المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تقدم المصلحة على النص ؟


النحوي
19-07-03, 09:41 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
قال لي أحد الإخوان اليوم إن المشايخ ينكرون هذه القاعدة
لكنهم يعملون بها ويفتون بها في هذا الزمان هل هذا صحيح ؟

عبد اللطيف سالم
19-07-03, 10:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله

والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

أية قاعدة الله يهديك

وهل اذا وجد النص ظل للاجتهاد نصيب !!!!!؟؟؟

الاجتهاد اذا كان النص ليس ظاهر الدلالة او هناك اختلاف في دلالته

محب الحديث
19-07-03, 11:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أخي النحوي زادك الله حرصا على طلب العلم
هذه بعض الكلمات التي استفدتها من الشيخ عدنان العرعور حفظه الله أثناء إجابته عن نفس سؤالك ، وهذا ما فهمته منه حفظه الله إذ قال :
( ..الأصل اتباع النص ، ففيه كل المصلحة ، مصلحة الدنيا والآخرة ، وكل من عارض نصا بمصلحة أو هوى أو ما شابه ذلك يُعد ضالا .
قال تعالى : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ).
ويكون النظر إلى المصلحة في أحد الأمور التالية :
- عند انعدام النص .
- أو عند تزاحم النصوص .
كالحج والزواج ، فيكون للمصلحة حق الترجيح ، وكمن عنده امرأة سيئة الخلق ولها أطفال ، فإن طلقها طاعة للنبي في تطليق سيئة الخلق وقع في مفسدة ضياع الأولاد !
فيكون للمصلحة حق ترجيح أحد النصين على الآخر عمليا ، وليس لعموم الناس 000)
هذا يا أخي النحوي ملخص قول الشيخ ، وأسأل الله أن ينفعك به .

عبدالرحمن الفقيه
20-07-03, 06:32 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل النحوي
مسالة تقديم المصلحة على النص ذهب إليها نجم الدين الطوفي في كتابه(التعيين في شرح الأربعين) ص 283 ومابعدها من شرح حديث (لاضررولاضرار(ضعيف)) وكذلك ذكرها في شرحه على مختصر الروضة((3/214-217) وقد ألفت رسائل معاصرة حول هذه المسألة منها(المصلحة في التشريع ونجم الدين الطوفي) للدكتور مصطفى زيد، ومنها (نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي) للدكتور حسين حامد ، وغيرها
وقد ذكر الطوفي في شرحه للأربعين ص237 وما بعدها أن الأدلة عند الأصوليين تسعة عشر دليلا ثم ذكرها (الكتاب والسنةوالإجماع 000)
ثم قال (وهذه الأدلة التسعة عشر أقواها النص والإجماع ، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها
فإن والفاها فبها ونعمت ولا نزاع إذ قد اتففت الأدلة الثلاثة على الحكم وهي النص والإجماع و رعاية المصلحة المستفادة من قوله صلى الله عليه وسلم (( لا ضرر ولا ضرار ))( لايصح) .
وإن خالفاها : وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما لا بطريق الافتيات عليهما والتعطيل لهما ، كمال تقدم السنة على القرآن بطريق البيان .
وتقرير ذلك : أن النص والإجماع لإما أن لايقضيا ضررا ولا مفسدة بالكلية أو يقضيا ذلك
فإن لم يقضيا شيئا من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة ، وإن اقتضيا ضررا فإما أن يكون مجموع مدلوليهما أو بعضه ، فإن كان كجكوع مدلوليهما ضررا فلا بد أن يكون من قبيل ما استثني من قوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولا ضرار )) وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات .
وإن كان الضرر بعض مدلوليهما فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل فيه ، وإن لم يقتضهما خاص وجب تخصيصهما بقوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولا ضرار ))
ولعلك تقول : إن رعاية المصلحة المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولا ضرار )) لا تقوى معارضة الاجماع لتقضي عليه بطريق التخصيص والبيان لأن الاجماع دليل قاطع وليس كذلك رعاية المصلحة لأن الحديث الذي دلَّ عليهما واستفيدت منه ليس قاطعا فهي أولى .
فنقول لك : إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع ويلزم من ذلك أنها أقوى أدلة الشرع لأن الأقوى من الأقوى أقوى ، ويظهر ذلك بالكلام في المصلحة والإجماع 000إلى آخر كلامه.
وقد رد على الطوفي عدد من أهل العلم وبينوا بطلان ما ذهب إليه ومنهم
محمد أبو زهرة، ابن حنبل، ص: 311- وذكر أن
إن مهاجمته للنصوص وفكرة نسخها بالمصالح أسلوب شيعي.

وكذلك رد عليه أصحاب الرسائل السابقة

وممن رد عليه فأجاد الأخ الفاضل أحمد الحاج في مقدمته لتحقيق كتاب (التعيين في شرح الأربعين ص 15-24 من المقدمة)
وهذاالقول من الطوفي قول شاذ وخطير جدا ، نسأل الله السلامة والعافية

وأما من يفتي بالمصلحة ويقدمها على النص فهذا ضال والعياذ بالله.

النحوي
21-07-03, 11:21 AM
السلام عليكم
الشيخ عبد الرحمن الفقيه جزاك الله خيرا على هذه الفائدة جعلها الله في موازين اعمالك آمين
لاشك أنه قول شاذ وخطير
الأخ عبد اللطيف جزاك الله خيرا على هذه المشاركة .
والشكر موصول للأخ محب الحديث( وكلنا ذاك الرجل ) فقد نفعني الله بهذه المشاركات منكم فجزاكم الله كل خير

السيف الصقيل
21-07-03, 06:36 PM
هو لا يقدّم المصلحة على النصّ ، فالطوفي جاء كلامه في هذه المسألة في معرض شرحه لحديث لاضرر ولا ضرار ، فهو يرى أن الشريعة جاءت بنفي الضرر والمفاسد شرعا ، وبهذا يقدّم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع ، وتخصيصها به في نفي الضرر وترجيح المصلحة ، وهذا يدل عليه ما نقلته : وإن خالفاها : وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما لا بطريق الافتيات عليهما والتعطيل لهما

فتقديمه للمصلحة من باب البيان والتخصيص ، أي تقديم نص على نص لمعارضته له وليس افتئات على الأدلة أو معاندة لها.
وفي كلام الطوفي ابهام جعل كثيرا من المستغربين يتكئون على كلامه فعطلوا النصوص وأوقفوا العمل بالشريعة.

بو الوليد
21-07-03, 11:40 PM
السيف الصقيل بارك الله فيه ..


كلامك صحيح ؛؛ ولكن هذا الفهم منه للنصوص عجيب جداً ..

وهو كما ذكر شيخنا أبو عمر الفقيه حفظه الله قول خطير ، يهدم أصلاً عظيماً من أصول التشريع ، وإن كان هو لم يقصد هذه النتيجة .

عبدالرحمن الفقيه
21-07-03, 11:56 PM
جزاكم الله خيرا
أما عن الطوفي فهو يقدم المصلحة على النص ، وهذا ظاهر من قوله(إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع ويلزم من ذلك أنها أقوى أدلة الشرع لأن الأقوى من الأقوى أقوى ) ، فجعل أقوى أدلة الشرع هي المصلحة
ومن ذلك قوله في التعيين ص 279( ولايقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته،لأنا نقول : قد قررنا أن رعاية المصالح من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح) انتهى.

وهذا الذي فهمه العلماء من كلام الطوفي ولذلك ردوا عليه
وأما قوله (وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان) فلا يدل على أنه لايقدم المصلحة على النص ، بل هو يقول إن تقديم المصلحة على النص هو ما تدل عليه الأدلة الشرعية ، وهو ما تكلف في إثباته في شرحه على الأربعين وأطال في ذلك فاستغرق كلامه نحوا من خمسين صفحة من (ص 234-280)، فتبين لنا بهذا أن الطوفي يقرر أن الأدلة الشرعية تدل على تقديم المصلحة على النص بطريق البيان والتخصيص،فمثلا لو وجدنا نصا من الشرع على تحريم شيء معين ، ولكن المصلحة تقتضيه فإنا نجيزه لأن الشرع يأمر بالمصلحة في مجمل أدلته ، وكون هذا النص يحرم هذا الشيء يمكن أن نخصص هذا النص بالمصلحة ، وهكذا000
وهذا هو الذي فهمه أهل العلم الذين ردوا على الطوفي.
والله أعلم.

عبدالرحمن الفقيه
12-11-03, 10:09 AM
المصلحة في الشريعة الإسلامية

بحث أصولي كتبه نجم الدين الطوفي المتوفي سنة 716 يري فيه تقديم المصلحة علي النص في المعاملات

من كتاب التعيين في شرح الأربعين ص 237-280


نقول أن أدلة الشرع تسعة عشر بابا بالا ستقراء، لا يوجد بين العلماء غيرها، أولها الكتاب، و ثانيها السنة، و ثالثها إجماع الأمة، و رابعها إجماع أهل المدينة، و خامسها القياس، و سادسها قول الصحابي، و سابعها المصلحة المرسلة، و ثامنها الاستصحاب، و تاسعها البراءة الأصلية، و عاشرها العادات، الحادي عشر الاستقراء، الثاني عشر سد الذرائع، الثالث عشر الاستدلال، الرابع عشر الاستحسان، الخامس عشر الذخذ باأخف، السادس عشر الع8صمة‌، السابع عشر إجماع أهل الكوفة، الثامن عشر إجماع العترة عند الشيعة، التاسع عشر إجماع الخلفاء الأربة، و بعضها متفق عليه، و بعضها مختلف فيه، و معرفة حدودها و رسومها و الكشف عن حقائقها و تفاصيل أحكامها مذكور في أصول الفقه.

ثم إن قول النبي صلي الله عليه و سلم: «لا ضرر و لا ضرار» يقتضي رعاية المصالح إثباتاً و نفياً و المفاسد نفياً إذا الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما، و هذه الأدلة التسعة عشر أقواها النص و الإجماع، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها، فإن وافقاها فبها و نعمت ولا تنازع، إذ قد اتفقت الأدلة الثلاثة علي الحكم، و هي: النص، و الدجماع، و رعاية المصلحة، المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام «لا ضر و لا ضرار» و إن خالفها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص و البيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما و التعيطلل لهما، كما تقدم السنة علي القرآن بطريق البيان، و تقرير ذلك أن النص و الإجماع إما أن لا يقتضيا ضرراً ولا مفسدة بالكلية، أو يقتضيا ذلك، فإن لم يقتضا شيئا من ذلك فهما موقوفان لرعاية المصلحة، و إن اقتضيا ضررا، ف،ما أن يكون مجموع مدلو لهما ضررا و لابد أن يكون من قبيل ما استتني من قوله (عليه السلام) «لا ضر ولا ضرار» جمعاً بين الأدلة، ولعلك تقول إن رعاية المصلحة المستفادة من قوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا ضرار» لا تقوي علي معارضة الإجماع لتقضي عليه بطريق التخصيص و البيان لأن الإجماع دليل قاططع، و ليس كذلك رعاي ة المصلحة، لأن الحديث الذي دل عليها و استفيدت منه ليس قاطعا فهو أولي، فنقول لك إن رعاية المصلحة أقوي من الإجماع، ويلزم من ذلك أنها من أدلة الشرع لأن الأقوي من الأقوي، ذقوي و يظهر ذلك من الكلام في المصلحة و الإجماع.

أما المصلحة فالنظر: في لفظها، وَحدِّها، و بيان اهتعمام الشرع بها، و أنها مبرهنة، أما لفظها فهو مفعَلة من الصلاح، و هو كون الشيء علي هيئة كاملة بحسب ما يراد ذلك الشيء له كالقلم يكون علي هيئة المصلحة للكتابة، و السيف علي هيئة المصلحة للضرب.

و أما حدّها بحسب العرف فهي السبب المؤدي إلي الصلاح و النفع كالتجارة المؤدية إلي الربح، و بحسب الشرع هي السبب المؤدي إلي مقصود الشارع عبادة أو عادة، ثم هي تنقسم إلي ما يقصده الشارع لحق كالعبادات، و إلي ما لا يقصده الشارع لحقه كالعادات.

و أما بيان اهتمام الشرع بها فمن جهة الإجمال و التفصيل، أما الإجمال فقوله عزوجل: (يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم و شفاء لما في الصدور) الآيتين و دلالهما من وجوه:

أحدها قوله عزوجل «قد جاءتكم موعظة» حيث إنه توعدهم و فيه أكبر صالحهم إذفي الوعظ كفهُّم عن الأذي، و إرشادهم إلي الهدي؛

الثاني: و صف القرآن أنه «شفاء لما في الصدور» يعني من شك و نحوة و هو مصلحة عظيمة:

الثالث: و صفه للهُدَي؛ الرابع: و صفه بالرحمة، و في الهدي و الرحمة غاية المصلحة:

الخامس: إسناد ذلك إلي فعل الله عزوجل و رحمته، ولا يصدر عنهما إلا مصلحة عظيمة:

السادس: الفرح بذلك لقوله عزوجل: «فبذلك فليفرحوا» و هو في معني التهنئة لهم بذلك، و الفرح و التهنئة دنما يكونان لمصلحة عظيمة؛ السابع قولله عزوجل: «هو خير مما يجمعون» والذي يجمعونه هو من مصالحهم. فالقرآن و نفعه أصلح من مصالحهم، و الأ صلح من المصلحة غاية المصلحة.

