ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى السيرة والتاريخ والأنساب

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-07-12, 03:02 PM
الدكتور طه الحمداني الدكتور طه الحمداني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-03-07
الدولة: العراق
المشاركات: 40
افتراضي الإسهامات الحضارية لبعض علماء العراق في القرن الرابع الهجري/للأستاذ المساعد الدكتور طه عفان الحمداني

الإسهامات الحضارية لبعض علماء العراق في القرن الرابع الهجري


إعداد الدكتور طه عفان الحمداني
الأستاذ المساعد في التاريخ الاسلامي /كلية التربية للبنات / الجامعة العراقية / بغداد

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه وبعد :
فتعد دراسة التراث العلمي العربي من الدراسات التي تلقي الضوء على التطور التاريخي للعلوم العربية ، وما أنجزته العقلية العربية في هذا الميدان للحقبة التاريخية التي ابتدأت بعصر صدر الإسلام وإلى يومنا هذا، كما ويرى الكثير من العلماء سواء أكان من المؤرخين أم ممن له اهتمام في هذا الجانب استحالة فهم تاريخ الأمة الإسلامية دون الخوض وفهم النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، والتي تشكل جزءاً حيوياً من تجربتنا الإنسانية التي تؤدي بنا في النهاية إلى فهم الجوانب الحياتية الأخرى .
إن دراسة التاريخ لهذه الجوانب خلّفت لنا كماً هائلاً من الخبرة التي أوضحت لنا كيفية وقدرة الأمة على أن تمثل نفسها في الزمن الماضي ، وأدى إلى ظهور مرحلة جديدة يمكن الإضافة إليها والإبداع إلى جوانبها لأصل بناء كيان جديد يضاف إلى كيان الأمة العربية والإسلامية بجانبه الحضاري المتميز.
وكما أشرت إلى أنَّ دراسة هذه الجوانب يمكن أن تقدم لنا صورةً حقيقةً عن سيرة الأمة العربية الإسلامية، نستفيد من خلالها تجنب الوقوع في هاوية مظلمة ، وقد وقع فيها فعلاً عددٌ غيرُ قليلٍ من أسلاف هذه الأمة ، ولابد لنا ونحن نستعرض الحياة الفكرية لهذا العَلَم أو ذاكَ أن نبيِّن إسهاماته في البناء الحضاري أن نتناول حياته الشخصية، ومن الوفاء علينا أن نسلّط الوضوء على جوانب من أركان ترجمته وبحسب ما توفر لدينا من معلومات، ثم ننتقل إلى آثاره العلمية التي أغنت المكتبة العربية والإسلامية ونفعت المسلمين عامة، وبيان هل هذا العَلَم كان مبتكراً أم ناقلاً عن غيره، كذلك بيان تأثره بمن سبقه وتأثيره بمن جاءوا بعده، واقتبسوا منه أو طوّر عمله هذا الذي تصدر به الريادة في هذا الميدان .
وقد قسمت البحث على خمسة مباحث ، فكان المبحث الأول في بيان مفهوم الحضارة في اللغة والاصطلاح ، وأما المبحث الثاني فبينت فيه عناصر الحضارة ومقوماتها ومراحل نشؤها وأسسها، وأما المبحث الثالث فدرست العوامل التي ساهمت في ازدهار الحركة العلمية في بغداد للقرن الثالث والرابع الهجريين ، وأما المبحث الرابع فذكرت فيه نماذج لبعض العلماء الذين ساهموا في البناء الحضاري ،وأما المبحث الخامس فعينت نماذج لبعض إبداعات علماء القرن الرابع الهجري وإسهاماتهم في البناء الحضاري.
ثم جعلت في نهاية هذا البحث خاتمة ذكرت فيها أهم ما توصلت إليه من نتائج، والمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها .
وكل ما كان مني هو بفضل من الله ومنة منه ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ،وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين .

المبحث الأول: الحضارة في اللغة والاصطلاح :
الحضارة (لغة): الحضر؛ خلاف البدو و الحاضر؛ خلاف البادي، وفي الحديث(لا يبيع حاضرُ لبادٍ)( ). الحاضر: المقيم في المدن والقرى، والبادي: المقيم بالبادية،والحضارة الإقامة في الحضر،وكان الأصمعي يقول:الحَضارة بالفتح وقال القطامي:
ومن تكن الحضارةُ أعجبته فأيَّ رجال بادية ترانا( )
وقال الفيومي الحَضارة : بفتح الحاء وكسرها سكون الحَضر( )، والحضر والحضرة والحاضرة خلاف البادية، وهي المدن والقرى والأرياف سميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار، والبادية يمكن أن يكون اشتقاق اسمها من بدا يبدو أي برز وظهر ولكنه اسم لزم ذلك الموضع خاصة دون ما سواه( ) ،وقال الإمام النووي:ولأن أهل البادية هم الأعراب ويغلب فيهم الجهل والجفاء ولهذا جاء في الحديث(من بدا جفا)( )، والبادية والبدو بمعنى واحد، وهو ما عدا الحاضرة والعمران والنسبة إليها بدوىَّ والبداوة : الإقامة بالبِادية، وهى بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة( ).
وعدَّ ابن خلدون أن البدو أصل للحضر حيث قال : أن البدو أصل للحضر ومتقدم عليه إنِّا إذا فتشنا أهل مصر من الأمصار وجدنا أولية أكثرهم من أهل البدو... وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة وأنها أصل لها ، وقال الميداني: إقامة مجموعة من الناس في الحضر أي في مواطن العمران( )، والإنسان حضارة والحضارة سكن الحاضرة( ).
والحضارة في الاصطلاح: تفاعل الأنشطة لجماعة ما في مكان معين ، وفي زمن محدود أو أزمان متعاقبة ضمن مفاهيم خاصة عن الحياة( ) ، وقل بعضهم: تفاعل المبادئ مع الحياة ، فتنشأ أنماطاً من السلوك تبعاً لذلك وهي من خصوصيات كل أمة( ) ،وقالوا: هي مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني، ومظهر من مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي في الحضر( )، وقال عبد الرحمن حسن حنبكة: وتشمل جميع أنواع التقدم والرقي الإنسانيين لأنهما لا يزدهران إلاّ عند المستقرين في مواطن العمران( ) ،وقال الشيخ يوسف القرضاوي : ولا يخفى أنَّ هناك معنىً عاماً للحضارة يفهم من مدلول الكلمة نفسها ، وهو جملة مظاهر الرقي المادي والعلمي والفني والأدبي والاجتماعي في مجتمع من المجتمعات أو في مجتمعات متشابهة( ) ، ومنهم من عرَّفها بالجهد الذي يُقدَّم لخدمة الإنسان في كل نواحي حياته، أو هي التقدم في المدنية( ) والثقافة( ) معًا، ويمكن القول:إنَّ الحضارة هي محاولات الإنسان الاستكشافية والاختراع والتفكر، والتنظيم والعمل على استغلال الطبيعة للوصول إلى مستوى حياة أفضل( ).
ولابد للإنسان من الثقافة والمدنية معًا؛ لكي يستقيم فكر الأفراد وسلوكياتهم، وتتحسن حياتهم، لذلك فإن الدولة التي تهتم بالتقدم المادي على حساب التقدم في مجال القِيَم والأخلاق، دولة مدنيَّة، وليست متحضرة؛ ومن هنا فإن تقدم الدول الغربية في العصر الحديث يعد مدنية وليس حضارة؛ لأن الغرب اهتم بالتقدم المادي على حساب القيم والمبادئ والأخلاق، أما الإسلام الذي كرَّم الإنسان وأعلى من شأنه، فقد جاء بحضارة سامية، تسهم في تيسير حياة الإنسان. والحضارة في مفهومها العام: هي سلوك ونظام، وقيم ومعان، وأسس ومبادئ، ومنظومات وطبيعة حياة، يزخر بها مجتمع ما، وتسيطر على مجريات الأحداث فيه، يدعمها ويحافظ على بقائها عمل متصل، وفعالية عالية مرتفعة، يسهم فيها كل إنسان قادر مؤهل بقدر طاقته وتأهيله، وتبقى الحضارة والرقي ما بقي العمل المتصل، والعطاء المتجدد، والفعالية المرتفعة، ومنجزاتها( )، ووصف الدكتور سعد دسوقي الحضارة بوصف جميل حيث قال : الحضارة كالإنسان لها روح وجسد.. الروح هو الرسالة الإنسانية التي تعيش في أفئدة الناس من عقائد وقيم وقدرة إنسانية سلوكية،وأما الجسد فهو ما نسميه بالتمدن، وهو ما أنجزه الناس في حياتهم من منظومات العيش المختلفة شرابا وكساء وسكنا وحركة في الأرض وأفعالا وحكما وقضاء ودفاعا، إلى غير ذلك من المنظومات التي يعيشون بها حياتهم( )، جميع التعريفات التي مرت تدلل على أن الحضارة هي أسمى وأجل وأعلى مستويات مراحل الرقي البشري الذي يطمح إليه الإنسان خدمة له في الدنيا قبل الآخرة.
المبحث الثاني: أسس الحضارة وعناصرها ومقوماتها ومراحل نشؤها وأهميتها.
