ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 31-03-03, 02:48 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي مفهوم التجديد في أصول الفقه ...؟!

ينبغي للمسلم أن يكون واعياً على الثقافة الإسلامية، واقفا على علومها، لا سيما وأن الأمة تعيش تحت مطارق الغزو الرأسمالي، وتصطلي بنيران جيوشه، وأن بلاد الإسلام أصبحت مسرحاً لإمامة الكافر الفكرية، وولايته الأيديولوجية. لقد أدرك الكافر خطورة مفاهيم الثقافة الإسلامية على مساعيه، فركز ضربات معوله عليها حتى سقط بعض المسلمين أمام هذه الضربات، وتأثروا بالأفكار الموبوءة الغازية، وصاروا يؤولون الثقافة الإسلامية ويخرجون عليها، وصار بينهم وبينها فراغٌ لا بد من ردمه ورأب صدعه.

=====================================

ولا يزال أزلام الكافر ـ من أشباه المفكرين ووعاظ السلاطين ـ مستمرين في هجومهم السافر وضربهم لفروع هذه الثقافة، ولا أجد أدل على ذلك من خروجهم المستمر على وسائل الإعلام بآراء تحمل في طياتها السم الزعاف وفي مضامينها الموت الزؤام والتي يكون ضحيتها أصحاب العقول المعقولة عن الفهم من أبناء المسلمين، وما نريد أن نعرضه في هذه الوريقات: مفهوم حاول شياطين الإنس أن ينفذوا من خلاله لدك صرح علم أصول الفقه ـ وهو صرح شاده علماء المسلمين الأساطين وأعلوا من بنائه ـ والإتيان عليه من القواعد وهو مفهوم تجديد أصول الفقه.

إن عملية استخراج الأحكام الشرعية واستنباطها، تتطلب عدة أمور هي:

الأول: وضع الإصبع على أدلة التشريع الراشدة بوحي الله، ورشاد الأدلة بوحي الله: يعني أن يقوم الدليل القطعي على اعتبارها في التشريع من الخالق.

الثاني: تحديد القواعد اللازمة للتعامل مع هذه الأدلة سواء على مستوى أقسام الكتاب والسنة، أم على مستوى أقسام اللغة.

الثالث: شخص محصل لآلة الاجتهاد وجامع لشرائطه يستطيع الولوج في هذا البحر دون أن يغرق، وصعود العقبة الكؤود دون أن تزل قدمه، ومن هنا اشتمل علم أصول الفقه ـ كما عرفه الإمام سيف الدين الآمدي في إحكامه على [أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها، من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل].

وقد أولى علماء المسلمين أصول الفقه عنايتهم، وصرفوا فيه جهودهم، لأنه هو الضامن لبقاء التشريعات الإسلامية صافية لا تشوبها الشائبات ولا تكدرها الكدورات من غير جنسها، لا سيما وقد بعد العهد بفجر التشريع ولم يبق اللسان العربي على حاله سليماً، يقول صاحب الفحول: [فإن هذا العلم ـ أي الأصول ـ هو قطاط الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه].

وفي عصرنا هذا، يحاول الكافر وأزلامه ضرب هذا العلم والإجهاز عليه من خلال الدعوة إلى أصول فقه جديد يتواءم مع متطلبات العصر، وظروف الحياة، يقول الترابي في كتابه (تجديد الفكر الإسلامي): [وفي يومنا هذا أصبحت الحاجة إلى المنهج الأصولي الذي ينبغي أن نؤسس عليه النهضة الإسلامية حاجة ملحة، لكن تتعقد علينا المسألة بكون علم الأصول التقليدي الذي نلتمس فيه الهداية لم يعد مناسباً للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء...] ا.هـ.

وتظهر ملامح المنهج الأصولي الذي يدعو الترابي إليه من تصفح لكتابه هذا، فهو يرى أن النصوص في مجال الحياة العامة أقل عدداً وأوسع مرونة، وهي نصوص مقاصد أقرب منها إلى نصوص الأشكال، ويرى ـ أيضا ـ أن الإجماع هو: الاستفتاء الشعبي أو رأي الأكثرية أو الأغلبية البرلمانية، ويرى أن القياس: هو القياس الفطري ودعك من المقيس عليه ومن العلة ومن مسالك العلة، وأن الاجتهاد حق لكل الناس حتى العوام وغير ذلك.

إن دعوتهم هذه هي في حقيقتها محاولة لنسف أساس من أسس البنيان التشريعي الإسلامي، وهذا يعني: أنها محاولة لتقويض الشريعة ووأد محاولات العاملين على إعادتها سيدة المجتمع، أي: أن تكون الشريعة هي الحاكمة للعلاقات بقوة الكيان التنفيذي، وهي أيضا تكريس لداء الواقعية والذي يجعل الأمة تركن إلى واقعها الذليل، ولا تنهض من رقدتها المعاصرة، لذا: كان لا بد من رفض هذه الدعوة، بل الهجوم عليها هجوماً يكشف عوارها ويظهر سوأتها أمام الناس.

وإننا إذ ندعو علماء الإسلام الأفذاذ وفقهاء المسلمين الأساطين إلى التنبه إلى هذه الدعوة، والقعود لها كل مرصد، والقيام بواجبهم في بيان زيف هذه الدعوات وخطورتها، نغتنم الفرصة لنذكرهم بما عليهم من عبء وبما في رقابهم من مسؤولية في عدم السكوت عن المنكر الأكبر وهو غياب الشريعة عن سدة الحكم، ووجوب العمل على تغييره وإعادة بناء صرح الخلافة لوضع فقههم موضع التطبيق، فهم في الأرض بمنزلة النجوم من السماء، وحاجة الأمة إلى وقفتهم أعظم من حاجتها إلى الماء والهواء

أبو البيان "عمار" ـ بيت المقدس
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 31-03-03, 07:20 PM
أبو الوليد الجزائري أبو الوليد الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-02-03
المشاركات: 280
افتراضي

جزاك الله خيرا اخي الكريم على غيرتك على ديننا وشرعة ربنا التي ارتضاها لنا نسال الله العظيم ان يكرمنا برجوع الامة الحميدة اليها.وفي هذا الموضوع ينبغي التنبه الى_ 1_ان مجددينات (جمع مخنث سالم)الاصول هؤلاء لهمـ(ن)اخوة(ات) في خط الرجعة فاذا انكرت الامةعليهم تلاعبهم في الاصول بقي اولئك يلعبـ(و)ـن في الفقه مع شريحة واسعة من ابناء الامةالمتحمسة الى رجوع مجدها التليد فعرف هؤلاء من اي باب يدخلـ(و)ن وباي طعم يصط_ ا _د(و)ن خاصة مع قعود كثير من علمائنا من اهل الحق_ نظريا_عن النزول من صرحهم المشيد العالي, فقويت الشبهة عند العوام وهيهات هيهات للعامة ان تسمع لك ان لم ترك معها في آلامها وآمالها فانا لله وانا اليه راجعون - 2 - اما مادة الاصول التي ورثناها عن ائمتنا فغير خاف على جنابكم ان مناهج التاليف فيها متاثرة جدا بالمدارس الفكرية ،العقدية،والفقهية...لاصحابها وان مدرسة الاصوليين(الشافعية ومن سايرهم)هي مدرسة المتكلمين وان اساطين هذه المدرسة التي سار الركبان في ضوئها هم خمسةمن ائمة الكلام ثلاثة هم ائمة الاشعرية:1-الباقلاني و قد وصف بدر الدين الزركشي كتابه ؛التقريب والارشاد ،بانه اجل كتاب في هذا الفن مطلقا .2-امام الحرمين الجويني وكتابه البرهان 3-ابوحامد الغزالي وكتابه المستصفى.واثنان من ائمة المعتزلةهما:1ـالقاضي عبد الجبار وكتابه العمد وكذا فصول بسيطة(اي واسعة!!)من كتابه المغني 2 ـابو الحسين البصري في كتابيه المعتمد ; وشرح العمد لشيخه السابق . فكما ترى هذه مدرسةالاصولـيين اربابها هم ارباب الكلام المذموم ولا شك ان مدرسة الحنفية (الفقهاء)كتبت بنفسية ماتوريدية فالمعارك الكلامية قد انتقلت مع هؤلاء جميعا الى ميدان جديد هو ميدان اصول الفقه ولا شك ان العمل الرجيح الناصح هو محاولة تصفية هذا العلم الشريف مما علق به عبر العصور مما هو ليس منه وليس هذابمشروع جديد محدث وليس كذلك من مجرد التاثر بمدرسة المتقدمين المطروحة في مثل هذا الملتقى الميمون فقد توالى انكار الائمة من هذا الدخيل عبر العصور بدأ من مناظرات الشافعي في رسالته وغيرها الىابي اسحاق الشيرازي وقيامه على عصرييه من ائمة الكلام ولخص مايراه من اصول اهل السنة في كتابيه اللمع والتبصرة الى ابن السمعاني في قواطع الادلة والخطيب البغدادي (الفقيه و المتفقه)،ابن عبد البر(جامع بيان العلم وفضله)ابن الصلاح(ادب المفتي والمستفتي) آل تيمية ( المسودة)الشاطبي(الموافقات والاعتصام)ابن القيم(اعلام الموقعين ،الصواعق ،بدائع الفوائد...)وقبلهم الاحكام لابن حزم ...وكتاب المستصفى لعله مر على المصفاة مرتين مرة مع روضة الناظر لابن قدامة ثم مذكرة محمد الامين الشنقيطي عليهما وكتاب جمع الجوامع كذلك مرة في نظمه مراقي السعود وفيه يقول الناظم : //منتبذا عن مقصدي ما ذكرا ....لدى الفنون غبره محررا //ثم صفي بشرح العلامة الامين وتلميذه الحبيب في نثر الورود واعمال شيخنا الامام الرباني محمد العروسي بن عبد القادر السوفي الجزائري المكي حفظه الله وقد بدا في هذا المشروع من عقود والعلامة محمد سليمان الاشقر واخوه العلامة عمر وشيخنا محمد المختار بن الامين الشنقيطي المدني والفاضل عمر بن عبد العزيزوغيرهم من المشايخ الكرام ممن يسعون في هذا المضمار وممن هم جديرون بجمع المذكر السالم وانما تسامحت في انزال جمع المخنث السالم على اولئك المذكورين ادناه(ولايستحقون اعلاه!!) اني رايت شيخ طائفتهم الاصلاحية المزعومة يقول بتجديد اللغة العربية ونحت من بقر :بقروت , وصف للشعوب المنقادة للساسة و كان من حقه الاصلاح والنصح لا التعيير و القبح ولما شممت منها عفن الشعوبية انتصرت للعربية بطريقته وهو منهج ابن تيمية في الرد على المخالف والله الموفق والهادي الى سواء السبيل ــ رب وفقني فلا اعدل عن .... سنن الساعين في خير سنن
__________________
ولكنني اسال الرحمن مغفرة ** وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة من ذي حران مجهزة ** تنفذ الاحشاء والكبدا
حتى يقال اذا مروا على جدثي ** ارشده الله من غاز وقد رشدا
قل آمين
ـ
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 31-03-03, 10:56 PM
ابن الجزري ابن الجزري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-03-03
المشاركات: 24
افتراضي

موضوع تجديد أصول الفقه من الموضوعات المهمة ولا أدري هل كتبت فيه رسائل علمية أو ألفت فيه مؤلفات رصينة لأن هذه الدعوة ليست جديدة وقد دعا إليها بعض أهل العلم قبل الدعاوى الأخيرة التي اشتهر بها الدكتور الترابي

* يذكر الشيخ مشهور حسن في هامش كتاب (رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة) للعلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله ص 9 (يكتب بعض إخواننا أطروحة للدكتوراه بعنوان( ماليس من علم الأصول في كتب الأصول) كان ذلك في عام 1417 فلا أدري هل طبعت هذه الرسالة أم لا؟

وجزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-04-03, 09:06 AM
أهل الحديث أهل الحديث غير متصل حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 10-07-02
المشاركات: 7,027
افتراضي

موقع الإسلام اليوم

ندوات بحثية

أصول الفقه بين الثبات والتجديد1/2

ورقة ا.د. يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين
أستاذ أصول الفقه بقسم الدراسات العليا
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض:
8/1/1423
22/03/2002


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وبعد
فيمكن القول إن علم أصول الفقه يُعَدّ الفلسفة المميزة للمسلمين . وهو ألمع الجواهر في تاج الثقافة الإسلامية . أنشأه المسلمون على غير مثال سبق ، وكان من ابتكاراتهم الفذّة ، يقولون : "( حيث المجتمع ثمة شرع ، فبابل عرفت شريعة حمورابي ، والإغريق أقاموا الألواح الإثني عشر ، والرومان اتبعوا قوانين جوستنيان ، وليس من أمة عبر التاريخ لم تستن قانوناً أو تنتهج عرفاً ، لكنّ المجتمع الإسلامي امتاز عن (سائر الأمم بأنه أول من وضع منطقاً للشرع تحت اسم (أصول الفقه )" (1) .
وإن أصول الفقه هو منهج البحث عند الفقيه ، أو هو القانون الذي يعصم ذهن المجتهد عن الخطأ في الاستدلال على أحكام الشرع من طرقها المختلفة .
وفي عصرنا هذا ظهرت تيارات واتجاهات فكرية متعددة ، تهدف إلى تغيير المجتمعات ، وتدعو إلى تطوير العلوم الشرعية ، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ، واللجوء إلى مقتضيات الواقع ومعطيات العقول . وكان من جملة ما شملته هذه التحركات الدعوة إلى تجديد أصول الفقه ، وقبل أن نعرض إلى هذه الاتجاهات والآراء يجب أن نفهم ماذا يراد بالتجديد .؟. لقد كان السلف يريدون بالتجديد معنى خاصاً بنوه على قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )(2) . وقد فسروا التجديد – في غالب أقوالهم – بإحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما . أي بإماتة البدع وتجريد الدين عنها .
وفي اللغة استعمل تجديد الشيء بمعنى تصييره جديداً (3) . أي بإعادة نضارته ورونقه وبهائه إليه ، كدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في المجالات العقدية ، وعمل شيخ الإسلام ابن تيمية في مجال الاجتهادات .
غير أن التجديد استعمل في هذا العصر بمعان متعددة ، بعضها يعود إلى ما ذكرناه ، وبعضها لا يتلاءم مع المعنى المذكور . وقد اختلط الكلام في مسألة التجديد ، ودخل في أسماء المجددين من ليسوا منهم ، وفي أسماء الموضوعات ما هو من موضوعات أخر . فبعض من يسمونهم مجددين لا يؤمنون بأساسيات الشرع ، وبعض المجالات التي قيل في التجديد فيها لا تنطبق عليها الدعوى ، وقد نجد من يحاول التوفيق بين الشريعة وواقع المجتمعات، ويفسر ويؤول النصوص بما يتراءى له .
إن الذي يتعلق بموضوعنا هو جانب محدد ، وهو ما أطلق عليه التجديد في أصول الفقه . وأصول الفقه المقصود بها ، بحسب ما نختاره من التعريفات هي :
القواعد التي يُتَوَصّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة (4) . فأمامنا ثلاثة أمور هي من موضوعات أصول الفقه ، وهي :
1- الأدلة التي هي مصادر الأحكام الشرعية ، وينابيعها .
2- القواعد أو القوانين التي تبين كيفية استنباط الفقه من الأدلة .
3- المجتهد الذي يستنبط الفقه من الأدلة ، بوساطة القواعد المذكورة .
وإذا أخذنا بالمفاهيم الجديدة في معنى التجديد فسنجد أنه سيختلط معناه بمعانٍ غريبة عنه تتردد بين الشذوذ والانحراف وصدق المحاولات . كما سنجد دوافع متعددة ليس في كثير منها دافع التجديد في أصول الفقه بالفعل ، بل ربما كان وراء ذلك أغراض ونوايا أخرى اتخذت من أصول الفقه سلّماً للوصول إليها .
وقبل أن نعرض إلى المحاولات الجديدة أو المعاصرة ، في هذا المجال ، نذكر بعض الآراء التي اشتهرت قبل هذا العصر ، والتي نعتها جمهور العلماء بالشذوذ أو الانحراف :-
1- ففي أوائل عهد نشاط العلماء في المجال الأصولي اشتهر إبراهيم بن سيار الملقب بالنظّام والمتوفى سنة 231هـ . بإنكاره الإجماع ، وإمكان تحققه ، وعُدَّ رأيه شاذاً (5) . يذكر في المباحث الأصولية عرضاً ، وعلى أنه في الأراء المرفوضة . ولم نعلم أنه قدّم تعديلاً أو حلاً آخر لدليلية الإجماع . وقد شاركه في رأيه عدد آخر من العلماء ، ولكنّهم قصدوا عدم إمكان ذلك على العهود التالية لعصر الصحابة (6) . بناء على أن أهل الحل والعقد كانوا مجتمعين في المدينة ، ولم يكونوا قد تفرقوا في البلدان أو الأمصار . وهم كالنظّام لم يقدموا حلاً أو بديلاً معدلاً لمواصفات الإجماع التي ذكرت في كتب الأصول . وإنما اقتصر كلامهم على الإنكار والرفض .
2- وعلى مقربة من عهد النظّام كان داود بن علي الأصفهاني الظاهري المتوفى سنة 260هـ ، ممن يرفض الرأي والقياس ، وألف كتاباً في إبطال القياس . وكان قدوة لمتبّع مذهبه الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم المتوفى سنة 456هـ. الذي أوقد نار حرب حامية بينه وبين علماء الجمهور ، وشدّد النكير على الآخذين بالقياس ، مع أنه من المتحمسين للمنطق الأرسطاطاليسي ، ومن الذين كانوا يرون المنطق اليوناني من أساسيات المعرفة ، وألف في ذلك كتاباً سماه ( التقريب لحدّ المنطق ) . ولتضييقه على مذهبه في رفض القياس اضطر إلى التوسع في مجال أصالة الإباحة ، وأن كل نازلة لا نجد لها حكماً في نصوص الشارع فهي على الإباحة الأصلية الشرعية ، أي أنه يستصحب حكمها ، فصار الاستصحاب البديل عن الأخذ بالقياس . ويبدو أن الأخذ بالاستصحاب كان حلاّ لما يشكّله رفض الأخذ بالقياس ، وانقاذاً لورطة خلوّ الوقائع عن الأحكام . ولهذا نجد أن الشيعة ، وهم ممن يرفضون الأخذ بالقياس أيضاً ، توسعوا في الاستصحاب وأكثروا من الكلام عنه ، وعن ثلاثة أصول أخرى ، وسموا الجميع ( الأصول العملية ) ، أو الأدلة الفقاهية ، وهي الاستصحاب ، والبراءة ، والاحتياط، والتخيير ، سواء كانت هذه الثلاثة الأخيرة شرعية أو عقلية . وقالوا إن الرجوع إليها عند الشك ، أو الجهل بالحكم الواقعي ، واليأس من تحصيله والعثور عليه ، والنتيجة المترتبة على هذه الأدلة ، عندهم ، لا يسمونها حكماً ، وإنما يطلقون عليها مصطلح الوظيفة ، لأن الحكم ، عندهم ، مصدره الأدلة الاجتهادية الأخرى أي الكتاب والسنة والعقل. والسنة عندهم واسعة تشمل كل ما ينقل عن أئمتهم الأثني عشر أيضاً . ولا شك أن توسعهم بالأخذ بما ذكرناه من الأصول المنتجة للوظيفة ، هو محاولة لفتح المجال أمام التعرّف على الأحكام الشرعية أو الوظائف ، فيما لا دليل عليه من الشارع .
3- وفي نهاية القرن السادس الهجري طرح سليمان بن عبدالقوي نجم الدين الطوفي المتوفى سنة 716هـ ، رأياً متطرفاً وشاذاً وفق المقاييس الأصولية ، في المصلحة . هو لم يؤلف كتاباً في المصلحة يذكر فيه رأيه ، ولكنه أورد رأيه في شرحه الحديث الثاني والثلاثين من الأحاديث الأربعين النووية ، وهو قوله :صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضِرار ) . ولم يشر علماء الأصول الذين عاصروه أو جاؤا بعده ، إلى رأيه هذا ، فيما أطلعت عليه من كتبهم . وقد طبع شرحه للأربعين النووية كاملاً باسم ( التعيين في شرح الأربعين ) في السنوات الأخيرة. وهو وإن لم يتكلم عن المصلحة في بعض كتبه كشرحه لمختصر الروضة ، لكنه لم يخرج في ذلك عن رأي الجمهور فيها ، مع نقده تقسيماتهم المصلحة إلى ضرورية وغير ضرورية ، وعدّه ذلك تعسفاً وتكلفاً ، وإنما كان رأيه الخاص والمخالف لرأي جمهور العلماء هو ما أورده في شرحه لحديث ( لا ضرر ولا ضِرار ) ، الذي تكلم في شرحه على المصلحة مطلقاً، لا المصلحة المرسلة . وقد عرّف المصلحة ، بحسب العرف ، بأنها السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع ، كالتجارة المؤدية إلى الربح ، وبحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة (7) .
وبعد أن أقام الأدلة على حجية المصلحة من نصوص الشارع ، ذكر أن رعايتها مقدمة على النصوص والإجماع ، مستدلاً على ذلك بوجوه ، منها :
أ - ( إن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح ، فهو إذاً محل وفاق ، والإجماع محل خلاف ، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه .
ب- إن النصوص مختلفة متعارضة ، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً ، ورعاية المصالح أمر (حقيقي في نفسه ، ولا يُخْتَلَفْ فيه ، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً ، فكان اتباعه أولى ) (8) .
لكنه يقصر ذلك التقديم على جانب المعاملات والعادات وشبهها ، وأما في العبادات والمقدرات ونحوها ، فالمعتبر فيها النصوص والإجماع ونحوهما من الأدلة (9) .
والمصلحة عنده عامة هي مصلحة الناس ، وما يتراءى لهم أنه ذو منفعة . وليس المقصود في ذلك المصالح المرسلة التي يقول بها الإمام مالك . ونجد من المناسب أن نذكر خلاصة لهذا الاعتبار من عبارات الطوفي نفسه . قال : ( ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته ، لأنّا نقول: قد قدرنا أن رعاية المصلحة في أدلة الشرع ، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح . ثم إن هذا يقال في العبادات التي تخفى مصالحها على مجاري العقول والعادات ، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل ، فإنا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها ، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها ، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنّا أحلنا بتمامها على القياس ، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما )((10) .
فالأمور السابقة : الإجماع ، والاستصحاب البديل عن القياس الأصولي المعروف ، والقياس الواسع ، والمصلحة . والسنة كانت مما يدخل في مجال أصول الفقه ، لأنها تتناول الأدلة ، سواء كان بإنكارها ، أو بتوسيع نطاقها ، ولكنها لم يكن ينظر إليها على أنها تجديد ، بل كانت تذكر على أنها آراء شاذة ، باستثناء أفكار الطوفي في المصلحة التي لم نجد لها ذكراً في كلام المتقدمين.
وفي العصر الحاضر نجد دعوات في غاية الخطورة ، لمن يدع أصحابها التجديد في أصول الفقه وإنما كانوا يدعون إلى التغيير بوجه عام ، وإلى اعتماد التشريعات على مناهج وأدلة تأخذ باعتبارها العقل والواقع ، وحيث كانت النصوص الشرعية عائقة لدعواتهم فإنهم لجؤوا إلى طرق متعددة في التعدي على أهم أصلين تستند إليهما الأحكام الشرعية ، وهما الكتاب والسنة . فدعوا إلى تعطيل الكتاب ، أو تفسيره بحسب الأهواء ، والطعن بالسنة بوجوه مختلفة ، بغية استبعادها عن مجال الحياة ، تارة بادعاء عدم استقلالها بالتشريع ، و تارة بترك ما لم يكن معناه في القرآن الكريم أو مؤكداً له ، وتارة بتقسيمها إلى تشريعية وغير تشريعية، وأن لا حجة لغير التشريعية ، وأنه ينبغي أن ينظر إلى العرف والواقع عند تفسير القرآن الكريم أو السنة ، كما يرى ذلك الدكتور محمد عمارة ، أو ترك الأخذ بالأحاديث في تقنين الأحكام المعاصرة كما يرى ذلك محمد إقبال ، أو أن تردّ الأحاديث المخالفة للعقل والواقع ، بحسب ما يراه آخرون .
وقد يتطرف بعضهم كمحمد إقبال ويقول إن السنة غير التشريعية يجب تركها وعدم جعلها أساساً للقوانين ، وأنها خاصة بعصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من الآراء .
وقد يكون بعضهم مستنداً إلى ما فعله القرافي في كتابه الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ، بتقسيم السنة إلى ما صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره مبلِّغاً ومفتياً ، وإلى ما صدرت عنه باعتباره حاكماً ، أو متمسكاً بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم بشأن تأبير النخل : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) .
وليس في ذلك شيء من التجديد ، ولم يقدم أحد منهم مقياساً صحيحاً لما يدعيه ، سوى الواقع والعقل ، وما ذكروه يؤدي إلى الانسلاخ من الشرع في آخر الأحوال . والأدلة التي قامت على حجيّة السنة ليس فيها هذا التفريق . قال تعالى :( ما أتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) و( إن هو إلا وحي يوحى) و (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) وقال صلى الله عليه وسلم :[ لا ألفينَّ أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري ، مما أمرت به ، أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ] .
لكن هذه أمور لم يكن الغرض منها الكلام في تجديد أصول الفقه ، وإن كانت تمس بعض موضوعاته ، ولعلّ إثارة هذا الموضوع – أي تجديد أصول الفقه – بخاصة لم تظهر قبل السبعينات من القرن الميلادي السابق ، وقد تكون رسالة ( تجديد أصول الفقه الإسلامي ) الصغيرة للدكتور حسن الترابي ، الصادرة في سنة 1400هـ/ 1980م من أقدم ما صدر بهذا الشأن في العصر الحديث ، وقد نشرت مقالات متعددة في بعض المجلات ، كما نشرت كلمات موجزة لبعض الأساتذة قالوها في مقابلات للدكتور عبدالحليم عويس ، كان ينشرها في ملف الشرق الأوسط الفقهي بعنوان ( أصول الفقه بين التقليد والتجديد ) وهي وما يشبهها في الكتابات العجلى لم تتضمن شيئاً ذا بال .
وقد كثر الكلام في هذا الشأن ، أعني التجديد والدفاع عن الشريعة ، وكان الكثير مما نشر يتعلق بمسألة التوفيق بين الشريعة ومستجدات الحياة ، سواء كانت اقتصادية أو علمية ، أو اجتماعية ، أو غيرها ، وكذلك واقع المجتمعات الإسلامية مما يدخل كثير منه في مجال الاجتهاد والفتوى ، ومنا ينبغي أن يتحقق فيها . ومثل هذه المحاولات بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، مع الشيخ محمد عبده ( ت 1905م )، ثم تتالت بعد ذلك ، وكثرت إلى درجة بلغت الإحاطة بها بالغة الصعوبة ، وغير مجدية ، أيضاً ، لكون الكثير منها مما يكرر ويعاد .
وهذا الاتجاه له سابقة قديمة في بعض التفاسير الشبيهة بالتفاسير العلمية كتفسير ( مفاتيح الغيب ) لفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606هـ، وفي بعض ما كتبه الحكماء ، أو الفلاسفة المسلمون ، مثل ( فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ) لمحمد بن أحمد بن رشد الحفيد المتوفى سنة 595هـ . لكن هذا الموضوع لم يكن مختصاً بمسألة التجديد ، أو التطوير ، إن صح التعبير . ولهذا فإن محاولة الدكتور حسن الترابي تمثل مكاناً هاماً في هذا المجال . وسأعرض عن الجزئيات والتفصيلات وشطحات اللسان ، وأقتصر على أهم ما ذكره في مجال الأدلة .
يرى الدكتور الترابي أن الرجوع إلى النصوص ، بقواعد التفسير الأصولية لا يشفي إلا قليلاً ، لقلة النصوص . وأنه يلزمنا أن نطور طرائق الفقه الاجتهادي التي يتسع فيها النظر . وأن علم أصول الفقه الذي من شأنه أن يكون هادياً للتفكير آل إلى معلومات لا تهدي إلى فقه ، ولا تولد فكراً . وقال : إن الفقه يعلمك كيف تستنجي ولكن لا يعلمك كيف تقود سيارة . إلى آخر ذلك من الكلمات التي تنم عن الظلم للفقه وبخسه منزلته . ولا ندري إذا كان من مهمات الفقه ، بل قوانين العالم وشرائعه ، أن تعلم الشخص كيف يقود السيارة .
ومهما يكن من أمر فإن دعوته التجديدية بشأن الأدلة أو مصادر التشريع تتلخص في الأمور الآتية :
1- الأخذ بالقياس الواسع ، بأن نستقرأ بعض النصوص ويؤخذ منها المعنى الجامع ، أو القصد ، فيقاس على ذلك .
2- التوسع في المصالح المرسلة والمقاصد ، وتوسيع نطاقها .
3- الأخذ بالاستصحاب الواسع ، وتفعيل بعض الأصول المبنية عليه .
4- الأخذ بالإجماع وفق صورة جديدة تختلف عن صورة الإجماع التقليدي .
5- جعل أمر الحاكم وقراره مصدراً من مصادر التشريع .
وسنذكر فيما يأتي كلاماً موجزاً عن هذه الأمور :
أما القياس فيرى أنه بمعاييره التقليدية محدود لا يفي بمتطلبات الحياة (11) .وربما صلح استكمالاً للأصول التفسيرية في تبيين أحكام النكاح والشعائر والآداب ، ولكنه لا يجدي في المجالات الواسعة في الدين (12) .ولذلك ينبغي أن لا يكون الأصل المقيس عليه نصاً محددا ً، بل ينظر إلى جملة من النصوص ، ويستنبط منها مقصد معين من مقاصد الدين ، أو مصلحة معينة من مصالحه ، ثم نتوخى ذلك المقصد عند التطبيق على الوقائع أو النوازل الجديدة . وأن هذا القياس الإجمالي الواسع ، أو قياس المصالح المرسلة ، درجة أرقى في البحث عن جوهر مناطات الأحكام (13) .
وما ذكره الدكتور الترابي يدخل في مفهوم القياس بمعنى القاعدة العامة المتوصل إليها باستقراء طائفة من النصوص والأحكام ، وهذا أمر متبع ومعلوم للعلماء ، ولكنهم لم يُلْغُوا بسببه القياس الأصولي المعروف ، أي قياس العلة ، لكونه أقوى في الدلالة على حكم الوقائع من القواعد العامة .
وفي الاستصحاب الذي يقربه جمهور العلماء يرى الدكتور الترابي أن الشريعة لم تبدل كل ما كان في المجتمع الجاهلي القديم ، بل كانت هناك أمور متعارف عليها أقرّها الشرع ، وإنما تدخل في إصلاح ما اعوج منها ، فما لم يرد من الشارع دليل عليه ينبغي الاستمرار في العمل به ، وإبقاؤه على ما كان عليه . وذكر بعض القواعد المبنية على ذلك ، وهي : الأصل في الأشياء الحل ، وفي الأفعال الإباحة ، وفي الذمم البراءة من التكليف ، وكل ما تطوّقه المؤمن يقصد به وجه الله عبادة مقبولة ، وكل ما أخذ لمتاع الحياة الدنيا عفو متروك إلا أن يرد النص فينفي صفة العفو أو الإباحة عن فعل معين (14) .
وهو يشترط البدء بالنصوص ، ثم النظر في الأصلين الواسعين ، ثم النظر إلى الواقع الذي نعيشه بمصالحة وأسبابه ، لأن الفهم الذي يتبادر من النصوص قد يلغى عند التطبيق مؤدياً إلى حرج عظيم ، قد يأباه نص آخر ، أو مصلحة مقدرة في الدين (15) .
ولسنا نرى في كلامه هذا جديداً ، أو تجديداً ، وما ذكره أمور مقررة قامت على صحتها الأدلة الشرعية ، ولكن لا ينبغي أن تطلق الأقوال ، كما أطلقها ، فليس الأصل في الأشياء الحل مطلقاً ، بل لا بد من التفريق بين ما هو ضار وما هو نافع . فالصواب أن يقال : الأصل في المنافع الحل ، كما أن الأصل في المضار التحريم . وأما أن الأصل براءة الذمة من التكليف فصحيح قبل مجيء الشرع ، وبعد مجئته شغلت الذمة بما أمر به الشارع ، ويبقى ما عدا ذلك على الأصل المذكور ، وقول الدكتور الترابي : ( وكل ما تطوقه المؤمن ، يقصد به وجه الله عبادة مقبولة غير مقبول ). وهو طريق الابتداع في الدين ، وكل مبتدع إنما يتذرع بأنه يقصد وجه الله .
وأما ما يتعلق بالإجماع فإنه بالصورة التي رسمها له الأصوليون ، صعب التحقيق ، إن لم يكن متعذراً – لا سيما إذا اشترطنا فيه انقراض العصر ـ وهو في الماضي أكثر تعذراً مما هو في العصر الحالي .
ولهذا نجد أن محققي الأصوليين كالآمدي المتوفى 631هـ ، اختار بشأن حكم جاحد المجمع عليه التفصيل، وهو أن لا يحكم بكفر من جحده ، إلا إذا كان جاحداً لما كان داخلاً في حقيقة الإسلام ، أو ما ثبت من الدين بالضرورة كالعبادات الخمس ، ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة . وأما إن لم يكن كذلك فلا تكفير لجاحده (16) . وقد مالت طائفة من علماء هذا العصر إلى عدم إمكان انعقاده . وأكتفى بذكر رأي عالمين مشهورين في هذا المجال ، هما الشيخ/ محمد الخضري رحمه الله ، والشيخ / عبدالوهاب خلاف رحمه الله .
يقول الشيخ / محمد الخضري :
" ويبقى هذا السؤال ، وهو : هل أجمعوا فعلاً على الفتوى في مسألة عرضت عليهم ، وهي من المسائل الاجتهادية ؟ ويمكن الجواب على ذلك بأن هناك مسائل كثيرة لا نعلم فيها خلافاً بين الصحابة في هذا العصر ، وهذا أكثر ما يمكن الحكم به ، أما دعوى العلم بأنهم جميعاً ، أفتواً بآراء متفقة ، والتحقق من عدم المخالف فهي دعوى تحتاج إلى برهان يؤيدها . أما بعد هذا العصر ، عصر اتساع المملكة ، وانتقال الفقهاء إلى أمصار المسلمين ، ونبوغ فقهاء آخرين من تابعيهم لا يكاد يحصرهم العد ، مع الاختلاف في المنازع السياسة والأهواء المختلفة ، فلا نظن دعوى وقوع الإجماع، إذ ذاك ، مما يسهل على النفس قبوله ، مع تسليم أنه وجدت مسائل كثيرة في هذا العصر ، أيضاً ، لا يعلم أن أحداً خالف في حكمها . ومن هنا نفهم عبارة أحمد بن حنبل من ادعى الإجماع فهو كاذب ، لعل الناس قد اختلفوا ، ولكن يقول : لا نعلم الناس اختلفوا إذا لم يبلغه . وبعض فقهاء الحنابلة يرى أن الإمام يريد غير إجماع الصحابة ..."(17) .
و أما الشيخ عبدالوهاب خلاف ، فيقول :
" والذي أراه الراجح أن الإجماع بتعريفه وأركانه التي بيناها لا يمكن انعقاده ، إذا وكل أمره إلى أفراد الأمم الإسلامية وشعوبها ويمكن انعقاده إذا تولت أمره الحكومات الإسلامية على اختلافها ، فكل حكومة تستطيع أن تعين الشروط التي بتوافرها يبلغ الشخص مرتبة الاجتهاد ، وأن تمنح الإجازة الاجتهادية لمن توافرت فيه هذه الشروط . وبهذا تستطيع كل حكومة أن تعرف مجتهديها وآراءهم في أي واقعة" (18) . وقال :"وأما بعد عهد الصحابة ، وفيما عدا هذه الفترة في الدولة الأموية بالأندلس ، فلم ينعقد إجماع ، ولم يتحقق اجتماع من أكثر المجتهدين لأجل التشريع" (19) .
وإذا كان الأمر كما ذكر فينبغي البحث عن البديل ، وما قدمه الدكتور الترابي بديلاً عن الإجماع ، بحسب الصورة المذكورة في كتب الأصول ،وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – في عصر من العصور على حكم شرعي أو ديني ، أقول: ما قدمه الدكتور الترابي يُعَدّ بديلا غير مقبول . فهو يرى أن نتائج الاجتهاد وفق الفقه الإسلامي التقليدي تحتاج إلى ضبط ، لأن سعتها تؤدي إلى تباين المذاهب والآراء والأحكام ، ولهذا فهي تحتاج إلى الضبط . وأهم الضوابط في رأيه هي أن يتولى المسلمون بسلطان جماعتهم تدبير تسوية الخلاف ، وردُّه إلى الوحدة . ويتم ذلك بالشورى والاجتماع ، يتشاور المسلمون في الأمور الطارئة في حياتهم العامة ، فالذي هو أعلم يبصّر من هو أقل علماً ، والذي هو أقل علماً يلاحق في المسألة من هو أكثر علماً ، ويدور بين الناس الجدل والنقاش حتى ينتهي في آخر الأمر إلى حسم القضية ، إما بأن يتبولر رأي عام ، أو قرار يجمع عليه المسلمون أو يرجحه جمهورهم أوسوادهم الأعظم ، ( أو تكون مسألة فرعية غير ذات خطر يفوضونها إلى سلطانهم ، وهو من يتولى الأمر العام ، حسب اختصاصه بدأً من أمير المسلمين إلى الشرطي والعامل الصغير )(20) . ويرى الدكتور الترابي أنه بهذه العملية ( يمكن أن نرد إلى الجماعة المسلمة حقها الذي كان قد باشره عنها ممثلوها الفقهاء ، وهو سلطة الإجماع . ويمكن بذلك أن تتغيّر أصول الفقه والأحكام ، ويصبح إجماع الأمة المسلمة ، أو الشعب المسلم ، وتصبح أوامر الحكام كذلك أصلين في أصول الأحكام في الإسلام )(21) .
ولا أظن أن مثل هذا الكلام يمكن أن يسلم به، أو أن يصيح بديلاً عن الإجماع ، وكيف يمكن أن يدخل العوام والجهلة وعموم الشعب في الاستفتاء على مسألة علمية ، ينبغي أن تدخل في الأُطر العامة للتشريع ، وأن لا تعارض النصوص غير القابلة للجدل .
وإذا كنا نرى أن الإجماع غير ممكن بالصورة المطلوبة في كتب الأصول ، فإنه يمكن رد ذلك للمجامع الفقهية في البلاد الإسلامية ، واعتماد الآراء الصادرة عنهم ، سواء كانت بالإجماع ، أو بالأغلبية ، ولهذا فإني أرى أن رأي الشيخ عبد الوهاب خلاف رأي سديد وعملي.
وهذا أجدى من قول الترابي ( فيمكن أن نحتكم إلى الرأي العام المسلم ، ونطمئن إلى سلامة فطرة المسلمين ، حتى لو كانوا جهالاً في أن يضبطوا مدى الاختلاف ومدى التفرق )(22) . ولا أدري كيف يمكن أن يطمئن إلى فطرة الجهلة !!!
وبإزاء ذلك فإن هناك طائفة أخرى تدعي التجديد بوجه عام وتنصب نفسها مفسرة ومؤولة للآيات والأحاديث . وترى أن الشريعة مرحلية ، وخاصة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، أو تجعل الواقع أساساً للأحكام وتقصر الآيات على أسباب النزول ، فتقلب القاعدة الأصولية ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) إلى ( العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ) ، أو تحتال على النصوص بالتفسير المتعسّف ، بغية تعطيلها ، وإلغاء العمل بها ، فرحة بأنها حققت إنجازاً علمياً دون الالتزام بضوابط الاجتهاد ، وقواعد الأصول .
ويبدو أنهم في دعوتهم إلى التخلّص من ضوابط الاجتهاد يرسمون منهج الكاتب الإيرلندي برناردشو في قوله ( إن القاعة الذهبية أن لا قاعدة ) . وقد يكون لما قال وجه في المجالات النقدية في الأدب ، التي كان يمارس عمله فيها ، ولكن ذلك لا يصلح في المجال الذي نحن بصدده ، لان ذلك ستترتب عليه نتائج خطرة ، ومضارّ لا حصر لها .
وأكتفي بأن أمثل لذلك بمحاولات التفسير والتوجيه التي خاض في مجالها طائفة من هؤلاء الساعين فيما يسمونه تجديداً ، إن الذي صنعوه إنما هو نوع من التأويل البعيد ، والذي لم يستوف الشروط . لقد فرق الأصوليون بين النص والظاهر ، واعتبروا النص دالاً على معناه قطعاً ، ومن غير احتمال لغيره . أما الظاهر فهو وإن دل على معناه ، لكنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً ، ولكونه احتمالاً مرجوحاً لا يجوز اللجوء إليه إلا بشروط ، أهمها :
1- أن يكون الناظر المتأول أهلاً لذلك ، بأن يستوفي الشروط العلمية اللازمة للخوض فيما يخوض فيه .
2- أن يكون اللفظ الظاهر محتملاً لما صرف إليه.
3- أن يكون للمتأول الصارف للفظ عن معناه دليل يقصد به دلالة اللفظ على ما صرفه إليه من المعنى .
وهي شروط – فيما يبدو – تصلح مقياساً معقولاً ومقبولاً للتأويلات والتفاسير التي تذكر للنصوص الشرعية . واعتماداً عليها زيّفوا كثيراً من التأويلات البعيدة وغير المقبولة .
وهذا يبين مدى دقة علم أصول الفقه ، واهتمامه بالضبط ، وإعراضه عن الأمور الخفية المبهمة غير المنضبطة ، الأمر الذي ضاق دعاة التجديد المطلق ذرعاً به ؛ لتضييقه عليهم ، وسدّه مجالات الانفلات عن الفهم الصحيح عليهم ، فأعرضوا عنه وجاءوا بالغرائب التي تضحك من بعضها الثكلى ، بدعوى تأويلها بما يوافق الواقع ومن هذه التأويلات الرامية إلى إلغاء الحدود الشرعية ، والاعتماد على الواقع ، والتوجهات الخاصة ، ما ذكروه بشأن حدّ السرقة :
ففي أحد هذه التأويلات يذكرون أن المجتمع قبل عصر الرسالة كان بدوياً ، ليس فيه سجون يوضع فيها السارق ، فكانت العقوبة البدنية بالقطع مناسبة لذلك ، لكونها تحقق أمرين :
الأول : تعطيل إمكانية السرقة .
والثاني : وسم السارق بعلامة تجعل الناس تعرفه ، وتحذر منه .
ولما جاء عصر الرسالة لم يختلف المجتمع عما كان عليه ، فأبقى الشارع قطع اليد حدّاً للسرقة ، فصار حكماً شرعياً . ومعنى ذلك أنه لا يطبق هذا الحد في عالمنا المتمدِّن الذي فتحت فيه أبواب السجون ، التي تمنع السارق من الهروب ، وتحفظ للآخرين أموالهم ، وتقيهم من أضراره (23) .
وفي تأويل آخر أن النص القرآني لم ترد فيه عبارة ( من سرق) ، بل وردت فيه عبارة ( السارق والسارقة ) وهاتان الكلمتان وصفان لا فعلان ، والوصف لا يتحقق في الشخص إلا بالتكرار ، فلا يقال لمن ظهر منه الجود مرة ، أو مرتين أنه ( جواد ) ، ولا يوصف فرد بأنه ( عاقل ) ، لأنه وجد يعقل مرة أو مرتين ، بل يقصد به من قامت به صفة العقل . وعلى هذا فإن عقوبة قطع اليد هي للسارق الذي تكررت منه السرقة ، أما من لم تتكرر منه فيمكن معاقبته بما يردعه عما هو فيه قطعاً (24) .
ولا ندري كيف غاب هذا الفهم عن علماء السلف ، من لدن عصر الصحابة حتى الآن ،وهم الأعلم باللغة ودلالات ألفاظها من هذا المدعي.!
وإلى جانب من تقدم تبرز طائفة جريئة على الحق ، مجاهرة بالرفض لما جاء في تراث هذه الأمة ، لكنها ليست صنفاً واحداً ، فمنهم من يظهر الإيمان بالله ورسوله ، ويذكرهما بإجلال وتقدير ، ولكنه يعرض عما جاء عنهما من الإحكام ، أو يعطي لأحكامه تفسيراً عاماً ينسج على منواله ، ومنهم من يكفر بالوحي والرسالة ، أو يفسرهما بما يروق له.
فمن الصنف الأول سنكتفي بذكر شخصيتين ، مع وجود الفرق بينهما ، وذلك لاختصار أحدهما على جانب محدد ، وهو خطير ، ونشاط الثاني في مجالات متعددة ، مبثوثة في كتبه ومحاضراته . أما أولهما فهو المستشار محمد سعيد العشماوي الذي يرفض أن يكون ما جاء عن الله ورسوله ، أحكاماً صالحة للتطبيق على مر الزمان ، ويفسر الشريعة تفسيراً مختلفاً عما يفهمه الناس ، ويستدل باللغة اللاتينية ، وبالمعاجم ، وبالتوراة والإنجيل ، على ما يرومه . فهو لا يرى ، كما ذكر ذلك في كتابه ( أصول الشريعة) ، أن الشريعة هي الأحكام ، وإنما هي المنهاج والطريق . يقول : (فالشريعة هي المنهاج الذي يهيمن على الأحكام ، ويطبعها بطابعه ،وليست هي الأحكام بحال من الأحوال). (25) . ثم أخذ يخوض في تحديد معاني الشريعة المختلفة ، فقال:لقد كانت شريعة أوروريس ( ادريس ) هي الدين . وكان الدين عنده هو الشريعة ، الإيمان بالله والاستقامة ... وشريعة موسى هي الحقّ ، فهي تضع الحقوق مع الواجبات وتحدِّد الجزاء لكل إثم ، وتدعو لأعمال الواجبات ، دون تحقيق ، وتطبق الجزاءات بشدة . وشريعة عيسى هي الحب .. الحب الذي يدعو صاحب الحقّ ألا يبحث عن حقه ، ومن له الحق في الجزاء ألا يفكر في الجزاء.
أحبوا أعداءكم .
باركوا لاعنيكم .
أحسنوا لمن يسيئ إليكم .
وشريعة محمد هي الرحمة ، الرحمة التي تزاوج بين الحق والحب . وتمازج الجزاء بالعفو ، والتعامل بالفضل والمعروف (26) .
ثم يشرع بتفاسير عديدة للرحمة ، ثم يذكر أن شريعة الإسلام ، ومنهج القرآن ، لا يمكن أن يكونا قد قصدا إلا الإنسان ، ولقد خلق النص للإنسان ، ولم يخلق الإنسان للنص .
وحبس الإنسان في نص ، والروح في لفظ ، والحياة في قاعدة ، أمر غريب عن الطبيعة ، ومضاد لروح الإسلام الذي يقدم المثل الأعلى في الحركة والتجديد ، ( كل يوم هو في شأن )!! (27) .
ولسنا نفهم من هذا التجديد الذي يقدمه العشماوي غير الانسلاخ من الأحكام الشرعية وترك نصوص الكتاب والسنة والاكتفاء بالمنهج الذي هو الرحمة ، - كما يراه – فشرّع ما تشاء وافعل ما تشاء في نطاق الرحمة المطاطة غير واضحة المعالم . وعلى هذا فأصول الفقه لا حاجة إليها ، لأننا عرفنا أن الشريعة هي المنهاج ، وأن منهاج الشريعة الإسلامية تحقيق الرحمة ، فكل الطرق المؤدية لذلك ، والوسائل المحققة لها من أصول الفقه . والله أعلم.
والمستشار العشماوي وإن لم يدّع أنه مجدد في أصول الفقه،لكن ما قدمه يلغي أصول الفقه المعروف ، ويقيم مقامه ( الرحمة ) ، التي هي ذروة المنهج ، أو الشريعة الإسلامية .
أما الرجل الآخر فهو الدكتور محمد عابد الجابري ، الذي يرى الاعتماد على المقاصد الشرعية طريقاً للفهم والاستنباط ، دون الأحكام الجزئية . ويرى تجديد المقاصد ، وأن يكون العمل بالنص مقتصراً على مكانه وزمانه المتقدمين ، ويرى ضرورة فتح آفاق جديدة للاجتهاد المعاصر ، وأنه لم يظهر مجتهدون تتوفر فيهم الشروط الضرورية لممارسة الاجتهاد إلى الدرجة التي ترقى إلى مستوى طبيعة مشاكل العصر وتحدياته . ويرى أن أهم شروط الاجتهاد العصراني المطلوب ، هي :
1- انفتاح العقل على الحياة والمعطيات الجديدة والاطلاع على مختلف العلوم المعاصرة.
2- الانطلاق من المقاصد الشرعية .
3- جعل ضروريات العصر وحاجياته وتحسينياته جزءاً من المقاصد (28) .
ويرى أن حصر الضروريات في الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، كان منطلقاً فيه من داخل المجتمع الإسلامي الذي كان في وقتهم يشكل عالماً قائماً بذاته ، مستقلاً عن غيره من المجتمعات التي لم يكن لها شأن يذكر.
ويقول: إننا نعيش في مجتمع أصبحنا فيه تابعين لا متبوعين ، وتغيرت فيه الأحوال وتطورت الحقوق .
فهناك اقتراح بأن تضاف الحقوق الأساسية للمواطن والمجتمع المعاصر إلى تلك الضروريات . ومن هذه الحقوق :
الحق في حرية التعبير .
الحق في العمل .
الحق في التعليم.
الحق في العلاج .
ويدخل في الحاجات، الحاجة إلى تنشيط الإبداع الفكري ، والحاجة إلا اكتشاف المعارف الصحيحة.
وليس في هذا الكلام ما هو تجديد لأصول الفقه ، وإنما هو دعوة إلى الاجتهاد الحرّ أو المطلق، انطلاقاً من المقاصد الشرعية التي ينبغي أن تنبعث من ضروريات العصر . ولسنا نرى فيما قدمه من مقاصد ما هو خارج عن الكليات الخمس المطلوب المحافظة عليها شرعاً ، وهي الدين والنفس والعقل والمال والنسب. وإنما هي وسائل وطرق تتحقق بها المحافظة على هذه الكليات .
ولكن إذا لم تربط هذه المقاصد بالضوابط الشرعية ، وبملاحظة نصوص الشارع التي هي الأساس في تكوينها ، فإنها تعدّ انسلاخاً من الأحكام الشرعية ، أي يكفي أن نحدد المقاصد ثم نبني أحكامنا عليها. فتكون أصول الفقه ، على هذا : هي المقاصد بحسب فهمنا وإدراكنا وعقولنا ، وواقعنا ، ومصلحتنا المطلقة التي لا تتقيّد بالاعتبارات الشرعية .
وأما الصنف الثاني فسنذكر من دعاته شخصين أيضاً ،هما الدكتور محمد أركون ، والدكتور حسن حنفي .
فالدكتور محمد أركون له كتب متعددة نشر فيها آراءه ، وبشّر بها . وسنكتفي من ذلك باستعراض بعض آرائه في اثنين من هذه الكتب هما : ( من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي) و ( تاريخية الفكر العربي الإسلامي) . إذ هما يمثلان نموذجاً لما يراه في أصول الفقه الإسلامي ، أو مصادره الأصلية ففي كتابه الأوّل تكلم علن المصدر الأول لأصول الفقه ، وهو القرآن الكريم . فشكّك في صحّته ، وسماه القرآن الرسمي (29) . وفسر الناسخ والمنسوخ بأنه يناسب انتهازية المشرّعين ، وأنه من إنتاج الأصوليين لمواجهة النصوص المتناقضة (30) . ويتهم الصحابة بالتلاعب بالآيات القرآنية من أجل تشكيل علم التوريث (31) . ويتهم محمد بن جرير الطبري في تفسير آيات الكلالة بأنها مقاومة مستبسلة لما يُحدِث وصفاً جديداً يؤدي إلى زعزعة نظام الإرث العربي السابق (32) . ويستخدم المصطلحات النصرانية والأجنبية ، ويسقطها على علماء المسلمين كنعت المذاهب الفقهية بالمذاهب الأرثوذوكسية ، والإجماع بالإجماع الأورثوذوكسي، وهكذا .
وفي كتابه ( تاريخية الفكر العربي الإسلامي ) يتكلم عن المصادر الفقهية الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس بما هو من كلام الملاحدة . فهو يشكك بالكتاب في صحته وفي مصدره أيضاً ، ويرى أن السنة ليست إلا اختلاقا مستمرا فيما عدا بعض النصوص القليلة .وأن الإجماع مبدأ نظري طبق على بعض المسائل الكبرى مثل الصلاة ، والاحتفال بعيد النبي !! وأما القياس فهو – في رأيه – حيلة كبرى أتاحت شيوع ذلك الوهم الكبير بأن الشريعة ذات أصل إلهي ، يحل المشاكل الجديدة ؛ ليتم تقديس كل القانون المخترع (33) .
وعلى هذا فمن الصعب أن يُعَدَّ مثل هذا الطرح داخلاً في مجال بتجديد أصول الفقه إذ هو لا يعتدّ بهذه الأصول حتى يجددها ، وما يبديه من رأي هو نسف وإلغاء لها ، وقلب حقيقة الشريعة ، من أنها مصدر إليهي إلى أنها اجتهاد بشري .
وهذا يؤكد ما ذكرناه من أنه لا توجد أرضية بيننا وبينه ، يمكن أن يرجع إليها عند الاختلاف والاحتجاج ، وحينئذ ليس هناك إلا العقل الذي يلجأ إليه لإثبات الألوهية والنبوة ، وصحة الرسالة ، وهذا ليس موضوع البحث .
أما الدكتور حسن حنفي فإنه صريح ، كما هو محمد أركون ، لكنه يعلن أنه صاحب قضية ، وصاحب فكر شيوعي ، يهدف إلى تهديم بناء الدين الذي مر عليه خمسة عشر قرناً وهو يبنى. الدكتور حسن حنفي أستاذ جامعي ،يرى في كتابه ( التراث والتجديد) أن الدليل النقلي الخالص لا يمكن تصوّره ، لأنه لا يعتمد إلا على صدق الخبر سنداً ، أو متناً ، وكلاهما لا يثبتان إلا بالحس والعقل طبقاً لشروط التواتر . فالخبر وحده ليس حجة ، ولا يثبت شيئاً ، على عكس ما هو سائد في الحركة السلفية المعاصرة ، من اعتمادها شبه المطلق على ( قال الله) و( قال الرسول) ، واستشهادها بالحجج النقلية ، وحدها ، دون إعمال الحس والعقل ، وكأن الخبر حجة ، وكأن النقل برهان (34) .
والغريب أنه يرى أن الشريعة الإسلامية ، أو ما يسميه بالإيمان السلفي ، أخطبوط كبير ، وأنه يهدف إلى تحجيمه . يقول : ونحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن ، نحاول أن نخرج من الإيمان السلفي ، إلا أنهم أطول باعاً في التاريخ منّا ، وأكثر رسوخاً ، ووراءهم تراث حضاري ضخم ، ونحن الأقلّية ، كيف نستطيع أن نحجم هذا الأخطبوط الكبير (35) .
وقال إنه شيوعي ماركسي ، وأنه يرى أن النقد سلبي وليس إيجابياً ، أي أنه يبدؤه بالهدم لعوائق التقدم ، أي للدين . وأنه إذا استطاع ذلك فإنه سيسلم المجتمع العربي إلى إخوته العلمانيين ، لكي يبنوه إيجاباً. ويقول : أنا ماركسي شاب ، وهم ماركسيون شيوخ (36) .
وإذا كان حسن حنفي ، كما قال ، ماركسياً فهو ملحد كافر يؤمن بالمادية الدايلكتيكية ( الجدلية) . يقول ستالين في كتاب المادية التاريخية المترجم للعربية من قبل عزيز شريف ومن قبل خالد بكداش ، رئيس الحزب الشيوعي السوري ، أيضاً : إن كلام الفيلسوف اليوناني القديم ديمقريطس : إن العالم كان وما زال يشتغل بنظام وسيتجمد بنظام لم يخلقه إلاه . ولم يوجده إنسان ، هو عرض رائع لأصول المادية الدايلكتيكية . فإذا كان هذا هو واقع الدكتور حسن حنفي فما هي جدوى الكلام معه في أصول الفقه أساساً ، وهو لا يؤمن بالفقه ولا بأصوله ؟
فإذا لم يحتج بالقرآن نفسه ولا بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – ويسخر ممن يقول ( قال الله) و( قال الرسول) . فبماذا نحجه ؟ وكيف لمثله أن يتحدث عن أصول الفقه؟ فالنوايا ليست هي تجديد أصول الفقه ، بل إلغاء كل ما هو نقلي وشرعي ،والاعتماد على العقل والواقع في تقرير الأحكام ،شأن محمد أركون.
هذا ومن الجدير بالذكر أن نذكر إن من تعرضنا إليهم هم عينات في اتجاهات فكرية تعيش في المجتمع الإسلامي يتمذهب بها كثيرون . ولعل لأراء طائفة من المستشرقين اليهود والنصارى كجولد تسهير ، ويوسف شاخت ، ومرجليوث وغيرهم في الأصول التي بني عليها الفقه أثراً في أفكار هؤلاء .
والآن نسأل هل علم أصول الفقه غير قابل للتجديد بالمعنى الذي نفهمه في التجديد ؟ وهل أصبح حصناً مغلقاً لا يمكن اقتحامه ؟ هذا ما لم أقله ، ولست أراه . ومن الممكن أن تكون الخطوات الآتية مما تسهم في هذا المجال:
1- عرض أصول الفقه بطريقة ميسرة ، وقرن القواعد الأصولية بما يبنى عليها من الأحكام ، أي المزج بين أصول الفقه والتخريج على هذه الأصول ، لأن ذلك أدعى إلى الفهم ، وتفعيل القواعد الأصولية ، والجمع بين علمين نظر إليهما على أنهما منفكان عن بعضهما طوال قرون .
2- إعادة ترتيب الموضوعات الأصولية ، ودراستها ضمن مجموعات متجانسة ، كمباحث الأدلة ، ومباحث الأحكام ، والمباحث اللفظية ، وإجراء مناقلة – إن صح التعبير- بين بعض المباحث . وعلى سبيل المثال نرى أن جعل مباحث التعارض والترجيح مع الأدلة وفي نهايتها ، أولى من جعله بعد مباحث الاجتهاد والتقليد . ولا بأس بأن يكون بحث الاجتهاد والتقليد والإفتاء في نهاية تلك المجموعات .
3- إعادة النظر فيما احتوت عليه كتاب الأصول ، وتجريدها مما لا تمس الحاجة إليه، أو مما لا ينبني عليه عمل ، أو مما أدخل فيها وليس هو منها ، أو غير ذلك . ويمكن إجمال بعض ما ينبغي حذفه فيما يأتي :
أ‌- المباحث التي هي من مباحث علوم أخرى ، ليست بذات علاقة ممهدة لاستنباط الأحكام ، كمباحث علم الكلام ، مثل مسألة شكر المنعم ، ومباحث حاكمية الشرع ، وتكليف المعدوم ، والنسخ قبل التمكن ، وهل كان النبي e متعبداً بشرع قبل البعثة ، وحكم الأشياء قبل الشرع وغير ذلك من الأمور التي من هذا النمط.
ب‌- ترك المناقشات والاستدلالات فيما كان الخلاف فيه لفظياً والاكتفاء بالتنبيه إلى ذلك ، في أمثال هذه الاختلافات .
ج‌-وفي مجال الاستدلال يكتفي بذكر الأدلة القوية ، ويهمل ذكر ما كان ضعيفاً منها .
د‌- الاقتصار على ذكر الحدود المختارة ، أو المستوفية لشروط الحدّ، وإهمال الحدود المزيّفة ، والمرفوضة من قبل الجمهور .
هـ ترك الاستدلالات المعتمدة على الأحاديث الموضوعة التي لا أصل لها أو الضعيفة المتروكة ، لعدم الفائدة في ذلك ، لأن أمثال هذه الاستدلالات ستزيف و تنتقد بذلك ، وفي هذا إشغال للدارس في أمر عديم الجدوى.
4- الإفادة من الدراسات اللغوية المعاصرة في مباحث الدلالات ، ومراجعة المعاني اللغوية ، ودلالات الألفاظ على المعاني في كتب التراث . وتصحيح ما ثبت بالدليل أنه مما يستفاد منها الأحكام وفق الأساليب العربية ، ومباحث علم اللغة الحديث .
5- مراجعة الأحكام المنسوبة إلى الأئمة عن طريق التخريج ، فقد اتضح أن بعض الآراء لم تكن نسبتها صحيحة ، بناء على خطأ في التخريج ، ويعرف ذلك من فقه الأئمة أنفسهم ، سواء كان بكتاباتهم ، أو بنقل تلاميذهم عنهم .
6- الاهتمام بمبحث الاستدلال ، واستبعاد الضعيف في طرقه ، والتأكيد على القوية منها ، لا سيما الأدلة العقلية القاطعة التي لا تعارض الشرع والأحكام المبنية على نصوصه.
7- وفي مجال الأدلة أو مصادر الاستنباط فإنه يمكن اتخاذ ما يأتي :
أ‌- دراسة الأدلة ، سواء كانت متفقاً عليها أو مختلفاً فيها ، واستبعاد ما لا حاجة له من شروط الاستدلال بها .
ب‌- من الممكن إقامة مجمع فقهي موحد ، يضمّ المؤهلين من الفقهاء والعلماء من الاختصاصات المتنوعة المحتاج إليها في دراسة وفهم الوقائع والنوازل ، المحتاجة إلى الإفتاء بها ، واتخاذ قراراته مصدراً إضافياً من مصادر الاستنباط .
ج- إدخال القواعد الفقهية ، ولاسيما الكبرى منها ، في مباحث الاستدلال وضبطها ببيان أركانها وشروطها ، وشروط تطبيقها ، وبذلك تصبح مهيأةً للإفادة منها ، ببناء الأحكام عليها.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) الرسالة الرمزية ص 5 .
(2) رواه أبو داود .
(3) المعجم الوسيط .
(4) أصول الفقه – الحد والموضوع والغاية ص 107 .
(5) روضة الناظر بشرح نزهة الخاطر 1/335.
(6) المستصفى 1/185 و 189.
(7) التعيين ص 239.
(8) المصدر السابق ص 259، 260.
(9) المصدر السابق ص 274.
(10) المصدر السابق ص 279، 280.
(11) تجديد أصول الفقه ص 22 .
(12) المصدر السابق ص 23.
(13) المصدر السابق ص 24، 25.
(14) تجديد أصول الفقه ص 27 ، 28 .
(15) المصدر السابق ص 28 .
(16) الإحكام 1/282
(17) أصول الفقه ص 313 ، 314.
(18) علم أصول الفقه ص:44، 55
(19) علم أصول الفقه ص: 44، 55
(20) تجديد أصول الفقه ص 29 ،30.
(21) مفهمو التجديد بين السنة النبوية وأدعياء التجديد للدكتور محمود الطحان ص 23.
(22) المصدر السابق ص 21.
(23) وجهة نظر للدكتور محمد عابد الجابري ص 62 ،63.
(24) مناهج التفسير في الفقه الإسلامي للدكتور عبد الحميد متولي ص 145.، وقد نسب هذا الرأي إلى كتاب ( الجنايات المتحدة في القانون والشريعة ) للأستاذ رضوان شافعي المتعافى .
(25) أصول الشريعة ص 178.
(26) أصول الشريعة للعشماوي ص 179 ، 180.
(27) المصدر السابق ص 181.
(28) وجهة نظر للدكتور محمد عابد الجابري ص 58 وما بعدها .
(29) من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ص 34.
(30) المصدر السابق ص 69.
(31) المصدر السابق ص 63.
(32) المصدر السابق ص 52.
(33) تاريخية الفكر العربي ص 297 وما بعدها.
(34) التراث والتجديد 1/ 390 ،391.
(35) الإسلام والحداثة ص 218.
(36) المصدر السابق .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-04-03, 09:07 AM
أهل الحديث أهل الحديث غير متصل حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 10-07-02
المشاركات: 7,027
افتراضي

