ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 14-02-03, 11:21 AM
أبوعمرالألباني أبوعمرالألباني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-01-03
المشاركات: 21
افتراضي الوقف والابتداء عند أهل الأداء وعلاقته بالمعنى القرآنى

نقلت هذا المقال من منتدى رسالة الإسلام لأهميته للمسلم

الوقف والابتداء عند أهل الأداء وعلاقته بالمعنى القرآنى
أ.د/ أحمد سعد الخطيب
أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد:

فالواقع أن باب الوقف والابتداء باب هام جداً يجب على قارئ القرآن الكريم أن يهتم به ، إذ هو دليل على فقهه وبصيرته ؛ لأن القارئ قد يقف أحياناً على ما يخل بالمعنى ، وهو لا يدرى. أو يبتدئ بما لا ينبغى الابتداء به.
فإن كان ذا بصيرة ، فإنه لن يقف إلا على ما يتم به المعنى ، اللهم إلا إذا اضطر إلى غير ذلك ، فإن عليه حينئذٍ أن يعالج أمره بأن يرجع كلمة أو أكثر أى إلى موضع يجوز الابتداء به ، فيستأنف قراءته بادئاً به ، ومنتهياً بجملة تفيد معنى يجوز الوقوف عليه.
ومثل ذلك قل أيضاً فى الابتداء.
والهدف من وراء ذلك كله هو عدم الإخلال بنظم القرآن ، ولا بما اشتمل عليه من معان.ولسوف يقف القارئ الكريم على أمثلة تطبيقية فيما هو آت – إن شاء الله تعالى - يدرك من خلالها ارتباط كل من الوقف والابتداء فى قراءة القرآن الكريم بالتفسير ، ولكن من حق قارئنا علينا - قبل ذلك - أن نوقفه على معنى كل من الوقف والابتداء وأهم ما يتعلق بهما من أحكام.

تعريف الوقف والابتداء:
الوقف: هو قطع النطق عن آخر الكلمة.
والابتداء: هو الشروع فى الكلام بعد قطع أو وقف.

علاقة الوقف والابتداء بالمعنى أو التفسير:
قال الصفاقسى فى كتابه تنبيه الغافلين مبيناً أهمية معرفة الوقف والابتداء:
ومعرفة الوقف والابتداء متأكد غاية التأكيد ، إذ لا يتبين معنى كلام الله ، ويتم على أكمل وجه إلا بذلك ، فربما قارئ يقرأ ويقف قبل تمام المعنى ، فلا يفهم هو ما يقرأ ومن يسمعه كذلك ، ويفوت بسبب ذلك ما لأجله يقرأ كتاب الله تعالى ، ولا يظهر مع ذلك وجه الإعجاز ، بل ربما يُفهم من ذلك غير المعنى المراد ، وهذا فساد عظيم ، ولهذا اعتنى بعلمه وتعليمه ، والعمل به المتقدمون والمتأخرون ، وألفوا فيه من الدواوين ( ) المطولة والمتوسطة والمختصرة ، ما لا يعد كثرة ، ومن لا يلتفت لهذا ، ويقف أين شاء ، فقد خرق الإجماع ، وحاد عن إتقان القراءة وتمام التجويد. ( )
وهذا الكلام من عالم صرف حياته لخدمة القرآن كالصفاقسى ، له وجاهته ، وهو يؤكد ما قلته آنفاً عن ارتباط الوقف والابتداء بالتفسير.

وقال السخاوى فى تأكيد ذلك أيضاً:
فى معرفة الوقف والابتداء الذى دونه العلماء تبيين معانى القرآن العظيم ، وتعريف مقاصده ، وإظهار فوائده ، وبه يتهيأ الغوص على درره وفرائده 00 وقد اختار العلماء ، وأئمة القراء تبيين معانى كلام الله تعالى وجعلوا الوقف منبهاً على المعنى ومفصلاً بعضه عن بعض ، وبذلك تلذ التلاوة ، ويحصل الفهم والدراية ، ويتضح منهاج الهداية. ( )

من الآثار الدالة على وجوب معرفة الوقف والابتداء:
1- حديث الخطيب الذى خطب بين يدى النبى - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما. ثم وقف على "يعصهما" ثم قال فقد غوى. هنا قال له النبى -صلى الله عليه وسلم -: "بئس الخطيب أنت" ( )
وقد قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك لقبح لفظه فى وقفه ، إذ خلط الإيمان بالكفر فى إيجاب الرشد لهما ، وكان حقه أن يقول واصلاً: ومن يعصهما فقد غوى . أو يقف على "فقد رشد" ثم يستأنف بعد ذلك " ومن يعصهما ..الخ" فهذا دليل واضح على وجوب مراعاة محل الوقف.

2- روى عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أنه قال: لقد غشينا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن ، وتنزل السورة على النبى - صلى الله عليه وسلم - فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغى أن يوقف عنده منها.

3- وقال على - رضى الله عنه - لما سئل عن قوله تعالى: ((ورتل القرآن ترتيلاً )) ( ) قال: الترتيل معرفة الوقوف وتجويد الحروف. ( )
قال ابن الجزرى فى النشر: فى كلام على - رضى الله عنه - دليل على وجوب تعلم الوقف والابتداء ومعرفته.
وفى كلام ابن عمر برهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة - رضى الله عنهم - أجمعين وصح بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح كأبى جعفر يزيد ابن القعقاع - أحد القراء العشرة - وإمام أهل المدينة الذى هو من أعيان التابعين ، وصاحبه الإمام نافع بن أبى نعيم وأبى عمرو بن العلاء ، ويعقوب الحضرمى ، وعاصم بن أبى النجود - وهم من القراء العشرة - وغيرهم من الأئمة ، وكلامهم فى ذلك معروف ، ونصوصهم عليه مشهورة فى الكتب ومن ثم اشترطه كثير من أئمة الخلف على المجيز أن لا يجيز أحداً إلا بعد معرفته الوقف والابتداء ، وكان أئمتنا يوقفوننا عند كل حرف ، ويشيرون إلينا فيه بالأصابع سنة أخذوها كذلك عن شيوخهم الأولين -رحمة الله عليهم أجمعين. ا.هـ ( )

4- وروى أن عمر بن عبدالعزيز – رضى الله عنه – كان إذا دخل شهر رمضان قام أول ليلة منه خلف الإمام يريد أن يشهد افتتاح القرآن ، فإذا ختم أتاه أيضاً ليشهد ختمه فقرأ الإمام قوله تعالى: ((وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالوا إنما نحن مصلحون)) ( ) ثم توقف عن القراءة وركع فعابه عمر وقال: قطعت قبل تمام القصة إذ كان ينبغى عليه أن يكمل الآية التى بعدها إذ فيها رد القرآن على دعواهم هذه وهو قوله سبحانه: ((ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون((( )