أولاً : أسس الحضارة وعناصرها ومقوماتها :
لقد اعتمدت الأمم السالفة أسساً فكرية ونفسية كانت القوة الدافعة والموجهة والمخططة لها وبان أثر هذه الأسس في البناء الحضاري لتلك الأمم ، فقد مجَّد اليونان الإغريق العقل وحده لبناء حضارتهم ونتج عنه خلال قرون عدة علوماً فلسفية ورياضية ونفسية وطبية وغير ذلك، ولم تفِ هذه العلوم بصورة شاملة لحاجيات ومتطلبات الحياة كلها ، فلم تكن تلك الحضارة تعطي صورة مثلى للحضارة الإنسانية ، وكذلك فعل الرومان فكانوا يُمَجّدون القوة وحدها، وهذا يعني بسط السلطان الروماني على الشعوب وتحقق لهم ذلك حيث استمرت حضارتهم لقرون عدة لكنها كسابقتها لم تكن مثالية للحضارة الإنسانية ، كما كوَّن الفرس حضارة واسعة معتمدين على أسس فكرية قائمة على القوة واللذة الجسدية والسلطان ، وفعل الهنود في بناء حضارتهم على أسس فكرية قائمة على القوى الروحية وتنميتها بقهر مطالب الجسد وكبت غرائزه ،وأما حضارة القرون الحديثة (القرن الثامن عشر ميلادي) فأسسها الفكرية قائمة على تمجيد العلوم المادية والاستفادة من جميع الطاقات الكونية الكامنة والظاهرة لخدمة الجسد ومنحه وافر الرفاهية والمتعة واللذة وغيرها ، فتحقق لهم مجموعة ضخمة من المبتكرات والمخترعات في المجالات السلمية والحربية ومجموعة من النظم والتشريعات الوصفية التي ساهمت في تنظيم علاقات الناس أفراداً وجماعات وأمماً ودول،لكن كل هذا لم يعطِ الإنسانية حضارة راقية متكاملة المعالم، وأما حضارتنا الإسلامية فهي وبدون تحيِّز الحضارة الوحيدة التي اشتملت أسسها الفكرية والنفسية على تلبية حاجات الحياة كلها على مختلف النواحي الفكرية والنفسية والجسدية والمادية والفردية والاجتماعية ، وعلى جميع المجالات العلمية والعملية( )، ويشهد على هذا من هم ليسوا من ملتنا ومنهم غوستاف لوبون حيث قال: (وبالعرب بدأت وسبب ذلك أنَّ حضارتهم من الحضارات التي اطلّعت عليها في رحلاتي الكثيرة أحسن مما اطلعت على غيرها من الحضارات التي كمل دورها وتجلى فيها مختلف العوامل التي أوضحنا سرها)( ).
ثانياً : مراحل نشؤها.
قسَّم بعض العلماء( ) مراحل نشوء الحضارة إلى :
1ـ جيل التأسيس: هو الجيل الذي يمتاز بالأصالة والقوة والتجدد والحفاظ على مبادئ الأمة، وهؤلاء هم بناة الحضارة .
2ـ جيل الشموخ والاستعلاء : وهم الأجيال التي تعقب جيل التأسيس ، والتي تنعم بمعطيات تلك الحضارة وسؤددها وعمرانها ثم تطور ذلك العمران وتحافظ عليه.
3ـ جيل النعمة والعيش على المجد: وهي الأجيال التي تغرف وتنهل من أنتجه الأجداد فتنعم بمورثها المعطاء ، فتستمرئ العيش وتأنس بنعومة الحياة ، فتنصرف إلى الجماليات في الفنون والترف والاستمتاع .
4ـ جيل التراخي والكسل والنتائج الفتاكة: هي الأجيال التي فقدت همة العمل وتكاليف البناء، وحلَّ فيها الظلم بدل العدل والجهل بدل العلم والتواكل واللامبالاة بدل العمل الجاد المستمر، والأنانية بدل الإيثار وإلقاء اللوم على الآخرين بدل محاول التغيير والشعور بالمسؤولية فكانوا كما وصفهم الحق سبحانه وتعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلاةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا* إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً)
[ سورة مريم / الآية 59، 60]
ثالثاً :أهمية الحضارة :
الفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإذا صَلُح صَلُح المجتمع كله، وأصبح قادرًا على أن يحمل مشعل الحضارة، ويبلغها للعالمين، ومن أجل ذلك جاء الإسلام بتعاليم ومبادئ تُصْلِح هذا الفرد، وتجعل حياته هادئة مستقرة، وأعطاه من المبادئ ما يصلح كيانه وروحه وعقله وجسده.
وبعد إصلاح الفرد يتوجه الإسلام بالخطاب إلى المجتمع الذي يتكون من الأفراد، ويحثهم على الترابط والتعاون والبر والتقوى، وعلى كل خير؛ لتعمير هذه الأرض، واستخراج ما بها من خيرات، وتسخيرها لخدمة الإنسان وسعادته، وقد كان آباؤنا على قدر المسؤولية، فحملوا هذه الحضارة، وانطلقوا بها يعلِّمون العالم كله ويوجهونه.
ومن أهم مقومات الحضارة طلب العلم وانتشاره بين الناس لأنه مفتاح الحضارة ، وهذا ما حثنا عليه القرآن الكريم قال تعالى: (يامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأٌّرْضِ فَانفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ )[ سورة الرحمن /الآية 33] .قال بعض العلماء السلطان العلم ، وبه أمرنا رسولنا الأكرم  ، لذلك سنقف عند الحركة العلمية من القرن الرابع الهجري وبيان ازدهارها وأثرها على الحضارة .

المبحث الثالث: العوامل التي ساهمت في ازدهار الحركة العلمية في بغداد للقرن الثالث والرابع.
بعد أن تحولت الظروف السياسية للخلافة العباسية وانتقالها من بلاد الشام إلى العراق، اهتم خلفاء بني العباس ومنذ العام 145هـ وحتى نهاية القرن الرابع الهجري ، وهي الحقبة التي تم فيها ازدهار الحركة العلمية ، وكان لهذا الازدهار عوامل ساعدت عليه ومنها:
أولاً: نزوح العلماء إلى بغداد( ) : بعد أن تأسست مدينة بغداد ( ) وأصبحت مناراً وحاضرة المسلمين ، وفد العلماء عليها وحج طلاب العلم إليها ، وموقع بغداد الجغرافي كان له الأثر البالغ في ارتياد الناس إليها ، وذلك لأنَّ جميع القوافل التي كانت تأتي من خراسان تمر ببغداد حصراَ وهي في طريقها إلى مكة المكرمة ، كذلك وجودها على نهر دجلة أكسبها حرية الاتصال النهري شمالاً وبالبحر جنوباً( )، كما أن طرقها البرية الممتدة بين الشام ومصر يَسَّر السَّفر على العلماء القادمين من أصقاع العالم الإسلامي إليها( ) ، وبهذا تكون بغداد مَوئِلاً لكثير من الاتجاهات العلمية الناضجة التي أسهمت في تكوينها الحضاري وهيأت لها المكانة المرموقة ، وقلما يوصف رجل بأنه عالم أو فقيه أو محدث أو كاتب أو أديب إلاّ إذا رحل إليها وطلب العلم من علمائها( ) .
وتعد بغداد هي الوريث للنتاج العلمي والفكري لما كان في البصرة والكوفة ودمشق ، وكانت البصرة ومنذ أكثر من نصف قرن أي منذ تأسيسها عام 14هـ ، كذلك الكوفة عام 17هـ ، وحتى بناء بغداد عام 147هـ مركزاً للحركات العلمية والفكرية حيث نبغ فيها المحدث والفقيه والمفسر والمقرئ والنحوي والمتكلم والإخباري والنسابة وغيرهم ، كما كان لدمشق حاضرة الأمويين الشيء نفسه وبشكل بارز منذ العام 41هـ وحتى قبيل نهاية الخلافة الأموية في الشام عام 132هـ وانتقال دفة الحكم إلى بني العباس مركز الخلافة الجديد لتكون بغداد بعدها مركزاً حضارياً رئيساً وإشعاعاً حضارياً وفكرياً لعلمائها المقيمين والوافدين إليها.
ثانياً : الاهتمام بالتعليم : ساعد هذا العامل كثيراً في نشر العلم والثقافة والنهوض بالعلوم المختلفة منطلقين في ذلك من ديننا الحنيف الذي حث على طلب العلم و نشره ، ونجده صريحاً في القرآن الكريم من قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  وكذلك قوله  : (طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ على كل مُسْلِمٍ ..)( ) وتشكلت نتيجة لهذا التوجيه مراكز عديدة للتعليم منها:
1ـ المسجد: يُعد بناء المسجد أول عمل قام به النبي  بعد هجرته إلى المدينة( ) لِما له من الأهمية القصوى في شيوع آصرة الأخوة والمحبة والعدالة والمساواة بين المسلمين، وكذلك لينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذي هو كلمته وشرعه... ليجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته متمسكين بها عن معرفة وعلم( )،ولم يكن المسجد موضعاً لأداء الصلاة فحسب، بل كان جامعة يلتقي فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقي وتتآلف العناصر القبلية... وقاعدة لإدارة جميع الشؤون وبث الانطلاقات، وبرلماناً لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية( )، بل تجلّت روح الوحدة والتضامن بين أبناء المجتمع الجديد ، وهم يشاركون جميعاً بحماسة في بناء المسجد الذي سيكون مركز الفعاليات الدينية والسياسية العامة للأمة الناشئة( )، فكانت تعقد في المسجد حلقات علمية عالية المستوى يترأسها فقهاء العصر ورجالات العلم آنذاك ، ويتصدرون لإقراء مواد علمية مختلفة ، فكان المسجد أشبة بجامعة علمية أساتذتها علماء عصرهم( ).
وعمل خلفاء بني العباس بهذه السنة الحسنة في بناء المسجد الجامع وأَوْلَو الاهتمام به وبرز هذا منذ خلافة أبي جعفر المنصور عندما شَيَّد عام 145هـ جامع المدينة حيث كانت تقام فيه حِلَق العلم والتعليم في مجال الإفتاء وتدريس كافة العلوم الدينية واللغوية والأدبية( ).
أمّا العلوم التي كانت تدرس في المساجد بشكل عام فأولها العلوم الدينية (القرآن الكريم وعلومه والسنة النبوية وعلومها والفقه وغيره) والعلوم الأخرى مثل اللغة والتاريخ والفلسفة وغيرها، ولربَّ سائل يسأل كيف استطاع المسجد أن يؤدي دوره بهذه المساحة العريضة التي تصدَّر بها ، وكيف استمر العلماء والوعاظ والمدرسون في أداء واجباتهم دون الانشغال بالأمور الدنيوية الأخرى ، فجاءت الأخبار (أن الذي كان يساعد في المساجد على الاستمرار بتأدية واجبها العملي وتسهيل مهمة الطلبة كثرة الأوقاف والأموال التي كانت ترصد وتخصص من أجل الإنفاق على المساجد والجوامع لتلبية احتياجاتها وصيانتها فضلاً عمّا تقدمه الأوقاف المخصصة للمساجد من رواتب للمدرسين العاملين فيها وكذلك للطلبة والمسافرين لتلبي احتياجاتهم)( ) .
