المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : روعة الجمع بين الدين و الأدب والتاريخ "منقول"


محمد المبارك
18-11-07, 06:16 AM
فصول مختارة من

موسوعة الجمال فى القرآن الكريم التى نال بها الأستاذ الدكتور

عبد الجواد المحص جائزة الشيخ الشعراوى من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 2005

روعة الجمع بين الدين والأدب والتاريخ
فى القصص القرآنى

- قصة موسى مع الخضر أنموذجا -

تمهيـد:

لا يمكن لكاتب يتحدث عن مجالات الجمال فى كتاب الله الحق الخالد أن يغفل الحديث عن الجانب القصصى فيه، وما يحتويه من معالم الجمال فى سرد الأحداث، وتصوير الشخصيات، وعرض المحاورات، وغيرها من العناصر التى تقوم عليها القصة القرآنية.

وهناك سببان يحتمان الحديث عن جمال القصة القرآنية هما:

أولاً: أن القصص القرآنى يخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الأدبية، عارضا أمامها أحداثا من التاريخ، وصفها منزلها جل شأنه بأنها من (أنباء الغيب) التى ما كان يعلمها النبى ولا أحد من قومه قبل نزولها، فهى وثائق تاريخية، بل أوثق ما يكون بين يدى التاريخ من وثائق على مر العصور وكر الدهور.

ثانياً: أن القصص القرآنى قد نعته منزله بأنه (أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، حيث قال جل شأنه: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) يوسف الآية الثانية، والمعنى: أن القصص القرآنى هو الغاية فى الحسن والكمال والجلال.

ولما كان الحديث عن القصص القرآنى وما فيه من جمال وجلال وكمال حديثاً متشعب الأطراف، يحتاج إلى مجلدات وأسفار، فإنى آثرت أن أقف عند خصوصية يتفرد بها ويتميز هى جمعه بين الدين والأدب والتاريخ:

فنحن إذ ننظر إلى القصص القرآنى من زاوية الأحداث التى يعرضها أو يشير إليها، يتأكد لدينا أن هذا القصص قصص تاريخى يستمد لبناته من حقائق التاريخ، بالقدر الذى يؤدى الوظيفة الأساسية المقصودة من البيان القرآنى العظيم.

والقصص القرآنى يتضمن توجيهات دينية تدعم سائر ما جاءت به الشريعة المحمدية من مبادئ وعقائد، وكل ما أنكرته من خلق وعادات وآراء زائفة، وعقائد وعبادات باطلة.. نلمح ذلك ونحسه أغراضا وأهدافاً تأتى بين طيات هذا القصص وفى ثناياه وحواياه.

والقصص القرآنى قصص أدبى باعتبار قالبه البيانى الذى يصب فيه أحداثه، أو باعتبار اشتماله على سائر مقومات القوة الفنية فى أرقى درجاتها، وعلى سائر أسباب التأثـير التعبيرى التى عرفها المخلوق، وما سوف يعرف، وهو الأستاذ الحق لكل أدباء القصة، أينما حلوا، وفى أى زمان هلوا.

على أن هذا القصص فى مجموع آياته التى تزيد على ألف وخمسمائة يمثل ربع القرآن الكريم - كتاب العربية الأكبر - ذلك الذى جعل الجمال الأدبى أداة مقصودة للتأثير الوجدانى، فخاطب فى هذا القصص وغيره من الجوانب التى تضمنها حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الأدبية، معتمداً على أن الدين والأدب صنوان فى أعماق النفس وقرارة الحس، وعلى أن أشد المواعظ الدينية نفاذاً إلى القلوب ما عرض فى أسلوب قصصى جذاب يحمل على المشاركة الوجدانية للأشخاص والتأثر بالأحداث والانفعال بالمواقف، ويملك القدرة الباهرة على إخراج قارئه أو سامعه من حدود نفسه إلى تلك الأجواء، فيعيش فيها، ويندمج معها.

ويصعب على المرء أن يبرز هذه الثلاثية الرائعة (الدين والأدب والتاريخ) فى كل قصة قرآنية، فإن ذلك يحتاج إلى أسفار تنوء بحملها الجبال.

لذلك أكتفى - هنا - بقصة واحدة، أسوقها مثالاً يغنى القارئ عن عشرات الأمثلة، ألا وهى قصة موسى مع العبد الصالح الذى يسميه المفسرون (الخضر) عليه السلام.

وقد آثرتها هى بالذات، لأنها وثيقة تاريخية فريدة، حتى إن اليهود الذين يدعون الإحاطة التامة بأخبار موسى، لم يعرفوها إلا بعد نزولها على الرسول عليه السلام. ونبدأ أولاً بما قاله الحق فيها، ثم نتبع ذلك بالدراسة والتحليل الكاشفين عما فيها من أحداث تاريخية سيقت بلغة الجمال الأدبية، تحقيقاً للعبرة الدينية.

قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح


قال تعالى:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا* فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا* فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا* قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِية إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا* قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا* فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا* قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا* قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا* قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا* قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا* فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا* قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا* فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا* قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا* فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا* قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا* أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا* وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا* فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا* وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا.

(سورة الكهف: 60 - 82)

هذه القصة الفريدة تمثل حلقة من سيرة سيدنا موسى عليه السلام الذى تحدثت عنه التوراة، ومع ذلك فإن ما جرى بين موسى والخضر من أحداث لا نسمع له ذكراً فى الكتب التى بين أيدى اليهود والنصارى اليوم.. فهى صفحة ساقطة من تاريخ موسى فى هذه الكتب. إنها وثيقة تاريخية لا توصف إلا بأنها أوثق ما بين يدى التاريخ من وثائق، ولم ترد إلا فى القرآن الكريم.

والرائع حقاً: أن الخضر عليه السلام قد قال لموسى - وهو يودّعه فى نهاية الرحلة: (يا موسى! دعْك من اللجاجة، ولا تمش فى غير حاجة، واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس) مشيراً بذلك إلى أن جميع ما اعترض عليه موسى، ولم يصبر حتى يعرف وجه الحكمة منه، قد جرى لموسى فى حياته؛ بل إن كلا من الأحداث الثلاثة (خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار بدون أجر)، قد حدث ما يقابله فى حياة موسى وسيرته، فخرق السفينة الذى خاف موسى على أهلها من الغرق يقابله نجاته وهو رضيع من الغرق بعد أن وضعته أمه فى التابوت، وألقته فى اليم، فمن نجاه قادر على أن ينجى هؤلاء.

وقتل الخضر للغلام بغير نفس، يقابله فى تاريخ موسى قتله للمصرى حين دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فوجد فيها رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه، فوكزه موسى، فقضى عليه. وكان هذا قبل أن يوحى إليه. وبناء الخضر للجدار بدون أجر ليحفظ مال اليتيمين، يقابله: سقيه لغنم بنتى شعيب بدون أجر، بل إن شعيبا أرسل إحدى بنتيه تدعو موسى ليجزيه أجر ما سقى لهما. فالأحداث الثلاثة التى نراها فى سورة الكهف نرى ما يقابلها، فى حياة موسى، وقد جاءت بالترتيب نفسه فى سورة القصص، حيث قال سبحانه: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه .... إلخ) القصص: 7 وقال: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فوجد منها رجلين يقتتلان .. إلخ) القصص: 15، وقال: (ولما ورد ماء مدين... إلخ) القصص: 23، 24، فترتيب الأحداث هنا كترتيب الأحداث هناك.

وعلى كل حال فإن هما يلفت النظر ويسترعى الانتباه: أن القرآن الكريم - فى قصصه المعجز - قد ركز على سيدنا موسى - عليه السلام - تركيزاً قوياً، حتى إن المواضع التى ذكر فيها اسمه قد بلغت مائة وستة وثلاثين موضعاً، توزعت على أربع وثلاثين سورة. ولم يظفر اسم نبى فى القرآن الكريم بمثل ذلك النصيب الأكبر الذى ظفر به سيدنا موسى عليه السلام.

ويعد النص السابق الذى اخترناه من سورة الكهف إحدى حلقات هذه القصة الطويلة التى أوردها القرآن الكريم عن هذا الرسول الكريم فهى تمثل قصة قصيرة من قصص هذه القصة الطويلة، وتتكون - كما رأينا - من ثلاث وعشرين آية لم ترد فى غير سورة الكهف.

ولقد جاء ذكرها فى هذه السورة - بالذات - صورة رائعة من صور الجمال ومعلماً بارزاً من معالم الإعجاز القرآنى، ومظهراً من مظاهر العناية الإلهية الفائقة بوضع القصة فى المكان الذى يناسبها ويليق بها من سور القرآن الكريم.

فالقصة - من ناحية - تحتوى على "جملة من الحقائق فى كهوف، ولكن الكهوف التى تستر الحقيقة تأتى أولاً، ثم بعد ذلك تأتى الحقائق، ومن هنا، فإن سيدنا موسى - عليه السلام - عندما يرى الكهوف، ولا يرى الحقائق التى تسترها لا يستطيع الصبر على ذلك... العبد الصالح حكم بعلمه الذى علمه الله، وموسى عليه السلام حكم بما يعلمه، ولذلك اصطدم الحكمان، فالعبد الصالح كان يقوم بعمل خير (حقيقة مستورة فى كهف ظاهره الشر)، وموسى كان يرى فى هذه الأعمال ما هو ظاهر فقط، ويحكم به، لأنه لا يعلم بواطن الأمور"([1]).

والقصة - من ناحية أخرى - "تمثل الحكمة الكبرى التى لا تكشف عن نفسها إلا بمقدار، ثم تبقى مغيبة فى علم الله وراء الأستار، فهى - إذن - ترتبط بقصة أصحاب الكهف والرقيم فى ترك الغيب لله الذى يدبر الأمر بحكمته، وفق علمه الشامل الذى يقصر عنه البشر الواقفون وراء الأستار.. لا يكشف لهم عما وراءها من الأسرار إلا بمقدار"([2]).

والقصة - من ناحية ثالثة - تشير إلى العلم الذى يعمق الإيمان بالله علام الغيوب... العلم اللدنى الذى لا ينكشف إلا لمن آتاه الله رحمة من عنده، وعلمه من لدنه علماً.

ومن ناحية رابعة، فإن سورة الكهف قد احتوت - من بين ما احتوت - على قصتى أصحاب الكهف، وذى القرنين، وهما قصتان نزلتا حينما أوعز اليهود للمشركين أن يسألوا النبى e عنهما، وعن الروح، وقالوا لهم: (إن أخبركم بهن فهو رسول فاتبعوه، وإلا كان رجلاً متقولاً تصنعون به ما بدا لكم). فلما أنزل الله سورة الكهف مشتملة على قصتى أصحاب الكهف وذى القرنين، جعلها مشتملة - أيضاً - على قصة سيدنا موسى مع العبد الصـــالح لينبه المشتركين واليهود معاً، وكذلك المسلمين، على أن النبى e لا يلزمه أن يكون عالماً بجميع القصص والأنباء، فها هو موسى - مثلاً - الذى كان يعترف به اليهود فى المدينة ولا يعترفون بمحمد رسولاً، يلتقى مع الخضر عليه السلام، ويخفى عليه تفسير الأحداث الثلاثة التى وقعت من الخضر، بل إن اليهود أنفسهم لم يعرفوا هذه القصة إلا عن طريق القرآن الكريم.

ومن ناحية خامسة، فإن الآيات التى سبقت هذه القصة فى سورة الكهف، قد ذكرت أن الإنسان أكثر شئ جدلاً، يثق فى آرائه، ولا يعتد بغيره، وحين تأتيه الرسل بالآيات مبشرين ومنذرين يلجأ إلى الجدال بالباطل، ليدحض به الحق معرضاً عنه استهزاء وسخرية، ثقة فيما يتعاطى من الجدل والمراء، ناسياً أن لكل علم نهاية، وأن ذوى اللجاج من هؤلاء لا يبلغون من العلم شيئاً مهما ادعوه([3])، فناسب ما ذكره القرآن الكريم فى هذه الآيات أن يذكر من بعده قصة موسى مع العبد الصالح، لأنها قصة تدل على أن نبى الله المختار موسى، وكليمه المجتبى لم يصل فى العلم إلى مبلغ ما تمكن به سواه من البصر والدراية والنفاذ.

فلكل هذه الأسباب وغيرها من مرادات الحكيم الخبير ذكرت هذه القصة فى سورة الكهف دون غيرها من سور القرآن الكريم.

ولقد عرضها القرآن الكريم - كتاب العربية الأكبر - عرضاً فريداً يعجز الأدباء والبلغاء عن الإتيان بمثله. فقد صورت ببراعة لا مثيل لها فكرة الرحلة فى طلب العلم والاجتهاد فى كشف الحقائق والأسرار، وكانت فى هذا المجال من أروع القصص الذى يمكن تسميته (بقصص الموازنة بين ما نعلم وما لا نعلم، وما ندرك من الأسباب الظاهرة، وما يغيب عنا من الأسباب الخفية).

إنها قصة رحلة علمية تنبئ بسبق القرآن الكريم إلى ما يسمى فى عصرنا الحديث بأدب الرحلات.. وهى رحلة علمية يخلص فيها - كما نرى - التابع والمتبوع الطاعة لله رب العالمين، ولا يبتغى فيها الأستاذ عن تلميذه سوى الأجر من الله.

إنها قصة تعلمنا - من بين ما تعلم - كيف نتحمل المشقة فى تحصيل العلم، وكيف نذلل كل الصعوبات التى تعترضنا فى التحصيل، وكيف يستدر طالب العلم السماح من أستاذه ليدخل فى تبعيته، ويلح فى ذلك حتى يأذن له بحسن الصحبة. وكيف يتجمل طالب العلم بالتواضع وحسن الاستجابة والإنصات لأستاذه، والاسترشاد بنصائحه، والتزام أوامره، والمسارعة بالاعتذار حين يشعر أنه قصر فيما يجب عليه نحوه.

والقصة تعلمنا - من بين ما تعلم - كيف نتحمل المشقة فى تحصيل العلم، وكيف نذلل كل الصعوبات التى تعترضنا فى التحصيل، وكيف يستدر طالب العلم السماح من أستاذه ليدخل فى تبعيته، ويلح فى ذلك حتى يأذن له بحسن الصحبة. وكيف يتجمل طالب العلم بالتواضع وحسن الاستجابة والإنصات لأستاذه، والاسترشاد بنصائحه، والتزام أوامره، والمسارعة بالاعتذار حين يشعر أنه قصر فيما يجب عليه نحوه.

والقصة تعلمنا كذلك كيف يبصر الأستاذ مريديه بآداب التعلم، وكيف يرد الصواب فى كل خطأ يقع فيه التلميذ، وكيف لا يتركه جاهلاً بمسائل الدرس، وقضايا العلم، وكيف ينسب العلم والفضل إلى الله فى كل ما يشرحه من دروس.

لقد أشارت القصة بتصويرها المعجز وإيماءاتها النفاذة إلى كل هذه الآداب وكل تلك الأصول فى التربية والتعليم والتهذيب.

ومما لا شك فيه: أن القصة - كما ترى - تمتاز بالإيجاز والشمول، والوضوح والصفاء.. كما تمتاز بجاذبية العرض، وقوة النظم وإعجاز التصوير ودقة الاختيار للألفاظ والتعبيرات الموحية المؤثرة.

ويكفينا - فى هذا المجال - أن نشير - مثلاً - إلى روعة التعبير بلفظ (الفتى) عن (يوشع بن نون) خادم سيدنا موسى وعبده الذى رافقه فى هذه الرحلة الشاقة الطويلة... وذلك أن لفظ الخادم والعبد والأمة يرفضه الخلق القرآنى، وينبو عنه الذوق الإسلامى، بدليل قول سيدنا محمد e: (لا يقل أحدكم فتاى وفتاتى، وليـقل: عبدى وأمتى).

فالقرآن الكريم بهذا التعبير قد أضفى على (يوشع) أجمل لباس يتحلى به، وهو لباس الفتوة والشباب.. موطن الإعزاز فى الإنسان، وأنضر حلقات العمر.. وهو متلائم تماماً - ولو كان شيخاً وقتئذ - مع ما عهد إليه فى الرحلة من عمل، إذ كانت له مهمة لا ينهض بأعبائها إلا من كان فى قوة الفتى وعنفوان الشباب.. وهو بهذه الصفة قد استطاع أن يواصل السير مع رسول من أولى العزم أخذ على نفسه - ومعه فتاه - أن يظل سائراً حتى يلتقى بأستاذه (الخضر)، ولو أمضى العمر كله فى سبيل ذلك، فما أروع التعبير بالفتى فى هذه القصة المصورة لرحلة علمية شاقة طويلة..

ولننظر - أيضاً - إلى قوله تعالى: (آتِنَا غَدَاءَنَا)، وكيف لم يقل: (آتـنى غذائى)، لأن الطعام مشترك بين موسى وفتاه، لا يختص به السيد تفضلاً، ثم يلقى نفايته وفضلته إلى الخادم، إذ ليس هذا من خلق الهداة([4]).

