ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > أرشيف لمواضيع قديمة حذفت من الملتقى بسبب خلل فني

الملاحظات

 
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-10-03, 01:01 AM
عمر المقبل
 
المشاركات: n/a
افتراضي المفطرات المعاصرة ـ بحث قيم للدكتور أحمد الخليل

آمل التكرم من الإخوة الكرام التكرم بتثبيت البحث لأهميته .

ملاحظة : بحث الشيخ قيد النشر عن قريب بإذن الله تعالى ، فجزاه الله خيرا ونفع به ، وأتم عليه نعمته ، وزاده من العلم النافع والعمل الصالح .
ـــــــــــــــــ
مفطرات الصيام المعاصرة

ـــــــــــــــ

تأليف
د. أحـمد بن محمد الخليل
الأستاذ المساعد في قسم الفقه
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم
فاكس: 063622774 جوال: 055139079
AMkH 1424@islamway.net
القصيم ـ عنيزة ص.ب 525

ــــــــــــــــــــــ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
فإن الله تعالى فرض على عباده صيام رمضان، وشرع لهم أن يصوموا أياماً أُخر متفرقة ندبا لاإيجاباً، ورتب على الصيام من الثواب ما تتوق له نفس المؤمن، كما قالe:"من صام يوماً في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً" متفق عليه , وقال e :"إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لايدخل منه أحد غيرهم "متفق عليه .
وقد شرع الله الصيام محدوداً بحدود شرعية، من تجاوزها أفسد صيامه أو نقَّصه، فيجب على المسلم أن يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله مما يتعلق بالعبادات التي فُرضت فرض عين على كل مسلم ومنها الصيام.
وقد كتبتُ هذا البحث ليعالج جانباً مهماً من جوانب الصيام، وهو "المفطرات المعاصرة"، فقد ظهر في عصرنا هذا من المفطرات المتعلقة بالجوانب الطبية ما ينبغي النظر فيه، ودراسته، للتوصل إلى القول الذي تدل عليه النصوص والقواعد الشرعية.
وقد كُتب في هذا الموضوع في مناسبات عدة لا سيما ما يتعلق بالفتاوى، فهي كثيرة ومنتشرة، وكذلك تناوله المجمع الفقهي بالبحث في دورته العاشرة، وكُتب عن بعض مباحثه في كتب تناولت أحكام الصيام،
لكني لا أعلم كتاباً أو بحثاً مستقلاً حول هذه الموضوعات، عدا ماأشرت إليه من بحوث المجمع الفقهي، أو كتب الفتاوى المعاصرة، وقد أردتُ أن أشارك في هذا الموضوع بتناول مسائله، ودراستها على ضوء نصوص الكتاب والسنة، محاولاً تأصيل هذه المسائل وإرجاعها إلى قواعدها الشرعية المتعلقة بالصيام قدر المستطاع، مع تخريج ما يمكن تخريجه من هذه المسائل على ما ذكره فقهاؤنا المتقدمون رحمهم الله .
سائلاً المولى ـ عز وجل ـ أن يهديني سواء السبيل.
وقد قسمت البحث إلى بابين في كل باب فصلين، على النحو التالي:
الباب الأول: في التعريفات والمقدمات وفيه فصلان:
الفصل الأول: في التعريفات وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الصيام.
المبحث الثاني: تعريف المفطرات.
المبحث الثالث: تعريف المعاصرة.
الفصل الثاني: المقدمات وفيه مباحث:
المبحث الأول: المفطرات المتفق عليها في الشرع.
المبحث الثاني: حد الجوف الوارد في كلام الفقهاء.
الباب الثاني: في المفطرات المعاصرة وفيه فصلان:
الفصل الأول: المفطرات المعاصرة الداخلة إلى بدن الصائم وفيه مباحث:
المبحث الأول: مايدخل إلى الجسم عبر الفم وفيه مسائل:
المسألة الأولى: بخَّاخُ الربو.
المسألة الثانية: الأقراص التي توضع تحت اللسان.
المسألة الثالثة: المناظير الطبية (منظار المعدة).
المبحث الثاني: ما يدخل إلى الجسم عبر الأنف وفيه مسائل.
المسألة الأولى: القطرة.
المسألة الثانية: غاز الأوكسجين.
المسألة الثالثة: بخَّاخ الأنف.
المسألة الرابعة: غازات التخدير (البنج).
المبحث الثالث: ما يدخل إلى الجسم عبر الأذن وفيه مسائل.
المسألة الأولى: القطرة.
مسألة تابعة: غسول الأذن.
المبحث الرابع: ما يدخل إلى الجسم عبر العين.
المبحث الخامس: ما يدخل إلى الجسم عبر الجلد (إمتصاصاً أو نفوذاً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الحقن العلاجية (جلدية، عضلية، وريديه).
المسألة الثانية: الدهانات والمراهم واللصقات العلاجية.
المسألة الثالثة: إدخال القثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين للتصوير أو العلاج.
المسألة الرابعة: إدخال منظار البطن أو تنظير البطن.
المسألة الخامسة: الغسيل الكلوي.

المبحث الخامس: ما يدخل إلى الجسم عبر المهبل وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الغسول المهبلي.
المسألة الثانية: وتشمل التحاميل (اللبوس)، المنظار المهبلي، أصبع الفحص الطبي.
المبحث السادس: ما يدخل إلى الجسم عبر فتحة الشرج وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الحقن الشرجية.
المسألة الثانية: التحاميل.
المسألة الثالثة: المنظار الشرجي وأصبع الفحص الطبي.
المبحث السابع: ما يدخل إلى الجسم عبر مجرى البول:
إدخال القثطرة أو المنظار أو إدخال دواء أو محلول لغسل المثانة أو مادة تساعد على وضوح الأشعة.
الفصل الثاني: المفطرات المعاصرة الخارجة من بدن الصائم.
المبحث الأول: التبرع بالدم.
المبحث الثاني: أخذ الدم القليل للتحليل ونحوه.

والله أسأل التوفيق والسداد.

كتبه
د. أحمد بن محمد الخليل
القصيم ـ عنيزة






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

الباب الأول: في التعريفات والمقدمات وفيه فصلان :
الفصل الأول: في التعريفات وفيه مباحث.
المبحث الأول تعريف الصيام:
أولاً: تعريف الصيام لغة:
قال ابن فارس: "الصاد والواو والميم أصل يدل على إمساك وركود في مكان".أهـ.
وفي لسان العرب( ): الصوم الإمساك عن الشيء، والترك له، ولذلك قيل للصائم صائماً لإمساكه عن الشراب والطعام والنكاح، وقيل للصامت صائماً؛ لإمساكه عن الكلام ومنه: (إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا) وقال أبو عبيدة كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم".أهـ.
وقال البيضاوي: الصوم في اللغة الإمساك عما تنزع إليه النفس أهـ.( )
ثانياً: تعريف الصيام شرعاً:
عند الأحناف:
الإمساك عن أشياء مخصوصة، وهي الأكل، والشرب، والجماع، بشرائط مخصوصة.أهـ.( )
وعند المالكية:
الإمساك عن شهوتي الفم، والفرج، وما يقوم مقامهما، مخالفةً للهوى في طاعة المولى، في جميع أجزاء النهار، وبنية قبل الفجر، أو معه إن أمكن.( )
وعند الشافعية:
إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص.( )
وعند الحنابلة:
إمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.( )


المبحث الثاني:
تعريف المفطرات:
هي مفسدات الصيام، وقد بحثها الفقهاء وذكروا الخلاف في بعضها، ولا يتعلق ذلك بهذا البحث، إذ المراد بحث المسائل المعاصرة، وقد يذكر شيء منها لتخريج مسألة معاصرة عليها بحيث يستفاد منه الحكم الشرعي.
وقد جمعها الغزالي بقوله:
والمفطرات ثلاثة، دخول داخل، وخروج خارج، وجماع( ).

المبحث الثالث:
تعريف المعاصرة:
مأخوذة من العصر، وله في اللغة ثلاثة معاني ذكرها ابن فارس( ).
يعنينا منها معنى واحد هو: الدهروالحين.
والمعنيان الآخران هما:
ـ ضغط الشيء حتى يتحلب.
ـ العَصَر: الملجأ إعتصر بالمكان إذا إلتجإ به.
ومن معانيه الزمن الذي ينسب إلى ملك، أو دولة، أو تطورات طبيعية، أو إجتماعية، يقال: عصر الدولة العباسية، عصر الكهرباء، عصر الذرَّة، العصر القديم، العصر المتوسط، والعصر الحديث( )وهكذا.
إذاً فالمراد به في هذا البحث: المفطرات التي ظهرت في عصرنا الحديث.


الفصل الثاني:
المقدمات وفيه مباحث
المبحث الأول: المفطرات المتفق عليها في الشرع:
هناك مفطرات دل النص والإجماع على أنها مفسدة للصيام، وهي كما يلي:
1ـ الأكل.
2ـ الشرب.
3ـ الجماع.
ودليل هذه الثلاثة قوله تعالى: ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾( )
4ـ دم الحيض والنفاس.
ودليله حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله e قال: " أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم".( )


المبحث الثاني:
تحديد الجوف المراد في كلام الفقهاء :
اختلفت المذاهب الأربعة في ذلك :

أولاً/ الأحناف:
بين الأحناف مرادهم بالجوف عند حديثهم عن الجائفة :
فالجائفة عندهم: هي التي تصل إلى الجوف, والمواضع التي تنفذ الجراحة منها إلى الجوف: هي الصدر, والظهر, والبطن, والجنبان, وما بين الأنثيين والدبر, ولا تكون في اليدين والرجلين ولا في الرقبة والحلق جائفة; لأنه لا يصل إلى الجوف. ( )
وهناك فرق ـ عند الأحناف ـ بين المعدة والجوف فإن الجوف يشمل المعدة وغيرها مما يوجد في التجويف البطني:
قال الكاساني في سياق كلامه عن الرضاعة: "وأما الإقطار في الأذن فلا يحرم ; لأنه لا يعلم وصوله إلى الدماغ، لضيق الخرق في الأذن، وكذلك الإقطار في الإحليل; لأنه لا يصل إلى الجوف، فضلا عن الوصول إلى المعدة، وكذلك الإقطار في العين والقبل، لما قلنا، وكذلك الإقطار في الجائفة وفي الآمة ; لأن الجائفة تصل إلى الجوف لا إلى المعدة، والآمة إن كان يصل إلى المعدة لكن ما يصل إليها من الجراحة لا يحصل به الغذاء، فلا تثبت به الحرمة، والحقنة لا تحرم، بأن حقن الصبي باللبن في الرواية المشهورة. وروي عن محمد أنها تحرم, وجه هذه الرواية أنها وصلت إلى الجوف حتى أوجبت فساد الصوم، فصار كما لو وصل من الفم, وجه ظاهر الرواية أن المعتبر في هذه الحرمة هو معنى التغذي، والحقنة لا تصل إلى موضع الغذاء; لأن موضع الغذاء هو المعدة، والحقنة لا تصل إليها، فلا يحصل بها نبات اللحم ونشوز العظم واندفاع الجوع، فلا توجب الحرمة ".( )
فهذا النص واضح في التفريق بين المعدة والجوف.
أما الحلق فقد جعلوا الداخل إليه مفطراً، لكونه منفذاً إلى الجوف:
قال الكاساني: يكره للمرأة أن تذوق المرقة لتعرف طعمها، لأنه يخاف وصول شيء منه إلى الحلق فتفطر.
وقال: ولو اكتحل الصائم لم يفسد وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء. وقال ابن أبي ليلى يفسد،
وجه قوله: إنه لما وجد طعمه في حلقه فقد وصل إلى جوفه" ( )
وقال"وكره أبو حنيفة أن يمضغ الصائم العلك، لأنه لا يؤمن أن ينفصل شيء منه فيدخل حلقه ، فكان المضغ تعريضا لصومه للفساد فيكره، ولو فعل لا يفسد صومه، لأنه لا يعلم وصول شيء منه إلى الجوف"
فيفهم من هذه النصوص أن مجرد دخول الشيء إلى الحلق لا يفطر حتى يصل إلى الجوف.
كذلك الدماغ جعلوا الداخل إليه مفطراً لكونه منفذاً إلى الجوف :
قال الكاساني: "وما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ عن المخارق الأصلية، كالأنف، والأذن، والدبر، بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ فسد صومه, أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة. وكذا إذا وصل إلى الدماغ، لأن له منفذاً إلى الجوف، فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجوف. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للقيط بن صبرة : "بالغ في المضمضة, والاستنشاق إلا أن تكون صائماً"( ) ومعلوم أن استثناءه حالة الصوم للاحتراز عن فساد الصوم، وإلا لم يكن للاستثناء معنى, ولو وصل إلى الرأس ثم خرج لا يفسد، بأن استعط بالليل ثم خرج بالنهار، لأنه لما خرج علم أنه لم يصل إلى الجوف, أو لم يستقر فيه" .
وكذلك المنافذ الأخرى، كالإحليل، وقبل المرأة وغيرها جعلوا الداخل إليه مفطراً، لكونه منفذاً إلى الجوف.
فتلخص من مذهب الأحناف أنهم لايقصرون الجوف على المعدة بل يشمل كل التجويف البطني، أما باقي المنافذ فقد جعلوا الداخل إليه مفطراً لكونه منفذاً إلى الجوف.

ثانياً المالكية /
لبيان الجوف أنقل كلامهم حول الجائفة:
قال في المدونة( ): "قلت: فما حَدُّ الجائفة؟ قال: ما أفضى إلى الجوف وإن مدخل إبرة".
وفي حاشية الخرشي( ):" الجائفة في اصطلاح الفقهاء: ما أفضى من الجراحات إلى الجوف، ولا يكون إلا في الظهر, أو البطن"
و يفرقون بين المعدة والجوف:
قال بعض المالكية:"تجب الكفارة في إفساد صوم رمضان انتهاكا له بما يصل إلى الجوف أو المعدة من الفم".( )
أما الحلق فيحصل الفطر بوصول المائع إليه وإن لم يجاوزه على الصحيح من مذهب المالكية ( )
أما الدماغ فهناك إختلاف في إشتراط وصول الداخل إليه إلى الجوف:
قال الخرشي:"واستنشاق قدر الطعام بمثابة البخور ; لأن ريح الطعام له جسم يتقوى به الدماغ، فيحصل به ما يحصل بالأكل" .
فهذا يدل على أن الدماغ نفسه يتقوى.
وجاء في الشرح الكبير مع حاشيته: وأما من دهن رأسه نهارا ووجد طعمه في حلقه , أو وضع حناء في رأسه نهارا فاستطعمها في حلقه , فالمعروف من المذهب وجوب القضاء".( )
فهذا يدل على أنه لابد أن يصل الى الحلق.
أما المنافذ الأخرى كالإحليل وفرج المرأة فيعللونها بالوصول إلى الجوف.( )
والخلاصة أن المالكية يرون أن الجوف هو كل البطن وليس فقط المعدة.
ويفطرون بمجرد الوصول الى الحلق ولو لم ينزل.
واختلفوا في الدماغ، أما باقي المنافذ فلابد من وصول الداخل منها الى الجوف.