2ـ منازل العلماء: جرت العادة للعلماء الذين برزوا وكانت لهم الصدارة في العلم على اختلاف تخصصاتهم أن يقيموا مجالس علم في بيوتاتهم الخاصة وبرز هذا في بغداد جلياً حيث قام العلماء بدور كبير في نشر العلم وتوسيع رقعة التعليم ومنهم: مجلس القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي(ت270هـ) و أبو عبيد المرزباني الأديب(384هـ) وهارون بن محمد الضبي(ت 335هـ) وغيرهم( )، وذُكر مثل هذا كثيراً عند المهتمين بحضارة المسلمين من المستشرقين منهم ماركس مايرهوف حيث قال: ( كان جماعات من العلماء تجتمع غالباً حول أبي سليمان السجستاني (ت 391هـ) في بيته مكونة من مختلف المشارب والنحل ...)( ).
3ـ مجالس العلم (التحديث) في الضواحي والطرقات: لا غرابة أن يتخذ العلماء الضواحي والطرقات لعقد مجالس العلم وخاصة فيما يتعلق بإملاء علم الحديث على طلبة العلم وهناك شواهد كثيرة منها؛ ما فعله محمد بن عمر الجعاني التميمي (ت 355هـ) أصله من عمان ونزل بغداد حيث أنه إذا أملى الحديث في الطريق امتلأ بالطلبة عن آخره حتى يضيق على المارة( ).
4ـ الأسواق: وهو مكان بعض العلماء لكسب معاشهم دون أن يعيشوا عالة على غيرهم لكنَّ هذا لم يمنع العلماء من استقبال طلبة العلم في مكان عملهم حرصاً على نشر العلم ومنهم: أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بالمستعيني(325هـ)،وأبو بكر الصبغي (ت344هـ) وغيرهم( ).
4ـ حوانيت الوراقين: لم تكن هذه الحوانيت مجرد دكاكين للكتابة والنسخ وغيره وإنما كانت مراكز للعلم والتعليم وكان أفاضل العلماء وأماثل الفقهاء يعملون فيها مثل : يعقوب بن شبة(262هـ) والجهشياري(ت 331هـ) صاحب كتاب الوزراء،و محمد بن إسحاق أبو الفرج المعروف بابن النديم (ت380هـ)صاحب كتاب الفهرست وغيرهم( )، فكانت حرفة الوراقة وحوانيت الوراقين عاملاً مساعداً على ازدهار حركة التعليم في بغداد ودفعها إلى أن تتبوأ مكان الصدارة في نشر العلم والفكر في جميع أرجاء الدولة الإسلامية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين( ).

المبحث الرابع: الإسهامات الحضارية لبعض علماء العراق في القرن الرابع الهجري .
أنجب العراق عدداً كبيراً من العلماء، نشأوا وترعرعوا على تربته وعذوبة ماءه وغزارة علومه، ومنهم من تبناهم وانتسبوا له ونهلوا من علم علمائه ، وهم كُثر يصعب تعدادهم كلهم في هذا البحث المختصر ، وقد وردت أسماؤهم متناثرة في كتب كثيرة ككتب التواريخ والتراجم ، وقد جمعت قسماً منهم كنماذج قسمتهم بحسب تخصصهم لكنني توسعت في بعضهم ممن كان أغزرهم علماً وأكثرهم شهرة وساهم بشكل واضح في البناء الحضاري وهم على النحو الآتي :
أولاً: في علوم القرآن الكريم ويشمل ( القراءات والتفسير) ( ):
1. أحمد بن فرح ابن جبريل أبو جعفر البغدادي الضرير المقرئ المفسّر(ت 303هـ). تلا على البزي والدوري ،وحدث عن علي بن المديني وأبي بكر بن أبي شيبة وعدة وعنه ابن سمعان وأحمد بن جعفر الختلي وتلا عليه خلق منهم زيد بن أبي بلال وعمر بن بيان وأبو بكر النقاش وابن أبي هاشم وكان ثقة ثبتا ذا فنون( ) .
2. المطرز،الحافظ الثقة المقرئ أبو بكر القاسم بن زكريا بن يحيى البغدادي(ت 305هـ). سمع عمران بن موسى القزاز وسويد بن سعيد ومحمد بن الصباح وأبا همام السكوني وعدة وتلا على بن حمدون الطبيب وأبي عمر الدوري زعم شيخ الأهوازي يعرف بالغضائرى انه تلا عليه وحدث عنه أبو الحسين بن المنادى وجعفر الخلدي والجعابى وأبو بكر الشافعي وعبد العزيز بن جعفر ومحمد بن المظفر وأبو حفص بن الزيات وعدة قال الخطيب كان ثقة ثبتاً وقال الدارقطني: قاسم المطرز مصنف مقرئ من نبيل ، وكان من أهل الحديث والصدق والمكثرين في تصنيف المسند والأبواب والرجال( )
3. ابن مجاهد، شيخ القراء أحمد بن موسى بن العباس التميمي البغدادي (ت 324هـ) .مصنف كتاب السبعة ، وسمع من سعدان بن نصر والرمادي ومحمد بن عبد الله المخرمي ومحمد بن إسحاق الصاغاني وعبد الله بن محمد بن شاكر وطبقتهم، تلا على قنبل وأبي الزعراء بن عبدوس ،وانتهى إليه علم هذا الشأن وتصدر مدة ،وقرأ عليه خلق كثير منهم عبد الواحد بن أبي هاشم وأبو عيسى بكار والحسن المطوعي وأبو بكر الشذائي وخلق كثير، وحدث عنه ابن شاهين والدارقطني وأبو بكر بن شاذان وأبو حفص الكتاني وأبو مسلم الكاتب وعدة، وكان في حلقته من الذين يأخذون على الناس أربعة وثمانون مقرئاً( ).
ثانياً: في علم الحديث :
1. البغوي، الحافظ مسند العالم أبو القاسم عبد الله بن محمد البغدادي (ت302هـ)، بَكَّرَ بالسماع باعتناء عمه علي بن عبد العزيز وجده ، فسمع من علي بن الجعد وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل وداود بن عمرو الضبي ويحيى، وخلق كثير أزيد من ثلاث مائة شيخ، وجمع وصنف "معجم الصحابة" ، حدث عنه ابن صاعد والجعابى وأبو حفص بن شاهين والدارقطني وعبد الرحمن بن أبي شريح الهروي وخلق كثيرون( ).
2. أبو يعلى الموصلي، الحافظ محدث الجزيرة احمد بن علي التميمي (ت 307هـ)، سمع علي بن الجعد ويحيى بن معين ومحمد بن المنهال الضرير وغسان بن الربيع وشيبان بن فروخ ويحيى الحماني وغيرهم، وقد خرج لنفسه "معجم شيوخه" في ثلاثة أجزاء حدث عنه أبو حاتم بن حبان وأبو علي النيسابوري وحمزة بن محمد الكناني وأبو بكر الإسماعيلي وأبو بكر ابن المقرىء وأبو عمرو بن حمدان ونصر بن احمد المرجى ومحمد بن النضر النخاس وخلق سواهم( ).
3. الساجي، الإمام الحافظ المحدث أبو يحيى زكريا بن يحيى الضبي البصري (ت 307هـ) ، سمع عبيد الله بن معاذ العنبري وهدبة بن خالد وأبا الربيع الزهراني وعبد الأعلى بن حماد النرسي وطالوت بن عباد وجمع، روى عنه أبو احمد بن عدى أبو بكر الإسماعيلي وأبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان والقاضي يوسف الميانجي ويوسف بن يعقوب النجيرمي وعلي بن لؤلؤ الوراق وطائفة ، وللساجى كتاب جليل
في علل الحديث( ).
ثالثاً : في علم الفقه :
1. ابن سريج الإمام العلامة شيخ الإسلام القاضي أبو العباس احمد بن عمر بن سريج البغدادي الفقيه قدوة الشافعية (ت 306هـ)، سمع الحسن بن محمد الزعفراني وعلي بن أشكاب وعباس بن محمد الدوري وأبا داود السجستاني وطبقته، له تصنيفا يحتج فيه بالأحاديث،وأما الفقه فهو حامل لوائه وعلم نظرائه تصدر للاشتغال وتفقه به أئمة أعلام، وحدث عنه أبو القاسم الطبراني وأبو الوليد حسان بن محمد وآخرون( ).
2. الخلال الفقيه العلامة المحدث أبو بكر احمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي المشهور بالخلال (ت311هـ) . مؤلف علم أحمد بن حنبل وجامعه ومرتبه صنف "كتاب السنة في ثلاث مجلدات و"كتاب العلل" في عدة مجلدات و"كتاب الجامع" وهو كبير جدا وتصانيفه تدل على سعة علمه فإنه كتب العالي والنازل، سمع من الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر وحرب بن إسماعيل وأبا بكر المروزي وخلق كثير، ، حدث عنه تلميذه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه الملقب بغلام الخلال ومحمد بن المظفر الحافظ وغير واحد( ) .
3. النجاد الإمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن البغدادي الحنبلي(ت 348هـ) سمع يحيى بن جعفر بن الزبرقان وأحمد بن ملاعب والحسن بن مكرم وأبا داود السجستاني وأبا بكر بن أبي الدنيا وغيرهم، حدث عنه أبو بكر القطيعي والدارقطني وابن شاهين والحاكم وابن منده وابن رزقويه وأبو الحسين بن بشران، وخلق كثير. قال الخطيب: كان صدوقاً عارفاً صنف كتاباً كبيراً في السنن وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجمعة للفتوى وحلقة بعدها للإملاء، وقال أبو إسحاق الطبري: وقد صنف النجاد كتاباً في الفقه والاختلاف( ) .
