أخرجه الإمام الدارمي في "السنن" (92):
حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عمرو بن مالك النكري، حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله، قال:
قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة، فقالت:
انظروا قبر النبي r، فاجعلوا منه كوّاً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطراً، حتى نبت العشبن وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق.
قلت: ولا حجة فيه ألبتة لضعف سنده.
فإنه من رواية عمرو بن مالك النكري وهو صاحب غرائب ومناكير فقد ذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال: "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطيء ويغرب"، ومن وصف بهذا الوصف لا يُحتمل من مثله التفرد.
وراويه عنه وهو سعيد بن زيد مثله في الضعف، أو أشد ضعفاً؛ فقد ضعفه يحيى بن سعيد جداً، وقال أبو حاتم والنسائي "ليس بالقوي"، وقال الجوزجاني: "يضعفون حديثه، وليس بحجة"، وقال البزار: "لين"، وقد تفرد بهذا الحديث، ولا يحتمل منه كذلك التفرد به.
وكذلك تفرد به عنه أبو النعمان – شيخ الدارمي – واسمه محمد ابن الفضل الملقب بـ "عارم" وهو ثقة حافظ، إلا أنه اختلط اختلاطاً شديداً بأخرة، فلا يُعلم هل سمع الدارمي منه هذا الخبر قبل الاختلاط أم بعده. ولو كان هذا الخبر صحيحاً فلم أحجمت أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – عن إفتائهم بذلك لما قحطوا على عصر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - ، ولماذا سكتت على تقديمه العباس – رضي الله عنه – على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ **
وأما المؤلف فقد حسَّن هذا الإسناد، وقال (ص:255):
(هذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى).
ونافح عمن جرح في إسناده على عادته في كتابه هذا – بل وفي عامة كتبه - ، ومعاذ الله أن تحيد أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – بالمسلمين عن سنة نبيهم rفي الاستسقاء، إلى بدعة ممقوتة كهذه.
وإن سلمنا بثبوت هذا الأثر فلماذا انقطع به العمل، إذ لو صح العمل به فبإقرار خليفة المسلمين آنذاك، وبإقرار صحابة النبي r ، فإن كان ذلك كذلك فلماذا لم يُعمل به بعد ذلك ؟**
ولا بأس من إيراد أقوال المؤلف في توثيق الرواة المتكلم فيهم في هذا السند، والجواب عن مغالطاته وتدليساته.
1- محمد بن الفضل السدوسي الملقب بـ "عارم".
قال المؤلف (ص: 253 – 254):
(ثقة مشهور وإن كان قد اختلط بآخره فحديثه مقبول هنا لأمرين:
الأول : قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته (ص:462): عارم محمد بن الفضل اختلط بأخرة، فما رواه عنه البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهما من الحفاظ ينبغي أن يكون مأخوذاً عنه قبل اختلاطه. أ . هـ.
وعقَّب عليه الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح" (ص:4652)، فقال: وكذلك ينبغي أن يكون من حدَّث عنه من شيوخ البخاري ومسلم. أ. هـ.
قلت : عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي من شيوخ مسلم والبخاري فيكون الدارمي ممن حدَّثوا عن محمد بن الفضل السدوسي قبل اختلاطه ولابد).
قلت: ليس بالضرورة أن ما رواه عنه البخاري يكون مما سمعه منه قبل الاختلاط، بل لربما كان مما سمعه منه بعد الاختلاط، وإنما انتقى من حديثه ما صح عنده، أو أنه اطلع على كتابه، فإن المختلط ليس بالضرورة أن يكون كل ما حدَّث به بعد الاختلاط قد داخله فيه الوهم، وإنما يُعرف وهمه من صوابه بموافقته ومخالفته للثقات.
وليس أدل على ذلك مما أخرجه البخاري في "صحيحه" (4/205) من طريق : هشيم أخبرنا أبو بشر، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن أبن عباس – رضي الله عنهما - ، قال:
]الكَوْثَرَ[: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
وهشيم ممن روى عن عطاء بعد الاختلاط، إلا أن رواية عطاء هذه مستقيمة، لموافقتها لرواية أبي بشر.
وعليه فليس بالضرورة أن يكون سماع شيوخ البخاري من عارم محمولة على أنها قبل الاختلاط، ولابد ، بل هذه إحالة على جهالة.
وليس أدل على ذلك من رواية البخاري ومسلم عن إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس، وهو متكلم فيه بكلام شديد، حتى انه وصف بالكذب وبالوضع وبسرقة الحديث.
