ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > خزانة الكتب والأبحاث

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-12-05, 04:15 PM
المشرفي المشرفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-12-05
المشاركات: 1
افتراضي تعريف الحديث الضعيف

أن الحمد لله، نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، واشهد أن محمد عبده ورسوله
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )
(يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)
أما بعد
فلطالما كان سبب اختلف المسلمين في مسائل فقهية اختلاف العلماء في الاحتجاج بحديث ضعفه بعضهم وصححه بعض إذ صار بعض الناس يردون ما في كتب الفقه لضعف الأدلة المستدل بها في تلك الكتب في الوقت الذي يتعبد فريق أخر من الناس بما في تلك الكتب معتمدين في ذلك على تصحيح من تقدم لتلك الآثار وهنا تظهر ضرورة معرفة الحديث الضعيف
هذا بالإضافة إلى مسألة العمل بالضعيف في الفضائل وما يتعلق بها من مسائل هي محل نزاع بين أبناء الصحوة خاصة، لكل هذا كان لزاما من دراسة لهذا الموضوع الحساس لتقليص دائرة الخلاف بين المسلمين وتقريب وجهة أنظارهم ما تيسر
وهذا لا يعني أن هذا الموضوع لم يطرق قبل هذا بل ألف فيه العلماء كتبا كثيرة و وردت مباحثه في معظم كتب المصطلح وأصول الفقه مبثوثة إلا أن الملاحظ في كتب بعض المعاصرين تناولهم للموضع بشيء من الأفكار المسبقة مما يحملهم-خاصة في مسألة الاحتجاج- على توجيه كلام الأئمة وفق تلك الأفكار المسبقة ولا أريد أن أسوق أمثلة على هذا وإن كانت كثيرة لأنني لست بصدد ذلك




الضعيف: تعريفه، أنواعه وحجيته
أولا: تعريف الحديث الضعيف
أ - لغة: الحديث في اللغة فهو نقيض القديم أو هو الجديد من الأشياء ويطلق أيضا على الخبر المتحدث به قال ابن منظور:
"والحديث: الجديد من الأشياء، والحديث: الخبر يأتي على القليل والكثير والجمع أحاديث كقطيع و أقاطيع وهو شاذ على غير قياس والحديث ما يحدث به المحدث تحديثا "
و وجه الشذوذ هو أن أصل في كلمة"حديث" أن تجمع على غير أحاديث كحدثاء مثلا قال الجواهري:
"قال الفراء: نرى أن واحد الأحاديث أحدوثة ثم جعلوه جمعا للحديث ".
إلا أن صاحب لسان العرب نقل عن ابن بري أنه قال:
"ليس الأمر كما زعم الفراء لأن الأحدوثة بمعنى الأعجوبة يقال: قد صار فلان أحدوثة، فأما أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون واحدها إلا حديثا ولا يكون أحدوثة"
و أما الضعيف في اللغة فهو ضد القوي، قال ابن فارس:
"الضاد والعين والفاء أصلان متباينان يدل أحدهما على خلاف القوة ويدل الثاني على أن يزاد الشيء مثله "
والأول هو المقصود في هذا المقام قال ابن فارس:
"الضعف والضعف وهو خلاف القوة يقال ضعف يضعف ورجل ضعيف وقوم ضعفاء و ضعاف"
وقال ابن منظور في لسان العرب8/61:
"وقيل والضعف بالضم في الجسد والضعف بالفتح في الرأي والعقل، وقيل هما معا جائزان في كل وجه وخص الأزهري بذلك أهل البصرة"
ب- اصطلاحا:
الحديث عند أهل الحديث هو"ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية" وهو ما عبر عنه الحافظ السخاوي بقوله:
"ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا له أو فعلا أو تقريرا أو صفة حتى الحركات والسكنات
في اليقظة والمنام"
سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها و ذهب كثير من أهل العلم إلى ترادف كلمتي"حديث"و"خبر" لذا زادوا في التعريف السابق قولهم"أو أضيف إلى صحابي أو تابعي " أي أن الحديث في الاصطلاح يشمل المرفوع وهو ما انتهى فيه السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم والموقوف وهو ما انتهى فيه السند إلى صحابي، والمقطوع وهو ما انتهى فيه السند إلى تابعي
أما عند الأصوليين والفقهاء فالحديث عبارة عن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله و تقريراته، ولم يدخلوا في تعريف الحديث المنقول عنه صلى الله عليه وسلم من صفات خلقية أو خلقية فضلا عن المنقول عن غيره قال الزركشي معرفا الحديث:
"ما صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم من الأقوال و الأفعال والتقرير والهم وهذا الأخير لم يذكره الأصوليون ولكن استعمله الشافعي في الاستدلال "
و منشأ الخلاف بين الأصوليين والمحدثين في تعريف الحديث على ما قاله العلامة السباعي رحمه الله هو:
" اختلافهم في الأغراض التي يعنى بها كل فئة من أهل العلم، فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم الإمام الهادي الذي أخبر عن الله أنه أسوة لنا وقدوة فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة
وشمائل وأخبار وأقوال وأفعال سواء أثبت ذلك حكما تشريعيا أم لا؟ و علماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشرع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده ويبين للناس دستور الحياة فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها "
ومن هنا كانت السنة عند الفقهاء والأصوليين غير السنة عند المحدثين فهي عند الأوائل عبارة عن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه تشريع، أما عند المحدثين فهي كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان من الأفعال الجبلية والصفات الخلقية التي لا يتعلق بها لشرع طلب

فإذا عرفت ما سبق فأعلم أن علماء الحديث قد اختلفوا في تعريف الحديث الضعيف من حيث الاصطلاح على أقوال كثيرة إلا أنها متقاربة و يمكن إرجاعها إلى ثلاثة أقوال هي:
التعريف الأول:"كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن"
وهو قول ابن الصلاح و على هذا التعريف سار كثير ممن جاء بعده فشرح كلامه أو اختصره أو هذبه كالحافظ ابن جماعة والحافظ ابن كثير و النووي والجرجاني وغيرهم كثير ومع ذلك لم يسلم هذا التعريف من اعتراضات
ما يرد عليه:
اعترض الحافظ العراقي-وكذا الحافظ السخاوي في شرح الألفية1/96- هذا التعريف بما مفاده أنه لا حاجة لذكر الصحيح لأن ما قصر عن الحسن فهو عن الصحيح اقصر
وقد أجاب عن هذا الاعتراض الحافظ الزركشي فقال:
" وهو عجيب لأن مقام التعريف يقتضي ذلك ولأنه لا يلزم من عدم وجود وصف الحسن عدم وجود وصف الصحيح، فالصحيح بشرطه السابق لا يسمى حسنا فالترديد متعين ونظيره قول النحوي بعد تعريف الاسم والفعل:والحرف ما لم يقبل شيئا من علامات الاسم ولا علامات الفعل ".