ندوات بحثية

أصول الفقه بين الثبات والتجديد2/2


2/2/1423
15/04/2002


الورقة الثانية : د. عبد الحميد بن علي أبوزنيد
أستاذ أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقصيم سابقاً
الورقة الثالثة : الشيخ يوسف بن محمد الغفيص
المحاضر في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم/قسم العقيدة




--------------------------------------------------------------------------------

الورقة الثانية : د. عبد الحميد بن علي أبوزنيد

منذ مدة طويلة ومن خلال معايشتي لمادة أصول الفقه دراسة وتدريساً مدة تقارب عشرين عاماً وأنا تراودني فكرة الدعوة إلى تنقيح هذه المادة العلمية ، ولكن كنت أقدم رجلا ًوأأخر أخرى لما أعلمه من أن دعوى التجديد في أي ناحية من نواحي الحياة سواءً أكانت في تطوير العلوم والفنون أو التجديد في أسلوب الحياة لابد وأن تلقى الصد والرد والنقد والإعراض ، ولا بد وأن يكون مقدم الصف ورائد الفكرة هدفاً للسهام ومرمى للرماح .
وما أن رأيت الكتيب الذي دعا فيه الأخ الفاضل الدكتور حسن عبد الله الترابي إلى إعادة النظر في قواعد أصول الفقه حتى يكون هذا الفن العظيم ذا أثرٍ فعال في هذه الحياة الصاخبة بحوادثها المتجددة ، والتي لا عهد للقرون الماضية بها حتى شعرت أنه كان بدعوته هذه الدرع الواقي لكل من يدور بخلده الولوج من هذا الباب فيشارك بإظهار رأيه والإدلاء بدلوه في هذه الدعوة .
لقد كان الدكتور حسن عبد الله الترابي رائداً لهذه الفكرة وسابقاً لهذه الدعوة التي تدور في عقول كثير من علماء الأمة . وإنني أرى رأيه في هذه الدعوة من حيث الإجمال وإن كنا قد نختلف في بعض التفاصيل والجوانب ، وهذا أمر طبيعي لأنه اختلاف في وجهات نظر لا قاطع فيها ، وليس اختلافاً في أدلة قطعية وقواعد ثابتة
إن أعظم ما يستمد أصول الفقه مادته منه هو قواعد لغوية ثابتة مستمدة من لغة العرب ودلالات ألفاظها وأساليبها تعين على فهم النصوص الشرعية من كتاب وسنة ثم استنباط الأحكام الشرعية من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت بلغة العرب .
فالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والنص والظاهر والمجمل والمبين ودلالات الألفاظ من اقتضاء وإيماء ومفهوم وإشارة وحقيقة ومجاز وأمر ونهي قواعد منشؤها لغة العرب وكلامهم ، وهي وإن كان في بعضها خلاف بين علماء النحو واللغة فليس لنا إلاّ محاولة اختبار الراجح منها وبناء النصوص الشرعية عليها وطرح الأقوال الشاذة منها التي التزم بها أصحابها في بعض الأحيان لنصرة مذاهبهم الفقهية أو العقائدية وبذلك انقلب الأمر ، فبدلاً من أن يُعتمد في فهم النصوص الشرعية على قواعد اللغة أصبح يختار المذهب اللغوي ليوافق المذهب الفقهي أو العقدي ، فكون الزمخشري مثلاً معتـزلياً اختار أن ( لن ) تفيد التأبيد لكي يثبت عدم رؤية الله جل وعلا يوم القيامة ، وكون أبي على الفارسي حنفياً اختار أن الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع للأخيرة فقط ، ولهذا أمثلة كثيرة كما أنه يوجد من قواعد الأصول ما هو ثابت بأدلة قطعية كحجية القرآن والسنة الصحيحة والإجماع واستصحاب الحال .
وإنما نحتاج بالنسبة لهذه إلى النظر في بعض القضايا الجزئية كحجية القراءة الشاذة وما يحتج به وما لا يحتج به من الأخبار وإعادة النظر في بعض الشروط الموضوعة للاحتجاج بالأخبار ، وما ينعقد به الإجماع بما يتناسب مع حال هذا العصر من مستجدات سواء أكانت في وسائل الاتصال التي تهيأ الظروف لانعقاد الإجماع أو عدم وجود الحرية التّامة لأهل العلم في إبداء آرائهم ، ثم إعادة النظر في الضوابط الموضوعية لمن يقبل رأيه ومن لا يقبل .
وهذه القواعد الثابتة إذا عقمت عن إنتاج الأحكام الفقهية للقضايا المعاصرة لم يكن عقمها لحاجتها لإعادة النظر فيها بقدر حاجتها إلى إعادة النظر في أسلوب الكتب المؤلفة في أصول الفقه وطرق تدريسه فالعقم في ظني منشأه الأول هو طرق التدريس وطرق التأليف .
فالدارس لأصول الفقه لم يعطه الوقت الكافي والإخلاص التام والتجرد الكامل ، فضن بالوقت والجهد كما أنه لم يجرد النية ، فالسلف بارك الله لهم في وقتهم فلم تستغرق شئون حياتهم من طعام وشراب وسعي في طلب الرزق إلا جزءاً يسيراً من وقتهم والباقي قسموه بين مناجاتهم لبارئهم وطلبهم للعلم كما استعانوا بطيب مطعمهم وورعهم وحسن نيتهم على تحصيل العلوم فحصلت لهم علوم مثمرة أنتجت فقهاً سيّر دفة الحكم وشتى مناحي الحياة في دولة الإسلام التي كانت في يوم ما لا تغرب عنها الشمس .
وأغناهم ذلك عن استيراد الأنظمة والقوانين ، بل كانوا مصدراً من مصادر التشريع لكثير ممن جاورهم من أمم العالم .
وأما الكتب المؤلفة في هذا العلم فهي تهتم بذكر القاعدة الأصولية وتحاول الاستدلال على صحتها بالمنقول والمعقول ولا تهتم بحشد الفروع الفقهية التي بنيت على القاعدة وبيان كيفية ربطها بها ، كما لا تهتم بذكر فروع يمكن بناؤها عليها من واقع العصر الذي نعيشه ، بل ألفت كتبٌ أخرى اعتنت بربط الفروع بالقواعد وهي كتب تخريج الفروع على الأصول وهي قليلة وغير مستوعبة فلا تبل شوقاً ولا تشفي غليلا ، فلو كانت دراسة أصول الفقه جامعة بين إثبات القواعد ، وبيان ما يترب عليها من فروع في شتى أبواب الفقه كما هو الحال في كتب القواعد الفقهية لكان ذلك أجدى وأنفع وأكثر أثراً في بناء شخصية المجتهد فتتسع مداركه ويصفو ذهنه ويسمو فكره ويكون أقدر على إلحاق ما استجد من فروع في خضم هذه الحياة الصاخبة بالأموال والأعمال والمعاملات والعلاقات الفردية والأسرية والدولية والعالمية بالقواعد الثابتة .
وإنني أشاطر الدكتور حسن الترابي الرأي فيما ذهب إليه من الدعوة إلى تجريد أصول الفقه من بعض الأبحاث والمسائل التي لم تعد مثمرة كما لم تكن مثمرة في يوم من الأيام ، بل هي مسائل ومباحث ولدت وترعرعت في أكناف الترف العلمي يوم أن كانت ردهات قصور بعض الحكام والوزراء منتدى لرواد الفكر حيث تعقد المناظرات العلمية التي كان وقت العلماء يتسع لها وتلقى التشجيع والدعم من الأمراء والحكام فظهرت مسائل أصولية مبنية على أصول الاعتزال وقف علماء الإسلام منها موقف الناقد المبطل لها ووافق المعتـزلة في بعضها من أُعجب بحجاجهم ولجاجهم وانبهر بقوة منطقهم وبراعة استدلالهم ، ولا زلنا حتى يومنا هذا نقارع المعتـزلة ونقيم عليهم الحجج تلو الحجج ونسفه أحلامهم ونفند آراءهم دون أن نراهم فما أحرنا أن نجرد أصول الفقه من مثل هذه المسائل ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
أ- مسألة تكليف المعدوم .
ب- فعل المأمور به بكمال شرطه ووصفه هل يجزئ ويسقط القضاء .
ج- إنكار وجود الواجب المخير .
د- اشتراط إرادة الآمر حدوث الفعل المأمور به في الأمر .
هـ- حكم الأشياء قبل ورود الشرع وما يبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين .
و- النسخ قبل التمكن من الفعل .
ز- عدم جواز التكليف بما يعلم الله أن المكلف لا يتمكن منه .
كما يوجد كثير من البحوث والمسائل التي دخلت إلى أصول الفقه في عصور الترف العلمي وهي تقوم مقام التواريخ ولا يستفيد منها الأصولي شيئاً في استنباط الأحكام الشرعية ولا يترتب على النـزاع فيها ثمرة ومنها :
أ – البحث في مبدأ اللغات هل هو توقيفي أو اصطلاحي .
ب – هل كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجتهد أو لم يكن له ذلك .
ولقد كان مما وضعه علماء الأمة الإسلامية من القواعد ما هو مبني على عمومات الشريعة وبالنظر إلى مقاصدها وأهدافها .
ولقد كانت هذه القواعد ملائمة للعصور التي وضعت فيها أو قريبة من الملاءمة ومن ذلك ما وضع من شروط وضوابط لحصول الإجماع .
وهي منذ أزمان طويلة يصعب تحققها في الخارج ولذا ذهب نفر من العلماء إلى أنه لا يتصور وقوع الإجماع إلا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ويحق لهم أن يذهبوا لهذا الرأي لأن الشروط الموضوعة لانعقاده لا يتصور معها إلا ذلك و على هذا لم يعد الإجماع مصدراً من مصادر التشريع منذ عهد الصحابة إلى الآن ، مع أن واقع الفقهاء منذ زمن بعيد يستعملون كلمة الإجماع في كتبهم الفقهية في غير موضعها الاصطلاحي الذي دونت شروطه وضوابطه في كتب أصول الفقه فنجدهم يقولون : أجمع العلماء على كذا إلا فلانا مع أنهم ذكروا في كتب أصول الفقه أنه لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين ولذا لا بد لنا من أحد أمرين الأول منهما عدم تسمية ما خالف فيه الواحد والاثنان إجماعاً أو إلغاء هذا الشرط .
أما أن تبقى هذه الشروط مدونة في كتب أصول الفقه ونبقى نطلقه على ما فيه خلاف يسير فهو من التناقض الذي لا بد من إيجاد مخرج منه .
كما أنه لا بد من تسخير الوسائل العصرية المتاحة وتذليلها لخدمة هذا الأصل وذلك بقيام كل دولة من دول الإسلام بحصر ما عندها من مجتهدين ومعرفتهم بأعيانهم للرجوع لأخذ رأيهم فيما يستجد للأمة من حوادث في حاجة لحكم الشرع .
فإن حصل الإجماع كان ذلك خدمة لهذا الأصل العظيم من أصول الشريعة وإن لم يحصل كان ذلك أيضاًَ خدمة لأصل آخر عظيم من أصول الشريعة ألا وهو الاجتهاد .
ومن أعظم ما يحتاج إلى إعادة نظرٍ من مباحث أصول الفقه ما يتعلق بالاجتهاد وعلى الأخص شروط المجتهد ومن يجوز له الفتيا ومن لا يجوز له .
لقد وضع علماء الأمة شروطاً للمجتهد في العصور المفضلة التي كانت تعج بألوف من جهابذة العلماء ولذا وضعوا شروطاً يمكن تحققها في آلاف العلماء في زمانهم ولكن من العسير تحققها في علماء هذه الأزمان فنتج عن هذا أن الشروط التي دونت في الكتب أصبحت معطلة لأنه يصعب تحققها في الواقع ولذا كان من الواجب التنازل عن بعض هذه الشروط وخاصة وأنها اجتهادية لا نص عليها كما أنه يحسن إضافة غيرها مما يتلاءم مع واقعنا مما استجد في حياتنا من تكنولوجيا حديثة تخدم هذا المصدر العظيم من مصادر التشريع .
في عهد الصحابة والتابعين كان يطاف بالفتوى على الجمع منهم أياماً كل يحيل على غيره تورعاً وخوفاً من أن تزل الأقدام بعد ثبوتها وتعظيماً لشرع الله واستشعاراً لعظم المسؤولية مع كثرة من تتوفر شروط الاجتهاد فيهم وكان سادة العلماء يُضربون ويسجنون على قبول القضاء فلا يستجيبون – وهم أهل لذلك – لأن الأمر غير متعين فيهم حيث يوجد من يكفيهم المؤنة ويسقط به الفرض الكفائي . ثم تغير الحال وأصبح في المجتهدين قلة فتصدى للاجتهاد من لا يعرف من أمر الشرع إلا رسمه وليس له من الاجتهاد إلا اسمه ، فلا يكاد تطرح قضية تحتاج إلى حكم الشرع فيها إلا وكثرت الدلاء ممن خلت قلوبهم من الإيمان وعقولهم من العلم فلم يعفروا جباههم تذللاً لله ولا عمروا قلوبهم بكلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فارتقوا منـزلة ليست لهم .
ومنذ عصور غابرة ظهر اهتمام بعض علماء الشريعة بفن من فنونها دون فن مع حصوله على قاعدة مشتركة بينها ، فقامت صيحات تدعو إلى أن الاجتهاد محصور فيمن ينتسب للفقه من علماء الأمة وقامت أخرى تدعو إلى أن الاجتهاد محصور فيمن ينتسب لأصول الفقه ، وادعى علماء الكلام أنهم فرسان الاجتهاد وأهله لمالهم من طول باع في المناظرات والجدل والحجاج .
ونحن في هذه الأيام تغير حالنا وأسلوب تعليمنا فانتشر التخصص بأحد علوم الشريعة بعد الشمول والعموم ، وانطلق طلاب العلم من التقليد الذي ضرب على الأمة عصوراً طويلة ، وأصبحت القدرة عند طالب العلم على سبر الأمور ومعرفة غورها وموازنة الآراء ومقابلتها ، أرى أنه بناء على ذلك لا بد من إعادة النظر في وضع ضوابط الاجتهاد وشروطه بما يتناسب والواقع الجديد الذي أصبحت شروط الاجتهاد التي وضعت قديماً يتعذر توفرها في شخص واحد ، بل يمكن توفر بعضها في شخص وبعضها الآخر في شخص آخر وقد بدأت تلوح في الأفق الآن ظاهرة أخرى جديرة بالدراسة وهي تخصص بعض أهل العلم في باب من أبواب الفقه يحيط بكل ما فيه من نصوص شرعية وفتاوى سابقة ويبحث عن كل ما استجد فيه من أنواع وصور لم تكن في عصور الأمة السابقة فيحصر همه وجهده فيما يتعلق به لأن الهمم قد كلَّت عن الإحاطة بجميع علوم الشريعة وأبوابها وفصولها من الشخص الواحد ، ولذا قد يكون هذا حلاً له وجاهته إن لم تظهر له سلبيات .
ومن الأمور المطروحة في ميدان الاجتهاد (الاجتهاد الجماعي) خاصة ونحن في عصر سَهُلَ فيه الالتقاء بما أنعم الله به على البشرية من وسائل اتصال وانتقال ينبغي تسخيرها لشرع الله .
فلا بد من وضع الضوابط والشروط لذلك ومن يُسمع قولُه ومن لا يُسمع قولُه في ذلك ، فلا يكون الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل من هب ودب من أنصاف المتعلمين والمارقين من الدين الذين لا يعظمون شعائر الله ، وليس من حرية الفكر الذي يلوح بأعلامها دعاة الحرية أن يتولى إصدار الأحكام الشرعية من لا يكاد يقيم لسانه بفاتحة الكتاب فيفتي بشيء رآه في كتاب لا يدري قَصْدَ قائله ولا يعرف دليله ، وقد يروي المنفي مثبتاً والمثبت منفياً فيعبر عن الشيء بضده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وإنني أشاطر الأخ الدكتور حسن في دعوته للاجتهاد الجماعي لأن النظر الجماعي أسد والنتيجة فيه أحكم وأقرب للصواب والحق ، بخاصة إذا خضعت الآراء للنقاش والمناظرات بهدف الوصول للحق لا لنصرة المذهب والرأي ، كما أن هذا النقاش يؤدي إلى تقارب الآراء وتضييق هوة النـزاع والاختلاف إذا خلصت النية ونبل الهدف والآراء لا يظهر لقائليها زيفها إلا إذا عرضت على الآخرين .
كما أنني أشاطره فيما دعا إليه من تدخل ولي أمر المسلمين بإلـزام جماعة المسلمين بما رجح من الأقوال بعد النظر والنقاش في أبواب المعاملات بخاصة لأنه لا يقطع الشغب إلا هذا ، ولو ترك كل قاضٍ وما توصل إليه أصبح الناس في شغب وفوضى كل يريد أن يتحاكم إلى القاضي الذي يظن أن حكمه يوافق مصلحته ،وهذا بشرط أن يكون مَن ولي أمر المسلمين ممن كان هواه تبعاً لما ورد عن الله سبحانه ، وأما أمور العبادات وعلاقة الناس بربهم فكل يتعبد الله بما رجح عنده ولذا حرَّم العلماء على المجتهد تقليد مجتهد آخر ويجب عليه العمل بموجب اجتهاده إلاَّ إذا كان للأمر التعبدي دليل واضح ويترتب على مخالفته مفسدة كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في توعد من يخالف العمل بحديث التقاء الختانين الذي روته عائشة ومن يقول بمتعة الحج ومتعة النساء .
وقد يكون مما يحتاج إلى النظر ما يجرح به الشاهد والراوي مما ذكر في كتب المتقدمين من الأصوليين مما هو مأخوذ من العرف ولم يرد فيه نص وخاصة وأن الأعراف تتغير وتتبدل فما كان جارحاً عند قوم لا يكون جارحاً عند آخرين .
وأما ما دعا إليه الأخ الدكتور حسن من العمل بالقياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له مناطقة الإغريق وتلقفها علماء أصول الفقه فإنني لا أوافقه على هذه الدعوة لأن القياس الفقهي يختلف تمام الاختلاف عن المنطق الصوري ولا يمت له بصلة لا في ماهيته ولا شروطه وأركانه فالمنطق الصوري مبني على إدراج جزئي تحت كلي وهم يدعون أن نتائجه قطعية إذا رتبت المقدمات ترتيباً صحيحاً لا يمكن أن تختلف النتيجة فيه .
وأما القياس الفقهي فهو مبني على إلحاق فرع بأصل يوجد له حكم ثابت لوجود وصف جامع بينهما يسمى العلة وهو ظني النتيجة إلاَّ إذا كان الفرع في معنى الأصل تماماً .
وما وضعه علماء الأصول له من شروط وأركان وقوادح فإنها مرنة جداً يستطيع أن يتعامل معها كل مجتهد بما يتناسب مع مذهبه من التوسع في التطبيق أو عدم التوسع ،والذي يخشى من تقليل ضوابطه وشروطه أضعاف أضعاف ما يخشى من الضوابط والشروط الموضوعة ، فتجريده من القيود والشروط كلاً أو جزءاً عاقبته وخيمة قد تتخذ ذريعة للمروق من الدين أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك .
وقد بنى الأخ الدكتور حسن على قاعدة استصحاب حال البراءة الأصلية وأن الأصل في الأفعال الحل أن كل ما تطوقه المؤمن يقصد به وجه الله عبادة مقبولة ص 28 فقد يكون لهذه العبارة محملاً صحيحاً ولكن الناس قد تتعلق بظواهر الألفاظ وتستعمل العموم الذي فيها وإن لم يكن مقصوداً لقائله فقد تُوهم هذه العبارة أن الأمر على إطلاقه فيجد الصوفي في العبارة ما يبرر ما استحدثه من عبادات لم يقم عليها دليل شرعي ولذا أحببت أن أنبه أن هذا العموم مقيد في العبادات بقيود كقوله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ولقوله للنفر الثلاثة الذين استقالّوا عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من رغب عن سنتي فليس مني ) وغير هذه كثير .
ولكل ما ذكر فإنني أرى أن الدعوة إلى تطوير أصول الفقه دعوة جديرة بأن يتلقاها علماء الأمة وعلى الأخص المختصون في أصول الفقه بالترحاب والتفكير الجدي والتخطيط المثمر للشروع في هذا العمل بعد عقد المناظرات والندوات لتظهر جوانب الموضوع وتتضح الرؤيا ، وخيار الأمر دائماً الاعتدال فلا تقوقع ولا جمود يجعل التشريع متخلفاً وعاجزاً عن مسايرة ركب الحياة المتجدد ، ولا تهور ولا تحلل يؤدي إلى المروق من الدين فخير الأمور أوسطها ، قال تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) .
اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وألهمنا رشدنا ، ويسر لهذه الأمة من يُحكمِّ فيها كتابك وسنة نبيك ويسلك بها مسلك الخلافة الراشدة إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