5- وأختم هذه الأدلة بحديث نبوى كما استهللتها به وهو حديث أبى بن كعب ، قال: أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن الملك كان معى فقال: اقرأ القرآن ، فعد حتى بلغ سبعة أحرف فقال: ليس منها إلا شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة ، أو تختم رحمة بعذاب" ( )
قال أبو عمرو الدانى : هذا تعليم التمام من رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عليه السلام ، إذ ظاهره دالّ على أنه ينبغى أن تقطع الآية التى فيها ذكر النار والعقاب وتفصل مما بعدها إذا كان بعدها ذكر الجنة والثواب ، والأمر كذلك أيضاً إذا كانت الآية فيها ذكر الجنة والنار بأن يفصل الموضع الأول عن الثانى.
قال السخاوى معقباً: لأن القارئ إذا وصل غير المعنى ، فإذا قال: ((تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين)) ( ) غيرّ المعنى وصير الجنة عقبى الكافرين. ( )

مقدار الوقف:
روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن مقدار الوقف هو مقدار ما يشرب الشربة من الماء. وقيل: بل مقدار ما يقول: أعوذ بالله من النار ثلاث مرات أو سبع مرات.

مذاهب القراء فيما يعتبر فى تحديد مواضع الوقف والابتداء:
ذكر السيوطى فى الإتقان ( ) مذاهب أئمة القراء فى ذلك فقال:
لأئمة القراء مذاهب فى الوقف والابتداء ، فنافع كان يراعى تجانسهما بحسب المعنى ، وابن كثير وحمزة حيث ينقطع النفس - وهو الوقف الاضطرارى - واستثنى ابن كثير قوله تعالى: ((وما يعلم تأويله إلا الله)) ( ) ، وقوله تعالى: ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم)) ( )،( ) ، وقوله تعالى : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر)) ( ) وعاصم والكسائى - يقفان - حيث تم الكلام ، وأبو عمرو يتعمد رءوس الآيات ، وإن تعلقت بما بعدها ، اتباعاً لهدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته - حيث - روى أبو داود وغيره عن أم سلمة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - " كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم يقف ، الحمد لله رب العالمين ، ثم يقف ، الرحمن الرحيم ، ثم يقف" ( )

أقسام الوقف
قسم العلماء الوقف إلى أقسام عدة مختلفين فى اتجاهاتهم نحو هذا التقسيم ، والذى يترجح لدى واستقر الرأى عندى على اختياره من بين ما ذكره العلماء من

أقسام أن الوقف ينقسم إلى قسمين:
الأول : وقف اضطرارى:
وهو ما اضطر إليه بسبب ضيق تنفس ، ونحوه ، كعجز ونسيان ، فعلى القارئ وصله بعد أن يزول سببه ، وذلك بأن يبدأ من الكلمة التى وقف عليها إن صلحت للابتداء بها ، وإلا ابتدأ بعد وقف صالح مما قبلها.

الثانى: وقف اختيارى:
وهو ما قصد لذاته من غير عروض سبب من الأسباب فهو مما يختاره القارئ ويقصده للاستراحة والتنفس ، وهذا القسم الثانى هو المقصود بالحديث عن الوقف ، لأنه هو الذى يعتمد عليه فقه القارئ وبصيرته حيث تظهر فيه شخصيته فى اختيار ما يقف عليه وما يبتدئ به.

ثم إن هذا القسم ينقسم إلى أقسام هى:
1- الوقف التام ويسمى " المختار"
وهو الوقف على كلام لا تعلق له بما بعده لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى ، أو الذى انفصل عما بعده لفظاً ومعنى. ( ) والتام نفسه يتفاوت فى درجة تمامه ما بين تام وأتم ، والأتم أدخل فى كمال المعنى من التام ؛ لأن التام قد يكون له تعلق بما بعده على احتمال مرجوح ، أو يكون بعده كلام فيه تنبيه وحث على النظر فى عواقب من هلك بسوء فعله فيكون الوقف عليه أتم من الوقف على آخر القصة.
ومثال ذلك قوله تعالى: ((وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون))( ) حيث الوقف على "وبالليل" تام وعلى " أفلا تعقلون" أتم.
ومن أمثلة الوقف التام أيضاً قوله تعالى عن لسان بلقيس: ((إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)) ( ) حيث أن الوقف على "أذلة " تام عند الجمهور ، وسيأتى تفصيل الكلام عن هذا المثال فيما هو آت إن شاء الله أثناء الحديث عن النماذج التطبيقية.
وقد يكون الوقف تاماً على قراءة دون قراءة ، ومن ذلك قوله تعالى:
((الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. الله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض)) ( ) حيث أن الوقف على ((صراط العزيز الحميد)) تام على قراءة من رفع لفظ الجلالة "الله". وأما على قراءة من خفض لفظ الجلالة "الله" فليس بتام بل هو وقف حسن.
وبالجملة فإن الوقف التام يتحقق تحققاً ثابتاً فى بعض المواضع منها - كما ذكر السيوطى-: آخر كل قصة ، وما قبل أولها ، وآخر كل سورة ، وقبل يا النداء ، وقبل فعل الأمر والقسم ولامه دون القول ، والشرط ما لم يتقدم جوابه ………. ( )

2- الوقف الكافى ويسمى "الصالح ، والمفهوم" ، والجائز" ( ) وهو الوقف على كلام لا تعلق له بما بعده من جهة اللفظ لكن له تعلق به من جهة المعنى.
ومعنى ما جاء فى التعريف من كون هذا الكلام الذى يوقف عليه وقفاً كافياً لا تعلق له بما بعده من جهة اللفظ يعنى أنه لم يفصل فيه بين المبتدأ وخبره ، ولا بين النعت ومنعوته ، ولا بين المستثنى والمستثنى منه ، ولا بين التمييز ومميزه ، ولا بين الفاعل وفعله ……. ونحو ذلك.
وأما كونه له تعلق به من جهة المعنى فكأن يكون الكلام الذى جاء بعد محل الوقف الكافى تماماً لقصة أو وعد أو وعيد أو حكم أو احتجاج أو إنكار.

