المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستغاثة بالأموات بين عقيدة السلف الصالح و داعية البدع علي الجفري


عباس رحيم
12-07-03, 05:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


الموضوع : مسألة الاستغاثة بالأموات بين عقيدة السلف الصالح و عقيدة الصوفية القبورية و منهم داعية البدع علي الجفري


يروج الصوفية القبورية و داعية البدع و الضلال علي الجفري المسائل الشركية و البدعية و منها الاستغاثة بالأموات من الأنبياء و الصالحين عبر وسائل الأعلام و هذا رد على أباطيلهم و تحايلهم على العباد بذكر المتشابه من النصوص و الأحاديث و الآثار الضعيفة و تأويل الأحاديث الصحيحة على غير فهم السلف الصالح و يتضمن أيضا هذا الرد تقرير لعقيدة السلف الصالح في هذه المسألة و بالله التوفيق


الاستغاثة لغة : طلب الغوث و انصر .


و شرعا : لا تخرج في المعنى عن التعريف اللغوي حيث تكون طلب العون و تفريج الكروب .


و الاستغاثة نوع من أنواع الدعاء و الدعاء عبادة كما جاء في حديث النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( الدعاء هو العبادة )) رواه أحمد و الترمذي و قال حديث حسن صحيح .


و من الأصول الشرعية أن الأصل في العبادات الظاهرة و الباطنة المنع حتى يقوم الدليل الشرعي على الجواز .


فإذا تقرر ذلك فأعلم رحمك الله و أرشدك إلى طاعته أن الاستغاثة بالمخلوق تنقسم عند السلف الصالح إلى قسمين :


1 ) استغاثة مشروعة : و هي الاستغاثة عند الحاجة بالمخلوق الحي فيما يقدر عليه دون ذل و تضرع و خضوع له كما يسأل الله تعالى .


من أدلة مشروعية هذه الاستغاثة :


أ ) قوله تعالى في قصة موسى عليه الصلاة و السلام : (( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدّوه )) و هي من قبل العون و النجدة .


ب ) قوله تعالى (( و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان ))

ـــــــــــــــــــــــــــ

2 ) استغاثة ممنوعة و هي قسمان :


أ ) الاستغاثة بالمخلوق الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله و هذا ممنوع بالاتفاق .


من أدلة هذه المسألة قوله تعالى : (( و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك ))

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ب ) الاستغاثة بالأموات من الأنبياء أو الصالحين .


و من الأدلة على المنع ما يلي :


1 ) قوله تعالى : (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ))


تأمل رعاك الله عندما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يوجه إليه السؤال و يكون الجواب من الله تعالى كان يجعل الرسول صلى الله عليه و سلم وسيطا لنقل الجواب فيقول له عز وجل ( قل ) أي يا محمد أخبرهم و من ذلك :


1- قوله تعالى : (( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ))

2- قوله تعالى : (( يسألونك عن لشهر لحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل لله وكفر به ))

3- قوله تعالى : (( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ))

4- قوله تعالى : (( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم ))

5- قوله تعالى : (( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ))

6- قوله تعالى : (( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم لطيبات ))

7- قوله تعالى : (( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها ثم ربي ))

8- قوله تعالى : (( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ولرسول ))

و غير ذلك كما في شأن اليتامى و الحيض


فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وسيطا ينقل الجواب بتوجه من الله ( قل ) إلا في مسألة الدعاء فإن الله لم يجعل الرسول صلى الله عليه و سلم وسيطا بل تولى الجواب مباشرة دون قوله تعالى ( قل )


فعندما سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم (( يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فانزل الله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداعي إذا دعان ) رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه السنة 1 / 277 و ابن حبان في كتابه الثقات 8 / 436 و ذكره سببا لنزول الآية الطبري في تفسيره 2 / 158 و ابن كثير في تفسيره 1 / 219 و القرطبي في تفسيره 2 / 308 ذكره سبب النزول عن الحسن البصري رحمه الله


و هذه إشارة ربانية إلى أن الله تعالى لا يحب و لا يحتاج العبد إلى وسطاء أو شفعاء عند دعاءه لربه عز وجل بل يدعوه مباشرة و قوله تعالى ( فليستجيبوا لي ) أي فليدعوني . يؤكد هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــ

2 ) قوله تعالى : (( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا )) فإن هذه الآية مصرحة بأنه صلى الله عليه و سلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فكيف يملك لغير .