فهذه سبعة أوجه من هذه الأية تدل علي أن الشرع راعي مصلحة المكلفين واهتم بها، ولو استقرأت النصوص لوجدت علي ذلك أدلة كثيرة.

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون من جملة ما راعاه من مصالحهم نصب النص و الإجماع دليلا لهم علي معرفة الأحكام؟ قلنا هو كذلك، و نحن نقول به في العبادات، و حيث و افق المصلحة في غير العبادات، و إنما ترجح رعاية المصالح في المعاملات حق الشرع، و لا يعرف كيفية إيقاعها إلا من جهته نصآ و إجماعا.

و أما التفصيل فقيه أبحاث:

البحث الأول: في أن أفعال الله عزوجل معللة أم لا؟ حجة المثيت أن فعلا لا علة له عبث، و الله عزوجل منزه عن العبث، ولأن القرآن مملوء من تعليل الأفعال نحو «لتعلموا عدد السنين و الحساب» و نحوه، و حجة النافي أن كل من فعل فعلا لعلة فهو مستكمل بتلك العلة مالم يكن له قبلها فيكون ناقصاً بذاته كاملا بغيره، و النقص علي الله عزوجل محال، و أجيب عنه بمنع الكلية، فلا يلزم ما ذكروه إلا في حق المخلوقين، و التحقيق أن أفعال الله عزوجل معللة بحكم غائية تعد بنفع المكلفين و كما لهم، لا بنفع الله عزوجل لا ستغنائه بذاته عما سواه،

البحث الثاني: أن رعاية المصالح تفَضُّلٌ من الله عزوجل علي خللقه عند أهل السنة، واجبة عليه عند المعتزلة، حجةُ الاولين أن الله عزوجل متصرف في خلقه بالملك، و لا يجب له عليه شيء، و لان الإيجاب يستدعي موجباً أعلي، ولا أعلي من الله عزوجل يوجب عليه ، حجة الآخرين أن الله عزوجل كلف خلقه بالعبادة فوجب أن يراعي مصالحهم، إزالة لعلهم في التكليف، و إلا لكان ذلك تكليفاً بما لا يطاق أو شبيها به، و أجيب عنه بأن هذا مبني علي تحسين العقل و تقبيحه و هو باطل عند الجمهور.

و الحق أن رعاية المصالح واجبة من الله عزوجل، حيث التزم التفضل بها لا واجبة عليه كما في آية، «إنما التوبة علي الله» فإن قبولها واجب منه لا عليه، و كذللك الرحمة في قوله عزوجل «كتب ربكم علي نفسه الرحمة» و نحو ذلك.

البحث الثالث: في أن الشرع حيث راعي مصالح الخلق، هل راعاها مطلقا، أو راعي أكملها في بعض و أسفلها في بعض؟ أو أنه راعي منها في الكل ما يصلحهم و ينتظم به حلهم؟ الأقسام كلها ممكنة.

البحث الرابع: في أدلة رعاية المصلحة علي التفصيل، و هي من الكتب، و السنة و الإجماع، و النظر، و لنذ كر من كل منها يسيراً علي جهة ضرب المثال، إذ اسقاصاء ذلك بعيد المنال.

أما الكتاب فتحو قوله تعالي: «ولكم في القصاص حياة . و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما، الزانية و الزاني فاجلدو اكل واحد منهما مائة جلدة». و هو كثير، و رعاية مصلحة الناس في نفوسهم و أموالهم و أعراضهم مما ذكرتاه ظاهر، و بالجملة فما من آية من كتاب الله عزوجل، إلا و هي تشتمل علي مصلحة أو مصالح كمامة ينتها في غير هذا الموضع.

و أما السنة فنحو قوله عليه الصلاة و السلام: (لا يبع بعضكم علي بيع بعض، و لا يبع خاضر لباد، ولا تتكح المرأة علي عمتها أو خالتها إنكم أذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) و هذا و نحوه في السنة كثير، لأنها بيان الكتاب، و قد بيناً اشتمال كل آية منه علي مصلحة، و البيان علي وفق المبين.

و أما الإجماع فقد أجمع العلماء إلا من لا يعتد به من جامدي الظاهرية علي تعليل الأحكام بالمصالح المرسلة، و في الحقيقة الجميع قائلون بها، حتي الخالفون في كون الإجماع حجة قالوا بالمصالح، و من ثم علل وجوب الشفعة برعاية حق الجار و جواز السلم و الإجارة بمصلحة الناس مع مخالفتهما للقياس، إذ هما معاوضة علي معدوم وسائر أبواب الفقه و مسائله فيما يتعلق بحقوق الخلق لعلل المصالح.

و أما النظر فلا شك عند كل ذي عقل صحيح، أن الله عزوجل راعي مصلحة خلقه عموما و خصوصا، أما عموما ففي مبدئهم و معاشهم، أما المبدأ فحيث أوجدهم بعد العدم علي الهيأة التي ينالون بها مصالحهم في حياتهم، و يجمع ذلك قوله عزوجل «يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ماشاء ركبك» و قوله عزوجل: «الذي أعطي كل شيء خلقه ثم هدي» و أما المعاش فحيث هيأ لهم أسباب ما يعيشون به ويتمتعون به من خلق السموات و الأرض و ما بينهما و جميع ذلك في قوله عزوجل: «ألم نجعل الأرض مهادا، إلي قوله: إن يوم الفصل كان ميقاتا» و في قوله عزوجل: «فلينظر الإنسان إلي طعامه أنا صببنا الماء صبا» إلي قوله عزوجل «متاعاً لكم و لإنعامكم».

و أما خصوصا فرعاية مصلحة العباد السعداء حيث هداهم السبيل، و وفقهم لنيل الثواب الجزيل، في خير مقيل.

و عند التحقيق إنما راعي مصلحة العباد عموماً، حيث دعا الجميع إلي الإيمان المجوب لمصلحة العباد، لكن بعضهم فرط بعدم الاجابة بدليل قوله عزوجل: «و أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمي علي الهدي»، تحرير هذا المقام، أن الدعاء كان عموماً و التوفيق المكمل للمصلحة، المصحح لوجمودها، كان خصوصا، بدليل قوله عزوجل: «و الله يدعو إلي دار السلام و يهدي من يشاء دلي صراط مستقيم» فدعا عامّا، و هدي و وفق خاصاَ إذا عرف هذا فمن المحال أن يراعي الله عزوجل مصلحة خلقه في مبداهم و معادهم و معاشهم، ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية، إذ هي أهم فكانت بالمراعاة أولي، ولأنها أيضامن مصلحة معاشهم، لأنها صيانة أموالهم و دمائهم و أعراضهم، و لا معاش لهم بدونها، فوجب القول بأنه راعاها لهم. و إذا ثبت رعايته إياها، لم يجز إهمالها بوجه من الوجوه. فإن و افقها النص و الإجماع و غير هما من أدلة الشرع فلا كلام. و إن خالفها دليل شرعي، وُفق بينه و بينها بما ذكرنا، من تخصيصه و تقديمها بطريق البيان.

و أما أن رعاية المصلحة مبرهنة، فقد دل عليه ما ذكرناه من اهتمام اشرع بها وْ أدلته.

«ثم قال الطوفي بعد بيانه الإجماع و إدلته و معارضتها»:

و مما يدل علي تقديم رعاية المصلحة علي النصوص و الإجماع علي الوجه الذي ذكرنا وجوه.

أحدها: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهي إذاً محل وفاق و الإجماع محل الخلاف، و التمسك بما التفقوا عليه أولي من التمسك بما اختلفوا فته. الوجه الثاني: إن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعا، و رعاية المصلحة أمر متفق في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعا، فكان اتابعه أولي، و قد قال الله عزوجل: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، إن الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا لست منهم في شيء» و قوله عليه الصلاة و السلام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» و قال عزوجل في مدح الاجتماع: «و ألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا من ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم». و قال عليه الصلاة و السلام: «وكونوا عباد الله إخواناً».

الثالث: قد ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح و نحوها في قضايا، منها: معارضة ابن مسعود النص و الإجماع، بمصلحة الاحتياط للعبادة كما سبق، و منها قوله (عليه السلام) حين فرغ من الأحزاب: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة» فصلي أحدهم قبلها و قالوا لم يرد منا ذلك و هو شبيه بما ذكرنا

و منها قوله صلي الله عليه و سلم لعائشة: «لو لا قومك حديثو عهد بالاسلام لهدمت الكعبة و بنيتها علي قواعد ابراهيم» و هو يدل علي أن بناءها عل قواعد ابراهيم هو الواجب في حكمها، فتركه لمصلحة الناس.

و منها أنه (عليه السلام) لما أمرهم بجعل الحج عمرة، قالوا كيف و قد سمينا الحج؟ و توقفوا، و هو معارضة للنص بالعادة، و هو شبيه بما نحن فيه.

و كذلك يوم الحديبية، لما أمرهم بالتحلل توقفوا، تمسكا بالعادة في أن أحدة لا يحل قبل قضاء المناسك، حتي غضب صلي الله عليه و سلم و قال: «مالي آمر بالشي فلا يفعل».

و منها ما روي أبو يعلي الموصلي في مسنده، أن النبي صلي الله عليه و سلم بعث أبابكر ينادي: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» فوجده عمر فرده و قال: أذاً يتكلوا، و كذلك رد عمر أبا هريرة عن مثل ذلك في حديث ثحيح، و هو معارضة لنص الشرع بالمصلحة، فكذلك من قدم رعاية مصالح المكلفين علي باقي أدلة الشرع، يقصد بذلك إصلاح شأنهم، و انتظام حالهم، و تحصيل ما تفضل الله به عليهم من الصلاح، و جمع الأحكام من التفرق و ائتلافها عن الاختلاف. فوجوب أن يكون جائزا إن لم يكن متعينا، فقد ظهر بما قررنا، أن دليل رعاية المصالح، أقوي من دليل الإجماع، فليقدم عليه و علي غييره من أدلة الشرع، عند التعارض بطريق البيان.

فإن قيل حاصل ما ذهبتم إليه تعطيل أدلة الشرع بقياس مجرد، و هو كقياس إبليس، فاسد الوضع و الاعتبار، قلنا: وَهَمٌ و اشتباه، من نائم بعد الانتباه، و إنما هو تقديم دليل شرعي علي أقوي منه، و هو دليل الأجماع علي وجوب العمل، بالراجح كما قدمتم أنتم الدجماع علي النص، و النص علي الظاهر، و قياس إبليس و هو قوله: «أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين» لم يقم عليه ما قام علي رعاية الصالح من البراهين، و ليس هذا من باب فساد الوضع، بل من باب تقديم رعاية المصالح كما ذكرنا.

فان قيل الشرع أعلم بمصالح الناس و قد أودعها أدلة الشرع و جعلها أعلاما عليه يعرف بها، فتركُ أدلته لغيرها مراغمة و معاندة له، قلنا: أما كون الشرع أعلم بمصالح المكلفين فنعم، و أما كون ما ذكرناه من رعاية المصالح تركا لأدلة الشرع بغيرها فممنوع، بل إنما تترك أدلته بدليل شرعي راجح عليها، مستند إلي قوله عليه الصلاة و السلام «لا ضر و لا ضرار» كما قلتم في تقديم الاجماع علي غيره من لأدلة ، ثم إن الله عزوجل، جعل لنا طريقا إلي معرفة مصالحنا عادة، فلا نتركة لأمر مبهم، يحتمل أن يكون طريقا إلي المصلحة، و يحتمل أن يا يكون.

فان قيل خلاف الأمة في مسائل الأحكام رحمة و سعة، فلا يحويه حصر بحكم في جهة واحدة، لئلا يضيق عليهم مجال الاتساع، قلنا: هذا الكلام ليس منصوصا عليه من جهة الشرع حتي يمتثل، ولو كان لكان مصلحة لوفاق أرجح من مصلحة الخلاف فتقدم، ثم ما ذكر تموه من مصلحه الخلاف بالتوسعة علي المكلفين معارض بمفسدة تَعرِض منه، و هو أن الآراء أذا اختلفت و تعددت اتبع بعض الناس رخص المذاهب، فأفضي إلي الانحلال و الفجور، و أيضا فان بعض أهل الذمة ربما ذراد الإسلام فتمنعه كثرة الخلاف و تعدد الأراء، لأن الخلاف منفور عنه بالطبع، و لهذا قال عزوجل: «الله نزلب أحسن الحديث كتابً متشابهاً» أي يشبه بعضه بعضا، و يصدق بعضه بعضا، لا يختلف إلا بما فيه من المتشابهات، و هي ترجع إلي المحكمات بطريقها، ولو اعتمدت رعاية المصالح المستفيادة من قوله عليه الصلاة و السلام «لا ضر و لا ضرار» علي ما تقرر لا تحد طريق الحكم و انتفي الخلاف.

فان قيل هذه الطريقة التي سلكتها، إما أن تكون خطأ فلا يلتفت إليها، أو صوابا فإما أن ينحصر الصواب فيها، أولاد، فان انحصر، لزم أن الأمة من أول الإسلام إلي حين ظهور هذه الطرية علي خطأ، إذلم يقل بها أحد منهم، و إن لم ينحصر فهي طرية جائزة من الطرق، ولكن طريق الأئمة التي اتفقت الأمة علي اتاعها أولي بالمتابعة لقوله عليه الصلاة و السلام «اتبعوا السواد الأعظم فان من شذ شذ في النار».