ولننظر - كذلك - إلى قوله تعالى: (أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ)، وكيف لم يكن اللجوء إلى السهل من الأرض، وكان ذلك فى الإمكان حتى لا يتجشم موسى وفتاه المتاعب، لكنها رحلة العلم التى يركب فيها الإنسان أشق المراكب، ويصعد إليها أوعر الصخور، لأنه يقدر فى ذلك أن ثواب العلم على قدر المشقة.

ولله در الشاعر إذ يقول:

سيدركها متى شاب الغراب!


\
ومن طلب العلوم بغير كدِّ




وما أروع التصوير القرآنى فى قوله تعالى - على لسان موسى عليه السلام - (هل أتبعك على أن تعلمنى مما علمت رشدا)؟ فسيدنا موسى شخصية فى القصة تمتاز بالأدب البالغ فى التعبير، فسيدنا موسى - كما نرى - لم يطلب التملذة مع سيدنا الخضر بأسلوب الطلب العادى، وإنما بأسلوب إنشائى طريقه الاستفهام الموحى بعدم الإلزام للأستاذ أو الإلحاح عليه فى قبول التلمذة على يديه.

ثم يبلغ الأدب بموسى: أنه لا يجعل التماسه العلم من الخضر تلمذة فحسب، وإنما تبعية مطلقة وامتثال لأستاذه مقابل بكلمة منه. على أن سيدنا موسى لا يطلب مجرد علم - فلديه من العلم الكثير - وإنما يطلب نوعاً خاصاً من العلم، ومن هنا لم يقل للخضر: (على أن تعلمنى مطلقاً) أو (على أن تعلمنى علماً)، وإنما قال له: (على أن تعلمنى مما علمت) فلفظ (من) للتبعيض، أى على أن تعلمنى بعضاً من الذى تعلمته، وكأنه يطلب نوعاً مما نسميه الآن بالتخصص أو الدراسات العليا. (عن مقال للدكتور/ عبد الحليم حفنى فى مجلة منبر الإسلام عدد المحرم 1400هـ، ص 30).

ونلحظ فى هذا التعبير القرآنى المعجز أيضاً: أن موسى يطلب العلم لغاية نبيلة وهدف محدد، وهو (الرشد) فليس علمه لمجرد الترف النفسى، أو للمكاثرة به، أو للعلم لذاته، وإنما ليصل به إلى غاية نبيلة محدودة وهى الرشاد الــديـــنى. ويسترعى انتباهنا أن الحق سبحانه قال: (فوجدا عبداً من عبادنا ... الخ) فأتى بفاء العطف المرتبة لوقوع الأحداث، والدالة على نتيجة بحثهم، على حين أنه لم يأت بها فى قوله: (قال له موسى) فلم يقل: (فقال له موسى) فأفاد ذلك أن زمن رؤية موسى للخضر هو زمن قوله: (هل أتبعك) فسرعة حبه للعلم، واستعجاله للتعلم لم يتركا لفاء الترتيب والعقيب وقتـاً، فموسى طلب العلم والتبعية للخضر فى نفس الوقت الذى رأته فيه عيناه!!

وما أروع التصوير القرآنى فى قوله تعالى - على لسان العبد الصالح - (لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا)، فإنه تعبير كان الهدف منه تنبيه سيدنا موسى إلى حقيقة الفارق بين العلم اللدنى والعلم البشرى، فالعلم اللدنى ثقيل، ولن يصبر عليه موسى، ولن يصبر على اتباع الخضر بالتالى، ولما كان هذا الحكم يحوى شيئاً من الغرابة، أو عدم الاقتناع به؛ فإن الخضر لجأ إلى تحليل هذا الحكم وتعليله بقوله لموسى: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)؟ !

ونظراً لأن الخضر كان على دراية تامة بثقل العلم اللدنى على موسى، فإنه قال له: (فإن اتبعتنى فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا). فنلحظ أن نغمة الشك التى يوحيها لفظ (إن) ليست منصبة على الاتباع ذاته، وإنما نبعت من دقة الخضر فى التعبير عن شئ يعلمه ويتوقعه، فهو يتوقع أن موسى لن يستطيع السكوت على ما يصدر عنه من أمور ظاهرها منكر، وإن كانت فى الحقيقة التى لا يدركها موسى خيراً معروفاً يثيب الله عليه.

هذا ويسترعى انتباهنا أن الحق سبحانه لم يصرح باسم الخضر، وإنما ذكره بصفاته الثلاث (عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلماه من لدنا علما) لأن العبودية هى أشرف المقامات، بدليل وصف رسولنا بها فى حديث الإسراء والمعراج، ولأن الرحمة هى الأساس الذى نبعت منه أفعال الخضر، فخرقه للسفينة رحمه بأصحابها المساكين، وقتل الصبى رحمة بوالديه، وبناء الجدار رحمة بالغلامين اليتيمين. وكذلك العلم للدنى هو العلم الذى تميز به الخضر، كذلك يسترعى انتباهنا فى إعجاز التصوير القرآنى لهذه القصة أن سيدنا موسى قد وصف خرق السفينة بأنه شئ إمر، أى عجيب، ووصف قتل الغلام بأنه شئ نكر، أى تنكره العقول والشرائع، ولم يصف بناء الجدار بإحدى هاتين الصفتين، وإنما عقب عليه بقوله: ( لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا).

وكل هذه التعبيرات بلغت غاية الدقة، ولا يصلح أحد منها موضع الآخر، فلكل تعبير حكمة تخصصه بمكانه، فالحادث الثالث لا يتعارض مع الشريعة، أما الأول والثانى فيناقضان الأحكام الثابتة فى الشرائع الإلهية، فليس هناك شريعة تبيح لإنسان إفساد شئ مملوك لآخر، ولا قتل نفس بغير ذنب. ولما كان خرق السفينة التى لم يغرق منها أحد أهون من قتل الغلام الذى هلك بالفعل، فإن موسى وصف خرق السفينة بأنه شئ عجيب، ووصف قتل الغلام بأنه شئ منكر.

فما أروع الإعجاز فى استخدام الكلمات الخاصة بكل حدث من أحداث القصة.

كذلك يسترعى انتباهنا - فى قراءتنا لهذه القصة المعجزة - أن سيدنا الخضر عليه السلام، لما أراد ذكر العيب للسفينة نسبه لنفسه أدباً مع الربوبية فقال: (فأردت)، ولما كان قتل الغلام مشترك الحكم بين المحمود والمذموم، استتبع نفسه مع الحق، فقال فى الإخبار بنون الاستتباع (فأردنا) ليكون المحمود من الفعل - وهو راحة الأبوين المؤمنين من كفر غلامهما - عائداً على الحق سبحانه، والمذموم ظاهراً - وهو قتل الغلام بغير حق - عائداً على الخضر. وفى إقامة الجدار كان البناء خيراً محضاً، فنسبه الخضر للحق وحده، فقال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ)، ثم بين أن الجميع من حيث العلم التوحيدى من الحق بقوله: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)([5]).

ويسترعى انتباهنا - كذلك - أن الفعل المضارع المشتق من الاستطاعة قد جاء فى القصة مرة بالتاء هكذا: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا). وجاء مرة ثانية بدون التاء هكذا: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) أى هذا تفسير ما ضقت به ذرعا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء.

والحكمة من هذا التنويع فى التعبير: أن الأحداث التى وقعت من الخضر كانت قوية ثقيلة على نفس سيدنا موسى، ولكن لما فسر الخضر لموسى وبين ووضح هان عليه خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار بدون أجر، ومن هنا قابل الخضر الأثقل فى التعبير بالأثقل فى النفس، والأخف فى التعبير بالأخف فى النفس([6]).

هذه لمحات بلاغية، وإشراقات بيانية وصور جمالية نستشفها حين قراءتنا لهذه القصة فى القرآن الكريم كتاب العربية الأكبر.

أما عن عنصر الأحداث فيها فنجد أن القصة قد ركزت فى بنائها على أحداث غامضة، وخوارق رهيبة تنبهم وجوه الرأى فيها على كل مفكر، وإن كان موسى كليم الله عز وجل.

ولقد كان من أثر ذلك أن جاءت القصة مبهمة أعظم الإبهام، غامضة أشد الغموض، ولولا أن الأحداث الغامضة فيها قد فسرت فى الختام لظل الجو الداخلى لها مشحوناً بالأسرار، ملتفاً بالغموض والضباب.

ونلحظ من التأمل فى الأحداث: أن الخوارق الرهيبة قد تجلت بصورة أكثر فى القسم الثانى من القصة (أى بعد لقاء موسى والخضر) أما فى القسم الأول فلم تكن هناك إلا خارقة واحدة تتمثل فى عودة الحوت المشوى المملح إلى الحياة وإلى اتخاذه سبيله فى البحر سربا. وقد بنيت القصة كلها على الخوارق، ليرى موسى بعينه كيف تكون المعجزات وخوارق العادات، وكان ذلك تمهيداً لرسالته المليئة بالخوارق كإنقلاب العصا حية، وإخراج يده من جيبه بيضاء من غير سوء، وانفلاق البحر والحجر بالعصا، فبدى خوارق الخضر تدريباً عملياً لموسى، يتمرس من خلاله على رؤية المعجزات!!

ولقد اعتمدت القصة فى عرض أحداثها المتلاحقة المتتابعة على طريقة السرد وطريقة الحوار معاً، لكن عنصر الحوار الجذاب المفصح عن المشاعر والخلجات هو الغالب عليها.

ونرى الحوار فى البدء يدور بين موسى وفتاه، ثم بعد أن يؤدى الفتى دوره، ويختفى من مسرح الأحداث يدور الحوار ويحتدم بين أهم شخصيتين فى القصة وهما موسى والخضر عليهما السلام.

وحين نتأمل هاتين الشخصيتين الأساسيتين فى القصة نجد أنهما تصوران اتساع الهوة المنفرجة بين عالم الغيب وعالم الشهادة، فسيدنا موسى يقف وراء أسوار المحدود المشاهد، أما سيدنا الخضر فيتخطى الأسوار المحدودة إلى فضاء اللانهائية الرحيب، ليرى ما لا يراه الناظرون.

ولقد ظهر سيدنا موسى - ومعه فتاه يوشع بن نون - فى بداية القصة، أما الخضر فقد ظهر بعد ذلك، حيث أخذ مكان البطولة جميعاً، وفى ذلك دلالة على أن هذه القصة من القصص التى تظهر فيه الشخصيات شيئاً فشيئاً بتتابع.

ويسترعى انتباهنا: أن القرآن الكريم لم يذكر أسماء الشخصيات الواردة فى القصة - باستثناء موسى عليه السلام - وهذه ميزة كبرى من مزايا القص القرآنى، فإن أهم شئ هو العبرة والمغزى مهما اختلفت وتنوعت الشخصيات، ومن هنا نستخلص أن القرآن الكريم قد سبق إلى ذلك اللون القصصى المسمى عند النقاد المعاصرين (بالقصة ذات التوجيه المعنوى) وهى التى تتركز حول مغزى معين، وتعرض بالقدر الذى يبلغ هذا المغزى، ويغفل فيها تحديد شخصيات الأبطال. كذلك تعد من قصص الكفاح المنتهية بتحقيق الآمال، إذ انتهت رحلة موسى الشاقة بلقاء الخضر والتلمذة على يديه([7]).

ويلحظ الدارس للقصة أنها لم تحدد التاريخ الذى وقعت فيه أحداثها، من حياة سيدنا موسى عليه السلام: هل كان ذلك وهو فى مصر قبل خروجه ببنى إسرائيل، أم كان ذلك بعد خروجه بهم عنها؟ ومتى هذا الخروج قبل أن يذهب بهم إلى الأرض المقدسة أم بعد ما ذهب بهم إليها، فوقفوا حيالها
لا يدخلون، لأن فيها قوماً جبارين؟ أم بعد ذهابهم فى التيه مفرقين مبددين؟

كذلك يلحظ الدارس أن القصة لم تحدد المكان الذى وقعت فيه أحداثها إلا بأنه (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) وبأن (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) هذا عند الصخرة التى أوى إليها موسى وفتاه، واتخذ عندها الحوت سبيله فى البحر سربا. ولكن أين كانت الصخرة هذه؟ وأين كان مجمع البحرين ذاك؟ لا ندرى.

ومعنى هذا: أن القرآن الكريم قد حدد مكان هذه القصة ولم يحددها، لحكمة خاصة تستوجب أن نقف عند نصوص القصة كما وردت فى كتاب الله عز وجل، ولا نقلد أولئك الذين راحوا يتفننون فى النص على هذا المكان، فزعم بعضهم أنه ملتقى بحر فارس مما يلى المشرق وبحر الروم مما يلى المغرب، وزعم آخرون أنه فى أقصى بلاد المغرب عند طنجة([8])... ألخ.

فكل هذه المزاعم وأمثالها من باب الحدس والتخمين، فضلاً عما بينها من تناقض وتضارب، وفضلاً عن أنها تصرفنا عما فى لفظة (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) من معنى إشارى كريم زائد عن المعنى الأصلى لها، فهى تشير إلى حقيقة العبد الذى جمع الله فيه بحر الحقيقة - وهو الملح الأجاج الذى لم يقو على الشرب منه أحد إلا إذا تصفى من ملحه، أو مزج بماء النهر العذب الفرات، وهو الشريعة السائغة لجميع الناس، والتى لم يختلف عليها أحد لملاءمتها للعقل والعادة والعرف. والعبد الكامل قد مزج الله له البحرين، ليتناول منهما ما يحيى به كل الحقائق التى خلق منها، من جسم وحس، وعقل وروح، وهذا العبد الصالح يعطى من شرابه هذا من كان على شاكلته، ومن كان يريد الحياة الكاملــــة لجميــــع قـــواه ومعالمه([9]). ولعل مما يؤكد هذا التفسير أن البحرين لا يذكران فى القرآن إلا بهذا المعنى، أى أحدهما عذب فرات، والآخر ملح أجاج. قال تعالى: (وهو الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج...) الفرقان: 53.

ومهما يكن من أمر هذا المكان، فإن القصة قد اكتفت بالإشارة فى مطلعها إلى أن سيدنا موسى عليه السلام قد قرر أمراً مفاجئاً حين قال لفتاه: أنه سيمضى حقباً ومسافات حتى يصل إلى هذا المكان المسمى (بمجمع البحرين).

ونلحظ أن القصة لم تذكر لنا فى البدء سوى هذا، ثم نفاجأ بعد سطور من بدئها أن (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) هذا كائن عند الصخرة. كذلك نلحظ أن القصة لم تذكر لنا فى البدء سر ذهاب موسى إلى (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) وإصراره على الوصول إليه، لكننا نفاجأ - بعد سطور من بدئها كذلك - بهذا السر، حين يلتقى موسى بالخضر، ويطلب منه أن يتبعه ليتعلم منه مما علمه الله رشدا.

فإذا كان النقاد اليوم يقولون: (إن عنصر المفاجأة فى القصة هو مصدر الجاذبية والتشويق) فها هو ذا القرآن الكريم يسبقهم إلى العناية التامة بهذا العنصر، فنحن نجد من تأملنا للجو الخارجى والداخلى لهذه القصة أن هذا العنصر يشيع فيها شيوعاً يكاد يكون تاماً، حتى لتحوطها المفاجآت من مطلعها إلى نهايتها، بل إن المفاجأة قد أعلنت عن نفسها قبل أن يلتقى التلميذ والأستاذ لأن موسى فوجئ بأنه - وهو كليم الله - لا يبلغ مبلغ بشر سواه فى العلم والمعرفة والاستبصار.

ومن هنا بادر إلى البحث عن الخضر، وما درى أنه سيتعرض (هو وقارئ القصة بالطبع) لمفاجآت أخرى، تصبح معها المفاجأة الأولى كلا شئ، وأى مفاجأة أكبر من أن يعمد الخضر إلى خرق سفينة لمساكين يعملون فى البحر، وإلى قتل نفس زكية حرم الله قتلها بدون ذنب وإلى بناء جدار بدون أجر فى قرية سائر أهلها بخلاء أبوا أن يضيفوهما.

إن قارئ هذه القصة أو سامعها لا يستطيع أن يأخذ أنفاسه مرتاحاً بعض الراحة بعد أن يبتدئها، وإنما يحس بدافع يخلق عنده ألواناً شتى من التشويق الرائع، ويسوق نفسه إلى التطلع السريع لحل ما تضمنته القصة من مفاجآت متوالية، وألغاز خارقة، وما يزال كذلك حتى يفاجأ بما فوجئ به سيدنا موسى نفسه حين قال له الخضر: (هذا فراق بينى وبينك)، وعندئذ يشعر القارئ أن هذا البطل قد انتهى دوره، وأن القصة قد لوحت بقرب ختام، وأن القرآن الكريم قد احتوى على قصة محتشدة بالصراع والحركة والمفاجآت والأحداث، فضلاً عما فيها من إعجاز التصوير، وجلال التعبير، وروعة الأداء، وكمال الإحكام، وسمو المضمون، ثم روعة الرمز إلى حقيقة القدر الذى يسيطر على الكون بتدبيره الخاص وإرادته العليا وقدرته الخارقة المطلقة.