قال الحافظ في "التهذيب" (1/273):
"وأما الشيخان فلا يُظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات".
وقال في "هدي الساري" (ص:388):
"وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها".
فمن هذا يُعلم أن ليس كل من أخرج له البخاري أو مسلم ممن تُكلم فيه بنوع ضعف من اختلاط أو وصف بكذب أو سرقة أن مثل هذا الوصف لا يثبت في حقه، أو أنه يكون ممن سمع منه قبل الاختلاط، لا، بل ربما يكون إخراجه لحديثه على وجه الانتقاء، فليُعلم هذان فإنه مهم جداً، وقد نبه عليه أهل العلم.
ثم قال المؤلف (ص:254):
(الثاني: قال الذهبي في ترجمة عارم: وقال الدارقطني: تغير بآخره، ما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة.
قلت – أي : الذهبي -: فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأتي بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبان الخساف المتهور في عارم، فقال: اختلط في آخر عمر، وتغير حتى كان لا يدري ما يُحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لم يعلم هذا ترك الكل، ولا يُحتج بشيء منها، قلت: ولم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثاً منكراً، فأين ما زعم. انتهى كلام الذهبي.
وأقر العراقي في "التقييد والإيضاح" الذهبي في دفعه لجرح ابن حبان، وصرح الذهبي في الكاشف بأنه تغير قبل موته فما حدَّث).
قلت : من علم حجة على من لم يعلم، وإن كان الدارقطني، ومن ثمَّ الذهبي لم يقفا على حديث منكر أخطأ فيه، فقد وقف غيرهما عليه.
ففي سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود السجستاني قال أبو داود: كنت عنده، فحدَّث عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن ماعزاً الأسلمي سأل النبي r عن الصوم في السفر، فقلت له: حمزة الأسلمي، فقال: يا بني ما عز لا يشقى به جليسه، وكان هذا منه وقت اختلاطه وذهاب عقله.
قلت: ومن وصفه بالاختلاط وزوال العقل من أئمة المحققين كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود وغيرهم، وهم ممن سمعوا منه، وهم أعلم بحاله من غيرهم، ممن أتى بعدهم، فإن كان من تأخر عنه لم يقف له على منكر، فمن عاصره وسمع منه قد وقعت لهم من مناكيره ما حكموا به باختلاطه.
2- سعيد بن زيد.
قال المؤلف (ص: 256):
(وأما سعيد بن زيد فتُكلم فيه، لكن وثقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي، وسليمان بن حرب، وغيرهم.
وقد احتج به مسلم في "صحيحه".
وقد كفانا الحافظ الذهبي مؤنة تفصيل القول في قبول حديثه بإيراده إياه في جزء "من تكلم فيه وهو موثق" (ص: 85)، وحديثهم لا ينزل عن درجة الحسن عنده كما صرح بذلك في مقدمة الجزء المذكور (ص: 27)، فلا تلتفت أيها المنصف بعد ذلك لمن يشغب عليك، ويضعف الرجال المخرج لهم في الصحيح).
قلت : لا يمكن غض الطرف عن أقوال من جرحه، لا سيما مع كثرتها من جهة، ومن جهة أخرى فتجريح يحيى بن سعيد له عن معرفة بحاله، فيقع موقع الجرح المفسر.
قال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يضعف سعيد ابن زيد في الحديث جداًن ثم قال: قد حدَّثني وكلمته.
وأما من وصفه بالحفظ، فالظاهر أنه بمعنى سعة الرواية وكثرة محفوظاته، لا دقة ضبطه، وقد تقدَّم ذكر قرائن على ذلك، ومما يؤيد ذلك أن ابن حبان ذكره في "المجروحين"، وقال:"كان صدوقاً حافظاً، ممن يخطيء في الأخبار ويهم في الآثار حتى لا يُحتج به إذا انفرد".
نعم هو صدوق في نفسه، إلا أنه لا يُحتمل من مثله التفرد بمثل هذا المتن المنكر.
3- عمرو بن مالك النكري.
قال المؤلف (ص: 256):
(وثقه ابن حبان، ولا يقول قائل: إنه من المجاهيل الذين يدخلهم كتابه الثقات، فالرجل روى عنه جماعة من الثقات، وعندما ترجمه ابن حبان في ثقاته قال ما نصه: عمرو بن مالك النكري كنيته أبو مالك، من أهل البصرة، يروي عن أبي الجوزاء، روى عنه حماد بن زيد، وجعفر بن سليما، وابنه يحيى بن عمرو، ويعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، مات سنة 129أ.هـ.
