ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 28-04-07, 09:33 AM
دكتور محمود عيدان دكتور محمود عيدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-05
المشاركات: 80
Lightbulb قراءة جديدة في آيات وأحاديث الاسراء والمعراج

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد وفقني الله لكتابة بحث في دراسة جملة من الايات والاحاديث التي تعد بشارات بوقوع الاسراء والمعراج لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه اسميته ( قراءة جديدة في آيات وأحاديث الاسراء والمعراج )
سأطلعكم عليه ان شاء الله تبارك وتعالى
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28-04-07, 10:55 PM
محمد عبدالكريم محمد محمد عبدالكريم محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-06
المشاركات: 921
افتراضي

جزاكم الله خيراً
وهذا تعليق لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان حول مبحث الإسراء
بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الأولى 21/2/1421 هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
فأول مبحث عندنا هو :
مبحث : الإسراء والمعراج
المراد بالإسراء :
ما حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام من رحلة مباركة من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في جزء من الليل وتبع ذلك العروج به إلى السموات العلا إلى مستوىً سمع فيه صريف الأقلام أي حسها وكتابتها في اللوح المحفوظ عندما تكتب تقدير الله جلا وعلا ، ثم أعيد عليه صلوات الله وسلامه إلى مكة المكرمة ولا زال فراشه دافئاً أي : لم يبرد بعد فراق النبي صلي الله عليه وسلم ، وذلك أن الفراش يدفأ من أثر احتكاك الإنسان به وتنفسه ويسخن عندما ينام الإنسان فيه وهكذا عندما يجلس الإنسان ، لذلك ورد في معجم الطبراني أو البزار – شك الشيخ الطحان – بسند ضعيف [أن امرأة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تناجيه في مسألة وتستفتيه في أمر في مسجده عليه صلوات الله وسلامه عليه وبعد أن انتهت وقامت جاء رجل وأراد أن يجلس مكانها ، قال : لا حتى يبرد المكان]
فالشاهد:
أن الإنسان عندما يجلس في مكان أو ينام في هذا المكان يكون فيه شيء من دفئه وحرارته الغريزية.
وسنتناول مبحث الإسراء والمعراج ضمن مراحل متعددة :
المرحلة الأولي :
يجب علينا إذا أردنا أن نتكلم على هذا الحادث العظيم الجليل الشريف المبارك أن نذكر الآية التي أشارت إليه في سورة سميت باسم هذا الحادث المبارك وهي سورة (الإسراء) ، وتسمي أيضا بسورة (بني إسرائيل) وتسمي أيضا بسورة (سبحان) فلها ثلاثة أسماء ، وأسماء السور توقيفية مبناها على النقل لا على العقل وعلى الرواية لا على الرأي ، إما من الصحابة فلكلامهم حكم الرفع إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه ورضي الله عنهم أجمعين ، وإما النقل عن التابعين فلذلك حكم الرفع المرسل فيقبل قول التابعي : (1) إذا تعزز بقول تابعي الآخر (2) إذا كان قائله من أئمة التفسير الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة كمجاهد بن جبر وسعيد بن جبير عليهم جميعاً رحمة الله.
فأسماء السور إذن توقيفية وكذا القول بأن هذا مكي وهذا مدني وأسباب النزول كلها مبنية على الرواية لا على الرأي وعلى النقل لا على العقل.
يقول ربنا الجليل في أولها (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير).
هذه الآية لابد من تفسيرها وكل من يتكلم على حادث الإسراء والمعراج ينبغي أن يستعرض تفسير هذه الآية لتربط المباحث ببعضها.
(سبحان) مأخوذة من السَّبْح وهو الذهاب والإبعاد في الأرض، ومنه يقال السابح الذي يسبح في البركة وفي البحر سابح لأنه يبعد ويذهب بعيداً في حال سباحته، ولذلك لا تصلح السباحة في مكان ضيق محصور متر في متر ونحوها.
فسبحان مأخوذة في أصلها اللغوي من السبح وهو الذهاب والإبعاد في الأرض كما ذكرنا ولفظ (سبحان) إما أن يكون مصدر (سبَّح - يسبح – تسبيحاً – وسبحاناً) على وزن (كفر – يكفر – تكفيراً وكفراناً) وهذا المصدر منصوب يعامل إما من لفظه فنقدر نُسبِّحُ الله سبحاناً ، وإما من غير لفظه فنقدر : أُنَزِّهُ الله سبحاناً ، وكلا التقديرين صحيح ، وأما سبحان عَلَمٌُ على التسبيح انتصب بفعل مضمر ، ثم نُزِّل ذلك العلم منزلة الفعل وسد مَسَدَّهُ.
وأما معنى (سبحان) فقد جاء لثلاثة معانٍ في القرآن:
1- أولها :
تنزيه الله عن السوء وتبرئته من كل نقص ، قال الإمام ابن كثير عليه رحمات ربنا الجليل في آخر سورة الصافات عند قوله : (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) الآيات قال : "كثيراً ما يقرن الله بين التسبيح والتحميد" (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) يقرن بين التسبيح والتحميد ؛ لأن كلاً منهما يكمل الآخر "، فالتسبيح فيه تبرئَة لله عن النقائص ويستلزم ذلك إثبات المحامد إذن فيتضمن نفي النقص عن الله ويستلزم إثبات الكمال له ، والحمد بالعكس يتضمن إثبات الكمال لله ويستلزم نفي النقص عنه فكل منها يستلزم الآخر.
التسبيح يتضمن معناه الأصلي – نفي النقص عن الله وذلك يستلزم إثبات الكمال فإذا انتفى النقص ثبت الكمال وكل نفي لا يدل على إثبات ما يضاده فلا مدح فيه.
س : إثبات الكمال بلفظ التسبيح من أي أنواع الدلالات هل هو دلالة تضمن أم دلالة مطابقة أم دلالة التزام؟
جـ : دلالة التزام ، فإن معنى دلالة التضمن هو أن يدل اللفظ على ما وضع له أي وضع لأجل أن يدل على تبرئة الله عن النقص ، وأما معنى دلالة الالتزام فهو دلالة اللفظ على أمر خارج عن المعني لكن لازم له فإذا نُفي النقص ثَبَتَ الكمال.
فمثلاً : الحمد يتضمن إثبات الكمال والمحامد لله وذلك يستلزم نفي النقص فكل منهما يستلزم الآخر ويدل عليه فقرن الله بينهما فكأن الدلالة التي في لفظ التسبيح جيء بالحمد ليدلل الله عليها دلالة تضمن ودلالة مطابقة لا دلالة التزام ، وهكذا الدلالة التي في الحمد وهي نفي النقص عن الله جيء بلفظ التسبيح ليدل عليها صراحة وتضمناً ومطابقة لا التزاماً .
ف [نفي النقص عن الله يستلزم إثبات الكمال وإثبات الكمال يستلزم نفي النقائص] ولذلك يقرن الله بين التسبيح والحمد لكن أصل معنى التسبيح تنزيه الله عن كل نقص وسوء.
لذلك قال ربنا جل وعلا : (وقالوا اتخذ الله ولداً) فبأي شيء عقب على هذا الكلام ؟ (سبحانه) تعالى وتنزه عن هذا النقص ، فهكذا كل نقيصة يقولها الكفار ينفيها الله جل وعلا عن نفسه بلفظ التسبيح.
إذن تنزيه الله عن السوء وقد ورد في مستدرك الحاكم (1/502) في كتاب الذكر والدعاء عن طلحة بن عبيد الله – أحد العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم – قال [سألت النبي صلي الله عليه وسلم عن معني التسبيح فقال نبينا عليه الصلاة والسلام : هو تنزيه الله عن كل سوء ] إذن فهذا هو معنى التسبيح ، تبرئة الله عن النقائص وعن السوء.
وهذا الأثر صححه الحاكم وقال إسناده صحيح لكن تعقبه الذهبي وقال : قلت : ليس كذلك ثم بين أن فيه ثلاث علل:
العلة الأولي : فيه طلحة بن يحي بن طلحة بن عبيد الله الحفيد ، منكر الحديث كما قال البخاري.
العلة الثانية : وفيه حفص تالف الحديث واهٍ ، وحفص هذا هو الذي نقرأ بقراءته فهو في القراءة إمام لكنه في الحديث تالف ضعيف ، فإنه ما صرف وقته لحفظ الحديث وضبطه فكان إذا حدث يَهِِمُ وسبب الضعف عدم الضبط لا عدم الديانة فانتبه .. فإن سبب الضعف إما زوال الديانة أو زوال الضبط وليس في زوال الضبط منقصة وإن كانت روايته تُردُّ ، لكن إذا كان الضعف بسبب ضياع العدالة ؛ لأنه فاسق ، كذاب ، شارب للخمر ، مرتكب الكبيرة ، وما شاكل هذا فهذا هو النقص ، أما إذا كان الإنسان لا يحفظ ، وإذا حفظ ينسى ، وإذا حدث يخلط ، فهو مردود الرواية وسبب الرد عدم الضبط وذلك لأنه لابد من عدالة وضبط فإذا رُدَّتْ رواية الراوي لعدم ضبطه فلا منقصة في دينه ، وإذا رُدَّتْ رواية الراوي لعدم عدالته فهذا هو البلاء.
وحفص من ناحية العدالة عدل وفوق العدل ، عدل إمام رضا ، لكن في ناحية ضبط الحديث واهي الحديث تالف الحديث.
العلة الثالثة : وفيه أيضاً عبد الرحمن بن حماد منكر الحديث كما قال ابن أبي حاتم ، فالحديث من ناحية الإسناد ضعيف لكن المعنى صحيح ، أي تفسير سبحان الله والتسبيح بأنه تبرئة الله عن كل سوء وعن كل نقص ، ثبوت هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ضعيف من حيث الإسناد لكن المعنى صحيح.
2- ثانيها : ويأتي التسبيح بمعنى التعجب ، وهذه المعاني ضروري معرفتها في هذا المبحث إذ لها معانٍ كبيرة وخفية فلفظ (سبحان) هذا وحده يدلنا على أن الإسراء كان بالروح وبالجسد كما سيأتينا ، فلفظ سبحان على حسب ما فيها من دلالتين : إما تنزيه الله عن كل نقص أو التعجب ، نستدل على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد ، كيف هذا؟
لو كان رسولنا عليه الصلاة والسلام كذاباً – وحاشاه من ذلك- وقال : أسرى الله بي إلى بيت المقدس وعرج بى إلى السموات ورجعت ولم يكن ذلك قد حصل ، فإذا أقره الله فماذا يكون في هذا؟ يكون فيه منقصة في حق الله ، فإذن هذا يكذب عليه وهو يؤيده بخوارق العادات من إنزال القرآن وغيره أفلا يكون في هذا منقصة والله تعالى يقول : (ولو تقول علينا بعض الأقاويل).
فلفظ (سبحان) إذن أول ما يدل عليه أن الإسراء والمعراج بالجسد لا بالروح فقط لأن هذا لو كان على خلاف ذلك لما كان هنا داعٍ لتعجيب العباد من هذا ، فالروح كل واحد يرى أنه أسري بها ، فقد يري الكافر أنه أسري بها إلى الصين التي هي أبعد من بيت المقدس ، وهذا واضح ولو كان النبي صلي الله عليه وسلم يخبر بخلاف الحقيقة فكيف يقره الله وهو أحكم الحاكمين ورب العالمين؟!
لذلك قال أئمتنا : المعجزة تدل على صدق الرسول لأنها بمثابة قول الله : صدق
عبدي فيما بلغ عني.
فلو كان نور مثلاً حاضراً في مجلس الأمير ، والأمير جالس ، وقام وقال أنا رسول الأمير إليكم وأنني مسئول عن أمور الرعية ، وأنا نائبه ، وقد فوض إلي تدبير الشؤون في هذه المنطقة وأنا ممثله وليس عندي كتاب عنه وما تكلم هو ، لكن الدليل على أنني رسوله وأنني نائبه أن الأمير يقعد الآن أمامكم عشر مرات فقام الأمير وجلس وقام وجلس وقام وجلس عشر مرات وما تكلم ، أفلا يدل هذا على صدقه؟ نعم يدل دلالة أقوى من الكلام ، ولو كان كذاباً لقال الأمير : اضربوا رقبته.
فعندما يقول نبينا عليه الصلاة والسلام للقمر بيده هكذا فينشق فلقتين فهذا لو كان كذاباً لما أيده الله ، فإذا كان من علامة صدقه أنه يشير إلى القمر فينشق (اقتربت الساعة وانشق القمر) ولو كان كذاباً لما أيده الله.
وانظر إلى مسيلمة الكذاب لما قيل له : إن محمداً عليه الصلاة والسلام يبصق في عين الأرمد فيبرأ ، فقد بصق في عين علي بن أبي طالب وكان يشتكي عينيه فما اشتكى منهما بعد ذلك ، فقال مسيلمة هاتوا أرمداً لأبصق في عينيه فأتي له بأرمد فبصق في عينيه فعمي.
فجوزي بنقيض قصده لذا قال أئمتنا : تلك معجزة وهذه إهانة وذلك خارق للعادة وهذا خارق للعادة لكن ليفضحه الله.
وقيل له كان النبي صلي الله عليه وسلم يضع يده في الماء فيفور الماء من بين أصابعه ولما كان صلوات الله وسلامه عليه مع أصحابه في صلح الحديبية كانوا (1500) شخصاً وكفاهم الماء القليل عندما وضع في تور من ماء – إناء صغير- أصابعه صلوات الله عليه فبدأ الماء يفور من بين أصابعه فقيل لمسيلمة عندنا بئر ماؤها قليل لعلك تدخل فيها وتقرأ عليها وتتمتم ليبارك لنا في مائها ففعل فغارت . فهذا خارق للعادة لكنه إهانة وذلك خارق للعادة لكنه معجزة.
إذن فلا يظن أن البحث في معنى سبحان من باب النافلة بل هو مرتبط ببحثنا فـ (سبحان) سيأتي أنه من الأدلة على أن الإسراء كان بالروح والجسد.
فـ(سبحان) تأتي بمعني التعجب ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة كما في صحيح البخاري : [سبحان الله : إن المؤمن لا ينجس] وأول الحديث يقول أبو هريرة: [لقيت النبي عليه الصلاة والسلام في بعض طرق المدينة أو مكة وكنت جنباً فانخنست منه] أي تسللت في خفية وتواريت عنه لئلا يراني – وقد كان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم إذا التقى بأصحابه يصافحهم ويداعبهم ويضاحكهم وليس حاله كحال الجبابرة الطغاة ، لذلك لما حج النبي صلي الله عليه وسلم وفداه أبي وأمي فرد فردا ولا إليك إليك أي ما أحد يقال له تنح من أمام النبي عليه الصلاة والسلام ، فالناس يمشون بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وهو مع الناس ، نَفَرٌ منهم ، فإذن له لما رأى أبو هريرة النبي عليه الصلاة والسلام وكان أبو هريرة جنباً يقول : انخنست منه أي تسللت في خفية لئلا يصافحني فكيف يصافحني وأنا جنب ، وقد كان يظن أن الإنسان إذا أجنب تنجس [فذهب فاغتسل ثم جاء ، قال أين كنت يا أبا هريرة؟ قال كنت جنباً فكرهت أن أجالسك قال : سبحان الله إن المؤمن لا ينجس] فما معنى (سبحان الله) هنا؟ معناها : أتعجب منك يا أبا هريرة ، أنت حافظ العلم وراوية الإسلام كيف يخفى عليك هذا الحكم في شريعة الرحمن.
(أسرى) قال علماء اللغة سرى وأسرى بمعنىً واحد مثل سقى وأسقى ، قال
حسان بن ثابت رضي الله عنه :
حي النضيرة ربت الخدر \\\ أسرت إليّ ولم تكن تسري
النضيرة في البيت إما زوجته أو ابنته أو أخته المقصود جاءته في الليل و يحييها أسرت إليه ولم تكن تسري ، قال علماؤنا : جمع حسان اللغتين في هذا البيت أسرت فهذا أن أسرى وتسري من سرت لأنها لو كانت من أسرت لقال تُسري.
قيل إنه سير الليل خاصة ، وعليه فذكر (ليلاً) في الآية للإشارة إلى تقليل الزمن في تلك الليلة فما سراه لم يكن في مدة الليلة بكاملها إنما كان الإسراء والمعراج به كان في جزء من الليل ولم يكن في جميع الليلة ، ويدل على هذا قراءة بن مسعود وحذيفة وهى قراءة شاذة (سبحان الذي أسري بعبده بالليل) بدلاً من (ليلاً) أي أن السرى حصل لنبينا صلوات الله عليه وسلامه والإسراء به حصل في جزء من الليل فذكر ليلاً ، فالتنكير هذا للتقليل حصل له في جزء من الليل وكما ذكرنا فراشه دافئ
وقال الزجاج : هو مطلق السير في ليل أو نهار وعليه فذكر الليل لبيان وقت الإسراء.
(بعبده) هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الرحمن ونعته بهذا الوصف وهو العبودية لأمرين معتبرين :

الأمر الأول :
أنه أكمل النعوت وأشرف الخصال في حق البشر ؛ لأن العبودية تتضمن أمرين اثنين : حب كامل وذل تام ، ولا يكون العبد عبداً إلا بهذين الأمرين ، فيحب الله محبة تامة كاملة ، ويتذلل تذللاً تاماً كاملاً ، فمن بلغ هذين الأمرين يقال له : هو عبد ، وهذه أشرف صفة ولذلك نعت الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف الذي يشير إلى هذين الأمرين في أعلى المقامات وأجلها منها قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده) ، (الحمد لله الذي أنزل على عبده) ، (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) ، (وأنه لما قام عبد الله يدعوه) فينعته ربنا بلفظ العبودية ؛ لأنه أشرف وصف في المخلوق وهو أن يكون عبداً للخالق ، أي يحبه حباً تاماً ويتذلل إليه تذللاً تاماً.
ونبينا عليه الصلاة والسلام نال من هذين الوصفين أعلى نصيب ممكن في حق البشر لذلك فهو أشرف المخلوقات على الإطلاق ، ثبت في المستدرك ومسند البزار بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفاً عليه وله حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال : [خيار ولد آدم] وفي رواية : [سيد ولد آدم خمسة محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وسيد خلقه محمد عليه صلوات الله وسلامه].
فقد اتفق أئمتنا – وهذا قد مر معكم في مبحث النبوة في المستوى الأول في شرح العقيدة الطحاوية – على أن أفضل البشر الأنبياء وأفضل الأنبياء الرسل وأفضل الرسل أولو العزم وهم الخمسة الذين ذكرهم الله في آيتين من كتابه (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم) آية 7 من سورة الأحزاب ، وفى سورة الشورى آية رقم 13 (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) فأفضل الرسل أولو العزم ، وأفضل أولو العزم الخليلان إبراهيم ومحمد على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه وأفضل الخليلين أكملها خلة وأعظمها محبة لربه وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
فخلة إبراهيم لربه دون خلة نبينا عليه الصلاة والسلام لربه ، والخلة هي أكمل مراتب المحبة وهي في المحبة كالمقت في الغضب فكما أن المقت أعظم أنواع الغضب ، فالخلة أعلى مراتب المحبة.
قد تخليت مسلك الروح مني \\\ وبذا سمــي الخــليل خلــــيلا
ولذلك ثبت في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال : [لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن صاحبكم خليل الله] فليس في قلبي متسع لغير ربي ، فمحبتي كلها له فهذا أعلى الحب وأكمله ولذلك يقول إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه كما في حديث الشفاعة الطويل الثابت في مسلم وغيره عندما [يذهبون إليه فيقولون له اشفع لنا فأنت اتخذك الله خليلاً فيقول: إنما كنت خليلاً من وراء وراء ، اذهبوا إلى محمد عليه الصلاة والسلام فإنه عبد صالح قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيذهبون له فيشفع لهم] وهي الشفاعة العظمي والمقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون ، النبيون والمرسلون عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.
نعم يلي نبينا في الفضيلة إبراهيم فهو خليل الرحمن وما بلغ مرتبة الخلة إلا نبينا عليه الصلاة والسلام وأبونا إبراهيم ، فإبراهيم جعل قلبه للرحمن بشهادة ذي الجلال والإكرام حيث قال (إذ جاء ربه بقلب سليم) ، وجعل بدنه للنيران وماله للضيفان وولده للقربان أما يستحق هذا أن يتخذه ربنا الرحمن خليلاً وحقيقة الخلة كاملة ، والمحبة تامة والعبد هو من جمع حباً وذلاً ، يحب ربه من كل قلبه بكل قلبه ، ويتذلل له بجميع جوارحه.
فمن حقق هذين الأمرين فهو عبد ، فالنعت إذن بوصف العبودية هذا مدح ليس بعده مدح أن يقول لك ربك عبدي ، هذا شرف لك ليس بعده شرف.
ومما زادنـــــي عجباً وتيــهاً \\\ وكدت بأخمصي أطأ الثُّريا
دخولي تحت قولك يا عبادي \\\ وأن صيرت أحمد لي نبيـا
ولكل ما سبق نُعت النبيُّ صلي الله عليه وسلم بـ (عبده).
الأمر الثاني :
الذي من أجله وصفه الله بهذا الوصف خشية أن تغلو الأمة فيه ، فنعته بوصف العبودية لتعرف الأمة وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته لا نقول: بما أنه أفضل المخلوقات وأسرى الله به وعرج به إلى السماء وأنزل عليه القرآن وفضله على العالمين إذن نذهب نصلي لقبره ركعتين وعندما نذبح نقول بسم محمد وعندما نقع في كربة نقول يا رسول الله فرج عنا ، فلئلا تقع الأمة في هذا الضلال أخبرنا الله أنه عبد فإذا كان عبداً فلا يحق أن تصرف له شيئاً من العبادة ، فهذا خاص لله جل وعلا.
فَنُعِتَ بهذا الأمر لأجل المدح والتحذير من الغلو ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : [لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله] عليك صلوات الله وسلامه يا أفضل خلق الله ويا أكرم رسل الله ، والإطراء وهو المجاوزة في المدح والمبالغة فيه.
إخوتي الكرام ..... إذا ذكر الإنسان النبي عليه الصلاة والسلام فينبغي أن يذكره بالتبجيل والتوقير والاحترام وأن يتبع هذا عليه الصلاة والسلام.
وأما ما شاع بين الناس في هذه الأيام لما خربت قلوبهم وأظلمت من جفاء نحو ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام تراه على المنبر وأحيانا داعي يقول : كما قال رسولكم محمد بن عبد الله ، فهذا ينبغي أن يضرب على فمه حتى تسيل الدماء منه ، فهذا جفاء وقلة حياء بل كان الواجب أن يقول قال محمد رسول الله ، هل نعته الله بأنه ابن عبد الله في كتابه؟ وهل في نسبته لأبيه مدح ؟ لا إنما في نسبته إلى الله مدح فالواجب أن يقال : رسول الله خاتم النبيين وغيرها فبهذا نعته الله (محمد رسول الله) ، (محمد عبد الله ورسوله) ، (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله إليكم وخاتم النبيين) ، (يا أيها النبي اتق الله) ، (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل لك) ، ولم ترد إضافته إلى أبيه في القرآن.
ولا يجوز أن تضيفه إلى أبيه إلا في مقام النسب فقط ، فتأتي بنسبه فتقول : هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب – إلخ النسب ما عدا هذا ذكره مضافاً إلى أبيه من البذاء والجفاء وقلة الحياء وعدم تعظيم خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه ، فانتبهوا لهذا. تضيفه لله فلا حرج قال محمد بن عبد الله ورسوله لكن ليس : قال محمد بن عبد الله. (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)
وقد أفتى ابن حجر الهيتمي بأن من قال عن نبينا عليه الصلاة والسلام بمقام الدعوة والتبليغ قال محمد بن عبد الله بأنه يعزر.
وحقيقة الأمر كذلك لأن هذا كما قلنا من عدم توقير النبي عليه الصلاة والسلام.
(المسجد الحرام)
الأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج وردت في الظاهر متعارضة ، لكن نجمع بينها فيزول التعارض :
ورد أنه أسري به من بيت بنت عمه فاخِتة أم هانئ بنت أبي طالب.
وورد أنه أسري به من شعب أبي طالب.
وورد أنه أسري به من بيته ففرج سقف بيته ونزل الملكان وأخذاه.
وورد أنه أسري به من الحجر من الحطيم وهو حجر إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر :لا تعارض بينها ، فكان نبينا عليه الصلاة والسلام نائما في بيت بنت عمه أبي طالب فاخِتة أم هانئ ، وبيتها كان في شعب أبي طالب ،وأضيف إليه سقف بيته فرج لأجل سكناه فيه ؛ لأنه يسكن فيه وإن كان لا يتملكه كما تقول فتح علي باب حجرتي وأنت في الفندق فأضيفت إليه الحجرة تملكاً في السكن لسكنه فيها وكذا أضيف البيت للنبي صلى الله عليه وسلم لسكناه فيه ثم بعد أن أخرج من بيت أم هانئ في شعب أبي طالب وقيل له بيته لأنه يسكنه أُخذ عليه صلوات الله وسلامه إلى الحجر ولازال فيه أثر النعاس وأُرْجِعَ فيه ، ثم بعد ذلك هيأ من ذلك المكان وأخرج من باب المسجد الحرام إلى رحلة الإسراء والمعراج فحصلت جميع هذه الأمور من بيت أم هانئ في شعب أبي طالب وهذا بيته وأُخذ إلى الحِجْر وأُسري به من حِجْر إسماعيل وهو الحطيم.
المحاضرة الثانية
الثلاثاء 16/3/1412هـ
وقد أضيف بيت بنت عمه أبي طالب أم هانئ فاختة للنبي صلى الله عليه وسلم لسكناه فيه كما قال الله جل وعلا : (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم) فالإضافة هنا للسكن أو للملك؟ هي للسكن ، ولو كنت تملك البيت ، لكنك أجرته فلا يجوز أن تدخله وإن كان ملكاً لك وهنا أضيف البيت إليه لسكناه فيه ، هذا البيت هو لبنت عمه في شعب أبي طالب وأضيف إليه هو ضمن الحرم.
والمراد من (المسجد الحرام) حرم مكة المكرمة ، وليس المراد منه خصوص المسجد لأن لفظ المسجد الحرام شامل لحرم مكة ، ولذلك من صلى في أي بقعة من بقاع الحرم تضاعف صلاته مائة ألف صلاة ولا يشترط هذا أن يكون في خصوص المسجد الحرام الذي يحيط بالكعبة بخلاف مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالأجر هناك بألف لمن صلى في خصوص المسجد أما مكة فكلها حرم في أي جهة تصلى في مسجد الكعبة الذي يحيط بالكعبة أو في أي مسجد آخر فالصلاة تضاعف بمائة ألف صلاة والله تعالى أشار إلى هذا في كتابه فقال (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام) أي عن مكة ، وهذا وقع في صلح الحديبية ، والله جل وعلا يقول : (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءً العاكف فيه والباد) فما المراد بالمسجد الحرام هنا ؟ هل المراد خصوص المسجد وبقعته التي تحيط بالكعبة؟ لا ، بل المراد مكة يستوي فيها البادي والحاضر فهذه خصوصية لمكة ، جميع بقعة الحرم يقال لها مسجد حرام.
وعليه فإن المراد بقوله : (من المسجد الحرام ) أي من مكة المكرمة سواء كان في بيت أم هانئ أو سواء كان في الحجر ، لكنني قد جمعت بين هذه الألفاظ وقلنا : إنه كان نائما في بيت أم هانئ وهو شعب أبي طالب ، وأضيف البيت إليه لسكناه وقيل إنه أسري به من الحجر والحطيم الذي حطم وفصل من الكعبة عندما ضاقت بقريش النفقة وهو حجر إسماعيل وهو جزء نصف دائري يبعد عن الكعبة قليلاً ومازال موجوداً إلى الآن وهو من الكعبة ومن مر بينه وبين الكعبة فكأنما مر في جوف الكعبة تماماً ، ولو كنت تطوف فيما بينه وبين الكعبة لم يصح الطواف بل لابد من الطواف خارج حجر إسماعيل ، وهذا الحجر الأصل أنه من الكعبة لكن لما ضاقت النفقة بقريش سابقاً فصلوا هذه البقعة عن الكعبة وحوطوا عليها للإشارة إلى أنها من الكعبة وبقي البناء على هذا والنبي عليه الصلاة والسلام قال لأمنا عائشة والحديث في صحيح البخاري :[لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فنقض وأدخلت حجر إسماعيل وجعلت له باباً شرقياً وغربياً يدخل الناس ويخرجون] أي إلى جوف الكعبة ، لكن ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا لئلا يقول الناس وهم حديثو عهد بجاهلية بدأ يتلاعب في هذا البيت المعظم الذي هو بيت الله الحرام ، فتركه على ما كان ولا حرج في ذلك ولا مضرة ثم بقي على هذه الشاكلة. لما جاء عبد الله بن الزبير نقض البيت الحرام وأدخل الحجر وجعل له بابين : باباً من الشرق وباباً من الغرب ولما قتل رضي الله عنه وأرضاه في الحروب التي جرت بينه وبين بني أمية في عهد عبد الملك بن مروان أمر عبد الملك بأن يعاد البيت كما كان فأعادوه إلى هذه الكيفية الموجودة الآن.
ولما جاء أبو جعفر المنصور – الخليفة العباسي - استشار الأئمة وعلى رأسهم الإمام مالك عليهم رحمة الله في أن يعيد البيت كما فعله عبد الله بن الزبير فقال الإمام مالك : الله الله يا أمير المؤمنين في هذا البيت ألا يصبح ألعوبة بأيدي الحكام كل واحد يأتي ينقضه من أجل أهواء سياسية ، عبد الله بن الزبير أصاب السنة فمن أجل أن يخالفه بنو أمية نقضوا البيت ، فأنت الآن ستخالفهم وتعيد البيت نكاية ببني أمية ، فيأتي حاكم بعد ذلك نكاية بك ينقضه ، فيصبح البيت ملعبة ، فاتركه على شاكلته.
الشاهد : أنه صلى الله عليه وسلم نائماً في الحجر في الحطيم فجاءه ملكان وأخرجاه إلى باب المسجد وبدأت رحلة الإسراء والمعراج ، هذه الأمور الأربعة المسجد الحرام والحجر وشعب أبي طالب وبيته كلها يشملها المسجد الحرام.
(إلى المسجد الأقصى) هو بيت المقدس المعروف والموجود في بلاد الشام في فلسطين وسمي بالأقصى وهو الأبعد لأنه لم يكن على وجه الأرض في ذلك الوقت إلا مسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، والمسجد الأقصى بالنسبة للمسجد الحرام بعيد المسافة ، كما قال المشركون خمسة عشر يوماً ذهاباًً وخمسة عشر يوماً إياباً فيحتاج من يسافر إليه شهراً كاملاً ذهاباً وإياباً ، فقيل الأقصى أي الأبعد مسافة لأنه هو أبعد مسجد عن مكة وما كان على وجه الأرض في ذلك الوقت إلا هذين المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن له وجود لأنه حصل بعد الهجرة وسيأتينا أن حادثة الإسراء والمعراج كانت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء الله.
إذن المسجد الأقصى قيل له : أقصى لبعد المسافة بيه وبين مكة.
والمسجد الحرام هو أول بيت وضع للناس كما قال الله تعالى : (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين). بكة ومكة اسمان مترادفان ، سميت بكة ومكة لأنها تبك وتمك رؤوس الجبابرة وتقسم ظهورهم وما أحد أرادها بسوء إلا عاجله الله بالعقوبة.
بك هو قطع العنق ودقه ، وهكذا المك ، بك ومك ، وسميت ببكة وبمكة مأخوذ من المك يقال : إذا خرجت أمعاؤه ونفسه وروحه من كثرة الزحام ، ولما يحصل فيها أيضاً زحام حول الطواف عند اجتماع الناس من كل فج عميق.
فإذن قيل لها مكة وبكة لحصول الزحام فيها ولعقوبة الله لكل من أرادها بسوء.
والمسجد الحرام بمكة هو أول بيت وضع للناس يليه المسجد الأقصى ، وبينهما أربعون عاماً كما ثبت في صحيح مسلم عن نبينا عليه الصلاة والسلام من حديث أبي ذر ، ولا يشكلن عليك هذا الدليل وإياك أن تقول إن أول من بنى بيت الله الحرام إبراهيم وأول من بنى بيت المقدس داود فليس الأمر كذلك. أول من بنى المسجد الحرام الملائكة ثم بنت بيت المقدس بعده بأربعين عاماً.
وهناك قول ثانٍ ولا يصح غير هذين القولين ، أول من بنى المسجد الحرام آدم وآدم حج إلى بيت الله الحرام قطعاً وجزماً وهكذا جميع أنبياء الله ورسله كلهم حجوا بيت الله الحرام.