وهكذا يتضح لنا من خلال التحليل الأدبى لهذه القصة: أننا أمام قصة قرآنية عظيمة، تعد - بحق - مثالاً رائعاً لضرب من ضروب القصص فى القرآن الكريم. وفيها من صور الجمال والجلال والكمال ما يعجز البشر والجن عن الإتيان بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً!!.

هذا وقد زعم الدكتور نجيب البهبيتى فى كتابه (المعلقة العربية الأولى): أن موسى فى هذه القصة ليس موسى بن عمران الذى أرسله الله إلى فرعون، وإنما هو موسى بن ميشا.. ([10]).

وهذا زعم يدحضه دليل من السنة النبوية الصحيحة، كذلك يدحضه دليل من التاريخ، ودليل من القرآن الكريم ذاته. أما الدليل من السنة، فهو ذكر هذه القصة فى صحيحى البخارى ومسلم، وفى الحديث: أنه موسى ابن عمران([11]).

وأما الدليل التاريخى، فقد قال أهل العلم بالتاريخ: (لما مات يعقوب ويوسف عليهما السلام، وآل الأمر إلى الأسباط كثروا ونموا وظهر فيهم ملوك، فغيروا سيرتهم، وأفسدوا فى الأرض، وفشا فيهم السحر والكهانة، فبعث الله تعالى إليهم موسى بن ميشا بن يوسف عليه السلام، يدعوهم إلى عبادة الله وحده وأداء أوامره وإقامة سنته وذلك قبل مولد موسى بن عمران بمائتى سنة)([12]).

وأضاف أهل العلم بالتاريخ: (أن موسى بن ميشا يسمى موسى الأول وليس هو صاحب الخضر عليه السلام، وإنما الصاحب هو موسى الثانى(2).

وأما الدليل القرآنى، فنحن إذ ننظر إلى قصة موسى مع الخضر نجد فيها ما يؤكد أن موسى - هنا - هو موسى بن عمران الذى تحدث عنه القرآن الكريم فى مواضع عديدة، فنحن نجد سيدنا موسى فى هذه القصة يعد الخضر بالصبر وعدم السؤال عن شئ حتى يحدث له الخضر منه ذكراً، ولكنه حين يرى الخضر يخرج السفينة ينسى ذلك كله أمام هذا التصرف العجيب الذى لا مبرر له فى نظر منطقة العقلى، ويندفع مستغرباً غير صابر على فعلة الرجل، ثم يندفع مستنكراً حين يراه يقتل الغلام، ومعاتباً حين يراه يبنى الجدار دون مقابل فى قرية أهلها بخلاء.

ومعنى هذا: أن موسى فى هذه القصة ذو طبيعة انفعالية اندفاعية تغضب للحق، وتلك الطبيعة هى ذاتها طبيعة موسى بن عمران فى بقية ما قصه الله عنه فى القرآن الكريم، وكما تظهر من تصرفاته فى أغلب أدوار حياته، مثل: وكزه الرجل المصرى فى اندفاعة من اندفاعاته، ومثل سرعة انفعاله حينما علم أن قومه عبدوا العجل فألقى ألواح التوراة، وأخذ برأس أخيه يجره إليه.. وهذه الطبيعة لم يحدثنا التاريخ بمثلها عن موسى بن ميشا.

كذلك فإن هذه الأحداث التى فعلها الخضر كانت من بين ألف مسألة أعدها الخضر - بأمر الله - لموسى بن عمران، مما جرى عليه من أول ما ولد إلى زمان اجتماعه به، فإن حدث خرق السفينة الذى ظاهره الهلاك وباطنه النجاة من يد الملك الغاصب الذى كان يأخذ كل سفينة غضباً، إنما كان - كما سبق القول - فى مقابلة التابوت الذى أطبق على سيدنا موسى فى اليم، فظاهره الهلاك وباطنه النجاة من فرعون. كذلك فإن أول ما ابتلى الله به موسى قتله القبطى بما ألهمه الله ووفقه له فى سره وإن لم يعلم ذلك، ولهذا أراه الخضر قتل الغلام، فأنكر عليه قتله، ولم يتذكر قتله القبطى.. وقد أراه الخضر إقامة الجدار من غير أجر، فعاتبه على ذلك، ولم يتذكر سقايته من غير أجر لبنتى شعيب عليه السلام.

فهذه الأحداث الموسوية الخضرية تؤكد أن موسى المذكور فى سائر المواضع القرآنية التى تناولته إنما هو موسى بن عمران ليس غير.

وقد أشار الشيخ محيى الدين بن العربى إلى هذا المعنى الدقيق فى إحدى موشحاته، فقال:



أخرق سفين الحسن يا نائم



واقتل غلاماً إنك الحاكم





ولا تكن للحائط الهادم






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

عجائب المصحف الشريف لا تنقضى



تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً عن مزايا القرآن الكريم وخصائصه، ويلفت أنظارنا فى أوصافه له نعته بأنه (كتاب لا تنقضى عجائبه)، وهو نعت يفيد كثرة ما فى القرآن الكريم من عجائب لا تنتهى ولا تنفد (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) لقمان:

ولقد شاء الحق سبحانه للكتاب أن يكون ذا عطاء متجدد فى كل عصر، ولكل جيل لتبقى للقرآن حيويته وقوة تأثيره. والقرآن الكريم هو الكمال المطلق الذى أنزله الحق على رسوله ليكون مصدر تشريع لأمته.

ومما لا شك فيه أن القرآن الكريم معجزة كلامية، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثلها لا يستطيعون ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. ومما لا شك فيه أيضاً أن القارئ للقرآن بصدق يمتلئ قلبه بالإيمان ويفقه عقله ما فيه من تشريع، وتبصر عينه الطريق الذى لا عوج فيه. والقرآن فوق هذا كتاب خالد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولذلك امتلأت سوره وآياته البينات بالأعاجيب التى لا تنقضى ولا تنتهى، وتشهد حقاً بأنه كنز للأسرار. وسيظل هكذا إلى يوم البعث.

* خـذ لذلـك مثلا من قوله تعالى فى سورة (ص): "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ* وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ* إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ" الآيات 12، 13، 14.

والآيات - كما ترى- أمثله ممن سبقوا قريشاً فى التاريخ. قوم نوح، وعاد، وفرعون صاحب الأهرام التى تقوم فى الأرض كالاوتاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب أصحاب الأيكة (الغابه الملتفه). أولئك الأحزاب الذين كذبوا الرسل، فماذا كان من شأنهم وهم طغاة بغاة متجبرون؟ " فَحَقَّ عِقَابِ" وكان ما كان من أمرهم وذهبوا فلم يبق منهم غير أثار تنطق بالهزيمة والإندحار. ذلك كان من شأن الأحزاب الغابرة فى التاريخ.

ومما يسترعى الإنتباه أن هذا المشهد القرآنى القائم على عرض صفحات من كتاب التاريخ البشرى لمصارع الغابرين الذين كذبوا الرسل قد جاء فى سورة (ق) على هذا النحو: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ* وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ* وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) الآيات 12، 13، 14.

يتفق المشهدان فى الإشارة إلى: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة وفرعون.

وينفرد المشهد الذى جاء فى سورة (ق) بإضافة (وَأَصْحَابُ الرَّسِّ، وَقَوْمُ تُبَّعٍ) إلى هؤلاء الأقوام الذين كذبوا الرسل، فعوقبوا على هذا التكذيب.

والذى يلفت النظر: أن الإشارة السريعة لمصارع هؤلاء الغابرين حين كذبوا الرسل فى هذا المشهد وذلك قد جاءت فى ثلاث آيات، والآيات الثلاث هنا وهنا تحمل أرقامًا موحده هى 12، 13، 14، وهذه أعجوبة من عجائب القرآن الكريم.

* خذ مثلاً آخر من قوله تعالى فى سورة القصص: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ) الآية 20.

والآية تشير إلى رجل جاء إلى موسى عليه السلام من أقصى المدينة، يحذره إئتمار الملأ من قوم فرعون به، وينصحه بالهرب من المدينة إبقاء على حياته وفى سورة (يس) قال الله تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) الآية 20.

والآية جاءت ضمن الآيات التى تقص ما كان من أهل مدينة أنطاكية من تكذيب للمرسلين الثلاثة الذين أرسلوا إليهم، فكذبوهم، وتطيروا بهم وقابلوهم بالتوعد والتهديد لكن رجلاً من أهلها سمع الدعوة فاستجاب لها، ولم يقبع فى داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور، فسعى بالحق الذى استقر فى ضميره وتحرك فى شعوره. . سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون، وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه فى نصح قومه ودعوتهم الى الحق، وفى كفهم عن البغى، وفى مقاومة إعتدائهم الأثيم الذى يوشكون أن يصبوه على المرسلين الثلاثة.

وتتفق هذه الآية وتلك فى الإشارة إلى رجل جاء يسعى من أقصا المدينة ليقدم النصح.

وتنفرد آية القصص بأنها فى قصة سيدنا موسى، وآية يس بأنها فى قصة أصحاب القرية (أنطاكية).

لكن كل رقم فى سورتها هو الرقم 20، ومما لا شك فيه أن الوحدة الرقمية للأيتين عجيبة من عجائب القرآن الذى لا تنتهى عجائبه.

* وخذ مثلاً ثالثاً من عجائب القرآن الكريم فى قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) سورة يوسف: الآية 7، ومعلوم أن أخوة يوسف كانوا أحد عشر رجلاً، وهم المرموز إليهم فى رؤياه بأحد عشر كوكباً، فإذا أضيف يوسف إليهم علم أن أبناء يعقوب كانوا أثنى عشر رجلاً وتأسيساً على ذلك يكون معنى الآية: لقد كان فى قصة هؤلاء الأثنى عشر آيات عبرة وموعظة للسائلين عن ذلك المستخبرين عنهم، فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه.

ويسترعى الإنتباه أن سورة يوسف التى قصت هذه القصة عى السورة الثانية عشرة فى الترتيب التوقيفى للمصحف الشريف، فما أعجب هذا التوافق الرقمى فى تلك السورة التى هى أحسن القصص.

* وخذ مثلا رابعاً من عجائب القرآن الكريم نختاره من سورة يوسف أيضاً هو قول الله تعالى فيها: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ* قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ* وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي* يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ* قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) الآيات 43 - 49.

هذه الآيات - وعددها سبع - تقص نبأ الرؤيا التى رأها ملك مصر، وتكررت رؤيته لها فأهمته، فطلب تأويلها من رجال الحاشية ومن الكهنة والمتصلين بالغيبيات لكنهم عجزوا عن تأويلها، فقالوا: إنها أخلاط أحلام مضطربة، وليست رؤيا كاملة تحتمل التاويل، وهنا تذكر أحد صاحبيه فى السجن، الذى نجا منهما وأنساه الشيطان ذكر ربه، وذكر يوسف فى دوامة القصر والحاشية والعصر والخمر والشراب... هنا تذكر يوسف الذى سبق أن أول له رؤياه ورؤيا صاحبه، فتحقق التأويل فقال: (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون)، فأرسلوه، فنقل إلى يوسف رؤيا الملك كاملة وطلب منه تأويلها، فعند ذلك ذكر له يوسف تعبيرها بأنه يأتيهم الخصب والغيث سبع سنين متواليات، ففسر البقرات السبع بالسنين السبع، لانها تثير الأرض التى تستغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر السبع، ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه فى تلك السنين، بأن يكون الأكل مما يحصدونه قليلاً قليلاً ويدخرون الأغلب فى سنابله حفظاً له من السوس والمؤثرات الجوية، لينتفعوا به فى السبع الشداد، وهن السبع السنين المجدبة التى تعقب هذه السبع المتواليات، وهن المرموز لها بالبقرات العجاف اللاتى تأكلن السمان، لأن سنى الجدب يؤكل فيها ما جمعوه فى سنى الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبئن شيئاً، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شئ ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالى لمدة سبع سنوات بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يأتيهم الغيث وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه فينعمون بالخلاص من الجدب والجوع بعام رخىّ رغيد.

ويسترعى الإنتباه أن هذا المشهد القرآنى الذى قص نبأ هذه الرؤيا وتأويل يوسف لها قد جاء فى سبع آيات تبدأ من الآية 43 وتنتهى بالآية 49.

(حاصل ضرب 7x7 ) ورؤيا الملك - كما رأينا - تقوم فى محاورها على هذا العدد سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر، وسبع سنبلات يابسات فما اروع هذا التوفق الذى يمثل حقاً عجيبة من عجائب القرآن.

* وخذ مثلاً خامساً من عجائب القرآن الكريم نختاره أيضاً من سورة يوسف عليه السلام هو قوله تعالى فى الآية رقم 56 من السورة:( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وقد جاءت هذه الآية بعد الآية التى تقول: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) وهى الآية رقم 55 ومعناها: أن يوسف طلب من الملك أن يجعله على خزائن أرض مصر التى تجمع فيها الغلات لما يستقبلونه من السنين التى أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد. فأجابه الملك إلى ذلك رغبة منه وتكرمة له. وهكذا - كما تفيد الآية 56 - مكن الله ليوسف فى أرض مصر وثبت قدميه، وجعل له فيها مكاناً ملحوظاً، يتخذ من أرض مصرالمنزل الذى يريد، والمكان الذى يريد، والمكانة التى يريد. فى مقابل الجب وما فيه من مخاوف، والسجن وما فيه من قيود. وما أضاع الله صبر يوسف على أذى إخوته له حين ألقوه فى غيابة الجب، وصبره على السجن بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه الله السلام والنصر والتأييد، وأبدله من العسر يسرا، ومن الضيق فرجاً، ومن الخوف أماناً، ومن القيد حرية، ومن الرق ملكاً، ومن الهوان على الناس عز ومقاماً عليا.

ويسترعى الإنتباه أن سورة يوسف تتكون من مائة وإحدى عشرة آية، وإذا قسم هذا العدد على أثنين يكون الحاصل خمساً وخمسين، ويبقى واحد هذا الواحد هو الآية 56(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ....) تسبقها خمس وخمسون آية تصور المرحلة الأولى من قصته: مرحلة العسر، والضيق والخوف، والإسترقاق، والسجن. وتتلوها خمس وخمسون آية تمثل المرحلة الثانية فى عمره: مرحلة اليسر والفرج والأمن والحرية والملك.

فنتأمل هذا التقسيم فى السورة الذى أوضحناه، فإنه حقاً عجيبة بديعة من عجائب القرآن.

ويسترعى الإنتباه أيضاً: أن النصف الثانى من السورة يتمم ما بدأت به القصة من شأن إخوة يوسف الذين كادوا له، فتجمع بينه وبينهم مرة أخرى. وتمضى الآيات إلى الموضع الذى نسمع فيه يوسف يقول: (.. وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن)، وفيه إشارة إلى حدث مؤلم من أحداث المرحلة الأولى وهو السجن، وفيه شكر لربه الذى أحسن به إذ أخرجه من هذا السجن ومن دقة التعبير أنه لم يقل: (وقد أحسن بى إذ أخرجنى من الجب) مع أن الخروج من الجب - فى الظاهر - أعظم من الخروج من السجن، لانه كان يوم ألقى فى الجب صغيراً لا قدرة له على الخروج منه، ولولا السيارة التى أخرجته من ولوها لهلك. وفى سرهذا العدول عن الظاهر قال الفخر الرازى ما نصه: لم يذكر إخراجه من البئر لوجوه:

الأول: أنه قال لإخوته: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ). ولو ذكر واقعة البئر لكان ذلك تثريباً لهم، فكان إهماله جارياً مجرى الكلام.

الثانى: أنه لما خرج من البئر لم يصر ملكاً بل صيروه عبداً أما لما خرج من السجن صيروه ملكاً فكان هذا الإخراج أقرب من أن يكون إنعاماً كاملاً.

الثالث: أنه لما أخرج من البئر وقع فى المضار الحاصلة بسبب تهمة المرأة فلما أخرج من السجن وصل إلى أبيه وزالت التهمة فكان هذا أقرب إلى المنفعة.

الرابع: قال الواحدى: النعمة فى إخراجه من السجن أعظم لان دخوله فى السجن كان بسبب ذنب هم به، وهذا أن يحمل على ميل الطبع ورغبة النفس، وهذا وإن كان فى محل العفو فى حق غيره، إلا أنه ربما كان سبباً للمؤاخذة فى حقه لأن حسنات الابرار سيئات المقربين([13]).

وقد أضاف الزركشى ثلاثة أسباب أخرى هى:

1 - أن السجن كان باختيار يوسف فكان الخروج منه أعظم بخلاف البئر فقد ألقى فيها اضطراراً وظلماً لأجل الحسد.

2 - قصر المدة التى قضاها فى البئر، وطولها فى السجن.

3- أن البئر كانت فى حال صغره ولا يعقل فيها المصيبة ولا تؤثر فى النفس كتأثيرها فى حال الكبير([14]).

* ومن عجائب القران الكريم: ما نراه فى غيرآية من إنباء بغيب المستقبل، حتى إن بعض من تحدثوا عن وجوه الإعجاز القرآنى عد ذلك من هذه الوجوه. وصدق رسول الله صلى الله عيه وسلم فى قوله واصفاً للقرآن الكريم: (فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم).

