ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 26-01-06, 07:26 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
Question هل السجود لغير الله كفر؟

--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله

السلام عليكم...

إخوتي الكرام ... في نقاش مع بعض المتصوفة نقل ما يلي عن الإمام الذهبي رحمه الله:

"...وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا بل يكون عاصيا فليعرف أن هذا منهي عنه وكذلك الصلاة إلى القبر"

وعزاه إلى معجم شيوخ الذهبي 1/74

فهل عزوه صحيح؟ و هل يوجد الكتاب على الشبكة؟

جزاكم الله خيراً
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-01-06, 05:05 PM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

الأخوة الكرام...

حسبت أن الموضوع على درجة من الأهمية تستحق التفاعل.

أتراني كنت مخطئاً؟!!
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-01-06, 10:47 PM
أبو الأم أبو الأم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-11-05
المشاركات: 425
افتراضي

ذكر هذا علي الجفري ( الصوفي)
في لقائه مع قناة العربية..
وعزاه الى الذهبي..

ولعل من طلبة العلم والمشائخ من يتحفنا بالاقرار أو الرد
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28-01-06, 05:28 AM
أبو صديق أبو صديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-07-04
المشاركات: 12
افتراضي

السجود نوعان: سجود عبادة، وهو ما يكون ظاهره الخضوع والذل للمسجود له، أو يكون بقصد التقرب إليه، وهذا شرك وإن لم يعلم الساجد أن هذا نوع من العبادة.

وسجود التحية والتشريف والتكريم للمسجود له، مثل سجود إخوة يوسف عليه السلام له، وسجود معاذ رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كان مباحًا في الشرائع السابقة ثم حرّم في شرعنا، وهو من الكبائر، وهو مقصود الإمام الذهبي كما يظهر.


ولعل "إطلاق" القول أن السجود لقبر النبي صلى الله عليه وسلم - أو غيره ممن يُسجَد له - ليس سجودًا شركيًّا محل نظر؛ فالمتأمل في أحوالهم يجد أكثرهم حال سجوده لصاحب القبر خاشعًا ذليلاً، وهذا لا يكون ممن قصده التحية أو التكريم، ثم إن المسجود له ميت، فيُستبعَد تصوُّر أن يُسجَد تحيّة له وتبجيلاً، بل هو للخضوع أقرب! فإن حصل؛ فهو نادر.

أما إن كان السجود لمن لا يُتصوّر مطلقًا أن يُحيّى كصنم ونحوه فهو شرك ظاهر.


ولعل المشايخ أن يبيّنوا الصواب في توجيه كلام الإمام الذهبي ويردوه إلى موضع آخر من كلامه - ليفصله - إن تيسّر.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 28-01-06, 10:29 AM
عامر بن بهجت عامر بن بهجت غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-05
الدولة: المدينة النبوية
المشاركات: 756
افتراضي

( أَلاَ تَرى الصَّحابة فـي فَرْط حُبّهم للنبـيّ قالوا: ألاَ نَسْجُدُ لَكَ؟ فقال: «لا»، فلو أَذِن لهم لسَجَدُوا له سجود إجلال وتَوْقـيرٍ لاَ سُجودَ عِبـادة كما قد سَجَد إخْوَة يوسف ـــ علـيه السلام ـــ لـيُوسف. وكذلك القول فـي سجود الـمسْلـم لِقَبْر النّبـيّ علـى سَبـيـل التَّعْظيـم والتَّبْجيـل لاَ يُكَفَّرُ به أَصْلاً بل يكون عاصياً فلْـيُعَرَّف أنّ هذا مَنْهِيّ عنه، وكذلك الصلاة إلـى القبر. )

هذا كلام الذهبي في ترجمة أَحمد بن عبد الـمنعم بن أَحمد، الـمعمَّر ركن الدّين أَبو العبـاس القزوينـي الطَّاوسي الصّوفـي
وننتظر تعقيبات المشايخ الفضلاء.
__________________
محاضر الفقه بالمعهد العالي للأئمة والخطباء - جامعة طيبة/ تويتر: @amerbahjat
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-02-06, 07:33 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

بارك الله فيكم إخوتي الكرام

الأخ الفاضل عامر ... جزاك الله خيراً على النقل

الأخ الفاضل ( أبو صديق )... لم نختلف مع محاورنا الصوفي حول تقسيم السجود إلى سجود عبادة و سجود تحية، و لم نختلف حول تكفير من سجد عبادة لغير الله، لكنه يقول أن سجود التحية و التعظيم لغير الله ليس كفراً بل هو محرم فقط، و كلام الذهبي رحمه الله كما ترى يؤيد ما يقول تماماً، أما كوننا نحن نرى أن في كلام الذهبي رحمه الله نظراً فلن يغير من الأمر شيئاً، لأن عبارته رحمه الله واضحة، فهل هناك تفصيل أو رد لأحد العلماء على كلامه رحمه الله؟

و هل صاحب الترجمة المذكور أحمد بن عبد المنعم الصوفي ثبت عنه السجود لقبر النبي صلى الله عليه و سلم فقال الذهبي ما قال، أم ماذا؟

أرجو التفاعل و الإفادة ... بارك الله فيكم.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 02-02-06, 08:18 AM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

جزاكم الله خيرا جميعا وجعلنا وإياكم من الموحدين المتبعين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم والذابين عنها.

وهذا نص ما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله في معجم الشيوخ (1/72-74) في ترجمة (أَحمد بن عبد الـمنعم بن أَحمد)

(58)ــ
أَحمد بن عبد الـمنعم بن أَحمد، الـمعمَّر ركن الدّين أَبو العبـاس القزوينـي الطَّاوسي الصّوفـي.

موْلده فـي سابع عشر شعبـان سنة إحدى وستـمائة. وحكى لنا أنّ أبـاه أسْمعه صحيح مُسْلـم علـى أَبـي بكر الشَّحَاذي، وهذا الشّحَاذي كانت له إجازة الفُرَاوِي، ثم قدِم دمشق فـي سنة اثنتـيْن وثلاثـين وستـمائة وسمع من السَّخاوي، ثم سافر إلـى بغداد مع الصاحب صفـيّ الدّين بن مَرْزوق لـيؤم به، فسمع مُسْنَد الشافعي من أَبـي بكر بن الـخازِن، وسمع بحلَب من ابن خـلـيـل وروى بـالإِجازة العامة عن أَبـي جعفرالصَّيْدلانـي وجماعة. انتـخَبْتُ له جزءاً رَوَاهُ مَرَّات.
توفـي فـي عاشر جمادى الأولـى سنة أربع وسبعمائة. وكان كاملَ البُنْـيَة مُصَبَّراً ملـيحَ الشَّيْبَة، أدْرك من الـملوك السلطان علاء الدّين خَوارزم شاه ورآه قد مَرَّ بقزْوين. ورأيتُ تـحت خطِّه فـي سنة سبع وسبعين أن الوَجِيه النَّغْري سَأَله عن مَوْلده فقال: وُلدتُ سنةً وستـمائة، كذا أجاب فـي ذلك الوقت.
أَخْبَرنا أَحمد بن عبد الـمنعم، غير مرّة، أَنا أَبو جعفر الصيدلانـي ـــ كتابةً ـــ أَنا أَبو علـي الـحدَّاد ـــ حُضوراً ـــ أَنا أَبو نُعَيْـم الـحافظ، نا عبد اللّه بن جعفر، ثنا مـحمّد بن عاصم، نا أَبو أُسَامة عن عُبَـيْد اللّه عن نافع عن ابن عمر: أنَّه كَانَ يَكْرَهُ مَسَّ قَبْر النَّبـيّ .
قلْتُ: كَرِهَ ذلك لأنَّهُ رَآه إسَاءَةَ أَدَبٍ. وقد سُئِل أَحمد بن حنبل عن مَسّ القَبْر النَّبَوي وتقبـيـلَهُ فلـم يَرَ بذلك بَـأْساً، رَواه عنه وَلَدُه عبد اللّه بن أَحمد. فإن قـيـل: فهلاَّ فَعَلَ ذلك الصَّحَابَة؟ قِـيـل: لأنَّهُم عَايَنُوه حَيّاً وَتَـمَلّوْا به وقَبَّلُوا يَدَه وكادُوا يَقْتَتِلون علـى وُضُوئِه واقتَسموا شعرَه الـمُطَهَّر يَوْم الـحَجّ الأَكْبَر، وكان إذا تنـخّم لا تكاد نـخامته تقع إلاّ فـي يد رجلٍ فـيدلك بها وَجْهه، ونـحن فَلـمَّا لَـمْ يَصُح لَنَا مِثْل هذا النَصِيب الأوْفَر تَرَامَيْنَا علـى قَبْره بـالإِلتزام والتَّبْجِيـل والإِسْتِلاَم والتَّقْبِـيـل، أَلاَ ترى كَيْفَ فعل ثابت البُنَانـي، كان يقبّل يَدَ أنس بن مالك ويضَعُها علـى وجْهِهِ ويقول: يَدٌ مَسَّتْ يَد رسول الله . وهذه الأُمُور لا يُحَرّكُها مِن الـمسلـم إلاّ فَرْط حُبّه للنّبـيّ ، إذْ هُو مأمُور بأن يُحبَّ الله ورَسُوله أشَدَّ مِن حبّه لِنَفْسِه وَوَلَدِه والنّاس أجْمعين، ومن أمواله ومن الـجَنّة وحُورِها، بَلْ خَـلْقٌ من الـمؤمنـين يحبُّون أبـا بكر وعُمر أكثر من حُبّ أنْفُسِهم..
حكى لَنَا جندار أنه كان بجبل البِقَاع فسمِعَ رجلاً سَبَّ أبـا بكر فسَلَّ سَيْفَه وضرب عُنُقَه، ولو كان سَمِعَه يَسُبُّه أو يسُبُّ أبـاه لَـمَا اسْتَبـاحَ دَمَه. أَلاَ تَرى الصَّحابة فـي فَرْط حُبّهم للنبـيّ قالوا: ألاَ نَسْجُدُ لَكَ؟ فقال: «لا»، فلو أَذِن لهم لسَجَدُوا له سجود إجلال وتَوْقـيرٍ لاَ سُجودَ عِبـادة كما قد سَجَد إخْوَة يوسف ـــ علـيه السلام ـــ لـيُوسف. وكذلك القول فـي سجود الـمسْلـم لِقَبْر النّبـيّ علـى سَبـيـل التَّعْظيـم والتَّبْجيـل لاَ يُكَفَّرُ به أَصْلاً بل يكون عاصياً فلْـيُعَرَّف أنّ هذا مَنْهِيّ عنه، وكذلك الصلاة إلـى القبر)انتهى.


وما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله من السجود لقبر النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد لايكون شركا فهو صحيح نظريا ، فلا شك أنه من الأمور المحرمة المنهي عنها ومن ذرائع الشرك ووسائله ، وهذا إذا فعله شخص على وجه التحية وليس على وجه العبادة ، فهو على هذا بدعة ضلالة ، وأما إذا فعله على وجه العبادة والالتجاء فهو مشرك ، والذهبي رحمه الله له عدد من المواضع في ذكر التبرك وغيرها لايوافق عليها.

ويشبه هذا من يطوف على القبر تبركا ! ففعله محرم ولكن قد لايكون شركا.
يقول الشيخ ابن باز رحمه الله في إجابة سؤال حول (حكم من يطوف بالقبور عن جهل

السؤال :
نشاهد في بعض البلاد الإسلامية أن هناك أناساً يطوفون بالقبور عن جهل.. فما حكم هؤلاء، وهل يطلق على الواحد منهم مشرك؟.

الجواب :
حكم من دعا الأصنام واستغاث بها ونحو ذلك بحمد الله ظاهر وهو الكفر الأكبر إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله، كما يطوف بالكعبة يظن أنه يجوز الطواف بالقبور ولم يقصد التقرب بذلك لأصحابها وإنما قصد التقرب إلى الله وحده، فهذا يعتبر مبتدعاً لا كافراً؛ لأن الطواف بالقبور بدعة منكرة، كالصلاة عندها، وكل ذلك من وسائل الكفر. ولكن الغالب على عباد القبور هو التقرب إلى أهلها بالطواف بها، كما يتقربون إليهم بالذبح لهم والنذر لهم، وكل ذلك شرك أكبر، من مات عليه مات كافراً لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين)
http://www.binbaz.org.sa/index.php?p...pe=fatawa&id=2
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 02-02-06, 08:37 AM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

يقول الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن السعد حفظه الله في مقدمة شرحه للموقظة في ترجمة الإمام الذهبي((مفرغة من الشريط غير مراجعة)

((..... وأما ما يتعلق بتوحيد العباده فإنه كان رحمه الله تعالى ينكر على الصوفيه وأمثالهم من المخرفين ومن غلا بالانبياء والأولياء وبالصالحين فكان ينكر ما يتعلق بهذه الأشياء التي تخالف ما جاء في كتاب الله عز وجل وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه رحمه الله عنده لين في هذا الجانب وذلك فيما يتعلق ببعض قضايا التبرك بالأولياء والصالحين وفيما يتعلق بشد الرحال إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما يتعلق أيضاً بالتغليظ على من وقع في الشرك والكفر فكان عنده لين في ذلك كان يجوّز التمسح بالقبر ولا شك أن هذا باطل ولا يجوز بل هذا من الشرك عافانا الله وإياكم من ذلك .
وقد أورد أثراً في معجمه الذي يتعلق بشيوخه أثراً إلى عبد الله ابن عمر انه فعل ذلك ولاشك أن هذا باطل ولم يصح عن عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
ولاشك أن التبرك لا يكون إلا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة وأما من أتى من بعده من صحابته رضي الله تعالى عنهم ومن أتى من بعدهم فلا يجوز أبداً التبرك بهم وذلك أن الأصل في التبرك أنه عباده والأصل في العبادات المنع فلا يجوز لأحد أن يجيز ذلك إلا بدليل
وقد ثبت في جامع الترمذي وغيره من حديث الزهري عن أبي سنان عن أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه قال : كنا ونحن حدثاء عهد بإسلام مررنا بسدرة كان المشركون يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم فقلنا يارسول الله اجعل لنا ذات نواط كما لهم ذات نواط فقال عليه الصلاة والسلام عندما سمع مقالتهم قال الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فشدد في الإنكار عليهم وغلظ الأمر في حقهم وجعل هذا مثل ما حصل من أصحاب موسى عندما طلبوا منه أن يجعل لهم الهاً عندما مروا بقوم كانوا عاكفين على صنم لهم على صنم لهم

فأقول : أن الأصل في هذا المنع الأمر الثاني أنه دلّ الاجماع على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا يفعلون ذلك بأبي بكر الصديق ومن دونه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ،وأن التابعين ما فعلوا هذا بالصحابة ،وقد نقل الاجماع على ذلك الشاطبي نقل اجماع الصحابة على أنهم ما كانوا يفعلون هذا بعضهم مع البعض الآخر وهذا الاجماع الذي نقله الشاطبي واضح وبيّن
فهذه كتب السنن والمسانيد والأجزاء والمصنفات والآثار دالّه على ذلك وليس فيها شيئاً فيه التبرك بالصحابة رضي الله تعالى عنهم
وما جاء عن التابعين من ذلك ما رواه الامام أحمد أن أحد التابعين قال لأحد الصحابة أعطني يدك التي صافحت بها أو بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعندما أعطاه يده قام وقبلّها أو مسح بها وجهه
هذا ليس من قبيل التبرك هذا ليس من قبيل التبرك ومن قال أن هذا تبرك فهذا عليه أن يأتي بالدليل وإنما هذا من قبيل المحبة يعني عندما نحن نمسح الحجر الأسود ليس هذا طلباً للبركة من الحجر الأسود وإنما هذا متابعة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وسلم في ذلك وعندما نحن نمسح الحجر الأسود ليس هذا طلباً للبركة من الحجر الأسود وإنما هذا متابعة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك
وعندما كان ا بن عمر رضي الله تعالى عنهما يتتبع الأماكن التي نزل فيها رسول الله صلى الله عليه ليس هو قصده في هذا أن يتبرك بهذه الأماكن وإنما هذا محبة منه على أن كبار الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على عبد الله ابن عمر فعله ذلك ومن ذلك ما ثبت عند أبي شيبه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ثبت بالإسناد الصحيح أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما رأى الناس يقصدون مكاناً معيناً فقال : ما بال الناس يقصدون هذا المكان قالوا : أن هذا المكان صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال عندئذ بهذا هلك من كان قبلكم بتتبعهم لآثار أنبيائهم من حضرته الصلاة من حضرته الصلاة فليصلي والاَّ فلينصرف

فأنكر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعلهم وهذا وذلك بتتبعهم لهذا المكان فأقول الأدلة على ذلك كثيرة التي تمنع من هذا الأمر

وأقول الحافظ الذهبي عفا الله عنّا وعنه هنا أخطأ في ذلك وأيضاً سكوته في بعض التراجم عن أو نقله في بعض التراجم أن قبر فلان يزار وما يتعلق بالدعاء عند القبور فلم ينكر ذلك بل في ترجمة الحسن ابن حسن من سير إعلام النبلاء فيما أظن أنه عندما ترجم وذكر إنكاره رحمه الله تعالى على الرجل الذي وجده يدعو عند القبر فحسن ابن حسن أنكر على هذا الرجل فعل ذلك لأنه لا يجوز لا يجوز الدعاء عند القبور ولا يجوز فعل أي عباده من العبادات في المقابر أو عند القبور إلاّ المكتوبة ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً قال أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً
فعندما الإنسان لا يصلي في بيته يصير هذا البيت مثل المقبرة فالمقبرة هي التي لا يصلي فيها فعندما الإنسان لا يصلي في منزله من النوافل فهذا يعتبر هذا البيت كالمقبرة فإنها هل التي لا يصلى فيها
وقد صح في السنن حديث أبي سعيد الخدري في نهي الرسول عليه الصلاة والسلام من الصلاة في المقبرة كما أنه نهى عليه الصلاة والسلام من القراءة في المقبرة فكذلك أيضاً باقي العبادات هي ملحقة بذلك ماعدا صلاة الجنازة هي التي دلّ الدليل على مشروعيتها وجوازها في المقبرة ومن ذلك ما ثبت في البخاري عندما ماتت أو عفواً ما ثبت في البخاري عندما مات الرجل الذي كان يقم المسجد أو المرأة جاء في أنه رجل جاء في أنه امرأة كما في الصحيح فعندما مات الصحابة دفنوه أو دفنوها ولم يخبروا الرسول عليه الصلاة والسلام فعندما افتقده أو افتقدها سأل عنه فأخبر بأنه قد توفى فقال : دلوني على قبره فذهب وصلى عند القبر نعم

فأقول الذهبي رحمه الله ينقل مثل ذلك ولا ينكر هذا وفي ترجمة عبد الله في ترجمة حسن ابن حسن أنكر عليه إنكاره على هذا الرجل الذي جاء ودعا عند قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولاشك أنه أخطأ في إنكاره وان الأدلة دلّت ما ذهب إليه حسن ابن حسن رحمه الله تعالى

كذلك أيضاً فيما يتعلق بشد الرحال إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام ألان العبارة في ذلك ولاشك أن الأدلة صريحة في النهي عن شد الرحال إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ذلك ماثبت في الصحيحين من حديث أبي هريره وحديث أبي سعيد وكذلك من حديث أبي بصرة كلها فيها النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة وجاء النهي عن شد الرحال يعني هذه الأحاديث اما أن تكون جاءت بلفظ لا تشدوا الرحال بصيغة النهي أو لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد وفي قصة أبي بصرة وهي صحيحه رواها ضياء المقدسي في فضائل بيت المقدس وهناك من قبله من رواها لكن ماأذكر الآن الا ضياء المقدسي في فضائل بيت المقدس عندما ذهب أبي هريرة رضي الله عنه إلى الطور ثم أتى والتقى به أبو بصرة فقال من أين أتيت قال ذهبت إلى الطور فقال له لو أدركتك قبل أن تذهب لما ذهبت قال : وسمعته قال : إني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد في الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا ينكرون شد الرحال إلا إلى الثلاثة مساجد
فأقول أن الحافظ الذهبي ألان العبارة في ذلك ولاشك أنه أخطأ في هذا الأمر))انتهى.
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 02-02-06, 08:54 AM
عبدالله المحمد عبدالله المحمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-12-03
المشاركات: 685
افتراضي

جزاكم الله خيرا يا شيخ عبدالرحمن


الطواف حول القبور بقصد التقرب لله تبارك وتعالى للشيخ ابن باز


السائل : أحسن الله إليك من طاف حول القبر ليس بقصد أنها تنفع أو تضر لكن بقصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى

الشيخ رحمه الله : مثل لو صلى لهم

السائل : هل يحكم بكفرهم ولا

الشيخ رحمه الله : إيه كفرهم كفرهم ، كفر أكبر . مثل لو صلى لهم يدعوهم ، صلى لهم ، أو دعاهم أو استغاث

بهم هو يعتقد أنهم شفعاء يدعوهم لا أنهم يخلقون أو يدبرون ، يدعوهم

ليشفعوا ، هذا الشرك الأكبر. أما لو طاف يقول إني أحسب أنه مشروع

وأنا أقصد الله ولا أقصدهم هم ، أقصد الله بطوافي ، يحسب أنه مثل

الكعبة يجوز ، هذا يصير بدعة و وسيلة للشرك وهذا نادر ، الطواف الذي

يحصل منهم في الغالب يقصدون منه التقرب إليهم ، هذا المعروف
عنهم .




http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...E1%D8%E6%C7%DD
__________________
البال منكسف والحال منهكة - والدمع منحدر والنفس تنفطر

إني لفي عجب من حبه ثمل - لو بحت عنه هنا لاستنكر البشر
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 02-02-06, 12:05 PM
عامر بن بهجت عامر بن بهجت غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-05
الدولة: المدينة النبوية
المشاركات: 756
افتراضي

جزيتم خيرا
__________________
محاضر الفقه بالمعهد العالي للأئمة والخطباء - جامعة طيبة/ تويتر: @amerbahjat
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 05-02-06, 06:29 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

شيخنا الفاضل الفقيه ... بارك الله فيكم و جعل ما تقومون به خدمة لهذا الدين في ميزان حسناتكم.

قلتم شيخنا: وما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله من السجود لقبر النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد لايكون شركا فهو صحيح نظرياً

و لي عدة اسفسارات حول هذا الأمر:
1. هل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه و سلم دون قبور غيره بل دون غيره من المخلوقات، فإن كان الجواب نعم فبأي شيء فرقنا؟
2. فإذا لم يكن خاصاً بقبر النبي عليه السلام فقد قال الإيجي في المواقف 3/540:
"الثاني [ أي من لوازم قول المرجئة ] من صدق بما جاء به النبي [ و مع ] ذلك سجد للشمس ينبغي أن يكون مؤمنا،والإجماع على خلافه
قلنا هو دليل عدم التصديق: أي سجوده لها يدل بظاهره على أنه ليس بمصدق
ونحن نحكم بالظاهرفلذلك حكمنا بعدم إيمانه لا لأن عدم السجود لغير الله داخل في حقيقة الإيمان، حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الإلهية بل سجد لها وقلبه مطمئن بالتصديق لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله وإن أجري عليه حكم الكفر في الظاهر" فهل الإجماع المذكور صحيح؟ وهل هو ينطبق فقط على ما ذكره الأخ أبو صديق " أما إن كان السجود لمن لا يُتصوّر مطلقًا أن يُحيّى كصنم ونحوه فهو شرك ظاهر." و ما الدليل؟

قلتم شيخنا ويشبه هذا من يطوف على القبر تبركا ! ففعله محرم ولكن قد لايكون شركا

ثم ذكرتم فتوى للشيخ ابن باز رحمه الله في حكم من يطوف بالقبور جاء فيها " وهو الكفر الأكبر إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله، كما يطوف بالكعبة يظن أنه يجوز الطواف بالقبور ولم يقصد التقرب بذلك لأصحابها وإنما قصد التقرب إلى الله وحده،"

و لي أيضاً أكثر من سؤال:

1. لا يوجد بين المسلمين من يعتقد أنه بطوافه بالكعبة يعبد الكعبة فالطائف بالقبر كذلك، و لكن في المقابل لا يوجد بين عوام المسلمين من يفرق بين سجود العبادة و سجود التحية، فقل أن يكون بين المسلمين من يعرف أن هناك سجوداً ليس بعبادة، فما وجه الشبه بين الطواف و السجود؟
2. ما الفرق بين قول الشيخ رحمه الله " إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله " و بين ادعاء الساجدين للقبور أو المستغيثين بأهلها أنهم يفعلون ذلك بقصد عبادة الله و التقرب إليه.
3. قال الشيخ رحمه الله " ولكن الغالب على عباد القبور هو التقرب إلى أهلها بالطواف بها " أو ليس الذي يسجد لقبر النبي صلى الله عليه و سلم على سبيل التبجيل و التعظيم كما قال الذهبي رحمه الله يتقرب بذلك إلى النبي عليه السلام ؟ فما الفرق بين التقربين حتى يكفر الأول و لا يكفر الثاني؟ لا سيما و أنهم يعتقدون أن التقرب للنبي صلى الله عليه و سلم بعد مماته كما التقرب إليه في حياته و أنهم بتقربهم إليه عليه السلام أو إلى الأولياء يتقربون إلى الله.

