ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-04-03, 06:21 PM
عبدالله بن عبدالرحمن عبدالله بن عبدالرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-04-02
المشاركات: 474
افتراضي الجامع حول الإرجاء ومسائل الكفر والإيمان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه .
وبعد : فقد اطلعت على رد الأخ الشيخ محمد بن سالم الدوسري على الأخ: الشيخ: علي بن حسن الحلبي في اعتراضاته على فتوى اللجنة الدائمة في موضوع الإرجاء أقول:
أولا: قد أجاد الشيخ محمد في ذلك الرد حيث استدرك على الشيخ علي بن حسن كثيراً مما فاته نقله عن أهل العلم الذين استند إلى أقوالهم وأما التشكيك في فتوى اللجنة فلا مجال له لأنها صدرت باتفاق الأعضاء وتوقيعاتهم .
ثانيا: على الشيخ علي حسن وإخوانه لما كانوا ينتسبون إلى السلف في مسألة الإيمان أن يكتفوا بما كتبه السلف في هذه المسألة ففيه الكفاية فلا حاجة إلى كتابات جديدة تبلبل الأفكار وتكون موضعاً للأخذ والرد في مثل هذه المسألة العظيمة فالفتنة نائمة لايجوز إيقاظها لئلا يكون ذلك مدخل لأهل الشر والفساد بين أهل السنة .
ثالثا: على الأخ الشيخ علي بن حسن إذا كان ولابد من نقل كلام أهل العلم أن يستوفى النقل من أوله إلى آخره ويجمع كلام العالم في المسألة من مختلف كتبه حتى يتضح مقصوده ويرد بعض كلامه إلى بعض ولا يكتفي بنقل طرف ويترك الطرف الآخر لأن هذا يسبب سوء الفهم وأن ينسب إلى العالم مالم يقصده .
وختاماً أسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

كتبه
صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين .
أما بعد: فقد قرأت هذه الرسالة المسماة بـ( رفع اللائمة عن فتوى اللجنة الدائمة) للأخ الفاضل الشيخ محمد بن سالم الدوسري، وفقه الله ، وموضوعها: الرد على الأخ الشيخ: علي حسن عبدالحميد/ في اعتراضاته ورده على فتوى اللجنة الدائمة، في المملكة العربية السعودية في مسألة الإرجاء في كتابيه: " صيحة نذير " و " التحذير من فتنة التكفير "، وذلك أن اللجنة الدائمة بينت على سبيل الإجمال ما تضمنه هذان الكتابان من أخطاء في مسائل الإيمان والتكفير ، وفي نقله لكلام أهل العلم نقلا مبتورا ، ليستدل به على ما ذهب إليه من أن الإيمان لا يكون إلا بالقلب ، والكفر لا يكون إلا بالاعتقاد والتكذيب والاستحلال .
ولقد أجاد الشيخ محمد الدوسري في تتبعه لأخطاء علي حسن عبدالحميد ، وبين وفقه الله ما قرره أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان ومسمى الكفر ، وأن الإيمان يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح ، وأن الكفر يكون بالقول وبالفعل وبالاعتقاد وبالشك .
ولقد حاول الشيخ علي حسن عبدالحميد أن يستدل بأقوال أهل العلم - لكن بعد بترها – لمذهب المرجئة من أن الإيمان لا يكون إلا بالقلب ، وأن الكفر لا يكون إلا بالقلب ، وهو مذهب باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة ، وأقوال الأئمة وأهل العلم .
فالواجب على الأخ علي حسن عبدالحميد أن يرجع إلى الحق فيقبله ، وأن يكتب رسالة يوضح فيها رجوعه إلى مذهب أهل السنة والجماعة ، فالرجوع إلى الحق فضيلة ، ( وقل الحق ولو على نفسك ) ( وقل الحق ولو كان مرا ) والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، وما زال العلماء قديماً وحديثاً يقبلون الحق ويرجعون إليه ، ويُعد ذلك من فضائلهم وعلمهم وورعهم ، وقد قال عمر بن الخطاب  في الكتاب الذي كتبه لأبي موسى الأشعري  في القضاء ( ولا يمنعنك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه إلى رشدك أن تراجع فيه الحق ، فإن الحق قديم لا يبطله شيء ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ).
ولو رجع الأخ علي حسن عبدالحميد: إلى مذهب أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان ومسمى الكفر ، وأن كلاً منهما يكون بالاعتقاد وبالقول وبالفعل ، لكان ذلك دليلاً على فضله وعلمه وورعه في قبوله للحق ، وإقتدائه بالأئمة والعلماء ، ولكان في رجوعه قطعاً لدابر هذه الفتنة – فتنة الإرجاء – التي استشرى ضررها ، وانتشر شررها في أوساط الشباب ، وأحدثت لكثير منهم بلبلة في أذهانهم وتشكيكاً في اعتقادهم.
أسأل الله تعالى أن يوفق الأخ علي حسن عبدالحميد للرجوع إلى الصواب ، وقبول الحق ، ونشر معتقد أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر ، بما آتاه الله من فصاحة وبلاغة وقوة وتأثير في الأسلوب.
وأسأل الله تعالى للأخ محمد بن سالم الدوسري التوفيق والسداد ، وأن ينفع بهذا الرد الذي كتبه ، وأن ينفع بكتاباته وردوده ، وأن يجعله مباركاً أينما كان ، وأن يزيل برده هذا اللبس الذي حصل لبعض الناس في هذه المسألة .
وأسأل الله لي ولأخواني طلبة العلم ، العلم النافع والعمل الصالح ، والثبات على الحق ، ولزوم معتقد أهل السنة والجماعة في مسائل الدين والإيمان والإسلام جليّها وخفيّها ، وأن يتوفانا على الإسلام ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم وبارك على عبدالله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
قاله وكتبه
عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
20 / 5 / 1422هـ



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى ، وصلوات الله وسلامه على عبده المصطفى: نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أهل الوفا ، أما بعد:
فقد أصدرت اللجنة الدائمة للإفتاء – زادها الله توفيقاً وهدى – فتواها رقم 21517 وتاريخ 14/6/1421هـ بشأن كتابي الأخ علي بن حسن بن عبدالحميد الحلبي "التحذير من فتنه التكفير" و " صيحة نذير" وبيّنت على سبيل الإيجاز والإشارة ما تضمنه هذان الكتابان من أخطاء في مسائل الإيمان ، وتركت التفصيل ؛ لأن هذا جاء على سبيل الفتوى ، لا على سبيل الردّ والنقض .
وكان الأولى بمثله الإذعان للحق ، وهو يعلم أن من صدرت منهم الفتوى علماء أجلاّء أكثر منه علماً ، وأكبر منه سنّاً ، وأقدم منه في معرفة العقيدة فلو أنه كتب في ذلك كتاباً يشكرهم فيه ، ويدعو لهم ، ويعلن فيه رجوعه عن تلك الأخطاء ؛ لقطع دابر الفتنة ، ولأكْبَرَ ذلك الموقف منه الكبير والصغير ، ولكنه ضد ذلك فعل ، فقد بادر بالردّ على اللجنة ردًّا يعلق فيه أخطاءه بغيره ، متنصِّلاً من تبَِعَاتِ ما خطَّته أناملُه في هذين الكتابين ، مردداً هذه العبارات ومثيلاتها: ( هو كلام فلان ، وليس فيه من كلامي أدنى شيء ) ، ( ليس في كتابَّي المذكورين البحث في هذه المسألة مطلقاً ) ، ( فأين موضع الاعتراض وملحظ النقد والانتقاد ؟! ) ، ( فأين الحصر ؟! وأين موضع النقد ؟! ) ، ( فأين الحصر وكيف كان سبيله ؟! ) ، ( فأين التحريف ؟! ) ، ( فماذا يفهم من هذه النصوص ؟! وأين التقوُّلُ على شيخ الإسلام في تعليقي عليها ، وليس هو إلا تلخيصاً لها وضبطاً لأصولها ؟! ) ، ( فأين التقوُّلُ والكلام هو الكلام ؟! ) ، ( فإن كان ثمَّةَ مناقشة أو مؤاخذة فعليه رحمه الله لا على الناقل عنه ) ، ( فأين التعليق ؟! و أين التحميل ؟! ) ( فليس هو من كلامي أصلاً ! ) ، ( فأين التحميل ؟! أين التحميل ؟! ) ، ( فأين التهوين ؟! أين التهوين ؟! ). . .، إلخ ما هنالك من عباراته المزوَّقة دائماً بعلامات الاستفهام والتعجب التي يملأ بها مؤلفاته ، بحيث أصبحت علماً عليه ، ولم أقرأ لأحد ممن ألف من يحشد هذه العلامات كحشده ، وهي علامات الانفعال كما هو معلوم في عرف المؤلفين والمحققين .
والمهم من هذا كله: أن من يقرأ ردَّه هذا ، ولم يتبيَّن حقيقة الأمر ، قد يغتّر بأسلوبه في الردّ ، وبراعته في الألفاظ ، وأسلوبه في التمويه ، فيشك في مصداقية اللجنة ، ويتهمها بالتقوُّل عليه ، وظلمه ، وبهتانه ، وهذا الذي يرمي إليه بكتابته هذه ، بحيث أصبحنا نسمع من يعدّ هذه الفتوى صدرت من واحد بعينه من أعضاء اللجنة ، وصدّق عليها الباقون بلا معرفة ولا رويَّة !! دَعْكَ من أعوانه ومن على شاكلته ، فإن الأمر قد تعدّاهم إلى بعض الفضلاء ، وبعض أهل العلم من هذا البلد ! فإذا اهتزّت ثقة الناس بعلمائهم إلى هذا الحدّ ، فبمن تكون الثقة ؟! ولو كان منصفاً لنظر إلى هذه المفسدة على الأقل ، ولم ينتصر لنفسه ، وإن كان يرى أنه على الحق، فمصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد .
وهذه الرسالة - ( رفع اللائمة عن فتوى اللجنة الدائمة ) – التي كتبها أخونا الفاضل الشيخ / محمد بن سالم الدوسري – حفظه الله – جاءت لتضع النقاط على الحروف ؛ إشفاقاً على من أحسن الظن برد الأخ علي الحلبي ، ورأى أن اللجنة قد تعدّت عليه ، وكشفاً للتمويه الذي يحسنه الأخ المذكور .
فمن ذلك على سبيل المثال: نقله لعبارات بعض الأئمة التي يفهم منها حصر الكفر في الاعتقاد ، فيسوقها مستدلاً بها ، ويترك كلام هذا الإمام في مواطن كثيرة من كتبه ، وفيه ما يزيل اللبس الذي قد يعلق من الاقتصار على تلك العبارة فقط .
ومن ذلك: تسويده دائماً لكل كلمة أو عبارة يرد فيها ذكر الاعتقاد أو الجحود أو نحوهما من العبارات التي يستدل بها على أن الكفر لا يكون إلا بالجحود والاعتقاد ، ويحاول التمويه على الناس بنسبة ذلك لبعض الأئمة ،فينقل عبارة الإمام التي يتحدث فيها عن أن الكفر يكون بالعمل ، ويكون بالجحود والعناد ، فيكتب العمل بالخط العادي ، ويكتب الجحود والعناد بالخط المسوَّد جداً ، وهذا له أثره على القارئ كما هو معلوم ، ثم بعد ذلك يزعم أنه مجرّد ناقل لكلام الأئمة ، وليس له في هذا النقل أدنى شيء ! فهَلاّ ترك كلام الأئمة – إذ نَقَلَه – على حاله ؟ وهَلاّ نَقَلَ كلامه كله سواء كان له أو عليه ؟ ورحم الله عبدالرحمن بن مهدي حيث يقول: (أهل السنة يكتبون مالهم وما عليهم ، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم)(1) ومخالفة الأخ علي الحلبي لأهل السنة في بعض مسائل الإيمان معروفة عنه منذ قيامه على طبع كتاب مراد شكري "إحكام التقرير لأحكام مسألة التكفير" ، وسعيه في نشره ، وإن اجتهد في تبرئة ساحته منه بعد صدور قرار اللجنة الدائمة بشأنه ، وقد بيَّنْتُ له - بمحضر من الاخوة آنذاك - تحمُّلَه تبعةَ الكتاب وأن عليه أن يعلن بكل وضوح رأيه في تلك المسائل التي تضمنها الكتاب ، وأن يدع عنه التدليس على الناس ، فوعدَ ولم يَفِ .
ولا أريد قطعك - أخي القارئ – عن هذه الرسالة التي دلّت على أن اللجنة الدائمة الموفَّقة ما ذكرت شيئاً في فتواها المذكورة إلا وله وجود في كتابَي الأخ علي الحلبي ، فهمه من فهمه ، وجهله من جهله ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

كتبه
سعد بن عبدالله بن عبدالعزيز آل حميِّد
في 6 / 4 / 1422 هـ
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip ٌ‎ْ çللçومé çلّèْé çلمولى.zip‏ (60.2 كيلوبايت, المشاهدات 568)
  #2  
قديم 12-04-03, 06:24 PM
عبدالله بن عبدالرحمن عبدالله بن عبدالرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-04-02
المشاركات: 474
افتراضي

أسئلة وأجوبة
في
الإيمان والكفر







لفضيلة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض










بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه أما بعد:
فقد أذنت بطباعة هذه الأسئلة والأجوبة بعد قراءتها ، رجاء أن ينفع الله بها والله الموفق .
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .


المؤلف
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
22/3 / 1422هـ


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه ........أما بعد :
فهذه بعض الأسئلة التي عرضت على فضيلة الشيخ / عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي –حفظه الله – في مسائل الإيمان والكفر وأجاب عليها بهذه الأجوبة نسأل الله أن ينفع بها وأن يجعلها في موازين حسناته .

السؤال الأول :
بم يكون الكفر الأكبر أو الردة ؟ هل هو خاص بالاعتقاد والجحود والتكذيب أم هو أعم من ذلك ؟
فقال الشيخ غفر الله له :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبدالله ورسوله نبينا وإمامنا وقائدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ........أما بعد :
فإن الكفر والردة – والعياذ بالله – تكون بأمورٍ عدة :
- فتكون بجحود الأمر المعلوم من الدين بالضرورة .
- وتكون بفعل الكفر .
- وبقول الكفر .
- وبالترك والإعراض عن دين الله .

فيكون الكفر بالاعتقاد كما لو اعتقد لله صاحبة ًأو ولداً أو اعتقد أن الله له شريك في الملك أو أن الله معه مدبرٌ في هذا الكون أو اعتقد أن أحداً يشارك الله في أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو اعتقد أن أحداً يستحق العبادة غير الله أو اعتقد أن لله شريكاً في الربوبية فإنه يكفر بهذا الاعتقاد كفراً أكبر مخرجاً من الملة .
ويكون الكفر بالفعل كما لو سجد للصنم أو فعل السحر أو فعل أي نوع من أنواع الشرك كأن دعا غير الله أو ذبح لغير الله أو نذر لغير الله أو طاف بغير بيت الله تقرباً لذلك الغير فالكفر يكون بالفعل كما يكون بالقول .
•ويكون الكفر بالقول كما لو سب الله أو سب رسوله  أو سب دين الإسلام أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله  أو بدينه ، قال الله تعالى في جماعة في غزوة تبوك استهزؤوا بالنبي  وبأصحابه : ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُم ْ) فأثبت لهم الكفر بعد الإيمان فدل على أن الكفر يكون بالفعل كما يكون بالاعتقاد ويكون بالقول أيضاً كما سبق في الآية فإن هؤلاء كفروا بالقول .
• ويكون الكفر بالجحود والاعتقاد وهما شيء واحد وقد يكون بينهما فرق فالجحود كأن يجحد أمراًَ معلوماً من الدين بالضرورة كأن يجحد ربوبية الله أو يجحد ألوهية الله أو استحقاقه للعبادة أو يجحد ملكاً من الملائكة أو يجحد رسولاً من الرسل أو كتاباً من الكتب المنزلة أو يجحد البعث أو الجنة أو النار أو الجزاء أو الحساب أو ينكر وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو وجوب الحج أو وجوب الصوم أو يجحد وجوب بر الوالدين أو وجوب صلة الرحم أو غير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة وجوبه أو يجحد تحريم الزنا أو تحريم الربا أو تحريم شرب الخمر أو تحريم عقوق الوالدين أو تحريم قطيعة الرحم أو تحريم الرشوة أو غير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة تحريمه .
• ويكون الكفر بالإعراض عن دين الله والترك والرفض لدين الله كأن يرفض دين الله بأن يعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعبد الله فيكفر بهذا الإعراض والترك قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) وقال تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) .
فالكفر يكون بالاعتقاد ويكون بالجحود ويكون بالفعل ويكون بالقول ويكون بالإعراض والترك والرفض .
ومن أُكره على التكلم بكلمة الكفر أو على فعل الكفر فإنه يكون معذوراً إذا كان الإكراه ملجئاً كأن يُكرهه إنسان قادر على إيقاع القتل به فيهدده بالقتل وهو قادر أو يضع السيف على رقبته فإنه يكون معذوراً في هذه الحالة إذا فعل الكفر أو تكلم بكلمة الكفر بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان ، أما إذا اطمئن قلبه بالكفر فإنه يكفر حتى مع الإكراه نسأل الله السلامة والعافية .
فالذي يفعل الكفر له خمس حالات :
1- إذا فعل الكفر جاداً فهذا يكفر .
2- إذا فعل الكفر هازلاً فهذا يكفر .
3- إذا فعل الكفر خائفاً فهذا يكفر .
4- إذا فعل الكفر مكرهاً واطمئن قلبه بالكفر فهذا يكفر .
5- إذا فعل الكفر مكرهاً واطمئن قلبه بالإيمان فهذا لا يكفر لقول الله تعالى ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ@ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) .

السؤال الثاني :
هناك من يقول : ( الإيمان قول وعمل واعتقاد لكن العمل شرط كمال فيه ) ، ويقول أيضاً : ( لا كفر إلا باعتقاد ) ، فهل هذا القول من أقوال أهل السنة أم لا ؟
الجواب :
ليست هذه الأقوال من أقوال أهل السنة ، أهل السنة يقولون : الإيمان هو قول باللسان وقول بالقلب وعمل بالجوارح وعمل بالقلب ، ومن أقوالهم : الإيمان قول وعمل ؛ ومن أقوالهم : الإيمان قول وعمل ونية ، فالإيمان لابد أن يكون بهذه الأمور الأربعة :
1- قول اللسان وهو النطق باللسان .
2- قول القلب وهو الإقرار والتصديق .
3- عمل القلب وهو النية والإخلاص .
4- عمل الجوارح .

فالعمل جزء من أجزاء الإيمان الأربعة ، فلا يقال : العمل شرط كمال أو أنه لازم له فإن هذه أقوال المرجئة ، ولا نعلم لأهل السنة قولاً بأن العمل شرط كمال .
وكذا قول من قال : ( لا كفر إلا باعتقاد ) فهذا قول المرجئة ، ومن أقوالهم : ( الأعمال والأقوال دليلٌ على ما في القلب من الاعتقاد ) وهذا باطل ، بل نفس القول الكفري كفر ونفس العمل الكفري كفر كما مر في قول الله تعالى ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ@لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) أي : بهذه المقالة

السؤال الثالث :
هل الأعمال ركن في الإيمان وجزء منه أم هي شرط كمال فيه ؟
الجواب :
الإيمان قول باللسان وقول بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح كما سبق .
ولا يقال : إنها شرط كمال أو إنها خارجة عن الإيمان أو إنها لازم من لوازم الإيمان أو من مقتضى الإيمان أو هي دليل على الإيمان إذ كل هذه من أقوال المرجئة .

السؤال الرابع :
ما أقسام المرجئة ؟ مع ذكر أقوالهم في مسائل الإيمان ؟
الجواب :
المرجئة طائفتان :
الطائفة الأولى : المرجئة المحضة أو الغلاة وهم الجهمية وزعيمهم الجهم بن صفوان فإن الجهم بن صفوان اشتهر بأربع عقائد بدعية هي :
1- عقيدة نفي الصفات وأخذها عنه الجهمية .
2- عقيدة الإرجاء وأخذها عنه المرجئة .
3- عقيدة الجبر – أي أن العبد مجبور على أعماله – وأخذها عنه الجبرية .
4- عقيدة القول بفناء الجنة والنار .
فهذه أربع عقائد خبيثة اشتهر بها الجهم .
والمرجئة المحضة عقيدتهم في الإيمان أنه مجرد المعرفة ، أي مجرد معرفة الرب بالقلب ، فمن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن ، ولا يكون الكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه ، وبهذا ألزمهم العلماء بأن إبليس مؤمن ؛ لأنه يعرف ربه قال الله تعالى عن إبليس ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ويكون فرعون أيضاً مؤمن لأنه يعرف ربه بقلبه ، قال تعالى عنه وعن قومه
( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )
وذكر ابن القيم – رحمه الله تعالى – في الكافية الشافية فصلاً طويلاً في بيان معتقد المرجئة المحضة وقال : إنه أخفى هذا مدة ثم أظهره وبيّن أن عقيدتهم مجرد معرفة الرب بالقلب وأنه لو فعل الأعمال الكفرية مع ذلك فلا تؤثر في إيمانه ، فلو سبَّ الله أو سبَّ الرسول  أو سبَّ دين الإسلام وقتل الأنبياء والمصلحين وهدم المساجد وفعل جميع المنكرات فلا يكفر ما دام يعرف ربه بقلبه وهذا هو أفسد قول قيل في تعريف الإيمان ، وهو قول أبي الحسين الصالحي من القدرية .
ويليه في الفساد قول الكرّامية القائلين : بأن الإيمان هو النطق باللسان فقط ، فمن شهد أن لا إله إلا الله بلسانه فإنه يكون مؤمناً ولو كان مكذباً بقلبه ويسمونه مؤمناً كامل الإيمان وإن كان مكذباً بقلبه فهو مخلد في النار فيلزمهم على هذا أن المؤمن الكامل الإيمان مخلدٌ في النار وهذا من أعظم الفساد وهو يلي قول الجهم في الفساد .
الطائفة الثانية : مرجئة الفقهاء وهم أهل الكوفة كأبي حنيفة – رحمه الله – وأصحابه وأول من قال بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان هو حماد بن أبي سليما ن شيخ الإمام أبي حنيفة ، وأبو حنيفة له روايتان في حد الإيمان :
الأولى : أنه تصديق القلب وقول اللسان ، وهذه الرواية عليها أكثر أصحابه .
والثانية : أن الإيمان هو تصديق القلب فقط وأما قول اللسان فهو ركن زائد خارج عن مسمى الإيمان .
وعلى هذه الرواية يوافق قول الماتريدية أن الإيمان هو تصديق القلب فقط .
ولكن الأعمال مطلوبة عندهم كالصلاة والزكاة والصوم والحج فالواجبات واجبات والمحرمات محرمات ومن فعل الواجب فإنه يستحق الثواب والمدح ومن فعل الكبائر فإنه يستحق العقوبة ويقام عليه الحد ، ولكن لا يسمونه إيماناً . يقولون :الإنسان عليه واجبان : واجب الإيمان وواجب العمل ولا يدخل أحدهما في مسمى الآخر .
وجمهور أهل السنة يقولون : العمل من الإيمان وهو جزء منه فالأعمال واجبة وهي من الإيمان ، ومرجئة الفقهاء يقولون : الأعمال واجبة وليست من الإيمان ، ولهذا قال من قال بأن الخلاف بينهم وبين جمهور أهل السنة خلاف لفظي ، وقال بهذا شارح الطحاوية والصواب أنه ليس لفظياً .

السؤال الخامس :
هل خلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء في أعمال القلوب أو الجوارح لفظيٌ أم معنوي ؟
الجواب :
قال بعضهم إن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة خلاف لفظي وقال بهذا شارح الطحاوية ابن أبي العز – رحمه الله – قال : إن الخلاف بين جمهور أهل السنة وأبي حنيفة وأصحابه خلاف لفظي والنزاع نزاع ٌ في أمرٍ اسمي لفظي لا يترتب عليه فسادٌ في الاعتقاد وقال : إن الدليل على أن الخلاف بينهم لفظي أن كلاً من الطائفتين يقولون : الأعمال واجبة وكلاً من الطائفتين يقولون : إن المسلم إذا فعل الواجبات أثيب عليها ومن ترك شيئاً من الواجبات أو فعل المحرمات فإنه يعاقب ويقام عليه الحد ، ولكن النزاع بينهم في أنه هل هذا الواجب هو من الإيمان أو ليس بإيمان ؟ قال بالأول جمهور أهل السنة وقال بالثاني أبو حنيفة وأصحابه ولكن عند التأمل والنظر لا يجد طالب العلم أن الخلاف لفظيٌ من جميع الوجوه ، صحيح أنه لا يترتب عليه فساد في الاعتقاد لكن له آثار تترتب عليه ، من هذه الآثار :
1- أن جمهور أهل السنة وافقوا الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى فتأدبوا مع النصوص ، ومرجئة الفقهاء وافقوا الكتاب والسنة معناً وخالفوهما لفظاً ، ولا يجوز للمسلم أن يخالف النصوص لا لفظاً ولا معنى . قال الله تعال : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ @ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ@ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ) فبين الله تعالى أن هذه الأعمال كلها من الإيمان ، فوجل القلب عند ذكر الله هذا عمل قلبي ، وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن عمل قلبي ( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) عمل قلبي ويشمل أيضاً أعمال الجوارح من فعل الأسباب والإنفاق مما رزقهم الله ، كل هذه الأشياء سماها إيماناً . وقال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) وقال تعالى : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) وثبت في الصحيحين عن النبي  أنه قال : ( الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة ) وفي رواية البخاري : ( بضعٌ وستون شعبة فأعلاها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) فهذا من أقوى الأدلة في الرد على المرجئة فجعل النبي  الإيمان بضعاً وسبعين شعبة ومثّل لقول اللسان بكلمة التوحيد على أنها من قول اللسان ومثّل لعمل الجوارح بإماطة الأذى عن الطريق ومثّل لعمل القلب بالحياء ؛ لأن الحياء خلقٌ داخلي يحمل الإنسان على فعل المحامد وترك القبائح . فأعلى شعب الإيمان كلمة التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة منها ما يقرب من شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة ، فالصلاة شعبة والحج شعبة والزكاة شعبة والصوم شعبة وبر الوالدين شعبة وصلة الأرحام شعبة والجهاد في سبيل الله شعبة والأمر بالمعروف شعبة والنهي عن المنكر شعبة والإحسان إلى الجار شعبة ، إلى غير ذلك من الشعب ، فهذه كلها أدخلها النبي  في مسمى الإيمان فكيف يقال إن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان ، وكذلك من أقوى الأدلة أيضاً على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وذلك أن وفد عبد القيس جاءوا إلى النبي  فقالوا : يا رسول الله ، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لن نخلص إليك إلا في الشهر الحرام فمرنا بأمر فصل نعمل به ونخبر به من ورائنا فقال  : ( آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع : آمركم بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خُمس ما غنمتم ) ففسر الإيمان بأعمال الجوارح وهذا دليل واضح صريح على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان . فجمهور أهل السنة تأدبوا مع النصوص وأدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان ومرجئة الفقهاء وافقوا النصوص في المعنى لكن خالفوها في اللفظ ولا يجوز للإنسان مخالفة النصوص لا في اللفظ ولا في المعنى بل الواجب موافقة النصوص لفظاً ومعنى .
2- أن خلاف مرجئة الفقهاء مع جمهور أهل السنة فتح باباً للمرجئة المحضة الغلاة فإن مرجئة الفقهاء لما قالوا :(إن الأعمال ليست من الإيمان وإن كانت واجبة) فتحوا باباً للمرجئة المحضة فقالوا : الأعمال ليست واجبة وليست مطلوبة ولهذا قال المرجئة المحضة : الصلاة والصوم والزكاة والحج هذه كلها ليست بواجبة ومن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن كامل الإيمان ويدخل الجنة من أول وهلة والأعمال ليست مطلوبة والذي فتح لهم الباب مرجئة الفقهاء .
3- أن مرجئة الفقهاء باختلافهم مع جمهور أهل السنة فتحوا باباً للفُسَّاق والعصاة فدخلوا معه ، فلما قال مرجئة الفقهاء : إن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص وهو التصديق وإيمان أهل الأرض وأهل السماء واحد ؛ دخل الفساق فيأتي الفاسق السكير العربيد ويقول : أنا مؤمن كامل الإيمان ؛ إيماني كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان أبي بكر وعمر ، فإذا قيل له : كيف تقول إن إيمانك كإيمان أبي بكر وعمر وأبو بكر له أعمال عظيمة ؟ قال : الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان ، أنا مصدِّق وأبو بكر مصدِّق ، وجبريل مصدِّق وأنا مصدِّق فإيماني كإيمانهم ، وهذا من أبطل الباطل ، ولهذا جاء في الحديث : ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح ) والمراد ما عدا الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فكيف يقال إن الإيمان واحد وأن إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد .
4- مسألة الاستثناء في الإيمان وهو قول القائل : ( أنا مؤمن إن شاء الله ) فمرجئة الفقهاء يمنعون الاستثناء في الإيمان ؛ لأن الإيمان شيء واحد هو التصديق ، فيقولون : أنت تعلم أنك مصدِّق بالقلب فكيف تقول : أنا مؤمن إن شاء الله. إذاًََ أنت تشك في إيمانك ، ولهذا يسمون المؤمنين الذين يستثنون في إيمانهم الشكَّاكة ، فأنت تعلم في نفسك أنك مصدِّق كما تعلم أنك قرأت الفاتحة وكما تعلم أنك تحب الله ورسوله  وتبغض اليهود فكيف تقول : إن شاء الله ، بل قل : أنا مؤمن ؛ اجزم ولا تشك في إيمانك . وأما جمهور أهل السنة فإنهم يفصِّلون فيقولون : إن قال القائل : ( أنا مؤمن إن شاء الله ) يقصد الشك في أصل إيمانه فهذا ممنوع ؛ فأصل الإيمان التصديق ، وأما إن نظر إلى الأعمال والواجبات التي أوجبها الله والمحرمات التي حرمها الله ورأى أن شعب الإيمان متعددة والواجبات كثيرة فالإنسان لا يزكِّي نفسه ولا يقول بأنه أدّى ما عليه ؛ بل يتهم نفسه بالتقصير ويزري على نفسه فإذا قال : ( أنا مؤمن إن شاء الله ) فإن الاستثناء راجع إلى الأعمال ، فهذا لا بأس به بل حسن أن يقول : إن شاء الله . وكذلك إذا أراد عدم علمه بالعاقبة وأن العاقبة لا يعلمها إلا الله فلا بأس بالاستثناء ، وكذلك إذا أراد التبرك بذكر اسم الله فلا بأس .
فهذه من ثمرات الخلاف وإن كان لا يترتب عليه فساد في العقيدة ولكن هذه ثمرات
تدل على أن الخلاف ليس لفظياًََ .
السؤال السادس :
ما حكم من ترك جميع العمل الظاهر بالكلية وهو يقر بالشهادتين ويقر بالفرائض ولكنه لا يعمل شيئاً ألبته فهل هذا مسلم أم لا ؟ علماً بأنه ليس له عذر شرعي يمنعه من القيام بتلك الفرائض ؟
الجواب :
هذا لا يكون مؤمناً ، فالذي يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا يقر بلسانه ولا يعمل ؛ لا يتحقق إيمانه ؛ لأن هذا إيمان كإيمان إبليس وكإيمان فرعون ؛ لأن إبليس أيضاً مصدِّق بقلبه ، قال الله تعالى ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) وفرعون وآل فرعون قال الله تعالى عنهم : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ) فهذا الإيمان والتصديق الذي في القلب لابد له من عمل يتحقق به فلابد أن يتحقق بالنطق باللسان ولابد أن يتحقق بالعمل ؛ فلابد من تصديق وانقياد ، وإذا انقاد قلبه بالإيمان فلابد أن تعمل الجوارح ، أما أن يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا ينطق بلسانه ولا يعمل بجوارحه وهو قادر فأين الإيمان ؟!! فلو كان التصديق تصديقاً تاماً وعنده إخلاص لأتى بالعمل ، فلابد من عمل يتحقق به هذا التصديق وهذا الإيمان ؛ والنصوص جاءت بهذا .
كما أن الذي يعمل بجوارحه ويصلي ويصوم ويحج لابد لأعماله هذه من إيمان في الباطن وتصديق يصححها وإلا صارت كإسلام المنافقين ؛ فإن المنافقين يعملون ؛ يصلون مع النبي  ويجاهدون ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين ؛ لأنه ليس عندهم إيمان وتصديق يصحح هذا العمل ، فلابد من أمرين لصحة الإيمان :
- تصديق في الباطن يتحقق بالعمل .
- وعمل في الظاهر يصح بالتصديق .
أما تصديق في الباطن دون عمل فأين الدليل عليه ؟ أين الذي يصححه ؟ أين الانقياد ؟ .
لا يمكن أن يكون هناك تصديق صحيح لا يصلي صاحبه ولا ينطق بالشهادتين وهو يعلم ما أعد الله لمن نطق بالشهادتين ولمن تكلّم بكلمة التوحيد من الثواب ، ولما أعدّ الله للمصلين من الثواب ولمن ترك الصلاة من العقاب ، فلو كان عنده تصديق صحيح وإيمان صحيح لبعثه على العمل ، فلو كان عنده تصديق صحيح وإيمان صحيح لأحرق الشبهات والشهوات ؛ فترك الصلاة إنما يكون عن شبهة والمعاصي إنما تكون عن شهوة والإيمان الصادق يحرق هذه الشهوات والشبهات .
وهذا يدل على أن قلبه خالٍ من الإيمان الصحيح وإنما هو لفظ باللسان نطق به ولم يتجاوزه ، وإلا لو كان عنده تصديق بقلبه أو إقرار بقلبه فقط ولم يتلفظ ؛ فقول القلب لم يتجاوز إلى أعمال القلوب وإلى الانقياد فالمقصود أن الذي يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا يعمل بجوارحه هذا هو مذهب الجهمية .
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : يعسر التفريق بين المعرفة والتصديق المجرد . فيعسر التفريق بين المعرفة بالقلب والتصديق الذي ليس معه شيء من أعمال الجوارح ؛ ويقول هذا هو إيمان الجهمية – نسأل الله العافية - . فالذي يزعم أنه مؤمن ولا ينطق بلسانه ولا يعمل بجوارحه مع قدرته هذا هو مذهب الجهمية ، فلابد من عمل يتحقق به هذا التصديق كما أن الذي يعمل لابد له من تصديق في الباطن يصححه .

السؤال السابع :
هل تصح هذه المقولة : ( أن من قال : الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء كله حتى لو قال : لا كفر إلا باعتقاد وجحود ) ؟
الجواب :
المقولة الثانية تنقض المقولة الأولى فقوله : ( الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص ) هذا حق وهو قول أهل السنة والجماعة ، لكن قوله بعد ذلك : ( لا كفر إلا باعتقاد وجحود ) هذا ينقض المقالة الأولى ، فكما أن الإيمان يكون بالقول والعمل والاعتقاد فكذلك الكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد فلابد أن تصحح المقولة الثانية فتكون : ( والكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد ) أما بقاء هذه المقولة على حالها فإنها تنقض الأولى .

السؤال الثامن :
هل هذا القول صحيح أم لا : ( أن سب الله وسب الرسول  ليس بكفر في نفسه ، ولكنه أمارة وعلامة على ما في القلب من الاستخفاف والاستهانة ) ؟
الجواب :
هذا القول ليس بصحيح ، بل هو قول المرجئة وهو قول باطل ، بل إن نفس السب كفر ونفس الاستهزاء كفر كما قال تعالى : ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ @ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) فأثبت لهم الكفر بعد الإيمان بهذه المقالة ولم يقل إن كنتم تعتقدون في قلوبكم شيئاً ، فالله تعالى أطلق الكفر عليهم بهذه المقالة ، فدل على أن القول بأن كلام الكفر أو قول الكفر ليس بكفر بل هو علامة على ما في القلب هذا باطل ، فالقلب لا يعلم ما فيه إلا الله تعالى والكفر يكون بالقلب ويكون بالقول ويكون بالعمل ، والمقصود أن هذه المقالة تتمشى مع مذهب المرجئة .


السؤال التاسع :
ما حكم من يسب الله ورسوله ويسب الدين فإذا نُصح في هذا الأمر تعلَّل بالتكسب وطلب القوت والرزق ، فهل هذا كافر أم هو مسلم يحتاج إلى تعزير وتعذيب؟ وهل يقال هنا بالتفريق بين السب والساب ؟
الجواب :
لا أدري ما معنى التعلل بالتكسب وطلب القوت ؟! إن كان المراد أنه إذا قيل له تعلَّم الدين يتعلَّل بالكسب ، التعلُّم شيء آخر لكن الآن نحكم عليه بهذا السب ونقول : من سب الله أو سب رسوله  أو سب الدين فإن هذا كفر باتفاق أهل السنة والجماعة ، أما مسألة التعلل بالكسب وطلب القوت إذا قيل له تعلم دينك ؛ فهذا التعلل باطل ويجب على الإنسان أن يتعلم ما يقيم به دينه ؛ كما أنه يطلب الكسب والقوت فيجب عليه أن يتعلم دينه ؛يتعلم ما يصح به إيمانه ؛ يتعلم ما أوجب الله عليه من الاعتقاد الصحيح وأن الله مستحق للعبادة وحده ؛ وما أوجب الله عليه من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج ، فهذا التعلل لا وجه له . فإذا قيل له : تعلَّم ما أوجب الله عليك أو اسأل العلماء عن مقالتك هل هي كفر أم غير كفر تعلل بالكسب فهذا باطل ؛ لأن الكسب لا يمنع الإنسان من تعلم دينه وتعلم أن هذه المقالة كفرية أو يسأل عنها ؛ لأن الكسب لا يأخذ وقتاًََ كثيراً والكسب له أوقات واسعة وليس هناك فرق بين السب والساب فنقول : من سب الله أو سب الرسول  أو سب دينه فهو كافر والساب كافر ؛ لأنه لا عذر له في هذا ، والذي يعذر فيه إنما هي الكلمات التي فيها إيهام ؛ فهذا الذي يفرق فيها بين المقالة والقائل فلو تكلم الإنسان بكلم موهمة أو كلمة يحتمل أن يكون لصاحبها عذر فهذا الذي يقال فيه بالفرق بين المقالة والقائل فيقال : المقالة كفرية والقائل لا يكفر إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع وقامت عليه الحجة ؛ أما من سب الله وسب رسوله  وسب دينه فهذا أمر واضح لا إشكال في كفره .




السؤال العاشر :
إذا سب الله أو سب رسوله  أو سب الدين وتعلَّل بالتكسب والرزق ؛ مقصوده المجاملة كأن يقول : إذا سببت الله سيأتيني الرزق والدنيا .
الجواب :
لا شك في كفر هذا ؛ لأنه كما سبق أنه من فعل الكفر قاصداً وعامداً فإنه يكفر ؛ ومن فعل الكفر هازلاً فإنه يكفر ومن فعله خائفاً فإنه يكفر ؛ وإذا فعله لقصد المال فهذا كافر بنص الآية قال الله تعالى : ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) @ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ....) الآية .
فأخبر الله بأن لهم حظاً من الدنيا فقدَّموا حظ الدنيا ، فالآية نصٌ في هذا الصنف من الناس وأنه إنما فعل الكفر تفضيلاًَ وإيثاراً للدنيا على الآخرة فيكون داخلاً في هذه الآية .

السؤال الحادي عشر :
ما هو القول فيمن نصب الأصنام والأضرحة والقبور وبنى عليها المساجد والمشاهد وأوقف عليها الرجال والأموال وجعل لها هيئات تشرف عليها ومكَّن الناس من عبادتها والطواف حولها ودعائها والذبح لها ؟
الجواب :
هذا مشرك نسأل الله السلامة والعافية ، فمن نصب الأصنام فهو مشرك وإذا أوقف عليها الأوقاف أو الأموال أو دافع عنها فيكون أيضاً كافر صادٌ عن سبيل الله فهذا جمع بين الكفرين ؛ فعل الكفر بنفسه وصدَّ عن دين الله حينما جعل الأموال وأوقف الأوقاف ومنع الناس من دين الله وهو داخل في قوله تعالى : ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) وهذا من المفسدين في الأرض كفر بنفسه وصدَّ عن دين الله نسأل الله السلامة .



السؤال الثاني عشر :
هل تصح الصلاة خلف إمام يستغيث بالأموات ويطلب المدد منهم أم لا ؟
الجواب :
هذا الرجل كافر ، الذي يستغيث بالأموات ويطلب المدد منهم ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات هذا مشرك ولا تصح الصلاة خلفه والصلاة خلفه باطلة ؛ ومن صلى خلفه ولم يعلم حاله فإنه إذا علم يعيد الصلاة وهذا بإجماع المسلمين أن الصلاة لا تصح خلف المشرك ، لكن الخلاف بين العلماء في صحة الصلاة خلف الفاسق ؛ فالحنابلة وجماعة يمنعون الصلاة خلفه ويقولون : لا تصح ، وآخرون يقولون : تصح مع الكراهة ، والصواب أنها تصح ولكن الصلاة خلف العدل أولى ؛ هذا إذا كان موحِّداً لكنه فاسق ، أما المشرك فلا تصح الصلاة خلفه بالإجماع .

السؤال الثالث عشر :
هناك بعض الأحاديث التي يستدل بها البعض على أن من ترك جميع الأعمال بالكلية فهو مؤمن ناقص الإيمان كحديث ( لم يعملوا خيراً قط ) وحديث البطاقة وغيرها من الأحاديث ؛ فكيف الجواب على ذلك ؟
الجواب :
ليس في هذه الأحاديث حجة لهذا القائل فمن ترك جميع الأعمال بالكلية وزعم أنه يكتفي بما في قلبه من التصديق كما سبق فإنه لا يتحقق إيمانه إلا بالعمل ، وأما أحاديث الشفاعة وأن المؤمنين الموحدين العصاة يشفع لهم الأنبياء والأفراط والشهداء والملائكة والمؤمنون وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته ؛ يخرج قوماً من النار لم يعملوا خيراً قط ، قال العلماء : المعنى ( لم يعملوا خيراً قط ) أي زيادة على التوحيد والإيمان ولابد من هذا ؛ لأن النصوص يُضم بعضها إلى بعض وقد دلت النصوص على أن الجنة حرامٌ على المشركين وقد ثبت في الصحيح أن النبي  أمر منادياً ينادي في بعض الغزوات : ( أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ) ولما أمّر أبابكر في الحج في السنة التاسعة من الهجرة أرسل معه مؤذنين يؤذنون منهم أبوهريرة وغيره يؤذنون في الناس بأربع كلمات منها : (( لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد فهو إلى عهده ومن لم يكن له عهد فهو إلى أربعة أشهر )) وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يدخل الجنة كافر قال تعالى: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) فهذه نصوص محكمة وهذا الحديث يُرد إليها والقاعدة عند أهل العلم : أن المتشابه يُرد إلى المحكم .
ولا يتعلق بالنصوص المتشابهة إلا أهل الزيغ كما قال تعالى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) وثبت في الحديث الصحيح عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت : (( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم )) وأما أهل الحق فإنهم يردون المتشابه إلى المحكم ويفسرونه به وهذا الحديث فيه اشتباه لكنه يرد إلى المحكم من النصوص الواضحة المحكمة في أن المشرك لا يدخل الجنة وأن الجنة حرام عليه.
فلا يمكن أن يكون معنى الحديث :((لم يعملوا خيراً قط )) أنهم مشركون وليس عندهم توحيد وإيمان وأنهم أخرجهم الله إلى الجنة فهذا لا يمكن أن يكون مراداً وإنما المراد (( لم يعملوا خيراً قط )) أي زيادة على التوحيد والإيمان وكذلك حديث البطاقة ليس فيه أنه مشرك وإنما فيه أنه موحِّد ففيه أنه : (( يؤتى برجل ويخرج له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر سيئات ويؤتى له ببطاقة فيها الشهادتان فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة )) ومعلوم أن كل مسلم له مثل هذه البطاقة وكثير منهم يدخلون النار ، لكن هذا الرجل لما قال هاتين الشهادتين قالها عن إخلاص وصدق وتوبة فأحرقت هذه السيئات فثقلت البطاقة وطاشت السجلات .








السؤال الرابع عشر :
ما حكم من يدعو غير الله وهو يعيش بين المسلمين وبلغة القرآن ، فهل هذا مسلم تلبس بشرك أم هو مشرك ؟
الجواب :
هذا الشخص مشرك ؛ لأنه غير معذور إذا كان يعيش بين المسلمين لقول الله - - : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة ، وقال تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) فمن بلغه القرآن وبلغته الدعوة وفعل الشرك وهو يعيش بين المسلمين فإنه مشرك . وقال بعض أهل العلم : إن الشخص إذا كان يخفى عليه ما وقع فيه من الشرك بسبب دعاة الضلال والإشراك وبسبب كثرة المضلين حوله وخفي عليه الأمر فإنه في هذه الحالة يكون أمره إلى الله -  - فيكون حكمه حكم أهل الفترة إذا لم يعلم ولكنه إذا مات يعامل معاملة المشركين فلا يُغسَّل ولا يُصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم .
فالمقصود أن الأصل أنه لا يعذر لكن لو وجد بعض الناس خفي عليه بسبب دعاة الشرك والضلال ولم يعلم قد يقال إنه معذور في هذه الحالة وأمره إلى الله تعالى ، وبكل حال يجب عليه أن يطلب الحق ويتعرف عليه ويسعى له كما أنه يسعى في معيشته ويسأل عن طرق الكسب فيجب عليه أن يسأل عن دينه ويسأل عن الأمر الذي أشكل عليه وكونه لم يسمع الحق ولم يقبل الحق وتصامم عن سماع الحق فليس هذا عذراً له ؛ هذا هو الأصل .

السؤال الخامس عشر :
هل يشترط في إقامة الحجة فهم الحجة فهماً واضحاً جلياً أم يكفي مجرد إقامتها ؛ نرجو التفصيل في ذلك مع ذكر الدليل ؟
الجواب :
الواجب إقامة الحجة على من كان عنده شبهة وكذلك المشرك إذا أقيمت عليه الحجة فقد زال عذره بمعنى أن يبلغه الدليل ويعلم أن هذا الأمر فيه دليل من كتاب الله وسنة رسوله  ولا يشترط فهم الحجة فإن الله أخبر أن المشركين قامت عليهم الحجة ومع ذلك لم يفهموها فهماً واضحاً ولكنهم قامت عليهم الحجة ببلوغها ؛ نزل القرآن وسمعوه وجاءهم النذير  وأنذرهم واستمروا على كفرهم فلم يعذرهم ولهذا قال الله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) وقد بعث الرسول ، وقال تعالى : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) فاشترط في إقامة الحجة البلاغ ، وقال  : (( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار )) وقال تعالى في وصف الكفار : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) ومع ذلك قامت عليهم الحجة فأخبر أن مثلهم مثلُ من يسمع الصوت ولا يفهم المعنى كمثل الغنم التي ينعق لها الراعي فتسمع الصوت ومع ذلك قامت عليهم الحجة ، وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) ولم يقل حتى يتبين ؛ بل قال : (حَتَّى يُبَيِّنَ ) وهذا هو قيام الحجة ، فإذا فهم الحق وعرف هذا الدليل وعرف الحجة فقد قامت عليه الحجة ولو لم يفهمها ؛ فلا يشترط فهمها وهذا الذي تدل عليه النصوص وهو الذي قرره أهل العلم .

السؤال السادس عشر :
هل تكفير شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – للطائفة الممتنعة من أداء شعيرة الزكاة حين فعل هذا ما ارتد من العرب لأجل جحدهم للوجوب أم لأجل مجرد المنع وعدم الالتزام بالأداء ؟
الجواب :
أهل الردة الذين ارتدوا بعد موت النبي  أقسام ؛ منهم من رجع إلى الأصنام والأوثان فعبدها ومنهم من أنكر نبوة النبي  وقال : لو كان نبياً ما مات ؛ وهؤلاء كفار لا إشكال فيهم ، ومنهم من منع الزكاة والصحابة قاتلوهم جميعاً ولم يفرِّقوا بينهم وسموهم المرتدين ؛ والذي منع الزكاة قال العلماء إنما كفر لأنه إذا منعها وقاتل عليها دل على جحوده إياها لأنه فعل أمرين : منعها وقاتل عليها ، أما إذا منعها ولم يقاتل عليها فإنها تؤخذ منه ويؤدَّب ولا يكفر ، ولكن إن منعها وقاتل عليها فإنه يكفر ؛ لأن هذا دليل على جحوده والمرتدون الذين منعوا الزكاة منعوها وقاتلوا عليها فدل على أنهم جحدوها ولهذا عاملهم الصحابة معاملة المرتدين وسموهم مرتدين كلهم وقاتلوهم ، لا فرق بين من أنكر نبوة محمد  أو عبد الأصنام أو من جحد الزكاة لأنه جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة .

السؤال السابع عشر :
ما حكم من يقول بأن من قال : أن من ترك العمل الظاهر بالكلية بما يسمى عند بعض أهل العلم بجنس العمل أنه كافر ؛ أن هذا القول قالت به فرقة من فرق المرجئة ؟
الجواب :
لا أعلم أن هذا القول قالت به المرجئة ولكن لابد من العمل كما سبق لأن من أقر بالشهادتين فلابد أن يعمل لأن النصوص التي فيها الأمر بالنطق بالشهادتين وأن من نطق بالشهادتين فهو مؤمن مقيّدة بقيود لا يمكن معها ترك العمل وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه  أنه قال : (( من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة )) وقوله : (( خالصاً من قلبه )) هذا ينفي الشرك ؛ لأن الإخلاص ينافي الشرك ومن ترك العمل فهو مشرك لأنه عابدٌ للشيطان ولأنه معرض عن دين الله ؛ ومن أعرض عن دين الله كفر ؛ وكذلك جاء في الأحاديث : (( من قال لا إله إلا الله مخلصاً )) وفي بعضها : (( صادقاً من قلبه )) وفي بعضها : (( مستيقناً بها قلبه )) وفي بعضها : (( وكفر بما يعبد من دون الله )) فهذه النصوص التي فيها أن من نطق بالشهادتين فهو مؤمن مقيدة بهذه القيود التي لا يمكن معها ترك العمل فلابد أن يكفر بما يعبد من دون الله ؛ ومن لم يعمل فإنه معرض عن دين الله وهذا نوع من أنواع الردة ؛ فمن لم يعمل مطلقاً وأعرض عن الدين لا يتعلمه ولا يعبد الله فهذا من نواقض الإسلام قال تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) فلابد أن يعمل فإذا قال : لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه وقالها عن إخلاص وفي بعضها (( وهو غير شاك )) فلابد أن يعمل ولا يمكن أن يتكلم بكلمة التوحيد عن صدق وإخلاص ولا يصلي أبداً وهو قادر لأنه إذا ترك الصلاة دل على عدم إخلاصه ودل على عدم صدقه ودل على أن قلبه ليس مستيقناً بها ولو كان قلبه مستيقناً بها وكان عنده يقين وإخلاص وصدق لابد أن يعمل فإن لم يعمل دل على عدم إيمانه وعدم يقينه وعدم إخلاصه وعدم صدقه ودل على ريبه وشكه وهذا واضح من النصوص .

السؤال الثامن عشر :
ما حكم تنحية الشريعة الإسلامية واستبدالها بقوانين وضعية كالقانون الفرنسي والبريطاني وغيرها مع جعله قانوناً ينص فيه على أن قضايا النكاح والميراث بالشريعة الإسلامية ؟
الجواب :
هذه مسألة فيها كلام لأهل العلم وقد ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله – أن من بدَّل الشريعة بغيرها من القوانين فإن هذا من أنواع الكفر ومثَّل لذلك بالمغول الذين دخلوا بلاد الإسلام وجعلوا قانوناً مكوناً من عدة مصادر يسمى ( الياسق ) وذكر كفرهم وذكر هذا أيضاً الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله – فقد قال في أول رسالته (( تحكيم القوانين )) : (( إن من الكفر المبين استبدال الشرع المبين بالقانون اللعين )) فإذا بدَّل الشريعة من أولها إلى آخرها كان هذا كفراًَ من أنواع الكفر والردة، وقال آخرون من أهل العلم : إنه لابد أن يعتقد استحلاله ولابد أن تقام عليه الحجة وذهب إلى هذا سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز - رحمه الله – وقال : إنه لابد أن تقوم عليه الحجة لأنه قد يكون جاهلاً بهذا الأمر وليس عنده علم ؛ فلابد أن يبين له حتى تقوم عليه الحجة فإذا قامت عليه الحجة فإنه يحكم بكفره ، والمقصود أن هذه المسألة مسألة خطيرة وهذا إذا لم يكن لمن وضع القانون أعمال كفرية أخرى أما إذا كان تلبَّس بأنواع من الكفر الأخرى فهذا لا إشكال فيه ، لكن هذا مفروض في شخص لم يتلبَّس بشيء من أنواع الكفر ؛ فهل يكون هذا كفراً أكبر بمجرد تبديله الدين كما ذكر هذا الحافظ ابن كثير والشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهما الله – وغيرهما من أهل العلم ، أو أنه لابد من إقامة الحجة وبيان أن هذا الأمر كفر فإذا قامت عليه الحجة حكم بكفره .



السؤال التاسع عشر :
هل تكفير السلف - رضوان الله عليهم – للجهمية كفر أكبر مخرج من الملة أم هو كفر دون كفر ويراد منه الزجر والتغليظ فقط ؟
الجواب :
تكفير العلماء والأئمة والسلف للجهمية تكفير أكبر مخرج عن الملة ؛ وذكر العلاَّمة ابن القيِّم – رحمه الله تعالى – أنه كفرهم خمسمائة عالم فقال :
ولقد تقلد كفرهـم خمسـون في عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام قد حكاه عنهمُ بل قد حكـاه قبله الطبراني
وقد قال العلماء : إن الجهمية خارجون من الثنتين والسبعين فرقة الذين قال فيهم النبي  : (( وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة )) وكونهم خارجين عن الثنتين والسبعين فرقة يدل على أن مرادهم الكفر الأكبر لأن فرق الأمة الثنتين والسبعين فرقة متوعدة بالنار وهي فرقٌ مبتدعة ،وقالوا : الجهمية خارجون عن الفرق الثنتين والسبعين وكذلك القدرية الغلاة وكذلك الرافضة فهذه الفرق الثلاث خارجون من الثنتين والسبعين فرقة ؛ لأن الجهمية نفوا الأسماء والصفات ؛ ونفي الأسماء والصفات ينتج العدم ؛ فشيء لا اسم له ولا صفة ؛ لا وجود له إلا في الذهن نسأل الله العافية ، فشيء لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباين له ولا محايث له ولا منفصل عنه وليس له سمع ولا بصر ولا قدرة ولا إرادة ولا علم ماذا يكون ؟!! هذا مستحيل ؛ ولهذا كان كفرهم كفراً أكبر مخرجاً عن الملة .

السؤال العشرون :
ما وجه قولهم : ( إنه تكفير للزجر ) ؟
الجواب :
يعني أنه كفر أصغر ، زجر عن العمل وإن كان ليس بمخرج من الملة ؛ أي يُنهى عنه صاحبه ويقال له : إنه كفر ، حتى يرتدع عن هذا العمل لا أنه كفر أكبر .


السؤال الحادي والعشرون :
هل إطلاقات السلف في تكفير أعيان الجهمية كتكفير الشافعي لحفص الفرد حين قال بخلق القرآن فقال له الشافعي : كفرت بالله العظيم ؛ كما نقل ذلك اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ، وكتكفير الجهم بن صفوان وبشر المريسي والنظَّام وأبو الهذيل العلاّف كما ذكر ذلك ابن بطة في الإبانة الصغرى يراد منه تكفير أعيان هؤلاء أم تكفير ألفاظهم لا أعيانهم ؟
الجواب :
الظاهر أن المراد تكفير أعيانهم لما خصوهم بالذكر ، وكذلك الشافعي ظاهره أنه ناظره وأقام عليه الحجة ، أما لو أريد التكفير بالعموم فهو مثل قول بعضهم : الجهمية كفار ، أما تخصيص أعيان بعينهم يقابلون الأئمة ويناظرونهم فهذا تكفير بأعيانهم والعلماء لهم في تكفير الجهمية أقوال فمنهم من كفر الغلاة ومنهم من كفرهم بإطلاق ومنهم من بدّعهم بإطلاق ، فهؤلاء الأفراد الذين وقفوا أمام الأئمة وناظروهم ؛ الظاهر أنهم كفروهم بأعيانهم ؛ لأن الحجة تكون قد قامت عليهم .

السؤال الثاني والعشرون :
ترد بعض الاصطلاحات في كتب أهل السنة مثل : ( الالتزام – الامتناع – كفر الإعراض ) فما معنى هذه الاصطلاحات ؟
الجواب :
الالتزام : ظاهرة الالتزام أن يلتزم بأحكام الشريعة ويأتي بما أمر الله به وينتهي عما نهى الله عنه .
والامتناع : أي يمتنع عما أمر الله به ؛ وهذا فيه تفصيل فإذا امتنع عن شيء يكون تركه كفراًَ يكون كفراً وإن امتنع عن شيء لا يصل لحد الكفر يكون معصية ، ومن كفر الامتناع امتناع إبليس عن السجود لآدم قال تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) فإبليس إباؤه كفر .
وكفر الإعراض : كما سبق معناه الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعبد الله .
السؤال الثالث والعشرون :
ما معنى قول الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الناقض الثالث من نواقض الإسلام : ( من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحَّح مذهبهم فهو مثلهم ) ؟
الجواب :
معنى هذا أن من اعتقد أن المشركين على حق أو توقَّف في ذلك فهو كافر ؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت ؛ لأن التوحيد لابد فيه من أمرين :
الأمر الأول : الكفر بالطاغوت .
الأمر الثاني : الإيمان بالله .
وهذا هو معنى : (( لا إله إلا الله )) وأن معناها : لا معبود بحقٍ إلا الله .
(( لا إله )) كفر بالطاغوت (( إلا الله )) إيمان بالله ، فمن لم يكفر المشركين أو اليهود أو النصارى أو الوثنيين أو توقف في كفرهم فهو كافر بالله ، لابد أن يجزم ويعتقد كفرهم فمن قال : (( إن اليهود والنصارى على دين سماوي وكذلك المسلمون على دين سماوي وكلهم على حق )) فهذا كافر ؛ لأنه لم يكفِّر المشركين فلابد أن يعتقد أن اليهود والنصارى كلهم على باطل وأنهم كفار فإن شك أو توقَّف كان هذا الشك أو التوقف منه ناقضاً من نواقض الإسلام ويكون كافراً بالله ؛ وكذلك لو صحَّح مذهبهم وقال : النصارى على حق واليهود على حق ومن أحب أن يتدين باليهودية أو النصرانية أو بالإسلام فله ذلك فهذا كافر لأنه صحَّح مذهبهم .

السؤال الرابع والعشرون :
من قال : ( إن اليهود والنصارى بلغتهم دعوة الإسلام مشوَّهة فما نكفرهم ) فما حكم هذا القول ؟
الجواب :
ليس ذلك بصحيح ؛ بل بلغتهم الدعوة على عهد النبي  وبلَّغهم النبي  بنفسه والصحابة بلغوهم بأنفسهم والدعاة بلغوهم بأنفسهم والأئمة ؛ فشيخ الإسلام بلغهم بنفسه ، فالقول بأنه لم تبلغهم الدعوة باطل .

السؤال الخامس والعشرون :
من قال : ( إخواننا النصارى ) !!! فما حكم هذا القول ؟
الجواب :
إذا كان يعتقد أن دينهم صحيح وأن مذهبهم صحيح وأنهم على حق وأنه يوافقهم في دينهم فهذا كفر وردة ، وأما لو قال : ( إخواننا النصارى ) غلطة أو سبقة لسان أو خطأ أو له شبهة فقد لا يكفر ؛ فهذا فيه تفصيل .

السؤال السادس والعشرون :
ما حكم من يقول : ( إن الشخص إذا لم يكفر النصارى لعدم بلوغ آية سورة المائدة : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ...) فإنه لا يكفر حتى يعلم بالآية ) ؟
الجواب :
هذا فيه تفصيل ؛ إذا كان هذا الشخص لا يعلم أن النصارى على باطل فهذا لابد أن تقام عله الحجة ؛ أما إذا كان يعلم أنهم على باطل وأن الله كفَّرهم ولا تخفى عليه النصوص فهو كافر ؛ لأنه لم يكفِّر المشركين .