فالجواب أنها ليست خطأ لما ذكرنا عليها من البرهان، ولا الصواب منحصر فيها قطعاً، بل ظناً واجتهادا، و ذلك يوجب المصير إليها، إذا الظن في الفرعيات كالقطع في غيرها. و ما يلزم علي هذا من خطأ الأمة فيما قبله، لازم علي رأي كل ذي قول، أو طريقة انفرد بها، غير مسبوق إليها، و السواد الأعظم الواجب إتباعه هو الحجة و الدليل الواضح، و إلا لزم أن يتبع العلماء العامة إذا خالفوهم لأن العامة أكثر، و هو السواد الأعظم.

و اعلم أن هذه الطريقة هي التي قررناها مستفيدين لها من الحديث المذكور، ليست هي القول بالمصالح المرسلة علي ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك، و هي التعويل علي النصوص و الإجماع في العبادات، و امقدرات، و علي اعتبار المصالح في المعاملات، و باقي الاحكام.

و تقرير ذلك أن الكلام في أحكام الشرع، إما أن يقع في العبادات و المقدرات و نحوها، أو في المعاملات و العادات و شبها، فإن وقع في الأول، اعتبر فيه النص و الإجماع و نحو هما من الأدلة.

غير أن الدليل علي الحكم إما أن يتحد، أو يتعدد، فإن اتحد مثل إن كان فيه اية، أو حديث، أو قياس، أو غير دلك، ثبت به. و إن تعدد لدليل مثل إن كان آية، أو حديث‌، أو قياس، أو غير دلك، ثبت به. و إن تعدد لدليل مثل إن كان آية و حديثا و استصحابا و نحوه، فإن اتفقت الأدلة علي إثبات أو نفي ثبت بها. و إن تعارضت فيه، فإما تعارضا يقبل الجمع أولا يقبله، فإن قبل الجمع جمع بينهما، لأن الأصل في أدلة الشرع الإعمال لا الا لغاء، غير أن الجمع بينهما يجب أن يكون بطريق قريب واضح، لا يلزم منه التلاعب ببعض الأدلة، و إن لم يقبل الجمع فلا جماع مقدم علي ما عده من الأدلة التسعة عشر، و النص مقدم علي ما سوي الا جماع، ثم إن النص منحصر في الكتاب و السنتة، ثم لا يخلو إما أن ينفرد بالحكم أحدهما أو يجتمعا فيه، فان انفرد به أحدهما فإما الكتاب أو السنة، فإن النفرد به الكتاب، فإما أن يتحد الدليل أو يتعدد، فإن اتحد بأن كان في الحكم آية واحدة عمل بها، إن كانت نصاً أو ظاهرا فيه، و إن كانت مجملة، فإن كان أحد احتماليها أو احتمالاتها أشبه بالأدب مع الشرع، عمل به و كان ذلك كالبيان.

و إن استوي احتمالاها في الأدب احتمالاها في الأدب مع الشرع جاز الأمر ان، و امختار أن يتعبد بكل منهما مرة.

و إن لم يظهر وجه الأدب و قف الأمر علي البيان.

و إن تعدد الدليل من الكتاب فان كان في الحكم منه آيتان أو أكثر، فان اتفق مقتضاهن فكالآية الواحدة، و إن اختلف، فان قبل، الجمع جمع بينهن بتخصيص أو تقييد أو تحوه، و إن لم يقبل الجمع، فان علم نسخ بعضها بعينه فبها، و إلا فالمنسوخ منهما مبهم فليستدل عليه بموافقة السنة غيره، إذا السنة بيان الكتاب، و هي إنما تبين ما ثبت حكمة لا ما نسخ، و إن انفردت السنة بالحكم فإن كان فيه حديث واحد فان صح عمل به كالآية الواحدة، و إن لم يصح لم يعتمد عليه، و أخذَ الحكم من الكتاب إن وجد، و إلا فمن الاجتهاد إن ساغ، مثل أن يعمل بما هو أشبه بالأدب مع الشرع و تظعيم حقه و إن لم يسغ فيه الاجتهاد، و قف علي البيان.

و إن كان فيه أكثر من حديث، فإن صح جميعها، فدما أن تتساوي في الصحة أو تتفاوت، فإن تساوت في الصحة، فان اتفق مقتضاها، فكالحديث الواحد، و إن و أن اختلفت، فان قبلت الجمع، جمع بينها، و إلا فبعضها منسوخ، فان تعين، و إلا استدل عليه بموافقة الكتاب أو الإجماع غيره، أو بعير ذلك من الأدلة.

و إن لم تصح جميعها، فان كان الصحيح منها و احداً، فكما لم يكن في الحكم إلا حديث واحد، فإن كان الصحيح أكثر من واحد، فان اتفقت عمل بها، و إن اختلفت، جمع بينها إن أمكن الجمع، و إلا فبعضها منسوخ كما سبق فيما إذا كان جميع الأحاديث صحياً.

و إن تفاوتت في الصحة، فان كان بعضها أصح من بعض، فان اتفق مقتضاها فلا إشكال، كالحديث الواحد، و إن تعارضت، فان قبلت الجمع جمع بينها، و إن لم تقبله قدم الأصح فالإصح.

ثم إن اتحد الإصح عمل به، و إن تعدد فان اتفق فكا لحديث الواحد ؟؟؟؟؟ تعارض، جمع بينه إن قبل الجمع، و إلا فبعضه منسوخ معمين أو مبهم، يستدل عليه بما سبق، و إن اجتمع في الحكم كتاب و سنة، فان اتفقا عمل بهما، و أحدهما بيان للآخر أو مؤكدله، و إن اختلفا، فان أمكن الجمع بينهما جمع، و إن لم يكن فان اتجه نسخ أحدهما بالآخر نسخ به، و إن لم يتجه فهو محل نظر و تفصيل، و الأشبه تقديم الكتاب، لأنه الأصل الاعظم و لا يترك بفرعه.

أما المعاملات و نحوها فالمتبع فيها مصلحة الناس كما تقرر.

فالمصحة و باقي أدلة الشرع إما أن يتفقا أو يختلفا، فان اتفقا فبها و نعمت، كما اتفق النص و الإجماع و المصلحة، علي إثبات الاحكام الخمسة الكلية الضرورية، و هي: قتل القاتل، و المرتد، و قطع السارق، و خد القاذف، و الشارب، و نحو ذلك من الأحكام الني وافقت فيها أدلة الشرع المصلحة، و إن الأحكام و الا حوال، دون بعض علي وجه لا يخل بالمصلحة، و لا يفضي إلي التلاعب بالأدرة أو بعضها، و إن تعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة علي غيرها لقوله صلي الله عليه و سلم: «لا ضرر و لا ضرار» و هو خاص في نفي الضرر المستلزم لرعاية امصلحة فيحب تقديمة، و لأن المصلحة هي المقصودة من ساسة المكلفين بإثبات الأحكام و باقي الادلة كالو سائل، و المقاصد واجبة التقديم علي الوسائل.

ثم إن المصالح و المفاسد قد تتعارض فيحتاج إلي ضابط يدفع محذور تعارضها فنقول: كل حكم نفرضه، فإما أن تتمحض مصلحته، فإن اتحدت، بأن كان فيه مصلحة واحدة حصلت. و إن تعددت بأن كان فيها مصلحتان و مصالح، فإن أمكن تحصيل جميعها حصل، و إن لم يمكن حصل الممكن، فإن تعذر تحصيل مازاد علي المصلحة الواحدث، فان تفاوتت المصالح و الاهتمام بها، حصل الاهم منها و إن تساوت في ذلك، حصلت واحدة منها بالاختيار، إلا أن يقع ههنا تممة فبالقرعة. و إن تمحصنت مفسدته، فإن اتحت دفعت، و إن تعددت فإن أمكن درء جميعها درئت، و إن تعددت دريء منها الممكن، فان تعذر درء مازاد علي مصلحة واحدة، فإن تفاوتت في عظم المفسدة دفع أعظمها، و إن تساوت في ذلك فبا لاختيار أو القرعة أن اتجهت التهمة.

و إن اجتمع فيه الأمر ان، المصلحة و المفسدة، و ترجح كل واحد من الطرفين، من وجه دون وجه، أعتبرنا أرجح الوجهين تحصيلا أو دفعا فإن استويا في ذلك عدنا إلي الاختيار أو القرعة.

فهذا ضابط مستفاد من قوله صلي الله عليه و سلم: «لا ضرر و لا ضرار» بتوصل به إلي أرجح الأحكام غالبا، و ينتفي به اخلاف بكثرة الطرق و الاقوال.

مع أن في اختلفا الفقهاء فائدة عرضت خارجة عن المقصود، و هي معرفة الحقائق التي تتعلق بالأحكام و أعراضها و نظائرها، و الفروق بينها، و هي شبية بفائدة الحساب من جزالة الرأي.

و إنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات و نحوها دون العبادات و شبهها، لأن العبادات حق للشرع، خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كمّا و كيفا، و زماناً و مكاناً إلا من جهته، فيأتي به العبد علي ما رسم له، و لأن غلام أحدنا لا يعد مطيعاً خادما له، إلا إذا متثل مارسم له سيده، و فعل ما يعلم أنه يرضيه، فكذلك ههنا، و لهذا لمّآ تعبدت الفلاسفة بعقولهم، و رفضوا الشرائع، أسخطوا الله عزوجل و ضلوا وأضلوا، و هذا بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسية شرعية و ضعت لمصالحهم، و كانت هي المعتبرة و علي تمصيلها المعلول.

و لا يقال أن الشرع أعلم بمصالحهم، فتؤخذ من أدلته، لأنانقول: قد قررنا أن المصلحة من أدلة الشرع، و هي أقواها و أخصها، فلنقدمها في تحصيل المصالح. ثم هذا إنما يقال في العبادات التي تخفي مصالحها عن مجاري العقول و العادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم، فهي معلومة لهم بحكم العادة و العقل، فإن ر أينا دليل الشرع متقاعدا عن إفادتها، علمنا أنا أُحلنافي تحصليها علي رعايتها، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام، علمنا أنا أحلنا بتمامها علي القياس، و هو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما، و الله عزوجل أعلم بالصواب.

عبدالرحمن الفقيه
12-11-03, 10:23 AM
يقول محمد أبو زهرة في كتابه ابن حنبل

لم نجد من يجوز تخصيص النصوص بكثرة، و نسخ بعضها بالاجتهاد إلا بعض الشيعة كالشيعة الامامية، فانهم لم ينهوا النسخ و تخصيص النصوص بانتقال النبى (صلى الله عليه و سلم) إلى الرفيق الأعلي، بل أجازوا لأئمتهم مخالفتها بعلوم تلقوها، و لقد وجدنا «الطوفي» يقاربهم لأنه جعل المصلحة تنسخ النصوص و تخصها، فأحل المصلحة محل الأئمة، و التقى الرأيان فى أن النص بعد الرسول لا يزال قابلا للنسخ و الإخراج من عمومه إن وجدت مصالح على مسلك الطوفى أو رأى الامام على مذهب الشيعة

0000
و على ذلك نقرر أن مهاجمته للنصوص و نشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح المرسلة، هى أسلوب شيعى أريد به تهوين القدسية التى تعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع، و الشيعة الإمامية يرون أن باب النسخ و التخصيص لم يغلق، لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس فى الدنيا و الآخرة. و أدرى الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبى صلى الله عليه سلم ، لأنه وصى رسول الله أوصيائه ، وقد أتى الطوفى فى رسالته بالفكرة كلها ،‌ إن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشرالفكرة

أبو عبدالله النجدي
12-11-03, 12:39 PM
لكن هل الشيعة يأخذون بـ"المصالح المرسلة" دليلاً ؟

عبدالرحمن الفقيه
12-11-03, 07:58 PM
أحسنت حفظك الله
فالشيعة لايأخذون بالمصلحة المرسلة ، وظاهر كلام أبي زهرة أنه ينسبه للطوفي فقط دون الشيعة ولكنه اعتبره أسلوب شيعي، فتأمل وأفدنا بما تراه سددك الله.

قال أبو زهرة
و على ذلك نقرر أن مهاجمته للنصوص و نشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح المرسلة، هى أسلوب شيعى أريد به تهوين القدسية التى تعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع، و الشيعة الإمامية يرون أن باب النسخ و التخصيص لم يغلق، لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس فى الدنيا و الآخرة. و أدرى الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبى صلى الله عليه سلم ، لأنه وصى رسول الله أوصيائه ، وقد أتى الطوفى فى رسالته بالفكرة كلها ،‌ إن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشرالفكرة

أبو الوليد الجزائري
13-11-03, 08:13 AM
الشيخ الدكتور محمد سعد اليوبي في رسالته لنيل درجة الدكتوراه المسماة مقاصد الشريعة الاسلامية وعلاقتها بالادلة الشرعية (1)واشرف عليه الشيخ عمر بن عبد العزيز وناقشه فيها الاستاذان عبد العزيز بن عبد الرحمن الربيعة ومحمد المختار بن محمد الامين الشنقيطي حفظهم الله تعالى
واجيزت بدرجة مرتبة الشرف الاولى مع التوصية بالطبع
وهي في 708 صفحة
وقد عرض لمقولة الطوفي ونقدها نقدا جميلا انظره من ص 537 الى ص 559 واحال كذلك على مبحث خبر الواحد اذا خالف الاصول او القواعد العامة وعلاقة ذلك بالمقاصد ص 499 وهو مبحث جيد رائع
انصح اخواني بمطالعته
........................