و جزاكم الله خيراً
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 05-02-06, 11:01 AM
أبو عبدالله الأثري أبو عبدالله الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-06-05
الدولة: الكويت
المشاركات: 1,625
افتراضي

للفائدة

قد سألت أحد المشايخ عن حكم السجود للبشر وغيرهم, فقال: أما السجود للبشر فيفصل فيه, فإن كان للتكريم كان إثما ومعصية, وإن كان للعبادة كان كفرا وشركا؛ وذلك أنه أبيح في الشرائع قبلنا والشرك محرم في كل الشرائع, فلو كان شركا مطلقا لما أبيح لهم, وأما السجود لغير البشر من قبر وشجر وشمس وقمر فهو شرك مطلقاً لأنه لم يُبَح في أي شريعة من الشرائع السابقة, وعزا هذا التفريق للقرافي.
__________________
قال ابنُ أمِّ عبدٍ رضي الله عنه وأرضاه: " من أراد الآخرة أضرَّ بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضرَّ بالآخرة، يا قوم فأضروا بالفاني للباقي " السير 1/496
قال الإمام الذهبي - رحمه الله - : " ولو أنَّا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له, قمنا عليه وبدَّعناه, وهجرناه, لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما, والله الهادي إلى الحق, وهو أرحم الراحمين, فنعوذ بالله مِن الهوى والفظاظة " السير 14/40

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا *** و يأتيك بالأخبار من لم تــــزود
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 05-02-06, 11:57 AM
عامر بن بهجت عامر بن بهجت غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-05
الدولة: المدينة النبوية
المشاركات: 756
افتراضي

اقتباس:
قد سألت أحد المشايخ عن حكم السجود للبشر وغيرهم
من هو؟

أما كلام القرافي فلعله قوله في الفروق:
(( المسألة الأولى ) اتفق الناس على أن السجود للصنم على وجه التذلل والتعظيم له كفر ولو وقع مثل ذلك في حق الولد مع والده تعظيما له وتذللا أو في حق الأولياء والعلماء لم يكن كفرا والفرق عسير فإن قلت السجود للوالد والعالم يقصد به التقرب إلى الله تعالى فلذلك لم يكن كفرا قلت : وكذلك السجود للصنم فقد كانوا يقولون { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } فقد صرحوا بقصد التقرب إلى الله تعالى بذلك السجود فإن قلت الله تعالى أمر بتعظيم الآباء والعلماء ولم يأمر بتعظيم الأصنام بل نهى عنه فلذلك كان كفرا قلت إن كان السجودان في المسألتين متساويين في المفسدة استحال في عادة الله أن يأمر بما هو كفر في بعض المواطن لقوله تعالى { ولا يرضى لعباده الكفر } أي لا يشرعه دينا ومعناه أن الفعل المشتمل على فساد الكفر لا يؤذن فيه ولا يشرع فلا يقال : إن الله تعالى شرع ذلك في حق الآباء والعلماء دون الأصنام . وحقيقة الكفر في نفسه معلومة قبل الشريعة وليست مستفادة من الشرع ولا تبطل حقيقتها بالشريعة ولا تصير غير كفر فحينئذ الفرق مشكل وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يستشكل هذا المقام ويعظم الإشكال فيه .)
وقال ابن الشاط:
(قال : ( وأكمل البحث في هذا الموطن بذكر مسألتين : الأولى اتفق الناس على أن السجود للصنم على وجه التذلل له والتعظيم كفر ولو وقع ذلك في حق الولد مع والده تعظيما له وتذللا أو في حق الأولياء والعلماء لم يكن كفرا والفرق عسير ) قلت : أغفل الوصف المفرق فعسر عليه الفرق والوصف المفرق أن سجود من سجد للأصنام لم يسجد لها لمجرد التذلل والتعظيم بل لذلك مع اعتقاد أنها آلهة وأنها شركاء لله تعالى ولو وقع مثل ذلك مع الوالد أو العالم أو الولي لكان ذلك كفرا لا شك فيه وأما إذا وقع ذلك أو ما في معناه مع الوالد لمجرد التذلل والتعظيم لا لاعتقاد أنه إله وشريك لله عز وجل فلا يكون كفرا وإن كان ممنوعا سدا للذريعة . قال : ( فإن قلت : السجود للوالد والعالم إلى قوله . فحينئذ الفرق مشكل وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى يستشكل هذا المقام ويعظم الإشكال فيه ) قلت : إغفاله ما نبهت عليه أوقعه في هذا الخبال وعظم عنده وعند شيخه أمر الإشكال وقد تبين الحق في ذلك على الكمال والحمد لله الواقي من الضلال . )
__________________
محاضر الفقه بالمعهد العالي للأئمة والخطباء - جامعة طيبة/ تويتر: @amerbahjat
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 05-02-06, 01:59 PM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

بارك الله فيكم
أما سجود التحية فيختلف عن غيره ، فليس بكفر كما في سجود والدي يوسف واخوته له، ولكنه منهي عنه في شرعنا، فالكلام هنا هو على سجود التحية فقط، وأما سجود العبادة فهذا شرك لانزاع فيه.
والقصد أن الإمام الذهبي رحمه الله كان كلامه على السجود لقبر النبي صلى الله عليه وسلم والكلام السابق توضيح لكلامه وليس في هذا تخصيص لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على غيره.

وأما الإيجي فهو من المتكلمين المبتدعة فلا يعتد بقوله ومذهبه، فالعبرة بأقوال أهل السنة والجماعة الموافقة للكتاب والسنة، وكلامنا هنا عن سجود التحية وليس عن سجود العبادة ، وكلامه هو عن سجود العبادة .

وأما كلام الشيخ ابن باز رحمه الله فهو واضح في أن من فعله على وجه العبادة لصاحب القبر فهو مشرك وذكر أن هذا هو الغالب .

ويوضح ذلك أن دعاء الله عند القبر ليس بشرك
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط ج: 1 ص: 336
... فمما يدخل في هذا قصد القبور للدعاء عندها أو لها فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين :
أحدهما أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة فهذا ونحوه لا بأس به .
الثاني أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره فهذا النوع منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه وهو إلى التحريم أقرب
والفرق بين البابين ظاهر فإن الرجل لو كان يدعو الله واجتاز في ممره بصنم أو صليب أو كنيسة أو كان يدعو في بقعة وكان هناك بقعة فيها صليب وهو عنه ذاهل أو دخل إلى كنيسة ليبيت فيها مبيتا جائزا ودعا الله في الليل أو بات في بيت بعض أصدقائه ودعا الله لم يكن بهذا بأس
ولو تحرى الدعاء عند صنم أو صليب أو كنيسة يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة لكان هذا من العظائم بل لو قصد بيتا أو حانوتا في السوق أو بعض عواميد الطرقات يدعو عندها يرجو الإجابة بالدعاء عندها لكان هذا من المنكرات المحرمة إذ ليس للدعاء عندها فضل فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب بل هو أشد من بعضه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها مساجد وعن اتخاذها عيدا وعن الصلاة عندها بخلاف كثير من هذه المواضع وما يرويه بعض الناس من أنه قال إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور أو نحو هذا فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء
والذي يبين ذلك أمور أحدها أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع الشرك بقصدها وبالعكوف عليها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة ....)انتهى.


فالدعاء عند القبر وسجود التحية له وغيرها من العظائم المحرمة وهي من وسائل الشرك ، ولكنها تختلف عن دعاء صاحب القبر أو سجود العبادة له.
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 05-02-06, 06:01 PM
حارث همام حارث همام غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-02
المشاركات: 1,496
افتراضي مشاركة عابرة استجابة لدعوة كريمة..

كما قال الشيخ عبدالرحمن في رده قبل السابق قد نسلم من الناحية النظرية أن يسجد أحد لأحد بغرض التحية لا لتعظيمه بالسجود الذي هو حق الرب، ولا لصرف تلك العبادة له.
وهنا ثلاثة أمور:
- سجود تحية وهو بحق مشكل كما قال العز والقرافي أما ابن الشاط فعلى أصله في الإيمان بنى باطلاً. والأقرب إن تصور وجوده فليس بكفر، بيد أنه علم شرعاً وعرفاً وعقلاً أن تحية الناس بعضهم بعضاً لا تكون بذلك، ولاسيما لمجرد التحية.

- وأما السجود تعظيماً وإجلالاً للمقبور ظناً منه أن ذلك من جملة تعظيمه المشروع، فمسألة مشكلة كذلك وكثير من المعاصرين يرى أنها لا ترقى للشرك الأكبر وهو خطأ لعل تبينه يأتي، بل هو من جملة الشرك الأكبر، والله أعلم.

- وأما السجود عبادة للقبر أو المقبور فكفر بغير مرية.


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء الكناني
قلتم شيخنا: وما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله من السجود لقبر النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد لايكون شركا فهو صحيح نظرياً

و لي عدة اسفسارات حول هذا الأمر:
1. هل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه و سلم دون قبور غيره بل دون غيره من المخلوقات، فإن كان الجواب نعم فبأي شيء فرقنا؟
2. فإذا لم يكن خاصاً بقبر النبي عليه السلام فقد قال الإيجي في المواقف 3/540:
"الثاني [ أي من لوازم قول المرجئة ] من صدق بما جاء به النبي [ و مع ] ذلك سجد للشمس ينبغي أن يكون مؤمنا،والإجماع على خلافه...
كأن الذهبي رحمه الله يرى أن السجود قد يكون تحية، وقد يقع عبادة.
فإذا وقع تحية فإنه فيه تعظيم نهى عنه الشرع ولكنه لايصل إلى حد الشرك إذا لم يكن قصده إلا التعبد لله بتعظيم وليه بضرب من أضرب التعظيم التي ظنها مشروعة.
بخلاف ما إذا أراد أن يتقرب بذلك السجود للمسجود له.
فهنا صورتان:
الأولى: رجل يريد التقرب إلى الله تعالى بتعظيم أوليائه بشيء ظنه مشروعاً وهو السجود تحية لهم.
والثاني: رجل أراد أن يتقرب لصاحب القبر بالسجود له.
أما الصورة الثانية فهي شرك ظاهر.
وأما الصورة الأولى فالأظهر أنها شرك أكبر كذلك لأن تعظيم الرجل بالسجود له صرف لضرب من أضرب التعظيم المختصة بالله لذلك الرجل. ولايؤثر ظنه أن ذلك مشروعا وأنه ما أراد به إلاّ التقرب إلى الله زلفى، فتلك حجة المشركين الأوائل: (إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى)، فهم كانوا يصرفون الدعاء لهم لاعتقادهم أن الله يحبه ويرضاه، فكانت تلك عبادتهم لهم التي استحقوا بها العذاب.
ويعكر على هذا قوله تعالى: (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا).
والذي يظهر –وقد قيل فيها الكثير- أن هذا السجود ضرب من التحية للكبراء وقد كان معهوداً عندهم كما نقل غير واحد من المفسرين.
ومعلوم أن تحية الكبير والمقدم، يقدمها له المحب، والمبغض الشانئ، طالما كان في سلطانه، فهي لاتستلزم التعظيم المنهي عنه، وغايتها إظهار نوع من الإكرام، أما إثبات هذا القدر من التعظيم قدر زائد عن مدلول الآية في سجود إخوة يوسف. والكلام هنا إنما هو عن السجود للقبر حال كونه تعظيماً بعبادة ما شرعت إلاّ لله، ولا يعني هذا منع مطلق تعظيم ما سوى الله، ولكن المراد المنع من تعظيم ما سوى الله بما يعظم به الله.

هذا ويمكن أن يقال إن المراد بالسجود في آية يوسف السجود اللغوي من نحو قوله في الآية الأخرى: (وادخلوا الباب سجداً)، فقد علم أنهم لن يدخلوه على جباههم ولكن المراد أصل السجود في اللغة وهو التطامن أو الانحناء والذل، وليس بشرط أن يكون هو السجود الشرعي المعروف.
وفرق بين أن تقول خر ساجداً، وبين أن تقول خر لوجهه ساجداً، أو يخرون للأذقان سجداً.
فتقييد الانحطاط بالوجوه والأذقان يفهم منه معنى السجود المعروف، بخلاف اللفظ إذا لم يقيد فقد يفهم منه الانحطاط جالساً على سبيل الإكرام.
ويشير إلى هذا المعنى قوله في أول السورة: (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين)، ولا يتصور ذلك في الكواكب إلاّ بانحطاطها له، فجاء تأويل الرؤيا مثلها، ومن تأمل الآثار الفرعونية والرسوم الرومانية ونحوها لحظ أن سجودهم هو انحطاط في جلسة أشبه بالجلوس على أطراف القدمين مع خفض إحدى الركبتين.

وكذلك أطلقه من قبلهم شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم فيما يظهر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري: "وهذه الأمور المبتدعة من الأقوال هي مراتب، أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجة، أو يستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس بكثير من الأموات، وهو من جنس عبادة الأصنام، ولهذا تتمثل لهم الشياطين على صورة الميت أو الغائب كما كانت تتمثل لعبادة الأصنام، بل أصل عبادة الأصنام إنما كانت من القبور كما قال ابن عباس و غيره، وقد يرى أحدهم القبر قد انشق و خرج منه الميت فعانقه أو صافحه أو كلمه، ويكون ذلك شيطاناً تمثل على صورتة ليضله، وهذا يوجد كثيراً عند قبور الصالحين، و أما السجود للميت أو للقبر فهو أعظم".

وقال ابن القيم في المدارج: "ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ فإنه شرك من الساجد والمسجود له والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه فحقيقة السجود وضع الرأس لمن يسجد له وكذلك السجود للصنم وللشمس وللنجم وللحجر كله وضع الرأس قدامه ومن أنواعه".
ومن قال بعدم الحكم بالكفر على فعل من صرف هذا النوع من التعظيم للمخلوق بحجة ظنه مشروعيته لزمه أن لايقول بكفر من ذبح لصاحب القبر لظنه أنه مشروع وأنه يتقرب به إلى الله، وللزمه ذلك في سائر العبادات التي تصرف عند القبور لأصحابها.
على أن التفصيل في مسألة السجود للقبر خاصة تظل من المسائل التي خالف فيها مثل الإمام الذهبي رحمه الله تعلقاً بأن سجود إخوة يوسف تحية وتعظيم شرع لهم وهو متعلق بالتوحيد فلا يجوز عليه النسخ وقد أشير إلى مافي هذا.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء الكناني
فهل الإجماع المذكور صحيح؟ وهل هو ينطبق فقط على ما ذكره الأخ أبو صديق " أما إن كان السجود لمن لا يُتصوّر مطلقًا أن يُحيّى كصنم ونحوه فهو شرك ظاهر." و ما الدليل؟
الذي يظهر أنه إجماع صحيح لا مخصص له، طالما كان السجود تعظيماً للقبر أو المقبور أو غيرهما من المخلوقات.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء الكناني
قلتم شيخنا ويشبه هذا من يطوف على القبر تبركا ! ففعله محرم ولكن قد لايكون شركا

ثم ذكرتم فتوى للشيخ ابن باز رحمه الله في حكم من يطوف بالقبور جاء فيها " وهو الكفر الأكبر إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله، كما يطوف بالكعبة يظن أنه يجوز الطواف بالقبور ولم يقصد التقرب بذلك لأصحابها وإنما قصد التقرب إلى الله وحده،"

و لي أيضاً أكثر من سؤال:

1. لا يوجد بين المسلمين من يعتقد أنه بطوافه بالكعبة يعبد الكعبة فالطائف بالقبر كذلك، و لكن في المقابل لا يوجد بين عوام المسلمين من يفرق بين سجود العبادة و سجود التحية، فقل أن يكون بين المسلمين من يعرف أن هناك سجوداً ليس بعبادة، فما وجه الشبه بين الطواف و السجود؟
نعم ولكن يوجد من المسلمين من يطوف بالكعب ويعتقد أنه يعبد بذلك ربها، فكذلك القبر يوجد من المسلمين من يطوف به ويتقرب بذلك لرب القبر بغية أن يشفع له أو يقضي حاجته، بينما يطوف أناس منهم لله ظناً أن الطواف بذلك الموطن مشروع وأنه سبب لقضاء الحاجات.
وأما التفريق بين سجود التحية والعبادة فليس في عرف الناس حقاً ولهذا حسن التفريق، بل من يسجد للقبر إماً لصاحبه متقرباً له طلباً لشفاعته، وإما تعظيماً له بعبادة لا تليق بغير الله وكلا هذين شرك أكبر.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء الكناني
2. ما الفرق بين قول الشيخ رحمه الله " إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله " و بين ادعاء الساجدين للقبور أو المستغيثين بأهلها أنهم يفعلون ذلك بقصد عبادة الله و التقرب إليه.
الفرق –أحسن الله إليكم- هو أن من طاف بالقبر ظناً منه أن الطواف بكل مشهد معظم مشروع ظن أنه أتى عبادة لله، ولم يصرفها لغيره، كمن تعبد الله بالوقوف تحت الشمس ضحى ظناً منه أن هذا مشروع فقد أتى بدعة منكرة.
إلاّ أن الأول زاد عليه إنشاء ذريعة للكفر.
أما الساجد للقبر والمستغيث به أو بصاحبه فقد صدرت منه عبادة لغير الله ولكنه يظن مشروعيتها فهو كالمشركين الأوائل الذين كانوا يصدرون العبادة للمعبوداتهم ظناً منهم أن الله شرع ذلك (إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى)، فالأول لم يعبد غير الله، بل عبد الله بغير ما شرع، والثاني عبد غير الله وظن أن ذلك مما شرع.


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء الكناني

3. قال الشيخ رحمه الله " ولكن الغالب على عباد القبور هو التقرب إلى أهلها بالطواف بها " أو ليس الذي يسجد لقبر النبي صلى الله عليه و سلم على سبيل التبجيل و التعظيم كما قال الذهبي رحمه الله يتقرب بذلك إلى النبي عليه السلام ؟ فما الفرق بين التقربين حتى يكفر الأول و لا يكفر الثاني؟ لا سيما و أنهم يعتقدون أن التقرب للنبي صلى الله عليه و سلم بعد مماته كما التقرب إليه في حياته و أنهم بتقربهم إليه عليه السلام أو إلى الأولياء يتقربون إلى الله.
و جزاكم الله خيراً
أحسن الله إليكم لا فرق حقاً إلاّ إن يقال تلك محض تحية وهذه مكابرة للعرف فهل يسجد هؤلاء لكل من يلقون بقصد التحية، إنها مغالطة للواقع.
أو يقال التحية والتعظيم بالسجود ليس عبادة، وهذا مخالف لما دل عليه النص، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وغيره أن هذا الضرب من التعظيم لاينبغي إلاّ لله، وأما حمل قصة يوسف عليه فأحسن أحوالها كما أشير سابقاً وجود احتمال لاينهض به استدلال، والله أعلم.
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 05-02-06, 06:35 PM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

جزاكم الله خيرا شيخنا الكريم على تفصيلكم وإجابتكم الشافية، ونسأل الله أن يبارك فيكم وينفعنا بعلمكم.

وحول ما يتعلق بسجود أبوي يوسف وكذا إخوته فهي على ظاهرها كما فسرها السلف


قال الإمام ابن جرير رحمه الله جامع البيان

* * *
وقوله:( وخرّوا له سجدًا ) ، يقول: وخرّ يعقوب وولده وأمّه ليوسف سجّدًا.
* * *
19899 - حدثني محمد بن سعد ، قال: حدثني أبي ، قال: حدثني عمي ، قال: حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس:( وخرُّوا له سجدًا ) ، يقول: رفع أبويه على السرير ، وسجدا له ، وسجد له إخوته.
19900 - حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال: تحمّل بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان .
19901 - حدثنا بشر ، قال: حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة:( وخروا له سجّدًا ) وكانت تحية من قبلكم ، كان بها يحيِّي بعضهم بعضًا ، فأعطى الله هذه الأمة السلام، تحية أهل الجنة، كرامةً من الله تبارك وتعالى عجّلها لهم، ونعمة منه.
19902 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة:( وخروا له سجدًا ) ، قال: وكانت تحية الناس يومئذ أن يسجد بعضهم لبعض.
3 - حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال: حدثنا أبو إسحاق ، قال: قال سفيان:( وخرّوا له سجدًا ) ، قال: كانت تحيةً فيهم.
19904 - حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج:( وخروا له سجدًا ) ، أبواه وإخوته، كانت تلك تحيّتهم، كما تصنع ناسٌ اليومَ.
19905 - حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك:( وخروا له سجدًا ) قال: تحيةٌ بينهم.
19906 - حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد في قوله:( وخرُّوا له سجدًا ) ، قال: قال: ذلك السجود لشرَفه ، كما سجدت الملائكة لآدم لشرفه، ليس بسجود عبادةٍ.
* * *
وإنما عنى من ذكر بقوله:"إن السجود كان تحية بينهم"، أن ذلك كان منهم على الخُلُق، لا على وجه العبادة من بعضهم لبعض. ومما يدل على أن ذلك لم يزل من أخلاق الناس قديمًا قبل الإسلام على غير وجه العبادة من بعضهم لبعض، قول أعشى بني ثعلبة:
فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْدَ الكَرَى... سَجَدْنَا لَهُ وَرَفَعْنَا عَمَارَا
)انتهى.

وكلام الذهبي رحمه الله تعالى حول هذه المسألة كلام صحيح (نظريا) ، وذلك أنه ذكر أن السجود للتحية معصية وليس شركا، وأما سجود العبادة وهوكمال الذل مع الخضوع فهذا شرك أكبر، وهذا الغالب على من يفعل ذلك والعياذ بالله.
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 06-02-06, 09:55 AM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

وحتى تتضح المسألة أكثر فلو أن رجلا سجد سجود تحية لأحد الأحياء فإنه قد ارتكتب محرما ولكنه لايكفر بذلك إذا قصد به التحية فقط لأن هذا الفعل منسوخ في شريعتنا، وكذلك إذا سجد لقبر الميت سجود تحية فإنه قد فعل أمرا محرما ، ولكنه لايكفر بذلك.

وقد يحصل للمرء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم من فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم بعض الأمور التي تخرجه عن الأمر المشروع والمحدود ، فللنبي صلى الله عليه وسلم محبة عظيمة في قلوب المؤمنين والأنفس مشتاقة إليه ، وقد يذكر بعض العلماء في ذلك بعض الأمور التي لايوافقون عليها
فمثال ذلك ما ذكره ابن القيم رحمه الله في النونية من قوله

ثم أنثنينا للزيارة نقصد ال**قبر الشريف ولو على الأجفان

فنقوم دون القبر وقفة خاضع **متذلل في السر والاعلان


فكأنه في القبر حي ناطق ***فالواقفون نواكس الاذقان

ملكتهم تلك المهابة فاعترت **تلك القوائم كثرة الرجفان

وتفجرت تلك العيون بمائها** ولطالما غاضت على الأزمان

وأتى المسلم بالسلام بهيبة **ووقار ذي علم وذي إيمان

لم يرفع الأصوات حول ضريحه **كلا ولم يسجد على الأذقان

كلا ولم ير طائفا بالقبر اسب**وعا كأن القبر بيت ثان


وهكذا يحمل كلامه الإمام الذهبي رحمه الله على أنه ذكره في سياق شوقه للنبي صلى الله عليه وسلم كما في سابق كلامه ، فنسأل الله أن يغفر لنا ولهم ولجميع المسلمين ويرزقنا المحبة العظيمة لسيدنا وقرة عيوننا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم .
فالعذر للعلماء أن أحدهم قد يقول هذا الكلام في حال طغت عليه محبة النبي صلى الله عليه وسلم وامتلأ قلبه بها فتكلم ببعض العبارات من فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد يقول الرجلُ الكفرَ لشدة فرحه على وجه الخطأ، فهذا عذر لهؤلاء العلماء الأجلاء فيما ذكروه، مع عدم الموافقة على أقوالهم المخالفة للكتابة والسنة .
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 06-02-06, 12:12 PM
أبو عبدالرحمن بن أحمد أبو عبدالرحمن بن أحمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-04
المشاركات: 853
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرحمن الفقيه
وحتى تتضح المسألة أكثر فلو أن رجلا سجد سجود تحية لأحد الأحياء فإنه قد ارتكتب محرما ولكنه لايكفر بذلك إذا قصد به التحية فقط لأن هذا الفعل منسوخ في شريعتنا، وكذلك إذا سجد لقبر الميت سجود تحية فإنه قد فعل أمرا محرما ، ولكنه لايكفر بذلك.

.
شيخنا الفاضل نفع بك ، لكن رأيتُ مبحثا لبعض طلاب العلم قرر فيه كلامكم ، فوجدتُ من رد عليه أن هذا إرجاء ، وأن هذا مذهب المرجئة ، والسجود منسوخ في شرعنا ، فاصبح بذاته كفرا ، فمجرد فعل السجود و لو كان على سبيل التحية كفر أكبر مخرج من الملة ، كرمي المصحف وإهانته
__________________
أسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 06-02-06, 03:45 PM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبدالرحمن بن أحمد
شيخنا الفاضل نفع بك ، لكن رأيتُ مبحثا لبعض طلاب العلم قرر فيه كلامكم ، فوجدتُ من رد عليه أن هذا إرجاء ، وأن هذا مذهب المرجئة ، والسجود منسوخ في شرعنا ، فاصبح بذاته كفرا ، فمجرد فعل السجود و لو كان على سبيل التحية كفر أكبر مخرج من الملة ، كرمي المصحف وإهانته
بارك الله فيكم ونفع بكم، والشرك شرك سواء كان في الشرائع السابقة أم في شريعتنا

وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد ).

فدين الأنبياء واحد وإنما الخلاف في الفروع ، فلو كانت مسألة سجود التحية شركا لكانت كذلك في الأمم السابقة.
وأما من يقول إنها منسوخة وأصبحت كفرا فقوله بالنسخ صحيح وأما قوله بأنها كفر فغير صحيح، وعليه بالدليل الشرعي على هذه الدعوى.

قال ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد

فائدة الأنبياء أولاد علات
قول النبي الأنبياء أولاد علات وفي لفظ اخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد
قال الجوهري بنو العلات هم أولاد الرجل من نسوة شتى سميت بذلك لأن الذي تزوجها على أولى كانت قبلها ثم عل من الثانية العلل الشرب الثاني يقال له علل بعد نهل وعله يعله إذا سقاه السقية الثانية وقال غيره سموا بذلك لأنهم أولاد ضرائر والعلات الضرائر وهذا الثاني أظهر
وأما وجه التسمية فقال جماعة منهم القاضي عياض وغيره معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم وبعضهم بعيد الوقت من بعض فهم أولاد علات إذ لم بجمعهم زمان واحد كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد وعيسى لما كان قريب الزمان من النبي ولم يكن بينهما نبي كانا كأنهما في زمان واحد فقال أنا أولى الناس بعيسى بن مريم عليه السلام قالوا كيف يا رسول الله فقال الأنبياء إخوة من علات الحديث
وفيه وجه آخر أحسن من هذا وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه دين الأنبياء الذين اتفقوا عليه من التوحيد وهو عبادة الله وحده لا شريك له والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله ولقائه بالأب الواحد لاشتراك جميعهم فيه وهو الدين الذي شرعه الله لأنبيائه كلهم فقال تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ).
وقال البخاري في صحيحه باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد وذكر هذا الحديث
وهذا هو دين الإسلام الذي أخبر الله أنه دين أنبيائه ورسله من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد فهو بمنزلة الأب الواحد
وأما شرائع الأعمال والمأمورات فقد تختلف فهي بمنزلة الأمهات الشتى التي كان لقاح تلك الأمهات من أب واحد كما أن مادة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد متفق عليه
فهذا أولى المعنيين بالحديث وليس في تباعد أزمنتهم ما يوجب أن يشبه زمانهم بأمهاتهم ويجعلون مختلفي الأمهات لذلك وكون الأم بمنزلة الشريعة والأب بمنزله الدين وأصالة هذا وتذكيره وفرعية الأم وتأنيثها واتحاد الأب وتعدد الأم ما يدل على أنه معنى الحديث والله أعلم)انتهى.

فالتوحيد والكفر متفق عليه بين الأنبياء ، وإنما الخلاف في الفروع كسجود التحية وغيرها.
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 06-02-06, 08:44 PM
حارث همام حارث همام غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-02
المشاركات: 1,496
افتراضي

أحسن الله إليكم..

من قال إن من سجد للقبر تحية وإكراماً من جنس سجود الملائكة أو من جنس سجود إخوة يوسف لا تعظيماً أو عبادة. فقد أتى بدعة لا ترقى إلى وصف الشرك الأكبر فقد أصاب وإن حمل كلام الإمام الذهبي عليه فلا إشكال فيه.
فالسجود كما أشار شيخنا عبدالرحمن أنواع:
- فمنه سجود عبادة.
-ومنه سجود تحية وإكرام.
أما كيفية كل منهما في الأمم الماضية فالله أعلم بها.
والذي يظهر أن سجود التعظيم والإجلال من قبيل سجود العبادة، وهذا لم يكن مشروعاً في الأمم الماضية صرفه لغير الله، والأدلة إنما هي في سجود الإكرام والتحية، ولم تثبت في صفته آثار يعول عليها يصح الاحتجاج بها فيما بحث، وهذا السجود أعني سجود الإجلال والتعظيم كان مشروعاً لله على صفة شبيهة بصفة سجودنا الشرعي كما قال الله تعالى: (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً) وهذا تعظيم لله ظاهر أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهله، وهذا يشعرك بأنه كان عبادة في لدى الأمم المتقدمة، وهذا المعنى تشهد له أدلة أخرى ظاهرة لمن تفكر فيه.

