المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ركن التذوق:جمالية الشعر العربي.


أبو عبد المعز
08-12-07, 08:55 PM
السلام عليكم ورحمة الله..

تصفحت في منتدانا هذا باقة زاهية من اختيار الأفاضل من بديع الشعر وبليغ الكلام ..وكنت أحب لو كشف المختار عن سر اختياره فيورد البيت والبيتين مع تذييل يكون شيئا مثل التفكير المسموع ...
أقول تفكير مسموع لنراوغ أعراف الشرح وقواعد النقد الأدبي وصرامة المنهج ...هو محض استرسال حر مع فكرة أو صورة البيت الشعري ليس إلا!
أو هو رجع مكتوب للصدى الذي تركته عبارة الشاعر في وعي المتلقي...(كما يقول الظاهراتيون)

1-هل تذوقت " شيخ المعرة"قط!

فلو بان عضدي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... و عير قساً بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل

هي رؤية معرية لعالم "متفسخ"،وعرض حاد لاستشراء التفسخ على أكثر من واجهة:
1-تفسخ في صورته العضوية/
حين يتنكر الشلو للشلو، والجارحة للجارحة...فما أقسى أن لا يبالي المنكب بالعضد، وأن لا تشعر الأنامل بالزند...
كأني بشيخ المعرة يرتاد هنا حالة قصوى:
فما أوثق عرى العضد والمنكب :لحم واحد وعصب واحد فما رجع الدم إلى المنكب إلا وقد مر من العضد..وما وصل النسغ إلى العضد إلا وقد سمح المنكب بالعبور...ومع ذلك فما أشد البرودة بين جزئي الكيان الواحد!
يغيب العضد فما يذرف عليه أخوه المنكب دمعة واحدة!
يموت الزند فلا تبالي بموته الأنامل!
أي جسم هذا!
لقد تفسخ وانحل حتى ليصبح فيه الشقيقان المتجاوران كأن بينهما أمدا بعيدا...!
2-تفسخ في صورته الثقافية/
تفسخ عالم المعري وانقلب انقلابا...
لا يوازي حدة ذلك الانحلال العضوي إلا حدة انقلاب القيم وتضبب الرمزية الاجتماعية...وكأني بشيخ المعرة ينسج كوميديا سوداء...ينبري فيها "مادر"ليتهم بالبخل.. لكن من؟حاتم الطائي!ويعير "باقل" بالفهاهة.. لكن من؟ ابن ساعدة!
"أبلغ من قُسّ، أنطق من قسّ،أدْهى من قس"...كذبت العرب وما أنصفت .. وإلا ما تركوا لباقل ولبيهس ولهبنقة ولصاحب ضأن ثمانين!!
وقد يطوف طائف التردد على القاريء فيحتار:
أي الصورتين أوغل في القسوة والمفارقة،تنكر الأنامل للزناد الذي يحملها أم هذا المسخ في القيم فيتسلق "مادر" الصدارة في الناس ل"كرمه" ، وينكمش "أخو طي "في الحثالة ل"بخله"!!
كيفما كان الحكم..فلا ريب أن الصورة الاولى أدعى للبكاء والرثاء ، وأن الصورة الثانية أدعى للتسلية والضحك ..لكنه "ضحك كالبكا "كما في معجز أحمد!
3-تفسخ في صورته الكونية/
تصعيد ..تلو تصعيد.
تفجرت المأساة محليا وقريبا جدا في جسد الشيخ (في قصة الزند والعضد)ثم امتدت ثقافيا وحضاريا( في قصة مادر وباقل)،فأبى الشيخ إلا أن يصعد المأساة ويصدرها من جسمه وأرضه إلى الأكوان كلها...فهاهو" السها"- على المدى السحيق- مادر آخر في صورته الفلكية يهجو" الشمس "حاتما آخر في صورته الفلكية..ثم يتكرر المعنى من خلل "الصبح" و"الدجى"-على مدى أقرب- في ثنائية هي لازمة أسلوبية في المقطع كله:
العضد/المنكب......الزند/الانامل.
الطائي/مادر.......قس/باقل..
السهى /الشمس.....الدجى/الصبح.
حيث يتبدى التشابه والتضاد في وآن واحد:
عائلة مؤتلفة من البياض ، وعائلة مؤتلفة من السواد..لكن شيخ المعرة يعمد إلى تفتيت العائلتين إلى شظايا وينظم منها عالما متوترا منسوجا من ثنائيات متقاتلة متقابلة كل عنصر في مواجهة غريمه ..
بياض وسواد في توتر صارخ،
القطب السالب(الذي كان موجبا في غير عالم المعري) المكون من الطائي وقس والشمس والصبح لمواجهة القطب الموجب(الذي كان سالبا في غير عالم المعري) المؤلف من مادر وباقل والسهى والدجى...

