عن مهيع من عصى فحقت عليه كلمة العذاب وهلك . هذا ملحظُهم رضي الله عنهم .
وقد روى الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يقول : » إذا روينا في الأحكام شددنا ، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا « . فبالأحرى القصص . وبالجملة : فلا ينكر أن فيها الواهيات ـ بِمَرَّة ـ والموضوعات ؛ مما استبان لمحققي المتأخرين .
وقد رأيت ممن يدعي الفضل ـ الحطَّ من كرامة الإمام الثعلبي ـ قدَّسي الله سره العزيز ـ لروايته الإسرائيليات ، وهذا ـ وايم الحقِّ ـ من جحد مزايا ذوي الفضل ومعاداة العلم ، على أنه ـ قُدِّس سرُّه ـ ناقل عن غيره ، وراوٍ ما حكاه بالأسانيد إلى أئمة الأخبار ، وما ذنب مسبوق بقول نقله باللفظ ، وعزاه لصاحبه ؟!
فمعاذًا بك اللهم من هضيمة السلف ... «.[محاسن التأويل ( 1 : 41 ـ 42 )]
رابعًا : بعض قصص القرآن لا يوجد في كتب بني إسرائيل .
إن دراسة الإسرائيليات الواردة عن السلف تحتاج إلى موازنة مع القصص الغيبية الأخرى التي يُقطع بأنها لم ترد عن بني إسرائيل ، وليست من أخبارهم ؛ كقصص قوم هود وقوم صالح وقوم شعيب ، ويُنظر هل ورد فيها عنهم أخبار عجيبة وغريبة أم لا ؟
إن ورود غرائب في قصص هؤلاء الأنبياء لا يمكن أن يكون مأخوذًا عن بني إسرائيل قطعًا ؛ لأنه لا يوجد في أخبار بني إسرائيل غير نبأ آدم ونوح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ويوسف ، ثم أخبار أنبياء بني إسرائيل بدءًا بموسى عليه السلام .
أما غيرهم من الأنبياء في الأمم الأخرى ـ خصوصًا العرب الذين كانوا يحقدون عليهم ـ فلا يوجد لهم ذكر في أسفارهم .
والله الموفق


__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=150
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 23-11-05, 10:42 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

نعم .. مصطلح السامية فرضية خرافية


--------------------------------------------------------------------------------

لقد اطلعت على ما نقله الأخ الكريم عبد الرحمن الشهري من مقال في مجلة الفرقان للدكتور عودة الله منيع القيسي تحت عنوان (( فرضيَّّة (الشعوب الساميّة، واللغات الساميّة( فرضيّةٌ خرافيةٌ لا أصل لها )) ، وأحببت أن أشارك في هذا الموضوع بشيء كان في نفسي أن اكتب عنه منذ زمن ، لكن هذا المقال دفعني إلى أن أحرر هذه المقالة الموجزة التي تواطئ ما ذهب إليه الدكتور الفاضل ، فكلامه صحيح بلا ريب ، لا يخفى على من يقرأ في تاريخ هذه المنطقة العريقة في القِدم .
إن من العجيب أن تكون الفرضية حقيقة ، مع اليقين بأنها فرضية ، والأعجب من هذا أن تتحول إلى ولاء وبراء بامتياز خاصٍ لليهود فقط .
إنه استغلال اليهود الذي تميزوا به ، فحصروا هذا المصطلح الخرافي عليهم ، ونقلوه إلى مصطلح سياسي يعادون عليه من يعادون ، وإن كانوا ساميين ـ كالعرب ـ على مصطلحهم هذا ، لكن الإعلام له سيطرته الغالبة التي تحول الصادق كاذبًا ، والكاذب صادقًا ، وترى كثيرًا من الناس يصدقونهم ، فياللعجب !.
وهذه الكذبة في هذه المصطلح التي اخترعها المستشرق اللاهوتي ( شلوتزر ) ، وهي نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام .
يقول : (( ... من المتوسط إلى الفرات ، ومن بلاد النهرين إلى شبه جزيرة العرب تسود كما هو معروف لغة واحد وعليه فالسوريون والبابليون والعبريون والعرب كانوا أمة واحدة ، والفينيقيون والحاميون أيضًا تكلموا بهذه اللغة التي أود أن أدعوها ساميَّة )) ( نقلاً عن معرب القرآن عربي أصيل للدكتور جاسر أبو صفية / ص : 12 ) .
وقد اعترض عليه المستشرق الفرنسي بيرو روسي في كتابه ( مدينة إيزيس التاريخ الحقيقي للعرب / ترجمة فريد جحا ص : 18 ) ، فقال : (( إننا نعرف عندما نتكلم عن الوطن العربي أننا في سبيلنا إلى معارضة نظرية مقدسة تجعل العربي شخصية صحراوية انبثقت في التاريخ في عهد غير محدد أو معروف .
لقد كتبت دائرة معارف الإسلام : (( إن عهود العرب الأولى في التاريخ غامضة جدًّا ، إننا لا نعرف من أين أتوا ، ولا ماهو وجودهم البدائي )) .ولكن شيئًا وحيدًا يبدو مؤكدًا لكاتب المقال ، وهو انهم ساميون . وهاهو ذا التفسير الهزيل الهزيل ، التعبير الخالي من الحقيقة ، من أي معنى ، تعبير فارغ إلى حدِّ أن دائرة معارف الإسلام هذه نفسها لم تستطع أن تضع تعبير (( الساميين )) على مائدة البحث .
وهل هناك ضرورة لإضافة أن تعبير ( سامي ) لم يرد ذكره بين مفردات اللغة الإغريقية أو اللاتينية ؟!
وما يقال في هذا المجال طويل ، إننا لن نجد هذا التعبير قبل نهاية القرن الثامن عشر ، وذلك أن العالم ( أ .ل . شلوتسر ) هو الذي صاغ هذا النعت (السامي) في مؤلف نشره عام 1781 ، وأعطاه هذا العنوان ( فهرس الأدب التوراتي والشرقي ) ، كأن الأدب التوراتي ليس شرقيًّا ... ))
وهذه التسمية مرجعها أسفار بني إسرائيل ، حيث يعدُّون لنوح ثلاثة أبناء : سام ، وحام ، ويافث ، ويقسمون الشعوب عليهم ، وهذا فيه نظر ليس هذا محله .
ويجعلون شعوب السامية متكونة من ( الآشورية البابلية والآرامية والعبرية والعربية والحبشية وغيرها ) .
وإذا تأملت أماكن عيش هذه الشعوب ، فإنه سيظهر أربعة مناطق : ( جزيرة العرب ، والحبشة ، والعراق ، والشام ) .
وهذا التقسيم يوحي لك بأن هذه الشعوب تتكلم لغات مختلفة ، وإن كانوا يقولون بأن أصلها واحد ، وهو السامية المزعومة ، التي لا يُعرف لها كنه ولا صفة .
ولو تأملنا المصادر التي يعتمدها هؤلاء الدارسون لوجدنا الأول عندهم هو أسفار بني إسرائيل ( الموسومة عندهم بالكتاب المقدس ) ، فهم يجعلون هذا الكتاب ، ولغتهم العبرية المزعومة الأساس في دراسة هذه المنطقة لغة وتاريخًا .
وقد يزيد بعض الباحثين ما يجدونه من أثريات قد دُّوِّن فيها شيء من الأخبار أو التاريخ ، لكنهم يدرسونها حسب المنظور التوراتي فحسب .
وقد قابل هؤلاء باحثون لا دينيون فاعترضوا على كل ما هو توراتي ، وأظهروا زيف بعض أقاصيص هذه الأسفار المكذوبة ، لكن لأجل هذا المنطلق غير الديني أوقعهم في تكذيب أخبار صحيحة قد وردت في كتاب ربنا وسنة نبينا الصحيحة ، وإن كانوا احسنوا في ردِّ بعض خرافات بني إسرائيل .
أما نحن المسلمين ـ وياللأسف ـ فقلَّ أن تجد عندنا باحثين متخصصين في هذه الأمور ينطلقون من تراثنا العريق الذي قد صُحِّح فيه شيء من أخبار هؤلاء .
ولهذا أقول : إننا ـ نحن المسلمين ـ بحاجة إلى إبراز المنهج العلمي الإسلامي القائم على العدل ، وإيضاح الحقِّ ، كما قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ( المائدة : 8 ) ، لكي لا تأخذنا العاطفة وردة الفعل في ردِّ كل ما مصدره يهوديُّ أو نصراني (1) .
وإنني من خلال قراءتي في هذا الموضوع وما يدور حوله = أحسُّ بأن الموضوع بحاجة ماسَّة إلى متخصصين يتخصصون فيه ؛ لأن تاريخ منطقتنا العربية ولغاتها القديمة من جزيرتها وعراقها وشامها ومغربها قد كُتِب بأيدي أناس خارجين عن المنطقة وليس لهم علم بلغتها ، هذا على أحسن الأحوال ، وإن كان كثيرٌ ممن كتب في ذلك لا يخلو من تزيييف متعمد من توراتيين يهود أو مستشرقين ، والاستدلال لهذه المسألة يطول ، وهو يصلح أن يكون بحثًا أكاديميًّا لمن يكون متخصصًا في الآثار أو اللغة أو التاريخ ، فهذه المجالات الثلاثة لا يستغني الدارسون فيها عن بعضهم البعض .
ولئلا يطول الموضوع أُلمح إلى بعض القضايا المتعلقة بهذا المصطلح ، فأقول :
1 ـ لا ريب أن المصدر الوحيد لهذه التسمية ( وكذا تقسيم الشعوب ) هو أسفار بني إسرائيل ، وهي ـ كما لا يخفاك ـ ينقصها التوثيق ، ولا تصلح لأن تكون المصدر الوحيد فقط .
وقد ورد في كتاب ( مدخل إلى الكتاب المقدس ، تأليف جماعة من النصارى ، إصدار دار الثقافة ) ( ص : 23 ) : (( كاتب التكوين مجهول ، لكن العهد الجديد يدلنا ضمنًا على أن كاتبه هو موسى ، ولم يعترض أحد على هذا المفهوم حتى العصر الحديث .. كما لا نعرف كيف كُتب هذا السفر ، لكن من المعقول أن نرى موسى كمحرر استطاع أن يضم عددًا كبيرًا من القصص والحقائق التي قد يكون بعضها قد أصبح شائعًا قبل تاريخ تدوينه )) .
وهذا الكلام فيه من الضعف والسقطات ما يُغني عن التعليق عليه .
2 ـ أن سفر التكوين يذكر أمرًا يتعلق بامتياز سام على ابني نوح الآخرين ( يافث وحام ) ، فصار سام هو المقدَّم عند اليهود ، وينسبون أنفسهم إليه .
3 ـ أن جميع الشعوب ـ كما في أسفارهم ـ قد خرجت من أبناء نوح عليه السلام .
4 ـ أن الناس كانوا على لغة واحدة ، حتى بنوا أرض بابل ، فكان ما كان من بلبلة الله لألسنتهم ـ كما تزعم هذه الأسفار ـ ، وذلك بعد فترة من عيش أبناء أحفاد أولاد نوح .
وبعد هذه النقاط المأخوذة من أسفارهم يقع سؤال ؟
لماذا نُسِبت اللغة وهذه الشعوب إلى سام ، وقد وقع تبلبل ألسنة الناس ؟
كيف عُرِفت هذه اللغات ، وكيف أمكن الناس أن يتفاهموا عليها ؟!
هل اللسان الذي كان يتكلم به الناس قبل البلبلة المزعومة هو اللسان السامي ؟!
إذا كان اللسان هو السامي ، فأين إخوة سام ، ولم لم تُنسب إليهم لغات ؟ لماذا أُهملوا كل هذا الإهمال ؟!
أين نوح عليه السلام ، ولم لم تكن نسبة اللسان إليه بدلاً من سام ؟
هل يُنسب الأب إلى لغة ابنه كما وقع في كتاب ( قاموس الكتاب المقدس ) ، فقد ورد فيه ( ص : 982 ) : (( نوح : اسم سامي معناه : راحة )) .
ليس هناك إلا الافتراض والتحكُّم ، والتحكُّم لا يعجز عنه أحدٌ .
ولعلك تتساءل : أين أخبار بني نوح في أسفار بني إسرائيل ؟
لا عليك ، فإن الأسفار إنما هي أسفار بني إسرائيل ، ولا شأن لها بغير أخبارهم ، وإن كانوا ساميين ـ على زعمهم ـ فهم قد خرجوا من دائرة الاصطفاء الذي يزعمون أنه صار في سام وأولاده ، ثم اختير من أولاده إبراهيم ، ثم اختير من أولاد إبراهيم إسحاق ، ثم في يعقوب وأبنائه ، وعليهم وقف الاصطفاء فلم يتغير ولم يتبدل كما يزعمون ، لذا قلَّ أن تجد خبرًا عن غيرهم في أسفارهم ، كما أنك تجد أنه بعد ذكر نوح وأبنائه انتقل الحديث إلى إبراهيم دون ذكر ما كان بينهما من التاريخ الطويل ، فياللعجب كيف أغفلوا تاريخ أجدادهم ؟!
وانظر ما يقوله مؤلفو كتاب ( مدخل إلى الكتاب المقدس ) عن سفر التكوين ( ص : 23 ) : (( أهمية سفر التكوين : ... ويتحدث سفر التكوين عن بداية العالم والإنسان والمجتمع والعائلات والأمم ، وبداية الخطيئة والخلاص ، وبصفة خاصة هو يتكلم عن بداية نشأة الجنس العبراني )) .
أقول : كم يمثل الجنس العبراني من بين تلك الشعوب التي ذكروها ؟ ولماذا أهملوا كل الأجناس ، واعتنوا بهذا الجنس القليل جدًّا ، ألا يدل هذا على أنهم لا يرون غيرهم ، وأنهم هم أصحاب الامتياز ؟
إن الموضوع طويل جدًّ ، ولا يكفي أن أقرر لك ما يتعلق به في مثل هذا المقال ، لكن ألفت نظرك إلى بعض الأمور ، منها :
1 ـ إن وجود الأخطاء والتحريفات والكذب في أسفار اليهود واضح وضوح الشمس في رائعة النهار ، ولا ينكر ذلك إلا مكابرٌ .
2 ـ إن وصول أسفار اليهود إليهم غير متصل السند البتة ، وهم يعرفون ذلك بيقين ، ويعلمون أنهم فقدوا التوراة في السبي البابلي ، وان الكاتب عزرا قد أملاها ، لأنه ـ كما قيل ـ كان يحفظ التوراة .
ولا يخفاك ما قاله أصحاب كتاب ( المدخل إلى الكتاب المقدس ) بشأن سفر التكوين .
3 ـ إن هذه الأسفار إنما هي ـ في أغلبها ـ أخبار كُتِبت لأحداث شاهدها أشخاص ، أو وردت إليهم شفاهًا عمن حدثت له ، وبهذا فهي لا تمثِّل كلام الله الموحى به ، سوى بعض ما في الأسفار الخمسة ، وبعض الأسفار التي فيها بقايا وحي ، ومع ذلك لا يمكن الجزم به جزمًا يقينيًّا .
والدليل على أنه بقي عندهم شيء من الوحي ، خبر اليهودي واليهودية الذين زنيا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلوا ما في التوراة من حكم الزنى ،والقصة معروفة .
4 ـ إن هذه الأسفار لا يصلح أن تكون المصدر الوحيد لأخذ الاسم أو الحدث ، كما حصل في أخذ مصطلح السامية منها .
وإذا كان ولابدَّ من أخذ التسمية منه ، فلم لم يكن ( النوحية ) ؟
ما لغة نوح الأب ؟
هل تغيرت لغة أبنائه عنه حتى تسمى لغة بعضهم سامية ، وبعضهم غير سامية ؟
وأحب أن تلحظ أن لغة نوح هي لغة من سبقه من أبائه ، وهي لغة ( عروبية ) فيها أسماء عربية نعرف اشتقاقها وأصلها في لغتنا المعيارية التي نزل القرآن بها ، فقد قال تعالى عن قوم نوح ((وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا )) ( نوح : 23 ) ، وهذه أسماء عربية ، فماذا ياترى تكون لغة نوح وقومه ؟ أليست تلك اللغة العروبية الاشتقاقية التي بقيت في جزيرة العرب صافية أكثر منها في بلاد العرب الأخرى ؛ في عراقهم وشامهم ومصرهم ومغربهم العربي منذ القِدم ؟
وتلك قضية تحتاج إلى مقال مستقلٍ لعل الله ييسر بكتابته بتفصيل يدل على الحقيقة فيه ، والله الموفق .
إن مما يحسن أن يعلمه القارئ أن أسفار بني إسرائيل تكره كل شيء عربيٍّ كائنًا ما كان هذا العربي ، وسأذكر لك بعض الدلائل من كتبهم :
1 ـ الكنعانيون جعلوهم من نسل حامٍ المغضوب عليه مع أنهم ساميون ـ في مصطلحهم ـ فهم من سكان منطقة الساميين وليسوا من مناطق الحاميين ، وإنما أخرجوهم كرهًا لهم لأنهم عرب يشهد بذلك التاريخ ، وهم الجبارون الذين كانوا في زمن موسى فكرهوا محاربتهم ، وجبنوا عن لقائهم .
2 ـ عندهم أن إخوة يوسف باعوا أخاهم يوسف للإسماعيليين ، ولا يخفاك أن إسماعيل سكن جزيرة العرب ، وهو عمُّ هؤلاء الذين يبيعون يوسف عليه السلام ، أفيُعقل أن يخفى عليهم أبناء عمهم ولا يعرفونهم ؟ !
3 ـ أنهم حرفوا العهد الذي جعله الله لأبناء إبراهيم ، وجعلوه لهم ، وأنكروا كل فضيلة لإسماعيل ، حتى لقد زعموا أن إسحاق هو الذبيح الذي له العهد ، مع أن فيما كتبوه ما يدل على كذبهم .
ولقد سرت هذه العداوة عند بعض الغربيين من الباحثين المستشرقين المتأثرين بالدراسات التوراتية ، فعلى سبيل المثال : جعلوا اللغات الآرية مقابل اللغات السامية ، وجعلوا ممن ينطق بالآرية ( الهند وأروبة ) التي قد يُطلق عليها ( الهندوروبية ) ، وزعموا أن بينها أواصر لغوية مشتركة ، فانظر كيف ابتدعوا بأنفسهم إلى من يفصل بينهم وبينه مسافات ، وتركوا العرب الذين تربطهم بهم أواصر لغوية وتاريخية ،
وإذا كان الغرب يرجع إلى السامية ، ولا يريدها ، فلم لم يخترعوا اسمًا لهم من أولاد نوح كما اخترعوا السامية ، لم لمَ يقولوا لهذه اللغة الآرية (يافثية) نسبة إلى يافث بن نوح الذي يجعلون من نسله اليونايين والناضوليين ؟!(2)
وما ذاك إلا حاجة في نفوسهم ، وإلا فأين بُعث موسى وعيسى ، ألم يُبعثا في الشرق ، فلم البعد عن الشرق والارتباط بشرق الشرق ؟!
أإلى هذا الحدِّ وصل الحقد والحسد ؟!
هذا ، ولقد اجتهد اليهود في إثبات صحة كتبهم من خلال البحث في الأثريات ، لكن لم يجدوا شيئًا ، فصاروا يتشبثون بهذه المزاعم التي يصدرونها بين الفينة والفينة كالسامية التي صاروا يوالون ويعادون عليها ، وكأنها أصل الشعوب .
إن نظرت عابرة لتاريخ الأنبياء تدلنا على أن العرب عريقون في أعماق التاريخ ، فنوح عربي بدلالة ما ذكرت لك من أسماءٍ عربية لأصنام قومه التي كانوا يعبدونها ، وهود عليه السلام وقومه عاد عربٌ ، وصالح عليه السلام وقومه ثمود عرب ، وشعيب عليه السلام وقومه أصحاب مدين عرب .
فنوح ـ عليه السلام ـ قبل السامية المزعومة التي صنعوها وتحاكموا إليها ، ومن جاء بعده من الأنبياء المذكورين ـ عليهم السلام ـ كانوا قبل إبراهيم عليه السلام ، وقبل بروز العبرية المزعومة التي يتكلم بها بنو إسرائيل .
فكيف تُغفل تلك الأمة العظيمة التي كانت لها هجرات خمس كبرى إلى أرض الهلال الخصيب وأرض الشام منذ القِدم ، ويُتناسى تاريخها ، وتُتناسى لغتها ، ليؤخذ بمصطلح مخترعٍ ليس عليه دليل علمي ؟!
إننا أما تراث تاريخي ولغوي قد لُعِب به ، ودُرس بغير لغته التي تمتلك ثمانية وعشرين حرفًا بخلاف اللغات التي دُرست بها آثار هذه المنطقة ، فنقصها ست حروف ، فلو سلمت القراءات من الخطأ من جهة ، فإنها لن تسلم بفقدانها هذه الأحرف التي تفكُّ كثيرًا من غموض مدونات الآثار .
واعتمادًا على السامية المزعومة ، فإن الضاد ستنطق دالاً ، والعين ستنطق ألفًا ، والخاء ستنطق كافًا ، والطاء ستنطق تاءً ... الخ من ألفاظ الحروف التي لا تعرفها كثير من لغات الغرب ، فانظر مدى الخطأ الذي سيقرؤه الذي يريد البحث في تاريخ المنطقة القديم ولغاتها القديمة ؟.
وبعد فإن الموضوع له ذيول تحتاج إلى فكٍّ وتحليل ، ولكن الوقت لا يُسعف بأكثر من هذا الآن ، ولعل الله ييسر لي أن أبسط الموضوع ؛ فإن له علاقة بالمعرَّب من جهة ، فأسأل الله التوفيق والسداد ، والبركة في العمر لخدمة كتابه الكريم .
ــــــــــــــــ
(1) من القضايا المهمة في هذا الباب أن تعرف أن أبناء يعقوب الذين من نسلهم بنو إسرائيل كانوا أبناء عمِّ لأبناء إسماعيل عليهم السلام ، فالجد واحد ، وهو إبراهيم عليه السلام ، فوشائج القربى بين العرب وبينهم جاءت من هذا الباب فقط ، ولا يعني هذا أننا نقبل كل ما هو إسرائيلي ، لكن قد يغفل بعض الكاتبين حينما يكتبون عن أولاد يعقوب أو عن بني إسرائيل ، وكأنهم يكتبون عن قوم لا علاقة لهم بالعرب من قريب ولا من بعيد .
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن إبراهيم وبنيه كانوا يتكلمون عربية ذلك الزمان ، فأم إسماعيل اسمها هاجر ، وهذا لفظ عربي صريح ، وهي من مصر ، وإبراهيم من العراق ، وقد نزل بها إلى مكة ، وقابلت قبيلة جرهم ، وتخاطبت معها ، ولم تحتج إلى ترجمان ، وقد اشتقت اسم ولدها إسماعيل من ( يسمع إئيل ) كما ورد في كتبهم ، ونزل إبراهيم لابنه إسماعيل ، وخاطب زوجتيه ولم يحتج إلى ترجمان .
وإذا نظرت إلى اسم ابن أخي إسماعيل وجدته ( يعقوب ) ؛ أي الذي يعقب ويخلف غيره ، وهو قد عقب أباه ، كما قال تعالى ( ومن وراء إسحاق يعقوب ) فتأصيل هذا الاسم في العربية قريب المأخذ لمن تأمله ، وهذا كله يدلك على وجود تلك اللغة الاشتقاقية العربية العريقة التي كانت سائدة في هذه المنطقة منذ القدم ، وإن اختلفت وتحورت وتطورت إلا أنها لا تخرج عن لغة الاشتقاق . ولعله يأتي المقام لإكمال حلقات المعرَّب لآتي على هذه الأسماء وأبين علاقتها بالعربية المعيارية التي نزل بها القرآن الكريم .
(2) أشار إلى هذه الفكرة بيرو روسي في كتابه / مدينة إيزيس التاريخ الحقيقي للعرب ، ترجمة فريد جحا ( ص : 19 ) .
( ملاحظة : هذه الترجمة لهذا الكتاب سيئة جدًّا ، ولا أدري هل تُرجم ترجمة أخرى ، ففي الكتاب نقد لنظريات غربية في تعاطيها مع الشرق العربي ).
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=3741
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 23-11-05, 10:50 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