* خذ لذلك شاهدا من قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)

فالحق سبحانه - هنا- ينبئ رسوله بأن الله عاصمه وحافظه من الناس، لا يصلون إليه بقتل، ولا يتمكنون من إغتيال حياته الشريفة بحال. ولقد تحققت هذه النبوءة القرآنية، ولم يستطع أحد من أعداء الإسلام أن يقتله مع كثرة عددهم ووفرة إستعدادهم، ومع أنهم كانوا يقعدون له كل مرصد، ويتحينون الفرص للإيقاع به والقضاء عليه وعلى دعوته، وهو أضعف منهم استعدادًا، وأقل جنوداً([15]).

* وخذ شاهداً ثانياً من إخبار القرآن عن الروم بأنهم سينتصرون فى بضع سنين من إعلان هذا النبأ الذى يقول الله فيه: (غُلِبَتْ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

وكانت دولة الرومان المسيحية إنهزمت أما دولة الفرس الوثنية سنة 614م، فاغتم المسلمون لهزيمة دولة متدينة أمام دولة وثنية وفرح المشركون وقالوا للمسلمين فى شماتة العدو إن الروم يشهدون أنهم أهل كتاب وقد غلبهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذى أنزل عليكم فسنغبلكم كما غلبت فارس الروم. فنزلت الآيات الكريمة يبشر الله فيها المسلمين بأن هزيمة هزيمة الروم هذه سيعقبها إنتصار فى بضع سنين، أى فى مدة تتراوح بين ثلاث سنوات وتسع ولم يك مظنونا وقت هذه البشارة أن الروم تنتصر على الفرس فى مثل هذه المدة الوجيزة. بل كانت المقدمات والأساب تأبى ذلك عليها، لان الحروب الطاحنة أنهكتها حتى غزيت فى عقر دارها، كما يدل عليه النصر الكريم: (فى أدنى الأرض).

ولأن دولة الفرس كانت قوية منيعة وزادها الظفر الأخير قوة ومنعة. حتى إنه بسبب إستحالة أن ينتصر الروم عادة أو تقوم لهم قائمة، راهن بعض المشركين أبا بكر على تحقق هذه النبوءة، ولكن الله تعالى أنجز وعده وتحققت نبوءة القرآن سنة 622م الموافقة للسنة الثانية من الهجرة المحمدية.

ومما هو جدير بالذكر أن هذه الآية نفسها حملت نبوءة أخرى وهى البشارة بأن المسلمين سيفرحون بنصر عزيز فى هذا الوقت الذى ينتصر فيه الروم، "وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ"! ولقد صدق الله وعده فى هذه كما صدقه فى تلك وكان ظفر المسلمين فى غزوة بدر الكبرى واقعاً فى الظروف الذى ظفر فيه الرومان. وهكذا تحققت النبوءتان فى وقت واحد، مع تقطع الأسباب فى إنتصار الروم كما علمت ومع تقطع الأسباب أيضاً فى إنتصار المسلمين على المشركين على عهد هذه البشارة، لأنهم كانوا أيامئذ فى مكة فى صدر الإسلام والمسلمون فى قلة وذلة، يضطهدهم المشركون ولا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة ولكن على رغم هذا الإستبعاد أو هذه الإستحالة العادية، نزلت الآيات كما ترى تؤكد البشارتين وتسوقهما فى موكب من التأكيدات البالغة التى تنأى بهما عن التكهنات والتخرصات. وإن كنت فى شك فأعد على سمعك هذه الكلمات:( بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

ثم ألست ترى معى أن هذه العبارة الكريمة: (فى بضع سنين) قد حاطت هاتين النبوءتين بسياج من الدقة والحكمة لا يترك شبهة لمشتبه ولا فرصة لمعاند، لان البضع كما علمت من ثلاث الى تسع. والناس يختلفون فى حساب الأشهر والسنين فمنهم من يؤقت بالشمس ومنهم من يؤقت بالقمر. ثم إن منهم من يجبر الكسر ويكمله إذا عد وحسب، ومنهم من يلغيه. يضاف إلى ذلك أن زمن الإنتصار قد يطول حبله فتبتدئ بشائره فى عام ولا تنتهى مواقعه الفاصله إلا بعد عام أو أكثر. ونظر الحاسبين يختلف تبعاً لذلك فى تعيين وقت الإنتصار: فمنهم من يضيفه إلى وقت تلك البشائر ومنهم من يضيفه إلى يوم الفصل، ومنهم من يضيفه إلى ما بينهما. لذلك جاء التعبير بقوله جلت حكمته: "سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ" من الدقة البيانية والإحتراس البارع بحيث لا يدع مجالاً لطاعن ولا حاسب. وظهر أمر الله وصدق وعده على كل إعتبار من الإعتبارات وفى كل اصطلاح من الإصطلاحات "وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا"!!([16]).

ومن عجائب القرآن الكريم أربع آيات فى أربع سور متواليات فى كل آية عشر قافات، والقاف حرف أول فى لفظة (قتال) وفى لفظة (قتل)، والقتال: حرب، والقتل: إزهاق لروح إنسان بيد إنسان هذه الآيات الأربع هى:

1 - قول الله تعالى فى سورة البقرة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) الآية 246.

2 - قول الله تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) سورة آل عمران: الآية 181.

3 - قول الله تعالى فى سورة النساء:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الآية 77.

4 - قول الله تعالى فى سورة المائدة: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ) الآية 27

* ومن عجائب القرآن: الفاتحة أم الكتاب أو السبع المثانى، فقد اشتملت الفاتحة المكونة من سبع آيات على كل حروف الألف باء ما عدا سبع حروف خلت منها هى: الثاء، والجيم، والخاء، والزاى، والشين، والظاء، والفاء.

وهذه الحروف السبعة التى لم ترد فى الفاتحة أم الكتاب المبدوءة بعد البسملة بالحمد لله، قد وردت فى الآية 122 من سورة الأنعام المبدوءة بعد البسملة مثل الفاتحة - بالحمد لله حيث يقول الله تعالى فى هذه الآية:

(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

ومن عجائب القرآن الكريم: سورة (الليل) فهى السورة الوحيدة من قصار السور التى إشتملت على كل حروف الألف باء بدأ بالألف وإنتهاء بالياء ومروراً بكل ما بينهما من حروف.

وفى القرآن الكريم آيتان لا ثالث لهما، كل آية منها إشتملت على كل حروف الألف باء.

الآية الأولى فى سورة آل عمران وهى قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) الآية رقم 154.

والآية الثانية هى الآية الأخيرة ورقمها 29 من سورة الفتح حيث يقول الحق سبحانه (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ويسترعى الإنتباه ان رقم الآية يتوافق عددياً مع عدد حروف الألف باء، إذ الأبجدية تسعة وعشرون حرفاً كما هو معروف([17]).

ومن عجائب ما جاء فى القرآن الكريم: آية الكرسى التى نوهت السنة النبوية بفضلها ومكانتها والتى قلما من المسلمين من لا يحفظها، فهذه الآية الكريمة تتكون من عشر جمل متصلة المعنى فى الحديث عن موضوع واحد هو ذات الله جل شأنه وصفاته. وقد افتتحت بلفظ الجلالة (الله)، واختتمت بذكر إسمين من أسمائه الحسنى مناسبين للمقام. . مقام العلو والعظمة الواجبين لذى الجلال والإكرام.

وفيها عجيبة قرآنية لم يلتفت إليها أحد: فقد إشتملت هذه الآية على سبعة عشر موضعاً فيها إسم الله ظاهرًا فى بعضها، ومستكناً فى بعض وهذا يوافق مجموع ما يؤديه المسلم من ركعات فى الصلوات الخمس (الصبح ركعتان، والمغرب ثلاث، وكل من الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، فالجملة سبع عشرة ركعة.

"ويظهر للكثير من العادين لإسم الله ظاهراً ومستكناً فى آية الكرسى ستة عشر، ولا يظهر السابع عشر إلا لحاد البصيرة لدقة إستخراجه:

2 - هُوَ


1 - اللَّهُ



4 - الْقَيُّومُ


3 - الْحَيُّ



6 - ضمير (لَهُ)


5 - ضمير (لَا تَأْخُذُهُ)



8 - ضمير (إِلَّا بِإِذْنِهِ)


7 - ضمير (عِنْدَهُ)



10 - ضمير (عِنْدَه)


9 - ضمير (يَعْلَمُ)



12 - ضمير (كُرْسِيُّهُ)


11 - ضمير (شَاءَ)



14 - وَهُوَ


13 - ضمير (يَئُودُهُ)



16 - الْعَظِيمُ


15 - الْعَلِيُّ




فهذه عدة الأسماء. وأما الخفى الضمير الذى إشتمل عليه المصدر فى قوله: (حفظهما)، فإنه مصدر مضاف إلى المفعول، وهو الضمير البارز، ولا بدله من فاعل وهو (الله) ويظهر عند فك المصدر، فنقول: ولا يؤوده أن يحفظهما هو"([18]).

هذا وقد ذكر بدر الدين الزركشى بأن آية الكرسى خمسون كلمة([19]) وواضح أن هذه الكلمات تتوافق عددياً مع عدد الصلوات التى فرضها الله أولا على الرسول وعلى أمته فى ليلة الإسراء والمعراج، ثم خفضها إلى خمس صلوات فى العدد، وخمسين فى الأجر، والحسنة بعشر أمثالها.

ومن عجائب القرآن الكريم: "أن فيه علم الأولين والآخرين وما من شئ إلا ويمكن إستخراجه منه لمن فهمه الله تعالى، حتى إن بعضهم إستنبط عمر النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة من قوله تعالى فى سورة المنافقين: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) [المنافقين: 11] فإنها رأس ثلاث وستين سورة وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن [النقص] فى فقده وإستنبطوا عمر عيس عليه السلام ثلاثاً وثلاثين من قوله تعالى - مخبراً عن عيسى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ) [مريم:30] إلى قوله تعالى (أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم33] فإنها ثلاث وثلاثون كلمة [والآية الأخيرة من هذا المشهد رقمها 33] وعمر عيسى ثلاث وثلاثون سنة([20]).

ومن عجائب القرآن الكريم: سورتان أولهما (يَاأَيُّهَا النَّاسُ) إحداهما فى النصف الأول، وهى السورة الرابعة منه، وهى سورة النساء والثانية فى النصف الثانى منه وهى سورة الحج والأولى تشتمل على شرح المبدأ، والثانية تشتمل على شرح المعاد. فتأمل هذا الترتيب، ما أوقعه فى البلاغه"!([21]).

ومن عجائب القران سورة المجادلة، فقد إشتملت كل آية منها على لفظة الجلالة (الله)، الأمر الذى لا نراه فى غيرها من السور، ففيها آيات تخلوا من هذا.

ومن عجائبه: أن سورة يوسف التى تزيد على مائة آية ليس فيها ذكر جنة ولا نار([22]).

وفى سورة آل عمران عجيبة رقمية فى قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) فرقم هذه الآية هو خمس وعشرون، وقد ورد لفظ آدم فى القرآن خمساً وعشرين مرة وكذلك ورد لفظ (عيسى) خمساً وعشرون مرة فمثل عيسى عند الله كمثل آدم فى طلاقة القدرة الإلهية، وفى عدد المرات التى ذكرفيها إسمهما فى القرآن الكريم.

وفى سورة الحج سبع آيات متواليات، فى آخر كل واحدة إسمان من أسماء الله الحسنى، أى ذكر فى هذه الآيات السبع أربع عشرة إسماً من الأسماء الحسنى، ولاحظ أن العدد 14 هو ضعف العدد 7، أى اثنان مضروبان فى سبعة !!

قال الله تعالى: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ* ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ* ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ* ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ* أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ* أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحج: 59 - 65

والآيات - كما ترى - تستعرض دلائل القدرة ودقة الناموس، وكلها دلائل معروضة للناس فى كل حين.

* وفى سورة الشعراء ثلاث آيات متواليات هى قوله تعالى: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ* فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ) الشعراء: 98 - 100.

ويرى الزركشى أن الأولى يرد بها على المشبهة، والثانية يرد بها على المجبرة، والثالثة يرد بها على المشبهة([23]).

............... وكتاب الله الحق - كما وصفه رسولنا - "لا تنقضى عجائبه: !!!.

ومن الحشرات العجيبة فى القرآن الكريم/ نملة سليمان، إذ قالت - حين حشر لسليمان من الجن الإنس والطير وأتوا على واد النمل: (يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)([24]) فجمع الله على لسانها فى هذه اللفظة أحد عشر جنساً من الكلام. نادت، وكنت، ونبهت، وسمت، وأمرت، وقضت، وحذرت، وخصت، وعمت، وأشارت، وغدرت، فالنداء "يا" والكناية "أى" والتنبيه "ها" والتسمية النمل، والأمر "إدخلوا" والقصص "مساكنكم" والتحذير "لا يحطمنكم" والتخصيص سليمان، والتعميم جنوده، والإشارة "وهم" والغدر لا يشعرون. فأدت خمس حقوق: حق الله وحق رسوله وحقها وحق رعيتها وحق جنود سليمان. فحق الله أنها استرعيت على النمل فقامت بحقهم، وحق سيمان أنها نبهته على النمل، وحقها إسقاطها حق الله عن الجنود فى نصحهم، وحق الجنود بنصحها لهم ليدخلوا مساكنهم، وحق الجنود إعلامها إياهم وجميع الخلق أن من استرعاه رعية فوجب عليه حفظهما والذب عنها وهو داخل فى الخبر فى المشهور: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"([25]).

ولذلك تبسم سيدنا سليمان ضاحكاً من قولها وقال - ما قصه القرآن الكريم - (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) النمل: 19، قال جار الله الزمخشرى: "أضحكه من قولها شيئان: إعجابه بما دل من قولها علىظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم وعلى شهرة حاله وحالهم فى باب التقوى وذلك قولها: (وهم لا يشعرون) تعنى: أنهم لو شعروا لم يفعلوا، وسروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحد من إدراكه بسمعه ما همس به بعض الحكل الذى هو مثل فى الصغر والقلة ومن إحاطته بمعناه"([26]) ففى هذه القصة خارقتان: خارقة إدراك سليمان لتحذير النملة لقومها، وخارقة إدراك النملة أن هذا سليمان وجنوده، وهذه خارقة أعجب، لانها خاصة خارجه على المألوف فى عالم الحيوان([27]).

ومن العجائب التى جاء ذكرها فى القرآن الكريم: هدهد سليمان: ذلك الطائر العجيب الذى قال لسليمان - ماقصه القرآن الكريم -: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ* إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ* وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ* أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) النمل:

إننا هنا "أمام هدهد عجيب، صاحب إدراك وذكاء وإيمان وبراعة فى عرض النبأ، ويقظة إلى طبيعة موقفه فهو يدرك أن هذه ملكة وأن هؤلاء رعيه ويدرك أنهم يسجدون للشمس من دون الله، ويدرك أن السجود لا يكون إلا لله الذى يخرج الخبأ فى السموات والأرض، ويعلم السر والعلن، ويدرك أن الله وحده هو رب العرش العظيم، وما هكذا تدرك الهداهد إنما هو هدهد عجيب.. هدهد خاص أوتى هذا الإدراك الخاص على سبيل الخارقة التى تخالف المألوف"([28]).

والرائع حقاً:أن الهدهد - وحده من عالم الطير - هو الذى إكتشف مملكة سبأ، وجاء لسليمان بذلك النبأ اليقين، والهدهد يتسم بجمال لونه البديع، ويرى الماء يجرى فى تخوم الأرض وداخلها، واسمه يتألف من حروف نراها فى لفظة (الهداى) ولفظة (الهداية)، وقد جاء - هنا - فى مقام الهدى والهداية، حتى إنه ليقول: (فهم - أى بلقيس وقومها - لا يهتدون)، وكانت إحاطته بنبأ هذه الملكة هى البداية لخروجها من ظلمات الكفر وعبادة الشمس إلى نور الإيمان والهدى وكانت نهاية المشهد الذى قصه القرآن هو قولها: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) النمل:44.

إن هذا الهدهد العجيب: يتسق بإسمه - فى إعجاز بالغ وجمال بديع - مع الدور الرائع الذى أداه فى قصة هداية بلقيس إلى الإيمان. . لقد جاء إسمه فى مقام الهدى والهداية - كما سبق القول - وبين الهدى والهداية والهدهد لون من ألوان الجناس، فالطائر المناسب فى المكان المناسب: قاعدة مطردة فى قصص القرآن العظيم

يؤكد هذا: ان الحق سبحانه فى قصة ولدى آدم: (قابيل وهابيل) ذكر الغراب بالتحديد ولم يذكر غيره، وإختار الغراب من بين سائر الطير ليتعلم قابيل: كيف يوارى سوءة أخيه؟ إذ لا يصلح غيره للقيام بهذه المهمة، وأداء هذا الدور الذى يبدو فيه معلماً لقابيل دفن الموتى، ذلك أن الغراب "طائر أسود محترق قبيح الشمائل ردئ ليس من بهائم الطير المحمودة، ولا من سباعها الشريفة، وهو طائر يتنكد به، ويتطير منه، آكل جيف، ردئ الصيد، وكلما كان أجهل وأنزل كان أبلغ فى التوبيخ والتقريع على أنه من ناحية أخرى يمتاز بحدة البصر، وشدة المنقار حتى إنه ليصل إلى الكمأة المندفنة فى الأرض بنقرة واحدة حتى يشخصها وهو من قبل ومن بعد - أكثر من جميع ما يتطير به فى الشؤم ألا تراهم كلما ذكروا مما يتطيرون منه شيئاً ذكروا الغراب معه؟ وقد يذكرون الغراب ولا يذكرون غيره، ثم إذا ذكروا كل واحد فى هذا الباب، لا يمكنهم أن يتطيروا إلا من وجه واحد، والغراب كثير المعانى فى هذا الباب فهو المقدم فى الشؤم.