وأكثر من هذا أن ابن حبان ترجم لعمرو بن مالك النكري في مشاهير علماء الأمصار (ص:155) ضمن طبقة أتباع التابعين في البصرة وقال: وقعت المناكير في حديثه من رواية ابنه عنه، وهو في نفسه صدوق اللهجة. أ.هـ.
فأنت ترى أن ابن حبان عرف اسم الراوي، وكنيته، وبلده، وشهرته بالعلم، وعرف الرواة عنهن وانه قد سبر روايته بدليل قوله يعتبر حديثه.. الخ، وقوله وقعت المناكير..الخ).
قلت: أما أن ابن حبان قد عرف حال الراوي، فهذا مما لا جدال فيه، وأما أنه وثقه، فهذا غلط بيِّن عليه، وإنما أورده لأنه صدوق في نفسه، وأما ضبطه، فقد مرَّ القول فيه.
فقول ابن حبان : (صدوق اللهجة)، هذا مختص بعدالته، وأنه لا يتعمد الكذب، ولا يختص بالضبط، ففرق كبير بين: "صدوق في الحديث"، و"صدوق في اللهجة".
فاللهجة: وهي الكلام المعتاد والحديث الدائر على الألسنة شيء، لعدم اعتماده على الضبط، بل غالب اعتماده على العدالة وعدم الكذب، بخلاف الحديث، فإنه يعتمد على العدالة والضبط جميعاً، فتنبه إلى هذا المعنى فإنه مهم جداً.
ومما يدل على أنه لم يوثقه من جهة الضبط أنه قالك "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه"، والاعتبار لا يدل إلا على تمريض القول بالتوثيق، فإنه إن كان ثقة فلا حاجة على اعتبار حديثه، فقد جاز القنطرة، وأما إن اشترط اعتبار حديثه، فهذا لأجل سبره والوقوف على ما إذا كان وافق الثقات أو خالفهم، أو انفرد عنهم بشيء لا يُحتمل منه، والاعتبار معناه معروف، مشهور، قد نقله ابن الصلاح عن ابن حبان في "علوم الحديث"، وخصه بما وافق فيه الراوي الثقات.
ومما يؤيد ذلك أن الحافظ ابن حجر نقل عنه في "التهذيب" كلامه السابق، وزاد فيه: "يخطيء ويغرب".
إلا أن المؤلف قد طعن في هذه الزيادة، فقال (ص: 257):
(وقع في التهذيب (8/96) زيادة على كلام ابن حبان، لم أجدها في الثقات، هي :"يخطيء ويغرب"، وهي سبق قلم بنى عليها الحافظ قوله: له أوهام).
قلت: وهذا فيه نظر، وقد مرت عليَّ جملة من التراجم أوردها الحافظ في "التهذيب" وعزاها إلى الثقات، وهي غير موجودة في "المطبوعة"، وقد حوت بعض هذه التراجم أخباراً مسندة، وهذا يمنع من القول بأنها سبق قلم أيضاً.
وعلى فرض التسليم للمؤلف في طعنه في هذه الزيادة، فإنه قد ثبت من وجه آخر عن ابن حبان أنه لم يوثق عمرو بن مالك النكري هذا، بل ذهب إلى التوقف في حاله، وتركه حتى يستبين أمره.
قال ابن حبان في "المجروحين" (3/114) في ترجمة يحيى بن عمرو بن مالك النكري:
"يروي عن أبيه، عن أبي الجوزاء، روى عنه عبد الله بن عبد الوهاب والبصريون، كان منكر الرواية عن أبيه، ويحتمل أن يكون السبب في ذلك منه أو من أبيه، أو منهما معاً، ولا نستحل أن يطلق الجرح على مسلم قبل الاتضاح، بل الواجب تنكب كل رواية يرويها عن أبيه لما فيها من مخالفة الثقات والوجود من الأشياء المعضلات، فيكون هو وأبوه جميعاً متروكيْن من غير أن يطلق وضعها على أحدهما، ولا يقربهما من ذلك لأن هذا شيء قريب من الشبهة".
فهذا القول لابن حبان يبين معنى قوله: "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه"، وأن ذلك ليس تعديلاً، بل توقف في حاله.
ومما يدل على ضعف النكري أيضاً ما أورده عبد الله بن الإمام أحمد – رحمهما الله – في "المسائل" (ص: 89):
"لم تثبت عندي صلاة التسبيح، وقد اختلفوا في إسناده، لم يثبت عندي، وكأنه ضعف عمراً بن مالك النكري".