السؤال السابع والعشرون :
ما الدليل على مشروعية شروط شهادة : أن لا إله إلا الله ، من العلم والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة والقبول واليقين ، وما الحكم فيمن يقول ( تكفي شهادة أن لا إله إلا الله بمجرد قولها دون هذه الشروط ) ؟
الجواب :
سبق بيان أن كلمة التوحيد لابد لها من شروط وأن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص ؛ قال  : (( من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة )) وفي بعض الروايات : (( صدقاً من قلبه )) وفي بعضها : (( وكفر بما يعبد من دون الله )) والانقياد لابد منه ؛ لأنه لابد من العمل لأن هذه الشروط تقتضي الانقياد وكذلك القبول ، فهذه الشروط التي دلَّت عليها النصوص من الإخلاص وعدم الشك والريب والصدق واليقين ؛ هذه تستلزم القبول والمحبة ، فدلَّت هذه النصوص على أن هذه الشروط لابد منها فمن قال : لا إله إلا الله بلسانه ولم يلتزم بشروطها من الإخلاص والصدق والمحبة والانقياد فهو مشرك والنبي  يقول : (( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) وهذا لم يكفر بما يعبد من دون الله ومعنى ذلك أنه لم يأت بهذه الشروط فانتقضت هذه الكلمة حيث قالها بلسانه ونقضها بفعله ؛ لأن ( لا إله إلا الله ) معناها : لا معبود بحقٍّ إلا الله ، فإذا عبد غير الله نقض هذه الكلمة ؛ وكذلك إذا قال : ( لا إله إلا الله ) عن كذب ولم يقلها عن صدق فهذا منافق ؛ كفَّره الله تعالى بقوله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) وقال تعالى : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) فتبين بهذا أن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص وأنه إذا انتفت هذه الشروط فلابد أن يقع في الشرك ؛ والمشرك كافر بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وقال : ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) وقال : ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ) وقال : ( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)وقال : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وقال : ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) فإذا لم يلتزم بهذه الشروط وقع في الشرك وإن قالها ولم ينقد لحقوقها صار مشركاً أيضاً ؛ لأنه صار معرضاً عن دين الله ، فتبين بهذا أن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص وأن هذه الكلمة لابد فيها من هذه الشروط وإلا فلا فائدة منها .

السؤال الثامن والعشرون :
نرجو تفسير قوله تعالى : ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ ...) الآية تفسيراً مفصَّلاً مع بيان حكم الإكراه في هذه الآية ؟
الجواب :
هذه الآية بيَّن الله تعالى فيها أنَّ من كفر بالله من بعد إيمانه فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم لأنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة ويشمل ذلك :
- من كفر بالله جاداً وقاصداً .
- ويشمل من كفر بالله هازلاً ولاعباً وساخراً .
- ويشمل من كفر بالله خائفاً .
- ويشمل من كفر بالله مكرهاً واطمئن قلبه بالكفر .
لأن الله تعالى لم يستثنِ من الكفر إلا من فعل الكفر مكرهاً واطمئن قلبه بالإيمان ؛ وبيَّن الله أن ماعدا هذا الصنف من الناس فإنه يكون كافراً لأنه مستحبٌ للحياة الدنيا على الآخرة ؛ فمن كفر بالله قاصداً فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة ؛ ومن كفر هازلاً فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة ؛ ومن كفر خائفاً فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة ؛ ومن كفر مُكرهاً واطمئن قلبه بالكفر فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة ؛ قال تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فلا يهديهم الله لكفرهم وضلالهم نسأل الله العافية .

السؤال التاسع والعشرون :
هناك من يفرِّق بين الإكراه بالقول والإكراه بالفعل ويقول الآية جاءت في الإكراه في القول فقط وأما الفعل فلا إكراه فيه ؟
الجواب :
الصواب أنه لا فرق بينهما مادام أن الإكراه مُلجئٌ لا اختيار له فيه ؛ كأن يضع ظالم السيف على رقبته ويقول : اسجد للصنم وإلا قتلناك ، لكن المُكره بالفعل ينبغي له أن ينوي بعمله التقرُّب لله ؛ فمثلاً : إذا أُكره للسجود للصنم فإنه ينوي السجود لله ؛ لأنهم لا يملكون قلبه وتكون الصورة صورة السجود للصنم وقلبه مطمئنٌ بالإيمان فلا يضره ذلك .

السؤال الثلاثون :
ما حكم موالاة الكفار والمشركين ؟ ومتى تكون هذه الموالاة كفراً أكبر مخرج من الملة ؟ ومتى تكون ذنباً وكبيرة من كبائر الذنوب ؟
الجواب :
موالاة الكفار والمشركين إذا كان ذلك تولياً لهم فهو كفر وردة وهي محبتهم بالقلب وينشأ عنه النُصرة والمساعدة بالمال أو بالسلاح أو بالرأي قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقال الله تعالى : ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) وقال تعالى : ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ...) الآية ، فتولي الكفار كفر وردة ؛ لأن أصل التولي المحبة في القلب ثم ينشأ عنها النُصرة والمساعدة .
أما الموالاة فهي كبيرة من كبائر الذنوب وهي معاشرة الكافر ومصادقتهم والميل إليه والركون إليه ومساعدة الكافر الحربي بأي نوع من أنواع المساعدة ولهذا ذكر العلماء أنه لو ساعده ببري القلم أو بمناولته شيئاً يكون هذا موالاة ومن كبائر الذنوب ، أما الكافر الذمي الذي بينه وبين المسلمين عهد فلا بأس بالإحسان إليه لكن الكافر الحربي لا يُساعد بأي شيء ، والمقصود أن التولِّي الذي هو المحبة والنُصرة والمساعدة كفر وردة وأما الموالاة والمعاشرة والمخالطة في غير ما يرد من يأتي إلى ولاة الأمور من الرسل وأشباههم مما تدعوا الحاجة إليه فهذا كبيرة من كبائر الذنوب .

السؤال الحادي والثلاثون :
ما هي نصيحتكم لطلبة العلم لمن أراد ضبط مسائل التوحيد والشرك ومسائل الإيمان والكفر ؟ وما هي الكتب التي تكلمت عن هذه المسائل وفصَّلتها ؟
الجواب :
نصيحتي لطلبة العلم العناية بطلب العلم والحرص عليه وحضور حلقات ودروس العلماء وقراءة الكتب النافعة ككتب الإمام محمد بن عبدالوهاب وأئمة الدعوة وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم ، والشيخ محمد بن عبدالوهاب له رسالة في كفر تارك التوحيد اسمها (( مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد )) وكذا (( الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة )) لعبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ؛ وابن القيم له مؤلفات كثيرة في هذا ، وشيخ الإسلام بيَّن كثيراًََ من ذلك في الفتاوى والعلماء في كل مذهب فالحنابلة والشافعية والمالكية والأحناف يبوِّبون في كتب الفقه باباً يسمونه : باب حكم المرتد ؛ وهو الذي يكفر بعد الإسلام ؛ ويذكرون أنواعاً من الكفر القولية والفعلية والاعتقادية فينبغي الرجوع إليها ، ومن أكثر من كتب في هذا من الأنواع الأحناف فقد كتبوا في باب حكم المرتد أنواعاً كثيرة قد يوصلونها إلى أربعمائة مكفِّر وذكروا أن من أنواع الكفر : تصغير المسجد أو المصحف على وزن مسيجد أو مصيحف فينبغي لطلبة العلم أن يعتنوا بهذا ؛ وكتاب (( الدرر السنية في الأجوبة النجدية )) فيها مجلد أيضاً في الكفر وأنواعه ، والمصادر والمراجع متوفرة والحمد لله .

السؤال الثاني والثلاثون :
ما حكم من يقول : ( ليس هناك تكفير للمعين مطلقاً ) ؟
الجواب :
هذا ليس بصحيح ؛ المُعيَّن يُكفَّر ، نحن نكفِّر اليهودي بعينه والنصراني بعينه ومن قامت عليه الحجة يكفر بعينه ، لأن معنى هذا الكلام وهو عدم تكفير المُعيَّن أنه لا يكون هناك كافر ؛ ومن قامت عليه الحجة ممن فعل الكفر والنصراني واليهودي والوثني يكفَّرون ومن كانت عنده شبهة فإنها تزال الشبهة .

السؤال الثالث والثلاثون :
هل يعذر الذي يدعو غير الله أو يستغيث بغير الله لجهله ؟
الجواب :
سبق أن تكلمنا على مثل هذا وأن الأصل أنه لا يعذر إذا كان يعيش بين المسلمين وبلغته الدعوة ولكن إذا كان يُلبَّس عليه بسبب علماء السوء وعلماء الباطل فإنه يزال عنه الشبهة ويبين له والأصل أن هذا إنما هو في أهل الفترة ، أما بعد مبعثه  ومن يعيش بين المسلمين فالأصل أنه لا يعذر ومن يدعو غير الله أو يستغيث بغير الله في الغالب أنه يدعو عن عناد وأنه لا يجهل هذا .

السؤال الرابع والثلاثون :
هل هناك فرق بين من يحب الكفار لدينهم ومن يحب بعض الكفار لدنياهم ؟
الجواب :
إن كان يحبهم لدنياهم محبة طبيعية كأن يكون قريبه أو لأجل مال فهذه موالاة ؛ وإن أحبهم لدينهم فهذا كفر وردة .

السؤال الخامس والثلاثون :
نرجو التفصيل في مسألة العذر بالجهل ؟
الجواب :
مسألة العذر بالجهل بيَّنها العلماء - رحمهم الله – وفصَّلها ابن القيِّم - رحمه الله – في طريق الهجرتين وفي (( الكافية الشافية )) وذكرها أئمة الدعوة كالشيخ عبدالله أبابطين وغيرهم وذكر ابن أبي العز شيئاً منها في (( شرح الطحاوية )) وخلاصة القول في هذا : أن الجاهل فيه تفصيل : فالجاهل الذي يمكنه أن يسأل ويصل إلى العلم ليس بمعذور فلابد أن يتعلم ولابد أن يبحث ويسأل ، والجاهل الذي يريد الحق غير الجاهل الذي لا يريد الحق ، فالجاهل قسمان :
الأول : جاهل يريد الحق .
والثاني : جاهل لا يريد الحق ؛ فالذي لا يريد الحق غير معذور حتى ولو لم يستطع أن يصل إلى العلم ؛ لأنه لا يريد الحق ، أما الذي يريد أن يعلم الحق فهذا إذا بحث عن الحق ولم يصل إليه فهو معذور ، والمقصود أن الجاهل الذي يمكنه أن يسأل ولا يسأل أو يمكنه أن يتعلم ولا يتعلم فهو غير معذور؛ أما الجاهل الذي لا يمكنه أن يتعلم فهو على قسمين :
- جاهل لا يريد الحق فهو غير معذور .
- وجاهل يريد الحق ثم بحث عنه ولم يحصل عليه فهذا معذور ، والله أعلم .




السؤال السادس والثلاثون :
هل هناك فرق بين المسائل التي تخفى في العادة وبين التي لا تخفى كمسائل التوحيد ؟
الجواب :
نعم ، الجهل الذي يعذر فيه الجاهل لا يعذر في الأشياء الواضحة ؛ إنما الجاهل الذي يُعذر يُعذر في الأشياء التي تخفى على مثله ؛ فلو كان هناك إنسان يعيش بين المسلمين ثم فعل الزنا فلما عوقب قال : إني جاهل ؛ فلا يقبل منه لأن هذا أمرٌ واضح ؛ أو تعامل بالربا وهو يعيش بين المسلمين لا يقبل منه أو عبد الصنم وهو يعيش بين المسلمين في مجتمع موحِّد لا يقبل منه ؛ لأن هذا أمر واضح ، لكن لو أسلم كافر في مجتمع يتعامل بالربا ويرى الناس يتعاملون بالمعاملات الربوية ثم تعامل بالربا وقال إنه جاهل ؛ فهذا مثله يجهل هذا الشيء ، أو نشأ في بلاد بعيدة ولم يسمع بالإسلام وليس عنده وسائل هذا معذور ، أما الإنسان الذي يفعل أمراً معلوماً واضحاً وهو بين المسلمين فهذا لا يُعذر ، فلابد أن تكون المسألة التي يُعذر فيها دقيقة خفية تخفى على مثله ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه وجمع أهله حينما حضرته الوفاة وقد كان مسرفاً على نفسه فجمع أولاده عند وفاته وقال : أي أبٍ كنت لكم ؟ فأثنوا خيراً ، فقال لهم :إنه لم يفعل خيراً قط وإن الله إن بعثه ليعذبنه عذاباً شديداً فأخذ المواثيق على بنيه أنه إذا مات أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروه في البر ؛ وفي بعض الروايات يذرُّوا نصفه في البر ونصفه في البحر وقال : لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً شديداً ففعلوا به ذلك ؛ وفي الحديث أن الله أمر كلاً من البر والبحر أن يجمع ما فيه وقال الله له : قم فإذا هو إنسانٌ قائم فقال له : ما حملك على ذلك ؟ قال : خشيتك يا رب ؛ فرحمه الله ، وهذا الحديث فيه كلام لأهل العلم فبعض العلماء يقول : هذا في شرع من قبلنا ، وأُجيب بأجوبة ولكن أصح ما قيل فيه ما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية : أن هذا الرجل إنما فعل ذلك عن جهل وأنه ظن أنه يفوت الله إذا وصل لهذه الحالة ، فالرجل غير منكر للبعث وغير منكر لقدرة الله وهو يعلم أنه لو تُرِك ولم يُحرق ولم يُسحق فإن الله يبعثه ؛ يعتقد هذا ، لكنه أنكر كمال تفاصيل القدرة وظن أنه إذا وصل لهذه الحالة وأُحرق وسُحق وذُرّ أنه يفوت على الله ولا يدخل تحت القدرة ، والذي حمله على ذلك ليس هو العناد ولا التكذيب وإنما الجهل مع الخوف العظيم فغفر الله له ، فلو كان عالماً ولم يكن جاهلاً لم يُعذر ولو كان معانداً لم يُعذر ولكنه ليس معانداً ولا عالماً فاجتمع فيه الجهل والخوف العظيم ؛ فرحمه الله وغفر له ؛ فهذه مسألة خفية دقيقة بالنسبة إليه .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،،،
  #3  
قديم 12-04-03, 06:26 PM
عبد الرحمن السديس عبد الرحمن السديس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-03-03
الدولة: الرياض
المشاركات: 3,692
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم لعل من المناسب أن أضع لكم هذا الكتاب الذي ألفه العلامة عبدالرحمن البراك وهو:
جواب في الإيمان و نواقضه
الحمد لله الذي منَّ على من شاء بالإيمان ، و صلى الله و سلم على عبده و رسوله و آله و صحبه و من تبعهم بإحسان و سلم تسليماً .. أما بعد :
فقد سأل بعضُ طلاب العلم عن مسألة كثر فيها الخوض في هذه الأيام ، و صورة السؤال : هل جنس العمل في الإيمان شرط صحة أو شرط كمال ، و هل سوء التربية عذر في كفر من سب الله أو رسوله ؟
و الجواب أن يقال : دل الكتاب و السنة على أن الإيمان اسم يشمل :
1- اعتقاد القلب ، و هو تصديقه ، و إقراره .
2- إقرار اللسان .
3- عمل القلب ، و هو انقياده ، و إرادته ، و ما يتبع ذلك من أعمال القلوب كالتوكل ، و الرجال ، و الخوف ، و المحبة .
4- عمل الجوارج – و اللسان من الجوارح – و العمل يشمل الأفعال و التروك القولية أو الفعلية .
قال الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداًً ) النساء : 136 .
و قال تعالى ( فآمنوا بالله و رسوله و النور الذي أنزلنا و الله بما تعملون خبير ) التغابن : 8 .
و قال تعالى ( آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسوله ) البقرة : 285 .
و قال تعالى ( إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم ، و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً و على ربهم يتوكلون [2] الذين يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون [3] أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم و مغفرة و رزق كريم ) الأنفال : 2-4 .
و قال تعالى ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبَلَ المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون ) البقرة : 177 .
و قال تعالى ( و من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و لكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله و لهم عذاب عظيم ) النحل : 106 .
و قال تعالى ( و ما كان الله ليضيع إيمانكم ) البقرة : 143 .
و الآيات في هذا المعنى كثيرة .
و في " الصحيحين " عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لوفد عبد القيس لما اتوا إليه ، قال ( من القوم ؟ أو من الوفد ؟ ) قالوا : ربيعة ، قال ( مرحباً بالقوم – أو بالوفد – غير خزايا و لا ندامى ) فقالوا : يا رسول الله ، إنما لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام ، و بيننا و بينك ه1ا الحي من كفار مضر ، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا ، و ندخل به الجنة ، و سألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ، و نهاهم عن أربع ، أمرهم بالإيمان بالله وحده ، قال ( أتردون ما الإيمان بالله وحده ؟ ) قالوا : الله و رسوله أعلم .
قال ( شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و صيام رمضان ، و أن تعطوا من المغنم الخمس ، و نهاهم عن أربع : عن الحنتم ، و الدباء ، و النقير ، و المزفت – و ربما قال : المقير – و قال ( احفظوهن و أخبروا بهن من وراءكم ) .
و في " الصحيحين " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( الإيمان بضع و ستون شعبة و الحياء شعبة من الإيمان ) .
و في " الصحيحين " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سُئل : أي العمل أفضل ؟ فقال ( إيمان بالله و رسوله ) ، قيل : ثم ماذا ؟ قال ( الجهاد في سبيل الله ) قيل : ثم ماذا ؟ قال ( حج مبرور ) .

و في " صحيح مسلم " عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، و ذلك أضعف الإيمان ) .
و قد استفاض عن أهئمة أهل السنة – مثل : مالك بن أنس ، و الأوزاعي ، و ابن جريج ، و سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، و وكيع بن الجراح ، و غيرهم الكثير – قولهم ( الإيمان قول و عمل ) .
و أرادوا بالقول : قول القلب و اللسان ، و بالعمل : عمل القلب و الجوارح .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " العقيدة الواسطية " ( ومن أصول أهل السنة و الجماعة أن الدين والإيمان قول و عمل ، قول القلب واللسان ، و عمل القلب ، واللسان ، والجوارح )
فظهر أن اسم الإيمان يشمل كل ما أمر الله به و رسوله من : الاعتقادات و الإرادات ، و أعمال القلوب ، وأقوال اللسان ، و أعمال الجوارح أفعالاً و تروكاً ، فيدخل في ذلك فعل الواجبات و المستحبات ، وترك المحرمات ، والمكروهات ، وإحلال الحلال ، و تحريم الحرام .
و هذه الواجبات والمحرمات ، بل و المستحبات والمكروهات ، على درجات متفاوتة تفاوتاً كبيراً .
وبهذا يتبين أنه لا يصح إطلاق القول بأن العمل شرط صحة أو شرط كمال بل يحتاج إلى تفصيل ؛ فإن اسم العمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح ، و يشمل الفعل و الترك ، و يشمل الواجبات التي هي أصول الدين الخمسة ، وما دونها ، و يشمل ترك الشرك و الكفر و ما دونهما من الذنوب .
فأما ترك الشرك و أنواع الكفر والبراءة منها فهو شرط صحة لا يتحقق الإيمان إلا به .
و أما ترك سائر الذنوب فهو شرط لكمال الإيمان الواجب .
وأما انقياد القلب – وهو إذعانه لمتابعة الرسول صلى الله عليه و سلم و ما لابد منه لذلك من عمل القلب كمحبة الله ورسوله ، و خوف الله و رجائه – و إقرار اللسان – و هو شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمد رسول الله – فهو كذلك شرط صحة لا يحقق الإيمان بدونهما .
وأما أركان الإسلام بعد الشهادتين فلم يتفق أهل السنة على أن شيئاً منها شرط لصحة الإيمان ؛ بمعنى أن تركه كفر ، بل اختلفوا في كفر من ترك شيئاً منها ، و إن كان أظهر و أعظم ما اختلفوا فيه الصلوات الخمس ، لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ، و لما ورد في خصوصها مما يدل على كفر تارك الصلاة ؛ كحديث جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ( بين الرجل و بين الشرك و الكفر ترك الصلاة ) أخرجه مسلم في صحيحه و غيره ، و حديث بريده بن الحصيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه نو سلم ( إن العهد الذي بيننا و بينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) أخرجه أصحاب السنن .
وأما سائر الواجبات بعد أركان الإسلام الخمسة فلا يختلف أهل السنة أن فعلها شرط لكمال إيمان العبد ، و تركها معصية لا تخرجه من الإيمان .
و ينبغي أن يعلم أن المراد بالشرط هنا معناه الأعم ، و هو ما تتوقف الحقيقة على وجوده سواء كان ركناً فيها أو خارجاً عنها ، فما قيل فيه هنا أنه شرط للإيمان هو من الإيمان .
و هذا التفصيل كله على مذهب اهل السنة ، والجماعة فلا يكون من قال بعدكم كفر تارك الصلاة كسلاً أو غيرها من الأركان مرجئاً ، كما لا يكون القائل بكفره حرورياً .
و إنما يكون الرجل من المرجئة بإخراج أعمال القلوب و الجوارح عن مسمى الإيمان فإن قال بوجوب الواجبات ، و تحريم المحرمات ، و ترتب العقوبات فهو قول مرجئة الفقهاء المعروف و هو الذي أنكره الأئمة ، و بينوا مخالفته لنصوص الكتاب و السنة .
و إن قال : لا يضر مع الإيمان ذنب ، و الإيمان هو المعرفة ، فهو قول غلاة المرجئة الجهمية و هم كفار عند السلف .
و بهذا يظهر الجواب عن مسألة العمل في الإيمان هل هو شرط صحة أو شرط كمال ، و مذهب المرجئة في ذلك و هذا و لا أعلم أحداً من الأئمة المتقدمين تكلم بهذا ، و إنما ورد في كلام بعض المتأخرين .
و بهذا التقسيم و التفصيل يتهيؤ الجواب عن سؤالين :
أحدهما : بم يدخل الكافر الأصلي في الإسلام ، و يثبت له حكمه ؟
والثاني : بم يخرج المسلم عن الإسلام ، بحيث يصير مرتداً ؟
فأما الجواب عن الأول :
فهو أن الكافر يدخل في الإسلام ، ويثبت له حكمه بالإقرار بالشهادتين ( شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ) فمن أقر بذلك بلسانه دون قلبه ثبت له حكم الإسلام ظاهراً ، و إن أقر بذلك ظاهراً و باطناً كان مسلماً على الحقيقة و معه أصل الإيمان ، إذ لا إسلام إلا بإيمان ، و لا إيمان إلا بإسلام .
و هذا الإقرار الذي تثبت به حقيقة الإسلام يشمل ثلاثة أمور : تصديق القلب ، وانقياده ، ونطق اللسان ؛ و بانقياد القلب و نطق اللسان يتحقق الإقرار ظاهراً و باطناً ، و ذلك يتضمن ما يعرف عن أهل العلم بالتزام شرائع الإسلام ؛ و هو الإيمان بالرسول صلى الله عليه و سلم و بما جاءه به و عقدُ القلب على طاعته ، فمن خلا عن هذا الالتزام لم يكن مقراً على الحقيقة .
فأما التصديق : فضده التكذيب و الشك و الإعراض .
وأما الإنقياد : فإنه يتضمن الاستجابة ، والمحبة ، والرضا والقبول ، وضد ذلك الإباء ، و الاستكبار و الكراهة لما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم .
و أما النطق باللسان : فضده التكذيب و الإعراض ، فمن صدق بقلبه و كذب بلسانه فكفره كفر جحود ، و من أقر بلسانه دون قلبه فكفره كفر نفاق .
فنتج عن هذا ستة أنواع من الكفر كلها ضد ما يتحقق به أصل الإسلام و هذه الأنواع هي :
1- كفر التكذيب .
2- كفر الشك .
3- كفر الإعراض .
4- كفر الإباء .
5- كفر الجحود .
6- كفر الإعراض .
و من كفر الإباء و الاستكبار : الامتناع عن متابعة الرسول صلى الله عليه و سلم ، و الاستجابة لما يدعو إليه ، و لو مع التصديق بالقلب و اللسان ، و ذلك ككفر أبي طالب ، و كفر من أظهر الاعتراف بنبوة النبي صلى الله عليه و سلم من اليهود و غيرهم .
وأما جواب السؤال الثاني :
وهو ما يخرج به المسلم عن الإسلام بحيث يصير مرتداً ، فجماعه ثلاثة أمور :
الأول : ما يضاد الإقرار بالشهادتين ، و هو أنواع الكفر الستة المتقدمة ، فمتى وقع من المسلم واحد منها نقض إقراره و صار مرتداً .
الثاني : ما يناقض حقيقة الشهادتين ( شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ) :
أ- فحقيقة شهادة أن لا إله إلا الله : الكفر بالطاغوت و الإيمان بالله ، و هذا يشمل التوحيد بأنواعه الثلاثة :
توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء و الصفات .
و هذا يتضمن الإيمان بأنه تعالى رب كل شيء و مليكه ، و أنه ما شاء كان ، و ما لم يشأ لم يكن ، و انه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه ، و أنه الموصوف بكل كمال والمنزه عن كل نقص ، وأنه كما وصف نفسه و كما وصفه رسوله صلى الله عله و سلم من غير تعطيل ولا تمثيل ، على حق قوله تعالى ( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) الشورى:11 .
و إقراده مع ذلك بالعبادة ، و البراءة من كل ما يعبد من دونه .
و جملة ما يناقض التوحيد امور :
1- جحد وجود الله ، وهذا شر الكفر و الإلحاد و هو مناقض للتوحيد جملة ، و منه القول بوحدة الوجود .
2- اعتقاد أن مع الله خالقاً ، ومدبراً ، و مؤثراً مستقلاً عن الله في التأثير و التدبير ، و هذا هو الشرك في الربوبية .
3- اعتقاد أن لله مثلاً في شيء من صفات كماله ، كعلمه ، وقدرته .
4- تشبيهه تعالى بخلقه في ذاته أو صفاته أو أفعاله ، كقول المشبه : له سمع كسمعي ، وبصر كبصري ، ويدخل في ذلك وصفه بالنقائص كالفقر و البخل و العجز ، و نسبة الصاحبة و الولد إليه .
5- اعتقاد أن أحداً من الخلق يستحق العبادة مع الله ، و هذا هو اعتقاد الشرك في الألهية ، و لو لم يكن معه عبادة لغير الله .
و هذه الأمور الخمسة كلها تدخل في كفر الاعتقاد و شرك الاعتقاد .
6- عبادة أحد مع الله بنوع من أنواع العبادة ، و هذا هو الشرك في العبادة سواء اعتقد أنه ينفع و يضر ، أو زعم أنه واسطة يقربه إلى الله زلفى ، و من ذلك السجود للصنم .
و الفرق بين هذا و الذي قبله أن هذا من باب الشرك العملي المناقض لتوحيد العمل الذي هو إفراد الله بالعبادة ، و ذاك من باب الشرك في الاعتقاد المنافي لاعتقاد تفرد الله بالإلهية و استحقاق العبادة .
و لما بين الاعتقاد و العمل من التلازم صار يعبر عن هذا التوحيد بتوحيد الإلهية ، وتوحيد العبادة ، وعن ضده بالشرك في الإلهية ، أو الشرك في العبادة .
7- جحد أسماء الله و صفاته أو شيء منها .
8- السحر ، و يشمل :
* ما يفرَّق به بين المرء و زوجه كسحر أهل بابل .
* ما يسحل أعين الناس حتى ترى الأشياء على غير حقيقتها كسحر سحرة فرعون .
* ما يكون بالنفث في العقد كسحر لبيد بن الأعصم و بناته .
و هذه الأنواع تقوم على الشرك بالله بعبادة الجن أو الكواكب .
و أما السحر الرياضي و هو : ما يرجع إلى خفة اليد و سرعة الحركة ، و السحر التمويهي و هو : ما يكون بتمويه بعض المواد بما يظهرها على غير حقيقتها فهذان النوعان من الغش و الخداع و ليسا من السحر الذي هو كفر .
ب - حقيقة شهادة أنَّ محمداً رسول الله : أن الله أرسله إلى جميع الناس بالهدى و دين الحق ، وأنه خاتم النبيين ، وأنه الصادق المصدوق في كل ما أخبر به ، وأن هديه صلى الله عليه و سلم خير الهدي ، و أن الإيمان به ، وطاعته ، ومحبته ، وأتباعه واجب على كفر أحد .
و جملة ما يناقض حقيقة شهادة أن محمداً رسول الله أمور :
1- جحد رسالته صلى الله عليه و سلم ، أو تكذيبه ، أو الشك في صدقه .
2- جحد ختمه للنبوة ، أو دعوى النبوة بعده صلى الله عليه و سلم ، أو تصديق مدعيها ، أو الشك في كذبه .
3- جحد عموم رسالته صلى الله عليه و سلم ، و من ذلك اعتقاد أنه رسولٌ للعرب خاصة ، أو دعوى ذلك ، أو أن اليهود و النصارى لا يجب عليهم اتباعه ، أو أن أحداً يسعه الخروج عن شريعته صلى الله عليه و سلم كالفيلسوف أو العارف من الصوفية و نحوهما .
4- تنقص الرسول صلى الله عليه و سلم ، و عيبه في شخصه ، أو في هديه و سيرته .
5- السخرية من الرسول صلى الله عليه و سلم ، والاستهزاء به ، او بشيء مما جاء به من العقائد ، والشرائع .
6- تكذيبه صلى الله عليه و سلم في شيء مما أخبر به من الغيب مما يتعلق بالله ، أو يتعلق بالملائكة ، والكتب و الرسل و المبدأ و المعاد و الجنة و النار .
ج – ما يناقض حقيقة الشهادتين جميعاً ، و يشمل أموراً :
1- التكذيب بأن القرآن من عند الله ، أو جحد سورة ، أو آية ، أو حرف منه ، أو أنه مخلوق ، أو أنه ليس كلام الله .
2- تفضيل حكم القانون الوضعي على حكم الله ، ورسوله ، أو تسويته به ، أو تجويز الحكم به و لو مع تفضيل حكم الله و رسوله .
3- تحريم ما أحل الله ، ورسوله ، و تحليل ما حرم الله ، ورسوله ، أو الطاعة في ذلك .
تنبيه : ينبغي أن يعلم :
أولاً : أن ما تقدم من أنواع الردة منه ما لا يحتمل العذر كجحد وجود الله ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه و سلم ، فهذا يكفر به المعين بكل حال .
و منه ما يحتمل العذر بالجهل ، أو التأويل ..
مثل : جحد شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم من الأخبار و الشرائع ، و هذا لا يكفر به المعين إلا بعد إقامة الحجة عليه .
ثانياً : أن من أظهر شيئاً مما تقدم من أنواع الردة جاداً أو هازلاً أو مداهناً أو معانداً في خصومة – أي غير مكره – كَفَرَ بذلك لقوله تعالى ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .. الآية ) النحل : 106 .
و من ذلك : إظهار السجود للصنم مجاملة للمشركين ، وطلباً للمنزلة لديهم ، والنيل من دنياهم ، مع دعوى أنه يقصد بذلك السجود لله أو لا يقصد السجود للصنم ، فإنه بذلك مظهرٌ لكفر من غير إكراه ، فيدخل في عموم قوله تعالى ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان .. الآية ) النحل : 106 .
الثالث : ما يلزم منه لزوماً ظاهراً و يدل دلالة ظاهرة على عدم الإقرار بالشهادتين باطناً ن و لو أقر بهما ظاهراً و ذلك يشمل أمور :
1- الإعراض عن دين الإسلام ، لا يتعلمه ، و لا يعمل به ، ولا يبالي بما ترك من الواجبات ، و ما يأتي من المحرمات ، و لا بما يجهل من أحكام .
و ينبغي أن يعلم أن المكلف لا يخرج من كفر الإعراض – المستلزم لعدم إقراره – بفعل أي خصلة من خصال البر ، وشعب الإيمان ، فإن من هذه الخصال ما يشترك الناس في فعله – كافرهم و مؤمنهم – كإماطة الأذى عن الطريق ، وبر الوالدين ، و أداء الأمانة .
و إنما يتحقق عدم هذا الإعراض ، و السلامة منه بفعل شيء من الواجبات التي تختص بها شرعية الإسلام التي جاء بها الرسول صلى الله عليه و سلم – كالصلاة و الزكاة و الصيام و الحج – إذا فعل شيئاً من ذلك إيماناً واحتساباً ، قال شيخ الإسلام بن تيمية ( فلا يكون الرجل مؤمناً بالله و رسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه و سلم ) من " مجموع الفتاوى " ( 7 / 621 ) .
ملاحظة : هكذا وردت العبارة في " الفتاوى " ، و لعل المناسب للسياق ( مع عدم فعل شيء ) .
2- أن يضع الوالي قانوناً يتضمن أحكاماً تناقض أحكام قطعية من أحكام الشريعة معلومة من دين الإسلام بالضرورة ، و يفرض الحكم به ، و التحاكم إليه ، ويعاقب من حَكَمَ بحكم الشريعة المخالف له ، و يدعي مع ذلك الإقرار بوجوب الحكم بالشريعة – شريعة الإسلام – التي هي حكم الله و رسوله .
و من ذلك هذه الأحكام الطاغوتية المضادة لحكم الله و رسوله :
أ) الحكم بحرية الاعتقاد فلا يقتل المرتد ، ولا يستتاب .
ب) حرية السلوك ، فلا يجبر أحد على فعل الصلاة ، و لا الصيام ، و لا يعاقب على ترك ذلك .
ج) تبديل حد السرقة – الذي هو قطع اليد – بالتعزير و الغرامة .
د) منع عقوبة الزانيين بتراضيهما إلا لحق الزوج أو نحو ذلك مما يتضمن إباحة الزنا و تعطيل حدِّه من الجلد و الرجم .
هـ) الإذن بصناعة الخمر ، و المتاجرة فيه ، و منع عقوبة شاربه .
3- تولي الكفار من اليهود و النصارى ، و المشركين ، بمناصرتهم على المسلمين ، قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) المائدة : 51 .
4- أن يترك المسلم الصلاة دائماً بحيث لا يصلى إلا مجاملة للناص إذا كان بينهم ، و لو بغير طهارة ، فإن ترك الصلاة على هذا الوجه لا يصدر ممن يقر بوجوبها في الباطن ، فكفر بترك الإرار بوجوب الصلاة ؛ لا بمطلق ترك الصلاة الذي اختلف فيه أهل السنة ، و لهذا يجب أن يفرق بين هذا و بين من يصلي لكنه لا يحافظ عليها فيتركها أحياناً و يقص في واجباتها ، كما يدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، من أتى بهن و لم يضيع من حقهن شيئاً – استخفافاً بحقهن – كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، و من لم يأت بهن جاء و ليس عنده له عند الله عهد ، إن شاء عذبه ، و إنشاء أدخله الجنة ) .
قال شيخ الإسلام بن تيمية في " مجموع الفتاوى " ( 22 / 49 ) :
( فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط ، و يموت على هذا لا إصرار ، والترك ، فهذا لا يكون مسلماً ، لكن أكثر الناس يصلون تارة ، و يتركونها تارة ، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها ، و هؤلاء تحت الوعيد ، و هم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة بن الصامت .... – و ذكر الحديث – فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى ، و الذي يؤخرها أحياناً عن وقتها ، أو يترك واجباتها ، فهذا تحت مشيئة الله تعالى ، و قد يكون لهذا نوافل يكـمل بعها فرائضه كما جاء في الحديث ) .
و قال – رحمه الله – في الأمراء الذين أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها كما في " مجموع الفتاوى 22 / 61 " ( و إن قيل – و هو الصحيح – أنهم كانوا يفوتونها فقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم الأمة بالصلاة في الوقت ، و قال : أجعلوا صلاتكم معهم نافلة ، و نهى عن قتالهم .. و مؤخرها عن وقتها فاسق و الأمة لا يقاتلون بمجرد الفسق .. و هؤلاء الأئمة فساق و قد أمر بفعلها خلفهم نافلة ) اهـ بتصرف .
5 – و منها تعمد إلقاء المصحف في الحش أو البول عليه ، أو كتابته بالنجاسة ، لا يصدر عمن يقر بأنه كلام الله – عز وجل – قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في " مجموع الفتاوى 7 / 616 " ( و لا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه ، مقر بأن الله أوجب عليه الصلاة ، مقرا بأن الله أوجب عليه الصالة ، ملتزماً لشرعية النبي صلى الله عليه و سلم وما جاء به ، يأمره ولي الأمر بالصلاة ، فيمتنع حتى يقتل ، و يكون مع ذلك مؤمناً في الباطن ، قد لا يكون إلا كافراً ، و لو قال : أنا مقر بوجوبها ، غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه ، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش و يقول : أشهد أن ما فيه كلام الله ، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء و يقول : اشهد أنه رسول الله ، و نحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب ، فإذا قال : أنا مؤمن بقلبي ، مع هذه الحال كان كاذباً فيما أظهره من القول ) .
أما قول السائل : ( و هل سوء التربية عذراً في كفر من سب الله أو رسوله ؟ )
فالجواب :
أن سب الله و رسوله من نواقض الإسلام البينة ، لأنه استهانة بالله و رسوله ، و ذلك من يناقض ما تقتضيه الشهادتين من تعظيم لله و رسوله .
و سوء التربية ليس عذراً للمكلف في ترك واجب ، و لا فعل محرم من سائر المحرمات فضلاً عما هو من أنواع الكفر بالله .
و لو صح ان سيء التربية عذر في شيء من ذلك لكان أولاء اليهود و النصارى و غيرهم معذورين في تهودهم ، و تنصرهم ، و هذا لا يقوله مسلم ، و من قال ذلك فهو كافر يُعرّف و يستتاب ، فإن تاب و إلا وجب قتله مرتداً .
و في الصحيحن عن أبي هريرة أنه كان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، و ينصرانه ، و يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، فهل تحسون فيها من جدعاء ؟ ) ثم يقول أبو هريرة : و أقرؤوا إن شئتم ( فِطْرَتَ الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) الروم : 30 .
و قال تعالى ( بل قالوا إنا جدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون ) الزخرف : 22 .
هذا و أسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه ، و أن يحبب غلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا ، و يكره إلينا الكفر و الفسوق و العصيان ، و يجعلنا من الراشدين ، إنه تعالى سميع الدعاء ، و صلى الله على نبينا محمد ، و على آله و صحبه و سلم .
كتبه فضيلة الشيخ
عبدالرحمن بن ناصر البراك
  #4  
قديم 12-04-03, 06:26 PM
عبدالله بن عبدالرحمن عبدالله بن عبدالرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-04-02
المشاركات: 474
افتراضي

أسئلة وأجوبة
في
مسائل الإيمان والكفر

لفضيلة الشيخ الدكتور
صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان
عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعد.. فهذه أسئلة مهمة من طلاب العلم والدعاة إلى الله إلى شيخنا الفاضل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى وبارك فيه وفي علمه ، ونفع به الإسلام والمسلمين .. نقدمها إليه رجاءً منه بالإجابة بما يفتح الله عليه من الكتاب والسنة لعل الله أن ينفع بها :

السؤال الأول:
بمَ يكون الكفر الأكبر أو الردّة؟ هل هو خاص بالاعتقاد والجحود والتكذيب، أم هو أعم من ذلك؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فإن مسائل العقيدة مهمة جداً ، ويجب تعلم العقيدة بجميع أبوابها وجميع مسائلها وتلقيها عن أهل العلم ، فلا يكفي فيها إلقاء الأسئلة وتشتيت الأسئلة فيها ، فإنها مهما كثرت الأسئلة وأجيب عنها ، فإن الجهل سيكون أكبر . فالواجب على من يريد نفع نفسه ونفع إخوانه المسلمين أن يتعلم العقيدة من أولها إلى آخرها، وأن يلم بأبوابها ومسائلها ، ويتلقاها عن أهل العلم ومن كتبها الأصيلة ، من كتب السلف الصالح .. وبهذا يزول عنه الجهل ولا يحتاج إلى كثرة الأسئلة ، وأيضاً يستطيع هو أن يبين للناس وأن يعلم الجهّال، لأنه أصبح مؤهلاً في العقيدة.
كذلك لا يتلقى العقيدة عن الكتب فقط .. أو عن القراءة والمطالعة ، لأنها لا تؤخذ مسائلها ابتداءً من الكتب ولا من المطالعات ، وإنما تؤخذ بالرواية عن أهل العلم وأهل البصيرة الذين فهموها وأحكموا مسائلها ..

هذا هو واجب النصيحة ..
أما ما يدور الآن في الساحة من كثرة الأسئلة حول العقيدة ومهماتها من أناس لم يدرسوها من قبل، أو أناس يتكلمون في العقيدة وأمور العقيدة عن جهل أو اعتماد على قراءتهم للكتب أو مطالعاتهم ، فهذا سيزيد الأمر غموضاً ويزيد الإشكالات إشكالات أخرى ، ويثبط الجهود ويحدث الاختلاف، لأننا إذا رجعنا إلى أفهامنا دون أخذ للعلم من مصادره، وإنما نعتمد على قراءتنا وفهمنا ، فإن الأفهام تختلف والإدراكات تختلف .. وبالتالي يكثر الاختلاف في هذه الأمور المهمة . وديننا جاءنا بالاجتماع والائتلاف وعدم الفرقة ، والموالاة لأهل الإيمان والمعاداة للكفار .. فهذا لا يتم إلا بتلقي أمور الدين من مصادرها ومن علمائها الذين حملوها عمن قبلهم وتدارسوها بالسند وبلغوها لمن بعدهم .. هذا هو طريق العلم الصحيح في العقيدة وفي غيرها ، ولكن العقيدة أهم لأنها الأساس ، ولأن الاختلاف فيها مجال للضلال ومجال للفرقة بين المسلمين.

والكفر والردّة يحصلان بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام ، فمن ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام المعروفة عند أهل العلم فإنه بذلك يكون مرتداً ويكون كافراً ، ونحن نحكم عليه بما يظهر منه من قوله أو فعله، نحكم عليه بذلك لأنه ليس لنا إلا الحكم بالظاهر، أما أمور القلوب فإنه لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. فمن نطق بالكفر أو فعل الكفر، حكمنا عليه بموجب قوله وبموجب نطقه وبموجب فعله إذا كان ما فعله أو ما نطق به من أمور الردّة .

السؤال الثاني:

هناك من يقول : " الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن العمل شرط كمال فيه " ، ويقول أيضاً : " لا كفر إلا باعتقاد " .. فهل هذا القول من أقوال أهل السنة أم لا؟
الجواب :
الذي يقول هذا ما فهم الإيمان ولا فهم العقيدة ، وهذا هو ما قلناه في إجابة السؤال الذي قبله : من الواجب عليه أن يدرس العقيدة على أهل العلم ويتلقاها من مصادرها الصحيحة، وسيعرف الجواب عن هذا السؤال.
وقوله : إن الإيمان قول وعمل واعتقاد .. ثم يقول : إن العمل شرط في كمال الإيمان وفي صحته، هذا تناقض !! كيف يكون العمل من الإيمان ثم يقول العمل شرط، ومعلوم أن الشرط يكون خارج المشروط، فهذا تناقض منه . وهذا يريد أن يجمع بين قول السلف وقول المتأخرين وهو لا يفهم التناقض، لأنه لا يعرف قول السلف ولا يعرف حقيقة قول المتأخرين ، فأراد أن يدمج بينهما .. فالإيمان قول وعمل واعتقاد ، والعمل هو من الإيمان وهو الإيمان، وليس هو شرطاً من شروط صحة الإيمان أو شرط كمال أو غير ذلك من هذه الأقوال التي يروجونها الآن . فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.


السؤال الثالث:

هل الأعمال ركن في الإيمان وجزء منه أم هي شرط كمال فيه؟
الجواب :
هذا قريب من السؤال الذي قبله، سائل هذا السؤال لا يعرف حقيقة الإيمان. فلذلك تردد : هل الأعمال جزء من الإيمان أو أنها شرط له ؟ لأنه لم يتلق العقيدة من مصادرها وأصولها وعن علمائها. وكما ذكرنا أنه لا عمل بدون إيمان ولا إيمان بدون عمل ، فهما متلازمان ، والأعمال هي من الإيمان بل هي الإيمان : الأعمال إيمان، والأقوال إيمان، والاعتقاد إيمان ، ومجموعها كلها هو الإيمان بالله عز وجل، والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره.






السؤال الرابع:
ما أقسام المرجئة ؟ مع ذكر أقوالهم في مسائل الإيمان ؟
الجواب :
المرجئة أربعة أقسام :
القسم الأول : الذين يقولون الإيمان وهو مجرد المعرفة ، ولو لم يحصل تصديق .. وهذا قول الجهمية، وهذا شر الأقوال وأقبحها ، وهذا كفر بالله عز وجل لأن المشركين الأولين وفرعون وهامان وقارون وإبليس كلٌ منهم يعرفون الله عز وجل ، ويعرفون الإيمان بقلوبهم، لكن لما لم ينطقوه بألسنتهم ولم يعملوا بجوارحهم لم تنفعهم هذه المعرفة .
القسم الثاني: الذين قالوا إن الإيمان هو تصديق القلب فقط ، وهذا قول الأشاعرة، وهذا أيضاً قول باطل لأن الكفار يصدقون بقلوبهم، ويعرفون أن القرآن حق وأن الرسول حق ، واليهود والنصارى يعرفون ذلك : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) فهم يصدقون به بقلوبهم ! قال تعالى في المشركين : ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) .. فهؤلاء لم ينطقوا بألسنتهم ، ولم يعملوا بجوارحهم مع إنهم يصدقون بقلوبهم فلا يكونون مؤمنين .
الفرقة الثالثة: التي تقابل الأشاعرة وهم الكرَّامية ، الذين يقولون : إن الإيمان نطق باللسان ولو لم يعتقد بقلبه ، ولا شك أن هذا قول باطل لأن المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار يقولون : نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله بألسنتهم ، ولكنهم لا يعتقدون ذلك ولا يصدقون به بقلوبهم ، كما قال تعالى: ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ @ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ، قال سبحانه وتعالى : ( يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ )
الفرقة الرابعة: وهي أخف الفرق في الإرجاء ، الذين يقولون إن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان ولا يدخل فيه العمل وهذا قول مرجئة الفقهاء وهو قول باطل أيضا .



السؤال الخامس:
هل خلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء في أعمال القلوب أو الجوارح؟ وهل الخلاف لفظي أو معنوي ؟ نرجو من فضيلتكم التفصيل.
الجواب :
خلافهم في العمل ، خلاف مرجئة الفقهاء مع جمهور أهل السنة هو اختلاف في العمل الظاهر ، كالصلاة والصيام والحج، فهم يقولون إنه ليس من الإيمان وإنما هو شرط للإيمان، إما شرط صحة وإما شرط كمال ، وهذا قول باطل كما عرفنا .
والخلاف بينهم وبين جمهور أهل السنة خلاف معنوي وليس خلافاً لفظي، لأنهم يقولون إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص بالأعمال ، فلا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية .. وإيمان الناس سواء لأنه عندهم التصديق بالقلب مع القول باللسان ! وهذا قول باطل.

السؤال السادس:
ما حكم من ترك جميع العمل الظاهر بالكلية لكنه نطق بالشهادتين ويقر بالفرائض لكنه لا يعمل شيئاً البتة، فهل هذا مسلم أم لا ؟ علماً بأن ليس له عذر شرعي يمنعه من القيام بتلك الفرائض ؟
الجواب:
هذا لا يكون مؤمناً، من كان يعتقد بقلبه ويقر بلسانه ولكنه لا يعمل بجوارحه ، عطّل الأعمال كلها من غير عذر هذا ليس بمؤمن، لأن الإيمان كما ذكرنا وكما عرفه أهل السنة والجماعة أنه : قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، لا يحصل الإيمان إلا بمجموع هذه الأمور، فمن ترك واحداً منها فإنّه لا يكون مؤمناً .






السؤال السابع:
هل تصح هذه المقولة: " من قال الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص فقد بريء من الإرجاء كله حتى لو قال لا كفر إلا باعتقاد وجحود " ؟
الجواب:
هذا تناقض !! إذا قال لا كفر إلا باعتقاد أو جحود فهذا يناقض قوله إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، هذا تناقض ظاهر ، لأنه إذا كان الإيمان قول باللسان واعتقاد الجنان وعمل بالجوارح وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية … فمعناه أنه من تخلى من شيء من ذلك فإنه لا يكون مؤمناً .

السؤال الثامن:
هل هذا القول صحيح أم لا : ( أن من سب الله وسب الرسول  ليس بكفر في نفسه ، ولكنه أمارة وعلامة على ما في القلب من الاستخفاف والاستهانة ) ؟
الجواب:
هذا قول باطل، لأن الله حكم على المنافقين بالكفر بعد الإيمان بموجب قولهم : ( ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أجبن عند اللقاء ) يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فأنزل الله فيهم قوله سبحانه وتعالى : ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ @ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) ، فكفّرهم بهذه المقالة ولم يشترط في كفرهم أنهم كانوا يعتقدون ذلك بقلوبهم، بل إنه حكم عليهم بالكفر بموجب هذا المقالة . وكذلك قوله تعالى : ( وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ) فرتب الكفر على قول كلمة الكفر .

السؤال التاسع:
ما حكم من يسب الله ورسوله ويسب الدين فإذا نُصح في هذا الأمر تعلَّل بالتكسب وطلب القوت والرزق ، فهل هذا كافر أم هو مسلم يحتاج إلى تعزير وتأديب ؟ وهل يقال هنا بالتفريق بين السب والساب ؟
الجواب :
لا يجوز للإنسان أن يكفر بالله بالقول أو بالفعل أو بالاعتقاد ويقول إن هذا لأجل طلب الرزق، فالرزق عند الله سبحانه وتعالى ، والله جل وعلا يقول: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ، فالرزق بيد الله عز وجل ، والله جل وعلا حكم بالكفر على من آثر الدنيا على الآخرة ، قال سبحانه وتعالى في وصف المرتدين والمنافقين : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ، فحكم عليهم بأنهم تركوا إيمانهم بسبب أنهم يريدون أن يعيشوا مع الناس ويكونوا مع الناس ، ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) ، فلو توكلوا على الله لرزقهم الله عز وجل .
السؤال العاشر:
ما هو القول فيمن نصب الأصنام والأضرحة والقبور ، وبنى عليها المساجد والمشاهد ، وأوقف عليها الرجال والأموال ، وجعل لها هيئات تشرف عليها ، ومكَّن الناس من عبادتها والطواف حولها ودعائها والذبح لها ؟
الجواب :
هذا حكمه أنه يكفر بهذا العمل، لأن فعله هذا دعوة للكفر .
إقامته للأضرحة وبناؤه لها ودعوة الناس إلى عبادتها وتنصيب السدنة لها، هذا يدل على رضاه بهذا الأمر ، وعلى أنه يدعو إلى الكفر ويدعوا إلى الضلال والعياذ بالله .
السؤال الحادي عشر:
هل تصح الصلاة خلف إمام يستغيث بالأموات ويطلب المدد منهم أم لا ؟
وماذا عن رجل يكذب ويتعمد الكذب و يؤذي الصالحين ويؤم الناس. هل يقدم في الصلاة إذا عرف عنه الكذب والفسوق؟
الجواب :
لا تصح الصلاة خلف المشرك الذي شركه شرك أكبر يخرج من الملة ، ودعاء الأموات والاستغاثة بهم ، هذا شرك أكبر يخرج من الملّة .
فهذا ليس بمسلم لا تصح صلاته في نفسه ولا تصح صلاة من خلفه، إنما يشترط للإمام أن يكون مؤمناً بالله وبرسوله ، ويكون عاملاً بدين الإسلام ظاهراً وباطناً .
أما الرجل الأخر وما يفعله فهذه كبائر من كبائر الذنوب : الكذب، واكتساب الكبائر التي دون الشرك وأذية المسلمين .. هذه كبائر من كبائر الذنوب، لا تقتضي الكفر ، ولا ينبغي أن يُنصَّب إماماً للناس، لكن من جاء ووجدهم يصلون وهو يصلي بهم، يصلي خلفه ولا يصلي منفرداً، إلى أن يجد إماماً صالحاً مستقيماً فيذهب إليه.

السؤال الثاني عشر:
هناك بعض الأحاديث التي يستدل بها البعض على أن من ترك جميع الأعمال بالكلية فهو مؤمن ناقص الإيمان .. كحديث ( لم يعملوا خيراً قط ) وحديث البطاقة وغيرها من الأحاديث ؛ فكيف الجواب على ذلك ؟
الجواب :
هذا من الاستدلال بالمتشابه ، هذه طريقة أهل الزيغ الذين قال الله سبحانه وتعالى عنهم : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) ، فيأخذون الأدلة المتشابهة ويتركون الأدلة المحكمة التي تفسرها وتبينها .. فلا بد من رد المتشابهة إلى المحكم، فيقال من ترك العمل لعذر شرعي ولم يتمكن منه حتى مات فهذا معذور ، وعليه تحمل هذه الأحاديث .. لأن هذا رجل نطق بالشهادتين معتقداً لهما مخلصاً لله عز وجل ، ثم مات في الحال أو لم يتمكن من العمل ، لكنه نطق بالشهادتين مع الإخلاص لله والتوحيد كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم دمه وماله ) .. وقال : ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) ، هذا لم يتمكن من العمل مع انه نطق بالشهادتين واعتقد معناهما وأخلص لله عز وجل، لكنه لم يبق أمامه فرصة للعمل حتى مات فهذا هو الذي يدخل الجنة بالشهادتين ، وعليه يحمل حديث البطاقة وغيره مما جاء بمعناه ، والذين يُخرجون من النار وهم لم يعملوا خيراً قط لأنهم لم يتمكنوا من العمل مع أنهم نطقوا بالشهادتين ودخلوا في الإسلام، هذا هو الجمع بين الأحاديث.

السؤال الثالث عشر:
ما حكم من يدعو غير الله وهو يعيش بين المسلمين وبلغه القرآن ، فهل هذا مسلم تلبس بشرك أم هو مشرك ؟
الجواب :
من بلغه القرآن والسنة على وجه يستطيع أن يفهمه لو أراد ثم لم يعمل به ولم يقبله فإنه قد قامت عليه الحجة ، ولا يعذر بالجهل لأنه بلغته الحجة ، والله جل وعلا يقول: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) ، سواء كان يعيش مع المسلمين أو يعيش مع غير المسلمين .. فكل من بلغه القرآن على وجه يفهمه لو أراد الفهم ثم لم يعمل به فإنه لا يكون مسلماً ولا يعذر بالجهل.

السؤال الرابع عشر:
هل يشترط في إقامة الحجة فهم الحجة فهماً واضحاً جلياً أم يكفي مجرد إقامتها ؟ نرجو التفصيل في ذلك مع ذكر الدليل ؟
الجواب :
هذا ذكرناه في الجواب الذي قبل هذا، أنه إذا بلغه الدليل من القرآن أو من السنة على وجه يفهمه لو أراد .. أي بلغه بلغته ، وعلى وجه يفهمه ، ثم لم يلتفت إليه ولم يعمل به فهذا لا يعذر بالجهل لأنه مفرِّط .

السؤال الخامس عشر:
هل تكفير شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – للطائفة الممتنعة من أداء شعيرة الزكاة - حين فعل هذا من ارتد من العرب - لأجل جحدهم للوجوب أم لأجل مجرد المنع وعدم الالتزام بالأداء ؟
الجواب :
هذا فصّل فيه أهل العلم، قالوا إن مانع الزكاة إن كان يجحد وجوبها فهذا كافر ويقاتل قتال ردة ، وأما إن كان منعه لها من أجل بخل وهو يعتقد وجوبها فهذا يقاتل حتى يخضع لأداء الزكاة فلا يحكم بكفره، فيقاتل امتناعاً لمنعه الزكاة حتى تؤخذ منه. وأما ما نُسب إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى أنه كفرهم مطلقاً فأنا لم أطلع على هذا الكلام .

السؤال السادس عشر:
ما حكم تنحية الشريعة الإسلامية واستبدالها بقوانين وضعية كالقانون الفرنسي والبريطاني وغيرها ، مع جعله قانوناً ينص فيه على أن قضايا النكاح والميراث بالشريعة الإسلامية ؟
الجواب :
من نحّى الشريعة الإسلامية نهائياً وأحل مكانها القانون فهذا دليل على أنه يرى جواز هذا الشيء ، لأنه ما نحاها وأحل محلها القانون إلا لأنه يرى أنها أحسن من الشريعة ، ولو كان يرى أن الشريعة أحسن منها لما أزاح الشريعة وأحل محلها القانون، فهذا كفر بالله عز وجل .
أما من نص على أن قضايا النكاح والميراث فقط تكون على حسب الشريعة ، هذا يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، يعني يحكّم الشريعة في بعض، ويمنعها في بعض، والدين لا يتجزأ، تحكيم الشريعة لا يتجزأ، فلا بد من تطبيق الشريعة تطبيقا كاملاً، ولا يطبق بعضها ويترك بعضها .

السؤال السابع عشر:
ما حكم من يقول بأن من قال : أن من ترك العمل الظاهر بالكلية بما يسمى عند بعض أهل العلم بجنس العمل أنه كافر ؛ أن هذا القول قالت به فرقة من فرق المرجئة ؟
الجواب :
هذا كما سبق. أن العمل من الإيمان، العمل إيمان، فمن تركه يكون تاركاً للإيمان، سواء ترك العمل كله نهائياً فلم يعمل شيئاً أبداً، أو أنه ترك بعض العمل لأنه لا يراه من الإيمان ولا يراه داخلاً في الإيمان فهذا يدخل في المرجئة .

السؤال الثامن عشر:
هل تكفير السلف - رضوان الله عليهم – للجهمية ، كفر أكبر مخرج من الملة أم هو كفر دون كفر والمراد منه الزجر والتغليظ فقط ؟
الجواب :
تكفير السلف للجهمية تكفير بالكفر الأكبر لأنهم جحدوا كلام الله عز وجل، قالوا : كلام الله مخلوق ، وجحدوا أسماء الله وصفاته فهم معطلة ، وهم مكذبون لما في القرآن وما في السنة من إثبات أسماء الله وصفاته ، وأيضاً يعتقدون بالحلول وأن الله تعالى حال في كل مكان تعالى الله عمّا يقولون . فمقالاتهم تقتضي الكفر الأكبر، فتكفير السلف لهم هو من التكفير بالكفر الأكبر، إلا من كان جاهلاً مقلداً اتبعهم وهو يظن أنهم على حق ولم يعرف مذهبهم ولم يعرف حقيقة قولهم فهذا قد يعذر بالجهل.

السؤال التاسع عشر:
هل إطلاقات السلف في تكفير أعيان الجهمية كتكفير الشافعي لحفص الفرد حين قال بخلق القرآن فقال له الشافعي : كفرت بالله العظيم ؛ كما نقل ذلك اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ، وكتكفير الجهم بن صفوان وبشر المريسي والنظَّام وأبو الهذيل العلاّف كما ذكر ذلك ابن بطة في الإبانة الصغرى … يراد منه تكفير أعيان هؤلاء أم تكفير ألفاظهم لا أعيانهم ؟
الجواب :
من نطق بالكفر أو فعل الكفر فإنه يكفر بعينه ، فمن فعل الكفر أو نطق به وهو ليس ممن يعذر بالجهل فإنه يكفر بعينه ، ونحكم عليه بالكفر .

السؤال العشرون:
ترد بعض الإصطلاحات في كتب أهل السنة مثل : الالتزام، الإقناع، كفر الإعراض، فما معنى هذه المصطلحات؟
الجواب :
الكفر أنواع: منه كفر الإعراض وكفر التكذيب ومنه كفر الجحود، كل هذه أنواع من الكفر، فالكفر ليس نوعاً واحداً وإنما هو أنواع . وأيضا الكفر ينقسم إلى كفر أكبر مخرج من الملة ، وكفر أصغر لا يخرج من الملّة، فلا بد من دراسة هذه الأمور ومعرفتها بالتفصيل، فالكفر ليس على حد سواء.

السؤال الحادي والعشرون:
ما معنى قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الناقض الثالث من نواقض الإسلام : " من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فهو مثلهم " ؟
الجواب :
أي نعم هو كذلك، لأنه رضي بما هم عليه ووافقهم على ما هم عليه، فمن لم يكفرهم أو رضي بما هم عليه أو دافع دونهم فإنّه يكون كافراً مثلهم، لأنه رضي بالكفر وأقرّه ولم ينكره.