(1)وقد اوقفني عليه الدكتور(الطبيب)الشاعر الاديب شيخنا ابو رزان احمد الصغير الشنقيطي المدني نفع الله به وهو من الدعاة الى الله بمقاطعة اونتاريو الكندية و احب ان يطلع اهل الملتقى على ذلك بعد ان راى الموضوع هنا وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه

ابو علي بن علي
13-11-03, 08:50 AM
ان يسر الله تعالى لي سانقل لكم تلخيصا لهذه المسالة كتبته عن العلامة الشيخ عبد الله الغديان اثناء تدريسه لنا لمادة المقاصد بإذن الله تعالى

معالم
14-11-03, 04:13 PM
هناك بحث جميل للشيخ الشثري ناقش فيه المصلحة عند الحنابلة وتعرض في بحثه للطوفي لكونه من الحنابلة وبين المراد من كلامه ونقد كل دليل استدل به الطوفي على قوله ..وقد اوضح ان الطوفي خرق الاجماع بهذا القول ..
واكد على ان الطوفي لا يقدم المصلحة على النص الا من باب التخصيص والبيان فقط ..الى اخر ماذكر ..

طبع دار المسلم

محب أهل العلم
14-11-03, 11:18 PM
وفي مقالات الكوثري أيضا رد على الطوفي بل زعم الكوثري أن الطوفي أول من قال بهذا الأمر

ابو علي بن علي
15-11-03, 12:19 AM
قال الشيخ العلامة الاصولي عبد الله الغديان:
الثاني:ايضاح انه لا توجد مصلحة تعارض الشرع ولا مفسدة اوردها الشرع مع التعرض للرد على شبهة من يقول بتقديم المصلحة على النص

تحرير رأيه: يقول: ان ادلة التشريع وعددها تسعة عشر دليلا يقول : إذا نظرنا اليها دليلا دليلا وجدنا ان دليل القران هو الاقوى ودليل السنة والاجماع كذلك اي النقل والاجماع وعلى هذا الاساس فالنقل مختلف فيه والاجماع مختلف فيه والمصلحة لم يختلف فيها فتقدم المصلحة على النص من الكتاب والسنة والاجماع
في تقريره للادلة قال : إننا إذا نظرنا إلىالدليل النقلي وجدنا انه يعرض له الظن من طرق عدة ، من هذه الطرق نقل اللغة ، ونقل اللغة يعرض له الظن، والقران والسنة يفسران بنقل اللغة (اي انه قدح في نقل اللغة) وما يعرض له من وجوه الاختلاف في دلالة الكلمة واعراب الجملة من ناحية النحو ووجوه الاستعمال في علم البلاغة فهذا يعني وجود الاختلاف في دلالة القران والسنة.
وما يعرض للدليل من جهة السنة من ناحية عدم الثبوت وعلل الاسانيد وعلل الرجال وعلل المتن من الشذوذ والتحريف الى غير ذلك من العلل
وما يعرض للدليل من جهة البقاء لانه يحتمل النسخ سواء كان من القران والسنة سلامة الدلالة من المعارض فالعام مثلا يحتمل التخصيص والمطلق يحتمل التقييد والظاهر محتمل للتاويل.
زكذلك ما يعرض للدليل من نا حية التقديم والتأخير والزيادة والنقصان.
ويقول: ان هذه الاحتمالات تدل على ان دلالة الدليل النقلي على المصلحة دليل ظني، وعلى هذا الاساس اتضح ان هناك اختلاف في الدلالة ، اما المصلحة فقطعية الثبوت وليس فيها خلاف، وبناء على ذلك يقدم المتفق عليه على المختلف فيه عند التعارض.
حاصل هذه الشبهة: ان الدليل النقلي ظني من وجوه كثيرة والمصلحة قطعية من جميع الوجوه ، واقطعي مقدم على الظني

( يتبع....)

العيدان
27-07-07, 11:16 AM
ما زلنا ننتظر التتمة ..

أبو لقمان
27-10-07, 02:24 AM
فتبين لنا بهذا أن الطوفي يقرر أن الأدلة الشرعية تدل على تقديم المصلحة على النص بطريق البيان والتخصيص، فمثلا لو وجدنا نصا من الشرع على تحريم شيء معين ، ولكن المصلحة تقتضيه فإنا نجيزه لأن الشرع يأمر بالمصلحة في مجمل أدلته

من المهمّ أن نتذكر مجال تقديم المصلحة على النص عند الطوفي ، وذلك في العادات والمعاملات ، لا في العبادات والمقدرات.

ثانيا: خطأ الطوفي ليس من قبل قوله بهذه القاعدة ، ولكنّه بتعميمه لها حتى تصير أصلا من أصول الشرع ، موازيا للكتاب والسنة ، مصدرا للأحكام إجمالا ، وهذا من المحال ، إذ المصلحة وصف يتعلق بذات الحكم ، لا يقوم بنفسه ، أعني أن المصالح لا تعرف إلا باقترانها بنص أو واقع ، وبعد معرفته يحكم بما يحصل به المصلحة.

وكون هذا النص يحرم هذا الشيء يمكن أن نخصص هذا النص بالمصلحة ، وهكذا000
وهذا هو الذي فهمه أهل العلم الذين ردوا على الطوفي.
والله أعلم.

مثالا على هذا: شرب الخمر لمن غص بلقمة ، ، فلا سبيل لأحد أن يحلل الخمر للعامة ، ولكنه يصبح في هذه الحالة من واجبات الشرع لمن هذه حالته ، ولا مقتضي لإباحة الخمر في هذه الحالة إلا المصلحة ، فالمصلحة تقدم في خصوص هذه المسألة على النص المحرّم للخمر ، على أن العمل بالنص هنا -الامتناع من شرب الخمر- يجرّ للمكلف مفسدة ، وهذه المفسدة ليست مرادة شرعا ، فتلغى ويعمل بمقتضى المصلحة ، الذي هو شرب الخمر ، فهو من باب تحقيق مناط الحكم ، لا من باب تخريجه.

أما أن يتوهم أن المصلحة تقدم على مقتضى النصوص في كل حين ، فهذا لا يمكن أن يقال ، فكلامه فيه خطأ وصواب ، ولولا جعله المصلحة من أصول الشرع ، لسلم كلامه من الاعتراض ،
والله أعلم.

احمد الفاضل
31-10-07, 05:50 PM
جزاكم الله خيرا

المصلحي
01-11-07, 12:44 PM
ما راي الاخوة هنا بالامثلة الاتية :
1- لم يعمل الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه باقامة حد القطع على السارق في عام الرمادة وها تقديم للمصلحة على النص.
2- لم يقسم الغنائم من ارض السواد على الفاتحين مع النص الصريح في القران لمصلحة مذكورة في موضعها وهذا تقديم للمصلحة على النص القطعي الثبوت والدلالة.

المصلحي
01-11-07, 12:48 PM
وهذا يتلائم مع التدرج في تطبيق الشريعة كما في القصة المشهورة بين عمر بن عبد العزيز وابنه عندما راى الابن تاخرا من الامام عمر في تطبيق بعض النصوص فقال لابيه : والله ما ابالي لو ان القدور غلت في وفيك في الحق فرد عليه الامام الحكيم قائلا : يابني ان الله حرم الخمر على ثلاث مراحل واني خشيت ان حملت الناس على الدين جملة ان يذروه جملة
فهذا تقديم للمصلحة على النص بل على نصوص

المصلحي
01-11-07, 12:53 PM
ويشهد لذلك من السنة النبيوية :
1- ترك هدم الكعبة وبائها على قواعد ابراهيم وهو امر مشروع لكن قدمت عليه المصلحة
2- ترك قتل راس المنافقين ابن سلول وهو امر مشروع بل واي قربة هو ولكن قدمت عليه المصلحة
فان قال قائل :
هذه الوقائع ثبتت بالنصوص فكيف يحتج بالشيء على نفسه
قلنا :
هي تنبيه على جواز تقديم المصلحة في بعض المواضع
او قل هي تاسيس لهذه القاعدة وليس ذلك من باب الحصر

المصلحي
01-11-07, 12:53 PM
للاستزادة ينظر :
تعليل الاحكام - شلبي

أبو الفرج مهدي
01-11-07, 02:35 PM
من المهمّ أن نتذكر مجال تقديم المصلحة على النص عند الطوفي ، وذلك في العادات والمعاملات ، لا في العبادات والمقدرات.

ثانيا: خطأ الطوفي ليس من قبل قوله بهذه القاعدة ، ولكنّه بتعميمه لها حتى تصير أصلا من أصول الشرع ، موازيا للكتاب والسنة ، مصدرا للأحكام إجمالا ، وهذا من المحال ، إذ المصلحة وصف يتعلق بذات الحكم ، لا يقوم بنفسه ، أعني أن المصالح لا تعرف إلا باقترانها بنص أو واقع ، وبعد معرفته يحكم بما يحصل به المصلحة.



مثالا على هذا: شرب الخمر لمن غص بلقمة ، ، فلا سبيل لأحد أن يحلل الخمر للعامة ، ولكنه يصبح في هذه الحالة من واجبات الشرع لمن هذه حالته ، ولا مقتضي لإباحة الخمر في هذه الحالة إلا المصلحة ، فالمصلحة تقدم في خصوص هذه المسألة على النص المحرّم للخمر ، على أن العمل بالنص هنا -الامتناع من شرب الخمر- يجرّ للمكلف مفسدة ، وهذه المفسدة ليست مرادة شرعا ، فتلغى ويعمل بمقتضى المصلحة ، الذي هو شرب الخمر ، فهو من باب تحقيق مناط الحكم ، لا من باب تخريجه.

أما أن يتوهم أن المصلحة تقدم على مقتضى النصوص في كل حين ، فهذا لا يمكن أن يقال ، فكلامه فيه خطأ وصواب ، ولولا جعله المصلحة من أصول الشرع ، لسلم كلامه من الاعتراض ،
والله أعلم.

كلام جيد، بارك الله فيك

أبو الفضل المصرى
03-11-07, 04:15 PM
ممن ذهب إلى تقديم المصلحة مطلقاً على النصوص في عصرنا الحاضر محمد عبده شيخ الأزهر والباقورى وزير الأوقاف المصري السابق وتبعهم بتوسع شديد سيد طنطاوى شيخ الأزهر الحالى ومفتى مصر على جمعة وجمهور الأزهريين !
ولا يخفى عليكم جميعاً السبب .
نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة .

أبو لقمان
03-11-07, 05:24 PM
كلام جيد، بارك الله فيك

وفيك بارك الله

ياسر المؤذني
16-11-07, 02:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
االاساتذة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل يعتبر قتال ابو بكر الصديق رضي الله عنه للمرتدين من المصلحه ام اته استند الى الحديث(من قال لا اله الا الله ....... الا بحقها)0000 وكذالك هناك روايه تقول ان ابو بكر رضي الله عنه قد حرق رجل اسمه فجاءة لانه قتل المسلمين بحجة مقاتلة المرتدين. وقد نهى رسول الله صاى الله عليه وسلم عن التعذيب بلنار فهل اخذ ابو بكر بلمصلحة في ذالك وراءاها عقوبه صارمة.... ارجوا من لديه باع في المسالة ان ينورنا بها وجزاكم الله خير الجزاء
من ارض الرباط اخوكم المؤذني

عبدالرحمن الفقيه
16-11-07, 04:04 PM
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم ، ونستفيد من التفصيل الذي ذكره الشيخ أبو لقمان حفظه الله فائدة مهمة وهي أن الطوفي يقول بذلك في المعاملات دون العبادات، كما أنه يعتبر المصلحة موازيا للكتاب والسنة، فجزاه الله خيرا على هذا التفصيل والفوائد.
والطوفي يتبين مما سبق يقدم المصلحة على الكتاب والسنة إنطلاقا من فهم خاطئ لنص حديث ضعيف (لاضرر ولا ضرار)

فمما قاله الطوفي(و مما يدل على تقديم رعاية المصلحة علي النصوص و الإجماع علي الوجه الذي ذكرنا وجوه....).
وقال كذلك(فنقول لك : إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع ويلزم من ذلك أنها من أدلة الشرع لأن الأقوى من
الأقوى أقوى ، ويظهر ذلك من الكلام في المصلحة والإجماع) .



والطوفي لايتحدث عن المصلحة المرسلة التي يوافقه غيره عليها فقط بل يقول(واعلم أن هذه الطريقة التي قررناها - مستفيدين لها من الحديث المذكور-
ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك بل هي أبلغ من ذلك
وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات وعلى اعتبار
المصالح في المعاملات وباقي الأحكام .
وتقرير ذلك أن الكلام في أحكام الشرع إما أن يقع في العبادات والمقدرات
ونحوها أو في المعاملات والعادات وشبهها فإن وقع في الأول اعتبر فيه النص
والإجماع ونحوهما من الأدلة.........) .