و يؤكد ذلك قوله صلى الله عليه و سلم : (( يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم )) رواه مسلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

3 ) قوله تعالى (( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف عنكم و لا تحويلا )) قال بعض السلف أن هذه الآية نزلت في أقوام كانوا يدعون العزيز و المسيح و الملائكة فأنزل الله هذه الآية .


فإن قال قائلهم هؤلاء يعبدونهم من دون الله و أما نحن فلا نعبدهم و لكن ليكونوا وسطاء و شفعاء لنا عند الله ؟ !!


فالجواب : إن قولكم هذا كقول المشركين في زمن الرسول صلى الله عليه و سلم

قال تعالى : (( ما نعبدهم إلا ليقربوا إلى الله زلفى )) و رغم هذا لم تقبل منهم هذه الدعوة و لم تنفعهم و قاتلهم رسول الله صلى الله عليه و سلم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4 ) أن الأصل أن الأموات ليسوا كالأحياء قال تعالى (( و ما يستوي الأحياء و لا الأموات ))

و الأصل أن الأموات لا يسمعون الأحياء قال تعالى (( و ما أنت بمسمع من في القبور )) إلا ما استثناه الدليل و هو ما يلي :

1- كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مع قتلى المشركين بعد غزوة بدر و هم في القليب ( قبل دفنهم )

و عن هذا قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله : وإنما كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم كرامة له وأمرا اختص به فلا يقاس عليه غيره . اهـ .
المصدر : كتاب المغني 10 / 63 طبعة دار الفكر لعام 1405هـ

2- سمع الميت قرع نعال أصحابه

3- رد روحه صلى الله عليه و سلم لتبليغه سلام من يسلم عليه

4- سماع الميت من يسلم عليه و هو عند قبره على قول من يصحح الحديث


و ليس هناك دليل يستثني الميت من عدم سماعه أنه يسمع من يسأله و يطلبه من الأحياء و إذا لم يكن هناك دليل فالأصل باقي ما كان على ما كان وهو عدم سماع الأموات للأحياء


و الأصل أنه صلى الله عليه و سلم من البشر و الأصل أنه صلى الله عليه و سلم في مسألة الموت كالناس قال تعالى (( إنك ميت و إنهم ميتون )) إلا ما استثناه الدليل من أن جسده لا تأكله الأرض و أنه صلى الله عليه و سلم ترد عليه روحه في قبره ليبلغ سلام من يسلم عليه و أنه تعرض عليه أعمال أمته على قول من يصحح الحديث .


و ما تقرر في جانب سيد ولد آدم صلى الله عليه و سلم فهو من باب أولى في غيره


فإذا تقرر ذلك عندك أن الأنبياء لا يسمعون سؤال من سألهم فتأمل في قوله تعالى : ((ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ))

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 ) قوله تعالى (( فإذا فرغت فانصب و إلى ربك فارغب )) و لم يقل ارغب إلى الأنبياء و الصالحين .

قال الإمام الطبري رحمه الله : وقوله (( وإلى ربك فارغب )) يقول تعالى ذكره : وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك دون من سواه من خلقه إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد و بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . اهـ .
المصدر : كتاب تفسير الطبري 30 / 237 طبعة دار الفكر لعام 1405 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6 ) إن الذي تعلمه و فهمه الصحابة رضوان الله عيهم أجمعين أن رسول صلى الله عليه و سلم لا يستغاث و لا يتوسل به بعد موته و يؤكد هذا ما رواه البخاري 1 / 342 و غيره عن أنس رضي الله عنه ثم أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم رآه فاسقنا قال فيسقون .


و لو أنك أخي القارئ تجردت و تأملت لعلمت أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا مشروعية التوسل و الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه و سلم بعد مماته كما كان يشرع في حياته بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب و لما استسقى بالناس قال : (( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم رآه فاسقنا فيسقون )) وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة لم ينكره أحد مع شهرته وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية السكوتية .