السؤال الثاني والعشرون:
ما حكم من يقول : ( إن الشخص إذا لم يكفر النصارى لعدم بلوغ آية سورة المائدة : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ...} فإنه لا يكفر حتى يعلم بالآية ) ؟
الجواب :
ليس تكفير اليهود والنصارى قاصراً على سورة المائدة، بل تكفيرهم كثير في القرآن ، وأيضاً كفرهم ظاهر من أقوالهم وأفعالهم وما في كتبهم التي يتدارسونها ، مثل قولهم : المسيح ابن الله، أو قولهم إن الله ثالث ثلاثة، وقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم، أو قول اليهود إن عزيراً ابن الله، أو أن الله فقير ونحن أغنياء أو يد الله مغلولة .. أو غير ذلك مما هو موجود في كتبهم التي في أيديهم، فكفرهم ظاهر في غير سورة المائدة.

السؤال الثالث والعشرون:
ما الدليل على مشروعية شروط شهادة : أن لا إله إلا الله ، من العلم والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة والقبول واليقين ، وما الحكم في من يقول " تكفي شهادة أن لا إله إلا الله بمجرد قولها دون هذه الشروط " ؟
الجواب :
هذا إمّا أنه مضلل، يريد تضليل الناس وإمّا أنه جاهل يقول ما لا يعلم. فلا إله إلا الله ليست مجرد لفظ، بل لا بد لها من معنى ومقتضى، ليست مجرد لفظ يقال باللسان . والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله ) ، أو قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) ، إلا بحق لا إله إلا الله .. فلم يكتف بمجرد قولهم لا إله إلا الله إذا لم يلتزموا بحقها وهو العمل بمقتضاها ومعرفة معناها، فليست لا إله إلا الله مجرد لفظ يقال باللسان .. ومنها تؤخذ هذه الشروط العشرة التي ذكرها أهل العلم.

السؤال الرابع والعشرون:
نرجو تفسير قوله تعالى : { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } الآية تفسيراً مفصَّلاً مع بيان حكم الإكراه في هذه الآية ؟
الجواب :
هذه الآية تدل على أن من نطق بكلمة الكفر مكرهاً عليها وهو غير معتقد لها، وإنما قالها ليتخلص بها من الإكراه فإنه معذور. كما في قصة عمّار بن ياسر رضي الله عنه لمّا أجبره المشركون على أن يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآذوه وأبوا أن يطلقوه حتى يسب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فتكلم بلسانه بما يطلبون منه، وجاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كيف تجد قلبك؟ قال: أجد في قلبي الإيمان بالله ورسوله، فأنزل الله تعالى ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ @ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ)
فإذا قال الإنسان كلمة الكفر مكرهاًَ عليها يريد التخلص من الإكراه فقط ولم يوافقه بقلبه فإنها رخصة رخص الله فيها للمكره، وهذه خاصة بالمكره دون غيره. وكذلك في قوله: ( إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) أي من الكفار ، فهذا في الإكراه ، وأما في غير الإكراه فلا يجوز موافقتهم ولا إعطائهم ما يطلبون من كلام الكفر أومن فعل الكفر.

السؤال الخامس والعشرون:
ما حكم موالاة الكفار والمشركين؟ ومتى تكون هذه الموالاة كفراً أكبر مخرجاً عن الملّة؟ ومتى تكون ذنباً وكبيرة من كبائر الذنوب؟
الجواب :
الله جلّ وعلى يقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، وقوله سبحانه : ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) ، فيجب معاداة الكفار وبغضهم وعدم مناصرتهم على المسلمين ، وقطع الصلة معهم من ناحية المودة والمحبة وبغض ما هم عليه من الكفر، كل هذا يجب على المسلم أن يقاطعهم فيه وأن يبتعد عنهم ولا يحبهم ولا يناصرهم على المسلمين ولا يدافع عنهم ولا يصحح مذهبهم، بل يصرح بكفرهم وينادي بكفرهم وضلالهم ويحذر منهم .

السؤال السادس والعشرون:
ما هي نصيحتكم لطلبة العلم لمن أراد ضبط مسائل التوحيد والشرك ومسائل الإيمان والكفر ؟ وما هي الكتب التي تكلمت عن هذه المسائل وفصَّلتها ؟
الجواب :
هذا أشرنا إليه في مطلع الأجوبة ، بأن المعتمد في هذا كتب السلف الصالح . فعليه أن يراجع كتب سلف هذه الأمة من الأئمة الأربعة وقبلهم الصحابة والتابعون وأتباعهم والقرون المفضلة، وهذا موجود في كتبهم ولله الحمد ، في كتب الإيمان وكتب العقيدة وكتب التوحيد المتداولة المعروفة عن الأئمة الكبار رحمهم الله ، مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وكتب الإمام ابن القيم ، وكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب .. وكتب السلف الصالح : مثل كتاب الشريعة لـلآجري ، والسنة لعبدالله بن الإمام أحمد، والسنّة للخلال ، ومثل كتاب العقيدة الطحاوية وشرحها للعز بن أبي العز … كل هذه من كتب أهل السنة ومن العقائد الصحيحة الموروثة عن السلف الصالح فليراجعها المسلم. ولكن كما ذكرنا لا يكفي الاقتصار على مطالعة الكتب وأخذ العلم عنها بدون معلم وبدون مدرس، بل لا بد من اللقاء مع العلماء ولابد من الجلوس في حلقات التدريس، إما الفصول الدراسية وإما في حلق العلم في المساجد ومجالس العلم، فلا بد من تلقي العلم عن أهله سواء في العقيدة أو في غير العقيدة ، و لكن العقيدة الحاجة أشد في هذا لأنها هي الأساس ، ولأن الغلط والخطأ فيها ليس كالخطأ والغلط في غيرها.
وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
  #5  
قديم 12-04-03, 06:31 PM
عبدالله بن عبدالرحمن عبدالله بن عبدالرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-04-02
المشاركات: 474
افتراضي

الرَدّ الأَسْمَى
على
القَوْلِ الأَسْنَى








كتبها
العبدالكريم





بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين . وبعد :
فقد كتب الأخ أحمد بن صالح الزهراني كتاباً صدر عام 1419هـ بعنوان ((ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه)) ضمنه اعتقاد المرجئة المذموم في أن العمل الظاهر شرط كمال في الإيمان، وقد أصدرت اللجنة الدائمة بياناً وتحذيراً من الكتاب قالت عنه: ((كتاباً يدعو إلى مذهب الإرجاء المذموم، لأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة داخلة في حقيقة الإيمان)) وكان ذلك برئاسة الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله وعضوية كلٍ من: آل الشيخ والغديان والفوزان وبكر أبوزيد.
ثم يفاجئنا الزهراني مرة أخرى بكتاب آخر بعنوان: ((القول الأسنى في الحد الأدنى)) يؤكد فيه معتقده الإرجائي الردي، في الوقت الذي كنا نعتقد أنه سيهتدي بهدي السلف ويتبع منهجهم ويقتفي أثرهم ويحذو حذو علمائهم. ولما كانت أدلته في هذا الكتاب لا تختلف كثيراً عن أدلته في سابقه، ولما كان الجديد منها سبق أن طرحه هو بنفسه على ساحات الحوار ورد عليه أهل السنة الغيورون على منهج السلف الصالح دون أن يكون هناك أي تراجع منه إلى الحق فإني رأيت أن الرد العلمي على الأدلة دليلاً دليلاً لا طائل تحته ولا فائدة مرجوة منه، فعدلت عن ذلك بطرح مسائل من كتابه هذا ((القول الأسنى)) بينت عوارها وتناقضها بما سميته ((الرد الأسمى على القول الأسنى)) وكان ذلك في ثلاث وثلاثين مسألة: وقبل البدء في عرضها والتعليق عليها أحب أن أنبه إلى نقطتين:
الأولى: أنني سأمر على الكتاب صفحة صفحة من أوله إلى آخره وكلما وجدت كلاماً له يحتاج إلى تعليق نقلته وجعلته مسألة وعلقت عليها.
الثانية: أعتذر سلفاً للقارئ مما يجد من تكرار لبعض الكلام والتعليقات وما ذلك إلا لأن الكتاب يكرر نفس الفكرة والخطأ والتناقض وسوء فهم عبارات السلف فاقتضى ذلك التكرار للرد عليه.
المسألة الأولى:
قال غفر الله له: ((ولم يشذّ في ذلك إلاّ فرقتان، هوّنت من شأن الكلمة، كلمة التّوحيد، فأمّا إحداهما فأفرغتها من محتواها وجرّدتها من لوازمها، وظنّت أنّ النّجاة المطلقة والأمن المطلق يحصل لمن قالها ولو لم يعمل، وهؤلاء هم المرجئة . وأمّا الأخرى فزعمت أنّها لا قيمة لها في ذاتها، وأنّ قيمة الكلمة في العمل بإطلاق، فكفّرت مرتكب الكبيرة وتارك الفرائض، وزعمت أنّه خالد مخلّد في النّار، وأتبعت ذلك بتطبيق كافّة أحكام المرتد في حقه، وهؤلاء هم الخوارج الحروريّة كلاب النّار .))
التعليق: يوهم -هداه الله- أن ليس ثمت إلا هاتين الفرقتين :
الأولى: المرجئة وهم عنده من ظن أن النجاة المطلقة تحصل لمن قال كلمة التوحيد ولو لم يعمل .
والثانية: الخوارج الذين كفروا مرتكب الكبيرة وتارك الفرائض، وفي هذا من التدليس والتلبيس ما فيه .
فأولاً نقول له وماذا عن الفرقة التي تقول أن النجاة تحصل لمن قال كلمة التوحيد ولو لم يعمل هل هي من المرجئة أم لا ؟ طبعاً سيقول لك لا! لأنه من هذه الفرقة فهو يقول بالنجاة ولو لم يعمل لكن ليست النجاة المطلقة، لأن الزهراني ومن نحا نحوه يرون نجاة من قال كلمة التوحيد ولو لم يعمل شيئاً، لكنه لا يرى النجاة المطلقة –يعني يعذب ثم يخلد في الجنة- وهذه الفرقة لم يذكرها مع وجودها . فنقول له وماذا عمن عدها من المرجئة هل هو من الخوارج كلاب النار وقد علمت قبل قليل من قال بذلك من العلماء المعاصرين.
وثانياً: لماذا الخلط بين من كفر مرتكب الكبيرة ومن كفر تارك الفرائض مع أن الأول من الخوارج بالإجماع والثاني قال به بعض أهل السنة، أهو الجهل أم التدليس على الجهلة؟! أحلاهما أمرهما.
المسألة الثانية:
أطال في الكلام عن الخوارج وسمات الخوارج وكأن الخلاف بينه وبينهم فقط مع أنه كما مرَّ معك الخلاف بينه وبين كبار العلماء وعلى رأسهم الإمام عبدالعزيز بن باز فتأمل!!
المسألة الثالثة:
تحت عنوان: ((الحدّ الأدنى للإسلام)) قال: ((هذه هي الصّورة الّتي أودّ الحديث عنها وهي رجل ينطق بالشّهادتين مقرّاً بها قلبُه ولم يأت بناقض لها، هل هو تحت المشيئة أم لا؟)) التعليق: لو كان مقراً بها حقاً لأتى بمقتضياتها، وما رأيك لو قال قائل: رجل ينطق بالشّهادتين مقرّاً بها قلبُه وأتى بناقض لها ألا يعتبر هذا تناقضاً؟! فهذا كهذا، لأن مخالفك يعد ترك عمل الجوارح بالكلية ناقضاً من نواقض الإيمان.
المسألة الرابعة:
ثم قال: (( وبعض النّاس يجعل هذه الصّورة وهميّة لا تقع في الشّاهد، ويستدلّ بكلامٍ لشيخ الإسلام رحمه الله كقولـه: ( ولهذا فرض متأخّروا الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو أنّ الرّجل إذا كان مقرّاً بوجوب الصّلاة فدُعي إليها فامتنع واستُتيب ثلاثاً مع تهديده بالقتل فلم يصلّ حتّى قتل، هل يموت كافراً أو فاسقاً ؟ وهذا فرضٌ باطل، فإنّه يمتنع أن يكون الرّجل يعتقد أنّ الله فرضها عليه وأنّه يعاقبه على تركها ويصبر على القتل مقابل أن لايسجد لله من غير عذر، هذا لايفعله بشرٌ قـط، بل لا يُضرب أحـدٌ مـمّن يقرّ بوجوبها إلاّ صلّى ) التعليق: ما رأيك لو قتل وهو مقرٌ بها قلبه هل تكفره؟ فإن قلت: يمتنع، قلنا لك: وذاك الذي لم يعمل العمل الظاهر مطلقاً يمتنع أن يكون مقراً بقلبه، فدليلك على امتناع ذاك هو دليلنا على لمتناع هذا.
المسألة الخامسة:
ثم قال: ((ولكنّ النّصوص من الكتاب والسّنّة دالّةٌ كذلك على أنّ من تركه مع بقاء أصل الإيمان لديه وهو التّصديق بقلبه والإقرار بلسانه داخل في عموم المشيئة، وأنّه من الموحّدين الّذين يخرجون من النّار بشفاعة الشّافعين ورحمة أرحم الرّاحمين000)) التعليق: قلت: الزهراني أتي من حيث أتى الخوارج، فالخوارج اعتمدوا على آيات و أحاديث مطلقة في الوعيد فأجروها على ظاهرها دون أن يجمعوا بينها وبين نظائرها من أحاديث الوعد، والزهراني اعتمد على أحاديث مطلقة في الوعد دون أن يجمع بينها وبين نظائرها في الوعيد وسترى هذا أخي القارئ واضحاً جلياً مما سيأتي من مسائل وتعليقات عليها، والله المستعان والوسط عزيز إلا على من أعزه الله بهدي السلف.
المسألة السادسة:
ثم قال: ((وهاك بيانه من الكتاب والسّنّة وأقوال الأئمّة والنّظر الصّحيح: )) ولم يستشهد إلا بآية واحدة وهي قولـه تعالى: {إِنَّ الله لَاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ باللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء:116]
التعليق: أين الشاهد هنا؟ فإن قال: الشاهد أن الله جعل الشرك وحده هو الذي لا يغفر أما غيره فهو تحت المشيئة ومن ذلك ترك أعمال الجوارح لأنها ليست شركاً. قلنا له يلزمك أن تقول سب الله ورسوله وسائر النواقض تحت المشيئة لأنها ليست شركاً. فإن قلت هذه نواقض قلنا وتلك أيضاً نواقض. فإن قلت هذه كفر ولا فرق بين الكفر والشرك قلنا وتلك كفر أيضاً وكل ما تقولـه عن النواقض الفعلية ينطبق عليك هنا في النواقض التركية. فأين الشاهد من الآية؟!
المسألة السابعة:
ثم قال: ((ومن السنة أحاديث الشّهادتين: . قولـه صلى الله عليه وسلم: ( من مات لايشرك بالله شيئاً دخل الجنّة ) . . قولـه صلى الله عليه وسلم: ( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثمّ مات على ذلك إلاّ دخل الجنّة، قال أبوذر: وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق) . . قولـه صلى الله عليه وسلم: ( من قال لاإله إلاّ الله أنجته يوماً من دهره أصابه قبل ذلك ما أصابه ) .
وجه الدّلالة: دلالة أحاديث الشّهادتين على عدم كفر تارك العمل الظّاهر من أوجه:
أوّلها: أنّها تشترك في قيد واحد على اختلاف ألفاظها وتعدد مخارجها، وهو قول: لا إله إلاّ الله، وفُسّر هذا في الأحاديث الكثيرة جداً بقولـه: ( لا يشرك بالله شيئاً )،كما في حديث جابر وغيره، وهذا القيد منطبق تماماً على من قالها وترك الشرك ولو لم يعمل من الخير شيئاً، ومن قال إنّها لا تكفي فقد استدرك على النّبيّ)) وفي موطن آخر قال: ((في ذلك اتّهامٌ للنّبي صلى الله عليه وسلم بالتّقصير في البيان)) .
التعليق: أولاً: هذه أحاديث الشهادة الواحدة وليس الشهادتين، والمؤلف يرى أن الأحاديث تؤخذ على (ظاهرها المحض) وهذا لفظ عبارته -كما سيأتي- فهل سيأخذها هنا على ظاهرها المحض أم أنه حسب الهوى؟!
ثانياً: يقال عن الحديث الأول ما قيل عن الآية.
ثالثاً: الحديث الثاني والثالث فيهما: ((من قال لا إله إلا الله)) وليس فيهما ((وأن محمداً رسول الله)) فما رأي المؤلف فيمن لم يقلهما؟ فإن قال: المقصود الشهادتين قلنا له كيف عرفت ذلك؟ أليس من أحاديث أخر؟ فإن قال: بلى، كان هذا حجة عليه في استشهاده بحديث البطاقة وحديث ((لم يعمل خيراً قط)) كما سيأتي.
رابعاً: قوله: ((ومن قال إنّها لا تكفي فقد استدرك على النّبيّ)) فهل هو يقول أن هذه الكلمة وحدها (لا إله إلا الله) بدون (وأن محمداً رسول الله) تكفي؟! أم أنه سيستدرك على النبي؟! وهل لو قال لا تكفي يكون قد اتّهم النّبي صلى الله عليه وسلم بالتّقصير في البيان؟!
المسألة الثامنة:
ثم قال: ((أنّ النّبيّ عندما أراد أن يبيّن القيود اللازمة لكون الشّهادتين نافعة في النجاة من الخلود أو لدخول الجنة مطلقاً قيّدها بالصّدق القلبي فقط)) ثم استشهد بحديث محمود بن الرّبيع عن عتبان: (( أليس يشهد أن لا إله إلا الله فلما كان في الثالثة قالوا إنه ليقولـه،قال والذي بعثني بالحق لئن قالها صادقا من قلبه لا تأكله النار أبدا وفي رواية البخاري: ((فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) يعني مخلصاً فيها صادقاً ومدار هذا على القلب.
التعليق:
عوداً على التصديق القلبي، هل يكون من ترك جميع أعمال الجوارح لا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا صدقة ولا حج ولا ذكر ولا قراءة قرآن ولا أي خير أو عمل صالح يبتغي به وجه الله ؛ هل يقال عن هذا أنه يشهد أن لا إله إلا الله صادقاً من قلبه؟! وهل يقال عنه أنه قالها يبتغي بذلك وجه الله؟! هل يقول هذا من يعرف منهج أهل السنة في الإيمان ويعرف علاقة الظاهر بالباطن؟! ثم نقول له مرة أخرى ما رأيك فيمن يقول كما في الحديث: ((لا إله إلا الله صادقاً من قلبه)) ويقولها ((يبتغي بذلك وجه الله)) لكن لا ينطق بالشهادتين هل تنجيه؟!
المسألة التاسعة:
استشهاده بحديث: ((وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه)) . يقال فيه ما قيل في سابقه.
المسألة العاشرة:
استشهاده بحديث: ((ما من نفس تموت وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله يرجع ذاكم إلى قلب موقن إلا غفر الله لها)) ويقال فيه ما قد قيل من قبل، وأي يقين في قلب لم تخضع جوارحه ولم تعبد الله قط بأي وجه من وجوه العبادة؟! وتذكر أخي القارئ وأنت تقرأ هذا الكلام ما ذكرته لك من أن الزهراني هذا أوتي من حيث أوتي الخوارج من تغليب أحاديث على أخرى دون الجمع بينها كما هو منهج الراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة، وسأذكرك بهذا بين فينة وأخرى حتى يظهر ذلك لك جلياً.
المسألة الحادية عشر:
استشهاده بحديث: ((انطلق بهما وبشّر من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا لإله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه فبشّره بالجنّة)) ويقال فيه ما قد قيل من قبل، وأي استيقانٍ هذا، من قلب لم تخضع جوارحه ولم تعبد الله قط بأي وجه من الوجوه ؟!
المسألة الثانية عشر:
ثم قال: ((وفي هذه النصوص لم يذكر العمل، بل ذكر الصدق في قولـه:أن يصدق لسانه قلبه، ولم يقل: يصدق عمله قولـه))
التعليق:
وأيضاً لم يذكر هنا عمل القلب فما تقول؟!
المسألة الثالثة عشر:
ثم قال: (( وممّا يدلّ على أنّ تلك الأحاديث على ظاهرها المحض))
التعليق:
سبق أن ذكرت لك أخي القارئ في المسألة الخامسة أن الزهراني هذا أوتي من حيث أوتي الخوارج شعر أم لم يشعر، فهم قد أتوا بأحاديث الوعيد كحديث ((لا يدخل الجنة من فعل كذا وكذا000)) وقالوا: تلك الأحاديث على ظاهرها المحض وكفروا مرتكب الكبيرة ولم ينظروا إلى قوله تعالى مثلاً: { إِنَّ الله لَاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} والزهراني أخذ أحاديث الوعد وقال: ((تلك الأحاديث على ظاهرها المحض)) بل الخوارج اطردوا وهو اضطرب كما مرَّ معك. فتأمل هذا جيداً فإنه يتكرر كثيراً.
المسألة الرابعة عشر:
ثم قال: ((الشّهادة وحدها منجية من الخلود في النّار)) نقول له الشهادة أم الشهادتان وهل تلك الأحاديث التي فيها الشهادة وحدها نجريها على ظاهرها المحض أم لا؟
المسألة الخامسة عشر:
ثم قال معلقاً على حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: ((انطلق بهما وبشّر من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه فبشّره بالجنّة)): ((وشيءٌ آخر:وهو أنّ حمل الحديث على أنّ الشّهادتين لا تنفع إلاّ بعمل يفقد الحديث أهمّيّته))
التعليق:
لاحظ هو الآن يتكلم عن حديث فيه ((يشهد أن لا إله إلاّ الله)) وليس فيه ((وأن محمداً رسول الله)) فلم لم يجره على ظاهره المحض؟ فإن قال: كلمة التوحيد إذا أفردت يفهم منها الشهادتان وهذا ديدن السلف، قلنا له هذا صحيح وكذلك إذا ورد في الحديث: (صادقاً من قلبه) أو (موقناً بها قلبه) أو (إلا بحقها) فهموا منه العمل القلبي والبدني، أما قرأت حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مانعي الزكاة وكيف جعل الزكاة وهي عمل بدني من أعمال الجوارح من حقها؟!
المسألة السادسة عشر:
ثم قال تعقيباً على الحديث نفسه: ((إنّ للشّهادتين ميزةٌ خاصّة، وهي أنّها سبب لدخول الجنّة ولو بعد حين على أيّ حال كان عليه الإنسان مادام لم ينقض معناها))
التعليق:
أولاً: من أين لك بالشهادتين وليس في الحديث إلا شهادة واحدة؟
ثانياً: من أين لك أن الشهادة سبب في دخول الجنة ما لم ينقض معناها وليس في الحديث ذكر شئ من ذلك؟ فأين جريان الحديث على الظاهر المحض؟
ثالثاً: مخالفك يرى أن ترك جميع أعمال الجوارح من نواقض معنى الشهادة فما أنت قائل؟
المسألة السابعة عشر:
ثم طنطن كثيراً حول حديث: ((لم يعمل خيراً قط))
التعليق:
كنت قد رددت عليه قبل مدة برد موجز أعيده هنا للفائدة، فأقول: توجيه الأحاديث التي فيها: (لم يعمل خيراً قط )
الوجه الأول: التمسك بعموم هذه اللفظة يلزم منه عدم تكفير تارك جنس عمل القلوب. لأن كلاهما يطلق عليه عمل فهذا عمل القلب وهذا عمل الجوارح . فإن قيل جنس عمل القلب موجود في الحديث وهو الخشية من الله، قيل وجنس عمل الجوارح موجود كذلك وهو ذكره لله.
الوجه الثاني: أنه يصح في اللغة والشرع إطلاق لفظ لم يعمل خيراً أو شيئاً بصيغة النكرة في سياق النفي ولا يعنون به النفي بالكلية ، قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان (ص 41): ((000 فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال:ليس بمؤمن ، واسم الإيمان غير زائل عنه ؟ قيل:هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المتستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا عمله على غير حقيقة ، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئاً ولا عملت عملاً ، وإنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد لا على الصنعة نفسها ، فهو عندهم عامل بالاسم ، وغير عامل في الاتقان ، حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا .... وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنزيل والسنة)). وقال ابن خزيمة في كتاب التوحيد (2/732): (( هذه اللفظة (لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي يقوله العرب ، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام ، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل {لم يعملوا خيراً قط } على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي)) أ.هـ. وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ( 7/27): (( لأن ما لم يتم ينفى كقوله للذي أساء في صلاته (صل فإنك لم تصل) فنفي الإيمان حيث نفي من هذا الباب)) أ.هـ.
الوجه الثالث: جاء في السنة إطلاق (لم يعمل خيراً قط) على من عمل بعض أعمال الجوارح ، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان ممن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً ...) الحديث وفيه: (فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى ، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط). فالمجيء المصحوب بالتوبة من أعمال الجوارح والقلوب ومع هذا قيل في حقه (لم يعمل خيراً قط) وأذكرك أخي القارئ بطريقته في عدم جمعه بين الأحاديث كطريقة الخوارج في تعاملهم مع أحاديث الخوف والوعيد.
المسألة الثامنة عشر:
ثم أورد حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- وهو حديثٌ طويلٌ نسوق منه موضع الشّاهد، قال عليه الصّلاة والسّـلام: (حتّى إذا خلص المؤمنون من النّار، 000 فيقبض قبضةً من النّار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط 000قال: فيخرجون كاللّؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنّة، هؤلاء عتقاء الله الّذين أدخلهم الجنّة بغير عمل عملوه ولاخير قدّموه) وهذا الحديث قمّةٌ ليس بعدها إلاّ انحدار، وحقٌّ ماوراءه إلاّ الباطل، فانظر إلى هذه الصّورة المشرقة لرحمة الله تعالى، وإلى التّدرّج في إخراج العصاة من النّار ابتداءً بأهل العمل الظّاهر من صلاة وصوم وحج حتّى من ليس معهم إلاّ كلمة التّوحيد دون عملٍ عملوه .
التعليق:
أولاً: هذا المنحدر الذي زعم هو الذي سلكه علماؤنا الأجلاء وعلى رأسهم ابن باز رحمه الله. وهذا الذي سماه الزهراني باطلاً هو ما يقولون به وهو يعلم ذلك يقيناً. فتفكر في جرأته على العلماء –ومن رأى مني قسوة عليه في الرد فليتذكر قسوته عليهم وإن لم يسمهم-. ثانياً: من أين لك يا زهراني أن ليس معهم إلا كلمة التوحيد وليس في الحديث ذكر لها البتة، ثم أليست هي من العمل الظاهر، أليست هي تلفظ بالشهادة أم هي تصديق قلبي فقط، فإن قلت بل هي من عمل الظاهر فلماذا لم تدرجها مع قولك: من صلاة وصوم وحج 000لِمَ لَمْ تقل وتلفظٍ بالشهادة؟ وإن قلت بل هي تصديق قلبي-ولا اخالك- فقد وقعت فيما وقعت فيه الجهمية.
ثالثاً: ثم كيف تجمع بين قولك أن معهم كلمة التوحيد وبين قوله في الحديث: (ولا خير قدموه) وهل هناك قول أو عمل هو أخير من كلمة التوحيد؟! بل هي الخير كله، فكيف يقال عمن قال كلمة التوحيد أنه لم يقدم خيراً؟! أم أن للحديث معنى غير الذي فهمته؟ راجع: المسألة السابقة.
المسألة التاسعة عشر:
أورد حديث: (وعزّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجنّ من قال لاإله إلاّ الله ) فلو كان مع هؤلاء شيء من أعمال الجوارح لذكره النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولأخرجه مع من قبله ولكنّه صريحٌ أنّه إنّما استأذن ربّه تعالى في قومٍ لم يجد مـعهم إلاّ كلمة التّوحيد وأنعم بها.
التعليق:
مرة أخرى ما رأي الزهراني لو قال قائل: لو كان مع هؤلاء شهادة أن محمداً رسول الله لذكره النّبيّ صلى الله عليه وسلم.؟! وما رأي الزهراني لو استشهد الخارجي بحديث ظاهره الخلود في النار لمرتكب المعصية وقال لو كان هذا ينجيه لذكره النبي صلى الله عليه وسلم. لكنا نقول له وللخارجي ما هكذا يا سعد تورد الإبل، والأحاديث تُجمع ويوفق بينها ولا تضرب ببعضها.
المسألة العشرون:
ثم قال –وليته ما قال-: ((وقبلاً أريد بيان أمر هام: وهو أنّ ثقل الأعمال يوم القيامة في الميزان ليس بكثرتها، بل بما يقوم بقلب فاعلها من الأعمال القلبيّة الّتي تزيد في وزن العمل أو تنقصه سلباً أو إيجاباً. فالحسنات يثقلها في الميزان ما يقوم بقلب فاعلها من يقيٍن وإخلاصٍ ورجاءٍ وخوفٍ واتّباعٍ للسّنّة، وكلّما زاد الإخلاص واليقين زاد ثقل العمل في الميزان وكلّما نقصا خفّ وزن العمل في الميزان . وكذلك السّيّئات، فإنّ ثقلها في الميزان وخفّتها راجعٌ إلى ما قام بقلب فاعلها يوم فعلها: فالاستخفاف والتّهاون والإصرار وعدم تحديث النّفس بالخوف من الله والاستغفار والتّوبة، كلّ هذه أمور تزيد من ثقل الذّنب في الميزان))
التعليق:
هذا سرُّ وقوعه فيما وقعت فيه المرجئة، فأهل السنة والجماعة يقولون الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذه الزيادة والنقصان في الإيمان ليس على ما يقوم بقلب الفاعل فحسب بل بحسب زيادة هذه الطاعات والمعاصي،فمن تزكى لا كمن تزكى وذكر اسم ربه وصلى، ومن زنا مرة لا كمن زنا مرتين، ومن زنا فقط لا كمن زنا وشرب الخمر، وهكذاكلما زادت أعمال الجوارح زاد الإيمان أو نقص بحسب كونها طاعات أو معاصٍ. كما أنه كلما زادت أعمال القلوب زاد الإيمان أو نقص بحسب كونها إخلاص ويقين 000أو استخفاف وتهاون. فتأمل هذا جيداً فإنه مهم جداً، فإذا تبين لك هذا علمت وجه خطئه في قوله: ((ثقل الأعمال يوم القيامة في الميزان ليس بكثرتها، بل بما يقوم بقلب فاعلها من الأعمال القلبيّة)) ومشابهته لاستهانة المرجئة بعمل الجوارح وصدق فيهم قول سفيان الثوري -رحمه الله- : ((تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري)) وهي الثياب الرقيقة.
المسألة الحادية والعشرون:
ثم ذكر حديث البطاقة وقال: وهاك قول ابن كثير رحمه الله بعد أن أورد الحديث: ((وهذا دال على أن العلم قد يُرفع من الناس في آخر الزمان ...وهم يقولون: لا إله إلا الله فهم يقولونها على وجه التقرب إلى الله عزوجل فهي نافعة لهم وإن لم يكن عندهم من العمل الصالح والعلم النافع غيرها000))
التعليق:
سبحان الله لا ينقضي عجبي وأنا أقرأ لأخينا الزهراني هذا، كيف يفهم النصوص، وكيف يستشهد بما لا شاهد فيه بل قد يكون دليلاً عليه، فكلام ابن كثير هنا بعد رفع العلم وماذا بعد رفع العلم إلا الجهل، والجهل كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة من موانع التكفير فهذا الذي وقع في ناقض من نواقض الإيمان سواءً عملاً أم تركاً لو وقع فيه جهلاً منه في زمن رفع فيه العلم ولا يعلمون فيه ما صلاة ولا زكاة ولم يبق فيه إلا كلمة التوحيد أنكفره؟ وهل يصح أن يقاس هذا على من يعيش في بلد الإسلام والتوحيد والعلم والعمل أيضاً وهو لا يعمل أي شيء من أعمال الإسلام؟! سبحان الله ما أسوأ الجهل كيف يودي بصاحبه المهالك.
المسألة الثانية والعشرون:
ثم ذكر حديث الجارية المشهور وفيه: ((فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السّماء، قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله فقال له: اعتقها فإنّها مؤمنة)) ثم قال: ((أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظّاهر الّذي عُلّقت به الأحكام الظّاهرة، وإلاّ فقد ثبت عنه أنّ سعداً لمّا شهد لرجل أنّه مؤمن قال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (أو مسلم) ، وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة وزيادة، فيجب أن يُفرّق بين أحكام المؤمنين الظّاهرة الّتي يحكم بها على النّاس في الدّنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثّواب والعقاب))
التعليق:
يقال له هنا: أليس في هذا استدراك على النبي صلى الله عليه وسلم، أليس فيه اتهام له بالتقصير في البيان، كما هي قاعدتك؟
المسألة الثالثة والعشرون:
ثم قال: ((ثمّ تأمّل معي هذا الدّليل: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ). تأمّل قولـه: من أخيه، فقد أثبت له الأخوّة الإيمانيّة مع قولـه في الحديث ( وإن لم تكن له حسنات) فماذا يعني هذا ؟ ألا يدلّ على أنّ المؤمن قد يوافي الله بلا حسنات ولا عمل صالح إلاّ توحيده ؟.))
التعليق:
أولاً: في الحديث لم تكن له حسنات وليس فيه لم يأت بحسنات، فهو قد يكون أتى بحسنات وأخذت منه وأعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى لم تكن له حسنات فيؤخذ من سيئات خصمه وتطرح عليه.
ثانياً أليست أعمال القلوب حسنات فهل هذا وافى الله بلا شيء من أعمال القلوب؟! ثالثاً: مَن مِن العلماء فهم ما فهمته من هذا الحديث؟ ثم يقال له ما قد قيل من قبل بضرورة الجمع بين الأحاديث وعدم ضربها ببعض.
المسألة الرابعة والعشرون:
((ثم نقل كلام عدد من الأئمة وهم: الزّهري، أحمد، الطّبري، ابن بطّة، البيهقي، ابن مندة، محمّد بن نصر، ابن عبدالبر، ابن حزم، الحميدي، النّووي، أبي يعلى، ابن تيميّة، ابن القيّم، ابن رجب، ابن كثير، ابن حجر، ابن الوزير، السّفّاريني، المقبلي، القاسمي، ثم زعم أن هذا مذهب جمهور أهل الحديث)) ولا يعنيني الرد على ما نقله هنا، فقد كفانا ذلك أخونا السلفي الشيخ (الموحد) بارك الله فيه في سلسلة فريدة لم تنته بعد، تطرق فيها لما نقله من أقوال العلماء وردَّ عليها واحداً واحداً، لكني سأقف معه وقفتين ليعلم القارئ كيف يعمل الهوى بصاحبه: الأولى: زعمه أن هذا مذهب جمهور أهل الحديث، وبعد الرجوع لمن نقل عنهم هذا الزعم من أئمة أهل الحديث كما هو المفترض وإذا به ينقل عن البيهقي، والبيهقي كما هو معلوم فيه أشعرية والأشاعرة مرجئة في الإيمان والمتأثر بمنهجهم متأثر بمنهج المرجئة ولا شك، فلا أدري ألا يعلم الزهراني عقيدة البيهقي، أم يعلم لكن لايعلم أن الأشاعرة مرجئة في الإيمان، أمران أحلاهما مرٌ، أم يعلم ذلك ثم يدلس على القراء حتى يثبت أن ما هو عليه هو مذهب جمهور أهل الحديث، هذا إن سلمنا له أن البيهقي نقل هذا عن جمهور أهل الحديث والواقع أن النقل الذي نقله عن البيهقي وأردفه بنقل آخر عن محمد بن نصر لاعلاقة له بمسألة النزاع وهي ترك جنس العمل البتة. فتأمل!!
الثانية: زعمه أن هذا مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا من المضحكات والمكابرات، وقد كنت فتحت معه حواراً لمناقشة أقوال العلماء الذين أوردهم وقلت له نبدأ بشيخ الإسلام فإن ثبت أنه يرى ما تراه انقطع الحوار ورجعت عن قولي وإلا فيلزمك أن تعترف بأن هذا ليس مذهب شيخ الإسلام واستمر الحوار أياماً ثم انقطع عن الحوار ولم يحر جواباً فيما أوردته عليه من كلام شيخ الإسلام والعجيب أنه لم يورد كلام شيخ الإسلام الذي أوردته عليه، لا عند نقله أقوال العلماء التي تؤيده تحت عنوان (سلف هذا القول) ولا تحت عنوان (توجيه كلام الأئمّة الّذي يُفهم منه تكفير تارك العمل) وقد كنت والله أظن أنه سيأتي بكلام ابن تيمية الذي أوردته عليه ثم يوجهه، لكن كعادة أهل البدع يأخذوا ما لهم ويدعوا ما عليهم، وسأورد هنا بعض ما نقلته له من كلام ابن تيمية ولم يورده مع علمه به ثم هو يتبجح بضم شيخ الإسلام مع الذين يقولون بعدم كفر تارك جنس العمل فياسبحان الله!! قال شيخ الإسلام عليه رحمة الله: (( وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجباً ظاهراً ولا صلاة ولا زكاة ولا صياماً ولا غير ذلك من الواجبات ... )) انظر: مجموع الفتاوى (7/621)، وقال أيضاً: ((... وهنا أصول تنازع الناس فيها ، منها : أن القلب ، هل يقوم به تصديق ، أو تكذيب ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح ، وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟ فالذي عليه السلف والأئمة ، وجمهور الناس أنه لابد من ظهور موجب ذلك على الجوارح. فمن قال : أنه يصدق الرسول ، ويحبه ، ويعظمه بقلبه ، ولم يتكلم قط بالإسلام ، ولا فعل شيئاً من واجباته ، بلا خوف ، فهذا لا يكون مؤمناً في الباطن ، وإنما هو كافر...)) انظر: مجموع الفتاوى (14/120) وقال أيضا: ((000إن حقيقة الدين هو الطاعة و الإنقياد و ذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئاً فما دان لله ديناً، و من لا دين له فهو كافر)) انظر: شرح العمدة ( 2/86 ) فهل بعد هذه النقول الصريحة يقول عاقل منصف أن شيخ الإسلام لا يرى كفر من ترك جنس الأعمال، اللهم رحماك رحماك!!

المسألة الخامسة والعشرون:
قال تحت عنوان (جنس العمل): ((يعتقد بعض النّاس أنّ المراد بجنس العمل هو العمل الظّاهر فقط أي أعمال الجوارح وهذا خطأ بلاريب، فإنّ المراد من هذا الاصطلاح كلّ ما دخل تحت مسمّى عمل ممّا أمر الله به ورسوله، وهذا يشمل نوعين من الأعمال، أحدهما عمل القلب وهو أصل الإيمان، والآخر عمل الجوارح وهو من الإيمان قطعاً، فمن ترك جنس العمل أي عمل القلب وعمل الجوارح فهذا الّذي لا يمكن أن يتصوّر معه إسلام أو إيمان، لأنّ من هذا حاله لم يبق معه إلاّ التّصديق أو المعرفة والتّفريق بينهما عسير كما قال شيخ الإسلام))
التعليق:
سبحان الله كيف يعمل الهوى بصاحبه انظر كلامه قبل صفحات قال: ((التّعبير بأعمال القلب تعبيرٌ حادث هو من تصنيف العلماء من باب محاجّة المرجئة، وأمّا إذا ذُكر العمل في النّصوص الشّرعيّة فالمقصود به العمل الظّاهر أي عمل الجوارح وإنّما يُعبّر عن العمل القلبي في النّصوص بالإيمان) وهنا يقول إذا ذكر العمل فالمقصود به عمل القلب والجوارح فأي القولين نأخذ؟ ثم إننا نقول كما يقول إذا انتفى عمل القلب وعمل الجوارح لا يمكن أن يتصوّر معه إسلام أو إيمان لكن نزيد على ذلك ونقول: وإذا انتفى عمل الجوارح انتفى عمل القلب لارتباط الظاهر بالباطن وهذا ما صرح به ابن تيمية بقوله: ((ما يقوم بالقلب من تصديق وحب لله ورسوله وتعظيم ، لابد أن يظهر على الجوارح ، وكذلك بالعكس ولهذا يستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن)) وبقوله عن المرجئة: ((لكنّهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم وإن أدخلوها لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضاً فإنّها لازمة لها أيضاً))
المسألة السادسة والعشرون:
عدم فهمه لكلام العلماء بل قل لويه لأعناق كلامهم حتى تطاوع فهمه، نقل قول ابن تيمية رحمه الله قوله: ((وبهذا تعرف أنّ من آمن قلبه إيماناً جازماً امتنع أن لا يتكلّم بالشّهادتين مع القدرة ، فعدم الشّهادتين مع القدرة مستلزمٌ انتفاء الإيمان القلبي التّام ، وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتّبعه في زعمهم أنّ مجرّد إيمان بدون الإيمان الظّاهر ينفع في الآخرة فإنّ هذا ممتنع ، إذ لا يحصل الإيمان التّام في القلب إلاّ ويحصل في الظّاهر موجبه بحسب القدرة ...)) وقد جعل كلمة التام بخط أسود عريض وفسرها بمعنى الإيمان الكامل أو الواجب، والسؤال هنا هل الذي لا ينطق بالشهادتين مع القدرة يكون إيمانه صحيح لكن غير كامل؟ أم نقول إيمانه غير صحيح؟ الجواب البدهي أن نقول من لم ينطق بالشهادتين مع القدرة فلا إيمان له أي إيمانه مردود عليه غير مقبول غير صحيح، هذا الإيمان عبر عنه ابن تيمية بالإيمان القلبي التام فما معنى التام هنا؟ وقارن ذلك بما فهمه الزهراني يظهر لك مدى فهمه لكلام العلماء.، فإذا علمت أن معنى التام هنا أي الصحيح المقبول ثبت لك أن ابن تيمية يقول يمتنع أن يكون للعبد إيمان تام (صحيح) دون أن يكون منه إيمان ظاهر وهو عمل الجوارح. ومثال آخر، نقل عن شيخ الإسلام قولـه: ((لكنّهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم وإن أدخلوها لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضاً فإنّها لازمة لها أيضاً)) . فعلق الزهراني: ((فثبت بهذا أنّ المحكّ وأنّ موضع النّزاع الحقيقي مع المرجئة هو عمل القلب)) - نقول ثور يقول احلبوه- ابن تيمية يقول أعمال القلوب مستلزمة لأعمال الجوارح فيأتي الزهراني ويقول: فثبت أن المحك وموضع النزاع مع المرجئة هو عمل القلب، ويقف، وكان الأولى إنصافاً أن يكمل فيقول: المحك و موضع النّزاع 000هو عمل القلب المستلزم لعمل الجوارح! أي أن أعمال الجوارح داخلة في النزاع بين أهل السنة والمرجئة بدليل أنهم لا يقولون الإيمان يزيد وينقص وأهل السنة يقولون يزيد بطاعات الجوارح والقلب وينقص بمعاصي الجوارح والقلب، كما مرَّ في المسألة العشرين.
المسألة السابعة والعشرون:
ثم قال: ((وفي الحقيقة، فإنّ القول بزيادة الإيمان ونقصانه أكبر دليل على ماقرّرناه في حقيقة الإيمان وحدّه الأدنى، لأنّ السّلف القائلون بأنّه ينقص، لم يبيّنوا إلى أيّ حدّ ينقص إيمان المؤمن، وليس في الشّرع حدٌّ ينتهي إليه إيمان المؤمن، إلاّ النّطق بالشّهادتين مع القدرة فقد دلّ عليه النّصّ والإجماع، وإلاّ انتفاء الإيمان القلبي الّذي لايدلّنا عليه شيء غير الوقوع في النّاقض))
التعليق:
قلت: في هذا الكلام مغالطات عدة، منها: قوله ((أن السلف القائلون بأنّه ينقص، لم يبيّنوا إلى أيّ حدّ ينقص إيمان المؤمن)) وهذا غير صحيح فقد بينوا أنه ينقص حتى ينعدم أي لا يبقى منه شيء، وكل ما كان قابلاً للنقص كان قابلاً للعدم فهو ينقص وينقص وينقص حتى لا يبقى منه شيء. ومنها قوله: ((وليس في الشّرع حدٌّ ينتهي إليه إيمان المؤمن)) وأنا لا أعلم من أين يأتي هذا الرجل بهذه الاطلاقات كيف يقول ليس في الشرع حد ينتهي به إيمان المؤمن؟! الشرع حدًّ إيمان المؤمن بحدود يخرج بها عنه كالشرك به سبحانه والوقوع في ناقض من نواقض الإسلام والتي منها عدم التصديق والاعتقاد القلبي وعدم التلفظ بالشهادتين وترك جميع أعمال الجوارح، لذلك قال السلف : الإيمان قول وعمل واعتقاد، فحدوه بهذه الحدود فمن لم يقل أو يعتقد أو يعمل فقد خرج عن حدود الإيمان ودخل في حدود الكفر والعياذ بالله.
المسألة الثامنة والعشرون:
قوله: ((رابعاً: أنّ المعارض غفل عن حقيقة مهمّة، وهي أنّ تارك العمل مازال عنده إيمان ظاهر وهو النّطق بالشّهادتين، وترك الشّرك، ولاشكّ أنّ ترك الشّرك أعظم الأعمال وأحبّها إلى الله وبه يستحق العبد الشّفاعة والخروج من النّار، وأنت ترى أنّ هذا إيمان ظاهر دال على وجود الإيمان الباطن وإن كان ضعيفاً وبهذا تزول شبهة من ظنّ أنّ القول بإسلام من ترك العمل الظاهر يتعارض مع قاعدة أهل السنة في التلازم بين الظاهر والباطن))
التعليق:
في هذا الكلام استغفال للقارئ وإيهامه أن أهل السنة يعنون بالتلازم بين الظاهر والباطن، أن الظاهر هو النطق بالشهادتين وترك الشرك، وهذا غير صحيح فهم يعنون بالظاهر عمل الجوارح والأبدان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : ((ما يقوم بالقلب من تصديق وحب لله ورسوله وتعظيم ، لابد أن يظهر على الجوارح ، وكذلك بالعكس ولهذا يستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن)) ويقول: ((‎... لكنهم ( أي المرجئة ) إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم ، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح - أيضاً - فإنها لازمة لها )) ويقول: ((... وهنا أصول تنازع الناس فيها ، منها : أن القلب ، هل يقوم به تصديق ، أو تكذيب ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح ، وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟ فالذي عليه السلف والأئمة ، وجمهور الناس أنه لابد من ظهور موجب ذلك على الجوارح. فمن قال : أنه يصدق الرسول ، ويحبه ، ويعظمه بقلبه ، ولم يتكلم قط بالإسلام ، ولا فعل شيئاً من واجباته ، بلا خوف ، فهذا لا يكون مؤمناً في الباطن ، وإنما هو كافر... )) ولاحظ كيف فرَّق بين الجوارح واللسان بقوله((ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح)) ويقول: (( و أيضا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضا وهذا باطل قطعا فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعا بالضرورة وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضا لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن)) ويقول: (( وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله ومعلوله)) ، فممن نأخذ فهم قاعدة أهل السنة في التلازم بين الظاهر والباطن من الزهراني أم من ابن تيمية؟!.
المسألة التاسعة والعشرون:
ثم تكلم كلاماً عقلياً عن تصور المسألة لا داعي للتعليق عليه .
المسألة الثلاثون:
ثم تكلم عن نواقض الإيمان يريد بذلك نفي التهمة عنه بمشابهة المرجئة، ونسي أن التهمة تلحقه لا بسبب خطئه في نواقض الإيمان العملية كما هو الحال عند بعض مرجئة العصر، لكن بسب عدم تكفيره لتارك جنس أعمال الجوارح، لذلك لا داعي للتعليق على كلامه هنا، لأننا نتفق معه في الجملة وليست موضع نزاع.
المسألة الحادية والثلاثون:
قال راداً على من اشترط العمل للإيمان: ((فإنّ قولـه يستلزم الدّور، فإنّ العمل يُشترط له الإيمان لصحّته، فإذا كان العمل لا يصحّ إلاّ بالإيمان والإيمان لا يصحّ إلاّ بالعمل كان هذا دوراً وهو باطل عند العقلاء .))
التعليق:
المؤلف يشترط النطق بالشهادتين مع التصديق فماذا لو قال له قائل: هذا يستلزم الدَّور، فإن التصديق تُشترط له الشهادتان وبدونهما لا يصح، والشهادتان يشترط لهما التصديق وبدونه لا تصح، فكان هذا دوراً، وهو باطل عند العقلاء ؟! ولكن انظر إلى كلام ابن تيمية وقارنه بما سماه الزهراني باطل عند العقلاء لتعرف من هم العقلاء، قال شيخ الإسلام -رحمه الله- : ((اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة، فقال فى تحقيق ذلك: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} وقال فى تحقيق الإيمان بالعمل: {ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} )) مجموع الفتاوى ( 7/333)، فما يقول الزهراني الآن، أمَّا آن له أن يعود ويرجع؟
المسألة الثانية والثلاثون:
ثم نفى أن يكون العمل الظاهر –عمل الجوارح- شرط صحة أو ركن للإيمان يكفر تاركه، مستشهداً بعدم كفر تارك الصوم مع أنه من أركان الإسلام، وهذا من المضحكات أيضاً ومن المغالطات فهو من أوائل من يعلم أن هذا ليس موضع النزاع معه وأن هذه تسمى أركان الإسلام أو الفرائض أو المباني الأربعة وأن في كفر تاركها خلاف بين أهل السنة، والخلاف معه حول تارك جنس العمل فما أدري لماذا يستغفل الزهراني قرَّاءه ويستخف بعقولهم؟ اللهم عفوك.
المسألة الثالثة والثلاثون:
ثم تكلم عن حكم ترك الصلاة وعن الحكم بغير ما أنزل الله، وهما أيضاً ليستا محل نزاع معه والخلاف فيهما مشهور، لذلك لا أرى داعٍ للتعليق عليهما اختصاراً للوقت، إلا أني أقول لم يوفق فيهما للصواب.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واهدنا سبل الرشاد، وجنبنا البدع والفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلي اللهم على خاتم الأنبياء والرسل محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
  #6  
قديم 12-04-03, 06:40 PM
عبدالله بن عبدالرحمن عبدالله بن عبدالرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-04-02
المشاركات: 474
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بـإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فهذه مجموعة من ((الفتاوى والبيانات)) التي صدرت من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء يضمها موضوع واحد وهو (( التحذير من ظاهرة الإرجاء وبعض الكتب الداعية إليه )) ، وفيها ـ أيضاً ـ تحذير المسلمين من الاغترار والوقوع في شراك المخالفين لما عليه جماعة المسلمين ـ أهل السنة والجماعة ـ .
اللهم احفظ علينا ديننا وإيماننا ؛ نقياً من كل شرك وشبهة وبدعة وضلالة ، آمين .

الناشر


فتوى رقم (21436 ) وتاريخ 8 / 4 / 1421هـ .

(( في التحذير من مذهب الإرجاء ،وتحقيق النقل عن شيخ الإسلام فيه )) .

الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده ..
وبعد :
فقد اطَّلَعَت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من عدد من المستفتين المقيدة استفتاءاتهم بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (5411) وتاريخ 7/11/1420هـ . ورقم (1026) وتاريخ 17/2/1421هـ . ورقم (1016) وتاريخ 7/2/1421هـ . ورقم (1395) وتاريخ 8/3/1421هـ . ورقم (1650) وتاريخ 17/3/1421هـ . ورقم (1893) وتاريخ 25/3/1421هـ . ورقم (2106) وتاريخ 7/4/1421هـ .
وقد سأل المستفتون أسئلة كثيرة مضمونها :
( ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الإرجاء بشكل مخيف ، وانبرى لترويجها عدد كثير من الكتَّاب ، يعتمدون على نقولات مبتورة من كلام شيخ الإسلام بن تيمية ، مما سبب ارتباكاً عند كثير من الناس في مسمِّى الإيمان ، حيث يحاول هؤلاء الذين ينشرون هذه الفكرة أن يُخْرِجُوا العمل عن مُسمَّى الإيمان ، ويرون نجاة من ترك جميع الأعمال . وذلك مما يُسَهِّل على الناس الوقوع في المنكرات وأمور الشرك وأمور الردة ، إذا علموا أن الإيمان متحقق لهم ولو لم يؤدوا الواجبات ويتجنبوا المحرمات ولو لم يعملوا بشرائع الدين بناء على هذا المذهب .
ولا شك أن هذا المذهب له خطورته على المجتمعات الإسلامية وأمور العقيدة والعبادة
فالرجاء من سماحتكم بيان حقيقة هذا المذهب ، وآثاره السيئة ، وبيان الحق المبني على الكتاب والسًُّنَّة ، وتحقيق النقل عن شيخ الإسلام بن تيمية ، حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه . وفقكم الله وسدد خطاكم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته )) .

* وبعد دراسة اللجنة للإستفتاء أجابت بما يلي :
هذه المقالة المذكورة هي : مقالة المرجئة الذين يُخْرِجُون الأعمال عن مسمى الإيمان ، ويقولون : الإيمان هو التصديق بالقلب ، أو التصديق بالقلب والنطق باللسان فقط ، وأما الأعمال فإنها عندهم شرط كمال فيه فقط ، وليست منه ، فمن صدَّق بقلبه ونطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم ، ولو فعل ما فعل من ترك الواجبات وفعل المحرمات ، ويستحق دخول الجنة ولو لم يعمل خيراً قط ، ولزم على ذلك الضلال لوازم باطلة ، منها : حصر الكفر بكفر التكذيب والإستحلال القلبي .

* ولا شك أن هذا قولٌ باطلٌ وضلالٌ مبينٌ مخالفٌ للكتاب والسنة ، وما عليه أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً ، وأن هذا يفتح باباً لأهل الشر والفساد ، للانحلال من الدين ، وعدم التقيد بالأوامر والنواهي والخوف والخشية من الله سبحانه ، ويعطل جانب الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويسوي بين الصالح والطالح ، والمطيع والعاصي ، والمستقيم على دين الله ، والفاسق المتحلل من أوامر الدين ونواهيه ، مادام أن أعمالهم هذه لا تخلّ بالإيمان كما يقولون .
ولذلك اهتم أئمة الإسلام - قديماً وحديثاً - ببيان بطلان هذا المذهب ، والرد على أصحابه وجعلوا لهذه المسألة باباً خاصاً في كتب العقائد ، بل ألفوا فيها مؤلفات مستقلة ، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - وغيره .

* قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في العقيدة الواسطية : ( ومن أصول أهل السنة والجماعة : أن الدين والإيمان قول وعمل ، قول القلب واللسان ، وعمل القلب واللسان والجوارح ، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ) .

* وقال في كتاب الإيمان : ( ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان ، فتارة يقولون : هو قول وعمل ، وتارة يقولون : هو قول وعمل ونية ، وتارة يقولون : هو قول وعمل ونية واتباع سنة ، وتارة يقولون : قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ، وكل هذا صحيح ) .

* وقال رحمه الله : ( والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لمَّا أخرجوا العمل من الإيمان ، ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس من أفحش الخطأ ، بل لا يتساوى الناس في التصديق ولا في الحب ولا في الخشية ولا في العلم ، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة ) .

* وقال رحمه الله : ( وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة ، وهذا طريق أهل البدع ) . انتهى .

* ومن الأدلة على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان وعلى زيادته ونقصانه بها ، قوله تعالى :
(( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا )) [ الأنفال 2- 4 ] .

وقوله تعالى : (( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ )) [ المؤمنون 1- 9] .

وقوله الرسول صلى الله عليه وسلم (( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان )) .

* قال شيخ الإسلام - رحمه الله – في كتاب الإيمان أيضاً : ( وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله ، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد . وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح ، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دلَّ على عدمه أو ضعفه . ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه ، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له ، وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض ُُله ) .

* وقال أيضاً : ( بل كل مَنْ تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان ، علم بالاضطرار أنه مُخالف للرسول ، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان ، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً . ويعلم أنه لو قُدِّرَ أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن نُؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونُقر بألسنتنا بالشهادتين ، إلا أنا لا نُطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه ، فلا نصلي ولا نحج ولا نصدق الحديث ولا نؤدي الأمانة ولا نفي بالعهد ولا نصل الرحم ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به . ونشرب الخمر وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر ، ونقتل مَنْ قدرنا عليه مِنْ أصحابك وأمتك ونأخذ أموالهم ، بل نقتلك أيضاً ونُقاتلك مع أعدائك . هل كان يتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم : أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان ، وأنتم أهل شفاعتي يوم القيامة ، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار . بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم : أنتم أكفر الناس بما جئت به ، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك ) انتهى .

* وقال أيضاً : ( فلفظ الإيمان إذا أُطلق في القرآن والسنة يُراد به ما يراد بلفظ البر وبلفظ التقوى وبلفظ الدين كما تقدم . فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان . وكذلك لفظ البر يدخل فيه جميع ذلك إذا أُطلق ، وكذلك لفظ التقوى ، وكذلك الدين أو الإسلام . وكذلك رُوي أنهم سألوا عن الإيمان ، فأنزل الله هذه الآية : (( ليس البر أن تولوا وجوهكم )) [ البقرة 177 ] . إلى أن قال : ( والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا إيمان معه عمل ، لا على إيمان خال عن عمل ) .
فهذا كلام شيخ الإسلام في الإيمان ، ومن نقل غير ذلك فهو كاذب عليه .

* وأما ما جاء في الحديث : أن قوماً يدخلون الجنة لم يعملوا خيراً قط ، فليس هو عاماً لكل من ترك العمل وهو يقدر عليه . إنما هو خاص بأولئك لعُذر منعهم من العمل ، أو لغير ذلك من المعاني التي تلائم النصوص المحكمة ، وما أجمع عليه السلف الصالح في هذا الباب .

* هذا واللجنة الدائمة إذ تبيِّن ذلك فإنها تنهى وتحذر من الجدال في أصول العقيدة ، لما يترتب على ذلك من المحاذير العظيمة ، وتوصي بالرجوع في ذلك إلى كتب السلف الصالح وأئمة الدين ، المبنية على الكتاب والسنة وأقوال السلف ، وتحذر من الرجوع إلى المخالفة لذلك ، وإلى الكتب الحديثة الصادرة عن أناس متعالمين ، لم يأخذوا العلم عن أهله ومصادره الأصيلة . وقد اقتحموا القول في هذا الأصل العظيم من أصول الاعتقاد ، وتبنوا مذهب المرجئة ونسبوه ظلماً إلى أهل السنة والجماعة ، ولبَّسوا بذلك على الناس ، وعززوه عدواناً بالنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وغيره من أئمة السلف بالنقول المبتورة ، وبمتشابه القول وعدم رده إلى المُحْكم من كلامهم . وإنا ننصحهم أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يثوبوا إلى رشدهم ولا يصدعوا الصف بهذا المذهب الضال ، واللجنة - أيضاً - تحذر المسلمين من الاغترار والوقوع في شراك المخالفين لما عليه جماعة المسلمين أهل السنة والجماعة .
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح ، والفقه في الدين .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
عضو
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عضو
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو
صالح بن فوزان الفوزان
الرئيس
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ


الفتوى رقم(7150 )
الردة تكون بالقول والفعل والإعتقاد والشك .

السؤال : يُقال أن الردة قد تكون فعلية أو قولية ، فالرجاء أن تبينوا لي باختصار واضح أنواع الردة الفعلية والقولية والإعتقادية ؟

الجواب : الردة هي الكفر بعد الإسلام . وتكون بالقول والبفعل والإعتقاد والشك ، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو بعض كتبه أو رسله أو سب الله أو رسوله ، أو جحد شيئاً من المحرمات المجمع على تحريمها أو استحله أو جحد وجوب ركن من أركان الإسلام الخمسة أو شك في وجوب ذلك أو في صدق محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء . أو شك في البعث أو سجد لصنم أو كوكب ونحوه -
فقد ارتد عن دين الإسلام . وعليك بقراءة أبواب حكم الردة من كتب الفقه الإسلامي فقد إعتنوا به رحمهم الله .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
نائب رئيس اللجنة عبد الرزاق عفيفي
الرئيس عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عضو / عبد الله بن قعود
عضو / عبد الله بن غديان

فتوى رقم ( 20212 ) وتاريخ 7/2/1419 هـ
في التحذير من كتاب (( إحكام التقرير في أحكام التكفير ))
لمراد شكري

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ..
وبعد
فقد إطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي / إبراهيم الحمداني ، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم ( 942 ) بتاريخ 1/2/1419هـ .
وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه :
(( سماحة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ / عبد العزيز بن باز .. سلمه الله .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
يا سماحة الشيخ نحن في هذه البلاد / المملكة العربية السعودية في نعم عظيمة ، ومن أعظمها نعمة التوحيد ، وفي مسألة التكفير نرفض مذهب الخوارج ومذهب المرجئة.
وقد وقع في يدي هذه الأيام كتاب باسم (( إحكام التقرير في أحكام التكفير )) بقلم / مراد شكري الأردني الجنسية . وقد علمت أنه ليس من العلماء ، وليست دراسته في علوم الشريعة ، وقد نشر فيه مذهب غلاة المرجئة الباطل . وهو أنه لا كفر إلا كفر التكذيب فقط .
وهو - فيما نعلم - خلاف الصواب وخلاف الدليل الذي عليه أهل السنة والجماعة والذي نشره أئمة الدعوة في هذه البلاد المباركة .
وكما قرر أهل العلم : في أن الكفر يكون بالقول وبالفعل وبالإعتقاد وبالشك .
نأمل إيضاح الحق حتى لا يغتر أحد بهذا الكتاب ، الذي أصبح ينادي بمضمونه الجماعة المنتسبون للسلفية في الأردن والله يتولاكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته )) .