ثالثاً الشافعية /
وهم أوسع المذاهب في مدلول الجوف :
فقد ذكر في الغرر البهية أنه يشترط لصحة الصوم عدم " دخول ( عين ) من الظاهر وإن لم تؤكل عادة كحصاة (جوفا له) لخبر البيهقي بإسناد حسن أو صحيح، عن ابن عباس قال: إنما الفطر مما دخل وليس مما خرج( ) أي الأصل ذلك. (ولو) كان الجوف (سوى محيل) للغذاء, أو الدواء (كباطن الأذن) وإن كان لا منفذ منه إلى الدماغ; لأنه نافذ إلى داخل قحف الرأس, وهو جوف (أو) باطن (الإحليل) وإن لم يجاوز الداخل فيه الحشفة، كما يبطل بالواصل إلى حلقه وإن لم يصل إلى معدته , والمحيل كباطن الدماغ , والبطن , والأمعاء , والمثانة "( )
وإذ تأملت في هذ النص تبين لك مايلي :
1ـ أن الجوف يقصد به عندهم كل مجوف كباطن الإذن، وداخل قحف الرأس، وباطن الإحليل، وإن لم يصل الداخل اليها الى المعدة.
2ـ وصول الداخل الى الحلق يبطل الصوم وإن لم يصل الى المعدة.
بل ذهب الشافعية الى أكثر من ذلك، فإن الصائم يفطر عندهم إذا وصل الداخل إلى باطن الفم ـ وحَدُّه مخرج الحاء، أوالخاء، فما بعده باطن ـ :
قال في تحفة المحتاج:"(وإن غلبه القيء فلا بأس) للخبر (وكذا) لا يفطر (لو اقتلع نخامة) من الدماغ أو الباطن (ولفظها) أي: رماها (في الأصح); لأن الحاجة لذلك تتكرر، فرخص فيه، لكن يسن قضاء يوم، ككل ما في الفطر به خلاف يراعى كما هو ظاهر، أما إذا لم يقتلعها بأن نزلت من محلها من الباطن إليه، أو قلعها بسعال، أو غيره، فلفظها فإنه لا يفطر قطعا، وأما لو ابتلعها مع قدرته على لفظها بعد وصولها لحد الظاهر فإنه يفطر قطعا (فلو نزلت من دماغه وحصلت في حد الظاهر من الفم ) وهو مخرج الحاء المهملة فما بعده باطن( ) (فليقطعها من مجراها وليمجها) إن أمكنه، حتى لا يصل منها شيء للباطن (فإن تركها مع القدرة)على لفظها(فوصلت الجوف)يعني: جاوزت الحد المذكور (أفطر في الأصح) لتقصيره"( )
تنبيه: تبين مما نقلته عن الغرر البهية أن الشافعية لا يشترطون أن يكون الجوف محيلاً للغذاء وهذا هو المشهور عند الشافعية، وهناك وجه عندهم أن يشترط في الجوف أن يكون فيه قوة تحيل الواصل إليه من غذاء أو دواء، وهذا هو الذي أخذ به الغزالي في الوجيز.( )

رابعاً/ الحنابلة
يرى الحنابلة أن ما وصل إلى أحدالجوفين (جوف البدن أو الدماغ) فهو مفطر:
قال في الكافي( ):"وإن أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، أو إلى دماغه مثل أن احتقن، أو داوى جائفة بما يصل جوفه، أو طعن نفسه، أو طعنه غيره بإذنه بما يصل جوفه، أو قطر في أذنه فوصل إلى دماغه، أو داوى مأمومة بما يصل إليه أفطر، لأنه إذا بطل بالسعوط دل على أنه يبطل بكل واصل من أي موضع كان؛ ولأن الدماغ أحد الجوفين".
وقال في المغني( ):"الفصل الثالث أنه يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه، أو مجوف في جسده، كدماغه وحلقه ونحو ذلك، مما ينفذ إلى معدته، إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز منه".
وقال في مطالب أولي النهى( ) "(وكذا) يفسد صوم بـ (كل ما يصل لمسمى جوف) كالدماغ والحلق والدبر, وباطن الفرج".
قال شيخ الإسلام( ): "ولابد عند أصحابنا أن يصل إلى البطن، أو ما بينه وبين البطن مجرى نافذ".
وكذلك الجائفة( )، والقطرة في الذكر، وحقنة الدبر، صرحوا أنها لا تؤثر إلا إذا وصلت إلى الجوف( )
والذي يظهر أن الحنابلة يقصدون بالجوف المعدة، فقد صرح ابن قدامة ـ كما سبق ـ بذلك أي أنّ المفطر ما يصل إلى المعدة.
كذلك صرح في دقائق أولي النهى( ) بذلك، فقال: "أو أدخل إلى جوفه شيئاً من كل محل ينفذ إلى معدته" وكذلك غيرهما من الحنابلة يذكرون المعدة( )، بل جاء ما هو أصرح من ذلك في كشاف القناع( )، فقد قال في سياق التعليل للفطر بدخول الشيء إلى الدماغ: "لأن الدماغ أحد الجوفين، فالواصل إليه يغذيه فأفسد الصوم كالآخر"أهـ. ويقصد بالآخر الجوف البطني، لأن الدماغ أحد الجوفين عند الحنابلة كما سبق، فقوله يغذيه يدل على أن مرادهم المعدة؛ لأن التغذية تحصل بما يكون في المعدة.
وقال ابن مفلح:"وإن داوى جرحه، أو جائفته، فوصل الدواء إلى جوفه، أو داوى مأموته فوصل إلى دماغه، أو أدخل إلى مجوف فيه قوة تحيل الغذاء أو الدواء ...أفطر"( )
والجوف الذي فيه قوة يحيل الغذاء ليس إلا المعدة.
فهذا كله يدل على أن الحنابلة يريدون بالجوف المعدة، فالجوفان (المعدة، والدماغ).
وأما الدماغ فقد اختلف الحنابلة هل هو جوف مستقل فما يدخل فيه يفطر ولو لم يصل إلى التجويف البطني، أو هو مفطر بشرط وجود منفذ بين الدماغ والتجويف البطني، وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية المراد به فقال ـ بعد أن ذكر أن ما يصل إلى الدماغ يفطرـ : "بناءً على أن بين الدماغ والجوف مجرى، فما يصل إلى الدماغ لابد أن يصل إلى الحلق ويصل إلى الجوف ـ ثم قال ـ وذكر القاضي في بعض المواضع وغيره: أن نفس الوصول إلى الدماغ مفطر؛ لأنه جوف يقع الاغتذاء بالواصل إليه، فأشبه الجوف، والصواب الأول لو لم يكن بين الدماغ والجوف منفذ لم يفطر بالواصل... لأن الغذاء الذي به البنية لابد أن يحصل في المعدة"( ).

القول المختار:
إذا نظرنا في أقوال الفقهاء السابقة وجدنا أنهم على قسمين:
القسم الأول: الفقهاء الذين يفطرون بغير الواصل إلى الجوف كالواصل الى الدماغ والدبر ونحوهما
بناءً على وصوله الى الجوف (البطني) فهولاء لاإشكال معهم لأن الطب الحديث (علم التشريح) أثبت أنه لاعلاقة لهذه المنافذ بالجوف .

القسم الثاني: الذين يرون أنها جوف بحد ذاتها، ولو لم يصل ما يدخل من طريقها الى التجويف البطني، وكذلك الذين يرون أن التجويف البطني ليس هو المعدة فقط.
وهؤلاء في الحقيقة ليس معهم دليل يؤيد مذهبهم، بل دل النص على أن المفطر هو الطعام والشراب، وهذه إنما تدخل إلى المعدة ولا ينتفع الجسم بها إلا إذا دخلت المعدة، وهذا وصف مناسب يصلح لتعليق الحكم به ونفي الحكم عند عدمه.
فالقول الأقوى أن الجوف هو المعدة فقط، أي أن المفطر هو ما يصل إلى المعدة دون غيرها من تجاويف البدن.
بقي أن ينبه هنا إلى أن الأمعاء هي المكان الذي يمتص فيه الغذاء، فإذا وضع فيها ما يصلح للامتصاص سواء كان غذاء أو ماء فهو مفطر، لأن هذا في معنى الأكل والشرب كما لا يخفى.
وقد ذهب بعض الأطباء المعاصرين( ) إلى أن المراد بالجوف هو الجهاز الهضمي (البلعوم، المريء، المعدة، الأمعاء). والذي يظهر لي أن هذا ليس بصحيح لأمرين:
1ـ لو فرضنا أن الطعام وصل إلى البلعوم ثم خرج ولم يبقى له أي أثر ولم ينزل منه شيء إلى المعدة ولم ينتفع منه الجسم مطلقاً فبأي دليل نبطل صيام هذا الشخص؟!
2ـ يعتبر الفم جزءاً من الجهاز الهضمي، وهو ليس من الجوف بالنص، فقد جاءت السنة بجواز المضمضة للصائم فهذا مما ينقض القول بأن الجوف هو الجهاز الهضمي.
















الباب الثاني: المفطرات المعاصرة
وفيه فصلان:
الفصل الأول: المفطرات المعاصرة الداخلة إلى بدن الصائم، وفيه مباحث :
المبحث الأول: ما يدخل إلى بدن الصائم عبر الفم، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: بخَّاخ الربو.
ـ التعريف به:
بخَّاخ الربو علبة فيها دواء سائل يحتوي على ثلاثة عناصر، 1) مواد كيميائية (مستحضرات طبية). 2) ماء. 3) أوكسجين.
ويتم استعماله بأخذ شهيق عميق مع الضغط على البخَّاخ في نفس الوقت.
وعندئذ يتطاير الرذاذ ويدخل عن طريق الفم إلى البلعوم الفمي، ومنه إلى الرغامي، فالقصباتِ الهوائية، ولكن يبقى جزء منه في البلعوم الفمي، وقد تدخل كمية قليلة جداً إلى المريء.( )
ـ حكم بخَّاخ الربو:
اختلف المعاصرون فيه على قولين:
القول الأول:
أن بخَّاخ الربو لا يفطر، ولا يفسد صوم الصائم، وهو قول شيخنا عبد العزيز بن باز( )ـ رحمه الله ـ وشيخنا محمد بن صالح العثيمين( )ـ رحمه الله ـ، والشيخ عبد الله بن جبرين( )، (والشيخ الدكتور الصديق الضرير، ود. محمد الخياط)( ) واللجنة الدائمة( ) .
الأدلة:
1ـ أن الداخل من بخّاخ الربو إلى المريء ومن ثم إلى المعدة قليل جداً، فلا يفطِّر قياساً على المتبقي من المضمضة والاستنشاق.
بيان ذلك كما يلي :
تحتوي عبوة بخاخ الربو على 10ملليتر من السائل بما فيه المادة الدوائية، وهذه الكمية مُعدة على أساس أن يبخ منه 200 بخة (أي أن أل10مللتر تنتج 200 بخة) أي أنه في كل بخة يخرج جزء من المللتر الواحد، فكل بخة تشكل أقل من قطرة واحدة( )، وهذه القطرة الواحدة ستقسم إلى أجزاء يدخل الجزء الأكبر منه إلى جهاز التنفس، وجزء آخر يترسب على جدار البلعوم الفمي، والباقي قد ينزل إلى المعدة وهذا المقدار النازل إلى المعدة يعفى عنه قياساً على المتبقي من المضمضة والاستنشاق، فإن المتبقي منها أكثر من القدر الذي يبقى من بخة الربو "ولو مضمض المرء بماء موسوم بمادة مشعة( )، لاكتشفنا المادة المشعة في المعدة بعد قليل، مما يؤكد وجود قدر يسير معفو عنه، وهو يسير يزيد ـ يقيناًـ عما يمكن أن يتسرب إلى المريء من بخاخ الربو ـ إن تسرب ـ"( ).
2ـ أن دخول شيء إلى المعدة من بخاخ الربو أمر ليس قطعياً، بل مشكوك فيه، أي قد يدخل وقد لا يدخل، والأصل صحة الصيام وعدم فسادة، واليقين لا يزول بالشك.
3ـ أنه لا يشبه الأكل والشرب، بل يشبه سحب الدم للتحليل والإبر غير المغذية.( )
المناقشة:
يشكل على هذا الدليل وجود قدر من الماء في تركيب الدواء كما سبق بيانه.
4ـ أن البخاخ يتبخر ولا يصل إلى المعدة، وإنما يصل إلى القصبات الهوائية.( )
المناقشة:
سبق أنه قد يصل شيء يسير من مادة البخاخ إلى المعدة.
5ـ ذكر الأطباء أن السواك يحتوي على ثمانية مواد كيميائية، تقي الأسنان، واللثة من الأمراض، وهي تنحل باللعاب وتدخل البلعوم، وقد جاء في صحيح البخاري عن عامر بن ربيعة " رأيت رسول الله e يستاك وهو صائم ما لا أحصي( )"( )
فإذا كان عُفي عن هذه المواد التي تدخل إلى المعدة؛ لكونها قليلة وغير مقصودة، فكذلك ما يدخل من بخاخ الربو يعفى عنه للسبب ذاته.

القول الثاني:
أن بخاخ الربو يفطِّر، ولا يجوز تناوله في رمضان إلا عند الحاجة للمريض، ويقضي ذلك اليوم، وهو قول الدكتور فضل حسن عباس( ) (والشيخ محمد المختار السلامي، والدكتور محمد الألفي، والشيخ محمد تقي الدين العثماني، والدكتور وهبة الزحيلي)( ) .
الأدلة:
1ـ أن محتوى البخاخ يصل إلى المعدة عن طريق الفم فهو مفطر.
المناقشة:
يجاب عنه بالدليل الأول لأصحاب القول الأول.
الترجيح:
الذي يظهر والله أعلم أن بخاخ الربو لا يفطر، فإن ما ذكره القائلون بعدم التفطير وجيه ،وقياسهم على المضمضة والسواك قياس صحيح، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المسألة الثانية:
الأقراص التي توضع تحت اللسان
التعريف بها:
هي أقراص توضع تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية، وهي تمتص مباشرة بعد وضعها بوقت قصير، ويحملها الدم إلى القلب، فتوقف أزماته المفاجئة، ولا يدخل إلى الجوف شيء من هذه الأقراص.( )
حكمها:
هذه الأقراص لا تفطر الصائم؛ لأنه لا يدخل منها شيء إلى الجوف، بل تمتص في الفم كما سبق.