عبدالرحمن الفقيه
16-11-07, 04:11 PM
نقل من مجلة البحوث الإسلامية من حث الدكتور الشثري:

المبحث الثاني: المصلحة الملغاة :
ا - آراء الحنابلة فيها :
جميع العلماء على أن ما يتوهم أنه مصلحة إذا كان يخالف الأدلة الشرعية فإن المصلحة لاغية لا عبرة بها ، وقد وقع الإجماع على ذلك عدة قرون ، فتتابعت العصور على عدم اعتبار ما يظن كونه مصلحة إذا كان يخالف دليلا من الأدلة الشرعية .
وخرق الطوفي هذا الإجماع ، فقال بتقديم المصلحة على النصوص من باب التخصيص والبيان ، وساق أدلة على مذهبه نسوقها:
أدلة الطوفي :
الدليل الأول : حديث: « لا ضرر ولا ضرار » (1)

فالضرر والمفاسد منتفية شرعا .
ولو كان ذلك الضرر في اتباع النصوص فإن الضرر يزال
شرعا ، مما يدل على تقديم المصالح على النص ، فنفي الضرر والضرار يستلزم رعاية المصلحة ، فيجب تقديمها إذن على جميع الأدلة عملا بهذا الحديث .
وأجيب :
أ - بأن الحديث فيه ضعف وأحسن درجاته أن يكون حسنا لغيره ، فيكون من أقل درجات الحديث المقبول ، فكيف يقدم على جميع الأدلة الشرعية .
ب - أن هذا الحديث خبر آحاد ، وغيره من الأدلة متواتر نقلا ومعنى ، ولا يقول عاقل بتقديم خبر آحاد على المتواتر .
ج - أن الحديث نفي للضرر والضرار ، والضرر هو كل ما عده
الشارع كذلك ، فالأحكام الشرعية لا ضرر فيها ، فلا تعارض بينها وبين الحديث ، فكل له مجال يخالف الآخر ، إذ الحديث نهي للعباد بطريق النفي عن الإضرار بالغير ، كما قال تعالى: { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } (1) .
د - أن الحديث عام ، والأدلة الشرعية الأخرى في مجالها خاصة ، وإذا تقابل العام والخاص قدم الخاص فيما يختص به .
هـ - أن هذا الاستدلال مبني على أن المصالح يتصور أن تعارض النصوص وهو خطأ ظاهر .
الدليل الثاني : أن الشرع اهتم بالمصلحة جملة وتفصيلا وبنى عليها الأحكام ، فإن أحكام الله معللة بمصلحة العباد ، فيجب علينا أن نسير على هذا المنهج فنحكم بالمصالح ولو خالفت النصوص .
وأجيب :
بأن هذا الدليل مبني على تضمن أحكام الشرع للمصالح ، وأصل المسألة حكم النصوص التي تعارض المصالح ، فالدليل يخالف الدعوى ويبطلها .
الدليل الثالث : قال: من المحال أن يراعي الله - عز وجل - مصلحة خلقه في مبدئهم ومعادهم ومعاشهم ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية فهي أولى ، كيف وهي من مصلحة معاشهم .

وأجيب :
أ - أن هذا الاستدلال اعتراض على الله في فعله ، والله عز وجل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ب - أن مقتضى هذا الدليل تضمن الأحكام الشرعية للمصالح ، فإذا كانت الأحكام الشرعية متضمنة للمصالح فكيف يوجد التعارض بينهما .
الدليل الرابع : أن رعاية الشارع للمصلحة محل وفاق ، والإجماع محل خلاف ، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه .
وأجيب :
أ - أن هذا الاستدلال مبني على الإجماع على المصلحة ، وهو يتضمن في نفسه تضعيف دليل الإجماع . وهذا تناقض .
ب - لا تلازم بين القول برعاية المصالح ، وبين تقديم رعاية المصالح على الإجماع ، فالمسألتان تختلف كل واحدة منهما عن الأخرى ، وكل من قال بالمصلحة قدم الإجماع عليها .
ج - أن الخلاف في المصالح قديم معروف ، ولا وجه لإنكار هذا الخلاف ، فالقائلون بالإجماع وحجيته أكثر من القائلين برعاية المصالح .
د - أن المخالف في الإجماع شذاذ ، كالشيعة ، وبعض الخوارج
والنظام ، وهم محجوجون بالأدلة الشرعية الكثيرة الدالة على اعتباره .
هـ - أن الشيعة لا يقولون برعاية المصالح ؛ لأنها رأي ، والدين لا يقال بالرأي وإنما يتلقى عن المعصوم ، والخوارج مختلفون في أمرها ، وهم يقولون : إن الحكم إلا لله ، ونقل عن النظام جواز اجتماع الأمة على الرأي والقياس ، ورعاية المصالح تعتمد على الرأي والقياس ، فكيف يقول النظام برعاية المصالح (1) .
و - أن المتفق عليه هو رعاية الشارع للمصلحة ، والمراد بالبحث هنا هو اتباعنا للمصلحة المخالفة للنصوص الشرعية ، وفرق بين رعاية الشارع للمصلحة وبين اتباع المصالح المخالفة للنصوص .
ز - أن الدليل مبني على أن الشارع رعى المصالح ، ومعناه : أنه استقصاها فلم يبق شيء منها لم يرعه ، فنصوصه راعية للمصالح ، فالمصالح والنصوص دائما مجتمعة فكيف يتصور التعارض بين النصوص وما تضمنته من المصالح .
الدليل الخامس : أن النصوص سبب للخلاف في الأحكام ، لأن كثيرا منها متعارض والمصلحة سبب للاتفاق ؛ لأنها لا تختلف ، واتباع ما يؤدي إلى الاتفاق مقدم على ما يؤدي إلى الخلاف إذ الخلاف مذموم شرعا .
__________
(1) المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي ص 228 ، وأدلة التشريع المختلف في الاحتجاج بها ص (206) .


وأجيب :
أ - أن النصوص يصدق بعضها بعضا فلا تتعارض ، فقد نفى الله عز وجل عنها الاختلاف والتناقض ، قال تعالى : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } (1) .
ب - أن المصالح مختلفة باختلاف الآراء والأهواء والأزمنة والأمكنة ، بخلاف النصوص فهي لا تختلف باختلاف ذلك .
ج - أن هذا الاستدلال مبني على دعوى اختلاف النصوص ، سواء ما كان في العادات أو العبادات أو المعاملات ، فهذا يقضي أن تعطى النصوص كلها نتيجة واحدة من أجل هذا الاختلاف والتعارض ، لكننا نراه يفرق بين أحكام المعاملات - فيجعل المصالح أولى من النصوص - وبين العبادات فيجعل النصوص مقدمة على المصالح .
الدليل السادس : أن هناك نصوصا قدمت المصلحة على النصوص ، ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بعد الأحزاب : « لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة » (2) ، فصلى بعضهم قبلها ، فقررهم على ذلك إذ فيه تقديم المصلحة
(مصلحة إدراك الوقت) على النص ، وحديث : « لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر ، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة » (1) .
وهذا يدل على أن بناءها على قواعد إبراهيم هو الواجب ، فتركه لمصلحة الناس . وذكر في ذلك آثارا عن الصحابة .
وأجيب :
أ - أن المصلحة أن الإمام مطاع في كل أوامره ، وأن الشرع يقدم على أهواء الناس ، ولكنه ترك هذه المصلحة هنا للنصوص .
ب - أن هذه القضايا حصلت في أمور العبادة ، والطوفي لا يقول بتقديم المصالح على النصوص في أمور العبادات .
ج - أن المعارضة هنا ليست بين النصوص والمصالح ، بل بين النصوص والنصوص ، إذ من السنة إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - .
د - ما ذكر من الآثار ما هي إلا اختلاف في الأفهام ، واجتهادات الصحابة منها ما أقروا عليها ، ومنها ما لم يقروا عليها ، وقول الصحابي إذا خالف النص فلا عبرة به ، وهذه المعارضة التي سلكها الصحابة رضوان الله عليهم لم تكن
من قبيل النظر في المصلحة المجردة عن الدليل ، بل إنهم يستندون في ذلك إلى أدلة أخرى ، فهذا اجتهاد في النصوص .
تنبيه :
الطوفي بنى رأيه على فرض تضمن بعض النصوص ضررا يعارض مصلحة راجحة ، وهذا خطأ وباطل ، وعليه فتقديم المصلحة على النص والإجماع محال غير متصور الوقوع ، فإن فرض مخالفة المصلحة للكتاب والسنة والإجماع مجرد فرض لا واقع له ، ويشهد لذلك أنه لم يقدم لما فرضه مثالا واحدا من الواقع ، والأعجب من هذا أن الطوفي نفسه قد مهد لبيان كون هذا محالا إذ ساق الأدلة على أن كتاب الله جاء مهتما بمصالح الخلق متضمنا لها واستدل لذلك بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (1) { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } (2) ، وذكر سبعة وجوه لدلالتها على ذلك (3) .
3 - أدلة الجماهير :
الدليل الأول : أن النصوص الشرعية قد اشتملت على المصالح الراجحة فلا يحتمل أن تعارض المصلحة مطلقا .
الدليل الثاني : لو فتح باب تغيير الأحكام الثابتة بالنصوص استنادا للمصالح ، لكان في ذلك اندراس معالم الدين بالكلية ، فهذا القول يفتح مجال العبث واللعب بأدلة الشريعة وأحكامها ، بحجة المصلحة بل قد يبيح الزنا وبعض المعاملات الربوية وبعض المسكرات ، وتوضع القوانين البشرية وتوجد المحرمات ويحارب شرع الله بحجة المصلحة المزعومة ، أعاذ الله الأمة الإسلامية من ذلك (1) .
الدليل الثالث : أن النصوص مراعية للمصالح بالإجماع ، فلا سبيل لتعارض المصالح مع النصوص .
الدليل الرابع : أن العلماء مجمعون من العصور الأولى إلى عصر الطوفي على أن العبرة بالنصوص ، ولا يلتفت لما يتوهم كونه مصلحة ما دامت معارضة للنصوص .
الدليل الخامس : قوله تعالى : { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } (2) فقد أثبت مصالح في الخمر والميسر ومع ذلك فهما محرمان بالاتفاق لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (3) .
__________
(1) أصول الفقه وابن تيمية ، ص (464) .

عبدالرحمن الفقيه
16-11-07, 04:16 PM
ضوابط الفتوى في ضوء الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح
إعداد الدكتور
عبد الوهاب بن لطف الديليمي