نظرة في تفسير الطبري طبعة دار هجر / تحقيق الشيخ عبد الله التركي


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن ولاه ، أما بعد ، فقد طلب مني الإخوة الكرام في موقع ثمرات المطابع أن أكتب لهم ما رأيت في تحقيق الإخوة الأفاضل في دار هجر لكتاب جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، فاستعنت بالله ، وكتبت ما يأتي :
أولاً : مميزات هذه الطبعة :
1 ـ الاعتماد على نسخة فريدة لم تَعتمِد عليها الطبعات السابقة ، وتدارك كثير من السقط الموجود في المطبوع .
لقد كنت أترقب صدور هذه الطبعة بفارغ الصبر ، لما سمعت من وجود نسخة لم يسبق أن وقف عليها من حقق الطبعات السابقة ، وكنت أن تحلَّ بعض الإشكالات التي كنت أرى أنها بسبب سقط في العبارة ، وقد كان ذلك ، إذ ظهر في هذه الطبعة أن كثيرًا مما وقع الإشكال فيه كان بسبب السقط في النسخة المطبوعة ، ومن ذلك على سبيل المثال ( 27 : 47 من طبعة الحلبي ) ووازنها بطبعة دار هجر ( 22 : 20 ) ، ومثال آخر ( 27 : 59 من طبعة الحلبي ) ووازنها بطبعة دار هجر ( 22 : 50 ) .
2 ـ وضع أجزاء وصفحات طبعة البابي الحلبي ـ وهي الأكثر تداولاً بين الناس ـ على الحاشية اليمنى أو اليسرى من الصفحة ، وفي ذلك الصنع فائدة لمن يريد أن يوازن بين التحقيقين ، أو تكون عنده النسخة القديمة فيعرف مقابلها من التحقيق الجديد .
وهذا العلم يُحبَّذُ أن يجعل في كل تحقيق جديد لكتاب سارت طبعة من طيعاته بين الناس ، لتكون الفائدة منه أعمُّ ، ولا يفقد طالب العلم ما كان له من تعليقات على الطبعة القديمة .
3 ـ وضع السور والآيات المفسَّرة في المجلد على كعب المجلد ، وهذا يسهِّل الرجوع إلى الموضع الذي يريده الباحث .
4 ـ ذكر فروق النُّسخ ، وذلك يجعل للقارئ فرصة التخيُّر والاجتهاد ، فيما لو رأى أن ما اختاره المحققون ليس مما يحالفه الصواب .
5 ـ تخريج الأحاديث ، وبعض الآثار ، وهو مع وجازته يفيد في عملية البحث العلمي ، ويقرِّب المعلومة لمن يريد أن يتوسع في التخريج .
6 ـ شرح المفردات الغريبة التي تحتاج إلى شرح .
7 ـ تخريج القراءات تخريجًا موجزًا .
ومن حيث العموم فالحواشي لم تكن مثقلة بما لا يفيد ، وهذا من محاسن التحقيق من هذه الجهة .
وأحب أن اختم هذه المميزات بشكر الشيخ الفاضل معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي على جهوده المشهودة في خدمة كتب التراث ، وما قام به من إخراج لكتب كبار ، وتيسير توزيعها على طلبة العلم ، وذلك جهد يشكر له ويذكر ، ويحبذا لو وُجِدَ مثله ممن يقومون بخدمة التراث وإخراجه على هذا السبيل .
ثم أقول إن توجيه ملحوظات على هذا العمل العظيم لا تغمطه حقه ، ولا تنقص من قدره ، بل يكفيه ما ففيه من المميزات ، لكن لكل رأي خاصٌّ في إخراج الكتاب ، وإني إذ أقدِّم رؤيتي المتواضعة ـ التي أرجو أن تكون رؤية موفقة ـ أتمنى أن يُستفاد منه علميًا .
ثانيًا : لما كان كل جهد بشري عرضة للاختلاف في طريقة إخراجه ، فإني رأيت بعض الملحوظات التي كان يحسن بهذه النسخة أن تتولاها ، خصوصًا أن المتوقع بعد صدورها أن لا يكون بعدها تحقيق لهذا الكتاب .
ومن هذه الملحوظات :
1 ـ عدم الاستفادة من تعليقات آل شاكر ، مع ما فيها من ثروة علمية لا تخفى على من قرأ في طبعة محمود شاكر رحمه الله ، إذ كان له عناية فائقة بالتحقيق والتعليق على كتب التراث ، وله في ذلك منهج نفيس لا يخفى على من يقرأ في تراثه.
ومن الملاحظ أن المحققين استفادوا كثيرًا من تحقيقه ، وإن لم يشيروا إليه ، ويظهر هذا جليًّا بموازنة عمل المحققين بين القسم الذي حققه محمود شاكر والقسم الذي لم يحققه .
2 ـ عدم بيان المصطلحات النحوية التي يستعملها الطبري ، وقد كان بيان هذه المصطلحات مما اعتنى به محمود شاكر رحمه الله ، وكم كنت أتمنى لو وجِدَ هذا التعريف بالمصطلحات ليكون قارئُ التفسير على علمٍ بها خصوصًا ، وأن الطبري يتبع مصطلحات النحو الكوفي ، وهي مخالفة للمصطلحات الدارجة اليوم .
3 ـ عدم الاستفادة من تحقيق الدكتورة هدى قراعة لكتاب معاني القرآن للأخفش ، وتظهر فائدة عملها في هذا الكتاب في إرجاعها لنقول الطبري من معاني القرآن للأخفش ، وتحديدها بالصفحات ، كما قامت في الفهارس بوضع فهرس خاصٍّ بهذه النقول .
كما أنه لم يتابع في نقوله النحوية واللغوية بما عند الفراء في معانيه ، وقد استفاد الطبري من كتاب الفراء كثيرًا ، بل يظهر أنه عمدة عنده .
هذا ، وقد ظهر لي من خلال الموازنة أن الطبري ينقل من معاني القرآن للفراء ، وقد ينص عليه أحينًا ، كما قد تتبعه محمود شاكر في المواطن التي حققها .
وينقل كذلك من مجاز القرآن لأبي عبيدة ، وكذلك تتبعها محمود شاكر في المواطن التي حققها .
وينقل من الأخفش ، وهو ما تكفلت به الدكتورة هدى قراعة ، وجعلت له جدولاً في فهارس معاني القرآن .
وإذا نقل عنهم قلَّ أن ينص على أسمائهم ، بل ينسبه إلى أهل العربية أو اللغة أو النحو من البصرة أو الكوفة .
وهناك نصوص لم أعثر عليها في هذه الكتب الثلاثة ، ولعلها للكسائي أو قطرب أو غيرهما ، والله أعلم .
وتظهر فائدة إرجاع هذه النقول إلى أصولها أنَّ الطبري قد يحكيها أحيانًا بالمعنى ، فتستغلق العبارة ، فإذا عاد القارئ إلى الأصل الذي نقلها منه الطبري اتضحت عبارته .
4 ـ عدم ترقيم الآثار .
5 ـ عدم القيام بالفهارس التي هي أهمُّ من الفهارس الموجودة في التحقيق ، ومن هذه الفهارس المهمة : فهرس اللغة ، فهرس الغريب ، فهرس أساليب العرب ، فهرس مصطلحات الطبري ، فهرس قواعد الترجيح ، فهرس الفوائد العلمية .
6 ـ كان من المحبذ لو أدرجت استدراكات ابن عطية وابن كثير على الطبري ، فهما ممن كان لهما عناية بكتابه ، ولهما عليه استدراكات علمية مفيدة .
7 ـ ومن المحبذ لو وضعت النسخ التي اعتمدت في التحقيق في جدول يذكر فيه اسم النسخة والمواضع التي تحتويها النسخ .
8 ـ صِغَرُ الهوامش الجانبية ، مع أن القارئ لا يخلو من حاجته للتعليق على هذا الكتاب ، فلو كانت الحواشي أوسع لاستفيد منها في التعليق .
9 ـ كان يمكن أن يستعاض عن هذا الحجم الكبير ، ويمكن أيضًا أن تُدخل تعليقات آل شاكر المهمة ، واستدراكات ابن عطية وابن كثير = لو كان إخراج الكتاب فنيًّا على غير هذه الصورة ، ومن المعلوم أن الأمور الطباعية قد تطورت ، حتى لقد ظهر تفسير ابن عطية وابن الجوزي وابن كثير وغيرها في مجلد واحد .
وليس المراد أن يكون إخراجه مضغوطًا مثل هذه الكتب ، لكن المراد أن تحقيق ذلك ممكن ، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن تقوم بالموازنة بين طبعة دار الغرب لمعجم الأدباء الذي يتألف من سبع مجلدات ، سابعها فهارس ، مع الطبعة القديم التي كانت في عشرين جزءًا ، وهي بلا فهارس علمية .
وطبعة دار الغرب أجمل وأرقى من تلك ، فهلا كانت طبعة تفسير الطبري بمثل هذا المقاس ، واستفيد من الحواشي النافعة التي تضاف إليها .
10 ـ من المصادر التي اعتمدت في هذه الطبعة كتاب التبيان للطوسي ، وقد جاء ذكره في المراجع ( 26 : 1336 ) كالآتي : التبيان في تفسير القرآن ( شيعي ) لشيخ الطائفة الطوسي .
والملحوظة أن الإحالات عليه ترد في مرويات عن السلف كمرويات مجاهد وقتادة وغيرهما . ولا أدري ما القيمة العلمية في كون الطوسي ذكر هذه المرويات ، وهي موجودة عند الطبري بالإسناد ؟!
ينظر ـ على سبيل المثال ـ بعض الإحالات إليه في المجلد ( 22 ) الصفحات ( 11 ، 54 ، 133 ، 152 ، 165 ، 166 ) وغيرها كثير .
وهذا الكتاب ليس من كتب التفسير المعتمدة عند أهل السنة حتى يُذكر ، والإرجاع إليه في قضية لا تخصه بحيث يقال إنها لا توجد إلا فيه . وحبذا لو ألغيت هذه الترجيعات .
11 ـ لقد شارك في هذا العمل مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر ، وهذا يعني أن الذي قام بالعمل فريق ، وفي مثل النوع من العمل يفضَّل ذكر الفريق الذي شارك ، ويبين ما قام به كل واحد من أعضائه ، وهذا أولى من عدم ذكرهم مع ما لهم من جهد ، كما أنَّ فيه توكيدًا وإقناعًا للقارئ خصوصًا إذا عرفت تخصصات هؤلاء العاملين .
ومن باب الفائدة فإني أذكر كتابًا سار على هذا الأسلوب ، وشدَّما أعجبني بحسن إخراجه ، وببيان ما قام به كل واحد من فريق العمل ، وهو كتاب العود الهندي عن أمالي في ديوان الكندي ، لعبد الرحمن بن عبيد الله السقاف .
وقد ذُكِرَ في صفحة مستقلة أعضاء العمل ، ومهمة كل واحدٍ منهم ، ولقد كان إخراجه بديعًا يناسب ما في هذا التأليف من الإبداع والحُسن . وكم أتمنى أن يحرص ناشرو الكتب الإسلامية على حسن الإخراج للكتب ، فكم من كتاب يعينك على القراءة بحسن إخراجه .
12 ـ كم كنت أود لو كانت المقدمة للكتاب تتناسب مع جلالة مؤلفة وعظمة تأليفه ، وأن يستخرج منهجه من خلال ما قام به المحققون ؛ إذ الكلام عن منهجه جاء وصفيًا خاليًا من الأمثلة مع تيسرها لمن قام بتحقيقه ، وبقي معه مدة من الزمن .
ولقد وقع في الحديث عن منهجه بعض الأخطاء أحببت أن أذكر أهمها ، فمنها :
 جاء في ص 50 : » فالترجيح بالروايات هو أقوى مرجحات الطبري لما يختاره من المعاني التي يستنبطها « .
أقول لم يكن هذا هو المنهج العام الذي سار عليه الطبري ، بل كان يرجح بعض الروايات التي فيها ضعف ، فهو ينظر إلى المعنى أكثر من نظره للإسناد أو لطبقة المفسر ، إلا في حالات قليلة ، وهذا ظاهر من منهجه .
 وجاء في الصفحة نفسها : » وكان الأولى به أن يتحرى نقد الأسانيد ؛ خاصة أنه ساق كثيرًا من الإسرائيليات ، ولعل دافعه إلى ذلك أنه ساق السند بتمامه ، ومن أسند لك فقد حمَّلك أمانة البحث عن رجال الإسناد ، وبالتالي فقد أخلى عهدته ... « .
على هذا الكلام ملحوظتان :
الأولى : أن اشتراط التحري في أسانيد التفسير ليس هو المنهج الذي قام عليه منهج المحدثين الذين فرقوا بين أحاديث الحلال والحرام والمرفوعات وغيرها ، بل لقد نصوا على قبول الروايات التفسيرية على ما فيها من ضعف ، وعمل المحدثين والمفسرين على هذا ، والطبري مثال لذلك ، لذا لا تجد عنده نقد أسانيد مرويات التفسير إلا نادرًا ، لأن هذه الروايات مما تلقاه العلماء بالقبول ، وعملوا بها في فهم كلام الله ، ولا يُعترض عليها إلا في حالة وقوع نكارة تدعو إلى تحري الإسناد .
ومن أقوال أئمة الحديث في ذلك ما ذكره البيهقي في مقدمة كتابه العظيم ( دلائل النبوة ) :
قال عبد الرحمن بن مهدي : » إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال = تساهلنا في الأسانيد ، وتسامحنا في الرجال . وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام = تشدَّدنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال « ( دلائل النبوة / 1 : 43 ) .
قال يحيى بن سعيد القطان : » تساهلوا في التفسير عن قومٍ لا يوثِّقونهم في الحديث ، ثمَّ ذكر ليث بن أبي سليم ، وجويبر بن سعيد ، والضحاك ، ومحمد بن السائب ؛ يعني : الكلبي .
وقال : هؤلاء يُحمد حديثهم ( كذا ، ولعل الصواب : لا يحمد ) ، ويُكتب التفسير عنهم « ( دلائل النبوة للبيهقي / 1 : 35 ـ 37 ) ..
قال البيهقي :» وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم لأن ما فسروا به ؛ ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب ، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط « ( دلائل النبوة / 1 : 37 ) .
وقال البيهقيُّ ( ت : 458 ) : » … وأما النوع الثاني من الأخبار ، فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها ، وهذا النوع على ضربين :
ضرب رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه ، فهذا الضرب لا يكون مستعملاً في شيء من أمور الدين إلا على وجه التليين .
وضرب لا يكون راويهِ متَّهمًا بالوضع ، غير أنه عُرفَ بسوء الحفظِ وكثرة الغلطِ في روايته ، أو يكون مجهولاً لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول .
فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملاً في الأحكام ، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولةً عند الحكَّام . وقد يُستعمل في الدعوات ، والترغيب والترهيب ، والتفسير ، والمغازي ؛ فيما لا يتعلق به حكمٌ « ( دلائل النبوة / 1 : 33 ـ 34 ) .
وإذا عُرِفَ هذا ، فإن ما ذُكر من الكلام على الأسانيد الدائرة الضعيفة ( ص : 187 ) مع أنه عن بعض الأسانيد ، فإنه لا فائدة فيه من جهة العمل التفسيري ؛ لأن هذه الأسانيد التي حكم عليها بالضعف مما اشتهر أخْذُ المفسرين به ، وقد سبق بيان أن منهج المحدثين قبول هذه الروايات في التفسير ، والله أعلم .
الثانية : أن الطبري لم يَسِرْ على قاعدة من أسند فقد حمَّلك البحث عن الإسناد ، والدليل على ذلك ما سبق من أنه اعتمد على هذه الروايات في بيان كلام الله ، ولم ينتقدها ، ولو كان إنما ذكرها فقط لجاز أن يقال بهذا ، مع أني أرى انه لا يقال به إلا بنص صريح من المؤلف أنه أراد هذه القاعدة في منهجه ، وذلك ما لا تجده عند ابن جرير لا نصًّا ولا استقراءً ، بل منهجه مخالف لها ، والله أعلم .
وهناك بعض الملحوظات في الكلام على منهج الطبري في الإسرائيليات والقراءات ، اتركها لضيق المقام .
وأخير أقول : إن هذا الكتاب كتابٌ للأمة ، وأرى أن المشاركة في تحسينه بأي صورة من الواجبات ، وأرجو أن يكون هذا التحقيق الذي خرج له هو التحقيق الإمام الذي ليس له ما بعده ، وما ذكرته فمن باب النصح والحرص على هذا الكتاب العظيم ، وما توفيقي إلا بالله .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=159
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 23-11-05, 10:58 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