المسألة الثالثة: منظار المعدة.
التعريف به:
هو جهاز طبي يدخل عبرالفم إلى البلعوم، ثم إلى المريء، ثم المعدة، ويستفاد منه إما في تصوير ما في المعدة ليعلم ما فيها من قرحة ونحوها، أو لاستخراج عينة صغيرة لفحصها، أو لغير ذلك من الأغراض الطبية.
توطئة:
قبل الشروع في حكم دخول المنظار إلى المعدة لابد من ذكر مسألة فقهية، لتخرج مسألتنا هذه عليها، وهي: هل دخول أي شيء إلى المعدة يفطر به الصائم أو لابد من دخول المغذي.
وهي مسألة اختلف فيها أهل العلم:
قال ابن رشد ـ مبيناً سبب الخلاف في هذه المسألة ـ:" وسبب اختلافهم في هذه هو قياس المغذي على غير المغذي، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي، فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول لم يلحق المغذي بغير المغذي, ومن رأى أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف، سوى بين المغذي وغير المغذي"أهـ.( )
خلاف أهل العلم في هذه المسألة:

القول الأول:
ذهب عامة أهل العلم والجماهير من السلف والخلف إلى أن من أدخل أي شيء إلى جوفه أفطر، ولو كان غير مغذي، ولا معتاد، ولو لم يتحلل وينماع، فلو بلع قطعة حديد، أو حصاة، أو نحوهما قاصداً أفطر، وهو مذهب الأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة( ).
إلا أن الأحناف اشترطوا استقراره، أي أن لا يبقى طرف منه في الخارج، فإن بقي منه طرف في الخارج، أو كان متصلاً بشيء خارج فليس بمستقر.
الأدلة:
1ـ أن النبي e أمر باتقاء الكحل( )الذي يدخل من العين إلى الحلق، وليس في الكحل تغذية، فعلم أنه لا يشترط في الداخل أن يكون مما يغذي في العادة.( )
المناقشة:
أنه حديث ضعيف كما بينته في التخريج.
2ـ عموم أدلة الكتاب والسنة على تحريم الأكل والشرب فيدخل فيه محل النزاع.( )
المناقشة:
أن هذا استدلال بمحل الخلاف؛ لأن الخلاف هل يسمى ذلك أكلاً أو لا يسمى.
3ـ أن الصيام هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف، وهذا ما أمسك؛ ولهذا يقال فلان يأكل الطين ويأكل الحجر.( )
المناقشة:
أن الإمساك المطلوب لا بد له من متعلق، وهو محل البحث، أي ما هو الشيء الذي يطلب من الصائم أن يمسك عنه.
والأكل علقه كثير من أهل اللغة بالمطعوم، ففي لسان العرب( ): أكلت الطعام أكلاً ومأكلاً.أهـ.
ونحوه في كتب اللغة الأخرى( ).
وفي المصباح المنير( ): "قال الرماني: الأكل حقيقةً بلع الطعام بعد مضغه، فبلع الحصاة ليس بأكل حقيقةً".
وفي معجم لغة الفقهاء( ): "الأكل بسكون الكاف وصول ما يحتاج إلى المضغ إلى المعدة".
وفي تاج العروس:" قال ابن الكمال: الأكل إيصال ما يمضغ إلى الجوف ممضوغاً أولاً".
وفي المفردات للأصفهاني( ): "الأكل تناول المطعم".
وفي كلام هؤلاء ما يدل على أنه لا يطلق الأكل إلا على المطعوم، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"يدع طعامه وشرابه". فالمطلوب ترك الطعام والشراب ليس إلا.
4ـ ما جاء عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:" إنما الفطر مما دخل وليس مما خرج".( )

القول الثاني:
أنه لا يفطر مما دخل إلى المعدة إلا ما كان طعاماً أو شراباً، وهو مذهب الحسن بن صالح، وبعض المالكية( ) واختاره شيخ الإسلام( ).
الأدلة:
1ـ أن المقصود بالأكل والشرب في النصوص هو الأكل المعروف الذي اعتاد عليه الناس، دون أكل الحصاة والدرهم ونحوهما، فإن هذا لا ينصرف، إليه النص ولهذا لما أراد الخليل ـ أن يعرف الأكل قال: الأكل معروف"( )
2ـ أن الله ورسوله إنما جعلا الطعام والشراب مفطراً لعلة التقوي والتغذي، لا لمجرد كونه واصلاً إلى الجوف، قال شيخ الإسلام " الصائم نهي عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوي فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء، لا عن حقنة ولا كحل".
وإذا ثبت أن هذه هي العلة فهي منتفية فيما يدخل إلى المعدة مما لا يغذي.


الترجيح:
الأقرب دليلاً ـ حسب ما ظهر لي ـ القول الثاني، والأحوط هو القول الأول والله تعالى أعلم .
نرجع الآن إلى المسألة المقصودة وهي دخول المنظار إلى المعدة:
فعلى القول بأن كل داخل إلى المعدة مهما كان (مغذياً أو غير مغذي) يفطر فالمنظار على هذا يفطر، تخريجاً على قول الأئمة الثلاثة ـ عدا الأحناف ـ فإنهم يشترطون الاستقرار ـ كما سبق ـ وهو أنه ألا يبقى منه شيء في الخارج، ومعلوم أن المنظار يتصل بالخارج، فهو لا يفطر تخريجاً على قول الأحناف ويفطر تخريجاً على قول الثلاثة، ومقتضى كلام كثير من المعاصرين: أن المنظار يفطر، لأنهم قالوا أن كل عين دخلت الجوف تفطر أكلت أو لم تؤكل، تطعم أو لا تطعم صغيرة أو كبيرة.( )
أما على القول بأنه لا يفطر إلا المغذي فقط فالمنظار لا يفطر؛ لكونه جامداً لا يغذي، وهذا ما اختاره الشيخ محمد بخيت( ) مفتي مصر وشيخنا محمد العثيمين( ).
والقول بعدم التفطير هو الأقرب؛ لأنه لا يمكن اعتبار عملية إدخال المنظار أكلاً لا لغةً، ولا عرفاً، فهي عملية علاج ليس أكثر.

تنبيه:
إذا وضع الطبيب على المنظار مادة دهنية مغذية لتسهيل دخول المنظار فهنا يفطر الصائم بهذه المادة لا بدخول المنظار؛ وذلك لأنها مفطرة بذاتها، فهي مادة مغذية دخلت المعدة، وهذا يفطر بلا إشكال.( )


المبحث الثاني ما يدخل إلى الجسم عبر الأنف وفيه مسائل:
المسألة الأولى: القطرة:
ـ الأنف منفذ إلى الحلق كما هو معلوم بدلالة السنة، والواقع، والطب الحديث.
ـ فمن السنة قوله صلى الله عليه وسلم "وبالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائماً"( ) فدل هذا الحديث على أن الأنف منفذ إلى الحلق، ثم المعدة، والطب الحديث أثبت، ذلك فإن التشريح لم يدع مجالاً للشك باتصال الأنف بالحلق.
ـ واختلف الفقهاء المعاصرون في التفطير بالقطرة على قولين:

القول الأول:
أنه لا يفطر وقال به( الشيخ هيثم الخياط، والشيخ عجيل النشمي)( ).
الأدلة:
1ـ أن ما يصل إلى المعدة من هذه القطرة قليل جداً، فإن الملعقة الواحدة الصغيرة تتسع إلى 5سم3 من السوائل، وكل سم3 يمثل خمس عشرة قطرة، فالقطرة الواحدة تمثل جزءً من خمسة وسبعين جزءً مما يوجد في الملعقة الصغيرة ( ).
وبعبارة أخرى حجم القطرة الواحدة (0.06) من السم3( ).
ويمتص بعضه من باطن غشاء الأنف، وهذا القليل الواصل أقل مما يصل من المتبقي من المضمضة ( ) كما سبق تحريره، فيعفى عنه قياساً على المتبقي من المضمضة.
2ـ أن الدواء الذي في هذه القطرة مع كونه قليلاً فهو لا يغذي، وعلة التفطير هي التقوية والتغذية ـ كما سبق تقريره ـ وقطرة الأنف ليست أكلاً ولا شرباً، لا في اللغة، ولا في العرف، والله تعالىإنما علق الفطر بالأكل والشرب.


القول الثاني:
أن القطرة في الأنف تفطر، وقال به شيخنا عبد العزيز بن باز( )، وشيخنا محمد بن عثيمين( )، (والشيخ محمد المختار السلامي، ود. محمد الألفي)( ).
الأدلة:
1ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث لقيط بن صبرة:" بالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائماً". فالحديث يدل على أنه لا يجوز للصائم أن يقطر في أنفه ما يصل إلى معدته.( )

الراجح:
الذي يظهر لي عدم التفطير بقطرة الأنف، ولو وصل شيء منها إلى المعدة؛ لما سبق بيانه.

المسألة الثانية:
غاز الأكسجين.
التعريف به:
غاز الأكسجين هو هواء يعطى لبعض المرضى، ولا يحتوي على مواد عالقة، أو مغذية، ويذهب معظمه إلى الجهاز التنفسي.
حكمه:
لا يعتبر غاز الأكسجين مفطراً كما هو واضح، فهو كما لو تنفس الهواء الطبيعي.

المسألة الثالثة:
بخاخ الأنف
والبحث فيه هو البحث نفسه في بخاخ الربو عن طريق الفم، وقد سبق بيانه، فحكمه كحكمه تماماً ولا داعي لتكرار الكلام.


المسألة الرابعة: التخدير (البنج)
التعريف به:
هناك نوعان من التخدير:
1ـ تخدير كلي.
2ـ تخدير موضعي.
ويتم تخدير الجسم بعدة وسائل:
أ) التخدير عن طريق الأنف، بحيث يشم المريض مادةً غازية تؤثر على أعصابه، فيحدث التخدير.

ب)التخدير الجاف:
وهو نوع من العلاج الصيني، ويتم بإدخال إبر مصمتةٍ جافةٍ إلى مراكز الإحساس، تحت الجلد، فتستحثَّ نوعاً معيناً من الغدد على إفراز المورفين الطبيعي، الذي يحتوي عليه الجسم، وبذلك يفقد المريض القدرة على الإحساس.
وهو في الغالب تخدير موضعي، ولا يدخل معه شيء إلى البدن.

ج) التخدير بالحقن:
ـ وقد يكون تخديراً موضعياً كالحقن في اللِّثة والعضلة ونحوهما.
وقد يكون كلياً وذلك بحقن الوريد بعقار سريع المفعول، بحيث ينام الإنسان في ثوان معدودة، ثم يدخل أنبوب مباشر إلى القصبة الهوائية عبر الأنف، ثم عن طريق الآلة يتم التنفس، ويتم أيضاً إدخال الغازات المؤدية إلى فقدان الوعي فقداناً تاماً.( )
وقد يكون مع المخدر إبرة للتغذية، فهذه لها حكمها الخاص، وسيأتي الكلام عليها.

حكم التخدير:
ـ التخدير بالطريقة الأولى لا يعدُّ مفطرا؛ لأن المادة الغازية التي تدخل في الأنف ليست جرماً، ولا تحمل مواد مغذية، فلا تؤثر على الصيام.
ـ كذلك التخدير الصيني لا يؤثر على الصيام؛ لعدم دخول أي مادة إلى الجوف، كذلك التخدير الموضعي بالحقن له الحكم نفسه.
ـ أما التخدير الكلي بحقن الوريد فهذا فيه أمران:
الأول: دخول مائع إلى البدن عن طريق الوريد، وسيأتي بحث الحقن الوريدية في مبحثٍ مستقل.
الثاني: فقدان الوعي.
وقد اختلف أهل العلم في فقدان الصائم الوعي هل يفطر أو لا،وفقدان الوعي على قسمين:

القسم الأول:
أن يفقده في جميع النهار:
فذهب الأئمة الثلاثة ـ مالك و الشافعي وأحمد ـ إلى أن من أغمي عليه في جميع النهار فصومه ليس بصحيح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به"( ) وفي بعض طرقه في مسلم "يدع طعامه وشرابه وشهوته" فأضاف الإمساك إلى الصائم، والمغمى عليه لا يصدق عليه ذلك.
وذهب الأحناف والمزني من الشافعية إلى صحة صومه، لأنه نوى الصوم، أما فقدان الوعي فهو كالنوم لا يضر.( )
والأقرب قول الجمهور، لوجود الفرق الواضح بين الإغماء والنوم، فإن النائم متى نبه انتبه، بخلاف المغمى عليه.
بناءً على القول بأن المغمى عليه كل النهار لا يصح صومه فمن خُدر جميع النهار بحيث لم يفق أي جزء منه فصيامه ليس بصحيح، وعليه القضاء.

القسم الثاني:
ألا يستغرق فقدان الوعي كل النهار:
فذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أفاق قبل الزوال فلابد من تجديد النية( ).
وذهب مالك إلى عدم صحة صومه( ).
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إذا أفاق في أي جزء من النهار صح صومه.( )
ولعل الأقرب ما ذهب إليه الشافعي وأحمد من أنه إذا أفاق في أي جزء من النهار يصح صومه، لأنه لا دليل على بطلانه، فقد حصلت نية الإمساك في جزء النهار.
وكما قال شيخ الإسلام لا يشترط وجود الإمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه؛ لأنه داخل في عموم قوله:" يدع طعامه وشهوته من أجلي"( )
بناءً على ما سبق فالتخدير الذي لا يستغرق كل النهار ليس من المفطرات التي تفسد الصوم لعدم وجود ما يقتضي التفطير.أما التخدير الذي يستغرق كل النهار فهو مفطر، والله أعلم.

المبحث الثالث: ما يدخل إلى الجسم عن طريق الأذن وفيه مسائل.
المسألة الأولى: القطرة.
حكم القطرة في الأذن عند الفقهاء، اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
إذا صب دهن في الأذن أو أدخل الماء أفطر، وهو مذهب الأحناف( )، والمالكية( )، والأصح عند الشافعية( ) ومذهب الحنابلة( ) ـ إذا وصل إلى دماغه.
وقد ذهب هؤلاء إلى القول بالتفطير، بناءً على أن ما يوضع في الأذن يصل إلى الحلق، أو إلى الدماغ، فهذا صريح تعليلهم.
ولذلك جاء في منح الجليل( ) "فإن تحقق عدم وصوله للحلق من هذه المنافذ ـ يقصد الأنف والأذن والعين ـ فلا شيء عليه"
القول الثاني:
أنه لا يفطر، وهو وجه عند الشافعية، ومذهب ابن حزم( ).
وبنى هؤلاء قولهم على أن ما يقطر في الأذن لا يصل إلى الدماغ، وإنما يصل بالمسام.( )
وفي الحقيقة لا خلاف بين هذين القولين؛ لأن المسألة ترجع إلى التحقق من وصول القطرة التي في الأذن إلى الجوف، وقد بين الطب الحديث أنه ليس بين الأذن وبين الجوف ولا الدماغ قناة ينفذ منها المائع إلا في حالة وجود خرق في طبلة الأذن.( )
فإذا تبين أنه لا منفذ بين الأذن والجوف فيمكن القول ـ بناءً على تعليلات القائلين بالتفطير ـ أن المذاهب متفقة على عدم إفساد الصيام بالتقطير في الأذن.
أما إذا أزيلت طبلة الأذن فهنا تتصل الأذن بالبلعوم عن طريق قناة ( استاكيوس)، وتكون كالأنف.( )
وقد سبق الكلام على قطرة الأنف، فما قيل هناك يقال هنا، ولا داعي للتكرار، وقد رجحت هناك عدم الفطر بها، فكذلك هنا، وارجع إذا أردت المزيد إلى قطرة الأنف.

مسألة تابعة: غسول الأذن.
حكم الغسول هو حكم القطرة، إلا أنه إذا أزيلت طبلة الأذن ثم غسلت الأذن فهنا ستكون كمية السائل الداخلة إلى الأذن أكبر من القطرة فيما يظهر، فإن كان هذا السائل يحتوي على قدر كبير من الماء ونزل من خلال القناة الموصلة إلى البلعوم فهذا مفطر؛ لوصول الماء إلى المعدة عن طريق الأذن بسبب إزالة الطبلة كما سبق.
وإن كان الغسول بمواد طبية وليس فيها ماء فهنا ترجع المسألة إلى دخول غير المغذي إلى المعدة، وسبق ذكر الخلاف فيه، وترجيح أنه لا يفطر شيء دخل إلى المعدة إلا إن كان مغذياً.
وبهذا التفصيل كمل الحكم إن شاء الله تعالى.