وحكم هذا الوقف:
أنه كالوقف التام من حيث جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده. وإن كان أقل تمكناً من هذا الجواز من التام. وقد ذكر الصفاقسى له مثالاً ودليلاً على جوازه فى ذات الوقت وهو ما جاء فى صحيح البخارى بالسند المتصل عن عبدالله بن مسعود - رضى الله عنه - قال: قال لى النبى - صلى الله عليه وسلم - " اقرأ علىّ القرآن . قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: فإنى أحب أن أسمعه من غيرى. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ((فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)) قال أمسك ، فإذا عيناه تَذْرِفان" ( ) قال الصفاقسى بعد ذكر هذا الحديث:
وهو استدلال ظاهر جلى باهر لأن القطع أبلغ من الوقف وقد أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن مسعود عند انتهائه إلى "شهيداً" والوقف عليه كاف وقيل: تام والأول هو المشهور ومذهب الجمهور ، وعليه اقتصر ابن الأنبارى والدانى والعمانى والقسطلانى وغيرهم.
وهذا هو الظاهر لأن ما بعده مرتبط به من جهة المعنى لأن الآية مسوقة لبيان حال الكفار يوم المجئ حتى إنهم من شدة الهول وفظاعة الأمر يودون أنهم كانوا تراباً وصاروا هم والأرض شيئاً واحداً ، ولا يتم هذا المعنى إلا بما بعده وهو قوله تعالى: ((يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً)) فلو كان الوقف عليه - أى على "شهيداً" - غير سايغ ما أمر به - صلى الله عليه وسلم - مع قرب التام المجمع عليه منه وهو تذييل الآية المذكورة آخراً وهو قوله سبحانه ((ولا يكتمون الله حديثاً)) ( )، ( )
وفى الإتقان: يدخل تحت هذا الوقف كل رأس آية بعدها لام كى وإلا بمعنى لكن - يعنى الاستثناء المنقطع - وإن المشددة المكسورة ، والاستفهام ، وبل ، ولا المخففة ، والسين وسوف ، ونعم وبئس وكيلا مالم يتقدمهن قول وقسم. ( )

3- الوقف الحسن:عرفه السيوطى بأنه "الذى يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده" ( ) لتعلقه به لفظاً ومعنى ( ) وذلك كأن تقف على كلام مفيد فى ذاته بحيث إذا لم تذكر ما بعده لأخذ منه معنى يحسن السكوت أو الوقف عليه. وذلك كأن يأخذ الفعل فاعله ، والمبتدأ خبره ، والشرط جوابه. كل ذلك الوقف عليه حسن ، وقد يرتقى فى الحسن إلى درجة الأحسنية بأن يضاف إلى ما ذكر وصف ونحوه.
ومثاله الوقف على ((الحمد لله ……..))( ) فإنه أفاد معنى بذاته ، لذلك فإن الوقف عليه حسن لكن لا يحسن الابتداء بما بعده لأنه صفة له ، فلا يحسن أن يبتدئ بــ((رب العالمين)) لأنه مجرور حيث هو نعت لما قبله ، فيترتب عليه الفصل بين النعت ومنعوته ، ويترتب عليه أيضاً البدء بمجرور والأصل أن يبتدأ بمرفوع. إذ المبتدأ مرفوع أما المجرور فلابد من ذكر عامله معه. والحاصل أنه إن حسن الوقف على (الحمد لله) فإن الابتداء بـ( رب العالمين) لا يحسن لكونه صفة لما قبله ، ويستثنى من هذه القاعدة كما يقول الصفاقسى ما لو كان "الموقوف عليه رأس آية ، فلا يعيد ما وقف عليه لأنهن فى أنفسهن مقاطع ؛ ولأن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ قطّع ، ويقف عليها ولم يفرق بين ما هو متعلق بما قبله وغيره ، بل جعل جماعة الوقف على رءوس الآى سنة ، واستدلوا على ذلك بالحديث الذى رواه الترمذى بسند صحيح "أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ قطّع قراءته آية آية يقول: بسم الله الرحمن الرحيم ثم يقف ثم يقول: الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول: الرحمن الرحيم ثم يقف ثم يقول : مالك يوم الدين ……." ( )
ثم يقول الصفاقسى أيضاً:
وإنما ذكروا هذا الحسن ليتسع الأمر على القارئ فربما ضاقت نفسه قبل الوصول إلى التام والكافى لا سيما ما كان من ضيق الحنجرة ، فللإنسان طاقة محدودة من الكلام الذى يجمعه فى نفس واحد. ( )
وبعد فهذه هى الأقسام الثلاثة التى يجوز فيها الوقف مع التفاوت بينها فى التمكن من هذا الجواز. فيندب فى حق القارئ الوقوف على الأتم وإلا فالتام ، فإن لم يستطع فعلى الأكفى وإلا فعلى الكافى ، فإن لم يستطع فعلى الجائز - الحسن - "ويعيد ما وقف عليه إلا أن يكون رأس آية ، ولا يعدل عن هذه إلى المواضع التى يكره الوقوف عليها إلا من ضرورة كانقطاع نفس ويرجع إلى ما قبله ليصله بما بعده فإن لم يفعل عوتب ولا إثم عليه" ( )

4- الوقف القبيح:
هذا هو القسم الرابع من أقسام الوقف الاختيارى وقد عرفه السيوطى بأنه "الذى لا يفهم المراد منه" ( ) وذلك كأن يقرأ سورة الفاتحة فيقول "الحمد" ويقف فإنه لم يفد معنى ، أو أن يفصل بين المضاف والمضاف إليه كأن يقف على (رب) دون (العالمين) أو على (مالك) دون (يوم الدين) فذلك قبيح أيضاً ؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشئ الواحد.
وبالجملة فإن كل ما لا يفيد معنى ولا يفهم المراد منه فإن الوقف عليه قبيح. وأقبح منه الوقف الذى يفسد المعنى ، ويثبت خلاف المقصود. وذلك كمن يقف على ( ولأبويه ) من قوله سبحانه: ((وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه)) ( ) فإنه يوهم أن للأبوين النصف كذلك ، وهذا خلاف المقصود ، حيث إن فى بقية الآية تفصيلاً لحق الأبوين ((ولأبويه لكل واحد منهما السدس ………)) الخ. فالوقف على (فلها النصف) وقف أكفى ، والوقف على (ولأبويه) وقف أقبح.
ومثاله أيضاً الوقف على (والموتى) من قوله سبحانه: ((إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى))( ) فهو يوهم أن الموتى يستجيبون كذلك. والمقطوع به أنه ليس هناك تكليف بعد الموت حتى يوصف الموتى بالاستجابة وعدمها. أو يوهم أن الموتى يسمعون لو جعلنا العطف على فاعل (يسمعون) وهو واو الجماعة.
قال الصفاقسى: وليس كذلك ، بل (الموتى) يستأنف ، سواء جعلته مفعولاً لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده أى ويبعث الله الموتى ، أو جعلته مبتدأ وما بعده خبره ، فالوقف على (يسمعون) هو أكفى وقيل: تام. ( )
ومنه أيضاً أن يقف على قوله تعالى: ( قالوا ) من قوله سبحانه ((لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)) ( ) أو قوله سبحانه ((لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)) ( ) لأن الابتداء بما بعد قالوا فى الآيتين يؤدى إلى إثبات ما هو كفر ، لذلك قال السيوطى: من تعمده وقصد معناه فقد كفر. ( )
ومنه أن يقف على ((فويل للمصلين)) ( ) مع أنه رأس آية ، ومنه أيضاً الوقف على المنفى دون المثبت فى نحو قوله سبحانه : ((فاعلم أنه لا إله إلا الله)) ( ) إذ الوقف على (لا إله) نفى للألوهية وهو كفر لو اعتقد القارئ ذلك أو تعمده. أو قوله سبحانه ((وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً)) ( ) فالوقف على (وما أرسلناك) نفى لرسالته - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يجوز تعمد ذلك ولا اعتقاده.