--------------------------------------------------------------------------------

الورقة الثالثة :الشيخ يوسف بن محمد الغفيص
" أصول الفقه بين الثبات والتجديد"
البعد الفكري ، والإمكان العملي
قراءة في السببية المطالبة ، وأوجه الإمكان التطبيقية التجديدية

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله وآله وصحبة أما بعد :
فإن تحديد رؤية علمية أمام هذه الفرضية (( تجديد أصول الفقه )) يرتبط بوجود إمكانية مؤهلة من حيث المنهج النظري ، والواقعية التطبيقية لإجراء حوار يتطلع لقراءة مراجعة للكتابة الأصولية التاريخية.
هذه المبدئية أو الاتجاه على أقل تقدير يعطي مراجعة للسببية المطالبة بتجديد أصول الفقه، وربما كان من الرسم الصحيح للشكل العلمي: أن هذه الدعوة إنتاج(للعقل المنفعل حضارياً) أو (للعقل المدني المتحول) وفي تقديري : أن هذا العقل عقل ذرائعي افتراضي بدرجة ذوقية عالية !! ومقدّر: أنه يواجه أزمة تكوين ، وليس أزمة تطبيق ، وليس على علاقة معتدلة مع التراث الإسلامي من حيث الولاء والتصور .
من هنا فإن هذه الفرضية العلمية في شكلها الحضوري لا تحمل إلحاحاً ذاتياً من داخل علم ((أصول الفقه)) أو حتى معطيات علمية وتاريخية قادرة على ترسيم هذا الافتراض .
هذا الإنتاج لا يعني أن (علم أصول الفقه) علم متعالي على التجديد والمراجعة والتصحيح في سائر جزئيات بنيته ، بل هذه مراجعة متاحة ومؤهلة علمياً وتاريخياً بل وممارسة داخل هذا العلم أو عند من قرأه من كبار علماء ونظار المسلمين الذين كتبوا في التصحيح الأصولي .
ثمت فرق بين رؤية تقع استجابة لفرضية حضارية أو أزمة تكوينية فكرية وبين الاستجابة لواقعية علمية تاريخية أو حتى حظورية طارئة . هذا الفرق لا يتمثل في القراءة السببية المجردة بل يرتبط به التكوين التطبيقي ولو بمعدل اللغة التعاملية الأولية . ومن هنا فإن الكشف عن حقيقة هذه الدعوة داخل رؤية واتجاه العقل المدنى المتحول سواء كان في اتجاه ما يسمى "اليسار الإسلامي" أو "العقلاني الحر" أو "الوسط الحداثي" يعد قيمة مهمة في تقييم هذه الدعوة التي يحاول رموزها الفكرية المتحولة إقصاء الاتجاه الوسط الإسلامي المحافظ عن الامتياز التأصيلي .
حسب التقدير الشخصي : فإن الدعوة إلى (تجديد أصول الفقه) بهذه الدرجة من العمومية ، والنسق الفكري الذي ترفع فيه هذه المطالبة جاءت محاولة تجاوز للتنظيم التشريعي المذهبي القائم في القرون الإسلامية ، والممتد في الواقع المعاصر ، أو بعبارة أكثر تطبيقية مع الواقع الثقافي : محاولة تحييد النظامية التشريعية التي يمثلها الوسط العلمي المحافظ عن الممارسة التطبيقية المعاصرة ، وإعطاء واقعية معرفية لحرية العقل المتحول في كثير من الأوساط الثقافية العربية أو حتى في اليسار الثقافي الإسلامي لتجاوز المنهج العلمي الوسطي الذي مثله الفقهاء الأوائل، وهذه التوافقية بين هذين التجمعين الذي ربما صح أن نسميهم : رواد هذه الدعوة ليست توافقية منهجية ، وهذا منطق عدلي يجب أن يكون واضحاً ، فمن المؤكد أن "اليسار الإسلامي" أكثر تعقلاً بل لا يمكن أن يؤهل "العقل الحداثي" لمعادلة تعاملية تجاه هذه الدعوة مع كل الأشكال الإسلامية . لكن ربما كان مهماً أن ندرك أن هذه المطالبة ، أو بتصورية أكثر : الافتراض التحويلي لأصول الفقه ، ليست محاولة علمية داخل التجمع العلمي التخصصي أو اعتباراً شرعياً داخل التمثيل الإسلامي التعددي القائم ، وإن كنا ندرك أن هناك مناقشات وربما إيحاءات قبولية أو رفضية قائمة في هذين المسارين لكن البعد الثقافي المعاصر في أشكاله الاتجاهية الفكرية يتعامل مع هذه الفرضية كنظرية يحاول أن يسجل لها استجابة داخل التجمع العلمي التخصصي أو داخل التطبيق الإسلامي التعددي أي : خلق سببية معرفية أو شرعية ، ورغم وجود مقتضيات نسبية في المحورين فإن تجسير العلاقة مع العقل الوضعي أو العقل المتحول يمثل تسرعاً ولو بمستوى التصويت الأولي لصالح تصحيح النظرية ،وهنا يمكن أن نسجل رفض القبول لهذه الدعوة التي تقع تحت رؤية فكرية متحولة،وليست على علاقة مناسبة مع التراث الوسطي المحافظ بل يكون هذا ضرورة منهجية لازمة التحقيق.
إن هذا العلم الذي بدأ التصنيف فيه – حسب رأي الأكثرين خلافاً لبعض الأحناف – الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، في كتابه المسمى : بالرسالة . والتي كانت محاولة وضع قاعدة توافقية بين "مدرسة المحدثين" و"مدرسة الرأي" في التداول الفقهي ، حيث كان في تلك المرحلة التاريخية بعض الامتياز بين هاتين المدرستين في التحصيل الفقهي مع كثير من التوحُّد في أصول التلقي والاستدلال.
وبإمامة الشافعي العلمية المتعددة مثلت رسالته التي أرسلها إلى الإمام عبد الرحمن بن مهدي المحدث ، واقعية تطبيقية تمثلت بعد عصر الشافعي في النظم العلمية المكتوبة في المذاهب الفقهية الأربعة في الفقه وأصوله .
ويدرك القاري لكبار كتب الفقه عند الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة وكذا كبار الكتب الأصولية أن ثمت توافقية في اعتبار نظم التشريع وأصول الاستدلال وكثير من نتائجه وفروعه مع امتياز حاصل نتيجة معطيات متعددة علمية ومذهبية وغيرها ، وربما صح أن بعضاً من الاميتاز المسجل تاريخياً بين المذاهب لأربعة كان مرتبطاً بالطائفية التي تمثلت في التمذهب الشمولي والتعصب والتقليد عند كثير من أتباع الأئمة .
فهو إلى حد كبير لم يكن موقفاً علمياً محضاً فضلاً عن كونه ضرورة منهجية مذهبية تستلزمها الأصول المتحققة عن الإمام المتفقه على مذهبه كمالك والشافعي . بل بعض من الامتياز وإن كان له بناء ورسم علمي إلا أنه ولائي بنسبة مقدرة من حيث التكوين .
ولست ترى أن الأئمة الأربعة يمارسون هذا الامتياز بنفس الدرجة التي يمارسها كثير من أتباعهم ولا سيما متأخريهم .
ومن هنا فإن المحققين من علماء الإسلام الكبار لا يرون تفضيل أحد هذه المذاهب الأربعة في النظم الأصولية أو الفروع الفقهية المحصلة تفضيلاً عمومياً من حيث الأصل بل يرون ثمت تحقيقاً تفاضليا نسبياً بحسب الأبواب المقررة في الفقه وأصوله . كتقديم أحد هذه المذاهب في قواعد القياس والعلة و السبب، أو دلالات الألفاظ ، أو ترتيب و توفيق الأدلة المختلف فيها ونحو ذلك ، وكذا في الأبواب الفقهية كتقديم مذهب في مسائل الطهارة وآخر في المناسك وآخر في الأطعمة و هلم جرا . ومع هذا فلا يقع هذا التفضيل في سائر المسائل المقولة باطراد بل يكون هذا من حيث الجنس الذي يتخلف بعض أفراده . والناظر في كتب الفقه و أصوله يرى تداخلاً في كثير من الفروع والقواعد التطبيقية بين هذه المذاهب فضلاً عن التوافق في أصول الاستدلال ، وجماع الفروع المتفق عليها ، و بخاصة بين الشافعية والحنابلة في الفروع الفقهية ، وبين الشافعية والمالكية المتأخرين في كتب الأصول هذا التداخل الثاني بفعل الجمع المنهجي الكلامي الذي انتجته مدرسة الأشعرية التي أكثر ممثليها من الشافعية ثم المالكية ، حتى أطلق كثير ممن كتب في تاريخ أصول الفقه : أن ثمت طريقتين للتأليف فيه : طريقة المتكلمين الممثلة عند علماء الأصول من الشافعية و المالكية في الجملة ، وطريقة الفقهاء التي تضاف للأحناف ، ويذكر كثيرون وجود منهج توفيقي بين الطريقتين . وهذه القراءة التاريخية في التصنيف المنهجي لصياغة هذا العلم فيها مراجعة ، وعليها سؤالات ليس هنا إمكان للحديث عنها .
لكن المهم قوله هنا : أن أكثر كتب أصول الفقه التي يجري التعامل معها في هذا العصر ، بمعنى : أنها ورقة القراءة المفترضة ، مكتوبة بتكوين علمي مركب إلى حد الاختلاف إذا اعتبرنا الأصول التجذيرية لهذا التركيب ، حيث مثل "علم الكلام" الذي استعمله المعتزلة ثم الأشاعرة و الماتريدية في التقرير العقدي أثراً في التقرير والصياغة الأصولية ، وإن كان ليس بنفس الممارسة العقدية ، لكن حين تقرأ البرهان لأبي المعالي الجويني أو المستصفى لأبي حامد الغزالي أو المحصول لابن الخطيب الرازي أو الأحكام للسيف الآمدي وهم من أعيان الشافعية الأصولية ، المتكلمة على الطريقة الأشعرية أو في المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي الحنفي وترى رسم أصول الفقه عند هؤلاء المصنفين و أمثالهم من أعيان علماء الكلام فهنا يكون من الواضح أثر هذا العلم في صياغة أصول الفقه فضلا عن استعمال المنطق الأرسطي المترجم كآلية للتراتيب الأصولية عند كثير من المتكلمين المصنفين في الأصول ، وربما صار هو قانون العقل كما هو اتجاه الغزالي . وإذا أخذنا الاتجاه المذهبي الفقهي وجدنا أنه يُشكل مع الاتجاه القانوني ( الكلامي ـ المنطقي ) تركيباً متمايزاً ليس أثره يختص بصنعة الحرف والكلمة ،ونسق الصياغة بل يتحصل له أثر في النتائج العلمية، وانقطاع التواصل أحياناً مع المذهب الفقهي ،و ربما صح أن نقول : إن هذا الترتيب المتمايز شكّل العقل الأصولي في الطور الثاني بعد الشافعي .
وهنا من الصعب أن تقرأ علاقة تمامية بين الفقه الذي قرره الشافعي وأئمة أصحابه المتقدمين ، والأصول التي نظمها للمذهب أمثال الجويني والغزالي و الرازي . وهذا مطرد مع كثير من الأصولين من أصحاب مالك المتأخرين وكذا بعض الحنفية كأبي الحسين البصري صاحب المعتمد بل وجمع من الحنابلة وإن كانوا أكثر تسالماً مع فقه إمامهم وأصحابه الأوائل لأن علم الكلام لم يستعمل منهجاً عند الحنابلة كما وقع في غيرهم وإن كان هناك ممارسات كلامية لبعض الحنابلة أو ما هو من النقل الذي دخل عليهم من التحصيل من كتب الأصول التي صنفها متكلمون .
هذه قراءة طويلة بل ومعقدة لكن ربما كان مهماً أن نعرف بعض حركة التركيب التاريخي لهذا العلم .
و حينما نحاول أن نقرأ الأمور حسب مساحتها القائمة فلا يعني أننا نمارس حركة الإغلاق من الداخل لأي مشروع تجديدي ، لكن من الحق أن نعي أن التراث العلمي الأصولي قيمة راقية ، ومع ذلك ففيه مساحة للمراجعة والتجديد حسب قواعد الشريعة و مقاصدها المتقررة في الكتاب والسنة وليس حسب الذوق الفكري المتنصل من الولاء العلمي التاريخي.
إن التجديد فضيلة شرعية ، وهو مصطلح مشرق يعني التخلص من سلطة النفس،والتقليد، والتعصب لما هو بمقتضى أصول الشريعة ليس مؤهلاً لهذا الإلحاح مما هو داخل دائرة الخلاف و الاجتهاد عند أئمة الإسلام وفقهائه إلا أن من المتحقق أن التجديد في هذا العلم ليس فضيلة معاصرة تمثلها دعوة أو اتجاه بل هو ممارسة سابقة على يد كثير من محققي علماء الإسلام ، ومن أخص ذلك الإشارات التي نقد فيها الإمام ابن تيمية في موارد من كتبه كثيراً من المسائل المكتوبة في كثير من الكتب الأصولية و بخاصة ما تحصل بأثر علم الكلام . ويعد ابن حزم من أخص من كتب في هذه المراجعات في مصنفه الأصولي " الأحكام " وإن كانت مراجعته رسماً مذهبياً لأصول الظاهرية أكثر من كونها تصحيحاً بأصول متقررة عند الأئمة المتقدمين كما هو منـزع الإمام ابن تيمية .
بل إنك تقرأ داخل المحور الأصولي نفسه قراءة حوارية أو جدلية بين الأصوليين حسب الإملاء المذهبي العقدي أو الفقهي . ويعد الشاطبي من كبار المراجعين في القراءة و الصياغة الأصولية . صحيح أننا قد نحاول أن نبحث عن تجديد آخر في أصول الفقه أو نستكمل هذه المراجعات هذا لا يبدو مشكلاً ،والتاريخ لا يمكن أن يغلق باب الاجتهاد و التجديد في لحظة معينة ، والأمة لا تزال بحاجة إلى التطوير العلمي ، وحين ننتقد الدعوة المعاصرة " تجديد أصول الفقه " المطروحة في أوساط فكرية معاصرة مختلفة بل ومتناقضة أحياناً فمن "اليسار الإسلامي" إلى "الاتجاه العقلاني الحر" ، إلى "الوسط الحداثي" الذي يحاول بمثل هذه الدعوة تسجيل مصداقية تصحيحية لأنموذجه المختار ، و ثمت أشكال ثقافية أخرى متبنية أو متعاطفة مع هذه الدعوة فهنا يفترض أن نكون أكثر وعياً بسببية هذا النقد فليس هو إنتاجاً لرفض التجديد ، أو محاولة لرسم الإغلاق الثقافي ، أو مشاكسة للإبداع بل محاولة قراءة للأمور كما هي ، وكما تستحق دون مزاحمة عواطف التاريخ القبلية و الحضورية .
إن نقد هذه الدعوة إلى حد الرفض في إطارها الفكري السابق يعد ضرورة منهجية ولزوماً شرعياً.
يبدو من المهم كثيراً أن نتصور مناط التجديد و محوره قبل ترتيب الحكم فحين نتحدث عن التجديد في مشروع إسلامي تعاملي ، أو حركي ،أو وسائلي يرتبط بالواقع الدعوي أو الاجتماعي أو التربوي فهنا ندرك أننا في مساحة واسعة حسب الاجتهاد الشرعي القائم لكن حين نتحدث عن مشروع تجديدي مقدم من دوائر فكرية متقاطعة مع المنهج الشرعي الوسطي المحافظ فهنا يفترض أن نفكر بطريقة واعية وأن ندرك أننا في مساحة ضيقة و معقدة التركيب ، وأننا أمام رؤية تأسيسية ،ومن الصعب أن توجد رؤية تصالحية بل نكون أمام حتمية الرفض كضمان منهجي .
من المهم أن نتجاوز في هذه الورقة لغة الشعارات الحضارية قبولاً أو رفضاً و ألاّ نقرأ هذه الفرضية في التجديد قراءة ذوقية . ومن المهم تماماً أن ندرك أن هذه الدعوة تحمل بعداً فكرياً يمثله معارضون للمنهج السني المحافظ بشكل كبير.
إن هذه الدعوة " تجديد أصول الفقه " في الأوساط الثقافية الفكرية المعاصرة المتمثلة فيما يسمي اليسار الإسلامي ، و الاتجاه العقلاني الحر ،والوسط الحداثي يرى رموز كل اتجاه فيها محاولة لتجاوز المسار المحافظ المعتدل في الوسط الثقافي بسلطة قانونية ، وهنا يمكن أن نتصور أننا نتحرك في المسار التكويني التأسيسي المنهجي، ولسنا أمام قبول أو رفض التجديد و الإبداع .
في التقدير الشخصي فإن مشروع " تجديد أصول الفقه " لا يمكن أن يكون له قاعدة أولية يفضّل المصادقة عليها كفضيلة مجردة وهي " قبولية التجديد " هذه المبدئية فرضية ذهنية كلية لا تتجاوز إلى العقل التصوري. أي : أن تجزئة المشروع لا يمكن أن يكون له وضوح في التطبيق العلمي .
إن إعطاء حكم لدعوة تجديد علمية يرتبط بتصورين :
أ ـ معرفة السببية المطالبة بهذا التجديد .
ب ـ معرفة القدر الذي تتمتع به هذه الدعوة من حيث الإدراك و التصور و الفهم ، أي : نسبة الوعي بهذا العلم في العقلية المطالبة.
وهنا يكون الحكم المنتج أكثر عدلية بين التراث و التجديد .
وهنا نقول : إن القاري لكتب أصول الفقه و التراث الأصولي و لا سيما في طوره الثاني بعد الشافعي الذي يعد الأخصب من حيث سعة التصنيف يدرك أن ثمت تركيباً علمياً في التكوين والبناء يصل أحياناً إلى حد الانعقاد ، وترى أنه رسم بطريقة نظرية مرتبطة بالنص ، والمذهبية الفقهية ، والاتجاه العقدي ، والصنعة الكلامية والمنطقية واللغة العربية و مادة من اللسانيات ، وهذا التكوين جعل كثيرين حتى من المثقفين لا يتمتع بقدرة كافية لقراءة هذه المصنفات بإدراكية مناسبة ، وصار هذا العلم ينغلق تفصيله على الكثير أو الأكثر لضعف الامتياز العلمي و الثقافي حتى إنك ترى في الأكاديميات العلمية المتخصصة جمعاً من المختصين في دراسة الفقه المذهبي أو المقارن ليس على علاقة متناسقة مع التصنيف الأصولي المذهبي أو المقارن كنظام يطبق بصورة بنائية ترتيبية . وهذا وإن كان له سببيات أخرى إلا أن هذا المؤثر أكثر وضوحاً ، و ترى في المختصين بالدراسة الأصولية من لا يتمتع بملكة فقهية تطبيقية حسب قراءته الأصولية .
هذه الإشارة ليست نقداً يوجه للواقع الأكاديمي المتخصص بشكل مقصود لكنها محاولة قياسية لتقرير : أن الوسط الثقافي المطالب يواجه أزمة في سببية المطالبة، وأيضاً في الوعي الإدراكي العلمي الذي يواجه حتى المتخصص في الدراسة الأصولية .
ومن العدل و الإنصاف أن في التجمع المتخصص والثقافي قرّاء ذوي امتياز متقدم في التصور المعرفي لهذا العلم .
لكن حينما تكون المطالبة تواجه أزمة وعي معرفي بهذا العلم فهنا يمكن أن نتصور : أنها مطالبة ذوقية ذرائعية تقع عند كثيرين محاولة استجابة لتجاوز مرحلة من التكوين الفكري .
إن الكتابة في أصول الفقه بطريقة إبداعية يحتاج لثراء علمي ، وهذا ليس إنتاجاً لطبيعة التصنيف الأصولي بل هو حقيقة ذاتية يتمتع بها هذا العلم وهنا يفترض لمن يحاول رسم مشروع علمي أصولي أن يراجع قاعدته العلمية بدرجة كافية !!.
و يمكن ألا نكون مبالغين في التشكيك بوجود تأهيل معرفي داخل كثير من الأوساط الفكرية المطالبة يمكن أن يمارس مصداقية معرفية في مشروعه المقترح إلا إن كان محور مشروعه تقويض البناء الأصولي!!!؟.
وحسب التقدير الشخصي فإن قراء التراث المعرفي بصورة تكاملية في هذه الأوساط لا يمثلون عددية تستطيع أن ترفع شعارات جادة في الوسط الثقافي المتحول .
وإذا كان العقل المدني المتحول يريد أن يعي ذاته ، فمن الضروري أن يعترف بهذا الحق لكل من يتمتع به حتى ولو كان تاريخياً مارس حريته في مرحلة تاريخية فربما كان مؤهلا للاستمرارية ،والوعي والحرية غير مرتبطة بالتسلسل التاريخي . فمن الصعب أن يفرض العقل المتحول سلطة على مساحة الرأي كلها . والعقل الإسلامي الوسطي المحافظ هو الأساس و الصانع لهذا الانتاج فمن المهم أن يمارس سلطته .
إن الصياغة لأصول الفقه تتطلب ثراء علمياً في النصوص و مقاصد الشريعة ولغة العرب وقواعد العقل الإسلامي و سعة علم بأقوال الفقهاء ، و قواعد المذاهب ، ومتطلبات في القدرة والعبقرية بل وإرادة صادقة متدينة .
إن علم أصول الفقه علم متدين وهذا امتياز وليس إشكالية يحاول تجاوزها باسم التجديد . ومع هذه المحاذرة والتشكيك بل رفض التعامل و القبول لهذه الدعوة التي تمثلها اتجاهات فكرية غير متواصلة مع التراث والمسار الوسطي المحافظ المعتدل فإن الفضيلة الشرعية " التجديد " تبقى امتيازاً يخاطب أهل العلم و الاختصاص بتطبيقه حتى في هذا العلم علم أصول الفقه ، و ربما كان من اللغة الخطابية أن نقول : إن التجديد الفاضل هو التجديد في أصول الفقه وليس تجديد أصول الفقه .
إن هذا العلم من أخص تراث الأمة ،والقارئ له يدرك أنه صياغة راقية للنظم الشرعية بل وصياغة للعقل الإسلامي ، وأنه مؤهل في الجملة للاستمرارية في هذا العصر الحضاري إذا كنا نتعامل مع هذا العلم بوعي وإدراك ، ووضوح في المقاصد . حسب التقدير الشخصي فإن هذا العلم بتكوينه التاريخي لم يواجه مشكلة حضارية أو يصطدم بها ، بل هو صياغة علمية شمولية مؤهلة لاستيعاب الطارئ والنازل حسب الإملاء الشرعي الذي بنى عليه هذا العلم ، وليس حسب رؤية "العقل المدني المتحول" المقطوع أو المتنصل من التراث ، الذي يحاول تجاوز المسار المحافظ المعتدل من الداخل .
وهذا لا يعني أنه علم مغلق عن الدراسة و المراجعة والتصحيح حسب قواعد الشريعة وأصولها بل يعد هذا العلم أخصب العلوم المصنفة تصنيفاً شرعياً للمراجعة و التنقيح نظراً لتعدد مادته التكوينية وتأثره بأكثر من محور معرفي ،ومن المناسب هنا أن أشير إلى موارد المراجعة والتصحيح الممكنة بل والمقترحة في كثير من كتب أصول الفقه المصنفة من قِبل كثير من أتباع الأئمة :
1- المورد العقدي في جملة من المسائل الأصولية التي ذكرها متكلمة المعتزلة المصنفين في أصول فقه الحنفية ، وذكرها متكلمة الأشعرية المصنفين في أصول فقه الشافعية و المالكية كالجوينى وأبي حامد الغزالي و الرازي وهم من الشافعية و أمثالهم .
ولعل من أخص مسائل هذا المورد كثير من المسائل المذكورة في التكليف و أحكام خطاب الشارع و حكم العقل ، وهذا يغلب عليه أنه نتيجة لمقولات عقدية يذكرونها في كتب أصول الدين التي صنفوها لتقرير المذهب العقدي عند المعتزلة والأشعرية ، وأكثرها يلحق بترتيب على القول في مسائل القدر والإرادة والتعديل و التجويز التي بحثها أمثال القاضي عبدالجبار بن أحمد المعتزلي في كتبه العقدية كالمغني و شرح الأصول و المحيط بالتكليف وشرحها علماء الأشاعرة المتكلمة في مثل التمهيد للقاضي الباقلاني والشامل و الإرشاد للجوينى ونهاية الإقدام للشهرستاني و أصول الدين للبغدادي والمطالب العالية ونهاية العقول و الأربعين لابن الخطيب الرازي ، وغاية المرام للآمدي وغيرها . وهذه التراتيب على المقولات العقدية لا تختص بهذه المسائل بل ثمت أثر عقدي في مسائل أخرى .
وهنا إشارتان :
أ ـ أن هذه التراتيب ليست لازمة في بعض الأحوال لما اعتبرت به من المقولات العقدية ، وهذا ما قرره الإمام ابن تيمية في كلامه عن جملة من مسائل التكليف الأصولية التي بنيت على الخلاف العقدي في القدر بين المعتزلة و الأشعرية وهذا المعنى أشار إليه بعض محققي نظار المتكلمين و الأصوليين ، و ثمت قدر من هذه التراتيب هو معتبر بالمقولات العقدية بلا منازعة .
ب ـ أن هذه التراتيب المبنية على المقولات العقدية تصاغ كثيراً في الكتب الأصولية خلافاً بين الحنفية والشافعية و تراها من حيث المبنى أو الذكر خلافا بين المعتزلة و الأشعرية في الكتب العقدية ، وعند التحقيق فإن أئمة المذاهب الفقهية كالشافعي و أبي حنيفة ليسوا على اتصال بهذا التقرير الأصولي المرتب وكذا كبار أصحابهم المتقدمين ،ويقع في كثير من كتب الأصول المتأخرة مقالات مخالفة لمذهب الأئمة المتقدمين -الأئمة الأربعة وغيرهم هي عند التحقيق مقالات للمعتزلة أو نحوهم من الطوائف الكلامية المخالفة لمقالات أئمة السلف أهل السنة والجماعة.
2-المورد الثاني المؤهل للمراجعة والتصحيح في الكتب الأصولية : تأثر كثير من هذه الكتب ولا سيما في الطور الثاني من تصنيفه بعلم الكلام .وهو علم أنتج من قبل جملة من النظار لتقرير رأيهم العقدي في الإلهيات من حيث الأصل ثم استعمل في مسائل القدر ،واستعمله كثير من متأخري المتكلمين في تقرير مسمى الإيمان و جملة من مسائله .
وقراءة هذا العلم من التكوين ليس هذا محل يراد له إلا أن من المتحقق أن أئمة المذاهب من المحدثين والفقهاء الأوائل كانوا طاعنين في هذا العلم ومن هؤلاء الأئمة الأربعة ( أبو حنيفة ومالك والشافعي و أحمد ) و كبار أصحابهم المتقدمين ، وطعن هؤلاء في هذا العلم محفوظ بالأسانيد التي رواها المصنفون في أصول السنة من كبار أصحاب الأئمة ، وقد ذكر أبو إسماعيل الأنصاري الهروي نقلاً متواتراً عن الأئمة المتقدمين في ذم هذا العلم في مصنفه " ذم الكلام " وقد صرح بهذا التحقق كثير من حذاق متكلمة الأشعرية كالجويني و الغزالي و الشهرستاني ، لكنهم يتأولون مقصد الشافعي وأمثاله في ذمهم بما لا ينافي اتخاذهم له مع انتحالهم قول الشافعي في الفقه وأصوله .
وهذا العلم " علم الكلام " قد كدّر علم أصول الفقه،كما هيأ للاضطراب والتهوك في أصول الدين عند أربابه السالكين له كما صرح بذلك الشهرستاني في مقدمة كتاب نهاية الإقدام ، والرازي في كتابه أقسام اللذات ، والجو يني والغزالي من قبل ، فليس هذا التصور من إملاء مخالفي المتكلمين فحسب بل قد شهد به كبار رواده ،بل مما يعلم أن الطعن في علم الكلام مجمع عليه بين أئمة السلف رحمهم الله .
3- المورد الثالث : إدخال مسائل نظرية مجردة في كثير من كتب أصول الفقه ليست من المقولات العقدية أو الأصولية بل هي مسائل مجردة و الخلاف فيها جمهوره نظري بل كثير منه لا ثمرة له حتى نظراً وهذا يقع في مسائل مقولة في المقدمات الكلامية و النظرية و اللسانية ، خاصة أن كثيراً من هذا النزاع المذكور يُنصب مع شذاذ في تاريخ المعرفة والفكر كالسفسطائية ، والسمنية وأمثالها من أصحاب الاتجاهات الفلسفية البائدة .
وهذا المورد كثير منه إنتاج لعلم الكلام ودخوله في الصياغة الأصولية كما صرح بذلك الغزالي في مقدمة المستصفى ، وذكر أنه يذكر من هذا القدر اللائق وإن كان نقد كثيراً ممن قبله من متكلمة الأصولية الذين أسرفوا في هذا الخلط حسب عبارة الغزالي ثم شرع في رسم مقدمته المنطقية .
ونقد هذه المسائل النظرية المجردة أشار إليه جمع من الأصوليين كالجويني في البرهان والغزالي في المستصفى وابن حزم في الأحكام و الشوكاني في إرشاد الفحول وغيرهم وإن كان هؤلاء حكوا ما هو من ذلك وذكروه مع انتقادهم لبعض صوره.
ويعد الشاطبي من مقدمي نقاد هذا النوع ، المتباعدين عنه .
4- المورد الرابع : المنطق الأرسطي المترجم وأثره في بناء و صياغة أصول الفقه عند كثير من متكلمة الأصولية. وفي التقدير الشخصي أن أثر المنطق الأرسطي لم يختص في كثير من المصنفات الأصولية التي كتبها النظار بنسق البناء وصورة الصياغة بل شارك في تشكيل العقل الأصولي في الطور الثاني لهذا العلم ، كما تقرأ هذه الإشارة عند كثيرين ومن أخصهم الغزالي صاحب المستصفى .
و المنطق الأرسطي قد نقده كثير من النظار الإسلاميين من الأصوليين و غيرهم حتى من استعمله في بعض أطواره فإنه رجع كثير منهم إلى ذمه ونقده ، وترى الغزالي حينما يكون رياضياً إشراقياً يتجاهل قيمة المنطق. والقراءة في نقد المنطق الأرسطي تعد مراجعة طويلة لكن يمكن الإشارة إلى أن هذا المنطق وضعه أرسطو آلة للمنهج العقلي التجريدي الذي هو قوام فلسفته ، وهذا يعنى أنه غير مؤهل التواصل مع العقل الإسلامي .
ويعد الإمام ابن تيمية من كبار رواد هذا النقد في مصنفات أخصها " نقض المنطق " .
5- المورد الخامس : تأخر أهلية كثير من المصنفين في أصول الفقه عن التكاملية المناسبة المفترضة . ولئن كان الإمام الشافعي الذي وضع فواتح وقواعد هذا العلم كان يتمتع بأهلية علمية ربما صح أن نقول : مثالية . فإنك حين تقرأ سيرة الشافعي تجد أن ثمت ثراء علمياً متعدداً بل إمامه متعددة في الحديث والفقه و العربية و النظر الذي هو الاعتبار الشرعي المقاصدي ، لكن كثيراً من الأصولية بعده مع امتيازهم العقلي و امتلاكهم قوانين نظرية و معرفتهم بالفروع الفقهية و لا سيما في المذهب الإنتمائي إلا أن تأخرهم عن سعة العلم بتفاصيل السنة والحديث النبوي الذي هو أحد معتبرات وضع قواعد المقاصد فضلاً عن الضوابط التفصيلية الإطرادية المذهبية شارك في عدم تمامية كثير من هذه المصنفات ، وصار ثمت نظرية تجريدية في بناء بعض النظم الأصولية ولا سيما إذا عرف أن سببية هذا التأخر في الغالب هي مزاحمة علم الكلام و المنطق الصوري من حيث اشتغال المتكلمين به عن تفاصيل الأحاديث والآثار ، ومن الحقائق التاريخية أن علماء الكلام من المعتزلة و غيرهم و حتى جمهور علماء الكلام الأشعرية ليسوا من أهل الاختصاص بمعرفة السنة والآثار و ما صح وما ورد .
وترى أن أبا حامد الغزالي وهو من أكابر أساتذة علم أصول الفقه مع ثرائه العلمي إلا أنه يذكر عن نفسه : أنه مزجي البضاعة في الحديث .
و لئن كان الأصوليون يذكرون في شروط المجتهد في الأحكام العلم بتفاصيل الأحاديث الواردة في الأحكام والتكليف فإن هذا الشرط أكثر إلحاحاً في حق من يرسم قواعد ونظم التشريع استقراء من مصادر الشريعة .
6- المورد السادس : تطويل هذا العلم بمسائل أصولية مجردة عن الثمرة وهذا نوع أخص من المذكور في المورد الثالث ، وهذا له مثالات ذكرها وأشار إليه كثير من الأصولية أنفسهم وإن كان أكثر هؤلاء أمضاها في تصانيفه .
7- المورد السابع : تركُّب هذا العلم من غير مادة أنتج إشكالية تقاطع هذا العلم مع الفروع الفقهية و عدم وضوح التطبيق كممارسة متاحة ، ولا سيما في التصانيف التي تسمى عند كثيرين : المصنفات على الطريقة الكلامية .
وإن كان يقال عند كثيرين : إن سببية هذا التقاطع أن هذه الطريقة تنتج الفروع وليس يراد أن الفروع تنتجها . لكن هذا عليه سؤلات تأخره عن رتبة الصحة والمناسبة .
8- هنا إمكانية لأهل العلم العارفين بأصول السنة والشريعة لمراجعة بعض القواعد الأصولية الخلافية بين الأصوليين التي لها اتصال بإنتاج أحكام النوازل المعاصرة ، ورسم صياغة شرعية أكثر مناسبة لهذه النوازل .
وفي التقدير الخاص : أن هذا العلم تتجه أكثر مراجعته إلى " التنقيح " وليس هناك وضوح علمي في حاجة هذا العلم إلى إعادة بناء بمعطيات جديدة كما هو ادعاء العقل المدني المتحول .
و من المقدر هنا : أن الواقع الحضاري بمعطياته و نوازله يمكن أن يستوعب داخل هذا العلم حتى في شكله التاريخي البحت إذا كان ثمت امتيازان :
أ- الثراء العلمي لقارئ كتب الأصول ، فهذا العلم في تركيبه انعقاد علمي وتاريخي حتى قال بعض الناظرين فيه: إنه علم لا يحمل استقلالاً ، وهذا وإن خالفه الأكثر إلا أنه إشارة إلى حقيقة تكوين وبناء هذا العلم التعددية .
ب- المصادقة على استمرار حكمية وأهلية التراث العلمي التشريعي المحصل من مصادر التشريع المعتبرة عند علماء الإسلام ، وأن الواقع الحضاري يمكن أن يستوعب من حيث الجملة داخل هذا التراث مع فتح باب الاجتهاد و الترجيح و التجديد لمن يتأهل لذلك من أهل العلم والمعرفة بأصول السنة ومقاصد الشريعة.
و من الصعب أن نتصور أن النظم الأصولية كانت مجرد لحظة استجابة لمعطيات حضورية تاريخية ، وأن الواقع الحضاري يملي علينا استجابة من مقدماتها تجاوز التاريخية العلمية كما هو اتجاه موجود في بعض الأوساط الثقافية الحداثية . في التقدير أن هذه رؤية ذوقية ذرائعية وليست قراءة علمية جادة في التراث.
و في ختم هذه الإدلاء السريع في تقديم رؤية حول هذا الموضوع " تجديد أصول الفقه " يمكن أن نلخص هذه المحاولة : بأن هذا الموضوع يقع في محورين :
1-المحور الفكري المنهجي .
2- المحور العلمي التخصصي . ونتيجة الحكم في المحورين مختلفة بصورة واضحة .
وهذا الرأي المكتوب اجتهاد محتمل في بعض جوانبه وثمت جوانب أساسية ثبوتية داخل هذه الرأي . وأحب أن أشير إلى أنه ليس توافقاً أو رداً لورقة شارك فيها بعض الباحثين في هذه الندوة فلست على اطلاع وقت كتابة هذا الموضوع على المشاركات المتدوالة ، كما أشير إلى أن هذا الموضوع يعتبر الحديث عنه ، فيه انعقاد ويحتاج إلى تصور متميز ومن هنا لست أميل إلى فتح الحوار في هذا الموضوع لسائر طبقات القراء كما هو الشأن في موضوعات التربية والاجتماعيات و قضايا الدعوة الواقعية التي من المهم كثيراً أن تفتح المساحة فيها.
وأخيراً هذا الحديث و المشاركة إملاء من الذهن وليس بحثاً و ملاحقة للحروف المكتوبة في التصانيف ولهذا جردته عن النقل والإحالة وقصدت أن يكون واضح التناول بلغة مقربة لإعطاء رؤية مبسطة عن حقيقة هذه الدعوة وبعده الفكري، وإمكانها العلمي ،وأنهما مساران مختلفان فالرفض للأول لا يعني رفض الثاني وهذه حقيقة فاضلة الإدراك والوعي ،ولم تكن هذه المشاركة محاولة رد مفصل على اتجاه فكري فهذا استقراء آخر .
والله الهادي إلى صراطه المستقيم و الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 02-04-03, 12:11 AM
ابن الجزري ابن الجزري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-03-03
المشاركات: 24
افتراضي