والبيت المعمور في السموات بعد ذلك هذا على حيال وعلى اتجاه الكعبة التي في الأرض تماماً ، وهذا البيت – المسجد الحرام – كان موجود من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة ، كان يحجه ويزوره وآدم زار البيت وحج واعتمر وهكذا جميع أنبياء الله ورسله ثم بعض بنى آدم بنى المسجد الأقصى وكان بينهما أربعون عاماً هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صحيح مسلم ونص الحديث : [أول مسجد بنى المسجد الحرام قلت : ثم أي يا رسول الله؟ قال : المسجد الأقصى ، قلت : كم كان بينهما ؟ قال : أربعون عاماً] .
فقيل له أقصى لأن مسافته بعيدة عن المسجد الحرام .
(الذي باركنا حوله)
البركة هي : ثبوت الخير للشيء والله جعل بركات عظيمة حول المسجد الأقصى هذه البركات شاملة لبركات الدين والدنيا.
أما الدين فهي مكان بعثة الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه ، في بلاد الشام.
وأما الدنيا فما فيها من الخيرات والزروع والثمار لا يوجد في الأرض له مثيل ونظير ، فالخيرات فيها عظيمة فيما يتعلق بخيرات الدين وفيما يتعلق بخيرات الدنيا.
(باركنا حوله)
ديناً ودنيا ولذلك اعتبر نبينا عليه الصلاة والسلام أصول الفساد في بلاد الشام علامة على فساد سائر البلدان لأن المكان المبارك إذا فسد فغيره أفسد ؛ ثبت في صحيح ابن حبان ومسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن قرة بن إياس – والحديث حسنه الترمذي وصححه ا بن حبان – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم] وأهل الشام الآن أخبث من الشيطان إلا من رحم ربه وقليل ما هم ، ولذلك فالبشرية فيها هذا البلاء والغثاء والضلال لأن الخيار فسدوا فكيف سيكون حال الأشرار ؟! المكان الذي بارك الله فيه ضل وزاغ فكيف سيكون حال الأمكنة الأخرى؟!
وحديث الصحيحين عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة [وأنه لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله قال : وهم بالشام ظاهرون] فإذن بركة الدين والدنيا ، ونزول عيسي على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه في آخر الزمان سيكون في بلاد الشام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب المسيح الدجال عليه و على جميع الدجاجلة لعنة الله وغضبه فيقتله بباب لد في فلسطين ، فإذا رآه الدجال إنماع كما ينماع الملح في الماء فيقول : اخسأ عدو الله فإن لك ضربة لن تخطأك فيضربه عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فيقتله.
وليقرر إليه هذه البركة على أتم وجه أتى بأسلوب مقرر في البلاغة وهو أسلوب الالتفات وهو نقل المخاطب من هيئة إِلى هيئة ومن صيغة إلى صيغة ، فمثلاً : يكون يتحدث في حال الحضور فينتقل إلى الغيبة ويكون في حال الإفراد فينتقل إلى الجمع ، ويكون في حال غيبة فينتقل إلى حضور وهكذا ، فيغير في أسلوب الكلام من أجل أن يلفت الأذهان ويشحذها وأن هذا أمر عظيم ينبغي أن تقفوا عنده ، فأين الالتفات في الآية؟
المُخاطِبُ هو الله – سبحانه - غير في الكلام ، فكان الكلام على صيغة (سبحان الذي أسرى) وأسرى غيبة ، (أسرى بعبده) فلم يقل أسريت بعبدي ، ولم يقل : سبحاني أسريت بعبدي ، أو سبحاننا أسرينا بعبدنا على وجه التعظيم – من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، إذ أصل الكلام أن يقول : سبحاننا أسرينا بعبدنا ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله فتكون باركنا مثل سبحاننا وأسرينا وعبدنا ، لكن قال تعالى : (سبحان الذي أسري بعبده) على جهة الغيبة ثم قال (ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) فلو أراد أن يكون الكلام متفقاً مع الغيبة لقال : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير إذن فالمتكلم نقل كلامه من غيبة إلى حضور ومن جهة إلى جهة . وغرضه الأصلي أن يشحذ الذهن وأن يشد الانتباه لمضمون الكلام لئلا يحصل ملل وسآمة من مجيء الكلام على صورة واحدة ، ثم للتنبيه وهنا فائدة خاصة أيضاً ، أما غرض الالتفات العام شحذ الأذهان وجلب الانتباه ثم في كل مكان له غرض خاص ، فما هو الغرض الخاص هنا؟ للإشارة إلى عظيم تلك البركات الموجودة حول المسجد الأقصى فلأجل أن يقرر تلك البركات وكثرتها ونفعها نقل الكلام من هيئة إلى هيئة ، شحذ الذهن ثم قرر تلك البركات ، يدل على هذا : أنه أتى بنون التعظيم التي يعظم بها ربنا نفسه كأنه يقول : العظيم لا يفعل إلا أمراً عظيماً ، وهناك بركات جسيمة جعلتها حول المسجد الأقصى .
وهذا المسجد الأقصى الذي فرطنا فيه وفرطنا في بلاد الإسلام كلها بل فرطنا في الإسلام وما أقمنا وزناً للرحمن ولا لنبينا عليه الصلاة والسلام.
(لنريه من آياتنا)
الآيات العظيمة التي رآها نبينا عليه الصلاة والسلام تأتي الإشارة إليها إن شاء الله ضمن مبحث خاص فيما حصل له قبل إسرائه ، وعند إسرائه عليه الصلاة والسلام ولا زال في الأرض وعندما عرج به في السموات وعندما رقي إلى ما فوق السموات ، فهذه الآيات الأربع سنتكلم عنها إن شاء الله.
إذن آيات قبل رحلة الإسراء وسيأتينا منها شق الصدر الشريف لنبينا عليه صلوات الله وسلامه ، وما حصل له أثناء رحلته قبل أن يصل إلى السماء ، وما حصل له في السموات ، وما حصل له بعد السموات من آيات عظيمة : تكليم الله حصل له ، ولكن هل حصلت الرؤية أم لا؟ سنتكلم عن هذا كله إن شاء الله عند مبحث خاص في الآيات التي رآها نبينا عليه الصلاة والسلام.
(إنه هو السميع البصير)الضمير في (إنه) يعود على الله جل وعلا على المعتمد ، (إنه) أي إن الله (هو السميع البصير) ، وفي ذلك دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغ ويقول ويدعي ، فلو كان مفترياً هذا الأمر وأنه أسري به وعرج ولم يكن ذلك قد حصل فإن الله سميع لأقواله بصير فلبطش وأخذه أخذ عزيز مقتدر ، كما قال لنبيه موسى وهارون (إنني معكما أسمع وأرى) فإذا أراد ذاك اللعين – وهو فرعون – أن يتحرك فأنا لست بغائب ، أنا أسمع وأنا أرى ، أخسف به الأرض أرسل عليه حاصباً من السماء فتخطفه الملائكة من جميع الجهات ، فأنا معكما أسمع وأرى.
ولذلك قال نبينا عليه الصلاة والسلام لأبي بكر في حادثة الهجرة : [ما ظنك باثنين الله ثالثهم] (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) فإذا كان الله معك فلا تخف ولو كادك أهل الأرض ومعهم أهل السماء لو حصل ذلك ، فالله سيتولاك ويجعل لك فرجاً ومخرجاً من حيث لا تحتسب ، كما قال الله جل وعلا : (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب).
ثبت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه [أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليه هذه الآية (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) ثم قال : يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بهذه الآية لوسعتهم فمازال يكررها عليّ حتى نعست] .
إذن (إنه هو السميع البصير) يعود على الله جل وعلا ، هو سميع بصير ففي ذلك إشارة إلى صدق نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه فيما ادعى وأخبر فلو كان الأمر بخلاف ذلك لما أقره الله ولما تركه ولعاجل له العقوبة : (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين).
وقيل : إن الضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما حكاه أبو البقاء العُكْبَري (إنه) أي أن النبي صلى الله عليه وسلم سميع بصير ، سميع لأوامر الله ، بصير بي وفي ذلك إشارة إلى حصول رؤية نبينا عليه الصلاة والسلام لربه، والمعتمد أنه حصلت له الرؤية ، لكن هل بقلبه أم بعين رأسه ؟ نشير إلى هذا عند الآيات التي رآها فوق السموات ، فالرؤية حصلت له (ما زاغ البصر وما طغى) وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام : [رأيت نوراً] وكما قال ابن عباس : [رأى محمد عليه الصلاة والسلام ربه مرتين] لكن هل هذه رؤية قلبية أم بصرية بعين رأسه ، سنفصل الكلام على هذا في حينه إن شاء الله تعالى إذن سميع لأوامر الله ، بصير بي ، ليس حاله كحال غيره فانظر للفارق العظيم بينه وبين الكليم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ، أما موسى الكليم فهو الذي طلب من الله جل وعلا أن يمكنه من رؤيته وأن يأذن له بالنظر إليه فقال : (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً) إذن تشوق للأمر فقال الله تعالى : لا يحصل لك ولا تتمكن من ذلك ثم لما تجلى الله للجبل صعق موسي وخر مغشياً عليه ، بينما نبينا عليه الصلاة والسلام دعي للأمر دون أن يتشوق وأن يتطلع وأن يطلب ، ثم ثبته الله فما زاغ البصر وما طغى.
شتان شتان بين من يقول الله عنه : (ما زاغ البصر وما طغى) وبين من يقول عنه : (وخر موسى صعقاً) ، ولذلك قال أئمتنا : نبينا مراد ، وموسى مريد ، وشتان بين المراد والمريد.
ذاك هو يطلب ثم لا يثبت ولا يتمكن ، بينما هذا يطلبه الله ، عليهم صلوات الله وسلامه.
وقال أئمتنا : نبينا يطير وموسى يسير ، وشتان بين من يطير ومن يسير.
وقال أئمتنا : إن موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مظهر للجلال والفخر الإلهي ، كما أن عيسى مظهر للجمال والنور الإلهي ، ومحمد عليه صلوات الله وسلامه مظهر للكمال الإلهي فجمع الجلال وجمع الجمال فهو الضحوك القتال ، يخفض جناحه للمؤمنين وهو بهم رؤوف رحيم ، ويفلق هام الكافرين ويغلظ عليهم ، وهو عليهم شديد عظيم ، وهذا هو حال الكمال ، أن تضع كل شيء في موضعه ، أما أن تغلظ على المؤمنين وتشد عليهم فهذا في الحقيقة في غير محله ، فهارون نبي من أنبياء الله المصطفين الأخيار ، لما رجع نبي الله موسى على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه إلى قومه بعد مناجاة ربه وقد عبدوا العجل ، ماذا فعل؟ أخذ بلحية أخيه هارون وبرأسه يجره إليه ويضربه ، وحمل ألواح التوراة وألقاها حتى تكسرت ، وقال هارون : ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ، لم تضربني إذا عبد بنو إسرائيل فماذا أفعل أنا ؟ (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) ، أي أما خشيت أن نخاصمهم ونقاتلهم ثم تأتي وتقول : لقد عملت مشكلة في بني إسرائيل وفرقت بينهم ، فانتظرت قدومك لأجل أن نبحث في أمرهم ونعيدهم إلى حظيرة الإسلام ، وهذا جرى من موسى أي موسى وهو أكبر من هارون وله عليه دالة ، ثم هو أعلى منه مكانه في النبوة ، لكن هذا غضب وانفعال ودالة أخ على أخيه فهل هذا كمال؟ لا ليس بكمال ، بل هو قهر وجلال.
وانظر إلى نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ، فهو على العكس لم يرفع صوته قط على أحد ، وحياته كلها حياة وسلم وصفح وُحلم ورحمة ، فهذا جمال لكن انظر إلى الكمال كيف يضع الأمر في موضعه ؟ (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) ، (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليكم) ، يضع كل شيء في موضعه فهذا من الكمال.
من الذي حاز الكمال من الصحابة؟
أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقط ، ومن عداه إما جمال أو جلال ، فعمر جلال ومظهر للانتقام والشدة والبطش في الحق ، لكن ليس عند مظهر الجمال فعمر رضي الله عنه أرسل إلى امرأة بلغه حولها ريبة ففي الطريق بدأت تولول وتقول مالي ولأمير المؤمنين عمر ، مالي ولعمر ، فأسقطت خوفاً منه قبل أن تصل إليه.
وكان يحلق رأسه في الحج بعد أن انتهي من النسك فتنحنح عمر : احم احم والحلاق يحلق رأسه ، فأحدث – أي الحلاق – في سراويله ، هيبة من عمر ، هذا عمر ، ومن الذي كان يجرؤ أن يعاركه ، وهو الذي يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيه – والحديث في الصحيحين [ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك].
وعثمان مظهر جمال ورقة وحلم وصفح فلا يخطر ببال أحد أنه يمكن أن ينتقم من شخص أو يبطش به ، هذا هو الذي جرأ السفهاء عليه لما وسع عثمان المسجد كما في صحيح البخاري ، وفي منبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال أيها الناس إنكم أكثرتم أي كل واحد يتكلم ويطلق لسانه ولا يستحي من الله مع أنه كان خليفة راشداً ذا النورين ما علم هذا لأحد من خلق الله ، أنه تزوج بنتي نبي ، قال : وإني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول : [من بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَصِ قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة].
ولنسأل : من الذي وسع المسجد قبله؟
هو عمر ، لكن هل تكلم أحد عندما وسع عمر المسجد والله لو أن واحداً همس لأتى به عمر ووطأ على رقبته ، لكن انظر إلى عثمان هو الذي يعتذر لهم يقول : أكثرتم ، أكثرتم عليّ من الكلام في المدينة ، فما عملته حتى تتكلموا عليّ؟ مسجد النبي عليه الصلاة والسلام وسعته فماذا في هذا ؟! فسبحان الله خليفة يعتذر.
ثم لما اجتمع الثوار الأشرار لحصاره وبقي خمساً وعشرين يوماً يحاصروه جاءه عليٌّ والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين والصحابة يطلبون منه أن يأذن لهم في نصرته فقال لهم : من كان سامعاً مطيعاً ولي عليه في رقبته بيعة ، ولي عليه حق السمع والطاعة فليلق سلاحه ولينصرف حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين ، ولا أريد أن يراق من أجلي قطرة دم ، إن يقتلوني فالله يحاسبهم ، وإذا انكفوا عن طغيانهم فحصل الذي أريد ، أما أن يحصل قتال فهذا لا أريده ، هذا ممكن أن يحصل في عهد عمر رضي الله عنه.
فهناك جلال وهناك جمال وأما أبو بكر فهو الكمال.
إخوتي الكرام .. من لطف الله بهذه الأمة أن الخليفة بعد الرسول عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر ، ووالله لو جاء غيره لطاشت عقول الصحابة لأن أبا بكر هو صورة طبق الأصل للنبي عليه الصلاة والسلام ، وما يختلفان إلا أن ذاك محمد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه – وهذا عتيق الله أبو بكر الصديق ، فذاك رسول وهذا صديق لا يختلفان في الطبيعة ولا بمثقال ذرة ، وإن أردت أن تتحقق من هذا ، انظر لصلح الحديبية لما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام الصلح مع المشركين على أن يرجع هو والمؤمنون هذا العام ليأتوا في العام الآتي ، وكتبوا شروطاً فيها قسوة في الظاهر على المسلمين ، فمن الذي لج وضج ؟ إنه عمر ، بدأ ينفعل ويغضب غاية الغضب فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال : ألسنا على الحق؟ قال : بلي ، فقال : أليسوا على الباطل؟ قال : بلى ، قال : علام نعطى الدنية في ديننا؟! سيوفنا معنا والله معنا نبيدهم ونستأصل خضراءهم فماذا كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ يا عمر إني رسول الله ولن يضيعني الله.
ثم ذهب إلى أبي بكر وقال : يا أبا بكر ألسنا على الحق؟ قال : بلى ، قال أليسوا على الباطل؟ قال : بلى ، قال : علام نعطى الدنية في ديننا ؟! فماذا كان جوابه لعمر دون أن يسمع جواب النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال : يا عمر اعرف قدرك إنه رسول الله ولن يضيعه الله فهذا كلام من مشكاة واحدة ، اعرف قدرك من أنت لتفور لتثور ؟ ، إن هذا رسول الله لا ينطق عن الهوى ، يسدده في جميع أحواله، فأنا وأنت لا نعلم إلا الحاضر ، لكن هذا رسول الله يوجهه من يعلم الغيب من يعلم السر وأخفى ، فاعرف قدرك وقف عند حدك .
لو جاء بعد النبي عليه الصلاة والسلام خليفة غير أبي بكر ، والله لطاشت عقول الصحابة وجنوا على قيد الحياة ، ولم هذا؟
لأنهم أصيبوا بنبيهم عليه الصلاة والسلام ، وهذه أعظم المصائب في الدين ، المصيبة الثانية أنه قد جاءهم من ليس على طبيعته وبالتالي تغيرت عليهم الأمور من جميع الأحوال ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ذهب ثم جاء من لا يمثله تماماً ، لا أقول عنده انحراف ، حاشا وكلا أن يكون في أحد الصحابة انحراف ، لكن شتان بين طبيعة أبي بكر وطبيعة غيره ، فجاءهم أبو بكر ، ولذلك يعتبر أبو بكر برزخاً ، أي مثل الحياة البرزخية بين الدنيا والآخرة ، فهو برزخ بين حياة النبي عليه الصلاة والسلام وبين الحياة التي جاءت بعد ذلك لتكون انتقالاً ، وليخف عليهم أثر فراق النبي عليه الصلاة والسلام ، فما فقدوا في عهد أبي بكر إلا شخص النبي عليه الصلاة والسلام ، وأما الرعاية والتوجيه والحلم والشدة في موضعها كل هذا موجودٌ كما كان النبي عليه الصلاة والسلام فيهم.
المرحلة الثانية :
مباحث الإسراء والمعراج
المبحث الأول :
اتفق أهل الحق على أن الإسراء والمعراج كانا بروح النبي عليه الصلاة والسلام وبدنه يقظة لا مناماً دل على هذا ثمانية أمور ، كلها حق مقبول :
الأمر الأول :
افتتاح آية الإسراء بلفظ التسبيح (سبحان) ، وقد تقدم معنا أن من معاني التسبيح تنزيه الله عن السوء والتعجب ، والأمران يدخلان هنا ، فالله جل وعلا ينزه نفسه عن السوء في مطلع هذه السورة للإشارة إلى أن طعن المشركين في خبر نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه طعنهم في خبره بأنه أسرى به وأن هذا لا يمكن أن يحصل له وأن هذا مستحيل وأن هذا بعيد ، فهذا نقص يتنزه الله عنه فهو على كل شيء قدير.
وفي ذلك أيضاً تعجيب للمسلمين وللخلق أجمعين لما حصل لنبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه ، والتعجب يحصل عند أمر غريب أو أمر غير مألوف؟ بل يحصل عند أمر غريب ، ولذلك افتتحه بقوله (سبحان) ، فالتنزيه يدل على حصول الإسراء والمعراج والطعن في هذا طعن في قدرة الله التي لا تحد بحد ، والتسبيح إذا كان معناه التعجب تعجبوا مما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام من إسراء بروحه وجسده ومعراج بروحه وجسده في جزء من الليل.
الأمر الثاني : أو اللفظة الثانية :
(عبده) العبد هو اسم لمجموع الروح والجسد ، هذا كقول الله جل وعلا : (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ) للروح أم للجسد؟ لهما.
وكقوله تعالى : (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) فأتى عليه لم يكن شيئاً للروح أم للجسد ؟ لروحه ولجسده ولا كانت روحه والله خلقه ونفخ فيه الروح وهو على كل شيء قدير فالعبد والإنسان هذان اسمان للروح وللجسد فليس اسماً للجسد فقط ، ولا للروح فقط ، والله سبحانه يقول (سبحان الذي أسري بعبده) فدخل في لفظ العبد جسد النبي عليه الصلاة والسلام وروحه.
الأمر الثالث : أو اللفظ الثالث :
في الآية (السميع البصير) وتقدم معنا أن الأظهر في (أنه هو السميع البصير) أنه يعود على الله جل وعلا وفي ذلك دلالة على أن الإسراء كان بروح النبي عليه الصلاة والسلام وجسده يقظة لا مناماً ، لأن الأمر لو لم يكن كذلك وادعاه النبي عليه الصلاة والسلام فكيف يتركه السميع البصير ، فلو كان مفترياً ومختلقاًً لهذا وتقولاً على الله لما أقره السميع البصير لأن الله لا يؤيد الكذاب ولا يناصر المخادع ويهتك ستر المنافق ، فكيف إذاً يدعي النبي عليه الصلاة والسلام هذا ولم يكن يحصل له ، والله سميع بصير يقره.
وإذا عاد إلى النبي عليه الصلاة والسلام – كما ذكرنا قبل أنه أحد الأقوال – فقلنا إن الأمر كذلك فهو سميع لأوامري بصير بي ، حدثت له الرؤية في حادث الإسراء والمعراج.
الأمر الرابع :
قول الله تعالى في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام في سورة النجم عندما تعرض لذكر حادثة الإسراء والمعراج وأنه رأى في الملأ الأعلى ما رأى ، قال : (ما زاغ البصر وما طغى لقدر رأى من آيات ربه الكبرى) وقوله في الآيات (ولقد رآه نزلة أخرى) أي ولقد رأى نبينا عليه الصلاة والسلام جبريل ، (نزلة أخرى) أي مرة أخرى (عند سدرة المنتهى ، عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى) فراش من ذهب ومن الألوان التي لا يوجد مثلها في زمن من الأزمان ، أنواع عند سدرة المنتهي فراش من ذهب كما هو ثابت هذا في الصحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام ، (ما زاغ البصر وما طغى) ,وزيغ البصر هذا يقع للإنسان يقظة لا مناماً.
الأمر الخامس : أو الدليل الخامس :
لما تحدث الله سبحانه وتعالى عن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الإسراء ، أخبرنا عن عظيم ما حصل له وعن عظيم ما رآه ، فقال جل وعلا : (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة الناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً) ، ثبت في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : [هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم] ، وهذه الرؤيا حقيقية هي فتنة و امتحان يظهر فيها المؤمن المصدق والكافر الجاحد عندما قال لهم نبينا عليه الصلاة والسلام أسري بي في جزء من الليل إلى بيت المقدس ثم عرج بي للسموات العلى ثم عدت إلى بيت المقدس ، ثم عدت إلى مكة في جزء من الليل وفراشي دافئ فهذا فتنة أم لا ؟ نعم هو فتنة ، ولذلك سيأتينا أن تكذيب المشركين هذا دليل على أن الإسراء والمعراج بروح النبي صلى الله عليه وسلم وجسده في اليقظة لا في المنام ، لأنه لو كان في المنام لقالوا له : أنت ذهبت إلى بيت المقدس ، أما نحن فذهبنا في هذه الليلة إلى الصين فينبغي أن تكون نبوتنا نحن أعلى من نبوتك لأنك تذهب إلى بيت المقدس أما نحن فنذهب إلى أبعد ، فالقول بأنه كان في المنام ليس فيه معجزة للرسول صلي الله عليه وسلم وأمر خارق للعادة قد حصل له ، وهو – أي الأمر الخارق – أنهم يذهبون لبيت المقدس خمسة عشر يوماً ذهاباً وخمسة عشر يوماً إياباً ويقطعها هو في جزء من الليل يضاف إلى هذا أنه يعرج به إلى السموات العلى ويعاد في جزء من الليل.
إذن رؤيا عين أريها رسول الله صلي الله عليه وسلم ومتى ثبتت له هذه ؟ في حادث الإسراء والمعراج (الشجرة الملعونة في القرآن) أي أيضاً جعلناها فتنة للناس وهي شجرة الزقوم ، ولذلك لما نزل قول الله جل وعلا للإخبار بأن الكفار يأكلون من شجرة الزقوم قال أبو جهل عليه لعنة الله وغضبه مستهزءاً بكلام الله جل وعلا ومستخفاً بمحمد عليه صلوات الله وسلامه : أتدرون ما الزقوم ؟!هي عجوة يثرب بالزبد – (عجوة) أي أجود أنواع التمر ، (الزبد) عندما يوضع على التمر قشدة الحليب وخلاصة الحليب الدسم – والله لأن أمكنني الله منها لأتزقمنها تزقماً ، ونقول له : هنيئاً مريئاً بالزقوم ، فقال الله تعالى : (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم) فإن شجرة الزقوم فتنة ووجه كونها فتنة : قال المشركون : يا محمد أنت تخبرنا أن شجرة الزقوم تخرج في أصل الجحيم ، فهل بدأت تهذي تخرف ، كيف تنبت الأشجار في وسط النار ، والنار تحرق الأشجار ، أفليست هذه فتنة؟ !!.
إخوتي الكرام .... هذه نار الدنيا تحرق الأشجار من طبيعة خاصة وإذا أراد الله أن ينبت في نار الدنيا شجراً فإنه على كل شيء قدير.(قصة القسيس مع الشيخ الحلبي الصالح لما وضع جبته داخل جبته وألقاها في فرن فاحترقت جبة القسيس ولم تحترق جبة الشيخ الصالح إلخ).
حقيقة إن هذه القوانين التي وضعها الله سبحانه لتتحكم في هذا الكون لا نستطيع أن نخرج نحن عنها ، لكن إذا أراد الله تعالى أن يبطلها فهو على كل شيء قدير ، فالنار المحرقة يجعلها ظلاً بارداً والظل البارد يجعله الله سموماً محرقاً فإنه على كل شيء قدير.
وإذا أراد الله أن يجعل الارتواء والري في البترول فإذا شربته ترتوي ويذهب الظمأ ويجعل العطش في الماء فهو على كل شيء قدير ، أي فهل الماء بطبيعته يروي الإنسان؟ لا بل جعل الله فيه هذه الخاصة ، فإذا أبطلها فإنه على كل شيء قدير.
هذا اللسان هل يتكلم وحده ، أم جعل الله فيه هذه الخاصية ؟ بل جعل الله فيه هذه الخاصية ولذلك إذا أراد أن يُنْطق يدك ، فهل تنطق اليد ؟ نعم (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون) ، (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) ، والذي أنطق اللسان ينطق اليد وينطق الرجل وتشهد الجلود كما أخبر ربنا المعبود سبحانه وتعالى ، فهذه القوانين تتحكم فيَّ وفيك ، فأنا لا أستطيع أن أُنطق يدك فأقول لليد تكلمي فلا تتكلم. إنطاق اليد وإنطاق اللسان بالنسبة لقدرته سواء ، أُذِنَ لِلِّسان فنطق ، فإذا أذن لليد بالنطق نطقت.
والأرض يوم القيامة ماذا يكون حالها (يومئذ تحدث أخبارها) ثبت في المستدرك وسنن الترمذي بسند صحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال : [تشهد على ابن آدم بما عمل على ظهرها من خير أو شر] فالأرض هذه ستشهد عليك ، ولا تقل كيف ستتكلم الأرض ، إذ كيف تكلم لسانك ؟ فكم من إنسان له لسان ولا يستطيع أن يتكلم به أي أخرس ، هل لسانه أقصر من لساننا أو أطول أو شكله مختلف ؟ لا بل هو هو ولكن ما أذن الله له بالنطق ، فهو على كل شيء قدير.
ولذلك أنت يا ابن آدم تتكلم بلحم وتسمع بعظم وتبصر بشحم والله على كل شيء قدير.
فالعين مادة شحمية ، والأذن عظام متجوفة بواسطتها تنتقل إليك ذبذبات الأصوات وتسمع ، فإذا ابتلى الله إنساناً بالصمم فهل يستطيع أن يسمع ؟ لا مع أن له أذناً.
وإذا أفقد الله النور من البصر فلا يستطيع أن يرى مع أن له عينين لدرجة أنك لو نظرت إليه أحياناً ما تظن أنه أعمىً ، لكنه أعمىً.
ولذلك فاوت الله بين عباده لئلا يقول الناس هذا طبيعة ، فلو كان كلهم يتكلمون لقال الناس هذا طبيعة ، واللسان من طبيعته أن يتكلم ، لكننا نقول له فلان عنده لسان ولا يتكلم ، ولو كان طبيعة لتكلم هو ولتكلمت جميع الألسنة.
وهنا كذلك شجرة تنبت في النار والنار تحرق الأشجار ، فهذه القوانين تتحكم فيَّ وفيك ولا تتحكم فيمن خلقها وأوجدها وهو رب العالمين سبحانه وتعالى ، ولو تحكمت فيه لكان محكوماً ولما كان حاكماً وهو الذي لا يسأل عما يفعل ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وبم يتميز المؤمن عن غيره ؟ ولذلك الشيطان يحزن عندما يموت العابد الجاهل ، ويفرح عندما يموت العالم العليم الذكي ، قالوا لمَ؟ قال : العابد كنا نضله ونخدع الأمة به باسم الشرع ، وأما هذا العالم – فإننا ننصب للناس أشباكاً وأشراكاً – مصايد ونتعب فيها فيأتي العالم بكلمة واحدة يبطل حيلنا ، ولذلك نحن إذا مات العالم نفرح وإذا مات العالم الجاهل نحزن ، لأنه كان مصيدة لنا وأما ذاك فكان يكشف مصائدنا قالوا : وكيف ؟ قال أريكم ، فأخذ إبليس أعوانه وذهبوا إلى عابد جاهل وقالوا له : هل يستطيع الله أن يخلق الدنيا في جوف بيضة ؟ فقال : وكيف يكون هذا ؟ إنه لا يستطيع ولا يقدر على هذا فقال إبليس لأتباعه : كفر وهو لا يدري ، ثم ذهبوا إلى عالم وقالوا : هذه الدنيا على سعتها ولا ترى طرفها فهل يستطيع الله أن يوجدها في داخل بيضة ؟ فقال : ومن يمنعه ؟ قالوا : وكيف يدخلها في داخل بيضة ؟ قال يقول لها : كوني فكانت فيوسع البيضة ، ويصغر الدنيا وهو على كل شيء قدير ، فمن الذي يمنعه ؟ ثم قال لهم إبليس : انظروا كيف يفعل بنا العالم وكيف نفعل بالعابد الجاهل.
ولذلك هنا هذا الجاهل أبو الجهل أبو جهل لما نزلت الآية قال كيف تخبرنا أن شجرة الزقوم تخرج في أصل الجحيم ؟ فهل بدأت تخرف ؟ فكيف الأشجار تنبت في النار ؟ (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم) .
الأمر السادس :
ركوب نبينا عليه الصلاة والسلام للبراق فهذا مما يدل على أن الإسراء والمعراج كان بروح النبي عليه الصلاة والسلام وجسده يقظة لا مناما ، ثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [أتيت بالبراق مسرجاً ملجماً – يضع خطوه عند منتهى طرفه] وهذا الحديث إلى هنا ثابت في الصحيحين ، زاد الترمذي وابن حبان : [فلما قدمه لي جبريل نفر فقال له جبريل : مالك؟ والله ما ركبك خير منه ، فما فارفضَّ عرقاً] (مسرجاً : أي عليه السرج ليركب عليه الراكب) ، (ملجماً : أي عليه اللجام) ، (خطوه عند منتهى طرفه : أي إلى مقدار ما يرى فرجله تصل إلى ذلك) ، (فارفضّ : أي بدأ يتصبب من العرق)
فهذا البراق الذي ركبه نبينا عليه الصلاة والسلام كان في اليقظة.
يقول أئمتنا وإنما حصل في البراق شيء من الامتناع والنفور في أول الأمر ؛ لأمرين :
أ*- الأمر الأول :
لأنه لم يروض منذ فترة ، فالأنبياء كانوا يركبون على البراق قبل نبينا عليه الصلاة والسلام عندما كانوا يزورون بيت الله الحرام لكن من عهد عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه إلى عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما رُكب البراقُ ، وعادة الخيل إذا أُهملت فترة ولم تُركب يصبح فيها نفور وتند وتشرد ؛ لأنها ليست مروضة فلابد من اعتياد الركوب عليها ليسهل انقيادها ويسهل . فإذن من فترة طويلة لم تركب هذه الدابة التي كان يركب الأنبياء قبل نبينا عليه الصلاة والسلام عليها وانظر إلى الحمير الأهلية الآن التي تسمى الإنسية بسبب عدم خوفها من الناس ولكن تراها الآن تهرب وذلك لقلة استعمالها وهي دابة كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام دون البغل وفوق الحمار ، يقال لها البراق ، إما مأخوذة من البريق : وهو اللمعان ؛ لأن لونها أبيض يتلألأ نوراً وإما من البرق ، وهو منتهى السرعة لأنها تضع خطوها عند منتهى طرفها.