وبعد دراسة اللجنة للإستفتاء أجابت بأنه :
بعد الإطلاع على الكتاب المذكور وُجد أنه متضمن لما ذُكر من تقرير مذهب المرجئة ونشره . من أنه لا كفر إلا كفر الجحود والتكذيب ، وإظهار هذا المذهب المُردي باسم السنة والدليل وأنه قول علماء السلف . وكل هذا جهل بالحق ، وتلبيس وتضليل لعقول الناشئة .
بأنه قول سلف الأمة والمحققين من علمائها ، وإنما هو مذهب المرجئة الذين يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب . والإيمان عندهم : هو التصديق بالقلب
والكفر : هو التكذيب فقط .وهذا غلو في التفريط ، ويُقابله مذهب الخوارج الباطل الذي هو غلو في الإفراط في التكفير .
وكلاهما مذهبان باطلان مُرديان من مذاهب الضلال وترتب عليهما من اللوازم الباطلة ما هو معلوم .
وقد هدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الحق والمذهب ، والإعتقاد الوسط
بين الإفراط والتفريط : من حرمة عرض المسلم ، وحرمة دينه وأنه لا يجوز تكفيره إلا بحق قام الدليل عليه .
وأن الكفر يكون بالقول والفعل والترك والإعتقاد والشك . كما قامت على ذلك الدلائل من الكتاب والسنة .
لما تقدم :
فإن هذا الكتاب لا يجوز نشره وطبعه ، ولا نسبة ما فيه من الباطل إلى الدليل من الكتاب والسنة ،ولا أنه مذهب أهل السنة والجماعة ، وعلى كاتبه وناشره إعلان التوبة إلى الله فإن التوبة تغفر الحوبة .
وعلى من لم ترسخ قدمه في العلم الشرعي أن لا يخوض في مثل هذه المسائل .
حتى لا يحصل من الضرر وإفساد العقائد أضعاف ما كان يؤمله من النفع والإصلاح .
وبالله التوفيق ..
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ....

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس / عبد بن عبدالله بن باز
نائب الرئيس / عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل شيخ
عضو / عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عضو / بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو / صالح بن فوزان الفوزان

بيان وتحذير
من كتاب (( ضبط الضوابط )) .

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
وبعد .
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الكتاب الموسوم بـ :
(( ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه )) تأليف المدعو / أحمد بن صالح الزهراني .
فوجدته كتاباً يدعو إلى مذهب الإرجاء المذموم ، لأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة داخلة في حقيقة الإيمان .
وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة :
من أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وعليه :
فإن هذا الكتاب لا يجوز نشره وترويجه ، ويجب على مؤلفه وناشره التوبة إلى الله عز وجل ، ونحذر المسلمين مما احتواه هذا الكتاب من المذهب الباطل حمايةً لعقيدتهم واستبراءً لدينهم ، كما نحذر من اتباع زلات العلماء فضلاً عن غيرهم من صغار الطلبة الذين لم يأخذوا العلم من أصوله المعتمدة ، وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ....

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس / عبد بن عبدالله بن باز
نائب الرئيس / عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل شيخ
عضو / عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عضو / بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو / صالح بن فوزان الفوزان

بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
بشأن كتاب بعنوان : ( الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير )
لكاتبه خالد على العنبري

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
وبعد :
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على كتاب بعنوان :
( الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير ) لكاتبه خالد على العنبري
وبعد دراسة الكتاب اتضح أنه يحتوي على إخلال بالأمانة العلمية
فيما نقله عن علماء أهل السنة والجماعة . وتحريف للأدلة عن دلالتها التي تقتضيها اللغة العربية ومقاصد الشريعة .
ومن ذلك ما يلي :
1 )) تحريفه لمعاني الأدلة الشرعية ، والتصرف في بعض النصوص المنقولة عن أهل العلم ، حذفاً أو تغييراً على وجه يُفهم منها غير المراد أصلاً .
2 )) تفسير بعض مقالات أهل العلم بما لا يوافق مقاصدهم .
3 )) الكذب على أهل العلم ، وذلك في نسبته للعلامة محمد بن إبراهيم آل شيخ - رحمه الله - ما لم يقله .
4 )) دعواه إجماع أهل السنة على عدم كفر من حكم بغير ما أنزل الله في التشريع العام
إلا بالإستحلال القلبي كسائر المعاصي التي دون الكفر . وهذا محض إفتراء على أهل السنة ، منشؤه الجهل أو سوء القصد نسأل الله السلامة والعافية .
وبناء على ما تقدم ، فإن اللجنة ترى تحريم طبع الكتاب المذكور ونشره وبيعه ، وتُذكر الكاتب بالتوبة إلى الله تعالى ومراجعة أهل العلم الموثوقين لتعلم منهم ويبينوا له زلاته ، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والثبات على الإسلام والسنة .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عضو
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو
صالح بن فوزان الفوزان
الرئيس
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل شيخ


فتوى رقم ( 21435) بتاريخ 8/4/1421هـ
في التحذير من كتاب :
( حقيقة الإيمان بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة ) .

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ..
وبعد
فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء درست ما ورد إليها من الأسئلة المقيدة لدي الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم : ( 802 ) ، ( 1414 ) ، ( 1709 ) بتاريخ :
9/2/1421 ، 8/3/1421 ، 18/3/1421 هـ . عن كتاب بعنوان : (( حقيقة الإيمان بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة )) . لعدنان عبد القادر ، نشر جمعية الشريعة بالكويت .
فأفتت اللجنة _ بعد الدراسة _ أن هذا الكتاب ينصر مذهب المرجئة الذين يخرجون العمل عن مسمى الإيمان وحقيقته ، وأنه عندهم شرط كمال ، وأن المؤلف قد عزز هذا المذهب الباطل ، بنقول عن أهل العلم ، تصرف فيها بالبتر والتفريق وتجزئة الكلام ، وتوظيف الكلام في غير محله ، والغلط في العزو ، كما في ( ص / 9 ) : إذ عزا قولاً للإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وإنما هو لأبي جعفر الباقر ، وجعل عناوين لا تتفق مع ما يسوقه تحتها ، منها في ( ص / 9 ) إذ قال : (( أصل الإيمان في القلب فقط من نقضه كفر )) . وساق نصاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لا يتفق مع ما ذكره ، ومن النقول المبتورة : بتره لكلام ابن تيمية ( ص / 9 ) عن الفتاوى ( 7/644 ، 7/377 ) ونقل ( ص / 17 ) عن عدة الصابرين لإبن القيم ، وحذف ما ينقض ما ذهب إليه من الإرجاء ، وفي ( ص / 33 ) حذف من كلام ابن تيمية من الفتاوى ( 11/87 ) وكذا في ( ص / 34 ) من الفتاوى ( 7/ 638 ، 639 ) ، وفي ( ص / 37 ) حذف من ابن تيمية في الفتاوى ( 7/ 494 ) ، وفي ( ص/ 38 ) حذف تتمة كلام ابن القيم من كتاب الصلاة ( ص/59) وفي ( ص/ 64 ) حذف تتمة كلام ابن تيمية في (( الصارم المسلول )) ( 3/971) . إلى آخر ما في هذا الكتاب من مثل هذه الطوام ، مما ينصر مذهب المرجئة ، وإخراجه للناس باسم مذهب أهل السنة والجماعة ، لهذا فإن هذا الكتاب يجب حجبه وعدم تداوله . وننصح مؤلفه أن يراجع نفسه ، وأن يتقي الله بالرجوع إلى الحق والإبتعاد عن مواطن الضلالة والله الموفق . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
عضو عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عضو
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو
صالح بن فوزان الفوزان
الرئيس
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل شيخ

فتوى رقم ( 21517 ) بتاريخ 14/6/1421 هـ .
في التحذير من كتابي (( التحذير من فتنة التكفير )) ، (( صيحة نذير )) .

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ..
وبعد
فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء اطلعت على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من بعض الناصحين من إستفتاآت مقيدة بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم : (2928) ، (2929) بتاريخ : 13/5/ 1421 هـ. ورقم ( 2929 ) وتاريخ 13 / 5 / 1421 هـ .بشأن كتابي (( التحذير من فتنة التكفير )) ، (( صيحة نذير )) لجامعهما / علي حسن الحلبي ، وأنهما يدعوان إلى مذهب الإرجاء ، من أن العمل ليس شرط صحة في الإيمان . وينسب ذلك إلى أهل السنة والجماعة ، ويبني هذين الكتابين على نقول لشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ بن كثير وغيرهما رحم الله الجميع .
ورغبة الناصحين بيان ما في هذين الكتابين ليعرف القراء الحق من الباطل ..إلخ ..
وبعد دراسة اللجنة للكتابين المذكورين ، والإطلاع عليهما تبين للجنة أن كتاب :
(( التحذير من فتنة التكفير )) جمع / علي حسن الحلبي فيما أضافه إلى كلام العلماء في مقدمته وحواشيه يحتوي على ما يأتي :
1 - بناه مؤلفه على مذهب المرجئة البدعي الباطل ، الذين يحصرون الكفر بكفر الجحود والتكذيب والإستحلال القلبي ، كما في ص / 6 حاشية /2 وص/22 ،
وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة : من أن الكفر يكون بالإعتقاد وبالقول وبالفعل وبالشك .

2 - تحريفه في النقل عن ابن كثير - رحمه الله تعالى - في : (( البداية والنهاية : 13 / 118 )) حيث ذكر في حاشيته ص / 15 نقلاً عن ابن كثير : (( أن جنكيز خان ادعى في الياسق أنه من عند الله وأن هذا هو سبب كفرهم )) ، وعند الرجوع إلى الموضع المذكور لم يوجد فيه ما نسبه إلى ابن كثير - رحمه الله تعالى - .

3 - تقوله على شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللع تعالى - في ص / 17 - 18 إذ نسب إليه جامع الكتاب المذكور : أن الحكم المبدل لا يكون عند شيخ الإسلام كفراً إلا إذا كان عن معرفة واعتقاد واستحلال . وهذا محض تقول على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فهو ناشر مذهب السلف أهل السنة والجماعة ومذهبهم ، كما تقدم وهذا إنما هو مذهب المرجئة .

4 - تحريفه لمراد سماحة العلامة الشيخ / محمد بن ابراهيم آل شيخ - رحمه الله تعالى - في رسالته : تحكيم القوانين الوضعية . إذ زعم جامع الكتاب المذكور : أن الشيخ يشترط الإستحلال القلبي ، مع أن كلام الشيخ واضح وضوح الشمس في رسالته المذكورة على جادة أهل السنة والجماعة .

5 - تعليقه على كلام من ذكر من أهل العلم بتحميل كلامهم مالا يحتمل ،
كما في الصفحات 108 حاشية / 1 ،109 حاشية /21 ، 110 حاشية / 2.

6 - كما أن في الكتاب التهوين من الحكم بغير ما أنزل الله ، وبخاصة في ص / 5 ح /1 ،بدعوى أن العناية بتحقيق التوحيد في هذه المسألة فيه مشابهة للشيعة - الرافضة - وهذا غلط شنيع .

7 - وبالإطلاع على الرسالة الثانية (( صيحة نذير )) وُجد أنها كمُساند لما في الكتاب المذكور - وحاله كما ذُكر - .

فإن اللجنة الدائمة ترى أن هذين الكتابين : لا يجوز طبعهما ولا نشرهما ولا تداولهما لما فيهما من الباطل والتحريف . وننصح كاتبهما أن يتقي الله في نفسه وفي المسلمين ، وبخاصة شبابهم .
وأن يجتهد في تحصيل العلم الشرعي على أيدي العلماء الموثوق بعلمهم وحُسن معتقدهم . وأن العلم أمانة لا يجوز نشره إلا على وفق الكتاب والسنة . وأن يقلع عن مثل هذه الآراء والمسلك المزري في تحريف كلام أهل العلم ، ومعلوم أن الرجوع إلى الحق فضيلة وشرف للمسلم . والله الموفق .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
عضو عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عضو
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو
صالح بن فوزان الفوزان
الرئيس
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل شيخ


التحذير من كتاب (( هزيمة الفكر التكفيري )) لخالد العنبري

بقلم فضيلة الشيخ صالح الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
مجلة الدعوة عدد 1749-4ربيع الآخر 1421


الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه .. وبعد:

((وضـــوح عـقـيدة أهـل السـنة ))

فإن عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة واضحة صافية ، لا لبس فيها ولا غموض ، لأنها مأخوذة من هدي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قد دونت أصولها ومبانيها في كتب معتمدة توارثها الخلف عن السلف ، وتدارسوها وحرروها وتواصوا بها وحثوا على التمسك بها ، كما قال عليه الصلاة والسلام (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى )) ، وهذا أمر لا شك فيه ولا جدال حوله .

((ظـهـور نابـتـة تـنـازع عقيدة أهل السنة في الإيمان ))

إلا أنه ظهرت في الآونة الأخيرة نابتة من المتعالمين جعلت أصول هذه العقيدة مجالاً للنقاش والأخذ والرد ، ومن ذلك قضية الإيمان وإدخال الإرجاء فيه ، والإرجاء كما هو معلوم .. عقيدة ضالة تريد فصل العمل وإخراجه عن حقيقة الإيمان ، بحيث يصبح الإنسان مؤمنًا بدون عمل ، فلا يؤثر تركه في الإيمان انتفاءً ولا انتقاصًا ، وعقيدة الإرجاء عقيدة باطلة قد أنكرها العلماء وبينوا بطلانها وآثارها السيئة ومضاعفاتها الباطلة.
وآل الأمر بهذه النابتة إلى أن تشنع على من لا يجاريها ويوافقها على عقيدة الإرجاء ويسمونهم بالخوارج والتكفيريين ، وهذا قد يكون لجهلهم بعقيدة أهل السنة والجماعة ، التي هي وسط بين مذهب الخوارج الذين يكفرون بالكبائر التي هي دون الكفر ، وهو مذهب باطل ، وبين مذهب المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان معصية وإن كانت كبيرة .

فأهل السنة والجماعة يقولون : إن مرتكب الكبيرة ـ التي هي دون الكفر ـ لا يكفر كما تقوله الخوارج ، ولا يكون مؤمنًا كامل الإيمان كما تقوله المرجئة ، بل هو عند أهل السنة مؤمن ناقص الإيمان ، وهو تحت المشيئة ، إن شاء الله غفر له ، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ، كما قال تعالى (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) النساء 48


نـقـد كتاب (( هزيمة الفكر التكفيري ))

وقد وصل إليَّ كتاب بعنوان ((هزيمة الفكر التكفيري)) تأليف خالد العنبري ، قال فيه : ( فما زال الفكر التكفيري يمضي بقوة في أوساط شباب الأمة منذ أن اختلقته الخوارج الحرورية )

وأقول : التكفير للمرتدين ليس من تشريع الخوارج ولا غيرهم ، وليس هو فكرًا كما تقول ، وإنما هو حكم شرعي ، حَكمَ به الله ورسوله على من يستحقه ، بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام القولية أو الإعتقادية أو الفعلية ، والتي بينها العلماء في باب أحكام المرتد ، وهي مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالله قد حكم بالكفر على أناس بعد إيمانهم ، بارتكابهم ناقضًا من نواقض الإيمان ، قال تعالى ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) )) سورة التوبة ، وقال تعالى ((وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ )) التوبة 74.

وقال عليه الصلاة والسلام : (( بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة )) ، وقال (( فمن تركها فقد كفر )) ، وأحبر تعالى أن تعلم السحر كفر ، فقال عن الملكين اللذين يعلمان السحر ((وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ )) البقرة 102. ، وقال تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ أمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ أمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً )) النساء 137.

وفرق بين من كفره الله ورسوله وكفره أهل السنة والجماعة اتباعًا لكتاب الله وسنة رسوله ، وبين من كفرته الخوارج والمعتزلة ومن تبعهم بغير حق ، وهذا التكفير الذي هو بغير حق هو الذي يسبب القلاقل والبلايا من الاغتيالات والتفجيرات ، أما التكفير الذي يُبنى على حكم شرعي ، فلا يترتب عليه إلا الخير ونصرة الحق على مدار الزمان ، وبلادنا بحمد الله على مذهب أهل السنة والجماعة في قضية التكفير ، وليست على مذهب الخوارج .

ثم قال العنبري : { فالواجب في الكفر البواح وهو الكفر المجمع عليه التكفير ، والتوقف عنه إرجاء خطير } .

أقول : الكفر البواح هو كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم : ما عليه برهان من الكتاب والسنة والإجماع يأتي به بعد الاستدلال بالكتاب والسنة ، نعم إذا كان الدليل محتملاً فهذا لا يجزم بأحد الاحتمالات من غير مرجح ، أما إذا كان الدليل نصًا فهذا هو البرهان الذي لا يُعدَل عن القول بموجبه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( عندكم فيه برهان )).

والعلماء المعتبرون مجمعون على تكفير من كفره الله ورسوله ، ولا يقولون بخلاف ذلك ولا عبرة بمن خالفهم .

ثم جاء في الكتاب المذكور في حاشية (ص27) :{التبديل في الحكم في اصطلاح العلماء هو :الحكم بغير ما أنزل الله على أنه من عند الله ، كمن حكم بالقوانين الفرنسية وقال :هي من عند الله أو من شرعهِ تعالى ، ولا يخفى أن الحكام بغير ما أنزل الله اليوم لا يزعمون ذلك ، بل هم يصرحون أن هذه القوانين محض نتاج عقول البشر القاصرة ، والتبديل بهذا المعنى الذي يذهب إليه أهل الغلو كفر بإجماع المسلمين )) كذا قال .

ونقول : هذا التبديل الذي ذكرت أنه كفر بإجماع المسلمين ، هو تبديل غير موجود ، وإنما هو افتراضي من عندك ، لا يقول به أحد من الحكام اليوم ولا قبل اليوم ، وإنما هناك استبدال هو اختيار جعل القوانين الوضعية بديلة عن الشريعة الإسلامية ، وإلغاء المحاكم الشرعية ، وهذا كفر أيضًا ، لأنه يزيح تحكيم الشريعة الإسلامية وينحيها نهائيًا ، ويُحل محلها القوانين الوضعية ، فماذا يبقى للإسلام ؟! وما فعل ذلك إلا لأنه يعتنقها ويراها أحسن من الشريعة ، وهذا لم تَذكره ، ولم تبين حكمه ، مع أنه فصل للدين عن الدولة ، فكان الحكم قاصر عندك على التبديل فقط ، حيث ذكرت أنه مجمع على كفر من يراه ، وكان قسيمه وهو الاستبدال ، فيه خلاف حسبما ذكرت ، وهذا إيهام يجب بيانه .

ثم قال العنبري في رده على خصمه : { أنه يدعي الإجماع على تكفير جميع من لم يحكم بغير ما أنزل الله بجحود أو غير جحود }.

وأقول : كفر من حكم بغير ما أنزل الله لا يقتصر على الجحود ، بل يتناول الاستبدال التام ، وكذا من استحل هذا العمل في بعض الأحكام ولو لم يجحد ، أو قال : إن حكم غير الله أحسن من حكم الله ، أو قال : يستوي الأمران ، كما نص على ذلك أهل العلم ، حتى ولو قال : حكم الله أحسن ولكن يجوز الحكم بغيره ، فهذا يكفر مع أنه لم يجحد حكم الله وكفره بالإجماع .

ثم ذكر الكاتب في آخر كتابه هذا : أن هناك فتوى لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله ، يُكَفِّر فيها من حكم بغير ما أنزل الله مطلقًا ولا يفصل فيها ، ويستدل بها أصحاب التكفير على أن الشيخ لا يفرق بين من حكم بغير شرع الله مستحلاً ومن ليس كذلك ، وأن الشيخ ابن باز سُئل عنها فقال : محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم فهو عالم من العلماء .. إلخ ما ذكر .

ولم يذكر العنبري نص فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم التي أشار إليها ، وهل قُرئ نصها على الشيخ ابن باز أو لا ؟! ، ولا ذكر المرجع الذي فيه تغليط الشيخ ابن باز لشيخه ، وإنما نقل ذلك عن مجلة الفرقان ، ومجلة الفرقان لم تذكر نص فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ، ولم تذكر في أي كتب الشيخ ابن باز تغليطه لفتوى شيخه ، ولعلها اعتمدت على شريط ، والأشرطة لا تكفي مرجعًا يُعتمد عليه في نقل كلام أهل العلم ، لأنها غير محررة ، وكم من كلام في شريط لو عُرِضَ على قائله لتراجع عنه ، فيجب التثبت فيما ينسب إلى أهل العلم .

هذا بعض ما ظهر لي من الملاحظات على الكتاب المذكور ، وعلى غيره ممن يتكلمون ويكتبون في هذه الأصول العظيمة التي يجب على الجميع الإمساك عن الخوض فيها ، والاستغناء بكتب العقائد الصحيحة الموثوقة التي خلفها لنا أسلافنا من أهل السنة والجماعة ، والتي تدارسها المسلمون جيلاً بعد جيل في مساجدهم ومدارسهم ، وحصل الاتفاق عليها والاجتماع على مضمونها ، ولسنا بحاجة إلى مؤلفات جديدة في هذا .

وختامًا نقول : إننا بريئون من مذهب المرجئة ، ومن مذهب الخوارج والمعتزلة ، فمن كفره الله ورسوله فإننا نكفره ، ولو كرهت المرجئة ، ومن لم يكفره الله ولا رسوله فإننا لا نكفره ، ولو كرهت الخوارج والمعتزلة ، هذه عقيدتنا التي لا نتنازل عنها ولا نساوم عليها ـ إن شاء الله تعالى ـ ولا نقبل الأفكار الوافدة إلينا ، وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
  #7  
قديم 12-04-03, 06:56 PM
عبدالله بن عبدالرحمن عبدالله بن عبدالرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-04-02
المشاركات: 474
افتراضي

كتاب ((ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة "القسم الأول" )) للدكتور/ عبد الله القرني

http://www.dorar.net/htmls/files/dh...attakfeer01.zip


كتاب "نواقض الإيمان القولية والعملية" للدكتور/عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف.الطبعة الأولى سنة 1414هـ ، نشر دار الوطن، [القسم الأول: المقدمة والتمهيد والباب الأول "النواقض القولية" ]



http://www.dorar.net/htmls/files/nawaqdh01.zip



التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أوالفعل أوالاعتقاد

http://www.dorar.net/htmls/files/sbook1.zip

سؤال وجواب عن حاطب بن أبي بلتعة –رضي الله عنه-

http://www.dorar.net/htmls/fullarti.asp?aid=26


سمات المرجئة والخوارج وأهل الغلو

http://www.dorar.net/htmls/fullarti.asp?aid=19


من موقع الدرر السنية

http://www.dorar.net/htmls/mbooks.asp#97
  #8  
قديم 16-04-03, 12:56 PM
عبدالله بن عبدالرحمن عبدالله بن عبدالرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-04-02
المشاركات: 474
افتراضي

الهداية للشيخ عبدالرحمن عبدالخالق(1)
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للهِ ربِّ العالمين، إله الخَلْقِ أجمعين، ربِّ العرش الكريم، الملك الحق المبين، الذي أرسل رُسله الكرام للدعوة إلى صراطه المستقيم، والدين القويم دين الإسلام العظيم الذي لا يقبل الله من أحد سواه يوم الدين قال تعالى:إِنَّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ، وقال تعالى:ومَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يُقْبَلَ منه وهو في الآخرةِ من الخاسرين، وقال تعالى: وما أرسلنا من رسولٍ إلا ليطاعَ بإذنِ اللهِ.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، ونذيراً للناس أجمعين، وبشيراً لعباد الله المؤمنين القائل: " من أَطاعَني دخلَ الجنةَ، ومن عصاني فقد أَبَى " .
والسلام والرِّضوان على أصحابه الغُرِّ الميامين، الذين لَبَّوْا نداءَه، وأطاعوا أمره، واستجابوا لله ورسوله؛ فأقاموا الدين، وقاتلوا الكُفْرَ والكافرين، وكانوا كما وصفهم الله: محمدٌ رسولُ اللهِ والذين معَهُ أَشِدَّاءُ على الكفارِ رُحماءُ بينَهم تَرَاهُم رُكَّعاً سُجَّداً يَبتغون فضلاً من اللهِ ورِضواناً سيماهُم في وُجوهِهِم من أثرِ السُّجودِ ذلك مَثَلُهُم في التوراةِ ومَثَلُهُم في الإنجيلِ كزرعٍ أخرجَ شَطْأَهُ فآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاستوى على سُوقِهِ يُعجِبُ الزُّرَّاعَ ليغيظَ بِهِمُ الكفارَ وعد اللهُ الذينَ ءامنوا وعملوا الصالحاتِ منهُم مَغفرةً وأجراً عظيماً .
ومن بعده قاتلوا المرتدين مانعي الزكاة المفرقين بين الصلاة والزكاة، والزاعمين أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، فقاتلوهم قتال الكافرين، واستحلوا منهم الدماء والأموال والأولاد، وأجمعوا كلهم على كفر تارك الصلاة؛ فحفظوا بذلك حقيقة الدين فاستحقوا موعود الله بالنصر والإعزاز والتمكين: وعدَ اللهُ الذينَ ءامنوا منكم وعملوا الصالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرضِ كما استخلفَ الذين من قبلِهم ولَيُمَكِّنَنَّ لهم دينَهُمُ الذي ارتَضَى لهم ولَيُبَدِّلَنَّهُم من بعدِ خوفِهِم أمْناً يَعْبُدونَني لا يُشرِكون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون .
أما بعدُ:
فإنه قد نشأ في المسلمين في أواخر عهد الصحابة، ولم يكن أحد منهم صحابياً. من زعم أن الإيمان الذي ينجو به صاحبه من الخلود في النار هو شهادةُ أن لا إله إلا الله: قولُها باللسان، والإقرارُ بها في القلب فقط، وإنه إذا لم يعمل عملاً قط من الأعمال الصالحة اختياراً لا اضطراراً: لا صلاة، ولا زكاة، ولا حجاً، ولا عُمْرَة، ولا بَرَّ والديه، ولا وَصَلَ أرحامَه، ولا اغتسل من جنابة، أو تَطَهَّرَ من نجاسة، ولم يَأْتَمِرْ بأمر من أوامر الله قط، فإن كل ذلك لا ينقض أصل إيمانه، ولا يُخْرِجُه من ملة الإسلام.
وكذلك لو فعل كل المُكَفِّرات، وارتكب جميع الموبِقات، فسجد لغير الله، ودعا غيرَ الله، وأحلَّ ما حرَّمَ الله، وحرَّم ما أحلَّ الله، وحكم في كل أَمْرِه، وأمرِ غيره بحكمِ غيرِ اللهِ، بل ولو سبَّ اللهَ، وسبَّ رسولَه، وسبَّ دينَه، ولكن فعل ذلك كله في ظاهر الأمر، ولم يكن يعتقد هذا بقلبه فإنه -في زعمهم- يبقى على الإيمان، ولا يخرج منه إلى الكفران !!
وزعموا أن هذا الذي لم يسجد لله سجدة، ولم يأتمر بأمر واحد من أوامره، وفعل كل هذه المكفرات، زعموا أن رحمة الله في الآخرة تنالُه، وأنه من أهل شفاعة الرحمن، وأنه وإن عُذِّبَ يوماً في النار إلا أنه تُدْرِكُه الشفاعة ما دام أنه كان يشهد أن لا إله إلا الله بقلبه ولسانه.
وأقول: لما ظهر هذا المذهب الخطير، والمقالة الكافرة الفاجرة في أهل الإسلام؛ قام التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة الإسلام وأهل الحديث والسنة والجماعة فصاحوا بأهل هذه المقالة في كل مكان؛ فكفروهم، وحذروا من مذهبهم الخبيث الذي يهدم الدين من أساسه، ويُفرغُ الإسلام من اسمه وموضوعه وغايته. وسَمَّوْا أهل هذه المقالة باسم بِدْعَتِهِم وهي بدعة الإِرْجاء.
وعرف أهل السنة الإيمان بأنه حقيقة مركبة من قول اللسان، وتصديق الجنان، وعمل الجوارح، وأن واحداً منها لا ينفك عن الآخر. وردوا مقالة أهل الإرجاء بكلام الله وكلام رسوله، وإجماع الصحابة؛ وبما استقر في بداهة العقول من استحالة الجمع بين النقيضين: إذ كيف يجتمع الكفر والإيمان في قلب واحد. وكيف يكون مع الإعراضِ والعناد والعصيان والإصرار الإيمان والإسلام والإذعان ؟؟
وهذه البدعة القديمة جاء اليوم من يجددها، ويخرجها للناس بحلة جديدة، ولباس جديد، وليته أخرجها بمسماها القديم (الإرجاء)، بل انتحل لها مسمى اعتقاد أهل السنة، وعقيدة سلف الأمة !!
لما رأيت ذلك كان من واجبي بيان هذا الأمر الخطير، وتحذير الأمة من هذا المعتقد الضال، الذي يؤدي في النهاية إلى تكذيب الله، وتكذيب رسوله، والخروج عن إجماع الأمة، وهدم أركان الدين والملة، والتعلق مع ذلك بأماني الرحمة والمغفرة غروراً وتغريراً.
والله المستعان، وعليه وحده التكلان، والحمد لله على توفيقه في البدء والختام، وسميت هذه الرسالة: ( البرهانُ على أنَّ تاركَ العملِ - اختياراً - فاقِدٌ لأصل الإيمانِ، وأنَّ الكفرَ كما يكونُ بالقلبِ، يكونُ بالعملِ واللسانِ ).
وكتبه
عبدالرحمن بن عبدالخالق
الكويت : جمادي الآخرة سنة 1421هـ
الموافق 14 من شهر أغسطس سنة 2000م

التعريفُ بالبدعة المُسمَّاةِ بدعةَ الإِرجاء:
قبل الدخول إلى ما نحن بِصَدَدِهِ من البرهان أنَّ تارك العمل اختياراً فاقدٌ للإيمان، وأن الكفر كما يكون بالقلب فإنه كذلك يكون بالعمل الظاهر واللسان.
أقول قبل الدخول في موضوع هذه الرسالة أحب أن أُعَرِّفَ بدعةَ الإرجاء ليكون القارئ والمستمع -إن شاء الله- على علم بأبعاد هذه البدعة الخطيرة، وآثارها المدمرة، ومن ثَمَّ يعرف كيفية الرد عليها، فأقول: بحمدِ الله:
الدِّينُ الذي بُعِثَتْ بهِ الرُّسُلُ:
الدين الذي بعثت به الرسل هو الإسلام لله، وهو يَتَلَخَّصُ في كلمتين: سمع وطاعة، قال تعالى مُعَرَّفاً له: وقالوا سَمِعْنا وأَطَعْنا فالسمعُ هو الإيمانُ بكلامِ اللهِ، وتصديقهُ، والطاعةُ هي الإذعانُ لأمرِ اللهِ، والقيامُ به.
وهذا بمجموعه هو الإيمان كما شهد به الله لنبيه وصحابة نبيه، فقال: آمنَ الرسولُ بما أُنزِلَ إليهِ من ربِّهِ والمؤمنونَ كلٌّ آمنَ باللهِ وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ من رُسُلِهِ وقالوا سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفرانَكَ ربَّنا وإليكَ المصيرُ .
هذا هو الإيمان، وهو أيضاً الإسلام، لأن الإسلام هو الاستسلام لله بالإيمان به وطاعته، وهو دينُ الرسلِ جميعاً الذي لا يَقبلُ اللهُ من أحدٍ سِواهُ.
وأما من أتى بالسمع وحده، وترك الطاعة فقد كفر كما كان الشأنُ من إبليس فقد سمع وعصى، واليهود الذين قالوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا، ومن أتى بالطاعة فوافق الأمرَ ولكنه لم يسمعْ كلامَ اللهِ ولم يُصَدِّقْه، فقد كفر أيضاً كالنصارى الضالين.
ومن ردَّ كلام الله، فلم يَسْمَعْه، وترك الأمرَ كذلك فقد كذَّب وعصى كفرعون ومن على شاكلته، قال الله جل وعلا عنه: فكذَّبَ وعصى كذَّب خبرَ الله بأنه سبحانه ربُّ العالمين، وأنَّ موسى رسولٌ من عنده، وعصى أمرَ الله فلم يُرْسِلْ بني إسرائيل.
المرجئة من هم ؟
قوم ظهروا بعد عصر الصحابة، ولهم أقوال كثيرة في معنى الإيمان، ولكنهم يجتمعون على الفصل بين العمل والإيمان؛ إذ جعلوا العمل خارجاً عن مسمى الإيمان، وعن حقيقته أو أصله …
منهم مَن قال: الإيمان هو الإقرار بالقلب فقط، ومنهم مَن قال: الإيمان هو الشهادة باللسان فقط. ومنهم من قال: الإيمان هو الإقرار بالقلب واللسان فقط. ومنهم من قال بل الإيمان هو المعرفة بالله فقط.
وأما الأعمال الصالحة كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وبر الوالدين، وصدق الحديث..الخ فعندهم أنها فقط تزيد درجة المؤمن، ولا يزداد بها العبد إيماناً؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، والعبد إما مُصَدِّق وإما مُكّذِّب، فإن كان مصدقاً فلا يزداد بالصلاة والصوم وسائر الأعمال تصديقاً، وإذا لم يعملها كلها فلا تضره ما دام أنه مُصَدِّقٌ.
وأما المعاصي كقتل النفس التي حرم الله، والزنا، وشرب الخمر، وسائر الموبقات فمنهم مَن قال: لا تضر المؤمن (حسب تعريفهم السابق) شيئاً، فلو فعل كل منكر، وارتكب كل كبيرة مادام يشهد أن لا إله إلا الله فإنها لا تضره. بل يدخل الجنة مع أول الداخلين.
ومنهم من قال: بل تضره، وقد يعذب عليها، ولكنه يصير بعد ذلك إلى الجنة.
وأما المعاصي التي هي كُفر وشِرك فإنهم قالوا إذا فعلها المؤمن (حسب تفسيرهم) ظاهراً فقط ولم يعتقدها فإنه يظل على الإيمان، وإن اعتقدها فقد كفر.

موقف الخوارج والمعتزلة من الإيمان:
والمذهب المقابل لمذهب الإرجاء السابق هو ما ذهب إليه الخوارج، فإنهم جعلوا عمل الدين كله شرطاً في صحة الإيمان، فمَن نقض شيئاً من العمل الواجب فإنه يكفر، ومن فعل كبيرة من المعاصي كالزنا والسرقة كفر... والكفر عندهم كُفْرٌ مُخَلِّدٌ في النار خلوداً لا انقطاع له.
والفرق بين الخوارج والمعتزلة فَرْقٌ شكلي في التسمية فقط؛ فإن الخوارج قالوا: مَن ارتكب كبيرة فقد كفر، وهو مُخَلَّدٌ في النار إن مات عليها. وأما المعتزلة فقالوا: مَن ارتكب كبيرة فإنه لا يكون مؤمناً ولا كافراً بل في منزلة بين منزلة الكفر والإيمان ( منزلة بين المنزلتين )، وإن مات على ذلك فهو مُخَلَّدٌ في النار خُلودَ الكافرين.
موقف أهل السنة والجماعة من مُسمَّى الإيمان:
وأما أهل السنة والجماعة فإنهم عَرَّفُوا الإيمان بأنه: قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح. ولا يكون العبد مؤمناً إلا بهذه الثلاث. وقالوا: العمل جزء من الإيمان، وإذا انتفى العمل كله انتفى الإيمان كله.
وقالوا: العبد يزداد بالطاعة إيماناً، وينقص إيمانه بالمعصية، فليس تصديق الملائكة والنبيين، كتصديق مَن دونهم من صالح المؤمنين والصِّدِّيقين، ومن دونهم من عوام المؤمنين...وهناك الإيمان واليقين، وحقُّ اليقين، وعَيْنُ اليقين.
وقالوا: المعاصي التي هي دون الكفر لا يخرج بها المؤمن من الإيمان، ولو كانت كبيرة كالقتل، والزنا، وشرب الخمر... وإن مات صاحبها عليها ولم يتب منها فأمره فيها إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه في النار، ولكنه لا يخلد فيها خُلودَ الكافرين.
وأما المعاصي التي حكم الله على فاعلها بالكفر فمنها ما هو كفر أكبر ينقل عن الملة، ومنها ما هو كفر أصغر لا ينقل عن الملة، ولا يخلد صاحبها في النار خلود الكفار.
وقالوا: إن من العمل الصالح الذي فرضه ما يلزم من وجوده وجود الإيمان، ومن انتفائه انتفاء الإيمان، وهو الصلاة، (ولم يكن صحابة رسول الله يرون شيئاً من الأعمال تَرْكُهُ كُفر إلا الصلاة).
وقالوا إن الكفر كما يكون بالقلب فهو كذلك يكون بكلام اللسان، فمَنْ سبَّ اللهَ، أو رسولَه، أو دين الإسلام فهو كافر، وإن اعتقد خلاف ذلك، ومن ردَّ كلامَ الله، أو كلام رسوله بلسانه فهو كافر. وكذلك يكون الكفر بالعمل فمَن أهان القرآن فداسَهُ بِقَدَمِه، أو سجدَ لغير الله دون إِكراه فهو كافر...الخ
موقف أصحاب المذهب المُلَفَّقِ المعاصر للإرجاء:
وقد نشأ اليوم مذهب مُلَفَّقٌ هو في حقيقته مذهب أهل الإرجاء والجهمية قديماً، ولكن أصحابه يحاولون إلباسه لباس مُعْتَقَدِ أهلِ السنة والجماعة.
وخلاصة هذا المذهب ما يلي:
قولهم أن الإيمان قول وعمل، فيتوهم المستمع والقاري لكلامهم أنهم يعنون عمل الجوارح، ولكنهم يقولون: العمل المطلوب للإيمان هو عمل القلب من التصديق والإذعان، وأما أعمال الجوارح فهي لا تدخل في أصل الإيمان، ولكنها من الإيمان الواجب، أو المستحب، ولا يكون المؤمن كافراً إذا ترك أعمال الجوارح كلها: فلم يُصلِّ، ولم يَصُمْ، ولم يُزَكِّ، ولم يحج، ولم يعمل عملاً قط من الأعمال الظاهرة، بل ولو لم يغتسل من جنابة قط، ولم يوجه وجهته نحو القبلة قط !! وهذه مقالة غُلاةِ المرجئة قديماً، وأضاف بعضهم إلى هذا المذهب القديم القول: إن الكفر لا يكون إلا بالقلب، فإذا كان من الأعمال الظاهرة، فلا يُكّفَّرُ بها صاحبها إلا أن يعتقدها بقلبه. فلو سَبَّ الله، أو سبَّ رسولَه، أو دين الإسلام، أو سجد لغير الله، أو أهان كتاب الله، أو فعل المُكَفِّراتِ فإنه لا يكفر بشيء من ذلك إذا عمله ظاهراً فقط، ولم يعتقده في قلبه !!
وهذه ضميمة أُخرى من أقوال غُلاة المرجئة أضافوها لبدعتهم وانتَحلوها. وأضاف بعضُهم شنيعة أُخرى فقال: إن مَن كان عنده أصل الإيمان، وهو النُّطْقُ بالشهادة والاعتقاد بقلبه، فلا تَضُرُّهُ المعصية يوم القيامة بل يدخل الجنة مع أول الداخلين. كما في حديث البطاقة -حسب زعمهم- فرجعوا بذلك إلى قول الجهمية في مسمى الإيمان.
وهذا المذهب المُلَفَّقُ من مقالات غُلاةِ المرجئة والجهمية، ومرجئة الفقهاء. نموذج خطير جداً للإرجاء المعاصر. فمن قال بكل عناصره فقد جمع أسوأ أنواع الإرجاء، وقال بقول غلاتهم قديماً، بل خرج إلى الجهمية الخالصة. وأما مَنْ قال بأن المعاصي تضر، وأن صاحبها معرض للعذاب فإن إرجاءه يكون كإرجاء الفقهاء مما نقل عن الحسن بن محمد ابن علي بن أبي طالب، ومقاتل بن سليمان. وأبي حنيفة وحماد بن سلمة...وغيرهم...
موضوع هذه الرسالة:
وموضوع هذه الرسالة ليس تفصيل كل هذه المذاهب ولكن لبيان قضيتين أساسيتين فقط:
الأولى: أن من ترك العمل بالجوارح اختياراً فقد نقض أصل الإيمان.
الثانية: أن الكفر كما يكون بالقلب فإنه كذلك يكون بالعمل واللسان.
أولاً: تكفير الأئمة قائل هذه المقالة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب الإيمان: " وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأُخبرتُ أن ناساً يقولون: من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، ويصلي مستدبرَ القبلة حتى يموت، فهو مؤمن مالم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال الله تعالى:وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله " .
ثانياً: ابن القيم -رحمه الله- يرد هذه البدعة في أبيات معدودات:
رد الإمام ابن القيم -رحمه الله- هذه البدعة المنكرة بأبيات من نونيته، فإنه أوجز هذه البدعة، وبين حقيقتها وشناعتها في تسع أبيات فقط من ألفيته العظيمة المعروفة بالنونية:
قال ابن القيم -رحمه الله-:-
وكذلك الإرجــاءُ حينَ تُقِــرُّ بالمعبودِ تصبحُ كاملَ الإيمـانِ
فارمِ المصاحفَ في الحُشوشِ وخرِّبِ البيتَ العتيقَ وجِدَّ في العصيانِ
واقتل إذا ما استطَعْـتَ كلَّ موحِّدٍ وتَمَسَّحَنْ بِالقِسِّ والصُّلبـانِ
واشتُم جميعَ المرسلينَ ومــن أَتَوا من عندهِ جَهْـراً بلا كتمـانِ
وإذا رأيت حجارةً فاسجدْ لهــا بل خُرَّ للأصنامِ والأوثــانِ
وأَقِرَّ أن اللهَ جــلَّ جلالـــهُ هو وحدَهُ البادي لذي الأكوانِ
وأَقِرَّ أن رسـولَهُ حقــاً أتــى من عندهِ بالوحــي والقرآنِ
فتكونَ حقاً مؤمنــاً وجميــع ذا وِزرٌ عليكَ وليس بالكفـرانِ
هذا هو الإرجاءُ عنـــد غلاتِهِم من كل جهمِيٍّ أخي الشيطـانِ

وخلاصة معنى أبيات ابن القيم رحمه الله:
أنه عرف الإرجاء بأنه الإقرار بالمعبود فقط !!وذلك أن من المرجئة من قال: إن الإيمان هو الإقرار بالقلب فقط، ومنهم من قال باللسان فقط، وهو قول غلاتهم، ومنهم من قال الإقرار بالقلب، والشهادة باللسان فقط، وبذا تكون مؤمناً كامل الإيمان لأن الإيمان عندهم هو التصديق؛ فمادام أنه مصدق فهو مؤمن كامل الإيمان..
ولازم قولهم بل نص أقوالهم أن من رمى المصاحف في أماكن النجاسات، أو هدم بيت الله الحرام (الكعبة)، واجتهد في معصية الله ورسوله، وقتل المؤمنين الموحدين، وتمسَّحَ بالقساوسة متبركاً بهم، وبالصلبان معظماً ومتبركاً بها، وشتم جميع المرسلين، ومن أرسلهم، وسجد للحجر والصنم، فإنه لا يكفر كفراً ناقلاً عن الملة مادام أنه في قلبه مؤمن بالمعبود، وتكون الأعمال السابقة كلها كفر ظاهري فقط يحاسب عليها، ولا يخلد في النار بسببها !! وذكر ابن القيم في بيته الأخير أن هذه عقيدة الجهمية إخوان الشياطين.
الرد التفصيلي لهذه البدعة الشنيعة:
أولاً: لا دخول للجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح:
القرآن كله شاهد أن لا نجاة للعبد يوم القيامة من النار إلا بالإيمان والعمل الصالح، والآيات في هذا كثيرة جداً، ومن قال: إن النجاة من النار تكون بمجرد لفظ الإيمان، وإقرار القلب بهذا اللفظ دون العمل مما فرضه الله وأوجبه: من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وبر، وطاعة لله ورسوله، فقد كذب آيات الله.
ففي القرآن أكثر من تسعين موضعاً جاء فيها الإيمان مقترناً بالعمل الصالح، وأن دخول الجنة يكون بهما معاً، ومن ذلك قوله تعالى:وبَشِّرِ الذينَ ءامنوا وعملوا الصالحات أنَّ لهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ .
وقوله تعالى:إن الذينَ ءامنوا والذينَ هادُوا والنصارى والصابِئين مَنْ آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ وعمِلَ صالحاً فلهم أجرُهم عند ربِهِم ولا خوْفٌ عليهم ولا هم يحزنون . وهذه الآية لسنة الله في الجزاء للأمم جميعاً، أي أن كل الأمم حسابها عند الله أن من آمن منهم، وعمل صالحاً، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومفهوم هذه الآية أن من لم يكن كذلك، لم يكن كذلك.
وقوله تعالى:فمَنْ كان يرجُو لقاءَ ربِهِ فلْيَعْمَلْ عملاً صالحاً ولا يُشْرِكْ بعبادَةِ ربِّهِ أحداً . وقوله تعالى:إن الذينَ ءامنوا وعملوا الصالحات كانتْ لهم جناتُ الفِرْدَوْس نُزُلاً . وقوله تعالى:والعصرِ  إن الإنسانَ لفي خُسرٍ  إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوْا بالحق وتواصوْا بالصبْر .
وكذلك السنة، فإن السنة كلها مبينة أن النجاة إنما تكون بالطاعة لله ورسوله، ومن ذلك حديث النبي الجامع عن أبي هريرة أن رسولَ اللّه  قال: « كلّ أمتي يَدخلونَ الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسولَ اللّه ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخلَ الجنة، ومن عصاني فقد أبى » . فكيف يكون من عصى الله ورسوله أبداً، ولم ينفذ أمراً له مطلقاً من أهل الجنة، ولو يوماً من عمره ؟
وضرب النبي  مثلاً لذلك، قال جابرُ بن عبد اللّه يقول: جاءت ملائكة إلى النبيّ  وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العينَ نائمةٌ والقلبَ يقظانُ، فقالوا: إِن لِصاحبكم هذا مثلاً، قال: فاضربوا له مثلاً. فقال بعضهم: إِنه نائمٌ، وقال بعضهم: إن العينَ نائمةٌ والقلبَ يقظان، فقالوا: مثلهُ كمثل رجلٍ بَنى داراً، وجَعَلَ فيها مأدُبةً، وبَعثَ داعياً، فمن أجاب الداعيَ دخلَ الدارَ، وأكلَ من المأدبة، ومن لم يجبِ الداعيَ لم يدخل الدار ولم يأكل منَ المأدبة. فقالوا: أولوها له يَفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم إنّ العينَ نائمةٌ والقلبَ يقظانٌ، فقالوا: فالدارُ الجنة، والداعي محمدٌ ، فمن أطاعَ محمداً فقد أطاعَ اللّه، ومن عصى محمداً صلى الله عليه وسلم فقد عصى اللّه، ومحمدٌ فَرَقٌ بينَ الناس» . ومعنى الحديث أن من لم يطع الرسول، وخالف أمره لم يدخل جنة الله، وفي هذا أعظم الرد على المرجئة القائلين بأن من عصى الله ورسوله طيلة حياته، ولم ينفذ له أمراً أنه يدخل الجنة.

ثانياً: التلازم بين إيمان القلب و عمل الجوارح:
البرهان الثاني على أن عمل الجوارح من الإيمان هو أن المؤمن حقاً بقلبه لا بد وأن يدفعه ذلك إلى الطاعة، وأما من ترك الطاعة أبداً ولم يمتثل لأمر الله وأمر رسوله مطلقاً فلا يمكن أن يكون مؤمناً بقلبه، وإن ادعى الإيمان بلسانه.
والقرآن شاهد على ذلك أن لا إيمان في القلب لِمَنْ لا يستجيب لله بجوارحه. ومن ذلك قوله تعالى:إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وجلت قلوبُهُم وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُهُ زادَتْهُم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون  الذين يقيمون الصلاةَ ومما رزقناهم ينفقون  أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ . فدل ذلك على أن من يخاف الله بقلبه، ويزداد إيمانه مع ذكره، وتنزل آياته، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة فهو المؤمن على الحقيقة، الصادق في دعوى الإيمان، ومفهوم هذا أن من لم يكن كذلك فهو كاذب في دعوى الإيمان، ومثل هذه الآية قوله تعالى:إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون .
فذلك أن الإيمان الحق الصادق هو ما استلزم اليقين الصحيح والعمل الصالح..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- موضحاً هذا المعنى في كتاب الإيمان: " ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال قوله تعالى:إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذُكّروا بها خَرُّوا سُجَّداً وسَبَّحوا بحمدِ ربِهِمْ وهم لا يستكبرون . فنفى الإيمان عن غير هؤلاء، فمن كان إذا ذُكِّرَ بالقرآن لا يفعل ما فرضه الله عليه من السجود لم يكن من المؤمنين، وسجود الصلوات الخمس فرض باتفاق المسلمين، وأما سجود التلاوة، ففيه نزاع، وقد يحتج بهذه الآية من يوجبه، لكن ليس هذا موضع بسط هذه المسألة، فهذه الآية مثل قوله:إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وقوله:إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وقولهإنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ، ومن ذلك قوله تعالى:عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين  لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين  إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون .
وهذه الآية مثل قوله:لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوَادُّون من حادَّ الله ورسوله ، وقوله:ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتَّخَذُوهُمْ أولياء . بين سبحانه أن الإيمان له لوازم، وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده، ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله، ومن أضداده استئذانه في ترك الجهاد، ثم صرح بأن استئذانه إنما يصدر من الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ودل قوله:والله عليم بالمتقين على أن المتقين هم المؤمنون " .

ثالثاً: تارك العمل مطلقاً - يسلب الإيمان -:
وقد أجمع سلف الأمة أن إيمان القلب مستلزم لعمل الجوارح، وأن من ترك العمل بالجوارح مطلقاً فهو كاذب في دعوى الإيمان، بل إنه يسلب الإيمان بعدم الاستجابة، كما قال تبارك وتعالى عن الكفارونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طُغْيانِهِم يعمهون. وقال سبحانه عن اليهودوقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فقليلا ما يؤمنون.
وحذر الله المؤمنين من ترك الاستجابة، فقال لهم:يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون. وهذه أصرح الآيات في أن الله يعاقب من لا يستجيب لأمره بطمس بصيرته، ورده إلى الكفر، والحيلولة بينه وبين الإيمان، كما فعل بإبليس الذي امتنع عن السجود لآدم ، وكما فعل بفرعون الذي علم الحق، فلما رده ولم يذعن طبع الله على قلبه، وطمست بصيرته، وكما فعل بالمنافقين:مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، وكما فعل باليهود:فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الكافرين.
وكذلك من زعم بلسانه أنه مؤمن بالله ورسوله، ولكنه لم يفعل شيئاً مما أمره الله به، ولم ينته عن شيء مما نهاه الله عنه؛ فكيف يكون عنده أصل الإيمان، أو في قلبه مثقال ذرة من خير... فلو كان مؤمناً حقاً لفعل.
وهذا ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من أن العمل جزء من الإيمان ولازمه، ومقتضاه، وأنه لا يكون إيمان بغير عمل.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الأمر في مواطن كثيرة من كتبه فمن ذلك في العقيدة الأصفهانية:
" وأيضاً فإن تصديق القلب يتبعه عمل القلب؛ فالقلب إذا صدق بما يستحقه الله تعالى من الألوهية، وما يستحق الرسول من الرسالة تبع ذلك لا محالة- محبة الله سبحانه ورسوله  وتعظيم الله  ورسوله، والطاعة لله ورسوله أمر لازم لهذاالتصديق لا يفارقه إلا لعارض من كبر أو حسد أو نحو ذلك من الأمور التي توجب الاستكبار عن عبادة الله تعالى، والبغض لرسوله ، ونحو ذلك من الأمور التي توجب الكفر ككفر إبليس وفرعون وقومه واليهود وكفار مكة وغير هؤلاء من المعاندين الجاحدين، ثم هؤلاء إذا لم يتبعوا التصديق بموجبه من عمل القلب واللسان وغير ذلك، فإنه قد يطبع على قلوبهم حتى يزول عنها التصديق كما قال تعالى:{وإذ قال موسى لقومه لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم فهؤلاء كانوا عالمين، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، وقال موسى لفرعون:لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وقال تعالى: وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب إلى قوله تعالى:كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقال تعالى:وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون  ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون.
فبين سبحانه أن مجيء الآيات لا يوجب الإيمان بقوله تعالىوما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون  ونُقلبُ أفئدَتَهم وأبصارهم أي فتكون هذه الأمور الثلاثة أن لا يؤمنوا وأن نقلب أفئدتهم وأبصارهم وأن نذرهم في طغيانهم يعمهوم أي وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت تحصل هذه الأمور الثلاثة، وبهذا المعنى تبين أن قراة الفتح أحسن. وأن من قال أن المفتوحة بمعنى لعل فظن أن قوله:ونقلبُ أفئدتِهم كلام مبتدأ لم يفهم معنى الآية، وإذا جعل ونقلب أفئدتهم داخلاً في خبر أن تبين معنى الآية فإن كثيراً من الناس يؤمنون، ولا تقلب قلوبهم لكن يحصل تقليب أفئدتهم وأبصارهم، وقد لا يحصل، أي فما يدريكم أنهم لا يؤمنون ؟ والمراد: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، بل نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، والمعنى وما يدريكم أن الأمر بخلاف ما تظنونه من إيمانهم عند مجيء الآيات، ونذرهم في طغيانهم يعمهون، فيعاقبون على ترك الإيمان أول مرة بعد وجوبه عليهم إما لكونهم عرفوا الحق وما أقروا به، وتمكنوا من معرفته فلم يبطلوا معرفته، ومثل هذا كثير.
والمقصود هنا أن ترك ما يجب من العمل بالعلم الذي هو مقتضى التصديق قد يفضي إلى سلب التصديق والعلم كما قيل: " العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل " وكما قيل: " كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به، فما في القلب من التصديق بما جاء به الرسول  إذا لم يتبعه موجبه ومقتضاه من العمل قد يزول؛ إذ وجود العلة يقتضي وجود المعلول، وعدم المعلول يقتضي عدم العلة، فكما أن العلم والتصديق سبب للإرادة والعمل فعدم الإرادة والعمل سبب لعدم العلم، والتصديق ثم إن كانت العلة تامة فعدم المعلول دليل يقتضي عدمها، وإن كانت سبباً قد يختلف معلولها كان له بخلفه أمارة على عدم المعلول قد يختلف مدلولها، وأيضاً فالتصديق الجازم في القلب يتبعه موجبه بحسب الإمكان كالإرادة الجازمة في القلب، فكما أن الإرادة الجازمة في القلب إذا اقترنت بها القدرة حصل بها المراد، أو المقدور من المراد لا محالة فإذا كانت القدرة حاصلة، ولم يقع الفعل كان الحاصل هي لا إرادة جازمة، وهذا هو الذي عُفِيَ عنه.
فكذلك التصديق الجازم إذا حصل في القلب تَبِعَهُ عملٌ من عمل القلب لا محالة لا يتصور أن يَنفَّكَ عنه، بل يتبعه الممكن من عمل الجوارح. فمتى لم يتبعه شيء من عمل القلب علم أنه ليس بتصديق جازم، فلا يكون إيماناً، لكن التصديق الجازم قد لا يتبعه عمل القلب بتمامه لعارض من الأهواء كالكِبْرِ والحسد ونحو ذلك من أهواء النفس لكن الأصل أن التصديق يتبعه الحب، وإذا تخلف الحب كان لضعف التصديق الموجب له ، ولهذا قال الصحابة: كل من يعصي الله فهو جاهل، وقال ابن مسعود: " كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار جهلاً "، ولهذا كان التكلمُ بالكفرِ من غير إكراهٍ كفراً في نفس الأمر عند الجماعة وأئمة الفقهاء حتى المرجئةِ خلافاً للجهمية ومن اتبعهم، ومن هذا الباب سبُّ الرسولِ  وبُغضُهُ، وسبُّ القرآنِ وبُغضُهُ، وكذلك سبُّ اللهِ سبحانَه وبُغضُهُ، ونحو ذلك مما ليس من باب التصديق والحب والتعظيم والموالاة، بل من باب التكذيبِ والبغضِ والمعاداةِ والاستخفافِ.
ولما كان إيمان القلب له موجباتٌ في الظاهر؛ كان الظاهر دليلاً على إيمان القلب ثبوتاً وانتفاء، كقوله تعالىلا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله وقوله ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء وأمثال ذلك " .
رابعاً: الذي أراده الله من العباد هو الإيمان والعمل الصالح:
تفصيل الإمام أبي ثور لمذهب المُرجِئة والزامهم الحُجَّةَ، وأنَّ مَن لم يعمل فهو كافر:
وأخبرنا محمد بن أحمد البصير قال أخبرنا أحمد بن جعفر قال ثنا إدريس بن عبدالكريم المقري قال سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان، وما هو يزيد وينقص ؟ وقولٌ هو ؟ أو قولٌ وعملٌ ؟ وتصديقٌ وعملٌ ؟ فأجابه أبو ثور بهذا فقال أبو ثور: سألتَ رحمك الله، وعفا عنا وعنك عن الإيمان: ما هو ؟ يزيد وينقص ؟ وقولٌ هُوَ ؟ أو قول وعمل ؟ وتصديق وعمل ؟ فأخبرك بقول الطوائف، واختلافهم: فاعلم -يرحمنا الله وإياك- أن الإيمان تصديق بالقلب، والقول باللسان، وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خِلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأُقِرُّ بجميع الشرائع، ثم قال ما عقد قلبي على شيء من هذا، ولا أصدق به أنه ليس بمسلم.
ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال: لم ينعقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك، وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن مع التصديق مؤمناً، ولابالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمناً حتى يكون مصدقاً بقلبه مقراً بلسانه، فإذا كان التصديق بالقلب، وإقرار باللسان، كان عندهم مؤمناً، وعند بعضهم لا يكون حتى مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمناً. فلما نَفَوْا أن الإيمان شيء واحد وقالوا يكون بشيئين في قول بعضهم، وثلاثة أشياء في قول غيرهم، لم يكن مؤمناً إلا بما اجتمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء، وذلك أنه إذا جاء بالثلاثة أشياء؛ فكلهم يشهد أنه مؤمن، فقلنا بما اجتمعوا عليه من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ما أراد الله عز وجل من العباد إذ قال لهم:أَقِيمُوا الصلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ إلا الإقرار بذلك، أو الإقرار والعمل ؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار، ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم مَن قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا، ولا يؤتوا الزكاة، فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعاً لم زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً ؟
أرأيتم لو أن رجلاً قال: اعمل جميع ما أمر الله، ولا أُقِرُّ به أيكون مؤمناً ؟ فإن قالوا: لا. قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئاً، أيكون مؤمناً ؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعاً ؟ فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر جاز أن يكون الآخر إذا عمل ولم يُقِرَّ مؤمناً؛ لا فرق بين ذلك.
فإن احتجَّ فقال: لو أن رجلاً أسلم، فأقر بجميع ما جاء به النبي ، أيكون مؤمناً بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل ؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمناً، وقال أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان وفيما بينا من هذا ما يُكْتَفَى به .