ولعل الذي يظهر بعد التأمل أن تعبير الإمام الذهبي مجمل قد يحمل على صرف عبادة السجود تعظيماً إلى القبر، فالعبادة مصروفة للقبر، لظنه أن ذلك تعظيم مشروع فهذا شرك، وقد يحمل على صرف عبادة السجود لا للقبر بل لله تعظيماً وتبجيلاً للقبر ظناً منه أن ذلك مشروعا له، فهذه البدعة المنكرة التي لا ترقى للشرك. وهي كمن ذبح لله عند القبر إجلالاً لصحاب القبر وتعظيماً له ظناً أنه مشروع.
فيكون مراد الذهبي: ... وكذلك القول في سجود المسلم لله تعظيماً وتبجيلاً لقبر النبي صلى الله عليه وسلم عنده فلا يكفر به أصلا بل يكون عاصيا فليعرف أن هذا منهي عنه وكذلك الصلاة إلى القبر.

وعبارته: "وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا بل يكون عاصيا فليعرف أن هذا منهي عنه وكذلك الصلاة إلى القبر".
فقوله (سجود المسلم لقبر) مجمل قد يريد به صرف العبادة للقبر، وقد يريد به سجود المسلم لله لتعظيم القبر، ويفهم هذا من قوله على سبيل التعظيم والتبجيل أنه لا على سبيل آخر، ومن وصفه الساجد بالإسلام.

وأما الذي اتهم من أجاب بنحو جواب الشيخ قبل الأخير بالإرجاء فما أصاب، وهنا ثالثة مسائل ينبغي التنبه إليها:
1- المسألة الأولى: ليس كل سجود عبادة، وإن كان منهياً عنه في شريعتنا لغير الله، ولم يكن كذلك في شرائع الأمم الماضية، ومنه الانحناء أو الانحطاط تحية وهذا يخلطه البعض بالسجود تعظيماً وإجلالا للمسجود له وليس منه في شيء ففرق بين التحية وبين التعظيم ولا تلازم بينهما وقد أشير إلى ذلك في رد سابق ويأتي مزيد تفصيل له.
2- المسألة الثاني: مطلق التعظيم بالأفعال قد يكون محض عبادة لله وقد يكون أمراً مشروعاً يتعبد الله بإبدائه لغيره، فإن كان عبادة فصرفه لغير الله قد يكون شركاً أكبراً وقد يكون شركاً أصغراً، ومن قبيل هذا الأخير الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام مثلاً فهو من قبيل التعظيم المنهي عنه، وأما التعظيم المختص بالله والذي صرفه لغير الله من قبيل الشرك الأكبر فالكذبح له سبحانه (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله)، ولهذا روي في الأثر –وفيه مقال- خبر الذي قرب ذبابة فكان مآله النار، ومن التعظيم المختص بالله أيضاً الركوع والسجود إلاّ أنه لايلزم أن يكون كل ركوع وسجود تعظيماً، كما لايلزم أن يكون كل ذبح كذلك، أما الركوع والسجود والذبح بغرض التعظيم فهو محض حق الله تعالى، فمن صرفه لغيره ظناً منه أنه مشروع فقد صرف عبادة لغير الله ظن أنها مشروعة وهذا الفعل كفر بغض النظر عن تحرير حكم فاعله.
أما التعظيم المشروع الذي أمر الله بإبدائه لبعض الخلق كالوالد والنبي صلى الله عليه وسلم فإبداؤه لمن أمر الله عبادة لله يثيب الله فاعلها، طالما كانت مشروعة، فإن بذل له ضرباً من التعظيم الذي هو من خصائص الله فقد جاء كفراً ومنه السجود تعظيماً لا للمجرد التحية، ومما يوضح هذا أن من دعا غير الله فيما لايقدر عليه إلاّ الله فقد جاء كفرا، بخلاف من دعا غير الله في أمر يقدر عليه هو من جملة فعل الخير، فهذا مشروع وقد يكون واجباً، وكذلك التعظيم فرق بين بذل التعظيم الذي هو من خصائص الله لغير الله، وبين بذل التعظيم المشروع لمن يستحقه من خلق الله.

3- المسألة الثالثة: السجود تعظيماً بصفة معينة للشخص على هذا الوجه عبادة بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لاتنبغي لأحد من البشر، ولم يرد ما يبين أن ذلك كان سائغاً في الشرائع السابقة، وإنما الذي جاء إما دالاً على التكريم أو مطلق التحية، ولم يرد في بيان صفته شيء يحتج به في بيان كيفيته.

وإذا صح التفريق بين هذه الثلاثة فإن من ظن أن السجود تحية مشروعة تليق بالأكابر وأن تكريمهم على هذا الوجه ليس فيه محظور فلا يقال أتى شركاً، بل لو علم أن تلك التحية منهي عنها فحيا بها لم يكن بذلك كافراً أو مشركاً شركاً أكبراً.
وليس هذا القول من قول المرجئة في شيء، لأنه من جملة الأفعال المخالفة للشرع وأهل السنة لا يكفرون بكل ذنب، وليس هو -طالما كان مجرد تحية وإكرام- ولهذا لو هوى إنسان جاثياً على ركبتيه لله تعالى فلا يقال قد تقرب إلى الله بعبادة، لأن الله ما تعبدنا بذلك، وكذلك لو سجد واضعاً جبهته على الأرض ولا يريد به إجلالاً ولا تعظيماً ولا شكراً ولا امتثالاً لأمر بل مجرد تحية فلا يقال قد أتى عبادة.
فكذلك لو هوى جاثياً مكرماً ومحيياً رجلاً أو قبراً، فإنه قارف محظور ولم يتعبد غير الله بشيء. اللهم إلاّ إن كان قصده التعبد بذلك الهوي على وجه التعظيم وقصد به المقبور أو الرجل، فإن نوى ذلك فقد أتى شركاً، ولا يرد على هذا أن العبادة غير مشروعة فليس من شرط الشرك صرف عبادة صحيحة لغير الله، بل لوتعبد غير الله بعبادة غير مشروعة أشرك.

والأفعال المنهي عنها من حيث الحكم على فاعلها بالكفر –بضوابطه-ثلاثة أقسام عند أهل السنة:
- فقسم هو كفر بمجرد فعله، كسب الله وسب رسوله صلى الله عليه وسلم، بغض النظر عن حال الساب جاداً أو هازلاً معتقداً لما يقول أو ذاهلاً ما دام قاصدا لفعل السب.
- وقسم لابد فيه من اعتبار قصد الفاعل، ويصلح مثالاً له الطواف بالقبر، والسجود عنده، وكذلك الذبح، فإن كان صرف تلك العبادة لصاحب القبر أو للقبر فهو كفر، وإن كان صرفها لله عند القبر فهو دون ذلك.
o فإن قال هو يذبح للقبر أو يسجد له فقد وقع في الشرك، وإن قال هو يسجد لله عنده لاعتقاد مشروعية ذلك أو فضله، أو يذبح لله عنده فهو منكر لا يرقى إلى حد الشرك الأكبر.
o وإن قال هو يسجد للمقبور بغرض التحية المجردة فالأظهر أنه لايكفر بهذا الفعل الذي ليس هو عبادة ولم يرد به العبادة وغايته أن يكون فعل منهياً عنه من قبيل الشرك الأصغر.
- أما القسم الثالث من الأفعال المنهي عنها فهي الذنوب وسائر المعاصي المحرمة دون الكفر.
أما المرجئة فيجعلون الأقسام كلها من قبيل القسم الثالث، وإن كان بعضهم يقول بكفر الساب لله ورسوله فعندهم أن هذا التكفير لما قام في قلبه من جحود وتكذيب دل عليه قوله، فالقول عندهم دليل خلو القلب من الإيمان ولهذا يكفر الساب لله بعضهم لا لأن الفعل هو كفر بمجرده إن قصده.
وعلى خلاف المرجئة الخوارج الذين يكفرون بكل تلك الأقسام ما وصلت إلى حد الكبائر.
وأهل الحق وسط بين طرفين.
هذا ما عنَّ والله أعلم.
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 08-02-06, 03:36 PM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

بارك الله في جميع المشايخ و الأخوة الفضلاء على ما تكرموا به من نقولات و نقاشات مفيدة بإذن الله
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 08-02-06, 03:48 PM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي أكره مخالفتك شيخنا حارثاً ... و لكن

]بارك الله فيكم شيخنا و اسمح لي بأن أناقشكم فيما يلي:

قلتم حفظكم الله
وهنا ثلاثة أمور:

- سجود تحية وهو بحق مشكل كما قال العز والقرافي أما ابن الشاط فعلى أصله في الإيمان بنى باطلاً. والأقرب إن تصور وجوده فليس بكفر، بيد أنه علم شرعاً وعرفاً وعقلاً أن تحية الناس بعضهم بعضاً لا تكون بذلك، ولاسيما لمجرد التحية.

- وأما السجود تعظيماً وإجلالاً للمقبور ظناً منه أن ذلك من جملة تعظيمه المشروع، فمسألة مشكلة كذلك وكثير من المعاصرين يرى أنها لا ترقى للشرك الأكبر وهو خطأ لعل تبينه يأتي، بل هو من جملة الشرك الأكبر، والله أعلم.


فرقتم شيخنا بين سجود التحية و سجود التعظيم ـ و هو نفس المسلك الذي سلكتُه في حواري مع الصوفية ـ بيد أن السجود لغة هو الخضوع و التذلل كما يستفاد من القاموس و التاج و المصباح و غيرها، و قد قال ابن تيمية رحمه الله ( والسجود مقصوده الخضوع وسجود كل شىء بحسبه )، كما أنه يبعد أن يسجد أحد لأحد مختاراً على سبيل التحية ما لم يقم في قلبه تعظيم للمسجود له، و كلام العز و القرافي رحمهما الله ليس فيه هذه التفرقة بل صرح القرافي ( ولو وقع مثل ذلك ـ أي السجود ـ في حق الولد مع والده تعظيماً له وتذللاً أو في حق الأولياء والعلماء لم يكن كفراً ) و المشكل عندهما هو حكم سجود التحية و التعظيم و هو سجود واحد لا سجودان كما يظهر، و إن كان ثمة فرق فسجود التعظيم و التذلل ـ و هو أشد من مجرد التحية ـ ليس كفراً عندهما، بل الذي يظهر من كلام القرافي أن هذا متفق عليه بين الناس فكأنه يحكي إجماعاً، فتخريج هذا الاتفاق هو الذي أشكل عليهما .
و في كلام الأئمة ما يفيد عدم التفرقة و أن سجود التحية متضمن للتعظيم فمن ذلك:

* قال في اللسان وقوله عز وجل وخروا له سجداً هذا سجود إِعظام لا سجود عبادة
* و قال أيضاً: قال الزجاج إِنه كان من سنة التعظيم في ذلك الوقت أَن يُسْجَد للمعظم
* قال الطبري " وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان "
* تفسير القرطبي [ جزء 9 - صفحة 224 ]
" قال قتادة : هذه كانت تحية الملوك عندهم "
و ما تخصيص الملوك بذلك إلا لتعظيمهم.

* تفسير الطبري [ جزء 7 - صفحة 301 ]
قال ابن زيد في قوله : { وخروا له سجدا } قال قال : ذلك السجود لشرفه كما سجدت الملائكة لآدم لشرفه ليس بسجود عبادة
و قد وصف ابن تيمية سجود الملائكة بقوله "وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم "


* تفسير ابن كثير [ جزء 2 - صفحة 644 ]
" وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له" و المقصود و الله أعلم الكبير قدراً لتوقيره و تعظيمه

* تفسير أبي السعود [ جزء 4 - صفحة 307 ]
كان السجود عندهم جاريا مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير

* مجموع الفتاوى [ جزء 4 - صفحة 360 ]
" ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله عز وجل إذ أحب أن نعظم من سجدنا له "
مما يعني أن مجرد السجود يستلزم تعظيم المسجود له

وقلتم بارك الله فيكم
فهنا صورتان:
الأولى: رجل يريد التقرب إلى الله تعالى بتعظيم أوليائه بشيء ظنه مشروعاً وهو السجود تحية لهم.
والثاني: رجل أراد أن يتقرب لصاحب القبر بالسجود له.


وهناك صورة ثالثة و هي أن الساجد سجد تعظيماً لاعتقاده أن المسجود له يستحق هذا السجود ولم يرد بذلك التقرب إلى الله و لا التقرب ـ تعبداً ـ للمسجود له، و أظهر مثال لذلك حديث معاذ رضي الله عنه ففي المسند من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال : قدم معاذ اليمن أو قال : الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فروَّأ في نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يُعظَّم فلما قدم قال : يا رسول الله رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فروَّأت في نفسي أنك أحق أن تُعظَّم ... الحديث، قال الألباني رحمه الله صحيح على شرط مسلم
و هذا صريح في أن الباعث لمعاذ على السجود للنبي صلى الله عليه و سلم هو التعظيم، و مع ذلك فلم ينكر عليه النبي عليه السلام إنكاره على الذين قالوا اجعل لنا ذات أنواط و لا إنكاره على الذي قال له ما شاء الله و شئت، و هذا مشعر بأن السجود له عليه السلام سجود تعظيم ليس شركاً.


وقلتم أيضاً
وأما الصورة الأولى فالأظهر أنها شرك أكبر كذلك لأن تعظيم الرجل بالسجود له صرف لضرب من أضرب التعظيم المختصة بالله لذلك الرجل


فهذا إنما يكون حال كون السجود لا يكون إلا عبادة أما إن صح تقسيمه إلى عبادة و غير عبادة، فلا ينطبق هذا الكلام على من يسجد لغير الله سجود تحية و إن أراد بذلك التقرب إلى الله، لأن سجود التحية لا يشرع لله تعالى فضلاً عن أن يكون مختصاً بحنابه سبحانه، و يرد على هذا الكلام أن السجود لا ينفك عن تعظيم المسجود له، و هذا من مواطن الإشكال في المسألة، و قد يجاب عنه بأن التعظيم بالسجود إن ثبت كونه سائغاً في الأمم السابقة انتفى كونه مختصاً بالله عز وجل، و حيث إن العقائد لا تنسخ فإنه يكون في شرعتنا محرماً دون أن يصل إلى درجة الشرك.


قلتم بارك الله فيكم
ومعلوم أن تحية الكبير والمقدم، يقدمها له المحب، والمبغض الشانئ، طالما كان في سلطانه، فهي لاتستلزم التعظيم المنهي عنه، وغايتها إظهار نوع من الإكرام، أما إثبات هذا القدر من التعظيم قدر زائد عن مدلول الآية في سجود إخوة يوسف.


أما بالنسبة للآية فنعم، بل يعسرجداً تصور أن يعقوب قد سجد لابنه يوسف عليهما السلام تعظيماً، إلا إن قيل أنه بسجوده له إنما كان من جهة كون يوسف عليه السلام عزيز مصر فجرى على عادة الناس في ذلك الزمان من السجود لملوكهم بقطع النظر عن كونه يوسف ابنه لا سيما أن السجود كان حال دخول قوم يوسف عليه و يغلب على الظن أنه كان دخولاً مشهوداً.
أما كون التحية لا تستلزم التعظيم، فالكلام إنما هو على السجود بقصد التحية لا على مطلق التحية، و قد سبق بيان أن التعظيم لازم للسجود الاختياري، أما سجود المكره فهو خارج نطاق البحث.

والكلام هنا إنما هو عن السجود للقبر حال كونه تعظيماً بعبادة ما شرعت إلاّ لله، ولا يعني هذا منع مطلق تعظيم ما سوى الله، ولكن المراد المنع من تعظيم ما سوى الله بما يعظم به الله .

و هذا أمر قد ينازع فيه المخالف محتجاً بما ورد من كون هذا التعظيم كان سائغاً في الشرائع السابقة، بل هذا من أقوى حججه على عدم وصف السجود لغير الله على غير معنى العبادة بالكفر، إذ ما لم يكن كفراً أو شركاً في الشرائع السابقة لا يمكن أن يكون كفراً أو شركاً في شريعتنا.

وقال ابن القيم في المدارج: "ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ فإنه شرك من الساجد والمسجود له والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه فحقيقة السجود وضع الرأس لمن يسجد له وكذلك السجود للصنم وللشمس وللنجم وللحجر كله وضع الرأس قدامه ومن أنواعه".

و مما يؤيده أيضاً قول ابن تيمية في الفتاوى 1/74: " والشرك أن تجعل لغيره شركا أو نصيبا فى عبادتك وتوكلك وإستعانتك ... وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة وكذلك أجزاؤها التى هى عبادة بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده..."
و أيضاً قوله " ...وكذلك حجرة نبينا صلى الله عليه وسلم وحجرة الخليل وغيرهما من المدافن التي فيها نبي أو رجل صالح : لا يستحب تقبيلها ولا التمسح بها باتفاق الأئمة بل منهى عن ذلك
وأما السجود لذلك فكفر " الكبرى 2/439

و لكن يعكر عليه قوله في مجموع الفتاوى [ جزء 11 - صفحة 604 ]
" سئل عن أقوام يرقصون على الغناء بالدف ثم يسجد بعضهم لبعض على وجه التواضع هل هذا سنة أو فعله الشيوخ الصالحون
الجواب لا يجوز السجود لغير الله... " فلم يقل أنه كفر

وقوله أيضاً جواباً لسائل آخر " أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز بل لا يجوز الإنحناء كالركوع أيضا ... وأما فعل ذلك تدينا وتقربا فهذا من أعظم المنكرات ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينا فهو ضال مفتر بل يبين له وأن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل ... وأما فعل ذلك لأجل فضول الرياسة والمال فلا [ أي فلا يجوز ] وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسنا مثل أن يكره كلمة الكفر وينوى معنى جائزا والله أعلم. "

و لا سبيل للجمع بين أقواله رحمه الله إلا بالتفصيل و أن ما عده كفراً من السجود إنما هو سجود العبادة و لا خلاف على كون صرف شيء منها لغير الله كفر أكبر مخرج من الملة، أما السجود على غير معنى العبادة فبين أنه محرم لكن لم يطلق حكم الكفر عليه، و في كلامه الأخير أكبر دليل على كونه يفصل هذا التفصيل، فالسجود أو الركوع ـ لا على سبيل العبادة ـ للمشايخ أو الملوك ـ والغالب عليه أنه للتعظيم ـ لا يجوز، أما إن قصد به التقرب و التعبد لله فهو من أعظم المنكرات لأنه إحداث في الدين ما ليس منه فضلاً عن كونه محرماً، فمن بين له ذلك و أصر على اعتقاده استتيب لاستحلاله ما حرم الله ـ وهذا كفر ـ لا لمجرد السجود، و أيضاً من فعل هذا الفعل المحرم من السجود أو الركوع لا على سبيل التعظيم بل لعرض من الدنيا فلا يكفر بمجرد فعله و إن كان أتى محرماً، أما المكره فلا شيء عليه.
و أحسب أن التفصيل المذكور هو مذهبه في المسألة رحمه الله.


قلتم تعليقاً على الإجماع الذي نقله الإيجي:
الذي يظهر أنه إجماع صحيح لا مخصص له، طالما كان السجود تعظيماً للقبر أو المقبور أو غيرهما من المخلوقات.


و لكن يبدو أن لهذا الإجماع تفصيلاً ذكره القرافي رحمه الله و عليه لا يكفر من يسجد تعظيماً للوالدين أو الأولياء أو العلماء، و هو ما أشكل عليه و على العز رحمهما الله.

قلتم بارك الله فيكم

اقتباس:
أرسل أصلا بواسطة أبو البراء الكناني
2. ما الفرق بين قول الشيخ رحمه الله " إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله " و بين ادعاء الساجدين للقبور أو المستغيثين بأهلها أنهم يفعلون ذلك بقصد عبادة الله و التقرب إليه.
الفرق –أحسن الله إليكم- هو أن من طاف بالقبر ظناً منه أن الطواف بكل مشهد معظم مشروع ظن أنه أتى عبادة لله، ولم يصرفها لغيره، كمن تعبد الله بالوقوف تحت الشمس ضحى ظناً منه أن هذا مشروع فقد أتى بدعة منكرة.
إلاّ أن الأول زاد عليه إنشاء ذريعة للكفر.
أما الساجد للقبر والمستغيث به أو بصاحبه فقد صدرت منه عبادة لغير الله ولكنه يظن مشروعيتها فهو كالمشركين الأوائل الذين كانوا يصدرون العبادة للمعبوداتهم ظناً منهم أن الله شرع ذلك (إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى)، فالأول لم يعبد غير الله، بل عبد الله بغير ما شرع، والثاني عبد غير الله وظن أن ذلك مما شرع.


بارك الله فيكم شيخنا، و لكن يبدو أن عبارتي قصرت عن المراد ذلك أن الذي يفهم من كلام الشيخ رحمه الله أن الطواف بالقبور بحد ذاته كفر أكبر إلا أن يدعي صاحبه أنه قصد به عبادة الله فلا يكون كذلك، وعندها يصح استشكالي التفرقة بين الأمرين أعني عدم كفر من قصد بطوافه بالقبور عبادة الله مع كونه في أصله كفر أكبر كما يفهم من كلام الشيخ، و كفر المستغيثين بأصحاب القبور و إن ادعوا أنهم يقصدون بذلك عبادة الله. و هذا كلام الشيخ بتمامه
" حكم من دعا الأصنام واستغاث بها ونحو ذلك بحمد الله ظاهر وهو الكفر الأكبر إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله، كما يطوف بالكعبة يظن أنه يجوز الطواف بالقبور ولم يقصد التقرب بذلك لأصحابها وإنما قصد التقرب إلى الله وحده، فهذا يعتبر مبتدعاً لا كافراً؛ لأن الطواف بالقبور بدعة منكرة، كالصلاة عندها، وكل ذلك من وسائل الكفر. ولكن الغالب على عباد القبور هو التقرب إلى أهلها بالطواف بها، كما يتقربون إليهم بالذبح لهم والنذر لهم، وكل ذلك شرك أكبر، من مات عليه مات كافراً لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين "

أو يقال التحية والتعظيم بالسجود ليس عبادة، وهذا مخالف لما دل عليه النص، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وغيره أن هذا الضرب من التعظيم لاينبغي إلاّ لله،

نعم شيخنا هو محرم و لا ينبغي و لكن عده كفراً لا يمكن أن يستفاد من حديث معاذ كما سبق بيانه، و الله أعلم.

قلتم حفظكم الله
من قال إن من سجد للقبر تحية وإكراماً من جنس سجود الملائكة أو من جنس سجود إخوة يوسف لا تعظيماً أو عبادة. فقد أتى بدعة لا ترقى إلى وصف الشرك الأكبر فقد أصاب وإن حمل كلام الإمام الذهبي عليه فلا إشكال فيه.


لكن كلام الذهبي رحمه الله صريح في قصد التعظيم و التبجيل بالسجود، و سبق بيان أن السجود الاختياري أياً كان سببه يستلزم تعظيم المسجود له، و أن العلماء عدوا سجود الملائكة و سجود آل يعقوب للتعظيم، و أنه كان سائغاً في الأمم السابقة، و كذلك كلام القرافي صريح في ذكر التعظيم فلا يمكن حمل كل ذلك على عدم قصد التعظيم.
أما صفة السجود في الأمم السابقة فإن ما حمل الناس قديماً و حديثاً على صرفه عن ظاهر اللفظ إنما هو ما قام في نفوس الجميع من استشناع أن يسجد لغير الله على الهيئة المعروفة، و لكن الأكثرون من المتقدمين و المتأخرين حملوه على ظاهره.

* تفسير ابن كثير [ جزء 2 - صفحة 644 ]
" ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى هذا مضمون قول قتادة وغيره "

* فتح القدير [ جزء 3 - صفحة 80 ]
" وقيل لم يكن ذلك سجودا بل هو مجرد إيماء وكانت تلك تحيتهم وهو يخالف معنى : وخروا له سجدا فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع الوجه على الأرض "

و من ألطف ما قرأت مما يبين هذا التنازع بين المستقر في النفوس و ظاهر اللفظ كلام الآلوسي في روح المعاني حيث قال:
[ جزء 13 - صفحة 58 ]
" خروا له سجدا أي على الجباه كما هو الظاهر وهو كما قال أبو البقاء حال مقدرة لأن السجود يكون بعد الخرور وكان ذلك جائزا عندهم ( ثم ذكر أقوالاً أخرى قيلت في هيئة السجود إلى أن قال) وأنت تعلم أن اللفظ ظاهر في السقوط ... والقلب يميل إلى أنه كان انحناء كتحية الأعاجم وكثير من الناس اليوم، ولا يبعد أن يكون ذلك بالخرور "


قلتم شيخنا
فقوله (سجود المسلم لقبر) مجمل قد يريد به صرف العبادة للقبر، وقد يريد به سجود المسلم لله لتعظيم القبر، ويفهم هذا من قوله على سبيل التعظيم والتبجيل أنه لا على سبيل آخر، ومن وصفه الساجد بالإسلام.


و قولكم حفظكم الله أن الذهبي رحمه الله ربما أراد صرف العبادة للقبر أشكل علي جداً فكيف يكون مثل ذلك عند الذهبي رحمه الله " لا يكفر به أصلاً "؟
و أما حملكم كلامه على أن المراد " و كذلك القول في سجود المسلم لله تعظيماً وتبجيلاً لقبر النبي صلى الله عليه وسلم ..." فمبني على عدم التفريق بين سجود التعظيم و سجود العبادة و أنه لا يصح في شرعنا و شرع من سبقنا إلا لله و هذا شيخنا هو الأصل الذي بنيتم عليه كلامكم في المسألة، و الذي يظهر من كلام العلماء التفريق بينهما.

و قولكم
أما التعظيم المشروع الذي أمر الله بإبدائه لبعض الخلق كالوالد والنبي صلى الله عليه وسلم فإبداؤه لمن أمر الله عبادة لله يثيب الله فاعلها، طالما كانت مشروعة، فإن بذل له ضرباً من التعظيم الذي هو من خصائص الله فقد جاء كفراً ومنه السجود تعظيماً لا للمجرد التحية،



فقد سبق قول ابن تيمية رحمه الله " وأما السجود فشريعة من الشرائع إذ أمرنا الله – تعالى – أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير – طاعة لله عز وجل – إذ أحب أن نعظم من سجدنا له، "
فيفهم من كلامه أن التعظيم لازم للسجود و أن السجود تعظيماً ليس كفراً و إلا لكان من المحال أن يأمر به الله فلا يمكن أن يضرب المثل بمحال في حق الله، و هو أمر قد وقع فعلاً من الله عز و جل للملائكة بالسجود لآدم، و الله عز و جل يرضى لعباده الكفر فضلاً عن أن يأمرهم به.

أما قولكم
وإذا صح التفريق بين هذه الثلاثة فإن من ظن أن السجود تحية مشروعة تليق بالأكابر وأن تكريمهم على هذا الوجه ليس فيه محظور فلا يقال أتى شركاً، بل لو علم أن تلك التحية منهي عنها فحيا بها لم يكن بذلك كافراً أو مشركاً شركاً أكبراً.