المبحث الرابع: ما يدخل الجسم عن طريق العين:
اختلف الفقهاء فيما يوضع في العين كالكحل ونحوه هل يفطر أو لا، وخلافهم هذا مبني على أمر آخر وهو هل تعتبر العين منفذاً كالفم، أو ليس بينها وبين الجوف قناة، ولا تعد منفذاً، وإنما يصل ما يوضع فيها إلى الجوف عن طريق المسام.
فذهب الأحناف، والشافعية إلى أنه لا منفذ بين العين والجوف، أو الدماغ، وبناءً على ذلك فهم لا يرون ما يوضع في العين مفطراً.( )
وذهب المالكية( )، والحنابلة( ) إلى أن العين منفذ إلى الحلق كالفم، والأنف فإن اكتحل الصائم ووجد طعمه في حلقه فقد أفطر.
وقد بحث شيخ الإسلام( ) خلاف الفقهاء في الكحل، وانتصر لعدم التفطير به، وذكر في ذلك بحثاً لا مزيد عليه.
والطب الحديث أثبت أن هناك قناة تصل بين العين والأنف، ثم البلعوم، فالصواب ـ في مسألة وجود منفذ أو
عدمه ـ مع المالكية،والحنابلة،إلا أنه يبقى اعتبارات أخرى في مسألة القطرة، لا بد من مراعاتها كما سيأتي ولا يتوقف الأمر عند كون العين منفذاً أو ليست منفذاً.
ولم أجد للمتقدمين كلاماً حول قطرة العين نصاً، لكن يظهر جلياً من خلال كلامهم حول قطرة الأذن والكحل في العين أن الضابط عندهم هو كونها منفذاً أو لا، فإذا أردنا معرفة حكم قطرة العين عند الفقهاء المتقدمين فهو على الخلاف السابق في الكحل.
أما المعاصرون فقد اختلفوا في قطرة العين كما يلي:

القول الأول:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن قطرة العين لا تفطر، وهو قول شيخنا عبد العزيز بن باز( )،وشيخنا محمد العثيمين( )،ود.فضل عباس( )،ود.محمد حسن هيتو( )، (ود.وهبه الزحيلي ود.الصديق الضرير والشيخ عجيل النشمي، وعلي السالوس)( )، ومحي الدين مستو( )، ومحمد بشير الشقفه( ).
الأدله:
1ـ أن جوف العين لا تتسع لأكثر من قطرة واحدة، والقطرة الواحدة حجمها قليل جداً، فإن الملعقة الواحدة الصغيرة تتسع إلى 5سم3 من السوائل، وكل سم3 يمثل خمس عشرة قطرة، فالقطرة الواحدة تمثل جزءاً من خمسة وسبعين جزءاً مما يوجد في الملعقة الصغيرة ( ).
وبعبارة أخرى حجم القطرة الواحدة (0.06) من السم3( ).
وإذا ثبت أن حجم القطرة قليل فإنه يعفى عنه، فهو أقل من القدر المعفو عنه مما يبقى من المضمضة ( ).
2ـ أن هذه القطرة أثناء مرورها في القناة الدمعية تُمْتَصُّ جميعها ولا تصل إلى البلعوم، أما الطعم الذي يشعر به في الفم فليس لأنها تصل إلى البلعوم، بل لأن آلة التذوق الوحيدة هي اللسان، فعندما تمتص هذه القطرة تذهب إلى مناطق التذوق في اللسان، فتصبح طعماً يشعر بها المريض( )، هكذا قرر بعض الأطباء، وإذا ثبت هذا فهو حاسم في المسألة.
3ـ أن القطرة في العين لا تفطر لأنها ليست منصوصاً عليها، ولا بمعنى المنصوص عليه، والعين ليست منفذاً للأكل والشرب ولو لطخ الأنسان قدميه ووجد طعمه في حلقه لم يفطره؛ لأن ذلك ليس منفذاً فكذلك إذا قطر في عينه.( )

القول الثاني:
أن قطرة العين تفطر: قال به من المعاصرين (الشيخ محمد المختار السلامي، د. محمد الألفي)( ).
الأدلة:
1ـ قياساً على الكحل إذا وصل إلى الحلق.
المناقشة:
يجاب عنه بأن الكحل محل خلاف كما تقدم، والأقرب أنه لا يفطر به الصائم، فلا يصح القياس عليه.
2ـ أن علماء التشريح يثبتون أن الله خلق العين مشتملة على قناة تصلها بالأنف، ثم البلعوم.
المناقشة:
يجاب عن هذا الدليل بما ذُكِرَ في الدليل الأول للقول الأول.

الراجح:
الذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن أرجح القولين القول الأول، وأنه ليس هناك ما يعتمد عليه في جعل قطرة العين مفسدة للصيام .

المبحث الخامس: ما يدخل إلى الجسم عن طريق الجلد (إمتصاصاً أو نفوذاً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الحقنة العلاجية
أ) الحقنة العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية:
لم أرى خلافاً بين المعاصرين أن الحقنة الجلدية أو العضلية لا تفطر( )،فذهب إلى ذلك شيخنا عبد العزيز بن باز( ) وشيخنا محمد العثيمين( )، والشيخ محمدبخيت( )، والشيخ محمد شلتوت( )، ود.فضل عباس( )، ود.محمد هيتو( )، ومحمد بشير الشقفة( )، وهو من قرارات المجمع الفقهي( ) .
الدليل: أن الأصل صحة الصوم حتى يقوم دليل على فساده ،وهذه الإبرة ليست أكلاً، ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب، وعلى هذا فينتفي عنها أن تكون في حكم الأكل والشرب.( )
ب) الحقنة الوريدية المغذية:
وقد اختلف فيها الفقهاء المعاصرون على قولين:
القول الأول:
أنها تفطر الصائم، وهو قول الشيخ عبد الرحمن السعدي( )، وشيخنا عبد العزيز بن باز( )
وشيخنا محمد العثيمين( )، ومحمد بشير الشقفه( )، وهو من قرارات المجمع الفقهي ( ).
الدليل: أن الإبر المغذية في معنى الأكل والشرب، فإن المتناول لها يستغني بها عن الأكل والشرب.( )
القول الثاني:
أنها لا تفطر ، وهو قول الشيخ محمد بخيت( )، والشيخ محمد شلتوت( )، والشيخ سيد سابق( ).
الدليل:
أن مثل هذه الحقنة لا يصل منها شيء إلى الجوف من المنافذ المعتادة أصلاً، وعلى فرض
الوصول فإنما تصل من المسام فقط، وما تصل إليه ليس جوفاً، ولا في حكم الجوف( ).
الجواب:
سبق أن علة التفطير ليست وصول الشيء إلى الجوف من المنفذ المعتاد، بل حصول
ما يتقوى به الجسم ويتغذى، ونقلت عن شيخ الإسلام ما يوضح هذا أتم توضيح.
الراجح: القول الأول.

المسألة الثانية: الدهانات والمراهم واللصقات العلاجية:
في داخل الجلد أوعية دموية، فما يوضع على سطح الجلد يمتص عن طريق الشعيرات الدموية إلى الدم، وهو امتصاص بطيء جداً.
وقد سبق أن حقن العلاج حقناً مباشراً في الدم لا يفطر، فمن باب أولى هذه الدهانات والمراهم ونحوها.
بل حكى بعض المعاصرين الإجماع على أنها لا تفطر ( )، وهو من قرارات المجمع الفقهي.

المسألة الثالثة :
إدخال القثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين للتصوير أو العلاج أو غير ذلك :
إدخال القثطرة في الشرايين ليس أكلاً، ولاشرباً، ولا في معناهما، ولا يدخل المعدة، فهو أولى بعدم التفطير من الإبر الوريدية، وهذ ما أخذ به المجمع الفقهي.
المسألة الرابعة :
منظار البطن أو تنظير البطن :
التعريف به :
هو عبارة عن إدخال منظار من خلال فتحة صغيرة في جدار البطن إلى التجويف البطني، والهدف من ذلك إجراء العمليات الجراحية، كاستأصال المرارة، أوالزائدة، أو إجراء التشخيص لبعض الأمراض، أو لسحب البييضات في عملية التلقيح الصناعي (طفل الأنابيب)، أو لأخذ عينات، ونحو ذلك.( )
وعلم من هذا التعريف أنه لا علاقة له بالمعدة بمعنى أنه لا يصل إلى داخل المعدة.
حكم منظار البطن:
من المسائل التي تشبه منظار البطن وتحدث عنها المتقدمون من الفقهاء مسألة الجائفة:
تعريف الجائفة: هي الجرح الذي في البطن، يصل إلى الجوف، إذا وضع فيه دواء.
وقد اختلف فيها الفقهاء.( )
القول الأول:
أنها لا تفطر، وهو مذهب مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور، وداود، واختاره شيخ الإسلام.
1ـ لأن ما يوضع في الجرح لا يصل لمحل الطعام.
2ـ أن المسلمين كانوا يجرحون في الجهاد وغيره مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبُين لهم، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطراً.( )
القول الثاني:
ذهب الجمهور إلى أنها تفطر :
1ـ لأن الدواء وصل إلى جوفه باختياره، أشبه الأكل.
2ـ استدلوا بالحديث " وبالغ بالاستنشاق..."( ) قالوا فكل ما وصل إلى الجوف بفعله يفطر، سواء، كان في موضع الطعام والغذاء، أو غيره من حشو جوفه.
مناقشة الدليلين:
يجاب عن الدليلين بأن الجوف هو المعدة، وقد سبق الكلام في تحديد الجوف بذكر كلام الفقهاء وبيان الراجح.
القول المختار:
الأقرب ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول الأول.
بعد هذا الخلاف إذا نظرنا إلى منظار البطن وجدنا أنه لا يصل إلى المعدة، كما صرح بذلك الأطباء، فهو أولى بعدم التفطير من الجائفة، وكل دليل للذين لا يرون التفطير بالجائفة فهو يصلح لعدم التفطير بالمنظار البطني، وعدم التفطير هو ما قرره المجمع الفقهي في دورته العاشرة.

المسألة الخامسة: الغسيل الكلوي.
التعريف به:
هناك طريقتان لغسيل الكلى:
الطريقة الأولى:
يتم غسيل الكلى بواسطة آلة تسمى (الكلية الصناعية)، حيث يتم سحب الدم إلى هذا الجهاز، ويقوم الجهاز بتصفية الدم من المواد الضارة، ثم يعيد الدم إلى الجسم عن طريق الوريد، وقد يحتاج إلى سوائل مغذية تعطى عن طريق الوريد.

الطريقة الثانية:
تتم عن طريق الغشاء البريتواني في البطن، حيث يدخل أنبوب عبر فتحة صغيرة في جدار البطن فوق السرة، ثم يدخل عادة ليتران من السوائل التي تحتوي على نسبة عالية من سكر الغلوكوز إلى داخل جوف البطن، وتبقى في جوف البطن لفترة، ثم تسحب مرة أخرى، وتكرر هذه العملية عدة مراتٍ في اليوم الواحد، ويتم أثناء ذلك تبادل الشوارد والسكر والأملاح الموجودة في الدم عن طريق البريتوان، ومن الثابت علمياً أن كمية السكر الغلوكوز الموجود في هذه السوائل تدخل إلى دم الصائم عن طريق الغشاء البريتواني.
حكمه:
اختلف المعاصرون في غسيل الكلى على قولين:

القول الأول:
أنه مفطر، قال به شيخنا عبد العزيز بن باز( )، ود.وهبة الزحيلي( ).
الدليل:
أن غسيل الكلى يزود الجسم بالدم النقي، وقد يزود مع ذلك بمادة أخرى مغذية، وهو مفطر آخر، فاجتمع له مفطران( ).

القول الثاني:
أنه لا يفطر وهو قول د. محمد الخياط ( ).
الدليل:
أن غسيل الكلى يلحق بالحقن فليس أكلاً ولا شرباً إنما هو حقن لسوائل في صفاق البطن ثم استخراجه بعد مدة أو سحب للدم ثم إعادته بعد تنقيته عن طريق جهاز الغسيل الكلوي.( )
المناقشة:
أن غسيل الكلى قد يكون معه مواد مغذية.

القول المختار:
الذي يظهر أن غسيل الكلى فيه تفصيل، فإذا صاحبه تزويد للجسم بمواد مغذية سكرية أو غيرها فلا إشكال أنه يفطر؛ لأن هذه المواد بمعنى الأكل والشرب، فالجسم يتغذى بها ويتقوى.
أما إذا لم يكن معه مواد مغذية فإنه لم يظهر لي ما يوجب التفطير به.
أما مجرد تنقيته للدم من المواد الضارة فليس في هذا ما يوجب الفطر به، إذ تنقية الدم ليس في معنى شيء من المفطرات المنصوص عليها، والله أعلم.

المبحث الخامس: ما يدخل إلى الجسم عن طريق المهبل، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الغسول المهبلي (دوش مهبلي).
يعرف حكم هذه المسألة بمعرفة حكم دخول شيء للمهبل عند الفقهاء المتقدمين،وقد اختلفوا على قولين:
القول الأول:
ذهب المالكية، والحنابلة، إلى أن المرأة إذا قطرت في قبلها مائعاً لا تفطر بذلك( ).
الأدلة:
1ـ أن فرج المرأة ليس متصلاً بالجوف.
2ـ أن مسلك الذكر من فرج المرأة في حكم الظاهر.
القول الثاني:
ذهب الأحناف، والشافعية، إلى أن دخول المائع إلى قبل المرأة يفطر( ).
الدليل: أن لمثانتها منفذاً يصل إلى الجوف، كالإقطار في الأذن.
القول المختار:
بنى الأحناف والشافعية قولهم بالتفطير على وصول المائع إلى الجوف عن طريق قبل المرأة، كما علل به في بدائع الصنائع، وهو أمر مخالف لما ثبت في الطب الحديث، حيث دل على أنه لا منفذ بين الجهاز التناسلي للمرأة وبين جوفها، ولذلك فليس هناك في الحقيقة ما يوجب التفطير، حتى على مذهب الأحناف والشافعية، إنطلاقاً من تعليلهم.
فالقول الأقرب هو عدم التفطير بالغسول المهبلي مطلقاً، وليس في النصوص ما يدل على التفطير، كل ما جاء في النصوص فيما يتعلق بالمهبل من المفطرات هو الجماع، ولا علاقة له لا شرعاً، ولا لغةً، ولا عرفاً بالغسول المهبلي.

المسألة الثانية: وتشمل ما يلي:
التحاميل ( اللبوس)، المنظار المهبلي، أصبع الفحص الطبي.
والكلام فيها كالكلام في المسألة السابقة تماماً، حكماً وتعليلاً.

المبحث السادس ما يدخل إلى الجسم عن طريق فتحة الشرج وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الحقنة الشرجية.
وقد بحث الفقهاء المتقدمون الحقنة الشرجية واختلفوا فيها على قولين:
القول الأول: ذهب الأئمة الأربعة إلى أن الحقنة الشرجية تفطر الصائم( ).
الأدلة:
1ـ لأنه يصل إلى الجوف.
2ـ ولأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل.
3ـ القياس على الاستعاط فإذا أبطل الصيام بما يصل إلى الدماغ فما يصل إلى الجوف بالحقنة أولى.
القول الثاني:
أن الحقنة الشرجية لا تفطر، وهو قول لبعض المالكية، ومذهب الظاهرية، واختاره شيخ الإسلام ( ).
الدليل:
1ـ أن الحقنة لا تغذي بوجه من الوجوه، بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئاً من المسهلات، أو فزع فزعاً أوجب استطلاقه.
2ـ أن هذا المائع لا يصل إلى المعدة، ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم.
واختلف المعاصرون في هذه المسألة اختلافاً مبنياً على الخلاف السابق، فمنهم من رأى أنها تفطر، ومنهم من رأى عدم التفطير فيها.( )
القول المختار:
إذا نظرنا إلى فتحة الشرج (الدبر) فسنجد أنها متصلة بالمستقيم، والمستقيم متصل بالقولون (الأمعاء الغليظة)، وامتصاص الغذاء يتم معظمه في الأمعاء الدقيقة، وقد يمتص في الأمعاء الغليظة الماء وقليل من الأملاح والغلوكوز.( )
فإذا ثبت طبياً أن الغليظة تمتص الماء وغيره، فإنه إذا حقنت الأمعاء بمواد غذائية، أو ماء، يمكن أن يمتص، فإن الحقنة هنا تكون مفطرة؛ لأن هذا في الحقيقة بمعنى الأكل والشرب، إذ خلاصة الأكل والشرب هو ما يمتص في الأمعاء.
أما إذا حقنت الأمعاء بدواء ليس فيه غذاء، ولا ماء، فليس هناك ما يدل على التفطير. والأصل صحة الصيام حتى يقوم دليل على إفساد الصوم، وليس هنا ما يدل على الإفساد.
واختار هذا التفصيل من المعاصرين شيخنا محمد العثيمين( )، ود. فضل حسن عباس( ).
ومن هنا نعلم أن أصحاب القول الثاني لو علموا أن الحقنة الشرجية يمكن أن تغذي، بأن يمتص الأمعاء منها الماء، أو الغذاء، وينتفع به الجسم انتفاعه بالطعام والشراب، لذهبوا ـ فيما أظن ـ إلى القول بالتفطير.