ولم يرتض الحافظ ابن حجر هذا الجواب فتعقبه بقوله:
"التنظير غير مطابق لأنه ليس بين الاسم والفعل والحرف عموم ولا خصوص بخلاق الصحيح
والحسن فقد قررنا فيما مضى أن بينهما عموم وخصوصا و أنه يمكن اجتماعهما وانفراد كل منهما
بخلاف الاسم والفعل. والحق أن كلام المصنف معترض ذلك أن كلامه يعطي أن الحديث حيث ينعدم فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفا وليس كذلك "
و وجدنا السيوطي لم يرتض تعقب ابن حجر للزركشي فتعقبه قائلا:
" في صدر الكلام نظر لأنه إنما كان يرد عليه ذلك لو اقتصر على قوله"لم يجتمع فيه صفات الصحيح" أما وقد ضم إليه قوله "و لا صفات الحسن" فكيف يعطي ذلك "
و كذلك دفع ابن إبراهيم الوزير اليمني عن تعريف ابن الصلاح للضعيف بقوله:
"لا اعتراض على ابن الصلاح فإنه لا يلومه أن يحد الضعيف على رأي غيره، وإنما كان يلزمه لو كان يرى أن كل صحيح حسن، أو كان الدليل على أن كل صحيح حسن قاطعا ملتزما لكل مكلف أن يسميه بذلك "
إلا أن شارحه الصنعاني قال:
"إلا أن الذي تفيده عبارة ابن الصلاح انه يقول بأن الصحيح اخص من الحسن فإنه قد تقدم عنه أنه قسم الحسن على قسمين وأفاد فيما ذكره أخصية الصحيح ثم قال في آخر كلامه: ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح لاندراجه في أنواع ما يحتج به. وهذا مع ما فصله هنالك يقضي بأن ابن الصلاح رأيه رأي من يقول بأن كل صحيح حسن فيتم الاعتراض عليه، على أنه لو سلم أنه يقول عن الصحيح والحسن متدان فالاعتراض وارد عليه لا غناء ذكر أحدهما عن الآخر ".
مهما يقال عن هذا الاعتراض يبقى هذا التعريف خاص بابن الصلاح ومن وافقه من أهل الحديث في تعريف الصحيح والحسن لأن هذا التعريف للحديث الضعيف متوقف على معرفة الصحيح والحسن وإن كان قد عرفهما ابن الصلاح في مقدمته إلا أن تعريفه لهما لم يحض بالإجماع إذ اختلافهم في بعض شروط الصحيح معروف.
قال ابن الصلاح بعد أن عرف الحديث الصحيح بقوله-هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا- قال:
"هذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف كما في المرسل "
وأوضح ابن دقيق العيد مراده غاية الإيضاح فقال:
"لو قيل في هذا الحديث الصحيح المجمع علي صحته هو كذا و كذا إلى آخره لكان حسنا لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف ومن شرط الحد أن يكون جامعا مانعا "
قلت: قوله رحمه الله تعالى(الصحيح المجمع عليه هو كذا..) صحيح ولكن من حيث الإجمال وإلا فقد اختلف أهل الحديث أنفسهم في بعض صور الشروط المتفق عليها وإليك البيان:
الشرط الأول: اتصال السند:
و المقصود أن يكون كل راو في السند قد تحمل الرواية عن شيخه بطريق من طرق تحمل الحديث المعتبرة و قد اجمع أهل الحديث على أن اتصال السند شرط في صحة الحديث واختلفوا في بعض صوره هل الإسناد متصل فيها أم لا؟ كالسند المعنعن وهو الحديث الذي في سنده (عن فلان) والسند المؤنأن وهو الحديث الذي في سند (أن فلان) هل يحكم له بالاتصال أم لا؟ على مذاهب منها:
الأول: لا يعد متصلا إلا بالنص على السماع المعنعن)الراوي) عمن عنعن عنه(الشيخ)
الثاني: لا يعد متصلا إلا مع طول الصحبة بين المعنعن(الراوي) والمعنعن عنه(الشيخ)
الثالث: يحمل على الاتصال إذا أدرك المعنعن(الراوي) المعنعن عن(الشيخ) إدراكا بينا
الرابع : يحمل على الاتصال إذا أمكن اللقاء وكان المعنعن(الراوي) غير مدلس
وقد اشتهر النزاع في هذه المسألة بما أورده الإمام مسلم في مقدمة صحيحه من كلام شديد في الرد على من اشترط ثبوت اللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه ولم يثبت اتصال السند بمجرد ثقة الرواة و المعاصرة كما هو مذهب ابن المديني والبخاري - وقيل في صحيحه خاصة- وغيرهما، والله اعلم.