(6 نظرات في المعرب ) اللغة الأم لغة الاشتقاق / مهداة لابن الشجري


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم

كنت قد كتبت حلقات تحت عنوان ( نظرات في المعرب ) ، وهذه الحلقة ـ التي أهديها للأديب الفاضل ابن الشجري تقديرًا لطرائفه الأدبية التي أتحفنا بها في هذا الملتقى ـ أرى أن فيها بيانًا لفكرة الحلقات السابقة ، ولقد حرصت فيها على إيضاح الفكرة قد المستطاع ، وإني لأشكر مشرفنا الفاضل عبد الرحمن الشهري الذي قرأ هذه المقالة قبل نشرها ، وأبدى بعض الملحوظات ، واقترح عليِّ أن اكتب بعض المراجع التي تفيد في هذه الفكرة ، ولعلي أخصص مقالة مستقلة أتكلم فيها عن بعض الكتب التي عُنيت بهذا الموضوع ليتكامل طرح هذه الفكرة مع مراجعها ، والله أسأل أن يعيننا ، وأن يبارك لنا في شهر رمضان المبارك قيامه وصيامه ودعاءه إنه ولي ذلك والقادر عليه .

اللغة الأم لغة اشتقاق

لا يخفى على الباحث في أصل اللغات الخلاف بين العلماء هل هي بتوقيف أو هي بالمواضعة والاجتهاد ؟ ولقد ذهب كل فريق من العلماء إلى رأيٍّ أيَّده بدلائل نقلية أو عقلية .والذي يظهر لي أن أصلها بتوقيف من الله ، ثم إنها يدخلها المواضعة بين البشر .
أما التوقيف فدليله أن آدم أبا البشر كان في السماء يخاطب ربَّه ، ويخاطب ملائكته ، ويخاطب زوجه بكلام قد ألهمه الله إياه ، كما يشير إليه قوله تعالى : ( وعلَّم آدم الأسماء كلها ) ، إذ لا يمكن أن يكون ذلك إلا بأن يعبِّر عن هذه الأسماء بكلام يُفهم عنه ، وهذا الكلام المركَّب من حروف إنما أُلهمه في أول الأمر .
وفي السنة النبوية ما يشير إلى هذا أيضًا ، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال : الحمد لله ، فحمد الله بإذن الله ، فقال له ربه : يرحمك ربك . يا آدم ، اذهب إلى أولئك الملائكة ـ إلى ملأ منهم جلوس ـ فسلِّم عليهم ، فقال : السلام عليكم فقالوا : وعليكم السلام ورحمة الله ، ثم رجع إلى ربه فقال : هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم ) رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما بسند صحيح .
فهذا يدل على الإلهام لأول الكلام ، إذ لا يعقل وجود حيين متقابلين بدون أن تكون بينهما لغة للتفاهم فيما بينهم ؛ أيًّا كانت هذه اللغة التي يتفاهمون بها .
وإذا كان أصل اللغة إلهامًا فلا يعني هذا أن البشر لا يوَلِّدون كلامًا ، ويفتعلون مصطلحات ، بل الأمر كذلك من التوليد في اللغة التي يتكلمون بها .
واللغة فيها ما يُولَد وفيها ما يموت وفيها ما يُبعث بعد موته أو تناسيه ، ولكل من هذه أسبابه التي يتسبب عنها .
فاختلاف البيئة ـ مثلاً ـ سبب في نشوء بعض الأسماء ، فليس ما يُستخدم في بادية نجد كالذي يستخدم في حاضرتها ، ولا الذي يستخدم في بادية نجد وحاضرتها كالذي يستخدم في جنوب الجزيرة أو شمالها أو شرقها أوغربها ، فالبيئة لها أثر في إحداث الأسماء وتوليد بعض المعاني ، وصرف بعض الدلالات إلى معنى خاص بها عند القوم يخالفهم فيها غيرهم ، وهذا أمر ظاهر بالموازنة بين كلام القبائل ودلالاته .
واندثار بعض الآلات التي كانت تُستخدم سبب في موت بعض الأسماء ، وهذا ما تشهده اليوم من موت أسماء كانت تُستعمل ، فتُركت بسبب ترك الناس لتلك الآلات التي كانوا يستخدمونها . وقد تموت في منطقة وتبقى في منطقة ، بل قد تموت في الجزيرة العربية وتبقى في شمالها . وكل هذا وغيره مما يحدث للغة إنما يقوم على التتبع والاستقراء للألفاظ التي يستخدمها الناس في كلامهم . أما اللغة الأم فكيف يمكن لها البقاء والاستمرار ؟
وجواب هذا السؤال أن (لاشتقاق) هو أكبر عنصر في بقاء اللغة الأم التي تحدث بها أبونا آدم لما خلقه الله سبحانه ، ثم نزل بها إلى الأرض لما نزل ، وتكلم بها هو وبنوه من بعده .
واللغة العربية التي نزل بها القرآن وهي حاضرة بين يدي عرب الجزيرة تشهد أنها متولدة عن هذه اللغة الأم ( لغة الاشتقاق ) فالأحرف الثماني والعشرين الأصلية ، وما عداها من الحروف الفرعية تشهد بثراء اللغة العربية من جهتين :
ـ عدد الحروف الذي يتولد عنه عدد من المعاني لا تكاد تُحصر ، ففي العربية أحرف لا تكاد توجد في لغة من لغات العالم ؛ كالحاء ، الذال ، الصاد ، الضاد ، الطاء ، الظاء ، وانظر كم من الكلمات التي تتولد في دخول هذه الأحرف في تركيب الكلمة .
ـ نماذج متكاثرة ومتناثرة من الصوتيات التي كان يؤديها العرب ؛ كإشمام الكسرة الضمةَ في مثل ( قِيل ، غِيض ) ، والإمالة في مثل ( والضحى ) ... الخ من الأمور الصوتية التي يطول الحديث عنها .
ولا يبعد أن تكون هذه الصوتيات تولدة شيئًا فشيئًا حتى صارت إلى ما آلت إليه ، واندثر منها ما اندثر بفعل عوامل عديدة .
ولأسوق لك مثالاً يتبين لك به ذلك :
لو أخذت مادة ( ح ر م ) ، وقلَّبتها على الاشتقاق الأكبر ، لظهر لك منها ستُّ مواد : ( حرم ، حمر ، مرح ،محر ، رحم ، رمح ) وكل هذه المواد مستخدم في لغة العرب ، فلو رجعت إلى أي معجم من معاجم العرب الكبرى ؛ كلسان العرب لابن منظور ، لوجدت لكل مادة من هذه المواد اشتقاقًا أصغر ، فلو أخذت ( حرم ) لوجدت من الاشتقاق الأصغر لهذه المادة الشيء الكثير : ( حرَّم ، أحرم ، يحرم ، يحرِّم ، إحرام ، حرام ، حُرمة ، حرمات .... ) .
وهنا تنبيهات :
الأول : أن الباحثين اختلفوا هل أصل الكلمات ثنائي أو ثلاثي ، والخلاف لا يؤثر على الفكرة التي طرحتها لك ؛ لأن الأصل الثلاثي كثير جدًّا ، مما يجعل القول بأنه أصل في كثير من ألفاظ اللغة صحيح بلا ريب ، ووجود بعض الكلمات يكون أصلها ثنائي لا يعني ان كل ألفاظ اللغة كذلك .
الثاني : أن بعض المواد أسعد من غيرها في كثرة الاشتقاق الأصغر ، فلو نظرت إلى ما اشتقه العرب من ( حرم ) لوجدته أكثر من اشتقاقاتهم لمادة ( محر ) .
الثالث : أن تقليب الكلمة على الاشتقاق الأكبر يُظهر أن بعض المواد لم تستخدمه العرب ، وعدم استخدامها لا يلزم منه عدم وجوده في لغات سابقة لها ، ولها علاقة بها .
الرابع : أن بعض المواد تُستخدم في منطقة أكثر من استخدامها في منطقة أخرى . وكل هذه الأمور تظهر بالاستقراء والموازنة .
والمقصود أنَّ البحث التاريخي في اللغات يثبت ثراء العربية بأحرفها ، فهل هي امتداد لتلك ( اللغة الاشتقاقية الأم ) ؟
لننظر المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في إثبات ذلك :
ـ القرآن الكريم .
ـ السنة النبوية .
ـ تاريخ العرب وأشعارها .
ـ تفسير السلف ومن جاء بعدهم من العلماء .
ـ أسفار بني إسرائيل .
ـ اللُّقى من أحافير وورق بردى وكتابات على جبال أو صخور أو غيرها .
ـ الدراسات اللغوية المعاصرة الموازنة بين اللغات القديمة ، مع ما يشوب بعضها من جهل أو تحريف في بعض الأحيان ، وقد يكون تحريفًا مقصودًا يُظهِر خبث طوية صاحبه .
والحق أن هذه الدراسات ـ على ما فيها ـ كانت من مفاتيح إثبات تلك اللغة الاشتقاقية من حيث لا يدري بعض من كتب في الموازنة بين تلك اللغات القديمة ، وسيظهر جانب منه في بعض ما سأذكره في هذا الموضوع من معلومات.
ولست أريد في ذكر هذه المصادر أن أبيِّن مدى الاعتماد عليها ، وكيف عددناها مصدرًا ، وإنما مرادي التنبيه عليها هنا فحسب ، مع ملاحظة أن كثيرًا من دارسي اللغات القديمة لا يعتمدون على القرآن والسنة وأخبار العرب ( ومنها آثار السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم ) ، بل لا يرجعون إليها البتة ؛ لأن كثيرًا من دارسي هذه اللغات ينطلقون من منطلقات توراتية صهيونية ، يريدون بذلك إثبات صحة ما في أسفار بني إسرائيل ، والانتصار للصهيونية العالمية فحسب ، وليس البحث العلمي الجاد المحايد هو هدفهم الرئيس، وهذا ظاهر من طريقة بحوثهم التي يغلفونها بغلاف البحث العلمي ، وفيها من المغالطات في البدهيات فضلا عن غيرها ما فيها .
وليس العجب من هؤلاء أن يكتبوا ، فهم بين معتقد لهذه الأفكار مدافعٍ عنها ، وبين مدفوع له حسابه ، فاشتروه ليقوم بهذا الدور ، لكن العجب ممن يملكون حضارة ضاربة بأوتادها في عمق التاريخ كيف ينطلي عليهم مثل هذه الترهات التي تُلبَّس بلباس البحث العلمي ؟!
وإن الأمر في هذا لذو شجون ، ولا أريد أن أستطرد فيه لكيلا أخرج عن صلب الموضوع الذي أريد أن أوقِّفك عليه .