المسألة الثانية:التحاميل (اللبوس):
تستعمل التحاميل لعدة أغراض طبية، كتخفيف آلام البواسير، أو خفض درجة الحرارة، أو غيرها، وحكمها عند الفقهاء كحكم المسألة السابقة، إلا أن المالكية لا يرون أنها تفطر، فقد قال الزرقاني:
"والفتائل لا تفطر ولو كان عليها دهن"( ).
وقد اختلف المعاصرون فيها كما يلي:
القول الأول:
أنها لا تفطر، قال به شيخنا محمد بن عثيمين( )، والشيخ محمود شلتوت( )، ود.محمد الألفي( ).
الأدلة: 1ـ أن التحاميل تحتوي على مادة دوائية، وليس فيها سوائل( ).
2ـ أنها ليست أكلاً، ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب، والشارع إنما حرم علينا الأكل والشرب( ).
3ـ أن التحاميل ليست بأكل في صورته، ولا معناه، ولا يصل إلى المعدة محل الطعام والشراب( ).
القول الثاني:
أنها مفطرة، وقال به الشيخ حسن أيوب( )، وعبد الحميد طهماز( )، ومحي الدين مستو( ).
الأدلة:
1ـ استدلوا بما ذكره الفقهاء، من أن كل ما يدخل الجوف فهو مفطر، واعتبروا الأمعاء من الجوف.
المناقشة:
يجاب عن هذا الدليل بما سبق أن الجوف هو المعدة فقط، أما الأمعاء فلا يفطر ما دخل فيه، إلا إذا كان مما يمكن امتصاصه من الغذاء والماء، والتحاميل ليست كذلك.
2ـ أن فيها صلاح بدنه( ).
المناقشة:
أن الله لم يجعل ما فيه صلاح البدن مفسداً للصوم، إنما ذكر الطعام والشراب فقط، وإصلاح البدن يحصل بأشياء كثيرة، وهي مع ذلك غير مفطرة.
القول المختار:
الذي يظهر أنها لا تفطر، لعدم وجود دليل شرعي يعتمد عليه في إفساد صيام مستعمل التحاميل، وأدلة أصحاب القول الأول وجيهة فيما ظهر لي والله أعلم.

المسألة الثالثة: المنظار الشرجي وأصبع الفحص الطبي.
قد يدخل الطبيب المنظار من فتحة الشرج، ليكشف على الأمعاء أوغيرها.
وقد سبق الكلام على منظار المعدة، وما ذكره الفقهاء فيه، وهو ينطبق على المنظار الشرجي، وأصبع الفحص الطبي.
إلا أن القول بعدم التفطير في المنظار الشرجي، وأصبع الفحص الطبي، أولى وأقوى، لما سبق تقريره من أن الجوف هو المعدة، أو ما يوصل إليها، وليس كل تجويف في البدن يعتبر جوفاً، فعلى هذا يكون المنظار الشرجي والإصبع أبعد أن يفطر من منظار المعدة.

المبحث السابع: ما يدخل إلى الجسم عن طريق مجرى البول، وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
إدخال القثطرة، أو المنظار، أو إدخال دواء، أو محلول لغسل المثانة، أو مادة تساعد على وضوح الأشعة.
بحث الفقهاء المتقدمون مسألة: إذا أدخل إحليله مائعاً أو دهناً، واختلفوا فيها على قولين:
القول الأول:
أن التقطير في الإحليل لا يفطر، وهو مذهب الأحناف، والمالكية، والحنابلة( ).
الدليل: لأنه ليس بين باطن الذكر والجوف منفذ( ).
القول الثاني:
أنه يفطر، قال به أبو يوسف وقيده بوصوله إلى المثانة، وهو الصحيح عند الشافعية( ).
الدليل( ):1ـ أن بين المثانة والجوف منفذاً.
2ـ لأنه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه، فتعلق بالواصل إليه كالفم.
الجواب: 1ـ ليس بين المثانة والمعدة منفذ.
2ـ قياسه على الفم قياس مع الفارق، فإن ما يوضع في الفم يصل إلى المعدة ويغذي، بخلاف ما يوضع في مسالك البول.

القول المختار:
ظهر جلياً من خلال علم التشريح الحديث أنه لا علاقة مطلقاً بين مسالك البول والجهاز الهضمي، وأن الجسم لا يمكن أن يتغذى مطلقاً بما يدخل إلى مسالك البول.
بناءً على ذلك فإن قول جمهور الفقهاء في هذه المسألة هو الصواب إن شاء الله.
وعليه فإن إدخال هذه الوسائل المعاصرة في الإحليل لا يفسد الصيام، لعدم وجود المقتضي لذلك، والأصل صحة الصيام( ).

الفصل الثاني: المفطرات المعاصرة الخارجة من بدن الصائم: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التبرع بالدم.
بحث الفقهاء المتقدمون مسألة الحجامة من حيث التفطير بها، وعدمه، وهي تشبه تماماً التبرع بالدم، ففي كل منهما إخراج للدم، وإن كان الهدف من التبرع إعانة، الآخرين، والهدف من الحجامة التداوي، ولكن لا أثر للمقصود منهما على مسألة التفطير في الصيام.
وقد اختلف الفقهاء في الحجامة على قولين:
القول الأول:
أن الحجامة تفطر وتفسد الصوم، وهو مذهب الحنابلة، وإسحاق، وابن المنذر، وأكثر فقهاء الحديث( )، واختاره شيخ الإسلام( ).
دليلهم:
1ـ قوله صلى الله عليه وسلم:"أفطر الحاجم والمحجوم".( )
القول الثاني:
أن الحجامة لا تفطر، وهو مذهب الجمهور من السلف والخلف( ).
الأدلة:
1ـ حديث ابن عباس "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم"( )، وفي لفظ عند الترمذي "احتجم وهو صائم محرم" قالوا وهو ناسخ لحديث "أفطر الحاجم والمحجوم".
وجه كونه ناسخاً:
أنه جاء في حديث شداد بن أوس( ) أنه صلى الله عليه وسلم مر عام الفتح على رجل يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال:"أفطر الحاجم والمحجوج"، وابن عباس شهد معه حجة الوداع، وشهد حجامته يومئذ وهو محرم صائم، فإذا كانت حجامته عليه السلام عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة؛ لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان، حيث توفي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول.( )
الجواب:
أن حديث "أفطر الحاجم.." هو الناسخ لحديث ابن عباس.
لأن احتجامه وهو محرم صائم ليس فيه إنه كان بعد شهر رمضان الذي قال فيه "أفطر الحاجم والمحجوم" فقد أحرم صلى الله عليه وسلم عدة إحرامات، فاحتجامه وهو صائم لم يبين في أي الإحرامات كان، ثم لم يذكر في الحديث أنه لما احتجم لم يفطر، فليس في الحديث ما يدل على هذا، وذلك الصوم لم يكن في شهر رمضان، فإنه لم يحرم في رمضان، وإنما كان في سفر والصوم في سفر لم يكن واجباً، بل كان آخر الأمرين منه الفطر في السفر، فقد أفطر عام الفتح لما بلغ كديد، ولم يعلم بعد هذا أنه صام في السفر، فهذا مما يقوي أن إحرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة، وحديث "أفطر الحاجم.." كان في فتح مكة كما سبق.
وأيضاً إذا تعارض خبران، أحدهما ناقل عن الأصل والآخر مبق على الأصل، كان الناقل هو الذي ينبغي أن يجعل ناسخاً؛ لئلا يلزم تغيير الحكم مرتين( ).
مناقشة الجواب:
ما قرره شيخ الإسلام متين كما ترى، ولكن يشكل عليه ما يلي:
اعتمد في كلامه على كونه احتجم صائماً محرماً، واللفظ الصحيح للحديث احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم، وهو لفظ البخاري، وأما لفظ احتجم وهو صائم محرم فهو لفظ الترمذي، وقد استظهر الحافظ أنها خطأ من بعض الرواة، وأن الصواب وقوع كل منهما في حالة مستقلة( ).
2ـ حديث أبي سعيد الخدري "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للصائم في الحجامة"( ).
3ـ حديث أنس بن مالك أول ما كرهنا الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر هذان، "ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بالحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم"( ).
المناقشة:
أنه حديث غير محفوظ( ).
4ـ حديث ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا، إلا من أجل الضعف"( ).

القول المختار:
في هذه المسألة إشكال، لكن الذي يظهر رجحان مذهب أكثر السلف، وهو عدم التفطير؛ للأحاديث المتكاثرة المصرحة بلفظ الترخيص، وهو يكون بعد المنع، قال ابن حزم ولفظة "أرخص" لا تكون إلا بعد النهي، فصح بهذا الخبر نسخ الخبر الأول"( ) أهـ.
وإن كان الأحتياط في مسألة الحجامة متوجهاً جداً؛ لقوة ما قاله شيخ الإسلام: من أن الناقل هو الذي ينبغي أن يجعل ناسخاً دون المبقي على الأصل؛ لئلا يلزم تغير الحكم مرتين.
والخلاصة: أن التبرع بالدم يقاس على مسألة الحجامة، والذي تدل عليه الأدلة أن الحجامة لا تفطر. فكذلك التبرع بالدم.

المبحث الثاني أخذ الدم للتحليل ونحوه :
ليس هناك دليل على إفساد الصوم بأخذ القليل من الدم، فهو ليس بمعنى الحجامة، فإن الأحاديث السابقة في الحجامة صرحت أن علة التفطير بالحجامة الضعف الذي ينتج عنها، وهذا المعنى ليس موجوداًفي أخذ الدم القليل.

والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.



أهم نتائج البحث

1ـ موضوع البحث المفطرات التي ظهرت في عصرنا الحديث.
2ـ الأقرب من حيث الدليل أن الجوف الذي يفطر الصائم بدخول الطعام إليه هو المعدة فقط، دون التجاويف الأخرى في البدن.
3ـ اختلف المعاصرون في (بخاخ الربو) والأقرب أنه لا يفطر.
4ـ الأقراص التي توضع تحت اللسان لعلاج الأزمات القلبية تمتص مباشرة، ولا تدخل إلى الجوف، فهي لا تفطر.
5ـ اختلف أهل العلم هل يفطر الصائم بدخول غير المغذي إلى الجوف، أو لا يحصل الفطر إلا بالمغذي، والأقرب أنه لا يفطر إلا بالمغذي فقط.
6ـ اختلف المعاصرون في المنظار المعدة، والأقرب أنه لا يفطر؛ لأسباب ذُكرت في البحث.
7ـ اختلف المعاصرون في قطرة الأنف، فذهب الأكثر إلى أنها تفطر، وذهب بعض الفقهاء إلى أنها لا تفطر، والذي يظهر لي أنها لا تفطر.
8ـ غاز الأكسجين لا يفطر، فهو هواء لا يحتوي على أي مادة تسبب الفطر.
9ـ بخاخ الأنف له حكم بخاخ الفم نفسه.
10ـ إذا كان التخدير موضعياً فلا يفطر، أما إذا كان كلياً أي أن المريض يفقد وعيه تماماً، فهذا إذا كان طوال اليوم فهو مفطر، أما إذا استيقظ المريض في أي جزءٍ من النهار فلا يفطر.
11ـ قطرة الأذن لا تفطر لعدم وجود منفذ بين الأذن والجوف.
12ـ ذهب أكثر أهل العلم إلى أن قطرة العين لا تفطر، وذهب بعض الفقهاء إلى أنها تفطر، والأقرب ـ والله أعلم ـ ما ذهب إليه الأكثر أنها لا تفطر.
13ـ الحقنة العلاجية الجلدية، أو العضلية، أو الوريدية لا تفطر عند الجماهير من الفقهاء المعاصرين، وهو الصواب إن شاء الله.
14ـ الحقنة الوريدية المغذية تفطر عند أكثر أهل العلم، وهو الصواب إن شاء الله.
15ـ الدهانات، والمراهم، واللصقات العلاجية، لا تفطر.
16ـ قثطرة الشرايين لا تفطر، وهي أولى بعدم التفطير من الإبر العلاجية والوريدية.
17ـ منظار البطن لا يصل إلى المعدة، فهو لا يفطر.
18ـ الغسيل الكلوي يصاحبه غالباً مواد مغذية، أوسكرية، فهو على هذا مفطر.
19ـ الغسول المهبلي لا يفطر، فهو لا يصل مطلقاً إلى المعدة، وليس فيه ما يسبب الفطر.
20ـ والكلام السابق ينطبق على تحاميل المهبل (اللبوس)، والمنظار المهبلي، وأصبع الفحص الطبي.
21ـ حقنة الشرج إذا كان فيها ماء، أو مواد مغذية، تمتصها الأمعاء، فهي مفطرة، لتقوي الجسم بهذه المواد التي تمتصها الأمعاء.
22ـ تحاميل الشرج لا تفطر، لأنها ليست أكلاً، ولا شرباً، ولا بمعناهما، ولا تصل إلى الجوف.
23ـ المنظار الشرجي لا يفطر، فهو لا يصل إلى المعدة، ولا يحصل للجسم به تقوي، ولا تغذي.
24ـ إدخال القثطرة، أو المنظار، أو إدخال دواء، أو محلول لغسل المثانة، أو مادة تساعد على وضوح الأشعة لا يفطر؛ إذ لا يوجد منفذ بين مسالك البول والمعدة.
25ـ التبرع بالدم يقاس على الحجامة، وفيها خلاف قوي بين أهل العلم، والأقرب من حيث الدليل عدم التفطير بالحجامة، وعليه فالتبرع بالدم لا يفطر.
26ـ سحب الدم القليل للتحليل لا يفطر؛ لعدم وجود ما يقتضي الفطر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى بحث الشيخ ،
  #2  
قديم 25-10-03, 10:42 AM
عبدالمحسن المطوع
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاى الله الكاتب والناقل خيرا ..
هل بإمكانك نشر الحواشي ؟
  #3  
قديم 01-11-03, 06:06 PM
محمد الأمين
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بحث قيم جدا
  #4  
قديم 01-11-03, 11:15 PM
المثابر المثابر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-07-02
المشاركات: 83
افتراضي

بحث رائع

هل يمكن الحصول عليه على ملف word
  #5  
قديم 05-11-03, 07:57 AM
المثابر المثابر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-07-02
المشاركات: 83
افتراضي

يرفع لنفاسة البحث
  #6  
قديم 05-11-03, 08:21 AM
راجي رحمة ربه راجي رحمة ربه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-08-03
المشاركات: 431
افتراضي

محاولة جيدة، لكن هناك نقاط كثيرة تحتاج بحث أوسع قبل استصدار الحكم النهائي عليها

مثال، قال المؤلف (باختصار):

اقتباس:
حكم بخَّاخ الربو:
اختلف المعاصرون فيه على قولين:
القول الأول:
أن بخَّاخ الربو لا يفطر، ولا يفسد صوم الصائم،

الأدلة:
1ـ أن الداخل من بخّاخ الربو إلى المريء ومن ثم إلى المعدة قليل جداً، فلا يفطِّر قياساً على المتبقي من المضمضة والاستنشاق.