ب*- الأمر الثاني :
ولعله أوجه الأمرين وأقوى وهو الذي يظهر لي والعلم عند الله ، أنها ندت ونفرت وامتنعت امتناع زهو وخيلاء لا امتناع نفور وإباء ، فلما جيء بالبراق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليركبه بدأت ترقص وتهرول ولا تنقاد ولا تجلس بسكينة بجواره لما حصل لها من الطرب والفرح لأنه سيركبها خير المخلوقات محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذه حالة الإنسان عندما يفرح فرحاً شديداً يوصله إلى البطر فتراه يرقص ، فالإنسان عندما يبشر بنعمة حصلت له قد يشتد فرحة بها لدرجة توصله إلى درجة الأشر والبطر ، وهذا مذموم في حق الإنسان ، لكن عندما يصل هذه الدرجة فما يكون حاله؟ تراه يقوم ويرقص ويأتي بحركات موزونة ليخبر عن فرحه ، كما أن المصيبة عندما تشتد عليه ولا يملك نفسه فانظر ماذا يفعل؟ [ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية]، ولذلك لا جزع ولا بطر ، والمؤمن في حال النعمة يشكر الله وفي حال المصيبة يصبر.
الشاهد أن هذه الدابة من شدة فرحها بدأت تهرول وترقص وتعمل حركات كما هو حال الخيل عندما يعتريها الزهو ، فما كان نفورها نفور امتناع إنما كان للزهو والخيلاء كأنها تقول : أنا سأطرب وأرقص لما سيحصل لي من المنزلة العظيمة وهي ركوب خاتم الأنبياء والمرسلين عليه صلوات الله سلامه على ظهري ، وهذه في الحقيقة منقبة عظيمة للبراق.
الشاهد إخوتي الكرام ..... ركوب نبينا عليه الصلاة والسلام على ظهر البراق وإحضار البراق له هذا دليل على أنه حصل في اليقظة.
الأمر السابع :
تكذيب المشركين لنبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه ، دليل على أن تلك الحادثة وقعت له يقظة لا مناماً ، فلو كانت مناما لما كان هناك داعٍ للتكذيب ولقالوا له : ما حصل لك في الرؤية يحصل لنا ما هو أبعد منه وليس في هذه دليل على مكانتك ونبوتك وصدقك وأنك رسول الله ، فلما كذبوه دل على أنه بروحه وجسده يقظة لا مناماً ، لاسيما عندما أخبرهم بعد ذلك بما يزيل تكذيبهم وسيأتينا في ذكر الآيات التي رآها – قالوا : إن كان كما تقول يا محمد ، فانعت لنا المسجد الأقصى – وهذا لا يقال لرؤيا منامية إنما حصل له في اليقظة – وصفه لنا كم عدد أبوابه وكم عدد نوافذه وماذا يوجد فيه من أساطين؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم : لما قالوا لي هذا أحرجت حرجاً عظيماً حتى أتى جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام لي ببيت المقدس ووضعه أمامي فجعلت أنظر إليه وأنعته لهم باباً باباً ، وجبريل إما اقتلع بيت المقدس وأتاه به – والله على كل شيء قدير – وإما أتى بمثال له ، فكل من الأمرين يحصل به المراد وهو وصف المسجد الأقصى.
الأمر الثامن أو الدليل الثامن وهو آخرها :
نقول حادثة الإسراء والمعراج هي أمر ممكن ، ورد به السمع فيجب الإيمان به ، وهذه قاعدة عضوا عليه بالنواجذ وانتبهوا لها
* كل ممكن : أي يجوز وقوعه ولا يحيل حصوله.
* ورد السمع به : أي أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام به ، بأنه أُسري به وعُرج مثلاً.
* يجب الإيمان به : فلا يجوز تأويله ولا إخراجه عن ظاهره وكل من فعل هذا ففيه شعبة من شعب الباطنية ومسلك من مسالكهم.
فمثلاً عذاب القبر ممكن أم مستحيل؟ ممكن ، نعيم القبر ممكن أم مستحيل ؟ ممكن
ورد بهما السمع فنؤمن بهما ، ولا نقول كيف يكون ؟! بل الواجب الإيمان به والتسليم ومثلهما وجود الموازين والصراط في يوم القيامة ممكن ورد به السمع نؤمن به ، وكوننا لا نتوصل إليه بحواسنا ، فهذا أمر لا يعنينا ، لكن هل هذا مستحيل ؟ لا ، فإذا كان مستحيل هنا مجال البحث وهل تأتي الشريعة بما تحيله العقول ، لا يمكن أن يتعارض معقول مع منقول ، إذا تعارضا فالآفة في أحدهما ، إما في النقل فلم يصح ، وإما في العقل فليس بصريح ولا سديد فلا يتعارض نقل وعقل هذا شرع الله وهذا خلقه وليس في خلقه من تفاوت وليس في شرعه من تضارب (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).
وقد ألف الإمام ابن تيمية رحمه الله كتاباً في عشر مجلدات يدور حول هذا الموضوع سماه : (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) فلا يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح ، هذا الكتاب لو وزن ذهبا لكان أغلى من وزنه ذهباً ، ويسمى (درء تعارض العقل والنقل).
ولذلك قال أئمتنا : لا تأتي الشرائع بما تحيله العقول لكن تأتي بما تحار فيه العقول ، وشتان ما بين الحيرة والإحالة ، فالإحالة لا يمكن أن تقع ، أما الحيرة فموجودة فيما تشاهده ، فكيف بما لا تشاهده؟ لسانك ينطق ، وهو قطعة لحم فهذا يحير العقل أم لا؟ لكن الإنسان من غلظ كبده ، وتبلد شعوره وإحساسه ، ما يقع حسه عليه باستمرار يغفل عن الحكمة فيه ولا يعتبر في شأنه والله يقول : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ، كم من لسان يتكلم ، فهذا يحار فيه العقل أم يحيله العقل؟ هذه حيرة تحير ، فكيف تكلم هنا العضو من الإنسان فهذه حيرة مقصودة من الشارع ، كما قلنا تنطق بلحم وتبصر بشحم وتسمع بعظم ، كيف هذا؟ (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ، وهذا الخلق الذي هو في أحسن تقويم هذا مما يحار العقل فيه ولا يحيله لأنه مشاهد أمامنا ، ولكن من أي شيء ؟ خلق من ماء مهين كما قال ربنا جل وعلا.
وهذا الإنسان وتكونه لو لم نره في حياتنا وقيل لنا : من هذا الماء يخلق إنسان له رجلان يمشي عليهما ، ويدان يبطش بهما ورأس يدرك به وله أعضاء وتتحرك كله من هذه النطفة ، لقلنا له أنت تخرف ، كيف من هذه النطفة يخلق هذا، ولكن لمشاهدتنا له قل اعتبارنا به.
يقول أئمتنا : لو لم نر حيواناً يمشي على بطنه والله يقول هذا في كتابه (فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع) ، لاستغرب كثير من الناس بل لأحال بعضهم وأنكر وجود حيوان يمشي على بطنه ، لكن لما رأينا الحية تمشي على بطنها فحينئذ قلنا ممكن ، ورأينا إنساناً يمشي على رجلين ، ورأينا دابة تمشي على أربع فقلنا ممكن ، ولو أراد الله الإنسان أن يمشي على رأسه ممكن وهذا سيقع يوم القيامة (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) فهم يمشون على وجوههم وليس على أرجلهم ، وقيل لقتادة : كيف يمشي على وجهه؟ قال : أوليس الذي أمشاهم على رجلين بقادر على أن يمشيهم على الوجوه ؟! فكل هذا مما يحير العقل لا مما يحيله.
والحيرة مقصودة ليسلم المخلوق بعجزه لخالقه ، لكن الإحالة باطلة ، ومثال الإحالة الجمع بين النقيضين ، نفي النقيضين ، هذا مستحيل ، فلو قيل لنا : هل يقدر الله أن يوجد هذا حياً ميتاً في وقت واحد فماذا يكون الجواب ؟ نقول : هذا ليس متعلق القدرة والعقل يحيل هذا ولكن هل نقول ممكن أم غير ممكن ؟ لا نقول ممكن ولا غير ممكن ، أن يوجد الله هذا حياً ميتاً في وقت واحد لا نقول إنه ممكن لأنه ليس متعلق بقدرة بل هو مستحيل ، ولا نقول غير ممكن لأن هذا سوء أدب مع الله ، لأن متعلق القدرة الممكنات والجائزات ، وهذا مر في شرح الطحاوية في مبحث القدرة والإرادة ، وهو مفصل في موضعه ، فلو قيل هل يستطيع الله أن يقلب فلاناً إلى سيارة ؟ نقول نعم لأنه ممكن وهو على كل شيء قدير ، وهل يستطيع أن يمسخه قرداً أو خنزيراً؟ نقول ممكن ولكن هل يستطيع أن يجعله حياً وميتاً في آنٍ واحدٍ ؟ نقول : الحياة نقيض الموت فإذا كان حيا فليس بميت وإذا كان ميتا فليس بحي ، فكيف ستتعلق القدرة بما يحيله العقل لا بما يحار فيه؟.
وعندما يمسخ الإنسان (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) هذا المسخ يحيله العقل أم يحار فيه بل يحار فيه ، إنسان سوي ثم مسخ.
يذكر الإمام ابن كثير في تفسيره عند سورة القصص أنه كان بعض الناس في مسجد نجران وعنده وسامة وجمال فقال له بعض الحاضرين : ما أجملك ، يعني خلقة بهية خلقك الله عليها – فقال : أنت تتعجب من حسني ! الله يتعجب من حسني ، فبدأ يتصاغر أمام الناظرين وهم يرونه حتى صار طوله شبراً ، فهذا ممكن أم مستحيل ؟ ممكن لكن يحار فيه العقل.
لذلك يمكن أن تأتي الشريعة بمستحيل ، فنقول هذا الشيء إما موجود وإما معدوم ، ولكن هل يمكن أن يجتمعا ؟ لا يمكن أن يجتمعا ولا أن يرتفعا ، قال أئمتنا :
"عقول البشر قاطبة تقرر أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان" أي لا يمكن وجودهما ولا يمكن انتفاؤهما ، بل لابد من وجود واحد منهما.
عذاب القبر ممكن وهو مما يحار فيه العقل ولا يحيله ، ولو وضع صِدِّيق وزنديق في قبر واحد لكان القبر روضة من رياض الجنة على الصِدِّيق وحفرة من حفر النار على الزنديق، فإن قيل كيف هذا ؟ نقول : هذا مما تحار فيه العقول وتعجز عن الوصول إليه من جميع الجهات فتسلم بعجزها لرب البريات ، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً).
العلم للرحمن جل جلاله \\\ وسواه في جهلائه يتغمغم
ما للتراب وللعلوم وإنما \\\ يســعي ليــعلم أنه لا يـعلم
فنحن نسعى لنعلم أننا كنا لا نعلم لا لنتعلم.
ونحن نسعى ما كنا نجهله لا لنصل لدرجة العلم ، لأن العلم لمن هو بكل شيء عليم (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً).
انظر إلى الإمام الشافعي عليه رحمة الله – وهذا حال أئمتنا – يقول :
كلما أدبني الدهر \\\ أراني نقص عقلي
وإذا ما ازددت علماً \\\ زادني علماً بجهلي
فحن نتعلم لنكشف جهلنا لا لنصل إلى مستوى ربنا جل وعلا ، ولا يمكن أن تأتي الشريعة بما تحيله العقول ، حادث الإسراء والمعراج ، كونه يسرى به من مكة إلى بيت المقدس إلى السموات العلا ثم يعاد في جزء من الليل ، هل هو ممكن أم مستحيل ؟ وهل يتصور العقل وجوده أم يحيل وجوده ؟ هو ممكن ويتصور العقل وجوده ، وقد ورد به السمع وهو الذي لا ينطق عن الهوى – فيجب الإيمان به.
ولو كان مستحيلاً لا يقبله العقل لقلنا : انظروا لعل السمع ما صح ، أما أن يصح السمع والعقل يحيل فهذا لا يمكن أن يقع على الإطلاق.
فمثلاً حديث [خلق الله الورد من عرق النبي صلي الله عليه وسلم] هو حديث موضوع ، فهذا العقل يكذبه لأن الورد كان موجوداً قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذن العقل يحيل هذا فكيف تقولون إن الورد خلق من عرق النبي صلى الله عليه وسلم.
في المقابل قد يقول قائل : الإسراء والمعراج باطل ، ورد به السمع لكن العقل يحيله ، وعليه فنرد السمع ، نقول : لأن العقل ليس بصريح إنما هذا العقل قبيح ، فلو كان عقلاً صريحاً لاحترم نفسه وقال : هذا ليس بمستحيل ، لأنه ليس فيه جمع بين النقيضين وليس فيه نفي للنقيضين ، فيتصور وجوده – ويتصور عدمه ، فإذا شاء ربنا أحد الممكنات فليس بمستحيل (كن فيكون) ، (وهو على كل شيء قدير).
س : ما هي مواصفات العقل الصريح؟
جـ : العقل الصريح لا يمكن أن يوجد ولا أن يحصل في غير المؤمن الذي يخاف من الله ومن عدا المؤمن سيقول يوم القيامة : (لو كنا نسمع أو نعقل) كما أخبرنا الله عنهم ، فكل من عدا المؤمن فليس عند واحد منهم عقل صريح ، لكن قد تقل نسبة الحماقة وقد تكثر وأول الحمقى اللعين إبليس ، لأنه أول من اعترض على الله ، وهذا عقل صريح أم عقل قبيح؟ بل هو قبيح ، فماذا قال لله : (رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) ، (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين) فيا إبليس يا ملعون ، بماذا تخاطب الحي القيوم ؟ تقول رب ، إذن هو ربك خلقك فكيف تعترض عليه وتقول (أأسجد لمن خلقت طيناً) ، (أنا خير منه) أنت تقول رب ، أمرتني بالسجود لآدم ثم تقول هذا خلاف الحكمة ، فأنت سفيه الحكمة تقتضي أن يسجد آدم لي لأنني أنا من نار وهو من طين ، ولنناقش كلامه : أنت تقول الله خلقك وأعطاك الحكمة فهل يعقل لمن أعطاك الحكمة أن يرضى لنفسه بالسفاهة فهذا لا يقبله عقل.
أمر ثانٍ نناقشك فيه سلمنا أن عندك حكمة فأنت تقول النار أحسن من الطين ،ولم أحسن مع أن طبيعة النار الطياشة والتفريق ، وطبيعة الطين الرزانة والهدوء ؟ وانظر إلى نتيجة الطين ونفعه للمخلوقات أجمعين تضع فيه حبة يعطيك شجرة فيها من كل زوج بهيج ، والنار تحرق ثيابك إن لم تحرقك فالطين طبيعته الإصلاح ، والنار طبيعتها الإفساد.
سلمنا أن النار أفضل من الطين فهل يلزم مَنْ خُلِق من عنصر شريف أن يكون شريفا ، وهل يلزم مَنْ خُلِقَ من عنصر خبيث أن يكون خبيثاً ، أم كل نفس بما كسبت رهينة؟ إذا كانت النفس من باهلة والعرق والنسب من بني هاشم فماذا ينفع النسب ؟ ألم يقل الله (تبت يدا أبي لهب)؟!
إذا افتـخرت بآبـاء لهم نســـب \\\ قلنا صدقت : ولكن بئسما ولدوا
فهب أن النار أجود العناصر وأحسنها ، فهل يلزم أن تكون أنت أفضل المخلوقات ؟ لا يلزم ، فانظر إلى هذه السفاهة ، ولهذا أول الحمقى إبليس ، وأول من مات من المخلوقات على وجه الإطلاق إبليس ، وهو منظر إلى يوم الدين ، لأن كل من عصى الله ذهبت منه الحياة الحقيقية (أفمن كان ميتاً فأحييناه) فهذا ميت لكنه في صورة حي.
وبالجـــهل قبل الموت موت لأهلـه **** وأبــدانــهم قبـل القبـور قبـور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم **** وليس حتـى النــشور نـــشور
ولذلك العقل الصريح هو الذي يلتزم بشرع الله الصحيح ، قال تعالى : (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) ، قال أبو العالية وقتادة وغيرهم : أجمع أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام أن كل من عصى الله فهو جاهل ، وأن كل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب.
فالعقل الصريح ضابطه هو الذي لا يأتي بسخف ولا يتعالى على شرع الله ولا يأتينا بعد ذلك بمضحكات بمبكيات كما هو الحال في الدولة الأمريكية فالزنا في القانون الوضعي عندهم حلال ، ومنعت المخدرات بل وتطارد عصاباتها ، وتعمل مؤتمرات لمكافحتها ، بينما لم تمنع المسكرات وسميت بمشروبات روحية وأهل الأرض من أهل القوانين الوضعية كلهم يسميها حلال ، والمخدرات حرام مع أن الخمر أقوى في التحريم من الحشيش والأفيون ، فهذه ألحقت بالخمر كما قال أئمتنا لوجود علة الإسكار فألحقت به تحريماً ونجاسة وحداً ، ففيها حكم الخمر ، لكن انظر إلى عقول البشرية : من يتاجر بالمخدرات يطلب ويشنق ويحكم عليه بالإعدام ، ومن يتاجر بالمسكرات يعطى ترخيصاً من الدولة ، فهذا عقل صريح أو عقل قبيح ؟.
ولقد وصل حال هذه العقول في الدولة البريطانية – ولكن أين من يغزو هذه الدول غزواً فكرياً ويكشف ضلالاتها وأفكارها للناس – ومن المعمول به في قانونها أن اللواط مباح ولا حرج فيه ، بل يجوز التزاوج بين الرجال ، فهذا عقل صريح أم قبيح؟ وأعجب لهذه العقول التي ضلت ولعنها الله كيف تزعم أنها ستحل مشاكلنا ، اللواط الذي فطر الله العباد على استقباحه واستهجانه تبيحه أرقى الدول ، بل إنه جائز عن طريق التزاوج ، ولم يكتفوا بأن يجعلوه معصية ، أو أمرا عاديا غير رسمي فكل من ينحرف عن شرع الله فهو ذو عقل قبيح ؛ لأن شرع الله نور (قد جاءكم من الله نور) فمن خرج عن النور فليس له إلا الظلام ، والظلمة قبح.
فهذا هو ضابط العقل الصحيح الصريح من العقل الفاسد المنتكس القبيح
وما لم يكن عون من الله للفتى \\\ فأول ما يقضي عليه اجتهاده
إخوتي الكرام ... عندنا وصفان ذكاء وزكاء ، والثواب والعقاب يتعلق بالوصف الثاني وهو الزكاء ، ويحمد به الإنسان حمداً حميداً.
فالذكاء هو تفتح في الذهن وإدراك لعواقب الأمور وسرعة استحضار وقوة حفظ ، فهذا ذكاء ، وهو مثل الثعلب ، ولا يوجد منه في حيله واحتياله لكنه خبيث النفس نجسها ، ولذلك قال أئمتنا في كثير ممن غضب الله عليهم كأبي العلاء المعري الذي هلك سنة 449هـ قال ابن كثير في ترجمته في البداية والنهاية في حوادث سنة 449هـ قال : "كان ذكياً ولم يكن زكياً".
والزكاء هو طهارة القلب وموافقة شرع الرب ، فهذه هي الفضيلة ، أما كون الإنسان عنده بلادة في الذهن وعنده تحجر لا يستطيع أن يحفظ ولا يستحضر فذهنه فيه شيء من الإغلاق بسبب شواغل وصوارف ، فلس في هذا مذمة عند الله وليس عليه النقص ، لكن إذا كانت نفسه خبيثة فهذا هو البلاء وخير الناس من اجتمع فيه الذكاء والزكاء ، لكن إذا انعدم واحد منهما فإياك أن تعدم الزكاء ، ولهذا مهمة الأنبياء تزكية الناس لا أن يكونا أذكياء فالذكاء بيد الله وقد يحصل للإنسان عليه وقد لا يحصل ، والعقول تتفاوت (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم) من التزكية (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).
المبحث الثاني :
حادث الإسراء والمعراج خارق للعادة ، ولذا قلنا إنه ممكن ورد به السمع وخوارق العادات تنقسم إلى ستة أقسام :
1- الإرهاص 2- المعـجــزة 3- الكرامة
4- المعونــة 5- الاستدراج 6- الإهانـة
فهذه كلها يقال لها خوارق للعادات ، لكن ماذا يقصد بخارق العادة ؟ هو تخلف الملزوم عن لازمه ، أو وجود الملزوم دون اللازم.
مثال : تخلف الملزوم عن لازمه :
النار من طبيعتها ولازمها الإحراق ، فلو أججنا ناراً عظيمة وألقينا فيها إنساناً وما احترق ، فهذا يكون خارقاً للعادة.
مثال وجود الملزوم دون اللازم :
وجود ولد بدون والد أو بدون أم أو بدونهما ، وإن كان هذا حسب العادة لا يوجد ، فمن أراد أن يولد له أولاد فلابد من زوجة ، ومن أرادت أن يأتيها أولاد فلابد من زوج ، لكن لو ولد مولود من غير أب – كحال عيسى عليه السلام – فهذا خارق لعادة (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً ، قال كذلك قال ربك هو علي هين) ،وهذا مما يحار فيه العقل ولا يحيله.
وإذا وجد مولود من غير أم – كحال حواء – خلقها الله من أبينا آدم فهذا أيضاً خارق للعادة وإذا وجد مخلوق من غير أب ولا أم – كحال أبينا آدم عليه السلام – فهذا كله خارق للعادة وقد وجد الملزوم في الأمثلة الثلاثة السابقة دون وجود لازمه.
وهذا الملزوم اتصاله بلازمه أو حصوله بلا لازمه ، وجوده وانفصاله مما يجيزه العقل ويقبله أم مما يحيله ويرفضه؟ نقول : بل هو مما يجيزه ، وقد تقدم معنا أن العقل يمنع المستحيل فقط وهو اجتماع النقيضين ، أو نفي النقيضين ، أو اجتماع الضدين ، فهذا هو المستحيل فقط ،(1) أما نفي الضدين فهذا ليس بمستحيل فالبياض والسواد مثلاً ضدان لا يجتمعان فإما أبيض أو أسود ، ويصح أن يرتفعا فقد يكون أحمر لا أبيض ولا أسود.
فكل ما يتقابل مع غيره تقابل سلب وإيجاب فهما نقيضان ، بحيث إذا وجد أحدهما انتفى الآخر كالحياة والممات ، والذكورة والأنوثة وغيرهما فإذن ما تقدم هو خارق للعادة ، لكن هل يتصور أن يقع خارق للعقل ؟ نقول : لا ولا يمكن أن تأتي شرائع الله بما تحيله العقول ، إنما تأتي بما تحار فيه العقول أججت نار عظيمة لو مر طير في أقصى الجو لخر مشوياً ، فكيف يوضع خليل الله إبراهيم عليه الصلاة السلام في المنجنيق من مكان بعيد يقذف ويلقى في النار؟ وهو لو لم يلق في النار لتكسرت عظامه من أثر الإلقاء والرمي ، وإنما وضعوه في المنجنيق لأنهم لا يستطيعون أن يقتربوا من النار لإلقائه فيها ، فيلقى في النار فتكون برداً وسلاماً ولا تحرق النار إلا وثاقه ، فكان مقيدا ثم صار مطلقا ، فهذا يتصوره العقل ولا يحيله ، وهذا ليس بأغرب من أننا خلقنا من ماء مهين ، كما أن الله قادر على أن يخلق إنساناً من غير هذه القطرات التي هي من ماء مهين – كما خلق عيسى – فمن الذي يمنعه ؟ لذا قال : (هو علي هين) فهذا خارق للعادة وليس خارق للعقل فليتنبه!!
ولا يمكن أن يقع شيء خارق للعادة وليس خارقاً للعقل فيه آفة – كما تقدم – يقول إن هذا مستحيل فنقول : الآفة في عقلك الهزيل ، وليس هذا مستحيل ، ولذلك قلنا خارق للعادة أي لم تجر العادة به فهو غريب ، فكوننا خلقنا من هذا الماء غريب لكن جرب به العادة ، وكوننا نتكلم بقطعة اللحم اللسان غريب لكن جرب به العادة ، ولو أن أصبعك تكلمت لاعتبر الناس هذا خارقٌ للعادة ، ولو أن الحصى سبحت كما سيأتينا في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حصىً تسبح كما يسبح اللسان فهذا غريب ما جرت به العادة فهو خارق للعادة ، وهو في الحقيقة لا غرابة فيه بالنسبة لقدرة الله تعالى.
إذن خارق العادة ليس بخارق للعقل فلابد من التفريق بين خارق لعادة وخارق العقل، وخارق العقل هذا بين نقيضين ، نفي نقيضين ، جمع ضدين ، فهذا لا يمكن أن يقع ، ولذلك ما كانت معجزة نبي من الأنبياء أن يقول أجعلكم أحياءً وأمواتاً ، موجودين ومعدومين ؟ هذا مستحيل هذه سفسطة ولا يمكن أن تقع ، ولكن معجزة نبي أنه يحيي الموتى ، فهذا مستحيل أم ممكن ؟ نقول : ممكن ميت يموت فيقول خذوا بقرة واذبحوها واضربوه ببعضها فيحيى بإذن الله (كذلك يحي الله الموتى) ، فإحياء الميت خارق للعادة التي جعلها ا لله تتحكم فينا نحن وفيما عدا الله.
فجعل الله سنناً في هذه الحياة لا يستطيع أحد أن يخرج عنها ، فإذا شاء الله جل وعلا أن يبطل هذه السنن ، أفليس بقادر على ذلك ؟ بلى.
فنقول : إبطال لتلك السنة ، إيقاف لمفعولها ، خرق للعادة إلى غير ذلك من العبارات وليس هذا بمستحيل ، بل إن هذا دليل على قدرة الله الجليل سبحانه وتعالى.
وخوارق العادات كما ذكرنا ستة أقسام :
القسم الأول : الإرهاص
مأخوذ من الرهْص ، وهو أساس الشيء ، يقال إرهاص ، أساس البيت القواعد التي يبني عليها هذه يقال في اللغة رهْص.
وهو : خارق للعادة يقع على يد من سيكون نبيا قبل نبوته.
وسميت إرهاصاً لأنها بمثابة التأسيس لما سيليه ، وهو المعجزة والإخبار بنبوته ، فيكون هذا بمثابة لفت ربنا لأذهان الناس وأنظارهم بأن هذا المخلوق الذي جرى على يديه إرهاصات سيكون له شأن في المستقبل القريب فترقبوا ذلك.
مثاله : شق صدر نبينا عليه الصلاة والسلام عندما كان عند حليمة ، وسيأتينا هذا ضمن الآيات التي حصلت لنبينا عليه الصلاة والسلام عند الإسراء والمعراج في مبحث مستقل ونبين أن شق صدر النبي عليه الصلاة والسلام وقع أربع مرات.
مرة عند حليمة عندما كان عمره سنتان وثلاثة أشهر.
ومرة عندما كان عمره عشر سنين.
ومرة عندما كان في غار حراء وجاءه جبريل في أول نزوله عليه.
والمرة الرابعة في حادث الإسراء والمعراج.
وكل هذه المرات ثابتة صحيحة أتعرض لها إن شاء الله تعالى ، فيشق صدره من ثغره بنحره إلى شعرته عليه الصلاة والسلام – وهو منبت العانة – ثم يخرج قلبه ويغسل بقَسْطٍ من ذهب بماء زمزم ثم يحشى إيماناً وحكمة ثم يلتأم صدره الشريف عليه صلوات الله وسلامه.
فالشق هذا الذي حدث له وعمره سنتان وثلاثة أشهر وعمره عشر سنين هذا خارق للعادة يأتيه ملكان فيضجعانه ، ولذلك أرادت حليمة أن تعيده إلى أمه وعمه عندما شق صدره وهو صغير خشيت أن يكون قد أصابه مس من قبل الجن ، لأنها ظنت أن هذا من فعل جن ، فصدره عندما يشق ويستخرج قلبه ويغسل هذا خارق للعادة لكنه لم يكن نبياً في ذلك الوقت فهذا بمثابة إرهاص وإعلام بأن هذا المولود له شأن في المستقبل ، وقد كان له أعظم الشؤون عليه صلوات الله وسلامه ، في يوم ولادته حصل إرهاص عظيم فأمه آمنه عندما تلده يخرج منها نور كما تتحدث هي عن ذلك ، يضيء من هذا النور قصور بُصرى في بلاد الشام ، وعندما ولد تراه قد ولد مختوناً فلم يختنه خاتن ، مسروراً أي سرته مقطوعة ، ثم بعد ذلك يرسل الله في ذلك العام طيراً أبابيل على الجند الذين جاءوا لهدم بيت الله العتيق ، فهذا كله إرهاص ، أي حصل في هذه البلدة خبر غريب من أجله فعلنا هذه الأعاجيب ، فانتبهوا!
إنه نبينا عليه الصلاة والسلام ، لذا تؤرخ ولادته بعام الفيل التي وقعت إرهاصا لولادته وإرهاصاً لنبوته وإخباراً بما سيكون له من الشأن العظيم.
وفي رحلته بعد ذلك إلى بلاد الشام عندما ذهب مع ميسرة - غلام خديجة – وعندما ذهب قبل ذلك مع عمه أبي طالب كان الغمام يظلله عليه الصلاة والسلام لوجود الحر الشديد فكان أينما ذهب غمامة فوق رأسه عليه الصلاة والسلام كأنه يحمل مظلة تظلله من حرارة الشمس ، وهذا أيضاً إرهاص وهكذا بقية الأنبياء عندما جعل الله لهم خوارق للعادات قبل نبوتهم ، فعيسى تسمعه يقول عند ولادته : (إني عبد الله آتاني الكتاب) ويقول : (وبراً بوالدتي) فتكلمه في المهد يعد إرهاصاً لأمر سيحصل لنبوته.
وموسى عليه الصلاة والسلام عندما يلقى في البحر (فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) نجيناه من التلف بالتلف ، نجيناه من فرعون بالبحر ليقوده إلى فرعون ، وفرعون لم يتلفه ، فنجيناه على يدي فرعون ، وهذا رب العالمين الذي إذا أراد شيئاً فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ، فموسى ألقي في اليم هرباً من فرعون فنجاه الله على يدي فرعون ، وصار هلاك فرعون على يد هذا المولود الذي رُبِّيَ في حجره وكان يضرب لحيته في صغره ، فهذا إرهاص عظيم ، فهل خافت المرأة على ولدها تلقيه في البحر ، أن إذا كان في البحر تأخذه؟
القسم الثاني : المعجزة :
هي أمر خارق للعادة يجريه الله تعالى على يد النبي ، ليكون برهاناً على صدقه في أنه رسول الله وقد تقترن المعجزة بدعوى التحدي ، وقد لا تقترن ، فلا يشترط في المعجزة أن تكون مقترنة بدعوى التحدي..
فمعجزة القرآن الكريم مقرونة بدعوى التحدي (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله).
بقية المعجزات : كتكثير الطعام ، وتسبيحه ، وتسبيح الحصى ، وانشقاق القمر (اقتربت الساعة وانشق القمر) حنين الجذع إلى النبي عليه الصلاة والسلام من المتواتر فكل هذا لم يقترن بالتحدي.
وهذه المعجزة لا يمكن لأحد أن يعارضها ، ولذلك هي سالمة من المعارضة لأنه متى ما عارضها بطلت نبوة النبي ، فلو قال النبي عليه الصلاة والسلام علامة صدقي أن ينشق القمر ويشير بإصبعه إلى القمر فينقلب فلقتين ، ويظهر بين الفلقتين جبل حراء ، فلقة عن يمينه وفلقة عن شماله ويقول مشركو مكة سحركم محمد عليه الصلاة والسلام ، فقال بعض العقلاء فيهم -وليس فيهم عاقل - إذا سحرنا محمد فلن يسحر أهل الأرض ، فسلوا التجار الذين سيعودون من بلاد الشام فهل رأوا انشقاق القمر في بلاد الشام في هذا الوقت أم لا ؟
فلما عاد التجار من بلاد الشام سألوهم ، هل انشق القمر في ليلة كذا ؟ قالوا : نعم ، فماذا قال المشركون (سحر مستمر) ، فهذا قد سحر أهل الأرض جميعاً هكذا زعموا وحاشاه صلى الله عليه وسلم فإذن هذه لم تقترن بدعوى التحدي وقد تقترن بدعوى التحدي لكن لا يمكن أن تعارض ، فلو قال مسيلمة الكذاب أنت شققت القمر في هذه الليلة وأنا سأشقه في الليلة التي ستليها ، وحقيقة لو شق لبطل صدق النبي عليه الصلاة والسلام وظهر أنه دعيٌّ وليس نبي ، ولذلك اشترطنا سلامتها من المعارضة ، فلا يمكن لأحد أن يعارضها ، أيد الله أنبياءه بالمعجزات.