* كيف سارت اللغة ؟
لو نظرت إلى اللغة العربية التي نزل بها القرآن ـ والحديث في تفاريع ذلك يطول ـ لخرجت بفائدة مهمة ، وهي ان القرآن ثبَّت اللغة المتداولة آنذاك ، فوقفت اللغة العربية على أكمل صورها التي وصلت إليها ، وتنادى العلماء لجمعها وحفظها ، فكانت علوم العربية الأساسية من لغة ونحو وصرف ، وصارت هذه اللغة معيارية يقاس عليها ، ويوزن بها لمعرفة الصحيح من الضعيف من الباطل ، وصار في مصطلحات العلماء اللغة الكثيرة ، واللغة القليلة ، واللغة الشاذة ... الخ .
ومع ثراء ما جمعه اهل اللغة إلا أنهم لم يستطيعوا جمع كل كلام العرب ، بل ندَّ عنهم منه شيء بشهادة جمع من العلماء المعتنين بهذا الشأن ؛ كأبي عمرو بن العلاء ، والكسائي ، أبي عبيد القاسم بن سلام ، وغيرهم .
ولغة العرب إبَّان نزول القرآن لغة يقاس عليها ما قبلها وما بعدها من كلام العرب ، فهي من أكبر الأدلة على أصول كثيرٍ من لغات المنطقة التي نُسبت إلى أقوام أو بلدان ؛ كالكنعانيين أو الفينيقيين أو البابليين ، أو الآشوريين أو الأكاديين أو الآراميين أو التدمريين أو النبطيين ... الخ من الألقاب التي اطلقت على أقوام عاشوا في شمال جزيرة العرب : عراقها وشامها ، بل يتعدى إلى مصر وساحل البحر الأبيض المتوسط إلى بلاد المغرب كما هي جغرافية العرب اليوم .
وقد قام جمع من الباحثين بهذا العمل ، فبيَّنوا أصول لغات بعض هذه الأقوام بالقياس على عربية التنزيل ، فبرزت أبحاثٌ فائقة في الجدَّة والعلمية الموضوعية ، وإن كان الإغراق في مثل هذه البحوث لا يخلو من تكلف إلا أن ثبوت أصل المسألة كافٍ في التدليل عليها .
ونحن اليوم نرى كلام عامة العرب في جميع أقطارهم ، فيظهر للدارس ارتباط كثير من العامي بأصوله الفصحى ، وإن اختلف من حيث أداؤه أو تصريفه وخلوه من الإعراب ، وذلك أمر واضح عند من يقرأ في البحوث التي تُعنى بردِّ العامِّي إلى الأصيل من كلام العرب .
والمقصود أن لغة العرب التي حُفِظت لنا اليوم دليل واضح على ارتباطها بأم اللغات ، وارتباط غيرها بها ، على أنها مرحلة من مراحل تطور اللغة الأم وتفرعها في محيط الاشتقاق .
والحق : إن دراسة تلك الروابط يعوزها كثيرٌ من فقه اللغات التي تحدثت بها تلك الشعوب قديمًا ، ولقد كُتِب في ذلك كتابات كثيرة ، لكن شاب كثيرًا منها ما ذكرت لك سابقًا ، ومن أكبر ذلك الشَّوب أنهم اخترعوا مصطلح ( السامية ) ليطلقوه على شعوب منطقتنا العربية ، وعلى لغاتها ، فجعلوا السامية أصلا تتفرع منه لغات شمالية وجنوبية ، وجعلوا منها : العربية والعبرية والحبشية والأكادية والبابلية والآشورية والكنعانية ... الخ . وهذا التقسيم غير صحيح البتة ، وقد نقده باحثون ، وأظهروا زيفه وبطلان ، وإن اغتر به آخرون أو رأى غيرهم أن لا أهمية تُذكر في هذا المصطلح ، فساروا عليه (1) .
* نظرة تحليلية لبعض المفردات الواردة في القرآن لأقوام عريقين في القِدم :
إذا جعلت اللغة المعيارية التي ارتضاها العلماء للقياس عليها ، وكذا ما حُكي من لغات عربية استهجنوها ؛ إذا جعلنا هذه اللغات ( اللهجات ) أصلاً نستفيد منه في تبيُّنِ مسار هذه اللغة وقِدمها (2) ، فإننا سنجد ذلك واضحًا ساطعًا في أسماء نُقلت إلينا كان يتكلم بها أقوام يفصل بينهم وبين لغة العرب القرون الطويلة .
1 ـ نوح وقومه :
يقول الله تعالى : ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا )
تأمَّل أسماء هذه الأصنام ، ألا تظهر لك عربيتها واضحة بينة ؟
أفي عروبة هذه الأسماء شكُّ ؟ أكان قوم نوح سيسمون أصنامهم ـ التي هي أسماء رجال صالحين كانوا قبلهم ـ بغير لغتهم ؟
ألا يدلك هذا على أنَّ قوم نوح كانوا يتكلمون العربية ؟
لكن هذه العربية التي تكلموا بها لا يلزم أن تتفق مع اللغة المعيارية التي بين يديك اليوم ، إذ قد تختلف في طريقة التصريف والإعراب وغيرها ، لكن أصول الكلمات واحدٌ لا يتغير ، أنها لغة الاشتقاق .
2 ـ عاد قوم هود
يقول تعالى : (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) وقوم عاد لا خلاف في عروبتهم ، ولفظ ( عاد ، وهود ) واضح العروبة ، وأصلهما من العَودِ والهَود .
3 ـ ثمود قوم صالح
قال تعالى : (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ ) ، وقوم ثمود لا خلاف في عروبتهم ، واسم نبيهم واضح العروبة ، وهو من مادة ( صلح ) ، وكذا اسم القبيلة من مادة ( ثمد ) والثمد : الماء القليل .
4 ـ مدين قوم شعيب
ولا خلاف في عروبتهم ، ولا زال اسم مدين شاهدًا إلى اليوم ، مما يدل على عروبته ، واسم ( شعيب ) واضح العروبة ، وهو من مادة شعب .
وهذه الشعوب وأنبياؤها كانوا في جزيرة العرب ـ على خلاف في موطن نوح وقومه ـ وما ذكرته لك ـ مع قِلَّتِه ـ شاهد على اتصال لغة العرب المعيارية بهذه اللغات التي كانت قبلها ، وأنها لا زالت تحتفظ بالاشتقاق من هذه اللغات القديمة ، وانت على خُبر بما كان بين نوح وآدم من الزمن،وهو عشرة قرون ، فانظرإلى أي زمن ارتقت لغة العرب من جهة الزمان،بل إنها لترقى إلى أكثر من هذا كما أشرت في مقالي (آدم في السماء).
هل في هذه النظرية هدم لباب العجمة الذي يعتمده النحويون واللغويون؟
فإن قلت : ألا ترى أن قولك هذا فيه إبطالٌ لباب العجمة الذي يذكره النحويون واللغويون ، وأنك تركت ما ذكره بعض العلماء من حكاية العجمة لبعض هذه الأسماء؟
فالجواب : إني لا ألغي ذلك البتة ؛ لأن قياس العجمة إنما هو بالنسبة للغة العربية إبان نزول القرآن ، وهي اللغة المعيارية التي ارتضاها اللغويون وقاسوا عليها ، فما كان خارجًا عن مقاييسها عدُّوه أعجميًا على التفصيل المعروف عندهم .
وإذا تأملت ما خرج عن هذه اللغة ، وحُكِم بعجمته ، فإنه لا يعدو الأمور الآتية :
1 ـ أن تكون أصوله عربية قد ماتت ، فلم تُستخدم في لغة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ( اللغة المعيارية ) .
2 ـ أن تكون أصول الكلمة عربية ، لكنها تحوَّرت ثمَّ رجعت إلى اللغة المعيارية بما وصلت إليه من تحوير ، فصارت عجمتها من هذا الباب .
3 ـ أن تكون الكلمة قد وُلِدت في غير العربية ، فتكون عجمتها ظاهرة بلا ريب .
وما أحكيه هنا هو في النوعين الأولين ، فالقول بعجمة الألفاظ لا ينفي الأصل العربي لها ، ولعلي أحكي لك مثالاً يدلك على رحلة الكلمة من العربية إلى التعجيم إلى رجوعها إلى العرب معجمة .
اسم ( إسحاق ) هو بمعنى ( يضحك ) أو قد يكون أحد مشتقاته ( كالضاحك ، وإن كان على المبالغة فهو الضحاك ) لكن ما علاقة اسمه بمدلول الضحك ؟
1 ـ أصل الاسم ( يضحك ) على زِنة الفعل ، وأنت تعلم أن زنة الفعل مستعمل في أسماء عربية في اللغة المعيارية ، مثل ( يزيد ) .
2 ـ السين منقلبة عن الصاد المنقلبة عن الضاد ( يسحق ــــ يصحق ــــ يضحق )
3 ـ القاف منقلبة عن الكاف ( يضحق ــــ يضحك ) .
4 ـ الألف زائدة ( يسحاق ) .
5 ـ قلبت الياء إلى همزة ( إسحاق ) .
ولو أنِست بقوله تعالى : (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ) واعتبرته في هذه التسمية لما بعُد عنك الوصول إلى هذا المعنى ، وإذا أضفت إلى ذلك ما تنبَّه إليه أصحاب ( قاموس الكتاب المقدس ص : 66 ) ، قالوا : (( إسحاق ، ومعناه بالعبرية ( يضحك ) ، وهو ابن إبراهيم وسارة ... )) . وكذا أضاف هذا المعنى أصحاب ( التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ص : 46 ) عند الحديث عن البشارة ( تكوين : 17 ) . وفي قولهم هذا إشارة إلى عربية هذا الاسم من حيث لا يعلمون .
وهذه الرحلة التي تَمُرُّ بها الكلمة ليست غريبة على من يقرأ في موضوع اللغات ، ويتبين له ما يقع للكلمة من رحلة من لغة العرب حتى تعود إليها معجَّمة ، ولا زلت أضرب بمثلين معاصرين مشهورين من الأسماء :
الأول : كرزاي ، أصله : ( قرضاي ) ، فحصل للقاف قلب إلى الكاف ، وللضاد قلب إلى الزاي ، وبعضهم يقلبها إلى الدال ، وتجد هذا الاسم العربي الصريح في صحفنا بأحد الأسماء الثلاثة ( قرضاي ، كرزاي ، قرداي ) والاسم ( قرضاي ) هاجر إلى الغرب ، ثمَّ رجع إلينا معجَّمًا بأحد لفظين ( كرزاي ) أو ( قرداي ) ، وأصلهما ـ كما ترى ـ عربي صريح .
الثاني : مهاتير ، أصله : ( مُحاضِر ) ، وتراهم يجعلون الضمة فتحة ، لجهلهم بأصل الاسم ، والحاء قد قُلبت إلى (هاء) ، والضاد قد قلبت إلى (تاء) ، وزيدت كسرة الضاد لما قُلبت إلى (تاء) فصارت (ياءً) ، كما ترى .
وتحليل الأسماء المتحوِّرة يحتاج إلى مبادئ ليتفق معي فيها القارئ ، ويقبل ما أذكره له ، لكني هنا ذكرت لك النتيجة فقط ، وإلا فالأمر يرجع إلى (علم الصوتيات ) ، وذلك علم قَلَّ من يكتب فيه من المتخصصين مع أهميته البالغة في فهم قضايا مرتبطة بأصول اللغة .
* نظرة تحليلية لبعض الأسماء التي تسمَّى بها أقوام سابقون للعرب الذين نزل القرآن بلغتهم :
1 ـ إسماعيل ، أصله ( يسمع إيل ) ، فهو من مادة ( سمع ) ، وإيل لفظ يُطلق على الله ، فهو كقولك : يسمع الله ، وهذا التركيب لا زال يستعمل إلى وقتنا الحاضر ، فأنت تسمع أسماء مثل ( جاد الله ، جاد الحق ) وغيرها من المصادر التي تضاف إليه ، مثل ( حبيب الرحمن ، ولي الله ) ، وذلك أمر غير غريب .
وهذا الاسم قد أُخِذَ من الحَدَثِ الذي وقع لأم إسماعيل ، حيث ورد في ( سفر التكوين : 16 ) : (( وأضاف ملاك الرب : هوذا أنت حامل ، وستلدين ابنا تدعينه إسماعيل ؛ لأن الرب قد سمع صوت شقائك ) ، وقد ورد في كتاب ( التفسير التطبيقي للكتاب المقدس / ص : 44) عبارة ( ومعناه : الله يسمع ) بين قوسين ؛ تفسيرًا لاسم إسماعيل ، وهذا تأصيل لعروبة هذا الاسم من حيث لا يشعرون .
2 ـ يعقوب : أصله من مادة ( عقب ) ، وهو الذي يعقب ، فهو العاقب ، وقد وردت الإشارة بذلك في قوله تعالى : (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) ألا تلاحظ كيف سُمِّي من الحدث الذي قام فيه ، وهو كونه يخلف أباه ( أي : يعقبه ) ، فقد بُشِّرت ( سارة ) ببشارتين : الولد وولد الولد .
3 ـ سليمان : أصله من مادة ( سلم ) ، وكانوا ينطقونه بالشين ، وهذا أحد التبديلات التي تقع في بعض اللغات العروبية القديمة ، وقد ورد في ( دائرة المعارف الكتابية 4 : 419 ) ما نصه : (( سليمان : هو الملك الثالث لإسرائيل ، واسم سليمان مشتق من ( شالوم ) العبرية ، ومعناها ( سلام أو مسالم ) ... )) .
وقد نبَّهوا في مادة ( سلام ـ سلامه ) ( 4 : 409 ) إلى أنَّ كلمة ( شالوم ) تعني : سلام ، وهي تُستخدم في التحية المألوفة بين الأصدقاء ، والسؤال عن صحتهم ، كما تستخدم عند الوداع .
ولعلك على ذُكْرٍ بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( خلق الله عز وجل آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تَحِيَّتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله قال فزادوه ورحمة الله قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن )) . رواه مسلم 4 : 2183 .
وليس السين وحدها التي تنقلب إلى شين ، بل في لغتهم أحرف اخرى تنقلب ؛ كالحاء في الرحمن تكون ( الرخمن ) ، وغيرها مما يُعرف بموازنة لغاتهم بلغة العرب .
مسألة : إذا كان الأمر على هذه الصورة ، فلم لم ينتبه له المتقدمون ؟
أقول : بل لقد كان في كلامهم إشارات ، وكانت من باب العلم الظني ، ، ولم يكن عندهم ثمت أبحاث في تأصيل الموضوع أكثر من القول باشتراك اللغات في اللفظ ، ولم يكن يدور في خلدهم أن هذا الاشتراك يقود إلى أصل واحدٍ ، وأن العربية هي بقايا هذا الأصل ، ومن أقرب مذاهبهم إلى ما ذكرت لك ما ذهب إليه الطبري في الباب الذي عقده في مقدمة تفسيره ، وعنوانه : ( القول في البيان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم ) ، وخلاصة رأيه في ذلك : أن من نسب من السلف بعض الألفاظ إلى غير لغة العرب ، فليس مراده أنها ليست من لغة العرب ، بل هي ألفاظ نطقت بها العرب ، ووافقها في نطقها غيرهم . ( جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، ط : دار هجر : 1 : 13 ) .
لكن البحث الموازن بين اللغات اليوم أظهر حقيقة ارتباط اللغات القديمة في موطن الوطن العربي الذي نراه اليوم باللغة العربية التي نزل بها القرآن ، لكن بعض هؤلاء الباحثين من المستشرقين والتوراتيين يُخفون هذه الحقيقة ، فهم لا يريدون أن يذكروا للعرب أيَّ مَحمَدَة ، فكيف يصفونهم بأنهم يملكون خصائص اللغة الأم ؟.
ولو فتَّشت في مثل كتاب ( قاموس الكتاب المقدس ) لوجدت بعض الكلمات التي يرجعونها إلى العربية ، وفيها ما هو واضح التقارب معها ، ، وهي لا تختلف إلا في طريقة النطق فحسب وإليك هذا المثال :
1 ـ ( ص : 192 ) : (( بنيامين : اسم عبري ، معناه ( ابن اليد اليمين ، أو ابن اليُمن ) ، وهو ابن يعقوب من امرأته راحيل ، وكان أصغر إخوته )) .
ولعل هذا الاسم لا يحتاج إلى كبير تحليل ، كما أن طريقة نطقة قريبة جدًّا من طريقة اللغة المعيارية ( لغة العرب وقت نزول القرآن ) .
2 ـ ( قاموس الكتاب المقدس /ص : 201 ) : (( بيت جامول : اسم عبري معناه ( بين الجمل ) مدينة في موآب )) .
3 ـ (قاموس الكتاب المقدس /ص : 203 ) : (( بيت صيدا : اسم آرامي معناه ( بيت الصيد ) ... )) .
4 ـ (قاموس الكتاب المقدس /ص : 204 ) : (( بيت عنيا : اسم آرامي معناه ( بيت البؤس ، البائس ) ... )) . عنيا = العني = العناء .
5 ـ (قاموس الكتاب المقدس /ص : 207 ) : (( البيريون : اسم عبري معناه : ( أهل الآبار ) ، وهو اسم عائلة )) .
6 ـ ( قاموس الكتاب المقدس ص : 226 ) : (( تُوما : اسم آرامي معناه ( توأم ) ... )) .
ولأقف مع هذه الفقرة ، فأشرح ما فيها :
الآرامية كما ذكروا ( ص : 43 ) : (( إحدى اللغات السامية الشمالية )) ، وقد أشاروا إلى أن الكتاب المقدس كُتِب باللغة الآرامية ، وفي ( ص : 44 ) ذكروا ما نصه : (( وقد تكلم السيد المسيح اللغة الارامية ، ووردت بعض أقواله في العهد الجديد في هذه اللغة ، مثلاً : مرقس 5 : 41 ( طليثا قومي ) ، مرقس 7 : 34 ( أفثا ) ، مرقس : 15 : 43 ( الوي الوي لم شبقتني ) )) .
وموضوع استخدام الآرامية يمكن الاطلاع عليه في كتب فقه اللغة وتاريخها ، لكن تلاحظ ثبوت استخدامها في كتابهم ، وعلى لسان المسيح عليه السلام ، فما هي اللغة الآرامية ؟
ألا تلاحظ ذلك التقارب الشديد بين ألفاظ الآرامية وما تعرفه من لغتك العربية الشريفة ؟
إن اللغة الآرامية تمثِّل لهجة من لهجات هذه اللغة الاشتقاقية التي ذكرتها لك سابقًا ، ولم تخرج عنها ، وإنما وقع اختلاف في طريقة صيغة الكلمة .
ولننظر إلى لفظ ( تُوما ) كيف صار ( توأم ) ، إن الألف التي في آخر ( توما ) إنما هي ( أل ) التعريف فيما تعرفه من لغتك اليوم ، ولو تتبعت منطقة الشام بفروعها الأربع ( سوريا ، والأردن وفلسطين ولبنان ) لوجدت كثيرًا من المواطن تنتهي بهذه الألف ( حيفا ، يافا ، صيدا ... ) ، ولأذكر لك تفسيرًا من تفسيرات السلف أشار إلى هذا المعنى في تفسير قوله تعالى : ( بأكواب وأباريق ) ، قال الضحاك : (( الأكواب : جرار ليست لها عرى ، وهي بالنبطية كوبا )) ، والنبطية لغة من اللغات العربية الشمالية ، وهي مرتبطة بالآرامية ، وقد نبَّه أصحاب ( قاموس الكتاب المقدس ص : 44 ) إلى ذلك ، وسموها : الآرامية النبطية .
ولفظ ( كوبا ) الآرامي = الكوب ، وهو لفظ عربي ، وهذا يعني أن اللغة الآرامية والنبطية مرتبطة باللغة الاشتقاقية التي بقيت في لغة العرب التي نزل بها القرآن .
يقول الدكتور محمد بهجت قبيسي في كتابه ( ملامح فقه اللهجات العروبيات / ص : 344 ) ـ ضمن فقرة (( أهم ملامح اللهجة العربية الآرامية ) : (( عَرَفت اللاحقة الألف كأداة تعريف ؛ مثل ( حرستا) بمعنى ( الحارسة ) ، وقاديشا ، بمعنى القادوس : التقديس ) ) .
ولعلك إن استغربت وضع ( أل ) التعريف الذي جاء ألفًا لاحقة للاسم ، فإنك لا تستغرب أن بعض العرب يجعل ( ام ) بدل ( ال ) ، وفي هذه اللهجة جاء الحديث المشهور ( ليس أم بر أم صيام في أم سفر ) ، وأصله في الصحيح بلفظ ( ليس من البر الصيام في السفر ) (3) ، وهذه اللهجة لا زالت يُتحدَّث بها في بعض قبائل جنوب الجزيرة العربية ، فإذا كان هناك أكثر من صيغة لأل التعريف ، فلا تستبعد أن تكون تلك من الصيغ التاريخية لهذه اللغة ، لكنها ماتت ، فلا تُستعمل ، وبقيت آثارها شاهدة عليها .
وإذا كانت هذه الآرامية لغة المسيح ، وقد قال : ( الوي الوي لم شبقتني ) ، وهي بعربيتنا اليوم ( إلهي إلهي لم سبقتني ) ، وفي ( إنجيل متى 27 ): (( إيلي إيلي لم شبقتني (( أي : إلهي إلهي لماذا تركتني )) )) التفسير التطبيقي للكتاب المقدس : 1968 ، وينظر تحليل عميق قوي لهذه العبارة في كتاب ( العلم الأعجمي في القرآن ) ، للأستاذ رؤوف أبو سعدة ( 2 : 283 ـ 285 ) .
أقول : إذا كانت هذه لغته ، وهي لغة عربية قديمة قبل لغة القرآن ، أفلا يجوز أن تقول : إن اللغة التي تحدث بها عيسى عليه السلام منحدرة من تلك اللغة الاشتقاقية ، وهي مرحلة من مراحل تلك اللغة التي وصلت إلى ما وصلت إليه من لغة القرآن .
يذكر الدكتور محمد بهجت قبيسي ( ص : 344 ) أن كلمات اللغة الآرامية ومفرداتها بجذورها حافظت عليها العربية العدنانية نحو ( 2 ، 86 % ) من كلماتها .
ولنرجع إلى قوله تعالى : ( ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) ، لقد قالها عيسى أمامهم ، وسمعوا هذا الاسم ، وعرفوا معناه ؛ لأنه من لغتهم ، والذي يدل على معرفتهم بمعناه دقَّة ترجمة المترجم من الآرامية إلى اليونانية ، حيث ترجمها إلى ( برقليطس= periqlytes) ، وبعضهم يحذف لاحقة التذكير اليونانية ، فيقول: ( برقليط ) أو ( فرقليط ) ، أو (الفارقليط ) كلها بمعنى واحد ، لكنك ـــ مع الأسف ـــ لا تجد هذه الكلمة في الطبعات العربية ، وإنما تجد في بعضها ( المُعَزِّي ) ، وفي بعضها ( المعين ) ، وقد جاء في ( التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ص : 2226) : (( وعندما يأتي المعين الذي سأرسله لكم من عند الأب ، روح الحق الذي ينبثق من الأب ، فهو يشهد لي ، وتشهدون لي أنتم أيضًا ؛ لأنكم معي منذ البداية )) .
يقول البروفسور عبد الأحد داود في كتابه النفيس ( محمد صلى الله عليه وسلم كما في كتاب اليهود والنصارى/ ص : 197 ، 198 ) : (( إن كلمة ( برقليطوس ) تعني من الناحية اللغوية البحته : ( الأمجد والأشهر والمستحق للمديح ) ...والاسم مركب من مقطعين :
الأول : peri ، الثاني : kleitos، ويكتب ( periqlytos) أو ( perqleitos) مما يعني تمامًا اسم أحمد باللغة العربية ؛ أي : أكثر ثناءً وحمدًا ، ولنا أن نتساءل ما هي الكلمة الأصلية التي استخدمها المسيح بلغته العبرية أو الآرامية ... ومن المدهش أن الوحي قد ميز بين صيغة أفعل التفضيل من غيرها ؛ أي ( أحمد ) من ( محمد ) ، ومن المدهش أيضًا أن هذا الاسم الفريد لم يُعط لأحد من قبل إذ حُجِز بصورة معجزة لخاتم الأنبياء والرسل وأجدرهم بالحمد والثناء ، ذلك أن اسم ( برقليطوس ) لم يُطلق على أي يوناني قط ، كما أن اسم أحمد لم يُطلق على أي عربي قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم )) .
وأقف هنا لئلا يطول الموضوع ، فيملَّ ، ويخرج عن المقصود ، وأعود فأختصرة الفكرة التي وصلت إليها فأقول :
إنَّ اللغة الأم التي تكلم بها آدم عليه السلام في السماء ، ونزل بها إلى الأرض لغة تتميز بما يأتي :
1 ـ الاشتقاق ( بنوعيه ) الذي جعلها تتولد وتتنامى كما يتوالد الناس ، ويقع فيها ولادة وموت وبعث ، وما يستعمل في قوم قد يستعمل بمعنى آخر في آخرين ، وما يموت عند قوم يبقى معروفًا عند آخرين .
2 ـ هذه اللغة تمتلك ثمانية وعشرين حرفًا أصليًّا ، وهي التي بقيت في لغة العرب ، ونزل بها القرآن ، وأما أخوات اللغة العربية المعيارية من اللغات العربية القديمة ، فإنها كلما ابتعدت عن موطنها الأصلي ( جزيرة العرب ) بدأت تفقد شيئًا من خصائصها ، وكلما ابتعد قوم وانعزلوا على مرِّ السنين ابتعد لحنهم عن اللغة الاشتقاقية الأم ، فتولدت عندهم لغات جديدة بعيدة عن اللغة الأم إلا من بقايا كلمات هنا وهناك .
3 ـ صارت منطقة العراق والشام ومصر منطقة صراع حضاري ، فيأتيها من كان هاجر بعيدًا فابتعدت لغته عن اللغة الاشتقاقية الأم ، ويأتي أصحاب هذه اللغة الاشتقاقية ، ويقع صراع والغالب يحكم بلغته ، وكانت الغلبة في كثير من الأحيان للعرب الخارجين من جزيرتهم العربية ، وقد ذكر المؤرخون لهم خمس هجرات عربية كبرى ، آخرها ما قام به الصحابة رضي الله عنهم من فتح بلاد فارس والروم .
4 ـ في منطقة الصراع هذه بقيت ملامح اللغة الأم ، وصار الأمر في لغة هذه المناطق على مرِّ العصور تعمد إلى القلب والإبدال بين بعض الحروف ، والتبديل الصوتي لبعض الحروف ، وصيغة الكلمة ، وبقاء حروف المد او حذفها ، وإشباع الحركات فيتولد منها أحرف مد ... الخ من القضايا اللغوية التي تُعرف من القراءة في كتب فقه اللغات القديمة .
.......................................
(1) ينظر عن السامية في هذا الملتقى :
- نعم .. مصطلح السامية فرضية خرافية .
- فرضيّةُ (الشعوب الساميّة، واللغات الساميّة) فرضيّةٌ خرافيةٌ لا أصل لها .