الإخوة الأفاضل/ أهل الحديث
جزاكم الله خيرا على هذه البحوث وأتمنى أن تطبع هذه الندوة القيمة في كتاب مع مناقشات ومداخلات الأساتذة كما أرجو من يعرف بحوث في هذا الموضوع يدلنا عليها مشكورا
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-04-03, 11:55 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

تفضلوا هذا الرابط له علاقة بالموضوع :

*** انقر هنا ***


ميمونة - الكويت الاسم
زاد المسير الموضوع
في تجديد أصول الفقه.. إشارات ومنارات العنوان
دكتورنا الفاضل الأستاذ كمال المصري،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بدايةً أشكركم على اهتمامكم، ولقد وصلني جوابكم واستفدتُّ كثيراً من آرائكم في وضع وإعداد الخطَّة، وها قد بدأت بالكتابة مستعينةً بالله تعالى، ثمَّ بإرشاداتكم النيِّرة.
وأرجو من حضراتكم إعطائي فكرةً أو (توضيحاً أكثر) عمَّا ذكرتموه من استكشاف الجديد أو تقديم شيءٍ جديد، حيث إنَّ هذه النقطة أثارت مخاوفي.
فأرجو إفادتي شاكرةً لكم مرَّةً أخرى.
والسلام عليكم ورحمة الله.
ابنتكم: ميمونة. السؤال
كمال المصري المستشار
الرد

أختي الفاضلة ميمونة حفظك الله تعالى ونفع بك،
وفَّقك الله في بحثك ودراستك، ويسَّر لك الخير كلَّ الخير، وفتح على يديك الجديد ممَّا فيه خير أمَّة الإسلام، وبالطبع أهلاً بك دائماً وبأسئلتك وباقتراحاتك وبمشاركاتك، فهذا المكان هو ملتقى الدعاة في كلِّ مكان.

أختي الكريمة،
لا أكتمك حديثاً حين أقول أنَّ سؤالك هذا شغلني وشغل فكري فترةً ليست بالقصيرة، وأخذت أقلِّب الأفكار لأرى كيف يمكن أن أتعرَّض له، فأنا لا أدَّعي أنَّني أصوليٌّ يملك مقاليد هذا العلم ونواصيه، فهذا شرفٌ كم تمنَّيت لو نلته، ولكنَّني لا أدَّعيه، وكلُّ ما قلته لك يا أختي في إجابتي السابقة كان مجرَّد أفكارٍ حول أصول الفقه، بل قولي أحلاما، تمنَّيت لو أجد لها من يفسِّرها إلى واقعٍ ووجود، وأسأل الله تعالى أن تكوني أنت هذا المفسِّر.. اللهمَّ آمين.
وممَّا زادني قلقاً واضطِّراباً ما ارتبط بكلمة "التجديد" من تاريخٍ أسود ارتبط بدعاةٍ أرادوا هدم كلِّ شيء، وطمس هويَّتنا التاريخيَّة وذاتيَّتنا الإسلاميَّة باسم "التجديد"، وكان حديثهم –في معظمه- مرتبطاً بالغرب والسعي إليه وتقليده، وفي هؤلاء قال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: "إنَّهم يريدون أن يجدِّدوا الدين واللغة والشمس والقمر!!"، وهم الذين أشار إليهم شاعر الإسلام محمد إقبال، حين قال في بعض محاوراته: "إنَّ جديدهم هو قديم أوربا"، وقال: "إنَّ الكعبة لا تجدَّد، ولا تُجلَب لها حجارةٌ من الغرب!"، وهذا اللون من التجديد مرفوضٌ بالطبع شكلاً ومضمونا، ولكنَّه لا يعني أبداً إغلاق الأبواب، بل إغلاق العقول أيضا، لأنَّ: "التجديد الحقيقيَّ مشروعٌ بل مطلوبٌ في كلِّ شيء: في المادِّيَّات، والمعنويَّات، في الدنيا والدين، حتى إنَّ الإيمان ليحتاج إلى تجديد، والدين يحتاج إلى تجديد، وفى الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إنَّ الإيمان ليَخْلَق في جوف أحدكم، كما يَخْلَق الثوب الخَلِق، فاسألوا الله أن يجدِّد الإيمان في قلوبكم"رواه الحاكم، وقال: رواته ثقات، ووافقه الذهبي، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، والبيهقيُّ في المعرفة، عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلِّ مائة سنةٍ من يجدِّد لها دينها"صحَّحه العراقيُّ وغيره، وذكره في صحيح الجامع الصغير، المهمُّ هو تحديد مفهوم التجديد ومداه، وإذا كان الشارع قد أذِن "بتجديد الدين" نفسه، وعرف تاريخ المسلمين فئةً من الأعلام أُطلِق عليهم اسم "المجدِّدين" من أمثال الإمام الشافعيِّ والإمام الغزاليّ، وغيرهما، فلا حرج علينا إذن من "تجديد أصول الفقه"، وإذا كان "علم أصول الفقه" قد وضعه المسلمون بالأمس ووسَّعوه وطوَّروه ابتداءً من "رسالة " الإمام الشافعيِّ إلى "إرشاد الفحول" للإمام الشوكانيّ، إلى مؤلَّفات المعاصرين، فلا عجب أن يقبل التجديد اليوم، المسلمون هم الذين أسَّسوه، وهم الذين يجدِّدونه" كما يقول أستاذنا الدكتور القرضاوي.

وبعد هذه المقدِّمة الطويلة، وبعد رسالتك هذه – أختي ميمونة- عدتُّ إلى كتب الأصول القديمة والحديثة أبحث عمَّا يمكن أن أكتبه لك، ولا أدَّعي أنَّني وصلت إلى شيءٍ أمسكه بيدي، ولكن وصلت لما يمكن أن نسمِّيه "إشارات" أو "منارات" يمكن من خلالها إنارة طريق السالك، فعذراً على ضعفي وقلَّة بضاعتي.

ما وصلت إليه ذو شقَّين:
الشقِّ الأوَّل: مرتبطٌ بعلم "أصول الفقه" عامَّة.
الشقِّ الثاني: مرتبطٌ بالرخصة والعزيمة.

الشقُّ الأوَّل: ما يرتبط بعلم "أصول الفقه" عامَّة:
الحديث حول تجديد الأصول –في رأيي- يمكن أن يكون في أمرين:
1- لغة الأصول.
2- قطعيَّة الأدلَّة.


1- لغة الأصول: لم أجد –للأسف- في ما كُتب من كتاباتٍ أصوليَّةٍ محدثةٍ كتابةً معاصرةً سلسةً وعميقة، بل لم يستطع علماؤنا المعاصرون إخراج علم الكلام والمنطق منها، فمن كتب اليوم إمَّا قلَّد السابقين حرفيًّا في طريقة العرض ولغة الخطاب ولم يفرِّق بينه وبينهم إلا في شكل الكتاب وحداثة اسم المؤلِّف! وإمَّا مبسِّطٍ مخلٍّ جعل من الأصول مادَّةً تافهةً لا قيمة ولا عمق فيها.
والغريب في الأمر أيضاً أنَّ علماءنا المعاصرين استخدموا نفس الأمثلة الشاهدة على أبواب الأصول وفصوله ومسائله، فما زال علماؤنا حتى اليوم يستدلُّون بنفس الاستدلالات التي وضعها الأقدمون منذ بدأ علم الأصول على يد الإمام الشافعيِّ عام 204 هـ!!
وما أظنُّ أنَّ لغة الأصول هذه ولا أمثلته تصلح كي تفهِّم المسلمين دينهم وتربطهم به، أو تكسر الحاجز النفسيَّ الرهيب بين المسلمين وعلمهم الذي يعدُّه العلماء أحد مفاخر هذه الأمَّة.

2- قطعيَّة الأدلَّة: جرى حديثٌ وجدلٌ كثيرٌ بين العلماء السابقين والمعاصرين حول قطعيَّة الأدلَّة، وأنَّ الأصول إذا لم تكن قطعيَّةً فكيف نجتهد فيها؟ وهي إن دَخَلَها الاجتهاد كغيرها، لم يَعُد لنا معيارٌ نحتكم إليه إذا اختلفنا في الفروع، وهو القول الذي قاد رَكْبه الإمام الشاطبيُّ رحمه الله.

وقد خالف هذا الرأيَ العديدُ من العلماء السابقين والمعاصرين، وعلى رأسهم الإمام الباقلاني، وبعيداً عن هذا الخلاف، أودُّ أن أتساءل كما تساءل غيري: ما المراد بالأصول؟
يقول العلاَّمة الشيخ عبد الله درَّاز على "الموافقات": "تُطلَق الأصول على الكلِّيَّات المنصوصة في الكتاب والسنَّة: مثل "لا ضرر ولا ضرار" الحديث، "ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أخرى"، "وما جعل عليكم في الدين من حَرَج"، "إنَّما الأعمال بالنيَّات" الحديث، وهكذا، وهذه تسمَّى أدلَّةً أيضاً كالكتاب والسنَّة والإجماع… إلخ، وهي قطعيَّةٌ بلا نزاع.
وتُطلَق أيضاً على القوانين المستنبطة من الكتاب والسنَّة، التي توزَن بها الأدلَّة الجزئيَّة عند استنباط الأحكام الشرعيَّة منها، وهذه القوانين هي من الأصول، فمنها ما هو قطعيٌّ باتِّفاق، ومنها ما فيه النزاع بالظنِّيَّة والقطعيَّة".
ولعلَّ الخلاف الموجود في كثيرٍ من مسائل الأصول يؤكِّد ذلك، فهناك من الأدلَّة ما هو مختلفٌ فيه بين مثبِتٍ بإطلاق، ونافٍ بإطلاق، وقائلٍ بالتفصيل، مثل اختلافهم في المصالح المرسلة، والاستحسان، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستصحاب وغيرها، بل إنَّ الأدلَّة الأربعة الأساسيَّة فيها كلامٌ كثير، كالخلاف في الإجماع والقياس، والخلاف حول القواعد التي وضعها أئمَّة هذا العلم، لضبط الفهم، والاستنباط من المصدرين الأساسيَّين القطعيَّين: "الكتاب والسنَّة"، وإذا كان مثل هذا الخلاف واقعاً في أصول الفقه، فلا نستطيع أن نوافق الإمام الشاطبيَّ على اعتبار كلِّ مسائل الأصول قطعيَّة، فالقطعيُّ لا يسع مثل هذا الاختلاف ولا يحتمله.

فالنقطة الأولى إذن تكمن في: "أنَّ للاجتهاد في أصول الفقه مجالاً رحبا، هو مجال التمحيص والتحرير والترجيح فيما تنازع فيه الأصوليُّون من قضايا جمَّة، والباب ما يزال مفتوحا لمن وهبه الله المؤهِّلات لِوُلُوجه، ولكلِّ مجتهدٍ نصيب، ولكنَّ الأمر الذي يجب تأكيده بقوَّةٍ هو أنَّ ما ثبت بدليلٍ قطعيٍّ لا يجوز أن ندع للمتلاعبين أن يجترئوا على اقتحام حماه، فإنَّ هذه "القطعيَّات" هي عماد الوحدة الاعتقاديَّة والفكريَّة والعمليَّة للأمَّة، وهي لها بمثابة الرواسي للأرض، تمنعها أن تميد وتضطَّرب، ولا يجوز لنا التساهل مع قومٍ من الأدعياء، يريدون أن يحوِّلوا القطعيَّات إلى محتملات، والمحكمات إلى متشابهات، ويجعلوا الدين كلَّه عجينةً ليِّنةً في أيديهم يشكِّلونها كيف شاءت لهم أهواؤهم، ووسوست إليهم شياطينهم" كما يقول الدكتور القرضاوي.

الشقِّ الثاني: مرتبطٌ بالرخصة والعزيمة.
إشاراتي لك يا أختي في موضوعك "الرخصة" ليست إلا أكثر من تفكيرٍ بصوتٍ عال، وقد يكون بعض ما سأكتب مرتبطاً برسالتك ارتباطاً وثيقا، وقد لا يكون، ولكنَّها تبقى نقاطاً تحتاج إلى النظر من العلماء والمتخصِّصين، وأنت أحدهم أكرمك الله تعالى.
وإشاراتي على قسمين:
القسم الأوَّل: القضايا الفقهيَّة القديمة الجديدة.
القسم الثاني: قضايا معاصرة.

القسم الأوَّل: القضايا الفقهيَّة القديمة الجديدة: وهي القضايا التي ناقشها علماؤنا قديماً وما زالت تلقي بظلالها علينا يوميّا، مثل:
1- رخصة القصر والجمع في الصلاة، وما التبس فيها من فهم:
- تحقيق مسألة الجمع بدون عذر وحدودها وضوابطها: استناداً إلى قول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جمع دون عذر، كما هو معلومٌ معروفٌ عند أهل العلم، وهذا الحديث يأخذ به العديد من الجماعات الإسلاميَّة اليوم ويتوسَّعون فيه.
- الجمع لمن يدرسون في الغرب: حيث قد تضطَّرهم محاضراتهم إلى عدم أداء صلاةٍ ما حتى فوات وقتها، أو لا يوجد مكانٌ مناسبٌ للصلاة أو الوضوء، ما حدود ذلك وما ضوابطه؟

2- رخصة المسح: هل أحذيتنا وجواربنا اليوم داخلةٌ في الأمر، خصوصاً مع توصيف العلماء للخفِّ والجورب بما يخالف ما هو موجودٌ اليوم؟

3- رخصة التيمُّم: مع تيسُّر وجود الماء بدرجةٍ كبيرةٍ في كلِّ مكانٍ اليوم، نحتاج إلى نظرٍ في حدود "التيمُّم".

4- رخصة الفطر:
- رخصة الفطر في الغرب نظراً لاختلاف الأوقات وتداخلها واضطِّرابها وطول فترة الصيام.
– الرأي في من قال بإفطار الطلاَّب في الامتحانات أو حتى لاعبي الكرة.

5- رخصة خلع الحجاب لمن اضطُّرَّ لذلك: وخاصَّةً في الغرب، كما حدث من منع المسلمات في تركيا من دخول الجامعات بالحجاب، أو من يضطَّرها عملها لخلع الحجاب، ما حدود ذلك وما ضوابطه؟

6- رخص المعاملات: وهي ما استجدَّ من صورٍ لم تكن موجودةً من قبل، مثل:
- الشراء عن طريق البنوك وعدم تحقيق مبدأ الاستلام والتسليم، وهل هو نوعٌ من الربا لعدم تحقُّق مسألة القبض؟
– فتح الاعتمادات في البنوك لتحقيق المصالح، وما يحيط ذلك من شُبَه، وما يُقبَل منه كرخصةٍ وما لا يُقبَل تحقيقاً لمصلحة الناس.
- القروض التي تقدِّمها بعض الجهات الاجتماعيَّة لبناء بيتٍ أو لعمل مشروع، كبنوك التسليف والادِّخار وصناديق الضمان الاجتماعيِّ وأمثالها، ما حدود ذلك وما ضوابطه؟

7- رخصة "التلفيق" بين المذاهب: وهي رخصةٌ من نوعٍ جديد، فهل يجوز قبول مبدأ "التلفيق" بين المذاهب الذي كان يرفضه الفقهاء، هل يجوز القبول به اليوم بجواز اتِّباع المرء لمذاهب مختلفةٍ أو لشيوخٍ عدَّةٍ في المسألة الواحدة، نظراً لبعد الناس الشديد اليوم عن تعلُّم الفقه وعلوم الدين؟

القسم الثاني: قضايا معاصرة: وهي ما استجدَّ من رخَصٍ ليس لنا فيها من تراثٍ عند أئمَّتنا، ومنها:
1- حدود رخَص الإكراه والاضطِّرار في واقعنا المعاصر، كموقف الأقلِّيَّات المسلمة في العديد من الدول، وما يجب أن يظهروه من دينهم وما لا يجب، وما ينبغي التساهل فيه وما لا ينبغي، وما إلى ذلك.
(ملاحظة: موضوع رخَص الأقلِّيَّات عموماً يحتاج إلى رسالةٍ خاصَّةٍ أتمنَّى لو تصدَّى لها أحد الإخوة الباحثين الكرام، نظراً لأهمِّيَّة الموضوع وواقعيَّته وشدَّة تداخله والتباسه).

2- رخصة الدخول في العمل السياسيّ: كالانتخابات والمجالس والحكومات، وذلك في الدول غير الإسلاميَّة أو الإسلاميَّة التي لا تطبِّق شرع الله تعالى: كدخول المسلمين في أمريكا انتخابات الكونجرس أو الاشتراك في الأحزاب الموجودة هناك، أو ترشيح المسلمين أنفسهم لانتخابات الكنيست الإسرائيليّ، أو دخول الإسلاميِّين الحكومات أو انتخابات المجالس في الدول الإسلاميَّة التي لا تطبِّق شريعة الله تعالى.
هل تُعَدُّ هذه ضرورات؟ وما حدود الضرورات؟ وهل هو رخصةٌ أم لا؟ على ما هو معروفٌ من خلافٍ بين الجماعات والأفراد في أماكن كثيرة.

3- النظر في مفهوم "مقاصد الشريعة التحسينيَّة": وهل يمكن أن يدخل فيها: الالتزام بقواعد المرور، والحفاظ على البيئة، وقوانين البناء التجميليَّة، وما إلى ذلك؟

أختي الكريمة ميمونة،
هذه بعض الإشارات التي أعلم أنَّ منها ما قد يكون بعيداً بعض الشيء عن رسالتك، ولكنَّها فقط مجرَّد إشاراتٍ ومناراتٍ كما أشرت سابقا، والدور عليك بعد ذلك.

وختاما، يقول الدكتور القرضاوي: "لقد كتبتُ عن حاجة علم الأصول إلى مزيدٍ من التحقيق والتعميق والتطبيق"، ويؤكِّد الإمام الشوكاني في كتابه "إرشاد الفحول" ضرورة التجديد وأنَّه ألَّف في الأصول: "ليكون العالِم على بصيرةٍ في علمه يتَّضح له بها الصواب، ولا يبقى بينه وبين درك الحقِّ الحقيقيِّ بالقبول حجاب، لأنَّ تحرير ما هو الحقُّ هو غاية الطلبات، ونهاية الرغبات، لا سيَّما في مثل هذا الفنِّ الذي رَجَع كثيرٌ من المجتهدين بالرجوع إليه إلى التقليد من حيث لا يشعرون، ووقع غالب المتمسِّكين بالأدلَّة بسببه في الرأي البحت وهم لا يعلمون".

أرجو يا أختي ميمونة أن أكون قد أنرت لك الطريق ولو بعض الشيء، وسامحيني فهذه بضاعتي مزجاة، وما حيلة العاجز؟
وفي انتظار أن أسمع منك، وفَّقك الله تعالى ورعاك، وسيري على بركة الله تعالى.




__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]

التعديل الأخير تم بواسطة أبوحاتم ; 03-04-03 الساعة 12:06 PM
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-04-03, 12:08 PM
عبدالرحمن الشهري عبدالرحمن الشهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-03-03
الدولة: الرياض
المشاركات: 30
افتراضي هناك رسالة دكتوراه في هذا الموضوع

عندما رأيت موضوع التجديد في أصول الفقه مطروحاً للنقاش في موقع (الإسلام اليوم) قبل ما يزيد على السنة تقريباً ، ورأيت الدكتور يعقوب الباحسين حفظه الله مشاركاً فيها. ذهبت إلى قسم أصول الفقه بكلية الشريعة في الرياض وسألت عن رسالة كانت حديثة عهد بمناقشة قبلها بشهر تقريباً لباحث أعرفه وكان الدكتور يعقوب أحد المناقشين لها . فدلونا عليها فذهبت فقرأت أغلب فصول الرسالة في مكتبة الرسائل الجامعية الخاصة بقسم أصول الفقه ووجدتها قد أتت على الموضوع من جميع جوانبه ، ولا أظنه قد كتب في بابها مثلها .

وعنوانها (التجديد في أصول الفقه) تقريباً وربما يكون هناك تغيير طفيف في العنوان ، لكن التجديد في الأصول هو موضوعها الأصلي. وتقع في مجلدين ولو طبعت لكانت في مجلد. وقد استغربت عدم إشارة الدكتور يعقوب لها في بحثه على الموقع مع أنه ناقش الباحث فيها قبل طرح الموضوع في الانترنت.

الباحث هو الدكتور هزاع بن عبدالله الحوالي وهو يعمل الآن مديراً لمعهد العلوم الإسلامية في موريتانيا.

أحببت الإفادة لمن كان حريصاً على مثل هذا الأمر وجزاكم الله خيراً
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-04-03, 04:17 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

الأخ / أبو عبدالله البكري

جزاك الله خيراً على هذه الفائدة .

لكن هل تستطيع أن تذكر لنا أبرز المسائل التي طرحها الكاتب في رسالته ؟.

حينها نكون لك من الشاكرين ، وبالتوفيق من الداعين .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-04-03, 05:14 PM
عبدالرحمن الشهري عبدالرحمن الشهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-03-03
الدولة: الرياض
المشاركات: 30
افتراضي أفعل إن شاء الله

سأقوم بعمل ذلك ولكن أحتاج وقتاً لعلي أمر على كلية الشريعة

جزاكم الله خيراً
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 05-04-03, 09:37 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

شكر الله سعيك ، وأنار دربك ، وغفر ذنبك . نحن بانتظارك مهما تأخرت .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 06-04-03, 03:27 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

التجديد في أصول الفقه

للشيخ الفاضل/ أحمد بن حميد ـ حفظه الله ـ في مقدمة شرح الورقات .

بقي معنا الإشارة -أيها الإخوة- إلى ما يسمى بالتجديد في أصول الفقه، نسمع أحيانا مثلا دعاوى بالتجديد أو بطرح التجديد في أصول الفقه، إما في المجلات أو في جرائد أو أحيانا يعني في بعض وسائل الإعلام المسموعة أو المرئية وغيرها مثلا، أو مثلا في بعض رسائل صغيرة تؤلف فكأنهم يعني يلحون بالتجديد في أصول الفقه، فما الحكم في ذلك؟، اللي هو موضوع التجديد في أصول الفقه.
قبل هذا نقول: لماذا يعني يقصد أصول الفقه بالذات بمطالبة التجديد؟ لماذا يعني علم الفقه قليلا، نسمع أنهم يقولون: جردوا علم الفقه أو علم مثلا العقيدة أو علم التفسير أو علم المصطلح أو علم لكن أصول الفقه بالذات يعني كثير لماذا أولا لأن يعني يظهر علم أن الذين يعني يقولون بالتجديد في أصول الفقه على ما يقصدونه هم وما يجدونه؛ لأن تجديد أصول الفقه هو مفتاح لتغيير الأحكام إذا يعني خفض من درجة الدليل أو قوي دليل آخر أو ألغي دليل فمعناها أن الأحكام التابعة لهذا الدليل قد تتغير، هذا اللي يظهر -والله أعلم- أن المطالبة بالتجديد إنها يعني سببها عند من يقولون بذلك ويقصدونه، يبدو أنه هذا وهذا باطل لكن نحن نقول أن التجديد أمر مجمل كلمة التجديد أمر مجمل، فلا بد أن يسأل الإنسان عن الأمور المجملة، نقول: ماذا تقصد؟ ما الذي تقصده بالتجديد؟
إن كان -والله- مراده بالتجديد يعني إحياء مثلا ما اندرس مثلا من سنة النبي r هذا أمر طيب، هذا التجديد مطلوب إذا كان إحياء ما اندرس مثلا منها أو مثلا من الأحكام الشرعية اندرست الثابتة، اندرست والمطلوب مثلا إحياؤها، هذا أمر طيب؛ ولهذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله -نسميه المجدد وإن كان المقصود مثلا بالتجديد تغيير طريقة التعليم مثل كونه نظما، نجعله متنا أو متنا، نجعله نظما أو تغييرا مثلا نقدم هذا على هذا أو نجعله على هيئة قواعد أو نمزج القواعد مثلا بالفروع الفقهية مما يحقق استفادة للطلاب مع المحافظة على المضمون لا بد من هذا، نقول: هذا أمر أيضا واسع ولا حرج فيها، لكن إذا كان التجديد المقصود به مثلا إلغاء بعض الأدلة أو مثلا تقوية دليل على حساب دليل آخر مثلا أو إلغاء شروط لدليل مثلا، اشترط علماء الأصول فيلغي مثلا بعضها بدون مستند فلا شك أن هذا لا يجوز، لا يجوز بأي حال من الأحوال ولا يوافق عليها مثال ذلك.
مثلا نحن نعلم مثلا أن العرف يرجع إليه في بعض الأحيان ومن قواعد العلماء، العادة محكمة فلو جاء إنسان مثلا وأراد أن يرفع من درجة العرف ويقوي من حجية العرف ويجعله أقوى من النصوص ويقول مثلا قد يكون في بعض البلدان مثلا تعارفوا مثلا على شرب الخمر مثلا وكونها مثلا موجودة فيقول هذا عرف وينبغي والعرف محكم ويعمل بهذا فهل يعني يوافق علي هذا، نقول لا ما يجوز هذا الأمر ولو قال مثلا أن المرأة مثلا في بعض البلدان تتبرج وتسفر عن وجهها وهذا أمر مألوف وجرى العمل به عندهم والعرف يعني يعمل به والعادة محكمة فنقول لا هذا عرف يصادم نصا وبالتالي لا اعتبار له ولا قيمة له وكونه مثلا يقوي جانب العرف مثلا على حساب دليل آخر لا يجوز بأي حال إن كان مقصوده بالتجديد فنقول لا هذا لا يجوز ولا يوافق عليه.

هذا آخر ماذكره الشيخ ـ حفظه الله ـ فيما يتعلق بهذه المسألة .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 08-04-03, 01:02 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

من باب جمع المادة ، ومن باب قول الشاعر :
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه .**. ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه
= ذكرت هنا كلام الترابي حول تجديد أصول الفقه المزعوم !!

تجديد أصول الفقه الإسلامي
المصدر: الدكتور حسن الترابي ـ نحو وعي إسلامي معاصر

تقديم
ان العالم الاسلامي لفي حاجة الى نهضة شاملة فيكل المجالات تثور على الاوضاع التقليدية وتخلص العقلية الاسلامية والواقع الاسلامي من الجمود وتؤسس النظام الاسلامي وتقيمه على هدى الشريعد الاسلامية وتسخر من أجل ذلك كل علوم العصر وتقنياته. ولا يمكن ان تقوم هذه النهضة الاسلامية على غير منهج أو بانفعال عام بالاسلام او بالاشتغال بالجزئيات دون النظر الى مقاصد الدين الكلية. فلا بد ان تقوم هذه النهضة على منهج أصولي مقدر. علما بأن منهج أصول الفقه الذي ورثناه بطبيعة نشأته بعيدا عن واقع الحياة العامة وبتأثره بالمنطق الصوري وبالنزعة الاسلامية المحافظة والميالة نحو الضبط والتي جعلته ضيقا - لا يفي بحاجتنا اليوم ولا يستوعب حركة الحياة المعاصرة.

هذه الرسالة دعوة ومساهمة من الدكتور حسن الترابي لتجديد أصول الفقه الاسلامي حتي تتسع لتلبي حاجتنا ولنبنب عليها نهضتنا. نتمنى ان يستجيب لها المفكرون الاسلاميون وان يفيد منها القارئ الكريم والله ولي التوفيق.

أصول الفقه وحركة الاسلام في الواقع الحديث

لابد ان نقف وقفة مع علم الاصول تصله بواقع الحياة لان قضايا الاصول في أدبنا الفقهي اصبحت تؤخذ تجريدا، حتى غدت مقولات نظرية عميقة لا تكاد تلد فقها البتة بل تولد جدلا لا يتناهى، والشأن في الفقه ان ينشأ في مجابهة التحديات العملية. ولا بد لأصول الفقه كذلك ان تنشأ مع هذا الفقه الحي.

حاجتنا لفقه جديد

واذا أردنا ان نقدر ضرورة تطوير منهج اصولي في التفكير بحاجات الحركة الاسلامية الحديثة نلقها اليوم ضرورة شديدة الالحاح. ذلك ان حركة الاسلام منذ ان تجاوزت العمومات النظرية التي طرحتها لاول عهد الدعوة لنذكر الناس بأصول الدين وكلياته التي كانت عهدئذ منكرة او مجهولة ومنذ ان تقدمت الى قضايا اكثر مساسا بالواقع وأقرب الى تناول الفروع في الاحكام، أصبحت مدعوة الى ان تعالج مسائل الفقه المفصل وأصبح مسيرها لا يتقدم الا بالتفقه الادق بمقتضى دين الله - سبحانه وتعالى - في مجتمعنا المعاصر، فالناس قد سلموا او اقتنعوا بالعمومات وغدوا يطلبون من الدعاء بأن يوافوهم بالمناهج العملية لحكم المجتمع وادارة اقتصادة وتنظيم حياته العامة ولهداية سلوك الفرد المسلم في ذلك المجتمع الحديث.

ولدى هذه المرحلة في الدعوة أدركت الحركة الاسلامة انها غير مؤهلة تمام التأهيل لان تجيب على هذه الاسئلة اجابات شافية. وقد بان لها ان الفقه الذي بين يديها مهما تقنن حملته بالاستنتاجات والاستخراجات ومهما دققوا في الانابيش والمراجعات لن يكون كافيا لحاجات الدعوة وتطلع المخاطبين بها. ذلك ان قطاعات واسعة من الحياة قد نشأت من جراء التطور المادي وهي تطرح قضايا جديدة تماما في طبيعتها لم يتطرق اليها الفقه التقليدي ولان علاقات الحياة الاجتماعية وأوضاعها تبدلت تماما ولم تعد بعض صور الاحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم ولا توافي المقاصد التي يتوخاها لان الامكانات قد تبدلت وأسباب الحياة قد تطورت والنتائج التي تترتب عن امضاء حكم معين بصورته السالفة قد انقلبت انقلابا تاما…

ثم ان العلم البشري قد اتسع اتساعا كبيرا وكان الفقه القديم مؤسسا على علم محدود بطبائع الاشياء وحقائق الكون وقوانين الاجتماع مما كان متاحا للمسلمين في زمن نشأة الفقه وازدهاره. اما العلم النقلي الذي كان متاحا في تلك الفترة، فقان كان محدوداً ايضا مع عسر في وسائل الاطلاع والبحث والنشر بينما تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة باقدار عظيمة. وأصبح لزاما علينا ان نقف في فقه الاسلام وقفة جديدة لنسخر العلم كله لعبادة الله ولعقد تركيب جديد يوحد ما بين علوم النقل التي نتلقاها كتابة ورواية قرانا محفوظا او سنة يديمها الوحي - وبين علوم العقل التي تتجدد كل يوم وتتكامل بالتجربة والنظر. وبذلك العلم الموحد المتناهي نجدد فقهنا للدين وما يقتضيه في حياتنا الحاضرة طورا بعد طور…

حاجتنا لمنهج أصولي
لقد استجابت الحركة الاسلامية الحديثة لهذه التحديات الفكرية استجابات شتى، فمن الناس من يؤثر الا يلتزم بمنهج مقيد بل يظل طليقا ينتقي من الآراء ما يناسبه ويتخذ مصادر فكره وطرائقه حيث شاء في صفحات الكتب. ويعرض آراءه حسبما يتناسب مع الموقف في اطار الالتزام بالاسلام عامة. وأقل ما يقال في هذا المذهب انه لا يعتمد البناء على منهج اصولي مقرر مهما قدرنا ان الاستقراء يكشف لكل مفكر مذهبا أصوليا خاصة لو كانت الافكار تترتب بغاير وعي كامل. وبعض الناص يتخذ منهجا واسعا لا ينطلق الا من روح الاسلام العامة ومقاصد الدين الكلية، ويرى الرأى الذي تقتضيه تلك المقاصد وتلك الروح أيا كان وبعضهم يترك القضايا الكلية لانه لا يتسوعبها جملة ويقتصر على معالجة القضايا الجزئية التي تلتمس حلولها بيسر في النصوص الجزئية…

سوى انه لا مناص من الاصطلاح على منهج مرضي نتخذه لانفسنا وليس المقصود من المنهج الموحد ان يفضي في النهاية الى اجابات مجمع عليها في كل المسائل فذلك امر يتعذر بما طبع الله عليه الناس من تباين النظر. ولا تستتبع وحدة المجتمع الدين ان يصدر الناس كافة عن رأي واحد في كل قضية فرعية مطروحة، ففي ذلك المجتمع من عواصم التوحيد والمناهج الجماعية للقرار ما يضمن ان الخلاف الفقهي مهما يكن لايؤدي الى تفرق عملي في غاية الامر. وتعود تلك المناهج الموحدة الى مبدأ الشورى الذي يجمع اطراف الخلاف ومبدأ الاجماع الذي يمثل سلطان جماعة المسلمين والذي يحسم الامر بعد ان تجري دورة الشورى فيعمد الى أحد وجوه الرأي في المسألة فيعتمده اذ يجتمع عليه السواد الاعظم من المسملين ويصبح صادرا عن ارادة الجماعة وحكما لازما ينزل عليه كل المسلمين ويسلمون له في مجال التنفيذ ولو اختلفوا على صحته النسبية…

فليس القصد اذن من اتخاذ منهج هو ان ننتهي به الى رأي واحد اذ لو ألجأنا الناس الى رأي واحد وحملناهم عليه لتوقف تقدم الحياة وجمدت دون السعي الدائب لتحسين الكسب وتكييف المواقف حسب ظروف الحياة المتطورة التي تنتج كل يوم أسبابا أقرب للمصالح وتقتضي مطالب متجددة، انما نستهدف من توحيد المنهج ان نحاول رد الخلاف او تقريب اطرافه وتفهم مسائله وان نسد الذرائع في وجه الاهواء الشخصية والقصور في رأي الفرد الواحد…

ويلزمنا في شأن تمهيد المنهج الجامع ما كان لازما على الفقهاء الاوائل لما بدأ الفقه الاسلامي يتسع ويتركب بعد عهد الرسول (ص) والصحابة والتابعين لان الحياة ما كانت لتجمد. وليست صورة التدين ولا مشكلاته التي عاشها الرعيل الاول هي صورة الاسلام الوحيدة ولا الجامدة. فالتحديات التي تطرحها اقدار الله في حاجات الناس وعلاقاتهم ومشكلاتهم تتجدد ابدا ولا بد ان تتبدل تبعا لها صورة الحياة الاسلامية التي تستكمل استجابة المسلمين لتلك التحديات انطلاقا من أصول اعتقادهم ومعايير شرعهم الواحد، ولقد طرأت على عهد الصحابة كثير من القضايا الجديدة وأخذ الصحابة يجتهدون فيما ويذهبون المذاهب في الرأي والفتوى، وقدكان كل من الصحابة المشهورين بالاجتهاد انما يصدر عن منهج في طريقة فقه الدين ولكنهم في بداية الامر ما اجتاجوا الى التواضع على منهج واحد يقدمونه بين يدي الاجتهادات الفرعية لان التطور كان محدودا ولان تربيتهم المحكمة كانت تطبع مناهجهم بسمات موحدة وقد سار على ذلك التابعون والفقهاء من بعد حتى اذا اتسعت وتشعبت الاقضية وتوافرت مادة واسعة من الفقه الفرعي اتجه النظر نحو الجزئيات الاصولية وأخذ الفقه الاصولي يتبلور حتى تمكن للمتأخرة من كبار الفقهاء كالشافعي مثلا ان يعالجوا قضايا اصول الفقه بطريقة منهجية كلية علمية يرتبونها ويؤسسون قواعدها. ومن بعد ذلك اتسعت المعالجات الاصولية.