خامساً: إجماع سلف الأمة أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان:
أجمع سلفُ الأمة أن الإيمانَ حقيقةٌ مركبةٌ من عناصر ثلاث: شهادةٌ باللسان، وتصديقٌ بالقلب بمعنى هذه الشهادة، وعملٌ بالجوارح، واتفقوا على أنه إذا تخلف عُنْصُرٌ من هذه العناصر تَخَلَّفَ الإيمان، وانتقضَ، ولم يكن لصاحبه إيمان قط.. فإذا لم ينطق بالشهادتين مع الإقرار بهما في قلبه فهو كافر لامتناعه عن الإقرار ظاهراً، ولو كان مِمَّا يعمل مع الإقرار بعضُ أعمالِ الإيمان كما كان الشأن في أبي طالب فإنه كان مُقِرّاً بقلبه أن دين النبي حق، وكان مِمَّنْ يعمل بعض أعمال الإيمان من محبة النبي والدفاع عنه، وإن لم تكن له نية خالصة في ذلك، فقد كان هذا لِلْحَمِيَّةِ والقرابة. ومات كافراً لما امتنع عن النطق بالشهادتين.
ومن نطق بالشهادتين، ولم يكن مقراً بها في قلبه، وعمل أعمال الإسلام من صلاة، وصيام، وزكاة فهو منافق كافر، وهو شَرٌّ من الكافر المُعْلِن للكفر..
من ادَّعى بلسانه أنه مؤمن، ونطق بالشهادتين، وزعم أنه مصدِّقٌ بها في قلبه، ولكن امتنع من كل أوامر الله، فلم يُطِعْها، وفعل ما حرم الله عليه، وترك ما أوجب الله عليه، فهو كافر، وهذه هي حقيقة بدعة المرجئة الذين قالوا: الإيمان قولٌ باللسان، وتصديق بالقلب فقط، والأعمال لا تدخل في مُسَمَّى الإيمان. وقالت الجهمية مثل قولهم إلا أنهم قالوا: عَمَلُ القلبِ هو المعرفة فقط.
وأهل السنة جعلوا الإيمانَ قولاً وعملاً، قولاً باللسان، وعملاً بالقلب والجوارح فهو معنى قوله تعالى:سَمِعْنا وأَطَعْنا، وقد نقل شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الإيمان إجماع أهل العلم على ذلك، وتفسيرهم لمعنى قولهم أن الإيمان قولٌ وعملٌ فقال: " قال الحميدي: سمعتٌ وكيعاً يقول: أهلُ السنةِ يقولون: الإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ، والمرجئة يقولون: " الإيمان قول ". والجهمية يقولون:" الإيمانُ معرِفةٌ ". وفي رواية أُخرى عنه: وهذا كفر. قال محمد بن عمر الكلابي: سمعتُ وكيعاً يقول: الجهميةُ شَرٌّ من القَدَرِيَّةِ، قال: وقال وكيع: المرجئة الذين يقولون: " الإقرارُ يُجزِئُ عن العمل "؛ ومن قال هذا فقد هَلَكَ؛ ومن قال: النية تُجزِئُ عن العمل، فهو كفر، وهو من قول جهم، وكذلك قال أحمد بن حنبل.
ولهذا كان القول: أن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك، وقد ذكرنا عن الشافعي -رضي الله عنه- ما ذكره من الإجماع على ذلك قوله في ( الأم ): وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر؛ وذكر ابن أبي حاتم -في مناقبه: سمعتُ حرملة يقول: اجتمع حفص الفرد، ومصلان الأباضي عند الشافعي في دار الجروي، فتناظرا معه في الإيمان، فاحتج مصلان في الزيادة والنقصان، وخالفه حفص الفرد، فحمى الشافعي، وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فطحن حفصاً الفرد، وقطعه.
وروى أبو عمرو الطلمنكي بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الحمال قال: أملى علينا إسحاق بن راهويه أن الإيمان وقول وعمل يزيد وينقص، لا شك أن ذلك كما وصفنا، وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة، والآثار العامة المحكمة؛ وآحاد أصحاب النبي  والتابعين؛ وهلم جراً على ذلك، وكذلك التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه، وكذلك في عهد الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، ومالك بن أنس بالحجاز، ومعمر باليمن، على ما فسرنا وبَيَّنَّا، أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
وقال إسحاق: مَن تركَ الصلاةَ مُتَعَمِّدَاً حتى ذَهَبَ وقتُ الظُّهْرِ إلى المغرب، والمغرب إلى نصف الليل، فإنه كافرٌ بالله العظيم، يُستتابُ ثلاثةِ أيامٍ، فإن لم يرجعْ، وقال: تركها لا يكون كفراً، ضُرِبَتْ عُنُقُه -يعني تاركها. وقال ذلك - وأما إذا صلى وقال ذلك، فهذه مسألة اجتهاد، قال: واتبعهم على ما وصفنا من بعدهم من عصرنا هذا أهل العلم، إلا مَن باين الجماعة، واتبع الأهواء المختلفة، فأولئك قوم لا يَعبأُ الله بهم لما باينوا الجماعة.
سادساً: أئمة التابعين قائلون بأن الإيمان قول وعمل:
قال أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام -وله كتاب مصنف في الإيمان، قال-: هذه تسميةُ مَن كان يقول: الإيمانُ قولٌ وعملٌ يزيدُ وينقصُ. من أهل مكة: عبيد بن عمير الليثي، عطاء بن أبي رباح، مجاهد بن جبر، ابن أبي مليكة، عمرو بن دينار، ابن أبي نجيح، عبيد الله بن عمر، عبدالله بن عمرو بن عثمان، عبدالملك بن جريح،نافع بن جبير، داود بن عبدالرحمن العطار، عبدالله بن رجاء.
ومن أهل المدينة: محمد بن شهاب الزهري، ربيعة بن أبي عبدالرحمن، أبو حازم الأعرج، سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، يحيى بن سعيد الأنصاري، هشام بن عروة بن الزبير، عبيدالله بن عمر العمري، مالك بن أنس، محمد بن أبي ذئب، سليمان ابن بلال، عبدالعزيز بن عبدالله -يعني الماجشون-، عبدالعزيز بن أبي حازم.
ومن أهل اليمن: طاووس اليماني، وهب بن منبه، معمر بن راشد، عبدالرزاق بن همام.
ومن أهل مصر والشام: مكحول، الأوزواعي، سعيد بن عبدالعزيز، الوليد بن مسلم، يونس بن يزيد الأيلي، يزيد بن أبي حبيب، يزيد بن شريح، سعيد بن أبي أيوب، الليث بن سعد، عبدالله بن أبي جعفر، معاوية بن أبي صالح، حيوة بن شريح، عبدالله ابن وهب.
ومَن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة: ميمون بن مهران، يحيى بن عبدالكريم، معقل بن عبيدالله، عبيد الله بن عمرو الرقي، عبدالملك بن مالك، المعافي بن عمران، محمد بن سلمة الحراني، أبو إسحاق الفزاري، مخلد بن الحسين، علي بن بكار، يوسف ابن أسباط، عطاء بن مسلم، محمد بن كثير، الهيثم بن جميل.
ومن أهل الكوفة: علقمة، الأسود بن يزيد، أبو وائل وسعيد بن جبير، الربيع بن خيثم، عامر الشعبي، إبراهيم النخعي، الحكم بن عتيبة، طلحة بن مصرف، منصور بن المعتمر، سلمة ابن كهيل، مغيرة الضبي، عطاء بن السائب، اسماعيل بن أبي خالد، أبو حيان، يحيى بن سعيد، سليمان بن مهران الأعمش، يزيد بن أبي زياد، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة، الفضيل بن عياض، أبو المقدام، ثابت بن العجلان، ابن شبرمة، ابن أبي ليلى، زهير، شريك بن عبدالله، الحسن بن صالح، حفص بن غياث، أبو بكر بن عياش، أبو الأحوص، وكيع بن الجراح، عبدالله بن نمير، أبو أسامة، عبدالله بن إدريس، زيد ابن الحباب، الحسين بن علي الجعفي، محمد بن بشر العبدي، يحي بن آدم ومحمد ويعلى وعمرو بنو عبيد.
ومن أهل البصرة: الحسن بن أبي الحسن، محمد بن سيرين، قتادة بن دعامة، بكر ابن عبدالله المزني، أيوب السختياني، يونس بن عبيد عبدالله بن عون، سليمان التيمي، هشام بن حسان الدستوائي، شعبة بن الحجاج، حماد بن سلمة، حماد بن زيد، أبو الأشهب، يزيد بن إبراهيم، أبو عوانة، وهب بن خالد، عبدالوارث بن سعيد، معتمر ابن سليمان التيمي، يحيى بن سعيد القطان، عبدالرحمن بن مهدي، بشر بن المفضل، يزيد بن زريع، المؤمل بن إسماعيل، خالد بن الحارث، معاذ بن معاذ، أبو عبدالرحمن المقري.
ومن أهل واسط: هشيم بن بشير، خالد بن عبدالله، علي بن عاصم، يزيد بن هارون، صالح بن عمر بن علي بن عاصم.
ومن أهل المشرق: الضحاك بن مزاحم، أبو جمرة، نصر بن عمران، عبدالله بن المبارك، النضر بن شميل ، جرير بن عبدالحميد الضبي.
قال أبو عبيد: هؤلاء جميعاً يقولون: الإيمان يزيد وينقص؛ وهو قول أهل السنة المعمول به عندنا.
سابعاً: عشرة من أئمة الفقه في الأمة يقولون: الإيمان قول وعمل:
قال الإمام اللالكائي: وأخبرنا محمد بن أحمد، أخبرنا عثمان بن أحمد، قال ثنا حنبل قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا يحيى بن سليم، قال: سَأَلتُ عَشَرَةً من الفُقَهاء عن الإيمان ؟ فقالوا: قَولٌ وعَملٌ. سألتُ سفيان الثوري، فقال: قولٌ وعملٌ. وسألتُ ابن جريج فقال: قولٌ وعملٌ. وسألتُ محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان فقال: قولٌ وعملٌ. وسألتُ المثنى ابن الصباح فقال: قولٌ وعملٌ. وسألتُ نافع بن عمر بن جميل فقال: قولٌ وعملٌ. وسألتُ محمد بن مسلم الطائفي فقال: قولٌ وعملٌ. وسألتُ مالك ابن أنس فقال: قولٌ عملٌ. وسألتُ سفيان بن عيينة فقال: قولٌ وعملٌ.
وأخبرنا محمد بن أحمد، قال: ثنا عثمان بن أحمد، قال: ثنا حنبل، قال: ثنا الحميدي، قال: سمعتُ وكيعاً يقول: أهلُ السنة يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ.
أخبرنا عبيدالله بن محمد بن أحمد، قال: نا أحمد بن خلف، قال: ثنا محمد بن جرير، قال: ثنا علي بن سهل الرملي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعتُ الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبدالعزيز يُنْكرونَ قولَ من يقول: إنَّ الإيمانَ قولٌ بِلا عملٍ ويقولون: لا إيمانَ إلا بعمل: ولا عملَ إلا بإيمانٍ.
وأخبرنا محمد بن أحمد، أخبرنا عثمان، قال: ثنا حنبل، فقال: حدثني أبو عبدالله يعني أحمد، قال: ثنا أبو سلمة الخزاعي، قال: قال مالك بن أنس، وشريك، وأبو بكر بن عياش، وعبدالعزيز بن أبي سلمة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد: الإيمانُ المعرفةُ والإقرارُ والعملُ. أهـ
ثامناً: إجماع الصحابة على أنَّ تاركَ الصلاةِ كافرٌ الكفرَ الأكبرَ الناقِل عن الملةِ:
أجمع الصحابة جميعُهم على أنَّ تَرْكَ الصلاة كُفْرٌ أكبَرُ ناقِلٌ عن المِلَّةِ. وهذا مِن أصرح الأدلة على أن تاركَ العَمَلِ اختياراً ليسَ في قلبِهِ ذرةٌ من إيمان. وأن الصلاة شرط في صحة الإيمان، وأنها من العمل اللازم لوجود الإيمان في القلب. فتركُ الصلاة شعبةٌ من شعبِ الكفرِ لقول النبيِ  عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ  يَقُولُ: «بَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ الشّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصّلاَةِ » . ولقوله  عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: سمعتُ رسولَ الله  يقولُ: « العهدُ الذي بينَنَا وبينهُم الصلاةُ؛ فَمَنْ تَرَكَها فقد كَفَر » . وعن ابنِ عُمَرَ أَنّ رسولَ اللّهِ  قال: « أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ الناسَ حتّى يَشْهَدوا أَنْ لا إِلهَ إِلاّ اللّهُ، وأنّ محمداً رسولُ اللّهِ، ويُقِيموا الصلاةَ، ويُؤْتُوا الزّكاةَ. فإذا فَعَلوا ذلكَ عَصَموا مِنّي دِماءَهُم وأموالَهُم إِلاّ بِحَقّ الإِسلام، وحسابُهم عَلَى اللّه » .
ولأن الله سبحانه وتعالى جعلها مع الزكاة علامة وشهادة للإيمان، فقال سبحانه وتعالى في شأن المشركين من العرب الذين أمر الله بإمهالهم أربعة أشهر، فإما الإيمانُ أو القتلُ قال الله تعالى:فإذا انسلخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقتُلوا المشركينَ حيثُ وَجَدْتُموهُم وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدوا لَهُمْ كلَّ مَرْصَدٍ فإنْ تابوا وأقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ فخلُّوا سبيلَهُم إن اللهَ غفورٌ رحيمٌ.
فلما جعل الله إقامتهم للصلاة، وإيتاءَهم للزكاة شرطاً لِلْكَفِّ عنهم، وعدم قَتْلِهِم وقِتالِهِم عَلِمْنا أن الصلاةَ والزكاةَ شرطٌ في صحةِ الإيمانِ.
ومن أجل ذلك أجمع الصحابة جميعُهم على كُفرِ تاركِ الصلاةِ ولا يُعْلَمُ منهم مُخَالفٌ واحد، ولذلك لما عزمَ الصِّدِّيقُ على قتال مانِعي الزكاة قال له الصحابة: كيف تقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ؟ فقال: لأقاتلن من فرق بين الصلاةِ والزكاةِ.
فقاس لهم الزكاة التي اختلفوا في حكم مانعها على الصلاة التي لم يختلفوا قط في كُفرِ تاركِها. وإجماع الصحابةِ حُجَّةٌ على الحق، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يُتصورُ في بداهة العقول أن يجتمع في قلبٍ واحدٍ الإيمانُ باللهِ، وتركُ الصلاةِ أبداً ودوماً، مع ما فيها من الوعيد، وبيانِ كُفرِ تاركِها، وأمرِ المؤمنين بقتله وقتاله...والمناداة بها خمس مرات في كل يوم وليلة.
ولا شك أن حَمْلَ كفر تارك الصلاة على المعصية التي هي دون الكفر الناقل عن الملة حَمْلٌ غير صحيح للأسباب الآتية:
1) أن الرسول  قد جعل ذلك علامة فارقة بين الكفر والإيمان، وتمييزاً لأهل النفاق عن أهل الإسلام. فالمنافق الذي يدَّعي الإيمان، وهو كافِرُ القلب الصلاةُ تُظْهِرُ حَقِيقَتَهُ، فإن صلى كان ذلك دليلاً على إيمانه، وإن لم يُصْلِ كان هذا دليلاً على كفرِهِ.
فقولُ الرسول: « العهدُ الذي بيننا وبينهُم » أي بيننا وبين المنافقين، والعهد هو شهادتُهُم ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هذه الشهادة عهدٌ منهم على الإيمان بالله ورسوله فإن صَلُّوا كان هذا دليلاً على التزامِهِم بالعهدِ الذي قَطَعوه على أنفسهِم، وشهدوا به، وإن لم يُصَلُّوا كان هذا دليلاً على نَقضِهِم العهدَ، وبرهاناً على كفرِهم !! فأيُّ دليلٍ أصرح على كفرِ تاركِ الصلاةِ كفراً ناقلاً عن الملةِ من هذا ؟!
والذين يقولون: يبقى على الإسلام مع تركه للصلاة، فمع مخالفتهم للحديث يهدمون الفارق الأعظمَ بين المنافق نفاقاً اعتقادياً ( أعني كافر الباطن ) وبين المسلم. فإن المنافق نفاقاً اعتقادياً لا توجدُ شعيرة من شعائر الإسلام تُظهِرُه واضحاً للمسلمين إلا تَركهُ للصلاة. فمَن قال: لا يكفرُ أيضاً مع تركه للصلاة، لم يُبقِ هناكَ علامةً قط بين المنافق نفاقاً اعتقادياً وبين المسلم وبهذا يتمتع هذا المنافق في أوساط المسلمين بكل منافع الإسلام، فيعيش بينهم آمِناً، مع كفرِ قلبهِ، وفسادِ عقيدتِهِ.
فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كُفرِ تاركِ الصلاة :
" وسُئِلَ -رحمه الله- عن تاركِ الصلاة من غير عُذر، هل هو مسلم في تلك الحال ؟ فأجاب: أما تارِكُ الصلاةِ: فهذا إن لم يكن مُعتَقِداً لوجوبها فهو كافر بالنَّصِّ والإجماع، لكن إذا أسلمَ ولم يَعْلَمْ أن اللهَ أوجبَ عليه الصلاة، أو وجوب بعض أركانها: مثل أن يصلي بلا وضوء، فلا يعلم أن الله أوجب عليه الوضوء، أو يصلي مع الجنابة فلا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة، فهذا ليس بكافر، إذا لم يَعْلَمْ.
لكن إذا عَلِمَ الوجوب: هل يجب عليه القضاء ؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد ومالك وغيرهما. قيل: يجب عليه القضاء، وهو المشهورُ عن أصحاب الشافعي وكثيرٍ من أصحاب أحمد، وقيل: لا يجبُ عليه القضاء وهذا هو الظاهر.
وعن أحمد في هذا الأصل روايتان منصوصتان فيمن صلَّى في معاطن الإبل، ولم يكن يعلم النهي، ثم علم، هل يُعيد ؟ على روايتين، ومن صلى ولم يتوضأ من لُحومِ الإبل، ولم يكن عَلِمَ بالنهي، ثم عَلِمَ. هل يعيد ؟ على روايتين.
وقيل: عليه الإعادة: إذا ترك الصلاة جاهلاً بوجوبها في دار الإسلام دون دار الحرب، وهو المشهورُ من مذهب أبي حنيفة، والصائم إذا فعل ما يفطر به جاهلاً بتحريم ذلك: فهل عليه الإعادة ؟ على قولين في مذهب أحمد. وكذلك من فعل محظوراً في الحج جاهلاً.
وأصل هذا: أن حكم الخطاب: هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه ؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل: يثبت. وقيل: لا يثبت. وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ. والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ، لقوله تعالى:لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ ومَنْ بَلَغَ، وقوله:وما كُنَّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً، ولقوله:لِئَلاَّ يَكُونَ للناسِ على اللهِ حُجَّةٌ بعدَ الرُّسُلِ ومِثلُ هذا في القرآن مُتَعَدِّدٌ، بَيَّنَ سُبحانَهُ أنه لا يُعاقبُ أحداً حتى يبلغه ما جاءَ به الرسول.
ومَنْ عَلِمَ أنَّ محمداً رسول الله، فآمن بذلك، ولم يَعْلَم كثيراً مما جاء به، لم يُعَذِّبْهُ الله على مالم يَبْلُغْه، فإنه إذا لم يُعَذِّبْهُ على تَرْكِ الإيمانِ بعد البلوغِ. فإنه لا يُعذِّبْهُ على بعض شرائِطِه إلا بعد البلاغ أولى وأحرى، وهذه سنة رسول الله  المستفيضة عنه في أمثال ذلك.
فإنه قد ثبت في الصحاح أن طائفة من أصحابه ظنوا أن قوله تعالى:الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ هو الحبل الأبيض من الحبل الأسود، فكان أحدهم يربط في رجله حبلاً، ثم يأكل حتى يتبين هذا من هذا فبين النبي : أن المرادَ بياضُ النهارِ وسوادُ الليلِ، ولم يأمُرْهُم بالإعادة.
وكذلك عمرُ بن الخطاب وعمَّارُ أَجْنَبَا، فلم يُصَلِّ عمرُ حتى أدركَ الماءَ، وظن عمَّارُ أنَّ الترابَ يَصِلُ إلى حيثُ يَصِلُ الماء، فتَمَرَّغَ كما تَمَرَّغُ الدابة، ولم يأمر واحداً منهم بالقضاء، بل أمره بالتيمم في المستقبل.
وكذلك المستحاضَة قالت: إني اُسْتحاضُ حَيْضَةً شديدةً تمنعني الصلاةَ والصوم، فأَمَرَها بالصلاةِ زمنَ دمِ الاستحاضةِ، ولم يَأْمُرْها بالقضاءِ.
ولما حُرِّمَ الكلام في الصلاة تَكَلَّمَ معاوية بن الحكم السلمي في الصلاة بعد التحريم جاهلاً بالتحريم، فقال له: " إنَّ صلاتَنا هذه لا يَصْلُحُ فيها شيءٌ مِن كلامِ الآدَمِيِّينَ " ولم يأمره بالإعادة.
ولما زِيدَ في صلاة الحَضَر حين هاجر إلى المدينة، وكان من كان بعيداً عنه: مثل من كان بمكة، وبأرض الحبشة يُصَلُّون ركعتين، ولم يأمرهم النبي بإعادة الصلاة.
ولما فرض الله شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ولم يبلغِ الخبرُ من كان بأرض الحبشة من المسلمين، حتى فات ذلك الشهر لم يَأْمُرْهُم بإعادة الصيام.
وكان بعض الأنصار - لمَّا ذهبوا إلى النبي  من المدينة إلى مكة قبل الهجرة - قد صلى إلى الكعبة معتقداً جواز ذلك قبل أن يُؤْمَرَ باستقبال الكعبة، وكانوا حينئذ يستقبلون الشام، فلما ذُكِرَ ذلك للنبي ، أمره باستقبال الشام، ولم يأمره بإعادة ما كان صلى.
وثبت عنه في الصحيحين أنه سُئِلَ - وهو بالجعرانة: عن رجل أحرم بالعمرة، عليه جُبَّةٌ، وهو مُتَضَمِّخٌ بالخلوق، فلما نزل عليه الوحي قال له: " إنزع عنك جُبَّتَكَ، واغسلْ عنكَ أثرَ الخلوقِ، واصنع في عُمْرَتِكَ ما كنتَ صانعاً في حَجِّكَ ". وهذا قد فعل محظوراً في الحج، وهو لُبْسُ الجبة، ولم يأمره النبي  على ذلك بدم، ولو فعل ذلك مع العِلْمِ لَلَزِمه دم.
وثبت عنه في الصحيحين أنه قال للأعرابي المسيء في صَلاتِه: " صَلِّ فإِنَّكَ لم تُصَلِّ -مرتين أو ثلاثاً - فقال: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ما أُحسِنُ غير هذا، فَعَلِّمْنِي ما يجزيني في الصلاة، فعَلَّمَهُ الصلاةَ المجزية " ولم يأمره بإعادة ما صَلَّى قبلَ ذلك، مع قوله ما أُحْسِنُ غير هذا، وإنما أمره أن يُعِيدَ تلك الصلاة؛ لأن وقتَها باقٍ، فهو مُخَاطَبٌ بها، والتي صَلاَّهَا لم تبرأ بها الذِّمَّةُ، ووقتُ الصلاةِ باقٍ.
ومعلوم أنه لو بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طَهُرتْ حائض، أو أفاق مجنون، والوقت باق لزمتهم الصلاة أداءً لا قضاءً، وإذا كان بعد خروج الوقت فلا إثم عليهم. فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة في أثناء الوقت فوجبت عليه الطمأنينة حينئذ، ولم تجب عليه قبل ذلك؛ فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة ذلك الوقت، دون ما قبلها.
وكذلك أمرُهُ لمن صلى خلف الصف أن يُعيد، ولمن ترك لُمْعَةً من قدمِهِ أن يعيد الوضوء والصلاة، وقولُه أولاً: "صلِّ فإنك لم تصلِّ " تبين أن ما فعله لم يكن صلاة، ولكن يعرف أنه كان جاهلاً بوجوب الطمأنينة، فلهذا أمره بالإعادة ابتداءً، ثم علَّمهُ إياها، لما قال: والذي بعثك بالحق لا أُحسنُ غير هذا.
فهذه نصوصه -  - في محظورات الصلاة والصيام والحج مع الجهل فيمن ترك واجباتها مع الجهل، وأما أمره لمن صلَّى خلف الصف أن يُعيد فذلك أنه لم يأتِ بالواجبِ مع بقاء الوقت. فثبتَ الوجوبُ في حقه حين أمره النبي  لبقاء وقت الوجوب، ولم يأمره بذلك مع مُضِيِّ الوقت.
وأما أمْرهُ لمن ترك لمعة في رجله لم يصبها الماء بالإعادة، فلأنه كان ناسياً، فلم يفعل الواجب، كمَن نسي الصلاة، وكان الوقت باقياً، فإنها قضية معينة بشخص لا يمكن أن يكون في الوقت وبعده. أعني أنه رآى في رجل رجل لمعة لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، رواه أبو داود. وقال أحمد بن حنبل حديث جيد.
وأما قوله: " ويْلٌ للأعقاب من النار " ونحوه. فإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء ليس في ذلك أمر بإعادة شيء، ومن كان أيضاً يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو عن المشايخ الواصلين، أو بعض أتباعهم، أو أن الشيخ يصلي عنهم، أو أن لله عباداً أسقط عنهم الصلاة، كما يُوجدُ كثير من ذلك في كثير من المنتسبين إلى الفقر والزهد، واتباع بعض المشايخ والمعرفة، فهؤلاء يُسْتَتَابونُ باتفاق الأئمة، فإن أقرُّوا بالوجوب، وإلا قُتِلوا، وإذا أصرُّوا على جحد الوجوب حتى قُتِلوا، كانوا من المرتدين، ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر قَوْلَي العلماء، فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين، وإما أن يكونوا مسلمين جاهلين للوجوب.
فإن قيل: إنهم مرتدون عن الإسلام، فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء، كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر باتفاق العلماء، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه، والأُخرى يَقضِي المرتدُّ. كقول الشافعي والأول أظهر.
فإن الذين ارتدوا على عهد رسول الله  كالحارث بن قيس، وطائفة معه أنزل الله فيهم:كيفَ يَهْدِي اللهُ قوماً كَفَروا بَعْدَ إيمانِهِم الآية، والتي بعدها. وكعبدالله ابن أبي السرح، والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر، وأنزل فيهم:ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ للذينَ هاجَروا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنوا ثُمَّ جاهدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لغفورٌ رحيمٌ. فهؤلاء عادوا إلى الإسلام، وعبدالله بن أبي السرح عاد إلى الإسلام عام الفتح، وبايعه النبي  ولم يأمر أحداً منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا.
وقد ارتد في حياته خلقٌ كثير اتبعوا الأسود العنسي الذي تَنَبَّأَ بصنعاء اليمن، ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام، ولم يُؤْمَروا بالإعادة.
وتَنَبَّأَ مُسيْلمةُ الكذاب، واتبعه خَلْقٌ كثير، قاتلهم الصِّدِّيقُ والصحابة بعد موته حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء، وكذلك سائر المرتدين بعد موته.
وكان أكثر البوادي قد ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام، ولم يأمر أحداً منهم بقضاء ما ترك من الصلاة، وقوله تعالىقُلْ للذينَ كفروا إنْ ينتَهُوا يُغفرْ لهم ما قَد سَلَف يتناولُ كلَّ كافر.
وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جُهَّالاً بالوجوب، وقد تقدم أن الأظهر في حق هؤلاء أن يستأنفوا الصلاة على الوجه المأمور، ولا قضاءَ عليهم، فهذا حكم من تركها غير مُعْتَقِدٍ لوجوبها.
وأما من اعتقد وجوبَها مع إصراره على الترك: فقد ذكر عليه المفرِّعُون من الفقهاء فروعاً:
أحدها هذا، فقيل عند جمهورهم: مالك والشافعي وأحمد. وإذا صبر حتى يُقْتَلَ فهل يُقْتلُ كافراً مُرتداً، أو فاسقاً كفُسَّاق المسلمين ؟ على قولين مشهورين. حُكِيَا روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة، وهي فروعٌ فاسدة، فإن كان مُقِراً بالصلاة في الباطن، معتقداً لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها حتى يُقتل، وهو لا يصلي هذا لا يُعْرفُ من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يُعْرف أن أحداً يعتقد وجوبها، ويُقالُ له إنْ لم تُصَلِّ وإلا قتلناك، وهو يُصِرُّ على تَرْكِها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلَّتْ عليه النصوص الصحيحة. كقوله : " ليس بين العبد وبين الكفر إلا تَرْكُ الصلاة " رواه مسلم. وقوله: " العهدُ الذي بينَنَا وبينَهُم الصلاةُ فمَن تركها فقد كفر".
وقول عبدالله بن شقيق: كان أصحابُ محمدٍ لا يَرَوْن شيئاً من الأعمال تَرْكُهُ كفر إلا الصلاة، فمن كان مُصِرّاً على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون مسلماً مُقِراً بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل هذا داعٍ تامٌّ إلى فِعلها، والداعي مع القُدرة يُوجب وجود المقدور، فإذا كان قادراً ولم يفعل قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد. والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، ولكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحياناً.
فأما من كان مُصِرّاً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلماً؛ لكن أكثر الناس يُصَلُّون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة عن النبي  أن قال: " خمسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ على العبادِ في اليومِ والليلةِ، مَنْ حافَظَ عليهن كان له عَهْدٌ عندَ الله أنْ يُدْخِلَه الجنةَ، ومَنْ لم يحافظْ عليهن لم يكنْ له عَهْدٌ عندَ الله، إن شاءَ عَذَّبَهُ وإن شاءَ غَفَرَ له ".
فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس يُؤَخِّرُها أحياناً عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يُكْمِلُ بها فَرَائِضَه، كما جاء في الحديث. أهـ

تفصيل المذاهب في كفر تارك الصلاة من كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله-
حَقَّقَ فضيلةُ الشيخ محمد بن صالح العثيمين حُكمَ تاركِ الصلاة في شرحه الممتعِ على زاد المستقنعِ ننقلُه هنا بلفظه.
المتـن: ومَنْ جَحَدَ وُجُوبَها كفَرَ، وكذا تارِكُها تَهَاوناً، ودعاهُ إمامٌ أو نائِبهُ فَأَصَرَّ وضاقَ وقتُ الثانيةِ عنها، ولا يُقْتَلْ حتى يستتابَ ثلاثاً فيهما.
الشرح: قوله: ( ومَنْ جَحَدَ وُجُوبَها ) أي: وجوب الصلاة المجمع على وجوبها وهي: الصلوات الخمس والجمعة؛ لأنه مُكَذِّبٌ لله ورسوله وإجماع المسلمين القَطْعِي، فأي كفر أعظم من هذا ؟‍! وحتى لو جحد وجوبها وصلَّى، وكذا لو جحد وجوبَ بعضها، وكذا لو جحد وجوب ركعة واحدة فإنه يكفر.
وكذا لو جحد وجوب رُكنٍ واحد فقط، كفر إذا كان مُجْمَعاً عليه، واستثنى العلماء من ذلك ما إذا كان حديثَ عهدٍ بكفر وجحد وجوبَها، فإنه لا يكفر، لكن يُبَيَّنُ له الحق، فإذا عرض له الحق على وجه بَيِّنٍ ثم جَحَد كَفَر، وفي هذه المسألة التي استثناها العلماء دليل على أنه لا فرق بين الأمور القطعية في الدين، وبين الأمور الظنية في أن الإنسان يُعْذَرُ بالجهل فيها.
قوله: ( وكذا تاركُها تَهَاوُناً، ودعاهُ إمامٌ أو نائِبُه، فأَصَرَّ وضاقَ وقتُ الثانية عنها ) فَصَلَ هذه المسألةَ عن الأُولى؛ لأن هذه لها شروط، فإذا تَرَكَها تَهاوناً وكسلاً مع إقراره بفرضيتها، فإنه كَفَرَ كُفْراً أكبرَ مُخْرِجاً عن الملةِ، ولكن بشرطين:
الأول: ( دَعَاهُ إمامٌ أو نائِبُهُ ).
الثاني: قوله ( وضاقَ وقتُ الثانيةِ عنها ) فإنه يكفر، وعليه فإذا ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها، فإنه لا يكفر، وظاهره أنه سواء كانت تُجْمَعُ إلى الثانية أو لا تُجْمَعُ، وعلى هذا فمذهب الإمام أحمد المشهور عند أصحابه أنه لا يمكن أن يحكم بكفر أحد ترك الصلاة في زماننا لأنه إذا لم يَدْعُهُ الإمام لم نَتَحَقَّقَ أنه تركها كسلاً. إذ قد يكون معذوراً، لكن إذا دعاه الإمامُ وأصرَّ، عَلِمْنا أنه ليس معذوراً.
وأما تضايق وقت الثانية دون الأُولى؛ فلأنه قد يَظُنُّ جواز الجمع من غير عذر. فلاحتمال هذا الظن لا نحكم بكفره.
ولكن القول الصحيح بلا شك ما ذهب إليه بعض الأصحاب من أنه لا أثر لدعوة الغمام؛ لعدم وجود الدليل، وأيضاً في المسألة الأخرى - وهي ما إذا ترك الصلاة جحوداً - هل تقولون لا يكفر إلا إذا دعاهُ الإمامُ ؟ واحتمالُ العذر فيها كاحتمال العذر في تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً.
وقال بعض العلماء: يكفر بترك فريضة واحدة، ومنهم مَن قال: بفريضتين، ومنهم من قال بترك فريضتين إن كانت الثانية تُجْمَعُ إلى الأُولَى، وعليه فإذا ترك الفجر فإنه يكفر بخروج وقتها، وإن ترك الظهر، فإنه يكفر بخروج صلاة العصر.
والذي يظهر من الأدلة أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة دائماً، فإن كان يصلي فرضاً أو فرضين فإنه لايكفر، وذلك لقول النبي  : " بينَ الرجلِ وبينَ الكفرِ تركُ الصلاةِ فمنْ تركَها فقدْ كَفَر " ، فهذا ترك صلاةً لا الصلاةَ، ولأن الأصل بقاء الإسلام، فلا نُخْرِجُهُ منه إلا بيقين؛ لأن ما ثبت بيقين لا يَرتفعُ إلا بيقين؛ فأصل هذا الرجل المعين مسلم.
وقال بعض العلماء: لا يكفر تاركها كسلاً.
وقولُ الإمام أحمد: بتكفير تارك الصلاة كسلاً، هو القولُ الراجحُ، والأدلة تدل عليه من كتاب اللهِ وسنةِ الرسولِ، وأقوالِ السلفِ، والنظرِ الصحيحِ.
أما الكتابُ: فقوله تعالى عن المشركين:فإِنْ تابُوا وأقامُوا الصلاةَ وآتَوُا الزكاةَ فإِخوانُكُم في الدِّينِ.. . فاشترط الله للتوبة ثلاثة شروط، فإذا لم تتحقق فليس بمسلم، وذلك لأن أُخُوَّةُ الدين لا تنتفي بالمعاصي وإن عَظُمَتْ، أما تاركُ الزكاةِ فمن العلماء مَن التزمَ بذلك، وقال: بأنه كافر، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، ولكن يمنع هذا القول ما ثبت في صحيح مسلم فيمن آتاه الله مالاً من الذهب والفضة ولم يؤد الزكاة، " ثم يُقضَى بين العباد فيُرى سبيلُه إما إلى الجنةِ وإما إلى النار " . وهذا يدل على أنه ليس بكافر؛ إذ لو كان كذلك لم يجد سبيلاً إلى الجنة.
وأما من السنة: فقال النبي : " بينَ الرجلِ وبينَ الشِّركِ والكفرِ تركُ الصلاةِ " وقال: " العهدُ الذي بيننا وبينهُم الصلاةُ فمن ترَكَها فقد كَفَر " . والبينيةُ تَقتَضِي التمييزَ بين الشيئين، فهذا في حَدٍّ، وهذا في حَدٍّ.
وقوله من الحديث " الكفر " أتى بأل الدال على الحقيقة، وأن هذا كفرٌ حقيقي وليس كفراً دون كُفر، وقد نبه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم، فلم يقل : " كفر "، كما قال: " اثنتان في الناس هما بهم كفر" . وإنما قال: " بين الرجل وبين الشرك والكفر " يريدُ بذلك الكفرَ الحقيقيَّ والكُفرَ المخرجَ عن الملة.
وأما أقوال الصحابة: فإنها كثيرة، رُوِيَتْ عن ستة عشر صحابياً منهم عمر بن الخطاب، ونُقِلَ عن عبدالله بن شقيق وهو من التابعين عن أصحاب النبي  عموماً القول بتكفير تارك الصلاة، فقال: كان أصحاب النبي  لا يَرَوْنَ شيئاً من الأعمالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غير الصلاة. ولهذا حَكى الإجماعَ إسحاقُ بنُ راهوية الإمامُ المشهورُ فقال: ما زال الناسُ من عهدِ الصحابةِ يقولون إن تاركَ الصلاةِ كافر.
وأما النظر: فإنه يقال: إن كل إنسان عاقل في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان يداوم على ترك الصلاة، وهو يعلم بشأنها، وأنها فُرِضَتْ في أفضل مكان، وخُفِّفَتْ، ولا بد فيها من طهارة بدون خلاف بخلاف الأعمال الثانية فإن فيها خلافاً، ولا بد للإنسان أن يتخذ فيها زينة، فكيف يشهد أن لا إله إلا الله، ويحافظ على ترك الصلاة، إن كانت شهادةٌ كهذه تِستلزِمُ أن يَعْبُدَه في أعظمِ العباداتِ، فلا بُدَّ من تصديق القولِ بالفعل، فلا يمكن للإنسان أن يَدَّعي شيئاً وهو لا يفعلُه، بل هو كاذب عندنا، ولماذا نكفره في النصوص التي جاءت بتكفيره مع أنه يقول لا إله إلا الله، ولا نُكَفِّرُهُ في ترك الصلاة مع أن النصوص صريحة في كفره ؟ ما هذا إلا تناقض، ولا يمكن أن نحمل نصوص التكفير على من تركها جاحداً وهو بنفسه لا يقول به، فإن الإنسانَ لو صلَّى الصلاة كاملة وهو جاحد فإنه كافر، ولهذا لما قيل للإمام أحمد في قوله تعالى:ومن يَقتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِّدَاً الآية: إن هذا فيمن استحل قَتْلَ المسلم قال: سبحان الله من استحل قتل المسلم فهو في النار سواء قتله أو لم يقتله، وهذا مثله، وأنت حملتَ الحديث على هذا فقد حَرَّفْتَهُ من وجهين:
أولاً: حملتَ دلالته على غير المراد، ثانياً: أبطلتَ دلالتَهُ فيمن جحدَ وهو يُصلِّي.
وهذا من باب الاعتقاد ثم الاستدلال، والذي يحكم بالكفر والإسلام هو الله عز وجل.
بقي أن يقال: هناك أحاديث تُعارضُ مَن يقول بالكفر ؟ أولاً: يجب أن نعرف ما معنى المعارضة قبل أن نقول بها، ولهذا نقول: حَقِّقْ قَبْلَ أنْ تُنَمِّقْ، هل جاء حديث أو آية تقول: من ترك الصلاة فليس بكافر أو نحوه ؟ لو جاءت على مثل هذا الوجه قلنا هذه معارضة، ولكن لم يأت. فالنصوص التي عارضوا بها تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: ما لا دليل فيه أصلاً للمسألة مثل استدلال بعضهم بقول الله تعالى:إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أنْ يُشركَ بِهِ ويَغفرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فإن معنى قوله:ما دون ذلك ما هو أقلُّ من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك، بدليل أنَّ من كذب بما أخبر الله به ورسوله فهو كافر كفراً لا يُغفرُ، وليس ذنبه من الشرك، ولو سَلَّمْنَا أن معنىما دون ذلك ما سِوَى ذلك؛ لكانَ هذا من باب العامِّ المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سِوَى الشرك والكفر المُخْرِجِ عن الملة من الذَّنبِ الذي لا يُغفرُ، وإن لم يكن شركاً.
القسم الثاني: عامٌّ مخصوص بالأحاديث الدالَّة على كفر تاركِ الصلاة مثل قوله  في حديث معاذ بن جبل: " ما من عبدٍ يَشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ اللهِ إلا حرَّمَهُ اللهُ على النارِ " . وهذا أحد ألفاظِه، وورد نحوه من حديثِ أبي هريرة وعبادة ابن الصامت وعتبان بن مالك .
القسم الثالث: عامٌّ مُقَيَّدٌ بما لا يمكن معه ترك الصلاة مثل: قوله  في حديث عتبان بن مالك: " فإنَّ اللهَ حَرَّمَ على النارِ من قالَ لا إلهَ إلا اللهُ يَبْتَغي بذلكَ وجهَ اللهِ " . وقوله  في حديث معاذ: " ما مِن أحدٍ يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمداً رسولُ اللهِ صِدْقاً من قلبهِ إلا حَرَّمَهُ اللهُ على النارِ ". فَتَقْييدُ الإتيانِ بالشهادتين بإخلاص القصدِ وصدقِ القلبِ يمنعُهُ من تَرْكِ الصلاةِ، إذ ما من شخص يَصْدُقُ في ذلك، ويُخْلِصُ إلا حَمَلَهُ صِدْقُهُ وإخلاصُهُ على فِعل الصلاة ولا بد، فإن الصلاة عمودُ الإسلام، وهي الصلةُ بين العبدِ وربه، فإذا كان صادقاً في ابتغاء وجهِ الله، فلا بد أن يفعل ما يُوصِلُه إلى ذلك، ويتجنب ما يحولُ بينه وبينه، وكذلك من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه فلا بد أن يحمله ذلك الصِّدْقُ على أداءِ الصلاةِ مُخْلِصاً بها للهِ تعالى مُتَّبِعاً فيها رسولَ اللهِ ، لأن ذلك من مُستَلزَماتِ تلك الشهادةِ الصادقةِ.
القسم الرابع: ما ورد مُقَيَّداً بحالٍ يُعْذَرُ فيها بترك الصلاة، كالحديثِ الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسولُ اللهِ : " يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثوبِ " الحديث، وفيه: " وتَبقى طوائِفُ من الناس: الشيخُ الكبيرُ، والعجوزُ، يقولون: أَدْرَكْنا آباءَنا على هذه الكلمةِ لا إلهَ إلا اللهُ، فنحنُ نقولهُا، فقال له صلة: ما تُغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يَدرُون ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نسكٌ، ولا صدقةٌ، فأعرض عنه حذيفة، ثم ردَّها عليه ثلاثاً كُلُّ ذلك يُعرِضُ عنه حذيفة، ثم أقبل في الثالثة، فقال: يا صلة تُنجيهم من النار ثلاثاً ". فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام؛ لأنهم لا يدرون عنها، فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه، وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها، أو كَمَنْ مات عقيب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع، أو أسلم في دار الكفر قبل أن يتمكن من العلمِ بالشرائع.
والحاصل أن ما استدل به مَن لا يرى كُفْرَ تاركِ الصلاة لا يقاوِمُ ما استدلَّ به من يَرَى كفره؛ لأن ما استدل به أولئك : إما ألا يكون فيه دلالة أصلاً، وإما أن يكون مقيداً بوصف لا يأتي معه ترك الصلاة، أو مُقَيَّداً بحالٍ يُعْذَرُ فيها بترك الصلاة، أو عاماً مخصوصاً بأدلة تكفيره.
فإذا تبين كفره بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم وجب أن تَتَرَتَّبَ أحكامُ الكفر والردة عليه ضرورةً لأن الحُكمَ يدورُ مع عِلَّتِهِ وُجوداً وعَدماً.
والقولُ بعدمِ تكفيرِ تاركِ الصلاةِ إفسادٌ في الأرض؛ لأنك لو قلتَ للناس على ما فيهم من ضعف الإيمان: إنَّ تركَ الصلاةِ ليس بكفرٍ تركوها، والذي لا يُصَلِّي لا يَغْتَسِلُ من الجنابة، ولا يَسْتَنْجِي إذا بال، فيصبح الإنسان على هذا بهيمةً ليس هَمُّهُ إلا أَكْل وشُرْب وجِمَاع فقط، والدليل قائم، وهو سالم عن المعارض القائم المقاوم تماماً والحمد لله. أهـ .

تاسعاً: المفاسد المترتبة على القول بأن الإيمان هو الشهادة والإقرار فقط، وأن ترك العمل لا ينقض أصل الإيمان:
هذه جملة من المفاسد التي ترتبت على اعتقاد المرجئة:
1) إعطاء المنافقين السلاح لهدم الإسلام: إعطاء المنافقين أعظم الفرص لاجتثاث الإسلام وإبادته والتسلط عليه. فإن عدم اعتبار الأعمال الظاهرة وخاصة الصلاة شرطاً للإسلام يجعل المنافق حُراً من أن لا يصلي أو يصوم أو يزكي أو يظهر شيئاً من الإسلام، وهو مع ذلك مأمن أن يصفه المسلمون بالكفر أو ينسبوه إليه أو يجروا عليه أحكام الكفار بل تجري عليه أحكام المسلمين، فيتولى أعظم الولايات عندهم كالولاية العظمى، والولايات الأخرى إمارة، وقضاءً، ويتزوج من نساء المسلمين، ويطلع على عوراتهم، بل ويستطيع أن يفعل كل الكفر وهو يدعي أنه مع ذلك لا يفعله اعتقاداً، وفي كل ذلك يعامل معاملة المؤمن، بزعم أن عنده أصل الإيمان... وهذا يؤدي إلى اجتثاث الإسلام وإبادته.
والخلاصة: أن أصحاب هذا القول ( المرجئة ) يقدمون للكفار المنافقين أعظم خدمة، وييسرون مهمتهم في إبطال الدين بأن يقولوا لهم: لا عليكم إذا لم تصلوا أو تزكوا أو تحجوا أو تصوموا، أو تقوموا بأي عمل من أعمال الإسلام، بل ولا عليكم أن تعملوا بالكفر كله فتحكموا بغير ما أنزل الله، وتبدلوا الشرائع، وتقتلوا المسلمين، وتوالوا الكافرين، وتضربوا بيد من حديد على كل مظهر للدين، فإنكم مع ذلك تظلوا مؤمنين ومسلمين ومن كفركم فهو من الكافرين، بل وأنتم يوم القيامة عتقاء أرحم الراحمين !!
وبهذا سَهَّل هؤلاء ( المرجئة ) مهمة المنافقين فبعد أن كانوا يخفون كفرهم ويظهرون الإسلام تقيةً وخوفاً فيصلون مع المسلمين، ويجاهدون معهم، وتؤخذ منهم الزكاة رغماً عنهم، وينفقون وهم كارهون... إذا بهم يأمنون أن يكشف نفاقهم ويعرف كفرهم فإنهم وإن لم يصلوا قط فهم مسلمون مؤمنون، وإن لم يعملوا شيئاً قط من أحكام الإسلام يظلون مؤمنين، بل وإن أظهروا كل أنواع الكفر فهم ما زالوا مؤمنين عند المؤمنين ما داموا أنهم يقولون قولاً بألسنتهم إنهم مسلمون !! فانظر أي بلاء جر هؤلاء على الإسلام!!
وانظر كيف أراد هؤلاء المرجئة أن يبطلوا كلام الله في المنافقين الذين لا استدلال عليهم إلا بعملهم الظاهر. فالمنافقون لا يعرفون إلا بتأخرهم عن الصلاة، وإبطائهم عن الجهاد، ولمزهم وغمزهم بالمؤمنين وتحريفهم للكلم عن مواضعه، وموالاتهم لأعداء المسلمين، وكذبهم، وإخلافهم العهود، وخيانتهم الأمانة، وفجرهم في خصومهم مع المؤمنين... وإذا فعل المنافقون بعض ذلك عرفوا بالنفاق، وأخذ المسلمون منهم الحذر، وميز المؤمنون صفهم عن صفهم...{قل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين. وجاء هؤلاء المرجئة المعاصرون على درب إخوانهم السابقين فقالوا بل من يشهد أن لا إله إلا الله وادعى الإسلام فإنه يكون مؤمناً عنده أصل الإيمان وإن ترك كل ما أمره الله به من الفرائض والواجبات والمستحبات، وفعل كل ما نهاه الله عنه من الخبائث والمنكرات !!
سبحانك هذا بهتان عظيم، وكذب وافتراء على الله رب العالمين.
2) نقض الأحكام التي تأمر أهل الإسلام بالحكم بالكفر على من أظهر الكفر:
من أعظم مفاسد هذه العقيدة أعني القول بأن من شهد بلسانه أنه مسلم وأقر قلبُه بذلك فهو مؤمن وإن لم يأت بأي من أعمال الإيمان الظاهرة لا صلاة، ولا زكاة، ولا صياماً، ولا حجاً..بل ومن فعل كل المكفرات والمنكرات إذا لم يعتقدها !! أقول من مفاسد هذه المقالة أيضاً أن الأحكام التي أمر الله أهل الإيمان أن يجروها على الناس في الظاهر تبطل، فمن ذلك قتال من لم يظهر الصلاة فعن حُميدٍ قال: سمعتُ أنساً  يقول: «كان رسولُ الله  إذا غزا قوماً لم يُغِرْ حتّى يُصبحَ، فإن سمعَ أذاناً أمْسَك، وإن لم يَسمَعْ أذاناً أغارَ بعدَ ما يُصبح. فَنزَلْنا خَيبرَ ليلاً » .
وأرسل النبي  من يقتل من تزوج امرأة أبيه وأمر أن يخمس ماله، فقتله قتلة الكافر، ولم يورث ماله ورثته، وإنما جعل ماله غنيمة.
وعلى هذا سار أصحابه من بعده فقاتلوا وقتلوا من تمالئوا على منع الزكاة، وقاتلوهم قتال الكفار، وكذلك وأجمعوا جميعهم على كفر تارك الصلاة، واتفقوا على وجوب قتله، وسار أئمة الإسلام على ذلك فقتلوا كل من أظهر مكفراً، وأفرد المسلمون باباً في الفقه لحكم المرتد والزنديق. فالمرتد من فعل مكفراً لا مسوغ له فيه أو ارتد عن دين الإسلام إلى دين آخر. والزنديق من قال في الإسلام مقالة الكفر وإن ادعى أنه مسلم.
والخلاصة أن إجراء أحكام الكفر على من جاء بمكفر ظاهر لا تأويل له إلا الكفر قد جاء به القرآن والسنة، وأجمع عليه الصحابة..
وجاء هؤلاء فأرادوا نقض هذا الأصل الأصيل الذي هو باب لحراسة الدين، وبه يتميز صف المسلمين عن صف الكافرين فأرادوا هدم هذا الأصل، وإزالة هذه الحراسة للدين، وفتحوا الطريق أمام جميع الكفار والمنافقين ممن يقولون قولاً بألسنتهم لا تصدق قلوبهم، فيزعمون أنه لا يشترط لصحة الإيمان عمل ظاهر غير النطق بالشهادتين. وأن هذا الأصل لا ينتقض بترك صلاة، ولا زكاة، ولا حج ولا بأي عمل من أعمال الكفر مالم يعتقده فاعله !! وبهذا يستطيع أي كافر أن يقوم بهدم الإسلام، فيحل كل المحرمات ويحرم ما شاء من الواجبات والمباحات، وليس عليه إلا أن يدعي بلسانه أنه من أهل الإسلام فلا يكفر بذلك ولا يخرج من دائرة المسلمين...
3) هل أخطأ الصحابة في قتالهم لمانعي الزكاة، وإجماعهم على كفر تارك الصلاة:
من لازم قول المرجئة أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أخطئوا في قتالهم مانعي الزكاة قتال الكفار والمرتدين وفي إجماعهم على كفر تارك الصلاة، ومن ذهب هذا المذهب فقد خالف إجماع الأمة وفارق جماعة المسلمين.
4) تفريغ الدين من محتواه:
من أعظم الفساد الذي يحدثه هذا المذهب البغيض مذهب أهل الإرجاء أنه يفرغ الإسلام من محتواه، ويفقده حقيقته ومضمونه ومعناه، إذ يجعله مجرد قول يجري على اللسان وزعم كاذب لصاحب هذا القول أن مصدق بقلبه... وأن من أتى هذا فعنده أصل الإيمان، وأنه وإن لم يستجب لله في أمر قط لا فعلاً ولا تركاً فإنه يبقى مع ذلك مؤمناً تناله مشيئة الرحمن، ويلحقه حتماً العتق من النار والغفران.
وهذا يجعل حقيقة الدين الذي أرسلت به الرسل وأنزلت من أجله الكتب وقامت من أجله المعركة العظيمة بين أهل الإيمان وأهل الكفر شيئاً لا يستحق كل هذا الذي يبذل فيه من جهاد. ولا يكون للإسلام معنى إذ الإسلام هو الاستسلام لله بالطاعة، فمن لم يطع قط كيف يكون مسلماً ؟! ولا يكون للعبادة معنى لأن العبادة تعني الذل والخضوع، وإذا كان المطلوب في نهاية الأمر هو مجرد كلمة يقولها اللسان، مع الادعاء بأنها توافق ما في القلب فإن العبادة هنا تفقد معناها، ولا يبقى هناك أي مضمون لقوله تعالىوما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ولا يكون للإيمان معنى حقيقي في نفسه فكيف يسمى مؤمناً ويبقى مؤمناً من لا يستجيب لله قط في عمل !! ويفعل الكفر كله مع ادعائه أنه من أهل الإيمان !!