رابعاً :في علم الأدب واللغة( ):
1. الإمام الحافظ النحوي العلامة الإخباري أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان الأزدي الواسطي المشهور بنفطويه (ت 323هـ) ، صاحب التصانيف سكن بغداد وحدث عن إسحاق بن وهب العلاف وشعيب بن أيوب ومحمد بن عبد الملك وأحمد بن عبد الجبار وداود بن علي وعدة وأخذ العربية عن محمد بن الجهم وثعلب والمبرد وتفقه على داود، حدث عنه المعافى بن زكريا وأبو بكر بن شاذان وأبو عمر بن حيويه وأبو بكر بن المقرئ وآخرون وكان متضلعاً من العلوم ينكر الاشتقاق ويحيله ومن محفوظه نقائض جرير والفرزدق وشعر ذي الرمة خلط نحو الكوفيين بنحو البصريين وصار رأساً في رأي أهل الظاهر وكان ذا سنة ودين وفتوة ومروءة وحسن خلق وكيس وله نظم ونثر صنف "غريب القرآن" و "كتاب المقنع في النحو" و "كتاب البارع" و "تاريخ الخلفاء" في مجلدين وأشياء ( ).
2. ابن الأنباري الحافظ العلامة شيخ الأدب أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي (ت328هـ)، سمع أبا العباس الكديمي وإسماعيل القاضي وأحمد بن الهيثم البزاز وثعلباً وطبقتهم، صنف التصانيف الكثيرة ويروي بأسانيده ويملي من حفظه وكان من أفراد الدهر في سعة الحفظ مع الصدق والدين. قال الخطيب: كان صدوقاً ديناً من أهل السنة صنف في القراءات والغريب والمشكل والوقف والابتداء، حدث عنه أبو عمر بن حيويه وأحمد بن نصر وعبد الواحد بن أبي هاشم والدارقطني ومحمد بن أخي ميمي وأحمد بن محمد بن الجراح وآخرون، قال محمد بن جعفر التميمي ما رأيت أحداً أحفظ من ابن الأنباري ولا أغزر من علمه وحدثوني عنه انه قال: أحفظ ثلاث عشر صندوقاً، وقيل: كان ممن يحفظ عشرين ومائة تفسير بأسانيدها درس كتاب الكرماني، وقيل:انه أملى غريب الحديث في خمسة وأربعين ألف ورقة وله "كتاب الأضداد" كبير جدا و"كتاب شرح الكافي" في ألف ورقة و"كتاب الجاهليات" في سبع مائة ورقة وكان رأسا في النحو( ) .
3. أبو عمر الزاهد الحافظ العلامة اللغوي محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي(ت345هـ)، سمع موسى بن سهل الوشاء وأحمد بن عبيد الله وإبراهيم بن الهيثم البلدي وأحمد بن سعيد الجمال والكديمي وطبقتهم، روى عنه ابن رزقويه والحاكم وابن منده والقاضي أبو القاسم بن المنذر وأبو الحسين بن بشران وعلي بن احمد الرزاز وأبو علي بن شاذان وعدة ، قال الذهبي: سمعت غير واحد يحكي عن أبي عمر أن الأشراف والكتّاب كانوا يحضرون عنده ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها وكان له جزء قد جمع فيه فضائل معاوية  وكان لا يترك واحداً منهم يقرأ عليه شيئاً حتى يبتدئ بقراءة ذلك الجزء، فأما الحديث فرأيت جميع شيوخنا يوثقونه فيه وأخبرنا علي ابن أبي علي عن أبيه قال ومن الرواة الذين لم نر قط احفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة في ما بلغني وجميع كتبه إنما أملاها بغير تصنيف( ) .
خامساً :في علم التاريخ :
1. الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير ( ت 310هـ)، سيأتي تفصيله في المبحث الخامس.
2. . ابن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم الإمام المحدث القدوة الصدوق الحافظ شيخ الإسلام أبو سعيد بن الأعرابي البصري الصوفي نزيل مكة وشيخ الحرم (340هـ)، وما هو بابن محمد بن زياد الأعرابي اللغوي ذاك مات قبل أن يولد هذا بأعوام عدة، ولد سنة نيف وأربعين ومئتين وسمع الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني وعبد الله بن أيوب المخرمي وسعدان بن نصر ومحمد بن عبد الملك الدقيقي وأبا جعفر محمد بن عبيد الله المنادي وعباسا الترقفي وعباس بن محمد الدوري وإبراهيم بن عبد الله العبسي وأمماً سواهم خرج عنهم معجماً كبيراً ، ورحل إلى الأقاليم وجمع وصنف صحب المشايخ وتعبد وتأله وألف "مناقب الصوفية" وحمل السنن عن أبي داود وله في غضون الكتاب زيادات في المتن والسند ، روى عنه أبو عبد الله بن خفيف وأبو بكر بن المقرئ وأبو عبد الله بن مندة والقاضي أبو عبد الله بن مفرج وعبد الله بن يوسف الأصبهاني ومحمد بن أحمد بن جميع الصيداوي وعبد الله بن محمد الدمشقي القطان وصدقة بن الدلم وعبد الرحمن بن عمر بن النحاس ، وكان كبير الشأن بعيد الصيت عالي الإسناد قال أبو عبد الرحمن السلمي سمعت محمد بن الحسن الخشاب سمعت ابن الأعرابي يقول: المعرفة كلها الاعتراف بالجهل، وكان رحمه الله قد صحب الجنيد وأبا أحمد القلانسي وعمل "تاريخا للبصرة" لم أره أما كتابه في "طبقات النساك" توفي بمكة في شهر ذي القعدة سنة أربعين وثلاث مئة وله أربع وتسعون سنة وأشهر( )
3. المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ( 346هـ) . صاحب مروج الذهب وغيره من التواريخ، عداده في البغاددة ، ونزل مصر مدة وكان أخبارياً صاحب ملح وغرائب وعجائب وفنون وكان معتزلياً أخذ عن أبي خليفة الجمحي ونفطويه وعدة( ) .
سادساً: في علم الطب :
1. أبو بكر الرازي، محمد بن يحيى بن زكريا (311هـ) ، ولد في مدينة الري في خراسان، عالم وطبيب، وهو أحد أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق كما وصفته زيغريد هونكه في كتابها( ) حيث ألف كتاب "الحاوي في الطب" كان يضم كل المعارف الطبية منذ أيام الإغريق حتى عام 925م وظل المرجع الرئيس في أوروبا لمدة 400 عام بعد ذلك التاريخ درس الرياضيات والطب والفلسفة والفلك والكيمياء والمنطق والأدب ، في الري اشتهر الرازي وجاب البلاد وعمل رئيسا لمشفي له الكثير من الرسائل في شتى مجالات الأمراض وكتب في كل فروع الطب والمعرفة في ذلك العصر، وقد ترجم بعضها إلى اللاتينية لتستمر المراجع الرئيسية في الطب حتى القرن السابع عشر، ومن أعظم كتبه "تاريخ الطب" وكتاب "المنصور" في الطب وكتاب "الأدوية المفردة" الذي يتضمن الوصف الدقيق لتشريح أعضاء الجسم. هو أول من ابتكر خيوط الجراحة، وصنع المراهم، وله مؤلفات في الصيدلة ساهمت في تقدم علم العقاقير.وله 200 كتاب ومقال في مختلف جوانب العلوم.
2. هو أبو علي أحمد بن عبد الرحمن بن مندويه (370هـ) من الأطباء المذكورين في بلاد العجم وخدم هنالك جماعة من ملوكها ورؤسائها وكانت له أعمال مشهورة مشكورة في صناعة الطب وكان من البيوتات الأجلاء بأصفهان ، ولأبي علي بن مندويه الأصفهاني من الكتب رسائل عدة من ذلك أربعون رسالة مشهورة إلى جماعة من أصحابه في الطب وهي "رسالة إلى أحمد بن سعد في تدبير الجسد" و"رسالة إلى أبي الفضل العارض في تدبير الجسد"و" رسالة إلى أبي القاسم أحمد ابن علي بن بحر في تدبير المسافر"و" رسالة إلى حمزة بن الحسن في تركيب طبقات العين"و" رسالة إلى أبي الحسن الوارد في علاج انتشار العين" وغيرها( ).
3. بختيشوع بن يوحنا بن ختيشوع(ت 329هـ) ، كان عالماً بصناعة الطب حظيا من الخلفاء وغيرهم ، واختص بخدمة المقتدر بالله وكان له من المقتدر الأنعام الكثير والإقطاعات من الضياع ، وخدم بعد ذلك الراضي بالله فأكرمه وأجراه على ما كان باسمه في أيام أبيه المقتدر،ومات بختيشوع بن يوحنا في يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ببغداد( ) .
سابعاً:في علم القضاء:
1. على بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادى القاضى أبو عبيد بن حربويه قاضى مصر وأحد أركان المذهب وهو من تلامذة أبى ثور وداود إمام الظاهر، سمع أحمد بن المقدام العجلى ويوسف بن موسى والحسن بن عرفة وغيرهم، روى عنه أبو عمر بن حيويه وأبو بكر بن المقرئ وعمر بن شاهين وجماعة. وقال أبو سعيد بن يونس هو قاضى مصر أقام بها طويلا وكان شيئا عجيبا ما رأينا مثله لا قبله ولا بعده وكان يتفقه على مذهب أبى ثور وعزل عن القضاء سنة إحدى عشرة لأنه كتب يستعفى ووجه بذلك رسولا إلى بغداد وأغلق بابه وامتنع من الحكم فأعفى، فحدث حين جاء عزله وأملى مجالس ورجع إلى بغداد وكان ثقة ثبتا مهيبا مصمما مضبوط الكلمات قليلها وافر الحرمة لم يره أحد يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يغسل يده إنما يفعل ذلك في خلوة وهو منفرد بنفسه، وولى قضاء واسط قبل مصر وكان أمير مصر يأتي إلى داره قال: وهو آخر قاض ركب إليه الأمراء بمصر، وقد أطال ابن زولاق في ذكر أخبار القاضى أبى عبيد والثناء على محاسنه وقول أهل مصر إنهم لم يروا قبله ولا بعده قاضياً مثله ، قال: وكان يذهب إلى قول أبى ثور ثم صار يختار فجميع أحكامه بمصر باختياره وحكم بمصر بأحكام لو حكم بها غيره أقبلت، فقال من عند القاضى هنأته بدخول الشهر قال ابن الحداد فقلت له كيف رأيت القاضي قال: رأيت رجلاً عالماً بالقرآن والفقه والحديث والاختلاف ووجوه المناظرات وعالماً باللغة والعربية وأيام الناس عاقلاً ورعاً زاهداً متمكناً ، توفى في صفر سنة تسع عشرة وثلاثمائة ببغداد( ) .