فأنتم تعنون بلا شك ( ما لم يستحلها )

و بناء على ما سبق يمكن القول:
1. أن من سجد لغير الله قاصداً عبادة الله بذلك فقد ارتكب محرماً لكنه غير مكفر، و أما من قصد عبادة المسجود له فقد أتى كفراً أكبر بلا خلاف.
2. أن العلماء لم يفرقوا بين سجود التحية و سجود التعظيم بل ساقوهما مساقاً واحداً، فالتفريق يحتاج إلى دليل لأن السجود الاختياري متضمن تعظيم المسجود له.
3. نهي النبي عليه السلام عن السجود له تعظيماً دليل على أن هذا لا ينبغي و لكن ليس فيه الحكم على هذا السجود أنه عبادة لأن هذا كفر أكبر ما كان النبي عليه السلام ليؤخر بيانه، و هنا يمكن أن يقال أن قصد المعظـِّم بالسجود هو الذي يحكم على فعله بالكفر إن قصد عبادة المسجود له، أو عدمه إن قصد غير ذلك.
4. و يشكل على السابق الإجماع على كون السجود للصنم أو الشمس أو الكواكب تعظيماً لها كفر بقطع النظر عن قصد الساجد عبادتها أو عدمه، و قد يقال حلاً لهذا الإشكال أن كفر الساجد لها إنما هو بسبب تعظيمه ما أمر الله بإهانته أو نهى عن تعظيمه حال كونه اتخذ نداً لله، و عليه فإن قول الإيجي في المواقف: " حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الإلهية بل سجد لها وقلبه مطمئن بالتصديق
لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله وإن أجري عليه حكم الكفر في الظاهر" يفهم على أن هذا السجود مظهر من مظاهر التعظيم لما نهى الله عن تعظيمه أو أمر بإهانته مما اتخذ نداً له، فيحكم على فاعله بالكفر في الظاهر.
5. و قد يكون الحل السابق جواباً على كلام القرافي رحمه الله " فإن قلت الله تعالى أمر بتعظيم الآباء والعلماء ولم يأمر بتعظيم الأصنام بل نهى عنه فلذلك كان كفرا قلت إن كان السجودان في المسألتين متساويين في المفسدة ...إلخ "
ذلك أن المفسدة متحققة بمجرد تعظيم ما اتخذ نداً لله مما نهى عن تعظيمه و إن لم يقترن بسجود أو غيره فهذا التعظيم محادة لله عز و جل، و أما تعظيم من أمر الله بتعظيمهم فليس فيه محادة لله عز وجل فلا يكون كفراً، و لا يعكر عليه اتخاذ البعض للمعظَّمين بإذن الله أنداداً من دون الله كفعل النصارى مع المسيح عليه السلام، لأن فعلهم هذا ليس مانعاً لنا من تعظيمه عليه السلام بل الممنوع هو مجاوزة الحد في هذا التعظيم بصرف شيء منه مما هو حق خالص لله عز و جل لهذا المعظَّم، فإن ثبت أن السجود تعظيماً لغير الله كان سائغاً إلى زمن المسيح ثم حرم في شريعتنا، علم أن صرفه لغير الله على هذا الوجه ليس كفراً بل محرم فقط.
رغم كل ما سبق يبقى إشكال عملي، و هو أن المستقر في أذهان عامة المسلمين أن السجود عبادة، و التفريق بين سجود العبادة و سجود غير العبادة لا يكاد يعلمه إلا القليل، يضاف إلى ذلك أن التحية أو التعظيم عن طريق السجود لا يكاد يكون معروفاً في بلاد المسلمين، فالساجد منهم اليوم للقبور أو الأشياخ لا يخلو عن رجلين، إما رجل غلبته عاطفته و مشاعره فلم يتمالك نفسه فخرج عن وعيه و خر ساجداً و هذا أمره قريب، و إما رجل سجد مختاراً فسجوده هذا مع ما سبق بيانه من المستقر في الأذهان يشعر بمقدار ذا التعظيم الذي استولى على قلبه حتى فعل ما يعلم أنه في أصله عبادة لله، و هذا يشكل جداً عدم الحكم على فعله بالكفر، و لكن لما سبق ذكره من كلام العلماء لا سيما ما نقله القرافي من اتفاقهم، يتوقف المرء عن التصريح بالحكم على هذا الفعل بالكفر.

هذا و الله أعلى و أعلم و رد العلم إليه أسلم، و صل اللهم على عبدك و نبيك محمد و على آله وصحبه وسلم.
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 08-02-06, 10:57 PM
خالد بن عبدالله خالد بن عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-08-04
المشاركات: 35
افتراضي

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 11-02-06, 06:13 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

في انتظار فوائد المشايخ الكرام
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 11-02-06, 10:37 AM
حارث همام حارث همام غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-02
المشاركات: 1,496
افتراضي

أخي الكريم كتبت تعليقاً فيه طول لعلي أعلقه مساء إن شاء الله تعالى، وهو من باب المباحثة وتمام التدارس، وإن كنت انتصرت فيه لما قرر في الرد الماضي، وبينت فيه أوجه كثير مما أجمل، وجزاكم الله خيراً.
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 11-02-06, 12:41 PM
أبو عبدالرحمن بن أحمد أبو عبدالرحمن بن أحمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-04
المشاركات: 853
افتراضي

شيخنا عدالرحمن وشيخنا جزاكم الله خيرا

كثير من الأضرحة عليها أوثان ، ويسجد لها مدعي السجود سجود تحية ، فهل مع ذلك لا يكفر مع وجود هذا الوثن؟ وهل هذا قول أهل الأرجاء ، جزاكما الله خيرا ونفع بكما
__________________
أسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 11-02-06, 06:18 PM
حارث همام حارث همام غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-02
المشاركات: 1,496
افتراضي

شكر الله لكم أيها الأخ الحبيب أبو البراء..
واعذرني إن تركت شيئاً من التلطف أو الأدب في هذا الجواب وما ذاك إلاّ بغية الاختصار لما أعلمه من حال بيننا. وبعد:
أصل المسألة هو أن العبادة محض حق الله تعالى كما في حديث معاذ: (اتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله)، فمن صرف منها شيء لغير الله فقد أشرك.
لعل هذا أصل متقرر لدى المشايخ جميعاً لا يحتاج أمثالهم لتقرير أدلته من الكتاب والسنة والإجماع.
وقد دلت الأدلة على أن السجود تعظيماً من جملة العبادة، ووصف من صرفها للشمس والقمر ونحوهما بالشرك (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا لله). وذكر تعبد اللأولين ربهم بالسجود (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذان سجدا).
ثم جاءت نصوص تفيد بسجود إخوة يوسف ووالداه له، وكذلك سجود الملائكة لآدم بأمر ربهم.
وهنااضطرب الناس ونقلوا اجماعات ظاهرها قد يفهم منه التعارض.
ولعل الحق أنه لم تصح حجة في أن السجود المذكور في سورة يوسف، أو التي أمرت به الملائكة كان سجود تعظيم مصروف ليوسف من دون الله تعالى.
ولعل الفطن اللبيب يدرك بأن قول من قال لم تصح حجة لايعني عدم الورود عن بعض السلف أو من لايكون قوله حجة.
فبعضهم قال إن سجود إخوة يوسف تعظيم ليوسف عليه السلام، وقيل نحو ذلك في سجود الملائكة لكن ما هي حجة هذا القول؟ هل لمن قاله دليل؟
الذي يبدو كما قُرر في المشاركات سابقة لا يظهر –أو لم أفهم- على هذا دليل تقوم به حجة.
بل الأدلة دلت على أن السجود تعظيماً لاينبغي إلاّ لله في شرع محمد صلى الله عليه وسلم، وفي شرائع الأنبياء من قبله، بخلاف السجود لمجرد الإكرام والتحية وإن لم يقترن بها ذلك التعظيم، وسواء قيل إن هذا هو أصل السجود أو هو خلاف الأصل في السجود، فإنه إن ثبت أن التعظيم من أصل السجود لاينفك عنه فإن الخروج عن الأصل لأدلة تحريم السجود تعظيماً لغير الله.
وما يظهر هو أنه لا يلزم لا عقلاً ولا شرعاً أن يكون سجود بشر لبشر مقترناً بتعظيم، وإن كان هذا هو ظاهر السجود المجرد.
وفرق بين أن يقال ظاهر العفل كذا، وبين أن يقال يلزم من الفعل كذا. فاللازم لاينفك عن الملزوم، والظاهر قد يدل دليل على أنه غير مراد، وقد يكون الظاهر في حق شخص غير ظاهر في حق الآخر، وكذلك الظاهر في عرف قوم قد يكون غير ظاهر في عرف آخرين، ولاسيما في باب الأفعال والتصرفات، فأنت تجد أن الأكل مع الضيف مثلاً في عرف قوم من الإكرام والإجلال، وفي عرف آخرين الأمر بخلاف ذلك، وكذلك التحديق في المتحدث حال الحديث، وغير ذلك.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
قلتم حفظكم الله
وهنا ثلاثة أمور:

- سجود تحية وهو بحق مشكل كما قال العز والقرافي أما ابن الشاط فعلى أصله في الإيمان بنى باطلاً. والأقرب إن تصور وجوده فليس بكفر، بيد أنه علم شرعاً وعرفاً وعقلاً أن تحية الناس بعضهم بعضاً لا تكون بذلك، ولاسيما لمجرد التحية.

- وأما السجود تعظيماً وإجلالاً للمقبور ظناً منه أن ذلك من جملة تعظيمه المشروع، فمسألة مشكلة كذلك وكثير من المعاصرين يرى أنها لا ترقى للشرك الأكبر وهو خطأ لعل تبينه يأتي، بل هو من جملة الشرك الأكبر، والله أعلم.

فرقتم شيخنا بين سجود التحية و سجود التعظيم ـ و هو نفس المسلك الذي سلكتُه في حواري مع الصوفية ـ بيد أن السجود لغة هو الخضوع و التذلل كما يستفاد من القاموس و التاج و المصباح و غيرها، و قد قال ابن تيمية رحمه الله ( والسجود مقصوده الخضوع وسجود كل شىء بحسبه )، كما أنه يبعد أن يسجد أحد لأحد مختاراً على سبيل التحية ما لم يقم في قلبه تعظيم للمسجود له
بارك الله فيكم، من الإشكالات المتكررة في تحرير المعاني اللغوية أن يعمد الباحث إلى قواميس اللغة ليستخرج معاني اللفظ، وهذا إشكال فإن المعاجم العربية كاللسان والقاموس وغيرهما تعنى بنقل الاستخدام اللغوي الذي جرى في لسان العرب، ونادراً ما تعنى بالأصل الوضعي للفظ العربي.
ومن هنا وقع كثير من المخالفين للسلف في الصفات مثلاً في الخطل، فعندما يراجع القاموس ويجد معنى العين مثلاً الآلة التي تدرك بها المبصرات أو العضو المعروف، أو نحو ذلك مما يذكره أهل اللغة يضطر إلى التأويل أو التفويض.
والحق أنه إذا أريد معرفة الأصل الوضعي في أمثال تلك الألفاظ فلابد من البحث عن من قرر هذا من أهل العلم لا من يذكر مجرد استعمالاتها ليتبين الأصل وليعرف بعد ذلك المعنى المنقول على خلاف الأصل.
وخير ما يستعان به في هذا الصدد معجم العلامة ابن فارس الفريد الذي التزم فيه بيان الأصول اللغوية، لا مجرد الاستعمالات.
وإذا تقرر هذا فبعض الكلمات العربية مما أشكلت أصولها واختلف أهل اللغة فيها، ولعل من ذلك السجود، ولست أنكر بأن السجود في اللغة من معانيه المستخدمة الخضوع والتذلل، ولكن ليس هذا أصله –على الصحيح-الواجب حمله عليه ما لم تدل قرينة على خلافه.
فإذا قلت ما أصله، أقول قال ابن فارس: السين والجيم والدال أصل واحد مطرد يدل على تطامن وذل. ثم نقل عن أبي عمرو: أسجد الرجل إذا طأطأ رأسه وانحنى، وذكر أن منه ما أنشده أعرابي السدي:
*وقلن اسجد لليلى فأسجدا*
يعني البعير إذا طأطأ رأسه.
ونقل السفاريني في غذاء الألباب ما نصه: "قال أبو بكر بن الأنباري من أئمة مذهبنا: السجود يرد لمعان, منها الانحناء والميل من قولهم سجدت الدابة وأسجدت إذا خفضت رأسها لتركب. ومنها الخشوع والتواضع. ومنها التحية, وقال في قوله تعالى {وخروا له سجدا} أنهم سجدوا ليوسف إكراما وتحية, وأنه كان يحيي بعضهم بعضا بذلك وبالانحناء فحظره رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر كلامه الإمام الحافظ ابن الجوزي ولم يخالفه, فدل على موافقته. وأما الإمام ابن القيم في الهدي فجزم بتحريم السجود والانحناء والقيام على الرأس وهو جالس. وقال ابن السكيت: يقال: سجد الرجل إذا طأطأ رأسه , وسجد إذا وضع جبهته بالأرض انتهى".
فهذا هو الأصل الصحيح ومن نظر في أمثلة إيرادات العرب وجد ذلك.
ونقل النووي في المجموع عن الأزهري قال: "قال الأزهري : أصل السجود التطامن والميل. وقال الواحدي : أصله الخضوع والتذلل، وكل من تذلل وخضع فقد سجد، وسجود كل موات في القرآن طاعته لما سجد له، هذا أصله في اللغة، وقيل لمن وضع جبهته في الأرض سجد لأنه غاية الخضوع".
إلاّ أن بعضهم –وهو الإمام ابن جرير- قال: "أصل السجود الانحناء لمن سجد له معظماً له بذلك، فكل منحن لشيء تعظيماً له فهو ساجد"، وهذا والذي قبله لا يعارض ما قرره ابن فارس وغيره، ولكنه من قبيل تفسير الأصل ببعض أفراده الأخص، فلا شك أن كل منحن لشيء تعظيماً فهو ساجد، ولايعني ذلك أن المنحن المطأطئ عن ذل أو تكريم لآخر ليس بساجد، فقد نص أهل اللغة كما رأيت على أن هذا أصل السجود.
وشواهد هذا في الربية كثيرة سبق بعضها كقول قائلهم:
وقلن له اسجد لليلى فأسجدا
ولهذا سموا الخمرة سجادة.
وقال كثير:
أغرك منا أن ذلك عندنا * وإسجاد عينيكِ الصيودين رائج
وقالوا كما نقل الخليل نساء سجد فاترات الأعين، وامرأة ساجدة ساجية.
وشجرة ساجدة مائلة، ومنه قولهم نخل سواجد.
قال ابن سيده عن أبي حنيفة، وانشد للبيد:
بين الصَّفا وخليج العين ساكنةٌ غُلْب سواجد لم يدخل بها الحَصَر
قال: وزعم ابن الأعرابي: أن السواجد هنا: المتأصلة الثابتة، قال: وأنشد في وصف بعير
سانية:
لولا الزِّمامُ اقتحم الأجاردا * بالغَرْب أودَقّ النعام الساجدا
والسفينة تسجد للريح أي تميل.
هذا ويحسن التنبيه إلى أن بعض أهل اللغة جعل بعض هذا مجازاً لاعتباره أن أصل السجود هو الخضوع، كما نقل عن بعضهم، ولعل الصواب أن أصله الميل وليس مجازاً وإنما الخضوع معنى يقارن كثراً وليس بلازم.
وإلاّ فخضع ليست مرادفة لسجد، واستخداموا سجدة كما رأيت في مواطن ليست من الخضوع في شيء، ولكنها إلى المسيل أقرب.
فإذا كان أصل السجود لايستلزم تعظيم المسجود له لغة، وأنه كما قيل كان تحية الملوك كان تحية الناس بعضهم بعضاً وهذا قاله غير واحد ولعله نقل عن بعض أهل العلم.
وإذا كانت اللغة لاتستلزم أن يكون السجود من حيث أصل الوضع تعظيماً، فإن العقل كذلك لايلزم بأن يكون السجود تعظيماً، فكم من إنسان يبدي لاآخر أدباً ولينا لغرض مع أن قلبه يعلنه، وقد يسجد اتقاء لشره، وقد يسجد إظهاراً لتكريمه، وقد يسجد طلباً لمغنم دنيوي من نحو مال، أو خوف مغرم دنيوي.
وإذا تقرر أن اللغة والعقل لايلزمان بأن يكون السجود تعظيماً فإن العرف في واقعنا المعاصر يفيد بأن السجود تعظيم، وهذا حق، ولكن ليس شرطاً أن يكون العرف كذلك في الأمم الماضية، كما أن الكلام عن حقيقة شرعية ينبغي أن نفهما وفقاً لوضع اللسان العربي لا أعراف الناس المتباينة المختلفة.
ثم يقال هذا كله إذا سلم أن اللام في قوله الله تعالى: (فخروا له سجدا)، (لي ساجدين) هي لام الاستحقاق والاختصاص، وأما إذا حملت على أنها لام لأجل كما صرح به بعض أئمة اللغة، فيكون لا إشكال أصلاً ولا دليل فيها لأن المعنى حينئذ: وخروا من أجله سجداً لله تشكراً نقله الأزهري.


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
، و كلام العز و القرافي رحمهما الله ليس فيه هذه التفرقة بل صرح القرافي ( ولو وقع مثل ذلك ـ أي السجود ـ في حق الولد مع والده تعظيماً له وتذللاً أو في حق الأولياء والعلماء لم يكن كفراً ) و المشكل عندهما هو حكم سجود التحية و التعظيم و هو سجود واحد لا سجودان كما يظهر، و إن كان ثمة فرق فسجود التعظيم و التذلل ـ و هو أشد من مجرد التحية ـ ليس كفراً عندهما، بل الذي يظهر من كلام القرافي أن هذا متفق عليه بين الناس فكأنه يحكي إجماعاً، فتخريج هذا الاتفاق هو الذي أشكل عليهما .
هذا الكلام من جنس كلام الإمام الذهبي وهو أجل من القرافي رحمة الله عليهما.
أما كونه إجماعاً فليس هذا إجماع بل نص على الاختلاف فيه أهل العلم، قال شمس أئمة الأحناف السرخسي السجود لغير الله على وجه التعظيم كفر (المبسوط 24/130)، ونُقل النص عليه عن الجبائي والكعبي أيضاً، وقال ابن الصلاح: قال ابن الصلاح: ويخشى أن يكون كفراً. (أسنى المطالب 1/60) ولو كان إجماعاً ما خشي، مع أن هذا في كان في حق المشايخ الأحياء لا القبور والأموات.
وكذلك في فتوحات الوهاب بتوضيح منهج الطلاب ذكر الجمل قول الماتن الذي أجمل السجود لمخلوق بحكم الكفر، ثم فصل الشارح في الركوع فقال إن قصد التعظيم كفر أو نحو هذا، فنص على أن قصد التعظيم في ما هو دون السجود كفر.
وذكر أحمد في حاشيتي القيلوبي وعميرة عن ابن حجر [وهو الهيتمي] نحو قول ابن الصلاح، وذكر في موضع آخر القول بأنه كفر.
ولهذا قالوا في الموسوعة الفقهية بعد أن نقلوا الإجماع على أن من سجد لصنم أو شمس ونحوهما أن ذلك كفر بالإجماع، وأن من سجد لجبار أو ملك فقد انعقد الإجماع على أنه أتى كبيرة ثم قال: "كما أجمعوا على أن السجود لغير صنم نحوه , كأحد الجبابرة أو المملوك أو أي مخلوق آخر هو من المحرمات وكبيرة من كبائر الذنوب , فإن أراد الساجد بسجوده عبادة ذلك المخلوق كفر وخرج عن الملة بإجماع العلماء , وإن لم يرد بها عبادة فقد اختلف الفقهاء فقال بعض الحنفية : يكفر مطلقا سواء كانت له إرادة أو لم تكن له إرادة , وقال آخرون منهم : إذا أراد بها التحية لم يكفر بها , وإن لم تكن له إرادة كفر عند أكثر أهل العلم ".
وفي هذا بيان أن مجرد السجود ولو تحية مختلف فيه بين أهل العلم وليس بإجماع وكلام السرخسي وغيره ظاهر في هذا المعنى.
ويبقى تحرير قول الجمهور؟
هل أرادوا بسجود العبادة سجوداً غير السجود المقرون بالتعظيم؟
فأنت ترى إجماعهم على أن من سجد عبادة فهو كافر؟ فهل من سجد تعظيماً لم يصرف عبادة لغير الله؟
أقول من سجد تحية وإكراما نتفق على أنه لم يصرف عبادة لغير الله، أما من سجد تعظيماً فقد أفادت النصوص أنه أتى عبادة لا تحل لغير الله.
والذي يظهر من كلام بعض أهل العلم ومن تأمل تفريقهم بين السجود للشمس والصنم ونحوهما، وبين سجودهم للكبراء والجبابرة، بدى له جلياً اعتبار قصد التعظيم في كل منهما.
فإن الذي يسجد للشمس أو الصنم لا يمكن أن يكون محيياً مكرماً، بل لابد أن يكون معظماً ولهذا قطع بكفره، أما من يسجد لجبار فقد يكون على وجه التحية والإكرام، فالبشر يعقلون هذا المعنى دون الكواكب. وإذا كان التعظيم المصروف للمعظم مقترناً بكليهما فما عاد وجه للتفريق.
ولا أنكر أن بعض أهل العلم أطلق القول بأن قول الجمهور أن من سجد تعظيماً أو إجلالاً لاعبادة لا يكفر بذلك بل هو ظاهر عبارة الذهبي، ولكن هذا القول من حيث النسبة يحتاج إلى تحرير ومن حيث صوابه كذلك.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
و في كلام الأئمة ما يفيد عدم التفرقة و أن سجود التحية متضمن للتعظيم فمن ذلك:
...
...
يقال في هذا ما قيل في الذي قبله، وقد قال بأن السجود كان تعظيماً من هو أجل من الزجاج، وكما لايخفاكم فإن بعض النقول ليست نصاً في التعظيم، وإن كانت نصاً فليست –إن ثبتت- حجة بل هي مرسلات عن أتباع تابعين يرونها عن أخبار الأمم الماضين، كما روي خلافها فقد روي أن السجود كان تحية القوم فيما بينهم وليست خاصة بالملوك، وإن كانت تحية الملوك والكبراء فليس بلازم أن تكون لأجل التعظيم بل هو الإكرام الذي يليق بهم في عرفهم، ولهذا يقدم حق هذا الإكرام الموافق لهم والمخالف.
ثم فرق بين أن يقال الأمر بالسجود فيه تشريف وتكريم وتعظيم، وبين أن يقال سجد الرجل للرجل تعظيماً.


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
وقلتم بارك الله فيكم
فهنا صورتان:
الأولى: رجل يريد التقرب إلى الله تعالى بتعظيم أوليائه بشيء ظنه مشروعاً وهو السجود تحية لهم.
والثاني: رجل أراد أن يتقرب لصاحب القبر بالسجود له.
وهناك صورة ثالثة و هي أن الساجد سجد تعظيماً لاعتقاده أن المسجود له يستحق هذا السجود ولم يرد بذلك التقرب إلى الله و لا التقرب ـ تعبداً ـ للمسجود له...
طالما أثبتم التعظيم فإما أن يكون مصروفاً لله وهذا هو القسم الأول أو مصروفاً لغير الله وهذا هو القسم الثاني، ولايمكن إثبات تعظيم غير متعلق بأحدهما.
فالتعظيم من حيث هو عبادة وعمل قلبي جليل لابد له من معظم متعلق به.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
، وأظهر مثال لذلك حديث معاذ رضي الله عنه ففي المسند من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال : قدم معاذ اليمن أو قال : الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فروَّأ في نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يُعظَّم فلما قدم قال : يا رسول الله رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فروَّأت في نفسي أنك أحق أن تُعظَّم ... الحديث، قال الألباني رحمه الله صحيح على شرط مسلم
و هذا صريح في أن الباعث لمعاذ على السجود للنبي صلى الله عليه و سلم هو التعظيم، و مع ذلك فلم ينكر عليه النبي عليه السلام إنكاره على الذين قالوا اجعل لنا ذات أنواط و لا إنكاره على الذي قال له ما شاء الله و شئت، و هذا مشعر بأن السجود له عليه السلام سجود تعظيم ليس شركاً.
فيقال أولاً:
هذا الحديث –أحسن الله إليكم- من رواية القاسم بن عوف، وهو مختلف فيه والأقرب كما قرر شيخنا عبدالله السعد أنه لين لايحتج به، قال: وهذا مذهب الجمهور، وقد احتج به مسلم في حديث واحد ليس له غيره عنده والحديث هو: "صلاة الأوابين حين ترمض..".

وعلى كل حال تفرد القاسم بهذه الزيادة، وتفرد مثله لايحتج به، والعلامة الألباني رحمه علق بما يفيد شكه في هذا الحديث في الإرواء 7/57.
وجاء من حديث معاذ هذا من طريق الحاكم والطبراني وغيرهما أنها كانت تحية الأنبياء ولم يورد ذكر التعظيم.

بل روى من حديث شريك بسنده عن قيس بن سعد رضي الله عنه ما هو أصلح من هذا صححه الحاكم ووافقه الذهبي –وجاء من غير طريق شريك كما عند البيهقي بإسناد حسن لعل بعض من ضعف أثر شريك من أهل العلم لم يقف عليه- ما يفيد أن السجود كان تحية، فقد روى أبوداود وغيره عن قيس بن سعد قال أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فقلت رسول الله أحق أن يسجد له قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك قال أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له قال قلت لا قال فلا تفعلوا لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق.
فبين أنه استقر في نفوسهم ترك السجود لقبره إذا لاتتصور تحيته بذلك ولا تنبغي، ولو كان الشأن تعظيماً لما اختلف عنه في قبره أو حياته الدنيوية صلى الله عليه وسلم، فتعظيمه مطلوب حياً وميتاً.

ثم يقال ثانياً:
إن سلم أنه تعظيم فالنبي صلى الله عليه وسلم أنكر هذا ولم يقره مع احتماله، وبين أنه لاينبغي لأحد أن يسجد لأحد، وهذا يبين بأن سجود معاذ رضي الله عنه لا ينبغي إلاّ لله، فقد علم أن السجود تعظيماً للخالق سبحانه مشروع بل هو عبادة يتقرب إلى الله بها عند ورود أسبابها. وقد جاءت بذلك ألفاظ ذكرها أهل العلم قال شيخ الإسلام: " وحديث معاذ لما رجع من الشام فسجد للنبي فقال ما هذا يا معاذ فقال رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال يا معاذ أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدا له قال لا قال فلا تسجد لي فلو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها فمن لا ينهى الضالين عن مثل هذا الشرك المحرم بإجماع المسلمين كيف ينهى عما هو أقل منه".
وقال: " ولما سجد له معاذ نهاه وقال أنه لا يصلح السجود إلا لله ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".
وقال الإمام ابن القيم: " وقال : [ لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد ] وأنكر على معاذ لما سجد له وقال : مه! وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله وهو من أبلغ أنواع العبودية فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز العبودية لغير الله".