5) تفريغ الوعيد من مضمونه ومعناه:
موقف المرجئة من المعاصي: منهم من قال: إن من عنده أصل الإيمان لا يضره ذنب قط.. بل يدخل الجنة مع أول الداخلين، ما دام أنه قال بلسانه لا إله إلا الله وشهد بها في قلبه. وقد أصبح هذا مذهباً لعدد ممن يدعون السلفية زاعمين أنه مفهوم حديث صاحب البطاقة ونصه: عن عَبْدَ الله بنَ عَمْرِو بنِ العَاص  يَقُولُ: قال رَسُولَ الله : « إِنّ الله سَيُخَلّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلاّ، كُلّ سِجِلٍ مِثْلُ مَدّ البَصَرِ ثُمّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئَاً؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحافِظُونَ؟ فيَقُولُ لاَ يَا رَبّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ لاَ يَا رَبّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ يَا ربّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَع هَذِهِ السّجِلاّتُ؟ فَقَالَ فَإِنّكَ لاَ تُظْلَمُ. قالَ: فَتُوْضَعُ السّجِلاّتُ فِي كِفّةٍ وَالِبطَاقَةُ في كِفّةٍ فَطَاشَتْ السّجِلاّتُ وَثَقُلَت البِطَاقَةُ، ولا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ » .
ومنهم من قال: لا بل المعصية والكبائر تصر صاحبها أصل الإيمان وهو عندهم من شهد بلسانه وأقر بقلبه. في أنه قد يدخل بها النار، ويعذب بها إذا لم يغفرها الله له ولكن حتما لا يخلد في النار خلود الكفار بل يخرج منها بشفاعة الأنبياء والمرسلين وشفاعة أرحم الراحمين.
فأما القائلون بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب فهم مكذبون لله ورسوله وذلك أن الله توعد بالعقوبة على الذنب صغيره وكبيره. فالشرك والكفر لا يغفره الله لمن جاء به يوم القيامة. وما دونهما فقد توعد الله أهل الإيمان على صغير الذنب وكبيره بعقوبات في الدنيا والآخرة.
فمن قائل: لا يعاقب مرتكب الذنب من أهل التوحيد في الآخرة فقد كذب الله ورسوله. وأبطل وعيد الله للعصاة. وحصر آيات الوعيد على المعصية لا يمكن في هذه الرسالة المختصرة. فمن الآيات الجامعة في هذا قوله تعالىليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً. وسواءاً هنا نكرة تعم كل سوء، والسوء من السيئة... وقوله تعالىفمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره وليس بعد ذلك تحذير فإذا كانت المؤاخذة والمحاسبة في الآخرة على مثقال الذر في الخير والشر فالأكبر من ذلك من باب الأولى، وأما الوعيد على الكبائر فكثير جداً في القرآن كقوله تعالىومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً. وعلى السرقة قوله تعالىوالسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم. وعلى الغلولوما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. وعلى الربا قوله تعالىالذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.. وقيل في تفسيرها: يقومون يوم القيامة على هذه الحال. وفي رمي المحصنات يقول الله تعالىإن الذين يرمون المحصنات المؤمنات الغافلات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم. وقوله تعالى في آكل مال اليتيم إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً.
وقد توعد الله بالعقوبة على صغائر الإثم من هو عظيم في الإيمان كالرسل والأنبياء ومن هو من عموم أهل الإيمان بل الوعيد بالعقوبة وتضعيفها للعظيم في الإيمان والكبير في المنزلة أعظم من عقوبة من دونه في العلم والإيمان. قال تعالى لرسوله :ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات أي عذاباً مضاعفاً في الدنيا وعذاباً مضاعفاً في الآخرة. وقال سبحانه وتعالىيا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً.
وأما أحاديث الوعيد لأهل المعاصي فأكثر من أن تحصر بل لا تكاد ذنباً ذكره الرسول  إلا وذكر ما يترتب عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة. فمن ذلك قوله : عن عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا كَانَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم يُسِرّ إلَيْكَ؟ قَالَ فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا كَانَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم يُسِرّ إلَيّ شَيْئاً يَكْتُمُهُ النّاسَ. غَيْرَ أَنّهُ قَدْ حَدّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ. قَالَ فَقَالَ: مَا هُنّ؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: قَالَ «لَعَنَ اللّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ. وَلَعَنَ اللّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللّهِ. وَلَعَنَ اللّهُ مَنْ آوَىَ مُحْدِثاً. وَلَعَنَ اللّهُ مَنْ غَيّرَ مَنَارَ الأَرْضِ » . وقوله : عَنْ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَ: «لَعَنَ اللّهُ الّذِي وَسَمَهُ » .
وإخباره  « عُذّبَتِ امرأةٌ في هِرّةٍ حَبَسَتْها حتى ماتَتْ جوعاً، فدَخَلَتِ فيها النارَ، قال: فقال ـ والله أعلم ـ: لا أنتِ أطعَمْتِها ولا سقَيْتِها حينَ حبَسْتِها، ولا أنتِ أرسَلْتِها فأكَلَتْ من خَشاشِ الأرضِ » .
عن سَمُرَة بن جنْدب رضيَ الله عنه قال: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعني مما يكثرُ أَن يقول لأصحابِهِ: هل رأى أَحدٌ منكم من رُؤيا؟ قال: فيَقصّ عليه ما شاء الله أن يَقصّ. وإِنه قال لنا ذاتَ غَداةٍ: إِنّه أتاني الليلةَ آتِيان وإِنهما ابتعثاني وإِنهما قالا لي: انطلِق. وإِني انطلقتُ معهما، وإِنا أَتينا على رجل مَضْطجع. وإِذا آخرُ قائم عليهِ بصخرةٍ، وإِذا هو يَهوي بالصخرةِ لِرَأسهِ فيَثْلغ رأسَهُ فيتدَهدَه الحجر ها هنا، فيتبعُ الحجرَ فيأخُذُه فلا يَرجع إِليه حتى يَصحّ رأسُه كما كان، ثمّ يَعودُ عليه فيفعل به مثلَ ما فَعَلَ به المرّةَ الأولى. قال قلتُ: لهما: سُبحانَ الله، ما هذانِ؟ قال قالا لي: انطلِقْ انطلِق، فانطَلَقْنا فأتينا على رجل مستَلْقٍ لِقَفاهُ، وإِذا آخرُ قائمٌ عليهِ بِكلوبٍ من حديد، وإِذا هو يأتي أَحدَ شِقي وَجههِ فيُشرشِر شِدْقه إِلى قَفاه، ومِنْخَره إِلى قَفاه، وعَينَه إلى قفاه، قال: وربما قال: أبو رجاء فيشُقّ. قال: ثمّ يتحوّل إِلى الجانب الاَخر فيفعَل به مثل ما فَعل بالجانب الأوّل، فما يَفرُغ من ذلك الجانب حتى يَصحّ ذلك الجانب كما كان، ثمّ يعودُ عليه فيفعل مثلَ ما فعلَ المرّةَ الأولى. قال قلتَ: سبحانَ الله ما هذان؟ قال قالا لي: انطلقْ انطلق، فانطلقنا فأتَينا على مثل التنّور، قال: وأَحسِبُ أَنه كان يقول: فإِذا فيه لَغَطٌ وأَصواتٌ. قال: فاطلعْنا فيه فإذا فيه رجالٌ ونساء عراةٌ، وإِذا هم يأتيهم لَهَبٌ من أسفلَ منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوا قال: قلتُ لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلِق انطلق. قال: فانطلَقْنا فأَتَينا على نهر حسِبتُ أَنه كان يقولُ أَحمر مثل الدم، وإِذا في النهر رجلٌ سابحٌ يَسبَح، وإِذا على شَط النهر رجلٌ قد جَمَعَ عندَه حجارة كثيرةً، وإِذا ذلك السابحُ يسبحُ ما يسبحَ، ثمّ يأتي ذلك الذي قد جمعَ عندهُ الحجارةَ فيغفرَ له فاهُ فيلقمُهُ حجراً فينطلقُ يسبَح ثمّ يرجعُ إِليه، كلما رَجَعَ إليه فغَرَ له فاهُ فألقمه حجراً. قال: قلت لهما: ما هذانِ؟ قال: قالا لي: انطلِقْ انطلق. قال: فانطلَقْنا فأَتَينا على رجل كريهِ المرآةِ كأكرهِ ما أنتَ راءٍ رجلاً مَرآةً، وإِذا عندَهُ نار يَحُشّها ويَسعى حَولها. قال قلتُ لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلِقْ، انطلِق. فانطلَقْنا فأَتَينا على روضةٍ معَتمّة فيها من كلّ لَونِ الرّبيع، وإِذا بينَ ظهرَي الروضةِ رجلٌ طويلٌ لا أكادُ أرى رأسَه طولاً في السماء، وإِذا حَولَ الرجل من أكثرِ ولدانٍ رأيتهم قطّ. قال: قلتُ لهما: ما هذا، ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلِقْ، انطلِقْ. فانطلَقنْنا فانتهينا إلى روضةٍ عظيمة لم أَرَ روضةٍ قط أَعظمَ منها ولا أحسنَ. قال: قالا لي: ارْقَ، فارتقيْت فيها قال: فارتقَيْنا فيها فانتهَيْنا إِلى مدينة مبنيّة بلبِنِ ذهبٍ ولبنِ فضة، فأتَينا بابَ المدينةِ فاستفَتحنا ففتحَ لنا، فدَخلناها فتلقانا فيها رجالٌ شَطرٌ من خَلْقِهم كأحسنِ ما أنتَ راءٍ وشَطرٌ كأقبح ما أنتَ راءٍ، قال: قالا لهم: اذهبوا فقَعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهرٌ معترِض يَجري كأَنّ ماءه المحضُ من البياض فذهَبوا فوقعوا فيه، ثمّ رجعوا إلينا قد ذَهَبَ ذلك السوءُ عنهم فصاروا في أَحسَنِ صورة. قال: قالا لي: هذه جنةُ عَدْنٍ وهذاكَ منزلك. قال: فسمَا بصَري صُعُداً، فإذا قصرٌ مثلُ الرّبابةِ البيضاء. قال: قالا لي هذاكَ منزِلك، قال: قلت لهما: باركَ الله فيكما. ذَراني فأدخُله، قالا: أما الاَن فلا، وأَنتَ داخِله. قال: قلت لهما: فإني قد رأيتُ منذ الليلةِ عَجباً، فما هذا الذي رأيت؟ قال قالا لي: أما إِنا سنُخبرُك: أَما الرجلُ الأولُ الذي أتيتَ عليه يُثلَغ رأسه بالحجر فإِنه الرجلُ يأخذُ القرآن فيرفضهُ وينامُ عن الصلاة المكتوبة. وأَما الرجلُ الذي أتيتَ عليه يشرشَرُ شِدقه إلى قفاه ومنخَرُه إلى قفاه وعَينه إلى قفاه فإنه الرجلُ يَغدو من بيته فيكذِبُ الكذِبَةَ تبلغُ الاَفاق. وأما الرجالُ والنساءُ العراةُ الذين في مثلِ بناءِ التنور فهمُ الزّناة والزواني. وأما الرجلُ الذي أتيتَ عليه يَسبح في النهر ويُلقم الحجرَ فإنه آكِلُ الرّبا. وأَما الرجلُ الكريه المرآةِ الذي عندِ النار يَحشّها ويَسعى حولها فإنه مالكٌ خازنٌ جهنم. وأما الرجلُ الطويلُ الذي في الروضة فإِنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وأَما الولدانُ الذي حَولهُ فكلّ مولودٍ ماتَ على الفِطرة. قال: فقال بعضُ المسلمين: يارسولَ الله وأولادُ المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين. وأَما القومُ الذين كانوا شَطرٌ منهم حسناً وشطرٌ قبيحاً فإنهم قومٌ خَلَطوا عملاً صالحاً وآخرَ سَيّئاً تجاوَزَ الله عنهم » .
عن ابنِ عَبّاسٍ قال: مَرّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إنّهُما يُعَذّبَانِ وَمَا يُعَذّبَانِ في كَبِيرٍ أَمّا هَذَا فَكَانَ لا يسْتنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنّمِيمَةِ، ثُمّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقّهُ باثْنَيْنِ، ثُمّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِداً وَعَلَى هَذَا وَاحِداً وقال: لَعَلّهُ يُخَفّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» قال هَنّادٌ: يَسْتَتِرُ مكانَ يَسْتَنْزِهُ .
وقول هؤلاء بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وظنهم أن من قال لا إله إلا الله بلسانه مصدقاً بها في قوله سيدخل الجنة دون عذاب رد وتكذيب للقرآن وأحاديث النبي. وإبطال لحقيقة الوعيد...ومن ثم هو إبطال للدين كله. لأنه إذا لم يكن في الآخرة من عقوبة على الذنب لكل من شهد بلسانه فقط أن لا إله إلا الله وكان مقراً بذلك في قلبه فلم العمل إذن ؟ ولماذا نترك السيئات ؟ إذا كانت هي باطلة الآن في الدنيا، ولا يحاسب عنها العبد في الآخرة ما دام أنه من أهل التوحيد في زعمهم فحقيقة هؤلاء تكذيب لله ورسوله، وإبطال للدين.
6) إضلال عوام المؤمنين:
من المفاسد العظيمة لهذه العقيدة -عقيدة الإرجاء- كذلك أنها تضل عوام المؤمنين، وتوهمهم، أن مطلوب الدين في نهاية الأمر، ليس إلا شهادةً باللسان وإقراراً بالقلب فقط، وأن من أتى بذلك فهو من أهل النجاة في الآخرة حتماً إن لم يقم بأي عمل صالح، بل وإن فعل كل الخطايا والموبقات، بل والكفر والشرك وهو لا يعتقده (انظر) !!
ومن أجل ذلك يتركون الصلاة والزكاة والصوم وسائر الأعمال ويقولون الإيمان بالقلب !! ولا يعلمون أن الإيمان يستلزم العمل الصالح، وأنه لا إيمان بلا عمل، وأن ترك الصلاة كفر، وأن من ترك صلاة العصر وحدها لمرة واحدة فقد حبط عمله، ويفعل العامة المعاصي التي نهى الله عنها معتمدين على فكر الإرجاء السابق، ولا يعلمون أن المستحل كافر ( والاستحلال هو الرضى بالمعصية، والظن أن الله لا يعاقب عليها ) ولا يعلمون أن الإباء كفر، وترك الأمر كبراً وعناداً كفر وفعل المعصية استحلالاً كفر، وأن الإعراض عن الدين كفر، وأن من ظن أنه يسعه ولا بأس عليه أن يفعل ما نهى الله عنه فقد كفر، وكل ذلك كفر ناقل عن الملة.
ويقع العامة في هذه الأنواع الغليظة من الكفر الناقل عن الملة بأقوال هؤلاء الجهال المفسدين الذي حصروا الإيمان في الشهادة باللسان، وتصديق الجنان. حسب زعمهم.
7) تحريف كلام الله وكلام رسوله عن مواضعه، واللجوء إلى التأويل الباطني، وصرف الكلام عن مقاصده:
من مفاسد عقيدة الإرجاء بكافة درجاتها أن أصحابها لا بد وأن يلجئوا إلى التأويل الباطني، وصرف كلام الله وكلام رسوله عن مقاصده، وتحريف الكلم عن مواضعه...وهذا هو الشأن في كل من ابتدع عقيدة تخالف الحق لابد وأن يصطدم بالآيات والأحاديث التي تخالف بدعته وعقيدته الباطلة، فيلجأ إلى صرف الكلام عن مقاصده، وتفسيره بغير معناه، وتأويله تأويلاً باطنياً ملتوياً، ومنهم من يلجأ إلى التحريف اللفظي والمعنوي فيكون مع الذين يحرفون الكَلِمَ من بعد مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا.
وأهل الإرجاء الذين لا يدخلون العمل في صلب الإيمان ويجعلوه جزءاً من حقيقته، بل يخرجون العمل كله عن مسمى الإيمان، ويحصروا الإيمان فقط في قول اللسان وتصديق الجنان... هؤلاء يصدون بنصوص القرآن والسنة التي تجعل العمل جزءاً من الإيمان وأنه إيمان بغير طاعة لله ورسوله. وأن النجاة ودخول الجنة لا يكون إلا بذلك. فيتعمدون إلى الإعراض عن كلام الله وكلام رسوله في الوعيد، ويحرفون ما وصاهم الله به من عصاه في مواطن بالكفر بأن المقصود بذلك كفر لا ينقل عن الملة، ولا ينقض أصل الإيمان. وأنه لا ينقض أصل الإيمان إلا انتفاء التصديق فقط !!
وكما يلجئون إلى تحريف الكلم عن مواضعه وتأويله بغير معناه يلجئون كذلك إلى تخطئة الصحابة في قتالهم للمرتدين، وإجماعهم على كفر تارك الصلاة كفراً ناقلاً عن ملة الإسلام، ويلجأ بعضهم إلى الكذب على أئمة الإسلام وتفسير كلامهم بغير معناه، وتحويله عن مقاصده وهكذا تولد هذه البدعة لأصحابها - بالضرورة كالشأن في سائر البدع - إنحرافاً آخر وهو ليّ النصوص وتحريفها، وتفسيرها بغير معناها، بل وقد يؤدي إلى الكذب على الله ورسوله، وصحابته والتابعين لهم بإحسان.
هذا إلى جانب ما تحدثه هذه البدعة في الأمة الإسلامية من تمكين المنافقين، وإفساد الدين.




الباب الثاني: حقيقة الكفر:

إعلم - أخي المؤمن - هداني الله وإياك صراطه المستقيم ودينه القويم أن الكفر يكون تارة بالقلب مع خلاف الظاهر ويكون أحياناً بالظاهر وحده، مع مخالفة القلب، ويكون أحياناً بالظاهر والباطن، أعني بالقلب والعمل.
فمن فعل الكفر الظاهري الذي ليس له تفسير إلا الكفر فهو كافر ظاهراً وباطناً، وإن ادعى أن باطنه بخلاف ذلك.
وإليك الدليل على كل ذلك:
1- فرعون وقومه أظهروا الكفر مع تصديقهم للرسل بقلوبهم :
هذا فرعون رأس الكفر كان موقناً بقلبه أن موسى رسول الله وأن الآيات التي التي أجراها الله على يديه إنما هي آيات الله ولكنه رد الحق تكذيباً وعناداً وكبراً، قال تعالى عن قوم فرعونوجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً واليقين هو أعظم درجات العلم مع يقين قوم فرعون أن هذه الآيات من الله إلا أنهم لم يؤمنوا بها كبراً وعلواً كما قال تعالى عنهمأنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فهذا الذي منعهم من إظهار الإيمان.
وقال موسى لفرعونلقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر، وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً.
2) إبليس كفر بالله علواً وكبراً:
أول معصية عصى الله بها معصية إبليس اللعين الذي قيل له اسجد فقال: لا أسجد !! فإبليس لم يكن مكذباً للأمر الإلهي، ولا جاحداً له وإنما امتنع عن السجود فقط علواً وكبراً وظناً منه أنه أفضل من المسجود له. قالأنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فكان كفره بامتناعه عن السجود وإظهاره العلو والكبر، وإبائه عن طاعة الله سبحانه وتعالى.
3- مشركو العرب مقرون في قلوبهم:
كثير من مشركي العرب كذب النبي مع يقين قلوبهم أنه رسول الله حقاً وصدقاً، وأنه ليس كاذباً فيما ادعاه من النبوة والرسالة، وإنما منعهم من الإيمان الكبر والحسد، قال تعالى عنهمفإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
المستهزئ بالدين يكفر ظاهراً وباطناً:
أكفر الله المستهزئين بالدين وإن كانوا قد فعلوه على وجه اللهو واللعب، قال تعالى عنهم:{ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين فهؤلاء لما وقع منهم الاستهزاء وهو قولهم في القراء " ما رأينا مثل قرائنا أرحب بطوناً وأجبن عند اللقاء " جعل الله قولهم هذا استهزاءاً منهم بالله وآياته ورسوله، فإن القرآن يشرف من يحمله، ويدعوه إلى كل خير، فلعل هؤلاء لم يكن مقصودهم الاستهزاء بالله منزل القرآن، ولا آيات القرآن ولا الرسول معلم القرآن، وإنما كان مقصدهم مجرد الاستهزاء بهؤلاء الحملة للقرآن الكريم، ولكن استهزاءهم بالضرورة يقع على الله وآياته ورسوله سواءً عرفوا ذلك أو لم يعرفوه عندما استهزءوا...
وعلى كل حال فقد أكفرهم الله. وأخبرهم أنهم قد كفروا بعد إيمانهم -وهذا واضح- من أن الكفر هنا مخرج من الملة وقد وقع على أمر ظاهري لم يواطئه القلب.

سب الله أو رسوله كفر ظاهراً وباطناً:
وقد أجمع أهل الإسلام في كل عصورهم إلا أصحاب هذه البدعة -الإرجاء- أن سبَّ الله ورسوله ودينه كفر ناقل عن الملة سواءً فعله صاحبه جاداً أو هازلاً...
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:" إن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء كان السابُّ يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل ".
وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه - وهو أحد الأئمة، يعدل بالشافعي وأحمد -: " قد أجمع المسلمون أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله  أو دفع شيئاً مما أنزل الله أو قتل نبياً من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بما أنزل الله ".
وكذلك قال محمد بن سحنون - وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك، وزمنه قريب من هذه الطبقة -: " أجمع العلماء أن شاتم النبي المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفر وعذابه كَفَر ".
وقد نص على مثل هذا غير واحد من الأئمة، قال أحمد في رواية عبدالله في رجل قال لرجل ياابن كذا وكذا -أعني أنت وَمَن خلقك -: هذا مرتد عن الإسلام نضرب عنقه، وقال في رواية عبدالله وأبي طالب: " من شتم النبي قتل، وذلك أنه إذا شتم فقد ارتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلمٌ النبيَّ  "، فبين أن هذا مرتد، وأن المسلم لا يتصور أن يشتم وهو مسلم.
وكذلك نقل عن الشافعي أنه سُئل عمن هَزَل بشيء من آيات الله تعالى أنه قال: هو كافر واستدل بقول الله تعالى :قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين [التوبة 66].
وكذلك قال أصحابنا وغيرهم: من سبَّ الله كفر، سواء كان مازحاً أو جاداً لهذه الآية، وهذا هو الصواب المقطوع به.
وقال القاضي أبو يعلى في "المعتمد": من سبَّ الله أو سبَّ رسوله فإنه يكفر، سواء استحل سبَّه أو لم يستحله، فإن قال:" لم أستحل ذلك " لم يقبل منه في ظاهر الحكم، رواية واحدة، وكان مرتداً؛ لأن الظاهر خلاف ما أخْبَرَ؛ لأنه لا غرض له في سبَّ الله وسبَّ رسوله إلا أنه غير معتقد لعبادته غيرُمصدق بما جاء به النبي ، ويفارق الشاربَ والقاتلَ والسارقَ إذا قال:" أنا غير مستحل لذلك " أنه يصدق في الحكم، لأن له غرضاً في فعل هذه الأشياء مع اعتقاده تحريمها، وهو ما يتعجل به من اللذة، قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في ظاهر من الحكم، فأما في الباطن فإن كان صادقاً فيما قال فهو مسلم، قلنا في الزنديق: " لا تقبل توبته في ظاهر الحكم ".
وذكر القاضي عن الفقهاء أن سابّ النبي  إن كان مستحلاً كفر، وإن لم يكن مستحلاً فسق، ولم يكفر كسابِّ الصحابة، وهذا نظير ما يحكى أنه بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارونَ أميرَ المؤمنين فيمن سبَّ النبيَّ  أن يجلده، حتى أنكر ذلك مالك، وردَّ هذه الفُتْيا مالك، وهو نظير ما حكاه أبو محمد بن حزم أن بعض الناس لم يكفر المستخفَّ به.
وقد ذكر القاضي عياض بعد أن ردَّ هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي ذكره ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد، وحَمَلَ الحكاية على أولئك لم يكونوا ممن يُوثَقُ بفتواه لميل الهوى به، أو أن الفتوى كانت في كلمة اختلف في كونها سبّاً، أو كانت فيمن تاب، وذكر أن السابَّ إذا أقر بالسبِّ ولم يتب منه قتل كفراً؛ لأن قوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه، أو هو من كلمات الاستهزاء أو الذم، فاعترافُه بها وتركُ توبته منها دليلٌ على استحلاله لذلك، وهو كفر أيضاً، فهذا كافر بلا خلاف.
وقال في موضع آخر: " إن من قتله بلا استتابة فهو لم يره رِدَّةً، وإنما يوجب القتل فيه حداً وإنما نقول ذلك مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاعَ عنه والتوبةَ، ونقتله حداً كالزنديق إذا تاب ".
قال: " ونحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك، لإقراره بالتوحيد، وإنكاره ما شُهد به عليه، أو زعمه أن ذلك كان منه ذهولاً ومعصية وأنه مُقْلع عن ذلك نادم عليه ". قال: وأما من علم أنه سبَّه معتقداً لاستحلاله فلا شك في كفره بذلك، وكذلك إن كان سبُّه في نفسه كفراً كتكذيبه أو تكفيره ونحوه؛ فهذا مالا إشكال فيه، وكذلك من لم يُظهر التوبة واعترف بما شُهِدَ به وصمم عليه فهو كافر بقوله واستحلاله هَتْكَ حرمة الله أو حرمة نبيه، وهذا أيضاً تثبيت منه بأن السبَّ يكفر به لأجل استحلاله له إذا لم يكن في نفسه تكذيباً صريحاً.
وهذا موضع لابُدَّ من تحريره، ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر السابِّ في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السبَّ زلَّةٌ منكرة وهفوة عظيمة، ويرحم الله القاضي أبا يعلى، وقد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا، وإنما وقع مَنْ وقع في هذه المَهْواة بما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين - وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب وإن لم يقترن به قولُ اللسان ولم يقتض عملاً في القلب ولا في الجوارح - وصرح القاضي أبو يعلى هنا، قال عَقِبَ أن ذكر ما حكيناه عنه: " وعلى هذا لو قال الكافر: أنا معتقد بقلبي معرفة الله وتوحيده، لكني لا آتي بالشهادتين كما لا آتي غيرها من العبادات كسلا. لم يحكم بإسلامه في الظاهر، ويحكم به باطناً "، قال: وقول الإمام أحمد " من قال إن المعرفة تنفع في القلب من غير أن يتلفظ بها فهو جهمي " محمولٌ على أحد وجهين؛ أحدهما: أنه جهمي في ظاهر الحكم، والثاني: على أن يمتنع من الشهادتين عناداً؛ لأنه احتج أحمد في ذلك بأن إبليس عَرَفَ ربه بقلبه ولم يكن مؤمناً.
ومعلومٌ أن إبليس اعتقد أن لا يلزم امتثال أمره تعالى (بالسجود) لآدم، وقد ذكر القاضي في غير موضع أنه لا يكون مؤمناً حتى يصدِّقَ بلسانه مع القدرة وبقلبه، وأن الإيمان قول وعمل، كما هو مذهب الأئمة كلهم: مالك، وسفيان، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومن قبلهم وبعدهم من أعيان الأمة.
وليس الغرض هنا استفياء الكلام في الأصل، وإنما الغرض البينة على ما يختص هذه المسألة، وذلك من وجوه:
الرد على من قال: لا يُكَفَّرُ إلا السابُّ المستحل:
أحدها: أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلاً كفَرَ، وإلا فلا، ليس له أصل، وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن الفقهاء، وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جارياً على أصولهم، أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعدُّ قولُه قولاً، وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء وحكاية إجماعهم عمَّن هو من أعلم الناس بمذاهبهم، فلا يظن ظان أن في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد، وإنما ذلك غلط، لا يستطيع أحد أن يحكي عن واحدٍ من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة.
الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد أن السبَّ حلال، فإنه لما اعتقد أن ما حرمه الله تعالى حلال كفر، ولا ريب أن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أنه حلال كَفَرَ، لكن لا فرق في ذلك بين سبِّ النبيِّ وبين قذف المؤمنين والكذب عليه والغيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أن الله حرمها؛ فإنه من فعل شيئاً من ذلك مستحلاً كفر، مع أنه لا يجوز أن يقال: من قذف مسلماً أو اغتابه كفر، ويعني بذلك إذا استحله.
والوجه الثالث: أن اعتقاد حل السبِّ كفرٌ، سواء اقترن به وجود السبِّ أو لم يقترن، فإذاً لا أثر للسب في التكفير وجوداً وعدماً، وإنما المؤثر هو الاعتقاد، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء.
الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما يدل على أن الساب مستحل، فيجب أن لا يكفر، لا سيما إذا قال " أنا أعتقد أن هذا حرام، وإنما أقول غيظاً وسفهاً، أو عبثاً أو لعباً " كما قال المنافقونإنما كنا نخوض ونلعب.
وكما إذا قال: إنما قذفت هذا وكذبت عليه لعباً وعبثاً، فإن قيل لا يكونون كفاراً فهو خلاف نص القرآن، وإن قيل يكونون كفاراً فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السبِّ مكفراً، وقول القائل: أنا لا أصدقه في هذا لا يستقيم؛ فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل، فإذا كان قد قال: " أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأنا أفعله " فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفراً ؟
ولهذا قال سبحانهلا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ولم يقل قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب، فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين، بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بعد هذا الخوض واللعب.
الدليل على كفر السابِّ مطلقاً:
وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها فالدليلُ على ذلك جميع ما قدمناه في المسألة الأولى من الدليل على كفر السابِّ مثل قوله تعالىومنهم الذين يؤذون النبي وقوله تعالى:إن الذين يؤذون الله ورسوله وقوله تعالىلا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم.
ومما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنما هو أدلة بينة في أنَّ نفس أذى الله ورسوله كُفْر، مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجوداً وعدماً: فلا حاجة إلى أن نعيد الكلام هنا بل في الحقيقة كلُّ ما دل على أن السابَّ كافر وأنه حلال الدم لكفره فقد دل على هذه المسألة؛ إذ لو كان الكفر المبيح هو اعتقاد أن السبَّ حلال لم يجز تكفيره وقتله، حتى يظهر هذا الاعتقاد ظهوراً تثبت بمثله الاعتقادات المُبيحَةُ للدماء.
شبهتان للمرجئة وللجهمية :
ومنشأ هذه الشبهة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين ومن حذا حذوهم من الفقهاء أنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به، ورأوا أن اعتقاد صدقِهِ لا ينافي السبَّ والشتم بالذات، كما أن اعتقاد إيجاب طاعته لا ينافي معصيته؛ فإن الإنسان قد يهينُ من يعتقد وجوب إكرامه، كما يتركُ ما يعتقد وجوب فعله، ويفعل ما عتقد وجوب تركه، ثم رأوا أن الأمة قد كفَّرت السابَّ، فقالوا: إنما كفر لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام، واعتقادُ حلِّه تكذيب للرسول، فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة، وإنما الإهانة دليل على التكذيب، فإذا فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب كان في نفس الأمر مؤمناً، وإن كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره؛ فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم، وهو الذين يقولون: " الإيمان هو الاعتقاد والقول "وغلاتهم وهم الكرامية الذين يقولون: " مجرد القول وإن عَرِي عن الاعتقاد "، وأما الجهمية الذين يقولون: " هو مجرد المعرفة والتصديق بالقلب فقط وإن لم يتكلم بلسانه ". فلهم مأخذ آخر، وهو أنه قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فإذا كان في قلبه التعظيم والتوقير للرسول لم يقدح إظهارُ خلاف ذلك بلسانه في الباطن، كما لا ينفع المنافقَ إظهارُ خلافِ ما في قلبه في الباطن.

الجواب على الشبهة الأولى :
وجواب الشبهة الأولى من وجوه:
أحدها: أن الإيمان وإن كان أصلُه تصديق القلب فذلك التصديق لابدَّ أن يوجب حالاً في القلب وعملاً به، وهو تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته، وذلك أمر لازم كالتألم والتنعم عند الإحساس بالمؤلم والمنعم ، وكالنفرة والشهوة عند الشعور بالملائم والمنافي، فإذا لم تحصل هذه الحال والعمل في القلب لم ينفع ذلك التصديق ولم يُغْن شيئاً، وإنما يمتنع حصوله إذا عارضه معارض من حَسَدِ الرسول والتكبر عليه أو الإهمال له وإعراض القلب عنه، ونحو ذلك، كما أن إدراك الملائم والمنافي يوجب اللذة والألم إلا أن يُعارضه معارض، ومتى حصل المعارض كان وجود ذلك التصديق كعدمه، كما يكون وجود ذلك كعدمه، بل يكون ذلك المعارض موجباً لعدم المعلول الذي هو حال في القلب، وبتوسُّطِ عدمه يزول التصديق الذي هو العلة فينقلع الإ‘يمان بالكلية من القلب، وهذا هو الموجب لكفر مَنْ حسد الأنبياء، أو تكبر عليهم، أو كره فراق الإِلْفِ والعادة، مع علمه بأنهم صادقون وكفرهم أغلظ من كفر الجهال.
الثاني: أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار والطمأنينة، وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط، فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمرٌ، وكلام الله خبرٌ وأمرٌ، فالخبر يَستوجب تصديق المخبر، والأمر يَستوجب الانقياد، والاستسلام، وهو عمل في القلب جماعُه الخضوعُ والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به، فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد؛ فقد حصل أصل الإيمان في القلب، وهو الطمأنينة والإقرار، فإن اشتقاقه من الأمنِ الذي هو القرار والطمأنينية، وذلك إنما يَحصلُ إذا استقر في القلب التصديق والانقياد، وإذا كان كذلك فالسبُّ إهانة واستخفاف، والانقياد للأمر إكرام وإعزاز، ومحالٌ أن يُهينَ القلبُ من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستخفَ به؛ فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة وامتنع أن يكون فيه انقياد أو استسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هو بعينه كُفْرُ إبليس، فإنه سمع أمرَ الله فلم يكذب رسولاً، ولكن لم ينقد للأمر، ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة؛ فصار كافراً، وهذا موضعٌ زاغَ فيه خَلْق من الخَلَف: تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يَرَوْنَ مثل إبليس وفرعون ممن لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون، ولو أنهم هُدُوا لما هُدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل، أعني في الأصل قولاً في القلب، وعملاً في القلب.
فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته، وكلام الله ورسالته يتضمن إخباره وأوامره، فيصدق القلب إخباره تصديقاً يوجبُ حالاً في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمناً إلا بمجموع الأمرين؛ فمتى ترك الانقياد كان مستكبراً فصار من الكافرين، وإن كان مصدقاً للكفر أعم من التكذيب يكون تكذيباً وجهلاً، ويكون استكباراً وظلماً، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار، دون التكذيب، ولهذا كان كُفْرُ من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كُفْرِ إبليس، وكان كُفْرُ من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل.
ألا ترى أن نفراً من اليهود جاءوا إلى النبي  وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي ولم يتَّبِعوه، وكذلك هِرَقْل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق ؟
ألا ترى أن من صدق الرسول بأنَّ ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبراً وأمراً فإنه يحتاج إلى مقامٍ ثانٍ، وهو تصديقه خبرَ الله وانقيادُه لأمر الله، فإذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله " فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره " وأشهد أن محمداً رسول الله " تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله؛ فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار.
فلما كان التصديق لابدَّ منه في كلتا الشهادتين -وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول- ظنَّ من ظنَّ أنه أصل لجميع الإيمان، وغَفَلَ عن أصل الآخر لابدَّ منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول ظاهراً وباطناً ثم يمتنع من الانقياد للأمر؛ إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه وتعالى كإبليس، وهذا مما يبين لك أن الاستهزاء بالله أو برسوله ينافي الانقياد له، لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته؛ فصار الانقياد له من تصديقه في خبره.
فمن لم يَنْقَدْ لأمره فهو إما مكذِّب له، أو ممتنع عن الانقياد لربه، وكلاهما كُفر صريح، ومن استخف به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقاداً لأمره؛ فإن الانقياد إجلال وإكرام، والاستخفاف إهانة وإذلال، وهذان ضدان، فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر؛ فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد.
الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر؛ فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يُذْعِنَ لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقاً بأن الله ربه فإن معاندته له ومحادَّته تنافي هذا التصديق.
وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق؛ فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلالُ اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، هذا يكون لخللٍ في الإيمان بالربوبية، ولخللٍ في الإيمان بالرسالة، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفراً ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقَبَهُ الله وعذَّبه.
ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقُدْرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس، وحقيقته كفر؛ هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحقَّ وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوءٌ من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد، وفي مثله قيل " أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه " - وهو إبليس ومن سلك سبيله - وبهذا يَظهرُ الفرق بين العاصي فإنه يعتقد وجوبه ذلك الفعل عليه ويحبُّ أنه يفعله، لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة، فقد أتى من الإيمان بالتصديق، والخضوع والانقياد، وذلك قولٌ وقول لكن لم يكمل العمل.
وأما إهانة الرجل من يعتقدُ وجوبَ كرامته كالوالدين ونحوهما فلأنه لم يهن من كان الانقياد له والإكرام شرطاً في إيمانه، وإنما أهان من إكرامه شرطٌ في بِرِّهِ وطاعته وتقواه، وجانَبَ الله والرسول إنما كفر فيه لأنه لا يكون مؤمناً حتى يصدق تصديقاً يقتضي الخضوع والانقياد، فحيث لم يَقْتَضِه لم يكن ذلك التصديق إيماناً، بل كان وجوده شراً من عدمه؛ فإن مَنْ خُلِقَ له حياة وإدراك، ولم يرزق إلا العذاب؛ كان فَقْدُ تلك الحياة والإدراك أحبَّ إليه من حياة ليس فيها إلا الألم، وإذا كان التصديق ثمرته صلاح حاله وحصول النعم له واللذة في الدنيا والآخرة، فلم يحصل معه إلا فساد حاله والبؤس والألم في الدنيا والآخرة كان أن لا يُوجد أحَبَّ إليه من أن يوجد.
وهنا كلام طويل في تفصيل هذه الأمور، ومَنْ حَكَّمَ الكتابَ والسنةَ على نفسه قولاً وفعلاً نَوَّر اللهُ قلبه تبين له ضلالُ كثير من الناس ممن يتكلم برأيه فيه سعادة النفوس بعد الموت وشقاوتها، جرياً على منهاج الذين كذَّبوا بالكتاب وبما أرسلَ الله به رسلَه، ونبذوا الكتاب وراء ظهورهم، واتباعاً لما تتلوه الشياطينُ.
الجواب على الشبهة الثانية:
وأما الشبهة الثانية فجوابها من ثلاثة أوجُه:
أحدها: أن من تكلم بالتكذيب والجَحْد وسائر أنواع الكفر من غير إكراه على ذلك فإنه يجوز أن يكون مع ذلك في نفس الأمر مؤمناً، ومن جوز هذا فقد خلع ربْقَةَ الإسلام من عنقه.
الثاني: أن الذي عليه الجماعة أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذر لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة، وأن القول من القادر عليه شَرْطٌ في صحة الإيمان، حتى اختلفوا في تكفير من قال: ( إن المعرفة تنفع من غير عمل الجوارح ) وليس هذا موضع تقرير هذا.
وما ذكره القاضي رحمه الله من التأويل لكلام الإمام أحمد فقد ذكر هو وغيره خلاف ذلك في غير موضع، وكذلك مادلّ عليه كلام القاضي عياض؛ فإن مالكاً وسائر الفقهاء من التابعين ومَنْ بعدهم -إلا من ينسب إلى بدْعَة- قالوا: الإيمان قول وعمل، وبَسْطُ هذا له مكان غير هذا.
الثالث: أن من قال: " إن الإيمان مجرد معرفة القلب من غير احتياج إلى النطق باللسان" يقول: لا يفتقر الإيمانُ في نفس الأمر إلى القول الذي يوافقه باللسان، لا يقول إن القولَ الذي ينافي الإيمان لا يبطله، فإن القول قولان: قولٌ يوافق تلك المعرفة، وقول يخالفها، فَهَبْ أن القول الموافق لا يشترط، لكن القول المخالف ينافيها، فمن قال بلسانه كَلِمةَ الكُفْر من غير حاجة عامداً لها، عالماً بأنها كلمةُ كفر فإنه يكفرُ بذلك ظاهراً وباطناً، ولأنا لا نجَوِّزُ أن يقال: إنه في الباطن يجوزُ أن يكون مؤمناً، ومن قال ذلك فقد مَرَقَ من الإسلام، قال تعالىمن كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكرِه وقلبُهُ مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شرَحَ بالكفرِ صدراً فعليهم غضبٌمن الله ولهم عذابٌعظيمٌ.
ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأن ذلك لا يكره الرجل عليه، وهو قد استثنى من أُكره ولم يرد من قال واعتقد ، لأنه استثنى المُكرَهَ وهو لا يكره على العِقد والقول، وإنما يكره على القول فقط، فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ من الله وله عذاب عظيم وأنه كافرٌ بذلك إلا من أُكره وهو مطمئنٌ بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدراً من المكرهين فإنه كافرٌ أيضاً، فصار من تكلَّم بالكفر كافراً إلا من أُكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ".
وقال تعالى في حقِّ المستهزئينلا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم. فبين أنهم كفارٌ بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته، وهذا باب واسع، والفِقْهُ فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم، واقتضاؤه وجودَ هذا وعَدَمَ هذا أمرٌ جرَتْ به سنة الله في مخلوقاته، كاقتضاء إدراك الموافق للذة وإدراك المخالف الألم، فإذا عُدِم المعلول كان مستلزماً لعدم العلة، وإذا وجد الضد كان مستلزماً لعدم الضد الآخر؛ فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كُفْراً.
واعلم أن الإيمان، وإن قيل هو التصديق، فالقلب يصدق بالحق، والقول يصدق في القلب، والعمل يصدق القول، والتكذيب بالقول مستلزم للتكذيب بالقلب، ورافع للتصديق الذي كان في القلب؛ إذ أعمال الجوارح تؤثر في القلب كما أن أعمال القلب تؤثر في الجوارح، فإنما قام به كفر تعدى حكمه إلى الآخر، والكلام في هذا واسع، وإنما نبهنا على هذه المقدمة.
نصوص العلماء الدالَّة على أن السبَّ كفر وحكمه القتل:
ثم نعود إلى مقصود المسألة فنقول:
قد ثبت أن كلَّ سبٍّ وشتمٍ يبيحُ الدم فهو كُفْرٌ وإن لم يكن كلّ كُفْرٍ سبَّاً، ونحن نذكر عبارات العلماء في هذه المسألة:
قال الإمام أحمد: " كلُّ مَنْ شتم النبيَّ  أو تنقَّصه -مسلماً كان أو كافراً- فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب ".
وقال في موضع آخر: " كلُّ من ذكر شيئاً يعرض بذكر الرب سبحانه وتعالى فعليه القتل، مسلماً كان أو كافراً، وهذا مذهب أهل المدينة ".
وقال أصحابنا: التعريض بسبِّ الله وسبِّ رسوله رِدَّة، وهو موجب للقتل، كالتصريح، ولا يختلف أصحابنا أن قَذْفَ أمِّ النبي من جملة سبِّه الموجب للقتل وأغلظ؛ لأن ذلك يُفضي إلى القدحِ في نسبه، وفي عبارة بعضهم إطلاق القول بأن من سبَّ أمَّ النبي  يُقتل، مسلماً كان أو كافراً، وينبغي أن يكون مُرَادهم بالسبِّ هنا القذف، كما صرح به الجمهور، لما فيه من سبِّ النبي .
وقال القاضي عياض: " جميعُ من سبَّ النبي  أو عابه أو ألْحَقَ به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خَصْلة من خصاله أو عرض به شبهة بشيء على طريق السبِّ له والإزراء عليه أو البغض منه والعيب له فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم السابّ: يقتل، ولا تَسْتَثْنِ فصلاً من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا تَمْتَرِ فيه، تصريحاً كان أو تلويحاً، وكذلك من لعنه، أو تمنَّى مَضَرَّةً له، أو دعا عليه، أو نسب إليه ما لا يليقُ بمنصبه على طريق الذم، أو عيَّبه في جهته العزيزة بسُخْفٍ من الكلام وهُجْرٍ ومنكرٍ من القول وزورٍ، أو عيَّره بشيء مما يجري من البلاء والمحنة عليه، أو غَمَصَهُ ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهود لديه "، قال: " وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن أصحابه وهلم جراً ".
وقال ابن القاسم عن مالك: " من سبَّ النبي قُتل، ولم يُستتب، قال ابن القاسم: أو شتمه، أو عابه، أو تنقصه، فإنه يقتل كالزنديق، وقد فَرَضَ الله توقيره.
وكذلك قال مالك في رواية المدنيين عنه: " من سبَّ رسولَ الله  أو شتمه أو عابه أو تنقصه قُتل، مسلماً كان أو كافراً، ولا يستتاب ".
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: " من قال إن رداء النبيِّ  -وروي بُرْدَهُ- " وسخ " وأراد به عيْبَه قُتِل ".
وروى بعض المالكية: " إجماع العلماء على أن من دعا على نبيٍّ من الأنبياء بالويل أو بشيءٍ من المكروه أنه يقتل بلا استتابة ".
وذكر القاضي عياض أجوِبَةَ جَماعةٍ من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا استتابة في قضايا متعددة أفتى في كل قضية بعضهم:
منها: رجل سمع قوماً يتذاكرون صفة النبي  إذ مرَّ بهم رجل قبيح الوجه واللحية، فقال: تريدون تعرفون صفته ؟ هذا المار في خلقه ولحيته ".
ومنها: رجل قال: " النبيُّ  أسْوَد ".
ومنها: رجل قيل له: " لا، وحق رسول الله " فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا، ثم قيل له: ما تقول يا عدو الله، فقال أشد من كلامه الأول، ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب، قالوا: لأن ادِّعاء التأويل في لفظٍ صُراح لا يقبل؛ لأنه امتهان، وهو غير مُعَزِّرٍ لرسول الله ولا مُوَقِّرٍ له، فوجبت إباحة دمه ".
ومنها عَشَّار قال: أدوا شك (؟) إلى النبي، أو قال: إن سألْتُ أو جهلْتُ فقد سئل النبي وجهل.
ومنها: مُتَفَقّهٌ كان يستخفُّ بالنبيِّ ، ويسميه في أثناء مناظرته " اليتيم وخَتَنَ حَيْدَرة"، ويزعم أن زُهْدَه لم يكن قصداً، ولو قَدَرَ على الطيبات لأكلها، وأشباه هذا.
قال: فهذا الباب كله مما عدَّه العلماء سبّاً وتنقصاً، يجب قتل قائله، لم يختلف في ذلك متقدمهم ومتأخرهم، وإن اختلفوا في سبب حكم قتله.
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه أو برىء منه، أو كذبه: " إنه مرتد "، وكذلك قال أصحاب الشافعي: " كل من تعرَّض لرسول الله  بما فيه استهانة فهو كالسبِّ الصريح؛ فإن الاستهانة بالنبيِّ كُفر، وهل يتحتم قتله أو يسقط بالتوبة ؟ على الوجهين، وقد نصَّ الشافعيُّ على هذا المعنى.
فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له؛ كُفرٌ مبيحٌ للدم، وَهُمْ في استتابته على ما تقدم من الخلاف، ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيْبَه لكن المقصود شيء آخر حَصَلَ السبُّ تبعاً له أو لا يقصد شيئاً من ذلك، بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك.
فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القولُ نفسُه سبّاً، فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يَهْوِي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، ومن قال ما هو سبٌّ وتنقص له فقد آذى الله ورسوله، وهو مأخوذ بما يؤذي به الناسَ من القول الذي هو في نفسه أذى وإن لم يقصد أذاهم، ألم تسمع إلى الذين قالواإنما كنا نخوض ونلعب فقال الله تعالىأبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم.
وهذا مثل من يَغضبُ فيذكر له حديث النبيِّ  أو حكم من حكمه أو يُدعى إلى سنته فيلعن ويقبح ونحو ذلك، وقد قال الله تعالىفلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما.
فأقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه ثم لا يجدوا في نفوسهم حرجاً من حُكمه؛ فمن شاجر غيره في حكم...وحرج لذكر رسول الله  حتى أفحش في منطقه فهو كافر بنصِّ التنزيل، ولا يُعذر بأن مقصودَه ردُّ الخصم؛ فإن الرجل لا يؤمن حتى يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسولُ أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
ومن هذا الباب قول القائل: إن هذه لَقِسمَةٌ ما أريد بها وجه الله، وقول الآخر: إعْدِلْ فإنكَ لَمْ تَعْدِلْ، وقول ذلك الأنصاري: أَنْ كانَ ابنَ عمَّتِكَ، فإن هذا كفر محض، حيث زعم أن النبي  إنما حكم للزبير لأنه ابنُ عمَّتِهِ، ولذلك أنزل الله تعالى هذه الآية، وأقسم أنهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجاً من حكمه، وإنما عفا عنه النبيُّ  كما عفى عن الذي قال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وعن الذي قال: إعدل فإنك لم تعدل، وقد ذكرنا عن عمر  أنه قتل رجلاً لم يرض بحكم النبي ، فنزل القرآن بموافقته، فكيف بمن طعن في حكمه ؟
وقد ذكر طائفة من الفقهاء -منهم ابن عقيل، وبعض أصحاب الشافعي- أن هذا كان عقوبته التعزير، ثم منهم من قال: لم يعزره النبيُّ  لأن التعزير (غير) واجب، ومنهم من قال: عفا عنه لأن الحق له، ومنهم من قال: عاقبه بأن أمر الزبير أن يسقي ثم يَحْبِسَ الماء حتى يرجع إلى الجدر، وهذه أقوال رديِّةٌ، ولا يستريب من تأمل في أن هذا كان يستحق القتل بعد نص القرآن أن من هو بمثل حاله فليس بمؤمن.
فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر، وفي الصحيحين عن علي عن النبي  أنه قال: " وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم " ولو كان هذا القول كفراً للزم أن يغفر الكفر، والكفر لا يغفر، ولا يقال عن بدري: إنه كفر.
فيقال: هذه الزيادة ذكرها أبو اليمان عن شعيب، ولم يذكرها أكثر الرواة؛ فيمكن أنه وَهم، كما وقع في حديث كعب وهلال بن أمية أنهما لم يشهدا بدراً، وكذلك لم يذكره ابن اسحاق في روايته عن الزهري، ولكن الظاهر صحتها.
فنقول: ليس في الحديث أن هذه القصة كانت بعد بدر، فلعلها كانت قبل بدر، وسمي الرجل بدرياً لأن عبدالله بن الزبير حدَّث بالقصة بعد أن صار الرجل بدرياً؛ فعن عبدالله بن الزبير عن أبيه أن رجلاً من الأنصار خاصمَ الزبير عند رسول الله  في شَراجِ الحرة التي يسقُون بها النخل، فقال الأنصاري: سرِّحِ الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله ، فقال رسول الله  للزبير: " اسْقِ يازبير ثم أرسل الماء إلى جارِكَ "، فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابنَ عمَّتِك، فتلوَّن وجه النبي ، ثم قال للزبير: " اسْقِ يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " فقال الزبير: والله لأني أحسب هذه الآية نزلت في ذلكفلا وربك لا يؤمنون حتى يحكومك فيما شجر بينهم.
وفي رواية للبخاري من حديث عُروة قال: فاسْتَوَعَى رسول الله  حينئذ حقّه، وكان رسول الله  قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحْفَظَ الأنصاريُّ رسولَ الله  استوعى رسولُ الله  للزبير حقّه في صريح الحكم. وهذا يقوي أن القصة متقدمة قبل بدر؛ لأن النبيَّ  قضى في سيل مهزور أن الأعلى يسقي ثم يحبس الماء حتى يبلغ الماء إلى الكعبين؛ فلو كانت قصة الزبير بعد هذا القضاء لكان قد عُلم وجه الحكم فيه، وهذا القضاء الظاهر أنه متقدم من حين قدم النبي؛ لأن الحاجة إلى الحكم فيه من حين قدم، ولعل قصة الزبير أوجَبَتْ هذا القضاء.
وأيضاً فإن هؤلاء الآيات قد ذكر غير واحد أن أولها نزل لما أراد بعض المنافقين أن يحاكم يهودياً إلى ابن الأشرف، وهذا إنما كان قبل بدر لأن ابن الأشرف ذهب عقب بدر إلى مكة، فلما رجع قُتِل، فلم يستقر بعد بدر بالمدينة استقراراً يُتحاكم إليه فيه، وإن كانت القصة بعد بدر فإن القائل لهذه الكلمة يكون قد تاب واستغفر وقد عفا له النبي عن حقه، فغفر له، والمضمون لأهل بدر إنما هو المغفرة: إما بأن يستغفروا إن كان الذنب مما لا يغفر إلا بالاستغفار أو لم يكن كذلك، وإما بدون أن يستغفروا.
ألا ترى قدامة بن مظعون -وكان بدرياً- تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالىليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه؛ فإن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن لم يقروا به كفروا، ثم إنه تاب وكاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه، حتى أرسل إليه عمر بأول سورة غافر، فعلم أن المضمون للبدريين أن خاتمتهم حسنة، وأنهم مغفور لهم وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر، فإن التوبة تجبُّ ما قبلها.
وإذا ثبت أن كل سبّ -تصريحاً أو تعريضاً- موجب للقتل فالذي يجب أن يعتنى به الفرق بين السبِّ الذي لا تقبل منه التوبة والكفر الذي تقبل منه التوبة فنقول:
الفرق بين السبِّ والكفر :
هذا الحكم قد نِيطَ في الكتاب والسنة باسم أذى الله ورسوله، وفي بعض الأحاديث ذكر الشتم والسب، وكذلك جاء في ألفاظ الصحابة والفقهاء ذكر السب والشتم، والاسمُ إذا لم يكن له حدّ في اللغة كاسم الأرض والسماء والبحر والشمس والقمر، ولا في الشرع كاسم الصلاة والزكاة والحج والإيمان والكفر، فيجب أن يرجع في حده إلى العرف كالقبض والحرز والبيع والرهن والكري ونحوها، فيجب أن يرجع في الأذى والسبِّ والشتم إلى العرف، فما عدَّه أهلُ العرف سبّاً وانتقاصاً أو عيباً أو طعناً ونحو ذلك فهو من السب، وما لم يكن كذلك فهو كفر به، فيكون كفراً ليس بسبٍّ، حكم صاحبه حكم المرتد إن كان مظهراً له وإلا فهو زنديق، والمعتبر أن يكون سباً وأذى للنبي  وإن لم يكن سبَّاً وأذى لغيره.
فعلى هذا كل ما لو قيل لغير النبي  أوجب تعزيراً أو حداً بوجه من الوجوه فإنه من باب سبِّ النبيِّ  كالقذف واللعن وغيرهما من الصور التي تقدم التنبيه عليها، وأما ما يختص بالقدح في النبوة فإن لم يتضمن إلا مجرد عدم التصديق فهو كفر محض، وإن كان فيه استخفاف واستهانة مع عدم التصديق فهو من السب، وهنا مسائل اجتهادية يتردد الفقهاء هل هي من السبِّ أو من الردة المحضة، ثم ما ثبت أنه ليس بسبٍّ فإن استسربه صاحبه فهو زنديق حُكمه حكم الزنديق، وإلا فهو مرتد محض، واستقصاء الأنواع والفرق بينها ليس هذا موضعه " .
الاستهانة بالدين، والاستهزاء به، وسب الرسول، ونسبة الولد لله، وترك الصلاة كسلاً مكفرات عملية ناقلة عن الملة:
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية:
السؤال الثاني والثالث من الفتوى (9104):
س: تفسيرهم الكفر المخرج من الملة بالجحود فقط، وترك الصلاة كسلاً غير جاحد، أم هناك كفر مخرج من الملة بدون جحود ؟
ج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه..وبعد: تفسير الكفر المخرج من الملة بالجحود فقط غير صحيح فإن إنكار المسلم حكماً اجتهادياً اختلف فيه الأئمة لا يعتبر كفراً، بل يعذر في ذلك الإتيان به والإعراض عن النطق بالشهادتين مع القدرة على ذلك وكترك الصلوات الخمس عمداً أو كسلاً لا جحوداً.
س: اعتبارهم تارك الصلاة كافراً كفراً عملياً والكفر العملي لا يخرج صاحبه من الملة إلا ما استثنوه من سب الله تعالى وما شابهه فهل تارك الصلاة مستثنى وما وجه الاستثناء ؟
ج: ليس كل كفر عملي لا يخرج من ملة الإسلام، بل بعضه يخرج من ملة الإسلام وهو ما يدل على الاستهانة بالدين به كوضع المصحف تحت القدم وسب رسول الله  مع العلم برسالته ونسبة الولد إلى الله والسجود لغير الله وذبح قربان لغير الله، ومن ذلك ترك الصلوات المفروضة كسلاً لقول النبي : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب  وقوله : " بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة " خرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



الباب الثالث
كل من عصى الله فهو معرض للعقوبة إلا أن يعفو الرحمن
اعلم -رحمني الله وإياك- أن كل معصية للرب الإله العظيم الذي لا إله إلا هو فإنها تلزم صاحبها الإثم، وترهنه العقوبة، ولو كان فاعل الإثم والمعصية ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو ولياً صالحاً، وسواء كان هذا الإثم صغيراً أو كبيراً، قال تعالى في شأن ملائكته الذين زعم الكفار أنهم بنات الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً:وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ  لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ .
وقال تعالى في شأن رسله وأنبيائه الصالحين من ذرية إبراهيم :وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ  وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا، وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ  وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ  وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
والشاهد في الآية قوله تعالى:{وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ بعد ذكره سبحانه وتعالى أنهم الذين اجتباهم الله واصطفاهم وهداهم.
وقال تعالى لرسوله محمد :وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .
وكما حصل التهديد بالعقوبة على الشرك. فإن التهديد بالعقوبة على ما دون الشرك واقعة أيضاً، كما قال الله لآدم :فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى . وهذا وعيد بالخروج من الجنة على المعصية التي هي دون الشرك. وقد كان؛ فإن الله الرب الإله العظيم أخرج آدم من الجنة بمعصيته التي لم تكن شركاً، وتاب عليه من العقوبة الأكبر لما تاب ورجع إلى اللهفَتَلَقَّى ءَادَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .
وقد قال الله لرسوله محمد :وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً  إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا .
وقد قال رسول الله  لأصحابه يوم بدر لما قبلوا فداء الأسرى: " لقد أريت عذابكم دون هذه الشجرة ".
والأحاديث والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً. وحسبك الآيات التي تبين القاعدة العامة لذلك وهو قوله تعالى:{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا . وقوله تعالى:فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .
وقوله تعالى:وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ .
وقوله تعالى:وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
واعلم أنه ما من معصية صغيرة ولا كبيرة إلا وجاء التحذير من العقوبة عليها كقوله : « إياكم ومحقّرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى انضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه » .
وقوله تعالى في أي مخالفة ولو صغرت لأمر النبي:وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا .
وقوله تعالى:لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
وقوله تعالى لنساء النبي:يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا . وكل هذا ينبيك أن الوعيد بالعقوبة قائم على كل ذنب، سواء كان المذنب ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو ولياً مؤمناً.
العقوبة على الذنب موكولة لله:
اعلم أن العقوبة على الذنب من شأن الله سبحانه وتعالى واختياره وتقديره أعني المقدار لا القدر فهو سبحانه الذي يختار للمذنب العقوبة التي يريد، فيعجلها له إن شاء، ويؤخرها إلى أجل إذا شاء.
وقد تكون العقوبة لعناً أبدياً وسخطاً سرمدياً، وعذاباً في النار لا انقطاع له كما حصل لإبليس والكفار وقد تكون دون ذلك...حتى يكون أدناها نسيان الإله ولو للحظة، والغفلة عن ذكره ولو لِلِمْحَةٍ، فإن الانصراف عن ذكره حرمان، والغفلة عنه سبحانه وتعالى ولو لمحةٌ عقوبة، ولا تكون عقوبة إلا بذنب.
ولما كانت الذنوب متفاوتة كانت العقوبة كذلك فالكفر والشرك أعظم الذنوب ولذلك كانت العقوبة عليه أشد العقوبات:إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ .إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا .هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ  يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ  وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ  كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ  إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ . وقال تعالى:فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ  وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ . وقال تعالى لأول الكافرين إبليس لما عصاه:قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ  وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ . وأما ما دون الكفر والشرك من الذنوب فإن الله يعاقب عليه إن شاء، ويسامح فيه إذا شاء، لا مكره له سبحانه وتعالى، قال تعالى:إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ .
عنّ عُبادةَ بنَ الصامِتِ رضيَ اللّهُ عنهُ ـ وكانَ شَهِدَ بَدْراً، وهُوَ أَحَدُ النّقَباءِ لَيلةَ العقَبَةِ ـ أَنّ رسولَ اللّهِ  قال وَحَوْلَهُ عِصابَةٌ مِنْ أَصحابهِ: « بايعوني على أنْ لا تُشرِكوا باللّهِ شيئاً، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تَقْتُلوا أَوْلادَكم، ولا تَأْتوا بِبُهْتانٍ تَفْتَرونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكمْ وأرْجُلِكمْ، ولا تَعْصوا في مَعْروف. فمَنْ وَفَّى منكم فأجْرُهُ على اللّهِ، ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئاً فعُوقِبَ في الدّنْيا فهُوَ كَفّارَةٌ له، ومَن أصابَ مِنْ ذلك شيئاً ثُمّ سَتَرَهُ اللّهُ فهُوَ إلى اللّهِ: إنْ شاء عَفا عنهُ، وإن شاء عاقَبَهُ ». فبايَعناه على ذلك .
والشاهد فيه « ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئاً فعُوقِبَ في الدّنْيا فهُوَ كَفّارَةٌ له، ومَن أصابَ مِنْ ذلك شيئاً ثُمّ سَتَرَهُ اللّهُ فهُوَ إلى اللّهِ: إنْ شاء عَفا عنهُ، وإن شاء عاقَبَهُ ».
التوبة تغفر الذنوب جميعاً:
ولما كان الرب الإله العظيم هو الله الرحمن الرحيم، فإنه سبحانه كتب على نفسه أن يقبل كل تائب وراجع إليه، ومعتذر عن ذنبه وجرمه مهما كان هذا الذنب ولو كان كفراً، وشركاً، وعناداً، وكبراً، وسباً له -سبحانه- وشتماً، ولو كان سعياً في إبطال دينه، وإطفاء نوره، وحربه وحرب أوليائه قال تعالى:قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ  وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ  أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ  أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ  بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ  وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ .
وقد قال رسول الله : " الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها، والهجرة تجب ما قبلها ".
والجب هو القطع والاستئصال، والمعنى هنا مغفرة كل ما سلف من الذنب. وقال تعالى:قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ .
لا يقبل بعد الموت اعتذار من الذنب صغيراً كان أو كبيراً:
اعلم -رحمني الله وإياك- أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من عبدٍ اعتذاراً عن ذنبه قط بعد الموت. أعني الذنب الذي لم يتبْ منه قبل الموت، فكل ذنب مات عليه صاحبه غير تائب منه فإنه يصبح مرتهناً به واقعاً تحت العقوبة. منتظراً فيه لحكم الرب الإله العظيم سبحانه وتعالى...فأما من مات على الكفر والشرك فإن الله قد أعلم الجميع فيه بحكمه، وأنه لا يغفر الشرك أبداً، ولا يدخل الجنة كافراً، ولا يقبل من صاحبه شفاعةً، ولا عدلاً، ولا اعتذاراً.
فلو تقدم إليه كل شافع فلا يقبل الله ذلكفما تنفعهم شفاعة الشافعين، ولا يقبل الله منه فداءاً ولو ملء الأرض ذهباً، لو افترض أنه يملك ذلك:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيــمٌ .
وأما من مات مؤمناً موحداً غير مشرك بالله شيئاً وله معصية لم يتب منها قبل موته أو تاب منها توبة ناقصة فإنه يظل مرتهناً يوم القيامة بمعصيته، وأمره إلى الله إن شاء عذبه في الموقف أو في النار، وإن شاء غفر له...
ولا أمن لعبد عصى الله إلا أن يؤمنه الله، ويعلمه مغفرته، وأما قبل ذلك فلا أمان أن يؤاخذ الله العبد بذنبه صغيراً كان أو كبيراً. ألا ترى أن الشهيد يرتهن في دين آدمي، والغال الذي غل شيئاً يسيراً ( شراك نعل قد قيل له: شراك من نار )، والمرأة المسلمة المؤمنة قد تعذب في النار لأنها قالت لزوجها الذي أحسن إليها " ما رأيت منك خيراً قط"...الخ.
وجميع الرسل غير نبينا محمد  لا يجرؤ أحد منهم أن يتقدم يوم القيامة في شفاعة لأنه يخاف ذنباً له، وكلهم يقول: إن ربي ( قد غضب الله اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله ). ولا يجرؤ على الشفاعة يومئذ إلا من قال له الله تعالى:إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا  لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا . ولا أمن من المؤاخذة على الذنب لأحد يوم القيامة إلا بعد دخول الجنة، وقوله سبحانه لأهلها: " اليوم أحل لكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ".
وأما قبل هذا اليوم -يوم دخول الجنة- فلا أمان لمن جاء يحمل ظلماً...
الحالات التي يغفر الله فيها ذنب عبده بغير توبة من العبد:
أما الحالات التي يغفر الله فيها ذنب عبد من عباده من غير توبة من العبد فهي كما يأتي:
1) أن يكون ممن يجتنب كبائر الإثم فيغفر الله ما دون ذلك. قال تعالى:إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا .
2) أن يكون ممن يوالي بين الطاعات فيحافظ على صلاته صلاة بعد صلاة، ويصوم رمضان شهراً بعد شهر بغير تفريط، ويوالي بين الحج والعمرة، مرة بعد مرة. قال : « الصّلَوَاتُ الْخَمْسُ. وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ. وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ. مُكَفّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنّ. إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ » .
3) الطهارة بالماء طهاة من الذنب: قال تعالى:إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ . التوبة طهارة من الذنب، والماء طهارة للظاهر يجعلها الله كذلك طهارة للإثم، قال : « إِذَا تَوَضّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ (أَوِ الْمُؤْمِنُ) فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) حَتّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذّنُوبِ » .
4) الحسنات تمحو السيئات: قال تعالى:وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْل إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ .
فإذا فعل المسلم الطاعة بعد المعصية محت السيئة: قال رسول الله : « اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن » . و قال رسولُ الله : « من حَلف فقال في حَلفه: واللاتِ والعُزّى، فليَقل: لا إله إلاّ الله. ومن قال لصاحِبِهِ: تعال أُقامِركَ، فلْيتصدّق» .
فأرشد  إلى الحسنة التي يكفر السيئة التي فيها، وأرشد النبي  إلى التصدق مذكراً أنها كفارة بل من أعظم الكفارات فقال في معرض وعظه للنساء المعرضات إلى أنواع من الذنوب تدخل النار. قال : « يا مَعشرَ النساءِ تَصَدّقْنَ، فإني أُرِيتكُنّ أكثرَ أهلِ النارِ. فقُلنَ: وبمَ يا رسولَ اللّهِ ؟ قال: تُكثرْنَ اللّعْنَ، وَتَكفُرْنَ العَشيرَ، ما رأيتُ من ناقِصاتِ عَقلٍ ودِينٍ أَذْهَبَ لِلُبّ الرّجُلِ الحازِم مِن إِحداكنّ. قلنَ وما نُقصانُ دِينِنا وعَقلِنا يا رسولَ اللّهِ ؟ قال: أَلَيسَ شَهادةُ المرأةِ مِثلُ نِصفِ شَهادةِ الرجُل ؟ قلن: بَلى. قال: فذلِكَ من نُقصان عَقلِها. أليسَ إِذا حاضَتْ لم تُصَلّ ولم تَصُمْ ؟ قلن: بَلى. قال: فذلِك من نُقصانِ دِينِها» . وقال : « والصّدَقَةُ تُطْفِىءُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ الْمَاءُ النارَ » .
5) إحسان بإحسان:
من أعظم أسباب مغفرة الذنب وعدم مؤاخذة الرب عبدَه عليه، أن يكون العبد محسناً رحيماً مسامحاً كريماً فيكافؤه الله إحساناً بإحسان فإذا كان العبد من أهل الرحمة والشفقة كافأه الله سبحانه وتعالى بأن يرحمه، ويقيل عثرته ويغفر ذنبه ولا يؤاخذه به. قال : «الرّاحِمُونَ يَرْحُمُهُمُ الرّحْمَنُ ارْحَمُوا من في الأرْضِ يَرْحَمُكُم مَنْ في السّماءِ » . وإذا كان العبد يتجاوز عن من أساء إليه، ويغفر لمن ظلمه ولا يطالبه بحقه في الدنيا، ولا ينوي مطالبته في الآخرة. بل يسامح أخاه المسلم، كافأ الله هذا العبد بأن يغفر له ذنوبه في حق الرب جل وعلا؛ فإن جزاء الإحسان عند الله الإحسان: قال تعالى:هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلاّ الإحْسَانُ . وقال تعالى:فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وأعظم هذا الأجر أن يتجاوز الله لعبده عن ذنبه كما جاء في الحديث الصحيح. قال : « كان تاجِرٌ يُداينُ الناسَ، فإذا رأَى مُعسِراً قال لِفتيانهِ: تجاوَزُوا عنهُ لعلّ الله أن يَتجاوَزَ عنّا، فتَجاوَزَ الله عنه » . فهذا العبد الذي كان يتجاوز عن المعسر تجاوز الله عن سيائته فغفر الله ذنوبه التي كانت أعظم من حسناته.
6) إخلاص التوحيد لله:
والعبد الذي يخلص توحيده لله فلا يعبد معه غيره، ولا يشرك به سواه،ولم ينو بعمله غير وجه الله يكافئه الله بمغفرة ذنوبه كما في الحديث قال: « قالَ الله تَبَارَكَ وتعَالى: يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السّمَاءِ ثُمّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ إنّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً » .
…………
الكافر يأتي يوم القيامة ولا حسنة له:
الكافر والمشرك يأتي يوم القيامة ولا حسنة له. وذلك أن الكفر والشرك سيئة لا تنفع معها حسنة. قال تعالى:وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا .
وقال تعالى:وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ .
وقال أيضاً:مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ .
وإذا كان للكافر والمشرك من عمل نافع في الدنيا كبر الوالدين وصدق الحديث، وإكرام ضيف، ومساعدة محتاج...الخ؛ فإن الله يكافئه به حسنة في الدنيا: في المال والصحة والولد...الخ، حتى يأتي يوم القيامة ولا حسنة له.
تارك العمل اختياراً بغير ضرورة لا يدخل في باب واحد من أبواب الرحمة:
وإذا نظرنا في تارك العمل كله اختياراً لا اضطراراً وجدنا أنه لا يجوز أن يطلق عليه حكم الإسلام فإنه لم يصلِ، ولم يصمْ، ولم يزكِ، ولم يحجْ، وهذه أركان الإسلام التي لا يقوم الإسلام إلا عليها، ولا يسمى مؤمناً لأن الإيمان لو قام بقلبه لظهر أثره على الجوارح. فكيف يكون مؤمناً بالله ووعده ووعيده، ويوم القيامة من لم يصلِ لله ركعة مع قدرته على ذلك.
وتارك العمل ليس كذلك محسناً، بل هو أبعد الناس عن الإحسان... والذي يغفر الله ذنوبهم ويتجاوز عن خطيئاتهم هم المحسنون والمؤمنون والمسلمون، ولذا فتارك العمل كله بغير ضرورة لم يكن مسلماً ولا مؤمناً ولا محسناً.
وإن ادعى أنه من أهل لا إله إلا الله فقد فعل ما يناقضها من ترك العمل. فمن شهد له أنه من أهل الجنة وأنه ممن تغفر ذنوبه تجرأ على القول بما يخالف القرآن والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة. فإنه لم يأت نص قط يقول بأن تارك العمل اختياراً تناله الرحمة.
  #9  
قديم 16-04-03, 01:06 PM
عبدالله بن عبدالرحمن عبدالله بن عبدالرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-04-02
المشاركات: 474
افتراضي