وهنا أنبه على أن كل ذلك قبيح أو أقبح فى حق من اختار الوقف ، ولا يدخل فى ذلك من اضطر إلى الوقف بسبب انقطاع النفس أو نسيان ونحوه ، فإن على القارئ حينئذٍ أن يرجع إلى موضع يجوز الابتداء به وصولاً إلى موضع يجوز الوقف عليه ، وبذلك يكون الكلام قد انتهى عن الوقف واقسامه.

الابتداء ومراتبه
مضى تعريف الابتداء وأنه: الشروع فى القراءة بعد قطع أو وقف. وإذا كان الذكر قد سبق بأن الوقف لا يكون إلا على ما يتم به المعنى ويوفى بالمقصود ، فإن الابتداء كذلك أيضاً لا يجوز أن يبتدأ إلا بما هو مستقل المعنى ، بل إن هذا الشأن فى الابتداء آكد واشد إلزاماً ؛ لأن الابتداء يكون باختيار القارئ لا تلجئه إليه ضرورة كما هو الحال فى الوقف أحياناً.
وتتفاوت مراتب الابتداء تماماً كتفاوت مراتب الوقف من حيث التمام والكفاية والحسن والقبح. والقبيح منه يتفاوت فى القبح ما بين قبيح وأقبح وذلك كمن يقف على قوله تعالى: ((لقد كفر الذين قالوا)) ثم يستأنف ((إن الله ثالث ثلاثة)) أو ((إن الله هو المسيح ابن مريم)) وقد مضت الإشارة إلى ذلك قريباً ، ويلحق بذلك أيضاً من وقف على قوله تعالى: ((لقد سمع الله قول الذين قالوا)) ثم يستأنف ((إن الله فقير ونحن أغنياء)) ( ) أو كمن يقف مضطراً على قوله تعالى: (( وما لى )) ثم يستأنف ((لا أعبد الذى فطرنى)) ( ) ونحو ذلك مما أفاض فى التمثيل له العلماء كالسيوطى والصفاقسى.
وتفاوت مراتب الوقف هذه إنما مرجعه إلى المعنى ، فما يكون مؤدياً لمعنى جديد مستأنف هو الذى يكون الابتداء به فى أرقى درجاته وهلم جرا.
قال السيوطى: لا يجوز - الابتداء- إلا بمستقل المعنى موف بالمقصود ، وهو فى أقسامه كأقسام الوقف الأربعة ويتفاوت تماماً وكفاية وحسناً وقبحاً ، بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى وإحالته.
ثم ساق بعض الأمثلة للقبيح والأقبح فارجع إليه. ( ) حيث إن فيما ذكرناه غنية وكفاية.
والسلف الصالح - رضى الله عنهم - كانوا يراعون مواضع الوقف والابتداء تمام المراعاة خشية أن يقف الواحد منهم على مالا يجوز أو أن يبتدئ بما لا ينبغى بل إن بعضهم كان "إذا قرأ ما أخبر الله به من مقالات الكفار يخفض صوته بذلك حياءً من الله أن يتفوه بذلك بين يديه" ( ) وليس معنى ذلك أن من يجهر بمثل ذلك يكون مخطئاً أو لم يراع قواعد الأدب مع الله لأن السر والجهر بالنسبة إلى الله تعالى سواء. قال تعالى: ((وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور)) ( )
ومن العلماء الذين نبهوا على وجوب مراعاة ذلك الإمام مكى بن أبى طالب فى كتابه الكشف عن وجوه القراءات السبع ، وضرب على ذلك بعض الأمثلة على ما لا يجوز الابتداء به ومن ذلك الابتداء فى القراءة بقوله تعالى ((الله لا إله إلا هو)) ( ) بعد الاستعاذة مباشرة فإنه غير سائغ ؛ لأن القارئ يصل "الرجيم" بلفظ الجلالة وذلك قبيح فى اللفظ يجب الكف والامتناع عنه إجلالاً لله وتعظيماً له.
ومنه أيضاً الابتداء بقوله تعالى: ((إليه يرد علم الساعة)) ( ) بعد الاستعاذة مباشرة لأن القارئ يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إليه يرد علم الساعة" فيصل ذلك بالشيطان وهو قبيح جداً.( )

ما يشترط فيمن يقوم بتحديد مواضع الوقف والابتداء
ليس لكل واحد من الناس أن يحدد مواضع الوقف والابتداء بل ينبغى توفر شروط فيمن يقوم بشأن تحديد مواضع الوقف والابتداء منها:

1- العلم بالنحو : حتى لا يفصل -بالوقف - بين المبتدأ وخبره أو بين المتضايفين - أى المضاف والمضاف إليه - أو بين المستثنى والمستثنى منه اللهم إلا إذا كان هذا الاستثناء منقطعاً ، فإن العلماء قد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
أ- قال بعضهم: يجوز الفصل مطلقاً ، لأنه فى معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه.
ب- وقيل: هو ممتنع مطلقاً لأن المستثنى فى حاجة إلى المستثنى منه - فى هذه الحالة - من جهة اللفظ والمعنى حيث لم يعهد استعمال إلا الاستثنائية وما فى معناها إلا متصلة بما قبلها لفظاً ، ومعنى كذلك لأن ما قبلها مشعر بتمام الكلام فى المعنى ، إذ قولك: ما فى الدار أحد هو الذى صحح: إلا الحمار. فلو قلت: إلا الحمار وحده لكان خطأ.
ج- وقيل: الأمر يحتاج إلى تفصيل ، فإن صرح بالخبر جاز لاستقلال الجملة واستغنائها عما قبلها ، وإن لم يصرح به - أى الخبر - فلا يجوز لافتقارها. ( )
وبالجملة ، فإن معرفته بعلم النحو تجعله لا يقف على العامل دون المعمول ، ولا على المعمول دون العامل ، ولا على الموصول دون صلته ، ولا على المتبوع دون تابعه ، ولا على الحكاية دون المحكى ، ولا على القسم دون المقسم به ، أو غير ذلك مما لا يتم به المعنى. يضاف إلى ذلك أن الوقف قد يكون تاماً على إعراب غير تام على إعراب آخر ، فظهر بذلك ضرورة العلم بالنحو لمن يقوم بتحديد مواضع الوقف والابتداء.

2- العلم بالقراءات: لأن الوقف قد يكون تاماً على قراءة ، غير تام على قراءة أخرى.

3- العلم بالتفسير: لأن الوقف قد يكون تاماً على تفسير معين ، غير تام على تفسير آخر.

4- العلم بالقصص: حتى لا يقطع قبل تمام قصة.

5- العلم باللغة: التى نزل عليها القرآن.

هذه الشروط اشترطها ابن مجاهد ، ونقلها عنه السيوطى موجزة. ( ) واشترط غير ابن مجاهد العلم بالفقه كذلك.
قال صاحب هذا الرأى: ولهذا فإن من لم يقبل شهادة القاذف وإن تاب فإنه يقف عند قوله تعالى: ((ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا)) ( ) ، وأما من قالوا بقبول شهادته إذا تاب ومن جملة ذلك إقامة الحد عليه ، أقول: هؤلاء يصلون الآية بالآية التى بعدها ((إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا))
قال النكزاوى مقرراً ضرورة علم الفقه للقارئ:
لابد للقارئ من معرفة بعض مذاهب الأئمة المشهورين فى الفقه ؛ لأن ذلك يعين على معرفة الوقف والابتداء ؛ لأن فى القرآن مواضع ينبغى الوقف على مذهب بعضهم فيها بينما يمتنع على مذهب آخرين.( )

والذى ينبغى علمه أن كلاً من التفسير والوقف مرتبط بالآخر ، وهذه الحقيقة نتصورها أحياناً فى القراءة الواحدة ، وأحياناً فى القراءات المختلفة.
قال السيوطى مقرراً هذه الأخيرة: الوقف قد يكون تاماً على قراءة غير تام على أخرى ….. والوقف يكون تاماً على تفسير وإعراب غير تام على تفسير وإعراب آخر.( ) ومثال هذا: الوقف على ((لا ريب))( ) فإنه يكون تاماً إن جعلنا ((فيه هدى)) مبتدأً وخبراً وهو اتجاه نافع وعاصم ، ولو جعلنا الجار والمجرور ( فيه) متعلقاً بــ( لا ريب ) فالوقف يكون على (لا ريب فيه ) ويستأنف بعد ذلك بـ(هدى للمتقين) أى: هو هدى ، فعلى الأول الوقف تام على قول أصحاب الوقف ، وعلى المعنى الثانى الوقف كاف.( )

أمثلة تطبيقية تؤكد مدى ارتباط
كل من التفسير والوقف بالآخر غير ما ذكر
1- قال تعالى ))هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا))( )
وشاهدنا من هذه الآية هو قوله سبحانه: ((وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم……)) حيث قال الجمهور( ) : الوقف على قوله: (إلا الله) وقف تام. وقال غيرهم: ليس تاماً بل يوصل بما بعده ولا يوقف عليه.
تفسير الآية على رأى الجمهور:
الله عز وجل فى هذه الآية يذكر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وللناس أجمعين أنه أنزل القرآن فيه المحكم الواضح ، والمتشابه غير الواضح( ) ثم بين بعد ذلك أن أهل الزيغ الحاقدين يتبعون هذا المتشابه بهدف التشكيك وإثارة البلبلة بين صفوف المؤمنين ، مع أن المتشابه لا يعلمه إلا الله وحده فقط ، وعلى ذلك فالجملة التى بعد هذا الوقف وهى قوله: ( والراسخون فى العلم يقولون …….) ليست معطوفة على لفظ الجلالة ، بل الواو للاستئناف و "الراسخون" مبتدأ وجملة "يقولون" خبر فالجملة هذه مقطوعة إذن عما قبلها ، وقد قال بهذا القول كل من:
ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وأبى الشعثاء وأبى نهيك ، وهو مذهب الكسائى والفراء والأخفش وأبى عبيد وحكاه ابن جرير الطبرى عن مالك واختاره.( )
تفسير الآية على رأى غير الجمهور:
وبناء على رأى غير الجمهور يكون المعنى أن الراسخين فى العلم المتمكنين منه يعلمون أيضاً تأويل المتشابه ، فقوله سبحانه ( والراسخون فى العلم يقولون …….)ليس مقطوعاً عما قبله ولكن معطوفاً عليه ، فالواو للعطف و "الراسخون" معطوف على لفظ الجلالة و "يقولون" حال. وهذا الرأى منقول عن مجاهد وابن عباس فى قول آخر حيث نقل عنه أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله.
ومن هنا نعلم أن تفسير الآية قد اختلف بناءً على اختلاف القراء حول موضع الوقف فيها. وإن شئت قلت: إن موضع الوقف قد اختلف حسب اختلاف نظرة العلماء إلى تفسيرها ، فالتلازم واضح وظاهر بين موضع الوقف والتفسير.
هذا وقد حاول بعض العلماء التوفيق بين الرأيين ومنهم ابن عطية الذى قال: وهذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق وذلك أن الله تعالى قسم آى الكتاب قسمين: محكماً ومتشابهاً فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب ولا يحتاج فيه إلى نظر ولا يتعلق به شئ يلبس ويستوى فى علمه الراسخ وغيره.
والمتشابه يتنوع ، فمنه مالا يعلم البتة كأمر الروح وآماد المغيبات التى قد علم الله بوقوعها إلى سائر ذلك ، ومنه ما يحمل على وجوه فى اللغة ومناح فى كلام العرب فيتأول تأويله المستقيم ، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق به من تأويل غير مستقيم كقوله تعالى فى عيسى ((وروح منه))( ) إلى غير ذلك ، ولا يسمى أحد راسخاً إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيراً بحسب ما قدر له ، وإلا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس يسمى راسخاً.( )
وقال الشوكانى: ومن أهل العلم من توسط بين المقامين فقال: التأويل يطلق ويراد به فى القرآن شيئان ، أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشئ وما يؤول أمره إليه ….. فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة - تام - لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه إلا الله عز وجل ….. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان فالوقف على (والراسخون فى العلم) لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار.( )
وحاصل ذلك أننا لو نظرنا بإمعان إلى رأى الفريقين لأدركنا أن كل فريق قد أصاب الحقيقة من وجه وذلك بأن نحمل رأى المعارضين لمعرفة الراسخين فى العلم لتأويل المتشابه نحمله على نوع منه وهو الذى استأثر الله بعلمه ، فهذا لا اطلاع لأحد عليه إلا الله كوقت الساعة وخروج الدابة ونزول المسيح ….الخ
ونحمل رأى المؤيدين على المتشابه الذى يعرف المراد منه بالبحث والنظر ، فإن الراسخين فى العلم يعلمون تأويله حيث هم أهل البحث والنظر ، وذلك مثل المتشابه الذى يرجع التشابه فيه إلى اللفظ المفرد من جهة غرابته أو اشتراكه أو ما يرجع التشابه فيه إلى تركيب الكلام ونحو ذلك.( )