بالمعجزات أيدوا تكرُّما \\\ وعصمة الباري لكلٍ حتِّما
فنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام عندما يخرج مع بني إسرائيل حسبما أمرهم ربنا الجليل وأسرى ببني إسرائيل ليلاًً ثم تبعهم فرعون وجنوده وصار البحر أمام نبي الله موسى وفرعون وراءه ، فماذا قال المؤمنون في ذلك الوقت : (إنا لمدركون ) ، فانظر إلى العبد الواثق بربه حيث قال : (كلا إن معيَِ ربي سيهدين) ، (فأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) ، فهذه معجزة النبي ، البحر يصبح اثني عشر طريقاً يبسا ً والماء يتجمد كأنه جدران ، والطرق بينها ثم هذا الماء عندما يتجمد والطرق اثنا عشر طريقاً لأنهم كانوا اثنا عشر سبطا وفريقاً جعل الله في هذه الطرق عندما تجمد الماء في هذه الحواجز نوافذ وطرقات ليرى كل فريق الفريق الآخر عندما يسيرون حتى لا يظن كل فريق أنه هو الناجي فقط والفرق الأخرى ماتت فكل واحد ينظر إلى صاحبه كأن بينهم حاجز من الزجاج ، فهذا كله خارق للعادة جرى على يد نبي فهو إذن معجزة .
القسم الثالث : الكرامة :
هي : خارق للعادة يجريه الله على يد العبد الصالح.
والعبد الصالح هو المؤمن الذي يفعل المأمورات من واجبات ومستحبات ويترك المنهيات من محرمات ومكروهات ولا ينهمك في اللذات والمباحات فهذا يقال له : صالح ولي ، صدّيق ، فحاله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :( مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها ).
فإذا جرت على يد العبد الصالح خارق من خوارق العادات فيقال لها كرامة.
مطرف بن عبد الله بن الشخير من أئمة التابعين كان إذا دخل إلى بيته تسبح معه آنية البيت وهذا ثابت ، والله على كل شيء قدير.
والكرامات في هذه الأمة كالمطر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – والحديث في الصحيحين - [قد كان في الأمم قبلكم محدثون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن في أمتي أحد منهم فعمر] عمر بن الخطاب رضي الله عنه سيد محدثي وملهمي هذه الأمة يخبر بأمور الغيب من غير أن ينزل عليه وحي ، وما نظر إلى شيء وقال أراه كذا إلا كان كما يقول و"كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق" كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.
الحسن البصري - عليه رحمة الله - كان الحجاج يرسل شرطته ليقبضوا عليه وهو جالس على سريره في صحن داره فتدخل الشرطة وتقول أين أبو سعيد ؟ أين الحسن البصري ؟ وهو ينظر إليهم ويبتسم ويخرجون ، فهذا خارق للعادة ، إنَّ عينيك تبصر ولكن حال الله بينك وبين الرؤيا أما قال الله في كتابه : (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) ، وقد ثبت في المستدرك بسند صحيح كالشمس عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أن قول الله تعالى (تبت يدا أبي لهب وتب) لما نزل جاءت العوراء أم جميل - أم قبيح – زوجة أبي لهب تولول وفي يدها حجر يملأ اليد ، وتقول : أين محمد ؟ فقد بلغني أنه هجاني ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يجلس في فناء الكعبة وبجواره أبو بكر فقال : يا رسول الله أخاف عليك منها – أي لأنها سفيهة ، امرأة فليست رجلاً لنقاتله وفي يدها فلو تواريت – فقال سيحول الله بيني وبينها ، فقرأ قرآناً فاعتصم بالله منها فبدأ يراها ولا تراه فوقفت على رأس أبي بكر – والنبي عليه الصلاة والسلام بجواره – فقالت : أين صاحبك يا أبا بكر ؟ قال : وماذا تريدين ؟ قالت : بلغني أنه قد هجاني ، فقال : والله ما يقول الشعر وهو صادق (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) والهجو والهجاء إنما يكون في الشعر فقالت : قد علمت قريش أني من أعلاها نسباً ، ثم ذهبت تولول وتقول : مذمماً أبينا ، وأمره عصينا ، ودينه قلينا أي أن هذا عندنا مذموم أبيناه فلا نتبعه ، ونعصي أوامره ودينه نكرهه فليفعل ما يشاء.
هذا إن وقع لنبي فهو معجزة كما هو الحال هنا ، وإن وقع لعبد صالح فهو كرامة ، ويذكر الإمام القرطبي عن نفسه كرامة أكرمه الله بها في بلاد الأندلس عند قول الله جل وعلا (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) في سورة الإسراء وانظروها في تفسيره عند هذه الآية يقول : لما دخل الفرنج – النصارى - إلى بلاد الأندلس كنت في حصن منثور في ذلك المكان وكنت في الصحراء وفي العراء ولا توجد شجرة أتوارى بها ولا أكمة أختبئ وراءها - أي تل مرتفع أو منبسط - وأنا في ذلك المكان وجحافل الجيش تتقدم ، يقول : فالتجأت إلى الله وقرأت القرآن فصرت أراهم ولا يرونني ، وبدأت أسمع أصواتهم ، يقول بعضهم لبعض : هذا الرجل الذي ظهر لنا ثم توارى عنا ما هو؟ فيقول له الآخر : لعله ديبلة يقول هذا في لغتهم لعله جني ظهر ثم اختفى ، يقول أنا أسمع كلامهم وأراهم ولا يرونني ، فهذه يقولها عن نفسه والله على كل شيء قدير.
قال الإمام بن تيمية في (مجموع الفتاوى في 11/331) : "إذا صح الإيمان علماً وعملاً واحتاج صاحبه إلى خرق العادة ، سيخرق الله له العادة ولابد ، لأن الله يقول : (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) ويقول : (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) "لكن هذا يحتاج إلى تصليح الإيمان علماً وعملاً ، ولذلك إخوتي الكرام : من لجأ إلى مخلوق دل على انفصاله عن الخالق.
(ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) ، لكن هو إذا صح إيمانه علماً وعملاً ، علم نافع واعتقاد حق بالله وعمل صالح وإذا قال يا رب ، لم يتخل عنه رب العالمين ، لأنه قطع على نفسه مبدأً فقال (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) فلو كادته السموات والأرض لجعل الله له من بينهن فرجاً ومخرجاً والله على كل شيء قدير ، وعندما يعرض العبد عن هذا يكله الله إلى نفسه وفلا يبالي في أي وادٍ هلك.
القسم الرابع : المعونة
هي : خارق للعادة يجري على يد مؤمن مستور لم يظهر منه فسق ولا بدعة لكن ليس في درجة الذي قبله في الصلاح والاستقامة ولا يعرف عنه جد واجتهاد في طاعة الله فعل المأمورات من واجبات ومستحبات ، وترك المنهيات من محرمات ومكروهات وعدم انهماك في اللذات فهذا ليس كذلك بل هو من عوام المسلمين ، فلا تظهر عليه بدعة ولا فسق ولا يعرف بالصلاح والتقدم والاجتهاد في دين الله وما أكثر ما يجري من خوارق للعادات على يد عوام المؤمنين ليكرمهم بها رب العاملين إكراماً لهم وتثبيتاً للإيمان في قلوبهم مثلاً : تقع بعض الحوادث ممن شاهدوها يقول لن ينجو منها أحد ، فيقال لك : كل من وقع عليه الحادث سلم فهذا من باب معونة الله.
إنسان يسقط من الدور السابع في مكان ضيق على بلاط فينزل وما يخدش عظمة ولا جلدة.
القسم الخامس : الاستدراج
هو : خارق للعادة يجريه الله على يد عبد مخذول ، صاحب العمل المرذول (فاسق ، كافر ، مبتدع ، ضال مضل) على وفق مراده فيجري الله علي يده خوارق للعادات ويستدرج من حيث لا يعلم مثاله : الخوارق التي ستحدث على يد الدجال وهي خوارق عظيمة يأتي إلى الخربة – كما ثبت في الصحيحين – فيقول لها : أخرجي كنوزك فتتبعه كيعاسيب النحل ، أي كجماعات النحل عندما تتبع رئيستها ومليكتها. ويأمر السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت وغير ذلك من الخوارق التي ستحصل على يد عبد كافر.
وفي هذه الخوارق لهذا الصنف من الناس امتحان للبشر ، هل سيغترون بهذه الظواهر ويتبعونهم أم لا ؟
مع ما سيأتي به من آيات فيه أيضاً آيات تدل على أنه أرذل المخلوقات ، فهو مثلاً ينظر بعين واحدة ، وعلى جبينه مكتوب كافر يقرأها كل شخص سواء كان أمياً أو متعلماً فنقول له : أنت أعور ولا تستطيع أن تغير عورك ، فكيف تحيي وتميت ولا تستطيع أن ترد عينك سليمة لتبصر ولتجعل صورتك صورة كاملة لا تشويه فيها ، ولكنه لا يقدر على هذا لأنه عندما يعطيه الله بعض الخوارق لا يعني هذا أنه يتصرف تصرفاً مطلقاً بل إنه لا يزال ضمن البشرية وهو عبد مقهور لكن الله جعله فتنة للناس ، هل يخدعون بهذه الأمور أم يتبعون الحق الثابت المزبور؟ فإذن فيه علامة تبين ضلاله ، كما نقول له هذه الكتابة على جبينك امسحها كما أنك بعد ذلك لا يسخر لك من المركوبات إلا الحمار فلا تستطيع ركوب الخيل أو الفرس.
فكل هذا من باب إذلال الله له لذا هو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام [هو رجس على رجس]
القسم السادس : الإهانة
هي : خارق للعادة يجريه لله على يد العبد المخذول (الفاسق ، المبتدع ، الضال ، الكافر ) لكن بنقيض قصده ومراده والأقسام الخمسة الأولى كلها وفق مراد من أجراها الله على يديه.
مثالها : ما جرى لمسيلمة – وقد ذكرناها لكم – أنه بصق في عين إنسان فعمي ، فهذا خارق للعادة لأن البصق عادة لا يتسبب في عمى الإنسان ، لكنه بصق في عين شخص ليبرأ فصار أعمىً فأراد أن يبرأه فأعماه فحصل له نقيض قصده.
إخوتي الكرام .... وهذه الأقسام الستة من الخوارق تقع في واحد من ثلاثة أمور هي أمور الكمال بأسرها :
1- إما في العلم
2- وإما في القدرة
3- وإما في الغنى
فالعلم : بأن يعلم ما يجهله غيره ويعلمه الله جل وعلا من غير سبب يتعلم منه العباد ، فهذا خارق للعادة في أمور العلم.
لأن أمور الكمال بأسرها علم وقدرة وغنىً فقط ، وكل كمال مرده إلى واحدة من هذه الأمور الثلاثة فالله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وغني عن العالمين.
ولا يوجد أحد من خلق الله له صفة الكمال في هذه الأمور الثلاثة أو في واحد منها ، لأن هذه الأمور مختصة بالرب ولذا أمر الله نبيه بأن ينفيها عن نفسه فقال جل وعلا كما في سورة الأنعام (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ)
(لا أقول لكم عندي خزائن الله) فنفى الغني
(ولا أعلم الغيب) فنفى العلم
(ولا أقول لكم إني ملك) أقدر على مالا تقدرون عليه فنفى القدرة ، فأنا مثلكم إنما أنا بشر لا أستغني عما تحتاجون إليه ولا أعلم إلا ما علمني ربي.
وهكذا أمر الله أول الرسل بعد آدم - على نبينا وعلى جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه – وهو نوح أن يقول : (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك) فأول الرسل إلى البشرية نفى هذه الأمور عن نفسه وكذا آخرهم عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه فمثلاً : القرآن معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وخارق في أمور العلم (وعلمك ما لم تكن تعلم) فوقوع هذا الخارق معجزة ، ولو وقع خارق من أمور العلم لغير النبي لقيل له كرامة معونة : إلخ...
فعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما كان يخطب على المنبر أيام خلافته والجيوش الإسلامية في بلاد فارس تقاتل في سبيل الله وكان قد أمَّر عليه رجلاً يدعى سارية ، وهو في أصل الجبل والعدو من الجهة الأخرى للجبل يتسلقونه ليصيروا فوق المسلمين ويرشقونهم بنبال كالمطر فكشف الله لعمر هذه الموقعة هو في المدينة والموقعة في نهاوند في بلاد الفرس وصاح يا سارية الجبل فسمع سارية صوت عمر ورقي الجبل وإذا بجنود الفرس يتسلقون الجبال فصال المسلمون فوقهم وكتب الله النصر لهم فهذا تعليم لعمر ، ثم هناك كرامة أخرى وهي أن صوته يصل إلى سارية وذاك ينفذ ذاك الأمر ويكتب الله لهم النصر.
والقصة صحيحة وقد ألف الحافظ الحلبي جزءاً في طرقها وحكم عليها بالصحة ، والإمام السخاوي في المقاصد الحسنة حكى عن شيخه الحافظ ابن حجر عليهم رحمة الله أن إسنادها في درجة الحسن وطرقها كثيرة وفيرة.
والشيخ محمد حامد الفقي -عليه رحمة الله ومغفرته- وهو الذي علق على كتاب مدارج السالكين ذكر كلاما ً منكراً حول هذه القصة في تعليقه على المدارج ، فانتبهوا له واحذروه إلى مر معكم ، يقول : إن عمر لا يعلم الغيب ، ويقول له : يا عبد الله : لا يعلم الغيب إلا الله لكن إذا علَّم الله عمر هذا فأي حرج في هذا ، أفلسنا نؤمن بالكرامات ؟ أما قال الله عن مريم بأنها صديقة ولا يوجد في النساء نبية كما قال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) ، فالنبوة من جنس الذكورة فقط ، كما أنه لا يصلح أن يكون في النساء إمامة – الإمامة – بحيث تكون أميرة وخليفة ، فلا يجوز أن يكون في النساء نبية إذ كيف تبلغ دعوة الله وتتصل بالناس وهي مأمورة بالستر وأن تقر في بيتها ؟ وهذا ليس من باب الامتهان لها إنه ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فهذه الرتبة لا تتناسب مع طبيعتها فهي في مكان آخر وهذا واضح ولها أجر بعد ذلك عند الله إن كانت تقوم بما أوجب الله عليها فيما يتعلق بطبيعتها وفيما يتعلق بما هو عائد إليها فإذن لا تكون إمامة [لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة ] ولا تكون نبية ، فمريم صديقة بنص القرآن (وأمه صديقة) ، أفلم تثبت لها الكرامات؟ (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً ، قال : يا مريم أنى لك هذا قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) وانتبه : لم شك زكريا واستغرب وجود الرزق عندها؟ فهو يقول : يا مريم عندك رزق لا يمكن أن نقول إن أحداً من الخلق أحضره إليك لا عن طريق المعونة والمساعدة والإحسان ولا عن طريق الهبة ، بل إن الرزق الذي يأتيك لا وجود له في هذه البلاد ، ولو كان له وجود لقلنا جارتك ساعدتك ، أو أحد أحسن إليك.
فما عاد هناك مجال أن يقال أنت تتصلين اتصالاً محرماً ببعض الناس ، فإنه يأتيك شيء لا نظير له ، فهذا مما يدهش العقول فمن أين جاءك؟
قالت (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) ولو كان لما يأتيها نظير ومثيل لأمكن أن يقال هو إما مساعدة وإما وحاشاها – خيانة – ولكن لا هذا ولا هذا فهو شيء لا يمكن أن يحصل من قبل بشر.
فإذا كانت كرامات الأولياء ثابتة فانظر ماذا يعلق الشيخ محمد حامد الفقي على هذه القصة : "عمر لا يعلم الغيب وهذه القصة وإن كانت ثابتة فمعناها وتأويلها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما كان يخطب على المنبر أخذته سنة فنام فكشف الله له في الرؤيا عن حال الموقعة ثم صاح بأعلى صوته" لكن نقول : لو سلمنا لك بهذا فكيف سمع سارية صوت عمر إن كان علمه عن طريق الرؤيا ، ولكن لا نعلم بما ذكرت ، فهل يعقل أن ينام عمر على المنبر؟ فلو حصل ونام عمر على المنبر
فإذا أحدث الخطباء في هذه الأيام على المنبر لكان قليلاً !
فيا إخوتي لا نشطت في التأويل بحيث نصل إلى درجة الإنكار فهو لا يريد أن يقول باطلة لأن هذا ثابت ، فيقول هذا معنى هذا ، فتنبهوا!إذن فهذا من خارق العادة في العلم.
الثاني خارق العادة في القدرة فيقدر على ما يعجز عنه غيره ومنه قصة عرش بلقيس قال الله تعالى عنه (ولها عرش عظيم) والعرش سرير الملك مرصع بالجواهر واليواقيت وحجمه كبير ، قال نبي الله سليمان كما حكى الله عنه (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) ، وكان سليمان عليه الصلاة والسلام من الصباح حتى الظهر يقضي بين رعيته ويعلمهم ، فقبل انفضاض المجلس سيكون العرش عندك (قال الذي عنده علم الكتاب) هو رجل صالح اسمه آصَف ، (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)أي إذا نظرت إلى شيء فقبل أن تغمض عينيك عنه يكون العرش عندك أي في ثوان ٍ ليظهر الله كرامة هذا العبد الصالح على قوة وجهد الجن مع ما معهم من قوة إمكانات ، فهذا له مكانة عند الله أعلى وسيأتي بهذا العرش من اليمن إلى بيت المقدس قبل أن يرتد طرف سليمان إليه (فلما رآه مستقراً قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر).
إخوتي الكرام .... ما سبق هذا هو المعنى الحق أما من قال : (قال الذي عنده علم الكتاب) هو جبريل أو (قال الذي عنده علم الكتاب) هو نبي الله سليمان فهذا باطل.
وهذه كما قال الإمام الذهبي في كتاب العلو للعلي الغفار ص 57 "سبحان الله ما أعظم هذه الكرامة ولا ينكر كرامات الأولياء إلا جاهل"
الثالث : خارق للعادة في مجال الغنى ، فيستغني عما يحتاج إليه الناس
ثبت في ترجمة العبد الصالح إبراهيم التيمي أنه كان يمكث شهرين لا يأكل ولا يشرب ، والإنسان إذا امتنع عن الشراب ثلاثة أيام يموت ، إذا امتنع عن الطعام سبعة أيام – على أكبر تقدير – يموت.
فهذا العبد الصالح عنده غنىً عن الطعام والشراب ، والله على كل شيء قدير ، فإذا جعل الملائكة لا يأكلون ولا يشربون فما الذي يمنعه من أن يجعل العبد بهذه الصفة ويكرمه بذلك؟
ومكث مرة أربعين يوماً ، فأعطاه بعض أهله حبة عنب فأكلها ، فمكث أربعين يوما ولما أكل لم يأكل إلا حبة العنب فقط فهذا غنىً عما يحتاج إليه الناس.
ذكر الإمام بن كثير عند قوله تعالى (قال إنما أوتيته على علم عندي) حكايته عن قارون يقول : قال بعض الناس : (على علم عندي) أي بصنعة الكيمياء؟ أي أنه يقلب الخشب والحجر والنحاس إلى ذهب ، وقال هذا هوس فالمعادن وحقائق الأشياء لا يمكن أن تقلب ، فالخشب خشب والحجر حجر والحديد حديد ، ولا يمكن أن نقلبه ذهباً أو فضة ، يقول وأما قلب حقائق الأشياء إلى ذهب وفضة عن طريق خرق العادة من باب الكرامة فهذا جائز لأنه ليس بمشيئة الناس بل بمشيئة الله ، كما جرى لحَيْوَة بن شُرَيْح وكان قد جاءه سائل فسأله – والقصة ثابتة صحيحة ثابتة في تهذيب التهذيب وتذكرة الحفاظ في ترجمة حَيْوَة بن شُرَيْح من شيوخ ورجال الكتب الستة فعلم حيوة صدقه واحتياجه ، فأخذ مَدَرَة من الأرض – قطعة طين متجمدة – فأجالها في يده فوضعها في يد السائل فقلبها الله ذهباً خالصاً والله على كل شيء قدير ، فهذا ليس بمشيئة المخلوقات إنما هو بمشيئة رب الأرض والسموات.
الشاهد : حادثة الإسراء والمعراج خارقة للعادة ترجع إلى العلم أو القدرة أو الغنى؟ ترجع إلى القدرة ، أقدره الله على ما يعجز عنه البشر إلا من أكرمه الله بذلك ، فيسري به إلى البيت المقدس ويعرج به إلى السموات السابعة فيعاد إلى بيت المقدس ، ويعاد إلى مكة في جزء من الليل ولازال فراشه دافئاً.
وهذه الأمور الستة قد جمعها بعض أئمتنا في ستة أبيات من الشعر لطيفة وهي:
1- إذا رأيـْـتَ الأمـــرَ يخـْـرِقُ عـــادةً  فمعــــجزةٌ إنْ مْن نبــــيٍّ لنا ظــَـــهَرْ
2- وإن بان من قـــبل وصف نــــبوة  فالإرهاصَ سِمْه ُ تتبع القومَ في الأثـرْ
3- وإن جــــاء يوماً من ولــــي فإنـه  الكرامة في التحقيق عند ذوي النــظرْ
4- وإن كان من بعض العوام صدوره  فكنــــوه حقــا بالمـــعونة واشــــــتهرْ
5- ومن فاســق إن كان وفـق مـراده  يسمــــي بالاستدراج فيـــما قد استقـرْ
6- وإلا فالإهـــــانة عنــــدهم وقــــــد  تمــــت الأقســــام عند من اخـــتبـــــرْ
ومن شاء الرجوع إليه فلينظر في كتاب : لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية في شرح الدرة المضيئة في العقيدة الأثرية للإمام السفاريني (2/392) ، والدرة المضيئة له وشرحها في مجلدين وهو من الكتب النافعة في علم التوحيد على هدي السلف ، وقد تعرض فيه لمبحث خوارق العادات وذكر الستة.
بعض علماء التوحيد أضاف أمراً سابعاً لكنه لا يعتبر من خوارق العادات وهو : السحر ، وهذه إضافة باطلة ، فإنه لا يعتبر من خوارق العادات لأنه يتوصل إليه بالأسباب العادية فهناك أنواع من أنواع الكفريات من سلكها وصل إلى السحر فهو علم وتعلم مثل الموسيقى هذا حرام وذاك حرام ، ولذلك من السبع الموبقات كما قال النبي عليه الصلاة والسلام السحر ، وما شاع بين الناس من حديث مكذوب وهو : [تعلموا السحر ولا تعملوا به] فهذا لا يصح نسبته إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو خرافة ، لأن تعلم السحر لا يحصل إلا بالكفر واستعانة بالقوى الخبيثة الشريرة من الشياطين والعفاريت ، لكن هو علم عن طريق أسباب من تعلمها وصل إليه مثل الغناء والرقص والموسيقى وقلة الحياء.
لكنه لا يحصل إلا بمشيئة الله قال تعالى (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ، وهذا كما لو أطلقت رصاصة على إنسان فأنت الذي باشرت القتل لكنه لم يمت إلا بمشيئة الله وتقديره وإرادته ولكنك تعاقب على مباشرتك للقتل ، ولو صبر القاتل على مقتوله لحظة لمات دون أن يقتله فالمقتول مات بأجله ولم يقدم القاتل أجله عن موعده بل ساعة قتله هي أجله ، فلم يقدم أجله ولا طرفة عين لكن القاتل مسئول عن فعله.
وهناك عندما يمارس السحر ويفرق بين المرء وزوجه ويؤذي الإنسان ويكسب جسمه وهناً وضعفاً فهو بإذن الله ، وقد سحر نبينا عليه الصلاة والسلام لكن لم يؤثر على عقله غاية ما كان إنه يصاب في بدنه بوهن وضعف واستمر به السحر أشهر عليه صلوات الله عليه وسلامه وزاد مفعوله فيه مدة أربعين يوماً وكان يشعر بتعب ثم أنزل الله عليه المعوذتين فقرأهما فقام وكأنما نشط من المقال عليه صلوات الله وسلامه والحديث في الصحيحين.
فالسحر إذن بواسطة تعلم أشياء معلومة ، وهو كما لو تعلمت فن القتال فضربت إنساناً فآذيته لكن بشيء معلوم ، والساحر يؤذي بشيء معلوم ، لكن ذلك بشيء ظاهر وهذا بشيء معلوم خفي ، فالإيذاء بالسحر لا يكون إلا عن طريق مدارسة ولا يوصل إليه إلا بأسباب معلومة يتلقاها الناس بخلاف خوارق العادات فهذه لا دخل فيها لكسب ظاهر ، إنما هي محض تقدير الله جل وعلا ومشيئته وبالتالي ليس السحر من خوارق العادات.
المبحث الثالث
أ*- كم مرة وقع فيها الإسراء والمعراج :
الإسراء والمعراج لهما حالتان :
الحالة الأولي : حالة وقوعهما في اليقظة ، فلم يقعا إلا مرة واحدة قبل الهجرة ، وسيأتي تحديد وقت حصولهما.
وقد حكى الإمام ا بن حجر في فتح الباري (7/203) في هذه المسألة عشرة أقوال في تكرر الإسراء والمعراج – والمعتمد فيها – أن إسراء ومعراج اليقظة بنبينا عليه الصلاة والسلام كان مرة واحدة.
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد : "والعجب ممن يدعي ويزعم تعدد الإسراء والمعراج في اليقظة فكيف سيحمل التعدد على فرضية الصلاة " فقد فرضت الصلاة ليلة المعراج وكانت خمسين فخفضت إلى خمس عندما كان يتلقى هذا من الله وينزل على نبي الله موسى عليه السلام – وسيأتينا هذا في الآيات التي رآها في السماء وما حصل له من عجائب – فإذا قلنا إن حادث الإسراء والمعراج قد تكرر إذن نعيد المسألة في كل حادث كانت خمسين وترجع إلى خمس وترجع إلى خمس فهذا لا يمكن أن يقع ويحصل ، فإسراء ومعراج اليقظة هذا وقع مرة واحدة.
الحالة الثانية : حالة وقوعهما في المنام بروح نبينا عليه الصلاة والسلام فلا مانع من تكرارها ، أي أن يسرى بروحه فتذهب روحه إلى بيت المقدس وهو نائم ويعرج بروحه إلى السماء وهو نائم ، فلا مانع من تعدده ولو وقع ألف مرة.
والإمام النووي في فتاويه المشهورة – وهو كتاب مطبوع في 300 صفحة تقريباً – ذهب في هذه الفتاوى إلى أن الإسراء والمعراج وقعا مرتين لنبينا عليه الصلاة والسلام مرة في المنام ومرة في اليقظة.
وذهب بعض الأئمة كالمهلب – كما حكى هذا الحافظ في الفتح – وذهب إليه الإمام ابن العربي والإمام السهيلي وأبو نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم : إلى أن الإسراء والمعراج في المنام تكرر فوقع قبل الهجرة ووقع بعدها ، فاختلفوا في عدد المرات في المنام ، أما في اليقظة بروحه وجسده فلم تقع إلا مرة واحدة.
نعم التبس الأمر على بعض رواة الحديث عندما أخبرهم نبينا عليه الصلاة والسلام أنه عرج به وأسريَ به في غير اليقظة فظنوا أن ذلك الإسراء والمعراج حصل في اليقظة مع أنه حصل في المنام فلا مانع كما قلنا أن يعرج به وبغيره عليه الصلاة والسلام ، أو يسرى به وبغيره عليه الصلاة والسلام في المنام لا في اليقظة.
إذا فقد ذهب الإمام النووي إلى وقوعهما مرة في المنام وذهب غيره إلى أنها حصلت أكثر من مرة ، فوقع قبل الهجرة وبعدها والذين قالوا أنه وقع قبل الهجرة قالوا وقع قبل أن يسرى به ويعرج به في اليقظة فأسري به وعرج بروحه ليكون توطئة لإسراء ومعراج الجسد بعد ذلك ، ثم بعد أن هاجر فأسْرِيَ وعُرج بروحه وهو نائم ليكون بمثابة التشويق وتذكرة بالنعمة التي حصلت له قبل هجرته.
أ*- متى حصلا ووقعا لنبينا عليه الصلاة والسلام؟
ذهب الإمام الزهري – من أئمة التابعين – ولكلامه هذا حكم الرفع المرسل إلى أن الإسراء والمعراج حصلا ووقعا قبل الهجرة بسنة.
وذهب الإمام ابن سعد في الطبقات الكبرى إلى أنه وقع قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً قلت : ولا تعارض بين القولين فيما يظهر لي والعلم عند الله ، فمن قال عرج به وأسرى قبل الهجرة بسنة ألغى الكسر وأخبر عن العدد الصحيح ومن قال عرج به وأسري قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً (سنة ونصف) أخبر عن حقيقة ما وقع وأثبت الكسر ، فالإسراء والمعراج إذن وقعا قبل الهجرة بسنة ونصف.
جـ- لم وقعا في ذلك الوقت ؟ (الحكمة من وقوعها في ذلك الوقت) :
في العام العاشر للبعثة لا للهجرة حدث أمران عظيمان في حياة نبينا عليه الصلاة والسلام كان لهما أثر كبير وهما :
أولهما : موت زوجه خديجة ، وخديجة هي أفضل نساء هذه الأمة على المعتمد وقيل فاطمة ابنتها ، وقيل أمنا عائشة ، وذهب بعض العلماء إلى أن كل واحدة منهن فيها فضيلة ومزية لا توجد في الأخرى ، لكن أمنا خديجة رضي الله عنها لها منزلة عظيمة في قلب النبي عليه الصلاة والسلام ، فهي أول من آمن به من النساء ، نصرته وواسته وأعانته بمالها ، رزقها الله منها الأولاد وكانت نعم الزوج رضي الله عنها ، فمن كان يبث إليه سره ويأنس في خلوته ذهب ومات.
ثانيهما : موت عمه أبي طالب بعد شهر وخمسة أيام ، وأبو طالب كان مشركاً وكافراً ولم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام(1) لكن له صلة عظيمة بنبينا عليه صلوات الله وسلامه من سائر أعمامه فعمه العباس لم يكن مؤمناً في ذلك الوقت ثم آمن فيما بعد ، وعمه أبو لهب لم يكن مؤمناً وما آمن وكان يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام والعباس لم يكن له من المكانة في قومه كما لأبي طالب ، فأبو طالب هو الذي ورث مكانة عبد المطلب وصار سيد قريش ، فكانت له كلمة نافذة فما استطاع سفيه في مكة أن يمد يده أو يلوح بأصبعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مدة حياة أبي طالب وهو الذي كان يقول له : "والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً" وكانت قريش تهاب أبا طالب وتخاف سطوته ويخشون إذا آذوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يثأر أبو طالب لابن أخيه من باب الحمية ، فكانوا ينكفون عن أذى النبي عليه الصلاة والسلام ولذلك غاية ما وقع قبل العام العاشر للبعثة أذىً على أصحابه ولم يقع عليه أذىً عليه صلوات الله وسلامه ، فلما مات عمه أبو طالب اشتد أذى المشركين على أصحابه بل وعلى النبي عليه الصلاة والسلام ووصل الأمر إلى أنهم أخذوا الجزور وهي الكرشة التي فيها الفرث والزبل – وطرحوها على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم بجوار الكعبة فإذن اشتد عليه الأذى وكثر بعد موت عمه أبي طالب ، وصار يلاقي أذىً شديداً خارج البيت وإذا عاد إلى البيت فليس هناك من يؤنسه ويزيل همومه ، فاشتد به الأذى وضاقت عليه الأرض بما رحبت في ذلك الوقت ، في العام العاشر للبعثة الذي سمي بعام الحزن ، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام من شدة الكرب الذي لحقه من المشركين إلى الطائف يلتمس نصرة من ثقيف ، فكانوا أخبث من عتاة قريش وأهل مكة.
فردوا عليه أقبح رد أما بعضهم فيقول : أما وجد الله رسولا ً غيرك ليرسله؟
والآخر يقول : والله لو كُنْتَ رسولاً لأمزقن ثياب الكعبة!
ثم ما اقتصر الأمر على أذى اللسان ، بل أغروا به السفهاء وبدأوا يقذفونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه عليه صلوات الله وسلامه ومعه مولاه زيد بن حارثة يقيه هذه الحجارة فتارة يكون أمامه وتارة وراءه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله ، والحجارة تأتيه من قبل السفهاء من كل جهة.
إذن فكان الأمر في منتهى الكرب والشدة ، فلجأ بعد خروجه من الطائف إلى بستان عنب ولجأ إلى الله جل وعلا بالدعاء وقال الدعاء الذي رواه الطبراني وذكره الإمام محمد بن إسحاق في المغازي والطبراني رواه عن محمد بن إسحاق أيضاً وهو مدلس وقد عنن الحديث فهو من ناحية الإسناد في الظاهر فيه ضعف لكن المعنى حق وثابت ، وهو حقيقة مع ضعف الإسناد فيه إلا أن الناظر فيه يرى عليه نور النبوة ، قال : اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلي بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك  .