مما لا شك فيه أن الغراب الذى هذه هى أوصافه وخصائصه هو الطائر الوحيد المناسب للجو الأسود الحزين الذى يغلف هذه المأساة. .مأساة قتل قابيل لأخيه هابيل ولا سيما أن الغراب خلق أسود ويموت أسود ولا يشيب أبدأ [ومن طلب النجاح بغير كد: سيدركه إذا شاب الغراب].

والغراب ذو المنقار الحاد والذى من عادته دفن الأشياء هو المناسب لتعليم قابيل كيف يوارى سوءة أخيه.

والغراب بإسمه ولفظه يتناسق مع (الغربة) و(الغرابه) اللذين توحى بهما تلك المأساة التى وقعت لأول مرة فى تاريخ البشرية، لقد أدت هذه المأساة إلى غربة هابيل عن الحياة الدنيا، وغروب شمس حياته من الوجود، ولم يدر قابيل أن سفكه لدم أخيه جريمة تستغرب وتستقبح !!

فالغراب هنا مقام الغربة والغرابه والغروب، والهدهد هناك فى مقام الهدى والهداية. . إنه التناسق فى الإسم، وفى اللون وفى المعنى، وفى الإيماء. . يراه الإنسان حينما يقف وقفة تأمل فيما يسوقه القرآن الكريم من عجائب!!

...... وعجائب القرآن لا تنتهى،،

ومن عجائب القرآن الكريم: إشارته إلى كثير من الكشوف العلمية الحديثة قبل أن يعرفها العالم بمئات السنين.

* خذ لذلك مثلاً من قوله تعالى - فى سورة العنكبوت -: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) الآية 41، وهذا القول الكريم - كما ترى مثل ضربه الله تعالى لبيان فساد ألوهية الأوثان، وتشبيه لحال هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله انداداً فى لجوئهم واحتمائهم بهؤلاء الانداد الضعفاء المتناهين فى الضعف بحال العنكبوت حينما تأوى إلى بيتها الضعيف الواهى وتحتمى به.

هذه الصوره العجيبة، وذلك التشبيه البديع جاء فى ثناياه قوله تعالى (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)، وقد أثبت علماء الحشرات - فى عصرنا - أن بيت العنكبوت حقاً: أسوأ البيوت، فالأنثى تقتل الذكر عقب تلقيحه لها إذا تمكنت منه ولذا فإنه يبادر إلى الهرب والبيض حين يفقس يأكل الصغار بعضها بعضاً كما يفترس العنكبوت كل حشرة تقع فى شباك نسيجه وعبر الله عن الوهن - وهو الضعف - فنسبه الى البيوت لا إلى الخيط لأن خيط العنكبوت أقوى من مثليه فى السمك لو صنعنا مثليه من الصلب فهو فى متانة ثلاثة خيوط صلب، وهو كذلك أكثر متانة ومرونة من خيط الحرير، ويقول علماء الحشرات أيضاً إن أنثى العنكبوت - وليس الذكر - هى الى تصنع بيت العنكبوت، فهل نقول: إن القرآن أنث الفعل (إتخذت) للدلالة على هذا؟ ([29]) أم نقول إن اللغة تشترك فى التسمية بلفظ النمل والنحل والعنكبوت بين الذكر والأنثى؟.

أياً كان الأمر: فإن العرب، بل والعالم لم يكتشف هذا إلا بعد نزول
القرآن الكريم بمئات السنين!. والرائع حقا أن الآية ختمت بقوله تعالى: (لو كانوا يعلمون) إشارة إلى أن ذلك علم لن يظهر إلا متأخراً ومعلوم أن هذه الأسرار البيولوجية لم تظهر إلا متأخرة([30]).

* وخذ شاهداً ثانياً من قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ)([31]) فأشار سبحانه إلى أن البنان غير متساوية، وهذا هو الأصل الذى يتكئ عليه اليوم خبراء البصمات فى الإنتفاع بها عند إثبات الشخصية؛ لأن تسوية البنان لا يتشابه فيها اثنان([32]).

كذلك نجد فى سورة الكهف (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) الكهف: 25، وقد ثبت علمياً أن ثلاث مائة سنة بالتقويم الشمسى تساوى ثلاث مائة وتسعة بالتقويم القمرى باليوم والدقيقة والثانية([33]).

ونجد أيضاً فى الآيات (23 - 26) من سورة مريم يقص الحق سبحانه عن مريم كيف جاءها المخاض، فآوت إلى جذع النخلة وهى تتمنى الموت، خوفاً من العار فى وجهة نظرها البشرى، فناداها المنادى أن تهز بجذع النخلة، وتأكل ما يتساقط من رطب جنى. وقد ثبت الآن علمياً أن الرطب فيه مادة قابضة للرحم تساعد على الولادة، وتساعد على منع النزيف بعد الولادة، مثل مادة Oxytocin، وأن فيه مادة لنية، وقد أثبت الطب أن الملينات النباتية تفيد فى تسهيل وتأمين عملية الولادة، بتنظيفها للقولون([34]).

... وغير ذلك كثير، لأن عجائب القرآن لا تنقضى كما قال خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ

محمد المبارك
18-11-07, 06:18 AM
جمـال المطلع وبراعة الاستهـلال

فى السـور القرآنيـة


عّرف البلاغيون براعة الاستهلال بأنها استهلال الكلام وابتداؤه بما يناسب المقصود. ومثلوا لها بأمثلة كثيرة منها قول أشجع السلمى:

نشرت عليه جمالها الأيام


\
قصر عليه تحية وسلام




وقول أحمد شوقى فى ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم:

وفم الزمان تبسم وثناء


\
ولد الهدى فالكائنات ضياء




وأخذ البلاغيون على كثير من الشعراء عدم تخيرهم فى مطالع قصائدهم الألفاظ المناسبة للمقامات، ومثلوا لذلك بأمثلة كثيرة منها:

- غضب هشام بن عبد الملك من ذى الرمة حين استهل مديحه له بقوله:

« ما بال عينيك منها الدمع ينكسب ؟! «




فقال له هشام: بل عينك أنت!([35])

- وأخذ الداعى العلوى على ابن مقاتل الضرير بدأه يوم المهرجان بقوله:

غرة الداعى ويوم المهرجان


\
لا تقل بشرى، ولكن بشريان




فتشاءم الداعى العلوى، وقال له: (يا أعمى تبدأ بهذا يوم المهرجان.. يوم الفرح والسرور)! وذلك حين بدأ ابن مقاتل قصيدته بالنهى عن قول بشرى. وقد قال له الداعى العلوى: هلاّ قلت: إن تقل بشرى فعندى بشريان([36]).

هذا هو حال البشر حين يتكلمون.. يوفق فريق فى جمال المطلع وحسن الابتداء، ويخفق فريق آخر.

أما القرآن الكريم كلام الله الذى أتقن كل شئ، فكله جمال تعلو فنيته على كل فن، وللقرآن بلاغة بلغت حد الكمال

بأسلوبه؛ إذ نظمه متفرد


\
تـفرّد فى عصر البيان بيانه



محاسنه لم تنحصر؛ فتعدَّد


\
وفى نظمه بعد الغرابة معجز



بلا سقطة منه لمن يتفقد


\
وجاء سليما نظمه من معايب




ومن معالم الجمال الفائق والإعجاز العالى: ما نراه فى كل سورة من سور القرآن الكريم من مطلع جميل، وابتداء حسن، واستهلال بارع.

وها نحن أولاء نقتطف لك الأمثلة:

وأول مثال نسوقه بين يديك: مطلع سورة الرحمن، التى وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها (عروس القرآن)، والتى لم تـتسمّ سورة من سور القرآن باسم من أسمائه تعالى غيرها، كما لم يتصدر سورة من سور القرآن اسم من أسمائه تعالى غير هذه السورة.

قال الله تعالى: (الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) هذا هو السطر الأول من السورة فى المصحف الشريف.. ترى فيه: إضافة السورة الكريمة إلى اسمه الكريم سبحانه وتعالى: (الرَّحْمَنُ)، واستفتاحها البارع به، فجاء استهلال السورة فى غاية الروعة والجمال، ومناسباً تمام المناسبة لما سردته السورة من نعم الله وآلائه.

إن استفتاح السورة بلفظ (الرَّحْمَنُ) الذى لا يسمى به أحد سواه عز وجل «هو إشارة إلى ما فى هذه السورة المباركة من تجليات الرحمن بالرحمة على عباده.. فهى سورة الرحمة العامة الشاملة، فكل آية من آياتها رحمة راحمة، ونعمة سابغة، يَـرِدُ الأنام مواردها فتلقاهم رحمة الرحمن الرحيم بالفضل والإحسان، وباللطف والعطف، حتى تلك الآيات التى تحمل العذاب إلى الكافرين والضالين، فإنهم - مع هذا العذاب الذى هم فيه - واقعون تحت رحمة الله، ولولا هذه الرحمة لتضاعف لهم العذاب الواقع بهم أضعافاً كثيرة، لا تنتهى عند حد. إن هذا العذاب الذى هم فيه هو رحمة واسعة، ونعمة سابغة بالإضافة إلى ما كانوا يستحقون من عذاب، وإلى ما فى قدرة الله من عذاب يتعذب به هذا العذاب نفسه !»([37]).

لم يختر الحق سبحانه من أسمائه الحسنى سوى (الرَّحْمَنُ) ليـبدأ به هذه السورة التى هى معرض متكامل لنعم الله، ولقدرة الله، ولرحمة الله، ولجلال الله وعظمته. ناهيك عن أن لفظة (الرَّحْمَنُ) تتناسق فى الإيقاع مع فواصل السورة، ومع قوله فيها إحدى وثلاثين مرة: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). «وكما بدأت السورة بهذا الاسم الجليل الفياض بالرحمة، ختمت بهذا الوصف الكريم للرحمن جل شأنه الذى كسا الوجود كله بأثواب ضافية من أثواب رحمته، والذى كان تجلى اسمه الكريم (الرَّحْمَنُ) خيراً وبركة على هذا الوجود، الذى نطق لسان كل موجود فيه بالحمد والتبريك للرحمن الرحيم، فانتظم من ذلك هذا النشيد العلوى الذى ختمت به السورة الكريمة: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»([38]).

« خذ شاهداً آخر من افتتاح سورة الملك بقوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

لقد افتتح الله السورة بهذه التسبيحة الرائعة (تَبَارَكَ) فأفادت تنزيهه جل شأنه وتقديسه، «وأوحت بزيادة بركة الله ومضاعفتها، وتمجيد هذه البركة الرابية الفائضة، وذكر الملك بجوارها يوحى بفيض هذه البركة على هذا الملك، وتمجيدها فى الكون بعد تمجيدها فى جناب الذات الإلهية. وهى ترنيمة تتجاوب بها أرجاء الوجود، ويعمر بها قلب كل موجود، وهى تنطلق من النطق الإلهى فى كتابه الكريم، من الكتاب المكنون إلى الكون المعلوم»([39]).

إن هذا المطلع الجامع الموحى هو مفتاح السورة كلها؛ فإن حقيقة الملك، وحقيقة القدرة تتفرع سائر الصور التى عرضتها السورة، وسائر الحركات المغيبة والظاهرة التى نبهت القلوب إليها. فمن الملك ومن القدرة كان خلق الموت والحياة، وكان الابتلاء بهما. ومن الملك والقدرة كان خلق السموات السبع الطباق.. لا خلل فيها ولا نقص ولا اضطراب. ومن الملك والقدرة كان تزيين السماء الدنيا بالمصابيح وجعلها رجوما للشياطين. ومن الملك والقدرة كان إعداد جهنم بوصفها وهيئتها وخزنتها. ومن الملك والقدرة كان العلم بالسر والجهر، وكان جعل الأرض ذلولا للبشر، وكان الخسف والحاصب والنكير على المكذبين الأولين. ومن الملك والقدرة كان إمساك الطير فى السماء، وكان القهر والاستعلاء، وكان الرزق كما يشاء، وكان الإنشاء وهبة السمع والأبصار والأفئدة، وكان الذرء فى الأرض والحشر، وكان الاختصاص بعلم الآخرة، وكان عذاب الكافرين، وكان الماء الذى به تقوم الحياة، وكان الذهاب به عندما يريد جل شأنه. فكل حقائق السورة وموضوعاتها، وكل صورها وإيماءاتها مستمدة من إيماء ذلك المطلع البارع ومدلوله الشامل الكبير: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وحقائق السورة وإيماءاتها تتوالى فى السياق وتتدفق بلا توقف، مفسرة المدلول المجمل الشامل لذلك المطلع البديع([40]).

« وخذ شاهداً ثالثاً من مطلع سورة الحاقة، وهى سورة تقص لنا مصارع قوم نوح وعاد وثمود وفرعون والمؤتفكات إخوان لوط، وتصور - من بعد ذلك - مشاهد النهاية المروعة لهذا الكون، وانقسام الناس يوم البعث إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. وتعرض لك السورة موازنة دقيقة بين هؤلاء وهؤلاء، فمن نجا من هول الحشر انطلق والدنيا لا تسعه من الفرحة يدعو الخلائق كلها لتقرأ كتابه، ومن هلك وقف والحسرة تئن فى كلماته ونبراته وإيقاعاته، وصرخ بأعلى صوته (يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ)، وبينما هو كذلك تـتسابق ملائكة العذاب إلى تنفيذ الأمر الرهيب ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ … إلخ) وفى ختام السورة تبدو تلك الصورة المفزعة من التهديد الشديد بأخذ اليمين وقطع الوتين لمن تقول على الله بعض الأقاويل([41]).

هذه المشاهد القوية الرهيبة فى السورة لا يناسبها إلا استهلال فى قوتها، فجاء مطلع السورة هكذا (الْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ*؟) و«الحاقة بلفظها وجرسها ومعناها تلقى فى الحس معنى الجد والصرامة والحق والاستـقرار. وإيقاع اللفظ بذاته أشبه شئ برفع الثقل طويلاً، ثم استقراره استقراراً مكيناً. رفعه: فى مدة الحاء بالألف. وجده: فى تشديد القاف بعدها. واستقراره: بالانتهاء بالتاء المربوطة التى تنطق - عند الوقف - هاء ساكنة».

ولفظ (الْحَاقَّةُ) فى دلالته اللغوية هو أنسب لفظ يناسب إتجاه السورة وموضوعها، فالحاقة هى التى تحق فتقع، أو تحق فتنزل بحكمها على الناس، أو تحق فيكون فيها الحق، وهكذا يكون الأمر يوم القيامة.

وبراعة استهلال السورة بلفظ (الْحَاقَّةُ) لا يقف عند حد الدلالة اللغوية للفظة وإيقاعها وإيماءاتها، وإنما تتجلى براعة الاستهلال أيضاً فى إلقاء (الْحَاقَّة) كلمة مفردة، لا خبر لها فى ظاهر اللفظ، ثم تتبع باستفهام حافل بالاستهوال والاستعظام لماهية هذا الحدث العظيم: (مَا الْحَاقَّةُ) ثم يزداد هذا الاستهوال والاستعظام بالتجهيل، وإخراج المسألة عن حدود الإدراك والعلم: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ؟).. ثم يسكت ولا يجيب على هذا السؤال، ويدع قارئ المطلع وسامعه واقفاً أمام هذا الأمر المستهول المستعظم، الذى لا يدريه، ولا يتأتى له أن يدريه، لأنه أعظم من أن يحيط به العلم والإدراك([42]). ثم يلقاه هذا النبأ: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ)... وتمضى السورة إلى ختامها.

« أما براعة الاستهلال فى مطلع سورة النجم، فحدّث عنها ولا حرج، وقف أمامها طويلاً متأملا؛ لأن الوقوف أمامها:

كأن العيون الناظرات صياقل


\
يزيد على طول التأمل بهجة




وبراعة الاستهلال فيها:

وألذ فى الأجفان من سنة الكرى


\
أندى على الأكباد من قطر الندى


اقرأ الآيات التى صورت معراج الحبيب إلى الملأ الأعلى، وما رأى من آيات ربه الكبرى فى ليلة الإسراء والمعراج.. وتأمل حسن الابتداء بـ (النجم) مقسما به، وتدبر براعة الاستهلال بحركة تلألؤ ذلك النجم، ثم هويه ودنوه.