الشرط الثاني: نقل العدل
و المقصود أن يكون الراوي على قدر من الديانة والاستقامة بحيث يؤتمن فيه الكذب وهذا الشرط و إن اتفق عليه العلماء إلا أنهم أيضا اختلفوا في بعض صوره كرواتية المبتدع ورواية من يأخذ الأجرة على التحديث و كذلك اختلفوا بما تثبت عدالة الرواة
أ- اختلافهم في رواية المبتدع
غير خاف على احد من طلاب العلم ما لعلماء الحديث من خلاف في الاحتجاج برواية المبتدع بدعة غير مكفرة قال الحافظ العراقي في ألفيته فقال:
والخلف في مبتدع ما كفرا قيل يرد مطلقا واستنكرا
وقيل بل إذا استحل الكذبا نصرة مذهب له ونسيبا
للشافعي إذ يقول اقبــل من غير خطابية ما نقلوا
والأكثرون ورآه الأعـدلا ردوا دعاتهم فقط ونقلا
فيه ابن حبان اتفاقا ورووا عن أهل بدع في الصحيح ما دعوا
ويمكننا تلخيص ما قاله فيما يلي:
1-رواية المبتدع مردودة مطلقا وقد استنكره ابن الصلاح
2- رواية المبتدع مردودة إذا كان داعية لبدعته وهو قول الجمهور بل نقل ابن حبان الإجماع عليه
3- رواية المبتدع مقبولة ما لم يكن مستحلا الكذب وهو قول منسوب للشافعي
وهناك أقوال أخرى منها
3-رواية المبتدع مردودة إذا كانت في بدعته
4-رواية المبتدع مقبولة مطلقا
5- رواية المبتدع مقبولة إذا كانت مخالفة لمذهبه
تنبيه: نقل النووي الإجماع على رد رواية المبتدعة بدعة مكفرة فقال في التقريب:
"من كفر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق"
إلا أن العلماء لم يسلموا لها دعوى الإجماع قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر اختلاف العلماء في قبول رواية المبتدع بدعة مكفرة قال :
"التحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته لأن كل طائفة تدعي أن مخالفتها مبتدعة وقد تبالغ فتكفر مخالفيها فلو أخذ على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، والمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله".
ملاحظة: الظاهر أن قول الحافظ-من أنكر أمرا متواترا..- يتعلق بالكافر كفر الجحود لا بالمبتدع وهذا لأن المبتدع هو من اتبع الشبهات بدافع الهوى لا عنادا وبهذا قيد الحافظ نفسه الابتداع أي بغير المعاندة إذ قال وهو يعدد أسباب الطعن في الراوي:" أو بدعته لا بمعاندة بل بنوع شبهة "
والمتواتر والمعلوم في الدين بالضرورة لا شبهة فيه فلا يرده من رده إلا عنادا وجحودا، والله اعلم.

ت- رد رواية من يأخذ الأجرة من تلاميذه على التحديث
قال العراقي في الفيته:
ومن روى الحديث بأجرة لم يقبل إسحاق والرازي وابن حنبل
و هو شبيـه أجــرة القـرآن يخـرم من مروءة الإنسـان
لكـن أبو نعيـم الفضل أخـذ و غيره ترخصـا فإن نبـذ
شغلا بـه الكسب أجـز إرفاقا أفتى به الشيخ أبو إسحـاق
ومحصله أنهم اختلفوا في قبول رواية من يأخذ الأجرة على التحديث فرد حديثه إسحاق بن راهويه وأبو حاتم الرازي وأحمد بن حنبل وغيرهم، وحماد بن سلمة وسليمان بن حرب، سئل أحمد:
"أ يكتب عمن يبيع الحديث فقال: لا و لا كرامة "
وقبلها الفضل بن الدكين شيخ البخاري وغيره من الحفاظ والأئمة كعفان بن مسلم بن عبد الله الصفار و يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي وهشام بن عمار..
قال الفضل بن دكين:
" يلومونني على الأخذ وفي بيتي ثلاثة عشر نفسا وما بها رغيف "
وحاول أبو إسحاق الشيرازي الجمع بين القولين فأفتى بجواز أخذ الأجرة لمن كان مشتغلا بالتحديث عن الكسب وكان فقيرا وبالتالي قبول روايته وإلا فلا وهذا أسدى المذاهب وعليه يحمل ما في الصحيحين أو أحدهما من رواية من كان يأخذ الأجرة على التحديث، كما هو شأن الفضل بن دكين وعفان بن مسلم، أو يحمل على ثبوت متابعات لذلك الراوي كما هو شأن هشام بن عمار عند البخاري ولهذا لم يكثر عنه إذ ليس له إلا أربع روايات في الصحيح بل ربما كان هذا هو سر البخاري في إيراد حديث النهي عن المعازف من طريق هشام بن عمار ب"قال هشام... الحديث، والله اعلم
كيف لا وقد قال السخاوي في الفتح2/91:
"قال الخطيب: وإنما منعوا من ذلك تنزيها للراوي عن سوء الظن به، فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عثر عل تزيده وادعائه ما لم يسمع لأجل ما كان يعطى، ومن هنا بالغ شعبة فيما حكي عنه وقال: لا تكتبوا عن الفقراء فإنهم يكذبون، ولذا امتنع منهم من امتنع، بل تورع الكثير منهم عن قبول الهدية والهبة.."