2ـ أن دخول شيء إلى المعدة من بخاخ الربو أمر ليس قطعياً، بل مشكوك فيه، أي قد يدخل وقد لا يدخل، والأصل صحة الصيام وعدم فسادة، واليقين لا يزول بالشك.
.
4ـ أن البخاخ يتبخر ولا يصل إلى المعدة، وإنما يصل إلى القصبات الهوائية

الترجيح:
الذي يظهر والله أعلم أن بخاخ الربو لا يفطر، فإن ما ذكره القائلون بعدم التفطير وجيه ،وقياسهم على المضمضة والسواك قياس صحيح، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باختصار مما هو أعلاه.

أقول النقاط المذكورة خلاف الواقع.

لأن معظم ما يبخه المريض يدخل للمعدة، والبارع من المرضى من يستطيع إدخال 35% من الدواء لرئته وشعبه الهوائية، وهي الجرعة الكافية لفعالية الدواء.
ومن لا يصدق فليسأل أي طبيب أمراض صدرية.

وليحدد في سؤاله:
كم نسبة ما يصل إلى الرئة، وما يصل إلى المعدة؟
وليس كم كمية ما يصل.

ثم أن المريض المتأزم تنفسه ويحتاج للدواء فإن الله رحيم به، ولا يكلفه ما لا طاقة له به.
  #7  
قديم 25-10-04, 10:06 PM
المسيطير
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بحث قيم جدا .
جزى الله الباحث والناقل خير الجزاء .
  #8  
قديم 26-10-04, 12:37 AM
مصطفى الفاسي
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بحث قيم جدا

جزى الله المؤلف والناقل كل خير
  #9  
قديم 26-10-04, 12:57 AM
عبدالمنعم
 
المشاركات: n/a
Lightbulb وهذا بحث أيضا للشيخ / خالد لمشيقح

وهذا بحث أيضا للشيخ / خالد لمشيقح





بسم الله الرحمن الرحيم



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


*********************************************
المفطرات المعاصرة لفضيلة الشيخ الدكتور خالد بن علي المشيقح ـ حفظه الله تعالى ـ أعتنى بها الأخ عيسى بن عبد الرحمن العتيبي ـ جزاه الله خيرا ـ .


*********************************************
المفطِّرات جمع مُفَطِّر : وهي مفسدات الصيام ، وأجمع العلماء على أربعة أشياء من المفسدات :

1ـ الأكل .

2ـ الشرب .

3ـ الجماع .

4ـ الحيض والنفاس .

والأكل والشرب والجماع بيّنها الله تعالى في قوله تعالى : ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ...) الآية.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم عند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها : " أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم " فيه بيان للمفطر الرابع .

والمعاصرة هذه مأخوذة من العصر وهو في اللغة يطلق على معانٍِ : الدهر والزمن ، وعلى الملجأ يُقال : اعتصرت بالمكان إذا التجأ به .

وأيضاًَ : ضغط الشيء حتى يحتلب .

والمراد بـ " المفطرات المعاصرة ": مفسدات الصيام التي استجدت وهي كثيرة:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الأول : بخاخ الربو :

وهو عبارة عن علبة فيها دواء سائل ، وهذا الدواء يحتوي على ثلاث عناصر : الماء ، والأكسجين ، وبعض المستحضرات الطبية .

وهذا البخاخ هل يُفطِّر أو لا ؟

اختلف فيه المعاصرون :

1ـ أنه لا يفطر ولا يفسد الصوم ، وهو قول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ محمد العثيمين رحمه الله، والشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله، واللجنة الدائمة للإفتاء.

واستدلوا :

أـ بأن الصائم له أن يتمضمض ويستنشق ، وهذا بالإجماع ، وإذا تمضمض سيبقى شيء من أثر الماء مع بلع الريق سيدخل المعدة ؛ والداخل من بخاخ الربو إلى المريء ثم إلى المعدة هذا قليل جداًَ ، فيقاس على الماء المتبقي بعد المضمضة .

ووجه ذلك أن العبوة الصغيرة تشتمل 10مليلتر من الدواء السائل ؛ وهذه الكمية وُضعت لمائتي بخة ، فالبخة الواحدة تستغرق نصف عشر مليلتر ، وهذا يسير جداًَ .

ب ـ وأيضاًَ : أن دخول شيء على المعدة من بخاخ الربو ليس أمراًَ قطعياًَ بل مشكوك فيه ؛ الأصل بقاء الصوم وصحته ، واليقين لا يزول بالشك .

ج ـ أن هذا لا يشبه الأكل والشرب فيشبه سحب الدم للتحليل والإبر غير المغذية .

د ـ أن الأطباء ذكروا أن السواك يحتوي على ثمان مواد كيميائية وهو جائز للصائم مطلقاًَ على الراجح ولا شك أنه سينزل شيء من هذا السواك إلى المعدة ، فنزول السائل الدوائي كنزول أثر السواك .

الرأي الثاني : أنه لا يجوز للصائم أن يتناوله ، وإن احتاج إلى ذلك فإنه يتناوله ويقضي .

واستدلوا : أن محتوى البخاخ يصل إلى المعدة عن طريق الفم ، وحينئذ يكون مفطراًَ .

والجواب : أنه إذا سُلِّم بنزوله فإن النازل شيء قليل جداًَ يُلحق بما ذكرنا من أثر المضمضة ، فالراجح الأول .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الثاني : الأقراص التي توضع تحت اللسان :

والمراد بها: أقراص توضع تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية، وهي تُمتص مباشرة ويحملها الدم إلى القلب فتتوقف الأزمة المفاجئة التي أصابت القلب.

حكمها: هي جائزة لأنه لا يدخل منها شيء إلى الجوف بل تُمتص في الفم، وعلى هذا فليست مفطرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الثالث: منظار المعدة:

وهو عبارة عن جهاز طبي يدخل عن طريق الفم إلى البلعوم ثم إلى المريء ثم إلى المعدة.

والفائدة منه: أنه يصوِّر ما في المعدة من قرحة أو استئصال بعض أجزاء المعدة لفحصها أو غير ذلك من الأمور الطبية.

والعلماء السابقون تكلموا على مثل هذا :

في مسألة: ما إذا دخل شيئاًَ إلى جوفه غير مغذ كحصاة أو قطعة حديدة ونحو ذلك، والمنظار مثل هذا ؛ فهل يُفَطِّر؟

جمهور أهل العلم : أن هذا يفطر ، فكل ما يصل إلى الجوف يفطر ؛ إلا أن الحنفية : اشترطوا أن يستقر هذا الذي يدخل الجوف حتى يفطر ، والبقية لم يشترطوا .

واستدلوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتقاء الكحل .

وعلى هذا يكون المنظار رأي الجمهور أنه يفطر ، وعلى رأي الحنفية لا يفطر لأنه لا يستقر .

الرأي الثاني : أنه لا يفطر بإدخال هذه الأشياء التي لا تغذي كما لو أدخل حديدة أو حصاة ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال به بعض المالكية والحسن ابن صالح .

لأن ذلك دلَّ عليه الكتاب والسنة على أن المفطر ما كان مغذياًَ، وأما حديث الكحل الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتقائه فهو ضعيف، وعليه فالظاهر أنه لا يفطر، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا وضع الطبيب على هذا المنظار مادة دهنية مغذية لكي يُسهِّل دخول المنظار إلى المعدة فإنه يفطر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الرابع : القطرة :

التي تستخدم عن طريق الأنف هل هي مفطرة ؟ للعلماء المتأخرين قولان : القول الأول : أنها تفطر ، قال به ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله .

واستدلوا : بحديث لقيط بن صبرة مرفوعاًَ " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماًَ " ، فهذا دليل على أن الأنف منفذ إلى المعدة ، وإذا كان كذلك فاستخدام هذه القطرة نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضاًَ نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المبالغة في الاستنشاق يتضمن النهي عن إدخال أي شيء عن طريق الأنف ولو كان يسيراًَ لأن الداخل عن طريق المبالغة شيء يسير.

القول الثاني: أنها لا تفطر، واستدلوا: بما تقدم من القياس على ما تبقى من المضمضة، والقطرة يصل منها شيء يسير إلى المعدة.

فالقطرة الواحدة = 0.06 من السنتيمتر الواحد المكعب .

ثم ستدخل هذه القطرة إلى الأنف ولن يصل إلى المعدة إلا شيء يسير فيكون معفواًَ عنه .

وكذلك أن الأصل صحة الصيام وكونه يفطر بهذا فهذا أمر مشكوك فيه؛ والأصل بقاء الصيام واليقين لا يزول بالشك .

وكلا هذين الرأيين لهما قوة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الخامس : بخاخ الأنف :

البحث فيه كالبحث في بخاخ الربو : فيكون بخاخ الأنف لا يفطر .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر السادس : التخدير :

وتحته أنواع :

.................................................

الأول : التخدير الجزئي عن طريق الأنف :

وذلك بأن يشم المريض مادة غازية تؤثر على أعصابه فيحدث التخدير: فهذا لا يفطر، لأن المادة الغازية التي تدخل الأنف ليست جرماًَ ولا تحمل مواد مغذية.

.................................................

الثاني : التخدير الجزئي الصيني : نسبة إلى بلاد الصين :

يتم بإدخال إبر جافة إلى مراكز الإحساس تحت الجلد فتستحث نوعاًَ من الغدد على إفراز المورفين الطبيعي الذي يحتوي عليه الجسم ؛ وبذلك يفقد المريض القدرة على الإحساس .

وهذا لا يؤثر على الصيام ما دام أنه موضعي وليس كلياًَ ؛ ولعدم دخول المادة إلى الجوف.

.................................................

الثالث : التخدير الجزئي بالحقن :

وذلك بحقن الوريد بعقار سريع المفعول ؛ بحيث يغطي على عقل المريض بثوانٍِ معدودة .

فما دام أنه موضعي وليس كلياًَ فلا يفطر ؛ ولأنه لا يدخل إلى الجوف .

.................................................

الرابع : التخدير الكلي :

اختلف فيه العلماء : وقد تكلم فيه العلماء السابقون في مسألة المغمى عليه ؛ هل يصح صومه ؟

وهذا لا يخلو من أمرين :

الأول : أن يغمى عليه جميع النهار ؛ بحيث لا يُفيق جزءاًَ من النهار : فهذا لا يصح صومه عند جمهور العلماء .

ودليله قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي : " يدع طعامه وشهوته من أجلي " ؛ فأضاف الإمساك إلى الصائم ؛ والمغمى عليه لا يصدق عليه ذلك .

الثاني : أن لا يغمى عليه جميع النهار : فهذا موضع خلاف .

والصواب أنه إذا أفاق جزءاًَ من النهار أن صيامه صحيح ، وهذا قول أحمد والشافعي .

وعند مالك : أن صيامه غير صحيح مطلقاًَ .

وعند أبي حنيفة : إذا أفاق قبل الزوال يجدِّد النية ويصح الصوم ، والصواب قول أحمد والشافعي ؛ لأن نية الإمساك حصلت بجزءٍِ من النهار ، ويُقال في التخدير مثل ذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر السابع : قطرة الأذن :

والمراد بها : عبارة عن دهن" مستحضرات طبية " يصب في الأذن ؛ فهل يفطر أو لا ؟

تكلم عليه العلماء في السابق في مسألة " إذا داوى نفسه بماء صبه في أذنه". الجمهور : أنه يفطر .

الحنابلة : يفطر إذا وصل إلى الدماغ .

الرأي الثاني : لابن حزم : أنه لا يفطر ، وعلته : أن ما يقطَّر في الأذن لا يصل إلى الدماغ وإنما يصل بالمسام .

والطب الحديث : بيّن أنه ليس بين الأذن والدماغ قناة يصل بها المائع إلا في حالة واحدة ؛ وهي ما إذا حصل خرق في طبلة الأذن ، وعلى هذا الصواب : أنها لا تفطر .

مسألة : إذا كان في طبلة الأذن خرق : فإنه حينئذ تكون المداواة من طريق الأذن ؛ حكمها حكم المداواة عن طريق الأنف ، وهذا تقدم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الثامن : غسول الأذن :

وهذا حكمه حكم قطرة الأذن : إلا أن العلماء قالوا: إذا خرقت طبلة الأذن فإنه ستكون الكمية الداخلة إلى الأذن كثيرة فتكون مفطرة.

فإذاً غسول الأذن ينقسم إلى قسمين :

1ـ إذا كانت الطبلة موجودة : فلا يفطر.

2ـ إذا كانت الطبلة فيها خرق : فإنه يفطر, لأن السائل الداخل كثير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر التاسع : قطرة العين :

فيه خلاف للمتأخرين وهو مبني على خلاف سابق , وهو ما يتعلق بالكحل هل هو مفطر أو ليس مفطراً ؟

الرأي الأول: أنه لا يفطر , وهو مذهب الحنفية والشافعية , ويستدلون بأنه لا منفذ بين العين والجوف , وإذا كان كذلك فإنه لا يفطر.

الرأي الثاني: للمالكية والحنابلة : أن الكحل يفطر , وهذا بناءًَ على أن هناك منفذاًَ بين العين والجوف.

وعليه اختلف المتأخرون في قطرة العين :

الرأي الأول : أن قطرة العين ليست مفطرة , قال به ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله , وغيرهما.

واستدلوا بأن قطرة العين الواحدة = 0.06 من السنتيمتر المكعب.

وهذا المقدار لن يصل إلى المعدة , فإن هذه القطرة أثناء مرورها بالقناة الدمعية فإنها تمتص جميعا ولا تصل إلى البلعوم , إذا قلنا أنه سيصل إلى المعدة شيء فهو يسير , والشيء اليسير يعفى عنه , كما يعفى عن الماء المتبقي بعد المضمضة , وكذلك أن هذه القطرة ليس منصوصا عليها ولا في معنى المنصوص .

الرأي الثاني : أنها تفطر قياساًَ على الكحل .

والصواب : أنها لا تفطر ، وإن كان الطب أثبت أن هناك اتصالاًَ بين العين والجوف عن طريق الأنف , لكن نقول أن هذه القطرة تمتص خلال مرورها بالقناة الدمعية، فلا يصل إلى البلعوم منها شيء وحينئذ لا يصل إلى المعدة منها, وإن وصل فإنه شيء يسير يعفى عنه كما يعفى عن الماء المتبقي بعد المضمضة.

وأما القياس على الكحل لا يصح :

1ـ لأنه لم يثبت أنه يفطر والحديث الوارد ضعيف.

2ـ أنه قياس في محل خلاف.

3ـ ما تقدم من أدلة للرأي الأول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر العاشر: الحقن العلاجية:

وهذه تنقسم إلى :

1ـ حقن جلديه .

2- حقن عضلية .