لقد رويت تفسيرات مختلفة للنجم المقصود فى هذا القسم، فقال ابن عباس: هو الثريا إذا سقطت مع الفجر وغابت. وهويّه: مغيبه، والعرب تسمى الثريا نجما. وقال مجاهد: هى نجوم السماء كلها حين تغرب، لفظه واحد، ومعناه الجمع، سمى الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن والقرن والنبت: إذا طلع. وزعم السدى: أنها الزهرة. وقال الضحاك: المقصود: الرجوم من النجوم، يعنى الشهب الثاقبة التى ترمى بها الشياطين عند استراقهم السمع، وقال أبو حمزة الثمالى: هى النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقـيل: المراد بالنجم القرآن الكريم، سُمِّى نجما لأنه نزل نجوما متفرقة فى ثلاث وعشرين سنة، وسمى التفريق: تنجيما، والمفرق نجما، وهذه الآية كقوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ* لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ* تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الواقع 75: 80] والهوى: النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: النجم: هو النبت الذى لا ساق له، ومنه قوله عز وجل: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) [الرحمن: 6] وهويّه: سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعنى بالنجم فى هذه السورة محمداً صلى الله عليه وسلم، إذ نزل من السماء ليلة المعراج، [بعد الصعود إليها] والهوى: النزول يقال: هوى يهوى هويا إذا نزل، مثل مضى يمضى مضيا([43]). وقال الشيخ سيد قطب: «أقرب ما يرد على الذهن أن القسم بالنجم فى مطلع هذه السورة إشارة إلى الشعرى، التى كان بعضهم يعبدها، والتى ورد ذكرها فى السورة فيما بعد فى قوله: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) [الآية 49] وقد كان للشعرى من اهتمام الأقدمين حظ كبير. ومما هو معروف أن قدماء المصريين كانوا يوقتون فيضان النيل بعبور الشعرى بالفلك الأعلى، ويرصدونها من أجل هذا ويرقبون حركتها. ولها شأن فى أساطير الفرس وأساطير العرب على السواء. فالأقرب أن تكون هذه الإشارة هنا إليها، ويكون اختيار مشهد هوّى النجم مقصوداً للتناسق والتوافق فى الإيقاع بين رءوس الآيات، ولمعنى آخر هو الإيماء بأن النجم مهما يكن عظيماً هائلاً فإنه يهوى ويتغير مقامه؛ فلا يليق أن يكون معبوداً، فللمعبود الثبات والارتفاع والداوم»([44]) أ.هـ.

وفى تقديرى، أنه مهما يكن المراد بالنجم الذى أقسم الله به فى مطلع سورة النجم، فإن استهلال السورة بهذه اللفظة - لفظة النجم - استهلال بارع، ومفتتح حسن، وابتداء فى قص واقعة المعراج وما تلاها من آيات السورة فى غاية الروعة والجمال؛ ذلك أن لفظة (النَّجْم) لفظة عذبة رقيقة توحى بالجمال، ولذلك قال الحق سبحانه: (وَ لقد زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) [الملك: 5] فهى زينة تبدو جميلة فى العيون، ومصباح يتلألأ نوراً. على أنها مناسبة تمام المناسبة لذلك الأفق الوضيئ الطليق المرفرف الذى عاش فيه قلب محمد وبصره، وهو يرف - فى ليلة الإسراء والمعراج بأجنحة النور المنطلقة إلى الملأ الأعلى، حيث استوى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى له الله ما أوحى، ورأى من آيات ربه الكبرى ما رأى.

فبراعة الاستهلال، وحسن الابتداء، وجمال المطلع متحقق بذلك النجم الذى هوى، مهما كان المراد به. ويكفى أن الحق سبحانه حين يقسم فى القرآن بشئ من مخلوقاته لا يقسم إلا بأشرفها، كالطُّورَ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ،، وغيرها مما أقسم الله به فى كتابه العزيز، وهو لا يقسم بها إلا على أمر عظيم رهيب، يرج القلب رجا ويهز النفس هزا.

والرائع حقا: أن الحق سبحانه ختم سورة (الطُّور) التى تسبق سورة النجم فى المصحف الشريف بقوله: (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [الآية 49] وافتتح هذه بقوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)، ثم تجئ فى المصحف بعدها سورة القمر.. يا له من حسن التناسق!

هذا وتبلغ براعة الاستهلال ذروتها، لو قلنا - مع جعفر الصادق -: إن المقصود بالنجم الذى هوى: هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، إذ نزل من السماء ليلة المعراج بعد الصعود إليها. وهو تفسير له ما يؤكده فى القرآن الكريم، فالقسم بالحبيب هنا كالقسم به فى قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) الحجر: 72، أى «وحياتك وعمرك وبقائك فى الدنيا إنهم فى ضلالتهم يلعبون»([45]).

قال ابن قيم الجوزية: «أكثر المفسرين من السلف والخلف - بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعا - أن هذا قسم من الله بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته، وهذه مزية لا تعرف لغيره....... وما أقسم الله تعالى بحياة نبى غيره ..... ولا ريب أن عمره وحياته صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم والآيات، فهو أهل أن يقسم الله به»([46]).

وتأسيسا على ما قاله ابن القيم يصح تفسير النجم الذى هوى بأنه الحبيب الذى هوى وأحب ربه، وتعلق قلبه بالأفق الأعلى، فتحقق له ما أراد، فى ليلة الإسراء والمعراج. ويكون فى القسم به تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض، كما قال ابن كثير([47]).

ويكون القسم به فى مطلع سورة النجم صورة بديعة من صور براعة الاستهلال التى نراها فى مفتتحات السور القرآنية.

لقد كانت ليلة الإسراء والمعراج ليلة نورانية من أعظم الليالى فى حياة محمد.. ذلك النجم الإنسانى العظيم، والنور المتجسد لهداية العالم فى حيرة ظلماته النفسية.

لقد حار المفسرون - والكلام هنا للمرحوم مصطفى صادق الرافعى - فى حكمة ذكر (الليل) فى آية الإسراء من قوله تعالى:

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)؛ فإن السرى فى لغة العرب لا يكون إلا ليلاً.

"والحكمة هى الإشارة إلى أن القصة قصة (النجم) الإنسانى العظيم الذى تحول من إنسانيته إلى نوره السماوى فى هذه المعجزة، ويتمم هذه العجيبة أن آيات «المعراج» لم تجئ إلا فى سورة: (النجم).

"وعلى تأويل أن ذكر (الليل) إشارة إلى قصة النجم، تكون الآية برهان نفسها، وتكون فى نسقها قد جاءت معجزة من المعجزات البيانية، فإذا قيل إن نجماً دار فى السماء، أو قطع ما تقطعه النجوم من المسافات التى تعجز الحساب، فهل فى ذلك من عجيب؟ وهل فيه شك أو نظر أو تردد؟ وهل هو إلا من بعض ما يسبح الله بذكره؟ وهل يكون إلا آية اتصلت بالآيات التى نراها اتصال الوجود بعضه ببعض؟

"وأنا ما يكاد ينقضى عجبى من قوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا). مع أن الألفاظ كما ترى مكشوفة واضحة، يخيل إليك أن ليس وراءها شئ، ووراءها السر الأكبر، فإنها بهذه العبارة نص على إشراف النبى (e) فوق الزمان والمكان يرى بغير حجاب الحواس مما مرجعه إلى قدرة الله لا قدرة نفسه، بخلاف ما لو كانت العبارة: (ليرى من آياتنا) فإن هذا يجعله لنفسه الاعتراض ولا تكون ثم معجزة.

"وتحويل فعل (الرؤية) من صيغة إلى صيغة كما رأيت، هو بعينه إشارة إلى تحويل الرائى من شكل إلى شكل كما ستعرفه، وهذه معجزة أخرى يسجد لها العقل، فتبارك الله منزل هذا الكلام!

"وإذا كان (e) نجماً إنسانياً فى نوره، فلن يأتى هذا إلا من غلبة روحانيته على مادته، وإذا غلبت روحانيته كانت قواه النفسية مهيأة فى الدنيا لمثل حالتها فى الأخرى، فهو فى هذه المعجزة أشبه بالهواء المتحرك. فقل الآن: أيعترض على الهواء إذا ارتفع بأنه لم يرتفع فى طيارة... ؟

ومن ثم كان الإنسان إذا سما درجة واحدة فى ثبات قواه الروحية، سما بها درجات فوق الدنيا وما فيها، وسخرت له المعانى التى تسخر غيره من الناس، ونشأت له نواميس أخلاقية غير النواميس التى تتسلط بها الأهواء. ومتى وجد الشئ من الأشياء كانت طبائع وجوده هى نواميسه، فالنار مثلاً إذا تضرمت أوجدت الإحراق فيما يحترق، فإن وضع فيها مالا يحترق أبطل نواميسها وغلب عليها.

وكل معجزة تحدث فهذا هو سبيلها فى إيجاد النواميس الخاصة بها وإبطال النواميس المألوفة، وبهذا يقال: إنها خرقت العادة. ومن النور نور لا يشف له غير الهواء، ومنه أشعة (رونتجن) التى تشف لها الجدران والحجب، فهذه معجزة فى ذاك»([48]). أ.هـ.

هكذا يتضح على ضوء ما تقدم ذكره من أمثلة: أن كل سورة من سور القرآن الكريم ذات ابتداء حسن، ومطلع جميل، واستهلال بارع، ولم لا يكون الأمر كذلك ومنزل القرآن الكريم: جميل يحب الجمال فى كل شئ؟

وابتداء السورة دائماً مناسب تمام المناسبة لموضوعها وجوّها، يؤكد هذا أنك ترى - مثلاً - ابتداء سورة (المرسلات) يختل عن ابتداء سورة (الضحى)، ففى الولى يقسم الحق سبحانه بـ (المرسلات عرفا. فالعاصفات عصفا. والناشرات نشراً. فالفارقات فرقاً. فالملقيات ذكرا. عذرا أو نذرا. إنما توعدون لواقع)، فتشعر أن ابتداءها على هذا النحو الذى ينشئ هزة قوية فى الحس، وتوجّسا فى الشعور، وتوفزا وتوقعا لشئ يهول ويروع، مناسب تمام المناسبة لما تعرضه السورة من حقائق الكون والنفس، ومشاهد الدنيا والآخرة، ومناظر الهول والعذاب للمكذبين.

أما سورة الضحى، فتشعر من مطلعها أنك أمام لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، وطائف من ود. ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتسكب الأمن والطمأنينة واليقين. ذلك أن السورة كلها خالصة للحبيب محمد e ، فيها تسرية له من ربه وتسلية وترويح وتطمين .. كلها أنسام من الرحمة، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والقلب الموجوع([49]).









جمـال الرسم العثمانى للمصحف الشريف


نقصد بالرسم العثمانى للمصحف الشريف: رسم الكلمات القرآنية فى المصحف الشريف على نهج خاص لا يطابق قواعد الإملاء المرعية فى الكتابة العادية لغير الآيات القرآنية.

ومعروف ان الذين كتبوا المصحف الإمام فى عهد سيدنا عثمان قد راعوا فى كتابه اللسان القرشى الذى على ضوئه كانت قواعد الإملاء والرسم.

ومن بدائع الإعجاز فى ذلك الرسم العثمانى للمصحف الشريف أن الكلمة تكتب بطريقة فى سورة غير ما تكتب به فى سورة أخرى، وشواهد ذلك فى المصحف جد كثيرة.

ويعد المصحف الإمام الذى تمت كتابته فى عهد سيدنا عثمان رضى الله عنه الأساس الذى نسخت منه جميع المصاحف إلى يومنا هذا، وبالتالى أصبح خطه ورسمه هو الأساس الذى لا تجوز مخالفته حتى إنه اشتهر بالرسم العثمانى فهذا الرسم العثمانى سنة قائمة لا يجوز لأحد أن يتعداها فهو مما ثبت لدى جمهور الأمة، فقد سئل الإمام مالك: هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى، وقال الإمام أحمد: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان فى ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك([50]).

خذ من بدائع الإعجاز فى الرسم العثمانى وجماله شاهد من قوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) الكهف: 49 وقوله تعالى: (مَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) النساء: 78 وقوله تعالى: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) الفرقان: 7.

فأنت ترى الرسم العثمانى ينفرد فى هذه الآيات الثلاث برسم (مالهذا، وما لهؤلاء) بما يخالف قواعد الإملاء، حيث رسمت لام الجر مفصولة عن الهاء من إسم الإشارة (هذا وهؤلاء) مع أن قواعد الإملاء العربية تجيزوصلها. والله أعلم لتشابه المقام فى هذه المواضع الثلاثة دون غيرها.

ولو رحنا نبحث عن السر من هذا الرسم فى الإية الأولى، لوجدنا انه مرتبط بمقام الآية أتم ارتباط، لان المقام - هنا - مقام تصوير لبعض ما فى اليوم الآخر من أهوال، وكيف أنه (يوم عسير. على الكفارين غير يسير) فقد جاءت حالة المشركين ناطقة تماماً بما يلاقونه من أهوال وصعاب، فها هم أولاء حين رأوا كتابهم وقد جمع كل ذرة مما صنعته أيديهم، وأيقنوا لا محالة أنهم صائرون إلى وضع لا يحسده عليهم فيه أحد. حين تملك منهم هذا الشعور اهتز كيانهم، وارتعدت فرائصهم، وأصبحوا لا يقدرون حتى على مجرد الكلام، فها هى ذى أفواههم تتلجلج، وأنفاسهم تهتدج، وصدورهم تنبسط وتنقبض، وأفئدتهم هواء. نراهم - وشأنهم هذا - لا يستطيعون الكلام كما كانوا يستطيعونه فى الدنيا، بل هم يتهتهون، وتخرج كلماتهم من أفواههم متقطعة كأنفاسهم المرتعشة من أثر الصدمة فيقولون: (ما) ولا يستطيعون التكملة، بل يتوقفون هتيهه، ثم يقولون: (لـ) ثم تنحبس أنفاسهم لحظة، ثم يعاودون فيقولون: (هذا) ثم يكملون (هذا الكتاب لا يغادر...إلخ) ولكنه العدل حيث (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).

وهكذا صور الرسم العثمانى - بهيئته هذه - موقف المشركين يوم القيامة أبدع صورة وأبرع تجسيد. وهذا من الإعجاز فى الرسم العثمانى وجماله فى المصحف الشريف.

وخذ شاهداً ثانياً من الرسم العثمانى لكلمة (سنة) بضم السين وتشديد النون، فقد وردت فى المصحف الشريف بالتاء المربوطة إلا فى ثلاثة مواضع جاءت مكتوبة بالتاء المفتوحة.

فمن الآيات التى وردت فيها(سنة) مكتوبة بالتاء المربوطة قوله تعالى: (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا) الإسراء: 77، وقوله تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) الفتح: 23

أما الآيات التى وردت فيها بتاء مفتوحة فهى:

1 - قوله تعالى: (وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) الأنفال: 38

2 - قوله تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) غافر: 85

3 - قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا* اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا).

(فاطر:42،43)

وذلك - والله أعلم - لتشابه به المقام فى الثلاثة دون غيرها.

واذا وقفنا مثلا عند الحكمة من رسم لفظة (سنت) بالتاء المفتوحة فى سورة فاطر، فإننا نجد كتابتها على هذا النحو مرتبطة بمقام الآية أتم أرتباط، فها هم أولاء المشركون وقد أخذ القرآن يلح عليهم ويضرب لهم الأمثال، عساهم أن يفيقوا ويعودوا الى رشدهم، فحياتهم على ما هى عليه ضرب من الوهم والعناد والباطل والغرور.

ولكن ماذا تقول فى الصلف والتكبر الذى يجعلهم يقولون: (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) إنهم يطلبون الرسول والرسالة، وهذا أمر طبيعى ولكن أن يأتى الرسول ومعه الرسالة الناطقة الواضحة، البينة الشافية، ثم يعودون إلى غيهم وضلالهم فذلك أمر لا يقبله عقل ولا يماشيه منطق، بل هو خروج عن المألوف، حيث لم يزدهم إرسال الرسول إلا نفورا اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ)ولكن وبال ذلك كله عليهم وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) ... هل نسوا أو تناسوا ما حاق بالأمم السابقة رغم إنذارنا المتكرر ووعيدنا المتجدد لهم؟ إن ذلك لخروج عن الفطرة ونشاز عن المألوف. فماذا ينتظرون؟

وهكذا قابلوا الإحسان بالإساءة، إذ كيف يقابل إرسال الرسول بالنفور؟ بل كيف لم يزدهم الإرسال إلا نفورا؟ إنها غاية الغرابة والخروج عن المألوف

هنا ينسحب المقام على الرسم العثمانى للكلمة أيضاً فيخرج هو الآخر عن المألوف فيقول - وقد تملكته الدهشة والإنفعال -: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ) هكذا بالتاء المفتوحة تجسيداً لهذا الموقف الشاذ الغريب، ثم يترقى ليثيب أن ما فعلوه لن يقابل إلا بما قوبل به من قبلهم (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) ويترقى أكثر وأكثر فيؤكد ما سبق قائلا: (ولن تجد لسنت الله تحويلا) كل ذلك بتاء مفتوحة تجسد موقفهم الغريب هذا ورد الفعل تجاهه فليفعلوا ما يفعلون (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا* وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) فاطر44، 45.