ج- اختلافهم في كيفية ثبوت عدالة الرواة:
اتفق العلماء على أن العدالة تثبت للراوي بالاستفاضة كما هو شأن كثير من الأئمة المعروفين وهؤلاء لا يقدح فيهم تجريح بعض الناس لهم، وكذلك اتفق العلماء على أن العدلة تثبت للراوي متى عدله اثنان فما فوق ولم يجرح أحد واختلفوا في تعديل الواحد للراوي هل يتثبت به العدالة أم لا على مذاهب
الأول: لا يقبل تعديل الواحد
الثاني: يقبل تعديل الواحد
و كذلك اختلفوا في ثبوت عدالة الراوي برواية الثقة عنه على مذاهب
الأول: لا ثبت عدالة الراوي بمجرد رواية الثقة عن
الثاني: تثبت عدالة الراوي بمجرد رواية الثقة عنه
الثالث: تثبت عدالة الراوي بمجرد رواية الثقة عنه إذا كان هذا الثقة لا يروي إلا عن عدل
وكذلك اختلفوا في قول المحدث حدثني ثقة-وهذا ما يسمى بالتعديل على الإبهام-على مذاهب
الأول: لا تثبت به عدالة الراوي
الثاني: تثبت به عدالة الراوي
الثالث: تثبت به العدالة إن صدر عن عالم مجتهد
وكذلك اختلفوا في تعديل المرأة والعبد على مذاهب
الأول: لا يقبل تعديل المرأة والعبد مطلقا
الثاني : يقبل تعديلهما
الشرط الثالث: ضبط الراوي
والمقصود ملكة استظهار المرويات عن ظهر قلب أو صيانة الأصول من أن تمتد إليها يد بزيادة أو نقصان، وقد اتفقت كلمة أهل العلم في اشتراط ضبط الراوي لقبول روايته إلا أنهم اختلفوا في بعض صور هذا الشرط مثل رواية من يلقن على و مذاهب
الأول:من عرف بقبول التلقين لا يقبل مطلقا كما هو مذهب ابن حزم حيث قال:"من صح أنه قبل التلقين ولو مرة سقط حديثه كله"
الثاني: يرد الحديث الذي لقن فيه واخذ عنه ما أتقن حفظه كما هو مذهب الحميدي فيما نقله عنه الخطيب:"من قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيها وأخذ عنه ما أتقن حفظه"
و كذلك اختلفوا في قبول رواية من أصر على رواية اخطأ فيها بعد بيان الناس له وجه الخطأ فيها على مذاهب
الأول: لا تقبل رواية مطلقا بل ترد كل مروياته إن لم يرجع
الثاني: لا تقبل إن كان معاندا لا حجة له في عدم التراجع وكان الخطأ مجمعا عليه
الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ:
والمقصود قال الزركشي: "اشتراط نفي الشذوذ ليس متفقا عليه بل مختلف فيه "
وعدم اشتراط نفي الشذوذ في الصحيح هو ظاهر صنيع ابن أبي ليلى حيث ذكر شروط الحديث الصحيح ولم يذكر ضمنها شرط نفي الشذوذ، فقال:
"فمما يعرف به صحيح الأحاديث من سقيمها أن يكون الحديث معتريا من سبع خصال: الأول: أن لا يكون الشيخ الذي يرويه مجروحا. الثاني:ان يكون فوقه شيخ مجهول يبطل الحديث به. الثالث: أن لا يكون الحديث مرسلا...الرابع:أن يكون الحديث منقطعا..الخامس: أن يكون الحديث معضلا...السادس: أن لا يكون الحديث مدلسا...السابع: أن لا يكون الحديث مضطربا.." ثم قال:
"فمتى ما وجد الحديث يعرى عن هذه الخصال فهو صحيح قبوله واجب، العمل به لازم والراد له آثم" وأقره الحافظ الجوزقاني على ذلك
و هو كذلك ظاهر صنيع صاحبي الصحيحين عدم اعتبار نفي الشذوذ أحيانا في ثبوت الحديث قال السيوطي :
" قال شيخ الإسلام: وهو -أي اشتراط نفي الشذوذ في الحديث الصحيح-مشكل لأن الإسناد إذا كان متصلا ورواته كلهم عدولا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة، ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته ؟ فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا لا يستلزم الضعف، بل بكون من باب صحيح وأصح.
قال: ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة، وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما"
ثم ساق أمثلة ذلك من الصحيحين ثم قال:
"فإن قيل: يلزم أن يسمى الحديث صحيحا ولا يعمل به؟ قلت: لا مانع من ذلك ليس كل صحيح يعمل به بدليل المنسوخ"
ثم قال:
"وعلى تقدير التسليم أن المخالف المرجوح لا يسمى صحيحا ففي جعل انتفائه شرطا في الحكم للحديث بالصحة نظر، بل إذا وجدت الشروط المذكورة أولا حكم للحديث بالصحة ما لم يظهر بعد ذلك أن فيه شذوذا لأن الأصل عدم الشذوذ، وكون ذلك أصلا مأخوذ من عدالة الراوي وضبطه، فإذا ثبت عدالته وضبطه كان الأصل أنه حفظ ما روى حتى يتبين خلافه"
قلت: ربما كان ما قاله الحافظ تفسير لقول الحافظ الخليلي في كتابه الإرشاد1/187:
"الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله ليه وسلم على أقسام كثيرة:صحيح متفق عليه وصحيح معلول..." و الله اعلم.
الشرط الخامس: السلامة من العلة:
و المقصود
هناك شروط أخرى اختلف فيها علماء الحديث في الحديث الصحيح
الأول: اشتراط تعدد الرواة في كل مراحل سند الصحيح :
قال الحاكم :"و صفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة "
وأقر الحافظ الميانشي الحاكم فقال:
"و صفة الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل العلم بالقبول وهو بمنزلة الشهادة على الشهادة"
وهذا المذهب منقول عن كبار المعتزلة على ما في بعض كتب أصول الفقه والظاهر أنه لا يثبت إلا عن الأستاذ أبي علي الجبائي وقد رد عليه المعتزلة قبل غيرهم ثم هو لم يرد الذي لا يرويه إلا الواحد مطلقا وإنما اشترط فيه شروطا، قال الإمام أبو الحسين البصري في المعتمد تحت فصل بعنوان: "في أن الخبر لا يرد إذا كان راويه واحدا" قال فيه:
"ذهب جل القائلين بأخبار الآحاد إلى قبول الخبر وإن رواه واحد وقال أبو علي: إذا روى عدلان خبرا وجب العمل به وإن رواه واحد فقط لم يجز العمل به إلا بأحد الشروط منها أن يعضده ظاهر أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو يكون منتشرا و حكي عنه قاض القضاة في الشرح أنه لم يقبل في الزنا
إلا خبر الأربعة كالشهادة عليه ولم يقبل شهادة القابلة الواحدة"
الثاني: شرط أن يكون الراوي معروفا بطلب العلم
قال الحافظ السيوطي-بعد أن شرح حد ابن الصلاح للحديث الصحيح وناقش ما يرد عليها-قال:
"بقي للصحيح شروط مختلف فيها منها ما ذكره الحاكم من علوم الحديث أن يكون راويه مشهورا بالطلب وليس مراده الشهرة المخرجة عن الجهالة بل قدر زائد على ذلك .."