(2) ينظر تحليل بعض الأسماء في مقالات (المعرب ) السابقة :
- نظرات في المعرَّب ( الطور ) (1)
- نظرات في المعرب ( موسى عليه السلام في مدين ) (2)
- (نظرات في المعرَّب ) عربية في بيت فرعون (3).
- (نظرات في المُعرَّب) آدم في السماء (4)
- (نظرات في المعرب) العبرانيون وإبراهيم العبراني (5)

(3) قال الكتاني في نظم المتناثر : ( وفي رواية لأحمد من حديث كعب بن عاصم المتقدم ( ليس من أم بر أم صيام في أم سفر ) وهذه لغة لبعض أهل اليمن يجعلون لام التعريف ميما ، فيحتمل أنه عليه السلام خاطب بها هذا الأشعري ؛ لأنها لغته ، ويحتمل أن يكون الأشعري نطق بها على ما أَلِف من لغته ، فحُمِلَت عنه على ما نطق به . قال ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي : وهذا الثاني أوجه عندي ، والله أعلم ) .

تنبيه : قرأ أخي الفاضل عبد الرحمن الشهري هذا المقال قبل طرحه ، وأضاف هذه الفائدة ، فقال : (بخصوص لغة عيسى عليه السلام لو أشرت في الحاشية - لمن أراد التوسع - إلى ما كتبه الدكتور عبدالعزيز شهبر في بحثه (لغة المسيح عيسى بن مريم ورسالته» ضمن كتاب (لغات الرسال وأصول الرسالات» من ص 105-155 ، ولعله يتحفنا بشيء من مضمون هذه الصفحات ، فالكتاب ليس عندي .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=4044
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 23-11-05, 11:01 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

الحال مع القرآن في رمضان


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل في كتابه : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185) . والقائل : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ × فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ × أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان:3 ـ5) . والقائل : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:1) .
والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي خصَّه الله بوحيه ، وأنْزل عليه خير كتبه ، القائل : ( خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه ) ، ثمَّ أُتمِّم الصلاة على آل البيت الأطهار ، وعلى أصحابه البررة الأخيار ، ثمَّ على التابعين لهم ما تعاقب الليل والنهار ، أما بعد :
فلقد خصَّ الله هذا الشهر الكريم بخصائص ؛ منها : أنه أفضل شهور السنة ، وفيه ليلة القدر ، وفيه نزل القرآن .
ونزول القرآن بنوعيه الجملي والابتدائي كان في ليلة القدر .
أما الجملي فقد أخبر عنه ابن عباس ( ت : 68 ) رضي الله عنهما بقوله : " أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا ، فكان الله إذا أراد أن يُحدِث في الأرض شيئًا أنزل منه ، حتى جمعه " . وهذا القول ثابت عن ابن عباس ، وله روايات متعددة .
وأما ابتداء النُّزول ، فقد نُسِب للشعبي ( ت : 103 ) ، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن في قوله تعالى : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان)(البقرة: من الآية185) .
وقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان:3) .
وهداية الناس والبيان الهدى لهم ، ونذارتهم إنما هي في القرآن النازل على محمد صلى الله عليه وسلم .
وليس يمتنع أن يُراد المعنيان معًا في هذه الآيات ، فتكون دالَّة على النُّزولين ؛ إذ ليس بينهما تعارض ولا تناقض ، والقولان إذا صحَّا في تفسير الآية ، والآية تحتملهما ، ولم يكن بينهما تعارض ، فإنه يجوز حمل الآية عليها كما قرَّره العلماء .
وعلى كل حال فإن التلازم بين القرآن وشهر رمضان ظاهر في هذه الآيات ، فَشَرُفَ الشهر بنُزول القرآن فيه ، لذا صار يُسمى : شهر القرآن .

أحوال الناس في قراءة القرآن
يقع سؤال بعض الناس عن أيهما أفضل ، قراءة القرآن بتدبر ، أو قراءته على وجه الحدر ، والاستزادة من بكثرة ختمه إدراكًا لأجر القراءة ؟
وهاتان العبادتان غير متناقضتين ولا متشاحَّتين في الوقت حتى يُطلب السؤال عن الأفضل ، والأمر في هذا يرجع إلى حال القارئ ، وهم أصناف :
- الصنف الأول : العامة الذين لا يستطيعون التدبر ، بل قد لا يفهمون جملة كبيرة من آياته ، وهؤلاء لاشكَّ أن الأفضل في حقِّهم كثرة القراءة .
وهذا النوع من القراءة مطلوب لذاته لتكثير الحسنات في القراءة على ما جاء في الأثر : (( لا أقول " ألم " حرف ، بل ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف )) .
-الصنف الثاني : العلماء وطلبة العلم ، وهؤلاء لهم طريقان في القرآن :
الأول : كطريقة العامة ؛ طلبًا لتكثير الحسنات بكثرة القراءة والخَتْمَاتِ .
الثاني : قراءته قصد مدارسة معانيه والتَّدبر والاستنباط منه ، وكلٌّ بحسب تخصصه سيبرز له من الاستنباط ما لا يبرز للآخَر ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
وأعود فأقول : إنَّ هذين النوعين من القراءة مما يدخل تحت تنوع الأعمال في الشريعة ، وهما مطلوبان معًا ، وليس بينهما مناقضة فيُطلب الأفضل ، بل كلُّ نوعٍ له وقته ، وهو مرتبط بحال صاحبه فيه .
ولا شكَّ أنَّ الفهم أكمل من عدم الفهم ، لذا شبَّه بعض العلماء من قرأ سورة من القرآن بتدبر كان كمن قدَّم جوهرة ، ومن قرأ كل القرآن بغير تدبر كان كمن قدَّم دراهم كثيرة ، وهي لا تصلُ إلى حدِّ ما قدَّمه الأول .

ومما يحسن التنبيه على أمور تتعلق بتلاوة القرآن في رمضان :
الأمر الأول :
أن يتعرف المرء على نفسه ، فليس الناس ذوي حال واحدة في العبادة ، لكن من الخسارة أن يمرَّ على المسلم رمضان ولم يختم فيه القرآن ، وتلك سُنَّةٌ سنَّها جبريل ـ عليه السلام ـ في مراجعة القرآن في رمضان مع رسول صلى الله عليه وسلم ، وهي سنة ماضية عند المسلمين منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم .
والملاحظ أنَّ كثيرًا من الناس ينشطون في أول الشهر في أعمال الخير ، ومنها تلاوة القرآن ، لكن سرعان ما يفترون بعد أيام منه ، وترى فيهم الكسل عن هذه الأعمال باديًا .
ولأجل هذا فمن اعتاد من نفسه هذا الأسلوب فإن الأَولى له أن يرتِّب قراءته ، ويخصِّص لكل يومٍ جزءًا ، فإنه بهذا سيختم القرآن مرَّة في هذا الشهر ، ولو استمرَّ على هذا الأسلوب في كل شهور السنة لاستطاع ذلك ، والأمر يرجع إلى العزيمة والإصرار .
ولو أنَّ المسلم خصَّص لكل وقت من أوقات الصلوات الخمس أربع صفحاتٍ ، فإنه سيقرأ في اليوم عشرين صفحة ، وهذا ما يعادلُ جزءًا كاملاً في المصاحف الموجَّه المكتوبة في خمسة عشر سطرًا في الصفحة ؛ كمصحف المدينة النبوية .
وبهذه الطريقة يكون مداومًا على عملٍ من أعمال الخير غير منقطع عنه ، و"أحبَّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ " كما قال صلى الله عليه وسلم .

الأمر الثاني :
يحسن بمن يقرأ القرآن عمومًا ، وبمن يقرأه في رمضان على وجه الخصوص = أن يكون معه تفسير مختصرٌ يقرأ فيه ليعلم معاني ما يقرأ ، وذلك أدعى إلى تذوُّق القراءة والإحساس بطعم قراءة القرآن ، وليس من يدرك المعاني ويعلمها كمن لا يدركها .
ومع أهمية هذا الأمر ، فإنك ترى كثيرًا من قارئي القرآن يغفل عنه ، ولو خَصَّصَ القارئُ لنفسه كتابَ تفسيرٍ مختصرًا يرجع إليه على الدوام لأدرك كثيرًا من معاني القرآن .
ولقد عُني المسلمون في هذا العصر بتأليف بعض التفاسير المختصرة ، تجد ذلك في بعض بلدان المسلمين ، ومنها بلاد الحرمين التي أصدرت وزارتها للشؤون الإسلامية كتاب ( التفسير الميسر ) وهو اسم على مسمى ، وهذا التفسير مع أنَّ الغرض منه الإفادة في الترجمة ، إلا أنه نافع لعامة من يريد أن يعرف المعنى الجملي للآيات ، ولا يعرف فضل الجهد الذي بُذِل فيه ، والقيمة العلمية التي يحتويها إلا من مارس التعامل مع اختلاف المفسرين .
والمقصود أن يحرص المسلم على أن يكون له تفسير من هذه المختصرات يقرأ فيه ويداوم عليه كما يقرأ القرآن ليجتمع له في قراءته الأداء وفهم المعنى .

الأمر الثالث :
في حال قراءة القرآن تظهر ـ على وجه الخصوص عند طلاب العلم ـ بعض الفوائد أو بعض المشكلات ، ولابدَّ من التقييد لهذه الفوائد أو المشكلات ؛ لئلا تضيع .
إن هذا القرآن لا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق من كثرة الردِّ ، وبما أنه قرآن كريم مجيد ( أي : ذا شرف في مبناه ومعناه ، وذا سعة وفضل في مبناه ومعناه ) ، فإن ما يتعلق به من المعاني والاستنباطات كذلك ، فهي معانٍ واستنباطات شريفة لشرف ذلك الكتاب ، وكثيرة متسعة لا يحدُّها حدٌّ لمجد ذلك الكتاب .
ولما كان هذا حاله ، فَلَكَ أن تتصور : كم من الفوائد التي ستكون بين يدي طلاب العلم لو أن كل عالمٍ كتب ما يتحصَّل له من التدبر أو المشكلات أثناء قراءته لكتاب الله تعالى ؟!

الأمر الرابع :
إن القراءة بالليل من أنفع العبادات ، وكم من عبادة لا تخرج لذتها للعابدين إلا في وقت الظلمة ، لذا كان أهم أوقات اليوم الثلث الأخير من الليل ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إذا كان ثلث الليل الآخر ينْزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول : هل من سائل فأعطية ؟
هل من مستغفر فأغفر له ؟ … )) .
وكثيرًا ما نغفل عن عبادة الليل خصوصًا في رمضان ـ مع ما يحصل منا من السهر ـ وتلك غفلة كبيرة لمن حُرِم لذة عبادة الليل .
فَشَمِّرْ عن ساعد الجِدِّ ، وأدركْ فقد سبق المشمرون قبلك ، ولا تكن في هذه الأمور ذيلاً بل كن رأسًا ، والله يوفقني وإياك لكما يحب ويرضى .
ولو رتَّب المسلم لنفسه برنامج قراءة للقرآن كل ليلة ؛ لارتبط بعبودية لله ، ولم يكن في لَيلِهِ من الغافلين ، لا جعلني الله وإياك منهم .
ومما قد يغيب عن أذهاننا في أيامنا هذه : أيامِ الإضاءةِ الليلية التي قلبت الليل إلى نهار ، فانقلبت بذلك فطرة الله التي فطر الناس عليها بجعله الليل لهم سباتًا يرتاحون فيه ، أقول إنه قد يغيب عنا لذة العبادة في الظلمة ، لذا لو جرَّب المسلم قراءة القرآن من حفظِه أو الصلاة النافلة الليلية بلا إضاءة ، فإن في ذلك جمعًا لهمِّه ، وتركيزًا لنفسه ؛ لأن البصر يُشغِل المرء في قراءته أو صلاته .
ومن جرَّب العبادة في الظلمة وجدَ لذة تفوق عبادته وهو تحت إضاءة الكهرباء .

الأمر الخامس :
إن من فوائد صلاة التراويح في رمضان سماع القرءان من القراء المتقنين ، ومن أصحاب الأصوات النَّدية ، الذين يقرؤون القرآن ويؤثِّرون بقراءتهم على القلوب ، فتراك تجد بقراءتهم أثرًا في قلبك ، فاحرص على من يتَّصف بهذه الأوصاف ، واعلم أن الناس في قبول الأصوات ذوو أذواق ، فلا تَعِبْ قارئًا لأنه لا يُعجِبك ؛ فإن ذلك من الغيبة بمكان ، لكن احرص على من تنتفع بقراءته ، وهذا مطلب يُحرصُ عليه ، ومقصد يُتوجَّه إليه .
وهاهنا استطرادٌ من باب الفائدة والتذكير أُوَجِّهُه إلى الكرام أئمة الصلوات الذين يؤمون الناس في التراويح الذين منَّ الله عليهم بما أعطاهم من الحفظ وحسن الصوت والقدرة على الأداء المتميِّز في القراءة والتأثير على الناس ، أقول لهم : احرصوا على أن يكون تأثيركم على الناس في سماعهم لكم قراءةَ كلام ربكم ، وإياكم أن يكون تأثيركم عليهم في دعاء القنوت فقط ، فإنَّ في ذلك خللاً كبيرًا ، وأنتم حين تعمدون إلى ذلك تغرسون في الناس ذلك الخلل ؛ إذ كيف يكون تأثرُ الناس بكلام الناس ، ولا يكون تأثرهم بكلام ربِّ الناس ، سبحان الله ! أليس ذلك أمر عجيب يحتاج إلى مدارسة وحلِّ له ؟
ألستم تلاحظون الاستعداد النفسي لبعض الأئمة ولكثير من المصلين للقنوت أكثر من استعدادهم لسماع كلام ربهم ؟!
ألا تلاحظون أنَّ بعض الأئمة يغيِّرون طبقات صوتهم ، ويُلحِّنون في قنوتهم استجلابًا لقلوب المأمومين ، ودعوة لهم إلى البكاء والخشوع ؟!
أين ذلك كله حال قراءة كلام الله سبحانه ، أين ذلك حال سماع كلام الله سبحانه ؟
ذلك ما تُسكب له العبرات ، وتخشع له النفوس الصالحات ، وتَخِفُّ به الأرواح الطاهرات ، فاحرص على الخشوع والتأثر بكلام ربك الذي تكَّلم به فوق سبع سموات ، وسمعه منه جبريل رسول ربِّ البريَّات ، وأداه كما سمعه لخير الكائنات محمد صلى الله عليه وسلم . وهاأنت تسمع من إمامِك ما تكلَّم الله به في عليائه ، أفلا يكون ذلك كافيًا في حضور القلوب ، واقشعرار الجلود ثمَّ ليونتها بعد ذلك ، وطمأنينة النفوس ؟!
إنه كلام الله ، إنه كلام الله ، فأدرك معنى هذه الكلمة أيها المسلم .

الأمر السادس :
يسأل كثيرون عن كيفية التأثر بالقرآن ، ولماذا لا نخشع في صلواتنا حين سماع كلام ربِّنا ؟
ولا شكَّ أن ذلك عائدٌ لأمور من أبرزها أوزارنا وذنوبنا التي نحملها على ظهورنا ، لكن مع ذلك فلا بدَّ من وجود قدرٍ من التأثر بالقرآن ، ولو كان يسيرًا ، فهل من طريق إلى ذلك ؟
إنَّ البعد عن المعاصي ، وإصلاح القلب ، وتحليته بالطاعات هو السبيل الجملي للتأثر بهذا القرآن ، وعلى قدر ما يكون من الإصلاح يبرز التأثُّر بالقرآن .
والتأثر بالقرآن حال تلاوته يكون لأسباب متعددة ، فقد يكون حال الشخص في ذلك الوقت مهيَّئًا ، وقلبه مستعدًا لتلقي فيوض الربِّ سبحانه وتعالى .
فمن بكَّر للصلاة ، وصلى ما شاء الله ، ثمَّ ذكر الله ، وقرأ كتاب ربِّه ، ثمَّ استمع إلى الذكر فإنَّ قلبه يتعلق بكلام الله أكثر من رجلٍ جاء متأخِّرًا مسرعًا خشية أن تفوته الصلاة ، فأنَّى له أن تهدأ نفسه ويسكن قلبه حتى يدرك كلام ربِّه ، ويستشعر معانيه ؟!
ومن قرأ تفسير الآيات التي سيتلوها الإمام واستحضر معانيها ، فإنَّ تأثره سيكون أقرب ممن لا يعرف معانيها .
ومن قدَّم جملة من الطاعات بين يدي صلاته ، فإنَّ خشوعه وقرب قلبه من التأثر بكلام ربِّه أولَى ممن لم يفعل ذلك .
وإنك لتجد بعض المسرفين على أنفسهم ممن هداهم الله قريبًا يستمتعون ويتلذذون بقراءة كلام ربه ، وتجدهم يخشعون ويبكون ، وما ذاك إلا لتغيُّر حال قلوبهم من الفساد إلى الصلاح ، فإذا كان هذا يحصل من هؤلاء فحريٌّ بمن سبقهم إلى الخير أن يُعزِّز هذا الجانب في نفسه ، وأن يبحث عن ما يعينه على خشوعه وتأثره بكلام ربِّه .