لكن جنوح الحياة الدينية عامة نحو الانحطاط وفتور الدوافع التي تولد الفقه والعمل في واقع المسلمين أديا الى أن يؤول علم أصول الفقه - الذي شأنه ان يكون هاديا للتفكير - الى معلومات لا تهدي الى فقه ولا تولد فكرا وانما أصبح نظرا مجردا يتطور كما تطور الفقه كله مبالغة في التشعيب والتعقيد بغير طائل. وقد استفاد ذلك العلم فائدة جليلة من العلوم النظرية التي كانت متاحة حتى غلب عليه طابع التجريد والجدل النظري العقيم وتأثر بكل مسائل المنطق الهيليني وبعيوبة كذلك. ومهما يكن الأمر فان الحياة الفقهية قد عمقت الا من بعض الفقهاء المجتهدين الذين جاءوا من بعد، منهم من اتخذ له مذهبا في طريقة الفقه ومنهم من اجتهد على مناهج الاقدمين.

وفي يومنا هذا اصبحت الحاجة الى المنهج الاصولي الذي ينبغي ان تؤسس عليه النهضة الاسلامية حاجة ملحقة. لكن تتعقد علينا المسألة بكون علم الاصول التقليدي الذي نلتمس فيه الهداية لم يعد مناسبا للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء، لانه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها بل بطبيعة القضايا الفقهية التي كان يتوجه اليها البحث الفقهي.

الاصول الفقهية بين الحياة الخاصة والعامة

1- الاصول التفسيرية وفقه التدين الفردي:

ولا شك ان طرائق التفقه وأصوله تتباين سعة وضبطا مناسبة لنوع القضايا الفرعية المطروحة فمن الاحكام الفقهية ما يتصل بالشعائر مثلا وهي العبادات المسونة التي تشعر من حيث أشكالها بعبادة الله لان هذه الاشكال لا تكاد ترد الا في سياق وسيلة العبادة لله كالصلاة والصوم والحج. والمعروف من استقراء الشريعة ان هذه العبادات قد فصلت في أحكامها تفصيلا دقيقا وتتكثف فيها النصوص بدرجة تجعل مجال التقدير والاجتهاد محدودا جدا ولا يتعدى فقه الفقيه ان يجمع النصوص وان يملأ الثغرات المحدودة حتى يصل ما بين نص ونص وليؤلف الصورة الكلية للعبادة وبذلك تصبح القضة الاصولية كلها قضية تفسير للنصوص استعمالا لمفهومات الاصول التفسيرية ونظرا في معاني العام والخاص والتعارض والترجيح ووجوده الدلالة للنصوص وضوحا او خفاء ودلالة النص المباشرة ودلالة الاشارة ومفهوم المخالفة ونحو ذلك. ولئن كان فقهنا التقليدي قد عكف على هذه المسائل عكوفا شديدا فانما ذلك لان الفقهاء ما كانوا يعالجون كثيرا قضايا الحياة العامة وانما كانوا يجلسون مجالس العلم المعهودة، ولذلك كانت الحياة العامة تدور بعيدا عنهم ولا يأتيهم الا المستفتون من أصحاب الشأن الخاص في الحياة، يأتونهم أفذاذا بقضايا فردية في أغلب الامر. فالنمط الاشهر في فقه الفقهاء المجتهدين كان فقه فتاوى فرعية، وقليلا ما كانوا يكتبون الكتب المنهجية النظرية، بل كانت المحررات تدوينا للنظر الفقهي حول قضايا افراد طرحتها لهم ظروف الحياة من حيث هم أفراد. ولذلك اتجه معظم الفقه للمسائل المتعلقة بقضايا الشعائر والزواج والطلاق والآداب حيث تتكثف النصوص ولا تتسع لمجال الكثير من الخلافات الاصولية حول تفسير تلك النصوص.

2- الاصول الواسعة وفقه التدين العام:

وانكم لتعلمون ان الحياة الاسلامية الجماعية قد انحرفت كثيرا عن مقتضى شرع الاسلام لقضايا الحياة العامة وانحرف معها الفقه. فالفتاوى المتاحة تهدي الفذ كيف يبيع ويشتري اما قضايا السياسة الشرعية الكلية - كيف تدار حياة المجتمع بأسره انتاجا وتوزيعا واستيرادا وتصديرا وعلاجا لغلاء معيشة او خفضا لتكاليفها - هذه مسائل لم يعن بها اولياء الامور ولم يسائلوا عنها الفقاء ليبسطوا فيها الفقه اللازم. ومثل قضايا الاقتصاد العام التي اهملت قضايا الاوضاع السياسية وتدابيرها العملية وكيف تدور الشورى في المجتمع وكيف يتبلور الاجماع وكيف يكون الامر والطاعة والولاية العامة على وجه الاجمال لم يسأل عن ذلك كثيرا لان الحكومة بكل أمورها العامة قد انحرفت عن مقتضى العقيدة والشريعة الاسلامية منذ زمن بعيد وحينما انحرف الواقع ومرق من الدين. فالفقه بالضرورة منحسرا ايضا عن هذا الواقع. ومن ثم فل كسب الفقه في هذا الجانب: جانب الحياة الاسلامية العامة.

وانكم لتعلمون ايضا ان النصوص الشرعية في مجال الحياة العامة أقل عددا وأوسع مرونة وهي نصوص مقاصد أقرب منها الى نصوص الاشكال. فلا تجد في باب الامارة مثلا ما تجده في الصلاة من أحكام كثيرة منضبطة ولا تجد في الاقتصاد ما تجده في الطهارة او النكاح. وقد قدمنا ان هذا الجانب من الفقه المعني بمقاصد الحياة العامة ومصالحها قد عطل شيئا ما بسبب الظروف التي اكتنفت نشأة الفقه وتطور الحياة الاسلامية. ولا غرو اذا ان نكون المفهومات الاصولية التي تناسب هذا الجانب قد اعتراها الاغفال وعدم التطور ايضا. وحينما كانت حياة الاسلام شاملة وكانت الممارسات الاقتصادية والسياسية العامة للمجتمع ملتزمة بالدين نشطت قواعد الاصول التي تناسبها.

من تاريخ منهج الاصول

كان أشهر عهد تشريعي رعى مصالح الامة العامة رعاية شاملة بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولئن لم يكن الامام عمر قد اتخذ لنفسه منهجا أصوليا معلنا في تشريعاته فان لنا ان نستبط من اجتهاداته المختلفة منهجا معينا يتسم بالسعة والمرونة. وبالرغم من ان التابعين وفقهاء المدينة قد ورثوا من ذلك المنهج سعة الاصول فان التاريخ الفقهي اللاحق لم يشهد تطورا لتلك الاصول بل تعطلت تلك الاصول كما تعطلت الحاجات التي اتخد المنهج من أجل الوفاء بها. وفي مذهب مالك بعض تلك الاصول العمرية ولك، مالكا وتلامذته لم يكونوا أولياء امر مسئولين عن رعاية مصالح الامة وساستها بالشرع فلم يستعملوا اصول المصالح بعد أن قرروها وآلت الى التعطيل الكامل. ولا سيما ان الحياة بالمدينة - بعد انتقال مركز النشاط العام عنها - ظلت ضيقة جدا وما اتسعت او تشبعت بما يستدعي الفقه اصوله من الاتساع لاستيعاب المشكلات العامة مع القضايا الفردية.

اما في مناطق حدود الاسلام في العراق حيث دخل في الملة اقوام شتى وقامت حضارة اعمر من حضارة المدينة طرحت اقضية ومشكلات اكثر فبالرغم من ان المنهج الاصويل ظل منهجا فروعيا وان الذين توالوا تطوير الاحكام فقهاء من الرعية ولم يكونوا من المسئولين عن مصالح الرعية العامة الا في مدى محدود «كقضاء ابي يوسف وفقهه» وبالرغم من ذلك اتسع النهج ليسع الحضارة ومشكلاتها واستعملت اصول هي أقرب للوفاء بتلك المشكلات. وهكذا اتسع الفقه العراقي في استعمال العقل والقياس والاستحسان أوسع مما استعمل في المدينة حيث القياس مقبول ولكن الحاجة اليه أدنى. سوى ان القياس الذي استعمل كان قياسا محدودا جدا تضبطه معايير ضيقة اذا استثنينا بعض أبواب الاستحسان وهو الاصل الذي ما انفكت تحاصره المجادلات الفقهية حتى أردته في مهده، وساعد في ذلك ان الحياة الاسلامية التي كانت مزدهرة في عهد أبي حنيفة أخذت تتجمد شيئا فشيئا وما كان لما يوازيها من الجوانب الخصبة الواسعة في التفكير الاسلامي الا ان تتجمد ايضا. والاستثناء الآخر هو ما قدمنا من تولي أبي يوسف القضاء ولكونه قاضيا اضطر ان يعالج بعض القضايا المالية العامة واحتاج في ذلك ان يستعمل ادوات فقه أرحب وأوسع.

وخلاصة القول ان فقهنا الاصولي القديم بعد نهضة حميدة آل الى الجمود العقيم بأثر انحطاط واقع الحياة الدينية نفسها فلم يتطور ولم يولد فقها زاهرا بعد تمامه فنيا. وتجدر الاشارة في هذا السياق الى فقه ابن حزم وهو رجل ذو صلة واسعة بالسياسة وبالحكم وبالقضايا الاجتماعية العامة فلا غرو ان نجد في منهجه الاصولي شيئا من أسلوب واسع هو الاستصحاب الذي فتح بابا لتطوير الفقه بالرغم من التزام ابن حزم بالمنهج الظاهري في تفسير النصوص.

الاصول وحاجتنا للاجتهاد

ان القضايا التي تجابهنا في مجتمع المسلمين اليوم انما هي قضايا سياسية شرعية عامة اكثر منها قضايا خاصة. ذلك اننا نريد ان نستدرك ما ضيعنا في جوانب الدين، والذي عطل من الدين اكثره يتصل بالقضايا العامة والواجبات الكفائية. وأكثر فقهنا من ثم لايتجه الى الاجتهاد في العبادات الشعائرية والاحوال الشخصية فتلك امور يتوافر فيها فقه كثير ويحفظها المسلمون كثيرا ولو ضيعوها أحيانا لا يضيعونها اعتقادا ولايغفلون عنها غفلة كاملة. اما قضايا الحكم والاقتصاد وقضايا العلاقات الخارجية مثلا فهي معطلة لديهم ومغفول عنها. والى مثل تلك المشكلات ينبغي ان يتجه همنا الاكبر في تصور الاصول الفقهية واستنباط الاحكام الفرعية، ففي مجالها تواجهنا المشكلات والتحديات والاسئلة المحرجة اما قضايا الفقه التي تعني الفذ المسلم في شعائره و‎أسرته ونحو ذلك فهي مما كان فقهنا التقليدي قد عكف عليها وأوسعها بحثا وتنقيبا فما تحتاج منا الا الى جهد محدود جدا في التحديد استكمالا لما حدث من مشكلات وطرافة في وسائل الشرح والعرض. وانا لمحتاجون الى ذلك القدر من التجديد حتى في فقه الصلاة الذي يبدو مكتملا في كتب التراث سوى انه يجدينا فيها صدور كتب فقهية جديدة تقدم الصلاة وتشرحها بوجه يناسب اوضاع الحياة ويخاطب العقل المسلم المعاصر. ولكن حاجتنا تلك محصورة، ولو لم نحظ بمثل ذلك العرض الجديد لا نستشعر أزمة كبيرة. ونحن أشد حاجة لنظرة جديدة في أحكام الطلاق والزواج نستفيد فيها من العلوم الاجتماعية المعاصرة ونبني حاجات عصرنا ووسائله وعلومه وبكل التجارب الفقهية الاسلامية والمقارنة لعلنا نجد هديا جديدا لما يقتضي شرع الله في سياق واقعنا المعين. ولكن جاجتنا الى ذلك ليست ذات خطر ولو قنعنا بما هو موجود في كتب الفقه الموروثة تظل حياتنا الاسرية قريبا جدا لمتقضى الدين وان لم تبلغ التحقيق الامثل فهي بفضل النصوص الكثيرة الهادية في القرآن والسنة لن تضل ضلالا بعيدا والمجالات التي نحتاج فيها الى اجتهاد جديد يضبط اعتصامنا بهدى الدين جد محدودة.

أما جوانب الحياة العامة، فالحاجة فيها للإجتهاد واسعة جداً ونحتاج في نشاطنا الفقهي لان نركز تركيزا واسعا على تلك الجوانب وعلى تطوير القوا عد الاصولية التي تناسبها. فالاصول التفسيرية وحدها - وأعني بها قواعد تفسير النصوص.ذاك نظرا لقلة النصوص التي تتعلق بنظام الحياة العامة .ولئن كانت كل آية في القرآن وكل سنة فرعية تؤثر على تلك الحياة تأثيرا ما، فان النصوص المباشرة ليست كثيفة للطبيعة المرنة في وظائف الحياة العامة. وما تقتضيه من سعة. وقد أدى انحسار الطبيعة الدينية للحياة العامة في تاريخ المسلمين الى أن تكون الممارسات والتجارب السابقة ضئيلة كذلك والى أن يكون الموروث الفقهي الذي يعالجها بمثل ذلك. ومن هنا تنشأ الحاجة الملحة للتواضع على منهج أصولي ونظام يظبط تفكيرنا الاسلامي حتى لا تختلط علينا الامور وترتبك المذاهب ويكثر سوء التفاهم والاختلاف في مسائل تتصل بالحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والادارية والدولية وغيرها مما يؤثر على وحدة المجتمع المسلم ونهضته.

نحو اصول واسعة لفقه اجتهادي

وفي هذا المجال العام يلزم الرجوع الى النصوص بقواعد التفسير الاصولية ولكن ذلك لا يشفي الا قليلا لقلة النصوص. ويلزمنا ان نطور طرائف الفقه الاجتهادي التي يتسع فيها النظر بناء على النص المحدود. واذا لجأنا هنا للقياس لتعديه النصوص وتوسيع مداها فما ينبغي ان يكون ذلك هو القياس بمعاييره التقليدية. فالقياس التقليدي أغلبه لا يستوعب حاجتنا بما غشيه من التضييق انفعالا بمعايير المنطق الصوري التي وردت على المسلمين مع الغزو الثقافي الاول الذي تأثر به المسلمون تأثرا لا يضارعه الات تأثرنا اليوم بأنماط الفكر الحديث. ولعل تأثر الفكر الاسلامي الحديث المخلص - ولا أقول الخالص - بالفكر الغربي الآن أقل من تأثر الفكر الاسلامي المخلص قديما بالفكر الغربي القديم.

القياس المحدود

فالقياس كما أوردنا تعريفاته وضوابطه الضيقة في أدبنا الاصولي لابد فيه من نظر حتى نكيفه ونجعله من أدوات نهضتنا الفقهية. وعبارة القياس واسعة جدا تشمل معنى الاعتبار العفوي بالسابقة وتشمل المعنى الفني الذي تواضع عليه الفقهاء من تعديد حكم أصل الى فرع بجامع العلة المنضبطة الىآخر ما يشترطون في الاصل والفرع ومناط الحكم. وهذا النمط المتحفظ من القياس يقتصر على قياس حادثة محدودة على سابقة محدودة معينة ثبت فيها حكم بنص شرعي فيضيفون الحكم الى الحادثة المستجدة. ومثل هذا القياس المحدود ربما يصلح استكمالا للاصول التفسيرية في تبين احكام النكاح والآداب والشعائر. لكن المجالات الواسعة من الدين لايكاد يجدي فيها الا القياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له مناطقة الاغريق واقتبسها الفقهاء الذين عاشوا مرحلة ولع الفقه بالتعقيد الفني وولع الفقهاء بالضبط في الاحكام الذي اقتضاه حرصهم على الاستقرار والامن خشية الاضطراب والاختلاف في عهود كثرت فيها الفتن وانعدمت ضوابط التشريع الجماعي الذي ينظمه السلطان.

القياس الواسع

ولربما يجدينا ايضا ان نتسع في القياس على الجزئيات لنعتبر الطائفة من النصوص ونستنبط من جملتها مقصدا لنعتبر الطائفة من النصوص ونستنبط من جملتها مقصدا معينا من مقاصد الدين او مصلحة معينة من مصالحه ثم نتوخى ذلك المقصد حينما كان في الظروف والحادثات الجديدة وهذا فقه يقربنا جدا في فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لانه فقه مصالح عامة واسعة لا يلتمس تكييف الواقعات الجزئية تفصيلا فيحكم على الواقعة قياسا على ما يشابهها من واقعة سالفة بل يركب مغزى اتجاهات سيرة الشريعة الاولى ويحاول في ضوء ذلك توجيه الحياة الحاضرة. وكل القياس يستلزم شيئا من تجريد من الظروف المحدودة التي جاءت سباقا ظرفيا للنص مثال ذلك ما روي عن ان رجلا جاء الى رسول الله (ص) فقال هلكت وقعت على امرأة في نهار رمضان… الخ فتلك واقعة لا تكرر بشكلها الكامل ابدا وربما يحدث مثلها لرجل غير الرجل مع امرأته هو ولكنا رغم ذلك نسقط اعتبار الاعيان ونعدي الحكم بين الواقعتين ولربما يطرأ فساد الصوم في رمضان بغير ذلك الاسلوب من أكل او شرب، ونطرح السؤال هل نتجرد ايضا من اعتبار ذلك الاسلوب ونعتمد كل وجوه افساد الصيام ونتسع في تعديه الحكم او لا نفعل؟ يختلف الفقهاء في ذلك وهكذا يتعرض منهجنا القياسي للسعة او الضيق في درجة التجرد من الظروف الاولى تنقيحا لمناط الحكم الجوهري وليس في الاختلاف على ذلك حرج. اما القياس الاجمالي الاوسع او قياس المصالح المرسلة فهو درجة أرقى في البحث عن جوهر مناطات الاحكام اذ نأخذ جملة من أحكام الدين منسوبة الى جملة الواقع الذي تنزل فيه ونستنبط من ذلك مصالح عامة ونرتب علاقاتها من حيث الاولوية والترتيب. وبذلك التصور لمصالح الدين نهتدي الى تنظيم حياتنا بما يوافق الدين. بل يتاح لنا - ملتزمين بتلك المقاصد - ان نوسع صور التدين اضعافا مضاعفة.

الاستصحاب الواسع

وابلغ الاجمال في مقاصد الدين ما تهدى اليه العقيدة من معنى عبادة الله - سبحانه وتعالى - وهو مقصد يجمع جملة النصوص الشرعية فاذا توخيناه حكمنا بان مطلوب الشرع يشمل كل عمل او نشاط بشري يقصد به عبادة الله الا أن نستثني ما نصت الشريعة على انه لا يحقق ذلك المقصد. وعلى درجة ادنى من الاجمال نلقى كليات الشريعة وانماط تنظيمها للحياة العامة وما نجد في ذلكم من هداية واسعة للمصالح ودرجة اعتبارها وقوتها اذا تعارضت في واقع الحياة. وفي هذه الدرجة من اجمال مقاصد الشريعة نتفق مع أصل آخر من أصول الفقه الوساعة وهو الاستصحاب ومعزى الاستصحاب هو ان الدين لم ينزل بتأسيس حياة كلها جديد والغاء الحياة القائمة قبل الدين بأسرها فما كان رسول الله (ص) مثلا يعتبر ان كل الذي كان ساريا من القيم من قبله لغو باطل ينبغي هدمة لتأسيس الدين على قاعدة جديدة مطلقا. بل كان المبدأ المعتمد ان ما تعارف عليه الناس مقبول وانما ينزل الشرع ويتدخل ليصلح ما اعوج من امرهم. فحينما يطلق الكلام في القران عن الامر بالمعروف فهو ما كان سائدا معروفا الا حيث يصححه الدين، وحينما يدعو القران الكريم بالعدل والقسط فهو مراعاة القيم العدلية التي عرفها الانسان واستشعرها الوجدان المخلص مقرونة مع التصويبات والتقويمات التي ترد عليها من تلقاء الشريعة المنزلة.

وهكذا يقال في القسط والخير والظلم والاحسان والاساءة بل في نظم الاسرة وفي الشعائر. فقد كانت الحياة تقوم على كثير من اثارات الحق الذي اورثته الديانات او اهتدت اليه الفطرة البشرية وجاءت الشريعة الخاتمة تحيي ما درس وتقوم ما اعوج وتكمل ما نقص فما جاءت فيه بنص يعتمد المعمول به او يصوبه فالشريعة حاكمة، وما تركته عفوا فهو متروك لما يقدر فيه البشر فيعروفون وينكرون وفقا لما تهدي اليه الفطرة المنفعلة بمعاني الدين المنزل. وفي الكتاب والسنة نصوص مباشرة تدل على قبول قاعدة الاستصحاب تأكيدا للدليل العام الذي تلقيه كما تقدم في استقراء وقع التنزيل مع الحياة السابقة. وحسب قاعدة الاستصحاب الفقهية: الاصل في الاشياء الحل وفي الافعال الاباحة وفي الذمم البراءة من التكليف، وكل ما تطوقه المؤمن يقصد به وجه الله عبادة مقبولة، وكل ما اخذ لمتاع الحياة الدنيا عفو متروك لا له ولا عليه الا ان يرد النص فينفي صفة العفاء او الاباحة عن فعل معين واذا جمعنا اصل الاستصحاب مع أصل المصالح المرسلة تتهيأ لنا أصول واسعة لفقه الحياة العامة في الاسلام…

والترتيب النظري هو ان يبدأ المجتهد بالنصوص مستعملاً القواعد الفقهية التفسيرية ثم يتسع في النظر باستعمال هذه الاصول الواسعة من مصلحة واستصحاب. وهذا ترتيب نظري لا بد من تقريره لتستقيم اولويات النظر والتقدير ولكن عملية الاجتهاد في الواقع عملية مركبة، اذ لا ينفك المجتهد وهو يقبل على النصوص من تأثر بالواقع الذي يعيشه بمصالحه وأسبابه وتأثر بالثقافة الفقهيد التي اخذها نقلا عن السالفين ولاينبغي له كذلك ان يقدر المصالح الا منفعلا بتقديرات النصوص ومعاييرها حتى لا يغني اصل عن أصل ولا ينفصم النقل عن العقل ولا الشرع عن الواقع وما يكاد يكون من حكم يتلقاه المجتهد مباشرة من معنى قرآني الا احتاج بعده في كل حال ان يرجع الى واقع السنة التي مثلت تطبيقا واقعيا لهدى القرآن فيزيد الحكم بيانا. ثم يلزم النظر الى واقع التطبيق لان الفهم الذي يتبادر اليك من النصوص نظرا قد تلفيه عند التطبيق مؤديا الى حرج عظيم او محدثا من الآثار ما يأباه نص اخر او مصلحة اخرى مقدرة في الدين، فلا بد من النظر في الاسباب والعواقب والمصالح لا سيما في مجال الاحكام المتعلقة بالحياة العامة حيث لا يغني المنهج التفسيري وحده وحيث التطبيق وما يؤدي اليه تصور اكمل للمصالح والمقاصد امر لازم.

أصول ضوابط للفقه الاجتهادي الشورى والسلطان

وحينما نحيي الاصول الواسعة التي عطلت في الفقه الاسلامي التقليدي تنشأ لنا الحاجة الى ضبط نتائج الاجتهاد فيها. لان سعتها تؤدي الى تبيان المذاهب والآراء والاحكام وأهم الضوابط التي تنظم المجتمع المسلم وتتدارك ذلك التباين هي ان يتولى المسلمون بسلطان جماعتهم تدبير تسوية الخلاف ورده الى الوحدة مما لا يتسير ان ترك امر الاحكام حرا لا يرتهن الا بآراء الفقهاة وفتاواهم. ويتم ذلك التنظيم بالشورى والاجتماع ليتشاور المسلمون في الامور الطارئة في حياتهم العامة فالذي هو اعلم يبصر من هو اقل علما والذي هو أقل علما يلاحق بالمسألة من هو اكثر علما ويدور بين الناس الجدل والنقاش حتى ينتهي في آخر الامر الى حسم القضية: اما بأن يتبلور رأي عام او قرار يجمع عليه المسلمون او يرجحه جمهورهم وسوادهم الاعظم، او تكون مسألة فرعية غير ذات خطر يفوضونها الى سلطانهم وهو من يتولى الامر العام حسب اختصاصه بدءا من أمير المسلمين الى الشرطي والعامل الصغير. ولا بأس مع هذه الضوابط - من اجماع تشريعي او امر حكومي - لا بأس من أن تكون الاصول الفقهية التي تستعمل واسعة جدا او أن تكون الاصول الفقهية التي تستعمل واسعة جدا او ان تكون الفتاوى الفرعية الناشئة عنها مختلفة جدا بل ان كثرة الخيارات المتاحة بشورى المسلمين وغزارة المادة المعروضة تحضيرا لقرارهم امر في مصلحة واضحة.

أهلية الاجتهاد واطاره

والى جانب هذه الاجراءات الرسمية التي تشكل ضمانة لرد اختلاف الرأي وشتاته الى وحدة ونظام تقوم نظم لاهلية التصدي للاجتهاد تكفل تأسيس التفكير الديني على علم واف يضبط الهوى الذاتي ويقرب عناصر الفكر. فالمجتهد الاوثق هو الاتم من غيره احاطة بعلوم الشريعة واللغة والتراث واحاطة كذلك بعلوم الواقع الطبيعي والاجتماعي وهما شعبتا العلم وحيا ونقلا وتجربة وعقلا، ولا تقوم الحياة الدينية الا بهما معا. وتسود بين المسلمين معايير في درجات العلم الاتم ودرجات السيرة الا قوم يستعملونها ليميزوا اهل الفقه من المفكرين ويرتبوا اقدارهم النسبية ليولوهم بناء عليها ما يستحقون من اعتبار عند ترجيح الآراء. وتقدير اهلية الاجتهاد مسألة نسبية واضافية ولكن بعض الكتاب المتنطعين في الضبط والتحفظ يتوهمون انها درجة معينة تميز طبقة المجتهدين من عامة الفقهاء وما الاجتهاد الا وظيفة في استعمال العلم والعقل يتربى عليها المتعلم ويترقى نضوجا ورشدا وتتفاوت فيها الطبقات المفكرين الذين ينبغي ان يعمر بهم المجتمع المسلم. فاذ عنينا بدرجة الاجتهاد مرتبة لها شرائط منضبطة فما من شيء في دنيا العلم من هذا القبيل، وانما أهلية الاجتهاد جملة مرنة من معايير العلم والالتزام تشبع بين المسلمين ليستعملوها في تقويم قادتهم الفكريين. فمن ألفوا لديه علما مناسبا وثقوا فيه ثقة مناسبة، ومن رأوا عنده علما كثيرا وصدقا في الالتزام اولوه ثقة كبيرة واتخذوه اماما مقدم الرأي، ومن لاحظوا زهادة علمه او قلة اخلاقه سمعوا قوله واستخفوه او اهملوه. وقد ينظم المجتمع أحيانا ضوابط شكلية مثل الشهادات ليكون حمل شهادة الجامعة مثلا امارة لاهلية بدرجة معينة وحمل الشهادة الاعلى ايذانا باستحقاق ثقة أعلى وهكذا. وربما يترك الامر أمانة للمسلمين ليتخذوا باعرافهم مقاييس تقويم المفكرين.

ومهما تكن المؤهلات الرسمية فجمهور المسلمين هو الحكم وهو أصحاب الشأن في تمييز الذي هو أعلم وأقوم وليس في الدين كنيسة او سلطة رسمية تحتكر الفتوى او تعتبر صاحبة الرأي الفصل فالامة التي لا تجمع على ضلالة هي المستخلفة صاحبة السلطان تضفي الحجة الملزمة على ما تختار من الاراء المتاحة ولكل فرد فيها ان يشارك في تطوير رأي الجماعة بنصيبه من العلم وعليه ان يحصل لنفسه علما خاصا بقدر ما يمكنه من تمييز ما هو معروض في سوق العلم. وان لم يكن للسلطة العامة في المجتمع ان تقنن ذلك فان لها ان تقنن نهضة العلم والفكر بتنظيم وتيسير التأهيل والاجتهاد وتأسيس معاهد للبحث بدلا من ان يترك كل متعلم يحاول التحصيل ويطمع في الاحاطة بكل علوم الشريعة واللغة والعلوم الحديثة لا سيما ان مدى ما ينبغي الاحاطة به من علوم التراث والعصر اصبح معجرا للفذ من العلماء. ولا يستطيع العالم ان يخوض في الاجتهاد دون ان يلم بعلوم الشريعة ولا ان يعبر عن نفسه دون معرفة اللغة وما لم يعرف علوم الاحصاء لايستطيع ترجيح رأي في الطلاق على رأي اخر باستقراء مدى النتائج التي تؤدي اليها فتواه وخطورتها وأثرها على سلامة الامة واستقرارها وعلى سائر مصالح المجتمع. فسيدنا عمر رضي الله عنه لما عرف في كثرة الحلف بالطلاق اثرا معينا على الالتزام والعهد امضى في المسألة حكما غير الذي كان معهودا. وبغير الاقتصاد مثلا لا يتمكن الناظر من تقرير رأيه في الحاجة للنفقات في قوانين الاحوال الشخصية او في مداها فضلا عن الافتاء في الاوضاع والاحكام المالية في الدولة الاسلامية.

وانه لجد عسير على مجتهد او مفكر واحد ان يلم بكل هذه العلوم من تلقاء كسبه الخاص ولا بد للدولة من أن تقيم معاهد للبحوث يتعاون فيها العلماء فيأتي كل واحد متخصص بنصيب من العلم. ولا بد للدولة من الجامعات لتؤهل المتعلمين وترتب الشهادات بما يمكن الناس كما قدمنا من تمييز أهل الفقه ودرجاتهم لاعلى وجه الالزام بل النصح للرأي العام.

التقنين

وعلى الدولة أخيرا حين تصدر الآراة والمذاهب ان تعقد الشورى وتقنن الآراء والاحكام المعتمدة، بل عليها ان تحتاط لذلك التقنين والتدوين تنظيما مسبقا لحياة المجتمع الرشيد واذا كان النمط التقليدي هو ايكال امر تطوير الاحكام للفقهاء الذي ينتظرون الحادثات والمسائل ليستنبطوا لها المعالجات والفتاوى، فشأن المجتمع الرشيد الذي يتخذ لحركته وجهة مقررة ولا يركن الى العفوية والتجريدية ان يخطط نظامه القانوني ما أمكن. والواقع ان المسلمين قديما لما توافر لهم كسب كثير من الفتاوى والفقه أخذوا يرتبون الاحكام في مدونات ليست كتبا فقهية تورد الادلة الشرعية وتعالج وجوه النظر من حواشي الايضاح والاستدلال وتحرر في لغة واضحة تخاطب الافهام بشيء من البرود وهذه المصنفات اشبه شيء عندنا بالمدونات القانونية الحديثة فيها معنى وضوح الاحكام لمن يريد الاطلاع عليها وفيها ما يعيب هذه المدونات الحديثة من تجريد الاحكام فما ينبغي وصلها به من الاسناد الى اصول النصوص وربطها بنظام الشريعة ومقاصدها ووصلها بالعامل الاخلاقي في الدين حافزا ووازعا. فالنشاط الفقهي ينبغي ان يظل حرا مباحا ولكن الامم لابد لها من سلطان عام يرعى تنظيمه وتوظيفه لتوجيه المجتمع وضبط حركته.

الحركة الفقهية من طور التجميد الى التجديد الخوف من الحرية

ولربما يدقر المرء بعد كل ما قدمنا ان هذا التصور للامور يؤدي الى خطر عظيم. فلو فتحنا حرية الاجتهاد بهذا المعيار النسبي الواسع للاهلية وضممنا الى الاصول التفسيرية المنضبطة اصولا اجتهادية واسعة كالمصالح والاستصحاب فان المذاهب عندنا ستختلف اختلافا بعيدا وقد قدمنا الرد الشافي على ذلك في ايضاح دور سلطان المجتمع في اعتماد الآراء المعقولية ووضعها قانونا ملزما من دون سائر الاجتهادات. والحق ان الحذر من مغبات حرية الاجتهاد متمكن منا بدرجة بالغة. والشاهد على ذلك انك حتى في دوائر الذين يدعمون عموما لفتح باب الاجتهاد تجد من يبلغ به الفزع منتهاه اذ صادف رأيا جديدا لم يقل به قائل من السلف. وكأن المقبول في المجتهد هو فقط ان ينقب حتى يجد في المسألة رأيا قديما يناسب الظروف او حجة جديدة تؤيد رأي امام قديم. أما اذا تجرأ المفكر على توليد رأى جديد او فند الآراء القديمة جملة فذلك يدعو للخوف المبالغ فيه على مصائر الدين وانما جعل الاجتهاد نظاما ثابتا في الحياة الدينية بظروفها المتجددة لتتولد الآراء الجديدة استجابة للتحديات المتقلبة واقدار التاريخ المتحركة. ومهما يكن فانكار الجديد هو سنة اجتماعية معروفة وعن طريقه يعمل المجتمع عملية التوازن بين عناصر الثبات وعناصر الحركة لئلا يجمد المجتمع فيموت ولا يعربد فينحرك كذلك. فانكار المحافظين المتزمتين ظاهرة تتحرك في وجه كل اجتهاد جديد وتنشط بقدر هجمة حملات التجديد. وما دمنا في أوضاعنا الحاضرة نعاني من جمود طويل ومن مخلفات اجتهاد مضيع تركت ثغرة كبيرة في نظام احكامنا الفقهية فاننا نستقبل عندما تتحرك حملة تجديد ضخمة تستدرك ذلك الفوات ونحن بذلك شاهدون بغير شك توازن ردة فعل محافظة تحاصر الجديد وتتهمه وتحمل عليه مثل الحملة التي جابهها ابن تيمية وحركته عندما قام ليجدد أمر الدين بعد جموده بضعة قرون فقط، ويستدعي القيام بتكاليف الاجتهاد في مثل ظروفنا جرأة في الرأي وقوة في البصر على ضغوط المحافظين لا سيما ان التجديد لن يكون محدودا بل واسعا يكاد يشكل ثورة فقهية تصلح الاصول مع الفروع وتسعى لتبدل الاحوال بسرعة الذي تذكر بعد غفلة طويلة.

الاعتدال ام الاقدام

وان يكون الاتزان بين الثبات والتطور حكمة مطلوبة فان مخاطبة المجتمع المسلم الحاضر بمعاني المحافظة والحذر من التغيير بقدر مساو لمخاطبته بدواعي النهضية والحركة انما هو في مثل ظروفنا وضع للامور غير مواضعها وسبب لاضرار بالغ بالمجتمع ودينه. والخطاب المناسب لمجتمع نائم خامد قرونا طويلة ان نبادره بالمنبهات ودواعي الحركة الحرة وان نصيح له ان تيقظ! جاهد! اجتهد! حتى اذا جاد بالحركة وتباركت نهضة لدرجة نخشى عليه فيها الجنوح والفوضى عندئذ يجوز ان ندعوه لما هو الاسلم والاحوط. ولكن المسلمين في عهود الانحطاط ركزوا على معاني المحافظة تركيزا شديدا. فالحياة الدينية في عهود الانحطاط منحسرة دائماً تمرق اطرافها من الدين والارض منحسرة تقع أقاليمها في قبضة دار الكفر ولا مطمع للدعاة حينئذ ان يطالبوا الناس بالاقدام في الحياة والارض بل غاية همهم ان يدعوا الى المحافظة: احفظوا ما بقي من دينكم تورعوا من الشرور المخوفة حاذروا من كل جديد فانه لم يأتي الا ببدعة فالسلامة وراءكم والخطر امامكم وظل هذا الشعار تتوارثه العهود وتدعمه بالتربية المتورعة غير المقدامة التي تذكر بالخوف من الله واتقاء الشبهات والمحارم ولا تشفع ذلك كثيرا بالتذكير بالرجاء والندب الى الصالحات والمبادرات وسن السنن الحميدة. وانك ان أردت للمرء ان يتقهقر حذرا خوفته واذا أردته ان يتقدم رجيته في الله والخوف والرجاء شعبتان من الايمان متكاملتان، ولكن عمل الصالحات العلى يجد دوافعه في رجاء الجنة والرضوان وفي معاني التفاني في حب الله وشكره، بينما يجد النهي عن تعدي حدود الله وازعه في الخشية من غضب الله وناره. واستمع ان شئت لامام خطيب جمعة تجده يحاصر الناس بالتخويف ولا يحفزهم بالرجاء الا قليلا وتجده يذكر التقوى اكثر من الجهاد والورع اكثر من عمل الخير. وأقرأ ان شئت لمتأخرة العلماء تجدهم يؤثرون الاسلم والاحوط والاضبط وهكذا…

وهذه الروح في تربيتنا الدينية لا بد من أن تتجاوزها الآن ولا نتواصى اليوم بالمحافظة بل لا ينبغي اطلاق الدعوة الى الاعتدال لاننا لو اعتدلنا نكون قد ظلمنا ولم اقتصدنا نكون قد فرطنا. فالمطلوب ان نتلقى اليوم من حصة الكلام كل منبهة منعشة منشطة وان نشيع من الدين ما يناسب المقام وما يقتضي الحال كالتدبر والاجتهاد والتبليغ والدعوة. واني لا اتخوف على المسلمين كثير من الانفلات بهذه الحرية والنهضة فالحس الاسلامي في تاريخه القديم استقام في وجه كل الابتلاءات والفتن الفكرية التي ابتلاه الله سبحانه وتعالى بها فحاصرها وتجاوزها بل تجده من تلقاء النفس يراعي التحفظات اللازمة. فما كان ثمة من قانون شرعه الله او وضعه سلطان يلزم المسلمين بالاقتصادر على بضعة مذاهب بعينها ولكن هم الذين تراضوا على ذلك عرفا وعفوا بغير أوامر. فالمسلمون - حسب عبرة تاريخهم - يتحلون في أمر تنظيم صفوفهم بوعي لا بأس به حتى ايام كانوا محرومين من نظام الدولة الواعية الراعية، ولا ينقص المسلمين ذلك كما ينقصهم ان دواعي النهضة لم تكن متوافرة. وهكذا استمرت فترتهم بعد النهضة الاولى قرونا طويلة. وقدر التاريخ كله ان الايام تكون دولا وان الله يبتلي الناس فيؤخرهم ليتقدموا استجابة للابتلاء. فاذا انتابتهم دورة فقر وتخلف اقتصادئي فأسعفهم الايمان قالوا لينيروا الارض ويعمروها واذا هضم حقهم او سلبت ارضهم في دورة ذل قاموا ليقبلوا الدورة بجهاد جديد مستنصر بالله.