وقد ظهر من ينادي بتقديم المصلحة مطلقاً حتى على النص والإجماع عند معارضتها لهما، وقد تولى أهل العلم الرد على مزاعمه، وبيان تهافتها وبطلانها، ويحسن هنا أن أنقل نص عبارة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) في الرد على الطوفي (1) الذي كان أول من ينادي بذلك، حيث يقول: "فهذا الإجماع الذي بدأ منذ عصر الصحابة، لم يزل ساري المفعول لدى مختلف طبقات الأئمة والعلماء على اختلاف آرائهم واجتهاداتهم، إلى أوائل النصف الثاني من القرن السابع الهجري، حيث ظهر في هذه الفترة رجل من علماء الحنابلة اسمه سليمان بن عبد القوي الطوفي … وما لبث أن نادى في بعض مؤلفاته بضرورة تقديم المصلحة مطلقاً على النص والإجماع عند معارضتها لهما.
فقد ألف كتاباً في شرح الأربعين حديثاً، وأفاض في الكلام عند شرحه لحديث (( لا ضرر ولا ضرار )) وبعد أن بين فيه أن يقتضي رعاية المصالح إثباتاً، والمفاسد نفياً، وجعل أدلة الشرع في حسابه تسعة عشر دليلاً، قال ما نصه:
"وهذه الأدلة التسعة عشرة أقواها النص والإجماع ، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها، فإن وافقاها فبها ونعمت ولا نزاع، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما ".
وعمدة دليله على كلامه هذا، اعتباره المصلحة دليلاً أقوى من كل من النص والإجماع، فهو يقول: إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع، ويلزم من ذلك أنها أقوى أدلة الشرع، لأن الأقوى من الأقوى أقوى.
وجعل عمدة دليله على أن المصلحة مقدمة في الرعاية على النص والإجماع أمرين:
أحدهما: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهي إذًا محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
ثانيهما: أن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذمومة شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً، فكان اتباعه أولى.
مناقشة هذه الأوهام وردها:
وقبل أن نرد على ما تخيله من أدلة لزعمه هذا، ينبغي أن نشير للقارئ إلى ما وقع فيه هذا الرجل من تناقض عجيب، وهو يقرر أدلته هذه.
فلقد بدأ فساق كل الأدلة الشرعية التي قيل بها والتي أحصاها في تسعة عشر دليلاً، سواء منها ما كان متفقاً عليه، وما كان مختلفاً فيه، و ذكر منهم المصالح المرسلة، ثم اعترف بأن النص والإجماع هما أقوى هذه الأدلة كلها، ولكنه مع ذلك عاد فقال في معرض استدلاله على وجوب تقديم المصلحة عليهما: إن رعاية المصلحة مقدمة على الإجماع، وإذًا فهي أقوى أدلة الشرع كلها، أفيكون تناقض أبلغ من هذا وأوضح؟‍!
وأيضاً فقد ذكر عن تحليل لفظ حديث (( لا ضرر ولا ضرار )) . . . ما نصه : "ثم المعنى لا لحقوق ضرر شرعاً إلا بموجب خاص مخصص ".
"وعاد فأكد هذا الكلام بعد ذلك، فقال: إن النص والإجماع إما أن لا يقتضيا ضرراً ولا مفسدة بالكلية، أو يقتضيا ذلك، فإن لم يقتضيا شيئاً من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة، وإن اقتضيا ضرراً فإما أن يكون الضرر مجموع مدلوليهما أو بعضه، فإن كان مجموع مدلوليهما، فلا بد أن يكون من قبيل ما استثنى من قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار )) (1) ، وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات ، وإن كان الضرر بعض مدلوليهما، فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل، وإن لم يقتضه دليل خاص وجب تخصيصهما بقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار )) جمعاً بين الأدلة ".
"فماذا عسى أن يكون الموجب الخاص المخصص في كلامه الأول، أو الدليل الخاص المقتضى للضرر في كلامه الثاني غير نص الكتاب أو السنة أو الإجماع المترتب على أحدهما "؟
"وما دام كذلك فكيف تكون المصلحة مع ذلك أقوى اعتباراً من النص والإجماع"؟
"إما أن المصلحة أقوى اعتباراً من النص والإجماع كما يقول، فلا معنى إذًا لتحكم أحدهما في استثناء بعض صور المصالح عن الاعتبار، سواء كان الضرر كل مدلوله أو بعض مدلوله، وسواء أكد هذا البعض دليل خاص آخر أم لا، لا فرق بين كل هذه التنويعات المتكلفة ما دام أصل دلالتها آتياً من النص أو الإجماع، وما دامت المصلحة في ذاتها أقوى منهما في ذاتهما ".
"وإما أن النص والإجماع أقوى اعتبارا من محض ما يسمى مصلحة، وعلى ذلك يأتي الموجب الخاص فيخصص عموم حديث (( لا ضرر ولا ضرار )) كما قال: فما معنى التفريق إذا بين نص كان الضرر كل مدلوله ، ونص آخر كان الضرر بعض مدلوله، ما دام الدال على كلٍّ نصًّا، وما دام النص أقوى من المصلحة المتوهمة؟ وما معنى القول بترجيح هذا المتوهم على النصوص والإجماع ….؟
"فهاتان الصورتان من التناقض الصارخ في كلامه، كافيان لإسبال حجاب الإهمال على مجموع أدلته وبراهينه التي ساقها على دعواه ".
ومع ذلك فللنناقش أدلته، وإن كانت واضحة البطلان خشية أن يفتن بها الذين يلتمسوا السبيل في هذه الأيام إلى مثل دعواه.
"فنقول أولاً: إن الأساس الذي بنى عليه زعمه هذا، أساس محال غير متصور الوقوع، ألا وهو فرض كون المصلحة مخالفة للنص أو الإجماع ".
"والعجيب أنه هو بنفسه مهد لبيان كونه محالاً دون أن يشعر … إذ أنه ساق البراهين على أن كتاب الله إنما جاء متضمناً لمصالح الخلق، واستخرجها واحدة بعد أخرى من قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ يونس: 57 ].
"وبدهي أن كتاب الله تعالى إنما يكون متضمناً للرحمة بالعباد والرعاية لمصالحهم، إذا كانت نصوص متفقة مع هذه المصالح، وإذًا فمن المحال أن نجد آية فيه تدعو إلى ما يخالف المصلحة الحقيقية، والذي يتراءى من ذلك لأول وهلة، إنما هو بتأثير الشهوات والأهواء وقصور معظم العقول عن إدراك كنه المصالح الحقيقية، ومن ثم فمن العبث الشنيع أن يفكر الإنسان بالمخرج والحل عن ذلك ".
"وإذا تصورنا المحال وفرضنا أن نجد في نصوص الكتاب - والسنة - مثله - ما يخالف المصلحة، فقد سقط إذًا البرهان الذي بنى عليه الطوفي دعواه من أن الشريعة لم تأتِ إلا لرعاية مصالح العباد، إذ تصبح النصوص - على هذا الفرض - أعم من أن تلتزم بمقتضى المصالح، وبذلك يغدو ميزان المصالح، قاصراً على درك أحكام الشريعة ".
"فالنتيجة، أن ما فرضه الطوفي من إمكان مخالفة المصالح للنص أو الإجماع ، إما أن يكون فرضاً ممكناً أو محالاً، وهو في كلا الحالتين دليل واضح على عكس دعواه ".
قد يقول قائل: "ولكن الطوفي إذ يقدم المصلحة على النص أو الإجماع، يحاول أن يسلك إلى ذلك طريق التخصيص لأحدهما لا هدره وإلغاءه … كما قد يتوهم ذلك أي فالنص يكون مراعيا لتلك المصلحة في الحقيقة لا معارضاً لها ".
فالجواب: "إما أن يتخصص الإجماع بمخصص من مصلحة أو غيرها. . فهذا ما لم يسمع ولم يقل به أحد؛ إذ الإجماع بعد ثبوته دليل قطعي من كل نواحيه، فمن أين ينفذ التخصيص إليه …؟ وإما أن يتخصص النص بالمصلحة "أي بما يقال إنه مصلحة "فهذا أيضاً ما لا يمكن أن يتصور، وإلا لانهار الفرق - على جلائه - بين التخصيص والنسخ، ولأمكن لأي يد أن تشطب على جملة شريعة الله بدعوى التخصيص".
"ومعلوم أن من أبرز مظاهر الفرق بين التخصيص والنسخ، أن التخصيص إخراج جزء من المدلول لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه، على حين أن النسخ إبطال ما أراده المتكلم، وأن التخصيص إخراج جزء فقط من المخصص على حين أن النسخ يمكن أن يكون إبطالاً للكل ".
"والطوفي إنما يدعو إلى تقديم المصلحة على جملة مدلول النص عند معارضتهما، فكيف ينطبق معنى التخصيص على ذلك ؟ وعلى فرض أن المصلحة عارضت جزءاً من مدلول النص، فمن أين له أنها مصلحة حقيقية وأن الشارع لم يرد بالنص الدلالة على الحكم المخالف لها؟ وماذا يقول في قرون متطاولة من قبله أخذ أهلها - مثلاً - بكل مدلوله، ولم يفهموا إلا أن المصلحة هي ما تضمنته جملته؟ ثم إن الرعيل الأول من المسلمين، وهم الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم، لم يتركوا لبساً في مدلولات النصوص القابلة للتخصيص - بما وصل إلينا من أفعالهم وعلومهم وأقوالهم - فما سكتوا عن تخصيصه، وعبدوا الله بالتمسك بمجموع دلالته، فهو غير قابل للتخصيص بعد ذلك، وإلا للزم من ذلك جهل الصحابة بمدلولات النصوص والقدر المراد منها، أو نسخ ما ثبت حكمه واستقرت على الناس تبعته، ونعوذ بالله من الوقوع في أي الضلالين ".
"ثانيا: إن اعتبار المصلحة أقوى من الإجماع والنص، فرع لاعتبارها مستقلا عنهما، كما هو واضح، وقد ذكرنا في تمهيد هذا الباب: أن رعاية المصلحة مجردة ليست في حقيقتها دليلا مستقلا عن النص حتى يمكن اعتبارها قسيما له، وإنما هي معنى كلي استخلص من تتبع جزئيات الأحكام القائمة في أساسها على النصوص، والكلي لا يوجد إلا في جزئياته - كما هو معروف - وإلا لم يكن كليًّا لها، ولذا فقد كان لا بد لاعتبار حقيقة المصلحة في أمر ما من أن يدعمه دليل من الأدلة الشرعية التفصيلية القائمة في أساسها على النصوص أو أن لا يوجد ما يخالفها من ذلك على الأقل ".
"فكيف يصح بعد ذلك أن تكون المصلحة قسيما، بل وندا للنص والإجماع يشطب بها عليهما حيثما قضى بذلك الوهم والخيال "..؟
"ثالثا: وفي استدلال الطوفي على كون المصلحة أقوى من الإجماع، أبرز صورة للمغالطة التي تشبه أن تكون مقصودة، إذ هي من الوضوح بحيث لا يجهلها من مارس كتب العلم والاطلاع عليها مهما قلَّت بضاعته منها ".
فقد استدل على كونها أقوى من الإجماع بقوله: "إن منكرى الإجماع قالوا ؛ برعاية المصالح، فهى إذا محل وفاق. . والإجماع محل خلاف.
"فإذا كان يريد بذلك، أن منكري الإجماع قالوا كغيرهم بأن نصوص الشريعة قائمة على أساس المصالح، فهذا صحيح، ولكن ما علاقة هذا بدعواه؟ وهل يلزم من الاتفاق على كون الشريعة قائمة على أساس المصالح. . الاتفاق على تقديم ما توهم أنه مصلحة على الإجماع أو النصوص"؟
"إن من الوضوح بمكان أن إجماعهم الذي يشير إليه يدعوهم إلى الحذر من الوقوع في هذا الضلال، فضلا عن أن يتفقوا على الوقوع فيه ".
"وإذا كان يريد بذلك أن منكري الإجماع، قالوا بمثل رأيه في شأن المصالح، فهذا كذب وافتراء، وما من أحد من المسلمين قبله خطر له أن يقول بمثل ما أتى به ؛ سواء منهم جماهيرهم القائلون بالإجماع ، والقلة الذين لم يقولوا به ".
"ثم تأمل كيف نسي نفسه، وهو يقلل من أهمية الإجماع في جنب المصلحة المجردة، فراح يستدل على ذلك نفسه بالإجماع. . ! فأصبح معنى كلامه : الإجماع أضعف من رعاية المصلحة ، لأن رعاية المصلحة مجمع عليها ، والإجماع غير مجمع عليه .. !! وهل يقول هذا الكلام عاقل ". . ؟
"رابعا: وفي استدلاله على كون المصلحة مقدمة على النص، مغالطة أكبر وأشنع. . إذ استدل على ذلك، كما ذكرنا، بأن النصوص مختلفة متعارضة، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف. .
فكيف تكون نصوص الشريعة مختلفة متعارضة، وهي آتية من عند الله عز وجل "؟
"ولو كانت مختلفة متعارضة كما يقول، لكان ذلك أكبر دليل على أنها من عند غيره سبحانه وتعالى، ولذا نبَّه الله عباده إلى أن تناسق القرآن وتوافق نصوصه وآياته، أكبر دليل على أنه من عند الله عز وجل " (1) .