4-تضاد لا يحتمل ومرارة لا تستساغ...وكيف يستساغ أن يزهو مادر كالطاووس ويدحر حاتم كالفأر!
لكن لا أمل في إرجاع الأمور إلى رشدها..فقد امتد الزيف مكتسحا..
... داخليا وخارجيا....
....أرضيا وسماويا...
فلم يبق من حل إلا الاستنجاد بالموت، الموت الذي سيخرج الوعي من هذا الجو الخانق...
فيخاطب :"زر"
وكأنه ضيف عزيز متمنع...
"زر"
موت مشتهى..
"زر"
موت مدلل...
مدلل عند شيخ المعرة كما كان مدللا من قبل عند شيخ شيخ المعرة:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا...وحسب المنايا أن يكن أمانيا...

أبو عبد المعز
10-12-07, 04:06 PM
2-هل تذوقت شعر السلكة أم السليك؟

طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك
لَيت شِعري ضلّةً .. أيّ شيءٍ قَتَلك
أَمريض لم تُعَد .. أم عدوٌّ خَتَلَك
أَم تولّى بكَ ما .. غال في الدهرِ السُّلَك
وَالمَنايا رصدٌ .. لِلفَتى حَيثُ سَلَك
أي شيء حسن ..لفتى لم يك لك
كلّ شيءٍ قاتلٌ .. حينَ تلقى أَجَلَك
طال ما قد نلت فـي..غيـر كـدً أمـلـك
إِنّ أَمراً فادحاً .. عَن جَوابي شَغَلك
سَأُعزّي النفسَ إِذ .. لَم تُجِب مَن سَأَلَك
لَيتَ قَلبي ساعةً .. صبرهُ عَنك مَلَك
لَيتَ نَفسي قُدّمَت .. لِلمَنايا بَدَلَك

1-للمقطوعة إيقاع قوي منشؤه وصل روي اللام بالكاف..ولما كان البحر قصيرا جدا فإن الثنائي الصوتي"لك"يتردد على الأذن دون انتظار طويل..فما أن ينتهي صدى "لك"من البيت حتى يقرع الأذن صوت "لك"الموالية في البيت اللاحق...بسبب قلة المدة الزمنية الفاصلة بين نهايات الأبيات..
المقطوعة في نظري من باب لزوم ما لا يلزم....
فالكاف صوت قوي مشهود صالح لان يكون رويا عكس الهاء وقد صدق التنوحي في قوله:

(والكاف التي للخطاب في المذكر والمؤنث، فإنهما وإن كانا في الإضمار بمنزلة هاء أكرمه وشتمه فإنهما قويان، وتستعملان في الروي استعمال الميم والنون،.....
وقد زعم بعضهم أن كاف الخطاب في مثل قولك: حمدك وشكرك لا تكون رويا إلا أن تشاركها كاف أصلية، واحتج بأن هذا اللفظ لو رد إلى الغائب لتغيرت الكاف وصارت هاء، فالكاف في موضع ما لا تكون رويا).
قلت :
ما زعمه هؤلاء غير متجه لأنهم أدخلوا في العروض اعتبارات نحوية /صرفية لا قيمة لها إيقاعيا ...فالعروض موجه للأذن فقط والأذن لا تفرق بين الكاف في" فَهَلَك" والكاف في " قَتَلك".