والمسلمون في جملتهم قد أعقبوا كل نكسة بنهضة وما هبطت حياتهم الدينية في بلد الا تناهضوا وبارك الله لهم في بلد آخر من الحجاز الى الشام الى العراق ومن الشرق الى الغرب والاندلس ومن الشرق في الهند وفي بلاد العرب وفي افريقيا الى القرن الاخير ولكن الخط البياني العام ما ينفك منحدرا منذ زمان الى يومنا هذا. ولا بدن من ان نتعظ بتاريخ نهضتنا المتعثر ونفي بحاجات التحدي الذي يجابهنا اليوم ويكاد يجتاح ذاتيتنا الفكرية والحضارية ولابد من ان نضاعف الاجتهاد لاستكمال تصور ما يقضيه عليها الدين ونضاعف الجهاد لنمكن ذلك التصور في العمل والواقع ولا يمكن لجيلنا ان يتكل على اجتهادات الغير ومجاهداتهم وحدها فقد أدوا واجب الدين فيما يليهم من زمان وظروف وعلينا ان نؤدي ما يلينا ويلزمنا. لذلك ينبغي التركيز في دعوتنا للناس وكلامنا للمسلمين على دواعي الجهاد لا سيما بالنسبة للبلاد التي تجاوزنا فيها مرحلة الدعوة العامة لنظام الاسلام او التي يتمكن فيها الاعتقاد العام بحق الناظم الاسلامي. ففي مرحلة الدعوة الاولى في قرننا كانت أصول الدين الاساسية ذاتها غير مقبولة، وكان المتسلطون على المجتمع ينكرون ان يسود الاسلام على الملوك وعلى البنوك. اما اليوم فاننا نستشرف في مواضع كثيرة عهود تحكيم الاسلام وتنزيليه من تجريد العمومات الى ارض الواقع تفصيلا وتدبيرا ولا غنى لنا اليوم من اجتهاد يكون واسعا وكبيرا جدا كما قدمنا ويغلب كما قدمنا - ايضا - ان يتجه هذا الاجتهاد الى جوانب الحياة العامة التي أهملت من قبل لاننا في أبواب الشعائر مثلا يمكن ان نكتفي بالمادة الفقهية الموجودة بغير حرج كبير ما عدا طريقة التقديم وانما يتجه جهدنا الاكبر لجوانب الحياة العامة ولتطوير الاصول الفقهية التي تناسبها بدءا من الاصول التفسيرية الى الاصول الاجتهادية الواسعة.

التحديات الخارجية والداخلية

ويجابهنا في سبيل النهضة بفقه الدين تحد خارجي وهو اننا في الاستعانة على عبادة الله فكرا واجتهادا بكل ما كسب البشر من علوم قد نقع في اسر الغزو الثقافي فتتغير معاييرنا من حيث لا نشعر وهذا خطأ نبه اليه كثيرون ولا حاجة بي للاستفاضة في بيان مغازيه واننا ايضا نجابه تحديد داخليا من تلقاء مجتمعنا المسلم مما لم ننتبه اليه ونتعلم كيف نعالجه فمجتمعنا يقوم بمفهومات واعراف وصور تقليدية يؤمن انها تمثل الدين ويغار من أدنى مساس بها، وعندما نحاول تجديد التدين وتبديل صورة الحياة الاسلامية الموروثة فمؤكد ان يثور المجتمع التقليدي بتصوراته وأوضاعه وما عهد من مذاهب وطرق اضفى عليها التراث قداسة وأضافها الى جوهر الدين الباقي ولابد من ان نتهيأ لنتعامل مع هذا التحدي كما نتهيأ للتحدي الغريب. فنظام الاسلام التقليدي المتمكن في كثير من البلاد المعروفة يشكل اوضاعا اشبه بوضع الكنيسة في المجتمع النصراني. وأمراض التدين كلها تتشابه مع اختلاف الملل كما حذرنا الرسول (ص) حين تكلم عن اتباعنا لسنن من قبلنا والصراعات بين الكنيسة والمجددين معروفة وفيها عبرة لمن أراد ان يتصور مصائر الامور الدينية عندما تنشط حركة التجديد عندنا. ومن توفيق الله ان حفظ للمسلمين اصول شريعتهم ليستظهر بها المجددون الذين تتمثل حركتهم في الرجوع الى المنابع وعدم التقليد للموروث. ومن حسن حظنا في السودان اننا في بلد ضعيف التاريخ والثقافة الاسلامية الموروثة وقد تبدو تلك لاول وهلة نقمة ولعلها ببعض الوجوه نعمة اذ لا تقوم مقاومة شرسة لتقدم الاسلام المتجدد ذلك في مرحلة الانتقال ولكن يلزمنا حتى بعد تمكن المجتمع المسلم نظرا لامكانات الخلاف الواسعة ان نعتصم اعتصاما زائدا بما قدمنا من نظم تجمع الخلاف وترده الى وحدة وأهمها كما قدمنا بسط الشورى والالتزام بها بدقة وانضباط فالجماعة المسلمة بتقى منظمة جدا حيث تكون الشورى فيها سارية سائدة. ولنا أسوة حسنة في عهود نشأة الفقه الاولى حيث كان فقها شوريا على غير ما يتصور الذين ينسبونه للائمة وحدهم فمالك بن انس ما كان يصدر عن نفسه انما كان يجادل بمباحثه ومناظراته في أوساط المجتمع الفقهية وفي سائر مجالات الحياة، ولذلك نجده يتحدث كثيرا عن فقه هو ثمرة اجتهاد جماعي فيذكر عبارات ما لا يعلم فيه خلافا وما أجمع عليه اهل المدينة. وكذلك ابو حنيفة كان يتحرك بفقهه في ندوات الفقه وبين أستاذته وأصحابه المشهورين وكذلك سائر الائمة. ولكن حالت الاحوال وتوقفت الشورى وجمد التفاعل الفكري الحي بين المسلمين وأصبح امر الفقيه مع تلامذته ان هؤلاء يتلقون ولا يباح لهم ان ينقدوا وأن يقوموا ويسهموا فلا بد من ان ترتب الجماعات الاسلامية - حركات او دولا - بطريقة منظمة جدا حتى تدور المشاورة وينعقد الاجماع على كل مسألة قد تطرح خلافا واذا لم نرب المسلمين في عهد الدعوه والحركة على الاجتهاد الحر والخلاف الواسع ثم النزول على حكم الشورى والاجماع التزاما واستسلاما فاننا حين قيام الدولة سنواجه فتنة عظيمة تسلمنا الى الفوضى او الى الجمود حيث تؤثر الامن في الركون الى رأي الفرد الحاكم.

وان حياتنا اليوم لاشد تعقيدا وتركيبا وتقتضينا ان نحكم الشورى بما لم نعهد في واقع اسلامي سابق، وذلك حتى نفتح اوسع الابواب للفكر المنفعل بالدين وحتى نزوده بكل المؤهلات العلمية والخلقية وبسط امكانات البحث والاتصال والمناظرة فيكون اجتهادنا فعالا وشورتنا تامة. ثم لابد من ترتيب نظم القرار الملزم: ما يرجع لجمهور الامة او لممثليهم اهل الحل والعقد. وما يفوض الى الامراء حسب مراتبهم الدستورية والادراية. ولا بد لنا كذلك من تخطيط شامل لنظام الاحكام السلطانية او الدستورية المدون ونظام القوانين المجموعة المتعددة مع اتاحة مجالات مرنة للفقه القضائي والعلمي، ومع نسبة دقيقة بين أحكام الشريعة التي نضعها على الناس قضاء وجزاء على صعيد الدولة وتلك التي نبسطها في المجتمع آدابا مرعية بداعي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج اختصاص السلطان الرسمي، وتلك التي نحيلها على مرافق التربية لانها تلي وجدان المسلم المنفعل بمراقبة الله في ضميره وخلوته.

هذه اشارات عابرة ارتجلتها في سياق الحديث عن تجديد اصول الفقه ونظمه ومشكلات نهضته في الحاضر وأرجو ان يتاح لي مجال اوسع أتناول فقه الاصول ونظمه بمنهج ادق وتحليل أعمق ان شاء الله.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 16-05-03, 12:25 AM
أبو عبدالله النجدي أبو عبدالله النجدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-08-02
الدولة: شرقي نجدٍ، سَقَى الحَيا رِمثَها وأَرْطَاها
المشاركات: 489
افتراضي

أخي البكري : بالنسبة إلى رسالة " التجديد " : كيف يمكن الاطلاع عليها ، ومن الذين ناقشوا الرسالة _______________

بارك الله فيك
__________________
كان الخليلُ بن أحمد ـ رحمه الله ـ إذا استفاد من أحدٍ شيئاً؛ أراه أنه استفاد منه، وإذا أفاد إنساناً شيئاً؛ لم يُرِه بأنه أفاده شيئاً.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 19-05-03, 01:58 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

موقف العصرانيين من الفقه وأصوله

محمد حامد الناصر

بعد أن شكك العصرانيون بحجِّية السنة النبوية راحوا يهاجمون الفقه والفقهاء، ويدعون إلى تطوير أصول الفقه (وخاصة في المعاملات) زاعمين ظاهراً فتح باب الاجتهاد، ولكن ليس هو الاجتهاد كما عرفه الفقهاء استنباطاً من النصوص، وكشفاً وإظهاراً لحكم الله، وإنما هو عندهم اجتهاد لتخطي النص، بل وتخطي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولكتَّاب المدرسة العصرانية أقوال عحيبة حول تجديد أصول الفقه مآلها الفصل بين الدين والدولة، ومحاولة تمييع العلوم المعيارية للوصول إلى الفوضى، والتمهيد لتطبيق القوانين الوضعية الغربية تحت مظلة الإسلام.
يقول الدكتور أحمد كمال أبو المجد: "والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ليس اجتهاداً في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول"(1).
ودعا الدكتور حسن الترابي إلى تطوير أصول الفقه، للوفاء بحاجات المسلمين المعاصرة فقال: "إن علم الأصول التقليدي لم يعد مناسباً للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء؛ لأنه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها"(2).
ويقول موضحاً فكرته: "إن الفقهاء ما كانوا يعالجون كثيراً من قضايا الحياة العامة، إنما كانوا يجلسون مجالس العلم المعهودة، ولذلك كانت الحياة العامة تدور بعيداً عنهم، والنمط الأشهر في فقه الفقهاء والمجتهدين كان فقه فتاوى فرعية، وإن العلم النقلي الذي كان متاحاً في تلك الفترة كان محدوداً مع عسر في وسائل الاطلاع والبحث والنشر، بينما تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة بأقدار عظيمة"(3).
وإنها لدعوى غريبة أن يزعم الدكتور الترابي أن العلم النقلي من نصوص الكتاب والسنة كان محدوداً في زمن نشأة الفقه وازدهاره!
وما البديل لدى الدكتور الترابي؟!
البديل عنده أن يشارك الشعب في الاجتهاد على طريقة دعاة الديمقراطية الغربية!!
يقول: "الاجتهاد مثل الجهاد، وينبغي أن يكون منه لكل مسلم نصيب".
ويضيف: "واتسم فقهنا التقليدي بأنه فقه لا شعبي، وحق الفقه في الإسلام أن يكون فقهاً شعبياً"(1).
ويتابع الدكتور محمد عمارة زملاءه في حملتهم على الفقه والفقهاء ودعوتهم إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه لكل مدعٍ وعامي لا علم له بالكتاب والسنة. ويقول: "إن الاجتهاد يجب أن يخرج وأن نخرج به من ذلك الإطار الضيق الذي عرفه تراثنا الفقهي، والفقهاء ليسوا وحدهم المطالَبين بالاجتهاد؛ بل إن المطالَب به هم علماء الأمة وأهل الخبرة العالية فيها، ومن كل المجالات والتخصصات؛ لأن ميدانه الحقيقي هو أمور الدنيا ونظم معيشتها، وليس إلحاق فروع الدين بأصولها..."(2).
"فالمجتهد عند عمارة يمكن أن يكون بلا علم بالقرآن والسنة واللغة والأصول؛ لأن مجال المجتهد هو "أمور الدنيا" ولا يشترط لها كل هذا من العلوم الشرعية، وإنما يشترط لها أن يكون المرء "مستنيراً عقلانياً" تقدمياً ثورياً حضارياً؛ فمن جمع هذه الصفات فهو شيخ الإسلام حقاً؛ وقد بنى كلامه على باطل، هو التفريق المزعوم بين الدين والدنيا، وما بُني على باطل فهو باطل"(3).
ومن غرائب الاجتهاد العصراني أن بعضهم دعا إلى صهر المذاهب الفقهية في بوتقة واحدة، وجعلها مستمَداً لا ينضب معينه، وذلك بالتسليم بكل ما قالت به المدارس الفقهية على اختلافها وتناكرها، بغض النظر عن أدلتها، ثم اختزانها في مدونة منسقة الأبواب كمجموعة "جوستينان" وأعْنِي كل ما أعطت المدارس: الإباضية والزيدية والجعفرية والسنية، وذلك بجعل هذه الثروة الفقهية منجماً لكل ما يجدُّ ويحدث"(4).
"وهذه الدعوة التي تطالب بإعادة النظر في التشريع الإسلامي كله دون قيد ليفتح الباب على مصراعيه للقادرين وغير القادرين، ولأصحاب الورع وأصحاب الأهواء، حتى ظهرت الفتاوى التي تبيح الإفطار لأدنى عذر.. وتبيح الربا ـ إلا ربا النسيئة أو أصنافاً معينة ـ وظهرت آراء تحظر تعدد الزوجات وتحذر من الطلاق؛ وبذلك تحوَّل الاجتهاد في آخر الأمر إلى تطوير للشريعة الإسلامية، يهدف إلى مطابقة الحضارة الغربية"(5).
والنتيجة التي يود هؤلاء أن يصلوا إليها من تطوير الشريعة هو تحكيم القوانين الوضعية، وفي ذلك تنفيذ لمخططات أعداء الإسلام، الذين زعموا أن الفقه الإسلامي مأخوذ من الفقه الروماني. وردد هذه المقولة - مقولة المستشرق اليهودي "جولد زيهر" - الدكتور محمد فتحي عثمان نقلاً عن أستاذه السنهوري الذي يقول: "الفقه الإسلامي هو من عمل الفقهاء صنعوه كما صنع فقهاء الرومان وقضاته القانون المدني، وقد صنعوه فقهاً صحيحاً؛ فالصياغة الفقهية، وأساليب التفكير القانوني واضحة فيه وظاهرة"(6).
والغاية من كلام السنهوري وإقرار تلميذه له أن يخضع الفقه الإسلامي لإشراف القانون الوضعي، ويكيِّف نفسه حسبما يقتضيه ذلك الخضوع.



"وغني عن القول أن كل أصل من الأصول الفقهية ثبتت حجيته بالكتاب والسنة، وقد بيَّن أهل العلم أدلة كلٍ من: الإجماع والقياس والمصلحة وحجية ذلك.. فهي ليست مبتدعة كما يزعم هؤلاء؛ بل هي منهج الاستنباط الشرعي الذي هو من الدين"(1).
إن دعوة العصرانيين هذه ما هي إلا علمانية جديدة تود تسويغ تحكيم القوانين الوضعية في ديار المسلمين، أو للتهوين من شأنها، ومن ثَمَّ مساواتها بأحكام شريعة السماء.
وقد خرج هؤلاء علينا بفقه غريب شاذ يريد تسويغ الواقع المعاصر بانحرافاته، وإليك أخي القارئ نماذج من شذوذات العصرانيين في مسائل الفقه المختلفة.
شذوذات العصرانيين في ميادين الفقه المختلفة:
موقفهم من الحدود:
حاول العصرانيون تسويغ رفضهم لإقامة الحدود الشرعية بحجج واهية كالشفقة على المجرمين، وأن قطع اليد أو الرجم ما هي إلا قسوة ووحشية لا تناسب العصر الحاضر؟!
فالشيخ عبد الله العلايلي مثلاً: يرى أن إقامة الحدود ينبغي أن لا تتم إلا في حال الإصرار، أي: المعاودة تكراراً ومراراً؛ إذ إن آخر الدواء الكي، وبلغ من استهزائه بالحدود الشرعية أن قال: "إن إنزال الحد لا يتفق مع روح القرآن الذي جعل القصاص صيانة للحياة، وإشاعة للأمن العام، وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوهين: هذا مقطوع اليد، والآخر مقطوع الرجل، أو مفقوء العين، ومصلوم الأذن، أو مجدوع الأنف".
أما الرجم: فيقول فيه بمذهب الخوارج: "لا رجم في الإسلام كما هو مذهب الخوارج عامة"(2).

لا يقام عليهما الحد إلا أن يكونا معروفيْن بالزنا، وكان من عادتهما وخلقهما؛ فهما بذلك يستحقان الجلد(3).
ولحسين أحمد أمين فتوى عجيبة في حد السرقة عندما يقول: "لقد كان الاعتداء على الساري في الصحراء بسرقة ناقته بما تحمل من ماء وغذاء وخيمة وسلاح في مصافِّ قتله، لذلك كان من المهم للغاية أن تقرر الشريعة عقوبة جازمة رادعة لجريمة السرقة في مثل هذا المجتمع"(4).
إباحة الربا في البنوك:
وقد بدأ ذلك الاجتهاد الشيخ محمد عبده، وتابعه في ذلك تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، وكانت الحجة هي الحفاظ على اقتصاد البلاد. والربا المحرم عند هؤلاء هو الربح المركب، أي الذي يكون أضعافاً مضاعفة(5).
وممن قال بذلك مـن المعاصرين: الشيخ عبد الله العلايلي، وهــو يكــرر ما قاله أسلافه، يقول: "ما دام المصرف لا يزيد على أنه مقر سمسرة بتقاسم المردود مشاركةً مع من أسلم إليه مالاً، مفوضاً إياه ليعمل به حيث قضت خبرته، ولا قائل بحرمة عمولة السمسار!!(6).
فحرمة الربا واضحة، ونصوصه قطعية في الكتاب والسنة، وتحريم السرقة في الكتاب والسنة، وطُبِّق الرجم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ولذلك فمن فضول القول أن نناقش الفتاوى السابقة؛ لأنها واضحة الضلال والانحراف، وخارجة عن إجماع فقهاء الأمة خلال عصورها المفضلة.
يقول الشيخ محمد الشنقيطي ـ رحمه الله ـ في هذه الفتاوى المنحرفة: "أما النظام الوضعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض كدعوى تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأن الرجم والقطع ونحوها أعمال وحشية لا يسوغ فِعْلها بالإنسان... إلخ"(1).
ويكفي أن نعلم أن الأمم عندما ألغت القصاص شاعت فيها الجرائم، وضجت المحاكم وابتليت المجتمعات، فشاعت الفوضى ونضب معين الأمن.
موقفهم من قضية المرأة:
اهتم العصرانيون بقضية ما يسمى بتحرير المرأة وإعطائها حقوقاً سياسية كالمرأة الغربية، ودعوا إلى الثورة على الحجاب وتعدد الزوجات وإباحة الطلاق؛ لقد أكمل هؤلاء المؤامرة على المرأة المسلمة التي قادتها الحركة النسائية بعد قاسم أمين وأعوانه.
لقد اعتبر العصرانيون مسألة تعدد الزوجات ـ التي شرعها الله ـ من سمات عصر الإقطاع. يقول محمد عمارة: "إن تعدد الزوجات، وتتابع الزواج واتخاذ السراري والجواري من سمات عصر الإقطاع والدولة الإقطاعية"(2).
ويرى هؤلاء أن الحجاب الشرعي قيد يجب التخلص منه، ثم راحوا يسوِّغون الاختلاط بين الرجال والنساء بعد أن زينوا للمرأة الخروج من بيتها وحصنها الأمين.
فالدكتور محمد عمارة يرفض أن تعود المرأة مكبلة بحجابها ويؤكد "أن جذور هذه القضية ترتبط بالتمدن والتحضر والاستنارة أكثر مما هي مرتبطة بالدين"(3).
وهذا حسين أحمد أمين يقرر أن الحجاب "وهمٌ صنعه الفرس والأتراك، وليس في القرآن نص يحرم سفور المرأة أو يعاقب عليه"(4).
والدكتور الترابي يقصر الحجاب على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقط. والاختلاط مباح في عرف العصرانيين؛ إذ "ليست الحياة العامة مسرحاً للرجال وحدهم، ولا عزل بين الرجال والنساء في مجال جامع".
"وتجوز المصافحة العفوية التي يجري بها العرف في جو طاهر وذلك عند السلام ـ كما يزعم"(5).
وفي ذلك مخالفة لأحاديث صحيحة وصريحة؛ فقد جاء في الحديث الشريف عن أميمة بنت رقيقة قالت: "جئت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة نبايعه، فقال لنا: "فيما استطعتن وأطعتن؛ إني لا أصافح النساء"(6).
ويرى الترابي كذلك أن للمرأة أن تسقبل ضيوف الأسرة وتحدثهم وتخدمهم وتأكل معهم"(7).
ويدعو الدكتور محمد فتحي عثمان إلى ما يسميه الاختلاط المأمون؛ لأن المجتمع الذي يلتقي فيه الرجال والنساء في ظروف طبيعية هادئة، لن يغدو مثلُ هذا اللقاء قارعة تثير الأعصاب؛ إذ سيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثتها، وستألف المرأة بدورها الرجل، وتتجمع لدى الجنسين خبرات وحصانات وتجارب(8).
وواقع المرأة المزري في ديار الغرب مما ينقض هذا الرأي.
ودعا العصرانيون إلى مشاركة المرأة في السياسة والقانون والتجارة والاقتصاد بلا قيود، ويرون جواز مشاركتها في الانتخابات والمجالس النيابية؛ بل ويرى بعضهم ولاية المرأة للقضاء، وحتى الولاية العامة جائزة عند العصرانيين بإطلاق(1).
إلغاء أحكام أهل الذمة:
لقد أكثر العصرانيون من الحديث حول حقوق أهل الذمة وزعموا أن أحكام أهل الذمة كانت لظروف خلت وأن تطور العصر يرفضها، وممن تصدى لهذه المسألة وخصّص لها كتاباً: فهمي هويدي بعنوان: "مواطنون لا ذميون" نقتطف منه بعض آرائه؛ حيث يقول: "أليس غريباً أن يجيز الفقهاء أن يفرض المسلمون الحرب دفاعاً عن أهل ذمتهم، ثم يحجب البعض عن هؤلاء حق التصويت في انتخابات مجلس الشورى مثلاً؟" ثم يقول: "أما تعبير أهل الذمة فلا نرى وجهاً للالتزام به إزاء متغيرات حدثت. وإذا كان التعبير قد استخدم في الأحاديث النبوية فإن استخدامه كان من قبيل الوصف، وليس التعريف، ويبقى هذا الوصف تاريخياً لا يشترط الإصرار عليه دائماً"(2) فالكاتب يحاول إلغاء الأحكام بلا دليل، وكأن الاجتهاد في الإسلام تحوَّل إلى لعب أطفال وأوهام مبتدعة، وأمزجة منحرفة.
وفي فصل "الجزية التي كانت" يقول: "ومن غرائب ما قيل في هذا الصدد تعريف ابن القيم للجزية بأنها هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً، وأن هذا يتنافى مع روح الإسلام، ودعوته للمسامحة بين الناس جميعاً: إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(3).
لقد حكمت الشريعة الإسلامية بضعة عشر قرناً من عمرها، لم يعرف في التاريخ عدلاً وإنصافاً ورحمة بأقليات دينية كما عرفت في تلك القرون تحت مظلة الشريعة، بل كانت الطوائف تفر من بطش أبناء دينها لتنعم بالأمن في ظل عدل الإسلام وإنصاف المسلمين، إلا أنها التبعية والتزلف الذي تناسى أصحابه أحقاد اليهود والنصارى التي ما زالت والغة في دماء المسلمين.
ولكن: يا ليت قومي يعلمون!
حقيقة العصرانية: علمانية جديدة:
لاحظنا فيما سبق من حلقات أن العصرانيين يلحُّون على تطوير الشريعة محاولين التسلل نحو تحكيم القوانين الوضعية "وخاصة في قضايا المعاملات وسياسة الحكم، وشؤون المجتمع".
وزعموا أن القوانين الوضعية لا تخالف الشريعة الإسلامية، كما دعوا إلى التوفيق بين الشريعة وتلك القوانين، أي أنهم دعوا إلى الفصل بين الدين والدولة، وهذه هي العلمانية بأجلى مظاهرها.
فالعلمانية مصطلح غربي يعني إقامة الحياة على غير الدين على مستوى الفرد والأمة، وقد ساد هذا المذهب أوروبا رد فعلٍ على تسلط الكنيسة ومبادئها المحرَّفة إثر صراع دام بين الكنيسة والعلم.
والعلمانية فكرة مستوردة بعيدة عن مناهجنا وتراثنا وهي تعني ـ بداهة ـ: الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا هو معنى قيام الحياة على غير الدين، وهي نظام جاهلي بعيد عن دائرة الإسلام، قال ـ تعالى ـ: من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون {المائدة: 44}.
وقد سلك العصرانيون لتحقيق هدفهم هذا سبلاً متعددة منها:
1 - محاولاتهم الجادة لتنحية الشريعة:
لقد هاجم العصرانيون الفقه والفقهاء، وشككوا في حجية السنة النبوية، واتفقوا ـ باسم الاستنارة ـ على ضرورة تجديد الإسلام ذاته، بمعنى تعديل أحكامه وتشريعاته أو اقتلاعها من الجذور.
فالدكتور محمد أحمد خلف الله: "يرى ضرورة انعتاق الأحكام من إسار الشريعة إلى بحبوحة القوانين الوضعية، وأن خروج المعاملات من نطاق الشرع إلى نطاق القانون قد حقق لها ألواناً من الحرية والانطلاق، لم يكن لهم بها عهد من قبل"(1).
"وهو يعجب من الجامدين الذين يتمسكون بتلك المعايير البالية لمجرد أنها وردت في القرآن والسنة"(2).
ويعتبر الدكتور محمد عمارة أن الشريعة ما عادت تلائم قضايا العصر فيقول: "إن أحداً لن يستطيع الزعم بأن الشريعة يمكن أن تثبت عند ما يقرره نبي لعصره"(3).
ويدعو كذلك إلى مدنيَّة السلطة، وجعل حق التشريع في يد جمهور الأمة عندما يقول: "فأصحاب السلطة الدينية قد احتقروا جمهور الأمة عندما سلبوها حقها في التشريع وسلطاتها في الحكم" على حين قرر القائلون بمدنيَّة السلطة "أن الثقة كل الثقة بمجموع الأمة؛ بل جعلوها معصومة من الخطأ والضلال"(4).
أما الدكتور أحمد كمال أبو المجد "فهو يتعجب ويتأفف من هؤلاء المسرفين الذين يرون ضرورة إسقاط القوانين الوضعية، ومن ثم يدعو إلى زلزلة قواعد الشريعة؛ حيث لا يُقتصر الاجتهاد على الفروع فحسب، بل والأصول أيضاً"(5).
إن الأقوال السابقة تدعو صراحة إلى إسقاط الأحكام الشرعية. والشريعة الإلهية هي حكم الله، والقانون الوضعي حكم جاهلي كله سفه ونقص وعجز وقصور.
والشريعة الإلهية فصّلها الله الذي خلق الإنسان، وهو أعلم به؛ فهي ثابتة باقية إلى يوم القيامة، أما القانون الوضعي فهو صناعة بشرية من أناس يتصفون بالعجز والنقص والتحريف، وتتحكم فيهم الشهوات(6).
إلا أنها التبعية عند العصرانيين الجدد الذين يرون التقدم في القوانين الأجنبية منذ أقدم العصور، يقول محمد فتحي عثمان: "وعلينا ألا نتنكر لأنظمة مرت بمراحل تقدمية كبرى في الفكر والتطبيق، قبل أن نتطور بثروتنا الفقهية التي تكدس عليها غبار القرون من التعطيل والتجميد"(7).
ولنا أن نتساءل عن هذه المراحل التقدمية؟!!
يقرر البحث العلمي أن مراحل القانون الوضعي تبدأ بقانون "حمورابي" وقانون "مانو" وقانون "أثينا" والقانون "الروماني" والقانون "الكنسي الأوروبي" مأخوذ من القانون الروماني ومما شرعه الرهبان، ثم قانون نابليون، وهذه هي المراحل التقدمية الكبرى في الفكر والتطبيق عند المؤلف(8).
يقول ـ تعالى ـ: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون {المائدة: 50}.
2 - تأييد سقوط الخلافة:
لقد تكالب الأعداء على إسقاط الخلافة، وكان من أهم شروط اتفاقية (سايكس ـ بيكو) 1915م، أن اشترط الحلفاء "إلغاء نظام الخلافة وطرد السلطان العثماني خارج الحدود، ومصادرة أمواله، ثم إعلان علمانية الدولة"(1).
وهاجم العصرانيون نظام الخلافة متبعين في ذلك كبيرهم الشيخ علي عبد الرازق، صاحب كتاب: (الإسلام وأصول الحكم) الذي وصف الخلافة بأنها "خطط دنيوية صرفة لا شأن للدين بها، وليس لنا حاجة إليها في أمور ديننا ولا دنيانا، ولو شئت لقلنا أكبر من ذلك؛ فإنما كانت الخلافة، ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد"(2) ـ وهو يستعير في عرضه هذا آراء المستشرقين من قساوسة صليبيين ويهود حاقدين ـ وأن الإسلام دين لا دولة، وكان التوقيت لصدور كتابه هذا خبيثاً؛ ذلك أنه أصدره عام (1925م) لإجهاض محاولات إحياء الخلافة آنذاك بعد إلغائها على يد كمال أتاتورك(3).
ويقول محمد أحمد خلف الله: "والفكر السياسي في نظام الحكم هو فكر بشري خالص، وتستطيع المؤسسات العلمية من أمثال كليات العلوم السياسية أن تجتهد فيه"(4).
ويرى محمد فتحي عثمان "أن الخلافة الإسلامية كانت صورة تاريخية، ولم تعش طويلاً، فعلى المسلمين ألا يفكروا فيها مرة أخرى"(5).
ويقول محمد عمارة: "لم تكن الدولة هدفاً من أهداف الوحي، ولا مهمة من مهام النبوة والرسالة، ولا ركناً من أركان الدين وإنما اقتضتها ضرورة حماية الدعوة الجديدة"(6)، "إن موقف الإسلام في مجال السياسة والدولة ينكر وجود سلطة دينية لبشر خارج نطاق الموعظة والإرشاد، ولم يحدد نطاقاً معيناً للحكم"(7).
وهذه آراء علي عبد الرازق وسادته من المستشرقين الحاقدين نفسها.
لقد كان منصب الخلافة شوكة في حلوق أعداء الإسلام، وهدفاً طالما تحالفوا لإسقاطه، وتمزيق ديار المسلمين، وها هم تلامذة اليهود والنصارى ينادون بما خطط لهم سادتهم، والويل والصَّغار للمرْجفين.
3 - دعوتهم الصريحة إلى علمانية الحكم:
يصرح بعض العصرانيين بحقيقة دعوتهم في الحكم وفصل الشريعة عن قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويدعون إلى علمانية مصبوغة بمفهومهم عن الإسلام.
فالدكتور حسن حنفي يرى أن العلمانية هي أساس الوحي ويقول: "العلمانية هي أساس الوحي؛ فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ"(8).
ويقول الدكتور محمد عمارة: "أما إسلامنا فهو علماني، ومن ثم فإن مصطلح العلمانية لا يمثل عدواناً على ديننا، بل على العكس يمثل العودة بديننا إلى موقفه الأصيل" ويقول: "فالسياسة والحكم والقضاء وشؤون المجتمع ليست ديناً وشرعاً يجب فيها التأسي والاهتداء بما في السنة من وقائع؛ لأنها عالجت مصالح هي بالضرورة متطورة ومتغيرة"(9).
إذا لم تكن العلمانية هي ما يقوله العصرانيون فماذا ستكون؟! فهم بفصلهم الدين عن شؤون الدولة والحياة، يدعون إلى علمانية قد يسمونها إسلامية، ولكنها في الحقيقة أشد بعداً عن الدين من العلمانية اللادينية؛ لأن هؤلاء يخدعون العامة باسم الإسلام، وتحت أسماء: "المفكر الإسلامي، الداعية الإسلامي، العقلاني المستنير".

ويريد هؤلاء الكتاب حكماً علمانياً، وفي أحسن أحواله ديمقراطياً برلمانياً على طريقة الغرب في أن يكون للأمة حق التشريع. رغم أن واقع الديمقراطية الغربية يشهد بإفلاس شعاراتها عند التطبيق، كما يريد بعضهم حكماً اشتراكياً يسارياً، باسم اشتراكية الإسلام أو اليسار الإسلامي(1).
ويقول محمد فتحي عثمان: "واليسار المسلم يتمسك بالديمقراطية؛ إذ هي حكم الله في المصالح والعلاقات الإنسانية؛ حيث لا يكون النص الإلهي الملزم القاطع"(2).
والحقيقة: "أن الفاصل بين العصرانيين والعلمانيين ـ إن وجد ـ دقيق جداً، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، واسمان لمسمى واحد. وقد استفاد العصرانيون مما واجهه العلمانيون من استنكار، فراحوا يغيرون ويبدلون في المسميات، ويبحثون عن الشبه والزلات، ليلبسوا العلمانية ثوباً إسلامياً مزوراً، ويضفوا عليها صفة الشرعية، ويتمكنوا من التمويه على العوام، والتلبيس على أهل الإسلام ولو إلى حين"(3).
إن تنحية الشريعة عن شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين الحديثة؛ وإلاَّ؛ فما الفرق بين قول قريش في جاهليتها: يا محمد! اعبد آلهتنا سنة ونعبد آلهتك سنة، وبين قول العلمانيين ـ لفظاً أو واقعاً ـ: نعبد الله في المسجد، ونطيع غيره في المتجر أو البرلمان أو الجامعة؟!
وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ: "إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين" وقال ـ رحمه الله ـ: "من اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، فلا ريب أنه كفر"(4). وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في (منهاج السنة): "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر؛ فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر".
ومن الخطأ أن تنقل تجربة غريبة هجينة في التصور والاعتقاد إلى ديار المسلمين.
"إن الغلطة من الأصل هي محاولة وضع الإسلام وتطبيقاته على ميزان التجربة الأوروبية، واستخدام المصطلحات الغربية ذات الدلالات المحلية البحتة، كأنها اصطلاحات عالمية تصلح للتطبيق على أي شيء، وفي أي مكان، دون النظر إلى الفروق الجوهرية بين الاصطلاحات التي وضعها البشر في ظروف معينة، والمصطلحات التي أنزلها الله لتحكم الحياة، أو اجتهد المجتهدون بها، وهم ملتزمون بما أنزل الله"(5).
ولقد تميزت العصرانية بتبني الآراء الشاذة، والأقوال الضعيفة، واتخاذها أصولاً كلية الهدف منها عند أصحابها هدم القديم أكثر من بناء أي جديد؛ إذ دأبوا على محاولاتهم لتطويع الإسلام بكل وسائل التحريف والتأويل كي يساير الحضارة الغربية فكراً وتطبيقاً، ومن أجل ذلك دعوا إلى التقريب بين الأديان والمذاهب، وهوَّنوا من أمر الجهاد وقصروه على جهاد الدفاع فقط، ولكن الله غالب على أمره، والعاقبة للمتقين.



مجلة البيان عدد 146
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 20-05-03, 12:39 AM
عبدالرحمن الشهري عبدالرحمن الشهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-03-03
الدولة: الرياض
المشاركات: 30
افتراضي

أخي أبا حاتم وفقه الله ،
كنت وعدتكم بأن أقوم بنقل بعض ما احتوت عليه رسالة الدكتوراه (محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواته – دراسة وتقومياً) للدكتور هزاع بن عبدالله الحوالي.
وقد قمت فعلاً بتصوير المطلوب بعد ذلك بيومين فقط . ثم وضعهتا أمامي منذ ذلك التاريخ إلى الآن ، ولم أستطع أن أقوم بذلك إلى الآن ، لانشغالي بملتقى أهل التفسير فسامحني وفقك الله.
فلو بعثت لي برقم فاكسك مثلاً لبعثتها إليك مباشرة. وأعتذر لك. وفقك الله. ولعلك أنت بدورك تقوم بتلخيصها للإخوة المشاركين ففيها كلام نفيس ، ونتائج جديرة بالعناية.

وبالنسبة لسؤال الأخ النجدي عن المناقشين للرسالة فعلى حد علمي أن الذي أشرف على الرسالة هو الدكتور الكريم أحمد سير مباركي محقق كتاب العدة لأبي يعلى.
وناقش الرسالة كل من الدكتور يعقوب الباحسين من كلية الشريعة في الرياض.
والدكتور حمزة الفعر من جامعة أم القرى .
ويمكن الاطلاع على الرسالة في مكتبة قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض . وربما لا يأذنون لغير أعضاء هيئة التدريس بدخولها حسب ما رأيت منهم ، وقد بلغني الأخ سعد الله الحوالي أخو الشيخ سفر وقريب الدكتور هزاع أنه سيطبعها هزاع قريباً أو أنها طبعت وستكون في المكتبات قريباً.
وفقكم الله جميعاً.