فغار الله لنبينا عليه الصلاة والسلام وأرسل له ملك الجبال وقال : إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين – الجبلين – وأريحك منهم حتى كأنه لا يوجد شيء اسمه قريش على وجه الأرض ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا ، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله فهذا هو الرؤوف الرحيم عليه صلوات الله وسلامه.
إذن اشتد عليه الأذى في العام العاشر للبعثة ، وأخذ فترة طويلة والنبي عليه الصلاة والسلام يصبر والهجرة كانت في العام الثالث عشر للبعثة فهل يُترك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدما لاقاه من إيذاء وشدة بلا حادث جليل يرضيه ويأنسه ؟! هذا مستبعد !!
لذلك فقد حصل له صلوات الله وسلامه عليه بعد عودته من الطائف أمران وحادثـتان :
الحادث الأول : قبل أن يدخل إلى مكة عندما وصل إلى نخلة ، وهي على الطريق القديم لمكة ويسمى طريق السيل حديث كان يسلكه المسلمون والعرب في الجاهلية لسهولته ويقع عليه ميقات أهل نجد قرن المنازل ، ويقال له قرن المنازل على بعد 70 كيلومتراً من مكة ، وطريق السيل هذا طوله من الطائف إلى مكة 120 كيلومتراً ، وهناك طريق آخر جديد يسمى طريق الهدا وهو طريق جبلي شق حديثا وطوله إلى مكة قرابة 80 كيلومتراً، الشاهد أنه لما وصل إلى نخلة وهي تبعد قرابة 4 كيلومترات عن مكة المكرمة – أكرمه الله بأمر عظيم وأكرم الجن برؤية نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه فصرف له نفراً من الجن يستمعون قراءته وآمنوا به في نخلة : (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين) ، وفي هذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وبشارة ، فكأنما الله تعالى يقول له : اصبر إن جهل عليك البشر ، فالجن – الذين لا تستبعد من طبيعتهم الجهالة والعشرة – انظر كيف عرفوا قدرك وآمنوا بك واستمعوا لقراءتك فعما قريب سأفتح قلوب البشر لدعوتك.
فإذن هذه بشارة حصلت له بعد الأذى الذي حصل له من البشر جاء الجن واستمعوا لقراءته وآمنوا به (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً) والله تعالى أنزل سورة كاملة سماها باسم هذه الحادثة فسميت سورة (الجن) .
الحادث الثاني : بعد أن دخل مكة عليه الصلاة والسلام واطمأن فيها بعض الوقت أكرمه الله بحادثة الإسراء والمعراج ، وكأن الله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام : أعلم أنه لا يوجد من قبلنا غضب عليك ، فإذا جهل عليك البشر فليس هذا لغضب منا عليك فمكانتك عندنا عظيمة جليلة ، أعطيناك ما لم نعط أحداً من العالمين ، فيسرى بك إلى بيت المقدس ، ثم نقدمك على أفضل خلق الله وهم الأنبياء والمرسلون في بيت المقدس فيجمع لك الأنبياء وعددهم (124.000) فجمعوا كلهم في بيت المقدس كما سيأتينا في الآيات التي رآها في بيت المقدس ، الأنبياء كلهم من آدم إلى عيسى عليهم صلوات الله وسلامه كلهم يجتمعون ويتقدمهم نبينا عليه الصلاة والسلام ويصلي بهم ركعتين ويلقي كل واحد خطبة – كما سيأتينا – ويتحدث بما من الله به عليه فيختم الخطب نبينا عليه الصلاة والسلام ويتحدث بما من الله به عليه ، فيقول خليل الرحمن إبراهيم : بهذا فضلكم محمد ، وعليه صلوات الله وسلامه.
إذن أفضل خلق الله أنبياء الله ورسله أنت تتقدم عليهم ويتبركون برؤيتك وأنت إمامهم ويظهر فضلك عليهم ، وفي هذا كله تأنيس لقلبه عليه صلوات الله وسلامه وتطمين وتثبيت عظيم ثم ما هو أعلي من هذا حيث رفعك في السماء ، فكما قدمناك عليهم في الأرض نرفعك عليهم في السماء فإذا كان أرفع واحد فيهم وهو إبراهيم في السماء السابعة ودونه الكليم موسي في السماء السادسة فأنت ترفع إلى ما هو أعلي من ذلك ، بل جبريل علي نبينا عليه صلوات الله وسلامه عندما يرتفع بعد السماء السابعة يقف ويقول لنبينا عليه الصلاة والسلام : تقدم ،ولو تقدمت لحظة لاحترقت ، وما منا إلا له مقام معلوم ، ثم يعرج نبينا عليه الصلاة والسلام – كما تقدم معنا – إلى مستوىً سمع فيه صريف الأقلام وماذا يسطر في لوح الرحمن ، ثم ناجاه ربه وكلمه ، وهل حصلت له الرؤية النظرية أم القلبية؟ سنتحدث في هذا عند مبحث الآيات التي رآها فوق السموات.
فهذه الآيات العظيمة التي رآها لتدل على عظيم رضوان الله عليه ، فكأن الله تعالي يقول له : (لا تحزن إذا جهل عليك السفهاء ، فهذا قدرك عند الأتقياء وعند الفضلاء وعند رب الأرض والسماء ،فالملائكة تتبرك برؤيتك ،وأنبياء الله ورسله يفرحون بلقائك ، والله جل وعلا يدعوك لجنابه الأعلى ، فمن هؤلاء البشر إذا جهلوا عليك؟)
إذا أهــل الكــــرام يكـــرمونـــي  فلا أرجـــو الــهــوان من اللئـــام
والرجاء من الأضداد فيأتي بمعني الأمل ويأتي بمعني الخوف والوجل وهنا بمعني الخوف ، أي فلا أخاف الهوان من اللئام.
فاللئيم إذا أهانك والكريم إذا أكرمك فلا تبال بإهانة اللئيم ، لكن لو أن الكريم أهانك وأبغضك وتغير قلبه عليك وعبس في وجهك فحقيقة لا يلذ لك طعم الحياة ، وتقول : إذن أبغضني الله عندما أذاني الكرام ، وعندما تغير قلبهم علي ، لكن الواقع أن اللئام هم الذين آذوك وكذلك السفهاء ، فهذا مما يدل على عظيم قدره عند الله جل وعلا وهنا لئام يؤذونك ،وكرام يتبركون برؤيتك.
ونشير هنا إلى أنه : بالإجماع يتبرك بنبينا عليه الصلاة والسلام بجسده الشريف ، وبفضلاته ببصاقه ومخاطه ، وبشعره وبملابسه وبأثاثه ، بلا خلاف بين أهل السنة وإذا حصل الإنسان شعره من شعر النبي عليه الصلاة والسلام وقبلها ومرغ خده عليها فهنيئا له هنيئا ، فالتبرك بآثاره جائز بالاتفاق ، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يوزع أحيانا شعره على الصحابة ، كما حصل هذا في الحديبية ،وأخذ أنس بعض الشعرات وأوصي أن توضع تحت لسانه بعد موته – ووضعت – من أجل أن يسدده الله عند سؤال الملكين.
وكأنه بعد حصول هذه المميزات لنبينا عليه الصلاة والسلام يقول له برنا : ليس في إيذاء السفهاء لك منقصة ، وليس في ذلك غضب منا عليك ، فاعلم هذا وقم بالدعوة بجد ونشاط وحذار حذار أن تسير مع الميول البشرية والطبيعة الإنسانية فتقول ضاقت علي الأرض بما رحبت قومي آذوني وكثر صبري عليهم مع ما حصلت منهم من الإعراض ، ذهبت إلى الطائف فقابلوني أشنع مقابلة ، وطبيعة البشر قد تخور وتضعف ، فلا بد من تثبيت فأكلمه الله بالإسراء والمعراج وهذا في غاية التثبيت له عليه صلوات الله وسلامه وفعلا بعد هذه الحادثة كان نشاطه للدعوة أكثر وقام يدعو بجد ونشاط ولذلك في صبيحة اليوم التالي لليلة الإسراء والمعراج لقيه أبو جهل فقال : يا محمد ، هل من خبر جديد؟ قال نعم أسري بي هذه الليلة إلى بيت المقدس ، قال أو تستطيع أن تخبر قومك إذا دعوتُهم ؟ قال : نعم فبين ثباته ولم يبال بأحد عليه صلوات الله وسلامه ، فدعاهم أبو جهل وقال : اسمعوا ما يقول محمد ، فقالوا : انعت لما بيت الله المقدس يقول نبينا عليه الصلاة والسلام : فكربت كربا شديداً ، لم أكرب مثله قط لأنني ما أثبته – أي ما علمت أحوال بيت المقدس وكم فيه من نافذة وكم له من باب فكيف سأنعته لهم ، يقول : فأتي جبريل ببيت المقدس فوضعه عند دار عقيل بن أبي طالب ، وأنا أنظر إليه فجعلت أنعته لهم باباً بابا وشباكاً شباكا.
فهذا هو حال النبي صلي الله عليه وسلام بعد ذلك الحادث العظيم ، فقد صار عنده عزم وحماس للدعوة أكثر من الأول.
إخوتي الكرام ... حادثة الإسراء والمعراج وقعت بعد هذين الحادثين المريرين وفاة زوجه وعمه وكل منهما كان له مواقف خاصة مع نبينا عليه صلوات الله وسلامه ، وإذا كان الأمر كذلك فإذن هنا حزن على وفاتهم ثم هنا حزن لمزيد الأذى بعد موتهما فكان لابد من تسلية لنبينا صلي الله عليه وسلم.
ولذلك كان أئمتنا يقولون : من أقعدته نكاية اللئام ، أقامته إعانة الكرام ، لئام يؤذونك ويقعدونك عن دعوتك ويثبطونك ، فلابد من معين ومساعد يشد أزرك ويقويك وهم الكرام ، لكن البلية في عصرنا أن اللئام كثر ، فهم يقعدونك ويؤذونك ولا تجد كريما تأوي إليه إلا من رحم الله.
إخوتي الكرام ... الصحابة رضوان الله عليهم عندما اشتد عليهم أذى المشركين بمكة أشار عليهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يهاجروا إلى الحبشة وقال : هناك رجل عادل لا يظلم عنده أحد فاذهبوا إليه لعل الله أن يجعل عنده فرجاً ومخرجاً.
وبالفعل حصل ما تمناه النبي صلي الله عليه وسلم حتى أنهم لم يعودوا إلى مكة بل ما عادوا إلا لما هاجر النبي صلي الله عليه وسلم إلى المدينة فلحقوه هناك.
ولكن هل تركهم المشركون يهاجرون إلى الحبشة دون أن يلاحقوهم؟
لا بل أرسلوا عمر بن العاص وكان مشركا يومها – وعبد الله بن أبي ربيعة في طلبهم ومعهما الهدايا والقصة طويلة وردت في حديث طويل رواه الإمام أحمد في المسند وأخذ فيه ثلاث صفحات عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها لأنها كانت من جملة المهاجرات إلى الحبشة ،والحديث إسناده صحيح.
وهو في المسند : (1/201-203) ، (5/290-292)
قلنا أنه لما اشتد أذي المشركين علي الصحابة رضوان الله عليهم أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بأن يذهبوا ويهاجروا إلى الحبشة ، فطالب المشركين بإعادتهم وقال البطارقة الذين كانوا في مجلس النجاشي صدقوا أيها الملك أرسلهم دون أن تسمع كلامهم فقومهم أعلم بهم وقد كانوا يعلمون أن أصعب شيء عليهم أن يسمع النجاشي ( أصحمة ) كلامهم لأنه عاقل ، وإذا كان عاقلا وسمع كلامهم سيقضي بالحق وبالتالي لن يُسلَّم هؤلاء لعتاة قريش وسيحسن ضيافتهم ويكرمهم ، فكان أقبح شيء على هذا الوفد بمشورة العتاة في مكة أقبح شيء أن يستدعي النجاشي ( أصحمة ) هؤلاء الثلة الذين كانوا بضعاً وسبعين ما بين رجل وامرأة رضي الله عنهم أجمعين فكان أشنع شيء عليهم أن يستدعيهم ويسمع كلامهم ، فلما قال البطارقة : صدقوا أرسلهم ، قال : لا ، والله قوم لجأوا إلي واختاروني على من سواي كيف أطردهم قبل أن أسمع كلامهم ، فإذا كان ما يقول هؤلاء حقاً من أنهم مفسدون وخائبون ومخربون سلمتهم إليهم ، وإذا لم يكونوا كذلك فلا أطردهم ما رغبوا في جواري.
فاستدعاهم وقال لهم : ما هذا الدين الذي فارقتم به دين قومكم ولم تدخلوا في ديني ،- وكان هو على النصرانية – قالوا والذي تولي الإجابة هو جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم : أيها الملك كنا في جاهلية وشر ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة والجيف ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فبعث الله فينا رسولاً منا نعرف صدقه ونسبه ، فدعانا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأمرنا أن ننبذ ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام ، وأمرنا بالصلاة وصدق الحديث وصلة الأرحام فآمنا به وصدقناه ، فعدا علينا قومنا وآذونا فلجأنا إليك واخترناك على من سواك. فقال لهم : إن كنتم كذلك فلكم الأمن في بلادي .
وفي اليوم الثاني قال عمر بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة ، لأذهبن إلى الملك ولأوغرن صدره عليهم ، ولأحرضنه عليهم ولأقولن له إنهم يقولون في عيسي قولاً عظيماً ، وهو أنه عبد الله ورسوله ، لأن النصارى يقولون هو ابن الله ، ولأبيدن خضراءهم بهذا الكلام ، وكان عبد الله بن أبي ربيعة وهو على شركه فيه رحمة فقال : رفق بهم فإنهم أبناء العم والعشيرة ، فقال بل لابد.
فذهب إلى الملك وقال : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً ، فاستدعاهم فقالوا لجعفر ماذا نقول ؟ قال ما نقول إلا ما علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام وليكن ما هو كائن. فقال لهم النجاشي : ماذا تقولون في عيسى؟ قالوا : ما نقول إلا ما علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام فتلا عليهم صدر سورة مريم فلما وصل إلى قول الله (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ، ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم).
وانتبه لموقفهم هذا فلا يعني هروبنا وفرارنا من بلدة إلى بلدة فراراً بديننا أن نتنازل عن ديننا وقيمنا بل الواجب أن نثبت عليها كما خرجنا وفررنا بسببها إلى أن نلقى الله وهو راضٍ عنا إذ لا يعقل أن تهاجر وتقاتل من أجل مبدأ ثم لما تغير بلدك تتنازل عن هذا المبدأ الذي هاجرت بسببه.
إذن فتلا عليه هذه الآيات ولما قال : (ما كان لله أن يتخذ من ولد) نخر البطارقة ، ولما قال عيسى في السورة (قال : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ) فقال النجاشي : وإن نخرتم؟ وبكي حتى اخضلت لحيته من دموع عينيه ثم أخذ عودة صغيرة من أرض وقال والله ما زاد علي وصف عيسى بمقدار هذه ، فهذا هو وصف عيسى هو عبد الله ورسوله وليس هو بثالث ثلاثة وليس هو ابن الله جل وعلا ، ثم قال لجعفر ولمن معه : أنتم سيوم أنتم سيوم أنتم سيوم والسيوم في لغة الحبشة الأحرار أي مثل الغنم السائمة تمشي وترعي أينما تريد ،ولذلك الغنم إذا كانت سائمة فيها زكاة وإذا كانت تعلف فليس فيها زكاة – من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، والله ما أحب أن لي دَبْراً من ذهب ، والدبر هو الجبل العظيم الكبير بلغة الحبشة – وأن أحداً منكم يؤذى هذا العبد الصالح النجاشي ( أصحمة ) لما مات صلى عليه نبينا عليه الصلاة والسلام صلاة الغائب كما في الصحيحين.
وقد ثبت في سنن أبي داود في كتاب الجهاد ، باب النور يري على قبر الشهيد ( ؟؟؟؟؟ ) ، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها : [كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبر النجاشي نور بعد موته وفي الحقيقة فإنه يستحق هذا الإكرام من ربنا الرحمن.
فأولا : اعتقد اعتقاد الحق.
وثانيا : بذل ما في إمكانه حسبما وسعه في ذلك الوقت فالرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت في مكة ولا يمكن الهجرة إليه.
وثالثا : نصر هؤلاء المؤمنين ، فقام بما في وسعه وهو إن شاء الله في عداد المؤمنين الموحدين ، فهذا هو النجاشي العبد الصالح ولا مثيل له في عصرنا.
فتن لكن لا يوجد نجاشي ، لئام فاضت الأرض بهم فيضاً لكن لا يوجد ما يقابلهم من الكرام بحيث إذا ذهب الإنسان إليهم يجد النصر.
هذا فيقال رؤيته لهم في بيت المقدس لا يلزم أن تكون بنفس الصورة التي تكون في السماء يضاف إلى هذا أنه اجتمع بـ (124.000) نبياً في لحظات من ليل ، فكيف سيتمكن من أن يحفظ أشكالهم ويتثبت من صورهم ، كما هو الحال في بيت المقدس عندما قال له المشركون انعته لنا ، مع أنه رآه فالرؤية لا يلزم منها العلم بالمرئي على وجه التمام ، والإحاطة به بحيث لو رآه مرة ثانية يقول هذا هو فلان لأنه جم غفير التقى بهم في لحظات ، والعلم عن الله.
الحكمة السادسة : لأن لبيت المقدس من تلك الجهة المصعد إلى السماء ، أي باب السماء الذي يفتح يكون بحيال بيت المقدس.
قال الحافظ ابن حجر : والذي يظهر ضعف هذا لأن باب السموات الذي يفتح وينزل منه الملائكة يكون حيال الكعبة وفي وجهتها وسمتها لا على جهة بيت المقدس.
الحكمة السابعة : وقلنا نقلها عن ابن أبي جمرة ، قال : ليظهر الله الحق ، عند من يريد إخماده ووجه هذا : لو أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرهم أنه عرج به إلى السموات العلا ، ورأي في السموات ما رأي لقالوا له كذاب ، وما عنده قرينة تدل على صدقه ولا على كذبه فلا يستطيع أن يثبت لهم صدقه ، لكن عندما قال لهم أسري بي إلى بيت المقدس قالوا : كذاب قال : يا جماعة أنا تحققت من هذا وتأكدت ، قالوا : انعته لنا ، فلما وصف لهم بيت المقدس الذي رأوه بأعينهم ظهر لهم الحق وقد حاولوا إخماده ، أما السموات فلم يروها ولو قالوا له انعتها لنا ، فسينعتها بشيء لا يعلموه ، أما بيت المقدس فظهر الحق لهم عندما نعته لهم فظهر الحق عند من يريد أن يخمده ويبطله.
الحكمة الثامنة : تظهر لي وما ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله – والعلم عند الله – وهي أنه أسري بنبينا عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السموات العلى ليرتقي من كمال إلى كمال. فنقله إلى الكمال الأرضي وهو الاجتماع بالأنبياء وإظهار تقديمه عليهم وفضله عليهم ، ثم نقله إلى ما هو أعلى من ذلك وهو العروج به إلى السموات العلا والالتقاء برب العالمين ، فنقل من كمال إلي كمال أسري به ثم عرج ولو حصل العكس لم يكن في رؤيته الأنبياء فائدة معتبرة لأن أعلي الكمال حصل له وهو الاجتماع برب العالمين ولقاؤه.
المبحث الرابع :
الآيات التي رآها خير البريات عليه صلوات الله وسلامه في حادثة الإسراء والمعراج :
وتنقسم هذه الآيات إلى أربعة أقسام (لنريه من آياتنا الكبرى) :
القسم الأول : آيات عظيمة رآها وحصلت له قبل البدء برحلة الإسراء والمعراج.
القسم الثاني : آيات أرضية رآها عندما أسري به إلى بيت المقدس.
القسم الثالث : آيات سماوية رآها عندما عرج به إلى السموات العلا.
القسم الرابع : آيات عظيمة حصلت له بعد رقي السموات.
وسنفصل الكلام في هذه الآيات الأربع إن شاء الله تعالي.
القسم الأول :
الآيات التي حصلت له قبل البدء برحلة الإسراء والمعراج : حصلت له حادثة عظيمة وهي حادثة شق صدر نبينا عليه الصلاة والسلام.
ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن أبي ذر ، ومن حديث أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام ومن حديث مالك بن صعصعة ، وثبت في المسند من حديث أنس عن أبي بن كعب - فالحديث عن أربعة من الصحابة – وفيه يقول النبي صلي الله عليه وسلم : فُرِجَ سقف بيتي فنزل ملكان فأخذاني وأضجعاني وشقا ما بين ثغرة نحري – هي المكان المنخفض الذي يكون بين الترقوتين في أصل الرقبة – إلى شعرتي – أي مكان منبت العانة – وأخرجا قلبي فغسلاه في طست – بكسر الطاء وفتحها وإثبات التاء وحذفها وهو الطشت المعروف الآن – من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم حشيا قلبي وصدري – وفي رواية (حشيا صدري ولغاديدي) أي عروق رقبتي – إيمانا وحكمة.
هذا حصل له قبل حادثة الإسراء والمعراج : شق صدره ، استخرج قلبه ، وضع في طست من ذهب ، غسل بماء زمزم ، ثم حشي قلبه وصدره ، ولغاديده أي جميع عروقه ومنافذه حشي إيمانا وحكمة ثم التأم صدره عليه صلوات الله وسلامه.
قال الحافظ ابن حجر : "شق سقف البيت من قبل الملكين فيه إشارة إلى أن صدر نبينا عليه الصلاة والسلام سينشق ويلتئم دون حصول أثر فيه كما التأم هذا السقف بعد ذلك" ، ونحن في عصورنا لو شق جزء من الإنسان وأعيدت خياطته لبقي أثر الشق ، بل يقول الأطباء إنه إذا شق بطن الإنسان فإنه لا يعود إلى طبيعته الأولى مهما كتب له من شفاء وعافية ، ويبقى معرضاً للفتق فتراه يمنع من حمل الشيء الثقيل حتى لا تتفتق خياطة هذا كله مع تقدم العلم ، وهو في شأن نبينا عليه الصلاة والسلام معجزة.
قال الإمام ابن حجر في الفتح : واختير الطست من ذهب ليتناسب هذا الطست مع مكانة نبينا عليه الصلاة والسلام والكرامات التي تحصل له ، فهو من أواني الجنة ، والنبي صلى الله عليه وسلم صائر إليها بل محرمة على غيره ولا تفتح لأحد قبله.
الأمر الثاني : الذهب لا يأكله التراب ولا يظهر عليه صدىً ونبينا عليه الصلاة والسلام كذلك بدنه لا تأكله التراب ، ولا يعتريه تغير وهو يوم يبعث كحاله يوم دفن عليه صلوات الله وسلامه ، والله حرم على الأرض أجساد الأنبياء كما ثبت في السنة بإسناد صحيح إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء.
الأمر الثالث من الحكم في اختيار الطست من الذهب : أن الذهب هو أثقل المعادن في الوزن النوعي فلو وزنت قطعة (ذهب 5سم × 5سم) لقلت على قطعة (حديد 5 سم × 5سم) ، فإذن الذهب أثقل المعادن وزناً ونبينا عليه الصلاة والسلام أثقل الخلق وزناً وقدرة ، ووزن بالأمة كلها فرجح عليه صلوات الله وسلامه وهو أكرم الخلق على الله وأفضلهم عنده.
الأمر الرابع : أن في لفظ الذهب تفاؤل بإذهاب الرجس عن نبينا عليه الصلاة والسلام وتطهيره تطهيراً ، وهذا ما حصل له عندما استخرج منه حظ الشيطان وغسل قلبه بماء زمزم.
الأمر الخامس : أن في لون الذهب تفاؤل بحصول النظرة والبهجة لنبينا عليه الصلاة والسلام ودعوته وإشراق نوره في العالمين ، وهذا الذي حصل.
الأمر السادس : أن الذهب أعز المعادن وأغلاها ، وكذا نبينا عليه الصلاة والسلام أعز المخلوقات وأنفسها.
ولهذا كله غسل قلبه بطست من ذهب
وإنما غسل بماء زمزم لأن ماء زمزم هو أشرف الحياة وأصله نزل من الجنة وهو هزمة جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه لأم إسماعيل عندما اشتد عليها العطش ، والذي دلها على ذلك المكان وحفره جبريل بواسطة ضربة إسماعيل برجله ، فإذن ماء مبارك من الجنة حفره جبريل للنبي المبارك إسماعيل الذي هو والد نبينا عليه الصلاة والسلام ، وينتمي إليه ، فهو ابن الذبيحين عليه صلوات الله وسلامه.
وماء زمزم هو أشرف مياه الأرض وقد ثبت بإسناد حسن عن نبينا عليه الصلاة والسلام ماء زمزم لما شرب له وهو طعام طعم وشفاء سقم كما ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم ، وكان كثير من الصالحين يتقوتون بماء زمزم فهو ماء وغذاء ، ويمكث أربعين يوماً - كما يقول الإمام ابن القيم – لا يدخل شيء جوفه إلا ماء زمزم ، وانظروا فضل ماء زمزم في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد (4/392) وما لزمزم من خواص وآثار وهو يخبر عن نفسه أنه كان يمكث الأيام المتوالية ما يتغذى إلا بماء زمزم.
فهو إذن ماء مبارك ومن أجل هذا غسل قلب نبينا عليه الصلاة والسلام به.
قد يقول قائل : كيف غسل قلب النبي عليه الصلاة والسلام بطست من ذهب ، والذهب محرم استعماله على الذكور والإناث؟
ذكر أئمتنا جوابين :
الأول : وهو ضعيف في نظري – وهو أنه كان قبل التحريم.
الثاني : وهو المعتمد أن هذه الحادثة من خوارق العادات وهي متعلقة بأمور الغيب وهي بأمر الآخرة ألصق منها وأقرب من أمر الدنيا ، ولذلك لها أحكام الآخرة ، فكما أننا في الآخرة نحلـّى بأساور من ذهب (وحلوا أساور من ذهب) فحادثة الإسراء والمعراج لها أحكام الآخرة لا أحكام الدنيا ، وهذه من باب خوارق العادات ولذلك لها حكم خاص خص الله به نبينا عليه الصلاة والسلام.
قال ا بن حجر : قوله (حشياه إيماناً وحكمة) فيه إشارة إلى أن الحكمة هي أفضل شيء بعد الإيمان ، ورأس الحكمة خشية الرحمن ، والحكمة باختصار : وضع كل شيء في موضعه فالعبادة توضع للمعبود بحق وهو الله جل وعلا فلا نصرفها لغيره فهذه حكمة ،ومن عبد غير الله فهو سفيه سفه نفسه : (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) وهل هناك سفاهة أعظم من أن يصرف حق الخالق للمخلوق (إن الشرك لظلم عظيم).
فالحكمة هي أعلي الفضائل بعد الإيمان ولذلك حشي قلب نبينا عليه الصلاة والسلام وصدره ولغاديده وحكمة.
قد يسأل سائل فيقول : كيف حشي إيماناً وحكمة ، والإيمان والحكمة من الأشياء المعنوية؟
الجواب : يحتمل هذا أمرين :
الأمر الأول : أن تجسيد تلك المعاني إلى أشياء حسية ، فالإيمان الذي هو معنىً جُسِّد في شيء حسي يعلمه الله ولا نعلمه ، وأدخل في قلب نبينا عليه صلوات الله وسلامه ، ومثله الحكمة ولهذا نظائر : فالموت أمر معنوي ، وسيجسد يوم القيامة – كما ثبت في الصحيحين – في صورة كبش أملح ثم يوقف بين الجنة والنار ويذبح بينهما ويقال : يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت.
والأعمال التي نقوم بها من طاعات ومعاص ٍ هذه معان ٍ أيضاً ، وستجسد يوم القيامة كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام  كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم متفق عليه ، فإذن تجسد وتثقل الميزان فالطاعة تجسد وتوزن والمعصية تجسد وتوزن يوم القيامة ، ولذلك قال أئمتنا : الذي يوزن يوم القيامة ثلاثة أشياء : الأعمال والعمال وصحف الأعمال.
الأعمال وإن كانت معان ٍ وأعراضاً يجسدها الله بكيفية يعلمها ولا نعلمها ، والعمال وهم المكلفون ، قال الله عن الكافرين (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) ، ورِجْْلُ عبدِ الله بْن ِ مسعودٍ – كما ثبت في المسند – أثقل عند الله من جبل أحد ، وصحف الأعمال كما هو في حديث البطاقة وغيره.
وقد تقع هذه الثلاثة لكل واحد وقد يقع بعضها لبعض الناس والعلم عند الله ، لكن دلت النصوص الشرعية على أن الذي يوزن يوم القيامة الأعمال والعمال وصحف الأعمال.
الشاهد الآن : أن الأعمال معان ٍ وأعراض يجسدها الله وتوزن ، وكذلك هنا الإيمان معنىً لا يقوم بنفسه فجسد بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها وهذا من أمور الغيب التي نؤمن بها ولا نبحث في كيفيتها ، وقد تقدم معنا في الدليل الثامن من أدلة الإسراء والمعراج أن كل ممكن ورد به السمع وجب الإيمان به ، وتجسيد الأعمال والموت وغيرها من المعاني ممكن وليس بمستحيل وقد ورد به السمع فيجب الإيمان به.
الأمر الثاني : أن يكون الإيمان والحكمة قد مثلا بشيء ثم أدخل مثالهما الذي يدل عليهما ويعبر عنهما في قلب نبينا عليه الصلاة والسلام وصدره ولغاديده.
ولهذا نظير : عندما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يصلي صلاة الكسوف وتقدم ومد يده ثم تأخر وقال عرضت عليَّ الجنة والنار ومدت يدي لآخذ عنقوداً من عنب من عناقيد الجنة فلو أخذته لأكلتم منه إلى أن تقوم الساعة والحديث في الصحيحين.
فهذا عن طريق التمثيل أم عن طريق التجسيد ؟ بل هو عن طريق التمثيل ، فمثل له شكل الجنة والنار في جدار القبلة عندما كان يصلي عليه صلوات الله عليه وسلامه.
فإما أنهما جسدا أو مثلا والعلم عند الله ، أي ذلك وقع ، فنؤمن بأنه قد حشي قلب نبينا عليه الصلاة والسلام إيماناً وحكمة.
قال أئمتنا : اشتملت هذه الحادثة على ما يدهش السامع فضلاً عن المشاهد فالسامع عندما يسمع هذه الأخبار يدهش ، فكيف بنبينا عليه الصلاة والسلام الذي رأى هذا ، ليعلم عظيم قدرة الله في نفسه وليتحقق من ذلك وليثبت قلبه في تبليغ دعوة الله على أتم وجه وأكلمه ، لاسيما وقد حصل هذا بعد حوادث أليمة ومريرة مرت عليه كما قلنا من موت زوجه وعمه ، واشتداد أذى المشركين عليه بعد ذلك عليه صلوات الله وسلامه ، فانظروا إلى هذه العجائب كيف نفعلها ونحن على كل شيء قادرون.
إذن في بداية حادثة الإسراء والمعراج وقبل السير فيها شق صدر نبينا عليه الصلاة والسلام وقد شق الصدر الشريف لنبينا عليه الصلاة والسلام أربع مرات:
المرة الأولى : عندما كان عمره عليه صلوات الله وسلامه سنتان وثلاثة أشهر ، ثبت هذا في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ومستدرك الحاكم عن أنس رضي الله عنه عندما كان نبينا عليه الصلاة والسلام مع الغلمان عند مرضعته حليمة جاءه ملكان وأضجعانه وشقا صدره وقالا : هذا حظُُّ الشيطان منك ، فأخرجا علقة من قلبه فطرحاها ثم حشيا قلبه إيماناً وحكمة وانصرفوا ،وقام النبي عليه الصلاة والسلام يلعب مع الصبيان ، وذهب الذين كانوا معه إلى مرضعته حليمة وأخبروها الخبر فخشيت أن يكون هذا من قبل الجن ولذلك أرادت أن تعيده إلى أمه وعمه بعد ذلك.
المرة الثانية : عندما كان عمره عشر سنين ، شق صدره عليه صلوات الله وسلامه ، ثبت هذا في مسند الإمام أحمد (5/139) شق صدره عليه الصلاة والسلام وغسل قلبه مرة ثانية ومليء إيماناً وحكمة ، والحديث رواه أيضاً أبو نُعيم في دلائل النبوة عن أبي بن كعب عن أبي هريرة أنه كان جريئاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ، فسأله عن حادثة شق الصدر ، وكيف حصلت له ؟ فأخبره أنه كان في عمره عشر سنين – وانظروا يخبر عن هذا وكان يعي ويدرك في هذه السن [فأتاه ملكان وأضجعانه وشقا صدره .... إلخ الحديث.
المرة الثالثة : عندما كان عمره أربعين سنة ، في غار حراء ، والحديث في ذلك صحيح رواه أبو نُعيم في دلائل النبوة ص (69) ، وذكره الحافظ في الفتح مقراً له ، وهو في درجة الحسن على حسب اصطلاحه (1/460) و (13/481) عن أمنا عائشة رضي الله عنها : تخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام  أنه عندما جاءه جبريل في غار حراء شق صدره وحشي قلبه إيماناً وحكمة.