2. المحاملي القاضي الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد ومحدثها أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبي البغدادي (ت 341هـ )، أول سماعه في سنة أربع وأربعين سمع أبا حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي صاحب مالك وعمرو بن علي الفلاس وزياد بن أيوب وأحمد بن المقدام العجلي ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن المثنى العنزي وأبا هشام الرفاعي وعبد الرحمن بن يونس السراج والزبير بن بكار وطبقتهم ومن بعدهم فأكثر وصنف وجمع، روى عنه دعلج والدارقطني وابن جميع وإبراهيم خرشيد وآخرون، قال الخطيب كان فاضلاً ديناً صادقاً شهد عند القضاة وله عشرون سنة وولي قضاء الكوفة ستين سنة، وقال بن جميع الغساني عند المحاملي سبعون نفساً من أصحاب سفيان بن عيينة وقال أبو بكر الداودي: كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل واستعفى من القضاء قبل سنة عشرين وثلاث مائة، وكان محموداً في ولايته عقد بالكوفة سنة سبعين ومائتين في داره مجلساً للفقه ،فلم يزل أهل العلم والنظر يختلفون إليه. قال محمد بن الحسين رأيت في النوم كأن قائلاً يقول: إن الله ليدفع عن أهل بغداد البلاء بالمحاملي، أملى المحاملي مجلساً كعادته في ثاني عشر ربيع الآخر من سنة ثلاثين وثلاث مائة ثم مرض ومات بعد أحد عشر يوماً( ).
3. ابن أم شيبان قاضي قضاة بغداد أبو الحسن محمد بن صالح بن علي بن يحيى الهاشمي العباسي الكوفي ثم البغدادي(ت 369هـ)، سمع محمد بن محمد بن عقبة وعبد الله بن زيدان البجلي وعلى ابن مجاهد وصاهر أبا عمر القاضي روى عنه البرقاني وغيره وكان كبير القدر إماماً قال طلحة بن جعفر: هو عظيم القدر واسع العلم كثير الطلب حسن التصنيف ينظر في فنون العلم والآداب متوسط في مذهب مالك لا اعلم هاشمياً ولي قضاء بغداد غيره، وجمع له معها قضاء مصر وبعض الشام ، وقال ابن أبي الفوارس كان نبيلاً فاضلاً ما رأينا في معناه مثله وفي الصدق نهاية. مات فجأة في جمادى الأولى سنة تسع وستين وثلاث مئة وله ست وسبعون سنة( ).
ثامناً: في علم الفلسفة( ):
1. أبو زيد البلخي ،أحمد بن سهل (ت 322هـ) ، وكان فاضلاً في سائر العلوم القديمة والحديثة تلا في تصنيفاته وتأليفاته طريقة الفلاسفة إلاّ انه بأهل الأدب أشبه، ولأبي زيد من الكتب "كتاب شرائع الأديان"و" كتاب أقسام المعلوم"و " كتاب اختيارات السير" و" كتاب كمال الدين"و " كتاب السياسة الكبير"و" كتاب السياسة الصغير" و" كتاب مصالح الأبدان والأنفس " وكتاب أسماء الله عز وجل" و" كتاب فضيلة علم الأخبار "و "كتاب الأسماء والكنى والألقاب "و" كتاب رسالته في حدود الفلسفة " وغيرها كثير( ).
2. أبو بشر متى بن يونس (ت 339هـ) ، متى بن يونس أبو بشر متى بن يونس، وهو يونان من أهل ديرقُنّى ممن نشأ في اسكول مارمارى. قرأ على قويري وعلى دوفيل وبنيامين وعلى أبي أحمد بن كرنيب، وله تفسير في السرياني إلى العربي، واليه انتهت رياسة المنطقيين في عصره فمن تفسيره؛ "كتاب تفسير الثلاث مقالات الأواخر من تفسير ثامسطيوس"و" كتاب نقل كتاب البرهان الفصّ " كتاب نقل سوفسطيقا الفصّ "و" كتاب نقل كتاب الكون والفساد بتفسير الإسكندر"و" كتاب نقل كتاب الشعر الفصّ"و" كتاب نقل اعتبار الحكم وتعقب المواضع لثامسيطيوس" و" كتاب نقل كتاب تفسير الإسكندر لكتاب السماء" وأصلحه أبو زكريا يحيى بن عدي وفسر أبو بشر الكتب الأربعة في المنطق بأسرها وعليها يعوّل الناس في القراءة، وله من الكتب "كتاب مقالة في مقدمات صدر بها كتاب أنالوطيقا كتاب المقاييس الشرطية ( ).
3. الفارابي الفيلسوف، أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ التركي (339هـ) الحكيم المشهور صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم وهو أكبر فلاسفة المسلمين، ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه ولد في بلده ونشأ بها ثم خرج من بلده وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات غير العربي فشرع في اللسان العربي فتعلمه وأتقنه غاية الإتقان ثم اشتغل بعلوم الحكمة، ولما دخل بغداد كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور، وهو شيخ كبير وكان يقرأ الناس عليه فن المنطق وله إذ ذاك صيت عظيم وشهرة وافية ويجتمع في حلقته كل يوم المئون من المشتغلين بالمنطق وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس في المنطق ويملي على تلامذته شرحه فكتب عنه في شرحه سبعون سفراً، ولم يكن في ذلك الوقت أحد مثله في فنه، وكان حسن العبارة في تواليفه لطيف الإشارة وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذليل، وكان أبو نصر يحضر حلقة أبو بشر متي بن يونس في غمار تلامذته فأقام أبو نصر كذلك برهة ثم ارتحل إلى مدينة حران وفيها يوحنا بن حيلان الحكيم النصراني فأخذ عنه طرفاً من المنطق أيضا ثم إنه قفل راجعا إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة وتنازل جميع كتب أرسطاطاليس وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها، ثم له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه فيه ، وفاق أهل زمانه وألف بها معظم كتبه ثم سافر منها إلى دمشق ولم يقم بها ثم توجه إلى مصر وقد ذكر أبو نصر في كتابه الموسوم "بالسياسة المدنية "أنه ابتدأ بتأليفه في بغداد وأكمله بمصر ثم عاد إلى دمشق وأقام بها وسلطانها يومئذ سيف الدولة بن حمدان ، وكان منفردا بنفسه لا يجالس الناس وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض ويؤلف هناك كتبه وينتابه المشتغلون عليه وكان أكثر تصنيفه في الرقاع ولم يصنف في الكراريس إلا القليل فلذلك جاءت أكثر تصانيفه فصولا وتعاليق ويوجد بعضها ناقصا مبتورا وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن وأجرى عليه سيف الدولة كل يوم من بيت المال أربعة دراهم وهو الذي اقتصر عليها لقناعته ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق وصلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه وقد ناهز ثمانين سنة ودفن بظاهر دمشق خارج باب الصغير رحمه الله تعالى( ) .
تاسعاً: علم الرياضيات والفلك:
1. البوزجاني، محمد بن محمد بن يحيى(ت 328هـ)، سيأتي مفصلاً في المبحث الخامس.
2. سنان بن ثابت بن قرة (ت 332هـ) ،نهج على طريقة أبيه في تمكنه من فروع الرياضيات والفلك إلى جانب شهرته في الطب ، له من المؤلفات " إصلاح كتاب أوقليدس في الأصول الهندسية" وزاد فيه شيئاً كثيراً وهذب جزءاً من كتاب أرشميدس في المثلثات( ) .
3. أبو إسحاق إبراهيم بن سنان بن ثابت بن قرة (335هـ) ،كان ذكياً عاقلاً فهماً عالماً بأنواع الحكمة ، والغالب عليه فن الهندسة، وله مصنفات حسان في هذا الشأن منها :"كتاب في الهندسة" يتكون من ثلاثة عشر مقالة ؛منها أحد عشر في الدوائر المتماسة ومقالة تضم إحدى وأربعين مسألة هندسية من صعاب المسائل في الدوائر والخطوط والمثلثات( ) .
4. أبو سهل ويجن بن رستم الكوهي (ت 390هـ)،كان عالماً في علم الهندسة فضلاً عن شهرته بعلم الفلك وصناعة الآلات الرصيدية له من المؤلفات "الأصول على تحريكات أوقليدس " ولم يتمه وله أيضاً " مراكز الأكر " والبركار التام " ومراكز الدوائر على الخطوط " والزيادة على كتاب أرشميدس" وغيرها( ) .
عاشراً : في علم الوراقة:
1. غندر، الحافظ الإمام أبو بكر محمد بن جعفر بن الحسين البغدادي الوراق (370هـ) سمع الحسن بن علي المعمري وأبا بكر بن الباغندي وأبا عروبة الحراني وأبا الجهم المشغراني وأبا جعفر الطحاوي وطبقتهم بالعراق والشام والجزيرة ومصر حدث عنه الحاكم وابن جميع الصيداوي وأبو عبد الرحمن السلمي وعمر بن أبي سعد الهروي وأبو نعيم الأصبهاني وآخرون قال الحاكم أقام عندنا سنين يفيدنا وخرج إلى أفراد الخراسانيين ممن حدثني في سنة ست وستين ثم دخل إلى أرض الترك وكتب من الحديث، ما لم يتقدمه فيه أحد كثرة ثم استدعى من مرو إلى الحضرة ببخارى ليحدث بها فأدركه أجله في المفازة سنة سبعين وثلاث مائة( ) .