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن الشهري ; 20-05-03 الساعة 12:42 AM
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 20-05-03, 01:51 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

المبحث المقاصدي وتجديد أصول الفقه
إبراهيم الكيلاني
باحث تونسي

لا يماري أحد في أن المبحث المقاصدي، كان جزءاً من المباحث المتعلقة بأصول الفقه، بل قسماً من أقسامه. ويمكن القول أنه إلى اليوم لم يستقل بعد عنه، على رغم دعوة الاستقلالية التي رفع لوائها الإمام ابن عاشور بداية القرن العشرين. ولكن لا تزال المقاربات في هذا المضمار متواضعة. وفي تقديرنا قد توزعت الدراسات في المبحث المقاصدي إلى وجهات أبرزها:
1- «جعل المقاصد قسماً متميزاً من أصول الفقه ينضاف إلى الأقسام الأخرى».
2- «إنشاء صياغة جديدة لأصول الفقه ينتقل بمقتضاها هذا العلم إلى مزيد من الإحكام المنهجي والاشتمال المضموني» .
3- انفراد المقاصد عن أصول الفقه لتكوّن علماً جديداً ينبني على القطيعات وحدها..
ومما تقدم يتضحُ بأن الفكرة الأساسية التي تنطلق منها جميع تلك وجهات النظر هي الإشارة إلى ضرورة إعادة كتابة علم أصول الفقه، وأن المنهجية الأصولية في صياغتها الحالية بحاجة إلى التجديد لتكون قادرة على الاستجابة للتحديات التي تفرضها التغيرات الكبرى المنجزة التي تجتاح العالم اليوم في مختلف مناحي الحياة، مع التأكيد دوماً على أن أصول الفقه «يعد بحق علماً أنشأته الحضارة الإسلامية إنشاء» دون إنكار التداخل فيه بنوعيه: الداخلي والخارجي.
ومبررات دعوة التجديد في علم أصول الفقه كما يطرحها دعاتها يمكن إجمالها في:
1- دخول الظني في مسائل أصول الفقه الأمر الذي تعذّر معه أن يكون «منتهى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه» .
2- الغالب في أصول الفقه البحث في منهج الفهم دون منهج التطبيق للنص .
3- العلاقة الوثيقة بين التجديد في الفقه والتجديد في أصول الفقه .
4- التجديد في أصول الفقه دعامة ضرورية لإزالة الفجوة بين الإسلام والعالم، إذ هيمن الإسلام التاريخي على إسلام النص .
هذا وقد أكدت جميع الدراسات الداعية إلى التجديد الأصولي، إلى أهمية المبحث المقاصدي بل أن أحد الأسباب الجوهرية لضعف أصول الفقه يعود إلى «الغفلة عن مقاصد الشريعة فلم يدونوها في الأصول إنما أثبتوا شيئاً قليلاً في مسالك العلة مثل مبحث المناسبة والإخالة والمصلحة المرسلة وكان الأولى أن تكون الأصل الأول للأصول لأن بها يرتفع خلاف كبير» . لذلك وكما أشرنا في المقدمة أن إعادة الاعتبار إلى المقاصد يعد الخطوة الأساسية الأولى في عملية التجديد الفقهي والأصولي.
إلى هنا انتهى ما يتعلق بهذا الموضوع .

بقية البحث في مقاصد الشريعة .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 20-05-03, 09:53 PM
ابن الجزري ابن الجزري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-03-03
المشاركات: 24
افتراضي

بحث قيم واختيار موفق فجزاك الله خيرا أخي أبو حاتم
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 21-05-03, 02:33 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي في تجديد أصول الفقه: فكرة.. من يتبنَّاها؟؟ للدكتور الفاضل الأستاذ كمال المصري

موضوع أصول الفقه وتجديده موضوعٌ يطول فيه الحديث، أو لنقل: "يطول فيه الهمّ"، فالحديث ذو شجون، وأتمنَّى لو يُدْلي أهل الاختصاص بدلوهم فيه، لأنَّ الأمر قد طال عليه الأمد، ووجب أن يقف له أحد، أو آحادَ العلماء والمختصِّين، ولا أعني علماء الشريعة فقط، بل كلُّ من يمكن أن يفيد ويساعد في ذلك، مثل أهل الاختصاص في اللغة والقانون والإدارة والاجتماع، ولا بأس من استدعاء من له علاقةٌ في بعض الجوانب من المختصِّين من التخصُّصات الأخرى، بحيث يحضرون حين الحاجة إليهم.
فلو عقد هؤلاء جلساتٍ متعدِّدة للنظر في مسألة الأصول، وتحديد الرؤية وجوانب التعامل معه، ووضع ضوابط التجديد وحدوده، والنظر إليه من خلال واقعنا المعاصر بكلِّ تفصيلاته وتداعياته واشتباكاته، ثمَّ العمل على صياغة تصوُّرٍ ومذكِّرة عمل، ثمَّ إيكالها إلى مجموعةٍ من المختصِّين ليحرِّروا منها صياغةً جديدةً لعلم الأصول، تحت إشراف عددٍ ممَّن شاركوا في وضع الرؤية والضوابط.

أتمنَّى لو تبنَّت إحدى الهيئات أو الجهات الأمر، وهيَّأت له الظروف والاحتياجات، كي نخدم أمَّتنا حقّا، ونقدِّم لها ما تحتاجه بالفعل.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 21-05-03, 03:10 AM
كرم كرم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-05-03
المشاركات: 5
افتراضي رسالة هزاع الحوالي في تجديد أصول الفقه

عنوان الرسالة محاولات التجديد في أصول الفقه دراسة وتقويم
دكتوراه عام 1413هـ من جامعة الإمام باشراف احمد سير المباركي ومناقشة يعقوب الباحسين وحمزة الفعر

واحب ان أخبركم عن قصتي مع هذه الرسالة
انا من المتابعين لهذا الموضوع كثيرا وقد جمعت فيه الشيي الكثير ولله الحمد وما أن اطلعت على عنوان هذه الرسالة إلا واشتاقت نفسي الى قراتها فسافرت إلى الرياض خصيصا لها حتى اطلع عليها ولا اريد أن اذكر المتاعب التى واجهتني حتى اطلع عليها ولكن وفقني الله بعد عناء من الاطلاع على الرسالة
فوجدتها متميزة في بابها والحق يقال انه من أروع الرسائل وسوف استحضر في ذهني ملخص الرسالة وانشره غداً باذن الله تعالى
علما باني بعد البحث الطويل على عنوان الشيخ هزاع الحوالي (وهو ابن عم الشيخ سفر الحوالي وهو مثله من العباقرة ) واخيراً وجدته وإن رغبتم أن اذكره لكم حتى يتم الاتصال عليه وحثه على طباعتها فانه لاماتع لدي وعنوانه في موريتانيا
__________________
كن رجلاً إذا أتوا من بعده
قالوا مر وهذا الأثر
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 22-05-03, 12:21 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

شكر الله للاخ / كرم هذه المداخلة ونطلب منه اثراء الموضوع بما جمعه من مادة ..

-------------------------------------------------------------

من التنظير إلى التطبيق
ضمن بحث للباحث السوري
عبد الرحمن حللي


الغالب على مقاربات التجديد جنوحها إلى التنظير والحديث عن الإشكاليات والأزمات، وقلما اتجهت إلى معالجة تطبيقية لما تم استشرافه من منهج للإبداع، وربما يعود ذلك إلى نقص وخلل في الجانب النظري؛ إما بسبب عدم الوضوح أو النقص في الرؤية إلى الأبعاد ذات الصلة بالموضوع.
والتنظير بحد ذاته يكتنف العديد من المشاكل والتعقيدات الداخلية تنبع من تداخل العلوم والمعارف الفاعلة في بناء المنهج، لا سيما علوم العصر التي تفرض نفسها وهي بحد ذاتها متناقضة ومتضاربة، فإذا أضيف إلى ذلك قطيعة بين هذه المعارف ومعظم المهتمين بالفكر الإسلامي ندرك الأسباب في تعثر بناء المنهج، وهذه المشكلة قديمة في الفكر الإسلامي، ترتبط بتداخل العلوم، لكنها كانت أقل حدة في القرون السابقة بفضل تمكن العديد من العلماء آنذاك من علوم وفلسفات عصرهم.
يضاف إلى الأسباب السابقة ظاهرة يمكن ملاحظتها هي النزوع للتنظير من أجل التنظير، والإيغال فيه بالمفاهيم والمصطلحات المنحوتة والمفتعلة من أجل أغراض نفسية أكثر منها معرفية، وهذا ما يحول دون وصول المنهج إلى الباحثين عنه وبقائه في إطاره النظري، وهذه ظاهرة يشكو منها العديد من قراء هذه المناهج، مما جعل القارئ بحاجة إلى قاموس خاص لكل مشروع حتى يتمكن من اتخاذ موقف منه، ولا نرى مبرراً لهذا التعقيد، لأن المعلومة القابلة للتطبيق هي الأقدر على الوصول إلى أكبر شريحة من المثقفين، ولئن كان الغموض لازمة لبعض الكتاب فينبغي أن يُجعَل الوضوح استراتيجية في الكتابة.
ومن العوامل المؤثرة في الغموض أن بناء المنهج يتم معزولاً عن ميدان التطبيق والتجريب، ويتم الإيغال في التنظير قبل سبر عمق فاعليته من خلال التجربة العملية، ونرى أن التطبيق ينبغي أن يسير رديفاً لبناء المنهج.
وما ذكرناه لا ينفي وجود بعض الدراسات العملية التي حاولت تطبيق ما ارتأته من منهج للتجديد لكنها قليلة جداً بالمقارنة مع ما هو موجود من تنظيرات في المنهج .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 22-05-03, 04:17 PM
عبدالرحمن الشهري عبدالرحمن الشهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-03-03
الدولة: الرياض
المشاركات: 30
افتراضي

أخي أبا حاتم وفقه الله
بقية الإخوة

يبدو أن أحداً لم يقرأ ما كتبته !!!
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 23-05-03, 09:16 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

أبو عبدالله البكري .. راجع صندوق الرسائل الخاص بك.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 13-10-03, 10:11 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

تجديد الفقه بين القبول والرفض
بقلم : الدكتور عبد العظيم إبراهيم المطعني
الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع الفقه الإسلامي


في هذا العصر طفا على سطح الفكر الإسلامي المعاصر مصطلح حديث هو: تجديد الفقه الإسلامي، وبعضهم يغالي ويشتط، ويدعو إلى "إلغاء الفقه القديم" ثم العمل على استحداث فقه جديد، يحل محل الفقه القديم، وهذه الدعوة، أو "الدعوى" محفوفة بالمخاطر، وعلى كثرة الأخذ والرد فيها، فإن أوراقها غير مرتبة، وهي في الواقع - أعني الدعوة إلى تجديد الفقه- ما تزال حبرا على ورق ، ومن حاول من دعاتها الاجتهاد أتى بكلام يثير السخرية مما أتى به ؛ لأن لدينا محاذير كثيرة يجب ألا نتورط فيها، وضوابط عديدة ينبغي أن نضعها في الاعتبار ونحن ندعو إلى إعادة النظر في ثروتنا الفقهية، التي تزخر بها المكتبات الإسلامية، ودور العلم الجامعي وغير الجامعي.
ونحن مع من يدعو إلى الاجتهاد وترك التحجر والجمود ، ومع هذا فيحسن القول أولا في عرض الأسس الآتية لمعرفة ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يجوز:
أدلة الأحكام
أدلة الأحكام هي المصادر والأصول التي تؤخذ عنها الأحكام الفقهية المتعلقة بأفعال المكلفين، وهي - كما هو معروف - نوعان:
1. الأول: أدلة أحكام متفق عليها بين جميع فقهاء الأمة، وهي أربعة أدلة :
1. الكتاب، وهو القرآن الحكيم، وهو أصل الأدلة بلا خلاف، فينبغي الرجوع إليه قبل غيره، وتقديمه على ما سواه.
2. السنة النبوية الشريفة، وتأتي بعد الكتاب العزيز في المرتبة، وتقدم متى صح سندها وسلم متنها من القوادح على ما عداها من الأحكام، والأصل في هذا قول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول"، ومتى وجد الحكم المطلوب في الكتاب، أو في السنة أو فيهما معا وجب الوقوف عنده، والعمل به.
3. القياس، وهو دليل عظيم النفع، وبه صلحت الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، واستوعبت أحكام كل المستجدات في كل عصر، وما يزال القياس يسعفنا في استنباط الأحكام لكل الوقائع والمعاملات، التي جدّت، وتجدّ في العصور المتلاحقة، لأن كتاب الله وسنة رسوله لم ينص فيهما على كل الأحكام نصا صريحا محددا، والوحي والحديث النبوي توقفا بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس معنى هذا التوقف تجمد الشريعة عند حد معين من الزمان، كلا، وإنما هي مرنة مستمرة بفضل هذا "القياس" الواسع المدى.
والقياس يقوم في استنباط الأحكام للوقائع المستجدة على أساس علل الأحكام المعروفة فإذا وقعت حادثة لم تقع من قبل، فعلى المجتهدين أن يبحثوا لها عن واقعة قديمة معروف حكمها ثم يبحثوا عن علة الحكم للواقعة القديمة، فإذا اشتركت الواقعتان في علة الحكم أخذت الواقعة الحديثة حكم الواقعة القديمة. وقد أولى علماء أصول الفقه عناية عظيمة لدراسة العلل ومسالكها وأنواعها، ثم أقام الأئمة الأعلام من الفقهاء صروح الفقه الاجتهادي على هذا الأساس المتين.
هذه هي أدلة الأحكام المتفق عليها بين جميع فقهاء الأمة وأصولييها، فالاجتهاد في هذه الأدلة الأربعة محظور، فلا يجوز إسقاط واحد منها، ولا يجوز الزيادة عليها؛ فهي -إذن- لا تخضع لمبدأ " تجديد الفقه " الذي ينادى به في هذه الأعصار.
4. أما الرابع فهو الإجماع.
الأدلة المختلف فيها:
بقيت الأدلة المختلف فيها بين الفقهاء، وهي كثيرة، والمشهور منها ما يأتي:
"سد الذرائع- عمل أهل المدينة- المصالح المرسلة- الاستحسان الشرعي- الاستصحاب- فتوى الصحابي- شرع من قبلنا.. الخ".
هذه الأدلة موزعة بين المذاهب، ما من إمام من أئمة الفقه إلا وقد أخذ ببعضها، وترك الأخذ بالبعض الآخر، أو عمل به في نطاق ضيق.
والاجتهاد في هذا النوع من الأدلة لا يتأتى فيها بالزيادة أو النقص، وإنما المستساغ فيها هو مذاهب القدماء، من التفرقة بينها، وأيًا كان فإن الاجتهاد فيها لن يأتي بجديد، حتى يقال : إنه تجديد للفقه القديم.
وصفوة القول: إن أدلة الأحكام بنوعيها - المتفق عليها والمختلف فيها- بعيدة كل البعد عن "مسرح تجديد الفقه" رضينا أم أبينا.
الأحكام الفقهية:
أما بالنسبة للأحكام الفقهية القديمة التي دونت من قبل في عصور الإسلام الأولى، من مئات المصنفات والمجلدات، لجميع المذاهب الفقهية، فهذه الأحكام أنواع كذلك:
- الأول: ما كان دليله قطعي الثبوت كالقرآن وكثير من الأحاديث النبوية، وقطعي الدلالة.
- الثاني: ما كان دليله ظني الثبوت والدلالة معا.
- الثالث: ما كان دليله قطعي الثبوت وظني الدلالة.
- الرابع: ما كان دليله ظني الثبوت قطعي الدلالة.
والنوع الأول يجب عدم المساس به لأنه أقوى الأحكام، والنوع الرابع، وهو ظني الثبوت قطعي الدلالة لا تخضع دلالته كذلك للتجديد.
وإنما يمكن إعادة النظر في الثاني والثالث وكذلك الأحكام التي أجمع عليها علماء الأمة، لا تخضع لإعادة النظر، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا.
وباختصار، فإن إعادة النظر ممكنة في كل ما كان احتماليًا ظنيًا، وهذا مجال الاجتهاد فيه واسع.
فقه العبادات
وفقه العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصيام يجب إبعاده عن إعادة النظر، وخضوعه لمبدأ "تجديد الفقه" ولا إخال الذين ينادون الآن بمبدأ "تجديد الفقه" يقصدون - فيما يقصدون- فقه العبادات، وإنما هم يقصرون دعوتهم على إعادة النظر في " فقه المعاملات " المدنية بمختلف أنواعها.
والواقع أن فقه المعاملات القطعي الدلالة والثبوت أو القطعي الدلالة، أو ما قام عليه إجماع علماء الأمة، هذه الأفرع محصنة شرعا، فلا يجوز إعادة النظر فيها وإخضاعها لمبدأ "تجديد الفقه".
إذن فقد اتضح مما تقدم أن مجال الاجتهاد المقبول الوحيد هو ما كان ظني الدلالة، فهذا من حيث المبدأ يجوز إعادة النظر فيه، وإخضاعه لمبدأ "تجديد الفقه"، ولكن من حيث الواقع والمصير، فإن إعادة النظر فيه قليلة الجدوى. ولماذا؟
لأننا من خلال تجربة عملية ودراسة نموذجية ، وإن كانت قصيرة ، لأحكام الفقه الاجتهادي عند السلف وجدناهم في كل مسألة اجتهادية استوعبوا فيها كل ما يمكن أن يقال، لذلك فإن من العسير على المجتهدين المعاصرين أن يجدوا منفذا يأتون فيه بجديد لم يقله الأقدمون.
فمثلاً قوله تعالى : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" بعضهم فسر القرء بالطهر، وبعضهم فسره بالحيضة الواحدة.. فإذا أعدنا فيها النظر فما الذي سنقوله جديدا في المسألة ؟!
ومثلا آخر، إذا طلقت المرأة من زوجها الغائب مع انقطاع أخباره، وحكم لها القضاء بالتطليق لرفع الضرر عنها ثم تزوجت بآخر، وبعد زواجها عاد زوجها القديم فهي زوجة لمن فيهما؟
بعضهم قال للأول ويفرق بينها وبين الثاني، وبعضهم قال للثاني ولا يُمَكّن منها الأول، وبعضهم قال هي للأول إلا إذا أنجبت من الثاني.
فإذا أعدنا النظر في هذه المسألة، فهل بقي لنا شيء جديد نقوله فيها؟
ومثلا آخر: إذا أكره رجل رجلاً آخر على قتل رجل ثالث فقتله، فعلى من يقع القصاص؟ على المكرِه الذي أمر بالقتل؟ أم على المكرَه الذي قام بالقتل؟
بعضهم قال: يقتص من الاثنين معاً: الآمر بالقتل والقاتل حتى وإن كان فاقد الإرادة، صونا للدماء، وبعضهم قال: يقتص من الآمر لأنه السبب ولا يقتص من القاتل لأنه مكره فاقد الإرادة، وبعضهم قال: لا قصاص على أحد منهما لأن الآمر بالقتل لم يباشر فعل القتل، ولأن القاتل مجبور لا إرادة له.
وبعضهم قال: يقتص من القاتل لأنه هو الذي باشر القتل، وعلى الآمر بالقتل دية الاثنين دية المقتول عدوانا وظلما، ودية المقتول قصاصا..
هذه مسألة اجتهادية لم يرد حكم لها في الكتاب ولا في السنة، وقد استوعب الفقهاء فيها أقسام الحكم العقلي، فإذا أعدنا فيها النظر فما الذي تركوه لنا نقوله فيها يا ترى؟
وهكذا صنع الفقهاء الأقدمون في المسائل الاجتهادية كلها.
إذن فإن إخضاعها لمبدأ "تجديد الفقه" وإن كان ممكنًا نظريًا فإنه لا جدوى فيه عمليًا، والأحرى بالمنادين بتجديد الفقه القديم وإحلال فقه جديد محله، الأحرى بهم أن يرصدوا كل المستجدات وأن يبحثوا لها عن أحكام فقهية مناسبة، بدل أن يصبوا جام غضبهم على جهود علماء كبار أفذاذ ملؤوا الدنيا نوراً وهدى.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 23-01-06, 12:46 AM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
Exclamation كتاب تجديد علم أصول الفقه لأبي الطيب مولود السريري

لدي كتاب يتعلق حول مسألة تجديد علم الأصول للشيخ أبو الطيب مولود السريري ولكن لا أعرف طريقة تنزيله في المنتدى

هل من مساعدة ؟؟؟؟
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 23-01-06, 01:06 AM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
Arrow فهرس كتاب تجديد علم أصول الفقه للسريري السوسي المغربي

مقدمة في النظر

موانع صحة النظر:
  1. الخطأ في تقويم مصادر المعرفة
  2. التحاكم إلى المزاج النفسي
  3. التقليد
  4. الربط بين أمور غير مترابطة في الواقع
  5. الإنحراف عن المأخد
  6. قطع النظر عما يجب أن يعتبر
شروط صحة النظر:
  1. التجرد من الأهواء
  2. إتقان القواعد و حسن تطبيقها
الأسباب أو الوسائل المعمقة و المقوية للنظر :
  1. التخمير
  2. الإخلاء و التأمل
  3. حرقة المعرفة
  4. التلقيح الفكري

الفصل الأول

المبحث الأول : موجبات التجديد في أصو ل الفقه
مقدمة تمهيدية للنقاش

المبحث الثاني : في مناقشة موجبات التجديد
المبحث الثالث : معالم طريق التجديد في أصول الفقه المفترضة
المبح الرابع : في مناقشة التجديد المدكور



و سيأتي الفصل الثاني و الأخير من الكتاب إن شاء الله (غلبني النوم المعدرة)
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 23-01-06, 11:38 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

شكر الله لك أخي الفاضل/ الصديق.

لكن هل تستطيع تنزيل الكتاب كاملا؟
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 23-01-06, 01:39 PM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
Lightbulb

هدا هو سؤالي أخي الكريم لا أعرف كيفية تنزيل هدا الكتاب لأنه لازال عبارة عن أوراق

هل من مساعدة ؟؟؟؟؟؟
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 24-01-06, 09:03 AM
عبدالعزيز بن سعد عبدالعزيز بن سعد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
المشاركات: 402
افتراضي

بعض التنويريين لدينا في الرياض يلهجون بهذه المسألة
وقد كتب أحد عرابيهم وهو المدعو عبدالله بجاد العتيبي بحثا في تجديد أصول الفقه
وبمناقشتهم
لوحظ أنهم يرومون:
إلغاء الاحتجاج بالإجماع لتعذره عندهم
إلغاء الاحتجاج بفهم الصحابة فمن بعدهم ومحاولة قراءة النص =الوحيين، من جديد
إلغاء الاحتجاج بالحديث المخالف للعقل = عقولهم
تقديم المصلحة =(التي يظنونها مصلحة) على النص، لأن الشريعة إنما جاءت لمصالح الناس، وذلك في الأمور الحياتية = الدنيوية.
توسيع الأخذ بالمقاصد الشرعية، ونبذ النصوص المخالفة لفهمهم لتلك المقاصد الشرعية

وعند التطبيق ستبهر لنتائج وخيمة

كفانا الله الرؤوس الجهال الذين إن تركوا ضلوا وأضلوا
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 24-01-06, 09:41 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي وجهة نظر...

كتبت ورقة عملية حول الدراسات الأصولية ضمنتها بعض المقترحات والنظرات في علم الأصول، وسوف أنشرها في هذا المعقل المبارك لاحقا بحول الله.
لكن لعلي أقتطع منها ماله علاقة بموضوع التجديد في الأصول، لارتباطه بهذا الموضوع وجمع المادة والآراء في موطن واحد، فذلك أسهل للنقاش والحوار.


ضرورة التجديد في أصول الفقه.


من المعلوم أن هذا الموضوع له حساسية مفرطة لدى بعض الباحثين، مما يجعلهم يرفضون كل ما يتسم بالتجديد جملة وتفصيلا بموجب وبلا موجب.
وسبب ذلك هو ضبابية هذا المصطلح، وعدم تحريره، وضبط آلياته. كما أن عامة المرددين له والداعين إليه هم من الدخلاء في هذا العلم.
وعلم الأصول من أحوج العلوم إلى التجديد وتنقيته والنهوض به وتحرير مسائله، وأسباب ذلك لا تخفى على الممارسين له. ولعل هذا ما جعل بعض الأيدي تتطاول عليه بحق وبلا حق. والدراسات التي تناولت موضوع التجديد في الأصول، تختلف باختلاف أصحابها وتوجهاتهم ومقاصدهم، وردها بالكلية قد لا يكون سديداً، فقد يصدق الكذوب، ويجود البخيل، غير أنها قد ترشدك وتنبهك على مواطن الخلل أحيانا، فخذ منها ودع، والحكمة ضالة المؤمن.
وهنا أنبه القارئ على أن فكرة التجديد لعلم الأصول ليست وليدة الساعة، ولا مما أفرزته الثقافة الغربية فحسب، وإن كان لها أثر على بعض من يحمل لواءها.
فإن من الأصوليين من كان يشير إلى ما يمكن أن نطلق عليه: تجديد الأصول، وإن كان المصطلح قد تطور وتَعَصْرَنَ، إلا أن أصل فكرة التجديد متفق عليها. فالشاطبي قد جدد وابتكر وغيره كذلك.
انظر مثلاً: مقدمة كتاب: "الغنية في الأصول" لفخر الأئمة منصور بن إسحاق السجستاني (ت:290هـ) - إن صح تاريخ الوفاة - يقول بعد كلام: (..فرغبت في جمع جمل من الفصول تقع بها الهداية والكفاية لطلبة الأصول، وطرحت منها الحواشي والفضول..)
ويقول أبو الحسين البصري (ت:436هـ) كذلك في مقدمة "المعتمد": (فأحببت أن أؤلف كتابا مرتبة أبوابه غير مكررة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام. إذ كان ذلك من علم آخر، لا يجوز خلطه بهذا العلم..).
ويقول السمعاني (ت:489هـ) أيضا في المقدمة: (..ورأيت بعضهم - أي الأصحاب - قد أوغل، وحلل، وداخل. غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل، وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه، بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير، ولا نقير ولا قطمير..).
فهذه النقول تدلك على التزامن بين التأليف والتجديد في هذا العلم، وإن كان متباينا مع التجديد المعاصر، لكنه يؤيد أصل الفكرة.
وهذه الدراسات ينظر إليها من ثلاث زوايا:
الأولى: من حيث الأصل والمبدأ، فإن التجديد من هذه الجهة حتمي وضروري، لا لأن الواقع يفرضه بل لأن الشرع يؤيده ويدعو إليه. وهذا مما لا شك فيه، ولا جدل عليه.
الثانية: من حيث الأصول والمنطلقات التي ينطلق منها، وما تتضمنه وتحمله من المقاصد، ومآربه التي يسعى لتحقيقها.
الثالثة: من جهة الثمرة والنتيجة.
فكل دعوى للتجديد في نظري تقاس بهذا الميزان. فالأول لا جدل فيه، والثاني قد نوافقه في الثمرة، ونخالفه في الأصول والمنطلقات، وهذا أشدها، والثالث عكسه، فقد نخالفه في النتائج ونوافقه في الأصول، وهذا أمره يسير، فقد يؤوب صاحبه بعد البيان له.
وهذه الطريقة تحقق مقصود الإنصاف والعدل مع المخالفين، فليست كل الدعوات التي قامت ودعت إلى التجديد متطابقة في المقاصد والأصول، ومتساوية في النتائج والغايات.
وتجديد علم الأصول لا يكون إلا برجوعه لمصادره الأصلية، وانعتاقه مما خالطه من العلوم الأجنبية عنه، ومصادره اثنان:
1- النصوص الشرعية بفهم السلف.
2- اللغة العربية.
قال القرافي: (والحق أن مسائل أصول الفقه معلومة -كما قال التبريزي- بالاستقراء التام من اللغات..) (العقد المنظوم 1/499)
وما سوى ذلك من الفروع فهو مساعد لضبط الأصول لا ناتج لها.

وقبل طَيِّ هذه الصفحة، أشيد برسالة جامعية تحمل في أثنائها بصمات التجديد الإيجابي، ومواصفات البحث العلمي، وهي بعنوان: "الاستقراء وأثره في القواعد الأصولية والفقهية دراسة نظرية تطبيقية" للطيب السنوسي أحمد. وفقه الله للمزيد.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 27-01-06, 01:55 PM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
Post موجبات التجديد من كتابتجديد علم أصول الفقه للشيخ أبي الطيب مولود السريري السوسي

من كتاب تجديد علم أصول الفقه للشيخ أبي الطيب مولود السريري السوسي

(....فإن لدين الإسلام معالم و منائر يستهدى بها إلى الوصول للحق المبين و يسترشدبها في الفتن المظلمة و في كل الأحوال إلى طرق النجاة و اليقين ،و لشريعته قواعد و ضوابط قرت على أساس صلب ،وشيدت على ثوابت عقلية و شرعية تزول الراسيات و لاتزول ، ثلجت بدلك صدور المؤمنين ..........
....... و أما التجديد في أمور الدين فهو يلزم جريانه إلى يوم الدين ، في شؤون الفقه و أصوله و غيرها.
و التجديد المقصود هنا هو رد الجدة إلى الأمر المجدد ،لا غير ،ومن رام أنيصرف معنى التجديد إلى التغيير ، فهو إما كائد للإسلام متلبس بحال الناصحين ، أوجاهل لا معرفة له بحقيقة ال‘سلام ،ولا بشريعته.

..................

المبحث الاول : في موجبات التجديد في أصول الفقه.

لقد فشا الحديث في زماننا هدا عن وجوب قيام (الفقهاء المجددين) من دوي الإهتمام بالنظر في العلوم الشرعية بثورة على (الفقهاء التقليديين) ،و على المناهج الأصلية القديمة الموضوعة في دراسة الفقه /و أصول الفقه ، و كل ما تبنى عليه الأحكام الفقهية ، أو تبنى منه، أو تؤخد به من كل ما هو ضابط في موضوعه الدي خص به ، و مضبوط بأسسه ،مقعد -في هدا الشأن- بالعقل البشري.

و قد استند هؤلاء الدين يدعون إلى هدا الامر إلى أمور منها: (باختصار وهده العبارة من كلامي)


****أن الفقهاء قد استغلوا أمر النظر في الامور الشرعية ، إد انفردوا به مند الزمان الأول الدي ظهر فيه علم الفقه ، فانفردوا ببحثه و بحث نصوصه وقواعده وتحديد معاني الألفاظ الشرعية ، ووضع قواعد الإجتهاد التي يرجع إليها عند إجراء النظر الإجتهادي المتشوف به إلى أخد الحكم الفقهي من مظانه ، و مآخده ، و كدا وضع شروط الإجتهاد ، ومنهج تفسير النصوص الدينية.

.......و لا يجوز لهم ، لأنه غصب لحق عام فالنظر في نصوص الدين و إعمال الفكر فيها لفهمها ، و أخد الأحكام منها حق لكل فرد من أفراد الامة ، كيفما كان ، و كيفما كانت درجته في معرفة العلوم الشرعية ، و بناءا على هدا الإعتبار فإن هؤلاء الفقهاء غاصبون لحق الأمة ، إد استبدوا بالسلطة الدينية بغير حق : ثم سعوا في منع الناس من حقهم دلك بوضعهم لشروط الإجتهاد و ضوابطه و مسالكه بطريقة يعتاص على كثير من أهل العلم بله العوم أن يصلوا إلى الدرجة المطلوبة فيها ، و التي ينعت المرء فيها بأنه مجتهد.......


****أن هؤلاء الفقهاء ....أهل جمود ،إد هم عاكفون على قواعد بالية ،و لا يتجاوزون مقتضاها ،و لايلتفتون إلى ماسواها ، إد لايعلمون غيرها مما ينبغي عليهم أن يعلموه ....و الدي زاد قتامة أمرهم أنهم يصدون كل من أراد أن يجتهد عل غير طريقتهم ، و ينسبونه إلى الزيغ و الضلالة و دلك لجهلهم و قلة فهمهم لأمور الدين على حقيقتها .


****أن ما يستند إليه من القواعد و الضوابط في استنباط الاحكام الفقهية من الكتاب و السنة هي قواعد و ضوابط قد خلقت و بليت ، عفا عليها الزمان ، و بدلك فهي غير صالحة لأنها فقدت شرطا من شروط صحتها و هي ملاءمة الزمان و أهله ..........


****أن طريقة استثمار النصوص من الفقهاء و الأصوليين في استنباط الأحكام -يقولون- إنها عقيمة ، بل تبلد الحس و تجمد الفكر ، و تقصر المدركات الشرعية .......


****أن الأخد بظواهر النصوص مقتصرا عليها يصد عن الإنتفاع و الأخد بالمقاصد و الحكم الكامنة في تلك النصوص و جعلها في الإعتبار أولى من الأحكام الفقهية التي ليست إلا وسائل لتلك الحكم و المقاصد ، و هدا أمر يحرمنا من خير كثير ، و علم غزير ، و فضل عظيم جاء به ديننا الحنيف.


****أن الاجتهاد الدي بنى الفقهاء أمره على قاعدة (سد الذرائع) إذ شرطوا في قيامه بالمرء شروطا قصد بها منع ذوي الضعف العلمي من ادعائه ،يجب أن يعاد النظر في أمره بحيث تزال تلك الشروط التي لايتوقف عليها أمر الإجتهاد عليها.



****أن المقولة التي متضمنها أن الوحي (الكتاب و السنة) شامل لجميع الأحكام الشرعية التي يحتاج الناس في جميع شؤونهم إليها على مر العصور و الأزمان دل واقع الحال على أنها غير صحيحة و بناء عليه فإن الإجتهاد أمر ضروري في كل زمان ،و خلو أي زمان منه دليل على وجود الجمود الفكري و الفقهي و ذلك الزمان.


****أن القياس استعمل في غير موضعه ، إذ استعمل في مسائل الإمام و شؤون الإمام (الحاكم) ، و معنى أهل الحل و العقد و الشورى و ما شابه ذلك مما لا علاقة له بموضوع الحكم فكان ما أفضى إليه شرعا الظلم و الطغيان و فساد الحاكم ، و قهره رعيته ، و استخفافه بشأنها استخفافا عزله نظير أو قل.



****أن الاجتهاد يجب أن يكون أمرا يتصف به كل واحد من المسلمين ، بحيث يجتهد كل واحد منهم على قدره العلمي ، و يتحمل نصيبه من النظر ،و نصيبه منه هو القدر الذي يتحقق به من صحة ما يفتى له به ، و ذلك يحصل باستفراغه جهده في البحث عن الذي يتوصل به إلى ذلك من أمور.



****أن منهج أصول الفقه ،الذي ورثه المسلمون لايفنى بالمطلوب به لأنه أنشئ بعيدا عن واقع الحياة العامة .......وهو لايتفق مع أحوال المسلمين اليوم.



****أن الفقه القديم مبني على علم قليل بطبائع الأشياء ، و الحقائق الكونية ،و قوانين الإجتماع , وهو ماكان ممكنا للمسلمين إدراكه في ذلك الزمان ، أما اليوم فإن الجميع يعرف ما عليه أمر الدنيا من ازدهار و توسع في العلوم المختلفة ، وهو مايلزم بسببه مراجعة أمر الفقه الإسلامي ، و بنائه من جديد على أسس ما توفر في هذا الزمان مما سبق ذكره .



****أن القياس الفقهي القديم ضيق ، لأنه مضبوط بضوابط ، و موقوف حصوله على شروط ، تغل النظر ، وهو ما لا يتحقق به الوصول إلى الاجتهادالمطلوب في هذا العصر ، و بناء عليه فإنه من اللازم توسيع أمر القياس ذاك بإزالة ما يضيقه.



****أن علوما جديدة ظهرت ينبغي إدخالها في العلوم التي يتكون منها علم أصول الفقه ، و يعمل بها في داخله ، من تلك العلوم ،علم الاجتماع ، و علم الطبيعيات ، وما كان مثلها في إرشاد الفقيه المجتهد إلى إدراك الصواب في تصور موضوع اجتهاده تصورا تاما ..........



****أن بعض الاصول الفقهية التي ما منح لها اهتمام كبير ، يجب أن يعاد النظر فيها للاعتماد عليها في استنباط الأحكام الفقهية للوقائع المستجدة ، إذ بدا أنها أصول خصبة مثمرة .


.................................................. ...........)))


هذا ما استطعت نقله باختصار من الكتاب و هو كما لاحظتم أن الشيخ حدد أهم النقاط التي يبني عليها دعاة التجديد أو بعبارة أوضح دعاة التغيير نداءاتهم .
و سيأتي إن شاء في المبحث الثاني مناقشة هذه الموجبات و نقدها من نفس الكتاب
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 27-01-06, 05:18 PM
أبو مالك العوضي أبو مالك العوضي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-05
المشاركات: 7,707
افتراضي

كلمة (تجديد) من الكلمات التي يعتريها الغموض في معناها، وهذا الغموض يفتح المجال لذوي الأغراض أن يدخلوا ما يشاءون من دسائسهم متخفين تحت ستار هذه الكلمة.

ولذلك لا بد من دراسة هذه الكلمة وتبيين معناها وتوضيح المراد منها أولا قبل مناقشة ما يندرج تحتها

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )).

فما المقصود بالتجديد في هذا الحديث؟

المقصود إحياء ما درس من أعلام السنن، وإرجاع الناس لصحيح الدين وسليم العقيدة بما عليه سلف الأمة.

فالتجديد بهذا المعنى مطلوب شرعا ولا يختلف فيه.

وفي هذا المعنى ما جاء عن بعض السلف: ... وعليكم بالعتيق

---------------------------------------------------

وقد يكون التجديد بمعنى إعادة الصياغة وتغيير الترتيب، وتعديل الأبواب وعنوانات المسائل

فهو بهذا المعنى أمر شكلي لا إشكال فيه لأنه يندرج تحت القاعدة العامة (لا مشاحة في الاصطلاح)

وإذا تصفحنا حال علمائنا في التصنيف في أصول الفقه نجد عندهم أمثال ذلك.

فعلم الأصول بدأ كما هو معلوم بتصنيف الإمام الشافعي لرسالته، ولم تكن بالترتيب المعروف عند متأخري الأصوليين.

ثم تبعه العلماء في التصنيف يزيدون في مباحثه، ويحررون مسائله.

ثم أدخل فيه بعضهم مسائل كثيرة من علوم اللغة

ثم أدخل فيه بعضهم مسائل كثيرة من علوم الكلام

ثم بدأ بعضهم يقسمه إلى طريقتين: طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين

إلخ إلخ!!!

فالخلاصة أن التجديد بهذا المعنى هو شأن علمائنا منذ القدم وليس فيه ابتداع

--------------------------------------

ولكن التجديد الذي يعنيه كثير من المعاصرين هو في حقيقة الأمر طرح ونبذ للدين بأكمله، فهو ليس تجديدا لعلم الأصول، بل هو تجديد وتكييف لجل أمور الشرع بحيث توافق أهواءهم.

وهذا الأمر يناقض معنى علم الأصول أصلا

فعلم الأصول في مفهومه العام مبني على استقراء الفروع واستنباط الأصول منها.

ولكن واقع هؤلاء أنهم يفرضون ما يشاءون من بدع ويحاولون جمع الفروع التي تطابق أصولهم.

والله المستعان!!
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 27-01-06, 07:01 PM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
Post مقدمة تمهيدية

(تتمة من نفس الكتاب )


مقدمة تمهيدية
للنقاش
قبل مناقشة هذا الذي مضى ذكره يجب إبانة مابين دعاة التجديد في هذا الذي نحن فيه من فرق أو فروق، إذ هم ليسوا على سنن واحد ، فمرام بعضهم على ما يظهر الإصلاح ، و مرام الآخر الإفساد و الفساد، و بذلك فهم على صنفين :

الأول : أهل الإصلاح الذين يتشوفون إلى إعادة الجدة إلى فن الفقه الإسلامي و أصوله بإيقاظ الهمم ، و تسليطها على بحث مسائل هذين الفنين ، ووجوه النظر و الإستدلال فيهما،وبذل قصارى الجهد بالأساليب المفضية إلى استنباط أحكام الوقائع بالتفصيل ،و الإلتفات إلى أمور استجدت يخيل لذي النظر في أمر الإجتهاد و بناء الفروع على الأصول أنها إذا اقترن إعمال النظر في القضايا الفقهية الاجتهادية بمعرفتها و الاطلاع على ما انطوت عليها من معلومات ، سيهتدى بها إلى إدراك المطلوب –وهو الحكم الفقهي- بتمام نظر ، وكمال تصور.