الأمر السابع :
يسأل كثير من المسلمين ، كيف أحافظ على طاعاتي التي منَّ الله عليَّ بها في رمضان ، فإنني سرعان ما ينقضي الشهر أبدأ بالتراجع عن هذه الطاعات التي كنت أجد لذة وحلاوةً في أدائها ؟
إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رسم لنا منهجًا واضحًا في كل الأعمال ، وقد بيَّنه بقوله : (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ )) ، ولو عملنا بهذا الحديث في جميع عباداتنا لحافظنا على الكثير منها ، ولما صرنا كالمنبتِّ لا أرضًا قطع ، ولا ظهرًا أبقى .
فلو اعتمد المسلم في كل عبادة عملا يوميًّا قليلاً يزيد عليه في وقت نشاطه ، ويرجع إليه في وقت فتوره ؛ لكان ذلك نافعًا له ، فالمداومة على العبادة ـ ولو كانت قليلة ـ أفضل من إتيانها في مرات متباعدة أو هجرانها بالكلية .
فمن أدَّى فرائضه ، والتزم بالسنن الرواتب ، ثمَّ زاد عليها من أعمال العبادة ما شاء ، فإنه يدخل في محبوبية الله التي قال فيها : (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه )) .
ففي صلاة الليل يحرص أن لا ينام حتى يصلي ثلاث ركعات ، ولو كانت خفيفات ، فإن أحسَّ بنشاط زاد ، وإلا بقي على هذه الثلاث .
وفي قراءة القرآن يعتمد قراءة جزءٍ كل يوم ، حتى إذا بلغ تمام الشهر ، فإذا به قد ختم القرآن .
وفي الصيام يعتمد ثلاثة أيام من كل شهر ، وإن استطاع الزيادة زاد ، لكن لا ينقص عن الأيام الثلاثة .
وفي النفقة يعتمد مبلغًا ـ ولو يسيرًا ـ بحيث لا يمرُّ عليه الشهر إلا وقد أنفقه .
وهكذا غيرها من العبادات ، يعتمدُ القليل أصلاً ، ويزيد عليه في أوقات النشاط ، فإذا قصرت همته رجع إلى قَلِيلِه ، فيبقى في عباداته من غير كلفة ولا مشقة ولا نسيان وإهمال ، أسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبُّ ويرضى ، ويجعلنا من أهل القول والعمل .
وإذا تأملت رمضان وجدته أشبه بمحطةٍ يتزوَّد منها الناس وقودهم ، وهو محطة الصالحين الذين يفرحون ببلوغه فيتزودون منه لعباداتهم في الدنيا ، ولجنتهم في الأخرى ، وهو محضن تربوي فريد يدخله كل المسلمين : مصلحوهم وصالحوهم وعصاتهم ، فهلاَّ استطعنا اغتنام هذا الشهر ؟.
وأخيرًا :
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد ، وأن يرفع البلاء عن هذه الأمة ، وأن يهدي قادتها لما يُحبُّ ويرضى ، وأن يرينا في هذا الشهر انتصارات للمسلمين في كلِّ مجال من مجالات الحياة ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=1004
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 23-11-05, 11:03 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

نظرة في نشأة علوم القرآن الكريم


--------------------------------------------------------------------------------

نظرة في نشأة علوم القرآن الكريم
أثناء تعليقي على كتاب الاتقان للسيوطي ، جمعت مقدمة في تاريخ علوم القرآن ، فظهر لي في بحث النشأة معلومات جديدة من جهة تقسيم النشأة ، وطرائق العلماء في التدوين في علوم القرآن ، وما حدث لهذا المصطلح من تعدد في المرادات ، فأحببت أن تشاركوني فيها الرأي ؛ لأني سأعمد إلى تأليف كتاب مستقل في نشأة علوم القرآن الكريم ، وقد جمعت بعض الأفكار ، وسأطرح بعضها ملخصة لعلها تفيد كاتبها وقارئها ، فأقول :
إن مما يحسن تقريره أول الأمر أنني سأبحث عن مصطلح علوم القرآن كما نشأ تاريخيًّا ، وليس كما استقرَّ في أذهننا من خلال ما كتبه الزركشي ( ت : 794 ) أو السيوطي ( ت : 911 ) ؛ لأنه بسبب تصورنا عن علوم القرآن من خلال ما كتباه قد يَمُرُّ ما يعارضه فلا يُنتبه إليه ؛ لأن الأفكار المسبقة التي كوَّنَّها من خلال غلبة هذا علينا = قويةٌ ومؤثرةٌ بحيث صار العقل ينكر ما يتعارض مع هذه الأفكار أو يتجاهلها ، فإذا دخلتْ هذه الموضوعات إلى محل النقاش والجدل العلمي بان ما فيها من حاجة إلى تحرير وتنقيح .
وقد ظهر أثر استقرار المصطلح على ثلاثة أمور :
الأول : الغفلة عن تعدد إطلاقات هذا المصطلح عند العلماء ، حيث ظهر لي أنهم يطلقونه مرة على علم القراءات ، ومرة على التفسير ، ومرة على جملة علوم القرآن ، ودونك بعض الأمثلة من كتب التراجم :
1 ـ قال عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت : (( سمعت الشعبي ـ وقيل له : إن اسماعيل السدي قد أعطي حظا من علم القرآن ـ قال : إن اسماعيل قد أعطي حظا من جهل بالقرآن )) .
2 ـ عن الأصمعي قال : (( قال لي أبو عمرو : لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري من العلم في صدرك لفعلت . لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كُتِبَتْ ما قدر الأعمش على حملها ، ولولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما قُرىء لقرأت كذا وكذا ، وذكر حروفًا )) معرفة القراء الكبار 1 : 103 .
3 ـ قال عمارة بن زيد المدني : (( كنت صديقا لمحمد بن الحسن ، فدخلت معه إلى الرشيد ، فسأله عن أحواله ، فقال : في خير يا أمير المؤمنين ، ثم تسارَّا ، فسمعت محمد بن الحسن يقول : إن محمد بن إدريس الشافعي يزعم أنه للخلافة أهل .
قال : فغضب الرشيد ، وقال : عليَّ به . فأُتِي به ، حتى وقف بين يدي الرشيد ، فَكَرِهَ الرشيد أن يعجل عليه من غير امتحان ، فقال له : هيه ؟ قال : وما هيه يا أمير المؤمنين ، أنت الداعي وأنا المدعو . وأنت السائل وأنا المجيب .
قال : فكيف علمك بكتاب الله ؟ فإنه أولى أن يُبتدأ به ؟ قال : جمعه الله في صدري وجعل جنبي دفتيه .
قال : فكيف علمك به ؟ قال : أي علم تريد يا أمير المؤمنين ؟ أعِلْم تأويله أم عِلْم تنزيله ؟ أم مَكِّيُّه أم مدنيُّه ؟ أم ليليه أم نهاريه ؟ أم سفريه أم حضريه ؟ أم هجريه أم عربيه .
فقال : له الرشيد : لقد ادعيت من علوم القرآن أمرا عظيما )) . تاريخ دمشق .( 51: 319 ـ 320 ) .
الثاني : عدم الاعتداد في أول مؤلَّف بما لا يحمل مصطلح ( علوم القرآن ) .
إذا كانت العبرة في مصطلح علوم القرآن بما كُتب لا بعنوان المكتوب ، فإن ( فهم القرآن ) للحارث المحاسبي ( ت : 243 ) هو أول ما دُوِّن في علوم القرآن ؛ لأنَّ موضوعاته كلها في علوم القرآن ، وهي ( فضائل القرآن ، فضائل القراء ، فقه القرآن ، المحكم والمتشابه ، النسخ ـ وهو أطولها ـ التقديم والتأخير ، الإضمار ، الحروف الزوائد ، المفصَّل والموصول ) .
أما إذا كنا نبحث عن كتاب معنون بعلوم القرآن أو أحد مرادفاته ، فإن ظهورأول مدون في علوم القرآن سيتأخر ، وفي ذلك التأخير نظر ؛ لأن الأصل مادة الكتاب وليس عنوانه فقط ، لذا عدَّ بعض الباحثين المعاصرين كتاب ( جمال القراء وكمال الإقراء ) للسخاوي ( ت : 643 ) من كتب علوم القرآن ـ وإن لم يرد في عنوانه هذا المصطلح ، لكنه يتضمن جملة من علوم القرآن المتعلقة بالإقراء ـ ، فلم لم يعدوا كتاب ( فهم القرآن ) من كتب علوم القرآن .
ومما يلاحظ على بعض الكتب التي ذكرت في عنوانها ( علوم القرآن ) أو احد مرادفاتها أنها كتب تفسير ؛ أي أنها سارت على طريقة تفسير الآيات تفسيرًا تحليليًا ، وهي لا تختلف في طريقتها عن كتب التفسير الأخرى ، ككتاب ( الجامع لعلم القرآن ) ، للرماني ( ت : 384 ) ، وكتاب (اللباب في علوم الكتاب) ، لابن عادل الحنبلي ( ت : 880 ) .
الثالث : عدم ذكر مؤلفات ـ كانت حلقة من حلقات الكتابة في علوم القرآن ـ سارت على تفسير الآيات وذكرت جملة من علوم القرآن ذكرًا مقصودًا ، وهي على نوعين :
النوع الأول : أن يكون المؤلف رتَّب كتابه ترتيبًا يُظهر بعض علوم القرآن ، كما فعل الحوفي ( ت : 430 ) ، والمهدوي ( ت : 440 ) ، وغيرهما .
وإليك مقدمة المهدوي ( ت 440 ) ، قال ـ في كتابه ( التحصيل لما في التفصيل الجامع لعلوم التنزيل ) ـ : (( وأنا مبتدئ إن شاء الله في نظم هذا المختصر الصغير ، مجتهد أن أجمع فيه جميع اغراض الجامع الكبير من الأحكام المجملة ، والآيات المنسوخة ، واحكامها المهملة ، والقراءات المعهودة المستعملة ، والتفسير والغريب والمشكل والإعراب والمواعظ والمثال والآداب ، وما تعلق بذلك من سائر علو م التنزيل المحتملة للتأويل ، ويكون المحذوف من الأصل ما أنا ذاكره في هذا الفصل فأحذفه من الحكام الذي هي أصول الحلال والحرام أكثر تفريع المسائل المنثورة مما ليس بمنصوص في السورة ، وأقتصر من ذكر الاختلاف على الأقوال المشهورة ، وأذكر الناسخ والمنسوخ بكماله وأورده مختصرًا على أتم أحواله ، وأذكر القراءات السبع في الروايات التي اقتصر عليها اهل الأمصار ، سوى من لم يبلغ مبلغهم من الاشتهار إلا ما اختلاف فيه بين السبعة القراء ، فإني أذكره منسوبًا إلى بعض من روى عنه القراء ليعرف من هذا الاختصار ما هو من القراءات المروية مما لم يُقرأ به قارئ ، وإن كان جائزًا في العربية ، وأذكر من مسائل الإعراب الخفية ما يحتاج إليه ، مما اختلف القراء فيه ، او كان جائزًا في المقاييس العقلية ، فإذا أكملت السورة من هذا المختصر جمعت في آخره أصول القراءات واختصار التعليل فيها ، وأصول مواقف القراءة ومبادئها ؛ ليجمع ـ بعون الله وتوفيقه ـ هذا الاختصار ما لم تجمعه الدواوين الكبرى ، ولتكون أغراض الجامع مضمنة فيه ، ومجملة في معانيه .
وأجعل ترتيب السور مفصلاً ، ليكون أقرب متناولاً ، فأقول : القول من أول سورة كذا إلى موضع كذا منها ، فأجمع من آيِهَا عشرين آية أو نحوها ، بقدر طول الآية وقصرها .
ثم أقول الأحكام والنسخ وأذكرهما .
ثم أقول التفسير فأذكره .
ثم اقول القراءات فأذكرها .
ثم أقول الإعراب فأذكره .
ثم أذكر الجزء الذي يليه حتى آتي على آخر الكتاب إن شاء الله على ما شرطته فيه ، وأذكر في آخر كل سورة موضع نزولها ، واختلاف اهل المصار في عددها ، وأستغني عن تسمية رؤوس آيها ، وأبلغ غاية الجهد في التقريب والقصد ... )) .
( التحصيل ، تحقيق الفاتحة والبقرة ، تحقيق علي بن محمود بن سعيد هرموش ، رسالة مرقومة على الآلة الكاتبة ص : 5 ـ 6 ) .
النوع الثاني : أن يذكر المؤلف من مقاصده الإلمام ببعض علوم القرآن ، لكنه يذكرها منثورةً خلال تفسيره للآيات ، وليس كسابقه الذي يرتب كل نوع على حده ، وإليك مثالٌ لمؤلف قصد هذا المقصد :
كتاب ( البستان في علوم القرآن ) ، لأبي القاسم هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم الجهيني الحموي ( ت : 738 )
قال الحموي : (( أما بعد : فهذا كتاب ( البستان في علوم القرآن ) ، قصدت فيه الاختصار مع البيان ، وجمع الفوائد مع الإتقان ، راجيًا به ـ لي ولمحصليه ـ الغفران ، والرحمة من الله والرضوان ، ويشتمل على أنواع من علوم الكتاب العزيز ؛ المسمى بالفرقان :
النوع الأول : معرفة تفسير غريب اللفظ والمعنى ، وأسباب النُّزول ، والقصص ، وما صحَّ من المنسوخ على ما ذهب إليه في ذلك كل من يُعتمد عليه .
النوع الثاني : معرفة المبهمات من الأسماء والأنساب ، وضمائر الغيبة والخطاب ، والعدد ، والمدد ، واختلاف الأقوال في ذلك ...
الثالث : معرفة قراءات الأئمة السبعة رحمة الله عليهم ، ولكل إمام منهم راويان ...
الرابع : معرفة الوقوف والموقوف عليه إن لم يتوقف فهمه على ما بعده وبالعكس ، فالوقف لازم إن اختلَّ المعنى بالوصل ، وتامٌّ إن لم يختل ، ولم يكن للثاني تعلق بالأول ...
الخامس : معرفة خط الإمام مصحف عثمان بن عفان ...
السادس : معرفة عدد آي كل سورة ( العدد الكوفي ) ، وكونها مكية أو مدنية أو مختلفًا فيها ، وذلك مذكور في أول كل سورة .
السابع : معرفة رؤوس الآيات وأخماسها وأعشارها ، والمختلف في كونه آية أو غير آية بين الكوفيين وغيرهم ...
الثامن : معرفة أجزائه الثلاثين وأخماسها وأنصافها وأنصاف أسداسها وأسباع القرآن وأرباع الأسباع ... )) ، ثم شرع في تفسير الاستعاذة والبسملة والفاتحة حتى ختم كتابه بتفسير سورة بالناس .
( البستان في علوم القرآن / مخطوط بمكتبة الحرم المكي ، لوحة 1 أ ـ ب ) .
ولا يعني أن هذه التفاسير تختلف في مادتها العلمية عن التفاسير السابقة ، لكن المقصود أن مؤلفيها قد رتبوها ترتيبًا متوافقًا مع أنواع علوم القرآن ، أو قصدوا ذكر جملة من علوم القرآن قصدًا مباشرًا ، وهذا مما لا يحسن إغفاله في نشأة علوم القرآن .
...............
ومن باب تتميم الفائدة في هذا الموضوع أذكر ما يأتي :
أولاً : إن هناك إضافات مرادفة لعلوم القرآن يحسن التنبه لها ، وهي ( علم القرآن ، علوم التنزيل ، علم التنزيل ، علوم الكتاب ، علم الكتاب ) إذ قد يرد في كتب التراجم أو في عناوين بعض الكتب أحد هذه الألفاظ .
ثانيًا : إن أضافة علوم للقرآن تحتمل أن يكون المراد به أي معلومة تنتسب للقرىن او تخرج منه ، ومن ثمَّ فإن علوم القرآن على هذا المعنى لا يمكن حصرها ، بل هي مما يتنامى مرة بعد مرة ، وهذا المعنى افضافي ليس هو المراد عند من كتب في علوم القرآن ، وإن كان بعضهم قد يشير إليه إشارة من باب التنبيه عليه فحسب .
ثالثًا : إنَّ علوم القرآن التي استقرَّت التسمية عليها الآن تشمل جملة العلوم :
ـ المنبثقة منه ، كعلم القراءات .
ـ أو المتعلقة به ويشترك معه فيها غيره ، إما لكونه نصَّا تشريعيًّا فتشترك معه السنة في بعض الموضوعات ؛ كالناسخ والمنسوخ والعام والخاص وغيرها من مسائل أصول الفقه .
وإما لكونه نصًّا عربيًا ، فتشترك معه علوم العربية والبلاغة ؛ كعلم غريب القرآن من جهة المعنى اللغوي ، وعلم إعجاز القرآن من جهة المعنى البلاغي .
وستلاحظ أن طرح هذه العلوم في كتب علوم القرآن قد اتخذ صورًا متعددة .
رابعًا : إن بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن بعض أصحابه تشير إلى ( علوم القرآن ) ، وإن لم تبيِّن المراد به على وجه التحديد ، وإليك بعض هذه الأحاديث والآثار :
1 ـ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما لما قال : (( اللهم فقه في الدين ، وعلمه الكتاب )) رواه البخاري وغيره .
وهذا الحديث يشير إلى أن للكتاب علومًا والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو لابن عمه في أن يعلمه الله إياها ، ولقد تحقق ذلك له ، وصار ترجمان القرآن ، وأكثر الصحابة تفسيرًا له .
2 ـ قوله صلى الله عليه وسلم : (( خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه )) رواه البخاري .
وهذا يشملُ جُملةَ علومِ القرآنِ من قراءته وحفظه وتفسيره وغيرِها ؛ لأنَّه خبر مطلقٌ غير محدَّدٍ بنوعِ من أنواع تعلُّمِ القرآنِ وتعليمه .
3 ـ من الآثار ما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن أبي البختري عن علي قالوا : أخبِرْنا عن عبد الله .
قال : علم القرآن والسنة ، ثم انتهى ، وكفى بذلك علمًا « ( ).
وهذه الأضافات ( علم القرآن ، علوم القرآن ، علم الكتاب ، علوم الكتاب ، علم التنزيل ، علوم التنزيل ) أو ما يشير إليها في الأحاديث والآثار تحتاج إلى دراسة مستقلة ؛ لاستجلاء المراد بها .
........................
فائدة : قال ابن خير الإشبيلي ( ت : 575 ) في ( فهرسة ما رواه عن شيوخه ) : (( ذكر ما رويته عن شيوخي رحمهم الله من الدواوين المؤلفة في علوم القرآن )) ص : 23 .
وقد ذكر كثيرًا من كتب القراءت وما يتصل بها ، وكتب التفسير وغيرها ، ومما ذكر فيها ما يأتي : (( كتاب البرهان في علوم القرآن ، في مائة سفر ، لأبي الحسن الحوفي ... )) ص : 71 .
ونستفيد من هذا النقل فائدتان :
الأولى : النظر في أنواع علوم الكتب التي ضمنها ابن خير فهرسة ما رواه في علوم القرآن ، فيظهر لنا مراده بعلوم القرآن ، وهو على ما استقر عليه المصطلح عندنا .
الثاني : أن الاختلاف في تسمية كتاب الحوفي ( ت : 430 ) لازالت قائمة تحتاج إلى تحرير ، فابن خير يروي الكتاب بسنده إلى المؤلف ، ويسميه بهذا الاسم ، لا باسم ( البرهان في تفسير القرآن ) كما جاء في بعض المصادر ، وقد قال ابن خير في آخر روايته لهذا الكتاب : (( ... قال شريح بن محمد : وحدثني به أيضًا ـ إجازة ـ الفقيه أبو محمد عبد الله بن إسماعيل بن محمد بن خزرج اللخمي رحمه الله ، قال أجازني أبو الحسن علي بن إبراهيم بن علي الحوفي المقرئ النحوي جميع روايته وأوضاعه بخط يده على يدي أبي صاحب الوردة في ربيع الآخر سنة 421 )) ص 71 .
وهذ يفيد في معرفة زمن تأليف كتاب البرهان ، وانه متقدم على تاريخ هذه الإجازة .
تنبيه : ورد في مطبوعة فهرست ابن خير( الجوفي ) بالجيم ، وهو تصحيف ، والله أعلم .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=4006
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 23-11-05, 11:06 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