أرأيت كيف تأثر الرسم العثمانى بمعانى القران الكريم؟ وكيف أن الصحابة بأمر الرسول الذى لا ينطق عن الهوى قد وجهوا إلى كتابته بهذه الوجهة التى تحمل هذه الشحنة من المعانى، والتى لا يؤديها غير الرسم، بحيث غدت التاء المفتوحة منارة منيرة بكل معانى التعجب والإنكار والسخرية، والإستهزاء ثم القوة والعزم والغلبة النابعة من تكررها على الوجه المذكور. إنه الإيجاز المعجز، وإنه لكلام الله حقاً فسبحان من هذا كلامه، وتعالى من هيأ لكتابه هذا الوجه من الإعجاز.

وخذ شاهداً ثاثاً من الرسم العثمانى لكلمة (أيد) فى قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) الذاريات: 47 هكذا بياءين، فى الوقت الذى وردت لفظة (أيد) بياء واحدة كما هو متعارف عليه فى قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ص: 17.

وكتابة (أيد) بياءين نابع من المقام، فقد وردت الآية تعقيباً على صنيع الله تعالى بمن آذى رسله، ووقف فى طريق دعوة أنبيائه. إنه لا شئ سوى الإهلاك والتدمير. وما أهون ذلك على الله وكيف لا، وهو القادر الذى بنى السماء ورفعها بلا عمد نراها.

هنا ينسحب المعنى إلى الرسم العثمانى لكلمة (أيد) بياءين، فتظهر القوة والعظمة فى هذا البناء الذى بناه الله ورفعه (والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعون) فـ (الْأَيْدِ) بمعنى القوة من الفعل (آد يئيد) إذا قوى، وليست جمعاً لـ(يد) إلاأنها لما كانت قوة لا تدانيها قوة وعظمة لا تدانيها عظمة، فقد زيدت الياء تجسيداً لغاية هذه القوة وتمكنها وسعة السماء وبساطتها (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. وذلك أمر شائع فى العربية التى نزل بها القران الكريم وكتب بخطها. ويظهر لى كذلك - والله أعلم - أن زيادة الياء هنا للمفارقة بين قوة نبى الله داود (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ) الذى كان قوياً فى عبادته، حيث كان يصوم يوماًويفطر يوماً، وكان يصلى نصف الليل، وكان يلين الحديد بإذن الله وتقويته إياه، وبين قوة الله تعالى التى لا تدانيها قوة. وذلك سر يضاف إلى ما ذكرته بشأن (الياء) فى آية الذاريات، دون آية (ص) مع ان المراد من الكلمتين القوة إذ ليس فى القرآن الكريم غيرهما، وتلك من اسرار الرسم العثمانى للمصحف الشريف.

هذا ويرى أبو العباس المراكشى: أن (أييد) فى سورة الذاريات "كتبت بياءين فرقا بين (الْأَيْدِ) الذى هو القوة وبين (الأيدى) جمع يد، ولا شك أن القوة التى بنى الله بها السماء هى أحق بالثبوت فى الوجود من الأيدى، فزيدت الياء لإختصاص اللفظة بمعنى أظهر فى دراك الملكوتى فى الوجود"([51]).

وخذ شاهدا رابعاً من قوله تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) النمل: 20،21، وقوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) التوبة: 47

فقد رسمت لفظة لأذبحنه، ولفظة (لأوضعوا) بطريقة الرسم الإملائى المعروف، حيث زيدت الألف فى الرسم العثمانى للكلمتين، وذلك لسر بلاغى يصور بعض معانى الآية، وما يكتنفها من لطائف وأسرار.

وقد أفصح بدر الدين الزركشى عن هذا السر بقوله: زيدت الألف تنبيها على أن المؤخر أشد فى الوجود من المقدم عليه لفظاً، فالذبح أشد من العذاب والإيضاع أشد إفسامًا من زيادة الخبال"([52]).

وخذ شاهداً من إبدال تاء التانيث المربوطة تاء مفتوحة فى مواضع سبعة كتب لفظ (إمرأة) فيها هكذا: (امرأت) بتاء مفتوحة.



آل عمران: 35





1 - (إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ)



يــوســف: 30



2 - (امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ)



يــوســف: 51



3 - (قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ)



القـصـص: 9



4 - (وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ)



التـحـريــم: 11



5 - (اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ)



التـحـريـم: 10



6 - (اِمْرَأَةَ نُوحٍ)



التـحـريم: 10



7 - (وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ)




وفى غير هذه المواضع السبعة كتب لفظ امرأة بتاء مربوطة، كقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ) النساء: 12، وقوله تعالى: (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا).

(النساء: 128)

قوله تعالى: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) النمل: 23، وقوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) الأحزاب: 50

وبقية المواضع التى ورد فيها لفظ (امْرَأَةً) جاء فيها هذا اللفظ متصلا بضمير المتكلم مثل (َامْرَأَتِي عَاقِرٌ) أو بضمير الغائب مثل (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) أو بضميرالمخاطب مثل (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ) أو مثنى مثل (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) ([53]).

لقد زعم أحد الباحثين ان الرسم العثمانى لكلمة (امْرَأَةً) بالتاء المفتوحة (امْرَأت) ضرب من التخبط فى كتابة الآيات القرآنية، وأن الرسم العثمانى للألفاظ يناقض بعضه بعضاً،ويخل بأصول الرسم العربى إخلالاً بيناً ! ويشوه الألفظ تشويهاشنيعاً، كذلك زعم أن فى الرسم العثمانى "تناقضاً غريباً، وتنافراً معيباً لا يمكن تعليله، ولا يستطاع تأويله!!"([54]).

وكذب هنا الباحث فيما إدعاه، لأن الرسم العثمانى للألفاظ القرآنية له من الحكم والأسرار ما لم يفطن له صاحب هذا الإدعاء،ولو فطن لهذه الحكم والأسرار ما نطق بهذا الكلام السقيم.

لقد غاب عنه - مثلاً - أن المواضع السبعة التى جاءت فيها لفظة (امْرَأَةً) بتاء مفتوحة، تختلف فيها هذه اللفظة تماماً عن بقية المواضع القرآنية التى جاء فيها هذا اللفظ.

فلفظة (امْرَأَةً) كما هو معلوم لفظ يطلق على كل شئ أنثى من البشر، وليس لهذا اللفظ جمع من لفظه كرجل ورجال،وذلك لثقله ومن ثم كانت كلمة (نساء) هى الجمع لأفراده.

ويسترعى إنتباهنا أن لفظ (امْرَأَةً) الذى جاء رسمه فى المصحف بتاء مفتوحة فى المواضع السبعة التى تقدم ذكرها قد جاء مضافا إلى إسم صريح، هو زوج للمرأة ففى المواضع السبعة خمس نسوة، كل واحدة منهن ذكر اسم زوجها بعدها صريحاً: (امْرَأَةُ عِمْرَانَ - امْرَأَةُ الْعَزِيزِ - اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ - اِمْرَأَةَ نُوحٍ - وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ).

وقد أهتدى بدر الدين الزركشى إلى الحكمة من رسم (امْرَأَة) بتاء مفتوحة فى هذه المواضع السبعة، فقال ما نصه:

"رسمت تاء (امْرَأَة) فى هذه المواضع السبعة ممدودة ] مفتوحة[ تنبيهًا على فعل التبعل [التزوج] والصحبة وشدة المواصلة والمخالطة والإئتلاف.

فى الموجود والمحسوس. وأربع منهن [ اِمْرَأَةَ نُوحٍ، وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ، امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ] منفصلات فى بواطن أمرهن عن بعولتهن بأعمالهن، فأمرأة نوح وامرأة لوط كانات تحت عبدين صالحين فخانتهما، وامرأة العزيز راودت فتاها عن نفسه وامرأة فرعون قالت: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وواحدة خاصة واصلت بعلها باطناً وظاهراً [إلى أن مات] وهى امرأة عمران، فجعل الله لها ذرية طيبة [فولدت مريم، ومريم ولدت عيسى] وأكرمها الله بذلك وفضلها على العالمين وواحدة من الأربع انفصلت بباطنها عن بعلها طاعة لله، وتوكلا عليه وخوفاً منه فنجاها وأكرمها، وهى امرأة فرعون وإثنتان منهن انفصلتا عن زوجيهما كفرا بالله، فأهلكهما الله ودمرهما، ولم ينتفعا بالوصلة الظاهرة، مع أنها أقرب وصلة بأفضل أحباب الله: [نوح ولوط]. كما لم تضر إمراة فرعون وصلتها الظاهرة بأخبث عبيد الله [فرعون]. وواحدة انفصلت عن بعلها بالباطن اتباعاً للهوى وشهوة نفسها [امراة العزيز] فلم تبلغ من ذلك مرادها، مع تمكنها من الدنيا واستيلائها على من مالت إليه بحبها وهو فى بيتها وقبضتها، فلم يغن ذلك عنها شيئاً. وقوتها وعزتها إنما كانا لا من بعلها (العزيز)، ولم ينفعها ذلك فى الوصول الى إرادتها مع عظيم كيدها. كما لم يضر يوسف ما أمتحن به منها، ونجاه الله من السجن، ومكن له فى الأرض، وذلك بطاعته لربه، ولا سعادة إلا بطاعة الله، ولا شقاوة إلا بمعصيته، فهذه كلها عبر وقعت بالفعل فى الوجود فى شأن كل أمرأة منهن، فلذلك مدت ]وفتحت[ تاءاتهن... فى الرسم العثمانى بالمصحف الشريف([55]).

وإذا كان بدر الدين الزركشى - بتعليله هذا - قد وضع المفتاح فى القفل لمن يأتى بعده من الدارسين، فإننى أستخدم هذا المفتاح نفسه لأضيف إلى ما قال: أن فى هذه المواضع السبعة أمر يلفت النظر ويسترعى الإنتباه، وهوأن القرآن الكريم لم يستخدم لفظ (زوج)، فلم يقل: (زوج نوح وزوج لوط وزوج عمران وزوج العزيز وزوج فرعون) كما قال - مثلاً فى نصح الرسول عليه الصلاة السلام لزيد بن حارثه حين دب الخلاف بينه وبين زوجه زينب بنت جحش: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) الأحزاب: 37، ولم يقل: (أمسك عليك امرأتك).

والحكمة من هذا: أن عبارة (امراة عمران) وقد جاءت فى سياق قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). آل عمران: 33 (إذ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) سورة آل عمران: الإية رقم: 35.

وقولها هذا كان بعد موت زوجها عمران، فكيف يقول القرآن (زوج عمران) بعد أن فرق الموت بينها وبين زوجها وزالت الحياة الزوجية بالوفاة.

والحياة الزوجية بالنسبة لكل من امرأة نوح وامرأة لوط، لم تكن قائمة من كل الوجوه، بسبب الإختلاف فى الدين والعقيدة بين الزوجين، وكأن القرآن بهذا التعبير ((اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ واِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ) يريد أن يقول: ليس من مقام نوح أن تكون هذه زوجة له، ولا من مقام لوط أن تكون هذه زوجته، ولا من مقام آسيا بنت مزاحم أن تكون زوجة لفرعون الكافر الذى إدعى الألوهية.

وكذلك الحياة الزوجية بالنسبة لأمرأة العزيز لم تكن قائمة من كل الوجوه، لأنها امرأة تحكمت فيها الغرائز، وتغلبت عواطفها على الواجب، فتفننت فى وسائل الفتنة والإغراء حينما استبد بها الحب، وغلبها الهوى، وأسرها جمال فتاها يوسف، فأندفعت بكل عواطفها نحو طريق الرزيلة، والإقدام على خيانة زوجها فى عرضه وشرفه، غيرعائبة بالقيم السديدة والحقوق الزوجية الرشيدة وإستخدمت فى سبيل الوصول الى أغراضها الدنيئة كل ما أوتيت من وسائل المكر والدهاء والكيد وسعة الحيلة. فهل تستحق بعد هذا كله أن يخلع عليها القرآن الداعى إلى العفة والفضيلة لقب (زوج العزيز)؟

ومما يؤكد هذا أن الحق سبحانه حينما عرض قصتها مع يوسف استهل هذه القصة بقوله: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ)،فلم يعبر عنها إلا بالإسم الموصل (التى) المفيد لتحقيرها([56]). ناهيك عما يقدمه مدلول الصلة من تقرير الغرض المسوق له الكلام وهو تنزيه يوسف عليه السلام، وبعده عن مظان الريبة، والتعبير بالموصل (التى) أدل على هذا الغرض مما لو قال: وراودته (زوج العزيز) أو (زليخا)، لأنه إذا كان فى بيتها، ووسائل إغرائها موفورة عندها، وهما فى خلوة، وتحت سقف واحد، وقد واتته فرصة التمكن منها، ومع ذلك عف وأمتنع، كان ذلك غاية فى النزاهة، ولولم تستخدم الآية الإسم الموصول بدلا من اسمها (زليخا) لما فهم هذا المعنى([57]).

لقد إستهجن القرآن الكريم التصريح بإسم تلك المرأة، فعبرعنها أول معبر فى سورة يوسف بالإسم الموصول، ثم عبر عنها بعد ذلك فى السورة
بـ (امرأة العزيز)، ولم يقل أبداً (زليخا)، ولا (زوج العزيز)، ولا عجب فقد أرادت يوسف أن يجلس منها مجلس الرجل من أهله فأمتنع، وفى هذا الصنيع شناعة يعف اللسان عن ذكر الداعية إليه، وبخاصة أن زوجها له خطر"([58]) ومكانة، إذ كان عزيز مصر[رئيس وزرائها]، ومن هنا عدلت الآية عن التصريح بإسمها وحرمانها من لقب (زوج العزيز)، رغبة عنها، وكراهية فيها الى تعريفها بالموصول وتلقيبها بـ (امرأة العزيز)

ثم إن عدم التصريح بإسم تلك المرأة - وهو زليخا-يأتى من قاعدة قرآنية مطردة فيه تمثل نمطاً فريداً من الأدب القرآنى الرفيع، تلقاه فى كثير من سوره حيث لا يصرح بأسماء يرى التصريح فيها إلصاقاً لعار، قد يطارد أصحابها طيلة الزمن، كقوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ* وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) (التوبة: 117، 118)

مشيراً بلفظ (الثلاثة) إلى: كعب بن مالك، وهلال بن أمية،ومرارة بن الربيع الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خروجه من المدينة إلى غزوة تبوك.

وإذا كان الشعراء الجاهليون قد دأبوا فى كثير من قصائدهم على التصريح بأسماء النساء كتصريح زهير بن أبى سلمى بإسم زوجته (أم أوفى) فى مطلع معلقته:

بجومانة الدراج فالمتـثـلم


¯¯
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم







وقول طرفه بن العبد:

تلوح كباقى الوشم فى ظاهر اليد


¯¯
لخولة أطلال ببرقة ثهمد






فإن القرآن الكريم لم تذكر فيه امرأة بإسمها إلا مريم إبنة عمران، وكأنه يعلم الأزواج بذلك أن يخفوا على الناس أسماء زوجاتهم، ولا عجب فليس فى هذا الذكر من ثمرة، ولا يضيف جديداً إلى الموقف، بل هى زيادة لافائدة فيها، فهى حشو وتطويل لا يقبله النسق المحكم، والأدب الرفيع فى لغة القرآن الكريم.

أما التصريح بإسم (مَرْيَمَ) فلانها ذات صفة خاصة استقلت بها دون النساء جميعاً، فكان ذكرها بإسمها أمرا لا مندوحة منه، ولا معدى عنه، فلا يكفى فى (مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَان ) أن يقال عنها: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أو (امرأة أحصنت فرجها)، وإنما (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) و(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا). إنها امرأة واحدة أسمها مريم بين نساء العالمين جميعاً، وهى التى كان لها هذا الشأن، ولو أغفل ذكر إسمها لأفهم ذلك أن هذا لها من حيث هى امرأة وكفى. . وكلا فإنها (مَرْيَمَ) التى إختصها ربها بهذا الفضل العظيم، فإصطفاها على نساء العالمين، وجعلا وابنها عيسى آية للعالمين، فكان التصريح بإسمها وبإسم ولدها أمرا يقتضيه مقتضى الحال([59]).

إن ما يقضيه القرآن الكريم هو لمحات إيمانية لا تتعلق بالشخص نفسه من حيث هو شخص، وإنما تتعلق بالغايات المرادة من عرض هذه اللمحات الإيمانية. ولا ريب أن معجزة الميلاد من أنثى بلا ذكر لن تتكرر بالنسبة لنساء العالمين جميعا إلى يوم القيامة، فليست ثمة أنثى يحدث لها ما حدث لمريم. . لقد كانت مريم آية فى اصطفائها، وآية فى ميلادها، وآية فى إختلائها، وآية فى ولادتها لعيسى دون أن يمسسها بشر، وآية فى طهارتها وبتوليتها، وآية فى شخصها، فإستحقت - عن جدارة - أن تذكر بإسمها فى القرآن الكريم، وأن يتكرر هذا الإسم فيه أربعاً وثلاثين مرة، وفى واحدة من هذه المرات نسبت إلى أبيها عمران، (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ) ([60]) والرائع حقاً أن تاء (ابنة) رسمت فى المصحف مفتوحة لا مربوطه، خارجية عن المعتاد فى الرسم الإملائى، تماماً كما كما جاءت ولادتها لعيسى خارجة عن المعتاد، فتاة عذراء تلد غلاماً دون أن يمسسها بشر!