2. المنجنيقي،الإمام المحدث الثقة المعمر أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي(ت 304هـ)، الوراق نزيل مصر وعرف بالمنجنيقي لكونه كان يجلس بقرب منجنيق كان بجامع مصر. مولده بعد سنة عشر ومائتين ،حدث عن محمد بن بكار بن الريان وعبد الأعلى بن حماد النرسي وداود بن رشيد وأبي إبراهيم الترجماني وسويد ابن سعيد وخلق كثير، حدث عنه النسائي وجعفر الخلدي وأبو سعيد بن يونس ومحمد بن علي النقاش وابن عدي والطبراني وآخرون. قال ابن عدي: أخبرني بعض أصحابنا أن النسائي انتقى على أبي يعقوب المنجنيقي مسنده فكان يمنع النسائي أن يجيء إليه وكان يذهب إلى منزل النسائي حتى سمع منه النسائي ما انتقاه حسبة في ذلك وكان شيخا صالحا قال له النسائي يوما يا أبا يعقوب لا تحدث عن سفيان بن وكيع ، فقال اختر لنفسك يا أبا عبد الرحمن ما شئت وأنا فكل من كتبت عنه فإني أحدث عنه قال النسائي هو صدوق وقال ابن عدي ثقة، وقال الدارقطني ثقة وقال ابن يونس صدوق رجل صالح مات سنة أربع وثلاث مئة في جمادى الآخرة( ) .
حادي عشر:الرحالة( ):
1. الجوني، الحافظ أبو عمران موسى بن سهل البصري من ثقات الرحالين ، سكن بغداد (ت307هـ). سمع عبد الواحد بن غياث ومحمد بن رمح المصري وطالوت بن عباد وهشام بن عمار وطبقتهم وسكن بغداد وثقه الدارقطني حدث عنه دعلج ومحمد بن المظفر وعلي بن عمر السكري وأبو بكر بن المقرئ وآخرون، مات في رجب سنة سبع وثلاث مائة وكان من علماء الحديث ومسنديهم رحمة الله( ) .
2. العلامة الرحال الجوال المقرئ المفسرالنقاش أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي ثم البغدادي (ت351) . مولده سنة ست وستين ومائتين قاله بن أبي الفوارس روى عن إسحاق الختلي وأبي مسلم الكجي وإبراهيم بن زهير الحلواني ومحمد بن علي الصائغ المكي، وطبقتهم فأكثر وأغرب وأعجب وتلا على هارون الدمشقي الأخفش وأبي ربيعة وابن الحباب والحسن بن أبي مهران وعدة فذكر أن قراءته على بن أبي مهران في سنة خمس وثمانين ومائتين قرأ عليه خلق منهم بن مهران مؤلف الغاية وعبد العزيز الفارسي شيخ الداني والحمامي والنهرواني وعلي بن جعفر السعيدي وأبو القاسم الزيدي الحراني خاتمة أصحابه روى عنه شيخه بن مجاهد وابن شاهين والدارقطني وأبو أحمد القرطبي وأبو علي بن شاذان وخلق، وهو مصنف "كتاب شفاء الصدور في التفسير" و"كتاب غريب القرآن" و"الموضح في معاني القرآن" و"المناسك وأخبار القصاص" وذم الحسد" والمعجم الأكبر في أسماء القراء "وكتاب علل القراءات" وكتاب السبعة" وكتاب دلائل النبوة" وأشياء من المكية" ،ومع جلالته فهو متروك الحديث وحاله في القراءات أمثل قال البرقاني كل حديثه منكر وقال غيره يكذب في الحديث وتفسيره ملآن بالموضوعات مات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة( ) .
ثاني عشر: في الصنائع الأخرى :
1. البزاز،الحافظ الإمام ابن عبيد أبو الحسين علي بن محمد بن عبيد البغدادي (ت330هـ). سمع عباس الدوري ومحمد بن الحسين الحنيني وأحمد بن أبي غرزة الغفاري ويحيى بن أبي طالب وطبقتهم روى عنه الدارقطني وابن جميع الغساني وأبو الحسين بن المتيم وآخرون قال الخطيب كان ثقة حافظاً عارفاً، مات في شوال سنة ثلاثين وثلاث مائة وله ثمان وسبعون سنة( )
2. العطار، الإمام المفيد الثقة مسند بغداد محمد بن مخلد بن حفص أبو عبد الله الدوري الخضيب (331هـ) ، سمع أبا حذافة السهمي والحسن بن عرفة ويعقوب الدورقي ومسلم بن الحجاج ومحمد بن عثمان بن كرامة وأحمد بن عثمان الاودي وسلم بن جنادة والحسن بن أبي الربيع وعبدوس بن بشر ومحمد بن أشكاب وأحمد بن محمد بن يحيى القطان ومحمد بن الوليد البسري والزعفراني وطبقتهم كتب وصنف وخرج، روى عنه ابن الجعابي والدارقطني وبن الجندي وبن الصلت الأهوازي وأبو عمر بن مهدي وآخرون، وكان معروفاً بالثقة والصلاح والاجتهاد في الطلب عاش ثماني وتسعين سنة سئل عنه الدارقطني فقال: ثقة مأمون ، مات في جمادي الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة( ) .
3. الصفار، احمد بن عبيد بن إسماعيل الحافظ الثقة أبو الحسن البصري (ت352هـ) . ،مصنف السنن الذي يكثر أبو بكر البيهقي من التخريج منه في سننه حدث ببغداد وبالأهواز عن الكديمي ومحمد بن الفرج الأزرق ومحمد بن غالب وأبي إسماعيل الترمذي وطبقتهم روى عنه الدارقطني والقاضي أبو عمر الهاشمي وعلي بن القاسم النجاد وأبو الحسين بن جميع وعلي بن احمد بن عبدان الشرازي وآخرون ، قال الدارقطني: كان ثقة ثبتاً صنف المسند( ) .


المبحث الخامس: نماذج لبعض ابد عات العلماء وإسهاماتهم في البناء الحضاري:

عرضت فيما سبق قسماً من العلماء ممن كان له إسهامات في البناء الحضاري وكنت قد قسمتهم وفق تخصصاتهم أورد فيما يلي بعضاً من النماذج وأتوسع في ذكر نتاجهم العلمي :
أولاً : الطبري ، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير ( ت 310هـ)( ) ، مؤرخ ومفسر وفقيه ،صاحب أكبر كتابين في التفسير والتاريخ، ويعتبر أكبر علماء المسلمين تأليفاً وتصنيفاً .
حياته العلمية: بدأ الطبري طلب العلم بعد سنة (240هـ) وأكثر الترحال ولقي نبلاء الرجال، قال الخطيب البغدادي : سمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وإسحاق بن أبي إسرائيل وأحمد بن منيع البغوي ومحمد بن حميد الرازي وأبا همام الوليد بن شجاع وأبا كريب محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم الدورقي وأبا سعيد الأشج وعمرو بن علي ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى وخلقاً كثيراً نحوهم من أهل العراق والشام ومصر، حدَّث عنه أحمد بن كامل القاضي ومحمد بن عبد الله الشافعي ومخلد بن جعفر وآخرين( ) ثم ارتحل إلى بيروت ومنها إلى دمشق والمدينة المنورة ثم الري وخراسان ، ثم استوطن الطبري بغداد وأقام بها إلى حين وفاته وكان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره وكان حافظاً لكتاب الله عارفاً بالقراءات بصيراً بالمعاني فقيهاً في أحكام القرآن عالماً بالسنن وطُرُقِها صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام عارفاً بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور منها: "تاريخ الأمم والملوك" وكتاب في التفسير"جامع البيان في تفسير القرآن"" لم يصنف أحد مثله وكتاب سماه "تهذيب الآثار" و"الآداب الحميدة والأخلاق النفيسة" و"اختلاف الفقهاء" و"كتاب البسيط في الفقه الجامع في القراءات"و" كتاب التبصير في الأصول" و"كتاب الحفيف في الفقه اللطيف" و"كتاب الشذور"و" كتاب الشروط" و"كتاب الصلاة" وغيرها( )،
إسهامات الطبري في البناء الحضاري: يجدر بنا في هذا السياق ، ونحن بصدد الحديث عن إسهامات الإمام الطبري العلمية الذي ألف في علوم شتى في التفسير والفقه وأصوله والتاريخ وغيرها، والتي أَثرت المكتبةَ العربيةَ والإسلاميةَ في كافة مجالاتها، وإنها لتشهد له بالعلمِ والفضلِ والعرفانِ ، وقد أسهمت مؤلفاته وخاصة كتابي التفسير والتاريخ في البناء الحضاري وقد لقيا استحساناً لدى العالم الإسلامي في المشرق والمغرب ومنها الأندلس على التحديد حيث انتشرا انتشاراً واسعاً بالغ الأهمية ، ويعود الفضل في ذلك بعد الله سبحانه وتعالى إلى الإمام أحمد بن الفضل بن العباس الدنيوري البغدادي (ت 340هـ) الذي تتلمذ على يد الإمام الطبري حيث رحل إلى الأندلس وحدَّث بكتب الإمام الطبري ومنها كتابي التفسير والتاريخ وسمعه عنه عدد من أهل قرطبة منهم أحمد بن محمد بن سعيد الأموي المعروف بابن الجسور( ت401هـ) و يوسف بن محمد بن سليمان الهمداني الأندلسي (ت 383هـ) كما استفاد منه الإمام ابن حزم القرطبي(456هـ) في كتابه "جمهرة أنساب العرب" وكذلك أبو عمر ابن عبد البر القرطبي في كتابه "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، واختصر كتاب "تاريخ الطبري"من قبل عُريب بن سعد القرطبي (ت 370هـ) وذيَّل عليه بدءً من سنة 291هـ حتى سنة 320هـ وأضاف إليه أخبار أفريقية والأندلس( ).
لقد تميَّز الإمام الطبري الذي بلغ في علمه بالروايات التاريخية منزلة لا تبارى كونه أمتلك مكانة مرموقة في أرجاء العالم الإسلامي في عصره لأنه كان فقيهاً ومفسراً ومحدثاً ومؤرخاً في آن واحد حيث منح التميَّز لكتابه " تاريخ الطبري" والذي حوى على الأساسيات الآتية:
أـ صياغته التركيبية في إطار المنهج الحولي لكل التطورات والأنماط التاريخية مع وفرة المادة التاريخية وغزارتها مع الشمول والإحاطة( ) .