و لو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه و سلم بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا كيف نتوسل بالعباس و نعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه و سلم الذي هو أفضل الخلائق وأعظمها عند الله فلما لم يقل ذلك أحد منهم فدل على أنهم علموا إنما التوسل به صلى الله عليه و سلم يكون في حياته فقط وبعد مماته يكون التوسل بدعاء غيره من الصالحين الأحياء .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

7 ) لم يأمر رسول الله صلى عليه و سلم أحد من أصحابه رضي الله عنهم إذا نزلت به حاجة أو مصيبة أن يتوجه إليه ويستغيث به بعد موته بل قال لأبن عباس رضي الله عنهما (( إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله )) رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح .


و غير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الاستغاثة بالأموات من الأنبياء و الصالحين ممنوعة شرعا .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرد على أدلة الصوفية القبورية و داعية البدع علي الجفري جواز الاستغاثة بالأموات من الأنبياء و الصالحين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التكملة مع الجزء الثاني إن شاء الله تعالى


و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

أبو عمر الدوسري
26-03-06, 12:56 AM
بارك الله فيك .. افتقدنا مشاراكاتكم .. عسى المانع خير ..

أبو المقدام الهلالي
24-01-12, 10:36 AM
رَحِمَكَ اللَّهُ وَ جَعلَ مَا كَتبْتَ في مِيزَانِ حَسناتِكَ .

أبومعاذ الاثري
25-01-12, 08:56 AM
أقوال العلماء في شرك الاستغاثة والدعاء بغير الله

تعريف الدعاء: قال الحافظ ابن حجر: « الدّعاء هو غاية التّذلّل والافتقار » [فتح الباري 11/95]. وقال مثله الزبيدي [فتح الباري 1/149 وانظر إتحاف السادة المتقين5/4]
قال الفخر الرازي: « المقصود من الدعاء إظهار الذلة والانكسار » وقال: « وقال الجمهور الأعظم من العقلاء: الدعاء أعظم مقامات العبادة » [لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات ص91 تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ط: دار الكتاب العربي].
وذكر الحليمي: « أن الدعاء من التخشع والتذلل لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله » [المنهاج في شعب الإيمان 1/517 ط: دار الفكر 1979].
والدعاء عبادة كما قال رسولنا  " الدعاء هو العبادة " أحمد 4/ 267 أبو داود (1479) الترمذي (3244) صحيح. ،. ثم إن الاستشهاد بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من الاستشهاد بعلماء اللغة. وإذا عُرف التفسير من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة.
وما سماه النبي عبادة لا يجيز للناس صرفه لغير الله.
قال الزبيدي " قال القاضي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى، معرض عما سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه: استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قُبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط وما كان كذلك كان أتم العبادة وأكملها ويمكن حمل العبادة على " المعنى اللغوي أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل والافتقار". وعن معنى رواية "الدعاء مخ العبادة" قال الزبيدي " أي خالصها، وإنما كان مخا لها لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها لما فله فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة وهو سمة العبودية استشعار ذلة البشرية " إتحاف السادة المتقين 39/5.
وإذا كانت العبادة هي الذلة والتذلل: فهؤلاء يتوجهون إلى غير الله بأفضل العبادة وهو الدعاء كما قال ابن عباس {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال " أفضل العبادة الدعاء " . رواه الحاكم في المستدرك 1/491 وصححه ووافقه الذهبي وهو حسن بشواهده (أنظر سلسلة الصحيحة للألباني 4/106 رقم 1579.
وهذا التفسير لغويٌّ وشرعي: علَّمنا إياه سيد البشر وأفصحهم صلى الله عليه وسلم والذي لا يجيز صرف عبادة لغير الله . والتوجه بالدعاء لغير الله تأليهٌ لغير الله . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " فدل على أن الدعاء متضمن أعظم أنواع العبادة ، لأنه يجمع من أنواع العبادة ما لا يجتمع في غيره من أنواع العبادات كتوجه الوجه والقلب واللسان وحصول التذلل والخضوع والرغبة فيما عند المدعو والرهبة منه وهذه حقيقة العبادة بل مخها .
قال الفيومي في المصباح المنير " دعوت الله : أي رغبت فيما عنده من الخير، وأما الاستغاثة فهي طلب الغوث والنصرة ، والاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام . عاذ به أي التجأ واعتصم " ( ) .
ووصف الخطابي الدعاء بأنه ( ) " استمداد المعونة [ من الله ] وحقيقته إظهار الافتقار إليه وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية ". ثم احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم " الدعاء هو العبادة " .
{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }
قال القرطبي " فدل على أن الدعـاء هو العبـادة وكذا عليه أكثر المفسرين " تفسير القرطبي مجلد 8 ج 15 ص 214.
وفسر الفخر الرازي قوله تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } فقال : كأنه سبحانه وتعالى يقول : عبدي أنت إنما تحتاج إلى الوساطة في غير وقت الدعاء . أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك فأنت العبد المحتاج ، وأنا الإله الغني " ( )لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات ص 88 تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ط: دار الكتاب العربي..
فهذا هو الرازي يصرح بأن الله لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار، محتجا بهذه الآية .
قال ابن قتيبة في قوله تعالى:  وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين [البقرة23].
« أي ادعوهم ليعاونوكم على سورة مثله، ومعنى الدعاء ههنا الاستغاثة، ومنه دعاء الجاهلية وهو قولهم: يا آل فلان، إنما هو استغاثتهم» (غريب القرآن43).
 وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر60]. قال السدي: أي دعائي (تفسير الطبري 16/51 الجزء 24 ص51). قال الحافظ « وضع عبادتي موضع دعائي» (فتح الباري 11/95) وهذا دليل على أن الدعاء مستلزم للعبادة.
 أليس الله بكاف عبده [الزمر36]. قال الزبيدي « وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى  أليس الله بكاف عبده (أضاف) : ليعلم العارف أن المستحق لأن يُلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويعول عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها .... ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره (إتحاف السادة المتقين 9/498 و5/119).
وقال البيهقي " ومن أسمائه الغياث ومعناه : المدرك عباده في الشدائد . قال  في حديث الاستسقاء " اللهم أغثنا اللهم أغثنا " ( ).انظر الأسماء والصفات للبيهقي