وزاد في البحر الذي زخر1/329 وأصله من كلام الحافظ:
" واستدل الحاكم على اشتراط ذلك بما أسنده عن عبد الله بن عون قال:لا يؤخذ العلم إلا ممن
شهد له عندنا بالطلب والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك إلا حيث يحصل للحديث طرق"
وهذا الذي قاله الحاكم تفسير لما نقله ابن رجب عن سفيان الثوري أنه قال:
"لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة و
النقصان ولا باس بما سوى ذلك من المشايخ "
وقال السيوطي في"إسعاف المبطأ" :
"قال إسحاق بن محمد الفروي: سئل مالك:أ يؤخذ العلم عمن ليس له طلب ولا مجالسة؟ فقال:"لا" ثم قال:"لا يكتب العلم إلا ممن يحفظ ويكون قد طلب وجالس وعرف وعمل ويكون معه ورع"
بل عقد ابن عدي فصلا في كامله1/152 بعنوان" نهي الرجل أن يأخذ العلم إلا ممن تقبل شهادته ويكون مشهورا بالطلب" أورد فيه آثارا سلفية كثيرة قاضية بهذا الشرط فأنظره غير مأمور، ومن هنا قال من قال من السلف :"لا يؤخذ العلم من صحفي و لا القرآن من المصحفي" والله اعلم
والخلاصة
إذا فهنالك شروط في الحديث الصحيح متفق عليها فالحديث بها صحيح عند جميع العلماء محدثين كانوا أو فقهاء أو أصوليين وهنالك شروط مختلف فيها و عليه فالحديث الذي لم يتوفر عليها ضعيف عند من اشترطها و صحيح عند غيره ولذا قال ابن الصلاح :"وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف كالمرسل "
و لهذا قسم الحاكم في كتاب المدخل الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام خمسة متفق عليه وخمسة مختلف فيه، وقد لخص الحافظ ابن حجر كلامه فقال بعد أن ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه وهي خمسة:
"و أما الأقسام المختلف فيها فهي: 1-المراسيل، 2-وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا السماع، 3-و المختلف في وصله وإرساله بين الثقات، 4-و روايات الثقات غير الحفاظ، 5-و رواية المبتدعة إذا
كانوا صادقين "
وإذا عرفت ما سبق عرفت يقينا بعض ما يرد على قولهم في تعريف الحديث الضعيف"كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن" والله اعلم بالصواب
التعريف الثاني:"كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول"
قاله الحافظ ابن حجر وعليه سار بعضهم، إلا أن هذا أيضا لم يسلم من الاعتراضات
الاعتراضات:
بل هذا أولى لأن معرفة المقبول من الحديث متوقفة على معرفة الصحيح والحسن إذا فهذا التعريف يرد عليه ما ورد على الأول وزيادة ثم يرد عليه الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول فهو بمقتضى تلقي العلماء له بالقبول يدخل في دائرة المقبول و إن لم يصح من حيث السند، هذا ما كان عليه الأئمة والعلماء من أهل الحديث والأصول وخالف بعض المعاصرين في اعتبار الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول حيث قال الدكتور المرتضى الزين أحمد في كتابه"منهج المحدثين"ص22:
" إن بقاء الحديث على ضعفه أولى من تصحيحه ونسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل تلقي الأمة له "
لذا يجدر بي أن أقف عند هذه المسألة قليلا
مسألة الضعيف المتلقى بالقبول:
قال الحافظ ابن حجر:
"من جملة صفة القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول الحديث فإنه يقبل حتى يجب العمل به وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول "
وقال أيضا :
"أن اتفاق الأمة على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول ولو كان ضعيفا يوجب العمل بمدلوله "
بل قال الحافظ السخاوي:
"حتى أنه ينزل منزلة المتواتر ينسخ به المقطوع "
وقال مالك كما نقله عنه صاحب التعليقات الحافلة:
" شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده"
و قال الإمام الشافعي في الرسالة ص139:
" و روى بعض الشاميين حديثا ليس مما يثبته أهل الحديث فيه أن بعض رجاله مجهولون، فرويناه عن النبي منقطعا و إنما قبلناه بما وصفنا من نقل أهل المغازي وإجماع العامة عليه"
وهو ظاهر صنيع الإمام الترمذي إذ كثيرا ما يضعف الحديث ثم يقول وعليه العمل عند أهل العلم، كما في باب إبطال ميراث القاتل معلقا على قوله صلى الله عليه وسلم القاتل لا يرث قال:
“ هذا حديث لا يصح، و لا يعرف هذا إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قد تركه بعض أهل العلم منهم أحمد بن حنبل والعمل على هذا عند أهل العلم…" .
و قال حافظ المغرب ابن عبد البر في التمهيد 16/218 معلقا على قوله صلى الله عليه وسلم:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته "قال:
"وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح، لأن العلماء تلقوه بالقبول والعمل به "
وقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي في مقدمة أحكامه الوسطى على ما نقله محقق كتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي 1/188 :
"و إن كان سقيما حكم له بحكم السقيم...إلا إن يكون الإجماع على عمل يوافق حديثا معتلا، فإن الإجماع حكم أخر، وهو الأصل الثالث الذي يرجع إليه، وليس ينظر إلى علة الحديث، ولا لضعف الراوي ولا لتركه"
وقال الحافظ ابن القيم في كتاب الروح- بعد أن أورد حديث تلقين الميت باسم أمه بعد الدفن- ص39:
" فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كاف في العمل به " .
وقال الحافظ الزركشي:
" إن الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول عمل به على الصحيح، حتى أنه ينزل منزلة المتواتر.." .
وقال السيوطي في تدريب الراوي :
" وقال بعضهم: يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح " .
وقال الحافظ السيوطي:
"...أما الحديث الصحيح لغيره فغير داخل في الحد-أي حد الصحيح- ولذلك صور: الحسن إذا روي من غبر وجه كما سيأتي، وما تلقته العلماء بالقبول ولم يكن له إسناد صحيح فيما ذكره طائفة منهم ابن عبد البر...واشتهر عند أئمة الحديث بغير نكر منهم"
وقال العلامة الألباني في الضعيفة 2/286 معلقا على الحديث882:
" قلت: هذا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد، فالعمل عليه عند السلف…"
وقال أيضا :
" الحديث المتلقى بالقبول لا يكون صحيحا إلا إذا كان له إسناد صالح للاعتبار به فهو الذي يتقوى بالتلقي"
هذه باقة من أقوال أئمة الحديث و حفاظه قديما وحديثا، كلها رد صريح على من زعم أن من أصول أهل الحديث عدم اعتبار الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول، نعم لا بد من التفريق بين تلقي الأمة الذي هو عمل العلماء واستدلالهم بالحديث المتلقي وبين شهرة الحديث من غير عمل به بين العلماء أو العامة لأن هذه الشهرة لا تنافي الوضع والضعف، والله اعلم.
و الخلاصة:
إن عرفت ما سبق أدركت أن الحديث المقبول عند أهل الحديث وغيرهم أعم من الصحيح ومن الحسن لاشتماله على الضعيف المعمول به أو المتلقي بالقبول
التعريف الثالث:" ما قصر عن درجة الحسن قليلا "
قاله الحافظ الذهبي في الموقضة واصله من كلام ابن دقيق العيد في الاقتراح و العراقي في ألفيته و غيرهم وهذا التعريف هو أيضا لم يسلم من الاعتراضات
الاعتراضات:
يرد عليه-كما يظهر لأول وهلة-أنه غير منضبط في تحديد القصور القليل، كما يرد عليه أيضا اختلافهم الكبير في تعريف الحديث الحسن
التعريف الحديث الحسن
اختلف العلماء في تعريف الحديث الحسن اختلافا كبيرا وأقوالهم فيه كثيرة منها:
قول الترمذي:"كل حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذا ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو حديث حسن "
قول أبو سليمان الخطابي:"الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله أكثر الفقهاء " .
ومنها قول ابن الجوزي:"الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن ويصلح للعمل به "
وهناك أقوال أخرى كثيرة لا نطيل بذكرها لأنه لم يسلم واحد منها من الاعتراضات والإيرادات مما حمل الحافظ الذهبي- وهو من هو- على قوله:
"لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها فأنا على إياس من ذلك "
و من قبله قال ابن دقيق العيد في الاقتراح ص6 :
"في تحقيق معناه اضطراب"
وسأل بعضهم العلامة الألباني: هل لديه تعريف جامع للحديث الحسن لغيره؟ فأجاب: لا
وقال في موطن أخر:
" الحديث الحسن لغيره- وكذا الحسن لذاته- من أدق علوم الحديث وأصعبها لأن مدارهما على
من اختلف فيه العلماء من رواته ما بين موثق ومضعف فلا يتمكن من التوفيق بينهما...وهذا أمر صعب قل من يصبر له وينال ثمرته فلا جرم أن صار هذا العلم غريبا من العلماء "
وقال الأستاذ المليباري في كتاب نظرات جديدة ص21:
"لا يوجد في مصطلحات الحديث مصطلح شغل المتأخرين في تحديد مدلوله وضبطه مثل الحسن" ومما لا شك فيه أن هذه الغموض الذي يحوم على الحديث الحسن يعتري الحديث الضعيف عند من عرفه بالتعريف السابق وربما كان هذا الاختلاف في تعريف الحديث الحسن وراء القول بعدم حجيته

مسألة الاحتجاج بالحسن
قال الحافظ السيوطي:
"ذهب كل الفقهاء وأكثر العلماء إلى أن الحسن كالصحيح في الاحتجاج وإن كان دونه في القوة
وشذ بعض أهل الحديث فرده روى عن ابن أبي حاتم أنه قال: سألت أبي عن حديث فقال: إسناده حسن فقلت: بحتج به ؟ فقال : لا "
وقال ابن الوزير :
"فذهب البخاري إلى أن الحديث الحسن لا يعمل به في التحليل والتحريم واختاره القاضي أبو بكر بن العربي في عارضته والجمهور على خلافهما "
قلت: ما نقله ابن الوزير عن البخاري لم أقف عليه فلا أظنه ثابتا عنه والله اعلم، وأما ما نقله عن الترمذي فالذي في العارضة باب ما جاء في وصف صلاة النبي-كما أحل عليه بعضهم- لا يعطي هذا المعنى حيث جاء فيه:"قال القاضي أبو بكر بن العرببي رضي الله عنه:أحسن أبو عيسى في اختياره تضعيفه وأنه لرتبة في هذا الحديث محسنة هكذا فلا معول عليه ، والله اعلم ".
ثم أردفه بكلام غير مفهوم بالمرة ومهما يكن من أمر فالظاهر أن كلام الإمام حول حديث ضعيف عنده لا عن حديث حسن كما يدل عليه سابق الكلام، والله اعلم
و على تسليم ثبوت القول بعدم حجية الحديث الحسن عن واحد منهم فهو خلاف قديم انقضى واستقر الإجماع بعده على حجيته
والخلاصة:
لا شك أن وضع حد تام حقيقي للحديث الضعيف عند المتأخرين أمر صعب وهذا لأنه متوقف على معرفة الحديث الصحيح والحديث الحسن و كل الحدود المذكورة لهما لا تخلو من نظر، أي لا يسلم واحد منها من الإيرادات طردا أو عكسا و مناقشتها كلها يخرج بنا عن المقصود، وأما المحدثون المتقدمون فهم لا يعتمدون المنطق في مناقشتهم ولا يهتمون بصناعة الحدود المنطقية لذا كانت تعريفاتهم تقريبية تغليبية وبالتالي غير جامعة ولا مانعة بالنسبة للمتأخرين كما هو الشأن عند ابن أبي ليلى في تعريف الصحيح حيث قال:"فمما يعرف به صحيح الأحاديث من سقيمها أن يكون الحديث متعريا من
سبع خصال: 1-أن لا يكون الشيخ الذي يرويه مجروحا، 2-أن لا يكون فوقه شيخ مجهول يبطل الحديث به، 3-أن لا يكون الحديث مرسلا فإن المرسل عندنا لا تقوم به الحجة،4-أن لا يكون الحديث منقطعا أسوأ حالا من المنقطع ، 5- أن لا يكون الحديث معضلا فإن المعضل أسوأ حالا من المنقطع، 6- أن لا يكون الحديث مدلسا...،7- أن لا يكون الحديث مضطربا...فمتى ما وجد حديث يعرى عن هذه الخصال فهو صحيح قبوله واجب.."