3- حقن وريدية .

فأما الحقن الجلدية والعضلية غير المغذية : فلا تفطر عند المعاصرين , وقد نص على ذلك ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله ، والدليل : أن الأصل صحة الصوم حتى يقوم دليل على فساده , وكذلك هي ليست أكلاً ولا شرباً ولا في معناهما .

أما الحقن الوريدية المغذية : فهي موضع خلاف :

الرأي الأول : أنها مفطرة : وهو قول الشيخ السعدي وابن باز وابن عثيمين رحمهم الله , ومجمع الفقه الإسلامي , والدليل : أنها في معنى الأكل والشرب , فالذي يتناولها يستغني عن الأكل والشرب .

الرأي الثاني : أنها لا تفطر , لأنه لا يصل منها شيء إلى الجوف من المنافذ المعتادة , وعلى فرض أنها تصل , فإنها تصل عن طريق المسام , وهذا ليس جوفاً ولا في حكم الجوف .

والأقرب : أنها مفطرة : لأن العلة ليست الوصول إلى الجوف بل العلة حصول ما يغذي البدن , وهذا حاصل بهذه الإبر .

.................................................

مسألة : الإبر التي يتعاطاها مريض السكر ليست مفطرة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الحادي عشر : الدهانات والمراهم واللاصقات العلاجية :

الجلد في داخله أوعية دموية تقوم بامتصاص ما يوضع عليه عن طريق الشعيرات الدموية , وهذا امتصاص بطيء جداً .

وعليه هل ما يوضع على الجلد يكون مفطراًَ ؟

تكلم عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال : أنها لا تفطر , وهذا ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي .

بل حكى بعضهم إجماع المعاصرين على ذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الثاني عشر : قسطرة الشرايين :

وهي عبارة عن أنبوب دقيق يدخل في الشرايين لأجل العلاج أو التصوير . ذهب مجمع الفقه الإسلامي أنها لا تفطر : لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا في معناهما ولا يدخل المعدة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الثالث عشر : الغسيل الكلوي :

وله طريقتان :

الأولى : الغسيل بواسطة آلة تسمى " الكلية الصناعية " حيث يتم سحب الدم إلى هذا الجهاز , ويقوم الجهاز بتصفية الدم من المواد الضارة ثم يعود إلى الجسم عن طريق الوريد .

وفي أثناء هذه الحركة قد يحتاج إلى سوائل مغذية تعطى عن طريق الوريد .

الثانية : عن طريق الغشاء البريتواني في البطن :

وذلك بأن يدخل أنبوب صغير في جدار البطن فوق السرة , ثم يدخل عادة لتران من السوائل تحتوي على نسبة عالية من السكر الجلوكوز إلى داخل البطن , وتبقى في الجوف لفترة ثم تسحب مرة أخرى ويكرر هذا العمل عدة مرات في اليوم .

واختلف المعاصرون فيه هل هو مفطر أم لا ؟

الرأي الأول : أنه مفطر , قال به ابن باز رحمه الله , وفتوى اللجنة الدائمة .

وأدلتهم : أن غسيل الكلى يزود الدم بالدم النقي , وقد يزود بمادة غذائية أخرى , فاجتمع مفطران .

الرأي الثاني : أنه لا يفطر .

واستدلوا : بٍأن هذا ليس منصوصاً ولا في معنى المنصوص .

والأقرب أنه يفطر .

مسألة : لو حصل مجرد التنقية للدم فقط , فإنه لا يفطر لكن هذا الحاصل في غسيل الكلى إضافة بعض المواد الغذائية والأملاح , وغير ذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطرالرابع عشر : التحاميل التي تستخدم عن طريق فرج المرأة :

ومثله : الغسول المهبلي .

فهل تفطر هذه الأشياء أو لا ؟

تكلم عليها العلماء قديماً وحديثاً :

عند المالكية والحنابلة : أن المرأة إذا قطرت في قبلها مائعاً فإنها لا تفطر .

وعلَّلوا : بأنه ليس هناك اتصال بين فرج المرأة والجوف .

القول الثاني للحنفية والشافعية : أن المرأة تفطر بذلك .

وعلتهم وجود اتصال بين المثانة والفرج .

والطب الحديث يقول : بأنه لا منفذ بين الجهاز التناسلي للمرأة وبين جوف المرأة, وعلى هذا لا تفطر بتلك الأشياء .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الخامس عشر : التحاميل التي تؤخذ عن طريق الدبر :

وتستخدم لعدة أغراض طبية : لتخفيف الحرارة وتخفيف آلام البواسير .

ومثله : الحقن الشرجية .

أولاً : الحقن الشرجية : تكلم عليها العلماء في السابق :

الأئمة الأربعة : يرون أنها مفطرة لأنها تصل إلى الجوف .

الرأي الثاني : للظاهرية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : أنها لا تفطر , لأن هذه الحقنة لا تغذي بأي وجه من الوجوه بل تستفرغ ما في البدن , كما لو شمَّ شيئاً من المسهلات.

ولأن هذا المائع لا يصل إلى المعدة .

وأما العلماء المتأخرون فبنوا خلافهم على الخلاف السابق .

وهل هناك اتصال بين فتحة الشرج والمعدة ؟!

من قال أنها تفطر يقول : هناك اتصال , ففتحة الدبر متصلة بالمستقيم , والمستقيم متصل بالقولون" الأمعاء الغليظة " وامتصاص الغذاء يتم عن طريق الأمعاء الدقيقة , وقد يكون عن طريق الأمعاء الغليظة امتصاص بعض الأملاح والسكريات .

أما إذا امتصت أشياء غير مغذية كالأدوية العلاجية فإنها لا تفطر ، وذلك بأنه لا تحتوي على غذاء أو ماء .

وهذا التفصيل هو الأقرب .

ثانياً : التحاميل عن طريق الدبر ، فيها رأيان :

أنها لا تفطر ، وهو قول ابن عثيمين رحمة الله ، لأنها تحتوي مواد علاجية دوائية ، وليس منها سوائل غذائية , فليست أكلاً ولا شرباً ولا في معناهما .

وهذا هو الصواب .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر السادس عشر : المنظار الشرجي :

الطبيب قد يدخل المنظار في فتحة الدبر ليكشف على الأمعاء , والتفصيل فيه نفس التفصيل في منظار المعدة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر السابع عشر : ما يدخل في الجسم عبر مجرى الذكر من منظار أو محلول أو دواء :

فهل هذا مفطر ؟!

تكلم عنها العلماء في الزمن السابق :

الرأي الأول : مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة :

أن التقطير في الإحليل لا يفطر , ولو وصل إلى المثانة .

واستدلوا : بأنه ليس هناك منفذ بين باطن الذكر و الجوف .

الرأي الثاني : وهو المصحح عند الشافعية : أنه يفطر ، لأن هناك منفذ بين المثانة والجوف.

وفي الطب الحديث: لا علاقة بين المسالك البولية والجهاز الهضمي: وعلية لا يفطر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر الثامن عشر : التبرع بالدم :

وهذا مبني على مسألة الحجامة .

المشهور من المذهب : أنها مفطرة ، وهذا اختيار ابن تيمية رحمة الله .

والجمهور : لا تفطر .

والراجح : أنها مفطرة .

وعلى هذا لا يجوز للإنسان أن يتبرع بدمه إلا للضرورة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر التاسع عشر : ما يتعلق بأخذ شيء من الدم للتحليل :

هذا لا يفطر لأنه ليس في معنى الحجامة , فالحجامة تضعف البدن .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

المفطر العشرون : معجون الأسنان :

لا يفطر لأن الفم في حكم الظاهر , لكن الأولى للصائم أن لا يستخدمه إلا بعد الإفطار , إذ نفوذه قوي , ويستغنى عن ذلك بالسواك , أو بالفرشة بلا معجون ، والله أعلم .


*********************************************
والسلام عليكم

منقول عن الاخ :

أبو عبد الرحمن الجهني
  #10  
قديم 26-10-04, 12:57 AM
ابن وهب
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاكم الله خيرا

احسب أن الذي يوافق مذهب جمهور القياسيين(القائلين بالقياس ) هو ماذكره الشنقيطي وفقه الله