إذاً الدعاء عبادة وبالتالي فلا يجوز صرفه لغير الله ، قال تعالى ((ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك من الظالمين )) ومن ذلك الاستعانة والاستغاثة فالقول فيها واحد فإنها إذا صرفت لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا الصرف شرك أكبر وأما إذا كانت في أمور يقدر عليها المستعاذ والمستغاث و المستعان فهذا لا بأس به و لا يكون من العبادة في شيء وذلك لكون الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة طلب ، والطلب دعاء.
قال الإمام الذهبي الشافعي رحمه الله أثناء ترجمته لنفيسة بنت الحسن رحمهم الله ((...وللجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف ولا يجوز مما فيه من الشرك ويسجدون لها ويلتمسون منها المغفرة وكان ذلك من دسائس العبيدية)) سير أعلام النبلا (10/106)
الشاهد أنه عدَّ من الشرك التماس أو طلب المغفرة من السيدة نفيسة والمغفرة من خصائص الله وحدة لا شريك له.
وقال الشهرستاني الشافعي ((.....القوم لما عكفوا على التوجه إليها ـ الأصنام ـ كان عكوفهم ذلك عباده وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها )) الملل والنحل (2/259)
عدّ رحمه الله طلب الحوائج من الأصنام إثبات لإلهيتها فدل على أن الإله الحق هو الذي يخص بطلب الحوائج .
قلت: ويدل على ذلك قوله تعالى ((أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله .....)) النمل (62 )
وقد نبه ابن الأثير إلى أن الدعاء مشتمل على أمرين عظيمين:
احدهما: انه امتثال أمر الله تعالى حيث قال(( ادعوني أستجيب لكم ))
والثاني: ما فيه من قطع الأمل عما سوى الله وتخصيصه وحده بسؤال الحاجات راجع النهاية في غريب الحديث(4/305)
قال ابن كثير - رحمه الله- عند تفسير قوله تعالى ))وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه))
((أي عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لاشريك له إلى أن قال : وفي حال العافية يشرك بالله ويجعل له أندادا "قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار" أي قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه تمتع بكفرك قليلا وهو تهديد شديد ووعيد أكيد)) الزمرآية(8)
والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك.لأنه يلزم منه أن الميت يسمع كل نجوى ودعاء ولا يخفى عليه شيء من ذلك: و يلزم منه أنه سميع بصير بالغيب. لا يخفى عليه شيء مما يدعو به الناس. لا تلتبس عليه المسائل يسمع المستغيثين أينما كانوا قريبين أو بعيدين بالآلف كانوا أم بالملايين كأن هؤلاء الأموات يسمعون ما يقال لهم ويطلب منهم من الحاجات المختلفة بلغات متباينة فهم عند المستغيثين بهم يعلمون مختلف لغات الدنيا ويميزون كل لغة عن الأخرى ولو كان الكلام بها في آن واحد وهذا هو الشرك في صفات الله تعالى الذي جهله كثير من الناس فوقعوا بسببه في هذه الضلالة الكبرى.
فلقد خفيت أمور على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أن كان حيا: قال تعالى عن بعض المنافقين (لا تعلمهم نحن نعلمهم).
وخفي عليه قتل القراء السبعين من الصحابة...الخ
وهذا نبي الله عيسى عليه السلام صرح أنه كان شهيدا على أمته ما كان فيهم. فقال (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم).
فكيف يعتقد هؤلاء أنه يسمع استغاثتهم أينما ووقتما كانوا؟ هذا هو التأليه مع الله.
ثم أنه لا يوجد على وجه الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنوناً . فهل هناك عاقل يقول : أغثني يا من لا تملك نفعاً ولا ضراً ؟! إلا أن يكون معتقداً فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنوناً فحينئذ لا يؤاخذه الله على شرك أكبر ولا أصغر.
الحق أنه لم يلتجئ إليهم إلا لاعتقاده فيهم النفع والضر . فإن ما في القلب من الاعتقاد الفاسد قد عبّر عنه اللسان فصار يلهج بنداء غير الله : أغث يا رفاعي ، المدد يا جيلاني ، شيء لله يا سيدي دسوقي ، ثم عبّر عنه العمل فصار يقبّل جدران القبور ويمسحها بيده ويذبح النـذور عنـدها على نيـة الشفاء.