والمرة الرابعة : وهي التي معنا وكان عمره إحدى وخمسين سنة ونصف السنة ، وقد قلنا إنها في الصحيحين والمسند عن أربعة من الصحابة.
والمرة الأولى من هذه الحوادث لشق صدر نبينا عليه الصلاة والسلام انتزع فيها حظ ُّ الشيطان وأما ما بعدها فكان تهييئاً لقلبه لأن يتلقى ما سيرد عليه من واجبات وتكاليف. فالأولى من باب التخلية وما تبعها من باب التقوية والتحلية.
حادثة شق الصدر أشار إليها ربنا في كتابه في سورة (الانشراح) وتُسمى سورة (الشرح) (ألم نشرح لك صدرك) والسورة مكية باتفاق المفسرين ، وفيها يشير ربنا إلى الأمر العظيم الذي وقع له في مكة.
والاستفهام في الآية للتقرير ، ومعناه : حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده وعلمه وثبت لديه – فكأن الله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام أقد شرحنا لك صدرك أي شققناه شقاً حسياً ، وأنت رأيت هذا بعينيك.
وقد أرود الإمام الترمذي في كتاب التفسير عند سورة الانشراح حادثة شق صدر نبينا عليه الصلاة والسلام في تفسير هذه السورة ، ليشير إلى أن المراد بالشرح شق صدره حساً عليه صلوات الله وسلامه.
وهكذا فعل الإمام الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير عند تفسير سورة الانشراح فأورد حديث شق صدر نبينا عليه الصلاة والسلام ، وشرح صدر نبينا عليه الصلاة والسلام شامل – في الحقيقة - لأمرين :
أ*- شامل للشرح حساً ، وهو ما وقع في هذه المرات الأربع.
ب*- وشامل للشرح معنىً ، وهو تقوية قلبه لتحمل ما سينزل عليه ثم ليقوم بموجبه.
فحصل إذن الشرح الحسي والشرح المعنوي.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره : شرح صدره حساًَ لا ينافي شرح صدره معنىً ، فحصل له الأمران عليه صلوات الله وسلامه.
وثبت في كتاب دلائل النبوة للبيهقي – لا لأبي نُعيم- (1/352) عن قتادة قال (ألم نشرح لك صدرك) المراد من ذلك الشق الحسي الذي حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام.
وقال الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن عند تفسير سورة الانشراح (ألم نشرح لك صدرك) أي شرحاً حسياً وحقيقياً عندما كان عند ظئره – أي مرضعته – حليمة وعندما أسري به ، فاقتصر على حادثتين من الحوادث الأربع التي وقعت لنبينا عليه الصلاة والسلام ، ثم قال : وشرحنا لك صدرك معنىً عندما جمعنا لك التوحيد في صدرك وأنزلنا عليك القرآن ، وعلمناك ما لم تكن تعلم وكان فضلنا عليك عظيماً ، فحصل لك هذا وشرحنا لك صدرك عندما ألهمناك العمل بما أوحينا إليك وقويناك عليه.
ثم قال الإمام ابن العربي : وبهذا يحصل كمال الشرح وزوال التـَّرَح – وهو الغم.
الحاصل أن سورة ألم نشرح لك تدل على حادثة شق الصدر التي حدثت لنبينا عليه صلوات الله وسلامه.

القسم الثاني :
الآيات الأرضية التي رآها عندما أسري به إلى بيت المقدس ماذا رأى من آيات؟
وقد رأى آيات كثيرة ، سنتكلم على خمسة منها فقط ، على طريق الإيجاز – وإن شاء الله تعالى ، دون تفصيل في غيرها :
الآية الأولي : ركوب البراق :
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتيت بالبراق مسرجاً ملجماً – وهو دابة دون البغل وفوق الحمار وهو دابة أبيض ، يضع خطوه عند منتهى طرفه]
وتقدم معنا في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان – عندما قدم البراق لنبينا عليه الصلاة والسلام  استصعب عليه  ، وفي رواية ابن عباس في المغازي :  قدم البراق لنبينا عليه الصلاة والسلام وعدم انقياد وعدم ذلة وفي خلقه صعوبة وشراسة – فقال له جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مالك فما ركبك أكرم على الله منه.
وفي رواية ابن إسحاق قال له جبريل : أما تستحي ، فارْفَضَّ عرقاًوتقدم معنا أي تصبب عرقاً. وتقدم معنا إخوتي الكرام أن سبب شراسته ونفوره أمران ذكرناهما هناك0
إذن هذا البراق وهو آية حصلت لنبينا عليه الصلاة والسلام في إسرائه ، أما عندما عرج به وهو في المعراج سنتكلم على هذا في الآيات التي رآها في السموات إن شاء الله تعالى.
وهذه الآية العظيمة التي حصلت لنبينا عليه الصلاة والسلام – من باب خرق العادات – وكما تقدم معنا أن كل ما ورد به السمع يجب الإيمان به ، ووجود دابة اسمها البراق ممكن وليس مستحيلاً ، والإسراء بنبينا عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس ممكن وليس مستحيلاً ، وورد السمع بكليهما ، بالبراق الحديث السابق و(سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) ، وبما أن الأمرين كليهما ممكن وورد السمع به فيجب الإيمان به ، لأن القسمة العقلية في الأشياء الموجودة بأسرها تنحصر في ثلاثة لا رابع لها :
1- وجود واجب.
2- وجود مستحيل ممتنع.
3- وجود ممكن جائز.
أما الواجب فلا يتصور في العقل هدمه ، كوجود ربنا سبحانه وتعالى وحياته ، وهذا ما يسمى بواجب الوجود فلا يتصور زوال الحياة أو الفناء على رب الأرض والسماء ، فهذا واجب الوجود ، وهو أول بلا بداية ، وآخر بلا نهاية  اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء
أما المستحيل الممتنع فهو – كما ذكرنا سابقاً – الجمع بين النقيضين أو نفي النقيضين.
أما الجائز الممكن فهو يتصور وجوده ويتصور عدمه ليس وجوده في الحياة فقط بل في جميع الاعتبارات غنىً وفقر ، ذكورته وأنوثته وجماله ، ودمامته ، وطوله وقصره ، وكونه إنساناً أو جماداً فهذا كله ممكن يقدره الله أن يقلب الجماد إلى إنسان كقوله تعالى (إذ انبعث أشقاها) الآيات.
وذلك أن قوم ثمود قالوا لنبيهم صالح عليه الصلاة والسلام : لن نؤمن لك إلا أن تخرج لنا ناقة عشراء (أي حامل ملقحة) من صخرة؟ فقال لهم : إن أخرجتها تؤمنون؟ فقالوا نؤمن ، فدعا ربه فأخرج لهم ناقة عشراء من صخرة صماء ، ثم لما خرجت ولدت وليداً ورأوها ورأوا ودلها وسمعوا صوته ثم بعد ذلك قال لهم : إن كان الأمر كذلك فهذه الناقة لها حق عليكم فهذا الماء الذي تردونه يوم لكم ويوم لها ، فأما اليوم الذي لكم فتزودوا ما شئتم ،وأما اليوم الذي لها فاحلبوا منها ما شئتم ، أي بدل الماء لكم لبن ، لكن لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
ثم بعد ذلك عقروها فعاقبهم الله ودمر عليكم ، فهذا ممكن ورد السمع به فيجب الإيمان به.
فلابد من أن يحترم الإنسان عقله ويقف عند حده ولا يهوس ولا يوسوس ولا يرتاب ولا يشك فهذه هي قدرة الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.
والآن في عصرنا توجد مدرسة تسمى المدرسة العقلية ، وهي حقيقة مدرسة رديَّة وليست بمدرسة للعقل بل مدرسة زوال العقل ، ومدرسة خبل لا مدرسة عقل ، ولا عقلاء تقول هذه المدرسة :
(كل خارق للعادة ننفيه أو نؤوله بما يتمشي مع العقل) ، هكذا تقول مع أنه قد علمنا أن الخارق للعادة هو في الأصل ليس خارقاً للعقل وليس بمستحيل ولا يوجد بين خارق العادة والعقل معارضة ولا تضارب حتى نجمع بينهما بل نقول العقل يسلم والله على كل شيء قدير.
وقالوا : لابد من جعل الإسلام بصورة تقبلها الأذهان في هذه الأيام.
قلنا لهم : وماذا تفعلون بالخوارق الموجودة في القرآن أو السنة الصحيحة؟
قالوا : هذه سهلة مثلاً :
1- (اقتربت الساعة وانشق القمر) :
يقول رشيد رضا ومحمد عبده : (وانشق القمر) أي ظهر الحق ووضح ، وأما انشقاق القمر فهذه خرافة تتنافي مع العقل والإسلام لم يأت بهذه الأشياء لئلا يحرج الناس وهل النبوة لا تثبت إلا بخوارق العادة؟
2- (واضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) يقولون : حصل في البحر انحسار ثم عاد إلى مكانه وغرق فرعون وقومه ، لكن لم يحصل بخارق من خوارق العادة أي لم يحصل بسبب ضرب موسى البحر بعصاه ، قلنا لهم إذن كيف يحصل؟
قالوا : البحر فيه مد وجزر فلما وصل موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ومن معه إلى شاطئه حصل فيه جزر أي انحسر ماؤه ، فسار نبينا عليه الصلاة والسلام ، وهذه سنة طبيعية دائمة الحصول في البحر ، فإذن جف عندما وصل موسى لكن عندما تبعهم فرعون مد البحر نفسه فحصل فيه امتداد وغرق فرعون.
ولكن هل يقبل هذا التأويل عقل؟!
سبحان الله أنتم أردتم أن تمشوا هذه المعجزة مع العقل فأتيتم بما هو أغرب على العقل؟ فكيف سيحصل الانحسار والجزر ثم تمشي فيه المخلوقات ولا تغوص أرجلهم في المكان الذي كان فيه ماء ، وانظر للسيل مثلا ً عندما يجف من وادٍ فيبقى الوادي أكثر من شهر ولا تستطيع أن تمشي فيه من أثر الطين والوحل ، فكيف هذا الجيش بكامله سيمرون عليه؟!كما قال تعالى (طريقاً يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى).
ثم لو سلمنا لكم أنه جف بطريق الانحسار والجزر ، فكيف الحال مع جيش فرعون الذي كان وراء جيش موسى وما بينهما مسافة؟! كما قال قوم موسى( إنا لمدركون) فإذا انحسر البحر وتقدم فيه موسى 100 متر فإن فرعون وراءه وإلى أين سيفر موسى ما دام البحر أمامه لم ينحسر إلا جزء منه ؟! بل لابد من جفاف البحر كله وهذا لم يحصل ، وهذا على التسليم بقولكم.
3- (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد)
يقولون : الطير هو جيش والهدهد هو اسم أمير الجيش.
4- (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة)
يقولون : وادي النمل هو اسم لوادٍ يسمى بهذا الاسم ، قالت نملة : أي امرأة عرجاء واسمها نملة.
وإنما قالوا كل هذا قالوا : لنخرج القرآن من هذه المعجزات التي لا تتمشى مع العقل فأتوا حقيقة بما لو ثبت لكان هو الذي لا يتمشى مع العقل.
إخوتي الكرام ... أول دعامة عندنا من دعامات الإيمان ، الإيمان بالرحمن، فهل هذا غيب أم مشاهدة ؟ بل هو غيب (الذين يؤمنون بالغيب) ، ولا يثبت للإنسان قدم في الإيمان إلا أن يؤمن بالغيب.
فلم نأتي بعد بذلك ونشوش ونكثر اللغط حول هذه الأمور التي أخبرنا عنها العزيز الغفور الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون.
وهذه المدرسة العقلية لها في عصرنا رواج وانتشار ويستقي من ضرعها المدعو محمد الغزالي جند جنوده وطياشته تحت ستار هذه المدرسة لمحاربة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بحجة أنه لا يتمشى مع العقل فكم من حديث في الصحيحين رواه ويقول لا يتنافى مع العقل.
فمثلاً : حديث مجيء ملك الموت إلى موسى – وهو في الصحيحين – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :[جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه فضربه نبي الله موسى فقلع عينه فذهب إلى ربه وقال ، رب أرسلتني إلى عبد من عبادك لا يريد الموت ، قال : اذهب إليه فليضع يده على مسك ثور – أي جلد ثور- فإن له بل شعره تغطيها يده سنة] ومعلوم أن موسى كان مما آتاه الله بسطة في جسمه ، ويقول عنه صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء [كأنه من رجال أزد شنوءة] أي طويل جهيد ضخم ، فالله أعلم كم سيكون حجم يده ؟! وتتمة الحديث [قال ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال من الآن ، قال من الآن].
ويقول هذا المدعو عن الحديث خرافة من الخرافات ، أشبه بالخرافات المنقولة عن بني إسرائيل يقول هذا مع أن الحديث في أصح كتاب بعد كتاب الله ، وهو البخاري ومن بعده مسلم.
ثم يقول : فكيف يضرب موسى ملك الموت ؟ وكيف يقلع عينه ؟ وكيف لا يرغب موسى في لقاء الله ؟
سبحان الله! كل هذا لا وجود له في الحديث فمن أين أتيت به؟ كما أن موسى أعلى منزلة من ملك الموت عند الله ، يضاف إلى هذا أن الأنبياء لا تقبض أرواحهم إلا بعد تخييرهم فجاء ملك الموت ليخير موسى وهذه للأنبياء خاصة ولذلك قال نبينا عليه الصلاة والسلام على المنبر : [إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين الآخرة فاختار ما عند الله ، فبكى أبو بكر رضي الله عنه ، قال الصحابة : علام يبكي هذا الرجل؟] وإنما بكى رضوان الله عليه لأنه علم أن هذا العبد المخير هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذن الأنبياء لا يقبضون إلا بعد أن يخيروا ، وإذا قبضوا يدفنوا في مكانهم، والأرض لا تأكل أجسادهم وأبدانهم إكراماً من الله لهم.
فجاء ملك الموت إلى موسى فقال له : أمرني الله بقبض روحك إذا شئت – وقد كان في طبع نبي الله موسى حدة كما ذكرت لكم وسأوضحه في الآيات السماوية التي حصلت لخير البرية عليه صلوات الله وسلامه في رحلة المعراج فضربه وهو كما قلنا أرفع منه منزلة وهل ضربه(1) في عالم الحقيقة أم في عالم المثال؟
بل كان هذا في عالم المثال ، فملك الموت لم يأت لموسى بصورته الحقيقية ، وكذلك كان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في غير صورته ، فكان يأتي بصورة دحية الكلبي أو في صورة أعرابي سائل وغيرها من الصور ولا يأتيه بصورته الحقيقية إذ أن صورته الحقيقية أن له ستمائة جناح ، وملك الموت لو جاء بصورته الحقيقية لهدمت العمارات من رؤية صورته ، فإذا جاء ملك الموت بصورة صديق لموسى وهذا من باب الغيب الذي نؤمن به ولا نبحث في كيفيته ، فموسى له دالة ومنزلة ورتبه على ملك الموت فضربه فقلع عينه المثالية وليس في هذا إشكال.
وهذا كما لو ضربْتَ شخصاً تحبه ويحبك ، وقلعت عينه لكن في المنام ثم أخبرته في الصباح برؤياك فتراه ، يقول لك لو قلعت عيني الأخرى ، وهل ضربك عندي إلا أحلى من العسل وهذا مشاهد فإذا لوح موسى لملك الموت وضربه في عالم المثال فليس فيه منقصة ، فهذا الضرب كان انفعال مؤقت وغضب ولا لأجل نفور منه.
فذهب ملك الموت إلى الله جل وعلا فرد عينه المثالية التي قلت في عالم المثال دون تغير لحقيقة الأمر ، ولا تسأل عن كيفية هذا.
ثم جاء ملك الموت إلى موسى فقال له : إني مرسل من قبل الله بخبر ٍ آخر ، فالله يقول لك إن شئت أن نقبض روحك الآن فقد انتهى أجلك ، وإن شئت أن نمد في حياتك فلك ذلك لكن على أن تضع يدك على مسك ثور ، فكم سنة ستعيشه يبارك الله لك فيها ، فقال موسى : فبعدها ؟ فقال له ملك الموت : لابد من الموت ، فقال : فمن الآن ، فقبض روحه وقال : اللهم قربني وأدنني من الأرض المباركة رمية حجر فيستحب إذن الدفن في الأرض الصالحة المباركة بجوار بيت المقدس وسيأتينا في حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه عند الكثيب الأحمر قائماً يصلي في قبره ، ثم قال : لو كُنْتُ ثـَمَّ لأريتُكم قبره الذي يصلي فيه نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.
فهل في فهم هذا الحديث على هذا المعنى إشكال؟
فإن قيل : كيف فعل نبي الله موسي هذا في عالم المثال؟
نقول : لأنه أعلى من الملك منزلة وله عليه دالة ، فله أن يعزره ، كما أن للأستاذ أن يعزر أحد طلابه إذا ألح عليه في الأسئلة ، فله أن يعزره ولو كانت أسئلته كلها جيدة ولا منقصة في هذا للمُعزِّر ولا للمُعزَّر.
وهذا قد كان في القديم ، ولكن للأسف الآن ما عاد الطالب ليتحمل تعزيراً من أستاذه بل تراه يصول ويجول إذا قال له الأستاذ أو الشيخ اسكت أو ضغط على أذنيه ، ونحو هذا من المتغيرات والله المستعان.
(قصة أحد الطلاب الذين أرادوا تهذيب نفوسهم و طلبوا العلم عند أحد المشايخ وألح عليه في طلبه ، وبعدما قال له الشيخ كذبت – اختباراً له – اغتاظ الطالب وسب الشيخ ومن علمه وسب أهل الأرض جميعاً ..إلخ القصة).
(قصة شيخنا الطحان مع شيخه الشنقيطي في شأن القنوت لما قال له كذبت ، فماذا كان موقف شيخنا الطحان؟)
فهنا عندما يضرب موسى ملك الموت فهل في هذا محظور أو إشكال ،وهل هذه منقصة ، ووالله لو ضربه في عالم الحقيقة لما كان عليه منقصة لأنه أرفع من ملك الموت.
أوليس قد ضرب أخاه هارون وأخذ بلحيته ورأسه يجره إليه فهذا انفعال في وقت محدد زال أثره بعد ذلك.
فانظر إلى أفكار هذه المدرسة العقلية الرديَّة وانتبهوا منها.
قد يقول قائل : لما جيء بالبراق – الذي ركبه نبينا عليه الصلاة والسلام – مع أنه بإمكان ربنا أن يسري بنبينا عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس دون البراق؟
نقول : فعل هذا لاعتبارين :
الاعتبار الأول : تأنيس بالعادة عند خرق العادة ، فقد جرت العادة عندما يدعوك أمير أو صاحب منصب أن يقدم لك مركوباً ويحضر لك عطية ويرسل من يخدمك من أجل أن يصحبك إلى بيته ، فهذا مما جرت به العادة.
فآنس ربنا نبيه بالعادة عند خرق العادة لئلا يكون الخارق من جميع الجهات ، بل من جهة يأنس فيقدم له مركوب يركبه ، ومن جهة أخرى هذا المركوب خرق للعادة وهذا واضح.
الاعتبار الثاني : ليكون أبهى وأفخم لنبينا المكرم عليه صلوات الله وسلامه عندما يسري به إلى بيت المقدس في صورة راكب.
والراكب أعز وأبهى وأعلى مما لو أخذ إلى بيت المقدس في غير هذه الصورة ، فلو نقل دون ركوب دابة فيكون قد وصل إلى بيت المقدس في صورة نائم مغمىً عليه ، ولو قيل له : ضع خطوك من مكة إلى جهة بيت المقدس ففي خطوتين تصل إلى هناك فهذا يكون قد وصل في صورة ماش ٍ.
وأيها أعز الراكب أم النائم أو الماشي ؟ بل الراكب ، وانظر إلى ربنا ماذا يقول عن أهل الجنة (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) والذي سيق دوابهم لا هم ، فيسق المتقون وهم يركبون الدواب ، فإذن يدخلون الجنة وهم يركبون الدواب والنجائب – جمع نجيبة وهي السباقة من الخيل الكريمة العتاق – ليكون أعز لهم وأبهى ، ولا يساقون لأن سوق الإنسان منقصة له.
وهذا المعني أي معنى الآية (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ..) يكاد يكون المفسرين مجمعين عليه وما خالف فيه إلا قليل ، ولا يوجد أثر مرفوع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه الدلالة ، وهي أن المتقين تساق نجائبهم، لكن أخذ المفسرون هذا من قول الله تعالى : (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) قال ابن منظور في لسان العرب (4/480) الوفد هم الركبان المكرمون . وانظر إلى كلام الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره (15/285) يقول في حق الفريقين " وسيق بلفظ واحدة فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان كما يفعل بالأسارى والخارجين إلى السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل.
وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك ، فشتان ما بين السوقين"
وهذا هو الذي ذكره الإمام ابن كثير في تفسيره (4/65) ، وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة.
وأما في حق الكفار فقال تعالى (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) ، فهنا هم سيقوا ودفعوا كما يدفع المسجون المجرم في هذه الحياة إذلالاً لهم ، كما قال تعالى : (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ) ولذلك (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم) فيدفع أولهم على آخرهم ، وآخرهم على أولهم كما يفعل بالمجرمين في هذه الحياة.
ولذلك انظر إلى ما قاله الله عن أبواب الجنة وما قاله عن أبواب النيران :
(حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) فهذا لأبواب جهنم ، أي تفتح بغتة وفجأة ، فيساق ولا يدري إلى أن يذهب فلما يقترب منها تصيح وتفتح أبوابها فجأة وتلتهمهم.
وقال عن أبواب الجنة (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) فتساق ركائبهم ونجائبهم التي يركبون عليها والجنة مفتحة أبوابها وهم ينظرون إليها فيطيرون شوقاً ويسرجون الدواب من أجل أن يصلوا إلى نعيم الكريم الوهاب ، فإذن هنا الأبواب مفتوحة.
ولذلك كان الجلوس عند الباب مذلة ، والأمير عندنا في الدولة الإسلامية لا يغلق باباً ولا يتخذ حجاباً ، لأنه لو فعل هذا لأذل الرعية ، ولما وصل إليه وإلى مجلسه إلا أناس مخصصون.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
عن بصر نبينا عليه الصلاة والسلام بحيث رأى بيت المقدس وهو في مكة ، وأي غرابة في هذا ؟ وهذا ما تفيده رواية الصحيحين [فجلى الله لي] أي أظهر وكشف وبين.
والأمور الثلاثة محتملة والعلم عند الله ، فأي ذلك حصل حقيقة ؟ لا يعلم ذلك إلا الله ، وحقيقة هذه الآية أكبر شاهد على صدق نبينا عليه الصلاة والسلام في دعواه أنه أسري به ، وأنه رسول الله حقاً وصدقاً.
الآية الثالثة :
وحصلت له في داخل المسجد الأقصى ، جمع الله له الأنبياء من سمي منهم في القرآن ومن لم يسم من عهد آدم إلى عهده عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ، وتقدم معنا عدتهم (124.000) جمعوا في تلك الليلة ، ولما أقيمت الصلاة ليصلوا ركعتين تعظيماً لله تقدم جبريل بأخذ بيدي محمد عليه الصلاة والسلام وقدمه إماماً بهم – وهو أفضلهم وأكرمهم كما تقدم معنا وهو أفضل الخلق على الإطلاق – فصلـَّى بهم ركعتين ثم بعد الصلاة جلس الأنبياء يتحدثون بفضل الله عليهم فكل واحد ألقى خطبة – إذن (124.000) خطبة ألقيت في تلك اللحظة – أثنى فيها على ربه وذكر ما مَنَّ الله به عليه ثم ختم الخطب نبينا عليه الصلاة والسلام فقال في خطبته : إن الله بعثني رحمة للعالمين ، وأرسلني للناس كافة بشيراً ونذيراً وأنزل علي القرآن فيه تبيان كل شيء وجعل أمتي خير الأمم وجعل أمتي وسطاً وأمتي هم الأولون والآخرون يوم القيامة – أي آخرون في الزمن ، والأولون أي يوم القيامة – وشرح الله صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحاً وخاتماً ، ففتح الله به آذاناً عمياً وقلوباً غلفاً وآذاناً صماً وهو خاتم النبيين فقال خليل الرحمن إبراهيم بهذا فضلكم محمد ، وإبراهيم هو الذي يليه في الفضل وهو صاحب المرتبة الثانية بعد نبينا عليه الصلاة والسلام فاعترف أن هذا النبي هو أفضل أنبياء الله ورسله.
والحديث في ذلك وارد في المعجم الكبير للطبراني ، ومسند البزار ، ومسند أبي يعلى بسند رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : [ثم دخلنا المسجد فنشر الله لي الأنبياء من سمي ومن لم يسم – أي في القرآن – فصليت بهم ...] وانظروا الحديث إخوتي الكرام في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/68) للإمام الحافظ ابن حجر الهيثمي ، وهو غير ابن حجر الهيتمي ، وغير ابن حجر العسقلاني العالم الحافظ المشهور فلا تخلطوا بين الثلاثة فالهيثمي توفي سنة 807هـ ، والهيتمي من علماء القرن العاشر الهجري ، والعسقلاني توفي سنة 852 هـ وهو تلميذ الهيثمي.
إخوتي الكرام... من هذا الكتاب (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) لو وزن بالذهب وقيل لطالب العلم اختر الذهب أو هو ، لقال الطالب الحقيقي لو أعطيتموني عشرة أمثاله من ذهب ، لما أخذتها وأخذت الكتاب.
وهذا الكتاب في زوائد ستة كتب على ستة كتب ، فإذا جمعت الستة مع هذا تكاد أن تكون جمعت السنة بأسرها وقل أن يخرج حديث عن هذه الكتب التي هي ستة مع هذا الكتاب.
فهذا زوائد ستة كتب وهي مسند الإمام أحمد ، ومسند البزار ، ومسند أبي يعلى والمعجم الكبير للطبراني ، والمعجم الأوسط له والمعجم الصغير له أيضاً.
على ستة كتب وهي البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي ، وابن ماجه (وفي الحقيقة قد جرى خلاف بين العلماء في عد الكتاب السادس من اصطلاح الكتب الستة) المشهور هل هو ابن ماجه وهو المشهور أو موطأ مالك كما هو في جامع الأصول لابن الأثير أو مسند الدارمي ، والذي مشى عليه الهيثمي في مجمع الزوائد هو عد ابن ماجه).
الآية الرابعة من الآيات الأرضية :
وحصلت له في بيت المقدس أيضاً ، وتكررت في السماء فلن نعيد الكلام عليها عندما نصل إلى الآيات السماوية التي رآها خير البرية صلوات الله عليه وسلامه عندما عرج به.
هذه الآية هي أنه قدم له أربعة أقداح :
وهذا خلاصة الروايات وبعد أن أذكرها لكم وحاصل ما فيها أرشدكم إلى مصادرها لترجعوا إليها لأن في بعض الروايات أنه قدم له قدحان ، وبعضها ثلاثة أقداح وبعضها أنه حصل هذا في بيت المقدس وبعضها أنه حصل في السماء عند سدرة المنتهى.
والمعتمد أنه تكرر عرض الآنية على نبينا عليه الصلاة والسلام مرة في بيت المقدس ومرة في السماء وكل مرة لها حكمة كما تقدم معنا في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات وكل مرة لها حكمة وهذا الأمر كذلك ، ومجموع الآنية أربع لكن بعض الرواة قصر في الحفظ فذكر بعض هذه الآنية.
الحاصل أن مجموع ما عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم أربع آنية في حادثة الإسراء بعد أن ألقى كل نبي خطبته في بيت المقدس : يقول النبي عليه الصلاة والسلام : [ثم جاءني جبريل بأربعة آنية ، إناء فيه ماء ،وإناء فيه عسل ، وإناء فيه لبن ، وإناء فيه خمر ، فقال : ألا تشرب يا محمد ؟ عليه صلوات الله وسلامه] وكان سبب هذا الشرب وسبب عرض الآنية عليه هو لما حصل له من العطش في هذه الرحلة المباركة من مكة إلى بيت المقدس فإذن كان عرض الآنية عليه في الدنيا من أجل دفع الظمأ والعطش - [قال : فأخذت إناء الماء فشربت منه قليلا ً ، فقال لي جبريل : لو ارتويت منه لغرقت وغرقت أمتك] والسبب في هذا أن الماء ليس كاللبن الذي هو شراب وغذاء ، إذ أن اللبن غذاء الفطرة وأما الماء فهو دافع العطش والظمأ فقط فيأخذ الإنسان بمقدار دفع الحاجة فلو أخذ منه أكثر من المطلوب لآذى نفسه ، ولو سلك الإمام طريق الأذى فالرعية سيسيرون وراءه ، فأنت لو أخذت من الماء أكثر من حاجتك لنتج عن هذا أنك تغرق في شعب الدنيا وأوديتها وحطامها ولذائذها وتنهمك فيها وتعرض عن الآخرة وحاشاك من ذلك ، إنما هذا على سبيل الافتراض البعيد ولغرقت أمتك أي لتبعت الدنيا وأعرضت عن الآخرة.
إذن الانهماك في الماء والأخذ منه فوق الحاجة يدل على ركون إلى الدنيا ، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام أزهد خلق الله في حطام الدنيا وهو الذي يقول : [مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها] ، وقال في الحديث (قال) ولم يقل (نام) لأن القيلولة وقتها قصير من بعد الظهر إلى العصر بخلاف النوم ، فإنه يكون طويلا ً لوقوعه في الليل ، وهذا هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام كان قليل النوم وكان يقوم الليل حتى تورمت قدماه ، فإذا فرغت فانصب أي إذا فرغت من طاعة فانصب إلى طاعة أخرى وعملك جد متواصل وليس عندك كسل ولا فتور كما هو الحال في جامعاتنا الهابطة (4) شهور إجازة وعطلة ، أي الطالب يصبح عاطلا ً ، وطالب العلم الحقيقي لا يتوقف عن العلم إلا في مناسبات شرعها الإسلام كالعيدين ، وما عداهما فلا ينبغي أن يتوقف عن العلم أو يعطى عطلة والله المستعان ، فلا يوجد في قاموس المسلمين شيء اسمه عطلة لأن الله سبحانه يقول لنبيه ونحن له في هذا تبع (فإذا فرغت فانصب) ، فإذا فرغت من طاعة وعمل فانصب إلى عمل آخر ولا تظن أن العمل انتهى لأن الدنيا مزرعة الآخرة ولابد من غرس عمل متواصل ، أما الحصاد ففي يوم الدين (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) والمزارع لا يعرف العطلة في موسم الزراعة ، فذاك هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام مع الدنيا.
[وأما إناء العسل فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وشرب منه قليلا ً] وذلك لأن العسل شفاء كما قال تعالى (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) فإذن هو بمثابة الدواء والإنسان يأخذ منه بمقدار الحاجة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه غذاءً لشفاء البدن وصحته.
والعسل من آيات الله البارزة التي يخرج من هذا الحيوان وهي النحلة ، قيل لبعض الصالحين : بأي شيء عرفت ربك؟ قال : بالنحلة قالوا : وكيف ؟ قال : بأحد طرفيها تعسل وبالطرف الآخر تلسع ، ومقلوب العسل لسع ، أي عكس كلمة (عسل) خطاً (لسع).
وهذا من عظيم قدرة الله كيف يخلق المتضادات وليس المتناقضات في بدن واحد ، ففيها سمية وفيها مادة حلوة عسلية ، والعسل هذا من الأغذية المباركة وقد ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم (4/200، 403) بسند صحيح كالشمس عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً ، وروي موقوفاً عليه بإسنادين والموقوف له حكم الرفع وفيه [عليكم بالشفاءين العسل والقرآن] أما القرآن فقوله تعالى دال على ذلك (قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) وهو – أي القرآن – لعقولنا كالشمس لأعيننا ، وعين بلا أنوار لا ترى وعقل بلا وحي لا يهتدي ، وهو لأرواحنا كالماء للسمك ، فسمك بلا ماء لا يعيش وأرواح بلا قرآن ميتة (أومن كان ميتاً فأحييناه) (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا).