فأنت ترى أن تعريف الإمام ابن أبي ليلى بعيد كل البعد عن صناعة الحدود المنطقية المشهورة عند المتأخرين، قال الإمام السيوطي:
"إنا معشر أهل الحديث والفقه لا نقول في التعاريف على حدود المناطقة"
ثم نقل عن ابن الحصار المالكي قوله:
"لقد بلغ مالك وأضرابه من العلماء المتقدمين مبلغ الإمامة في الدين ولم يتكلف أحد منهم حدا وربما لو تكلف لم يسلم له، وكذلك البخاري ومسلم وأضرابهم ولو كلفوا حد الحديث والمحدث لم يأتوا به وقد نفعهم الله تعالى بما علموا وعلموه ولو كان في الحد خير لنطق به القرآن أو جاء على لسان رسول الله صلى الله ليه وسلم "
بل قال الحافظ السيوطي:
"نازع بعضهم في تعريف الصحيح والحسن والضعيف بحد أو رسم وقال: والذي يقتضيه كلام القدماء أنه لا يعرف بذلك بل بما نص عليه أئمة الحديث في كتبهم إما بالتصريح في كل حديث كدأب
الترمذي أو بالتزام ذكر الصحيح كالبخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان "
تعريف الحديث الصحيح
ولهذا السبب بعينه سأقتصر في تعريف الحديث الضعيف على ما استقر عليه الرأي عند كثير من المتأخرين في تعريف الصحيح والحسن- وأصله ما قرره ابن الصلاح في مقدمته من أن الحديث الذي توفرت فيه شروط سنة فهو صحيح وهذه الشروط هي:
1- اتصال سنده و معناه أن يكون كل راو في سنده قد تلقاه عن شيخه بطريق معتبر من طرق تحمل الحديث وبهذا الشرط خرج كل أنواع الانقطاع كالمرسل، والمرسل الخفي، والمعلق والمعضل والمنقطع وغيرها
2-عدالة الرواة و معناه أن يكون كل راو في سنده متدينا متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات وبهذا الشرط خرج الموضوع وما ضعف لاتهام الراوي بفسق وقلة دين أو خرم بالمروءة أو بدعة أو غير ذلك
3-ضبط الرواة: و معناه أن يكون كل راو في سنده حافظ-تام الحفظ- لما يسمع أو محافظ لأصوله وبهذا الشرط خرج حديث المغفلين والمختلطين ومن كثر خطأه و من لا يصون أصوله من أن تمتد إليها يد التحريف والزيادة وغير ذلك
4-السلامة من الشذوذ: معناه أن لا يخالف أحد رواة السند من هو أكثر منه حفظا أو عددا وبهذا الشرط خرج الحديث الشاذ
5- السلامة من العلة: ومعناه أن لا يظهر بعد جمع طرق ذلك الحديث وصف خفي يقدح في سلامة صحة الحديث وبهذا الشرط خرج الحديث المعل أو المعلول أو المعلل
و الحديث الصحيح عند متأخري أهل الحديث خاصة ينقسم إلى صحيح لذاته وهو المقصود بالتعريف وصحيح لغيره وهو في الأصل حديث ضعيف أو حسن ارتقى بكثرة طرقه ولا يدخل في التعريف السابق للحديث الصحيح والله اعلم لذا زاد بعضهم شرطا سادسا في شروط الصحيح هو :
6- وجود العاضد: و هذا الشرط هو للإدخال الحديث الصحيح لغيره كالحديث الضعيف المتلقى بالقبول والحديث الحسن إذا ورد من أكثر من طريق فيها ما يصلح للاعتبار
وقولنا "استقر عليه العمل" لا يعني أنهم لم يختلفوا في بعض مسائله بل ما من شرط من هذه الشروط إلا وله نصيبه من الخلاف فشرط اتصال السند مثلا فقد اختلفوا في عنعنة الثقة هل لها حكم الاتصال ولو لم يثبت لقاء بين المعنعن والمعنعن عنه ؟
وشرط العدالة فقد اختلفوا هل تثبت العدالة بخبر الواحد أم يشترط فيه العدد ؟
تعريف الحديث الحسن
و على ضوء ما سبق فالحديث الحسن عند جمهور المتأخرين هو الحديث الذي أشتمل على الشروط السابقة الذكر إلا أن راويه وإن كان حافظا إلا أنه اقل حفظا من راوي الصحيح ويلحق به الحديث
الضعيف إذا اعتضد بعاضد، والله اعلم.
والخلاصة فيها تعريف الحديث الضعيف
إذا مشينا على ما أستقر عليه الأمر عند المتأخرين فالحديث الضعيف وهو الحديث الذي فقد شرطا أو أكثر من الشروط المذكورة سابقا وهي: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، السلامة من الشذوذ، السلامة من العلة، عدم وجود العاضد، ومعلوم أنه بانتفاء هذه الشروط أو بعضها ولو واحدا يتعين الحديث الضعيف كما لا يخفى، ومن هنا ندرك كثرة أنواع الضعيف. و إذا اعتبرنا فقدان شرط واحد فحسب يمكن تقسيمها حسب أسباب الرّد[يعني الشرط المفقود] إلى خمسة أقسام، ويندرج تحت كل قسم منها جملة أنواع:
القسم الأول: الضعيف نتيجة فقد شرط اتصال السند ويشمل المعلق والمنقطع والمعضل والمرسل والمرسل الخفي.
القسم الثاني: الضعيف نتيجة فقد شرط العدالة ويشمل رواية الفاسق والكذاب والمبتدع والمدلس ورواية المجهول وغيرها
القسم الثالث:الضعيف نتيجة فقد شرط تمام الضبط ويشمل رواية سيء الحفظ ورواية كثير الأوهام والمختلط وغيرهم.