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
وقلتم أيضاً
وأما الصورة الأولى فالأظهر أنها شرك أكبر كذلك لأن تعظيم الرجل بالسجود له صرف لضرب من أضرب التعظيم المختصة بالله لذلك الرجل

فهذا إنما يكون حال كون السجود لا يكون إلا عبادة أما إن صح تقسيمه إلى عبادة و غير عبادة، فلا ينطبق هذا الكلام على من يسجد لغير الله سجود تحية و إن أراد بذلك التقرب إلى الله، لأن سجود التحية لا يشرع لله تعالى فضلاً عن أن يكون مختصاً بحنابه سبحانه، و يرد على هذا الكلام أن السجود لا ينفك عن تعظيم المسجود له، و هذا من مواطن الإشكال في المسألة، و قد يجاب عنه بأن التعظيم بالسجود إن ثبت كونه سائغاً في الأمم السابقة انتفى كونه مختصاً بالله عز وجل، و حيث إن العقائد لا تنسخ فإنه يكون في شرعتنا محرماً دون أن يصل إلى درجة الشرك.
سجود التعظيم عبادة بخلاف مجرد السجود لتحية أو لإكرام.
وأما القول بأن السجود لاينفك عن تعظيم المسجود له فقد بين أنه لا يلزم لغة ولا نعلم لزومه في عرف الأمم الماضية.
ولم يثبت أن سجود التعظيم في الأمم السالفة كان حقاً لغير الله كما أشير إلى هذا مراراً وغاية ما تذكر أقاويل –وإن سلم بدلالة بعضها- لا تثبت بها حجة خالفتها مثلها.
ثم إن مسألة نسخ التوحيد الذي يظهر أنها محل تفصيل وإجمال، أما كون العقائد لا تنسخ فهذا حق إلاّ أن تعلقه بموضوعنا محل بحث، فإن التوحيد والشرك متعلق بالدين كله، فما كان منه من قبيل الأخبار المحققة كإثبات صفات الله واليوم الآخر وما تعلق بوعده ونحو ذلك فلا يجوز عليه النسخ إذا النسخ لها كذب في الوعد أو الإخبار.
بخلاف العبادات فإنه يجوز بإجماع أهل السنة أن تشرع عبادة لم تكن في الأمم السابقة، فإن شرعت فهي محض حق الله تعالى، وصرفها إلى غيره شرك، ويجوز أن تنسخ عبادة كانت مشروعة في الأمم السابقة فإن نسخت فليست بمشروعة ولايكون إتيانها شركاً إلاّ إن قصد التعبد إلى المعبود بها. فمن قتل نفسه من بني إسرائيل توبة لله أتى فعلاً من جملة امتثال الأمر والتوحيد، ومن قتل نفسه منهم لغير الله كان مشركاً بفعله، ومن قتل نفسه من هذه الأمة أتى محظوراً لايوصف بالشرك، إلاّ إن فعله على وجه التقرب لغير الله به.
ولذا هم لا يعترضون على نحو هذا بقولهم بقولهم إن العقائد لاتنسخ، وإنما يعترض عليه من يعترض بأنه إن كان حسناً فكيف عاد قبيحاً، والفعل هو هو.
ولا شك أن هذا الاعتراض ساقط فيه ما فيه، بل هو مبطل للقول بالنسخ كله آيل لقول الشيعة وبعض أهل الكتاب الذين أبطلوا النسخ مطلقاً.
وعلى كل حال من توسع في قراءة الأصول يدرك الخلاف في مسألة نسخ التوحيد، وقد نص عليه إن لم تخني الذاكرة ابن حزم في الإحكام له، ومن يتأمل خلافهم عليه أن يراعي مفهوم كثير من الأصولين والمتكلمين ومرادهم بالتوحيد ذلك الاسم الجامع، لكل ما جعله الله من خصائصه سواء في العبادة أو الأسماء والصفات أو غير ذلك.
فبعض المتكلمين يريد به الصفات ونحوها من الأخبار المحققة.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
قلتم بارك الله فيكم
ومعلوم أن تحية الكبير والمقدم، يقدمها له المحب، والمبغض الشانئ، طالما كان في سلطانه، فهي لاتستلزم التعظيم المنهي عنه، وغايتها إظهار نوع من الإكرام، أما إثبات هذا القدر من التعظيم قدر زائد عن مدلول الآية في سجود إخوة يوسف.
أما بالنسبة للآية فنعم، بل يعسرجداً تصور أن يعقوب قد سجد لابنه يوسف عليهما السلام تعظيماً، إلا إن قيل أنه بسجوده له إنما كان من جهة كون يوسف عليه السلام عزيز مصر فجرى على عادة الناس في ذلك الزمان من السجود لملوكهم بقطع النظر عن كونه يوسف ابنه لا سيما أن السجود كان حال دخول قوم يوسف عليه و يغلب على الظن أنه كان دخولاً مشهوداً.
أما كون التحية لا تستلزم التعظيم، فالكلام إنما هو على السجود بقصد التحية لا على مطلق التحية، و قد سبق بيان أن التعظيم لازم للسجود الاختياري، أما سجود المكره فهو خارج نطاق البحث.
قلتم –أحسن الله إليكم- :" أما بالنسبة للآية فنعم، بل يعسرجداً تصور أن يعقوب قد سجد لابنه يوسف عليهما السلام تعظيماً" ثم قلتم: " أما كون التحية لا تستلزم التعظيم، فالكلام إنما هو على السجود بقصد التحية لا على مطلق التحية، و قد سبق بيان أن التعظيم لازم للسجود الاختياري...".
لا أستطيع فهم انسجامه إلاّ إذا كنتم تشيرون إلى أن سجود يعقوب لم يكن باختيار؟
وعلى كل هذا غير صحيح.
فما هو الدليل العقلي الذي يلزم بأن السجود لايكون إلاّ تعظيماً؟
لماذا لايكون مجرد تكريم من نحو توسيع أحدنا لأخيه في المجلس، ومن نحو قيام أحدنا من مجلس وإجالس الكبير فيه، ونحو ذلك مما يراه الناس حقاً للكبير على الصغير، فتجد الصغير يفعله وإن لم يعرف الكبير إما شفقة عليه أو رحمة به.
وكيف يكون سجودهم لله تعظيماً وقد كان في شريعتهم عبادة يتقربون بها إلى الله، وكذلك سجودهم على نفس الوجه لبشر مهما علا شأنه.

ثم إن سجودهم لهم لم يكن حال دخولهم في ظاهر الآيات بل بعد أن لقيهم ورحب بهم ورفع أبويه على العرش، ولا أخاله ما نزل لتلقي أباه إلاّ يوم رفعه على العرش. بل قال الله تعالى قبلها: (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين)، فلو استدل به مستدل على تلقيه لهم على مشارف مصر لم يكن مبعداً وقد قال به بعض أهل التفسير وهو الظاهر.


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
والكلام هنا إنما هو عن السجود للقبر حال كونه تعظيماً بعبادة ما شرعت إلاّ لله، ولا يعني هذا منع مطلق تعظيم ما سوى الله، ولكن المراد المنع من تعظيم ما سوى الله بما يعظم به الله .
و هذا أمر قد ينازع فيه المخالف محتجاً بما ورد من كون هذا التعظيم كان سائغاً في الشرائع السابقة، بل هذا من أقوى حججه على عدم وصف السجود لغير الله على غير معنى العبادة بالكفر، إذ ما لم يكن كفراً أو شركاً في الشرائع السابقة لا يمكن أن يكون كفراً أو شركاً في شريعتنا.
الإشكال بأن قوله السجود تعظيماً كان سائغاً يحتاج إلى دليل وتحرير لا مجرد أقوايل، وإن قيل كان كذلك فالإجماع على أنه منسوخ.
وبقية الكلام سبق تعليق على مثله.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
وقال ابن القيم في المدارج: "ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ فإنه شرك من الساجد والمسجود له والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه فحقيقة السجود وضع الرأس لمن يسجد له وكذلك السجود للصنم وللشمس وللنجم وللحجر كله وضع الرأس قدامه ومن أنواعه".

و مما يؤيده أيضاً قول ابن تيمية في الفتاوى 1/74: " والشرك أن تجعل لغيره شركا أو نصيبا فى عبادتك وتوكلك وإستعانتك ... وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة وكذلك أجزاؤها التى هى عبادة بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده..."
و أيضاً قوله " ...وكذلك حجرة نبينا صلى الله عليه وسلم وحجرة الخليل وغيرهما من المدافن التي فيها نبي أو رجل صالح : لا يستحب تقبيلها ولا التمسح بها باتفاق الأئمة بل منهى عن ذلك
وأما السجود لذلك فكفر " الكبرى 2/439

و لكن يعكر عليه قوله في مجموع الفتاوى [ جزء 11 - صفحة 604 ]
" سئل عن أقوام يرقصون على الغناء بالدف ثم يسجد بعضهم لبعض على وجه التواضع هل هذا سنة أو فعله الشيوخ الصالحون
الجواب لا يجوز السجود لغير الله... " فلم يقل أنه كفر

وقوله أيضاً جواباً لسائل آخر " أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز بل لا يجوز الإنحناء كالركوع أيضا ... وأما فعل ذلك تدينا وتقربا فهذا من أعظم المنكرات ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينا فهو ضال مفتر بل يبين له وأن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل ... وأما فعل ذلك لأجل فضول الرياسة والمال فلا [ أي فلا يجوز ] وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسنا مثل أن يكره كلمة الكفر وينوى معنى جائزا والله أعلم. "

و لا سبيل للجمع بين أقواله رحمه الله إلا بالتفصيل و أن ما عده كفراً من السجود إنما هو سجود العبادة و لا خلاف على كون صرف شيء منها لغير الله كفر أكبر مخرج من الملة، أما السجود على غير معنى العبادة فبين أنه محرم لكن لم يطلق حكم الكفر عليه، و في كلامه الأخير أكبر دليل على كونه يفصل هذا التفصيل، فالسجود أو الركوع ـ لا على سبيل العبادة ـ للمشايخ أو الملوك ـ والغالب عليه أنه للتعظيم ـ لا يجوز، أما إن قصد به التقرب و التعبد لله فهو من أعظم المنكرات لأنه إحداث في الدين ما ليس منه فضلاً عن كونه محرماً، فمن بين له ذلك و أصر على اعتقاده استتيب لاستحلاله ما حرم الله ـ وهذا كفر ـ لا لمجرد السجود، و أيضاً من فعل هذا الفعل المحرم من السجود أو الركوع لا على سبيل التعظيم بل لعرض من الدنيا فلا يكفر بمجرد فعله و إن كان أتى محرماً، أما المكره فلا شيء عليه.
و أحسب أن التفصيل المذكور هو مذهبه في المسألة رحمه الله.
أخي الكريم كلام شيخ الإسلام هذا ليس فيه تعارض حتى نحتاج للجمع إلاّ إذا قررت أصلاً مسبقاً، أما إذا أخذته على ظاهره فليس فيه تعارض أصلاً، فهو لم يتطرق لسجود التعظيم ولم يعد هذا الضرب غير سجود العبادة.
وليست القضية هي أن هناك سجود لا يرقى إلى الكفر، هذا يقول به شيخ الإسلام ويقول به علماء الإسلام قديماً وحديثاً، وصاحبك لايناقش في هذا بل يظهر له أن سجود التحية والإكرام ليس بكفر بل هو بدعة منكرة إذا صرف لبشر حي معظم. ولكن الكلام عن سجود التعظيم والإجلال والذي يؤيده ظاهر النقل عن الذهبي في معجمه.
فأنتم –أحسن الله إليكم- قررتم أنه لايكون سجود بغير تعظيم فوقع عندكم التعارض في كلام شيخ الإسلام فوفقتم برأي وتقسيم.
مع أن شيخ الإسلام أطلق بأن السجود للقبر كفر، ولكنه استثنى صورة وهي من سجد على وجه لأجل ولأجل فقط المال ونحوه، فمثل هذا ليس معظماً للمسجود له ولا عابداً له بل غاية مراده المال.
فلا يصح أن يستثنى من إطلاقه غير ما استثناه هو ونحوه مما يلحقه.
كما أني ألحظ أن هذا التفريق في السجود (بنحو ما قيد به) يقول به شيخ الإسلام عند غير السجود للقبر، وكأنه فرق بين السجود للقبر والسجود للبشر، ولا أجزم به فالأمر يحتاج إلى تتبع كلامه.
وقد سبق النقل وبيان أن أهل العلم يفرقون بين السجود للصنم والشمس وما في معناهما فهو عندهم كفر بإجماع أهل العلم.
وأما السجود لبشر فهو محل الخلاف والتفريق.
أما الخلاف فعده بعضهم مطلقاً كفر.
وأما التفريق ففرق بعضهم بين سجود التحية وبين سجود العبادة.
وأجمعوا على أن سجود العبادة كفر.
أما سجود التحية فأجمعوا على أنه حرام، والجمهور على أنه ليس بكفر وهذا يراه صاحبك أقرب.
ولكن هل سجود التعظيم من قبيل سجود العبادة أو هو من قبيل سجود التحية؟
الذي يظهر هو الأول، وإطلاق شيخ الإسلام يشهد له فلم يستثنه.
وهذا محور الحديث.

ثم إذا تقرر هذا فالذي يقال، هل السجود للقبر من قبيل السجود للشمس أم من قبيل السجود للبشر؟
مسألة رأي شيخ الإسلام فيها يحتاج إلى مزيد تحرير.


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
قلتم تعليقاً على الإجماع الذي نقله الإيجي:
الذي يظهر أنه إجماع صحيح لا مخصص له، طالما كان السجود تعظيماً للقبر أو المقبور أو غيرهما من المخلوقات.

و لكن يبدو أن لهذا الإجماع تفصيلاً ذكره القرافي رحمه الله و عليه لا يكفر من يسجد تعظيماً للوالدين أو الأولياء أو العلماء، و هو ما أشكل عليه و على العز رحمهما الله.
نعم أحسن الله إليكم هو كما قلتم بعد مراجعة المسألة وجدتهم يفرقون بين السجود لبشر (وهذا فيه تفريق وتفصيل) وبين السجود لشمس أو صنم أو قمر، على ما سبق ذكره.
أما السجود للقبر فهو محل بحث؛ بأيهما يلحق؟
فهم ما سحبوا الحكم الواحد إلاّ لعدم تصورهم سوجوداً للشمس غير عبادة، فلا يتصور تحية الشمس بالسجود، وقد صرح بعضهم أنه إذا سجد لها لا تألها فيحكم بكفره في الظاهر وإن لم يحكم بكفره في ما بينه وبين الله جرياً على أصول الأشاعرة في الإيمان.
والحاصل فالسجود للقبر قد يقال لايتصور أن يكون لأجل التحية والإكرام.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
قلتم بارك الله فيكم
اقتباس:
أرسل أصلا بواسطة أبو البراء الكناني
2. ما الفرق بين قول الشيخ رحمه الله " إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله " و بين ادعاء الساجدين للقبور أو المستغيثين بأهلها أنهم يفعلون ذلك بقصد عبادة الله و التقرب إليه.
الفرق –أحسن الله إليكم- هو أن من طاف بالقبر ظناً منه أن الطواف بكل مشهد معظم مشروع ظن أنه أتى عبادة لله، ولم يصرفها لغيره، كمن تعبد الله بالوقوف تحت الشمس ضحى ظناً منه أن هذا مشروع فقد أتى بدعة منكرة.
إلاّ أن الأول زاد عليه إنشاء ذريعة للكفر.
أما الساجد للقبر والمستغيث به أو بصاحبه فقد صدرت منه عبادة لغير الله ولكنه يظن مشروعيتها فهو كالمشركين الأوائل الذين كانوا يصدرون العبادة للمعبوداتهم ظناً منهم أن الله شرع ذلك (إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى)، فالأول لم يعبد غير الله، بل عبد الله بغير ما شرع، والثاني عبد غير الله وظن أن ذلك مما شرع.

بارك الله فيكم شيخنا، و لكن يبدو أن عبارتي قصرت عن المراد ذلك أن الذي يفهم من كلام الشيخ رحمه الله أن الطواف بالقبور بحد ذاته كفر أكبر إلا أن يدعي صاحبه أنه قصد به عبادة الله فلا يكون كذلك، وعندها يصح استشكالي التفرقة بين الأمرين أعني عدم كفر من قصد بطوافه بالقبور عبادة الله مع كونه في أصله كفر أكبر كما يفهم من كلام الشيخ، و كفر المستغيثين بأصحاب القبور و إن ادعوا أنهم يقصدون بذلك عبادة الله. و هذا كلام الشيخ بتمامه
" حكم من دعا الأصنام واستغاث بها ونحو ذلك بحمد الله ظاهر وهو الكفر الأكبر إلا أن يدعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله، كما يطوف بالكعبة يظن أنه يجوز الطواف بالقبور ولم يقصد التقرب بذلك لأصحابها وإنما قصد التقرب إلى الله وحده، فهذا يعتبر مبتدعاً لا كافراً؛ لأن الطواف بالقبور بدعة منكرة، كالصلاة عندها، وكل ذلك من وسائل الكفر. ولكن الغالب على عباد القبور هو التقرب إلى أهلها بالطواف بها، كما يتقربون إليهم بالذبح لهم والنذر لهم، وكل ذلك شرك أكبر، من مات عليه مات كافراً لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين "
أحسن الله إليكم..
إذا كان الطواف بحد ذاته كفر لم يحتج إلى معرفة قصده ولم يكن له ما دام قاصداً (عامداً غير مخطئ) اعتبار.
ولهذا لو امتهن المصحف (عامداً) وقال أنا والله أعظمه ولكن أمزح أو أحببت أن أغضبكم أو.. لكان كافراً بذلك.
وإنما مراد الشيخ أن الأصل في هؤلاء عبادتهم للقبور أو أصحابها بطوافهم لأن هذا هو حال الناس ولأن ظن الظان بأن الله شرع له الطواف في قبر فلان بعيد، فالحكم بالظاهر عليهم متعين، إلاّ إن علم خلاف ذلك الظاهر من أحدهم، فهذا غاية ما في كلام العلامة عليه رحمة الله.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
أو يقال التحية والتعظيم بالسجود ليس عبادة، وهذا مخالف لما دل عليه النص، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وغيره أن هذا الضرب من التعظيم لاينبغي إلاّ لله،

نعم شيخنا هو محرم و لا ينبغي و لكن عده كفراً لا يمكن أن يستفاد من حديث معاذ كما سبق بيانه، و الله أعلم.
لم أفهم كيف لايمكن ذلك، إذا أخبره بأنه لاينبغي إلاّ لله فهذا يثبت أنه عبادة، والعبادة دلت الأدلة المتظافرة على أن صرفها لغير الله شرك مخرج عن الملة، اللهم إلاّ إن قيل لم يرد معاذاً سجود التعظيم بل أراد سجود تحية وإكرام كما جاء في بعض الرويات التي تبين أن تحية القوم لأنبيائهم وكبرائهم كانت كذا.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
قلتم حفظكم الله
من قال إن من سجد للقبر تحية وإكراماً من جنس سجود الملائكة أو من جنس سجود إخوة يوسف لا تعظيماً أو عبادة. فقد أتى بدعة لا ترقى إلى وصف الشرك الأكبر فقد أصاب وإن حمل كلام الإمام الذهبي عليه فلا إشكال فيه.

لكن كلام الذهبي رحمه الله صريح في قصد التعظيم و التبجيل بالسجود، و سبق بيان أن السجود الاختياري أياً كان سببه يستلزم تعظيم المسجود له
ظاهر لفظ الإمام هذا وقد يحتمل إجمالاً أشير إليه، وقد قال به غيره من غير أهل العصمة، كما أشير إليه سابقاً أما اللزوم فلا عقل ولا نقل ولا نعرف عرفاً سابقاً يدل عليه.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
، و أن العلماء عدوا سجود الملائكة و سجود آل يعقوب للتعظيم، و أنه كان سائغاً في الأمم السابقة، و كذلك كلام القرافي صريح في ذكر التعظيم فلا يمكن حمل كل ذلك على عدم قصد التعظيم.
اختلفت عباراتهم في هذا وبعضها ظاهره أنه للتعظيم ولا شك ولكن ما الحجة؟
وأنت ترى أن غيرهم قد خالفهم فعد مطلق السجود للتعظيم كفر كما نقل عن السرخسي.
فهذا إما أن يكون معارض لقول أولئك الذين زعموا أنه سجود تعظيم.
وإما أن يكون قولاً بجواز نسخ ذلك، وقد مضت الإشارة إلى ما في هذا من إجمال يحتمل.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
أما صفة السجود في الأمم السابقة فإن ما حمل الناس قديماً و حديثاً على صرفه عن ظاهر اللفظ إنما هو ما قام في نفوس الجميع من استشناع أن يسجد لغير الله على الهيئة المعروفة، و لكن الأكثرون من المتقدمين و المتأخرين حملوه على ظاهره.
شكر الله لك؛ ما هو ظاهر السجود؟
هل الظاهر هو السجود الشرعي؟
لايظهر هذا؟
وقد سبق بيان أصل معنى السجود، وما انتقل عن الأصل فهو المعنى المأول لا ما وافقه.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
* تفسير ابن كثير [ جزء 2 - صفحة 644 ]
" ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى هذا مضمون قول قتادة وغيره "
القول بأن السجود مختص بجناب الرب سبحانه في هذه الملة، يحتاج إلى مزيد بيان فهل عنى بها هذه الملة وحدها؟ أم عنى نوعاً من السجود معيناً؟
فإن السجود عبادة للرب سبحانه كان معروفاً في الأمم السابقة، والآيات في هذا المعنى كثيرة، منها قوله سبحانه: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين)، (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون)، (ادخلوا الباب سجدا)، (إن الذين عند ربك لايستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون)، (قل آمنوا به أو لاتؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعدج ربنا لمفعولا).
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن السجود لله كان مشروعاً في الأمم الماضية، فإن قيل لم يكن مختصا به مع أنه كان عبادة أجيب بأن العبادة لا تجوز إلاّ لله تعالى.
فدل ذلك على أن سجود التحية شيء، وسجود التعظيم شيء آخر، وأن سجود العبادة مختص به قديماً وحديثاً.
فإذا كان المراد أن سجود التحية حرم في هذه الملة فلم يعد سجود حق لغير الله تعالى فيقال هذا صحيح ولكن سجود التعظيم من أي القبيل؟ هذا هو مربط الفرس.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
* فتح القدير [ جزء 3 - صفحة 80 ]
" وقيل لم يكن ذلك سجودا بل هو مجرد إيماء وكانت تلك تحيتهم وهو يخالف معنى : وخروا له سجدا فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع الوجه على الأرض "
و من ألطف ما قرأت مما يبين هذا التنازع بين المستقر في النفوس و ظاهر اللفظ كلام الآلوسي في روح المعاني حيث قال:
[ جزء 13 - صفحة 58 ]
" خروا له سجدا أي على الجباه كما هو الظاهر وهو كما قال أبو البقاء حال مقدرة لأن السجود يكون بعد الخرور وكان ذلك جائزا عندهم ( ثم ذكر أقوالاً أخرى قيلت في هيئة السجود إلى أن قال) وأنت تعلم أن اللفظ ظاهر في السقوط ... والقلب يميل إلى أنه كان انحناء كتحية الأعاجم وكثير من الناس اليوم، ولا يبعد أن يكون ذلك بالخرور "
سبقت الإشارة في رد سابق إلى أن الله تعالى قال: (ويخرون للأذقان) بهذا التقييد ظاهر في الهوي على الوجوه، وقيل: "فتقييد الانحطاط بالوجوه والأذقان يفهم منه معنى السجود المعروف، بخلاف اللفظ إذا لم يقيد فقد يفهم منه الانحطاط جالساً على سبيل الإكرام.
ويشير إلى هذا المعنى قوله في أول السورة: (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين)، ولا يتصور ذلك في الكواكب إلاّ بانحطاطها له، فجاء تأويل الرؤيا مثلها، ومن تأمل الآثار الفرعونية والرسوم الرومانية ونحوها لحظ أن سجودهم هو انحطاط في جلسة أشبه بالجلوس على أطراف القدمين مع خفض إحدى الركبتين.".
فمن قال من أهل العلم وأئمتنا بأن ظاهر اللفظ يقتضي أن يكون الخرور بالوجه قيل: لايسلم، وسئل عن وجهه ودليله في تعيين هذا التقييد.
فهو محتمل كما أشير إليه.
ولايلزم من خر أن يخر الرجل على وجهه ساجداً بل هذا تقييد بغير مقيد للخرور، ولهذا لما أراده في الآية ذكره، وإذا كان هذا هو الظاهر لم يكن لذكره في قوله: (ويخرون للأقان) كبير فائدة، ولأصبح قول فحول الشعراء:
فخر صريعاً لليدين وللفم
حشو لا معنى له لأنه معروف ظاهر.
بل لما أصبح لتقيد الخرور بالسجود فائدة فكل خار على هذا التقدير ساجد.
والصحيح أن (خر) أصل واحد عند العرب كما قال ابن فارس: هو اضطراب وسقوط مع صوت.
فالذي يظهر أنه أراد من هذا التعبير تصوير كيف ميلهم وانخفاضهم فذكر أنه خرور وانصباب له صوت، ولايلزم منه أن يكون وجهه على الأرض أو معتمداً على يديه وإن لم يكن وجهه عليها، أو غيره،بل كله محتمل، ولعظم الاحتمال ما العلامة الألوسي إلى ما نقلتموه عنه، والله أعلم.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
قلتم شيخنا
فقوله (سجود المسلم لقبر) مجمل قد يريد به صرف العبادة للقبر، وقد يريد به سجود المسلم لله لتعظيم القبر، ويفهم هذا من قوله على سبيل التعظيم والتبجيل أنه لا على سبيل آخر، ومن وصفه الساجد بالإسلام.

و قولكم حفظكم الله أن الذهبي رحمه الله ربما أراد صرف العبادة للقبر أشكل علي جداً فكيف يكون مثل ذلك عند الذهبي رحمه الله " لا يكفر به أصلاً "؟
و أما حملكم كلامه على أن المراد " و كذلك القول في سجود المسلم لله تعظيماً وتبجيلاً لقبر النبي صلى الله عليه وسلم ..." فمبني على عدم التفريق بين سجود التعظيم و سجود العبادة و أنه لا يصح في شرعنا و شرع من سبقنا إلا لله و هذا شيخنا هو الأصل الذي بنيتم عليه كلامكم في المسألة، و الذي يظهر من كلام العلماء التفريق بينهما.
أقصد بالعبادة في الكلام المذكور التعظيم بالسجود، فهذه هي العبادة التي أردتها أحسن الله إليكم، ولعل هذا التفسير يوضح وجه الكلام، وأما بقيته فسبق المرور عليه.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
و قولكم
أما التعظيم المشروع الذي أمر الله بإبدائه لبعض الخلق كالوالد والنبي صلى الله عليه وسلم فإبداؤه لمن أمر الله عبادة لله يثيب الله فاعلها، طالما كانت مشروعة، فإن بذل له ضرباً من التعظيم الذي هو من خصائص الله فقد جاء كفراً ومنه السجود تعظيماً لا للمجرد التحية،

فقد سبق قول ابن تيمية رحمه الله " وأما السجود فشريعة من الشرائع إذ أمرنا الله – تعالى – أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير – طاعة لله عز وجل – إذ أحب أن نعظم من سجدنا له، "
فيفهم من كلامه أن التعظيم لازم للسجود و أن السجود تعظيماً ليس كفراً و إلا لكان من المحال أن يأمر به الله فلا يمكن أن يضرب المثل بمحال في حق الله، و هو أمر قد وقع فعلاً من الله عز و جل للملائكة بالسجود لآدم، و الله عز و جل يرضى لعباده الكفر فضلاً عن أن يأمرهم به.
الإمام لم يقل السجود تعظيماً ليس من خصائص الله. ولا قال التعظيم لازم السجود، وإنما قال لو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله. الذي أحب أن نعظم ذلك لمسجود له بالسجود.
وهذا كقوله بعدها: "ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب البتة فعله".
فالأمر بالسجود لغير الله تعظيماً له محض فرض، كما فرض أنه إن لم يفرض علينا السجود لم يجب فعله.
والواقع أن الله فرض السجود وأوجبه لنفسه، ونهى عن أن يسجد لغيره.
وكلا هذين ليس عكسه بمستحيل عقلاً لولا ورود الشرع. لا لأن الشرك غير مستقبح ولا مستحيل الأمر به في العقول، ولكن لأن خصائص الله وما ينبغي له هو ما يعلمنا الله به.
فإن أعلمنا أن السجود تعظيماً لخلق من خلقه ليس من خصائصه وأنه من قبيل الشكر أو الحمد للمحمود لما كان فيه إشكال، وهذا غابة ما في كلام شيخ الإسلام.
هذا وقد علم في شرع الله أن الله أوجب لنفسه سجود تعظيم وإجلال، فينبغي أن لايصرف لغيره، والله أعلم.