تدبر القرآن


--------------------------------------------------------------------------------

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين ، أما بعد :
فيكثر في شهر رمضان الحديث عن تدبر القرآن ، وقد سمعت في هذا الشهر أحاديث عنه ، فرأيت أن أطرح بعض اللفتات في هذا الموضوع ، فأقول مستعينًا بالله .
1 ـ يغفل بعض الناس عن أن تطلُّب فهم الآية على وجهها الصحيح نوع من التدبر ، والحقيقة أنه أصل من أصول تدبر القرآن إذ على الفهم السليم تُبنى الفوائد والاستنباطات السليمة في الغالب .
2 ـ إن استنباط الفوائد العلمية بعمومها هو نوع من تدبر القرآن ، وهذا مما قد يغفل بعض الناس عن إدخاله في التدبر ، ولو قرأت لمثل السهيلي ( ت : 581 ) في كتابه ( نتائج الفكر ) لوقفت على عجب من العجب في استنباط دقائق المعاني من كتاب الله تعالى ، يطرب لها الباحثون عن لطائف الآيات ودقائقها .
ولعلي أسوق لك من كتابه هذا ما يشجعك على اقتناء كتب هذا العلم الفذِّ ، فمن فوائده الماتعة :
ــ قال السهيلي : ( فإن قيل : كيف جاز ( سبح اسم ربك الأعلى ) ( واذكر اسم ربك ) ، والمقصود بالذكر والتسبيح هو الرب تبارك وتعالى ، لا اللفظ الدال عليه ؟
قيل : هذا سؤال قد كعَّ ( جبن وضعف ) عنه أكثر المحصلين ، ونكتة عجز عنها أكثر المتأولين ... والقول السديد في ذلك ـ والله المستعان ـ أن نقول : الذكر على الحقيقة محله القلب ؛ لأنه ضد النسيان ، والتسبيح نوع من الذكر ، فلو أطلق التسبيح والذكر لما فهم منه إلا ذلك ، والله ـ عز وجل ـ إنما تعبدنا بالأمرين جميعًا ، ولم يتقبل من الإيمان إلا ما كان قولا باللسان ، واعتقادًا بالجنان ، فصار معنى الآيتين على هذا : اذكر ربك ، وسبح ربك بقلبك ولسانك ، ولذا أقحم الاسم تنبيهًا على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان ، لأن الذكر بالقلب متعلَّقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون سواه ، والذكر باللسان متعلَّقه اللفظ مع ما يدل عليه ؛ لأن اللفظ لا يراد لنفسه ، فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبَّح دون ما يدل عليه من المعنى ، هذا ما لا يذهب إليه خاطر ، ولا يتوهمه ضمير ، فقد وضحت تلك الحكمة التي من أجلها أقحم ذكر الاسم ، وأنه به كملت الفائدة ، وظهر الإعجاز في النظم ، والبلاغة في الخطاب ، فهذه نكتة لمن تدبرها خير من الدنيا بحذافيرها ، والحمد لله على ما فهَّم وعلَّم )) نتائج الفكر ، تحقيق : محمد إبراهيم البنا ( ص : 44 ـ 45 ) .
3 ـ يفهم بعض الناس أن التدبر هو تنزيل الآيات على واقعه ، وأنه متى وجد مصداق معنى الآية أو شيئًا مما يشير إلى واقعه في الآية ، قال : هذا التدبر ، ولعمر الله إنه لمحقٌّ ، لكن من دون قصر التدبر على هذه الصورة .
وقد وجدت أن هذه الصورة تقوم على القياس والمثال ، فالمتدبر الذي يربط الآية التي لا ينتبه كثيرون إلى مرماها الذي وصل إليه ، المستخرج من القرآن أحكام واقعه اليومي = مما يَمُرُّ به أو بإخوانه المؤمنين أو غيرهم من الكافرين في شرق الأرض وغربها ، = إنما يقوم بنوع من أعلى أنواع التدبر .
وبهذا النوع يولع كثير من الناس ، ولا ملامة في ذلك ، بل ذلك عين ما يريده المسلم المصدق بكتاب ربه ، المتفهم لمعاني كلامه ومراميه العظام ، وإليه يشمر الكاتبون في التدبر ، وإنما أردت التنبيه على كونه يقوم على قياس الواقع بالآية ، ثم ربطه بها على انه مثال مما تتحدث عنه الآية أو تشير إليه ، وقد سقت في هذا الملتقى مثالاً من أول سورة القصص ، وقد علق عليه أخي عبد الرحمن الشهري بمثل ذلك ، وكل ذلك داخل في باب القياس والتمثيل .
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=4114
4 ـ قد يختلط على المتأمل مرحلة التأثر بالقرآن ، ويظنها من التدبر ، وهي في الحقيقة ليس كذلك ، لأن التدبر ـ في حقيقته ـ عملية عقلية بحته ، يجريها المتدبر لكلام الله ، فيخرج ببعض الفوائد والاستنباطات .
أما التأثر بالقرآن الذي حكاه الله تعالى في قوله تعالى : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) ، فإن هذا له أسباب متعددة منها التدبر ، وفهم المعنى ، والحالة التي يكون عليها التالي لكتاب الله ، والحالة التي يكون عليها السامع وغير ذلك .
وأخيرًا ، أحذر نفسي وإخواني من أن الكلام في الآيات تفهمًا وتدبرًا على غير المنهاج الصحيح هو من القول على الله بغير علم ، وقد قال الله تعالى في هذا (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) فالحذر الحذر من الكلام في القرآن بلا علم ، لئلا ندخل في ما حرَّم الله .
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد ، وأن يفتح لنا من كتابه الكريم ما انغلق علينا حفظًا ، وفهمًا ، وتدبرًا ، وعملاً .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=4130
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 23-11-05, 11:10 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

لطائف قرآنية من قصة موسى في سورة القصص (1)


--------------------------------------------------------------------------------

قوله تعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )
1 ـ إن من فطنة العدو أو الحاكم الظالم الجائر أن يجعل أهل الدولة التي يتسلط عليها شيعًا ، يستعين بإحداهن على الأخرى ، وذلك الديدن تجده اليوم في تسلط العدو على العراق ، وكيف استفاد من جعل أهلها شيعًا ، فاستضعفوا طائفة على حساب قوة طوائف أخرى .
2 ـ عبَّر عن الذبح بالفعل المضارع المضعَّف ، وفي ذلك فائدتان :
الأولى : أن المضارع يفيد حدوث هذا الذبح وتجدده مرة بعد مرة ، كلما جاء موجبه ، وهو ولادة المولود الذكر من بني إسرائيل .
الثانية : أن في التضعيف إفادة التكثير ، أو المبالغة في هذا الفعل .
3 ـ قابل الأبناء بالنساء ، وفي ذلك سرٌّ لطيف ، فإنه إنما يستفاد من إبقاء البنات إلى أن يكبرن ، ويصرن نساءً يستطعن الخدمة عند فرعون وقومه ، أما في حال صغرهن فلا يُستفاد منهن ، وقد تنبَّه إلى هذا المعنى ابن جريج المكي ( ت : 150 ) ففسَّر هذا المعنى فقال : ((قوله : { ويستحيون نساءكم } قال : يسترقون نساءكم )) ، فذهب إلى لازم إبقائهن احياء كما أشار إليه قوله تعالى ( نساءكم )
3 ـ إن الفساد في فرعون متأصل ومستمرٌّ ؛ لذا جاء التعبير عن إفساده بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستقرار ( إنه كان من المفسدين ) ، وأكِّدت هذه الجملة بحرف التأكيد ( إنَّ ) .
قوله تعالى ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون )
1 ـ جاءت الأفعال : ( نريد ، نمن ، نجعلهم ، نمكن لهم ) على صيغة واحدة ، وهي الفعل المضارع المبدوء بنون العظمة ، والدال على الاستقبال ، وفيها إشارة إلى الاختيار الإلهي المحض لهؤلاء القوم في أن ينصرهم الله ويمكنهم ممن اضطهدهم وآذاهم ، لكن متى حصل لهم ؟
لقد عاشوا أول أمرهم مضطهدين من فرعون وقومه ، ثمَّ أنقذهم الله بموسى وهارون ، ولكن ذلك الجيل الذي عاش حياة الذل لمَّا يتأدب بأدب النبوة ، ويتربَّى بترتبية الرسالة الموسوية ؛ إذ لما طُلِب منهم ـ بعد خروجهم من مصر ـ أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم ترددوا ، وراجعوا موسى في ذلك ، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن يقولوا : ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ) . يا للخزي والعار لقوم يقولون لنبيهم هذا القول .
إن هذا الجيل المهزوم لم يكن له شرف حمل الرسالة ، والحصول على الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم فترة من الزمن ، فضرب الله عليهم عقوبته بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة ، عاشوا فيها ، فمات من مات من جيل الهزيمة ، ووُلِد جيل عاش شظف العيش ، ومارس شدائد الحياة الصحراوية ، فكان الفتح على يديه بعد أن انتقل موسى وهارون إلى الرفيق الأعلى في زمن التيه ، فانظر ؛ كم الفرق بين الوعد وتحقيقه ؟ ولكن الناس يستعجلون النصر .
وإذا تأملت واقعنا اليوم وجدتنا نعيش شيئًا من واقع تلك الأمة المخذولة التي ضُرب عليها التيه ، واستكانت للراحة والدعة ، وكرهت معالي الأمور التي لا تأتي إلا بعد الكدِّ والجدِّ والتعب ، فلا ترانا نزاحم على القوة العظمى ، ونقنع بالدون والهوان ، فأخشى أن نكون ـ ونحن بهذا الحال ـ لسنا جيل النصر ، والله غالب على أمره ، والأمر كما قال تعالى: ( وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ، ولن يأتي ذلك إلا بالتغيير ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، فإذا حصل ذلك جاء الجيل الذي أشار اله إليه بقوله تعالى ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ، فأسأل الله العظيم أن لا يحرمنا فضله ، وأن يجعلنا ممن يُؤتاه .
2 ـ في الفعل ( نُري ) من قوله تعالى ( ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) قراءتان : ( نُري ) ( يَرى ) ، ومؤدى المعنيين في القراءتين واحد ، فهو سبحانه يريهم فيرون ، فالفعل من الله ابتداء تقدير ، ومنهم تحقق وحدوث .
3 ـ في قضاء الله لطف وخفاء عجيب لا يمكن إدراكه إلا بعد وقوعه ، فانظر كيف توعَّد فرعون وهامان وجنودهما ، فقال : ( ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) ، فقدَّر الله ـ من حيث لا يشعرون ، ولا يستطيعون ردَّ قضائه مهما بلغوا من قوة أو علم ـ أن يكون بيت فرعون حاضنًا لعدوِّه الذي سينهي أمره ، فبالله عليك ، أترى قوة في الأرض تستطيع إدراك هذا القدر قبل وقوعه ، فتتقيه ، وتأمل ما يقال ـ بغض النظر عن دقته وصحته ـ من مساعدة أمريكا للأفغان في حربهم على الروس ، وكيف انتهى الأمر بأولئك أن حاربوا أمريكا التي كانت تمدهم بالسلاح ، ولله فيما يقدر أسرار ولطائف .
ولو قرأت في التاريخ ، ونظرت في قصص من حولك ، لوجدت مثل تلك الصورة ، فكم من امرئ أنعم على عبد من عباد الله ، وكان ذلك العبد سببًا في هلاكه وزوال أمره وموته ؟
قوله تعالى ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ )
1 ـ لقد جاء الولد المختار من بني إسرائيل الذي سيكون هلاك فرعون وقومه على يديه ، جاء وهم يقتلون الأبناء ، فانظر لطف الله ، ورعايته ، ودقيق قدره في تخليص موسى عليه السلام من القتل ؟
2 ـ أرأيت لو كنت متجرِّدًا من معرفة ذا الخبر ، وقيل لك : إن امرأة وضعت ابنها في تابوت ، وألقته في النهر ، تريد له الأمان ، أفكنت ترى ذلك من العقل والحكمة في شيء ؟!
إن هذا الموضوع لو كان عُرِض عليَّ وعليك ، لقلنا : إنه مجانب للعقل والحكمة .
لكن الذي أمر بذلك هو من يعلم السرَّ وأخفى ، ألقته في اليمِّ ، وسار التابوت برعاية الله له ، فهو الذي أمر ، فأنَّى لمخلوق أن يؤذي هذا الرضيع ، وتابوته يتهادى بين مياه النهر ؟!
3 ـ إن في إرضاعها لموسى أول الأمر سرٌّ لطيف ، وهو أن هذا الطفل سيتذكر ذلك الثدي الذي أرضعه الحليب أول مرة ، فإذا عُرض على المراضع لم يأنس بها ، وانتظر ما بقي في ذاكرته الطفولية من ذلك الثدي الأول ؛ إنه إلهام الله ، وتقديره الخفي الذي لَطُف فدقَّ ، ولَطَفَ فرفق .
4 ـ اشتملت الآية على لطائف من تنويع الخطاب ، ففيها أمران ( أرضعيه ، فألقيه ) ، وفيها نهيان ( لا تخافي ، ولا تحزني ) ، وفيها بشارتان ( رادُّه ، وجاعلوه ) .
5 ـ اشتمل النهيان على الماضي والمستقبل ، فقوله : ( لا تخافي ) أي عليه فيما يستقبله من قدر ، وقوله ( ولا تحزني ) على فقده .
6 ـ تأمَّل البشارتين كيف جاءتا مؤكَّدتين تأكيدًا بليغًا يتناسبان مع موقف تلك الأم المفطورة في ولدها ( إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) فإن للتوكيد ، ومجيء (رادوه ، وجاعلوه ) على اسم الفاعل بدلاً من الفعل لتكون الجملة اسمية ، فتدل على الثبوت .
يالَ قلب تلك الأم المسكينة ، ألقت ابنها في اليم ، وأصبح قلبها خاليًا من كل شيء سوى ذكر موسى ، فكادت ـ ولم تفعل ـ أن تخبر بأنه ابنها ، وليكن ما يكن ، لكنَّ لله أمرًا لابدَّ أن يمضي على تقديره ، فربط على قلب الأم ؛ ثبَّتها وصبَّرها حين لات صبر ، ثم بدأت تفعل الأسباب ، فقالت لأخته : اتبعي أثره ، وانظري أمره ، فكان ما كان من رجوعه ، وتحقق وعد الله لها ، فيالها من فرحة عاشتها أم موسى ، وهنيئًا لها البشارة الثانية بالرسالة .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=4114
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 23-11-05, 11:13 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 822
افتراضي