قال الإمام أبو عبد الله القرطبي ـ رحمه الله ـ :
في قوله تعالى :
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14) } [ فاطر]
"قوله تعالى [ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ] أي : إن تستغيثوا بهم في النوائب ، لا يسمعوا دعاءكم ؛ لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع . [ ولو سمعوا ما استجابوا لكم ] إذ ليس كل سامع ناطقا .
وقال قتادة : المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم ، وقيل : أي لو جعلنا لهم عقولا وحياة فسمعوا دعاءكم ، لكانوا أطوع لله منكم ، ولما استجابوا لكم على الكفر. [ ويوم القيامة يكفرون بشرككم ] ، أي : يجحدون أنكم عبدتموهم ويتبرؤون منكم ، ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين ، أي : يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا وأنهم أمروكم بعبادتهم كما أخبر عن عيسى بقوله : [ ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ] ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضا ؛ أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلا للعبادة « ( ) .
وقال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ :
» [ والذين تدعون من دونه ] ،أي : من الأصنام والأنداد ، التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين [ ما يملكون من قطمير ] قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ومجاهد وعكرمة وعطية العوفي والحسن وقتادة وغيرهم : القطميرهو اللفافة التي تكون على نواة التمرة ، أي لا يملكون من السموات والأرض شيئا ولا بمقدار هذا القطمير. ثم قال تعالى : [ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ] يعني الآلهة التي تدعونها من دون الله لا تسمع دعاءكم ؛ لأنها جماد لا أرواح فيها [ ولو سمعوا مااستجابوا لكم ] ، أي : لا يقدرون على شيء مما تطلبون منها [ ويوم القيامة يكفرون بشرككم ] ،أي : يتبرؤون منكم ، كما قال تعالى : [ ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ] وقال تعالى: [ واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ] " .

وماذا قال الآلوسي في تفسير قوله تعالى :
{ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21) } [ النحل ].
قال الآلوسي ـ أجزل الله مثوبته ـ :
" [ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ] ما أعظمها آية في النعي على من يستغيث بغير الله تعالى من الجمادات والأموات ، ويطلب منه ما لا يستطيع جلبه لنفسه ، أو دفعه عنها "



قال الآلوسي " ولا أرى أحداً ممن يقول ذلك ( يشير إلى قولهم يا سيدي فلان أغثني ) إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر على جلب الخير ودفع الأذى ، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه " . واعتبر الآلوسي هؤلاء من جملة من قال الله فيهم ، { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ }.روح المعاني 6/128 و 13/67 و 17/213 و 24/11 .
تصور رجلاً جائعاً فقيراً يخير بين أن يذهب إلى فقير مثله أو إلى غني : فإلى من يذهب ؟ بالطبع سيذهب الى الغني ويترك الفقير . لا تنس أن ذهابه إلى الغني قد سبقه علمه بأن هذا الغني يملك نفعاً وإلا : فذهابه إلى فقير مثله مع علمه بفقره يعتبر جنوناً . وكذلك المستغيث بغير الله : يعلم في قرارة نفسه أن من يطلب منهم لا يملكون تحقيق شيء له ، وإن أنكر ذلك باللسان .