وأما العسل فهو الشفاء الثاني ، وقد توصل من نحاسة بعض الأطباء ونكدهم وغلظ قلوبهم وفساد عقولهم في هذه الأيام أنهم يصفون الخمر علاجاً لبعض الأمراض ؟ فهل يعقل أن تصبح أم الخبائث شفاءً والشفاء صار داءً ؟ لكننا في عصر اختلت فيه الموازين من جميع جهاتها فصار الباطل حقاً والحق باطلا ً ، وصار الكذاب صادقاً والصادق كذاباً ، ونطق الرويبضة في أمر العامة وهو الحقير ابن الحقير ؟ ، فإذن صار الشفاء وهو العسل في عصرنا داءً ، وهذا العسل مثل التمر الذي هو أطيب طعام وأنفعه للبدن ، ويقول الأطباء – وسيأتينا الإشارة له عند اللبن – لا يوجد غذاء فيه جميع ما يحتاجه الجسم إذا أخذه الإنسان لا يحتاج غيره إلا اللبن والتمر فقط ، ولو عشت طول حياتك لم تأكل إلا لبناً وتمراً لعشت في أتم صحة وعافية ، وقد كانت أهلة تمرُّ على بيوت النبي صلى الله عليه وسلم التسع ولا يوقد في بيته نار ، فقال عروة : يا خالتي – عائشة – ما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان التمر والماء. ولم تقل الأبيضان من باب التغليب وتعلق الصحة بالتمر ، وجعلته أسود لأن غالب تمر المدينة أسود.
[استطرد الشيخ في ذكر خبث الغرب في تحضيرهم للأغذية وأنهم لا يتورعون عن تنجيسها بغائطهم وبولهم ثم ذكر شيخ الإسلام مصطفى صبري آخر شيخ للإسلام لآخر دولة إسلامية وهو صاحب كتاب (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) في أربع مجلدات ، وصاحب كتاب (قولي في المرأة) رد فيه على قاسم أمين ، الشاهد يقول شيخ الإسلام مصطفى صبري في كتابه (موقف العقل والعلم والعالم) لو أن الكفار صدروا إلينا عذرتهم رطبة لأكلناها ، وهو كذلك ، وما مرت فترة على الدولة الإسلامية ضربت فيها بالذل نحو أعداء الله إلا في هذا الأيام وهذا العصر)
فالعسل هو الشفاء والخمر هو الداء ، وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لأن نشرب زجاجة العسل كلها بل نشرب بمقدار الحاجة. ولذلك فقد شرب النبي صلى الله عليه وسلم ما يحتاجه فقط .
[وأما اللبن فشرب منه نبينا صلى الله عليه وسلم وتضلع] أي حتى صار اللبن – والمقصود باللبن الحليب – في جميع ضلوعه وملأها بحيث ما بقي فيه مسلك ، فتضلع كما يسن لنا أن نتضلع من ماء زمزم ، أي لا يبقي في أضلاعك وبينها فجوة إلا ودخلها ماء زمزم ، وآية ما بين المؤمنين والمنافقين التضلع من ماء زمزم وماء زمزم لما شرب له كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام والحديث بسند حسن وتقدم.
فإذن كما تتضلع من ماء زمزم لأجل البركة ، فاللبن تضلع منه نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه غذاء الفطرة ، وهو شراب وطعام ، وعليه يعيش المولود من بني الإِنسان في صغره فيبقى سنتين يرضع من ثدي أمه هذا ولا يأكل ولا يشرب غيره.
إذن فإذا كنا على فطرتنا السوية فإننا نتزود من اللبن ولذلك أرشدنا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أدب ينبغي أن نحافظ عليه إذا شربنا اللبن لنخبر عن استقامة فطرتنا ، وإذا أكلنا أو شربنا غيره نقول دعاءً آخر ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [من أطعمه الله طعاماً فليقل : اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيراً منه ، ومن أسقاه الله لبناً فليقل : اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه] فلم يقل هنا وارزقنا خيراً منه بل قال وزدنا منه ، بينما ذكر في الأول وارزقنا خيراً منه لأن كل طعام هناك ما هو خير منه وأنفع وأطيب ثم قال : [فإني لا أعلم ما يجزيء عن الطعام والشراب إلا اللبن] فلا تقل إذا شربت لبناً وارزقنا خيراً منه.
ولأجل ذلك تضلع النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن ، وما بقي بين ضلوعه مسلك لدخول قطرة من شراب ، [فقال له جبريل : هديت الفطرة].
[وأما الخمر فما مد نبينا صلى الله عليه وسلم يده إليه أبداً ولم يشرب منه].
وقد يقول قائل : ولم لم يشرب منها وهذه من خمر الجنة التي لا تسكر وليست من خمر الدنيا المسكرة بل هي من نهر الخمر الذي يجري في الجنة مع الأنهار الأخرى التي تخرج من أصل سدرة المنتهى؟
نقول : حتى لا يقوم مقام تهمة ، وحتى لا يقف موقف تهمة ، لأن لفظها واسمها خمر والخمر محرمة في الدنيا على هذه الأمة وحتى لا يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم شرب الخمر رغم أنها طاهرة وتلك مسكرة إلا أن الناس والعامة لا تعرف هذا ولا تدركه ولو عرفته لبقي في نفسها شيء نحو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فلأجل أن يحصل التذرع بفعل النبي صلى الله عليه وسلم – الذي هو حقيقة لا إشكال فيه لو فعله – إذا شرب الخمر ، فما شربها صلى الله عليه وسلم لأجل ذلك [فقال له جبريل : لو شربت الخمر لغويت وغَوِيَتْ أمتك] ، وفي رواية [قال له : لما اتبعك أحد] لأنهم سيتوسعون ويخرجون عن دين الحي القيوم فيقولون نبينا شرب الخمر فنحن أيضاً نشربها مع اختلاف الخمرين لكن العامة لا تدرك هذا ولا تعيه.
إخوتي الكرام ... العلماء ينظر إليهم العامة دائماً ويقتدون بهم ، فالعالم إذا توسع في المباح توسع العامة في المكروهات ، وإذا توسع في المكروهات توسعوا في المحرمات فإذا وقع العالم في الحرام كفرت العامة فتنبهوا لهذا رحمكم الله.
لذلك لا يجوز للمؤمن أن يقوم مقام تهمة أو أن يقف موقف ريبة ، فمثلا ً إذا ذهب طالب العلم إلى مكان ريبة ، ومكان فساد كشواطئ البحار ولكن ابتعد عن مكان الفساد وصد وجهه عن المفسدين فهذا في الحقيقة ليس عليه وزر أو إثم لكن لو رآه الناس موجوداً في هذا المكان لبدؤوا باتهامه ، ولو كان يجلس بعيداً لأن الناس لا تعذر، فكان الواجب على هذا الطالب أن لا يذهب إلى هذا المكان المحدد أو في هذا الوقت بل يحاول أن يتجنب مثل هذه الأوقات والأماكن حتى لا يتكلم عليه الناس ولا يتذرع العامة بفعله.
فمن أقام نفسه مقام ريبة وتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقمن مقام تهمة وريبة – هذا ليس بحديث ولكن معناه صحيح – وقد وردت أحاديث بهذا المعنى منها في الصحيحين [فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه] ودلَّ عليه حديث في المستدرك وسنن الترمذي وغيره بسند صحيح عن عطية السعدي : [لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس].
فيحتاط نبينا عليه الصلاة والسلام – وهو إمامنا في الاحتياط والورع – لم يمد يده إلى الخمر مع أنها طاهرة وحلال ومنعشة ونافعة سنشربها في الآخرة حتى لا يتذرع العامة بفعله إذا شربها.
وهذه الآنية عرضت على نبينا عليه الصلاة والسلام في بيت المقدس – كما ذكرنا – لدفع العطش وعرضت عليه فوق السموات العلا عند سدرة المنتهى من باب الضيافة والكرم ، فلما رأى هذه الأنهار الأربعة تنبع من أصل سدرة المنتهى قدم له من كل نهر إناء فيه من ذلك النهر.
وحاله في السموات كحاله في الأرض فشرب من الماء قليلا ً ، والعسل قليلا ً، واللبن تضلع منه وأما الخمر فما مد نبينا عليه الصلاة و السلام يده إليه أبداً.
ومن رأى نفسه في المنام وهو يشرب لبناً فليحمد الله ، لأن هذه الرؤيا تدل على أمرين :
(1) أنه على الفطرة والدين المستقيم.
(2) أن الله سيمنحه العلم النافع العظيم.
وفي صحيح البخاري في كتاب التعبير بوب البخاري باباً بهذا الخصوص ، فقال : باب اللبن في النوم ، ثم ساق الحديث إلى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [بينما أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من تحت أظافري ، ثم أعطيت فضلي عمر ، قال فما أولت ذلك يا رسول الله ، وقال : العلم] وعمر هو سيد المُحَدَّثين والْمُلْهَمِيْنَ في هذه الأمة فلا غرابة.
وثبت في مسند البزار بسند فيه ضعف ويشهد له ما تقدم والحديث في مجمع الزوائد (7/183) في كتاب تعبير الرؤى ، باب اللبن في المنام من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [اللبن في المنام فطرة].
وفي حديث البخاري السابق منقبة لعمر وقد حصلت منقبة أخرى له في صحيح البخاري أيضاً في كتاب العلم يقول نبينا عليه الصلاة والسلام [رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قـُمُص – جمع قميص وهو ما يلبسه الإنسان – منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض عليَّ عمر بن الخطاب في ثوب يجره ، قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال: الدين].
الآية الخامسة :
وهي من الآيات الأرضية ، وهي ما رآه صلى الله عليه وسلم في طريقه من مكة إلى بيت المقدس.
فقد رأى آيات عظيمة وهي كثيرة كثيرة كثيرة ولا أريد التوسع فيها ، لكن ارجعوا إلى مجمع الزوائد (1/65) فما بعدها وانقلوا هذه الآيات واكتبوها مع هذا المبحث وانظروا في فتح الباري (7/199) فما بعدها وانظروا في جامع الأصول (11/310).
وسأقتصر هنا في شرحي على آيتين والباقي تأخذونه من هذه الكتب فإنه كثير كثير :
1- الآية الأولى : ثبت في صحيح مسلم وسنن النسائي عن أنس رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [مررت ليلة أسري بي على موسى في قبره عند الكثيب الأحمر- وهو التلة من الرمل – وهو قائم يصلي].
وقد كنت أشرت سابقاً إلى أن أجساد الأنبياء في قبورهم لا تتغير ، وهم أحياء فيها حياة يعلمها الله ، ولا نعلم كيفيتها ، ويكرمهم الله بكرامات عظيمة كما كان يكرمهم في حياتهم ، من هذه الكرامات أن نبي الله موسى كان يصلي في قبره ، ورآه نبينا عليه الصلاة والسلام يصلي في قبره ، فإن قيل : كيف هذا ؟ نقول : قلنا إن حادثة الإسراء والمعراج معجزة ونبي الله موسى في عالم البرزخ، فالاطلاع عليه هذا من باب خرق العادات والممكنات التي أكرم الله بها خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلام لأصحابه لما ذكر لهم ذلك [لو كنت ثـَمَّ لأريتكم قبره] ، أي لو كنت أنا وأنتم في ذلك المكان لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر عند البلاد المباركة.
فهذه آية نؤمن بها وهي من الإيمان بالغيب الذي نؤمن به ونكل علم معرفته إلى خالقه.
2- الآية الثانية : وإنما اخترتها وأردت ذكرها لما فيها من غبرة وعظة ، وهي إذا كانت المرأة تصل عزيمتها إلى هذا الحد ، فالرجل ينبغي أن يستحي من الله وأن تكون عزيمته – على الأقل كعزيمتها – لا أقل منها.
فهذه الكرامة التي رآها نبينا عليه الصلاة والسلام لامرأة صالحة ضعيفة مستضعفة وهذا كله من باب الاطلاع على ما في عالم البرزخ من عذاب أو نعيم، وعالم البرزخ لا يمكن أن نعلمه إلا عن طريق وحي صادق ، فإذا نطق من لا ينطق عن الهوى آمنا به وصدقناه.
ثبت في مسند الإمام أحمد والبزار والمعجم الكبير للطبراني والمعجم الأوسط له أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال : [مررت ليلة أسري بي بوادٍ فإذا فيه ريح طيبة ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها].
س : ما السبب في حصول هذه الكرامة لها؟
جـ : [كانت تسرح شعر ابنة فرعون وتمشطه فسقط المشط من يدها ، فقالت باسم الله ، فقالت هذه العاتية ابنة فرعون : أبي] أي باسم أبي الذي هو إله فالله يعني أبي ، لأنه قال : أنا ربكم الأعلى ، وكان رباً – كما يدعي – لأن الأنهار تجري من تحته ، فتقول له يا منحوس ، من الذي أجرى الأنهار من تحتك ؟ فإنك تفتخر بملك غيرك ، وتفتخر بنهر أجراه غيرك هل أنت الذي أجريتها وهل أنت الذي شققتها ؟ إن هذه الأنهار التي تجري من تحتك عما قريب ستجري من فوقك وكل من ادعى دعوى قتله الله بدعواه.
يقول أئمتنا احذروا الدعوى ، هي بلوى وإن صحت ، فلا تقل أنا أحفظ وأنا أعلم كذا ، فإنك حتى ما قلت (أنا) استوجبت الخزي بل الواجب أن تقول هذا بفضل الله وبرحمته ولذلك قال الله في الحديث القدسي : [فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] ، (وما بكم من نعمة فمن الله) فهو الذي وفق.
ولذلك العاتي النمروذ عندما تكبر وتجبر وقال أنا أحيي وأميت ، أماته الله بأضعف جنده ببعوضة فقط ، فدخلت إلى دماغه من أنفه ، وبدأت تدور في رأسه فكان يجمع حاشيته وأصحابه ويعطيهم الأحذية الكبيرة الثقيلة ويقول لهم أخفقوني على رأسي لأجل أن تموت هذه البعوضة ، فكان وزراؤه يضربونه – وقد كانت البعوضة تخمد عندما يأتيها الضرب فتقف ولا تتحرك ، فإذا توقفوا عن الضرب بدأت بالحركة والطيران داخل دماغه حتى قتل ضرباً بالأحذية ، فأنت يا من تقول بأنك تحيي وتميت لم تستطع أن تميت بعوضة ، فإذن كل من ادعى بدعوى قتله الله بدعواه.
قال هارون الرشيد لمحمد بن السماك – وكان من العلماء الواعظين الصالحين – إذا كان الله حكيماً وخلق كل شيء لحكمة فعلام خلق الذباب ؟ فقال : ليذل به الملوك يا أمير المؤمنين ، أي أنت يا أمير المؤمنين لا يدخل عليك أحد إلا باستئذان إلا الذباب فإنما يدخل من غير استئذان.
[فالماشطة سقط المدرا (المشط) من يدها فقالت باسم الله ، قالت ابنة فرعون : أبي قالت : لا0 ربي وربك ورب أبيك ، فقالت : أأخبر أبي بذلك ؟ قالت : أخبريه ، فأخبرته ، فدعاها فرعون فقال لها : ألك رب غيري ؟ ، قالت : نعم ، ربي وربك الله ، فأمرها أن تحضر هي وأولادها وقال : إما أن ترجعي عن دينك وتدخلي في ديني وتؤمني بأنني أنا الله الرب وإما أن أقتلك ، فقالت ، اقتلني بما شئت ولكن لي طلب عندك ، قال : لك ما تريدين ، قالت : إذا قتلتني فاجمع بين عظامي وعظام أولادي وادفنا في قبر واحد ، فقال : لك ذلك] فوافق على ذلك لما لها عندهم من المنزلة والمكانة إذ أنت من خدم البيت ومن الحاشية لكن لأنك خرجت عن الدين فلابد لك من القتل.
[فأتي بنقرة من نحاس] وهي الحلة الكبيرة والقدر الواسع بحجم الغرفة بل البيت وهذه هي التي عذب بها النصارى في بلاد الأندلس المسلمين لما سقطت الأندلس ، فقد كانوا يأتون بهذه القدور – النقرة – ويضعون تحتها ناراً حتى يحمى الماء فيها ويغلي غلياناً عظيماً ، ثم يؤتى بالمؤمن ، ويقال له إما أن ترجع عن دينك وإما أن نلقيك فيها وهم أفواج فلا يرجع عن دينه ثم يأتي بالثاني ويخير وهكذا وما يصدهم ذلك عن دين الله رغم ما يرونه من العذاب الشديد لدرجة أن هذا الماء من حرارته يذوب فيه اللحم والعظم فلا يبقي للمؤمن أثر فيه ولكنهم يثبتون على إيمانهم.
(قصة أحد المشايخ الذين حاولوا دخول مسجد قرطبة الذي صار كنيسة وكيف منعهم القسيس من دخوله – إلخ القصة) ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
[فأحماها وبدأ يضع أولادها واحداً بعد واحد فيها وهي تصبر وتحتسب حتى ألقاهم جميعاً وبقي بين يديها ولد صغير لازال رضيعاً في المهد فأشفقت عليه وخافت ، فلما أخذوه منها ليلقى في هذه النقرة ارتاعت وتغيرت ، فظن فرعون أنها سترجع عن دينها شفقة على ابنها الصغير ، فقال هذا الغلام الصغير : يا أماه إنك على الحق فاصبري وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة]
قال نبينا عليه الصلاة والسلام : [لم يتكلم في المهد إلا أربعة ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف ، وعيسى عليه السلام ، وصاحب جُريج]
وصاحب جُريج هذا حديثه في الصحيحين وهو عابد وراهب [عندما كان يصلي دعته أمه فقال اللهم أمي وصلاتي] ولو كان فقيهاً لأجاب أمه لأنه إذا دعتك أمك وأنت في نافلة فاقطع النافلة وأجب أمك لأن إجابتها فريضة والنافلة سنة لك أن تقطعها. [ثم قالت : يا جُريج ، فقال : اللهم أمي وصلاتي ، ثم قالت : يا جُريج (للمرة الثالثة) فقال : اللهم أمي وصلاتي فقالت أمه : والحمد لله أنها لم تدع عليه بغير هذا – اللهم لا يموت جُريج حتى يرى وجوه المياميس – أي الزانيات – وكان هناك راعٍ يرعى الغنم وهناك امرأة بغي اتصل بها هذا الراعي عن طريق الحرام وأحبلها قيل لها من أين هذا ؟ قالت : من جُريج العابد الذي يعبد ربه في هذه الصومعة ، فغضب بنو إسرائيل وحملوا المعاول والعصي وجاءوا إلى صومعته فهدموها ، فقال لهم ماذا تفعلون ؟ قالوا : تدعي أنك عابد راهب معتدل ثم بعد ذلك تعتدي على هذه المرأة ، فقال : أين الغلام ؟ فقيل له هذا ، فأتى إليه جُريج ونقر على بطنه وقال : من أبوك يا بابوس ؟ قال : فلان الراعي ، فأكب الناس على قدمي جُريج يقبلونها ويقولون له نبني لك صومعة لبنة من ذهب ولبنة من فضة فقال : بل أعيدوها كما كانت].
لكنه رأى وجوه المياميس رأى هذه المرأة التي وجهها منكر فيه هذا البلاء والغضب لأنه ما أجاب أمه ، حذار حذار أن يدعو عليك أحد والديك إذن فهؤلاء تكلموا في المهد.
[فلما قال لها الغلام هذا طرحت الولد في النقرة ثم أخذوها وألقوها مع أولادها فاحترقوا جميعاً فجمع فرعون – عليه لعنة الله – عظامهم (1) ودفنهم في قبر واحد] ولذلك فهؤلاء لهم ذلك النعيم العظيم لهم في البرزخ فبمجرد أن دفنوا حصلت لهم تلك الرائحة الشذية العطرية الطيبة من قبرهم في ذلك.
فإذن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به شم هذه الرائحة الطيبة من ماشطة ابنة فرعون ومن أولادها الذين قتلوا معها.
إخوتي الكرام ... هذا حال الحق عندما يدخل القلوب سواء كانت عند ذكور أو عند إناث ، فانظروا إلى ثبات هذه المرأة على الحق وعدم مبالاتها بأطغى أهل الأرض في ذلك الوقت هو فرعون وماذا يملك فرعون وغيره من الجبابرة ؟ هل يملك أكثر من قطع الرقبة؟ لا ، ولكن الحال كما قال السحرة لفرعون (فاقض ما أنت قاض ٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا). أما غير هذا فليس في وسع أحد أن يفعله.
ثم إن الموت سيصير إليه القاتل والمقتول ، فهل سلم فرعون من الموت ، وهل الأنبياء سلموا من الموت ؟ لا ، فهل في موتي منقصة لي ؟ وليس القوي الذي يخاف من موت بدنه ، إنما القوي الذي يخاف من موت القلب ، فالقلب إذا مات هنا الطامة ، وهذا الذي يوجب غضب الله والخسران للأبد أما موت البدن فما الذي يُخوِّف منه ؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [تحفة المؤمن الموت ] ، فالمسلم إذا مات انتقل من عناء إلى لقاء رب الأرض والسماء ، انتقلت من شدة وبلاء إلى نعيم ورخاء. فإذا مت فماذا في هذا ؟!! ووالله إن نعمة الله علينا بالموت أعظم من نعمته علينا بالحياة ، فإذا مت انتقلت من دار إلى دار ، ولذلك للإنسان ثلاث دور: الدار الأولى : الدنيا وفي الدنيا دور متعددة أولها بطن الأم فهذا وإن سكنته وخرجت منه ، ثم هذه المساكن التي تسكنها الله أعلم بعددها تسكن في الشام في مصر في لبنان في مصر في استراليا العلم عند الله.
الدار الثانية دار البرزخ ، وهي أوسع من دار الدنيا وأحسن منها بكثير ثم أكمل الدور وأتمها وهي الدار الثالثة دار الآخرة.
فإذن الانتقال إلى البرزخ بالموت كالانتقال من رأس الخيمة إلى مصر ولا فرق هنا عباد وهناك عباد قال تعالى : (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) فهل يشترط أن نقيم في رأس الخيمة ؟ كلا ، إذن فكذلك لا يشترط أن نقيم في الحياة فأنت في كنف الله ورعايته إن كان في الدنيا تقوم بالواجب عليك ، وإن كان في البرزخ فلا واجب عليك بل يكرمك الله جل وعلا بكرامات لا تخطر على بال وإن كان في الآخرة فرحمتـُهُ أوسع وأوسع.
فالمؤمن إذن لا يخاف الموت بل إنه يفرح بالموت وكان عدد من الصالحين إذا جاءهم الموت يقولون : حبيب ، جاء على فاقة ، لأننا في الدنيا نتألم كما يتألم الكفار لكن في النتيجة نختلف ، فنحن يأتينا الموت راحة وهم ينتقلون من عذاب إلى عذاب أشد (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون) وهذه الآية في المعارك فنحن نرجو الشهادة وهم يرجون عرضاً من الدنيا ولو لم يكن في الدنيا تعب إلا إدخال الطعام وإخراجه لكفى ، فعندما يمضغ ويأكل في اليوم مرتين أو ثلاثاً ، ثم يجلس في الخلاء في صورة يستحي منها أفليس في هذا تعب ؟ وهذا غير ما يحصل لك من نكد أو تعب أو إيذاء في هذه الدنيا ، وكذلك فأنت تملأ وتفرغ وتملأ وتفرغ وهكذا ولذلك كان بعض الصالحين يقول : أشتهي أن يجعل الله رزقي في حصاة أمصها والله استحيت من ربي من كثرة دخولي الخلاء.
وهذا الطعام الذي يدخل إلى جوفك لو كشف للناس عنه لهربوا من نتن ريحه ولذلك أنت أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وفيما بينهما تحمل العذرة
فهذا تعب ما بعده تعب فإذا من الله عليك بدار البرزخ ثم بالجنة ، ليس هناك عناء ولا بلاء ولا حدث ولا مخاط ولا بصاق ،والطعام والشراب يخرج منك على هيئة رشح من جبينك أطيب من المسك ولذلك كل الطعام هناك ليس من باب حفظ البدن من تلف أو لحاجته لطعام ، إنما من باب التلذذ والتفكه كما قال تعالى : (وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون) وقال : (وأمددناهم بفاكهة) فسماها فاكهة.
فإذن ماتت ماشطة ابنة فرعون وعذبت فماذا جرى لها ؟ ثم انظر لهذه الكرامة بتعجب نبينا عليه الصلاة والسلام لطيب رائحتها.
لذلك هذا المسلك الذي سلكته هذه المرأة الصالحة يجب أن يسلكه الذكور والإناث بلا استثناء.
ولله الحمد توجد من هذه النماذج في عصرنا (قصة الطالبة الصالحة في أبهى التي كانت تشترط على من يتقدم لخطبتها ألا يدخل تليفزيوناً أو منكراً للبيت : إلخ القصة).
وهذا ما رآه نبينا عليه الصلاة والسلام في رحلته المباركة مما كشف الله له أطلعه عليه مما يكون في عالم البرزخ مما كان قد حصل – من الذنوب – والذنوب التي ستحصل وأطلعه عليها قبل وقوعها.
وهذا كما أطلعه الله – عندما كان في المدينة والحديث في الصحيحين – مثل عذاب رجلين حيث قال صلى الله عليه وسلم : [إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستبرئ (وفي رواية يتنزه) من بوله ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة].
هاتان آيتان شرحناهما مفصلتين والآن نذكر جملة من الآيات التي وقفنا عليها في الكتب التي ذكرت في أول هذا المبحث في أول الحديث عن الآية الخامسة ، وسنذكر هذه الآيات على وجه الإيجاز والاختصار مع ذكر مرجعها :
3- الآية الثالثة : مر صلى الله عليه وسلم على قوم يزرعون في يوم ويحصدون ي يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
انظر : مجمع الزوائد (1/67) ، فتح الباري (7/200).
4- الآية الرابعة : ومر صلى الله عليه وسلم على قوم ترضخ (تدق تكسر) رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء ، قال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة.
انظر : مجمع الزوائد (1/67) ، فتح الباري (7/200).
5- الآية الخامسة : مر على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم (أي حجارتها المحماة) ، قال : ما هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم (أي لا يزكون) ، وما ظلمهم الله ، وما الله بظلام للعبيد.
انظر : مجمع الزوائد (1/67) ، فتح الباري (7/200).
6- الآية السادسة : مر على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج ، ولحم آخر نيئ خبيث فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب ، قال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : الرجل من أمتك يقوم من عند امرأته حلالا ً ، فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت معها حتى يصبح ، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا ً طيباً فتأتي الرجل الخبيث فتبيت عنده حتى تصبح.
انظر : مجمع الزوائد (1/67) ، فتح الباري (7/200).
7- الآية السابعة : مر على رجل قد جمع حزمة عظيمة من حطب لا يستطيع حملها ثم هو يريد أن يزيد عليها ، فقال : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس لا يستطيع أداءها ثم هو يزيد عليها ويطلب آخر.
انظر : مجمع الزوائد (1/68) ، فتح الباري (7/200).
8- الآية الثامنة : مر على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء ، قال : يا جبريل ، ما هؤلاء ؟ قال : خطباء الفتنة.
انظر : مجمع الزوائد (1/68) ، فتح الباري (7/200).
9- الآية التاسعة : مر على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع ، فقال : ما هذا يا جبريل ؟ ، قال : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع.
انظر : مجمع الزوائد (1/68) ، فتح الباري (7/200).

10- الآية العاشرة : أتى صلى الله عليه وسلم على وادٍ فوجد ريحاً طيبة ووجد ريح مسك مع صوت ، فقال : ما هذا ؟ قال : صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقري ومرجاني وقضبي وذهبي وأكوابي ومما في وأباريقي وفواكهي وعسلي وثيابي ولبني وخمري ، ائتني بما وعدتني ، قال : لك كل مسلمة ومسلم ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي شيئاً ولم يتخذ من دوني أنداداً فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا خلف لميعادي ، قد افلح المؤمنون ، تبارك الله أحسن الخالقين فقالت : قد رضيت.
انظر (1/68).
11- الآية الحادية عشرة : أتى صلى الله عليه وسلم على وادٍ فسمع صوتاً منكراً ، فقال : يا جبريل ما هذا الصوت ؟ ، قال : هذا صوت جهنم تقول : يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وبعد قعري واشتد حري ، ائتني بما وعدتني ، قال : لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب ، قالت : قد رضيت.
انظر المجمع (1/68).
12- الآية الثانية عشرة : انتهى النبي صلى الله عليه وسلم – وهو راكب البراق – إلى أرض ذات نخل فقال جبريل : انزل ، فنزل ، ثم قال : صل ، فصلى ، ثم ركب فقال له : أتدري أين صليت؟ ، قال الله أعلم ، قال : صليت بيثرب ، صليت بطيبة ، وإنها المهاجرة.
انظر المجمع (1/73)، الفتح (7/199).
13- الآية الثالثة عشرة : ثم بلغ أرضاً بيضاء فقال له : انزل ، فنزل ، ثم قال له : صل فصلى ثم ركب ، فقال له أتدري أين صليت؟ قال : الله أعلم ، قال صليت بمدين ، صليت عند شجرة موسى ، وفي رواية : صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى عليه السلام.
انظر المجمع (1/73) ، الفتح (7/199).
14- الآية الرابعة عشرة : ثم قال له جبريل انزل ، فنزل فقال صل ، فصلى ، ثم ركب فقال له : أتدري أين صليت ؟ ، قال : الله أعلم ، قال : صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم.
انظر المجمع (1/73) ، الفتح (7/199).
15- الآية الخامسة عشرة : مر النبي صلى الله عليه وسلم في أرض غمة (ضيقة) منتنة ، ثم أفضى به المسير إلى أرض فيحاء طيبة ، فقال : يا جبريل كنا نسير في أرض غمة نتنة ثم إلى أرض فيحاء طيبة فقال تلك أرض النار وهذه أرض الجنة – وفي رواية : تلك أرض أهل النار وهذه أرض أهل الجنة.
انظر المجمع (1/74).
16- الآية السادسة عشرة : أتى على رجل قائم فقال من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا أخوك عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام .
انظر المجمع (1/74) ، الفتح (7/199 ، 200).
17- الآية السابعة عشرة : ثم سار فسمع صوتاً فأتى على رجل فقال : من هذا معك ؟ قال هذا أخوك محمد صلي الله عليه وسلم فسلم ودعا لي بالبركة وقال سل لأمتك التيسير ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا أخوك موسى صلى الله عليه وسلم.
انظر المجمع (1/74) الفتح (7/199 ، 200) .
18- الآية الثامنة عشرة : ثم سار صلى الله عليه وسلم ، فرأى شيئا ، فقال : ما هذه يا جبريل ؟ قال هذه شجرة أبيك إبراهيم ، فقال : أدنو منها ؟ قال : نعم ، فدنا منها فرحب ودعا لي بالبركة.
انظر المجمع (1/74) ، الفتح (7/199 ، 200).
19- الآية التاسعة عشرة : رأى الدجال فقال : وأراني – أي جبريل – الدجال ممسوخ العين اليمنى شبهته بـِقـَطـَن بن عبد العزى.
انظر المجمع (1/75).
20- الآية العشرون : عرض له رجل عن يمين الطريق – في ذهابه إلى بيت المقدس – فجعل يناديه يا محمد إلى الطريق – مرتين – فقال له جبريل امض ولا تكلم أحداً ، ثم أخبره أن الرجل الذي عرض له عن يمين الطريق هم اليهود دعته إلى دينهم.
انظر المجمع (1/77).
21- الآية الحادية والعشرون : عرض له رجل عن يسار الطريق ، فقال له : إلى الطريق يا محمد فقال له جبريل : امض ولا تكلم أحداً ، ثم قال له جبريل : تدري من الرجل الذي دعاك عن يسار الطريق ؟ قال : لا ، قال : تلك النصارى دعتك إلى دينهم.
انظر المجمع (1/77).
22- الآية الثانية والعشرون : عرضت له امرأة حسناء جميلة ، فقال له جبريل: هذه المرأة الحسناء هي الدنيا دعتك إلى نفسها. انظر المجمع (1/77) ، ووقع في الفتح (7/199) أنه مر بامرأة عجوز فقال له جبريل هذه الدنيا.
23- الآية الثالثة والعشرون : مر بشيء يدعوه متنحياً عن الطريق ، فقال له جبريل : سر ، ثم قال له : الذي دعاك هو إبليس.
انظر الفتح (7/199).
24- الآية الرابعة والعشرون : مر بقوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم ، فقال هم هؤلاء يا جبريل ، قال هؤلاء أكلة الربا.
انظر الفتح (7/200) ، المجمع (1/66).
25- الآية الخامسة والعشرون : مر بقوم مشافرهم (شفاههم) كالإبل يلتقمون حجراً فيخرج من أسافلهم ، فقال له جبريل : هؤلاء آكلة أموال اليتامى.
انظر الفتح (7/200).
26- الآية السادسة والعشرون : لما دخل المدينة التي فيها بيت المقدس من بابها الثامن أي قبلة المسجد فربط دابته ثم دخل المسجد من باب فيه مثل الشمس والقمر.
انظر المجمع (1/73).