تصنيف العلوم المتعلقة بعلوم القرآن


--------------------------------------------------------------------------------

تصنيف المتلقة المتعلقة بعلوم القرآن
إن موضوع تصنيف العلوم وترتيبها في كتابةِ علوم القرآن من البحوث المهمة ، وهو يحتاج إلى نظر بعد نظرٍ ، وتقويمٍ إثر تقويم ، وهو مجال واسع لإبداء الملاحظة ، ولتنوُّع الرأي .
ولقد سبق أن فتحت باب هذا الموضوع في كتاب (أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن) ثمَّ بدا لي ـ بعد النظر والتقليب في هذا الأمر ـ ما أنا عارضه عليك في هذه الأسطر القادمة ، مع يقيني أنه ما زال يمثل رأيًا من الآراء التي قد تتغير مع زيادة البحث أو الملاحظات التي ترد عليه .
وقبل الدخول في تصنيف علوم القرآن وترتيبها أذكر مسألتين متعلقتين بهذا الموضوع ، وهما :
الأولى : متى يُعدُّ علم ما أنه من علوم القرآن ؟
الثانية : ما الفرق بين علوم القرآن والموضوعات التي تطرَّق إليها القرآن ؟
وبعد تحرير هاتين المسألتين سأنطلق إلى الحديث عن ترتيب علوم القرآن .
أولاً : متى يُصنف علم ما في علوم القرآن ؟
مما يلاحظ أنَّه لا يوجد ميزان دقيق يُعرف به ما هو من علوم القرآن مما ليس من علومه ، لذا أدخل بعض الناس علوم الفلسفة في علوم القرآن ، كما أدخل آخرون علوم الطب والكون وغيرها في علوم القرآن .
إن بعض علوم القرآن واضحة الدخول فيه ، لكن في بعض ما يُنسبُ إليه من العلوم نظرٌ ، والأمر يحتاج إلى ضوابط لمعرفة ما يدخل في علوم القرآن مما لا يدخل .
وقد أشار الشاطبي ( ت : 790 ) إلى بعض الضوابط ، فقال : » ... فإذًا تفسير قوله :أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها الآية ] ق : 6 [ بعلم الهيئة الذي ليس تحته عمل = غير سائغ .
ولأن ذلك من قبيل مالا تعرفه العرب ، والقرآن إنما نزل بلسانها وعلى معهودها ، وهذا المعنى مشروح في كتاب المقاصد بحول الله .
وكذلك القول في كل علم يعزى إلى الشريعة لا يؤدى فائدة عمل ولا هو مما تعرفه العرب فقد تكلف أهل العلوم الطبيعية وغيرها الاحتجاج على صحة الأخذ في علومهم بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي  ، كما استدل أهل العدد بقوله تعالى : فاسأل العادين ] المؤمنون 113 [ .
وأهل الهندسة بقوله تعالى : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها الآية] الرعد 17 [.
وأهل التعديل النجومي بقوله : الشمس والقمر بحسبان ] الرحمن : 5 [ .
وأهل المنطق في أن نقيض الكلية السالبة جزئية جزئية موجبة بقوله : إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ ] الأنعام : 91 [ ... « ( الموافقات ، للشاطبي ، تحقيق : مشهور حسن آل سلمان ( 1: 59 ـ 60 ) ).
وقال :» العلوم المضافة إلى القرآن تنقسم على أقسام :
قسم هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد ، والمعين على معرفة مراد الله تعالى منه ؛ كعلوم اللغة العربية التي لا بد منها ، وعلم والقراءات ، والناسخ والمنسوخ ، وقواعد أصول الفقه ، وما أشبه ذلك ، فهذا لا نظر فيه هنا .
ولكن قد يدعى فيما ليس بوسيلة أنه وسيلة إلى فهم القرآن ، وأنه مطلوب كطلب ما هو وسيلة بالحقيقة ، فإن علم العربية ، أو علم الناسخ والمنسوخ ، وعلم الأسباب ، وعلم المكي والمدني ، وعلم القراءات ، وعلم أصول الفقه = معلوم عند جميع العلماء أنها معينة على فهم القرآن .
وأما غير ذلك ، فقد يعدُّه بعض الناس وسيلة أيضا ولا يكون كذلك ، كما تقدم في حكاية الرازي في جعل علم الهيئة وسيلة إلى فهم قوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ] ق : 6 [ .
وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه بـ» فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال « أن علوم الفلسفة مطلوبة ؛ إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها .
ولو قال قائل : إن الأمر بالضِّدِّ مما قال لما بَعُدَ في المعارضة .
وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم ؛ هل كانوا آخذين فيها أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها ؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن يشهد لهم بذلك النبي  والجَمُّ الغفير ، فلينظر امرؤ اين يضع قدمَه .
وثَمَّ أنواع أُخَرُ يعرفها من زوال هذه الأمور ، ولا ينبئك مثل خبير ، فأبو حامد ممن قتل هذه الأمور خبرة ، وصرَّح فيها بالبيان الشافي في مواضع من كتبه « . (الموافقات ، للشاطبي ، تحقيق : مشهور بن حسن آل سلمان ( 4 : 198 ـ 199 ) ، وينظر : ( 1 : 59 ) ، ( 2 : 109 ـ 131 ) ) .
ويمكن تلخيص هذه الضوابط التي ذكرها الشاطبي ( ت : 790 ) فيما يأتي :
الأول : أن يكون العلم مما يعرفه العرب .
وقد أخرج بهذا الضابط العلوم التي لم تنشأ عند العرب ولا عرفتها ؛ كعلم الفلسفة . ويلحق به علم المنطق وغيرهما من العلوم التي لم يكن للعرب بصرٌ بها ، فإن مثل هذه العلوم لا يمكن أن تكون من علوم القرآن على الإطلاق . وهي تخرج ـ كذلك ـ بالضابطين الآتيين أيضًا .
الثاني : أن يكون للسلف فيها اعتناء .
وهذا يظهر في جملة من علوم القرآن ، كعلم أسباب النُّزول ، وعلم المكي والمدني ، وعلم الناسخ والمنسوخ .
ولو زيد في هذا الضابط قيد يكون بمثابة الدرجة الثانية ، وهو أن يكون لها أصل في كلام السلف ، فالعلم إن لم يكن مما اعتنى به السلف ، فلا أقلَّ من أن يكون له ذكرٌ في علومهم ؛ كعلم مبهمات القرآن .
الثالث : أن يكون وسيلة لفهم القرآن .
وقد عدَّ منها علم العربية أو علم الناسخ والمنسوخ وعلم الأسباب وعلم المكي والمدني وعلم القراءات وعلم أصول الفقه ، وغالب هذه العلوم من وسائل فهم القرآن ؛ أي : تفسيره .
ويمكن أن يضاف إلى ذلك معرفة ما يتعلق به من أحوال ؛ لأنَّ بعض علومه قد تكون مقدمات نظرية له ، كعلم الوحي ، وقد تكون معلومات نظرية منبثقة منه ؛ كعدِّ الآي مثلاً .
وهذه العلوم لا أثر لها على فهمه إذا كان بمعنى التفسير ؛ لأن جهلها لا يؤثر على التفسير ، لكنها من علوم القرآن التي لا تنفكُّ عنه ولا توجد في غيره .
وهذا يعني أن يضاف قيد رابع ، وهو :
رابعًا : أن يكون منبثقًا منه ، لا ينتسب إلى غيره .
وهذا يدخل فيه جملة من العلوم المتعلقة به من جهته هو ولا تتعلق بغيره من العلوم ؛ كرسم المصحف ، ونقطه وضبطه ، وأسماء سوره ، وتجزئاته ، وغير ذلك من العلوم التي لا توجد في غيره .
ثانيًا : ما الفرق بين علوم القرآن وموضوعاته ؟
للعلم إطلاق واسع بحيث يشمل كل معلوم ، لكن المراد هنا العلوم التي صار لها مسمَّى خاصًّا ؛ كما يقال : علم النحو ، وعلم اللغة ...
ويطلق العلم في الاصطلاح على المسائل المضبوطة ضبطًا خاصًّا ، وهو يشمل جملة من الأصول والمسائل التي تجتمع في موضوع كليٍّ واحد .
أما الموضوعات ، فإنها جملة المسائل التي تُطرَح في هذا العلم ، كموضوع المبتدأ والخبر في علم النحو .
وقد يتكوَّن من موضوع منها علمًا ، إذا اتسعت مسائله وصار له مبادئ وأصول تجمع هذه المسائل .
ويرجع ذلك إلى أمرين :
الأول : تنوع المسائل المطروحة في الموضوع .
الثاني : اصطلاح المصطلحين على تسمية هذه المسائل المعينة بالعلم الفلاني .
ولعله من الواضح أنه لا يلزم أن يكون كل موضوع تحدث فيه القرآن داخلاً في علوم القرآن ، فورود بعض الآيات في بعض العلوم لا يعني أنَّ هذه العلوم من علوم القرآن ، ومن أمثلة ذلك :
ورود عدد من الآيات في النجوم ؛ لا يجعل علم النجوم من علوم القرآن .
وورود عدد من الآيات في البحار ؛ لا يجعل علم البحار من علوم القرآن .
فهذه الآيات الورادة في هذين المثالين وغيرهما من أمثلة الموضوعات التي تطرق إليها القرآن ؛ لم يتطرق إليها القرآن على أنها علوم تجريبية بحته ، التي سبيلها الفرض والتخمين ، ثم الوصول إلى الحقيقة بعد ذلك . كلا ، لقد تحدث عنها القرآن على أنها من أدلة التوحيد أو غيره ، وجاءت لإثبات قضايا عقدية ، ولا يمكن أن تخالف هذه الحقيقةُ الكلاميةُ ( أي : آيات القرآن ) الحقيقةَ الكونيةَ ؛ لأن الخالق للكون هو المخبرُ عنه بأنه كذا وكذا ؛ فلاتحاد المصدر الذي ينبعان منه ، لم يكن بين هذه الحقائق المقروءة والحقائق المشاهدة تفاوت ولا تناقض .
لقد طرق القرآن موضوعات كثيرة ، واستُنبط منه عدَدًا من العلوم التي نُسِبت إليه ، فمتى يمكن أن يُعدَّ الموضوع الذي تطرق إليه علمًا لا موضوعًا قرءانيًا ؟
لأضرب لك مثلاً وضح المراد بهذا التساؤل :
يكثر الحديث في القرآن عن إهلاك الأمم المخالفة لشريعة ، وقد يستنبط الباحث موضوعًا في ذلك ، ويعنونه بـ» هلاك الأمم في القرآن أسبابه ونتائجه « ، فهل يمكن أن يقال : علم هلاك الأمم ، على أنه من علوم القرآن .
لا شكَّ أنك ستقف أمام هذا وترفضُه ، وستكون غير مقتنعٍ بدخول مثل هذا الموضوع في علوم القرآن العامَّة ، وإنك لو سِرْتَ على هذا المنهج لَغَدَت علوم القرآن كثيرةً كثرةً لا يمكن ضبطها ولا عدُّها ، فأي بحث في موضوعات القرآن التي طرقها ، فهي على هذا الأسلوب من علومه .
لكن لو قيل لك : علم قصص القرآن ، فإنك ستجد لذلك قبولاً في نفسك أكثر من الموضوع الأول ، فما الضابط في الأمر في مثل هذا ؟
يظهر أنَّ الأمر نسبيٌّ ، فمثلُ قصصِ القرآن ، وأمثال القرآن ، وأقسام القرآن ، وجدل القرآن يمكن أن تكون موضوعاتٍ قرآنية ، ويمكن أن تكون علومًا مستقلة ضمن علوم القرآن .
ومن خلال تتبع بعض علوم القرآن التي جمعها الزركشي ( ت : 794 ) في كتاب ( البرهان في علوم القرآن ) ، والسيوطي ( ت : 911 ) في كتاب (الإتقان في علوم القرآن ) ، وما أحدثه الباحثون المعاصرون من علوم مستقلة طرحوها في كتبهم = لم أجد ضابطًا واضحًا في إدخال علم من العلوم الجزئية في علوم القرآن .
ولو أَخَذْتَ ـ على سبيل المثال ـ علوم القرآن المطروحة في كتابي الزركشي ( ت : 794 ) والسيوطي ( ت : 911 ) ، وفهرستها ؛ لظهر تباين الكتابين في نوع العلوم التي كتبوا فيها .
وهذا التباين إنما كان بسبب الاجتهاد في تصنيف هذه العلوم وعدِّها من علوم القرآن ، مع ملاحظة أن الحرص على تكثير هذه العلوم ـ مع أن بعضها قد يدخل في بعض ـ كان سببًا آخر من أسباب هذا التباين .
ويلاحظ أنَّ المراد بالعلم الموصوف به جملة علوم القرآن ليس العلم المذكور بحدوده عند المناطقة ، لذا لا يقال فيه هل هو من قبيل التصديقات أو من قبيل التصورات ؟
وتعريف العلم عند المناطقة لا يتمشى مع علوم الشريعة البتة ، ومن أخذ بحدودهم في ذلك فإنه قد يخرج بعض العلوم الإسلامية عن مسمى العلم ، كما فعل الطاهر بن عاشور ( ت : 1393 ) ، قال : » هذا ، وفي عَدِّ التفسير علمًا تسامح ؛ إذ العلم إذا أُطلِق ، إما أن يراد به نفس الإدراك ... وإما أن يراد به الملكة المسماة بالعقل ، وغما أن يراد به التصديق الجازم ، وهو مقابل الجهل ... « ( التحرير والتنوير ( 1 : 12 ) ) .
ويمكن أن يوجَّه النظر إلى اعتبار علم من العلوم التي هي خارجة عما ذكرت سابقًا إلى كون هذا العلم المذكور من مقاصد القرآن ، وأنه مقصود لذاته ، فإذا ظهر أنه مقصد من مقاصد القرآن ومقصود لذاته جاز أن يُفردَ عِلْمًا مستقلاً ؛ كعلم قصص القرآن الذي ينتشر انتشارًا واضحًا في سورٍ كثيرة من سورِ القرآن ، وهو أسلوب من الأساليب التي يُتوصَّل بها إلى غايات وعظية وتقريرات عقدية ، وهدايات تربوية .
وإذا وازنت بين طرح القرآن للقصص وبين طرحه لجملة من مسائل العلم التجريبي المنتشرة في القرآن من عالم البحار والفلك والحيوان والنبات ، وغيرها = فإنه سيظهر لك جليًّا مَيْزُ الموضوعات وافتراقها في الغايات .
تصنيف علوم القرآن وترتيبها :
كما لم يكن هناك ضابط في إدخال علم من العلوم في علوم القرآن ، فإنه لم يوجد كذلك تصنيف لهذه العلوم ولا ترتيب منطقيٌّ لها ، بحيث يجمع أشباهها ونظائرها ، ويرتب أولها على آخرها .
ومن الاجتهادات في ترتيب علوم القرآن وتصنيفها ما قام به البُلْقِيني ( ت : 824 ) في كتابه مواقع العلوم من مواقع النجوم ، قال : » ... وأنواع القرآن شاملة ، وعلومه كاملة ، فأردت أن أذكر في هذا التصنيف ما وصل إلى علمي مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف ، وينحصر في أمور :
الأمر الأول : مواطن النُّزول وأوقاته ووقائعه ، وفي ذلك اثنا عشر نوعًا:
المكي ، المدني ، السفري ، الحضري ، الليلي ، النهاري ، الصيفي ، الشتائي ، الفراشي ، النومي ، أسباب النُّزول ، أول ما نزل ، آخر ما نزل .
الأمر الثاني : السند ، وهو ستة أنواع :
المتواتر ، الآحاد ، الشاذ ، قراءات النبي ، الرواة ، الحفاظ .
الأمر الثالث : الأداء ، وهو ستة أنواع :
الوقف ، الابتداء ، الإمالة ، المد ، تخفيف الهمزة ، الإدغام .
الأمر الرابع : الألفاظ ، وهو سبعة أنواع :
الغريب ، المعرب ، المجاز ، المشترك ، المترادف ، الاستعارة ، التشبيه .
الأمر الخامس : المعاني المتعلقة بالأحكام ، وهو أربعة عشر نوعًا :
العام الباقي على عمومه ، العام المخصوص ، العام الذي أريد به الخصوص ، ما خص فيه الكتاب السنة ، ما خصصت فيه السنة الكتاب ، المجمل ، المبين ، المؤول ، المفهوم ، المطلق ، المقيد ، الناسخ ، والمنسوخ ، نوع من الناسخ والمنسوخ وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين .
الأمر السادس : المعاني المتعلقة بالألفاظ ، وهو خمسة أنواع :
الفصل ، الوصل الإيجاز ، الإطناب ، القصر .
وبذلك تَكَمَّلت الأنواع الخمسين .
ومن الأنواع ما لا يدخل تحت الحصر الأسماء الكنى الألقاب المبهمات « ( الإتقان ( 1 : 5 ـ 6 ) ) .
وهذا الترتيب من أجمع ما وقع في تصنيف علوم القرآن وترتيب نظائرها تحت علم عامٍّ يجمعها ، وإن لم يسمِّ هذه العلوم بمسمًّى واضح ، كما هو ظاهر من الأمور الستة التي جعلها أصلا يرجع إليها خمسون علمًا من علوم القرآن .
وعلوم القرآن بحاجة إلى أمرين :
الأول : تصنيف المتناظرات في العلم تحت مسمى علم واحد ، فيجمع ما بتعلق بنُزول القرآن تحت ( علم نزول القرآن ) ، وما يتعلق بأداء القرآن يجمع تحت ( علم أداء القرآن ) ، وما يتعلق بأحكام القرآن يجمع تحت ( علم أحكام القرآن ) .
الثاني : ترتيب العلوم في الصنف الواحد ، ثم ترتيب هذه الأصناف في علوم القرآن بحيث لا تؤخذ معلومة تحتاج إلى علم لم يؤخذ قبلها ، بل تتناسق المعلومات الواحد تلو الآخر ، فيردُّ إلى ما سبق دون الحاجة إلى شرحٍ مستطرد لمعلومة ستأتي فيما بعد .
ومن أمثلة ذلك أن يُدرس موضوع ( الأحرف السبعة ) قبل موضوع ( القراءات القرآنية ) ، كما أنه يُدرس أيضًا قبل موضوع ( جمع القرآن ) ؛ لأنه إذا درس هذين الموضوعين قبل موضوع ( الأحرف السبعة ) ، فإن سيُضطر إلى الاستطراد في معرفتها لاحتياج هذين الموضوعين لها ، وإلا لبقيت ( الأحرف السبعة ) طلاسم يحال إليها لا يعرف منها سوى المصطلح شيئًا .
ولقد نظرت بتأمُّلٍ إلى العلوم التي يشتملها عِلْمُ علوم القرآن ، فظهر لي أنه يمكن تقسيمها إلى قسمين :
القسم الأول : العلوم الناشئةُ منه ، وهي ما كانت متعلقةً به تعلقًا مباشرًا ، ولا تخرج إلا منه ، ومن هذه العلوم :
1 ـ علم نزول القرآن ، وأحواله .
2 ـ علم القراءات ، وما يرجع إلى كيفية أدائه ، وآداب تلاوته وأحكامها .
3 ـ علم جمع القرآن وتدوينه .
4 ـ علم الرسم والضبط .
5 ـ علم عدِّ الآي .
6 ـ علم فضائل القرآن .
7 ـ علم خصائص القرآن .
8 ـ علم مبهمات القرآن .
9 ـ علم سوره وآياته .
10 ـ علم الوقف والابتداء .
11 ـ علم المكي والمدني .
12 ـ علم أسباب النُّزول .
13 ـ علم التفسير ، ويدخل فيه جملة من العوم المرتبطة بالتفسير ؛ كأصول التفسير ، وطبقات المفسرين ومناهج المفسرين وغيرها .
14 ـ علم أمثال القرآن .
15 ـ علم أقسام القرآن .
16 ـ علم الوجوه والنظائر .
القسم الثاني : العلوم المشتركة مع غيره من العلوم ، وهي على قسمين :
الأول : العلوم المرتبطة به كنصِّ شرعيٍّ تؤخذُ منه الأحكامُ التشريعية ، ويشاركه فيها الحديث النبويُّ ؛ لأجل هذه الحيثيةِ ، وقد نشأ عن دراستهما من هذه الجهة علم الفقه وعلم أصول الفقه ، فما كان في هذين العلمين من موضوعات مشتركة مع علوم القرآن ؛ فإنها ترجع إلى كونه نصٌّ تشريعيٌّ ، والله أعلم .
ومن هذه العلوم :
1 ـ علم الأحكام الفقهية .
2 ـ علم الناسخ والمنسوخ .
3 ـ علم العام والخاص .
4 ـ علم المطلق والمقيد .
5 ـ علم المجمل والمبين .
6 ـ علم المحكم والمتشابه .
وهذه العلوم ترتبط بعلم الفقه وأصوله ، وبعلم الحديث كذلك ، ولا يعني هذا أنَّ هذه العلوم أصلٌ في هذا العلم وفرعٌ في ذاك ، وإنما هي متعلقة بالنصِّ الشرعي سواءً أكان قرءانًا أم سنة ، وبحثها في هذه العلوم يتفق في مسائل ويختلف في أخرى تبعًا لمنهج كلِّ علمٍ ، والله أعلم .
ومن ثَمَّ فإنه يمكن أن تُدرس بعض علومه فيما طُرِح في كتب العلوم الأخرى ، ثُمَّ الموازنة بين هذا العلم في علوم القرآن وفي كتب العلوم الأخرى ؛ كعلم الناسخ والمنسوخ في كتب علوم القرآن وكتب أصول الفقه ، أو علم أحكام القرآن في كتب أحكام القرآن وكتب الفقهاء ، وهكذا .
الثاني : العلوم المرتبطة به باعتباره نصًّا عربيًّا ، وهذه العلوم تعتبر من العلوم الخادمة له : ويدخل في ذلك جملة من علوم الآلةِ ؛ كعلم النحو ، وعلم البلاغة ، وعلم الصرف .
ويدخل فيه :
1 ـ علم معاني القرآن .
2 ـ علم متشابه القرآن .
3 ـ علم إعراب القرآن .
4 ـ علم أساليب القرآن .
5 ـ علم لغات القرآن ، ويشمل ما نزل بغير لغة الحجاز ، وما نزل بغير لغة العرب ، وهو ما يسمى بالمعرَّب .
6 ـ علم غريب القرآن .
ويشاركه في ذلك أي نصٍّ عربيٍّ من نثرٍ أو شعرٍ ، مع مراعاة قدسيَّةِ القرآن وإعجازه ، وأنه ـ مع كونه نصًّا عربيًّا ـ لا يلزم أن يرد فيه كل ما ورد عن العرب ، ولا أن يُحمل على غرائب ألفاظهم وأساليبهم .
وتقسيم هذه العلوم ضمن مجموعات متجانسة تحت أمر كليٍّ مما يمكن أن تتعدَّد فيه الاجتهادات ، وليس في ذلك مشاحَّة ، بل في الأمر سعة ظاهرة .
__________________

الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
attyyar@hotmail.com
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=242
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 24-11-05, 06:21 AM
الساري الساري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-05
المشاركات: 128
افتراضي

جزاك الله خيرا

وهذا الموضوع في ملف وورد
الملفات المرفقة
نوع الملف: doc مقالات الشيخ مساعد الطيار في ملتقى أهل التفسير.doc‏ (992.0 كيلوبايت, المشاهدات 887)
__________________
تذكر دائما ...
كن لله كما يريد يكن لك فوق ما تريد ...
الكل يريدك لنفسه والله يريدك لنفسك ...
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:03 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.