ب ـ يُعَبِرُ الكتاب عن فكرتين أساسيتين في التاريخ هي: وحدة الرسالات من جهة ، وأهمية خبرات الأمة الإسلامية ، واتصالها على الزمن من جهة أخرى إذ يناول التاريخ العام منذ الخليقة وحتى نهاية عام 302هـ( ) .
ج ـ يعدُّ الكتاب مصدراً أصيلاً وأساسياً اعتمد عليه المؤرخون اللاحقون في معرفة تاريخ القرون الثلاثة الأولى من عمر الحضارة الإسلامية كالمسعودي(345هـ) ، وابن مسكويه (421هـ) ، وابن الأثير (630هـ) والذهبي(748هـ) وابن كثير(774هـ) وابن خلدون (808هـ) وغيرهم( ) .
مات الإمام محمد بن جرير الطبري يوم السبت بالعشي ودفن يوم الأحد بالغداة في داره لأربع بقين من شوال سنة عشر وثلاثمائة .. وقيل: توفي أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في وقت المغرب من عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة ودفن وقد أضحى النهار من يوم الاثنين غد ذلك اليوم في داره ...واجتمع عليه من لا يحصيهم عددا إلاّ الله وصلى على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب( ) .
ثانياً:الإمام البُوزْجَاني( ) ، محمد بن محمد( ) بن يحيى بن إسماعيل بن العباس.
اتفق العلماء أن كنيته أبو الوفاء، وأما لقبه:فمنهم من سماه بالحاسب حامل لواء الهندسة( ) ، ومنهم من أطلق عليه الأستاذ المهندس ، الحاسب ، أما بالنسبة إلى ولادته فقال ابن النديم: كان مولده ببوزجان من بلاد نيسابور يوم الأربعاء مستهل شهر رمضان سنة(328هـ )( ) .
لقد أغفلت المصادر التي ترجمت له ذكر شيوخه، مع مكانته العلمية ، وندرة اختصاصه واشتهاره بين العلماء سوى ما ذكره ابن النديم بقوله: قرأ على عمه المعروف بأبي عمرو المغازلي وخاله المعروف بأبي عبد الله محمد بن عنبسة ما كان من العدديات والحسابيات( ) ، ولم تذكر المصادر التي ترجمت له شيئاً عن تلامذته إنما جاء عن بعضهم ذكر لبعض المتأخرين ممن اهتم بعلم هذا العالم الجليل واقتنى عدداً من كتبه( ) .
وذكرت المصادر أنه ارتحل إلى بغداد بقولهم: وكان قد قدم العراق سنة(348هـ) حيث لمع اسمه واشتهر، وعرف في التأليف والتدريس والرصد فقرأ عليه الناس واستفادوا منه( ).
آثاره العلمية ودوره في العلوم .
لقد كان أبو الوفاء أحد الرجال المعدودين في علم الهندسة، وله فيها آثار تعد في مسائل السبق العلمي، ولقد لفتت أنظار القدماء والمحدثين، وهو متعدد المواهب، فقد كتب في الهندسة والجبر والمثلثات وفي الحساب وله في كل هذه العلوم زيادات وابتكارات ، وله آثار كثيرة تعد من مسائل السبق العلمي والتي لفتت أنظار القدماء والمحدثين
وذكر ابن النديم عدداً من مؤلفاته منها :
1. "كتاب ما يحتاج إليه العمال والكتاب من صناعة الحساب"( ) وهو سبعة منازل وكل منزلة سبعة أبواب : "المنزلة الأولى في النسبة ""والمنزلة الثانية في الضرب والقسمة" و"المنزلة الثالثة في أعمال المساحات" "والمنزلة الرابعة في أعمال الخراج".و"المنزلة الخامسة في أعمال المقاسمات" "والمنزلة السادسة في الصروف" و"المنزلة السابعة في معاملات التجار" ( ).
2. "كتاب تفسير كتاب الخوارزمي في الجبر والمقابلة "و"كتاب تفسير كتاب ديوفنطس في الجبر" و" تفسير كتاب ابن يحيى في الجبر( ) .
3. "كتاب تفسير كتاب ابرخس في الجبر".
4. "كتاب المدخل إلى الارثماطيقى مقالة"
5. "كتاب فيما ينبغي أن يحفظ قبل كتاب ارثماطيقى" .
6. "كتاب البراهين على القضايا التي استعمل ديوفنطس في كتابه وعلى ما استعمله هو في التفسير".
7. كتاب استخراج ضلع المكعب بمال مال وما يتركب منهما" .
8. "كتاب معرفة الدائرة من الفلك" .
9. "كتاب الكامل" وهو ثلاث مقالات المقالة الأولى في الأمور التي ينبغي أن تعلم قبل حركات الكواكب المقالة الثانية في حركات الكواكب المقالة الثالثة في الأمور التي تعرض لحركات الكواكب.
10. "كتاب زيج الواضح" ثلاث مقالات الأولى في الأشياء التي ينبغي أن تعلم قبل حركات الكواكب، الثانية في حركات الكواكب، الثالثة في الأشياء التي تعرض لحركات الكواكب .
11. "كتاب المجسطي" .
12. "كتاب العمل بالجداول الستيني" ( ) .
13. "كتاب الهندسة" جعله على ثلاثة عشر بابا في عمل المسطرة والكونيا والبركار والاشكال( )
14. "شرح كتاب اقليدس ولم يتمه"( ) .
15. "مطالع العلوم للمتعلمين" ( ) .
إبداعاته وإسهاماته في البناء الحضاري
لعل أول من بدأ في هذا الميدان موسى بن شاكر وأبناؤه الثلاثة، فقد أبدعوا في علم الفلك والرياضيات ، قال ابن النديم : طبقة المحدثين من المهندسين وأصحاب الحيل والأعداد وغير ذلك بنو موسى محمد وأحمد والحسن بنو موسى بن شاكر...كان الغالب عليهم من العوم الهندسية، والحيل..( )، وتوفي محمد بن موسى سنة (259هـ) أبو كامل شجاع الحاسب وسنان بن الفتح و أحمد بن محمد الحاسب ويعقوب بن محمد الرازي ويعقوب بن إسحاق الكندي، والمجريطي والبيروني والكرجي والبوزجاني وغيرهم ولنا وقفة عند إمامنا المبدع في هذا المجال الذي نال هذا الشرف العظيم بعلمه وبمؤلفاته العديدة لنتناول شيئاً من إبداعاته ولو بشيء من الإيجاز فنقول:.
لقد كان الإمام البوزجاني متعدد المواهب، وله في الهندسة استنباطات غريبة لم يسبق إليها أحد ، وظهرت عبقريته بكتابه المتون مثلاً " كتاب في عمل المسطرة والبركار والكونيا" ، وهو مكون من ثلاثة عشر باباً
1. في عمل المسطرة والبركارات . 7. في عمل الأشكال بعضها في بعض .
2. في الأصول والكونيا( ) . 8. في قسمة المثلثات .
3. في عمل الأشكال المتساوية . 9. في قسمة المربعات .
4. في عمل الأشكال في الدوائر . 10. في عمل مربعات من مربعات وعكسها
5. في عمل الدائرة على الأشكال . 11. في الدوائر المتماسة .
6. في عمل الدائرة في الأشكال . 12. في قسمة الأشكال على الكرة .
ولاحظ الأستاذ طوقان( ) بعد أن اطلع على كتاب البوزجاني أنه قد رسم مثلث متساوي الأضلاع داخل مربع ، ورسم مربعاً داخل مخمس منتظم ، ورسم مثلثاً متساوي الأضلاع داخل مخمس منتظم ، بطرق هندسية لا تختلف عن الطرق التي نجدها في كتب الرياضيات الحديثة( ) ،ومن الملاحظ أن المستشرق (وبكة woepcke) أقرَّ الطرق الهندسية التي استعملها البوزجاني لها أهمية كبرى في الرياضيات( ) . كما وأضاف البوزجاني زيادات على بحوث الخوارزمي ، والتي تعد تطويراً لعلاقة الجبر بالهندسة، إذ يعد هو أول من خالف الخوارزمي حيث كان يكتب الأعداد كاملة بالحروف بدل الأرقام الهندية ( ) .
وكتب في الجبر وزاد على بحوث أبي كامل شجاع بن أسلم الحاسب ( ) زيادات في علاقة الجبر بالهندسة ، وقد حل هندسياً المعادلتين :
1. س4 = حـ
2. س4+حـ س2= ب
وإليه يرجع الفضل في اكتشاف المماس أو استنباطه ، كما وأوجد طريقة جديدة لحساب جداول الجيب ، والتي كانت جداوله متقنة ،كما ووضع بعض المعادلات التي تتعلق بجيب زاويتين فلقد أوضح أنَّ :
1. 2جا2 س/2 =1-جتا س
2. حاس=2حاس/2 جتا س/2
3. حا(س + ص)= حا2س - حا2س حا2ص
ومعظم فضل أبي الوفاء يرجع إلى أنه ساهم في تقديم حساب المثلثات الكرية ، إذ استعاض عن المثلث القائم الزاوية من الرباعي التام ، (نظرية منلاوس( )) مستعيناً بما يسمى ( قاعدة المقادير الأربعة ) وهي :
حااَ : حا حـَ = حا : 1
وبنظرية الظل :
ظا اَ : طا ا =حابَ :1
واستخرج من هاتين القاعدتين العلاقة الآتية:
جتاحـَ = جتا اَ×جتا بَ
ومن جهوده أيضاً أبحاثه في الفلك متصفة بالدقة الفائقة ، وهو المكتشف للاختلاف القمري الثالث الذي سماه (المحاذاه) ، وقد نسب عمله هذا زوراً إلى (طيكو براهة الدنماركي) ، بحيث نجد إن المستشرقين (سيديو، وشارل وهوفر) هم الذين عدّوا البوزجاني الممهد الأول لأعمال (طيكو براهة ) في الفلك( ) .
ومن الأمور التي عالجها البوزجاني أيضاً ؛ استطاع أن يجد حلولاً أخرى تتعلق بالقطع المكافيء ، وهذه الحلول وغيرها مهدت الطريق لكثير من العلماء سواء من المسلمين أم من غيرهم والتي قادتهم إلى خطوات واسعة إلى علم " التفاضل والتكامل" وهو علم واسع ساعد في التقدم التكنولوجي في عصرنا الحاضر كثيراً ونقل وشرح وعلل بالبراهين الهندسية لكتاب صناعة الجبر والذي يعرف "بالحدود" لمؤلفه ابرخس الزفني ( ). وله في استخراج الأوتار تصنيف جيد نافع( ).