(2) - قال تعالى:
((ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلاً. يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلاناً خليلاً. لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للإنسان خذولاً))( )
وشاهدنا هو قوله سبحانه : ((لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى) حيث وقف الجمهور عليه وقفاً تاماً( ) ؛ لأن كلام الظالم قد انتهى عند هذا الحد. ثم جاء بعد ذلك قوله سبحانه: ((وكان الشيطان للإنسان خذولاً)) تقريراً وبياناً لما قبله. والمراد بالظالم عقبة ابن أبى معيط كما سيأتى بيانه ، وقال بعضهم: إن هذا القول (وكان الشيطان ……. ) الخ هو من تتمة كلام الظالم وعليه فالوقف على (خذولاً) وليس على (إذ جاءنى)
والمراد بالشيطان إما الخليل - وهو أمية بن خلف على ما سيأتى أو أبى بن خلف - وعلى ذلك فتسمية الخليل شيطاناً فلأنه قد أضله وزين له الكفر وعدم الإيمان فقلد الشيطان فى ذلك ونهج نهجه فى الصد والإضلال. وقد يراد بالشيطان هنا إبليس إذ هو الأصل فى الغواية والإضلال.
قال الشوكانى تعليقاً على قوله تعالى: (وكان الشيطان للإنسان خذولا) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها ، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى ، أو من تمام كلام الظالم ، وأنه سمى خليله شيطاناً بعد أن جعله مضلاً ، أو أراد بالشيطان إبليس لكونه الذى حمله على مخاللة المضلين.( )
ولتوضيح معنى هذه الآيات نسوق سبب نزولها ، حيث نقل السيوطى فى الدر المنثور روايات متعددة حول سبب نزول هذه الآيات وبدأ هذه الروايات بقوله:
أخرج ابن مردويه وأبو نعيم فى الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضى الله عنهما : أن أبا معيط كان يجلس مع النبى - صلى الله عليه وسلم - بمكة لا يؤذيه ، وكان رجلاً حليماً ، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه ، وكان لأبى معيط خليل غائب عنه بالشام فقالت قريش: صبأ أبو معيط وقدم خليله من الشام ليلاً ، فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشد مما كان أمراً فقال: ما فعل خليلى أبو معيط؟ فقالت: صبأ فبات ليلة سوء ، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه ، فلم يرد عليه التحية فقال: مالك لا ترد علىّ تحيتى؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟ قال: أو قد فعلتها قريش؟ قال: نعم . قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت ؟ قال: نأتيه فى مجلسه وتبصق فى وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم ، ففعل ، فلم يزد النبى -صلى الله عليه وسلم - أن مسح وجهه من البصاق ثم التفت إليه فقال: إن وجدتك خارجاً من جبال مكة أضرب عنقك صبرا ، فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه : اخرج معنا. قال: قد وعدنى هذا الرجل إن وجدنى خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقى صبرا فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك ، فلو كانت الهزيمة طرت عليه ، فخرج معهم فلما هزم الله المشركين ، وحل به جمله فى جدد من الأرض ، فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسيراً فى سبعين من قريش ، وقدم إليه
أبو معيط ، فقال: تقتلنى من بين هؤلاء . قال نعم. بما بصقت فى وجهى فأنزل الله فى أبى معيط: ((ويوم يعض الظالم على يديه )) إلى قوله : ((وكان الشيطان للإنسان خذولا)).( )
وفى بقية الروايات المذكورة فى الدر المنثور وغيره( ) ما يفيد أن الظالم هو عقبة ابن أبى معيط وليس أباه ، وهو الصحيح والخليل هو أمية بن خلف ، وقيل: أبى بن خلف. والراجح أنه أمية.( )
وجاء فى هذه الروايات أيضاً أن الذى قتل عقبة هو على بن أبى طالب بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

(3)- جاء فى سورة النمل فى سياق حديث بلقيس مع قومها حين كانت تشاور فى أمر سليمان عليه السلام أقول: فى هذا السياق جاء قوله تعالى:
((قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون))( )
قال الجمهور عن هذه الآية : إن الوقف على (أذلة) وقف تام. وقال غيرهم: بل الوقف على (وكذلك يفعلون) وليس على (أذلة) فأما على رأى الجمهور فإن كلام بلقيس قد انتهى عند (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) ثم جاء هذا التذييل (وكذلك يفعلون) وهو من كلام الله سبحانه تصديقاً لما ذهبت إليه بلقيس من أن الملوك إذا دخلوا قرية من القرى فاتحين لها أو غازين ، فإنهم يخرجون أهلها ، ويفرقون شملهم ، ويتلفون ما فيها من خيرات. وعلى ذلك فهذا التذييل مستأنف وليس معطوفاً على ما قبله.
وأما على رأى غير الجمهور ، فتذييل الآية (وكذلك يفعلون) موصول بما قبله على أنه من كلام بلقيس ، فالواو إذن للعطف ، وما بعدها من جملة مقول القول. وبذلك تكون الجملة كما يقول البيضاوى: تأكيداً لما وصفته - بلقيس - من حال الملوك وتقريراً بأن ذلك من عادتهم المستمرة.( )
وألحق السخاوى بمثل ما سقناه من أمثلة قوله تعالى: ((وله من فى السماوات والأرض ومن عنده))( ) حيث الوقف على (والأرض) تام إن جعل (ومن عنده) مبتدأ وغير تام إن جعل معطوفاً على ما قبله( ) ، والمعنى هو الذى يحدد حكم الوقف هنا.