قال الفقيه الشيخ الشنقيطي- حفظه الله في شرح زاد المستقنع
(يقول-رحمه الله- [ باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة ] : كأنه يقول في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بما يخل بصوم الإنسان ويوجب بطلانه .
[ من أكل أو شرب ] : أي من أكل وهو صائم أو شرب بشرط أن يكون ذاكراً لصومه ، فلو كان ناسياً أنه صائم فالجمهور على أن صومه صحيح ؛ لأن النبي-r- قال : (( من أكل أو شرب وهو ناسٍ فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه )) فهذا يدل على أن الناسي إذا أكل أو شرب في نهار رمضان أو غيره أن صيامه صحيح ؛ والسبب في ذلك أن النسيان يعتبر عذراً له بنص الشرع ، وهذه من المسائل التي يُسقط فيها النسيان الضمان .
قال-رحمه الله- [ من أكل ] : سواءً وقع الأكل كثيراً أو قليلاً ولو أخذ جزءً يسيراً من الطعام ، وجاوز به اللهاة وهي اللحمة المتدلية في أعلى الحلق ، وهذه اللهاة الفاصل بين أول الجوف وبين الفم ، فإذا تجاوز اللهاة فإنه يحكم بفطره .
قوله-رحمه الله- [ أو شرب ] : الشرب للمائعات والأكل للجامدات يستوي في ذلك القليل والكثير ولو قطرة ماء أحس أنها بلغت الحلق فإنه يفطر بإجماع العلماء-رحمة الله عليهم- ، وعلى هذا [ من أكل أو شرب ] هذا فيه إطلاق شامل لكل ما يصدق عليه أنه أكل أو شرب سواء كان قليلاً أو كان كثيراً يغذي أو لا يغذي يحصل به الارتفاق للبدن أو لا يحصل ، وفي حكم الأكل والشرب أن يدخله تداوياً كما لو بخ على حلقه ذرات من الماء لربو ونحو ذلك كالبخاخ المعروف للربو ، فإن هذه القطرات وإن قيل إنها هواء لكنها ماء ، وتعتبر في حكم الماء ، ورطوبتها واصلة إلى الحلق مندية له موجبة للفطر ، وهذا قول جمهور العلماء-رحمة الله عليهم- .
وقال بعض المتأخرين : إنها لا تفطر ؛ والسبب في ذلك قالوا : إن هذا هواء ؛ ولكن بسؤال أهل الخبرة يقولون فيه من المركبات ما هو غريب عن الهواء ، ولذلك : ولو كان هواءً لما كان دواءً ، لأنه لو كان هواءً مجرداً لكان الإنسان يتداوى بدونه لأن الهواء داخلٌ إليه داخل فدل على أنه هواء ودواء ولذلك قالوا : إن مادته لها جرم كالدخان ونحو ذلك ، بناءً عليه قالوا : لو أنه بخ فإنه يعتبر غير مفطر ، وبسؤال أهل الخبرة والرجوع إليهم فإنها مواد مركبة وتتحلل ويمتصها ما في الحلق ثم بعد ذلك يحصل بها رفق البدن والتداوي ، وعلى ذلك فكل ما جاوز اللهاة من ماء أو جامد أو دخان له جرم كالعود والشراب المحرم - كل ذلك يوجب الفطر .
ومن يفرق يقول هذا دواء أو هذا هواء يحتاج إلى دليل ؛ والسبب في ذلك أن الإجماع منعقد على أن من أخذ قطرة من دواء وقطرها في حلقه أنه يفطر ، فدل على أن كونه يغذي أو لا يغذي لا معنى له ، وأن العبرة بكونه يمسك ، فإذا جاوزت قطرة واحدة حلقه فقد أفطر .
دليلنا على ذلك السُّنة الصحيحة : في قوله-عليه الصلاة والسلام- في حديث لقيط ابن صبرة (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) فأنت إذا لاحظت هذا الحديث وتأملته فإن الذي يبالغ في الاستنشاق يحصل منه الغلط اليسير ببلوغ الذرة اليسيرة لحلقة ومع ذلك قال له : (( إلا أن تكون صائماً )) ، ومن هنا أخذ جماهير العلماء على أن قليل المفطر وكثير على حد سواء ، وكأن الشرع قصد أن هذا حد لحرمة ، لا يجاوزها مطعوم ولا مشروب بل ولا دخان له جرم ، فإذا جاوزها فقد خرج عن كونه ممسكاً صائماً على الوجه المعتبر شرعاً ، وعلى هذا حكم جماهير العلماء بفطره .
وبناءً على ذلك من أكل أو شرب فالحكم هنا يشمل كل ما يحصل به الأكل أو الشرب ولو كان شيئاً يسيراً كما قلنا قطرات الماء اليسيرة أو قطرات البخات التي لها ذرة فإنها توجب الفطر وتوجب الحكم بفطره .
[ أو استعط ] : السعوط يكون عن طريق الأنف ، فلو أنه استعط عن طريق أنفه سواءً بلغ إلى دماغه كما هو الحال في بعض الأمراض يتداوى بها كما هو موجود في القديم يضعون - مثلاً - السمن في أنف الإنسان علاجاً لخياشيمه في بعض الأحـوال يضعونها ، فهذا الجفاف الذي يعالج بهذه المادة لو أنه استنشقه إلى أن بلغ الدماغ قالوا : يعتبر منفذاً .ودليلنا على ذلك : حديث لقيط بن صبرة ، وهذا مذهب جمهور العلماء-رحمة الله عليهم- من الأئمة الأربعة على أنه إذا استعط في حلقه ونزل إلى حلقه ووجد طعمه في الحق أنه يفطر ؛ لأن النبي-r- قال : (( بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) وفي هذا الحديث نقطة تحتاج إلى تأمل ، وذلك أن العلماء المتقدمين-رحمة الله عليهم- ينظرون إلى علة الحكم أي السبب الذي يحكم بكون الإنسان مفطراً به ، وما لا يعد فطراً ، يعني ما هو الشي الذي جعل النبي-r- يحكم بالفطر في بعض الأحوال ولا يحكم بالفطر في بعضها يقولون : حديث لقيط بن صبرة نحن بالخيار بين أمرين :
الأمر الأول : إما نقول الشرع يوجب فطر الإنسان إذا تناول الشيء عن طريق معين وهو الفم والمنفذ ، ولذلك هذا المذهب يقوم على اعتبار الجهة التي يدخل منها المفطر .
بعضهم يقول : لا ، العبرة عندي بما يدخل إلى البدن بغض النظر عن جهة دخوله سواءً دخل من أعلى البدن أو أسفل البدن ما دام أنه مادة مفطرة كالمغذيات والأدوية فإنه يعتبر مفطراً ، ومنهم من قال : أعتبر مجموع الأمرين
، وفقه هذه المسألة أنك إذا جئت تتأمل حديث لقيط ابن صبره الذي اعتمده جماهير السلف-رحمة الله عليهم- والخلف ، وتجد كتب الفقهاء-رحمة الله عليهم- والفتاوى مشحونة بالفتوى يفطر من أخلّ بصيامه بغير الفم والأنف قالوا ؛ لأن حديث لقيط بن صبرة حكم النبي-r- فيه بالتأثير في الصوم بغير المدخل المعتاد ، فإن دخول الماء عن طريق الأنف مدخل غير معتاد ، فقالوا : لو جئنا نتأمل هذا الحديث إن جئت تقول : لابد وأن يكون الشيء الذي يأكله الإنسان ويشربه يقوي البدن ويرفقه نرد عليك بأن القطرات اليسيرة لا تقوي البدن ولا ترفق به ونرد عليك بأن الإجماع بأنه مجرد مجاوزة اللهاة لقطرة واحدة الإجماع حاصل على أنه يفطر ، إذاً كون المادة بذاتها مادة معينة غير وارد .بقي مسألة أن تقول العبرة بالدخول بغض النظر عن كون الداخل دواءً أو طعاماً قليلاً أو كثيراً ، السبب في هذا تقول : إن النبي-r- منع من دخول القطرة اليسيرة عن طريق الأنف ، فدل على أن الجوف ممنوع أن يصل إليه الشيء ، وعلى هذا تُفرع فتقول : يستوي عندي أن يصل للجوف من أعلى البدن أو من أسفله ، يعترض المعترض ويقول : لو حقنه بحقنه فإنها لا تصل إلى داخل الجوف إذا كانت في العضل . والمراد بها علاج موضعي لالتهاب أو نحو ذلك .
يرد عليك ويقول : القطرة إذا دخلت مع الأنف في الاستنشاق لا تصل إلى الجوف وإنما تمتص عن طريق الأمعاء قبل وصولها إلى الجوف ، فكأن الشرع قصد من الصوم الإمساك المطلق .
ومن هنا نجد الفرق بين مسلك المتقدمين والمتأخرين فنجد المتقدمين يشددون في وصول الشيء إلى البدن ؛ لأن حقيقة الصوم إمساك وهذا الإمساك استنبطوه من جهة المعنى ، فقد يخفى هذا المعنى على بعض العلماء فيقول : لا دليل على كون الكحل يفطر أو على كون القطرة تفطر ، نقول : الشرع نبه ولو كان كل أمر يحتاج إلى دليل لم تكن هناك حاجة للعلماء ؛ وإنما الفقه أن يفقه ويفهم (( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين )) فاجتهد العلماء من نص ولم يجتهدوا من رأي مجرد فالعلماء تأملوا حديث لقيط بن صبرة فظهر لهم أنه لا عبرة بالفم ؛ لأن الأنف ليس بمدخل لطعام ولا شراب ، ودائماً الشرع ينبه بالنظير على نظيره ، ولذلك الفطر بالفم مدخل معتاد والفطر بالأنف بالاستنشاق مدخل غير معتاد ، فكأنه لما استنشق ونزل إلى حلقه صار الوصول إلى البدن موجباً للفطر ، فقالوا : إذا قَطّر القطارة في عينه أفطر إن وجد طعمها في حلقه ، وإن وضع الكحل في عينه فوجد طعمه في حلقه أفطر لأنه قد وصل إلى جوفه ، فهذا هو فقه المسألة ، فليست المسألة كما يظن البعض أن هذا اجتهاد من العلماء ولا دليل عليه ولا نص ، طبعاً من لم يظهر له هذا المعنى لم تظهر له العلة عنده لا دليل حسب اجتهاده ورأيه ؛ لكن الأئمة والعلماء-رحمة الله عليهم- المتقدمين الذين قرروا ذلك وبسطوه وبينوه وشرحوه إنما ركبوه من هذا الحديث وهو حديث لقيط بن صبرة ، ولذلك تجد من يقول إن الإبرة لا تفطر إذا كانت في العضل ، قيل لهم : لو كانت مغذية قالوا : تفطر ، فتناقضوا لأنهم إذا قالوا : إن الإبرة تدخل من غير المدخل المعتاد نقضهم قولهم : إن الإبرة المغذية تفطر ، فإن قالوا (كونها مغذية) رددنا بأن الوصول إلى البدن لا يلتفت فيه إلى كونه مغذياً أو كونه غير مغذ ، ولذلك هذه المسألة من جهة النظر والإمعان في حديث لقيط بن صبرة تدل دلالة واضحة على رجحان مذهب جماهير السلف-رحمة الله عليهم- والأئمة المتقدمين الذين كانوا يفرعون هذه المسألة على حديث لقيط بن صبرة ومن رجع إلى الشروحات والمطولات يجد ذلك جلياً ، ولذلك تتعارض أنظار العلماء في تحديد الوصول إلى الجوف وتجدهم يختلفون كما - سيأتي إن شاء الله في ضوابط مفسدات الصوم - .
ومن هنا أقول لا ينبغي الاستعجال في الحكم على كون الأئمة المتقدمين-رحمة الله عليهم- يقولون بالمسألة بدون دليل ، كان السلف-رحمة الله عليهم- أورع وأخشى لله وأتقى لله-سبحانه- من أن يقولوا في دين الله ما لا علم لهم وينبغي أن يعلم كل طالب أن الأئمة المتقدمين-رحمة الله عليهم- أصون لدين الله وأحفظ لدين الله من أن يجرؤوا على تحليل حرام أو تحريم حلال بمحض الرأي أبداً هذا لا يمكن أن يكون لأئمة السلف-رحمة الله عليهم- ، ومنهم الأئمة الأربعة-رحمهم الله- وقد قرر ذلك شيخ الإسلام-رحمة الله عليه- في رفع الملام وفي مجموع الفتاوى وتكـلم كلاماً نفيساً في هذا أن الأئمة-رحمة الله عليهم- اجتهدوا واجتهاداتهم كانت مبنية على النصوص ، ولذلك الشرع مبني على الفقه والفهم ، قال-r- : (( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين )) فهم فيهمون العلل ويقولون : كيف يقول النبي-r- : (( بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) ؟! ما كان هذا عبثاً . لابد وأن هناك معنىً من كون الشرع ينبه على أن الوصول إلى الجوف يستوي فيه أن يكون من المدخل المعتاد والمدخل غير المعتاد ، وإذا قلت : إن الأنف مدخل غير معتاد تقول الوصول إلى الجوف عندي مفطر ، وفي الحقيقة إذا تأملت هذا القول وجدت قوته خاصة في هذه الأزمنة ، فلو جئت تقول : العبرة عندي بالأكل والشرب والعبرة عندي بأن يأكل ويشرب من فمه وما سوى ذلك فليس بفطر ، فبكل سهولة يمكن لأي شخص أن يتناول الإبر المغذية ويحكم بكونه صائماً ولا تستطيع أن تجد طمأنينة في قلبك لإنسان يأخذ الإبرة المغذية وتقول : إنه ليس بمفطر بل تجد فيه من القوة ما تجده في الشخص الذي يفطر بل قد تكون أبلغ في الوصول للبدن من الطعام والشراب ، ولذلك البر طمأنينة ، وتجد الإنسان لا يطمئن أن يفتي لإنسان يتناول الإبر المغذية ويقول : إنه ليس بمفطر ، فإن قلت : إن هذه الإبر المغذية وصلت إلى البدن من غير طريق المعتاد يلزمك في كل وصول إلى الجوف بطريق المعتاد أو غير معتاد أن تحكم بكونه مفطراً ، فإن قلت هذه مغذية رُد عليك بأن الشرع لا يفرق بين المغذي وغير المغذي بل قالوا حتى لو أن الغبار دخل وقصد مثل ما يحصل لبعضهم يتداوى ببعض الطين ، فلو أخذ طيناً أدخله في فمه أو أكلته المرأة الحامل تداوياً به فإنه يحكم بفطرها ، فهل الطين من جنس ما يؤكل أو يشرب؟!
الطين ليس من جنس ما يؤكل ولا من جنس ما يشرب ؛ ولكن فعلته تداوياً ونحكم بكونها مفطرة ، كذلك - أيضاً - دخان العود أو الدخان المحرم إذا شربه فإنه يعتبر له جرم وتتحلل مادته في اللعاب وتدخل إلى مناسم الإنسان ويغتذي به الإنسان كما أنه يغتذي بالدواء دواءً يغتذي بهذا السم قاتلاً وداءً فكما أنه إذا اغتذى بالبخار تداوياً أفطر ، كذلك إذا اغتذى بالدخان المحرم داءً فإنه يفطر .
فإذاً المسألة من جهة النظر رجوعاً إلى حديث لقيط بن صبرة إذا تُؤُمل ودقق فيه ظهر أن الشرع يُلغي المدخل المعتاد بدليل الأنف فإنـه ليس مدخلاً معتاداً للشراب وإذا ألغى المدخل المعتاد تقول : العبرة عندي بوصول الجوف ، وعلى هذا نجد العلماء-رحمة الله عليهم- يتكلمون على الإدخال للجوف من طريق أسفل البدن - كما سيأتي إن شاء الله - ومن طريق الأنف ومن طريق العين وهكذا بالنسبة لقطرات الأذن - كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه وتفصيله - .
[ أو احتقن ] : وهي الحقنة كأن تكون حقنة في الدبر ، فهذه قالوا : إنها توجب الفطر لأنها تصل إلى الجوف ويغتذى بها الإنسان ويـرتفق بها دواءً وعلاجاً فكما أنه يرتفق بالدواء من أعلاه يرتفق به من أسفله ، ولذلك قالوا : إنه إذا احتقن بالحقنة من أسفل بدنه فإنه يعتبر مفطراً .
[ أو اكتحل بما يصل إلى حلقه ] : [ اكتحل ] : أي وضع الكحل في عينيه أو إحدى العينين ووصل إلى الحلق هذا الشرط لكن لو اكتحل قبل غروب الشمس بنصف ساعة ولم يجد طعم الكحل إلا بعد غروبها بنصف ساعة أو بساعة أو بلحظة فإننا لا نحكم بفطره لأنه لم يصل هذا المفطر إلى المكان إلا بعد انتهاء وقت الصوم ، فصومه صحيح ، ولو اكتحل بالليل ووجد الطعم بالنهار لم يفطر ؛ وذلك لأن الدخول كان بالليل ولا عبرة بالوصول ولا تأثير له لأن الإمساك الذي خوطب به المكلف قد تحقق فإن الإمساك في أثناء النهار لأن حقيقة الصوم الإمساك ، ولذلك نجد الجماهير يقولون : بالفطر في هذه الأحول لأنها ليست بإمساك ، فالإنسان إذا أدخل الكحل يعتبر مفطراً إذا وجد طعم الكحل في يومه ، أما إذا وجده بعد اليوم أو وضعه في الليل ووجده في النهار فإنه لا يفطر .
[ أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله ] : أو أدخل إلى جوفه أي شيء كان سواء كان مما يغتذى به البدن أو لا يغتذى به البدن ، من أي موضع أي سواءً من أعلى البدن أو أوسط البدن أو أسفل البدن ، فكل ما وصل إلى الجوف فإنه يوجب الفطر .
والدليل في ذلك : ما ذكرناه من حديث لقيط بن صبرة فكأن حقيقة الصوم في الشرع إمساك ومن أدخل إلى جوفه شيئاً ليس بممسك سواءً كان الشيء يؤكل أو يشرب أو كان من غير ما يؤكل أو يشرب ، فكل ذلك يوجب فطر الإنسان ويحكم بفطره .
قوله-رحمه الله- [ غير إحليله ] : الإحليل هو مجرى البول من الذكر ، واختلف فيه ولما قال الإحليل فهو بالنسبة للرجل ، وأما بالنسبة للمرأة فالإيلاج في فرجها يوجب الفطر كالدبر بخلاف فرج قُبُل الرجل .
فاختلف العلماء في الإحليل :
فقال بعضهم : إنه لا يصل إلى الجوف وليس بنافذ إلى الجوف لمكان الرشح الذي يكون عن طريق الكلية قالوا : وهذا لا يوجب فطره ، ومن هنا استثنى المصنف-رحمه الله- الإدخال عن طريق الإحليل بالنسبة للرجل .
[ أو استقاء ] : [ استقاء ] : أي طلب القي بخلاف ما إذا ذرعه القيء وغلبه ، فهناك فرق بين كون الإنسان يستقيء يعني يستدعي القيء ويطلب القيء بإدخال إصبع أو نحو ذلك مما يقيء بسببه فهذا يعتبر استقاءً أما كونه يغلبه القيء لشيء غالب عليه من رؤية شيء أو سماع شيء أو شم شيء فيتقيأ ، فهذا لا يوجب فطره ؛ لأنه ليس بيده وليس بإرادته .
وأما إذا استقاء فإنه يعتبر مفطراً ، وبهذا القول قال عامة العلماء-رحمة الله عليهم- : أن من استقاء أنه يفطر ، وحكى بعض العلماء الإجماع عليه كما ذكر ذلك الإمام ابن المنذر-رحمة الله عليه- وفيه الحديث : (( من استقاء فقاء فقد أفطر )) .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .

انتهى
  #11  
قديم 26-10-04, 01:12 AM
أبو إبراهيم الحائلي
 
المشاركات: n/a
افتراضي

الأخ الكريم راجي رحمة ربه تقبل الله طاعتك

بخاخ الربو هل هو في حكم الأكل والشرب ؟
  #12  
قديم 26-10-04, 01:15 AM
أبو إبراهيم الحائلي
 
المشاركات: n/a
افتراضي

هذا هو بحث الشيخ الخليل على صيغة وورد مرفقة
  #13  
قديم 26-10-04, 06:38 AM
ابن وهب
 
المشاركات: n/a
افتراضي

فائدة
(أن الله ورسوله إنما جعلا الطعام والشراب مفطراً لعلة التقوي والتغذي، لا لمجرد كونه واصلاً إلى الجوف، قال شيخ الإسلام " الصائم نهي عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوي فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء، لا عن حقنة ولا كحل".
انتهى
أرى أن صواب العبارة
سبب التقوى
يوضحه سياق كلام الامام النميري - رحمه الله
قال
(والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه، والله ـ سبحانه ـ قال‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 183‏]‏، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الصوم جنة‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم‏)‏
فالصائم نهى عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوى، فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة، وهو متولد عما استنشق من الماء؛ لأن الماء مما يتولد منه الدم، فكان المنع منه من تمام الصوم‏.‏
فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع، فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف/ معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل والشرب والجماع، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم‏)ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب، وإذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشياطين؛ ولهذا قال‏:‏ ‏(‏فضيقوا مجاريه بالجوع‏)‏ وبعضهم يذكر هذا اللفظ مرفوعًا؛ ولهذا قال النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين‏)‏ فإن مجاري الشياطين الذي هو الدم ضاقت، وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التي بها تفتح أبواب الجنة، وإلى ترك المنكرات التي بها تفتح أبواب النار، وصفدت الشياطين، فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم، فلم يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره، ولم يقل‏:‏ إنهم قتلوا ولا ماتوا، بل قال‏:‏ ‏[‏صفدت‏]‏ والمصفد من الشياطين قد يؤذى، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملاً دفع الشيطان دفعًا لا يدفعه دفع الصوم الناقص، فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل /والشرب، والحكم ثابت على وفقه، وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف وتأثيره، وهذا المنع منتفٍ في الحقنة والكحل وغير ذلك‏.‏ )
انتهى
والنميري في قوله
(فالصائم نهى عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوى)
يشير الى قوله تعالى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) *)
  #14  
قديم 26-10-04, 07:36 AM
ابن وهب
 
المشاركات: n/a
افتراضي

وهذا البحث في ملف مضغوط للتحميل
(نفس الذي وضعه الشيخ أبو ابراهيم وفقه الله )
  #15  
قديم 26-10-04, 07:47 AM
ابن وهب
 
المشاركات: n/a
افتراضي

وبحث الشيخ خالد المشيقح
http://saaid.net/book/open.php?cat=87&book=990
وشرح كتاب الصيام للشيخ الشنقيطي
http://saaid.net/book/open.php?cat=87&book=990

وجزاكم الله خيرا
 

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:15 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.