وفاته :مختلف في سنة وفاته على قولين : أنه توفي سنة(377هـ) وقولهم توفي سنة (388هـ) وهو الصواب( ).

الخاتمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه وسلم هاهي صفحات بحثي تنتهي بهذه الخاتمة ولم يبقَ لي إلا أن أجمع شتاتها وأُأَلِف بين موضوعاتها في خاتمة موجزة أبين النتائج التي وصلت إليها:
1. تم تسليط الضوء على بعض علماء العراق للقرن الرابع الهجري لبيان دورهم و إسهاماتهم في البناء الحضاري .
2. إن الحضارة تعني: مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني، ومظهر من مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي في الحضر.
3. لم تكن مشاركة وإسهامات علماء العراق في البناء الحضاري مقتصرة على العراق فقط بل تعدت إلى مشارق الأرض ومغاربها .
4. بينت دور بعض من علماء العراق كالإمام الطبري الذي بلغ في علمه بالروايات التاريخية منزلة لا تبارى كونه أمتلك مكانة مرموقة في أرجاء العالم الإسلامي في عصره لأنه كان فقيهاً ومفسراً ومحدثاً ومؤرخاً في آن واحد ، وكذلك الإمام أبي الوفاء البوزجاني من المبدعين في العلوم الفلكية، الرياضية، والهندسية ، فقد كان من الرجال المعدودين في علم الهندسة وله آثار كثيرة تعد من مسائل السبق العلمي والتي لفتت أنظار القدماء والمحدثين .
لقد كانت الدراسة في هذا البحث مختصرة للغاية ونظراً لأهميتها أنصح طلبة العلم من طلاب الدراسات العليا التركيز على هذا الموضوع ودراسته دراسة مستفيضة لبيان دور وإسهامات علماء العراق في البناء الحضاري ضمن الحضارة الإسلامية ،وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين وسلم تسليماً كثيراً .

ثبت المصادر والمراجع

القرآن الكريم
1. إبراهيم مصطفى وأحمد حسن الزيات ،المعجم الوسيط،المكتبة الإسلامية (اسطنبول،د.ت) .
2. ابن أبي شيبة ، أبو بكر عبد الله بن محمد الكوفي، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار،ط1، تحقيق: كمال يوسف الحوت ، مكتبة الرشد ( الرياض ، 1409هـ).
3. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني( 630هـ)،الكامل في التاريخ،تحقيق عمر عبد السلام تدمري،دار الكتاب العربي(بيروت،2006م).
4. ابن خلدون،عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي(ت 808هـ)، مقدمة ابن خلدون، ط5،دار القلم(بيروت،1984م).
5. ابن خلكان، أبي العباس شمس الدين أحمد ابن محمد بن أبي بكر (ت 681هـ)، وفيات الأعيان وأنباء الزمان ،تحقيق د.إحسان عباس ،دار الثقافة ( بيروت ، د.ت)
6. ابن العماد،عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي(ت1089هـ) شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية(بيروت ، د.ت ) .
7. ابن ماجه ، أبو عبد الله محمد بن يزيد(ت273هـ )، سنن ابن ماجه ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر (بيروت ، د.ت ).
8. ابن منظور محمد بن مكرم الأفريقي المصري(ت 711هـ)،لسان العرب، ط1، دار صادر (بيروت، د.ت).
9. ابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب (ت 218هـ)، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري،دار الخير ( بيروت، 2004م).
10. أحمد نصيف الجنابي، الرياضيات عند العرب،دار الجاحظ (بغداد،1980م) .
11. البخاري؛ محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي (ت256هـ)، الجامع الصحيح المختصر، تحقيق: د.مصطفى ديب البغا،ط3، دار ابن كثير (اليمامة ،بيروت،1987م)
12. البغدادي إسماعيل باشا(1339هـ)، هدية العارفين،دار التراث العربي (بيروت، د.ت) .
13. البوطي، محمد سعيد رمضان ، فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، ط27 ، دار الفكر (بيروت،2007م) .
14. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى(ت 458هـ)، سنن البيهقي الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا ،مكتبة دار الباز (مكة المكرمة،1994م).
15. حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي(ت 1067هـ) . كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ، دار الكتب العلمية (بيروت،1992م) .
16. حكمت نجيب عبد الرحمن، تاريخ العلوم عند العرب، طبع على نفقة جامعة الموصل (الموصل، 1977م) .
17. الحموي، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي(626هـ)، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (معجم الأدباء)، ط1، دار الكتب العلمية (بيروت،1991م).
18. الحموي، ياقوت بن عبد الله (ت 626هـ)، معجم البلدان،دار الفكر، (بيروت، د.ت) .
19. الخطيب البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت (ت 364هـ)، تاريخ بغداد،ط1، دار الكتب العلمية ( بيروت،1997م).
20. الدكتور، جاسم محمد راشد ، مميزات القيم الحضارية في السنة النبوية الأصالة والتفرد، بحث منشور ، مجلة الجامعة الإسلامية ، العدد 22 لعام 2009م.
21. الدكتور، سعد دسوقي، ملاحظات حول حركة الحضارات من الميلاد إلى الانحطاط الهرم ، على موقع http:www.islamonline.net . .
22. الدكتور،طارق فتحي، مقدمة في الحركة العلمية العربية في المشرق الإسلامي، دار الشؤون الثقافية العامة( بغاد،1989م) .
23. الدكتور، محمود إسماعيل، تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ،ط2، مكتبة الفلاح(الكويت،1990م).
24. الدكتور: محمود محمد سفر، دراسة في البناء الحضاري ، محنة المسلم مع حضارة عصره .http://www.islamweb.net .
25. الدكتور، هاشم الملاح، الوسيط في السيرة النبوية ، دار النفائس ( الأردن ،2003م).
26. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز (ت 748هـ)، العبر في خبر من غبر، تحقيق د.صلاح الدين المنجد،ط2، مطبعة حكومة الكويت (الكويت،1948م) .
27. الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط , محمد نعيم العرقسوسي ،ط9،مؤسسة الرسالة (بيروت،1413هـ).
28. الزحيلي ، محمد ، الإمام الطبري، ط2، دار القلم (دمشق،1999م).
29. الزركلي، خير الدين (ت 1410هـ)، الأعلام، ط5، دار العلم الملايين (بيروت،1980م)
30. السبكي، عبد الوهاب بن علي (ت 771هـ)،طبقات الشافعية الكبرى،تحقيق: د.عبد الفتاح محمد الحلو و د.محمود محمد الطناحي، ط2، هجر للطباعة والنشر(الجيزة ،1992م).
31. السعدي، أبو القاسم علي بن جعفر ،الأفعال،ط1، عالم الكتب( بيروت ، 1983م).
32. السمعاني،أبي سعيد عبد الكريم بن محمد ابن منصور التميمي( ت 562هــ)،الأنساب، تحقيق: عبد الله عمر البارودي ، ط1، دار الفكر ( بيروت ،1998م) .
33. السيوطي،جلال الدين عبد الرحمن (ت 911هـ)،طبقات المفسرين،دار الكتب العلمية (بيروت،د.ت) .
34. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، طبقات الحفاظ، ط1،دار الكتب العلمية (بيروت،1403) .
35. الطبراني، الإمام سليمان بن أحمد بن أيوب( ت360 هـ) ، المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط2، مكتبة العلوم والحكم (الموصل ، 1983 م).
36. الطبري، محمد بن جرير(310هـ) ،تاريخ الملوك والرسل،ط3، دار الكتب العلمية (بيروت،2005م) .
37. طوقان قدري حافظ، تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، دار القلم (القاهرة،1963م).
38. عمر محمد عبد الله، نحن قادة الحضارة ، شركة الخنساء ( بغداد، 1996م).
39. الغزالي،محمد، فقه السيرة، مطبعة الشعب (القاهرة،د.ت).
40. غوستاف لوبون، حضارة العرب ، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية (بيروت،1969م).
41. الفيومي، أحمد بن محمد بن علي المقري ، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي ، المكتبة العلمية ( بيروت، د.ت)
42. القابسي ، نجاح، المعاهد والمؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي ، مجلة المؤرخ العربي العدد 19 .
43. لسترانج ، بغداد في عهد الخلافة العباسية ، المطبعة العربية(بغداد،1936م).
44. مؤنس، حسين،المساجد، مطابع الأنباء (الكويت،1981م).
45. ماركس مايرهوف، من الإسكندرية إلى بغداد،بحث مترجم في كتاب "التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية" ، ترجمة عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة(القاهرة،1940م).
46. المباركفوري، صفي الدين ،الرحيق المختوم،ط3، دار القلم العربي(حلب،2006م) .
47. موفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق: الدكتور نزار رضا ،دار مكتبة الحياة ( بيروت، د.ت)
48. الميداني،عبد الرحمن حسن حبنّكة، أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها ،ط1، الشركة المتحدة للتوزيع(سوريا،1969م).
49. ابن النديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق(380هـ)، الفهرست،دار المعرفة (بيروت ، 1978م).
50. النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري (ت676هـ)،صحيح مسلم بشرح النووي، دار إحياء التراث العربي(بيروت،1392هـ) .
51. النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِي (ت676هـ)، تهذيب الأسماء واللغات ، تحقيق عبده علي كوشك، ط1،دار الفيحاء ودار المنهل (دمشق،2006م).
52. النيسابوري، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري(ت260هـ)،صحيح مسلم،تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي،دار إحياء التراث العربي (بيروت،د.ت) .
__________________
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه
dta57ha@yahoo.com

adrtaha@yahoo.com
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
لبعض , المساعد , الحمداني , الحضارية , الدكتور , الرابع , العراق , الهجري or للأستاذ , الإسهامات , القرن , علماء , عفان

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:41 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.