"ولقد استدل الطوفي على هذا الزعم العجيب بالخلاف الذي وقع بين الأئمة والفقهاء بسبب النصوص، ولست أدري كيف يتصور عاقل من الناس ضرورة الصلة بين هذا الدليل وذلك الزعم، فالخلاف الذي وقع بين الأئمة في الفروع، إنما هو خلاف في فهم النصوص والوصول إلى حقيقة مدلولاتها، لتفاوت الأفهام فيما بينهم، لا خلاف بين النصوص في ذاتها ؛ وهذا الخلاف أمر متصور الوقوع في الاجتهاد ، ومعلوم أن اختلاف المذاهب في الاجتهاد لا يعني بحال اختلاف النصوص في مدلولاتها، ولكنه يعني أن واحدا غير معين، قد وافق الحقيقة وأخطأها الآخرون، وقد رفعت الشريعة عنهم تبعة هذا الخطأ على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: (( إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد )) (1) .
"ذلك أن الله لم يلزم أهل العلم بأكثر من بذل الجهد للوقوف على ما اشتبه عليهم من الأحكام، وهو في ذاته نوع من العبادة، تعبدهم الله به لحكمه. . . . ".
"وإذا تأملت في كلامه، وجدت أنه إنما يقصد بالنصوص حقيقتها لا الفهم لها. . إذ هو يقول عن المصلحة في مقابلها: "ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه " ، فهو إذاً إنما يقابل ذات النصوص بذات المصالح ، ثم يفوه بما لا يقول به مسلم من أن النصوص متعارضة متخالفة في نفسها ". .
"هذا عن مغالطته فيما وصف به نصوص الشريعة ". .
"أما مغالطته فيما قال عن المصلحة فكامنة في أنه بنى وهمه هذا على مقدمتين لا رابطة بينهما، ولا حد متكررا فيهما، إذ هو ينظر أولا إلى جزئيات المصالح المتصورة في الخارج، ومعظمها جزئيات اعتبارية مختلف فيها ".
"فيقول: "هذه مصالح ". . ثم ينظر إلى الجنس المعنوي لها - وهو كلي منفق على رعايته في جميع الأذهان - فيقول: والمصلحة رعايتها حقيقة مجمع عليها. . ثم يزهي بالنتيجة المغلوطة قائلا: فرعاية المصالح - أي الجزئية - أمر حقيقي مجمع عليه ".
"فهذا القياس الملفق هذا التلفيق، يشبه ما يذكره المناطقة مثالا على السفسطة، وهو أن يشير الإنسان إلى صورة فرس على الجدار فيقول: هذا فرس، ثم يشير إلى جنس الفرس القائم في الذهن فيقول : وكل فرس صاهل، ثم يأتي بمثل نتيجة الطوفي فيقول عن الصورة: فهذا صاهل فرس " (2) .
"ولا ريب أن التخالف بين جزئيات المصالح المختلف فيها بين الناس، وحقيقتها القائمة في الذهن، ليس أقل من التخالف بين صورة الفرس على الورق وحقيقته الماثلة في العقل ".
"فالحقيقة الذهنية للمصلحة، حقيقة متفق على رعايتها كما قال، ولكن ليست هي التي يقع بها التعارض مع النص، على فرض صحة وقوعه، وإنما يكون التعارض بما يوجد من صور جزئية لها في الخارج ".
"وهذه الصور الجزئية، هي شيء غير الحقيقة الذهنية المجردة، وهى ليست أمورًا متفقا عليها بحال من الأحوال، لأن هذه الصور إنما يصار إليها عن طريق تحقيق المناط، فكل أمر أنيط بتحقيقه نفع ما فهو مصلحة، ومعظم المنافع كما قلنا في صدر هذا الكتاب أمور اعتبارية تختلف حسب اختلاف المشاعر والعادات والأخلاق. . ولقد رأينا كيف أن علماء الأخلاق - وقد أجمعوا على تقديس المصلحة - لم يتمكنوا أن يصيروا إلى أي اتفاق على مسمياتها الجزئية، حينما حكموا في ذلك عقولهم وحدها، بل ولم تتمكن عقولهم من الاستقلال بالنظر والحكم، إذ سرعان ما يغلب عليهم وحي الشهوات والأهواء ومقاصد الأنانية والأثرة، وليته قد تخلف به الزمان حتى رأى عصرنا الحاضر وتعقد مسائله، وحيرة أهله وتضارب آرائهم وتباين مذاهبهم، إذًا لوجد أن المصلحة التي سماها حقيقة لا تختلف ليست إلا سرابا قد ضل سعي الناس وراءه. . . . ".
"من أجل هذا جاءت نصوص الشريعة، مفتاحا لما استغلق على الناس فهمه، وهداية إلى الحق الذي التبس عليهم أمره، إذ الخالق أدرى حيث تكمن مصلحة عباده وحيث تكمن مضارهم. . ومن هنا كانت المصلحة الحقيقة ما عرفت بهدي النصوص أو توابعها، ولا عبرة بمن قد يحسبها مفسدة، وكان كل ما خالفها مفسدة، ولا عبرة بوهم من ظنها مصلحة "
وصدق الله القائل في محكم كتابه: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [البقرة: 216] " (1) .
وهناك أمر آخر مهم. . غير ما أورده صاحب (ضوابط المصلحة) وهو أن الأخذ بالرأي الذي جنح إليه الطوفي، لا يمكن أن ينحصر في ضوابط معينة، إذ يصير من حق كل صاحب شهوة وهو أن يدعي المصلحة في أمر ما، دون التفات إلى نصوص الشرع، ولا إلى الإجماع ، وحينئذ يصبح الخضوع للهوى والشهوة، لا لأحكام الشرع.
والنصوص الشرعية قد جاءت من أجل تحقيق المصالح، ودرء المفاسد، على وجه لا يتطرق إليه الاختلال، ومن ادَّعى تعارضها مع المصلحة، فقد ادَّعى عدم اطرادها، وإمكان اختلالها وتخلفها عما وضعت له، وفي ذلك يقول الشاطبي (2) :
"فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها، أو تختل أحكامها، لم يكن التشريع موضوعا لها (3) . . إذ ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد، لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد، لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا، وكليا، وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين، وجميع الأحوال. . . ".
__________
(1) ضوابط المصلحة ص 202 - 215 ؛ وانظر نص رسالة الطوفي، ضمن كتاب (مصادر التشريع الإسلامى فيما لا نص فيه) لعبد الوهاب خلاف، ص 105 - 144.
(2) الموافقات: 2 / 37 - 40.
(3) أى للمصلحة.

"والمصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور ":
أحدها: أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عبادا لله، وهذا المعنى إذا ثبت، لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقد قال ربنا سبحانه: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } [المؤمنون: 71].
"الثانى: أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع، ومع ذلك فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس "
"الثالث: أن المنافع والمضار، عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية: أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت، فالأكل والشرب - مثلا - منفعة للإنسان ظاهرة، ولكن عند وجود داعية الأكل، وكون المتناول لذيذا طيبا، لا كريها ولا مرا. . وكونه لا يولد ضررا عاجلا ولا آجلا، وجهة اكتسابه لا يلحقه به ضرر عاجل ولا آجل ".
"الرابع: أن الأغراض في الأمر الواحد تختلف، بحيث إذا نفذ غرض بعض وهو منتفع به تضرر آخر لمخالفة غرضه، فحصول الاختلاف في الأكثر، يمنع من أن يكون وضع الشريعة على وفق الأغراض، وإنما يستتب أمرها بوضعها على وفق المصالح مطلقا، وافقت الأغراض أو خالفتها ".
وهناك أمر آخر غير ما تقدم، وهو أن من يدعي تقديم المصلحة على النص، سيؤدي ذلك إلى مفاسد عظيمة، لأن الناس - عند عدم الرجوع إلى الضابط الشرعي للمصلحة والمفسدة - تتباين رغباتهم وأهواؤهم وتتصادم مصالحهم، ويطلب كل شخص من المصالح المطابقة لهواه، ما يؤدي إلى مفاسد كبيرة على غيره، وهناك تحدث فتن عظيمة بين الناس ، وفي ذلك يقول الشاطبي (1) .
"إنه قد علم بالتجارب والعادات، أن المصالح الدينية والدنيوية، لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض، لما يلزم من ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك، الذي هو مضاد لتلك المصالح ".
ومن هنا يتبين أن الاستصلاح أو ( المصالح المرسلة ) من الأدلة التي يستند إليها عند عدم وجود دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، والمراد بالمصالح المرسلة:
"كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع، دون أن يكون لها أو لجنسها القريب شاهد بالاعتبار أو الإلغاء " (2) ، ولا يعني ذلك عدم وجود أى دليل تستند إليه، وإلا لما أمكن للمجتهد أن يجعلها دليلاً على حكم من أحكام الشريعة بحال، إذًا "فالمصالح المرسلة لابد أن تستند إلى دليل ما قد اعتبره الشارع، غير أنه لا يتناول أعيان هذه المصالح بخصوصها، وإنما يتناول بالجنس البعيد لها: كجنس حفظ الدين، والأرواح، والعقول، والأنساب، أي فهو قاصر عن دليل القياس الذي يتناول عين الوصف المناسب بواسطة النص عليه، كما في الوصف المؤثر أو بواسطة جريان حكم الشارع على وفقه كما في الملائم " (3) .
__________
(1) الموافقات: 2/ 170، مع شىء من التصرف.
(2) ضوابط المصلحة، ص 330.
(3) ضوابط المصلحة، ص 217

عبدالرحمن الفقيه
16-11-07, 04:26 PM
الوقت وأهميته في حياة المسلم - (ج 2 / ص 92)
ذا مجمل ما عند الطوفي من أدلة علي رأيه ، ولكن تحليل هذه الأدلة بكل روية وتمعن يظهر فيها ضعفا وتناقضا لا يخطئه من له أدني إدراك بالأدلة وطرق مناقشتها .
1- فمما لا يختلف فيه اثنا أن النصوص دلت عموما وتفصيلا أن أحكام الشريعة غايتها المصلحة ، ولكن هذا دليل إثبات أنه حيثما وجد النص فثم المصلحة ، والله أراد من النصوص اليسر ولم يرد بها العسر ، وكل نصوص الدين ما جعل الله فيها من حرج وهي سمحة سهلة ، فكل أدلة الطوفي في أن المصلحة واليسر ورفع الحرج هي مقصود الشارع ، فهي دليل علي ضرورة التزام النص وتقديمه ، لأنه الذي يحقق المصلحة في كل الظروف .
2- وحديث لا ضرر ولا ضرار هو أحد الأدلة أيضا علي أن كل نصوص الشرع لا ضرر فيها ، وأن المصلحة متحققة منها دائما ، إذ كيف يقرر الرسول أنه لا ضرر وتكون بعض النصوص التي جاء بها سببا في الضرر . إن من يظن وقوع الضرر من تطبيق النص يقع في تناقض بين .
3- والاختلاف في تقدير المصلحة أمر واقع ، وهو اختلاف كبير واسع ، فالمصلحة ليست أمرا منضبطا يتفق عليه الناس وإلا لو كان الأمر كذلك لا تفق الناس في شرائعهم ونظمهم وطرق حياتهم وكل هذا ينقض ما قاله الطوفي من أن المصلحة أمر حقيقي متفق عليه .
4- والطوفي في عبارته عن تقديم المصلحة علي الإجماع متناقض جدا ، فهو يقول أن المصلحة متفق عليها والإجماع مختلف حوله ، فتقدم المصلحة لأنها متفق عليها ( فأصبح معني كلامه : الإجماع أضعف من رعاية المصلحة لأن رعاية المصلحة مجمع عليها والإجماع غير مجمع عليه )[6] .
5- ومن الملاحظ أن الطوفي لم يأت بمثال واحد يرينا فيه كيف أن المصلحة عارضت النص وكيف تقدم عليها ، حتى نستيقن مما يقول ، وما ذلك إلا لأنه لم يجد مطلقا بعد طول الاستقراء والبحث حالة واحدة تعارض فيها المصلحة النص لأن ذلك التعارض أمر متوهم[7]
ولضعف أدلة الطوفي وشناعة رأيه حمل عليه كثير من المعاصرين حملة قوية . فيقول الشيخ أبو زهرة عن رأيه أنه ( رأي شاذ بين علماء الجماعة الإسلامية ) ويقول ( .. إن مهاجمته للنصوص ونشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح هي أسلوب شيعي ، أريد به تهوين القدسية التي يعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع . والشيعة الأمامية يرون أن باب النسخ والتخصيص لم يغلق لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس في الدنيا والآخرة ، وأدري الناس بذلك الإمام فله أن يخصص كما خصص النبي (ص) لأنه وصى أوصيائه . وقد أتي الطوفي بالفكرة كلها وإن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشر الفكرة )[8] .
ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف : ( .. وإن الطوفي الذي يحتج بالمصلحة المرسلة إطلاقا فيما لا نص فيه وفيما فيه نص، فتح بابا للقضاء علي النصوص وجعل حكم النص أو الإجماع عرضة للنسخ بالرأي، لأن اعتبار المصلحة ما هو إلا مجرد رأي وتقدير، وربما قدر العقل مصلحة وبالروية والبحث يقدرها مفسدة. فتعريض النصوص لنسخ أحكامها بالآراء وتقدير العقول خطر علي الشرائع وعلي كل القوانين )[9] .

[6] أنظر ( ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ) - محمد سعيد رمضان البوطي ص 212
[7] أنظر ( ابن حنبل ) لأبو زهرة ص 359
[8] نفس المصدر ص 363
[9] مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه - عبد الوهاب خلاف - ص 101




أصول الفقه بين الثبات والتجديد1/2
ورقة ا.د. يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين
أستاذ أصول الفقه بقسم الدراسات العليا
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض:
8/1/1423


- وفي نهاية القرن السادس الهجري طرح سليمان بن عبدالقوي نجم الدين الطوفي المتوفى سنة 716هـ ، رأياً متطرفاً وشاذاً وفق المقاييس الأصولية ، في المصلحة . هو لم يؤلف كتاباً في المصلحة يذكر فيه رأيه ، ولكنه أورد رأيه في شرحه الحديث الثاني والثلاثين من الأحاديث الأربعين النووية ، وهو قوله :صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضِرار ) . ولم يشر علماء الأصول الذين عاصروه أو جاؤا بعده ، إلى رأيه هذا ، فيما أطلعت عليه من كتبهم . وقد طبع شرحه للأربعين النووية كاملاً باسم ( التعيين في شرح الأربعين ) في السنوات الأخيرة. وهو وإن لم يتكلم عن المصلحة في بعض كتبه كشرحه لمختصر الروضة ، لكنه لم يخرج في ذلك عن رأي الجمهور فيها ، مع نقده تقسيماتهم المصلحة إلى ضرورية وغير ضرورية ، وعدّه ذلك تعسفاً وتكلفاً ، وإنما كان رأيه الخاص والمخالف لرأي جمهور العلماء هو ما أورده في شرحه لحديث ( لا ضرر ولا ضِرار ) ، الذي تكلم في شرحه على المصلحة مطلقاً، لا المصلحة المرسلة . وقد عرّف المصلحة ، بحسب العرف ، بأنها السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع ، كالتجارة المؤدية إلى الربح ، وبحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة (7) .
وبعد أن أقام الأدلة على حجية المصلحة من نصوص الشارع ، ذكر أن رعايتها مقدمة على النصوص والإجماع ، مستدلاً على ذلك بوجوه ، منها :
أ - ( إن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح ، فهو إذاً محل وفاق ، والإجماع محل خلاف ، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه .
ب- إن النصوص مختلفة متعارضة ، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً ، ورعاية المصالح أمر (حقيقي في نفسه ، ولا يُخْتَلَفْ فيه ، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً ، فكان اتباعه أولى ) (8) .