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
أما قولكم
وإذا صح التفريق بين هذه الثلاثة فإن من ظن أن السجود تحية مشروعة تليق بالأكابر وأن تكريمهم على هذا الوجه ليس فيه محظور فلا يقال أتى شركاً، بل لو علم أن تلك التحية منهي عنها فحيا بها لم يكن بذلك كافراً أو مشركاً شركاً أكبراً.

فأنتم تعنون بلا شك ( ما لم يستحلها )
هو كذلك بورك فيكم.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
و بناء على ما سبق يمكن القول:
1. أن من سجد لغير الله قاصداً عبادة الله بذلك فقد ارتكب محرماً لكنه غير مكفر، و أما من قصد عبادة المسجود له فقد أتى كفراً أكبر بلا خلاف.
هذا ظاهر.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
2. أن العلماء لم يفرقوا بين سجود التحية و سجود التعظيم بل ساقوهما مساقاً واحداً، فالتفريق يحتاج إلى دليل لأن السجود الاختياري متضمن تعظيم المسجود له.
أحسن الله إليكم بل فرق بعضهم كما نقل أولاً، وأجمل بعضهم بغير تفصيل في التحية وهم الأكثرون، ونص بعضهم على أن التعظيم إن كان في التحية فليس بشرك.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
3. نهي النبي عليه السلام عن السجود له تعظيماً دليل على أن هذا لا ينبغي و لكن ليس فيه الحكم على هذا السجود أنه عبادة لأن هذا كفر أكبر ما كان النبي عليه السلام ليؤخر بيانه، و هنا يمكن أن يقال أن قصد المعظـِّم بالسجود هو الذي يحكم على فعله بالكفر إن قصد عبادة المسجود له، أو عدمه إن قصد غير ذلك.
هذا على فرض أن سجود معاذ كان صرفاً للتعظيم على ذلك الوجه الخاص بالله للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد مضى بحث فيه.
ثم إن ثبت هذا فليس فيه دليل على أنه ليس بشرك بل فيه دليل ظاهر على أنه فعل محرم، والشرك من جملة المحرمات: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً).
بل قوله لمعاذ هنا من قبيل قوله لأبي بكر في حديث ابن لهيعة إنه لايستغاث بي وإنما يستغاث بالله والأثر بالطريق المذكور آنفاً ليس أحسن حالاً كثيراً من أثر ابن لهيعة.
وصح في حديث ابن مسعود لما ذهبوا إلى ملك الحبشة وجاء عمرو بن العاص مبعوثاً من قريش قال: "فقال جعفر : أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له : ما لك لا تسجد للملك قال : إنا لا نسجد إلا لله عز وجل قال : وما ذاك؟ قال : إن الله عز وجل بعث إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله عز وجل وأمرنا بالصلاة والزكاة" الحديث. والحديث رواه الإمام أحمد والحاكم وغيرهم.
فهذا نص على أن سجود التعظيم في شرعنا محض حق الله تعالى.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
4. و يشكل على السابق الإجماع على كون السجود للصنم أو الشمس أو الكواكب تعظيماً لها كفر بقطع النظر عن قصد الساجد عبادتها أو عدمه، و قد يقال حلاً لهذا الإشكال أن كفر الساجد لها إنما هو بسبب تعظيمه ما أمر الله بإهانته أو نهى عن تعظيمه حال كونه اتخذ نداً لله، و عليه فإن قول الإيجي في المواقف: " حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الإلهية بل سجد لها وقلبه مطمئن بالتصديق
لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله وإن أجري عليه حكم الكفر في الظاهر" يفهم على أن هذا السجود مظهر من مظاهر التعظيم لما نهى الله عن تعظيمه أو أمر بإهانته مما اتخذ نداً له، فيحكم على فاعله بالكفر في الظاهر.
الله عز وجل لم يأمرنا بإهانة الشمس أو القمر، بل قرر عظمهما وشكر الله عليهما لعظم نفعهما، وتعظيم الله بهما لعظم خلقهما.
ولهذا أقسم بهما، وجعلها من جملة آياته، ولهذا من عظمهما بغير سجوداً حامداً بذلك الله على فضله، وشاكراً لأنعمه كان في عداد المحسنين.
ولكن لعل الوجه الصحيح أن يقال الشمس والقمر لايتصور إرادة المرء بسجوده غير تعظيمهما، فلا يتصور أن يكون مراد الساجد للشمس أو القمر تحية للشمس أو القمر، بخلاف السجود للبشر، وهذا سبقت الإشارة إليه.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
5. و قد يكون الحل السابق جواباً على كلام القرافي رحمه الله " فإن قلت الله تعالى أمر بتعظيم الآباء والعلماء ولم يأمر بتعظيم الأصنام بل نهى عنه فلذلك كان كفرا قلت إن كان السجودان في المسألتين متساويين في المفسدة ...إلخ "
ذلك أن المفسدة متحققة بمجرد تعظيم ما اتخذ نداً لله مما نهى عن تعظيمه و إن لم يقترن بسجود أو غيره فهذا التعظيم محادة لله عز و جل، و أما تعظيم من أمر الله بتعظيمهم فليس فيه محادة لله عز وجل فلا يكون كفراً،
مجرد تعظيم الشمس ليس بكفر، وكذلك القمر، وكذلك خلق السماوات والأرض.
وإنما الكفر صرف عبادة مخصوصة محض حق الله لهما، وهي السجود تعظيماً، وهذا ما لاينبغي أن يفرق فيه بين الشمس والبشر طالماً كان التعظيم مخالطاً للفعل.
ولذلك لو استغاث إنسان بصنم أو بشمس أو بقمر فقد أتى شركاً، كما لو استغاث ببشر فيما هو من خصائص الله تعالى.
ولايدفع عنه وصف الفعل بالكفر هو أن البشر تسوغ الاستغاثة بهم فيما يقدرون عليه بشرطي الحياة والحضور، إذ صرف محض حق الله لغيره أياً كان ذلك الغير.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
و لا يعكر عليه اتخاذ البعض للمعظَّمين بإذن الله أنداداً من دون الله كفعل النصارى مع المسيح عليه السلام، لأن فعلهم هذا ليس مانعاً لنا من تعظيمه عليه السلام بل الممنوع هو مجاوزة الحد في هذا التعظيم بصرف شيء منه مما هو حق خالص لله عز و جل لهذا المعظَّم، فإن ثبت أن السجود تعظيماً لغير الله كان سائغاً إلى زمن المسيح ثم حرم في شريعتنا، علم أن صرفه لغير الله على هذا الوجه ليس كفراً بل محرم فقط.
نعم والنصارى ما أشركوا بمطلق تعظيمهم لعيسى ولكن بتعظيم مخصوص، لايجوز لهم ولا يجوز لنا، وما كان مشروعاً لهم من تعظيمه هو مشروع لنا في الجملة.
فمتى جاوز التعظيم المبذول للمعظم حداً لاينبغي إلاّ لله كان شركاً سواء صدر من النصارى أو ممن انتسب إلى غير ملتهم، وكذلك الأمر إن تعلق بغير عيسى عليه السلام. فالمعول على حق الله الذي يجب أن لايصرف لغير الله.
أما إذا ثبت أن السجود تعظيماً كان سائغاً فعندها نعلم أنه ليس محض حق الله، ولله ما أثقلها من كلمة قالها أعلام!

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
رغم كل ما سبق يبقى إشكال عملي، و هو أن المستقر في أذهان عامة المسلمين أن السجود عبادة، و التفريق بين سجود العبادة و سجود غير العبادة لا يكاد يعلمه إلا القليل، يضاف إلى ذلك أن التحية أو التعظيم عن طريق السجود لا يكاد يكون معروفاً في بلاد المسلمين، فالساجد منهم اليوم للقبور أو الأشياخ لا يخلو عن رجلين، إما رجل غلبته عاطفته و مشاعره فلم يتمالك نفسه فخرج عن وعيه و خر ساجداً و هذا أمره قريب، و إما رجل سجد مختاراً فسجوده هذا مع ما سبق بيانه من المستقر في الأذهان يشعر بمقدار ذا التعظيم الذي استولى على قلبه حتى فعل ما يعلم أنه في أصله عبادة لله، و هذا يشكل جداً عدم الحكم على فعله بالكفر، و لكن لما سبق ذكره من كلام العلماء لا سيما ما نقله القرافي من اتفاقهم، يتوقف المرء عن التصريح بالحكم على هذا الفعل بالكفر.
لعل الحكم بالظاهر هو الذي يلينا فعلينا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، فإذا كان الظاهر هو ما ذكرتم –بورك فيكم- فيقال ظاهر الفعل كفر، أما الفاعل فالحكم عليه بعد إقامة الحجة.
فإن صرف صارف لم يحكم بإنزال الفعل عليه.
كما قال من قال في من سجد للقمر، فإن صح أنه يريد تحية لظنه أن ذلك مشروع ولايريد صرف عبادة منه للقمر خلاف الظاهر وعلمنا هذا الناقل عن الظاهر حكمنا بأن فعله بدعة لا ترقى إلى حد الكفر.
وهذه قاعدة مطردة في كل فعل ظاهره الكفر، فمن سب الدين ففعله كفر هذا هو الظاهر، فإذا تبين بعد أنه ما أراد الدين ولكن أراد دين ذلك الرجل غير الملتزم بشريعة الرحمن أُدب ولم يحكم بكفره طالما أن ما خالف الظاهر دل عليه ما يفيده.
ولكن عند القضاء لاينتقل عن الظاهر إلاّ ببينة أو قرينة موضحة.
وهذه المسألة بحثها متعلق بمسألة العذر بالجهل.

هذا بعض ما عنّ وقد ضاق الوقت بتفصيل مواضع كان من حقها أن تفصل، وما يظهر أن سجود التحية هو ما كان على وجه التكريم والتوقير والاحترام سواء كان المحيى معظماً أو غير معظم، فإن وقع على وجه التعظيم والإجلال مصروفاً لقبر أو بشر فالأظهر أنه صرف لضرب من أنواع العبادة لغير الله دال على نوع الخضوع الذي قام بقلبه لذلك الشخص أو القبر.
وإذا لم يكن السجود تعظيماً وخضوعاً للمسجود له عبادة فما هي العبادة إذن؟

ومع ذلك فالمسألة لاتزال محل بحث ونظر، ولاسيما أن الخلاف فيها بين أهل العلم قديم كما رأيت، ومثل هذه المسائل التي خالف فيها مثل من خالف لاينبغي أن يتسرع في إنزال أحكام عظيمة بمثلها.

وما قيدته هنا ضرب من المذاكرة والمدارسة أسأل الله أن ينفعني به والقارئين، والله المستعان وهنو وحده المسؤول أن يوفق للحق ويهدي للصواب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 26-02-06, 04:13 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

جزاكم الله خيراً شيخنا الفاضل الأديب الأريب حارث الهمام على سعة صدركم و أناتكم في الرد على محبكم، و أنا إن كان في كلامي ما يوحي بأنني أعترض عليكم و أرد على بعض كلامكم فهذا إنما هو من باب ما يغلب على النقاش في المسائل العلمية، و إلا فإنه ليس لمثلي إلا أن يقف من مثلكم موقف التلميذ من شيخه، فمعذرة إن بدا مني غير ذلك.

قلتم شيخنا ( وقد دلت الأدلة على أن السجود تعظيماً من جملة العبادة،)

و لكن ألا تتفقون معي على أن هذا هو أصل المسألة؟ أعني بذلك أن المخالف يفرق بين سجود التعظيم و سجود العبادة، فلو أنه كان يرى السجود تعظيماً من جملة العبادة و لو كان هذا الأمر متفقاً عليه لما كان هناك خلاف أصلاً حول حكم سجود التعظيم لغير الله. فبناء عليه أسأل سؤالاً ـ في القلب منه غصة ـ ماهي الأدلة على أن السجود تعظيماً من جملة العبادة ؟ لا سيما و أنكم قلتم في مشاركتكم الأولى

( وأما السجود تعظيماً وإجلالاً للمقبور ظناً منه أن ذلك من جملة تعظيمه المشروع، فمسألة مشكلة كذلك )

فلو كانت الأدلة تدل على أن السجود تعظيماً من جملة العبادة فما وجه الإشكال في المسألة؟
و من جهة أخرى إذا كان السجود لا يستلزم التعظيم لغة كما قلتُم فما الدليل أن سجود المؤمن تعبداً لله فيه تعظيم لله؟

قلتم حفظكم الله (ولعل الحق أنه لم تصح حجة في أن السجود المذكور في سورة يوسف، أو التي أمرت به الملائكة كان سجود تعظيم مصروف ليوسف من دون الله تعالى. )

إن قول من قال من السلف أن هذين السجودين كانا للتعظيم لايستلزم أنه يقول أن هذا السجود هو صرف لحق من حقوق الله لآدم أو يوسف عليهما السلام، و بيان ذلك أن السجود إما أن يكون عبادة أو غير عبادة فكل سجود عبادة فيه تعظيم للمسجود له، و ليس كل سجود تعظيم يكون عبادة للمسجود له.
إن الذي حاولت قوله سابقاً أن العلماء من السلف و الخلف إن ذكر بعضهم التحية دون التعظيم أو ذكروها مقترنة به فليس ذلك من قبيل التفرقة في الوصف التي ينبني عليها التفرقة في الحكم، فنحن مثلاً نقول لمن يقف لتلقي القادم أنه وقف تحية و نقول أنه وقف تبجيلاً و نقول وقف توقيراً و تعظيماً لقدره و لا نريد بذكر التحية منفردة تارة و التبجيل منفرداً تارة أو التعظيم تارة أخرى أن نثبت تغايراً أو فرقاً و اختلافاً بين تلك المعاني لأن كل هذه المعاني متحققة في هذا الوقوف، و يبين هذا الأمر من واقع مسألتنا قول ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 4/361: " ثم يقال السجود على ضربين سجود عبادة محضة وسجود تشريف..." و كان قد قال قبل ذلك بقليل " فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم وسجود أخوة يوسف له تحية وسلام ..." فدل ذلك على أنه يسوق سجود التشريف و التكريم و التعظيم و التحية والسلام مساقاً واحداً بلا فرق و أن كل هذه السجودات بما فيها سجود التعظيم ليس لازماً أن تكون من جنس سجود العبادة.
إن من الأدلة على أنهم لم يفرقوا هذه التفرقة أن أحداً لم ينكر على من قال أن السجود ليوسف كان تعظيماً قائلاً لا بل كان تحية لا تعظيماً، نعم ذكر بعضهم التحية دون التعظيم و ذكر البعض الآخر التعظيم دون التحية و جمع بينهما آخرون و لم يكن مراد أي منهم التفرقة بين السجودين فلابد لإثبات مرادهم التفرقة من بيان.
أما المنكرون فهم إنما أنكروا أن يكون هذا السجود هو السجود بالهيئة المعروفة فقالوا بل إيماءً أو انحناءً ، و ما ذاك ـ و الله أعلم ـ إلا لكونهم لم يتقبلوا أن يجوز السجود لأحد من الخلق على أي صورة تحية كان أو تعظيماً أو غير ذلك.

قلتم شيخنا (فبعضهم قال إن سجود إخوة يوسف تعظيم ليوسف عليه السلام، وقيل نحو ذلك في سجود الملائكة لكن ما هي حجة هذا القول؟ هل لمن قاله دليل؟)

رغم أنني لا أميل لما ذكرتموه من كون العلماء قد فرقوا بين سجود التحية و سجود التعظيم إلا أنني أقول أنه لو سلمنا بالتفرقة فلا حجة أيضاً للقائلين بأنه سجود تحية، هذا إن أريد بالحجة و الدليل النقل عن المعصوم عليه السلام.
أما إن أريد غير ذلك كاللغة والعقل فيأتي إن شاء الله في التالي

قلتم حفظكم الله (ولست أنكر بأن السجود في اللغة من معانيه المستخدمة الخضوع والتذلل، ولكن ليس هذا أصله –على الصحيح-الواجب حمله عليه ما لم تدل قرينة على خلافه.)
فإذا قلت ما أصله، أقول قال ابن فارس: السين والجيم والدال أصل واحد مطرد يدل على تطامن وذل.



فسواء كان أصل السجود هو الخضوع و التذلل أو كان التطامن و الذل فكلاهما يدل على ذل الساجد للمسجود له، سواء سجد طوعاً أو كرهاً، راضياً مختاراً أو كارهاً مجبراً،فأي فرق كبير بين القولين؟
فمن سجد لأي أحد راضياً مختاراً فقد أذل نفسه للمسجود له و ما ذاك إلا لما قام في قلبه من تعظيم للمسجود له، و إلا فلماذا يذل نفسه له؟
و سواء كان سجوده هذا تحية أو إكراماً أو تشريفاً فإنه يكون بذلك قد أذل نفسه للمسجود له ـ على الصحيح من أصل السجود كما ذكرتم ـ و هذا يستلزم تعظيم المسجود له كما هو ظاهر، و الله أعلم.
فإذا كان الذل هو أصل السجود فيكون لازماً من لوازمه لا ينفك عنه، فحتى المكره على السجود و المبغض للمسجود له فإن الذل لازم له من سجوده، فإن اختار المرء لنفسه هذا السجود و هذا الذل و رضي به فلا ريب أن ذلك لا يكون منه إلا تعظيماً للمسجود له، و لذلك يصح و الله أعلم القول بأن التعظيم لازم للسجود الاختياري.
إذا صح ما سبق فيمكن القول أن اللغة و العقل يستلزمان أن يكون الساجد مختاراً راضياً معظماً للمسجود له.

(قلتم شيخنا فإنه إن ثبت أن التعظيم من أصل السجود لاينفك عنه فإن الخروج عن الأصل لأدلة تحريم السجود تعظيماً لغير الله. )

إن ثبت أن التعظيم من أصل السجود فهذا يعني أن السجود لغير الله لم يكن كفراً في شريعة من قبلنا لأنه كان جائزاً فهل يمكن أن يكون كفراً في شرعنا لأنه حرم فيه؟




وقلتم بارك الله فيكم
فهنا صورتان:
الأولى: رجل يريد التقرب إلى الله تعالى بتعظيم أوليائه بشيء ظنه مشروعاً وهو السجود تحية لهم.
والثاني: رجل أراد أن يتقرب لصاحب القبر بالسجود له.
فقلتُ وهناك صورة ثالثة و هي أن الساجد سجد تعظيماً لاعتقاده أن المسجود له يستحق هذا السجود ولم يرد بذلك التقرب إلى الله و لا التقرب ـ تعبداً ـ للمسجود له...

فقلتم ( طالما أثبتم التعظيم فإما أن يكون مصروفاً لله وهذا هو القسم الأول أو مصروفاً لغير الله وهذا هو القسم الثاني، ولايمكن إثبات تعظيم غير متعلق بأحدهما.
فالتعظيم من حيث هو عبادة وعمل قلبي جليل لابد له من معظم متعلق به. )


نحن نتفق شيخنا أن في العبادة تعظيماً للمعبود، و أنه ليس كل تعظيم عبادة، فهذه الصورة الثالثة التي ذكرتُها مبنية على فرض أن سجود التعظيم ليس بالضرورة أن يكون سجود عبادة، و أنا لم أعن ِ أن هذا التعظيم ليس متعلقاً بأحد بل هو متعلق بالمسجود له لكن لا على وجه عبادته، فهذه الصورة هي الموافقة لما يفهم أنه قول الجمهور في المسألة كما قلتم و هو الذي سبب لدي الإشكال و ما تبعه من فتح الموضوع كما لا يخفى عليكم.

قلتُم بارك الله فيكم ( بل روى من حديث شريك بسنده عن قيس بن سعد رضي الله عنه ما هو أصلح من هذا صححه الحاكم ووافقه الذهبي –وجاء من غير طريق شريك كما عند البيهقي بإسناد حسن لعل بعض من ضعف أثر شريك من أهل العلم لم يقف عليه- ما يفيد أن السجود كان تحية ... فبين أنه استقر في نفوسهم ترك السجود لقبره إذا لاتتصور تحيته بذلك ولا تنبغي، ولو كان الشأن تعظيماً لما اختلف عنه في قبره أو حياته الدنيوية صلى الله عليه وسلم، فتعظيمه مطلوب حياً وميتاً. )

و هذا شيخنا قد يجاب عنه بأجوبة:
1. المرزبان هو أَحَدُ مَرَازِبة الفُرْسِ وهو الفارِسُ الشُّجاعُ المقدّمُ على القَوْمِ دون المَلِك وهو مُعَرَّب وحكي عن الأَصمعي أَنه يقال للرئيس من العجم مَرْزُبان، و تخصيصهم المرزبان بالسجود يشعر بأن سبب ذلك هو التعظيم، و قد ذكرتمُ في صة النجاشي أن السجود له سجود تعظيم فهذا مثل ذاك.
2. يدل أيضاً على أن سبب السجود هو التعظيم قول قيس رضي الله عنه " رسول الله أحق أن يسجد له " و لو كان الأمر مجرد تحية خالية من التعظيم لاستحسن قيس هذه التحية لكل المسلمين.
3. تعليق الأمر بسجود النساء للرجال بـ " لما جعل الله عليهن من الحق " و لفظ ابن حبان " لما عظم الله عليها من حقه " يشعر أيضاً بنوع تعظيم.
4. أن ترك السجود لقبره صلى الله عليه و سلم مع كونه مستقراً في نفوسهم لكن هذا قد يكون لما علموه من نهيه عليه السلام عن اتخاذ القبور مساجد و عن الصلاة إلى القبور، و هو أظهر من أن يكون لسبب التحية و التعظيم.
5. لو لم يكن في الحديث دلالة على التعظيم فإفادته كفر من سجد لغير الله ـ كما ذكرتم في موضع آخر ـ تعني كفر من سجد لغير الله مطلقاً تحية كان ذلك أو تعظيماً، و أنتم بارك الله فيكم فرقتم.


أما قولكم بارك الله فيكم (ثم يقال ثانياً:
إن سلم أنه تعظيم فالنبي صلى الله عليه وسلم أنكر هذا ولم يقره مع احتماله، وبين أنه لاينبغي لأحد أن يسجد لأحد، وهذا يبين بأن سجود معاذ رضي الله عنه لا ينبغي إلاّ لله، فقد علم أن السجود تعظيماً للخالق سبحانه مشروع بل هو عبادة يتقرب إلى الله بها عند ورود أسبابها. وقد جاءت بذلك ألفاظ ذكرها أهل العلم قال شيخ الإسلام: " وحديث معاذ لما رجع من الشام فسجد للنبي فقال ما هذا يا معاذ فقال رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال يا معاذ أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدا له قال لا قال فلا تسجد لي فلو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها فمن لا ينهى الضالين عن مثل هذا الشرك المحرم بإجماع المسلمين كيف ينهى عما هو أقل منه".
وقال: " ولما سجد له معاذ نهاه وقال أنه لا يصلح السجود إلا لله ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".
وقال الإمام ابن القيم: " وقال : [ لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد ] وأنكر على معاذ لما سجد له وقال : مه! وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله وهو من أبلغ أنواع العبودية فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز العبودية لغير الله".)


فيقال:
1. كون النبي صلى الله عليه و سلم أنكر هذا السجود و قال " فلا تفعلوا " فإن دل إنكاره على حرمة سجود التعظيم فلا يدل على كونه عبادة مختصة بجناب الله.
2. أما لفظ " لا يصلح السجود إلا لله " فلم أجده في روايات الحديث و الظاهر أن ابن تيمية رحمه الله ذكره بالمعنى حيث قال في موضع آخر( قال فإنه لا يصلح السجود إلا لله أو كما قال )
3. أما وصف ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله هذا السجود بأنه شرك و عبودية لغير الله فليس في كلامهما ما يدل على أنهما يعنيان سجود التعظيم دون سجود التحية.

قلتم شيخنا (ثم إن مسألة نسخ التوحيد الذي يظهر أنها محل تفصيل وإجمال، أما كون العقائد لا تنسخ فهذا حق إلاّ أن تعلقه بموضوعنا محل بحث، )

و موضوع بحثنا هو السجود لغير الله، و السجود لله عبادة أهل السماوات و الأرض، و هي عبادة في شريعة يعقوب عليه السلام كما قلتم لاحقاً " وكيف يكون سجودهم لله تعظيماً وقد كان في شريعتهم عبادة يتقربون بها إلى الله، ..." فعاد مرجع الكلام كله إلى سجود التعظيم هل منه ما هو عبادة ومنه ما ليس كذلك أم أن كل سجود تعظيم يكون سجود عبادة.

قلتم حفظكم الله (قلتم –أحسن الله إليكم- :" أما بالنسبة للآية فنعم، بل يعسرجداً تصور أن يعقوب قد سجد لابنه يوسف عليهما السلام تعظيماً" ثم قلتم: " أما كون التحية لا تستلزم التعظيم، فالكلام إنما هو على السجود بقصد التحية لا على مطلق التحية، و قد سبق بيان أن التعظيم لازم للسجود الاختياري...".
لا أستطيع فهم انسجامه إلاّ إذا كنتم تشيرون إلى أن سجود يعقوب لم يكن باختيار؟)



فالجواب في قولي " إلا إن قيل أنه بسجوده له إنما كان من جهة كون يوسف عليه السلام عزيز مصر فجرى على عادة الناس في ذلك الزمان من السجود لملوكهم بقطع النظر عن كونه يوسف ابنه"
أي أن سجود يعقوب عليه السلام تعظيماً لابنه يعسر تصوره من حيث هو ابنه، أما سجوده لعزيز مصر تعظيماً له إن كان جائزاً في شرعتهم فلا يعسر تصوره لا سيما إن كان هذا العزيز نبياً، و أنا هنا أتحدث عن السجود في الآية تحديداً و هو سجود أب نبي لابنه النبي، أما لو لم يكن يعقوب نبياً فلا يعسر أبداً تصور سجوده لابنه النبي كما أنه لا يعسر تصور سجود إخوة يوسف له تعظيماً، لذا قلت ما قلت عن دلالة الآية، فالتعظيم في هذا السجود المذكور في الآية يستفاد من أصل السجود في اللغة فهو قدر زائد عن مدلول الآية كما ذكرتم و لكن في حق يعقوب خاصة، و لا يخفى عليكم ما ذكره بعض أهل العلم من كون يعقوب عليه السلام إنما سجد ليحقق رؤيا يوسف عليه السلام و قول بعضهم أنه سجد ليقتدي به بنوه ليزيل ما في القلوب من إحن بسبب ما كان في القصة، و على هذا فإن كان سجود يعقوب لا على سبيل التعظيم فيكون هذا استثناء لسجوده من أصل السجود الذي يلزم منه التعظيم، و الله أعلم.

(فما هو الدليل العقلي الذي يلزم بأن السجود لايكون إلاّ تعظيماً؟ )

هو ما سبق ذكره من كون أصل السجود في اللغة يرجع إلى ذل الساجد للمسجود له، فمن اختار أن يذل لغيره راضياً مختاراً فلا يمكن بحال إلا أن يكون ذلك منه لتعظيمه إياه.