الباب الرابع: شبهات وجوابها

الشبهة الأولى: قولهم: إن أهل السنة يقولون " ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه ":
من الشبهات التي وقعت لبعض من خاض في هذه المسألة بغير علم؛ قولهم: إن أهل السنة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب مالم يستحلَّه. قالوا: الاستحلال عمل قلبي، فلا يكفر من المسلم الذي يشهد الشهادتين بأي ذنب إلا إذا استحله أي جمع بين فعل الجوارح وعمل القلب !!
وهذا جهل من قائله؛ فإن معنى الذنب في هذه العبارة " ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب مالم يستحله " لا تعني الذنب الأكبر الذي هو الكفر والشرك، وإنما الذنوب التي هي دون الكفر والشرك كالزنا، والسرقة، وقتل النفس التي حرم الله قتلها، ونحو ذلك من المعاصي والكبائر، وأما الكفر والشرك فإن المسلم يخرج من الإسلام بصدور القول المكفر أو العمل المكفر منه، ولو لم يكن معتقداً بقلبه كم يقول كلمة الكفر اختياراً من غير إكراه، ومن سجد لغير الله اختياراً من غير إكراه، ومن يستهزئ بالله أو رسوله أو دين الإسلام، ومن قال إنه على ملة غير ملة الإسلام اختياراً منه وبغير إكراه … ونحو ذلك من الأعمال والأقوال المكفرة المخرجة من الملة كما بيناه في الباب الثاني من هذا الكتاب.
الشبهة الثانية: قولهم إن الله يخرج من النار من قال لا إله إلا الله:
والشبهة الثانية لمن جهلوا هذه العقيدة ووقعوا في معتقد الإرجاء قولهم: أليس الله سبحانه وتعالى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله !؟ قالوا فدل ذلك على أنه من اكتفى في حياته بقول لا إله إلا الله مصدقاً بها في قلبه فإن عنده أصل الإيمان ولا يخرج منه ولو ترك العمل كله، ولا يخلد في النار. قالوا فدل ذلك على أن تارك العمل كله ليس بكافر مخلد في النار ما دام أنه قال كلمة لا إله إلا الله بلسانه مصدقاً بها في قلبه:
وجواب هذه الشبهة من وجوه:
1) ما سبق وأن حررناه في الباب الأول من هذه الرسالة بأدلته من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال أهل العلم ومعتقد أهل السنة أن تارك العمل اختياراً فاقد لأصل الإيمان وأنه كافر على الحقيقة، كاذب في دعواه الإيمان.
2) أن باب الشفاعة يوم القيامة، وإخراج عصاة المؤمنين من النار هذا باب لفضل الله ورحمته ومشيئته كما قال سبحانه وتعالى:إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فإذا شاء سبحانه وتعالى أن يغفر لبعض عباده ممن لا يشرك به شيئاً فهذا فضله ورحمته، فثم من يعذب في النار بذنب واحد، وثم من يغفر الله له سبعين سجلاً كل سجل مد البصر، والله هو العليم الحكيم سبحانه وتعالى.
3) لا يجوز التسوية بين تارك العمل اختياراً وكسلاً وإعراضاً وبين المضطر المعذور في ترك العمل كمن عاش في أوساط الكفار وهو ضعيف الحيلة، كما قال سبحانه وتعالى:إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً  إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفوراً فهؤلاء قد عفا الله عنهم لعذرهم، وأولئك خلدوا في النار بإهمالهم وإعراضهم !!
والذين استهزءوا بآيات الله ورسوله والمؤمنين: قال تعالى فيهم:لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أخبر سبحانه وتعالى أن منهم من قال الله عذبتهم، ومنهم من غضب عليه ولعنه قال تعالى:إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين.
فالله أعلم بقلوب عباده، وأخبر بذنوبهم.
4) أكثر روايات حديث الشفاعة ليس فيها هذه الزيادة: " لم يعملوا خيراً قط " . بل معرفة أكثر روايات هذا الحديث ليس فيها هذه الزيادة، بل مصرحة بأن الجهنميين هم من أهل الصلاة ومن العاملين، فإذا ضممنا هذه الروايات إلى النصوص الصريحة في تكفير تارك الصلاة، لم تنهض تلك الزيادة على معارضتها، فوجب أن تفهم كما تفهم الألفاظ المعارضة للأدلة الصحيحة الصريحة، مما هو معلوم في أبواب التعارض والترجيح.
أولاً: من جهة الترجيح:
أن يقال: أن الروايات التي لم تذكر فيها هذه الزيادة، أرجح من تلك؛ من حيث كثرتها وموافقتها للأصول القطعية في أنه لن يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن الإيمان قول وعمل.
فمثلاً رواية أبي هريرة عن البخاري هذا نصها: " حتى إذا فرغَ اللّهُ من القضاءِ بين العباد، وأَراد أَن يُخرج برحمِتِه من أَراد من أَهل النار أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يُشركُ باللّه شيئاً ممّن أراد اللّه أن يرحمه ممّن يشهدُ أن لا إله إلا اللّهُ فيعرفونهم في النار بأثرِ السجودِ، تأكل النارُ ابن آدمَ إلا أثرَ السّجودِ، حرّم اللّه على النار أن تأكلَ أثرَ السجودِ، فيخرجونَ من النار قد امتُحِشوا فيُصَبّ عليهم ماءُ الحياةِ فَيَنبُتُون تحتَه كما تنبُت الحِبّةُ في حَميل السّيْل ". فهذه الرواية متفق عليها بين الشيخين. وفي رواية البخاري في الأذان، يشترك سعيد بن المسيب سيد التابعين في روايتها مع عطاء بن يزيد، قال بعد تمام الحديث: " وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يغير عليه شيئاً من حديثه – ورواية مسلم لا يرد عليه من حديثه شيئاً – حتى انتهى إلى قوله (آخر الحديث): هذا لك ومثله معه. قال أبو سعيد: سمعت رسول الله  يقول: " هذا لك وعشرة أمثاله ". قال أبو هريرة: حفظت مثله معه.
وفي رواية مسلم والبخاري في التوحيد: حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: ومثله معه. قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: لك ذلك ومثله معه. قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله  قوله: ذلك لك وعشرة أمثاله.
فهذا مما يرجح هذه الرواية؛ لا تفاق كلا الصحابيين عليها، وتصريح التابعي بأن أبا سعيد لم يغير، أو لم يرد على أبي هريرة إلا ما ذكر، فلديه زيادة علم ترجح روايته على رواية عطاء بن يسار عن أبي سعيد منفرداً، لا سيما وقد شاركه فيه سعيد بن المسيب، كما في رواية البخاري في الأذان.
ومما يقويه أن عطاء بن يسار نفسه عند البخاري، لم يرد فيها قوله: " لم يعملوا خيراً قط "، وهذا لفظها: " فما أنتم بأشَدّ لي مناشدةً في الحقّ قد تبينَ لكم من المؤمنين يومئذٍ للجبّار، وإذا رأَوْا أَنهم قد نَجوْا في إخوانِهم يقولون: ربّنا إخواننا الذين كانوا يصلون مَعَنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول اللّه تعالى: اذهبوا فمنْ وجَدتم في قلبه مثقال دينارٍ مِن إيمانٍ فأَخرِجوه، ويحرّمُ اللّهُ صُورَهُم على النارِ فيَأْتونهم وبعضهم قد غَاب في النار إلى قدمه وإلى أَنصافِ ساقيْهِ فيُخرِجونَ مَن عَرفوا ثم يَعودون، فيقول: اذهبوا فمن وَجَدْتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ فأَخرجوه فيخرجون من عَرفوا ثم يَعودون، فيقول: اذهبوا فمنْ وجدْتم في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمانٍ فأخرجوه فيُخرِجون من عَرفوا، قال أَبو سعيدٍ: فإِن لم تصدّقوني فاقرءوا:إنّ اللّهَ لا يظلمُ مثقال ذرّةٍ، وإنْ تك حسنَةً يُضاعِفها يَشفَعُ النبيّون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجَبّارُ: بقيت شفاعتي فيقبضُ قبضةً من النار فيُخرجُ أَقواماً قد امتُحِشوا فيلقَوْن في نهر بأَفواهِ الجنّةِ يُقال له ماءُ الحياة فينبُتُون في حافَتَيه كما تنبت الحَبّةُ في حميل السّيْل ". ثم يذكر ما سبق من قول أهل الجنة: " هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه..." فلم يرد فيه ما يدل على عدم العمل، إلا قول أهل الجنة، وهم إما يقولون حسب ظاهر ما يعلمون كما جاء في فيه " فيخرجون من عرفوا " فإن كانت المعرفة بحسب عملهم به في الدنيا، فلا يخفى أن من الناس لا يعرف المؤمنون أن فيه خيراً، إن كانت بحسب أثر السجود -كما في الرواية الأخرى- فلا يبعد أن يكون في بعض المصلين من إساءة للصلاة، والإهمال الشديد في أدائها، مما لا يحصل له معه علامة ظاهرة للمؤمنين. والله أعلم.
أما سائر روايات الحديث عن الصحابة الآخرين، وعن أبي سعيد في غير تلك الرواية، فلا ذكر فيها لنفي العمل، بل هي كما رأينا مصرحة بأنهم من أهل الصلاة. وعليه فإن لم نقل: إن تلك الروايات غير محفوظة، نقول: لا بد من توجيهها وتخريجها بما يتفق والأصول والنصوص الأخرى.
ومن ذلك: ما قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة - رحمه الله -: قال: " هذه اللفظة " لم يعملوا خيراً قط "، من الجنس الذي تقوله العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به ". قال: " وقد بينت هذا المعنى في مواضع كتبي ".
أقول: وهذا التوجيه يشهد له حديث المسيء صلاته، حين قال له النبي : " ارجع فصلِ فإنك لم تصل "، فنفى صلاته مع وقوعها، والراد نفى صحة أدائها، وبه استدل أبو عبيد رحمه الله في مثل هذا.
وكذلك حديث قاتل المائة نفس الذي جاء: " لم يعمل خيراً قط "؛ لأنه توجه تلقاء الأرض الصالحة، فمات قبل أن يصلها، فرأت ملائكة العذاب أنه لم يعمل خيراً قط بعد؛ إذ لم يزد على أن شرع في سبيل التوبة؛ ولهذا حكم الله تعالى بينهما وبين ملائكة الرحمة بقياس الأرض وإلحاقه بأقرب الدارين، ثم قبض هذه وباعد تلك؛ رحمة منه وإلا كان يهلك.
وفي حديث الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد وفاته خوفاً من الله: " قال رجل لم يعمل خيراً قط إذا مات فحرقوه..." ولمسلم: " قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه...".
وقد فسرتها الرواية التي بعدها: " أسرف رجل على نفسه- أو أسرف عبد على نفسه ". ومما يؤيد ذلك أنه قد ورد في بعض روايات حديث الجهنميين هذا، أن هذا الرجل منهم، حيث ذكرت أنه آخر أهل النار خروجاً منها.
5) أن هؤلاء الذين يخرجون من النار برحمة الله سبحانه وتعالى..لم يأت في القرآن ولا في السنة ولا في قول صاحب أنهم قد كانوا تاركي الصلاة والزكاة والعمل كله. بل الذين يقولون هذا القول قالوا ذلك بفهمهم ورأيهم، وهذا الفهم والرأي إنما هو احتمال بعيد من جملة احتمالات، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فكيف والقرآن كله شاهد بغير ذلك وأنه لا دخول للجنة إلا بالعمل الصالح مع الإيمان، فكيف ينفي الكتاب والسنة والإجماع ومعتقد أهل السنة لفهم قاصر هو أحد الاحتمالات والدلالات البعيدة في نص واحد من النصوص.
6) هذا وقد يمكن توجيه هذه النصوص التي تقول بظاهرها إن الشفاعة قد تنال أقواماً لم يعملوا خيراً قط بحالات وأمثلة تدخل في ذلك وقد دلت عليها نصوص أخرى فمنها على سبيل المثال والله تعالى أعلم:
أ‌- سكان الأطراف البعيدة والجزر النائية، ممن لم يصلهم من الإسلام إلا اسمه، وينتشر فيهم الشرك والجهل بالدين، فهم غافلون عنه أو معرضون عمن تعلمه، ولا يعرفون من أحكامه شيئاً، فهؤلاء لا شك أن فيهم المعذور وفيهم المؤاخذ. والمؤاخذون درجات. فقد يخرج بعضهم عن حكم الإسلام بمرة، وقد يكون ممن لا يخلد في النار...وهكذا مما لا يعلم حقيقته إلا علام الغيوب.
ب‌- بعض شرار الناس آخر الزمان، حين يفشو الجهل، ويندرس الدين، وعلى هذا جاء حيث حذيفة مرفوعاً: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : « يَدْرُسُ الإِسْلاَمُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثّوْبِ. حَتّى لاَ يُدْرَىَ مَا صِيَامٌ وَلاَ صَلاَةٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ. وَلَيُسْرَىَ عَلَى كِتَابِ اللّهِ، عَزّ وَجَلّ، فِي لَيْلَةٍ. فَلاَ يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ. وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النّاسِ، الشّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ. يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ. فَنَحْنُ نَقُولُهَا » فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغُنِي عَنْهُمْ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ، وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ مَا صَلاَةٌ وَلاَ صِيَامٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ. ثُمّ رَدّهَا عَلَيْهِ ثَلاَثاً. كُلّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ. ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثّالِثَةِ، فَقَالَ: « يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنَ النّارِ » . وهذا الحديث بقدر ما يدل على نجاة مخصوصة هو يدل على الأصل والقاعدة ألا ترى أن التابعي عجب وألح في سؤال الصحابي وما ذاك إلا لما علمه التابعون من إجماع الصحابة  على أن تارك العمل ليس بمؤمن ولا ينجو في الدنيا من سيف المؤمنين ولا في الآخرة من عذاب رب العالمين. والله أعلم.
ت‌- ومنها من عاشوا في أوساط الكفار، ولم يظهروا شيئاً من أحكام الإسلام ولا عملوا بشيء من أحكام الدين، ولم يهاجروا إلى أرض الإسلام فقد ذكر الله أن هؤلاء من تناله الشفاعة يوم القيامة قال تعالى:إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً  إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفوراً .
الشبهة الثالثة: قولهم: كيف يسوى بين الكافر الذي جاءت نصوص القرآن والسنة بخلوده في النار وبين من شهد أن لا إله إلا الله بلسانه وقلبه ؟ وكيف يكون مآلهما واحداً.
والجواب: أن من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه لا شك أنه لا يستوي مع الكافر المعاند الذي جحد آيات التوحيد ومات على الكفر بالله. والسؤال: هل الذي شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه وكان صادقاً في هذه الشهادة يتصور أنه لم يصل قط مع القدرة على الصلاة، والعلم بوجوبها، ولم يخرج زكاة ماله قط، ولم يصم قط، ولم يحج أبداً مع فراغه واستطاعته، ولم يتحرك قلبه قط لذكر الله، أو يغتسل من جنابة، أو يعمل فرضاً أو سنة في الإسلام، أو يتحلى بشيء من شعبه. هل هذا يصدق عليه أنه قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه !!؟
إن من فهم أن الذي لم يعمل عملاً قط مع قدرته على العمل هو من يقول لا إله إلا الله خالصاً من قلبه قد أساء الفهم والعلم وشهد بأمر متناقض، إذ مقتضى شهادة القلب واللسان بلا إله إلا الله يلزم منه حتماً العمل ولو كان قليلاً، ولا يتصور معه قطعاً أن يكون هذا الشاهد صادقاً في شهادته أن لا إله إلا الله.
ولذلك فأهل السنة والجماعة عندما حكموا بالكفر على تارك العمل اختياراً فلأنه غير صادق في دعوى الإيمان، ولذلك قالوا بخلوده في النار لأنه كاذب في دعوى الإيمان وهو أحد الكفار. وكما أنه نطق بالشهادة مع عدم إقرار القلب يعد كفراً ونفاقاً، وكذلك شهادة القلب مع امتناع النطق باللسان يعد كفراً كذلك، وعامة الكفار كانوا موقنين بقلوبهم على صدق الرسولفإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
فإن اجتماع قول اللسان، وشهادة القلب مع عدم وجود لازم ذلك من العمل الصالح لا ينفع صاحبه ولا يخرجه عن دائرة الكفر كما لا يخرج المنافقين الذين قالوا بألسنتهم، ولم يخرج الكافرين الذين شهدوا بقلوبهم وكذبوا بألسنتهم. إذن فلا بد من شهادة اللسان وإقرار القلب، وتصديق العمل.
فمن عمل بمقتضى لا إله إلا الله كان مؤمناً، ومن ترك العمل كله صلاةً، وصوماً، وزكاةً، وحجاً كان كافراً.
وإذن فلا مساواة بين قائل لا إله إلا الله خالصاً من قلبه والكافر. لأن من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه لا بد وأن يلازم العمل وإلا كان كافراً.





الباب الخامس
أقوال أهل العلم في كفر تارك العمل، وتارك الصلاة أن الكفر يكون بالعمل
كما يكون بالقلب وأن المرجئة هم شر الفرق

الإمام أحمد رحمه الله يقول بكفر تارك العمل:
أخبرني عبيد الله بن حنبل قال: حدثني أبي حنبل بن إسحاق ابن حنبل قال: قال الحميدي وأخبرت أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وفعل المسلمين، قال الله جل وعز:حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة قال حنبل: قال أبو عبد الله أو سمعته يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به.
أخبث أقوال المرجئة: من قال منهم أن العمل هو عمل اللسان:
تلبيس المرجئة في تفسير بعضهم العمل بعمل القلب، أو عمل اللسان:
قد كان من المرجئة قديما من يلبس على الناس فيقول موافقاً لأهل السنة: الإيمان قول وعمل. فيوافق بذلك أهل السنة في قولهم، ولكنه يفسر العمل بأنه عمل اللسان.
قال الإمام ابن رجب رحمه الله في كتابه فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري: " وقد كان طائفة من المرجئة يقولون: الإيمان قول وعمل، موافقة لأهل الحديث، ثم يفسرون العمل بالقول، ويقولون: هو عمل اللسان .
وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول عن شبابه بن سوار، وأنكره عليه، وقال: هو أخبث قول، ما سمعت أن أحداً قال به، ولا بلغني.
يعني: أنه بدعة، لم يقله أحد ممن سلف " .أهـ
قلت : وقد جاء من قلب الأمر وقال: " نعم أنا أقول موافقاً لأهل السنة "الإيمان قول وعمل، وإنما المقصود بالعمل عمل القلب" ، وهذا قول خبيث مبتدع ينقصه كلام أهل السنة ولم يقبله أحد منهم، فإنهم يعنون بالعمل عمل الجوارح إضافة إلى شهادة اللسان وإيمان القلب.
أخبث أقوال المرجئة من قولهم أن المراد بالعمل هو عمل اللسان
ومن قول المرجئة أن الإيمان قول باللسان وعمل الجارحة فإذا قال: فقد عملت جوارحه وهذا أخبث قول لهم
قال الخلال: أخبرني محمد بن موسى، ومحمد بن علي أن حمدان بن علي الوراق حدثهم قال: سألت أحمد وذكر عنده المرجئة فقلت له إنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن. فقال المرجئة لا تقول هذا بل الجهمية تقول بهذا، والمرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه وتعمل جوارحه. والجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر إبليس قد عرف ربه فقال:رب بما أغويتني قلت: فالمرجئة لم كانوا يجتهدون وهذا قولهم؟ قال: البلاء.
وأخبرني محمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: قال أبو عبد الله: كان شبابة يدعو إلى الإرجاء وكتبنا عنه قبل أن نعلم أنه كان يقول هذه المقالة، كان يقول: الإيمان قول وعمل فإذا قال فقد عمل بلسانه قول رديء.
أخبرنا محمد بن علي قال: ثنا أبو بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله وقيل له شبابة أي شيء يقول فيه؟ فقال شبابة: كان يدعو إلى الإرجاء قال: وقد حكى عن شبابة قول أخبث من بهذه الأقاويل ما سمعت أحداً عن مثله قال: قال شبابة إذا قال فقد عمل. قال الإيمان قول وعمل كما يقولون: فإذا قال فقد عمل بجارحته أي بلسانه. فقد عمل بلسانه حين تكلم ثم قال أبو عبد الله: هذا قول خبيث ما سمعت أحداً يقول به ولا بلغني. الإرجاء شر بدعة، والمرجئة شر من الخوارج
المرجئة شر بدعة :
قال محمد بن الحسين الآجري – رحمه الله - في كتابه (الشريعة) :
1- حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا زهير بن محمد المروزي، قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري قال: " ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه " يعني الإرجاء.
2- حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، قال: حدثنا هشام ابن عمار الدمشقي، قال: حدثنا شهاب بن خراش، عن أبي حمزة التمار الأعور، قال: قلت لإبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال: " أوه، لفقوا قولاً ، فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياهم".
3- حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: حدثنا أبو عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل- قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثني سعيد بن صالح، عن حكيم بن جبير، قال: قال إبراهيم: " المرجئة أخوف عندي على الإسلام من عدتهم من الأزارقة ".
4- حدثنا ابن عبد الحميد، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن حذيفة قال: " إني لأعرف أهل دينين، أهل ذلك الدينين في النار، قوم يقولون: الإيمان كلام وإن زنى وقتل، وقوم يقولون: إن أولينا لضلال، ما بال خمس صلوات، وإنما هما صلاتان:أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل..
5- حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو عبدالله، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا أبو عمرو، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن حذيفة قال: "إني لأعلم أهل دينين، هذينك الدينين في النار، قوم يقولون: الإيمان كلام، وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس، وإنما هما صلاتان".
6- حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثني حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: " مثل المرجئة مثل الصابئين".
7- وحدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر، قال حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا أيوب، قال: قال لي سعيد بن جبير: ألم أرك مع طلق!؟ قال: قلت: بلى، فماله؟ قال : " لا تجالسه، فإنه مرجئ"، قال أيوب: "وما شاورته في ذلك، ويحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكره أن يأمره وينهاه".
قال وحدثنا أبو عبدالله، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: سمعت سفيان- وذكر المرجئة - فقال: " رأيٌ محدثٌ، أدركنا الناس على غيره ".
قال وحدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا أبو إسحاق- يعني: الفزاري- قال: قال الأوزاعي: " قد كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء".
قال وحدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن جعفر الأحمر، قال: قال منصور بن المعتمر في شيء: " لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة".
قال وحدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا حجاج، قال: سمعت شريكاً- وذكر المرجئة - فقال: " هم أخبث قوم، وحسبك بالرافضة خبثاً ، ولكن المرجئة يكذبون على الله تعالى".
8- حدثنا جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن المرجئ فقال: " من قال إن الإيمان قول".
قال عبدالله بن الإمام أحمد:
1- " حدثني أبي حدثنا معاوية بن عمرو، أن أبو اسحاق الفزاري قال: قال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء"
2- حدثني أبي حدثنا عبدالرحمن بن مهدي حدثنا جاد بن مسلم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: " مثل المرجئة مثل الصائبة ".

3- حدثني أبي نا مؤمل بن إسماعيل سمعت سفيان يقول: قال إبراهيم: "تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري" .
4- حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي سجاده أن محمد بن فضيل عن مسلم الملائي عن إبراهيم قال: " الخوارج أعذر عندي من المرجئة ".
5- حدثنا عبد الله بن سبار - من أهل مرو - قال سمعت يحيى بن سليم يقول : قال لي مالك بن أنس: الإيمان قول عمل .
وقال محمد بن مسلم الطائفي: " لا يصلح قول إلا بعمل "
وقال لي فضيل بن عياض: " لا يصلح قول إلا بعمل ".
6- وروى عبدالله بن أحمد بن حنبل بإسناده أيضاً عن سعيد بن جبير أنه قال : "المرجئة يهود القبلة " .
سفيان بن عيينة: " ترك الفرائض كفر"
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل : حدثني محمد بن علي بن الحسن أنبأنا إبراهيم بن الأشعث قال : سمعت الفضيل يقول: " أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل. وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل ".
* قال عبدالله : حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله (مصراً بقلبه على ترك الفرائض) وسموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود، أما آدم فنهاه الله عز وجل عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمداً ليكون ملكاً أو يكون من الخالدين فسمى عاصياً من غير كفر، وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمداً، فسمي كافراً، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم وأقروا به باللسان ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله عز وجل كفاراً، فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام وغيره من الأنبياء. وأما ترك الفرائض جحوداً فهو كفر مثل كفر إبليس لعنه الله ( وتركهم على معرفة من غير جحود ) فهو كفر مثل كفر علماء اليهود، والله أعلم.
نفي الإسلام عمن ترك العمل
تحقيق ابن رجب الحنبلي رحمه الله فيمن يترك العمل:
قال ابن رجب رحمه الله : " فصل - خرج البخاري : من حديث: عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، عن النبي قال: [بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان].
وهذا الحديث، دل على أن الإسلام مبني على خمسة أركان. وهذا يدل على أن البخاري يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان.
ومعنى قوله : [بني الإسلام على خمس] أن الإسلام مثله كبنيان، وهذه الخمس دعائم البنيان، وأركانه التي يثبت عليها البنيان.
وقد روي في لفظ: [ بني الإسلام على خمس دعائم ] (خرجه محمد بن نصر المروزي).
وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب، نقص البنيان ولم يسقط بفقده، وأما هذه الخمس فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها.
وكذلك إن زال منها الركن الأعظم، وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما، ولا يجتمع معهما.
وأما زوال الأربع البواقي، فاختلف العلماء:هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها، أم لا يزول بذلك؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها، فيزول بترك الصلاة دون غيرها؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة؟ وفي ذلك اختلاف مشهور.
وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد.
وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم، حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة.
وكذلك قال سفيان بن عيينة: " المرجئة سموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليسا سواء ً، لأن ركوب المحارم متعمداً من غير استحلال معصية، وترك الفراض من غير جهل ولا عذر هو كفر" .
وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس، وعلماء اليهود، والذين أقروا ببعث النبي بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه.
وروى عن عطاء ونافع مولى ابن عمر، أنهما سئلا عمن قال: الصلاة فريضة، ولا أصلى. فقالا: هو كافر.. وكذا قال الإمام أحمد.
ونقل حرب، عن إسحاق، قال: غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قوماً يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير جحود لها: إنا لا نكفره، يرجأ أمره إلى الله بعد، إذ هو مقر. فهؤلاء الذين لا شك فيهم. يعني: في أنهم مرجئة.
وظاهر هذا: أنه يكفر بترك هذه الفرائض.
وروى يعقوب الأشعري، عن ليث، عن سعيد بن جبير، قال: " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر، ومن أفطر يوماً من رمضان متعمداً فقد كفر، ومن ترك الحج متعمداً فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمداً فقد كفر" .
وروى عن الحكم بن عتيبة نحوه، وحكي رواية عن أحمد، اختارها أبو بكر من أصحابه ، وعن عبد الملك بن حبيب المالكي مثله، وهو قول أبي بكر الحميدي ، وروي عن ابن عباس: التكفير ببعض هذه الأركان دون بعض.
فروى مؤمل، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس - ولا أحسبه إلا رفعه - ، قال: " عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وصوم رمضان، من ترك منها واحدة فهو بها كافر حلال الدم، وتجده كثير المال لم يحج، فلا يزال بذلك كافراً، ولا يحل دمه، وتجده كثير المال لا يزكي، فلا يزال بذلك كافراً، ولا يحل دمه".
ورواه قتيبة، عن حماد بن زيد، فوقفه، واختصره، ولم يتمه.
ورواه سعيد بن زيد - أخو حماد - ، عن عمرو بن مالك - ورفعه، وقال: " من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر، ولا يقبل منه صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله" ولم يزد على ذلك.
والأظهر: وقفه على ابن عباس .. فقد جعل ابن عباس ترك هذه الأركان كفراً، لكن بعضها كفر يبيح الدم، وبعضها لا يبيحه .
وهذا يدل على أن الكفر، بعضه ينقل عن الملة، وبعضه لا ينقل.
وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر، دون غيرها من الأركان، كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي وغيره عنهم.
وممن قال بذلك: ابن المبارك وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم، كما سبق.
وقال أيوب: ترك الصلاة كفر، لا يختلف فيه.
وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. (خرجه الترمذي)
وقد روي عن علي وسعد وابن مسعود وغيرهم، قالوا: "من ترك الصلاة فقد كفر".
وقال عمر: " لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " .
وفي صحيح مسلم ، عن جابر، عن النبي ‌، قال: [بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ].
وخرج النسائي والترمذي وابن ماجه من حديث بردة، عن النبي ‌، قال: [ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر]. (وصححه الترمذي وغيره)
ومن خالف في ذلك جعل الكفر هنا غير ناقل عن الملة، كما في قوله تعالى:ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هن الكافرون .
فأما بقية خصال الإسلام والإيمان، قال يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وإنما خالف في ذلك الخوارج ونحوهم من أهل البدع.
قال حذيفة: " الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والحج سهم، ورمضان سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له ".. وروي مرفوعاً والموقوف أصح.
فسائر خصال الإسلام الزائدة على أركانه الخمس ودعائمه، إذا زال منها شيء نقص البنيان، ولم ينهدم أصل البنيان بذلك النقص.
وقد ضرب الله ورسوله مثل الإيمان والإسلام بالنخلة:
قال الله تعالى:ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها
فالكلمة الطيبة، هي: كلمة التوحيد، وهي أساس الإسلام، وهي جارية على لسان المؤمن. وثبوت أصلها، هو: ثبوت التصديق بها في قلب المؤمن.
وارتفاع فرعها في السماء، هو: علو هذه الكلمة وبسوقها، وأنها تخرق الحجب، ولا تتناهى دون العرش.
وإتيانها أكلها كل حين، هو: ما يرفع بسببها للمؤمن كل حين من القول الطيب والعمل الصالح، فهو ثمرتها.
وجعل النبي مثل المؤمن - أو المسلم - كمثل النخلة.
وقال طاوس: " مثل الإيمان كشجرة، أصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا وكذا، وثمارها الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع فيه.
ومعلوم أن ما دخل في مسمى الشجرة والنخلة من فروعها وأغصانها وورقها وثمرها، إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها، ولكن يقال: هي شجرة ناقصة، وغيرها أكمل منها، فإن قطع أصلها وسقطت لم تبق شجرة، وإنما تصير حطباً.
فكذلك الإيمان والإسلام، إذا زال منه بعض ما يدخل في مسماه - مع بقاء أركان بنيانه - لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلية، وإن كان قد سلب الاسم عنه، لنقصه، بخلاف ما انهدمت أركانه وبنيانه، فإنه يزول مسماه بالكلية. والله أعلم.
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:
من عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كإبليس وفرعون:
قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب : " ولنختم الكلام - إن شاء الله تعالى - بمسألة عظيمة مهمة جداً تفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلظ فيها فيقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما.
وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: هذا حق ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار.
ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى:اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً
فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه، أو لا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص لقوله تعالى:إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار
وهذه المسألة كبيرة طويلة تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة لأحد، وترى من يعمل به ظاهراً لا باطناً فإذا سألته عما يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله:
أولاهما: قوله تعالى:لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر، أو يعمل به خوفاً من نقص مال، أو جاه، أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله تعالى:من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان ، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة ، أو مشحة بأهله أو وطنه أو عشيرته أو ماله ، أو فعل على وجه المزح ، أو لغير ذلك من الأغراض ، إلا المكره . فالآية تدل على هذا من وجهين :
الأول : قوله تعالى :إلا من أكره فلم يستثني الله تعالى إلا المكره ، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل ، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها .
والثاني : قوله تعالى :ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فصرح بأن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر ، وإنما سببه أن له في ذلك حظ من حظوظ الدنيا فآثره على الدين .
الردة تكون بالقول والفعل
تعريف الردة وأنواعها:
قال صاحب كفاية الأخيار أبو بكر بن محمد: الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره ومنه قوله تعالى:ولا ترتدوا على أدباركم. وفي الشرع: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام.وتحصل تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بالاعتقاد وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة فيه مسائل لا تكاد تحصر فنذكر كل نبذة ما يعرف بها غيره.
أما القول: فكما إذا قال شخص عن عدوه: لو كان ربي ما عبدته فإنه يكفر. وكذا لو قال لو كان نبياً ما آمنت به، أو قال عن والده أو زوجته هو أحب إلي من الله أو من رسوله، وكذا لو قال مريض بعدما شفي: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه فإنه يكفر.وذهب طائفة من العلماء: إلى أنه يتحتم قتله لأنه يتضمن قوله نسبة الله تعالى إلى الجور..
وكذا لو ادعى: أنه أوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو ادعى أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها وأنه يعانق الحور العين فهو كفر بالإجماع، ومثل هذا وأشباهه كما يقوله: زنادقة المتصوفة قاتلهم الله ما أجهلهم وأكفرهم وأبلم من اعتقدهم، ولو سب نبياً من الأنبياء أو استخف به فإنه يكفر بالإجماع..
وأما الكفر بالفعل: كالسجود للصنم والشمس والقمر وإلقاء المصحف في القاذورات والسحر الذي فيه عبادة الشمس وكذا الذبح للأصنام والسخرية باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعيده أو قراءة القرآن على ضرب الدف..
ولو فعل فعلاً أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان مصرحاً بالإسلام مع فعله كالسجود مع فعله كالسجود للصليب، أو المشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها فإنه يكفر..
وأما الكفر بالاعتقاد فكثيرة جداً فمن اعتقد: قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو اعتقد نفي ما هو ثابت لله تعالى بالإجماع أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان والاتصال والانفصال كان كافراً..
والرضى بالكفر كفر، والعزم على الكفر كفر في الحال، وكذا لو تردد هل يكفر كفر في الحال، وكذا تعليق الكفر بأمر مستقبل كفر في الحال..
إذا عرفت هذا فمن تثبت ردته فهو مهدور الدم لأنه أتي بأفحش أنواع الكفر وأغلظها حكماً. قال الله تعالى:ومن يرتدد منكم عن دينه. إلى قوله:خالدون وهل تستحب توبته أو تجب قولان: أحدهما تستحب لقوله عليه السلام: [ من بدل دينه فاقتلوه]
والصحيح أنها تجب.. لأن الغالب في الردة أن تكون عن شبهة عرضت فلم يجز القتل قبل كشفها، والإستتابة منها كأهل الحرب فإنا لا نقتلهم إلا بعد بلوغ الدعوة وإظهار المعجزة . أ هـ
قول شيخ الاسلام ابن تيمية بكفر تارك الصلاة كفراً ينقل عن ملة الإسلام :
قال شيخ الاسلام رحمه الله : " ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئاً من هذه الفرائض الأربع بعد الإقرار بوجوبها، فأما " الشهادتان " إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها، وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة: كجهم، والصالحي وأتباعهما، إلى أنه إذا كان مصدقاً بقلبه كان كافراً في الظاهر دون الباطن، وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام لم يقله أحد من الأئمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر، بل وغيره، وأن وجوب الإيمان الباطن تصديقاً وحباً، وانقياداً بدون الإقرار الظاهر ممتنع.
أما " الفرائض الأربع" فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك، وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر. وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون، وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل.
أما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئاً من هذه الأركان الأربعة ففي التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد:
أحدها : أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر.
والثاني : أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجود، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابن بطة وغيره.
والثالث: لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد.
والرابع: يكفر بتركها، وترك الزكاة فقط.
والخامس: بتركها، وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج. وهذه المسألة لها طرفان.
أحدها : في إثبات الكفر الظاهر.
والثاني: في اثبات الكفر الباطن.
فأما " الطرف الثاني" فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه، بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله:يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما، في الحديث الطويل، حديث التجلي " أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة، سجد له المؤمنون وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، مثل الطبق لا يستطيع السجود، فإذا كان هذا حال من سجد رياء فكيف حال من لم يسجد قط ؟
وثبت أيضاً في الصحيح : أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكله فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله.
وكذلك ثبت في الصحيح : أن النبي صلى الله وسلم يعرف أمته يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء ، فدل ذلك على أن من لم يكن غراً محجلاً لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكون من أمته.
وقوله تعالى:كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون. ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. ويل يومئذ للمكذبين، وقوله تعالى:فما لهم لا يؤمنون ؟ "وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون. وكذلك قوله تعالى:فلا صدق ولا صلى. ولكن كذب وتولى. وكذلك قوله تعالى:ما سلككم في سقر ؟ قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين فوصفه بترك الصلاة، كما وصفه بترك التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي، و" المتولي" هو العاصي الممتنع من الطاعة. كما قال تعالى:ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً . وان تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً.
وكذلك وصف أهل مقر بأنهم لم يكونوا من المصلين، وكذلك قرن التكذيب بالتولي في قوله:أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ؟ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى؟ ألم يعلم بأن الله يرى؟ كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة.
وأيضاً في القرآن علق الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة، وأيضاً فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر] . وفي المسند : [من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة].
وأيضاً فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر عنهم بها فيقال: اختلف أهل الصلاة، واختلف أهل القبلة، والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: " مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين " وفي الصحيح " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له مالنا، وعليه ما علينا" وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة.
وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جواباً لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التى يحتج بها المرجئة كقوله" من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.. أدخله الله الجنة " ونحو ذلك من النصوص.
وأجود ما اعتمدوا عليه قوله صلى الله عليه وسلم " خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة. فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه. وإن شاء ادخله الجنة ". قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة. والكافر لا يكون تحت المشيئة ولا دلالة في هذا، فإن الوعد بالمحافظة عليها، والمحافظة فعلها في أوقاتها كما أمر، كما قال تعالى:حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها وعلى غيرها من الصلوات.
وقد قال تعالى:فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً فقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها، فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفاراً. وكذلك قوله:فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون
ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت وإتمام أفعالها المفروضة، كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً ] فجعل هذه صلاة المنافقين لكونه أخرها عن الوقت ونقرها.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر، وقالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: [ ما صلوا ] وثبت عنه أنه قال: [ سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة] فنهى عن قتالهم إذا صلوا وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها.
وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي صلى الله عليه وسلم، إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو تناول ذلك قتلوا كفاراً مرتدين لا ريب، ولا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه، مقراً بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزماً لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع، حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمناً في الباطن قط لا يكون إلا كافراً، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها.
كان هذا القول مع هذه الحال كذبا منه كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء، ويقول أشهد أنه رسول الله ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول.
فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقبل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قبل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه.
وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ويترك بعضها، كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق. كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: [ أربع من كن فيه كان منافقا خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر].
وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيراً من الناس، بل أكثرهم، في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة بل يصلون أحياناً، ويدعون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجرى عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحصن - كابن أبي وأمثاله من المنافقين - فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى.
وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة: فإن كثيراً من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث، ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل، من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر.
وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ببيان نفاقه - كابن أبي وأمثاله - ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم، حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته.
ولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واعتزلوا جماعة المسلمين قال لهم: إن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد، ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم قاتلهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: [يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فان في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ].
فكانت الحرورية قد ثبت قتالهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، واتفاق أصحابه ولم يكن قتالهم قتال فتنة كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين في المسلمين، بل قد ثبت عن النبى صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أنه قال للحسن ابنه: [ أن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين] وقال في الحديث الصحيح: [ تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أدني الطائفتين إلى الحق] ، فدل بهذا على أن ما فعله الحسن من ترك القتال أمراً واجباً أو مستحباً لم يمدحه النبي على ترك واجب أو مستحب ودل الحديث الآخر على أن الذين قاتلوا الخوارج أمر به النبي ليس قتالهم كالقتال في الجمل وصفين الذي ليس فيه أمر من النبي.
و (المقصود) أن علي بن أبي طالب وغيره من أصحابه لم يحكموا بكفرهم ولا قاتلوهم حتى بدؤوهم بالقتال. والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكى عنه في ذلك " قولان " كمالك الشافعي وأحمد وغيرهم وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع، وفي تخلديهم، حتى التزم تخليدهم كل من يعتقد أنه لا يطلق كفر أحد من أهل الأهواء، وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد.
والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفراً كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر، والزنا وتأول. فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطىء في تلك لا يحكم بكفره، إلا بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر - ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح. في الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين" وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع.
فإن قيل: فالله قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيتين من القرآن فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن مجاهدته.
قيل ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق، لابد أن يظهر موجبه في القول والعمل، كما قال بعض السلف: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وقد قال تعالى في حق المنافقين:ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفهم في لحن القول. فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه، بلا حجة ظاهرة، ولهذا كان النبي يعلم من المنافقين، من عرفه الله بهم، وكانوا يحلفون له وهم كاذبون، وكان يقبل علانيتهم، وبكل سرائرهم إلى الله.
وأساس النفاق الذي بني عليه وأن المنافق لابد أن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى:ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون. وقال:والله يشهد إن المنافقين لكاذبون . وأمثال هذا كثير. وقال تعالى:إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون وقال:ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب - إلى قوله - أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.
و" بالجملة" فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر " نوعان ": كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين.
وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجباً ظاهراً، ولا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة و يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد.
ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له، أو جزءاً منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئاً خطئاً بيناً، وهذه بدعة الإرجاء، التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها.
ترك العمل كفر :
نقل شيخ الإسلام في كتابه الإيمان كلاماً لأبي طالب المكي يقول فيه:
قال: وقد قال قائلون: إن الإيمان هو الإسلام ، وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات، وهذا يقرب من مذهب المرجئة، وقال آخرون: إن الإسلام غير الإيمان وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير، وهذا قريب من قول الإباضية، فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل، فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد، كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر، فهما كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة فقال في تحقيق ذلك:فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه (الأنبياء :94)
وقال في تحقيق الإيمان بالعمل:ومن يؤته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ( طه: 75 ) فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقاً ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب، ولا يعمل بأحكام الإيمان، وشرائع الإسلام، فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد، ومن كان مؤمناً بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملاً بما أمر الله فهو مؤمن مسلم، ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلماً، ولجاز أن المسلم لا يسمى مؤمناً بالله.
وقد أجمع أهل القبلة أن كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن بالله وملائكته وكتبه قال: ومثل الإيمان في الأعمال كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له، ولا ذو قلب بغير جسم، فهما شيئان منفردان، وهما في الحكم والمعنى منفصلان، ومثلهما أيضاً مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة. لا يقال: حبتان: لتفاوت صفتهما، فكذلك أعمال الإسلام من الإسلام هو ظاهر الإيمان ، وهو من أعمال الجوارح، والإيمان باطن الإسلام، وهو من أعمال القلوب.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ الإسلام علانية، والإيمان في القلب]، وفي لفظ: [ [الإيمان سر] فالإسلام أعمال الإيمان، والإيمان عقود الإسلام، فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقد، ومثل ذلك مثل العلم الظاهر والباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح، ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إنما الأعمال بالنيات ] أي: لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن [إنما] تحقيق للشيء ونفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات، وعمل القلوب من النيات، فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف، واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان، ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله:ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين (البلد: 8،9) بمعنى ألم نجعله ناظراً متكلماً، فعبر عن الكلام باللسان والشفتين، لأنهما مكان له، وذكر الشفتين لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا بهما.
ومثل الإيمان والإسلام أيضاً كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر وأطناب، وله عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام، له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط والعمود الذي في وسط الفسطاط، مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط إليها، إذ لا قوام له ولا قوة إلا بها، كذلك الإسلام في أعمال الجوارح لا قوام له إلا بالإيمان، والإيمان من أعمال القلوب، لا نفع له إلا بالإسلام، وهو صالح الأعمال.
وأيضاً فإن الله قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحداً، فلولا أنهما كشيء واحد في الحكم والمعنى ما كان ضدهما واحداً فقال:كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم (آل عمران: 86) وقال:أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (آل عمران: 80) فجعل ضدهما الكفر.
قال: على مثل هذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام من صنف واحد، فقال في حديث ابن عمر: [ بني الإسلام على خمس ] ، وقال في حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس أنهم سألوه عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف، فدل بذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه.
قال: فأما تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل بين الإيمان والإسلام، فإن ذلك تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني التي وصفناها أن تكون علانية، لا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان في المعني باختلاف تضاد، ليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم، قال: ويجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن، فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه، وما ذكره من العلانية وصف جسمه.
قال: " وأيضاً فإن الأمة مجتمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام أنه لا يسمى مؤمناً،وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام، ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلماً، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة".
قلت : أي شيخ الإسلام رحمه الله : " كأنه أراد بذلك إجماع الصحابة ومن اتبعهم ، أو أنه لا يُسَمَّى مؤمناً في الأحكام ، وأنه لا يكون مسلماً إذا أنكر بعض هذه الأركان ، وأو علم أن الرسول أخبر بها ، ولم يصدقه، أو أنه لم يرى خلاف أهل الأهواء خلافاً . وإلا فأبو طالب كان عارفاً بأقوالهم . وهذا والله أعلم مراده " .