لكنه يقصر ذلك التقديم على جانب المعاملات والعادات وشبهها ، وأما في العبادات والمقدرات ونحوها ، فالمعتبر فيها النصوص والإجماع ونحوهما من الأدلة (9) .
والمصلحة عنده عامة هي مصلحة الناس ، وما يتراءى لهم أنه ذو منفعة . وليس المقصود في ذلك المصالح المرسلة التي يقول بها الإمام مالك . ونجد من المناسب أن نذكر خلاصة لهذا الاعتبار من عبارات الطوفي نفسه . قال : ( ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته ، لأنّا نقول: قد قدرنا أن رعاية المصلحة في أدلة الشرع ، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح . ثم إن هذا يقال في العبادات التي تخفى مصالحها على مجاري العقول والعادات ، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل ، فإنا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها ، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها ، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنّا أحلنا بتمامها على القياس ، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما )((10) .
فالأمور السابقة : الإجماع ، والاستصحاب البديل عن القياس الأصولي المعروف ، والقياس الواسع ، والمصلحة . والسنة كانت مما يدخل في مجال أصول الفقه ، لأنها تتناول الأدلة ، سواء كان بإنكارها ، أو بتوسيع نطاقها ، ولكنها لم يكن ينظر إليها على أنها تجديد ، بل كانت تذكر على أنها آراء شاذة ، باستثناء أفكار الطوفي في المصلحة التي لم نجد لها ذكراً في كلام المتقدمين.

نضال مشهود
17-11-07, 12:26 AM
القول الجامع أن النصوص الشرعية لا تهمل مصلحة قط !

الصالح والمشروع والحسن والنافع أسماء لمسمى واحد أو صفات لموصوف واحد .
فلا معنى لقول القائل بتقديم المصلحة على النص , لأن ما ثبت أنه مصلحة - خالصة أو راجحة - فهو مشروع منصوص بنص الكتاب والسنة - نصا عاما ، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان وأمر الناس بالطاعة والتقوى لعلهم يفلحون يرحمون .
ولا معنى لتقديم الطوفي - رحمه ربه - المصلحة على الإجماع ، لأن التعارض بينهما أبدا لن يقع . فكل ما أجمع عليه المسلمون فهو صالح بلا ريب ! بل الإجماع دليل على مصلحيته ، كما أن النصوص دليل على صلاحية المنصوص عليه - فإن الله لا يأمر بالفحشاء جل جلاله .

أبو أنس السلمي
26-11-07, 10:30 PM
شخينا الفاضل عبد الرحمن لعل رأي الطوفي لا تأثير له من ناحية عملية لأن الأدلة لا تخالف المصلحة فبطل كلامه

رافع
29-03-08, 11:08 AM
علما ان الطوفي اتهم بالتشيع بل بالرفض فقد وصفه الذهبي بالشيعي .وقال الصفدي (كان فقيها .....شيعيا) وممن اتهمه بالرفض ايضا ابن رجب الحنبلي.

العازمي السلفي
18-10-09, 09:10 PM
اعتقد والعلم عند الله ان الطوفي يتكلم في مسألة الترجيح بين المصالح إن اختلفت لأنه قرر في كتابه شرح الأربعين أن نصوص الشرع متضمنة لكل مصلحة وعند التعارض فتقدم المصلحة الخاصة على العامة وهو ما صرح به في شرحه لحديث لا ضرر ولا ضرار ... وإن كان له كلام يوهم بتقديم رعاية المصلحة على نصوص الشرع فإن له ايضا كلاما صرح فيه بأن نصوص الشرع متضمنة لكل مصلحة ... والله اعلم

نضال مشهود
20-10-09, 11:15 AM
لا شك أن النص دليل المصلحة ، والمدلول لا يعارض دليله ، بل ولا يتقدم عليه .
ومع ذلك . . فقد نص الكتاب والسنة بالأمر بالعمل الصالح ، فحيثما علم أن الشيء صالح فهو المأمور به نصا .

فخلاصة المسألة أن نقول قولا عاما لا اسثتناء فيه ولا انخرام :
(النص والمصلحة متلازمان كالوجهين لعملة واحدة ، يعرف أحدهما بالآخر ، ومعرفة الثاني بالأول أسهل وأتقن)

أبو الفداء بن مسعود
22-12-09, 09:46 AM
الإشكال يأتي من جعل الطوفي المصالح كلها على درجة واحدة، حتى صار يتكلم في جلب المصلحة المظنونة بكلام لا يقال إلا في دفع الضرر المتيقن!! والضرورة في الشرع إنما تقدر بقدرها! وأكل الميتة ليس يعد من باب المصلحة ولكن من الضرورة التي تبيح المحظور! وإلا فالأمة مجمعة على أن الضرورات تبيح المحظورات، وليس المصالح المظنونة أو المتوهمة أو حتى المتيقنة! إذ كما تفضل الكرام الأفاضل فالمصلحة المظنونة فضلا عن المتيقنة لن تكون إلا حيث يكون الشرع! فعند التأمل فإننا لا نجد المصلحة إلا في النص وبوفق النص، وأما الضرر فيقدر بقدره، وهذا أيضا بالنص والإجماع، فلا يبقى للطوفي شيء يصح إطلاق اسم المصلحة عليه مما ينطبق عليه تنظيره ذاك، والله أعلم.
وقول أبي لقمان:
مثالا على هذا: شرب الخمر لمن غص بلقمة ، ، فلا سبيل لأحد أن يحلل الخمر للعامة ، ولكنه يصبح في هذه الحالة من واجبات الشرع لمن هذه حالته ، ولا مقتضي لإباحة الخمر في هذه الحالة إلا المصلحة ، فالمصلحة تقدم في خصوص هذه المسألة على النص المحرّم للخمر ، على أن العمل بالنص هنا -الامتناع من شرب الخمر- يجرّ للمكلف مفسدة ، وهذه المفسدة ليست مرادة شرعا ، فتلغى ويعمل بمقتضى المصلحة ، الذي هو شرب الخمر ، فهو من باب تحقيق مناط الحكم ، لا من باب تخريجه

يبين ما أقصده، إذ هذه الحال التي يصفها عند التأمل = حال ضرورة، ولهذا استبيح معها المحظور عند فقد ما يدفع به الضرر سوى ذلك المحظور. وهذا عند اعتباره من المصلحة، فهي درجة من درجات المصلحة التي اعتبرها الشارع بموجب قوله تعالى ((فاتقوا الله ما استطعتم)) وقوله ((إلا ما اضطررتم إليه)) ونحوه من النصوص والإجماع وجعلها - بخصوصها - مسوغا لاستباحة المحظورات عند الضرر المتيقن، وهذا لا يجوز تعميمه في كل ما يوصف بأنه مصلحة كما هو ظاهر، والله أعلم.

بنت أزد
23-12-09, 10:45 AM
أحسنت حفظك الله
فالشيعة لايأخذون بالمصلحة المرسلة ، وظاهر كلام أبي زهرة أنه ينسبه للطوفي فقط دون الشيعة ولكنه اعتبره أسلوب شيعي، فتأمل وأفدنا بما تراه سددك الله.

قال أبو زهرة
و على ذلك نقرر أن مهاجمته للنصوص و نشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح المرسلة، هى أسلوب شيعى أريد به تهوين القدسية التى تعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع، و الشيعة الإمامية يرون أن باب النسخ و التخصيص لم يغلق، لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس فى الدنيا و الآخرة. و أدرى الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبى صلى الله عليه سلم ، لأنه وصى رسول الله أوصيائه ، وقد أتى الطوفى فى رسالته بالفكرة كلها ،‌ إن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشرالفكرة
أحسنت شيخنا الفاضل..ولذا نرى بعض من ضاقوا بالنصوص النبوية ذرعا يتبنون راي الطوفي، ويكثرون ترداد المصالح المرسلة!
يريدون بذلك نسخ أحكاما لا توافق هواهم بمصالح مرسلة متوهمة!
والحق الذي نؤمن به أنه حيث وجد الشرع والنصوص فثم المصلحة، فطن لذلك من فطن وتعامى عنه من تعامى!
والله أعلم وهو الهادي لسواء السبيل.

نضال مشهود
01-04-10, 04:20 PM
وهذا يتلائم مع التدرج في تطبيق الشريعة كما في القصة المشهورة بين عمر بن عبد العزيز وابنه عندما راى الابن تاخرا من الامام عمر في تطبيق بعض النصوص فقال لابيه : والله ما ابالي لو ان القدور غلت في وفيك في الحق فرد عليه الامام الحكيم قائلا : يابني ان الله حرم الخمر على ثلاث مراحل واني خشيت ان حملت الناس على الدين جملة ان يذروه جملة
فهذا تقديم للمصلحة على النص بل على نصوص

فرق بين السكوت عن تبليغ النص لمدة معينة وبين مخالفته .

نضال مشهود
01-04-10, 04:24 PM
ويشهد لذلك من السنة النبيوية :
1- ترك هدم الكعبة وبائها على قواعد ابراهيم وهو امر مشروع لكن قدمت عليه المصلحة
2- ترك قتل راس المنافقين ابن سلول وهو امر مشروع بل واي قربة هو ولكن قدمت عليه المصلحة
فان قال قائل :
هذه الوقائع ثبتت بالنصوص فكيف يحتج بالشيء على نفسه
قلنا :
هي تنبيه على جواز تقديم المصلحة في بعض المواضع
او قل هي تاسيس لهذه القاعدة وليس ذلك من باب الحصر

1- بل المنصوص في تلك الحادثة هو عدم هدم قواعد الكعبة كما نص عليه الرسول (ص)
2- بل المنصوص في تلك الحادثة هو عدم قتل رأس المنافقين كما نص عليه (ص) في حديثه .
وعندما نعرف أن المنصوص والصالح وجهان لعملة واحدة ، فالكلام عن تقديم أحدهما على الآخر باطل .
بل استدل بالنص على المصلحة كما استدل بالمصلحة على النص .

لكن لا بد من تحرى المنصوص والصالح . فإنما نشأ الغلط من اعتبار ما ليس بمنصوص منصوصا وما ليس بصالح صالحا .

والله أعلم .

نضال مشهود
01-04-10, 04:26 PM
مثالا على هذا: شرب الخمر لمن غص بلقمة ، ، فلا سبيل لأحد أن يحلل الخمر للعامة ، ولكنه يصبح في هذه الحالة من واجبات الشرع لمن هذه حالته ، ولا مقتضي لإباحة الخمر في هذه الحالة إلا المصلحة ، فالمصلحة تقدم في خصوص هذه المسألة على النص المحرّم للخمر ، على أن العمل بالنص هنا -الامتناع من شرب الخمر- يجرّ للمكلف مفسدة ، وهذه المفسدة ليست مرادة شرعا ، فتلغى ويعمل بمقتضى المصلحة ، الذي هو شرب الخمر.

أين يأمر النص يأمر بالامتناع من شرب الخمر في مثل هذه الحالة أصلا؟؟

إبراهيم الجزائري
04-04-10, 03:23 AM
بارك الله فيكم
الأصح أن يقال : تراعى المصلحة في النص.

وموافقات الشاطبي كله في بيان هذا الأصل ردا على الظاهرية.

خلدون الجزائري
15-01-13, 11:02 AM
قرأت رسالة الطوفي الحنبلي رحمه الله فوجدت كلامه مطابقا لما في موافقات الشاطبي المالكي، وهو يدل على أن أصل الأخذ بمقاصد الشريعة هو من الموافقات بين المذاهب الأربعة، وإن كان من اختلاف بينها فمن حيث التفاصيل ومقدار التوظيف فقط وليس من حيث المبدأ.
وما سماه الطوفي بالمصلحة ـ التي أوهمت بعض الناس أخيرا فبثوا هجومات عليه بدون إتعاب النفس في تحرير مصطلحه ـ سماه الشاطبي مقاصد الشريعة، وكليات الشريعة، والعمومات المعنوية، والأدلة الكلية المستفادة من نصوص كثيرة، وهكذا . وقد أحسن في ذلك.
. . . .

أبو محمد علي حسيني
05-12-14, 07:31 PM
بارك الله في كل الأخوة
ان شاء سوف أكتب بحثا في هذه الجزئية (تخصيص النص بالمصلحة) فأرجو من كل الاخوة ان لا يحرمني من المساعدة و التوجه
و هنا لا يفوتني أن انصح اخواني ان نحسن الظن بأهل العلم و لا يخفى ان هذا الكلام (تقديم النص او المصلحة) خاص بطلبة العلم الشرعي الذين يستصحبون معهم دائما القيود و الاحترازات و الضوابط، و اذا تكلمنا عن النص فهو النص المقدس بذاته و اذا تكلمنا عن المصلحة عند علمائنا فالمقصود بها ما يفهم من الكليات العامة للشريعة
و لا يخفى ايضا ان تحديد المصلحة امر خطير دحض مزلة و من أجل هذا رأينا كل هذا التدافع فيه من أجل اظهار الحق و صون الشريعة من خرق ثوبها........... وفقني الله و اياكم لما يحب و يرضى

أحمد عبيد المصباحي
25-08-18, 05:25 PM
هل هذه الأمثلة تندرج ضمن "تقديم المصلحة"..؟!

- جلد شارب الخمر 80 جلدة.
- ضرب المتهم لكي يعترف.
- قتل الجماعة بالواحد.
- الاعتماد على الانتخابات إذا وُجد أن الوصول إلى السلطة بالغلبة أو بغيرها من الوسائل متعذر.
- الإلتزام بقوانين الدولة الأوروبية وعدم قيام المسلمين بإقامة الحدود فيها.