على أن التاء قد مدت أيضا "تنبيهاً على معنى الولادة والحدوث من النطفة المهينة، ولم يضف فى القرآن ولد إلى والد، ووصف به اسم الولد إلا عيسى وأمه عليهما السلام، لما إعتقد النصارى فيهما أنهما إلهان، فنبه سبحانه بإضافتهما الولادية على جهة حدوثهما بعد عدمهما، حتى اخبر تعالى فى مواطن بصفة الإضافة دون الموصوف، وقال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)([61]) لما غلوا فى إلاهيته أكثر من أمه كما نبه تعالى على حاجتهما وتغير أحوالهما فى الوجود، يلحقهما ما يلحق البشر، قال الله تعالى: (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) المائدة: 75 ([62]).

وصفوة القول: أن الرسم العثمانى للمصحف الشريف رسم فى غاية الروعة والجمال، وفيه من بدائع الرسم ما هو مشحون بأسرار هى مفاتيح أو بعض مفاتيح ما أشتملت عليه آياته من كنوز معنوية لن تنتهى معالمها إلى يوم القيامة وبالطبع فإنه لن يقف على مثل ذلك إلا من أنار الله بصيرته، فتهيأت لمشاهدة أضواء ذلك الإعجاز.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

من الجمـال القـرآنى

تواثب القرآن الكريم على شفاه الناس
فى أحاديثهم ومحاوراتهم لشدة تعلقهم به



من جمال القرآن الكريم أنه لم يقف عند حد فرض سلطانه وتأثيره على قلوب سامعيه فحسب، وإنما امتد سلطانه وتأثيره إلى الألسنة، فنراه يجرى على شفاه الناس إذا إرادوا الكلام.. من أى طبقة كانوا، وفى كل وقت، فآياته الشريفة، وعباراته الجليلة، وألفاظه العذبة، وأمثاله المضروبة تبرز فى كل مناسبة، ولو كانت هذه المناسبة فكاهة أو غيرها. وقلما يخلو حوار أو حديث بين مسلمين من آية أو بعض آية، تجيئ فى صورة تضمين واقتباس، أو تمثل، أو اعتبار. وذلك لكثرة الحفظ، وطول الترداد، وشدة الممارسة، ودوام المصاحبة، ومن ذا يتضمخ بالمسك ولا يفوح نشره، أو ينغمس فى بحر العنبر فلا يكون عنبر الأنوف والأرواح حيث كان من الحياة!! والأمثلة على هذا جد كثيرة، ولا سيما فى اقتباسات الكتاب والشعراء، ويكفى أن نذكر هنا مثالين:

المثال الأول من النثر، وهو القصة المشهورة التى جرت لعبد الله
بن المبارك مع العجوز التى لقيها فى موسم الحج، فحادثها، فإذا هى لا تتكلم إلا بالقرآن الكريم، ولا تنطق كلاما فى جارى حوارها وخطابها وجوابها إلا من آى الذكر الحكيم.

قال عبد الله بن المبارك: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيّه عليه الصلاة والسلام. فبينما أنا فى بعض الطريق إذ أنا بسواد؛ فتميزت ذاك فإذا هى عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف. فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقالت: «سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» فقلت لها: يرحمك الله ما تصنعين فى هذا المكان؟ قالت: «ومن يضلل الله فلا هادى له» فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها: أين تريدين؟ قالت: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» فعلمت أنها قد قضت حجتها وهى تريد بيت المقدس. فقلت لها: أنت منذ كم فى هذا الموضع؟ قالت: «ثلاث ليال سويا» فقلت: ما أرى معك طعاماً تأكلين. قالت: «هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» فقلت: فبأى شئ تتوضئين؟ قالت: «فَإن لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا». فقلت لها: إن معى طعاماً؛ فهل لك فى الأكل؟ قالت: «ثم أتموا الصيام إلى الليل» فقلت: ليس هذا شهر رمضان. قالت: «وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ» فقلت: قد أبيح لنا الإفطار فى السفر. قالت: «وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ» فقلت: لم لا تكلميننى مثل ما أكلمك؟ قالت: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» فقلت: فمن أى الناس أنت؟ قالت: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» فقلت: قد أخطأت فاجعلينى فى حل. قالت: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» فقلت: فهل لك أن أحملك على ناقتى هذه فتدركى القافلة؟ فقالت: «وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ» قال: فأنخت ناقتى قالت: «قل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ» فغضضت بصرى عنها، وقلت: اركبى. فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة، فمزقت ثيابها فقالت: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» فقلت لها: اصبرى حتى أعقلها، قالت: «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ» فعقلت الناقة وقلت لها: اركبى فلما ركبت قالت: «سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ* وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ» قال: فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسرع وأصيح، فقالت: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ » فجعلت أمشى رويداً رويداً وأترنم بالشعر، فقالت: «فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ» فقلت لها: لقد أوتيت خيراً كثيراً قالت: «وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» فلما مشيت بها قليلاً قلت: ألك زوج؟ قالك: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» فسكت ولم أكلمها حتى أدركت بها القافلة، فقلت لها: هذه القافلة فمن لك فيها؟ فقالت: «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» فعلمت أن لها أولاداً، فقلت: وما شأنهم فى الحج؟ قالت: «وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» فعلمت أنهم أدلاَّء الركب، فقصدت بها القباب والعمارات فقلت: هذه القباب فمن لك فيها قالت: «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» «وكلم الله موسى تكليما» «يَايَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ» فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا، فلما استقر بهم الجلوس، قالت: «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ» فمضى أحدهم فاشترى طعاماً فقدموه بين يدىّ، وقالت: «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ» فقلت: الآن طعامكم على حرام حتى تخبرونى بأمرها. فقالوا: هذه أمنا منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن، مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن، فسبحان القادر على ما يشاء، فقلت: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ».

أما المثال الثانى فهو من الشعر، ويتمثل فى قصيدة طنانة لشمس الدين الطيبى، وقد وصفها الحافظ ابن حجر العسقلانى بأنها من النوادر؛ لأن الشاعر اقتبس فيها أكثر فواصل الآيات فى سورة مريم، وهذا نصها:

إذ نووا للنوى مكاناً قصيا


\
لست أنسى الأحباب ما دمت حيا



خيفة البين سجداً وبكيا


\
وتلوا آية الدموع فخروا



كلما اشتقت بكرة وعشيا


\
فبذكراهم يسبح دمعى



كمناجاة عبده زكريا


\
وأناجى الإله من فرط حزنى



فى ظلام الدجى نداءً خفيا


\
واختفى نورهم فناديت ربى



رب بالقرب من لدنك وليا


\
وهن العظم بالبعاد فهب لى



لم أكن بالدعاء رب شقيا


\
واستجب فى الهوى دعائى فإنى



كان يوم الفراق شيئاً فريا


\
قد فرى قلبى الفراق وحقاً



كنت نسياً يوم النوى منسيا


\
ليتنى مت قبل هذا وأنى



كان أمراً مقدراً مقضيا


\
لم يك الهجر باختيارى ولكن



أنا أولى بنار وجدى صليا


\
يا خليلى خليانى وعشقى



وفؤاداً صباً وصبراً عصيا


\
إن لى فى الفراق دمعاً مطيعاً



فصلانى أو اهجرانى مليا


\
أنا فى هجرهم وصلت سهادى



حائر أيهم أشد عتيا


\
أنا فى عاذلى وحبى وقلبى



أهده فى الهوى صراطاً سويا


\
أنا شيخ الغرام من يتبعنى



ذلك اليوم يوم أبعث حيا


\
أنا ميت الهوى ويوم أراهم



هو مولى الوجود لم أك شيا


\
أنا لو لم أعش بمقدم مولى



ين من زار من نداه النديا


\
الفتى الباسط الجميل جمال الد



راضياً عند ربه مرضيا


\
سيد مرتضى الخلائق أضحى
؟

كالذى كان وعده مأتيا






\
صادق الوعد بالوفاء ضمين



ـه له قط فى السمو سميا


\
أوحد فى الصفات لم يجعل اللـ



منه إذ يحضر الصدور جثيا


\
لا ترى فى الصدور أرحب صدراً



وعداه فسوف يلقون غيا


\
ماجد أولياؤه فى رشاد



أوتى العلم حين كان صبيا


\
وفتى بالسماح صب رشيد



ونشا يافعاً غلاماً زكيا


\
بلبان الكمال غذى طفلاً





وافياً كافياً وكان نقيا


\
لم يزل منذ كان براً تقياً



كعلاه لسان صدق عليا


\
جعل الله فى ادخار المعالى



وانثنى واجداً أثاثاً وزيا


\
كم عديم الثراء أثنى عليه



أكلوا رزقه هنيا مريا


\
وأولو الفضل حين أموا قراه




وغالب قوافى هذه القصيدة - كما سبق القول - مقتبس من سورة مريم، لكنها من النوادر، وهى قصيدة طنانة([63]).


رابط المقال :
www.geocities.com/gwad666/ - 435k -


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ



--------------------------------------------------------------------------------

([1]) معجزة القرآن للشيخ/ محمد متولى الشعراوى: ص 216، كتاب اليوم الصادر عن مؤسسة أخبار اليوم 1981.

([2]) فى ظلال القرآن لسيد قطب: مجلد 4 ص 2282 "بتصرف يسير".

([3]) البيان القرآنى، د/ محمد رجب البيومى: ص 215، منشورات مجمع البحوث الإسلامية - ط دار النصر للطباعة، 1393هـ/1971م.

([4]) أنظر: البيان القرآنى للدكتور/ محمد رجب البيومى: ص 216.

([5]) انظر فى ذلك: درة الـتـنزيل وغرة التأويل للخطيب الإسكافى: ص 284 دار الآفاق الجديدة، بيروت 1979 (الطبعة الثالثة).

([6]) انظر فى ذلك: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 3/164 ط دار إحياء التراث العربى - ومثله قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه) وهو الصعود إلى أعلى السد الذى بناه ذو القرنين أمام يأجوج ومأجوج (وما استطاعوا له نقبا) وهو أشق من ذلك؛ فقابل كلا بما يناسبه.

([7]) أنظر: القرآن والقصة الحديثة، لمحمد كامل حسن المحامى: ص 58 وما بعدها. مطابع دار الكتب، بيروت، 1970م.

([8]) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 3/151 ط دار إحياء التراث العربى (بدون تاريخ).

([9]) مواقف بعض الرسل فى القرآن الكريم، محمد على سلامة: ص 57 مطبعة استراند الحديثة. مصر 1985م.

([10]) انظر: المعلقة العربية الأولى، د/ نجيب البهبيتى: 1/141. مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء 1401هـ / 1981، نشر دار الثقافة.

([11]) انظر: فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر العسقلانى: 6/334، 335 ط دار إحياء التراث العربى.

([12])، (2) قصص الأنبياء المسمى بعرائس المجالس للثعلبى: ص 144 ط شركة الشمرلى بالقاهرة 1982.

([13]) تفسيره ج 18 - ص 218.

([14]) راجع البرهان ج 3 - ص 67، ج 4 - ص 61.

([15]) انظر: مناهل الفرقان فى علوم القرآن للزرقانى: 2/266، 267 ط عيسى الباب الحلبى.

([16]) السابق: ص 265، 266.

([17]) انظر: البرهان فى علوم القرآن للزركشى: 1/254 ط مكتبة دار التراث.

([18]) البرهان فى علوم القرآن للزركشى: 1/442، 443 ط مكتبة دار التراث.

([19]) السابق: ص 442.

([20]) السابق: 2/181، 82 ط عيسى البابى الحلبى (الثانية).

([21]) السابق: 2/226، 227.

([22]) السابق: 1/255 ط مكتبة دار التراث.

([23]) البرهان فى علوم القرآن: 1/255 ط مكتبة دار التراث.

([24]) سورة النمل: 18.

([25]) البرهان فى علوم القرآن للزركشى: 3/227، 228 ط مكتبة دار التراث.

([26]) الكشاف: 3/142 ط دار المعرفة بيروت (بدون تاريخ).

([27]) انظر: فى ظلال القرآن: مجلد 5 ص 2637.

([28]) السابق: مجلد 5 ص 2639.

([29]) انظر: القرآن محاولة لتفسير عصرى للقرآن، د/ مصطفى محمود: ص 211، 212 - الطبعة الأولى.

([30]) انظر: حوار مع صديقى الملحد لمصطفى محمود ص 112، 113 ط دار المعارف بمصر.

([31]) سورة القيامة: الآيتان 3، 4.

([32]) انظر: حوار مع صديقى الملحد، د/ مصطفى محمود: ص 112.

([33]) السابق: ص 113.

([34]) انظر السابق: ص 113، 114.

([35])، (2) انظر: مفتاح البلاغة للدكتور محمد خليفة وآخر: ص 177، 180 - 182 دار الاتحاد العربى للطباعة - نشر مكتبة الجامعة الأزهرية (بدون تاريخ).



([37]) نظرات فى سورة الرحمن لعبد الكريم الخطيب: ص 14، 15 مطابع أخبار اليوم - العدد 43 من سلسلة (كتاب اليوم) الصادر فى أول رمضان 1391هـ، 20/10/1971.

([38]) السابق: ص 45.

([39]) فى ظلال القرآن: مجلد 6 ص 3631.

([40]) السابق والصفحة نفسها «بتصرف يسير».

([41]) فى ظلال القرآن: مجلد 6 ص 3674.

([42]) انظر: السابق ص 3677.

([43]) ينظر فى هذه التفسيرات المختلفة للنجم:

1- الكشاف للزمخشرى: 4/27 ط دار المعرفة بيروت.

2- تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 4/401، 402 ط دار إحياء التراث العربى.

3- تفسير البغوى (معالم التنزيل): المجلد السابع ص 399، 400 بتحقيق محمد عبد الله والنمر وزميليه - دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض 1412هـ.

([44]) فى ظلال القرآن المجلد السادس ص 3406 ط دار الشروق - الطبعة العاشرة 1402هـ/ 1982م.

([45]) تفسير ابن كثير: 2/903 ط دار المعرفة بيروت.

([46]) التبيان فى أقسام القرآن لابن قيم الجوزية: ص 269 ط مكتبة المتبنى بالقاهرة بدون تاريخ.

([47]) تفسير ابن كثير 2/903.

([48]) وحى القلم للرافعى: 2/26، 27 مكتبة الإيمان بالمنصورة - تحقيق سعد كريم الفقى.

([49]) فى ظلال القرآن لسيد قطب: 6/3925.

([50]) انظر: البرهان فى علوم القرآن للزركشى: 1/376 وما بعدها تحقيق محمد
أبو الفضل إبراهيم ط مكتب دار التراث وكذلك مناهل الفرقان: 1/379.

([51]) البرهان فى علوم القرآن للزركشى: 1/387 ط مكتبة دار التراث بالقاهرة.

([52]) السابق: 1/381.

([53]) انظر فى هذه الشواهد وما ماثلها: هود: 81، العنكبوت: 33، الأعراف: 83، هود: 71، يوسف: 21، الحجر: 60، العنكبوت: 32، الذاريات: 29، المسد: 54، آل عمران: 40، مريم: 5-8، البقرة: 82، القصص: 23.

([54]) انظر: الفصل الذى كتبه محمد محمد عبد اللطيف (ابن الخطيب) تحت عنوان (التناقض الموجود فى رسم المصحف) ص 71 - 91 من كتابه (الفرقان) ط دار الكتب العلمية بيروت (بدون تاريخ).

([55]) البرهان فى علوم القرآن للزركشى: 1/416 ط مكتبة دار التراث بالقاهرة.

([56]) إتماماً للفائدة: أذكر هنا أن القرآن الكريم ايضًا لا يستخدم لفظ (زوج) إذ كان الزوجان كافرين، كقوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب وقوله: (انى وجدت امرأة تملكهم) وكذلك فى حالة عقم الزوجه كقوله تعالى من امرأة زكريا (وامرأتى عاقر)، فلما ولدت يحيى قال: (وأصلحنا له زوجه).

([57]) أنظر: المعانى فىضوء أساليب القرآن للدكتور عبد الفتاح لاشين: ص 240 ط دار المعارف (الثالثة) 1978.

([58]) السابق: ص 240، 241.

([59]) انظر: القصص القرآنى فى منطوقه ومفهومه لعبد الكريم الخطيب: ص 118، 119 مطبعة السنة المحمدية - الطبعة الأولى 1384هـ / 1964م.

([60]) سورة التحريم: الآية 12.

([61]) سورة المؤمنون: 50.

([62]) البرهان فى علوم القرآن للزركشى: 1/415، 416 ط مكتبة دار التراث.

([63]) كتاب الوافى بالوفيات لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى جـ 8 ص 299، 300 جـ 8 نشره محمد يوسف نجم - دار النشر فرانز شتايز بفيسبادق 1391هـ/ 1971م.

الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلانى جـ 1 ص 364 مطبعة المدنى بدون تاريخ - منشورات دار الكتب الحديثة بالقاهرة - تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.