قلتم شيخنا ( ولكن هل سجود التعظيم من قبيل سجود العبادة أو هو من قبيل سجود التحية؟
الذي يظهر هو الأول، وإطلاق شيخ الإسلام يشهد له فلم يستثنه. )


و لا يخفى عليكم أن تفريقكم بين سجود التحية و سجود التعظيم قد أشكل علي من البداية لا سيما و أنني لا أجد في كلام العلماء ما يفهم منه هذا التفريق.
من جهة أخرى فعدكم كلام ابن تيمية يشهد لهذا التقسيم لأنه لم يستثنه غير مسلم، لأنه لم يصف السجود للملوك و المشايخ ـ في النقل الأخير" أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ..." ـ لا بسجود التعظيم و لا بسجود التحية فكونه أراد به سجود التحية دون التعظيم يحتاج لقرينة غير موجودة، بل في كلامه ما يدل على أنه رحمه الله لا يفرق بين سجود التعظيم و التشريف و التحية كما مر في بداية هذه المشاركة، و أعيده هنا
قال في الفتاوى 4/361: " ثم يقال السجود على ضربين سجود عبادة محضة وسجود تشريف..." و كان قد قال قبل ذلك بقليل " فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم وسجود أخوة يوسف له تحية وسلام ..." و ربما أنكم شيخنا قد عنيتم هذا النقل بقولكم سابقاً
" ثم فرق بين أن يقال الأمر بالسجود فيه تشريف وتكريم وتعظيم، وبين أن يقال سجد الرجل للرجل تعظيماً."
و أنتم كما ترون من كلامه فإنه رحمه الله لا يتكلم عن الأمر بالسجود بل عن نفس السجود.
و أيضاً فأنتم قد اعترضتم على كون السجود في أصل اللغة يعني الخضوع و التذلل و رأيتم كما فهمتُ أنه لو صح هذا المعنى فيسلم أن يكون التعظيم لازماً للسجود، فابن تيمية رحمه الله يقول (والسجود مقصوده الخضوع وسجود كل شىء بحسبه) فكلامه في الفتوى المنقولة يحمل على فهمه لمقصود السجود و إن كان خاطئاً.فبناء على ما فهمتُه من اعتراضكم على معنى السجود و أنه الخضوع و التذلل فإن ابن تيمية رحمه الله يقول بأن التعظيم لازم للسجود، و حيث إنه فيما يظهر لا يفرق بين سجود التحية و التعظيم، فإن التوفيق الذي ذكرته بين كلامه يكون متوجهاً، و الله أعلم.

قلتُ
نعم شيخنا هو محرم و لا ينبغي و لكن عده كفراً لا يمكن أن يستفاد من حديث معاذ كما سبق بيانه، و الله أعلم.

فقلتم (لم أفهم كيف لايمكن ذلك، إذا أخبره بأنه لاينبغي إلاّ لله فهذا يثبت أنه عبادة، والعبادة دلت الأدلة المتظافرة على أن صرفها لغير الله شرك مخرج عن الملة، اللهم إلاّ إن قيل لم يرد معاذاً سجود التعظيم بل أراد سجود تحية وإكرام كما جاء في بعض الرويات التي تبين أن تحية القوم لأنبيائهم وكبرائهم كانت كذا.)



لكن شيخنا أنا لم أجد في أي من روايات الحديث لفظة " لا ينبغي إلا لله "، فإذا كانت هذه العبارة فقط هي الدليل من الحديث على أن هذا السجود كان عبادة فعدم وجودها يعني أن الحديث لا يمكن أن يستفاد منه أن السجود لغير الله يعد كفراً.
من جهة أخرى شيخنا فقولكم " إذا أخبره بأنه لاينبغي إلاّ لله فهذا يثبت أنه عبادة " يعني أن هذه العبارة لوثبتت فهي تدل على أن السجود الذي سجده معاذ كفر سواء سجد سجود تعظيم كما أقول أو سجود تحية كما تقولون، و عندها يكون لاستشكالي تفريقكم بين السجودين وجه. فإما ان يكون قوله " لا ينبغي إلا لله " يثبت أنه عبادة سواء كان تعظيم أو تحية، و إما ألا تكون عبارة " لا ينبغي إلا لله " ـ على فرض ثبوتها ـ كافية لإثبات هذا السجود كعبادة.
ثم إنني قد قلتُ شيخنا في مشاركة سابقة أن عدم إنكار النبي عليه السلام على معاذ سجوده كإنكاره على من قالوا له اجعل لنا ذات أنواط و إنكاره على من قال له ما شاء الله و شئت يدل على أن معاذاً رضي الله عنه لم يأت بفعل مكفر، و إلا فلا يتصور أن يكون فعله هذا كفراً ثم يكتفي النبي صلى الله عليه و سلم بقوله " فلا تفعلوا ".



قلتم حفظكم الله (شكر الله لك؛ ما هو ظاهر السجود؟
هل الظاهر هو السجود الشرعي؟ )

و أيضاً (سبقت الإشارة في رد سابق إلى أن الله تعالى قال: (ويخرون للأذقان) بهذا التقييد ظاهر في الهوي على الوجوه، وقيل: "وفرق بين أن تقول خر ساجداً، وبين أن تقول خر لوجهه ساجداً، أو يخرون للأذقان سجداً. فتقييد الانحطاط [ ربما عنيتم الخرور ] بالوجوه والأذقان يفهم منه معنى السجود المعروف، بخلاف اللفظ إذا لم يقيد فقد يفهم منه الانحطاط جالساً على سبيل الإكرام.)


لا يخفى عليكم شيخنا أنه لو ثبت أن سجود إخوة يوسف لم يكن بوضع الجباه على الأرض بأن كان مجرد إيماء أو انحناء ـ دون الركوع المعروف ـ لزال الإشكال من أصله، و أنا قد فهمتُ من عبارتكم السابقة أن { خروا سجداً } لا تدل بالضرورة على وضع الوجوه على الأرض بخلاف { يخرون للأذقان سجدا} فأقول:

قال تعالى { خروا سجدا و بكيا } مريم 58 وقال سبحانه { خروا سجدا } السجدة 15 و يوسف100

أما الآية في سورة مريم فقد قال ابن كثير
أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعا واستكانة وحمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة والبكي جمع باك فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم

فهذا يدل على أن السجود هنا هو بوضع الجباه على الأرض كما هو معروف عند المسلمين، فأنتم ترون أن هذه العبارة { خروا سجدا } بدون أي قيد ـ كالأذقان ـ لم يفهم منها إلا السجود على الوجوه.

أما في سورة السجدة فقد اقتصرت أغلب التفاسير على أن المراد هو السقوط على الوجوه قال القرطبي:
وقيل : المراد به السجود وعليه أكثر العلماء أي خروا سجدا لله تعالى على وجوههم تعظيما لآياته وخوفا من سطوته وعذابه
و ذكرت بعض التفاسير أن المراد هو الركوع و هو محكي عن ابن عباس رضي الله عنهما و ليس ذلك لعدم القيد بالأذقان أو الوجوه بل قال القرطبي : قال المهدوي : وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة السجدة واستدل بقوله تبارك وتعالى : { وخر راكعا وأناب }
و قال الألوسي : ومن مذهب ابن عباس أن القارئ لآية السجدة يركع واستدل بقوله تعالى : { وخر راكعا وأناب }
فحمل السجود على غير السجود المعروف لم يكن لعدم وجود القيد المذكور بل حملاً له على ما في سورة ص.

أما في سورة يوسف فقد تعددت الأقوال في تفسير ذاك الخرور و السجود و كما يظهر فإن تفسير من فسره بالانحناء أو الإيماء لم يكن بسبب عدم وجود القيد المذكور ـ للأذقان ـ فلم يقل أحد منهم بذلك، و لكنه و الله أعلم لكون السجود بالهيئة المعروفة لغير الله فيه مظنة العبودية لغيره سبحانه و تعالى فتأوله من تأوله صرفاً له عن السجود المعروف.

و المراد مما سبق أن القرآن يفسر بعضُه بعضَه فطالما أن { خروا سجدا } في مريم و السجدة تدل على السجود على الوجوه بلا قيد فكذلك في يوسف فإنها لا تحتاج لقيد كي تدل على هذا السجود.

أما قوله تعالى { يخرون للأذقان سجداً }
فقد قال الطبري [ جزء 8 - صفحة 163 ]
" إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون تعظيما له وتكريما وعلما منهم بأنه من عند الله لأذقانهم سجدا بالأرض واختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله { يخرون للأذقان } فقال بعضهم : عني به : الوجوه ... وقال آخرون : بل عني بذلك اللحى " ا.هـ
فيكون المعنى عند الأولين يخرون لوجوههم سجداً بالأرض و عند الآخرين يخرون للحاهم سجداً بالأرض، فالسجود على الأرض لم يستفاد من لفظ الأذقان بل من الخرور للسجود.

فتح القدير [ جزء 3 - صفحة 377 ]
{ يخرون للأذقان سجدا } أي يسقطون على وجوههم ساجدين لله سبحانه وإنما قيد الخرور وهو السقوط بكونه للأذقان : أي عليها لأن الذقن وهو مجتمع اللحيين أول ما يحاذي الأرض قال الزجاج : لأن الذقن مجتمع اللحيين وكما يبتدئ الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن وقيل المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإيثار اللام في للأذقان للدلالة على الاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور أو خصوا الخرور بأذقانهم

روح المعاني [ جزء 15 - صفحة 189 ]
(إذا يتلى أي القرآن عليهم يخرون للأذقان الخرور السقوط بسرعة والأذقان جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين ويطلق على ما ينبت عليه من الشعر مجازا وكذا يطلق على الوجه تعبيرا بالجزء عن الكل قيل وهو المراد وروي عن ابن عباس فكأنه قيل يسقطون بسرعة على وجوههم سجدا تعظيما لأمر الله تعالى أو شكرا لإنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك ... وفسر الخرور للأذقان بالسقوط على الوجوه الزمخشري ثم قال : وإنما ذكر الذقن لأنه أول ما يلقى الساجد به الأرض من وجهه وقيل : فيه نظر لأن الأول هو الجبهة والأنف ثم وجه بأنه إذا ابتدأ الخرور فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض هو الذقن وكأنه أريد أول ما يقرب به من اللقاء وجوزأن تبقى الأذقان على حقيقتها والمراد المبالغة في الخشوع وهو تعفير اللحى على التراب أو أنه ربما خروا على الذقن كالمغشي عليهم لخشية الله تعالى وقيل : لعل سجودهم كان هكذا غير ما عرفناه وهو كما ترى
وقال صاحب الفرائد المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف حتى كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض وهو وجه حسن جدا واللام على ما نص عليه الزمخشري للاختصاص وذكر أن المعنى جعلوا أذقانهم للخرور واختصوها به ... فمعنى الاختصاص بالذقن الاختصاص بجهته ومحاذيه وهي جهة السفل ولا شك في اختصاصه به إذ هو لا يكون لغيره فمعنى يخرون للأذقان يقعون على الأرض عند التحقيق والمراد تصوير تلك الحالة كما في قوله
فخر صريعا لليدين وللفم
فتأمل ، واختار بعضهم كون اللام بمعنى على ) ا.هـ

ففي كل هذه الآيات لم يستفاد معنى السجود على الهيئة المعروفة عند من قال به من قوله تعالى { خروا } فضلاً عن أن يكون من قوله تعالى { للأذقان } بل إن هذا المعنى مستفاد من لفظ السجود نفسه أما الخرور فيفيد معنى زائداً عن السجود و هو السقوط بسرعة أو بصوت كما ذكرتم، و أما قيد للأذقان فواضح من كلام المفسرين أن البحث في المراد منه لم يكن لبيان دلالته على أن السجود كان على الهيئة المعروفة، بل على العكس فإن بيان المراد من هذا القيد احتاج منهم أخذاً و رداً لتقرير هذا المراد و هو في كل الأحوال ليس بيان هيئة هذا السجود و أنه على الهيئة المعروفة بل بيان أمر زائد ، بخلاف الآيات التي لم يذكر فيها هذا القيد فقرر من قرر منهم أن السجود هو السجود المعروف دون أخذ و رد، بعبارة أخرى فإن قوله تعالى { خروا سجدا } بدون قيد الأذقان كان واضح الدلالة في إرادة السجود أو الركوع المعروفين، أما مع قيد الأذقان فقد احتيج لمعرفة دلالة هذا اللفظ على المراد منه إلى بحث و أخذ و رد، فهذا يدل على أن استفادة إرادة السجود المعروف لم تكن من هذا القيد، و الله أعلم.

أما قولكم (بخلاف اللفظ إذا لم يقيد فقد يفهم منه الانحطاط جالساً على سبيل الإكرام.
ويشير إلى هذا المعنى قوله في أول السورة: (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين)، ولا يتصور ذلك في الكواكب إلاّ بانحطاطها له، فجاء تأويل الرؤيا مثلها، ومن تأمل الآثار الفرعونية والرسوم الرومانية ونحوها لحظ أن سجودهم هو انحطاط في جلسة أشبه بالجلوس على أطراف القدمين مع خفض إحدى الركبتين.". )



أما اللفظ فقد قيد بالسجود .
و أما قولكم أن " خروا سجداً " بدون قيد الأذقان أو الوجوه قد يفهم منه الانحطاط جالساً، فكيف يكون ذلك؟ إن أحداً من المفسرين لم يقل بأن ذاك السجود كان جلوساً على أي صورة كان هذا الجلوس، و إذا كان هذا هو المراد فلماذا يعبر القرآن بهذا اللفظ الموهم و لماذا لا يقول و خروا له جلوساً مثلاً ؟
أما عدم تصور سجود الشمس و القمر إلا بالانحطاط فنحن لا نشاهد من حالهما سوى الدوران في فلكيهما فلا نعرف لهما هيئة سجود و لا انحطاط فإذا تصورنا انحطاطاً فلا مانع من أن نتصور سجوداً، لا سيما و أن هذه الرؤيا من الغيب الذي لا نعلم ماهيته، فإذا كانت المعاني قد تتشكل في هيئة حسية كالعمل الصالح في القبر مثلاً، فما المانع أن تكون هذه الكواكب قد تصورت على هيئة أشخاص في الرؤيا فسجدوا ليوسف، أو أن تكون على هيئتها فخرت من السماء عند قدمي يوسف عليه السلام؟
أما صورة الجلسة التي ذكرتموها في الآثار فلم أستطع تصورها إلا أن تكون جثياً على الركب، و على كل الأحوال فما الدليل على كون هذه الهيئة المذكورة هي " سجودهم " كما ذكرتم؟

قلتُم بارك الله فيكم ( ولايلزم من خر أن يخر الرجل على وجهه ساجداً بل هذا تقييد بغير مقيد للخرور، )

نعم شيخنا لا يلزم، و لكن المقيد موجود و هو قوله تعالى { سجداً }

(ولهذا لما أراده في الآية ذكره، وإذا كان هذا هو الظاهر لم يكن لذكره في قوله: (ويخرون للأذقان) كبير فائدة )

و في التفاسير بيان للفائدة من ذكر الأذقان كما سبق

(بل لما أصبح لتقيد الخرور بالسجود فائدة فكل خار على هذا التقدير ساجد )

لكن شيخنا لم يقل أحد أن كل خار يكون ساجداً بل ما نقلتُه عن الشوكاني رحمه الله يبين ذلك حيث قال " وخروا له سجدا فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع الوجه على الأرض "

فهو خرور مقيد بالسجود فكيف يحمل على الجلوس أو على أي شيء آخر غير السجود؟
أما قولكم " لما أصبح لتقييد الخرور بالسجود فائدة " فالسؤال شيخنا ما هي الفائدة من هذا القيد؟ أليست بيان أن هذا الخرور كان للسجود لا لشيء آخر؟ إذا كان الجواب بلى، فقد ثبت بذلك أن هذا السجود كان على حقيقته و ليس انحناء و لا إيماء.

قلتم شيخنا ( فالذي يظهر أنه أراد من هذا التعبير تصوير كيف ميلهم وانخفاضهم فذكر أنه خرور وانصباب له صوت، ولايلزم منه أن يكون وجهه على الأرض أو معتمداً على يديه وإن لم يكن وجهه عليها، أو غيره،بل كله محتمل، ولعظم الاحتمال ما العلامة الألوسي إلى ما نقلتموه عنه، والله أعلم. )

و لماذا لا يقال أن المراد من هذا التعبير هو تصوير كيفية سجودهم على وجوههم و أنه كان سقوطاً بصوت، لا سيما و أن هذا هو الأنسب لاستعمال القرآن للخرور إلى السجود كما في آيتي مريم و السجدة.
و الذي يظهر و الله أعلم أنه لولا المحذور من تجويز السجود لغير الله تعالى في شرعة من قبلنا لما ذهب المفسرون إلى تلك الاحتمالات، أما الألوسي رحمه الله فمما يقوي ما ذهبتُ إليه سابقاً من تفسير ميله في نهاية المطاف إلى كون السجود كان انحناء على خلاف ما قرر أنه الظاهر من السجود قوله في آخر النقل عنه " ولا يبعد أن يكون ذلك بالخرور " فكيف يتصور انحناء مع سقوط بصوت ، اللهم إلا أن يقال أن هذا الانحناء وصل إلى حد الركوع كما في سورة ص و هو على قول من فسر الركوع فيها على ظاهره؟ و إلا فأين هو هذا السقوط بمجرد الانحناء أو الإيماء؟ فإن قيل هو ركوع فالمحذور فيه كالمحذور في السجود.
إن مما يضعف القول بأن سجود الأخوة كان انحناء أو إيماء هو ما ذكرتموه من معنى الخرور و أنه سقوط بصوت و هذا متعذر في الإيماء أما الانحناء فمتعذر فيما دون الركوع، مع أن التسليم بأن الركوع يكون مصحوباً بصوت فيه شيء من التكلف لا يخفى بخلاف السجود لا سيما عندما يكون بالسقوط و على الركب، بل إن في صدق وصف الخرور على الركوع المعروف نظر فليس في هذا الركوع سقوط، قال القرطبي رحمه الله : " قال الحسين بن الفضل : سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قول الله عز وجل : { وخر راكعا } فهل يقال للراكع خر ؟ قلت : لا قال : فما معنى الآية ؟ قلت : معناه فخر بعد أن كان راكعا أي سجد "

قلتُ
2. أن العلماء لم يفرقوا بين سجود التحية و سجود التعظيم بل ساقوهما مساقاً واحداً، فالتفريق يحتاج إلى دليل لأن السجود الاختياري متضمن تعظيم المسجود له.
فقلتم (أحسن الله إليكم بل فرق بعضهم كما نقل أولاً، وأجمل بعضهم بغير تفصيل في التحية وهم الأكثرون، ونص بعضهم على أن التعظيم إن كان في التحية فليس بشرك. )


لم يظهر لي موضع ذلك النقل فليتكم تشيرون إليه، و لا أعني بالتفريق ذكر أحدهما دون الآخر بل أعني النص على أن هذا السجود كان تحية لا تعظيماً، إن الذي بين أيدينا من نقول عن أهل العلم هو نصهم أن هذا السجود لم يكن عبادة ثم منهم من قال أنه للتعظيم و منهم من قال أنه للتحية، و لكن لا أظن أحداً قال أنه للتحية لا للتعظيم.


قلتُ 3. نهي النبي عليه السلام عن السجود له تعظيماً دليل على أن هذا لا ينبغي و لكن ليس فيه الحكم على هذا السجود أنه عبادة لأن هذا كفر أكبر ما كان النبي عليه السلام ليؤخر بيانه، و هنا يمكن أن يقال أن قصد المعظـِّم بالسجود هو الذي يحكم على فعله بالكفر إن قصد عبادة المسجود له، أو عدمه إن قصد غير ذلك.

فقلتم (هذا على فرض أن سجود معاذ كان صرفاً للتعظيم على ذلك الوجه الخاص بالله للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد مضى بحث فيه.
ثم إن ثبت هذا فليس فيه دليل على أنه ليس بشرك بل فيه دليل ظاهر على أنه فعل محرم، والشرك من جملة المحرمات: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً)


فالمطلوب هو دلالة الحديث على كون هذا الفعل شرك و ليس حراماً فحسب.

(بل قوله لمعاذ هنا من قبيل قوله لأبي بكر في حديث ابن لهيعة إنه لايستغاث بي وإنما يستغاث بالله والأثر بالطريق المذكور آنفاً ليس أحسن حالاً كثيراً من أثر ابن لهيعة.)

قد تقدم القول أن دلالة الحديث على كون هذا السجود شرك يعني أن السجود سواء كان تعظيماً أو تحية يكون شركاً و في هذا إبطال للتفرقة بين السجودين.
أما حديث ابن لهيعة فنصه عند الطبراني أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم ـ هو أبو بكر رضي الله عنه ـ : قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله
فهذا ظاهر في أن الاستغاثة التي عناها أبو بكر رضي الله عنه هي من جنس الاستغاثة المشروعة بالحي فيما يقدر عليه و هذه ليست محرمة فضلاً عن أن تكون شركاً فكلام النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن إنكاراً لمحرم أو لشرك وقع، فهذا يختلف عما نحن بصدده، أما المراد من كلامه فقد قال في تيسير العزيز الحميد [ جزء 1 - صفحة 206 ]
قوله إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله قال بعضهم فيه التصريح بأنه لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأمور وإنما يستغاث بالله والظاهر أن مراده صلى الله عليه وسلم إرشادهم الى التأدب مع الله في الألفاظ لأن استغاثتهم به صلى الله عليه وسلم من المنافق من الأمور التي يقدر عليها إما بزجره أو تعزيره ونحو ذلك فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه صلى الله عليه وسلم لجانب التوحيد وتعظيم الله تبارك وتعالى ... فإن قلت ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى فاستغاثه الذين من شيعته على الذي من عدوه فإن ظاهر الحديث المنع من إطلاق لفظ الاستغاثة على المخلوق فيما يقدر عليه وظاهر الآية جوازه قيل تحمل الآية على الجواز والحديث على الأدب والأولى والله أعلم. ا.هـ


(وصح في حديث ابن مسعود لما ذهبوا إلى ملك الحبشة وجاء عمرو بن العاص مبعوثاً من قريش قال: "فقال جعفر : أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له : ما لك لا تسجد للملك قال : إنا لا نسجد إلا لله عز وجل قال : وما ذاك؟ قال : إن الله عز وجل بعث إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله عز وجل وأمرنا بالصلاة والزكاة" الحديث. والحديث رواه الإمام أحمد والحاكم وغيرهم.
فهذا نص على أن سجود التعظيم في شرعنا محض حق الله تعالى.)


فيقال أولاً لم جزمتم شيخنا أن السجود هنا إنما هو سجود تعظيم رغم أنكم قلتُم في سجود إخوة يوسف أن لا حجة لمن قال أن السجود للملوك في زمانهم كان للتعظيم ؟
أما الحديث فلفظ الحاكم ليس فيه " و أمرنا ألا نسجد لأحد إلا لله عز و جل " بل فيه " فقال جعفر : لا نسجد إلا لله فقال له النجاشي : و ما ذاك ؟ قال : إن الله بعث فينا رسوله و هو الرسول الذي بشر به عيسى برسول يأتي من بعده اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله و لا نشرك به شيئا و نقيم الصلاة و تؤتي الزكاة و أمرنا بالمعروف و نهانا عن المنكر قال : فأعجب الناس قوله ..." و الحديث قال عنه الذهبي : على شرط البخاري و مسلم، و ليس فيه دلالة قاطعة على كون السجود لغير الله شرك، أما المقطوع به في الحديث فهو كون السجود لغير الله ليس من شرعة هذا النبي صلى الله عليه و سلم، أما لفظة " و أمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله " فهي في مسند الإمام أحمد و عند الطبراني و فيه حديج بن معاوية قال الهيثمي في المجمع وثقه أبو حاتم وقال : في بعض حديثه ضعف وضعفه ابن معين وغيره وبقية رجاله ثقات، و قد ضعف حديث المسند الشيخ شعيب الأرناؤوط.
فالرواية الصحيحة ليس فيها " و أمرنا ألا نسجد لأحد إلا لله " و على فرض صحتها فلو دلت على كون السجود لغير الله كفر فلا وجه للتفريق بين سجود التعظيم و سجود التحية في هذا الحكم.

قلتُ
و يشكل على السابق الإجماع على كون السجود للصنم أو الشمس أو الكواكب تعظيماً لها كفر بقطع النظر عن قصد الساجد عبادتها أو عدمه، و قد يقال حلاً لهذا الإشكال أن كفر الساجد لها إنما هو بسبب تعظيمه ما أمر الله بإهانته أو نهى عن تعظيمه حال كونه اتخذ نداً لله،
فقلتم الله عز وجل لم يأمرنا بإهانة الشمس أو القمر،


نعم بارك الله فيكم، أمرُ الله بالإهانة عنيتُ به الصنم، أما الشمس و القمر فعنيتهما و الكواكب بقولي أو نهى عن تعظيمه ...

قلتم أحسن الله إليكم (ولهذا من عظمهما بغير سجوداً حامداً بذلك الله على فضله، وشاكراً لأنعمه كان في عداد المحسنين.)

و لكن هل شكر الله على نعمتي الشمس و القمر فيه تعظيم لهما؟ أليس هذا الشكر من تعظيم الله عز و جل؟ إنني أقول هذا الكلام لأنني لا أجد من نفسي تعظيماً للشمس و القمر، نعم أقول أنهما آيتان عظيمتان من آيات الله لكنني لا أعظمهما، كما أقول عن قيصر و كسرى مثلاً أنهما عظيما الروم و الفرس دون أن أكون بذلك معظماً لهما.
إنني أتصور تعظيم المرء لأشياخه أو آبائه أو أصحاب الفضل عليه، لكنني لا أتصور تعظيمه للشمس و القمر و الكواكب ما لم يقترن بذلك اعتقاد تأثيرها، بل إن أكثر الناس غافلون عن تعظيم الله عز و جل بمشاهدة إنعامه و تفضله عليهم بهذه الآيات فكيف بتعظيمها؟
فالسؤال هو هل يجوز تعظيم الشمس و القمر و الشجر و الحجر؟ إذا كان الجواب هو نعم يجوز تعظيمها فلا يكون لكلامي الذي نقلتموه وجه، أما إن كان لا يجوز فهل يكون شركاً أم لا؟
فإن كان شركاً أو ذريعة للشرك بخلاف تعظيم من أمرنا الله بتعظيمهم و تعظيم حقوقهم من الأنبياء و الصالحين و الآباء فكلامي حينئذ يكون له وجه، و الله أعلم.