قال الإمام النووي رحمه الله:((...وقوله (صلى الله عليه وسلم ):(إذا سالت فاسأل الله)إشارة إلى أن العبد لا ينبغي أن يعلق سره بغير الله بل يتوكل عليه في سائر أموره ، ثم إن كانت الحاجة التي يسألها لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه كطلب الهداية والعلم والفهم في القرآن والسنة وشفاء المرض وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب ألآخرة، سأل ربه ذلك، وإن كانت الحاجة التي يسألها جرت العادة أن الله سبحانه وتعالى يجريها على أيدي خلقة ،كالحاجات المتعلقة بأصحاب الحرف والصنائع وولاة الأمور، سأل الله تعالى أن يعطف عليه قلوبهم فيقول:اللهم أحنن علينا قلوب عبادك وإمائك وما أشبة ذلك.ولا يدعوا الله تعالى باستغنائه عن الخلق لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) سمع علياً يقول : (اللهم أغننا عن خلقك ) فقال: (لا تقل هذا فإن الخلق يحتاج بعضهم إلى بعض ولكن قل (اللهم اغننا عن شرار خلقك ) وأما سؤال الخلق والاعتماد عليهم فمذموم .)) شرح الأربعين النووية للنووي الحديث(19) .
وجاء في كتاب (التوحيد إفراد الله بالعبادة ونفيها عما سواه ) للعلامة الشهيد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي رحمه الله ص 75 : (( وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة ، أو لمت بهم ملمة ، أن يقرؤوا ورد (( يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئاً لله )) في عدد مخصوص ، ومدة مخصوصة ، ودل هذا الحديث ( الذي يشرحه ) على كراهة هذا التعبير وشناعته ، فإنه سؤال للشيخ عبد القادر الجيلاني ، وتوسل بالله تعالى إليه ، والعكس أصح ، فيجوز التوسل بالدعاء من المخلوق إلى الخالق . والحاصل أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك ، أو إساءة أدب مع الله فإن الله هو المتعالي ، الغني القادر ، الملك الجبار)) . انتهى
وقد علق على هذا الكلام في حاشية الكتاب المذكور العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله فقال : (( ذهب أكثر فقهاء المذهب ومحققو الصوفية إلى عدم إباحة هذا الورد ، ولهم في ذلك مقالات وفتاوى ، نقتصر على ماكتبه فخر المتأخرين العلامة الشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي ( المتوفى سنة 1704هـ ) صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة ، جواباً على استفتاء ورده عن هذا الورد ، يقول رحمه الله : (( إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم . أولاً – هذا الورد متضمن كلمة "شيئاً لله" وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قاله ، وثانياً – لأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة ، ولم يثبت شرعاً أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة ، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم ، ومن اعتقد أن غير الله سبحانه وتعالى حاضر وناظر ، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن ، فقد أشرك ، والشيخ عبد القادر وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العد والإحصاء ، إلا أنه لم يثبت أنه كان قادراً على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة ، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين ، واعتقاد أنه رحمه الله كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت ، ويسمع نداءهم ، من عقائد الشرك ، والله أعلم )) . انتهى مختصراً ( مجموع فتاوى العلامة عبد الحي اللكنوي 1/264) وليت شعري ( الكلام للندوي ) ما ألجأ الناس إلى ذلك ؟! والله أقرب من كل قريب ، وأرحم من كل رحيم ، وهو القائل : ? وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ? والقائل ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ? .
وقد جاء في وصية الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني نفسه ، لابنه الشيخ عبد الوهاب (( وكل الحوائج كلها إلى الله عز وجل واطلبها منه ، ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، التوحيد ، التوحيد )) [مجالس الفتح الرباني ص 373 [
وقال : (( يا من يشكو إلى الخلق مصائبه إيش ينفعك شكواك إلى الخلق لا ينفعونك ولا يضرونك ، وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق يبعدونك وفي سخطه يوقعونك وعنه يحجبونك أنت يا جاهل تدعي العلم من جملة جهلك بشكواك إلى الخلق ... الخ )) [ الفتح الرباني ص 117 – 118 [
وقال : (( استغث بالله عز وجل واستعن به على هؤلاء الأعداء فإنه يغيثك ... الخ )) [ الفتح الرباني ص 122 [
وقال : (( إذا كان هو الفاعل على الحقيقة فلم لا ترجعون إليه في جميع أموركم وتتركون حوائجكم وتلزمون التوحيد له في جميع أحوالكم ؟ أمره ظاهر لا يخفى على كل عاقل ... الخ )) [ الفتح الرباني ص 263 [
وقال ابن تيمية: "من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكّل عليهم يدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً"انظر: الإنصاف (27/108) مع المقنع والشرح الكبير.
وقال ابن القيم: "ومن أنواعه ـ أي: الشرك ـ طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم" مدارج السالكين (1/375).