تحقيق الإمام ابن القيم - رحمه الله - مسألة كفر تارك الصلاة.
قال رحمه الله: " وأما ( المسألة الثالثة ) وهو أنه هل يقتل حداً كما يقتل المحارب والزاني أم يقتل كما يقتل المرتد والزنديق؟ هذا فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد
(إحداهما) يقتل كما يقتل المرتد. وهذا قول سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي عمرو الأوزاعي، وأيوب السختياني، وعبدالله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وعبد الملك بن حبيب من المالكية وأحد الوجهين في مذهب الشافعي، وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه، وحكاه أبو محمد ابن حزم عن عمـر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة.
و(الثانية) : يقتل حداً لا كفراً وهو قول مالك والشافعي واختار أبو عبد الله ابن بطة هذه الرواية.
ونحن نذكر حجج الفريقين:
قال الذين لا يكفرونه بتركها: قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه، فلا نخرجه عنه إلا بيقين، قالوا: وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل] (أخرجاه في الصحيحين) .
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ومعاذ رديفه على الرحل: [يا معاذ ] قال: لبيك يا رسول الله وسعديك (ثلاثاً) قال: [ ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه الله على النار] . قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا ؟ قال: [ إذا يتكلوا ] فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً. (متفق على صحته).
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه] (رواه البخاري).
وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية من القرآن يرددها حتى صلاة الغداة وقال: [ دعوت لأمتي، وأجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم تركوا الصلاة] فقال أبو ذر: أفلا أبشر الناس؟ قال: [بلى] فانطلق، فقال عمر: إنك إن تبعث إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة. فناداه أن ارجع، فرجع والآيةإن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (المائدة : 118) . (رواه الإمام أحمد في مسنده).
وفي المسند أيضاً من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله عز وجلإنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة (المائدة:72) ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه: من صوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة].
وفي المسند أيضاً عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له] .
وفي المسند أيضاً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : [ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك] (رواه أهل السنن وقال الترمذي هذا حديث حسن).
قالوا: وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: [من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة]. وفي لفظ آخر [ من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة].
وفي الصحيح قصة عتبان بن مالك وفيها [ إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله] .
وفي حديث الشفاعة [يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي، لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله] . وفيه [ فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط].
وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر، ثم تخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فترجح سيئاته، ولم يذكر في البطاقة غير الشهادة، لو كان فيها غيرها لقال: ثم تخرج صحائف حسناته فتوزن سيئاته. ويكفينا في هذا قوله [ فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط] ولو كان كافراً لكان مخلداً في النار غير خارج منها.
وهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد. وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر. قالوا: ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد جحد ما جاء به الرسول. وهذا يقر بالوحدانية شاهداً أن محمداً رسول الله مؤمناً بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره؟ والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل ، فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد؟
قال المكفرون: الذين رويت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم من الصحابة تكفير تارك الصلاة بأعيانهم.
قال أبو محمد بن حزم: وقد جاء عن عمر وعبدالرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد. قالوا: ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة، وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.
أما الكتاب فقد قال تعالى:أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون* أم لكم كتاب فيه تدرسون* إن لكم فيه لما تخيرون* أم لكم إيمان بالغة يوم القيامة إلى قولهيوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون* خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (القلم: 35،43).
فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين، وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه. ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين فقال:يوم يكشف عن ساق وأنهم يدعون إلى السجود لربهم تبارك وتعالى فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين في دار الدنيا. وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كميامن البقر، ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين.
الدليل الثاني: قوله تعالىكل نفس بما كسبت رهينة، إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين. ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين. حتى أتانا اليقين (المدثر: 38)
فلا يخلوا إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين أو مجموعها، فإن كان كل واحد منها مستقلاً بذلك فالدلالة ظاهرة، وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم، وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة، إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقل بها. ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطاً في العقوبة على التكذيب بيوم الدين، بل هو وحده كاف في العقوبة. فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك ، إذ لا يمكن قائلاً أن يقول لا يعذب إلا من جمع هذه الصفات الأربعة، فإذا كان كل واحد منها موجباً للإجرام - وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين - كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر.
وقد قال:إن المجرمين في ضلال وسعر، يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر وقال تعالى:إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (المطففين: 29) فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين.
الدليل الثالث: قوله تعالى:وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ( النور: 56)
فوجه الدلالة أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور، فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة، والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها.
الدليل الرابع: قوله تعالىفويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون (الماعون:4) وقد اختلف السلف في معنى السهو عنها. فقال سعد بن أبي وقاص ومسروق بن الأجدع وغيرهما: هو تركها حتى يخرج وقتها، وروى في ذلك حديث مرفوع، قال محمد بن نصر المروزي: حدثنا عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنالذين هم عن صلاتهم ساهون قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.
وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال قلت لأبي: يا أبتاه أرأيت قول اللهالذين هم عن صلاتهم ساهون أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث نفسه؟ قال: إنه ليس ذاك، ولكنه إضاعة الوقت. وقال حيوة بن شريح: أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قولهالذين هم عن صلاتهم ساهون، قال : هو تاركها، ثم سأله عنالماعون، قال: منع المال من حقه.
إذا عرف هذا فالوعيد بالويل اطرد في القرآن للكفار كقولهوويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هو كافرون (يوسف:37) وقولهويل لكل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها- إلى قوله -ولهم عذاب مهين (الجاثية:7) وقولهوويل للكافرين من عذاب شديد (إبراهيم:2) إلا في موضعين وهماويل للمطففين ( المطففين:1) وويل لكل همزة لمزة (الهمزة:1) فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز، وهذا لا يكفر به بمجرده، فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقاً بويل الكفار أو بويل الفساق، فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين:
أحدهما: أنه قد صح عن سعد ابن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال: لو تركوها لكانوا كفاراً ولكن ضيعوا وقتها.
الثاني: ما سنذكره من الأدلة على كفره.
يوضحه الدليل الخامس وهو : قوله سبحانهفخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً (مريم:59) ، قال شعبة بن الحجاج حدثنا أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله - هو ابن مسعود - في هذه الآية قال: هو نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر.
قال محمد بن نصر: حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبار حدثني شرقي بن القطامي قال حدثني لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة الباهلي فقلت حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ‌، فقال: سمعت من رسول الله يقول: [ لو أن صخرة زنة عشرة عشروات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام] قلت: وما غي وأثام؟ قال [بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل جهنم]. فهذا الذي ذكره الله في كتابهفسوف يلقون غيا وآثاما.
قال محمد بن نصر: حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبدالله بن المبارك أخبرنا هشيم بن بشير قال أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفاً من حجر يهوى - أو قال صخرة تهوى - عظمها كعشر عشراوات عظام سمان. فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، غي وأثام . وقال أيوب بن بشير عن شفى بن ماتع قال: إن في جهنم وادياً يسمى غياً يسيل دماً وقيحاً فهو لمن خلق له، قال تعالى :فسوف يلقون غيا فوجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات، ولو كان مع العصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار، ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو أسفلها، فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار. ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالىفسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فلو كان مضيع الصلاة مؤمناً لم يشترط في توبته الإيمان وأنه يكون تحصلاً للحاصل.
الدليل السادس: قوله تعالىفإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ( التوبة:11) فعلق أخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة، فإذا لم يفعلوا لي يكونوا إخوة فلا يكونون مؤمنين لقوله تعالىإنما المؤمنين إخوة (الحجرات:10).
الدليل السابع: قوله تعالىفلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى(القيامة:31) فلما كان الإسلام تصديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضدين: عدم التصديق، وعدم الصلاة. وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال :ولكن كذب وتولى فكما أن المكذب كافر ، فالمتولي عن الصلاة كافر، فكما يزول الإسلام بالتكذيب يزول بالتولي عن الصلاة. قال سعيد عن قتادةلا صدق ولا صلى، لا صدق بكتاب الله، ولا صلى لله، ولكن كذب وتولى كذب بآيات الله، وتولى عن طاعتهأولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى وعيد على أثر وعيد.
الدليل الثامن: قوله تعالىيا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (المنافقون:9) قال ابن جريج سمعت عطاء ابن أبي رباح يقول: هي الصلاة المكتوبة ووجه الاستدلال بالآية أن الله حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة، والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار، فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح، يوضحه أنه سبحانه وتعالى أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد:
(أحدهما) إتيانه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه، دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.
(الثاني) تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم، فإنك إذا قلت زيد العالم الصالح أفاد ذلك إثبات كما ذلك له، بخلاف قولك عالم صالح.
(الثالث) إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين، وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالىوأولئك هم المفلحون ( البقرة:5) وقوله تعالىوالكافرون هم الظالمون ( البقرة: 254) وقولهأولئك هم المفلحون حقا ( النساء : 151) ونظائره.
(الرابع) إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين: قوة الإسناد واختصاص المسند إليه كقولهوإن الله لهو الغني الحميد (الحج:64) وقوله والله هو السميع العليم ( المائدة:76) وقولهإن الله لهو الغفور الرحيمونظائر ذلك .
الدليل التاسع: قوله سبحانهإنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا الله خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (السجدة:15) ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمن إذا ذكروا بآيات الله لم يخروا سجداً مسبحين بحمد ربهم، ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة، فمن ذكر بها ولم يصل لم يؤمن بها لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه فلم يؤمن بقوله تعالىوأقيموا الصلاة( البقرة: 43) إلا من التزم إقامتها.
الدليل العاشر: قوله تعالىوإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين (المرسلات:48) ذكر هذا بعد قولهكلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون (المرسلات:46) ثم توعدهم على ترك الركوع وهو الصلاة إذا دعوا إليها، ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب، فإنه سبحانه وتعالى إنما أخبر عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد، على أنا نقول: لا يصر على ترك الصلاة إصراراً مستمراً من يصدق بأن الله أمر بها أصلاً، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقاً تصديقاً جازماً أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مصر على تركها: هذا من المستحيل قطعاً، فال يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبداً، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها، وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد والجنة والنار وأن الله فرض عليه الصلاة وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفى على من جعل الإيمان مجرد التصديق وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية، ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيماناً لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمداً رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين، وقد قال تعالى:فإنهم لا يكذبونكأي يعتقدون أنك صادقولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (الأنعام:33) والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق، قال تعالىوجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً (النمل:14) وقال موسى لفرعونلقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر (الإسراء:102)، وقال تعالى عن اليهوديعرفون كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون(البقرة:146).
وأبلغ من هذا قول النفرين اليهودين لما جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا: نشهد أنك نبي، فقال:[ما يمنعكما من اتباعي] ؟ قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقراراً مطابقاً لمعتقدهم أنه نبي، ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان، لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره، ومن هذا كفر أبي طالب فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك في الإسلام، فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما اعتقاد الصدق، والثاني محبة القلب وانقياده ولهذا قال تعالى لإبراهيم :يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا وإبراهيم كان معتقداً لصدق رؤياه من حين رآها فإن رؤيا الأنبياء وحي، وإنما جعله مصدقاً لها بعد أن فعل ما أمر به وكذلك قوله‌: [ والفرج يصدق ذلك أو يكذبه] فجعل التصديق عمل الفرج ما يتمنى القلب، والتكذيب تركه لذلك وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل. وقال الحسن : ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.
وقد روى هذا مرفوعاً ، والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة. الوعد على فعلها والوعيد على تركها. وبالله التوفيق.
فصل
وأما الاستدلال بالسنة على ذلك فمن وجوه:
الدليل الأول: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة] (رواه أهل السنن وصححه الترمذي).
الدليل الثاني: ما رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر] (رواه الإمام أحمد وأهل السنن). وقال الترمذي حديث صحيح إسناده على شرط مسلم.
الدليل الثالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : [ بين العبد وبين الكفر والإيمان : الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك] (رواه هبة الله الطبري وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم).
الدليل الرابع: ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: [ من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف ] (رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه) وإنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة. وفيه نكتة بديعة وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته، فمن شغله عنها رياسة وزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.
الدليل الخامس: ما رواه عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [ لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تتركوا الصلاة عمداً. فمن تركها عمداً متعمداً فقد خرج من الملة]. (رواه عبد الرحمن ابن أبي حاتم في سننه).
الدليل السادس: ما رواه معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله] (رواه الإمام أحمد) . ولو كان باقياً على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام.
الدليل السابع: ما رواه أبو الدرداء قال أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا أترك الصلاة متعمداً، فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة. (رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه).
الدليل الثامن : ما رواه معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة] وهو حديث صحيح مختصر. ووجه الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة، فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة، وقد احتج أحمد بهذا بعينه.
الدليل التاسع: في الصحيحين والسنن والمسانيد من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله :[ بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، وحج البيت ، وصوم رمضان ] (رواه الإمام أحمد). وفي بعض ألفاظه [ الإسلام خمس ] فذكره . ووجه الاستدلال به من وجوه.
أحدهما: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قبة الإسلام.
الثاني: أنه جعل هذه الأركان في ركونها أركاناً لقبة الإسلام قرينة الشهادتين، فهما ركن والصلاة ركن والزكاة ركن، فما بال قبة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها.
الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام وداخلة في مسمى اسمه. وما كان اسماً لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى، ولا سيما إذا كان من أركانه لا من أجزائه التي ليست بركن له، كالحائط للبيت فإنه إذا سقط سقط البيت بخلاف العمود والخشبة واللبنة ونحوها.
الدليل العاشر: قول رسول الله: [من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا].
ووجه الدلالة فيه من وجهيه:
أحدهما: أنه إما جعله مسلماً بهذه الثلاثة فلا يكون مسلماً بدونها.
الثاني: أنه إذا صلى إلى الشرق لم يكن مسلماً حتى يصلى إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية.
الدليل الحادي عشر: ما رواه الدارمي عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدثنا يحيى بن حسان حدثنا سليمان بن قرم عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن جابــر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مفتاح الجنة الصلاة] وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة، وهي تفتح لكل مسلم فليس تاركها مسلماً. ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر وهو قوله [مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله] فإن الشهادة أصل المفتاح والصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها إذ دخول الجنة موقوف على المفتاح وأسنانه.
وقال البخاري: وقيل لوهب بن منبه أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.
الدليل الثاني عشر: ما رواه محجن بن الأدرع الأسلمي أنه كان في مجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم فأذن بالصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له:[ ما منعك أن تصلي، ألست برجل مسلم]؟ قال: بلى، ولكن صليت في أهلي فقال له: [ إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت] (رواه الإمام أحمد والنسائي).
فجعل الفارق بين المسلم والكافر والصلاة ، وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث أنك لو كنت مسلماً لصليت، وهذا كما تقول: ما لك لا تتكلم، ألست بناطق؟ وما لك لا تتحرك، ألست بحي ؟ ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي: ألست برجل مسلم؟
فصل
وأما إجماع الصحابة فقال ابن زنجويه: حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبدالله بن عتبة أن عبدالله بن عباس أخبره أنه جاء عمر بن الخطاب حين طعن في المسجد قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلنـاه بيته قال: فأمر عبدالرحمن بن عوف أن يصلي بالناس، قال: فلما دخلنا على عمر بيته غشى عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أصفر، ثم أفاق فقال: هل صلى الناس؟ قال فقلنا: نعم فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. وفي سياق آخر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى وذكر القصة فقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه، وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة، ولا يعلم عن صحابي خلافهم. وقال الحافظ عبد الحق الأشبيلي رحمه الله في كتابه في الصلاة: ذهب جملة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمداً لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبدالله بن مسعود وابن عباس وجابر وأبو الدرداء .
وكذلك روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هؤلاء من الصحابة. ومن غيرهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبدالله بن المبارك وإبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب.
قال المانعون من التكفير: يجب حمل هده الأحاديث وما شاكلها على كفر النعمة دون كفر الجحود فقوله : [من تعلم الرمي ثم تركه فهي نعمة قد كفرها] وقوله: [لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ] ، وقوله: [تبرؤه من نسب وإن دق كفر بعد إيمان] وقوله: [سباب المسلم فسوق وقتاله كفر]،: وقوله: [ من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد]، وقوله: [ من خلف بغير الله فقد كفر] رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ، وقوله: [ ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة عن الميت] ونظائر ذلك كثيرة.
قالوا: وقد نفي النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتسب. ولم يوجب زوال هذا الاسم عنهم كفر الجحود والخلود في النار، فكذلك كفر تارك الصلاة ليس بكفر جحود ولا يوجب التخليد في الجحيم وقد قال النبي: [لا إيمان لمن لا أمانة له] فنفى عنه الإيمان ، ولا يوجب ترك أداء الأمانة أن يكون كافراً كفراً ينقل عن الملة وقد قال ابن عباس في قوله تعالىومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (المائدة:44) ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. وقد قال طاووس: سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال : هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال أيضاً: كفر لا ينقل عن الملة . وقال سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.
فصل في الحكم بين الفريقين، وفصل الخطاب بين الطائفتين :
معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصح النفي والإثبات بعد ذلك . فالكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر.
ولما كان الإيمان أصلاً له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان. وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً: منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب.
وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر. والحياء شعبة من الإيمان. وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر. والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، وتركها شعبة من شعب الكفر. والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر. والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية. وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية، وفعلية. ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبة الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان.وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختياراً وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف. فهذا أصل.
وهاهنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل.
والقول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام.
والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة. وإذا زال عمل القلب مع اعتقاده الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة. فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده، كما لم تنفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن به، وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوماً لقدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح ،إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان.فإن الإيمان ليس مجرد التصديق - كما تقدم بيانه - وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزم لاتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقاً فليس هو التصديق المستلزم للإيمان. فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته.
فصل
وهاهنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل ، وكفر جحود وعناد. فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه. وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم الاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعاً، ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه: الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ‌، ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يسمى الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ويسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة كافراً ولا يطلق عليهما اسم كافر، وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله: [ لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض] فهذا كفر عمل، وكذلك قوله : [ من أتى كاهناً فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد] وقوله: [ إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما]، وقد سمى الله سبحانه وتعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمناً بما عمل به وكافراً بما ترك العمل به، فقال تعالى :وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون، ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم، أفتأمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (البقرة: 84).
فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم. ثم أخبر أنهم عصوا أمره وقبل فريق منهم فريقاً وأخرجوهم من ديارهم. فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه. فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: [سباب المسلم فسوق وقتاله كفر] ففرق بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به والآخر كفراً، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما ، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم. فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان. فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا. وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم. قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس فيقوله تعالىمن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (المائدة:44) ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه.
وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قولهومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال: هو بهم كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة.
وقال وكيع عن سفيان عن بن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه، فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافراً. وسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافراً. وليس الكافران على حد سواء.
وسمى الكافر ظالماً كما في قوله تعالىوالكافرون هم الظالمون (البقرة:254)
وسمي متعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً فقال:ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ( الطلاق:1)
وقال نبيه يونس:لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (الأنبياء:87)
وقال صفيه آدمربنا ظلمنا أنفسنا (الأعراف: 23)
وقال كليمه موسىرب أني ظلمت نفسي فاغفر لي (القصص:16) وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم.
وسمى الكافر فاسقاً كما في قولهوما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه (البقرة:26)
وقوله:ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (البقرة:99) وهذا كثير في القرآن ويسمى المؤمن فاسقاً كما في قوله تعالىيا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (الحجرات:6) نزلت في الحكم ابن أبى العاص وليس الفاسق كالفاسق، وقال تعالىوالذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون (النور:4)
وقال عن إبليسففسق عن أمر ربه (الكهف:45) وقالفمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ( البقرة:197) وليس الفسوق كالفسوق، والكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان، وكذا الجهل جهلان: جهل كفر كما في قوله تعالىخذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين ( الأعراف:99) وجهل غير كفر كقوله تعالىإنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب (النساء:17).
كذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة وهو الشرك الأصغر وهو شرك العمل كالرياء. وقال تعالى في الشرك الأكبر:إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار (المائدة:72) وقالومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ( الحج:31). وفي شرك الرياءفمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً (الكهف:110) ومن هذا الشرك الأصغر صلى الله عليه وسلم: [من حلف بغير الله فقد أشرك] (رواه أبو داود وغيره).
ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه من الملة ولا يوجب له حكم الكفار. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل].
فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما لا ينقل عنها.
وكذا النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد، نفاق عمل..
فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار.
ونفاق العمل: كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: [ آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان] وفي الصحيح أيضاً [أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، إذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان] فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، لكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً.
وكلام الإمام أحمد يدل على هذا ، فإن إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال: سألت أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم، هل يكون مصراً من كانت هذه حاله؟ قال : هو مصر مثل قوله: [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن] يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام. ونحو قوله: [لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن]، ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى:ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (المائدة:44) قال إسماعيل: فقلت له ما هذا الكفر؟ قال: كفر لا ينقل عن الملة. مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر. حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه.
فصل
وها هنا أصل أخر، وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان ، وهذا من أعظم أصول أهل السنة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل، وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة قال تعالى:وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (يوسف:106) فأثبت لهم إيماناً به سبحانه مع الشرك، وقال تعالى:قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم (الحجرات:14)
فأثبت لهم إسلاماً وطاعة لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم، وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه:الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله (الحجرات:15) وهؤلاء ليسوا منافقين في أصح القولين، بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله، وليسوا مؤمنين وإن كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفار.
قال الإمام أحمد : من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن - يريد الزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاب - فهو مسلم، ولا أسميه مؤمناً. ومن أتى دون ذلك - يريد دون الكبائر - سميته مؤمناً ناقص الإيمان، فقد دل عل هذا قوله صلى الله عليه وسلم [ فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق] فدل على أنه يجتمع في الرجل نفاق وإسلام. وكذلك الرياء شرك، فإذا راءى الرجل في شيء من عمله اجتمع فيه الشرك والإسلام، وإذا حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفراً وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام وقد بينا أن المعاصي كلها شعب من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها شعب من شعب الإيمان . فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان، وقد يسمي تلك الشعبة مؤمناً، وقد لا يسمى. كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافراً، وقد لا يطلق عليه هذا الاسم. فها هنا أمران: أمر اسمي لفظي، وأمر معنوي حكمي. فالمعنوي هل هذه الخصلة كفراً أم لا ؟ واللفظي هل يسمى م قامت به كافراً أم لا ؟ فالأمر الأول شرعي محض، والثاني لغوي وشرعي.
فصل
وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، وإن كان ما قام به إيماناً. ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافراً، وإن كان ما قام به كفراً. كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالماً ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقيهاً أو طبيباً، ولا يمنع ذلك أن تسمى شعبة الإيمان إيماناً، وشعبة النفاق نفاقاً، وشعبة الكفر كفراً. وقد يطلق عليه الفعل كقوله[ فمن تركها فقد كفر]، و [ من حلف بغير الله فقد كفر] (رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ)، فمن صدر منه خلة من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق، وكذا يقال لمن ارتكب محرماً إنه فعل فسوقاً إنه فسق بذلك المحرم، ولا يلزمه اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه. وهكذا الزاني والسارق والشارب والمنتهب لا يسمى مؤمناً وإن كان معه إيمان، كما أنه لا يسمى كافراً إن كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه . إذ المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلماً ولا مؤمناً وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام والإيمان نعم، يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان بالله ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ‌، ولا تنفع الصلاة من صلاها عمداً بغير وضوء. فشعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه، وقد لا يكون كذلك.
فيبقى النظر في الصلاة هل هي شرط لصحة الإيمان؟ هذا سر المسألة.
والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة، فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها وإن أتى بها صورة. وقد أشار إلى هذا في قوله: [فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع]، وفي قوله[ إن أول ما ينظر في أعماله الصلاة فإن جازت له نظر في سائر أعماله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد]. ومن العجب أن يقع الشك في الكفر من أصر على تركها ودعا إلى فعلها على رؤوس الملأ - وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل وعصبت عيناه - وقيل له : تصلي وإلا قتلناك، فيقول : اقتلوني ولا أصلي أبداً.
ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمن مسلم يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان. إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، فلا يستحي من هذا قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة، والله الموفق.
فصل في سياق أقوال العلماء من التابعين ومن بعدهم – في كفر تارك الصلاة، ومن حكى الإجماع على ذلك :
قال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. وحكى محمد عن بن المبارك قال: من أخر صلاة حتى يفوت وقتها متعمداً من غير عذر فقد كفر وقال على بن الحسن بن شقيق سمعت عبد الله بن المبارك يقول: من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من الحمار. وقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك إن هؤلاء يقولون: من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان. فقال عبد الله: لا نقول نحن كما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمداً من غير علة حتى أدخل وقتاً في وقت فهو كافر.
وقال ابن أبي شيبة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [من ترك الصلاة فقد كفر] فيقال له ارجع عن الكفر، فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام.
قال أحمد بن سيار: سمعت صدقة بن الفضل - وسئل عن تارك الصلاة - فقال: كافر.
فقال له السائل: أتبين منه أمراته؟ فقال صدقة: وأين الكفر من الطلاق، لو أن رجلاً كفر ولم تطلق من امرأته.
قال أبو عبد الله بن نصر: سمعت إسحاق يقول : قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة كافر.
وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.
فصل
وأما [ المسألة الرابعة] وهو قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصلاة أم لا ؟ فقد عرف جوابها مما تقدم. وإنا نفرد هذه المسألة بالكلام عليها بخصوصيتها فنقول: أما تركها بالكلية فإنه لا يقبل معه عمل كما لا يقبل مع الشرك عمل، فإن الصلاة عمود الإسلام - كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم - وسائر الشرائع كالأطناب والأوتاد ونحوها، وإذا لم يكن للفسطاط عمود لم ينتفع بشيء من أجزائه، فقبول سائر الأعمال موقوف على قبول الصلاة، فإذا ردت عليه سائر الأعمال، وقد تقدم الدليل على ذلك.
وأما تركها أحياناً فقد روى البخاري في صحيحه من حديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ بكروا بصلاة العصر، فإن من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله].
وقد تكلم قوم في معنى هذا الحديث فأتوا بما لا حاصل له، قال المهلب: معناه من تركها مضيعاً لها، متهاوناً بفضل وقتها مع قدرته على أدائها، حبط عمله في الصلاة خاصة، أي لا يحصل له أجر المصلى في وقتها، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة.
وحاصل هذا القول أن من تركها فإنه أخرها. ولفظ الحديث ومعناه يأبى ذلك، ولا يفيد حبوط عمل قد ثبت وفعل، وهذا حقيقة الحبوط في اللغة والشرع، ولا يقال لمن فاته ثواب عمل من الأعمال أنه قد حبط عمله، وإما يقال فاته أجر ذلك العمل، وقالت طائفة: يحبط عمل ذلك لا جميع عمله، فكأنهم استصعبوا حبوط الأعمال الماضية كلها بترك صلاة واحدة، وتركها عندهم ليس بردة تحبط الأعمال، فهذا الذي استشكله هؤلاء هو وارد عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك اليوم. والذي يظهر في الحديث - والله أعلم بمراد رسوله - أن الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبداً فهذا يحبط العمل جميعه، وترك معين في يوم معين فهذا يحبط عمل ذلك اليوم، فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين.
فإن قيل: كيف تحبط الأعمال بغير ردة؟ قيل: نعم، قد دل القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات كما أن الحسنات يذهبن السيئات. قال تعالىيا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى (البقرة:264) ، وقاليا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (الحجرات:2) .
وقالت عائشة لأم زيد بن أرقم: أخبري زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب - لما باع بالعينة - وقد نص الأمام أحمد على هذا فقال: ينبغي للعبد في هذا الزمان أن يستدين ويتزوج لئلا ينظر ما لا يحل فيحبط عمله.
وآيات الموازنة في القرآن تدل على هذا ، فكما أن السيئة تذهب بالحسنة أكبر منها، فالحسنة يحبط أجرها بسيئة أكبر منها.
فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصلوات؟ قيل: الحديث لم ينف الحبوط بغير العصر إلا بمفهوم لقب، وهو مفهوم ضعيف جداً. وتخصيص العصر بالذكر لشرفها من بين الصلوات، ولذا كانت هي الصلاة الوسطى بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح، ولهذا خصها بالذكر في الحديث الآخر وهو قوله: [الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله] أي فكأنما سلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال، وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها كأنه شبه أعماله الصالحة – بانتفاعه وتمتعه بها – بمنزلة أهله وماله فرجع وقد اجتيح الأهل والمال فبقى وتراً دونهم، وموتوراً بفقدهم، فلو بقيت عليه أعماله الصالحة لم يكن التمثيل مطابقاً.
فصل
والحبوط نوعان: عام ، وخاص. فالعام حبوط الحسنات كلها بالردة، والسيئات كلها بالتوبة. والخاص حبوط السيئات والحسنات بعضها ببعض، وهذا حبوط مقيد جزئي، وقد تقدم دلالة القرآن والسنة والآثار وأقوال الأئمة عليه. ولما كان الكفر والإيمان كل منهما يبطل الآخر ويذهبه كانت شعبة واحدة منهما لها تأثير في إذهاب بعض شعب الأخر، فإن عظمت الشعبة ذهبت في مقابلتها شعب كثيرة.
وتأمل قول أم المؤمنين في مستحل العينة: إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قويت هذه الشعبة التي أذن الله فاعلها بحربه وحرب رسوله على إبطال محاربة الكفار، فأبطل الحراب المكروه الحراب المحبوب كما تبطل محاربة أعدائه التي يحبها، محاربة التي يبغضها. والله المستعان.
تعريف الردة وأنها تكون بالقول والفعل والاعتقاد والشك :
س: يقال إن الردة قد تكون فعلية أو قولية فالرجاء أن تبينوا لي باختصار واضح أنواع الردة الفعلية والقولية والاعتقادية؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه... وبعد:
ج: الردة هي الكفر بعد الإسلام وتكون بالقول والفعل والاعتقاد والشك، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو بعض كتبه أو رسله أو سب الله أو رسوله أو جحد شيئاً من المحرمات المجمع على تحريمها أو استحله أو جحد وجوب ركن من أركان الإسلام الخمسة أو شك في وجوب ذلك أو في صدق محمد أو غيره من الأنبياء أو شك في البعض أو سجد لصنم أو كوكب ونحوه فقد كفر وارتد عن دين الإسلام. وعليك بقراءة أبواب حكم الردة من كتب الفقه الإسلامي فقد اعتنوا به رحمهم الله. وبهذا تعلم من الأمثلة السابقة الردة القولية والعملية والاعتقادية وصورة الردة في الشك "
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حول تارك العمل وحقيقة الكفر:
بسم الله الرحمن الرحيم
فتوي رقم ( 21436 ) وتاريخ 8/4/1421هـ.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتى العام من عدد من المستفتين المقيدة استفتاآتهم بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (5411) وتاريخ 7/11/1420هـ. ورقم (1026) وتاريخ 17/2/1421هـ . ورقم (1016) وتاريخ 7/2/1421هـ. ورقم (1395) وتاريخ 8/3/1421. ورقم (1650) وتاريخ 17/3/1421هـ. ورقم (1893) وتاريخ 25/3/1421هـ. ورقم (2106) وتاريخ 7/4/1421هـ. ورقم (1893) وتاريخ 25/3/1421هـ. ورقم (2106) وتاريخ 7/4/1421هـ. وقد سأل المستفتون أسئلة كثيرة مضمونها: (ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الإرجاء بشكل مخيف وانبرى لترويجها عدد كثير من الكتاب يعتمدون على نقولات مبتورة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مما سبب ارتباكاً عند كثير من الناس في مسمى الإيمان حيث يحاول هؤلاء الذين ينشرون هذه الفكرة أن يخرجوا العمل عن مسمى الإيمان ويرون نجاة من ترك جميع الأعمال وذلك مما يسهل على الناس الوقوع في المنكرات وأمور الشرك وأمور الردة إذا علموا أن الإيمان متحقق لهم ولو لم يؤدوا الواجبات ويتجنبوا المحرمات ولو لم يعملوا بشرائع الدين بناء على هذا المذهب، ولا شك أن هذا المذهب له خطورته علي المجتمعات الإسلامية وأمور العقيدة والعبادة، فالرجاء من سماحتكم بيان حقيقة هذا المذهب وآثاره السيئة وبيان الحق المبني على الكتاب والسنة، وتحقق النقل عن شيخ الإسلام حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه، وفقكم الله وسدد خطاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
هذه المقالة المذكورة هي مقالة المرجئة الذين يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان ويقولون الإيمان هو التصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب والنطق باللسان فقط، وأما الأعمال فإنها عندهم شرط كمال فيه فقط وليست منه، فمن صدق بقلبه ونطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم ولو فعل ما فعل من ترك الواجبات وفعل المحرمات ويستحق دخول الجنة ولو لم يعمل خيراً قط أن هذا قول باطل وضلال مبين مخالف للكتاب والسنة وما عليه أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا وأن هذا يفتح بابا لأهل الشر والفساد للانحلال من الدين وعدم التقيد بالأوامر والنواهي والخوف والخشية من الله سبحانه . ويعطل جانب الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويسوى بين الصالح والطالح والمطيع والعاصي والمستقيم على دين الله والفاسق المتحلل من أوامر الدين ونواهيه، ما دام أن أعمالهم هذه لا تخل بالإيمان كما يقولون، ولذلك اهتم أئمة الإسلام قديما وحديثا ببيان بطلان هذا المذهب والرد على أصحابه وجعلوا لهذه المسألة بابا خاصا في كتب العقائد، بل ألفوا فيها مؤلفات مستقلة كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره .
قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: " ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل. قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ".
وقال في كتاب الإيمان: " ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وكل هذا صحيح، وقال رحمه الله: والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس في التصديق ولا في الحب ولا في الخشية ولا في العلم، بل يتقاضون من وجوه كثيرة، وقال رحمه الله: وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة وهذه طريقة أهل البدع ". انتهى.
ومن الأدلة على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان وعلى زيادة ونقصان بها، قوله تعالى:إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون* الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* أولئك هم المؤمنون حقا، وقوله تعالى:قد أفلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون* والذين هم عن اللغوي معرضون* والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون* والذين هم على صلواتهم يحافظون.
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : [ الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان].
قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الإيمان أيضاً: " وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض له، وقال أيضا: بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً.
ويعلم أن لو قدر أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج ولا نصدق الحديث ولا نؤدي الأمانة ولا نفي بالعهد ولا نصل الرحم ولا نفعل شيئا من الخير الذي أمرت به،ونشرب الخمر وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضا ونقاتلك أيضا ونقاتلك مع أعدائك، هل كان يتوهم عاقل أن النبي يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان، وأنتم أهل شفاعتي يوم القيامة ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك" . انتهى
وقال أيضا: " فلفظ الإيمان إذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما يراد بلفظ البر وبلفظ التقوى وبلفظ الدين كما تقدم، فإن النبي بين أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان، وكذلك لفظ البر يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق وكذلك لفظ التقوى، وكذلك الدين أو دين الإسلام، وكذلك روى أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الآية:ليس البر أن تولوا وجوهكمالآية، إلى أن قال: والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه العمل، لا على إيمان خال عن عمل، فهذا كلام شيخ الإسلام في الإيمان، ومن نقل عنه غير ذلك فهو كاذب عليه.
وأما ما جاء في الحديث أن قوما يدخلون الجنة لم يعملوا خير قط فليس هو عاما لكل من ترك العمل وهو يقدر عليه، وإنما هو خاص بأولئك لعذر منعهم من العمل أو لغير ذلك من المعاني التي تلائم النصوص المحكمة وما أجمع عليه السلف الصالح في هذا الباب.
هذا واللجنة الدائمة إذ تبين ذلك فإنها تنهى وتحذر من الجدال في أصول العقيدة لما يترتب على ذلك من المحاذير العظيمة وتوصي بالرجوع في ذلك إلى كتب السلف الصالح وأئمة الدين المبنية على الكتاب والسنة وأقوال السلف وتحذر من الرجوع إلى الكتب المخالفة لذلك وإلى الكتب الحديث الصادرة عن أناس متعالمين لم يأخذوا العلم عن أهله ومصادره الأصلية، وقد اقتحموا القول في هذا الأصل العظيم من أصول الاعتقاد وتبنوا مذهب المرجئة ونسبوه ظلماً إلى أهل السنة والجماعة ولبسوا بذلك على الناس، وعززوه عدواناً بالنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى - وغيره من أئمة السلف بالمنقول المبتورة، وبمتشابه القول وعدم رده إلى المحكم من كلامهم، وإنا ننصحهم أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يعودوا إلى رشدهم ولا يصدعوا الصف بهذا المذهب الضال، واللجنة أيضاً تحذر المسلمين من الاغترار والوقوع في شراك المخالفين لما عليه جماعة المسلمين أهل السنة والجماعة.. وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
قال الشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان وقد سئل عمن قال : من صدق بقلبه ونطق بالشهادتين ولو مرة واحدة لا يزيد عليها فهو مسلم ناج من الخلود في النار وأن تولى عن الانقياد إلى آخره أنه قول باطل مصادم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وهو قول المرجئة الضلال فقال : بسم الله الرحمن الرحيم .. قول القائل من صدق بقلبه ونطق بالشهادتين ولو مرة واحدة لا يزيد عليها فهو مسلم ناج من الخلود في النار وأن تولى عن الانقياد إلى آخره أنه قول باطل مصادم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وهو قول المرجئة الضلال .
فإن من الضروريات دينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان والعمل وأن من تولى عن العمل فإنه يعتبر غير متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجزاء وتؤمن بالقدر خيره وشره ومتى حصل للعبد هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الاستسلام لله بالطاعة من الشهادتين والصلاة وأداء الزكاة وصوم رمضان والحج لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله والانقياد له مع الحب والخضوع فمن الممتنع أن يكون العبد قد حصل له الإيمان في القلب والحب والانقياد في الباطن ولا يحصل له ذلك في الظاهر كالجوارح مع القدرة عليه كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة ولا يحصل له المراد بفرض أن هناك إيمان مع تخلف العمل فرض ممتنع وبهذا يتبين أن من يؤمن بقلبه إيماناً جازماً امتنع أن لا ينطق بالشهادتين ولا يعمل ما وجب عليه الشرع مع قدرته علي ذلك فعدم العمل مستلزم لانتفاء الإيمان القلبي وبهذا يتبين خطأ المرجئة الجهمية ونحوها في زعمهم بأن مجرد الإيمان القلبي ينفع بدون أعمال الجوارح فإن هذا ممتنع حصوله فلا يمكن أن يوجد إيمان القلب الجازم إلا ويوجد معه العمل الظاهر وبهذا علق الرسول صلى الله عليه وسلم من ترك قتال الناس بالعمل كما قال: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة] .
كما قرن التولي مع التكذيب فإن التولي هو ترك العمل وضد ذلك قرن العمل الصالح مع الإيمان لأنه يستلزمه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله فإنه يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات ".
وقال: [كفر أحمد ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان وهو أن الإيمان معرفة القلب وتصديقه.
وقال: " وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر وأما الصلاة والزكاة والصوم والحج فاختلفوا في تكفير تاركها ونحن إذا قلنا أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب مرتكب المعاصى كالزنا وشرب الخمر وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور"
وقال: " فالإيمان في القلب لا يكون إيماناً بمجرد تصديق ليس له عمل القلب وموجبه من محبة الرسول له ونحو ذلك " .
يعني أنه لابد من العمل مع الإيمان وقد دل على هذا القرآن في مواضع كثيرة جداً كقوله جلا وعلا:والعصر* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فأقسم بالحق والصبر عليه.
وقال جلا وعلا:لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. بين أن من لم يؤمن ويعمل صالح فهو في أسفل سافلين وأسفل سافلين هو جهنم .
والأدلة على ذلك من كتاب الله جلا وعلا كثيرة جداً كقوله جلا وعلا:إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون فنفي الإيمان عن غير هؤلاء فمن كان إذا ذكر بالقرآن لا يفعل ما فرض الله عليه من السجود ولم يكن من المؤمنين.
فالإيمان في القلب لا يكون إيماناً بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك ".
اسم الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية من التصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال لوازمه وموجباته ودلائله.
وتارة يطلق على ما في القلب والبدن جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلاً في مسماه، وبهذا تبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلاماً وإنها تدخل في مسمى الإيمان.
وبهذا يتبين أنه إذا وجد في القلب إيمان امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين ولا يعمل مع القدرة على ذلك مقدم العمل دليل على عدم الإيمان وانتفائه.
ويمتنع أن يحب الإنسان آخر حباً جازماً ثم لا يحصل منه حركة ظاهرة لوصلة فمن الخطأ أن يظن أن الإيمان إذا وجد في القلب يتخلف عنه العمل.
قال شيخ الإسلام : " منشأ الغلط في هذا المواضع من وجوه: أحدها ( ظنهم) أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجبات الإيمان.
الثاني: ظنهم أن ما في القلوب لا يتفاضل الناس فيه.
الثالث: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان المقبول يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه.
الرابع: ظنهم أن ليس في القلب إلا التصديق وأن ليس الظاهر إلا عمل الجوارح، والصواب أن القلب له عمل مع التصديق والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر وكلاهما مستلزم للباطن " .
نرجو أن الله ييسر وأن يكتب عن الموضوع بتوسع وبيان نفع والله الموفق.
سب الدين كفر أكبر وردةى عن الإسلام
قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله- : " سب الدين كفر أكبر وردة عن الإسلام والعياذ بالله، إذا سب المسلم دينه أو سب الإسلام، أو تنقص الإسلام وعابه أو استهزأ به فهذه ردة عن الإسلام، قال الله تعالى:قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، وقد أجمع العلماء قاطبة على أن المسلم متى سب الدين أو تنقصه أو سب الرسول أو انتقصه أو استهزأ به، فإنه يكون مرتدا كافراً حلال الدم والمال، يستتاب فإن تاب وإلا قتل .
ومن ذلك استشهاده بكلام القرطبي وابن العربي والقاضي عياض موافقاً إياهم بقوله:
* قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير هذه الآية ما نصه: قال القاضي أبو بكر بن العربي: " لا يخلو أن يكون ما قالوه في ذلك - جداً أو هزلاً - وهو كيف ما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة " انتهى المقصود.
وقال القاضي عياض بن موسى - رحمه الله - في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى (ص325) ما نصه : " واعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما أو جحده أو حرفاً منه أو آية، أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه: من حكم، أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك،أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى:وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. انتهي المقصود.
وفي مجلة الفرقان سئل الشيخ عن الكفر العملي المخرج من الملة فقال: " الذبح لغير الله، والسجود لغير الله، كفر عملي مخرج من الملة، وهكذا لو صلى لغير الله أو سجد لغيره سبحانه، فإنه يكفر كفرا عملياً أكبر – والعياذ بالله – وهكذا إذا سب الدين، أو سب الرسول، أو استهزأ بالله ورسوله، فإن ذلك كفر عملي أكبر عند جميع أهل السنة والجماعة".
بيان الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في حقيقة الكفر والإيمان :
جاء في ( المنتقى):
* فضيلة الشيخ صالح الفوزان وفقه الله لما يحبه ويرضاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،
فقد كثر الكلام في الآونة الأخيرة بين طلبة العلم حول مسألة مهمة تتعلق بأصل الدين، وسأذكر بعض الأقوال التي أرجو من الشيخ أن يبين هل هي موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة، أم أن فيها شيئاً من الخلل:
1- قول بعض الناس: " إن عقيدة أهل السنة والجماعة أن العمل شرط في كمال الإيمان وليس شرطاً في صحة الإيمان" ، مع أنه من المعلوم شرط في كمال الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، وأنه لا إيمان إلا بعمل كما صرح بذلك بعض أئمة السلف.
2- قول بعض الناس: " إن الكفر المخرج من الملة هو الكفر الاعتقادي فقط، أما العمل فلا يخرج من الملة إلا إذا كان يدل على اعتقاد كالسجود لصنم مثلاً، فإنه يعتبر كفراً لأنه يدل على عقيدة في الباطن لا لمجرد السقوط فقط، ومثله سب الله أو الاستهزاء بالدين أو نحو ذلك .. فلا يكفر الإنسان بعمل مهما كان" .
أرجو من الشيخ - وفقه الله - أن يتفضل ببيان ما في هاتين المقالتين من الحق أو الباطل؟ سائلاً الله تعالى أن يوفقه للصواب، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الجواب:
1- القول الأول: هو قول مرجئة أهل السنة وهو خطأ، والصواب أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان فهو اعتقاد وقول وعمل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا قول جمهور أهل السنة لأن الله سمى الأعمال إيماناً كما في قوله تعالى:إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً الآيتين، وقال النبي : [ الإيمان بضع وسبعون شعبة ] الحديث .
2- هذا الكلام في الغالب وهناك أعمال تخرج من الملة كترك الصلاة تكاسلاً وكالسحر تعلمه وتعليمه، ومن نطق بكلمة الكفر مختاراً، وكل عمل لابد أن يصاحبه قصد، فلا يعتد بعمل الناسي النائم والصغير والمجنون والمكره لعدم القصد، هذا وأنصح لهؤلاء أن يتعلموا قبل أن يتكلموا لأن الكلام في مثل هذه المسائل خطير، ويحتاج إلى علم.
وقال أيضاً إجابة على سؤال:
وما فعلته فيما ذكرته في السؤال من أنك ذهبت وغيرت من مسمى الديانة إلى ديانة غير الإسلام لتحصل على عمل، فهذا شيء خطير، ويعتبر ردة عن دين الإسلام، لأنك فعلت هذا، وتظاهرت بغير دين الإسلام، وانتسبت إلى غير دين الإسلام، والمسلم لا يجوز له ذلك ، ويجب عليه أن يتمسك بدينه، وأن يعتز بدينه، وأن لا يتنازل عنه لطمع من أطماع الدنيا، فالله سبحانه وتعالى لم يستثن في أن يتلفظ الإنسان بشيء من ألفاظ الكفر، إلا في حالة الإكراه الملجئ، كما في قوله تعالى:من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا علي الآخرة.
فأنت تظاهرت بغير دين الإسلام وانتسبت لغير دين الإسلام لأجل الدنيا وطمع الدنيا، لم تصل إلى حد الإكراه الذي تعذر به، فالواجب عليك التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، والمبادرة إلى تغيير هذا الانتساب، والمبادرة إلى كتابة الديانة الإسلامية في ورقة عملك، مع التوبة إلى الله سبحانه وتعالى ، والندم على ما فات، والعزم على أن لا تعود لمثل هذا الشيء، لعل الله أن يتوب علينا وعليك " .
وقال -حفظه الله- في (الإرشاد): " ففي هاتين الآيتين الكريمتين مع بيان سبب نزولهما دليل واضح على كفر من استهزأ بالله، لأن من فعل ذلك فهو مستخف بالربوبية والرسالة وذلك مناف للتوحيد والعقيدة، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء، ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم أو الوقيعة فيهم من أجل العلم الذي يحملونه، وكون ذلك كفر ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء، لأن هؤلاء الذين نزلت فيهم الآيات جاءوا معترفين بما صدر منهم ومعتذرين بقولهم:إنما كنا نخوض ونلعب أي لم نقصد الاستهزاء والتكذيب وإنما قصدنا اللعب، واللعب ضد الجد فأخبرهم الله على لسان رسوله أن عذرهم هذا لا يغني من الله شيئاً، وأنهم كفروا بعد إيمانهم هذه المقالة التي استهزءوا بها، ولم يقبل اعتذارهم بأنهم لم يكونوا جادين في قولهم، وإنما قصدوا اللعب ولم يزد في إجابتهم على تلاوة قول الله تعالى:أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ، لأن هذا لا يدخله المزح واللعب، وإنما الواجب أن تحترم هذه الأشياء وتعظم، وليخشع عند آيات الله إيماناً بالله ورسوله وتعظيماً لآياته، والخائض اللاعب منتقص لها…
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل إنما كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدراً بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام، والقرآن بين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه " .
وقال أيضاً: " .. وأما الكفر فهو الامتناع من الدخول في الإسلام أو الخروج منه واختيار دين غير دين الله أما تكبراً وعناداً، وإما حمية لدين الآباء والأجداد وإما طمعاً في عرض عاجل من مال أو جاه أو منصب .. ويكون الكفر بالعمل كالذبح لغير الله والسجود لغير الله وعمل السحر وتعلمه وتعليمه كما قال تعالى:قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ،يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون فمن صرف شيئاً من هذه الأعمال لغير الله فإنه يكون مشركاً كافراً يعامل معاملة الكفار إلا أن يتوب إلى الله، وقال في السحر:وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر إلى غير ذلك من أنواع الكفر الذي يكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقاد والشك والتردد كما قال تعالى:ودخل جنته .. الآية، فلا يكون الكفر بالتكذيب فقط، ثم إنه قد يكون الكافر كافراً أصلياً لم يدخل في الإسلام أصلاً، وقد يكون كافراً كفر ردة إذا دخل في الإسلام ثم ارتكب ناقضاً من نواقضه التي هي من أنواع الكفر، سواء كان جاداً أو هازلاً أو قاصداً الطمع من مطامع الدنيا من الحصول على مال أو جاه أو من صب إلا من فعل شيئاً من ذلك أو قاله مكرهاً بقصد دفع الإكراه مع بقاء قلبه على الإيمان كما قال تعالى:من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدر فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدى القوم الكافرين * أولئك الذين طبق الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون * لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون".
وقال – حفظه الله - في شرحه لـ (كشف الشبهات ): " فالحاصل أن الذي يتكلم بكلمة الكفر لا يخلو من أربع حالات: الحالة الأولى: أن يكون معتقداً ذلك بقلبه فهذا لا شك في كفره.
الحالة الثانية: أن لا يكون معتقداً بذلك بقلبه ولم يكره على ذلك، ولكن فعله من أجل طمع الدنيا أو مداراة الناس وموافقتهم، فهذا كافر بنص الآية:ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وكذلك في فعل الكفر والشرك موافقة أهله وهو لا يحبه ولا يعتقده بقلبه وإنما فعله شحاً ببلده أو ماله أو عشيرته.
الحالة الثالثة: أن يفعل ذلك مازحاً ولاعباً كما حصل من النفر المذكورين.
الحالة الرابعة: أن يقول ذلك مكرهاً لا مختاراً وقلبه مطمئن بالإيمان فهذا مرخص له في ذلك دفعاً للإكراه، وأما الأحوال الثلاثة الماضية فإن صاحبها يكفر كما صرحت به الآيات، وفي هذا رد على من يقول إن الإنسان لا يحكم عليه بالكفر ولو قال كلمة الكفر أو فعل أفعال الكفر حتى يعلم ما في قلبه، وهذا قول باطل مخالف للنصوص" .
من أقوال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في أن الكفر يكون بالاعتقاد والقول والفعل والشك والترك
قال في (درء الفتنة): " .. وأن الكفر يكون بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالشك وبالترك، وليس محصوراً بالتكذيب بالقلب كما تقوله المرجئة، ولا يلزم من زوال بعض الإيمان زوال كله كما تقوله الخوارج " .
وقال: " للحكم بالردة والكفر موجبات وأسباب هي نواقض الإيمان والإسلام، من اعتقاد، أو قول ، أو فعل، أو شك ، أو ترك، مما قام على اعتباره ناقضاً الدليل الواضح، والبرهان الساطع من الكتاب أو السنة أو الإجماع " .
وقال بعد أن ضرب أمثلة لكفر الأقوال والأعمال: " فكل هؤلاء قد كفرهم الله ورسوله بعد إيمانهم بأقوال وأعمال صدرت منهم ولو لم يعتقدوها بقلوبهم، لا كما تقول المرجئة المنحرفون، نعوذ بالله من ذلك ".

خلاصة البحث

الإيمان -عند أهل السنة والجماعة- حقيقة مركبة من عناصر ثلاث: اعتقاد القلب، وشهادة اللسان، وعمل الجوارح، فإذا تخلف عنصر منها بطل الإيمان، فمن شهد بلسانه ألاّ إله إلاّ الله ولم يؤمن بها قلبه فهو كافر منافق وإن صلى وصام وجاهد وحج . وإن أقر بقلبه بالشهادتين ولم يشهد بلسانه من غير عذر فهو كافر وإن عمل بعض أعمال الإسلام كما كان شأن أبي طالب عم رسول الله  فقد قام مع الرسول ونصره، وكان يعتقد صدقه ولكنه امتنع عن الشهادة ظاهراً خوفاً أن يعير بترك دين الآباء فمات على الكفر من أجل ذلك .
ومن شهد بلسانه وأقر قلبه ولكنه تولى عن عمل الإسلام كله اختياراً فلم يصل، ولم يصم، ولم يزك، ولم يحج فهو كافر كذلك كفراً يخلده في النار ...
وهذا الأخير هو الذي تدور المعركة عليه بين أهل السنة والجماعة وبين المرجئة القائلين بأنه مؤمن كامل الإيمان، وإن ترك العمل، أو مؤمن عنده أصل الإيمان، كما يقوله من يسمونهم بمرجئة الفقهاء .
قال محمد بن الحسين الآجري -رحمه الله-: " اعلموا -رحمنا الله تعالى وإياكم-: أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق القلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح .
ثم اعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق، إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزئ المعرفة بالقلب، ونطق اللسان، حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث خصال: كان مؤمناً " .
وقال أيضاً: اعلموا -رحمنا الله تعالى وإياكم- يا أهل القران، ويا أهل العلم، ويا أهل السنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله عز وجل في الدين، بعلم الحلال والحرام- أنكم إن تدبرتم القرآن، كما أمركم الله عز وجل علمتم أن الله عز وجل أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله: العمل، وأنه عز وجل لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي الله عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة، والنجاة من النار، إلا بالإيمان والعمل الصالح، وقرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده، حتى ضمَّ إليه العمل الصالح، الذي وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقاً بقلبه، وناطقاً لسانه، وعاملاً بجوارحه لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه، وجده كما ذكرت .
واعلموا -رحمنا الله تعالى وإياكم- أني قد تصفحت القرآن فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعاً من كتاب الله عز وجل: أن الله تبارك وتعالى لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح، وهذا رد على من قال: " الإيمان: المعرفة " ورد على من قال: " المعرفة والقول، وإن لم يعمل " نعوذ بالله من قائل هذا " .
* وأما الكفر فهو -عند أهل السنة والجماعة- يكون بالاعتقاد، والقول والفعل والترك، فمن اعتقد عقيدة باطلة كمن ادعى أن لله نداً، أو ولداً، أو شريكاً في الملك، أو شريكاً في الألوهية، أو نفى عن الله ما أثبته لنفسه ...فهو كافر، ومن قال كلمة الكفر اختياراً من غير اضطرار، أو سبَّ الله، أو سبَّ رسوله، أو سبَّ دينه، أو استهزأ بالله، أو رسوله، أو دينه ولو لم يعتقد هذا بقلبه فهو كافر، ومن فعل فعلاً حكم الله بكفر فاعله كفراً ينقل عن الملة -فعله اختياراً من غير اضطرار- فهو كافر، ومن ترك العمل كله، أو الصلاة على وجه الخصوص فلم يصل لله ركعة فهو كافر ...
وقد خالف في هذا المرجئة فقالوا: لا يكون كفر إلا بالتكذيب والجحود، وأما بالعمل فلا يكفر أحد بأي عمل ما دام أنه لا يعتقده بقلبه .
وقد قام أهل السنة والجماعة منذ ظهرت هذه البدعة ( بدعة الإرجاء ) في العهد الأموي فكفروا القائلين بها، وشنعوا عليهم في كل مكان وحذروا من بدعتهم، فقال الإمام الزهري -رحمه الله-: " ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه -يعني الإرجاء- . وقال ابراهيم النخعي: " المرجئة أخوف عندي على الإسلام من عدتهم من الأزارقة " وقال أيضاً: " الخوارج عندي أعذر من المرجئة " .
وقال يحي بن معين وقتادة: " ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء " . وقال شريك: " هم أخبث قوم " .
وأبطل أهل السنة والجماعة بدعة الإرجاء، وردوها، بنصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة . وكذلك بالأدلة العقلية التي لا يمكن جحدها ولا ردها .
فأما الكتاب فإنه وصف الإيمان لم يكتبه الله إلا لمن شهد بلسانه واعتقد بقلبه وعمل بجوارحه . كقوله سبحانه وتعالى:إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أؤلئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم .
وقوله تعالى:إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أؤلئك هم الصادقون .
وقوله تعالى:آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .
ونفى الله سبحانه الإيمان عمن شهد بلسانه ولم يؤمن قلبه . قال جل وعلا:يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أؤلئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم .
وقوله تعالى:ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون .
ونفى الإيمان عن تارك العمل في آيات كثيرة: كما قال تعالى:يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون . والحوالة: هي جعل حاجز بين القلب والإيمان عند التولي .
وقرن الله دائما بين الإيمان والعمل الصالح، وجعل هذا شرطاً للنجاة . وجعل سبحانه من لا يكسب في إيمانه خيراً كالكافر في عدم قبوله توبته عند ظهور آياته قال تعالى:يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنا منتظرون .
واستدلوا من القرآن على أن الكفر يقع بالعمل ولو لم يكن معه اعتقاد بقوله تعالى:لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم . وبقوله تعالى:من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين .
وأما السنة فاستدلوا بالأحاديث المستفيضة التي تثبت أن الإيمان شهادة واعتقاد وعمل، كقوله : " الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " .
وقوله صلى الله عليه وسلم: [بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة] .
وفسروا ما جاء في السنة من الأحاديث مما قد يدل بظاهره أن الجنة يدخلها من قال لا إله إلا الله بلسانه مصدقاً بها في قلبه فقط، بأن من يقول لا إله إلا خالصاً من قلبه، لا بد وأن يكون عاملاً بها . ولا يتصور أن يكون مؤمن يقول لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ويمتنع عن عمل الإيمان كله - الذي فرضه الله- بغير عذر .
وما جاء فيها يوهم أن من جاء يوم القيامة وليس معه إلا شهادة ألا إله إلا الله، أنها لا تضره ذنوبه وإن كان له سبعون سجلاً من الذنوب كل سجل مد بصره، أن مغفرة ذنب عبد من العباد راجع إلى الله سبحانه وتعالى، وقد أخبر جل وعلا أنه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دونه لمن يشاء، وله الحكمة فيما يفعل سبحانه وتعالى وهو العزيز الحكيم .
واستدلوا على كفر من عمل مكفراً بالأحاديث الكثيرة التي جاء فيها أن النبي  حكم بالكفر والردة على من عمل مكفراً كقتله من تزوج امرأة أبيه، وتخميس ماله..الخ
وأما الإجماع، فقد أجمع الصحابة على كفر تارك الصلاة كفراً ينقل عن ملة الإسلام وأجمعوا على قتال ما نعي الزكاة، وقاتلوهم قتال المرتدين الكفار فغنموا أموالهم ونساءهم، وأجمعوا أن تارك العمل كله كافر، وأن الإيمان قول واعتقاد وعمل.
ولما كانت الصلاة هي أشرف أعمال الإسلام بعد الشهادتين فقد خصصناها في هذا البحث بمزيد من العناية بالنقل المستفيض عن أهل العلم مما يدل على كفر تاركها كفراً ناقلاً عن الملة كما أجمع الصحابة  على ذلك، فنقلنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بكماله في كفر تارك الصلاة كفراً ينقل عن ملة الإسلام، وكذلك تحقيق العلامة ابن القيم ونقله لأقوال أهل العلم في هذه المسألة وترجيحه بالدليل الدامغ على كفر تارك الصلاة كفراً ناقلاً عن الملة، وكذلك تحقيق الشيخ الجليل محمد الصالح العثيمين لهذا الأمر، وترجيحه كفر تارك الصلاة وقد نقلنا هذه الأقوال بتمامها لأهمية الصلاة، وأنها الفرقان بين أهل الإسلام، وأهل النفاق، والجحود والكفران .
ولما كان كثير من المعاصرين ممن وقعوا في هذه البدعة الشنيعة (بدعة الإرجاء) ينسب الوقوع في هذه البدعة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإننا نقلنا بالنقل المستفيض من كتبه بما لا يدع مجالاً للشك أنه كان من أشد الناس رداً لهذه البدعة، وبياناً لضلال أهلها، وأنه نص على كفر تارك العمل كقوله: " من الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والحج، ويعيش وهو لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي زكاة، ولا يحج إلى بيته فهذا ممتنع ولا يصدر هذا إلا مع نفاق القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح " .
وقال رحمه الله: " وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه ولسانه ولم يؤد واجباً ظاهراً، ولا صلاةً، ولا زكاةً، ولا صياماً، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها (محمد صلى الله عليه وسلم).
ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات سواء جعل فعل تلك الواجبات لازماً له، أو جزءاً منه، فهذا نزاع لفظي كان مخطئاً خطئاً بيناً، وهذه بدعة الإرجاء، التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها " .
وعقيدة الإرجاء هذه لها مفاسد عظيمة على أهل الإسلام . ومن هذه المفاسد:
1) إيهام المسلمين أنهم مهما تركوا من أوامر الله فلم يمتثلوها، ولو تركوها جميعاً فهم مع ذلك مؤمنون مسلمون، وأن الجنة لهم حتماً في آخر الأمر، ولو عذبوا في النار عذبوا عذاباً قليلاً، ثم يكون مآلهم إلى الجنة، ومن أجل هذا القول سمى أهل السنة المرجئة بأنهم يهود هذه الأمة، لأن اليهود مع كفرهم بآيات الله قالوا :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
2) تهوين أمر الصلاة التي قال فيها رسول الله : " بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة " . وقال أيضاً : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " فجعلها علامة ظهور الكفر عند المنافق .
ومن أجل أقوال المرجئة تهاون من تهاون في الصلاة اعتماداً على أماني المغفرة .
3) تجرئ المسلمين على الكفر بكل أنواعه: حكماً بغير ما أنزل الله، وسبَّاً لله ورسوله ودينه، واستهزاءاً وسخريةً بالدين، ومعاداةً لله ورسوله والمؤمنين، كل هذا مع اليقين أنهم لا يزالون في الإيمان والإسلام، وأن رحمة الله تدركهم في الآخرة .
4) الكذب على الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله بأن الله سبحانه وتعالى لم يرد من عباده في حقيقية الأمر إلا مجرد شهادة باللسان مع إقرار القلب والله سبحانه وتعالى يقول:كبر على المشركين ما تدعوهم إليه. وفيها كذلك إبطال للوعيد والتهديد الشديد على التولي والإعراض وترك العمل مع القدرة عليه كما في قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . وقوله:وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ . وقولهوَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّوَأَبْقَى . وقولهوَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ .
5) ومن شرور هذه العقيدة الباطلة تمكين أهل النفاق والكفر من أهل الإسلام وذلك: أنه ما دام أن المسلم يظل على الإسلام والإيمان ولو ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأعمال ...فما الذي يدفع المنافق الكافر في باطنه أن يتمسك بشيء من الإسلام ما دام أنه يأمن ألا يخرجه أحد من الإسلام، وهكذا يتسلط المنافقون بهذه العقيدة الباطلة على الإسلام وأهله . بل هذه العقيدة هي أعظم عون للكفار للقضاء على الإسلام لأنها لم تبق فارقاً قط بين الكافر والمسلم إلا مجرد كلمة تقال باللسان، ولو لم يظهر لها أي أثر على الجوارح، بل لو ظهرت كل علامات الكفر على الجوارح... فأي بلاء على الإسلام وأهله أكثر من هذا؟
6) ومن شرور هذه العقيدة الخبيثة أن الذين يدينون بها قد يسارعون إلى تكفير من يشهد بالكفر لمن حكم الله ورسوله بكفرهم كمن ترك الصلاة، ويستهزئ بالدين، ويسبّ الله ورسوله وأولياءه، ويبدل الشرائع، ويحارب الإسلام . وبهذه العقيدة الخبيثة يوالون أعداء الله، ويحاربون أولياءه، وللأسف فقد وقع هذا من طوائف كثيرة ممن اعتقد هذا المعتقد الخبيث .
7) ومن شرور هذه العقيدة الخبيثة أنه رجعت اليوم إلى المسلمين بمسمى آخر غير الإرجاء وهو إلباسها معتقد أهل السنة والجماعة فنشأ بهذا فتنة جديدة في الصد عن سبيل الله وتشويه معتقد أهل السنة والجماعة .
8) ومن شرور هذه العقيدة هدم فريضة إنكار المنكر، التي هي نظام الدين، وبها حراسته من الأعداء، وصيانته عن التحريف والتشويه والضياع .
9) ومن شؤم هذه العقيدة لجوء من يعتقدها -ولا بد- إلى التأويل الباطني، وتحريف الكلم عن مواضعه، ورد الآيات والأحاديث والنصوص الصريحة الواضحة والتعليق بالمتشابه من الكتاب والسنة .
10) ومن شرور هذه العقيد عقيدة الإرجاء، تهوين شأن المعاصي، ورد نصوص الوعيد، وتفريغ الدين من معناه ومحتواه، وجعله في النهاية مجرد كلمة تقال باللسان مع إدعاء تصديق القلب دون التزام بأي عمل من الأعمال . وبهذا يظهر للناظر إلى هذا الدين، أن جهاد الرسل للكفار كان عبثاً، وأن جهودهم كانت في غير طائل .
هذا ما يسر الله سبحانه وتعالى جمعه وتأليفه بياناً لحقيقة الإيمان كما جائت في الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة، ورداً لمقولات أهل الأهواء من مرجئة وخارجية، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا وأخواننا المؤمنين، الفتن المضلة، وأن يردنا إليه غير فاتنين ولا مفتونين ولا مغيرين ولا مبدلين .
وكتبه
عبدالرحمن بن عبدالخالق
وكان الفراغ منه في الرابع عشر من شهر جمادي الآخرة سنة 1421هـ
الموافق 14 من شهر أغسطس سنة 2000م
  #10  
قديم 03-05-03, 10:10 AM
أبو العبدين المصرى السلفي أبو العبدين المصرى السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-06-02
المشاركات: 193
افتراضي

سلسلة محاضرات صوتية عن الارجاء

http://www.islamway.com/bindex.php?s...&scholar_id=62
__________________
"اذا لم يكونوا أهل الحديث هم الطائفة المنصورة فلا ادرى من هم"
  #11  
قديم 30-07-03, 06:18 AM
خالد الوايــلي خالد الوايــلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-07-03
المشاركات: 279
افتراضي

أشكر الأخ الفاضل على هذا النقل النافع الطيب
وأسأل الله أن يحرم أجسادنا وأجسادكم على النار - آمين-

لقد كان لي حواران مع أحد الإخوة في النسب والدين في مرتين منفصلتين
كان سببه أني نقلت له
( أن الكفر والردة تكون بالقول والفعل والإعتقاد)
فكان في البداية يقول ان الكفر يكون بالاعتقاد فقط
ثم مع الاستدلال وضرب المثال
أقرّ بأن الكفر يكون في القول والفعل والإعتقاد
ولكن إقراره كان كالتالي:
أن فعل الكفر لم يكن كفراً إلا لأنه ناشء عن اعتقاد
وأن قول الكفر لم يكن كفراً إلا لأنه ناشء عن اعتقاد

فخطأته
وقلت له أن فعل الكفر كفر سواءً اعتقد أو لم يعتقد
وأن قول الكفر كفر سواءً اعتقد أو لم يعتقد
وأن هذا منهج السلف فالزم غرزه فإنه الحق

وسؤالي لكم :
هل أصبت أنا في تخطئته وهل قوله قول المرجئة...؟
__________________
( قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)
محبكم في الله خالد الوايلي
  #12  
قديم 30-07-03, 09:16 PM
خالد الوايــلي خالد الوايــلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-07-03
المشاركات: 279
افتراضي

اقتباس:
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة خالد الوايــلي
أشكر الأخ الفاضل على هذا النقل النافع الطيب
وأسأل الله أن يحرم أجسادنا وأجسادكم على النار - آمين-

لقد كان لي حواران مع أحد الإخوة في النسب والدين في مرتين منفصلتين
كان سببه أني نقلت له
( أن الكفر والردة تكون بالقول والفعل والإعتقاد)
فكان في البداية يقول ان الكفر يكون بالاعتقاد فقط
ثم مع الاستدلال وضرب المثال
أقرّ بأن الكفر يكون في القول والفعل والإعتقاد
ولكن إقراره كان كالتالي:
أن فعل الكفر لم يكن كفراً إلا لأنه ناشء عن اعتقاد
وأن قول الكفر لم يكن كفراً إلا لأنه ناشء عن اعتقاد

فخطأته
وقلت له أن فعل الكفر كفر سواءً اعتقد أو لم يعتقد
وأن قول الكفر كفر سواءً اعتقد أو لم يعتقد
وأن هذا منهج السلف فالزم غرزه فإنه الحق

وسؤالي لكم :
هل أصبت أنا في تخطئته وهل قوله قول المرجئة...؟

اللهم ارزقني مجيباً واجزه عنا خيراً كثيراً طيباً مباركاً فيه
__________________
( قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)
محبكم في الله خالد الوايلي
  #13  
قديم 31-07-03, 02:25 PM
أبو هريرة أبو هريرة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-07-03
المشاركات: 21
افتراضي الجامع في الكفر

توضيحا للكتب التي أشير اليها في مسائل الكفر والايمان فأنوه مايلي :
كتاب رفع اللائمة نشر دار عالم الفوائد بمكة الطبعة الثانية
أسئلة وأجوبة في الايمان والكفر نشر دار أطلس الخضراء بالرياض
جواب في الايمان نشر دار المحدث
فتاوى وبيانات نشر دار عالم الفوائد
ضوابط في التكفير نشر دار عالم الفوائد ، وهناك مذكرة قيمة لأحد طلبة العلم في الرد على بعض الملاحظات في هذا الكتاب
أما كتاب الهداية فاعذروني لا أعرفه .
  #14  
قديم 28-03-06, 01:08 AM
طالب علوم الحديث طالب علوم الحديث غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-02-04
المشاركات: 1,302
افتراضي

جزاكم الله خيرا في جمعكم لهذه النقولات في الرد على المرجئة
__________________
قال صلى الله عليه وسلم ألا إني أوتيت القرآن و مثله معه
موضوع مغلق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:51 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.