27- الآية السابعة والعشرون : مر بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيراً لهم فسلم عليهم وقال بعضهم لبعض : هذا صوت محمد ، وحاجه المشركون في مكة لما أخبرهم الخبر فقال لهم : مررت بعير لكم في مكان كذا قد أضلوا بعيراً لهم وأنا مسيرهم لكم ينزلون بكذا ثم يأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوتان ، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حتى كان قريباً من نصف النهار ، أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
انظر المجمع (1/73 ، 74 ، 75) الفتح (7/200).
28- الآية الثامنة والعشرون : لما أخبرهم بخبر الإبل السابقة ، قالوا له: هل مررت بإبل لبني فلان ؟ ، قال : نعم وجدتهم في مكان كذا وكذا قد انكسرت لهم ناقة حمراء فوجدتهم وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها ، فقالوا : أخبرنا ما عدتها وما فيها من الرماة ، قال : قد كنت عن عدتها مشغولا ً فقام فأتي بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاة ثم أتى قريشاً فقال لهم : سألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا وفيها من الرعاء ابن أبي قحافة وفلان وهي مصبحتكم بالغداة عند الثنية ، قال : فقعدوا إلى الثنية ينظرون أَصَدَقـَهُمْ؟ فاستقبلوا الإبل فسألوا : هل انكسرت لكم ناقة حمراء ؟ قالوا نعم ، قالوا : فهل كان عندكم قصعة ؟ قال أبو بكر : أنا والله وضعتها فما شربها أحد ولا أهراقوه في الأرض.
انظر المجمع (1/75) ، الفتح (7/200).
29- الآية التاسعة والعشرون : لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى وصلى فيه وعرضت عليه الآنية انطلق به جبريل حتى أتى الوادي الذي في المدينة – أي المدينة التي فيها المسجد – فإذا جهنم تكشف عن مثل الزرابي، فقال الصحابة: يا رسول الله كيف وجدتها ؟ قال مثل الحمة المسخنة.
انظر المجمع (1/73).
هذا ما تيسر لي جمعه من الآيات التي رآها نبينا عليه الصلاة والسلام في طريقه من مكة إلى بيت المقدس أو العكس مما يدخل تحت الآيات الأرضية التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم.
القسم الثالث :
آيات سماوية رآها نبينا عليه الصلاة والسلام عندما عرج به إلى السموات العلا :
الآية الأولي :
المِعْراج أو المُعْراج – بكسر الميم أو ضمها – وهذا أول الآيات كما أن البراق هو أول الآيات الأرضية ، فالبراق من مكة إلى بيت المقدس ، ومن بيت المقدس إلى السموات العلا كان الصعود عن طريق المعراج أو المعراج ، وهو آلة يعرج عليها ويُصْعَدُ بها كالسلم أو الدرج أو المصعد عندنا في حياتنا.
قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في مغازي ابن إسحاق – [فأتيت بالمعراج فلم أر شيئا أحسن منه] وهو الذي يشخص إليه الميت بعينيه إذا حضره أجله] فالميت عندما يموت ينظر إلى فوق ، فينظر إلى هذا المعراج الذي ستعرج إليه روحه.
[وكان مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة ، وكان مكللا ً باللؤلؤ من جنة الفردوس] فهذا هو المعراج نؤمن به ونفوض العلم بكيفيته إلى ربنا جل وعلا ، وعما قريب سيراه كل واحد وينظر إليه بعينه عندما يحضره أجله ويرى مقعده من الجنة أو النار عن طريق المعراج فإذا كان صالحاً فتحت له أبواب السماء وإلا أغلقت.
الآية الثانية :
آيات رآها عندما عرج به إلى السموات :
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك بن صعصعة ، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ".... فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا (السماء الأولى) فاستفتح (استأذن) فقيل من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك؟ قال : محمد " [عليه صلوات الله وسلامه] وهذا أي قول الملائكة من معك يحتمل أن السماء شفافة فرأوا من هو خارجها أو أنهم سمعوا حساً للنبي عليه الصلاة والسلام معه ، أو رأوا زيادة أنوار عرجت عندما ارتقى جبريل فاستفتح من أجل أن يلج السماء فقيل من ؟ قال : جبريل ، قيل ومن معك؟ قال : محمد [فقال (حراس السماء الدنيا) أَوَقَدْ بعث إليه؟] أي أذن له بأن يدخل وطلب لمناجاة الله ، وسؤال الملائكة هذا يحتمل عدة أمور إما أنه من باب التعجب إذ كيف حصل للنبي صلى الله عليه وسلم هذه المرتبة العظيمة الجليلة ، فتعجب الملائكة من هذا ، أو أن هذا للاستبشار ، أي استبشاراً بلقائه وفرحاً بمجيئه ، ويحتمل (قاله الحافظ) أنهم قالوا هذا إعلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يعلمون أنه سيأتي ويؤذن له في الدخول فكأنهم يقولون : نحن عندنا علم بمجيئه لكن هل حان الوقت وبُعث إليه وأرسلك الله يا جبريل إليه في هذا الوقت؟ أي نحن علمنا بأنه محمداً صلى الله عليه وسلم سيأتي ويدخل لكن ما حُدَِِّدَ لنا الوقت ، [فقال : نعم ، فقيل : مرحباً به فنعم المجيء جاء ، ففتحت السماء ، فلما خَلَصْتُ (أي دخلت إليها وسرت فيها) فإذا فيها آدم ، فقال جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام ثم قال لي مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح].
إخوتي الكرام .... ثم عرج به إلى السماء الثانية ، ولكنا سنذكر على سبيل الاختصار الأنبياء الذين لقيهم في هذه السموات السبع ، ولا أريد أن أستعرض ألفاظ الحديث لأنه في كل سماء لما يستأذن يُقال : أو قد بعث إليه؟ فيقال : نعم ، فيفتح له فيقول فإذا فيها فلان من الأنبياء .... ومن أراد نص الحديث فليرجع إليه في صحيح البخاري أو مسلم.
ففي السماء الأولى (السماء الدنيا) نبي الله آدم عليه السلام.
وفي السماء الثانية نبيا الله عيسى ويحيى عليهما السلام.
وفي السماء الثالثة نبي الله يوسف عليه السلام.
وفي السماء الرابعة نبي الله إدريس عليه السلام.
وفي السماء الخامسة نبي الله هارون عليه السلام.
وفي السماء السادسة نبي الله موسى عليه السلام.
وفي السماء السابعة نبي الله وخليله إبراهيم عليه السلام.
الأنبياء كلهم جمعوا لنبينا عليه الصلاة والسلام في بيت المقدس ، أما في السموات السبع فما اجتمع إلا بثمانية من الأنبياء (1)
إن قيل : ما الحكمة في الاقتصار على هؤلاء الأنبياء فقط دون غيرهم ، وكونهم بهذا الترتيب من السماء الأولى إلى السابعة؟
فنقول :
أما آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فجعل في السماء الأولى ليحصل مباشرة أُنس النبوة بالأبوة ، الابن محمد عليه الصلاة والسلام والأب الأول للبشرية كلها آدم عليه الصلاة والسلام ، ولم يجعل في السماء الأولى من باب دنو منزلته إنما من باب أن هذا أب أول لجميع البشر ، ولذلك فينبغي للابن أن يلتقي بأبيه قبل غيره.
ولذلك لو دخلت بيتك الذي فارقته سنوات ورأيت أخاك ولم تر أباك لن تفرح وتسعد حتى ترى أباك ، وهذا مشاهد ومجرب.
ليكون في ذلك إشارة أيضاً – كما قال الحافظ ابن حجر نقلا ً عن السهيلي وابن أبي جمرة – إلى أنك يا محمد بعد هذه الحادثة سيحصل لك ما حصل لأبيك فلا تحزن.
وماذا حصل لآدم؟
خروج من الجنة وهي وطنه ، وأنت سيحصل لك خروج من مكة ، وبالفعل حصل هذا بعد سنة ونصف ، ولذلك قلنا الإسراء وقع قبل الهجرة بسنة ونصف.
وآدم بعد خروجه من الجنة ازداد رفعة ، وكان آدم بعد خروجه خيراً منه قبل خروجه (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) ، فاجتباه ربه بعدما خرج ، وأما ما حصل منه ف [ كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ] وإذا أقلع الإنسان عن معصية وأناب يكون حاله بعد المعصية خيراً من حاله قبل التوبة.
إذن فسيحصل لك ما حصل لآدم وليس في هذا مضرة عليك فكما أن آدم بعد خروجه ارتفع قدره وعلا ذكره ولو بقي في الجنة لما وجدت هذه البشرية التي توحد الله وتعبده فقدر الله له الخروج (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) ، وأنت بعد خروجك سيرتفع ذكرك ويعلو أمرك ويظهر دينك وهذا الذي حصل.
لاسيما وقد ذكرنا في الآيات التي رآها في رحلته من مكة إلى بين المقدس أنه أمره جبريل بالصلاة في مكان ثم أخبره أنه صلى بطيبة ، ثم قال له وإليها المهاجرة بفتح الجيم ، أي ستكون دار لهجرتك ، فإذن أخبر في الأرض أنه سيهاجر ، فحتى لا يصبح في قلبه شيء ويخاف – هذا من الطبائع البشرية – وحتى لا ينكسر قلبه ويغتم ارتفع به إلى الكمالات وقابل هناك الأب الصالح أول من قابل فكأنه قيل له : الهجرة فيها خير كما حصل في الانتقال لهذا الأب الذي تقابله خير عندما هاجر من الجنة إلى الدنيا.
ولِمَ كان عيسى ويحيى عليهما السلام في السماء الثانية؟
هناك عدة أجوبة والجواب المعتمد وهو الحق إن شاء الله وهو من باب الحكم التي تُشم كشم الوردة : لأنه ليس بين نبينا عليه الصلاة والسلام وبين نبي الله عيسى نبي آخر فهو أولى الناس به ، وأما يحيى فهو ابن خالة عيسى فبما أنهما ابنا الخالة فقُرِنا في سماء واحدة ، وقد ثبت في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال : [ أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى دينهم واحد] وفي رواية أخرى مختصر البخاري (7341) [ أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبين نبي ].
فإذن بعد أن حصل أُنس النبوة بالأبوة سيلتقي بعد ذلك بإخوانه الذين هم أقرب الناس إليه من غيرهم وأولهم عيسى عليه السلام.
أما يوسف ، فالحكمة من كونه في السماء الثالثة بعد الثانية بعد أن حصل أُنس النبوة بالأبوة وأنس الأخ بأخيه الأقرب ، فإنه سيحصل لنبينا عليه الصلاة والسلام أُنس خاص بنبي فيه شبه بنبينا عليه الصلاة والسلام من وجهين :
حسن الصورة وبهاء المنظر وجمال الطلعة ، فنبي الله يوسف أعطاه الله شطر الحسن ، ونبينا عليه الصلاة والسلام له الحسن بكامله. فأجمل الناس بعد نبينا عليه الصلاة والسلام هو يوسف فعندما يرى هذا النور يتلألأ منه يحصل حينئذ شيء من الشبه الظاهري ، يضاف إليه شبه آخر يتعلق بالدعوة وهو :
أنه لاقى مكراً وكيداً من أخوته لأبيه ، وقرابته حيث مكروا به وألقوه في الجب وبعد ذلك مكن الله له في الأرض وجاءه إخوته فقال لهم (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا إنك لأنت يوسف ، قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ، قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) سورة يوسف 89-92 ، وما حصل ليوسف هو عين ما حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام فآذاه قرابته وعشيرته وطردوه من مكة وسيؤذونه وسيعيده الله بعد ذلك وسيقول لهم ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم فيقول ، لا تثريب عليكم اليوم ، اذهبوا فأنتم الطلقاء الأحرار وقد وقع كل هذا ، فهذا أيضاً شبه ، فليحصل إذن استحضار لتلك المعاني ، الصورة واحدة وما حصل لهذا النبي من المكر فسيحصل لك ، وما حصل له من الظفر والنصر سيحصل لك.
4- وأما السماء الرابعة ففيها إدريس عليه الصلاة والسلام ، كما قال الله تعالى (ورفعناه مكاناً علياً) وإنما قال مكاناً علياً وهو في السماء الرابعة وليس في السابعة لأنه في الوسط ، والوسط مكان مرتفع ومعتدل.
وفي ذلك إشارة إلى أن هذا العلو الذي حصل لهذا النبي بعد الثالثة – وهي الرابعة – سيحصل لنبينا عليه الصلاة والسلام في هذه الحياة الدنيا وقد حصل له ، وأن رسالتك وديانتك وسط (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) خياراً عدولاً تعتدلون في أحكامكم التي أنزلها ربكم عليكم.
5- وأما السماء الخامسة ففيها هارون عليه الصلاة والسلام ، وفي ذلك إشارة إلى قربه من نبي الله موسى وهارون تابع لموسى عليهما الصلاة والسلام فليكون إذن بمثابة تمهيد للقاء موسى عليه السلام.
وفي ذلك إشارة لنبينا عليه الصلاة والسلام ليوطن نفسه على تحمل ما تحمله هارون من موسى عليهما السلام.
وفي ذلك أيضاً إشارة عظيمة أيضاً وهي أن هارون رجع قومه إلى محبته بعد أن نفرتهم منه وعداوتهم له ، وهذا سيحصل لنبينا عليه الصلاة والسلام فقومك سيحبونك بعد معاداتهم لك ، فحالك كحال هارون فقد كان محبباً في قومه أكثر من نبي الله موسى عليه السلام وكانوا ينفرون من موسى ويأنسون بهارون عليهما صلوات الله وسلامه للين عريكته وعدم شدته وله فيهم منزلة عظيمة ، الحاصل أن في لقائه بهارون تذكير له بطبيعة موسى ولذلك كأنه يقال : إذا لقيت موسى فاصبر وتحمل فإن له مقامات عند ربه وهو مدلل عنده.
6- وأما موسى عليه الصلاة و السلام ، فاجتمع بهذا النبي في السماء السادسة ليعلم أنه رفيع القدر أعلى من هارون ، فنبينا أعلى من هارون كما أن موسى أعلى من هارون إذن فأنت أعلى ممن تقدمك والحكمة الثانية : ليحصل لك ما حصل لهذا النبي من؟؟؟؟ فعاداه فرعون قومه فصبر فمكنه الله منه ونصره عليه ، فأنت سيعاديك فرعون هذه الأمة – أبو جهل – فاصبر وستمكن منه وستقطع رقبته في يوم بدر وهذا الذي حصل ، فيوم بدر بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم كغرق فرعون بالنسبة لموسى عليه الصلاة والسلام.
7- أما السماء السابعة ، فكأنه يقال له : بدأنا الأمر بالأب الأبعد فلنختمه بالأب الأدنى وهو خليل الرحمن إبراهيم ، أبو العرب ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم (ابن الذبيحين) فعبد الله ذبيح لأن عبد المطلب نذر أن يذبح أحد أولاده إذا عثر على زمزم فوقعت القرعة على عبد الله ثم فكه بعشر ديات ، وإسماعيل ذبيح بنص القرآن ، وقد نجى الله الذبيحين.
فكما أنك استأنست بأبيك الذي هو أبعد الآباء فلتستأنس بأبيك الذي هو أقرب الآباء إليك ممن هو نبي وهو خليل الرحمن ، وليس في آبائه نبي آخر بعد ذلك ليستأنس به جاء من عبد المطلب أو غيره.
وحكمة ثانية : فأنت خليل وهو خليل فلابد أن يجتمع الخليل مع الخليل ثم إن خلتك أعلى من خلته لأنك سترفع إلى مكان فوقه بعد ذلك فرغم أنه في أعلى الرتب وهي السماء السابعة لكن نبينا صلى الله عليه وسلم سيرفع إلى مكان فوقه.
وفي ذلك إشارة – أيضاً – كما قال علماؤنا : إلى ما سيحصل لنبينا عليه الصلاة والسلام في المستقبل ، فالسماء السابعة فيها خليل الرحمن إبراهيم ، وأنت ستخرج من مكة وستدخلها في العام السابع في عمرة القضاء بعد صلح الحديبية لأن هذا كان في العام السادس وقد تم الاتفاق على أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التالية ورُدَّ هذا العام ، فجاء في العام السابع ودخل مكة واعتمر ، ثم في العام الثامن فتحت مكة إذن فهذه المناسك التي في مكة وأقام إبراهيم هذا البيت على الدعائم الأولى التي أسس عليها البيت فأنت ستعود لمكة في العام السابع وستفرض عليك مناسك الحج كما فرضت على خليل الله إبراهيم (وأذن في الناس بالحج) ، وأنت ستؤذن وتدعو الناس إلى لك.
فهذا هو مجمل الحكم عن الالتقاء بهؤلاء الأنبياء الثمانية صلوات الله وسلامه عليهم.

تعارض وجمع :
ورد في بعض روايات البخاري أن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام [ لقيه نبينا عليه الصلاة والسلام في السماء السابعة] ، قال الحافظ ابن حجر : ورد هذا في رواية أنس 0وشَرِيك ضبط هذا ....؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وشريك هذا هو الذي يروي حديث الإسراء والمعراج عن أنس رضي الله عنه ، وله أوهام لكن هنا – كما يقول الحافظ- ضبطه وليس هذا من أوهامه.
[وموسى في السماء السابعة بفضل كلام الله له]
قال الحافظ ابن حجر : لا إشكال بين هذه الرواية والروايات المتقدمة ولا تعارض فنبي الله موسى مكانه الحقيقي في السادسة لكن بعد أن عرج بنبينا عليه الصلاة والسلام السابعة صحبه موسى إلى غير داره الحقيقية كمرافق بفضل كلام الله له.
أي بما أن الله كلم موسى تكليماً واتخذ إبراهيم خليلاً فجمع الله الخليلين مع الكليم في السماء السابعة ، هذا هو الجمع المعتبر.
وبقي موسى في السماء السابعة حتى عاد نبينا عليه الصلاة والسلام ، وظهر أثر هذا : مَرَّ عليه وسأله ماذا فرض عليك؟ قال : خمسين صلاة ، قال ارجع فسله التخفيف إلى أن خفضت إلى خمس ، فنبينا عليه الصلاة والسلام لم يكن ينزل إلى السادسة إلى موسى ويسأله عما فرض عليه ، ويمر مروراً على إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.
فإذن موسى عليه الصلاة والسلام لازال منتظراً له في السماء السابعة ثم هو معه إلى السماء السادسة ثم بقي فيها وأعيد نبينا عليه الصلاة والسلام إلى مكانه.
ورد في رواية الإمام مسلم – وهذه الرواية ليست في البخاري عن أنس رضي الله عنه – وحديثنا في الآية الثانية وعما فيها من عجائب – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [فإذا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه] والبيت المعمور الذي هو في السماء كالكعبة في الأرض.
وهذه آية عظيمة رآها نبينا عليه الصلاة والسلام.
قال الحافظ ابن حجر "وفي هذا دلالة على أن أكثر المخلوقات هم الملائكة فلابد لجنس من الأجناس تزايد وتكاثر بهذه النسبة ، فمنذ أن أوجد الله الكون إلى هذه الساعة يدخل إلى البيت المعمور سبعون ألفاً لا يعودون إليه، فالملائكة هم أكثر خلق الله (وما يعلم جنود ربك إلا هو)
والإنسان وكل الله به 160 ملكاً ، وفي حديث عند الطبراني : [وكل الله بالمؤمن 160 ملكاً يحفظونه للبصر من ذلك سبعة أملاك] وهو في المعجم الكبير وسنده ضعيف.
والله يشير إلى هذا في كتابه (له معقباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) فهناك ملائكة تتعاقب على حراسته وحفظه ويعقب بعضها بعضاً في تقييد عمله وتسطير ما يحصل منه.
وقد جرى في السماء السادسة عند رؤية نبينا عليه الصلاة والسلام لنبي الله موسى كليم الله موقفٌ ينبغي أن نقف عنده.
المحاضرة الثانية عشرة :6/4/1412هـ
هذا الموقف لما تجاوز نبينا عليه الصلاة والسلام موسى بكى – أي موسى- فقيل له ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي] هذه رواية وورد أيضاً في رواية ابن مسعود رضي الله عنه [ أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما مر بموسى هو يرفع صوته فيقول : أكرمْتـَهُ ، وفضلْتـَهُ ، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام من هذا؟ فقال جبريل : هذا موسى ، قال : ومن يعاتب؟ فقال : يعاتب ربه فيك ، قال : كيف يرفع صوته على ربه؟ فقال : إن الله قد عرف له حدته] أي انفعاله وغضبه.
وفي رواية في مسند أبي يعلى والبزار بسند حسن [ أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال : سمعت صوتا وتذمرا فسألت جبريل ، فقال هذا موسى ، قلت ـ على من تذمر؟ قال : على ربه ، قلت : على ربه ؟ ! قال : إنه قد عرف ذلك منه.]
والتذمر شبه الاعتراض والتأثر.
وهذا الموقف الذي جرى من نبي الله موسى ينبغي أن نقف عنده لنحلله وننظر إليه :
ما جرى من نبي الله موسى عليه الصلاة و السلام لا يعتبر حسداً ، فالحسد من الكبائر والأنبياء معصومون عن ذلك ، وحاشا لنبي أن يكون حسوداً وحاسداً لأحد على ما فضله الله وأنعم به عليه.
فإن قيل : فما تعليل هذا الكلام إذن؟
نقول : إن موسى عليه الصلاة والسلام قال ما قال من باب الحزن على ما فاته من ؟؟؟؟الذي سبقه به محمد عليه الصلاة والسلام ، وكان ذلك الحزن منه بسبب أمته – نبي إسرائيل فعندما لم يتبعوه على الوجه الكامل المرضي لم يكن لهم من الحسنات كما لهذه الأمة ولو اتبعوه ابتاعاً كاملاً لحصل هم حسنات ثم كتبت حسناتهم في صحيفة نبي الله موسى من دل على خير فله أجر فاعله ، ولذلك نبينا عليه الصلاة والسلام له أجر هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة.
ولعل الله أعلم موسى بذلك وأن هذه الأمة حالها ليس كحال أمتك ومن أجل هذا ارتفع هذا النبي عليك لزيادة قدره عندي لأن حسناته لم يأت بها أحد من خلقي ، فعدا عن حسناته الخاصة وجهده الذاتي فإن له حسنات تأتي بسببه بعد ذلك فيكتب له أجره إلى يوم القيامة.
فموسى عليه الصلاة والسلام عندما جاوزه نبينا عليه الصلاة والسلام بدأ يحصل منه هذا التذمر لا من باب حسد نبينا عليه الصلاة والسلام إنما من باب الحزن على ما فرطت به بنو إسرائيل مما أدى به إلى أن تكون منزلته نازلة.
وأضرب لكم مثلاً : لو أن عندك ولداً عنيداً بليداً وأنت تبذل ما في وسعك لتوجيهه فلا يتوجه. ثم مرَّ بك بعد ذلك بعض أولاد أصحابك وكان عليه ذكاء ونجابة وألمعية فأنت قد يحصل منك الآن تذمر وانفعال وغضب على ولدك وقد يسوء كلامك وخلقك؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.
وهذاهو الذي حصل من نبي الله موسى ، فإنه ليس من باب الحسد إنما من باب الحزن والتأنيب لقومه وأمته على ما تسببوا به من إنزال مرتبته.
ونسأل الله أن لا يجعلنا ممن يسودون وجه نبينا عليه الصلاة والسلام وأن يجعل نبينا عليه الصلاة والسلام يباهي بنا الأمم يوم القيامة ، إنه على كل شيء قدير.
2- قوله عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه غلام ، وليس في هذا تحقير فانتبه لهذا فإن الإنسان يمر بأربعة مراحل رئيسة في عمره :
أ- المرحلة الأولى : غلام ، ما دون التكليف من 15 سنة فما دونها.
ب- المرحلة الثانية : شباب ، وهي من 15 سنة إلى 30سنة ومدها الإمام ابن القيم إلى 40 سنة ، وقال هذا حد الشباب وفيها – أي في الأربعين – تكتمل قوى الإنسان ويبلغ أشده (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة)، وما بعث الله نبياً إلا على أربعين هذا على الأعم الأغلب ، انظروا روح البيان للألوسي (26/18، 19) ، لأن قواه العقلية تكون قد اكتملت وتكون عنده التؤدة والتأني والثبات والرزانة ووضع الأمور في مواضعها.
جـ- المرحلة الثالثة : كهولة ، وهي من 40 سنة – إلى 60 سنة.
د- المرحلة الرابعة : شيخوخة ، وهي من 60 سنة إلى الوفاة نسأل الله حسن الخاتمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ، وأقلهم من يجوز ذلك ] والحديث في المسند والسنن بسند صحيح.
فإذن قوله غلام أي لازال صبياً ناهز الاحتلام ، فلم يصفه بأنه شاب وكيف هذا؟
ذكر أئمتنا جوابين عن هذا :
1- الجواب الأول : ونقل عن المتقدمين كابن أبي جمرة وغيره ، أن هذا من باب دالة موسى على نبينا عليه الصلاة والسلام.
فموسى أكبر منه ، ونبينا مع موسى كالغلام مع الشيخ من ناحية العمر ، فهو وإن كان يزيد على الخمسين سنة (51 سنة ونصف) ودخل في الكهولة فعبر عنه بأنه غلام – في أول مراحل العمر بالنسبة إلى عمر نبي الله موسى ، فالفارق بينهما يجعل هذا العمر الذي يزيد على خمسين سنة كأنه سنة مع عمر نبي الله موسى عليه صلوات الله وسلامه ، لاسيما وأن لموسى دالة عليه ومنزلة لكبر سنه ولسبقه له في النبوة والرسالة ، ولأنه سيشير عليه – كما سيأتي – بأمر ينفعه وينفع أمته فجزاه الله عنا خيراً.
2- الجواب الثاني : ذكره الحافظ ابن حجر – وهو في تقديري أقوى الجوابين – فقال إن هذا ليس من باب أن نبينا مع موسى كالغلام مع الشيخ ، إنما عبر بغلام هنا ليخبره عن قوة نبينا عليه الصلاة والسلام وعزمه ونشاطه.
فهو كبير في العمر لكن همته همة الشباب ، وهمته همة من لم يعرف تعباً في الحياة بل لازال؟؟؟؟ ؟؟ له كل شيء وهو جاهل لذلك قوته مجتمعة لم تبذل هنا وهناك ، ولم يتعب في حياته وهذا هو حال الناس.
فإذن ليدلل على عزيمته وقوته رغم كونه في سن الكهولة ، وهذا حاله صلى الله عليه وسلم ، يقول على رضي الله عنه [ كنا إذا اشتد الوطيس وحمت المعركة أشجعنا يلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم].
وفي غزوة حنين عندما نصب المشركون كميناً للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ؟؟؟؟؟؟ بنبال كالمطر فتفرق الصحابة ، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم وكان يردد : أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب
ثم قال يا عباس ، نادِ في الصحابة ، يا أهل بيعة العقبة ، يا أهل بيعة الشجرة ، يا أهل بدر أي نادهم يا عباس ليجتمعوا إليَّ وهو ينادي ويقول:
أنــــا النــــبــــي لا كــــذب  أنــــا ابــــن عبـــــد المطلب
فإذن ما فيه من عزم ونشاط هو عزم الشباب لا عزم الكهولة ولذلك سماه غلاماً ؟؟؟؟هو في آخر مراحل الغلام وأول مراحل الشباب.
قال الحافظ ابن حجر : وقد تأيد هذا بالحديث الصحيح الثابت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه [ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه التسع في الساعة الواحدة من ليل أو نهار بغسل واحد فقيل لأنس : أو كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يطيق ذلك؟ فقال : كنا نتحدث أن الله أعطاه قوة ثلاثين].
وفي كتاب صفة الجنة لأبي نُعيم بسند صحيح – [أن الله أعطاه قوة أربعين رجلا ً من أهل الجنة] وقوة الرجل في أهل الجنة تعدل قوة مائة رجل من أهل الدنيا أكلا ً وشرباً ومباشرة.
فنضرب 40×100 فيكون الناتج 4000 ، إذن قوة نبينا عليه الصلاة والسلام إذا قورنت برجال أهل الأرض فإنها تعدل قوة (4000) رجلا ً ، فهل يكون من هذا شأنه كهلا ؟!! ولذا قيل له غلام ؛ لأن مَنْ هذا حاله وشأنه لا يقال فيه [هذا الشيخ أو الكهل الذي بعث بعدي فقد يفهم منه أنه ضعيف ليس عنده قوة]، فرسولنا صلى الله عليه وسلم فيه نشاط الغلمان لا عمرهم ، وعمره عمر الكهول.
وهذا خير ما يكون في الإنسان رزانة ووقار أي كبير في السن ، لكن عزمه قوي يغلب عزم الشباب.
إخوتي الكرام ... يكرم الله جل وعلا عباده بما شاء سبحانه وتعالى ، وقد ذكر أئمتنا في ترجمة سُليم بن عِتـْر قاضي مصر في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وسُليم هو من أئمة التابعين توفي سنة 75هـ ذكر أئمتنا أنه كان يختم كل ليلة ثلاث مرات – وهو؟؟؟؟ ويتصل بأهله ثلاث مرات.
وهذه قوة عجيبة يكرم الله بها عبده ، فأولاً يختم القرآن في كل ليلة وهذا ورد ثلاث مرات وهو القاضي الذي فرغ نفسه لشؤون الناس في النهار فإذا جن الليل؟؟؟؟؟.
وقد ذكر هذا في سير أعلام النبلاء للذهبي 4/132 ،وفي غيره.
يقول الإمام الذهبي في ترجمته : "سُليم بن عِتْر الإمام الفقيه قاضي مصر ووعظها وقاصُّها وعابدها – "ثم قال : "وروي عنه أنه كان يختم كل ليلة ثلاث ختمات ويأتي امرأته ويغتسل ثلاث مرات ، وأنها قالت بعد موته : رحمك الله ، لقد كنت ترضي ربك وترضي أهلك" إلخ ترجمته.
ويقول الشيخ شعيب الأرناؤوط – وهو المعلق على سير أعلام النبلاء - : ولا يعقل ذلك ، ربما لا يصح عنه"
لماذا لا يعقل هذا ؟ وقد قلنا إن خارق العادة ليس بمستحيل ولا بمخالف للعقل.
فلو أن الله أكرم أحد عباده بأن يختم القرآن كل ليلة مائة مرة يعقل هذا أم لا يعقل ؟ بل يعقل وأن يتصل بأهله مائة مرة ، يعقل هذا أم لا يعقل ؟ بل يعقل.
فلماذا لا يعقل وليس هو بمستحيل ، لذلك فانتبهوا إخوتي الكرام إذا أردتم أن تتكلموا وزنوا كلامكم بميزان الشرع.
ولو قال هذا المعلق : "هذا غريب والله على كل شيء قدير" فلا بأس ، ولكن انظر كيف يقول لا يعقل وربما لا يصح ، فما دام ليس معقولاً عندك قل لا يصح ولا تقل ربما ، فإذن كيف صار كلا منا لا احتراز فيه ولا احتراس ثم قال :؟؟؟؟ لأنه مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
ولكن نحن نقول هذه كرامة وليست من المستحيلات حتى نردها.
والإمام النووي في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن – وهذا الكتاب – لابد أن يكون عند كل طالب علم ، وهكذا كتاب (الأذكار) وهكذا (رياض الصالحين) فهذه الكتب الثلاثة للإمام النووي لا يكون في البيت خير أو نور إذا لم تكن هذه الكتب فيه ، وينبغي أن تجهز هذه الكتب في جهاز المرأة عندما تزف لزوجها.
فالإمام النووي في هذا الكتاب – التبيان – في ص 47 يقول : "كان السلف رضي الله عنهم لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه ، فروى ابن أبي داود عن بعض السلف رضي الله عنهم أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة ، وعن بعضهم في كل شهر ختمة وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة ، وعن بعضهم في كل ثمان ليال ، وعن الأكثر في كل سبع ليال وعن بعضهم في كل ست ليال وعن بعضهم في كل خمس ليال ، وعن بعضهم في كل أربع ليال وعن كثيرين في كل ثلاث ليال ، وعن بعضهم في كل ليلتين ، وختم بعضهم في كل يوم وليلة ختمة ، ومنهم من كان يختم في كل يوم ليلة ختمتين ومنهم من كان يزيد عن ثلاثة ، وختم بعضهم ثماني ختمات أربعاً بالليل وأربعاً بالنهار".
فمن الذين كانوا يختمون ختمة في اليوم والليلة عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وآخرون.
ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات سُليم بن عِتْر – وهذا هو الذي ذكرنا قصته – وكان؟؟؟؟؟؟؟؟
ثلاث ختمات ، وروى أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليل أربع ختمات ، قال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي ؟ كان ابن الكاتب رحمه الله يختم في النهار أربع ختمات وفي الليل أربع ختمات ، وهذا ما بلغنا في اليوم والليلة.
ثم يقول في آخر المبحث : "والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرأه ، وكذا من كان مشغولا ً بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين وم