وقال المقريزي: "فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عبّاد الأصنام، وعبّاد الملائكة، وعبّاد الجن، وعبّاد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، الذين قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قربٌ وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته. والكتب الإلهية كلها من أوّلها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وتردّه، وتقبِّح أهله، وتنصّ على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أوّلهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله" تجريد التوحيد المفيد (52-53).
قال الحافظ الفقيه ابن رجب في "شرح الأربعين"(2/228): قوله :  إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله  هذا منتزع من قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ]الفاتحة: 5[، فإن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة، كذا روي عن النبي  من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ]غافر: 60[ خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي :  الدعاء مخ العبادة .
فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل، ولا يسأل غيره، وأن يستعان بالله دون غيره، فأما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه ]النساء: 32[، وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً:  سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل ، وفيه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً:  من
لا يسأل الله يغضب عليه ، وفي حديث آخر:  ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع .
وفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي  جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً منهم: أبو بكر الصديق وأبو ذر وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه).
ثم قال ابن رجب: (واعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل
من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضرر ونيل المطلوب، وجلب المنافع ودرء المضار.
ولا يصح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد يقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك) انتهى كلام ابن رجب.

وقال الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني على سنن الدارقطني" (ص520-521): (ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئاً لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعد، هؤلاء عبدة غير الله
ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ رحمه الله لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه ؟! أليس الله بكاف عبده ؟!! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحداً من خلقك كعظمتك، قال في "البزازية" وغيرها من كتب الفتاوى:"من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر" البحر" (5/134). وقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: "ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في "البحر الرائق"، وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في "التوشيح":"منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى: ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون ]سورة الأحقاف: الآية5[، وفي "البحر (ج3/ص94)" : لو تزوج بشهادة الله
ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي  يعلم الغيب ، وهكذا في فتاوى
قاضي خان والعيني والدر المختار والعالمكيرية وغيرها من كتب العلماء الحنفية، وأما في
الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى، - ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية".

قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية:( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك -يعني المزني-عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كَردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم. فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان، أرسله. فأتى الحملَ يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا }
ثم قال: ورُوي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعي، نحوه.
وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل -وهو ولد الشاة-وكان جنّيا حتى يُرهب الإنسي ويخاف منه، ثم رَدَّه عليه لما استجار به، ليضله ويهينه، ويخرجه عن دينه، والله أعلم. تفسير ابن كثير ـ سورة الجن ـ آية ( 6 )
وقد كان شرك الأولين في الرخاء أما في الشدة فإنهم يخلصون الدعاء لله كماقال تعالى ((فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون )العنكبوت آية 65
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية ((..أخبر تعالى أنهم عند الأضطرار يدعونه وحده لاشريك له فهلا يكون هذا منهم دائما))
وقال الطبري - رحمه الله- في تأويل قوله تعالى : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) }
يقول تعالى ذكره: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) يقول: أخلصوا لله عند الشدّة التي نزلت بهم التوحيد، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودية، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ولكن بالله الذي خلقهم( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ ) يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه وسلَّمهم، فصاروا إلى البرّ، إذا هم يجعلون مع الله شريكا في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أربابا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) فالخلق كلهم يقرّون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك). تفسير الطبري - (20 / 60)