القسم الرابع: الضعيف نتيجة فقد شرط عدم الشذوذ ويشمل الحديث الشاذ.
القسم الخامس: الضعيف نتيجة فقد شرط عدم العلّة يشمل الحديث المعل.
كثرة أنواع الحديث الضعيف
واضح من خلال ما سبق أن الحديث الضعيف أنواع كثيرة فقد أوصلها ابن حبان إلى خمسين نوعا إلا واحدا قاله ابن الصلاح و أوصلها العراقي في شرح الألفية إلى اثنين وأربعين نوعا، وأوصلها بعضهم إلى ثلاثة وستين نوعا و أوصلها شرف الدين المناوي إلى مائة وتسعة وعشرين نوعا و أوصلها بعض المعاصرين إلى أزيد من ذلك وسبيل بسط ذلك-كما قال الحافظ ابن الصلاح- هو:
" أن يعمد إلى صفة معينة منها-أي من صفات الصحيح أو الحسن-فيجعل ما عدمت فيه من غير أن يخلفها جابر على حسب ما تقرر في نوع الحسن قسما واحدا ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة ثانيا ثم ما عدمت فيه الصفتين معينتين قسما ثالثا وهكذا إلى أن يستوفي الصفات المذكورات جمعاء ثم يعود ويعين من الابتداء صفة غير الصفة التي عينها أولا ويجعل ما عدمت فيه وحدها قسما ثم ما عدمت فيه مع عدم الصفة أخرى ولتكن الصفة الأخرى غير الصفة الأولى المبدوء بها لكون ذلك سبق في أقسام عدم الصفة الأولى وهكذا هلم جرا إلى آخر الصفات "
و يضاف إلى ما سبق ما قاله الحافظ السخاوي:
"بل لو نظرنا إلى أن فقد الاتصال يشمل أيضا المعلق والمنقطع الخفي كالتدليس، وفقد العدالة يشمل الضعيف بكذب راويه أو تهمته بذلك أو فسقه أو بدعته أو جهالة حاله، وفقد الضبط يشمل كثرة الغلط والغفلة والوهم وسوء الحفظ والاختلاط والمخالفة لزادت أقسام كثيرة"
هذا باعتبار القسمة من حيث الإمكان العقلي، أما من حيث الوجود فهي أقل من ذلك بكثير
قال الحافظ السيوطي:
" قسمها –أي الحافظ شرف الدين المناوي شيخ السيوطي- بهذا الاعتبار إلى مائة وتسعة وعشرين
قسما باعتبار العقل وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود وإن لم يتحقق وقوعها، قد كنت أردت بسطها-أي أقسام الحديث الضعيف العقلية- في هذا الشرح ثم رأيت شيخ الإسلام قال:إن ذلك تعب ليس وراءه أرب....فلذلك عدلت عن تسويد الأوراق بتسطيره "
وقد بين الحافظ-فيما نقله عنه السيوطي- وجه عدم جدوى هذا العمل فقال:
"فإنه لا يخلو إما أن يكون لأجل معرفة مراتب الضعيف وما كان منها أضعف أو لا ؟ فإن كان الأول فلا يخلو من أن يكون لأجل أن يعرف أن ما فقد من الشروط أكثر أضعف أو لا ؟ فإن كان الأول فليس كذلك لأن لنا ما يفقد شرطا واحدا ويكون اضعف مما فقد الشروط الخمسة الباقية وهو ما فقد الصدق وإن كان الثاني فما هو ؟ وإن كان الأمر غير معرفة الأضعف فإن كان لتخصص كل قسم باسم فليس كذلك فإنهم لم يسموا منها إلا القليل كالمعضل والمرسل ونحوهما، أو لمعرفة كم يبلغ قسما بالبسط فهذه ثمرة مرة، أو لغير ذلك فما هو ؟"
وقال الحافظ السخاوي في فتح المغيث1/128:
"و لا يقال: أن فائدته كون ما كثر فقد شروط القبول فيه أضعف لأنه ليس على إطلاقه فقد يكون الفاقد للصدق وحده أضعف من فاقد جميع ما عداه مما ذكر..كما أنه لا يقال: فائدته تخصيص كل قسم منها بلقب إذ لم يلقب منها إلا المرسل، والمنقطع، والمعضل، والمعلل، والشاذ، وكذا لقب مما لم يذكر في الأقسام المقطوع، والمدرج، والمقلوب، والمضطرب، والموضوع، والمطروح، والمنكر...وحينئذ فالاشتغال بغيره من مهمات الفن الذي لا يتسع العمر الطويل لاستقصائه آكد، وقد خاض غير واحد ممن لم يعلم هذا الشأن فتعبوا في ذلك وأتعبوا.. و وراء هذا كله أن في بعض الأقسام نزاعا وذلك أن اجتماع الشذوذ مع الضعيف أو المجهول كما قاله الشارح غير ممكن على الصحيح لأن الشذوذ تفرد الثقة عند الجمهور... "
إلا أن بعض المعاصرين قال بعد أن نقل ما سبق :
"ومع هذا فلا يمكن التقليل من أهمية هذا المجهود الطيب الذي يبين مدى عناية علماء الأمة قديما وحديثا بالسنة وتمييز أنواعها لاسيما الضعيف منها ليكون الناس على حذر يجنبهم الخطر لما لبعض أنواع الضعيف من ضرر وأثر سيء على الأمة.."
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-05-11, 01:38 AM
بنت آل زيدان بنت آل زيدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-10-10
المشاركات: 19
افتراضي رد: تعريف الحديث الضعيف

بارك الله فيكم
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-10-13, 06:05 PM
فوزان شريف فوزان شريف غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-01-11
المشاركات: 147
افتراضي رد: تعريف الحديث الضعيف

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-11-13, 06:00 PM
محمدرشيد محمدرشيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-10-13
المشاركات: 9
افتراضي رد: تعريف الحديث الضعيف

بارك الله فيك.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:34 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.