وأما المؤلف فرد هذا القول بحجة واهية، فقال (ص:258):
("كأن" ظن لا تقوم به حجة، وذلك كقول الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن موسى الأشيب في مقدمة الفتح: روى عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه قال: كان ببغداد – أي الحسن بن موسى – وكأنه ضعفه.
قلت – أي الحافظ - : هذا ظن لا تقوم به حجة.
أضف إلى كونه ظناً مرجوحاً أنه جرح غير مفسر، حكمه الرد في مقابل التعديل كما تقرر في علم الحديث).
قلت: فليبك على العلم من كان باكياً، وهكذا فليكن الجهل بالحديث وبمدلولات ألفاظ العلماء، وهكذا فليكن التدليس وبتر العبارات.
أما ما بنى عليه المؤلف قوله أن "كأن " ظن لا تقوم به حجة، فقد بتر باقي عبارة الحافظ ابن حجر، لكي لا ينكشف تدليسه.
وتمام عبارة الحافظ في "مقدمة الفتح":
"روى عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه قال: كان ببغداد وكأنه ضعفه.
قلت: هذا ظن لا تقوم به حجة، وقد كان أبو حاتم الرازي يقول : سمعت علي بن المديني يقول: الحسن بن موسى الأشيب ثقة، فهذا التصريح الموافق لأقوال الجماعة أولى أن يعمل به من ذلك الظن".
ولا شك أن ثمة بون شاسع بين الراويين فالحسن بن موسى من الرواة المجمع على توثيقهم، وهم من طبقة مشيخة احمد، وابن المديني وغيرهم، وقد وردت رواية أخرى تدل على أن ابن المديني قد وثقه.
ثم إن عبارة عبد الله بن علي بن المديني لا تدل على أن الجرح قد وقع من أبيه، لأنه إنما نسبه، ولم يتكلم على شيء من حديثه.
وهذا بخلاف عمرو بن مالك النكري فإنه ما وثقه أحد، إلا ما كان من أمر ابن حبان، وقد تقدَّم ما يدل على أنه قد توقف فيه، وترك الاحتجاج به، ولم يوثقه معتبر بحيث إذا خولف، رجحنا التوثيق بأن الحكاية مبنية على الظن.
ثم إن ثمة فرق بين الراويين لهاتين الحكايتين، فأما عبد الله بن الإمام أحمد فمن أئمة المحققين في هذا العلم، وممن لهم باع كبير فيه وقد لازم أباه، وتلقى عنه، وسمع منه الكثير والكثير ، فهو أعلم بما تقتضيه ألفاظه وحركاته في الرواة، بخلاف عبد الله بن علي بن المديني هذا، فإنه غير مشهور بالطلب، ولا بالسماع، وقد ترجم له الخطيب في "تاريخ بغداد (10/9)، ونقل عن حمزة السهمي قوله:
سألت الدارقطني عن عبد الله بن علي بن عبد الله المديني روى عن أبيه كتاب العلل، فقال: إنما أخذ كتبه، وروى أخباره مناولة، قال: وما سمع كثيراً من أبيه، قلت: لم؟ قال: لأنه ما كان يمكِّنه من كتبه.وثمة فرق كبير بين المناولة، وبين السماع والقراءة ، بل المناولة تدل على أنه لم يوافِ أباه بكتبه سماعاً، فكيف له أن يبني ظناً كهذا بتضعيفه، وهو لم يسمع من أبيه، ويخالف من هو أوثق منه بمراحل كأبي حاتم الرازي.
وكذلك فثمة فارق كبير بين السؤال الذي حكم عليه الحافظ ابن حجر بأن الحكم فيه بالتضعيف ظن، وبين سؤال عبد الله للإمام أحمد، فالأول إنما نسب الرجل، وهذه النسبة لا تقتضي الجرح، فلعل عبد الله بن المديني بنى ظنه بالجرح على أن أباه قد نسبه، وسكت فلم يتكلم فيه بشيء، وهذا لا يقتضي جرحاً.
وأما سؤال عبد الله بن أحمد فمقتضاه التضعيف للنكري ذلك لأنه قد سال أباه عن حديث صلاة التسبيح، فضعفه، وهذا يقتضي تضعيف رواية عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – في صلاة التسبيح، وهذه الرواية قد أخرجها أبو داود (1298):
حدثنا محمد بن سفيان الأبلي، حدثنا حبان بن هلال أبو حبيب، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، قال: حدثني رجل كانت له صحبة... فذكره.