(4) قد يختلف موضع الوقف وحكمه والتفسير معه تبعاً لاختلاف القراءة.
قال فى الإتقان: قد يكون الوقف تاماً فى تفسير ، وإعراب ، وقراءة غير تام على آخر.( ) وقل مثل ذلك فى بقية أنواع الوقف الأخرى. ويمثل لذلك بقوله تعالى: ((وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى))( )
حيث قرأ نافع وابن عامر (واتَّخَذوا) بفتح الخاء فعلاً ماضياً أريد به الإخبار ، وقرأ باقى العشرة (واتخِذوا) بكسر الخاء على أنه فعل أمر.( )
حكم الوقف على (مثابة للناس وأمنا) بناءً على اختلاف القراءتين:
قال فى الإتقان: الوقف كان بناءً على قراءة (واتَخذوا) بالماضى ، وتام بناءً على قراءة (واتخِذوا) بصيغة الأمر( )

التفسير على القراءتين:
أما على قراءة نافع وابن عامر بفتح الخاء (واتخذوا) فهو كلام مسوق للإخبار ، معطوف على قوله تعالى: ( وإذ جعلنا) وعليه فلابد من إضمار "إذ ".
والمعنى : واذكر يا محمد حين (جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً) يعنى مرجعاً يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم ، حيث يتمتعون فيه بالأمن ، فـ(مثابة) مصدر ثاب يثوب إذا رجع.
واذكر أيضاً حين اتخذ متبعو إبراهيم مقامه مصلى - كما ذكر ابن عطية.( ) أو حين اتخذ أصحابك مقام إبراهيم مصلى امتثالاً لأمر الله الثابت بالقراءة الأخرى (واتخِذوا ) أو حين اتخذ الناس كما قال مكى.( )
وقيل: لا حاجة إلى إضمار "إذ" بل هو معطوف على "جعلنا" على أنهما جملة واحدة.( ) ولذلك لم يكن الوقف على (أمناً) تاماً على هذه القراءة لأنه مرتبط فى المعنى بما بعده على كلا التقديرين.
وأما بالنسبة للقراءة الأخرى (واتخذوا) بالأمر وهى قراءة الجمهور ، فإنه كلام مستأنف جديد لا علاقة له ، بما قبله كما قال أبو البقاء.( )
ولذلك فإن الوقف على (أمنا) وقف تام ، لعدم ارتباطه لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى بما بعده. والتفسير بناءً على هذه القراءة الثانية مختلف فيه: حيث قيل: إن المأمور بذلك إبراهيم عليه السلام ومتبعوه ، وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه وهو الأرجح لحديث عمر رضى الله عنه: "وافقت ربى فى ثلاث" وفيه "وقلت: يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ((واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى))( )
قال ابن خالوية فى الحجة موجهاً القراءتين:
الحجة لمن كسر أنهم أمروا بذلك ودليله قول عمر " أفلا نتخذه مصلى" فأنزل الله ذلك موافقاً به قوله ، والحجة لمن فتح أن الله تعالى أخبر عنهم بذلك بعد أن فعلوه. ثم قال: فإن قيل: فإن الأمر ضد الماضى ، وكيف جاء القرآن بالشئ وضده ؟ فقل: إن الله تعالى أمرهم بذلك مبتدئاً ، ففعلوا ما أمروا به ، فأثنى بذلك عليهم وأخبر به ، وأنزله فى العرضة الثانية.( )


ضوابط للوقف والابتداء يجب مراعاتها
وإلا أخل القارئ بالمعنى والتفسير
[ الضابط الأول ]
لا يجوز الوقوف على مالا يتم به المعنى.
هذه قاعدة عامة مجملة وتفصيلها " أنه لا يجوز أن يوقف على العامل دون المعمول ، ولا المعمول دون العامل ، وسواء كان العامل اسماً أم فعلاً أم حرفاً ، وسواء كان المعمول مرفوعاً أم منصوباً أم مخفوضاً ، عمدة أو فضلة ، متحداً أو متعدداً.
ولا يوقف أيضاً على الموصول دون صلته ، ولا على ما له جواب دون جوابه ، ولا على المستثنى منه قبل المستثنى ، ولا على المتبوع دون التابع ، ولا على ما يستفهم به دون ما يستفهم عنه ، ولا على ما أشير به دون ما أشير إليه ، ولا على الحكاية دون المحكى ، ولا على القسم دون المقسم به وغير ذلك مما لا يتم المعنى إلا به"( ) وقد مضت الأمثلة على ذلك فى أقسام الوقف.

[ الضابط الثانى ]
كلمة "كلا" وردت فى القرآن الكريم فى ثلاثة وثلاثين موضعاً منها سبعة للردع بالاتفاق وهذه يوقف عليها. وهى:
- ( عهدا. كلا )( ) ، (عزاً. كلا )( ) ، ( أن يقتلون. قال كلا )( ) ، ( إنا لمدركون. قال كلا)( ) ، (شركاء كلا )( ) ، ( أن أزيد. كلا)( ) ، ( أين المفر. كلا)( )
والباقى منها ما هو بمعنى حقاً قطعاً فلا يوقف عليه ، ومنها ما احتمل الأمرين أى الردع ومعنى حقاً قطعاً ففيه الوجهان.( )
وإذا استقرأنا هذه اللفظة فى القرآن الكريم فإننا سوف نجد أنها لم تذكر إلا فى النصف الثانى من القرآن الكريم وفى السور المكية فقط ولذلك قيل:
وما نزلت "كلا" بيثرب فاعلمن
ولم تأت فى القرآن فى نصفه الأعلى
والسبب فى ذلك أن هذه الكلمة "كلا" تفيد الردع والزجر والرد على الكفار فيما يزعمون أو يدعون.