(ولكن لعل الوجه الصحيح أن يقال الشمس والقمر لايتصور إرادة المرء بسجوده غير تعظيمهما، )

تعظيم المخلوقين منه ما هو كفر و منه ما ليس كذلك كما ذكرتُم في موضع آخر، فإذا تجاوز المعظِّم الحد في تعظيمه فعظم المخلوق كتعظيم الخالق فإنه يكفر بذلك و لو لم يسجد للمعظَّم.
و هذا هو معنى قولي حال كونه اتخذ نداً لله أي في التعظيم.
إذاً إذا جاز أن يكون من السجود لغيرالله ما ليس بكفر و جاز أن يكون من التعظيم لغير الله ما ليس بكفر، فهل سجود من سجد هذا السجود لما يعظمه هذا التعظيم يكون كفراً أم لا؟

قلتُم (فلا يتصور أن يكون مراد الساجد للشمس أو القمر تحية للشمس أو القمر، بخلاف السجود للبشر، )

و لكنكم بينتم في نهاية كلامكم أن هذا ممكن الوقوع حيثُ قلتم

(كما قال من قال في من سجد للقمر، فإن صح أنه يريد تحية لظنه أن ذلك مشروع ولايريد صرف عبادة منه للقمر ... )

قلتُ ذلك أن المفسدة متحققة بمجرد تعظيم ما اتخذ نداً لله مما نهى عن تعظيمه و إن لم يقترن بسجود أو غيره فهذا التعظيم محادة لله عز و جل، و أما تعظيم من أمر الله بتعظيمهم فليس فيه محادة لله عز وجل فلا يكون كفراً،
فقلتُم (مجرد تعظيم الشمس ليس بكفر، وكذلك القمر، وكذلك خلق السماوات والأرض.)


فكلامي السابق كان محاولة لإيجاد فرق مؤثر في الحكم بالكفر على من سجد تعظيماً للشمس و عدم الكفر على من سجد تعظيماً للصالحين، و إلا فالعز كما نقل القرافي رحمهما الله كان يستعظم هذا الموقف.
و ربما يصبح الكلام مقبولاً إذا عدل إلى " ذلك أن المفسدة متحققة بمجرد تعظيم ما اتخذ نداً لله مما نهى عن تعظيمه و إن لم يقترن بسجود أو غيره فإذا انضاف إلى هذه المفسدة مفسدة أخرى هي السجود لما نهى الله عن تعظيمه كان هذا السجود على هذا الوجه محادة لله عز و جل فيكون كفراً "

و بعدُ فقد حاولتُ في هذه المشاركة أن أوضح مرادي من بعض ما كنتُ قلتُه فيما مضى و كذلك الاستفسار عن بعض ما أشكل علي من كلام الشيخ الفاضل حارث الهمام، فأدعو الله عز و جل أن يوفقنا للصواب في هذه المسألة التي أشكلت و ما تزال تشكل علي، ولكنني في النهاية أميل إلى التوقف في وصف السجود لغير الله بالكفر ـ و والله إنه لأمر ثقيل على نفسي جداً ـ لكنه الأحوط فيما أرى، لا سيما و أنني لم أجد حتى الآن دليلاً قاطعاً على كون السجود لغير الله لا على سبيل العبادة يكون كفراً، و الله أعلى و أعلم و رد العلم إليه أسلم.

و صل اللهم على عبدك و نبيك محمد و على آله و صحبه و سلم.
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 02-03-06, 12:26 PM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

وصلتني رسالة من أحد الإخوة الأفاضل ينبه فيها على أن بعضهم استدل بالكلام السابق على مسألة أخرى ليست متعلقة بالبحث وهي مسألة السجود لغير الله مجاملة للطمع في الدنيا أو غيرها ، وهذا الفعل يختلف تماما عن سجود التحية السابق بحثه من المشايخ حفظهم الله ، فمن سجد لغير الله مجاملة أو لغرض دنيوي فإنه مشرك مرتد عن دينه والعياذ بالله، ولايقال فيه إنه لم يقصد الشرك ونحو ذلك من التوجيهات الباطلة من قول بعضهم أن من سجد لغير الله مجاملة وهو غير مقر بقلبه فإنه ليس بمشرك ، فهذا قول باطل ومخالف لمنهج السالف الصالح رضوان الله تعالى عليهم في أن الكفر يكون بالفعل كالسجود لغير الله ونحو ذلك ، وأن الكفر والشرك ليس محصورا في عمل القلب فقط بل يشمل ذلك عمل الجوارح كمن قتل نبيا أو ألقى المصحف وهدم الكعبة وغير ذلك.

وكلامنا هنا في هذا الموضوع كان فقط حول ما يتعلق بسجود التحية الذي أثاره الإمام الذهبي رحمه الله وعفا عنا وعنه وذلك لوجود ما يدل على أن هناك سجود تحية كان عند الأمم السابقة، وأنه لم يكن شركا ، وأما الأفعال الأخرى غيرها فلا دليل عليها .

وأما من يذهب إلى القول الباطل فإنه يعمم ذلك في جميع الأمور مثل الذبح لغير الله ودعاء غير الله وأنه لابد أن يصرح بلسانه أنه فعل ذلك شركا وكفرا ، فهذا القول مجانب للصواب ، فقد حارب الصديق رضي الله عنه أهل الردة ولم يأمر باستنطقاهم: هل أنت فعلت هذا مجاملة ومداهنة لمسيلمة ومن معه أم أنك فعلته ردة وكفرا، بل حكموا عليهم بالردة وقاتلوهم على ذلك ، وهذا هو مذهب أهل الإسلام والسنة على مر الزمان .

فالمقصود أن الكلام هنا فقط على ما يتعلق بسجود التحية الذي أثاره الذهبي رحمه الله ولايشمل ذلك غيره من الأمور الأخرى كالذبح لغير الله أو دعاؤه أو غير ذلك من أفعال الشرك والكفر .
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 03-03-06, 01:50 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

شيخنا الفقيه ... بارك الله في علمكم و عملكم و نفع بكم

جزاكم الله خيراً شيخنا على تنبيهكم و توضيحكم، و أنا كنتُ أخشى أن يستغل البعض هذا النقاش للربط بين هذه المسألة و بين الذبح و النذر لغير الله أو غير ذلك من أفعال الشرك!

من جهتي أحب أن أوضح بعض الأمور حتى لا تختلط الأوراق و يظن بي إخواننا الظنونا:

1- أنني خلال البحث في الموضوع كنتُ كمن يسير في حقل مليء بالشوك لا يسلم من وخزه إلا من سلمه الله.
2- أن الكثير مما كتبتُه يخالف هواي فلقد كنتُ أتمنى أن يقودنا البحث إلى كون السجود لغير الله على أي صورة كانت شرك أكبر و أن سجود إخوة يوسف كان جائزاً و نسخ و أن يكون هناك حل لمسألة نسخ العقائد، و لكن لما رأيتُ أن الأدلة غير كافية خالفتُ هواي عسى أن ألتزم في ذلك بوصف أهل السنة ـ جعلنا الله منهم ـ أنهم يستدلون ثم يعتقدون بخلاف أهل البدع.
3- أن الكثير مما كتبتُه لم يكن من باب التقرير بل هو لكونه من باب طرح الإشكالات التي تبحث عن حلول أقرب.


في ضوء ما سبق اسمح لي شيخنا بما يلي:

إن أصل الموضوع هو " هل السجود لغير الله كفر؟ "

فإن ثبتَ أن أي شكل من أشكال السجود لغير الله كفرٌ فلن يغير من هذا الأمر كون الساجد لم يرد عبادة المسجود له أو لم يستحل بقلبه السجود له تماماً كالذبح و النذر لغير الله، و أما إنزال حكم الكفر على هذا الساجد بعينه فإنما يكون بتحقق شروط و انتفاء موانع هذا التكفير تماماً كما في الذبح و النذر.

و أما إن لم يثبت أن صورة ما من صور السجود لغير الله كفرٌ ففي هذه الحال لا نستطيع أن نحكم على هذا الفعل أنه كفر و بالتالي لا نستطيع أن نحكم على فاعله بالكفر إلا إن بين له أن هذا الفعل محرم فاستحله، أما إن فعله مقراً بحرمته فهذا و إن أتى معصية إلا أنه لا يكفر .

فالآن نأتي إلى الصورة المذكورة و هي السجود لغير الله طمعاً في الدنيا ـ و أرجو أن يتسع صدركم و صدور إخواننا لما سأقول إذ أقوله و في القلب منه غصة ـ فأقول ما الدليل شيخنا على كون هذا السجود كفرٌ؟

لقد نقلتُ في إحدى المشاركات السابقة كلاماً لابن تيمية رحمه الله أعيده هنا بتمامه للفائدة و النقاش

الفتاوى 1 / 372 - 373

( سئل رحمه الله
عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره كذلك ،فأجاب:

أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضا كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا، ولما رجع معاذ من الشام سجد للنبي فقال ما هذا يا معاذ؟ قال يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال كذبوا عليهم لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من أجل حقه عليها يا معاذ إنه لا ينبغي السجود إلا لله وأما فعل ذلك تدينا وتقربا فهذا من أعظم المنكرات ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينا فهو ضال مفتر بل يبين له وأن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل
وأما اذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه أو حبسه أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذى يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثرالعلماء فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه وهو المشهور عن أحمد وغيره ولكن عليه مع ذلك أن يكرههه بقلبه ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان، ومن علم الله منه الصدق أعانه الله تعالى وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك. وذهب طائفة الى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال ويروى ذلك عن ابن عباس ونحوه قالوا إنما التقية باللسان وهو الرواية الآخرى عن أحمد.
وأما فعل ذلك لأجل فضول الرياسة والمال فلا. وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسنا مثل أن يَكرَه كلمة الكفر وينوي معنى جائزا والله أعلم.)


ففي كل الصور السابقة لم يحكم باستتابة أحد إلا الذي بُيِّن له أن سجوده لغير الله ليس قربة لله كما يزعم و يفتري بل هو محرم ثم أصر بعد البيان على اعتقاد أنه قربة لله فكأنه بذلك قد استحل ما حرم الله فيستتاب فإن تاب و إلا قتل أي ردة.

أما السجود لأجل فضول الرياسة فلم يفصل فيه هذا التفصيل و بين فقط أنه لا يجوز، تماماً كما قال في أول الجواب أن السجود للملوك و الشيوخ لا يجوز، فهل لنا أن نفهم من كلامه رحمه الله أنه يقول أن السجود لغير الله لا على سبيل العبادة للمسجود له ـ إذ لم يذكر هذه الصورة في جوابه و حكمها واضح ـ لا يكون كفراً على أي صورة كان إلا إذا اعتقد الساجد حِلَّ ذلك بعد أن يبين له أن هذا السجود ليس قربة له سبحانه و ليس من دينه الذي شرعه لعباده؟

في الختام أرجو مرة ثانية أن يتسع صدر مشايخنا الكرام لهذا الكلام الذي لم أرد منه إلا الوصول للحق مهما كان.

و جزاكم الله خيراً.
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 03-03-06, 01:59 AM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

بارك الله فيكم
كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله على السجود فقط وفي حالة الإكراه فقط وهو يقصد به سجود التحية وليس سجود العبادة ، ومع ذلك احترز بكون الفاعل يفعل ذلك لله .
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 03-03-06, 02:08 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

و فيكم بارك الله شيخنا

لقد قال في آخر الجواب " وأما فعل ذلك لأجل فضول الرياسة والمال فلا "

فليس هو للتحية و ليس الساجد من أجل فضول الرياسة و المال مكرهاً على السجود.

جزاكم الله خيراً.
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 03-03-06, 02:17 AM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

إذا فعل ذلك لأجل فضول المال والرئاسة فلا يكون حينذاك مكرها فلا يجوز له الفعل
(( وأما اذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه أو حبسه أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذى يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثرالعلماء فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم))

وهو يتكلم عن سجود التحية عند ملوك المسلمين وإلا فلو كانوا يأمرون الناس بالسجود لهم عبادة لكانوا مشركين ، فتأمل بارك الله فيك قوله في البداية ((أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام بعض(( الشيوخ)) وبعض ((الملوك)) فلا يجوز ))

ومما يدل على أنه يقصد التحية قوله كذلك ((وأما فعل ذلك(( تدينا وتقربا ))فهذا من أعظم المنكرات ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينا فهو ضال مفتر بل يبين له وأن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل))

ومما يدل على ذلك أنه ذكر أنواعا متعددة من التحية كرفع الرأس وتقبيل الأرض.


والتركيز على السجود في هذه المسألة من تتبع المشتبهات لوجود سجود التحية وسجود العبادة ، بخلاف غيرها من الأمور الواضحة كالذبح والدعاء وغيرها.
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 03-03-06, 02:33 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

جزاكم الله خيراً شخنا

لقد قلتُم ( إذا فعل ذلك لأجل فضول المال والرئاسة فلا يكون حينذاك مكرها فلا يجوز له الفعل )

لا خلاف بيننا أنه ليس مكرهاً، و لا خلاف أنه ليس سجود عبادة ، و لا خلاف أنه لا يجوز

السؤال: هل هذا السجود كفرٌ؟ إن قيل نعم فما الدليل؟

السؤال الثاني: هل يقال لمن سجد لفضول الرياسة و المال أنه سجد سجود تحية، أم أنه سجود طمع؟

قلتُم شيخنا

والتركيز على السجود في هذه المسألة من تتبع المشتبهات لوجود سجود التحية وسجود العبادة ، بخلاف غيرها من الأمور الواضحة كالذبح والدعاء وغيرها.


فإن أردتم أن أتوقف عن الكتابة في الموضوع فسأفعل إن شاء الله، فماذا ترون؟
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 03-03-06, 02:44 AM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

بارك الله فيكم وحفظكم

القصد أن السجود الذي ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله من أجل المال هو سجود تحية
فمعنى هذا أنه سجد سجود تحية لأجل فضول المال والمنصب ، هذا ما أقصده بارك الله فيكم.

وقد استفدنا من مشاركاتك كثيرا فجزاك الله خيرا وبارك الله فيك ، ونتمنى منك المواصلة في الإفادة

والمقصود من هذا أن بعض الناس يستدل بكلام الإمام ابن تيمية رحمه الله أو الذهبي في كلامهم على السجود الذي هو للتحية فيسحبه على جميع الأمور الأخرى ، فلعلك عرفت المقصود بارك الله فيك.
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 03-03-06, 02:55 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

أحسن الله إليكم شيخنا و جزاكم خيراً على ما قلتُم مما لا أستحق عشر معشاره.

أما مقصودكم الذي ذكرتموه في آخر المشاركة السابقة فواضح و كنتُ من البداية أخشى من مثله، لكن هنا الآن نقطة تستحق التأمل:

لقد ذكرتم في المشاركة 29

فمن سجد لغير الله مجاملة أو لغرض دنيوي فإنه مشرك مرتد عن دينه والعياذ بالله،

فهل ما زال هذا رأيكم أم أنكم تتوقفون الآن في الحكم بذلك؟

إن كنتم ما زلتم تقولون به فما الدليل على هذا القول؟

شكر الله لكم صبركم و سعة صدركم
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 03-03-06, 03:15 AM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 9,996
افتراضي

القصد من الكلام السابق من سجد سجود عبادة وليس سجود تحية ، وجزاكم الله خيرا على تنبيهكم وإفادتكم.
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 03-03-06, 03:47 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

و إياكم شيخنا ... بارك الله فيكم
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 05-04-06, 12:29 AM
أبو مشاري أبو مشاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-04-02
المشاركات: 608
افتراضي

وجدت هذا الرد على بعض الصوفية ممن استدل بكلام الذهبي السابق للأخ ( أبو اسامة ) من هذا الموقع، و قد قمت بنقله هنا ، ومنكم نستفيد :
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء الكناني

في نقاش مع بعض المتصوفة نقل ما يلي عن الإمام الذهبي رحمه الله:

"...وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا بل يكون عاصيا فليعرف أن هذا منهي عنه وكذلك الصلاة إلى القبر"

وعزاه إلى معجم شيوخ الذهبي 1/74

فهل عزوه صحيح؟ و هل يوجد الكتاب على الشبكة؟

جزاكم الله خيراً
( يقول :)

فأقول ما نقلت من نصوص ليس لك فيها حجة للآتي:
أولا :ما ذكرت عن الذهبي محمول على من سجد للقبر وهو جاهل بدلالة قوله فيعلم ، فهل يكفر أم لا على قولين لأهل العلم :
الأول : ومنهم الذهبي إلى أنه يعذر بالجهل . والقول الثاني: أنه لا يعذر بالجهل والخلاف في المسألة سائغ .
وفي هذا يقول في مطالب أولي النهى
"ويتجه أن السجود لغير الله كبيرة من الكبائر العظام سواء كان لجامد أو متحرك ولو بنية التهكم - ويستتاب من فعل ذلك فإن تاب وإلا قتل غير نحو صنم وكوكب سواء كان من السيارة أو الثوابت فإن السجود لذلك كفر بإجماع المسلمين" ( الجزء6/ 613)
لكن مسألتنا في غير الجاهل والمكره
ثانيا: لا يلزم من التلبس بعمل شركي ان يحكم على صاحبه بالشرك اذ ليس كل من وقع في الشرك يكون كافرا أو مشركا لاحتمال وجود موانع التكفير
ثالثا : محل الاجماع والذي لا يعلم فيه خلاف بين أهل العلم كون السجود والطواف عبادة وهذا ما ادعيت فيه الاجماع فان كان صرف العبادة لغير الله ليس شركا فما الشرك اذا ؟؟؟ قال القرطبي في تفسيره
"ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى لأن السجود عبادة والعبادة لا تكون إلا لله" (1/289)
وذكر ابن كثير في التفسير
"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين قال بن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن يعني بذلك نحر البدن ونحوها وكذا قال قتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والربيع وعطاء الخرساني والحكم وسعيد بن أبي خالد وغير واحد من السلف وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله والذبح على غير اسمه" ( 4/559)
و إنما يقول هذا القول ابن الراوندي ومن على شاكلته من زنادقة الصوفية الذين تمجودون
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
" وكان إبن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر والتغطية وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفرا ولا يجوز إيمان إلا ما كان في اللغة إيمانا وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ولا السجود لغير الله كفر ولكنه علم على الكفر لأن الله بين أنه لا يسجد للشمس إلا كافر" ( مجموع الفتاوى 7/548)

وفي البحر الرائق( 8/226) قال شمس الأئمة السرخسي : " السجود لغير الله على وجه التعظيم كفر"
و في إعانة الطالبين ج4/ص136
قال في الاعلام وفي المواقف وشرحها من صدق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك سجد للشمس كان غير مؤمن بالإجماع لأن سجوده لها يدل بظاهره على أنه ليس بمصدق ونحن نحكم بالظاهر فلذلك حكمنا بعدم إيمانه لأن عدم السجود لغير الله داخل في حقيقة الإيمان حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الالهية بل سجد لها وقلبه مطمئن بالتصديق لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله وإن أجرى عليه حكم الكافر في الظاهر
__________________
قال العلامة محمد الخضر حسين - رحمه الله - :
(( فكل ساعة قابلة لأن تضع فيها حجراً يزداد به صرح مجدك ارتفاعاً ، و يقطع به قومك في السعادة باعاً أو ذراعاً ، فإن كنت حريصاً على أن يكون لك مجدك الأسمى ، و لقومك السعادة العظمى ، فدع الراحة جانباً ، و اجعل بينك و بين اللهو حاجباً .))
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 06-04-06, 08:41 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

أحسن الله إليك أخي الكريم أبو مشاري و نفع بك

أخي الكريم ... لقد كان هناك اتفاق في الموضوع ـ كما رأيتَ ـ على أن من السجود ما هو عبادة فهذا كفر بلا خلاف ومنه ما ليس بعبادة كسجود التحية و في كونه كفراً خلاف، و حصل خلاف حول سجود التعظيم أيلحق بسجود العبادة فيكون كفراً أم بسجود التحية.

و قد استوقفني في مشاركتك الكريمة قولك ناقلاً:

أولا :ما ذكرت عن الذهبي محمول على من سجد للقبر وهو جاهل بدلالة قوله فيعلم ، فهل يكفر أم لا على قولين لأهل العلم :
الأول : ومنهم الذهبي إلى أنه يعذر بالجهل . والقول الثاني: أنه لا يعذر بالجهل والخلاف في المسألة سائغ .
وفي هذا يقول في مطالب أولي النهى
"ويتجه أن السجود لغير الله كبيرة من الكبائر العظام سواء كان لجامد أو متحرك ولو بنية التهكم - ويستتاب من فعل ذلك فإن تاب وإلا قتل غير نحو صنم وكوكب سواء كان من السيارة أو الثوابت فإن السجود لذلك كفر بإجماع المسلمين" ( الجزء6/ 613)
لكن مسألتنا في غير الجاهل والمكره



فلا شك أن كلام الذهبي رحمه الله عن الذي يجهل حرمة السجود للقبر، و لكن كما لا يخفى عليك فإن مسألة العذر بالجهل تتعلق بالفاعل لا بالفعل، فسواء كان من وقع في الكفر يعذر بجهله أو لا يعذر فإن هذا لا يغير من كون ما وقع فيه كفر.

فهل الذهبي رحمه الله هنا يتحدث عن الفاعل أم عن الفعل ؟ كلامه محتمل، لأنه قال " لا يُكفَّر أصلاً " فكلمة أصلاً تقوي أن يكون مراده أن الفعل بذاته ليس كفراً حتى يكفر فاعله و لو قرأت كلامه السابق قليلاً للعبارة الذكورة لملت إلى ذلك حيث قال : " ... وكان إذا تنـخّم لا تكاد نـخامته تقع إلاّ فـي يد رجلٍ فـيدلك بها وَجْهه، ونـحن فَلـمَّا لَـمْ يَصح لَنَا مِثْل هذا النَصِيب الأوْفَر تَرَامَيْنَا علـى قَبْره بـالالتزام والتَّبْجِيـل والاِسْتِلاَم والتَّقْبِـيـل،... "

أما النقل من مطالب أولي النهى فأراه يدل على غير ما أراد الأخ الكريم الذي نقلتَ عنه فالسجود لجامد أو متحرك و لو بنية التهكم كبيرة عظيمة ـ لم يقل أنها كفر ـ أما السجود للصنم أو الكوكب فكفر بالإجماع و لم يكتف هنا بقوله كبيرة.

أما قول الأخ الكريم

ثالثا : محل الاجماع والذي لا يعلم فيه خلاف بين أهل العلم كون السجود والطواف عبادة وهذا ما ادعيت فيه الاجماع فان كان صرف العبادة لغير الله ليس شركا فما الشرك اذا ؟؟؟ قال القرطبي في تفسيره
"ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى لأن السجود عبادة والعبادة لا تكون إلا لله" (1/289)



فلو كان هناك إجماع على أن السجود بكل أنواعه عبادة لما كان هناك داع لكل هذا النقاش الطويل و لقضي الأمر، لكن الواقع بخلاف ذلك بل لو قلتُ لك أنه لا خلاف على أن من السجود ما ليس بعبادة لكان أقرب و إلا فهل سجد إخو يوسف له عبادة ؟ اللهم لا و راجع كلام كل المفسرين للآية.

أما كلام القرطبي رحمه الله فإذا قرأناه في سياقه فسيفقد دلالته على الإجماع المذكور في كلام الأخ الكريم فقد ذكره رحمه الله في معرض بحث أيهما أفضل الملائكة أم الأنبياء فقال:

تفسير القرطبي [ جزء 1 - صفحة 239 ]
" وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى لأن السجود عبادة والعبادة لا تكون إلا لله فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد وهذا واضح "

فهو يتكلم عن السجود للكعبة و أنه و إن كان إلى جهتها إلا أنه سجود لله.

و في ثنايا الموضوع الكثير من كلام العلماء الذي ينفي أن يكون كل سجود عبادة.

و أما القول بأن السجود لغير الله على كل وجه كفر بالإجماع فهذا الإجماع غير ثابت، قال القرافي رحمه الله في الفروق:

(( المسألة الأولى ) اتفق الناس على أن السجود للصنم على وجه التذلل والتعظيم له كفر ولو وقع مثل ذلك في حق الولد مع والده تعظيما له وتذللا أو في حق الأولياء والعلماء لم يكن كفرا ... )

في الختام أخي الكريم فربما كان في المشاركة 30 بيان لبعض ما أوردتموه باختصار و إلا فإن متابعة ما دار من نقاش في كل المشاركات سيعطي صورة أوضح، و نحن بانتظار فوائدكم و إضافاتكم ... و دمت بعافية.
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #41  
قديم 06-04-06, 07:34 PM
أبو مشاري أبو مشاري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-04-02
المشاركات: 608
افتراضي

بارك الله فيكم أخي أبو البراء على فوائدكم الطيبة
__________________
قال العلامة محمد الخضر حسين - رحمه الله - :
(( فكل ساعة قابلة لأن تضع فيها حجراً يزداد به صرح مجدك ارتفاعاً ، و يقطع به قومك في السعادة باعاً أو ذراعاً ، فإن كنت حريصاً على أن يكون لك مجدك الأسمى ، و لقومك السعادة العظمى ، فدع الراحة جانباً ، و اجعل بينك و بين اللهو حاجباً .))
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 07-04-06, 02:17 AM
أبو البراء الكناني أبو البراء الكناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
المشاركات: 200
افتراضي

و فيك بارك الله أخي الفاضل و جزاك ربي خيراً
__________________
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 23-01-12, 03:52 PM
محمد بن عبد الله العلي محمد بن عبد الله العلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-09-11
المشاركات: 99
افتراضي رد: هل السجود لغير الله كفر؟

(فتوى مهمة)

السؤال: السجود عند الصنم والقبر، والذبح عند الصنم والقبر كذلك، هل يكفر صاحبه أم لابد أن يُنظر هل هو ذبح للصنم وسجد للصنم أو ذبح لله وسجد لله عند ذلك؟

الجواب: هذه سفسطة وحذلقة لا تجوز، من ذبح عند القبر فهو مشرك، ومن سجد عند القبر فهو مشرك، ولا علينا من هل نوى ما نوى، كل هذه سفسطة.

صاحب الفضيلة العلامة الوالد / صالح بن فوزان الفوزان.
[شرح قاعدة جليلة في التوسل / الدرس الرابع عشر / من ١:٠٩:٥٦ إلى ١:١٠:٢٩]
وهذا رابط الدرس: http://www.archive.org/download/fouzan-tawasul/14.mp3
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 23-01-12, 04:59 PM
سفيان البجاوي سفيان البجاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-09-11
الدولة: بجاية
المشاركات: 272
افتراضي رد: هل السجود لغير الله كفر؟

حفظ الله الشيخ العلامة صالح الفوزان
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 03-05-12, 06:28 PM
أبو المقداد أبو المقداد متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-06-03
المشاركات: 1,942
افتراضي رد: هل السجود لغير الله كفر؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد بن عبد الله العلي مشاهدة المشاركة
(فتوى مهمة)

السؤال: السجود عند الصنم والقبر، والذبح عند الصنم والقبر كذلك، هل يكفر صاحبه أم لابد أن يُنظر هل هو ذبح للصنم وسجد للصنم أو ذبح لله وسجد لله عند ذلك؟

الجواب: هذه سفسطة وحذلقة لا تجوز، من ذبح عند القبر فهو مشرك، ومن سجد عند القبر فهو مشرك، ولا علينا من هل نوى ما نوى، كل هذه سفسطة.

صاحب الفضيلة العلامة الوالد / صالح بن فوزان الفوزان.
[شرح قاعدة جليلة في التوسل / الدرس الرابع عشر / من ١:٠٩:٥٦ إلى ١:١٠:٢٩]
وهذا رابط الدرس: http://www.archive.org/download/fouzan-tawasul/14.mp3
لا يصح إطلاق السفسطة على مثل هذا ، فالسفسطة مصطلح له معنى محدد .

وهل كلام ابن باز سفسطة ؟
__________________
إن اللئيم وإن تظاهر بالندى*لابد يوما أن يسيء فعالا
أما الكريم، فإن جفاه زمانه* لا يرتضي غير السماحة حالا

تويتر:https://twitter.com/AhmedEmadNasr




رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:49 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.