قلت: ورواة هذا السند جميعهم موثقون إلا عمرو بن مالك النكري هذا، فإذا أطلق الإمام أحمد القول بضعف الحديث، فهذا مقتضاه ضعف النكري هذا.
ثم وجدت بعدُ ما يدل على أن الإمام أحمد – رحمه الله – قد جرح عمراً بن مالك النكري هذا.
فقد أخرج الخلال – كما في النقد الصحيح للعلائي 0ص:32) – قال: قال علي بن سعيد : سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسبيح، فقال: ما يصح فيها عندي شيء فقلت: حديث عبد الله بن عمرو؟ قال: كل يرويه عن عمرو بن مالك، يعني فيه مقال، فقلت: قد رواه المستمر...
وقد حقق المؤلف كتاب النقد الصحيح للعلائي وأورد هذا النص فيه (ص:42)، ولم يورد ضمنه محل الشاهد: (فيه مقال).
ويبقى الآن الجواب عما أورده المؤلف من توثيق الذهبي لعمرو ابن مالك النكري، قال (ص:258):
(فتوثيق عمرو بن مالك بعد ذلك البيان لا مرية فيهن وهو ما صرح به الحافظ الذهبي في "الميزان" 3/286، وفي "المغني" 2/489).
قلت : إنما أطلق الذهبي توثيق هذا الراوي مقارنة بغيره ممن اشترك معه في الاسم.
ففي "المغني" (2/488 – 489):
"4699 – ت/ عمرو بن مالك الراسبي البصري، لا النكري شيخ للترمذي، قال ابن عدي: كان يسرق الحديث، وضعفه أبو يعلى، وحدثنا عنه، قلت: فأما:
4700- عه/ عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء و
4701 – عه/ عمرو بن مالك الجنبي عن الصحابة، فثقتان".
فقارن بين النكري والجنبي، وبين الراسبي، ومايز بينهم، فذكر الراسبي بالتوهين، ثم أورد هذين الراويين، ووصفهما بالتوثيق كي لا يختلط ذكرهما على أحد من الباحثين، فيظن أنهما هما نفسهما الراسبي المتهم، وكذا فعل في "الميزان".
وقد تقدَّم بيان ما في هذه المسألة، وأن هذا لا يقتضي التعديل. والظاهر عندي أن الباعث لديه على ذلك خلط ابن عدي بينهما، فقد ترجم للراسبي، إلا أنه سمَّاه عمرو بن مالك النكري، فخلط بين الاثنين، ولذا قال الذهبي في "الميزان" (3/285):"عمرو بن مالك الراسبي البصري، لا النكري..".
ومما يدل على أنه لم يوثق النكري هذا أنه قد أورده في "الكاشف" (2/4287)، وقال: "وثق".
وهذا الوصف أتى بصيغة التمريض، وهذا مشعر بأن المعتمد فيه ذكر ابن حبان له في الثقات، وقد تقدم بيان ما فيه.
ثم وجدت بعد ذلك ما يدل على أن البخاري قد ضعفه أيضاً.
فقد أخرج البخاري في "التاريخ الكبير" (2/1/16) في ترجمة أوس بن عبد الله أبي الجوزاء:
قال لنا مسدد ، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها.
قال البخاري : " في إسناده نظر".
قلت: ورواة هذا السند محتج بهم إلا النكري هذا، فهو آفة هذا السند، وهو المعني بقول البخاري: "في إسناده نظر".
قال الحافظ ابن حجر في التهذيب" (1/336):
"وقول البخاري : في إسناده نظر، ويختلفون فيه، إنما قاله عقب حديث رواه له – (أي لأبي الجوزاء)- في "التاريخ" من رواية عمرو بن مالك النكري، والنكري ضعيف عنده".
بل قد صح عن ابن عدي ما يدل على تضعيفه للنكري الذي يروي عن أبي الجوزاء، فقد نقل الحافظ في "التهذيب" (1/336) عن ابن عدي قوله:
"حدَّث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة".
قلت: وهو عند ابن عدي في "الكامل" (1/402).
وبذلك يتبين للقاريء الكريم ضعف هذا الأثر ونكارته، بل لو صح لم يكن فيه حجة على جواز التوسل بالذات، فإنهم إنما فتحوا كوة من القبر إلى السماء، ولم يرد أنهم قد توسلوا بجاه النبي أو أنهم أحدثوا دعاءً خاصاً، والله الموفق.
المرجع : كتاب : هدم المنارة لمن صحح أحاديث الزيارة ، للشيخ عمرو عبدالمنعم سليم
|