و ماكان التجديد في أمر الفقه و أصوله أمرا بدعا ، و لاشيئا غريبا في دين الاسلام ، إذ ليس أمر التجديد فيها إلا جزءا من تجديد الدين الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم نفسه أنه جار مستمر تتواصل وقوعه ، و يظهر في وقته.

ونص ماذكره عليه الصلاة و السلام -: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد أمر دينها ". و هذا الحديث أصل في هذا الموضوع ، و دليل لا يبقي في نفس المؤمن ما يخالطها أو يمكن أي يخالطها من ريبة و شك في هذا الأمر .

.........و بذلك تجد بعض المذاهب –كمذهب مالك- تحتوي على أغلب ما في المذاهب الأخرى من أقوال ، فهذا المذهب (مذهب الإمام مالك) يضم من أقوال الأئمة المالكية المختلفة ما به يظهر كأنه قد استوعب ما في المذاهب الفقهية الأخرى من آراء إلا قليلا منها و ما حصل هذا إلا بسبب اجتهاد العلماء الذين ينضوون تحت هذا المذهب ، فإن استبان لهم رجحان حكم فقهي ما ، أخذوا به ، و اختاروه ، ثم أودعوه في كتبهم ، و فتاويهم ، و صار رأيا فقهيا داخل المدهب و إن خالف أصوله (أصول ذلك المذهب).

و ما أمر ابن رشد الفقيه و اللخمي و المازري و سحنون و ابن بشير و ابن عرفة و البرزلي،و القاضي عبد الوهاب و القاضي إسماعيل و القرافي و الإبياري ، وابن الشاط و ابن البناء ،و الحطاب و ابن عبد البر و غيرهم ممن يطول ذكرهم في شأن التجديد بأمر يخفى على كل من نظر في كتب الفقه المالكي ، و إن كان ذلك لا يرتقي إلى درجة التجديد العام المطلق ، الذي تشرئب إليه النفوس .

و إذا أجريت نظرك في أصول الفقه و تأملت الأطوار التي تقلب فيها ، و العقول التي تمد بحره بنتاجها ألفيت أن تلك العقول منثورة على طول الأرض و عرضها ..........................

ومن رام التفصيل في هذا الأمر ، فليقف على جنى أعلام هذا الفن بادئا بالإمام الشافعي ثم الصيرفي ثم الباقلاني ، و القاضي عبد الجبار ، ثم أبو عبد الله البصري ، ثم ابو الحسين البصري ، ثم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، ثم الصيمري ، ثم ابن عقيل الحنبلي ، و ابن قدامة ، ثم السبكي ، و ابن تيمية ، ثم ابن القيم و قبلهم ابن حزم ، و إمام الحرمين ، ثم الأبياري المالكي ، ثم القرافي ، و الأصفهاني ، و الرازي ، ثم ابن الحاجب ، ثم التفتازاني ....(لم أرتبهم على حسب عصورهم ، و إنما أوردتهم على حسب التذكر) ، إلى أن تصل إلى عصرنا.


و أما من ادعى أن هؤلاء مجترون نتاج من سبقهم ، فإنه مفتر الكذب ، خلو من التحصيل ، لا اطلاع عنده بما حوته مؤلفات هؤلاء الأعلام من المسائل التي استنبطوها ، و النظريات التي أبدعوها في حل ما اعتاص من أمور في هذا الفن العظيم . و ما عمل ابن حزم و ابن عبد السلام و إمام الحرمين و القرافي ومن شابههم في هذا الامر بالذي يخفى على من نظر في هذا العلم .

و أحوال الزمان و الناس هي التي تثير في نفوس أهل العلم ما يغريهم على التصدي لما يظنون أنه يؤدي إلى الإصلاح و الصلاح للأحوال و القلوب.

و ما أظن دعاة الاصلاح في زماننا إلا مثل من سبقهم من حيث أسباب الإثارة ، و الإيقاظ من سنة الغفلة و البحث عما تصلح به الأحوال، في هذا العصر الذي نحن فيه، و هو عص اشتد فيه الصراع بين الثقافات ، و أصبح زوال كل ثقافة رخوة لا صلابة فيها أمرا منتظرا فاشتد الكرب على نفوس المؤمنين خوفا على المقدسات ..........


و عليه ، فإنه لا بد من السعي إلى جعل عيون الفكر الإسلامي ثرة ، ومن بذل الجهد في إبراز الأساليب الشرعية المفضية إلى استنباط الأحكام الفقهية من كتاب الله تعالى و سنة النبي صلى الله عليه و سلم على وجه دقيق و شامل.

و كل تجديد قصد به صيانة ثغور المسلمين و حفظها من إغارة الأعداء برجلهم و خيلهم عليها فهو أمر محمود ، بل واجب شرعي.

ومن هنا فإن ما كتبه الدكتور طه جابر العلواني في هذا الشأن و الذي تضمنه كتابه " إصلاح الفكر الإسلامي" جدير بالإعتبار و الاهتمام .

و أما ما أورده الدكتور حسن الترابي في كتابه " تجديد الفكر الإسلامي" فإن فيه ما هو جدير بالتأمل و التناقش ، و إن كان هو فيه منظرا لا يتقيد بواقع و طبيعة الموضوع الذي يتحدث عنه ، و متأثرا بالثقافة الغربية و مناهجها .

و أما مايدعو إليه بعض هؤلاء –كالدكتور أحمد الريسوني- من توسيع مباحث المقاصد ، و إعادة النظر في حصر المقاصد الضرورية في الخمس المشهورة ، و غير ذلك مما يشبه ما ذكر، كدعوة الدكتور طه عبد الرحمن إلى تقسيم جديد للمصالح ، بعد صبغها بصبغة أخلاقية ، و هو مايفضي – كما قال – إ لى تكاثر القيم ، فإنه لا يعدو أن يكون دعوات ، بعضها لا علاقة له بتجديد أصول الفقه و لا بأمر الاجهاد ، و بذلك فهو من باب الترف الفكري ، و بعضها يرتبط بالفقه و أصوله ، لكن كيف يمكن جعله من مسائل هذا العلم ينتفع به فيه ؟؟ ، هذا ما يحتاج إلى بحث و بيان .


الصنف الثاني :

أهل الإفساد الذين يجهدون أنفسهم في صرف أمة الإسلام عن دينها ، و قطع الصلة و التواصل فكريا و ثقافة بين خلف هذه الأمة و سلفها الصالح ، و الفصل بينهما عقيدة و سلوكا.
.......................

فدخلوا من ثغر الاجتهاد ، و تلبسوا بحالة باذلي الجهد في استنباط الاحكام الفقهية من مصادرها و تمويها على الأغرار .................و ضعاف القلوب و سموا عملهم القرمطي هذا بالتجديد ،و مسايرة للتطور ، و عملا بما يتفق مع روح العصر و حقوق الإنسان ، و المواثيق الدولية ، و غير ذلك من العبارات التي و ضعها الغربيون اللادينيون على و فق عقيدتهم لأمور لا تتفق أغلبها مع الإسلام ...........

إن هؤلاء أولاد علة ،لكن يجمع بينهم تخريب الدين، هم شيع شرذمة منهم لقبوا أنفسهم "بأهل القرآن" و طائفة منهم لم يضعوا شعارا و لا لقبا يتسرون به، لكن ما ينضحون به من أفكار و ما يفوهون به من كلام يبدي حالة نظامهم الفكري و النفسي يرشد إلى أنهم من الشيوعيين الذين ارتدوا عن أفكارهم في الظاهر ، و تمسكوا بها في الباطن ، تخلفوا عن ركبهم ، و مصير ركبهم معروف ، أنه من خبر كان ، لكن هؤلاء تخلفوا ثم اندسوا في طوائف من الناس، فمنهم من انتقى حشر أنفه في أمور الدين ، و منهم من ظفر بمقام حسن في مجالس دعاة الإنشقاق و الشقاق بين المسلمين منهم طوائف و جحافل ،و جدوا في هذا الأمر ما يمكنهم من بفويق السهام إلى الدين .....

و لا أدعي عموم هذه الأوصاف و هذا الحكم لكل من سلك هذا المسلك في مجاري نظره في هذا الموضوع ، إذ يوجد قوم موصوفون بسلامة الصدور يبتدرون هذه الأفكار اغترارا بحس مظاهرها و جهلا منهم بحقيقة أمرها ، بهرهم أنها تتضمن مطالب الإنسان الدنيوية و البدنية، و نسوا أنها تناقض مصالح الآخرة ، و أن تقديس غير كلام الله و أحكامه مناقض لدين التوحيد..........
انتهى كلام الشيخ


تابعوا معنا إن شاء الله.........................................
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 28-01-06, 03:37 PM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
Post

تتمة الموضوع في المرفقات على شكل Image JPEG
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 28-01-06, 04:21 PM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
Post

تابعوا معنا تتمة الكتاب ........................
الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	1.jpg‏
المشاهدات:	272
الحجـــم:	240.3 كيلوبايت
الرقم:	34661   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	2.jpg‏
المشاهدات:	193
الحجـــم:	487.0 كيلوبايت
الرقم:	34662   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	3.jpg‏
المشاهدات:	193
الحجـــم:	635.2 كيلوبايت
الرقم:	34663   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	4.jpg‏
المشاهدات:	219
الحجـــم:	206.2 كيلوبايت
الرقم:	34664   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	5.jpg‏
المشاهدات:	183
الحجـــم:	193.0 كيلوبايت
الرقم:	34665  
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 29-01-06, 01:40 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

أخي الفاضل/ الصديق. شكر الله لك هذا الجهد ووفقك وسددك

تابع أعانك الله.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 29-01-06, 07:00 PM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
Post

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوحاتم
أخي الفاضل/ الصديق. شكر الله لك هذا الجهد ووفقك وسددك

تابع أعانك الله.

والله يا أخي أبو حاتم ، لسان الشكر ليضفي على القلب قوة و نشاطا و لله الحمد، بارك الله فيك و أحسن الله إليك ، أما عن الجهد فلم أقم إلا بنقل كلام الشيخ السريري من كتابه فقط .

فلنتابع إذن ، و هذه تتمة الفقرة السالفة في مناقشة موجبات التجديد في أصول الفقه
الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	6.jpg‏
المشاهدات:	282
الحجـــم:	248.6 كيلوبايت
الرقم:	34700   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	7.jpg‏
المشاهدات:	238
الحجـــم:	286.6 كيلوبايت
الرقم:	34701   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	8.jpg‏
المشاهدات:	256
الحجـــم:	251.9 كيلوبايت
الرقم:	34702   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	9.jpg‏
المشاهدات:	265
الحجـــم:	219.2 كيلوبايت
الرقم:	34703  
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 31-01-06, 03:24 PM
الصديق الصديق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-06
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 51
افتراضي

.....................
الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	10.jpg‏
المشاهدات:	296
الحجـــم:	173.0 كيلوبايت
الرقم:	34843   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	11.jpg‏
المشاهدات:	189
الحجـــم:	200.1 كيلوبايت
الرقم:	34844   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	12.jpg‏
المشاهدات:	179
الحجـــم:	201.2 كيلوبايت
الرقم:	34845   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	13.jpg‏
المشاهدات:	174
الحجـــم:	209.3 كيلوبايت
الرقم:	34846   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	14.jpg‏
المشاهدات:	184
الحجـــم:	225.9 كيلوبايت
الرقم:	34847  
__________________

اتبع الحق و لا تستوحش قلة أهله
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 03-08-07, 11:51 AM
الدكتور صالح محمد النعيمي الدكتور صالح محمد النعيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-03-07
المشاركات: 310
افتراضي

بوركتم جميعا
__________________
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) .................

الــدكتور صــالــح النــعيـمـي
smm_snn@yaooh.com او smm_snn@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 03-08-07, 11:51 AM
الدكتور صالح محمد النعيمي الدكتور صالح محمد النعيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-03-07
المشاركات: 310
افتراضي

علما ان الرايط لا يعمل
__________________
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) .................

الــدكتور صــالــح النــعيـمـي
smm_snn@yaooh.com او smm_snn@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #41  
قديم 03-08-07, 11:52 AM
الدكتور صالح محمد النعيمي الدكتور صالح محمد النعيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-03-07
المشاركات: 310
افتراضي

مع الشكر والامتنان ............. واحسن الله للجميع
__________________
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) .................

الــدكتور صــالــح النــعيـمـي
smm_snn@yaooh.com او smm_snn@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 05-08-07, 12:55 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

مما له صلة بما سبق البحث التالي:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...DD%E5%E6%E3%E5
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 20-01-10, 08:30 PM
ام صفاء ام صفاء غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-07
الدولة: المغرب
المشاركات: 101
افتراضي رد: رسالة هزاع الحوالي في تجديد أصول الفقه

انا من المتابعين لهذا الموضوع كثيرا وقد جمعت فيه الشيء الكثير ولله الحمد.
السلام عليكم ورحمة الله
ارجو من فضيلتكم امدادي بما تجودون به علي من أبحاث في موضوع التجديد في علم الاصول، فانا جد مهتمة بالاطلاع على كتابات المحققين في هذا المجال، وجزاكم الله تعالى الجنة.
__________________
أستاذة بكلية الشريعة ـ جامعة القرويين ـ فاس ـ
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 21-01-10, 12:05 AM
ام صفاء ام صفاء غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-07
الدولة: المغرب
المشاركات: 101
افتراضي رد: رسالة هزاع الحوالي في تجديد أصول الفقه

انا من المتابعين لهذا الموضوع كثيرا وقد جمعت فيه الشيء الكثير ولله الحمد. _ عبارة الاخ كرم أعلاه_
السلام عليكم ورحمة الله
ارجو من فضيلتكم امدادي بما تجودون به علي من أبحاث في موضوع التجديد في علم الاصول، فانا جد مهتمة بالاطلاع على كتابات المحققين في هذا المجال، وجزاكم الله تعالى الجنة.
__________________
أستاذة بكلية الشريعة ـ جامعة القرويين ـ فاس ـ
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 08-08-10, 01:58 AM
العويشز العويشز غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-03
المشاركات: 547
افتراضي رد: مفهوم التجديد في أصول الفقه ...؟!

من مقال(ماهي منجزات الصحوة؟) للشيخ إبراهيم السكران:
ومن أوائل الأطروحات التغريبية للاسلام التي واجهت الصحوة في السعودية أطروحات الترابي وهو يستمد سنده المعنوي بناء على تجربة سياسية نجحت مؤقتاً، وكانت أطروحاته تلك الأيام عن أصول الفقه مربكة، حتى أن أحد الفضلاء (وهو الآن خارج المنظومة الدعوية) ألقى محاضرة في الرياض عن تجديد أصول الفقه كانت إعادة عرض لأفكار الترابي (فكرة الاجماع الواسع، نفي السنة، اجتهاد العوام، العقل، رأي ولي الأمر، الخ).
فشعر الشيخ سفر الحوالي بأن أصول أهل السنة مهددة، فألقى بعدها بزمن يسير في الرياض محاضرة بعنوان (العلمانية في طورها الجديد) وقد شعر كثير من المراقبين بالربط بين الحدثين، حتى أن الشيخ احتاج لاحقاً أن ينفي ذلك وقال في درس له بعد ذلك (ولقد تعرضت في محاضرة سابقة كان عنوانها العلمانية في طورها الجديد لهذا الاتجاه ولخطره، ففهمت على أننا نتعرض لبعض الدعاة، سبحان الله! يا قوم أنتم في وادٍ ونحن في واد) وبين أن المسألة ليست في أشخاص ولكنها في اتجاه بدأ يتنامى، وقد صدق حدس الشيخ شفاه الله، فإن إعادة تعليب المفاهيم العلمانية المادية في ثياب إسلامية صار سلعة رائجة الآن!
__________________
رد مع اقتباس
  #46  
قديم 10-08-10, 10:19 PM
محمد الهذلي محمد الهذلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
المشاركات: 84
افتراضي رد: مفهوم التجديد في أصول الفقه ...؟!

لـــعل في هــذا الكــتاب فـــائدة كبيـــرة بخصوص هذا المـــوضوع ..
( بـــدعة إعادة فـــهم النص ) لفضيلة الشيخ ( محمد صالح المنجد )
http://www.saaid.net/book/open.php?cat=83&book=7096
__________________
أتشرف بزيارتك لمدونتي عبر الرابط التالي:
http://alsolime.wordpress.com
رد مع اقتباس
  #47  
قديم 12-08-10, 01:44 AM
محمد الهذلي محمد الهذلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
المشاركات: 84
افتراضي رد: مفهوم التجديد في أصول الفقه ...؟!

- من موقع : مجلة القضايا الفقهية المعاصرة ..
___________________________________________
التجديد في علم أصول الفقه

دراسة أصولية معاصرة على ضوء الكتاب والسنة

الدكتور- عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس
مقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الولي الحميد، أحمده تعالى وهو المستحق للتمجيد، وأشكره وهو الواسع المجيد، وأصلي وأسلم على نبيه محمد سيد العبيد المبعوث برسالة التوحيد وشريعة التأصيل والتجديد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والتأييد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من فضل الله عز وجل على عباده أن بعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل النساء: 165 . وقد ختم الله الرسالات السماوية بشريعة نبينا محمد التي تميزت بخصائص الشمول والكمال والخلود والصلاحية لكل زمان ومكان، مما يمكنها من وضع الحلول الناجعة لكل الأدواء والمشكلات، ومواجهة التحديات وتغير الظروف والأحوال، ومواكبة التطورات والمستجدات المتسارعة، والنوازل والمتغيرات المتعاقبة.
وحيث إن من سنة الله عز وجل وجود الصراع بين الحق والباطل فقد اقتضت حكمته -تبارك وتعالى- أن يهيئ لهذا الدين من يقوم به وينافح عنه، ويجدد ما اندرس من معالمه، لاسيما مع تقادم الزمان وبعد البشرية عن مشكاة النبوة وأنوار الرسالة، مصداقًا لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"(1)، ولذلك ازدان عقد التاريخ عبر أحقابه المتلاحقة بكوكبة من المجددين من العلماء الربانيين الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وقد كانت مهمة هؤلاء المجددين منحصرة في إزالة كل ما علق بالدين من مظاهر المخالفات التي غيرت رونقه وبهاءه، وإعادة الناس إلى ما كانت عليه القرون المفضلة، والعودة بالدين وأصوله، ومناهج الاستدلال والاستنباط، فيه غضة طرية كما أنزلها الله وأوحاها إلى رسوله ، غير أن هذا المسلك الوضاء، والجانب المشرق اللألاء من التجديد قابله جانب آخر كالح يمتطي أصحابه صهوة التجديد، ولكنهم يسعون في الخراب والتفسيد، ويرفعون شعار الإصلاح، وهم يرومون الفساد والإقباح، في هدمٍ لأصول الدين، ونقضٍ لأسس الملة، ومساسٍ بثوابت الأمة، ونيلٍ من مثلها وقيمها، والمستقرئ للتاريخ يجد أن الانحراف عن هذا الدين القويم أخذ مسالك متعددة، وطرائق قدداً كلها يرى أصحابها أنهم مجددون مصلحون، ولاغرو فقد زعم المنافقون أنهم أرباب إصلاح، قال تعالى عنهم: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون البقرة: 11 . كما أن المتأمل في أسباب الانحراف يرى أن من أكبرها التأويل والتحريف للنصوص، ولي أعناقها وتطويعها للأهواء ، وجعل العقل حكمًا على النقل ، ولله در العلامة ابن القيم - رحمه الله - حيث يقول :
هذا وأصل بلية الإسلام تأويل ذي التحريف والبطلان
وتمر القرون وتتابع الأعصار والسنون، وتصاب هذه الأمة - في عصرنا الحاضر- بألوان من التحديات ، تعد هي الأخطر عبر تاريخ هذه الأمة الغابر ، ولعل أشدها ضراوة وأعتاها كيدًا تلك الحروب الفكرية التي ترمي إلى فرض أنماط ثقافية ، ومفاهيم ومصطلحات غير شرعية في المجتمعات الإسلامية ، وتكمن الخطورة حينما يتولى كبر ذلك بعض أبناء المسلمين ، ومن هم من بني جلدتهم ، ويتكلمون بلغتهم، ممن اهتزت ثقتهم بدينهم، وانبهروا أمام بهرج حضارة أعدائهم ، وسقطوا صرعى أمام طوفان غزوهم ، وبريق مدنيتهم الزائفة، وكان شعار "التجديد" والتحديث والعصرنة سلاحًا يرفعونه للوصول إلى مآربهم المشبوهة، التي تجتاح في طريقها مسلّمات الأمة وثوابتها ، وتطيح بأصول الشريعة وقطعياتها .
ومع شديد الأسى والأسف أن هذه الشعارات البراقة قد امتد تأثيرها إلى أفكار بعض المنتسبين للدعوة والفكر الإسلامي والمهتمين بعلوم الشريعة ، فخدعوا بها وظنوا أنهم بمثل هذه الدعوات يظهرون سماحة الدين ويسر الشريعة ومحاسن الإسلام لدى الآخرين، ولكنهم ضيّعوا الأمرين، فلا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، وتلك عاقبة كل من حاد عن فهم الإسلام على ضوء ما فهمه خيار هذه الأمة - رضي الله عنهم ورحمهم .
وقد اكتسحت دعاوى التجديد العلوم الشرعية والمعارف والفنون الإسلامية ، فأصبحت ترى وتسمع من يطالب بالتجديد في علوم العقيدة والسنة والفقه والأصول والتفسير والسيرة واللغة وغيرها، وهي دعاوى تعرف منها وتنكر، فقد تمس الأساس والجوهر والأصول والقطعيات ولا ريب أنها حينئذٍ ممنوعة، وقد لا يعدو التجديد في الوسائل والأساليب والأشكال والصياغة، فالخطب فيه يسير بل قد يكون مطلوبًا للوصول إلى مقاصد شرعية معتبرة من درء مفسدة راجحة ، أو تحقيق مصلحة غالبة.
ومن أشهر العلوم الشرعية التي طالتها أيدي أدعياء التجديد: علم أصول الفقه، ذلك العلم الذي يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، فقد امتدت يد التجديد إليه ما بين مشروع وممنوع، فأما الأول فيقتضي تجريد علم الأصول من الإغراق في المباحث الكلامية والمسائل الجدلية، وتدعيم قواعده بصحيح النقل والأثر وإبراز علم المقاصد الشرعية ، وإعادة عرضه بما يسهل فهمه ويبعده عن الغموض والجمود والجفاف والتعقيد، والتركيز على كثرة الأمثلة والتطبيقات، وربط الفروع بالأصول، وما تجديد شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي في هذا العلم إلا نموذج يحتذى في التجديد المشروع، الذي يتطلع إليه كل محب لهذا العلم متشوف للإفادة منه ، لاسيما في حل المشكلات المعاصرة ، وإبراز الحكم الشرعي في المستجدات والمتغيرات والنوازل الحاضرة .
وأما الآخر: فهو التجديد الممنوع الذي يرمي إلى تخطي النصوص، وتجاوز الأحكام والإطاحة بالقطعيات، والنسف للمسلّمات، والتغيير في الأصول والكليات ، والطعن في القواعد المحكمات .
وإنك لسامع هذه الأطروحات في هذا العصر تجتاح كثيرًا من الكتب والصحف والمجلات والمنتديات والساحات ، لاسيما مع ثورة التقانات وتدفق شبكات المعلومات ، وقد استغل كثير ممن في قلوبهم مرض هذا الجو المربد ، والماء العكر ، فحاولوا الاصطياد فيه طعنًا في هذا الدين ، ونيلاً من علمائه، ووقيعة في دعاته وصلحائه، مما زاد الفجوة وعمق الهوة، وترك آثارًا بالغة ونتائج خطرة على المجتمعات الإسلامية ، وأسهم في إيجاد سلوكيات خاطئة بين إفراط وتفريط في غياب عن المنهج الصحيح والمسلك النيّر الصريح.
ومع شدة الهجمات وخطورة التحديات فإن ممّا يؤرق الغيور ما يلمسه من الفتور في التصدي لعلاج هذه الظواهر الخطيرة ، لذلك أصبح لزامًا على علماء الشريعة وطلاب العلم وشداته ، لاسيما المتخصصون في علم أصول الفقه أن يبذلوا جهودهم في العمل على الحد من التردي في هذا الفكر المنحرف، وأن يتصدوا لكل الأطروحات التي تمس دينهم وفقههم ، لاسيما أصوله وقواعده معالجين لكل الأدواء والظواهر الخطيرة بالأسلوب العلمي الرصين، والطرح المؤصل الرزين ، في بعد عن الأسلوب العاطفي ، والتلاسن والتراشق الكلامي الذي يبعد النجعة ، ويعمق الشقّة ؛ لأن الهدف إقامة الحجّة وبراءة الذمّة .
وانطلاقًا مما أخذ على عواتق طلاب العلم من بيان الحق ، والحذر من كتمانه ومشاركةً في الدفاع عن هذا الدين أصوله وفروعه ، ورد الأخطار المحدقة به ، وحرصًا في تجلية الحق في دعاوى التجديد بين الصحيح منها والمنحرف ، وبيان حقيقته، ومجالاته، ومناهجه، والموقف الحق منه على ضوء الكتاب والسنة ، وفهم سلف الأمة، ولقلة الأبحاث والكتابات بل ندرة الكتب والرسائل العلمية المتخصصة في هذا المجال أمام السيل الجارف ، والبحر الهائج من الأطروحات المثيرة في هذا الموضوع ، ولما منّ الله عليّ من التخصص الدقيق في فن الأصول ، فقد عزمت بعد استخارة الله - سبحانه - ثم استشارة عدد من أهل العلم والفضل على الإسهام في ذلك بعد تردد طويل في خوض غمار هذه القضية، لعلّي أجد من يكفيني، بل حتى ولو وجدت لكانت القضية - لخطورتها- جديرة أن يتصدى لها أكثر من متخصص، بل لا أبالغ حينما أقول: إنها محتاجة لفريق عمل متخصص، وطرح على مستوى المجامع ، والهيئات العلمية الكبيرة، لكن هذه المشاركة غيض من فيض، ومفتاح بداية لأبحاث ودراسات أشمل وأعمق، غير أن هذا ليس غضًا من الأعمال التي سبقت، لكني لم أقف على ما يشفي العليل، ويروي الغليل، في علاج هذه القضية الخطيرة، على منهج السلف الصالح، جمعًا بين الأصالة والمعاصرة، راجيًا أن يسد هذا البحث ثغرة مهمة ، ويضيء شمعة في هذا الطريق، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.


أهمية الموضوع وأسباب اختياره


1- إن شرف العلم بشرف المعلوم ، وشرف البحث بشرف المبحوث، وهذا البحث يتعلق بعلم أصول الفقه الذي هو الأداة العملية لتحقيق الاجتهاد وبناء المجتهد ، وغني عن البيان حاجتنا - لاسيما في زماننا المعاصر - للمجتهدين، فلا غرو أن يكون البحث فيه على غاية الأهمية.
2- معالجة البحث لدعوة جديرة بالعناية والاهتمام ، ألا وهي : الدعوة إلى تجديد أصول الفقه ، وتلك الدعوة قد يلتبس فيها الحق بالباطل؛ لذا كان لابد من معالجة شرعية ، وتأصيل مؤسس على الأدلة النقلية الصحيحة والعقلية الصريحة لتمييز الحق من الباطل .
3- حاجة هذا العلم الفعلية إلى التجديد ، فلا يمكن رد من ينادي بالتجديد المشروع (المنشود) بل التجديد - وفق الضوابط الشرعية - حاجة ملحة لا محيص عنها .
4- حال المتصدرين للتجديد ، المنادين به ، حيث إنهم غير متضلعين بالعلم الشرعي، مما يستدعي أن ينتصب أهل العلم الشرعي - من موقع المسؤولية - لصد تلك الموجة الزاحفة على الثوابت والأصول.
5- الحاجة الماسّة التي تعيشها المكتبة الإسلامية إلى الأبحاث المستقلة التي تبرز حكم الشرع وضوابطه في النوازل والقضايا المعاصرة .
6- أهمية وضع خطة ورسم طريق لتجديد هذا العلم ؛ ليكون بمثابة انطلاقة نحو التنفيذ العملي لهذا التجديد المنشود على أرض الواقع .
7- ضرورة استبيان سبيل المجرمين، وفضح المناهج المنحرفة عن سبيل المؤمنين في التجديد ؛ ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيي عن بينة .
8- ما قذفت به المدنية الحديثة من وسائل التقانات والفضائيات، وشبكات المعلومات ، وخوضها في قضايا أصول ، ومناقشة ثوابت من قبل مجهولين تارة ، ومتهمين تارة أخرى ، مما يعد من قبيل الإعلام الموجه الذي يستوجب الإسهام في تكوين إعلام مضاد يرد على الباطل ويدمغه .
تلك أهم الأسباب والعوامل التي دعتني إلى اختيار هذا البحث، سائلاً الله التوفيق والتسديد بمنّه وكرمه .
خاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير البريات، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والمكرمات، أما بعد:
فبعد حطّ الرحال من هذه الرحلة الممتعة مع التجديد في علم أصول الفقه، يحسن أن أورد بعض النتائج في هذا الموضوع المهم:
فقد تضمن البحث في هذه القضية عدداً من النتائج المهمّة أجملها فيما يلي:
1- أهميّة علم أصول الفقه لكونه الباب الرئيس الذي يدخل منه المجتهدون لدراسة الأدلة، وتنزيلها على الوقائع الحادثة، ويقارنون به بين أقوال العلماء، ويعملون بالراجح، وينافحون به أهل الأهواء ويردون عليهم أباطيلهم وزيفهم، مؤيدين بالدليل الشرعي والعقلي، بما يحفظ على هذه الشريعة الغراء دوامها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
2- تبين للقارئ الكريم المراد بالتجديد وحقيقته، والتفريق بينه وبين البدعة من حيث المعنى اللغوي والمعنى الشرعي وكذا مناهجه ... فالتجديد المرتكز على الأدلة الشرعية الصحيحة على فهم السلف الصالح لها، والذي يبحث عن الحلول السليمة لكل مستجدات العصر، وينأى بالأمة عن الوقوع في الانحرافات العقدية والسلوكية؛ فإن هذا التجديد هو المطلوب شرعًا، وليس التجديد الذي ينادي به من غشيت أبصارهم؛ لمرض في قلوبهم، أو عدم فهم حقيقي لدينهم الحق، فصاروا يخبطون خبط عشواء، ويهدمون ما شُيِّد باسم التطوير العقلاني - وإن خالف فهم السلف الصالح بحجة أن لكل عصر رجاله فصاروا معاول هدم أصول الشريعة الغراء، باطّراحهم بعض أصولها خاصة الأصل الثاني منها وهو السنّة، بحجة أنها غير محفوظة زعموا فأدّاهم ذلك إلى فهم وتأويل القرآن على غير ما أراد الله سبحانه وتعالى.
3- أوضحت لك -أيها القارئ الكريم- أن التجديد المطلوب يتناول مجالات كثيرة في الأحكام والأدلة والدلالات والاجتهاد والترجيح، فما كان تجديدًا في عرضها وأسلوبها وصياغتها دون مساس بجوهرها، فهو مقبول، وإلا فلا.
4- أوضحت أهم ملامح المنهج المشروع بل المنشود الذي يحسن اتباعه في التجديد في هذا الفن، ومن أهم هذه الملامح: توجيه هذا العلم الوجهة العملية؛ ليكون طريقًا للاجتهاد الصحيح على طريقة السلف السهلة الميسّرة، بعيدًا عن التعقيدات الشكلية التي سدّت باب مسالك الاستنباط الصحيح، وذلك يكون باتباع خطوات منهجية مبنية على مبادئ علمية، من أهمها: موافقة الوحيين في كل أصل وقاعدة، مع البرهان والاستدلال الصحيح لكل قاعدة، مع العناية بأن يكون للقاعدة الأصولية ثمرة علمية، في إطار من الحريّة الدائرة مع الدليل دون تعصب أو تقليد لمذهب، والابتعاد عن الموضوعات التي لا جدوى من دراستها في طيات هذا العلم، والإغراق في القضايا الكلامية، والمباحث الجدلية.
ومن ثم إيراد الأبواب والمسائل التي قام الدليل على نفعها، وجدواها مثل: أبواب مقاصد الشريعة، وقواعد التفاضل والأفضلية، ثم تخريج الفروع على أصولها، والإكثار من ضرب أمثلة واقعية في حياتنا المعاصرة، مما له أكبر الأثر على الدارسين في تدريبهم على استخراج الفروع الفقهية من القواعد الأصولية، وفيه سد الباب أمام المتحللين من الشريعة، الزاعمين بأن هذا العلم لا يحقق مقتضيات العصر، وكل ذلك ينبغي أن يكون في أسلوب جديد، سهل العبارة بعيدٍ عن التكلّف والاعتساف، مع حسن العرض وروعة البيان وقوة السبك، على طريقة أسلافنا الأولين عليهم رحمة الله مع البعد عن التقليد والجمود، دون تحرير أو ترجيح.
ثم ذكرت ملامح المنهج الممنوع المرفوض الذي سار عليه دعاة التجديد والتغريب، ومنها:
( أ ) العمومية والإجمال ورفع الشعارات البرّاقة، كالتحرير والتنوير ومسايرة التقدم والتطوير.
(ب) التهويل والتضخيم لأمور شكلية لا جدال في أهمية السعي، لدرء وقوعها، كعلم الكلام، والافتراضات الجدلية.
(ج) فتح باب الاجتهاد لمن لا يملك أدواته المقررة، ولعل هذا لأنّهم غير متخصصين في علوم الشريعة، ولا صلة لهم بعلم الأصول، أو لتحقيق مآربهم المشبوهة في الطعن في الشريعة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
(د) سلوك سبيل المغالطة والتشويش، وحسبك تهجمهم على سلف الأمة الصالح بأنهم كانوا منغلقين في مجالسهم العلمية، بعيدين عن تطور الحياة المادية من حولهم.
ولا يخفى خطورة هذه المغالطات، وخصوصًا حينما يتلقاها من لم يتشرب فقه الشريعة ومقاصدها.
(ه) دعوتهم لفتح باب الاجتهاد في الأصول والفروع على حد سواء، ولكل أحد، ومسلكهم في هذا الخلط بين الدعوة إلى الاجتهاد؛ لمن يملكون أدواته، وبين تغيير القواعد الأصولية وتفريغها من محتواها، إذ أنها تشكل حجر عثرة في طريق دعوتهم العرجاء.
(و) سعيهم الدؤوب في تجميد النصوص وتعطيل الأحكام، متخذين في ذلك طرائق قدداً، فأحيانًا يشترطون التواتر زعموا في النصوص، وتارة يقبلون السنة العلمية القولية، وتارة يأخذون بخصوص السبب ويردون عموم النص، وتارة باعتماد الفهم المقاصدي للإسلام، ليس بغرض فهم مراد الشارع؛ وإنما بغرض تعطيل الأحكام، وتجميد النصوص، وثالثة الأثافي قولهم بتاريخية الأحكام، فهي تتبدل عندهم من عصر إلى عصر، وهي نسبية، وليست مطلقة دائمة، كما زعموا.
(ز) تفخيمهم لدور المصالح والعلل والحكم التي انطوت عليها الشريعة، واتخاذهم لها شعارًا أخّاذًا، ومطيةً ذلولاً؛ ليصلوا بدعواهم هذه إلى نتيجة مفادها أن هذه الأحكام تتبدل تبعًا لتبدل المصالح، مدعين أن هذا التبديل والنسخ حق أعطته الشريعة للمجتهدين، ولا يخفى على كل عاقل حصيف ما في هذا الهراء من رمي للشريعة الغرّاء بالقصور، والعجز عن رعاية مصالح الناس.
وبعد سرد هذه المزاعم والدعاوى، لا أشك أنك - أيها القارئ اللبيب - تدرك أن منهج أهل التجديد العصراني المرفوض، لا يعدو كونه مُروقًا من الدين، وتحللاً من أحكامه باسم التجديد والاجتهاد والإصلاح، وما هو في حقيقته إلاّ دعوة تغريبية مغلّفة باسم الإسلام، وتمهيد لهيمنة القوى التي تدعو إلى وحدة الأديان، إذ ما من دين ولا حضارة في الأرض، إلا وهي تدعو إلى القيم العامّة، والمثل العليا، والمقاصد الكبيرة، وتتبنى الأخلاق والفضائل، وذلك في ضوء المفاهيم والقيم التي يؤمنون بها.
5- أوردت الضوابط المهمة للتجديد، وأنها باختصار تتمثل في موافقته للكتاب والسنة، ومحافظته على ثوابت الأمة وعقيدتها وأصولها، دون مساس بها وخروج عنها، كما خلصت إلى آثار التجديد إيجابًا وسلباً، وأنه في حال أخذ الأمة بالتجديد الشرعي، فستحقق النفع والخير في الدارين، وإن هي سلكت مسالك التجديد المنحرف، فستجني الفساد والشر في الحياتين، والله المستعان.
تلك أهم النتائج التي خرجت منها في عرض هذه القضية المهمة وبحثها، وإن كان هناك من توصيات ومقترحات، فإني أرى - لخطورة القضية وجَلَد دعاتها على المنهج المخالف للشريعة - أن تتولى الهيئات العلمية والمجامع الفقهية، ومراكز الأبحاث، وأقسام الأصول في الجامعات الإسلامية، العناية بها والاهتمام عن طريق المؤلفات والمؤتمرات والأبحاث ونحو ذلك، مع استثمار وسائل الإعلام في بيان هذه القضية وعلاجها كما يجب على العلماء وأهل الفكر والرأي، العناية بهذه القضية، وبيان ضوابطها وشروطها، حتى لا تختلط المفاهيم، وتلتبس الحقائق، سائلاً الله للجميع التوفيق والسداد، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويهدي ضال المسلمين إلى الحق، ويجمع كلمتهم على الهدى، ويحق الحق ويبطل الباطل، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
أتشرف بزيارتك لمدونتي عبر الرابط التالي:
http://alsolime.wordpress.com
رد مع اقتباس
  #48  
قديم 21-08-10, 11:22 PM
مالك الكويتي مالك الكويتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-04-09
المشاركات: 53
افتراضي رد: مفهوم التجديد في أصول الفقه ...؟!

جزاكم الله خيرااا
رد مع اقتباس
  #49  
قديم 18-09-10, 12:28 PM
معاذ الجلال معاذ الجلال غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-10-09
المشاركات: 87
افتراضي رد: مفهوم التجديد في أصول الفقه ...؟!

بارك الله فيكم
__________________
سبحانك إني كنت من الظالمين
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:58 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.