[ الضابط الثالث ]
كلمة "بلى" جاءت فى القرآن الكريم فى إثنين وعشرين موضعاً فى ست عشرة سورة وهى على أقسام ثلاثة:
الأول: لا يجوز الوقف عليها بالإجماع ، لتعلق ما بعدها بما قبلها وذلك كائن فى سبعة مواضع هى:
(بلى وربنا)( ) ، (بلى وعداً عليه حقاً)( ) ، (قل بلى وربى لتأتينكم)( ) ، (بلى قد جاءتك)( ) (بلى وربنا)( ) ، (قل بلى وربى)( ) ، (بلى قادرين)( )
الثانى: المختار فيه عدم الوقف ، وذلك فى خمسة مواضع هى:
(بلى ولكن ليطمئن قلبى)( ) ، ( بلى ولكن حقت)( ) ، (بلى ورسلنا)( ) ، (قالوا بلى)( ) ، (قالوا بلى قد جاءنا)( )
الثالث : المختار فيه جواز الوقف عليه وهى العشرة الباقية:

[ الضابط الرابع ] قال ابن الجزرى : كل ما أجازوا الوقف عليه أجازوا الابتداء بما بعده.

[ الضابط الخامس ] كل ما فى القرآن من "الذى" و "الذين" يجوز فيه الوصل بما قبله نعتاً ، ويجوز فيه القطع على أنه خبر إلا فى سبعة مواضع يلزم فيها القطع وهى قوله سبحانه: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه)( ) ، (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه)( ) ، (الذين يأكلون الربا)( ) ، (الذين آمنوا وهاجروا)( ) ، (الذين يحشرون)( ) ، (الذين يحملون العرش)( )
[ الضابط السادس ] كلمة "نعم" وردت فى القرآن فى أربعة مواضع ، وضابط الوقف عليها وعدمه "أنه إن وقع بعدها واو لم يجز الوقف عليها وإن لم يقع بعدها واو فالمختار الوقف عليها ؛ لأن ما بعدها غير متعلق بما قبلها ، ومثال ذلك قوله تعالى:
((ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم فأذن …… ))( ) فالمختار هنا الوقف على "نعم" لأن ما بعدها غير متعلق بما قبلها ، حيث إنها من قول الكفار ، وما بعدها (فأذن) ليس من قولهم.
وأما المواضع الثلاثة الباقية التى وردت فيها كلمة "نعم" فإنه لا يوقف عليها لكونها مرتبطة ومتعلقة بما بعدها ، وهى قوله تعالى :
1- (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين. قال نعم وإنكم لمن المقربين)( )
2- و(قال نعم وإنكم إذاً لمن المقربين)( )
3- و(قل نعم وأنتم داخرون)( )،( )
وننتهى من هذه الدراسة إلى أن مراعاة مواضع الوقف والابتداء أمر من الأهمية بمكان بحيث إنه يجب مراعاته حتى لا يخل القارئ بالمعنى الذى يقصده القرآن الكريم ، وأن عدم مراعاة هذه المواضع يوقع كثيرا فى الحرج حيث يستحيل المعنى القرآنى عن مقصوده ، بل إنه يصل بالقارئ أحيانا إلى ما هو أبعد من الحرج كما عرفنا ذلك فيما مضى وفقنا الله تعالى إلى ما يحبه ويرضاه كما نسأله سبحانه أن يجنبنا الزلل وأن يوفقنا إلى حسن القول والعمل وأن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همومنا ونور أبصارنا وقائدنا إلى الجنة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أ.د/ احمد سعد الخطيب
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-02-03, 01:25 PM
طلال العولقي طلال العولقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-08-02
المشاركات: 1,419
افتراضي جزاك الله خير أخي أبو عمر الألباني

لإثراء الموضوع أخي الكريم هناك كتاب لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ اسمه سنن القراء ومناهج المجودين فيا حبذا لمن يقرأ هذا المقال أن يراجع المبحث الموجود عن الوقف والابتداء في سنن القراء . وبارك الله فيكم.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24-08-06, 01:37 PM
القعقاع محمد القعقاع محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-11-05
المشاركات: 371
افتراضي

أحسن الله إليكم

موضوع الوقف والابتداء موضوع ذو ذيول
ويحتاج إلى مزيد من العناية والاهتمام
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 29-09-06, 03:54 AM
محمدحجازي محمدحجازي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-03-06
المشاركات: 661
افتراضي

كتاب الوقف و الابتدا للاشموني و بذيله كتاب آخر للشيخ زكريا الانصاري متوفر فى مكتبة مصطفى البابي الحلبي فعلى المهتم أن يبادر بتحصيله قبل أن ينفد من عندهم.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22-03-13, 07:03 PM
بلحسن بن الشاذلي بلحسن بن الشاذلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-09-12
المشاركات: 15
افتراضي رد: الوقف والابتداء عند أهل الأداء وعلاقته بالمعنى القرآنى

السلام عليكم

بارك الله فيكم، الموضوع شيّق حقّا.

عندي تعليق على قول الشيخ ( حديث الخطيب الذى خطب بين يدى النبى - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما. ثم وقف على "يعصهما" ثم قال فقد غوى. هنا قال له النبى -صلى الله عليه وسلم -: "بئس الخطيب أنت" ( )
وقد قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك لقبح لفظه فى وقفه ، إذ خلط الإيمان بالكفر فى إيجاب الرشد لهما ، وكان حقه أن يقول واصلاً: ومن يعصهما فقد غوى . أو يقف على "فقد رشد" ثم يستأنف بعد ذلك " ومن يعصهما ..الخ" فهذا دليل واضح على وجوب مراعاة محل الوقف. )


أنقل كلام السيوطي رحمه الله تعالى من شرحه لسنن النسائي فإنّ فيه كفاية :

" ( فقال أحدهما : من يطع الله ورسوله فقد رشد ) بفتح الشين وكسرها ( ومن يعصهما فقد غوى ) غوى بفتح الواو وكسرها ، قال عياض : والصواب الفتح وهو من الغي وهو الانهماك في الشر ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئس الخطيب أنت ) قال القرطبي : ظاهره أنه أنكر عليه جمع اسم الله تعالى واسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضمير واحد ، ويعارضه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال في خطبته : (من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه) وفي حديث أنس : (ومن يعصهما فقد غوى) وهما صحيحان ، ويعارضه أيضا قوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي) فجمع بين ضمير اسم الله وملائكته ، ولهذه المعارضة صرَفَ بعض القراء هذا الذم إلى أن هذا الخطيب وقف على "ومن يعصهما" ، وهذا التأويل لم تساعده الرواية ، فإن الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد ، وإن آخر كلامه إنما هو : "فقد غوى" ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليه وعلمه صواب ما أخل به فقال : "قل : ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير
"

و بارك الله فيكم
و السلام
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:14 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.