2-ما يثير الانتباه في المقطوعة هو الاستهلال بالخبر في بيت الأول:
طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك
حيث الضمير العائد على السليك هو ضمير الغائب
ثم تتمحض بقية القصيدة لأسلوب الخطاب...فيكون الضمير العائد عليه هو كاف الخطاب.
خطر لي توجيهان:
1-أن يكون البيت الأول حكاية للخبر الذي جاء الشاعرة عن مصرع ابنها ..ذلك الخبر الذي تردد صداه في وعيها ففجر فيها تلك المناجاة التي ستخلل القصيدة كلها.
طافَ يَبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلَك
هذا كلام الشاهد على المصرع هو خليق بمتفرج يعتمد العين لا الفؤاد..
لَيت شِعري ضلّةً .. أيّ شيءٍ قَتَلك
وهذا كلام الشاعر بالمصرع هو خليق بالام التي تشعر ولا ترى...

طافَ يَبغي نجوةً
إنه وصف بارد عقلي خبري خال من الإ‘حساس مثل قصاصات الأخبار...أو حصاة تلقى في بركة.
ثم يتحول الخبر إلى إنشاء يعني ينفتح على أعماق الحس والشعور
لتبدأ المناحة...أو قل التموجات و الذبذبات والاهتزازات في الدوائر الشعورية الناشئة عن "حصاة" الخبر..
لَيت شِعري ضلّةً...
2-أو أن تكون الشاعرة استهلت قصيدتها فوقع في روعها أن ابنها تعرض لتغييب مزدوج:
-التغييب الوجودي فقد مات
-التغييب الشعري من خلال التعبير بضمير هو وزمان الماضي"طاف"
فاستدركت الأمر فرأت أن لا يتمالأ الوجود والشعر على تغييب السليك...فلا أقل من استحضار الفقيد شعريا مادام استحضاره واقعيا محال..وليس الشعر إلا تأسيسا للعالم المنشود فليحضر السليك في القصيدة إذن!!فليكن شاهدا سميعا في الهنيهة الحاضرة يسأل ويخاطب :
أي شيء قتلك..
كما اعتادت في الأيام الخوالي أن تعاتب ابنها كأي أم في الدنيا:
أي شيء أخرك!!!

3- أَمريض لم تُعَد .. أم عدوٌّ خَتَلَك...
من أجمل الأبيات!

أَمريض لم تُعَد...
يمتزج هنا احساسان:
-الحرمان
-الحسرة.
الحرمان باعتبار الابن فهو مريض ولكن لا مؤنس له أو زائر.
الحسرة من جانب الام فالأم لا يخفف عنها إلا أن تكون بجانب ابنها المريض مواسية ومطببة تمر براحتها على الوجه المصفر أو تبلل بالماء الجبين المحموم...لكن السلكة محرومة من هذه الوظيفة..فيأتي إلى الوعي السؤال الذي لا مناص منه:
ترى من يقوم مقامها هناك ..
أَمريض لم تُعَد...
لكن السلكة تنتبه فجأة إلى أن ابنها لم يعد طفلا ليربت على شعره... وليس من الوفاء للفقيد أن يبرز للناس في مثل هذه الصورة....فهو رجل لا كالرجال ... صعلوك يعشق المخاطر والأهوال.
فأولى به ألا يموت محموما على فراش المضر..بل:
"عدوٌّ خَتَلَك"
هذا هو اللائق بالصعلوك أن يموت في معركة فقط...
ويموت غيلة فقط..لأنه أشجع فلا يتمكن منه غيره إلاإذا استعانوا عليه بالختل والتمسكن.
فانظر إلى هذا البيت كيف لخص شقه الاول لهفة الأم، وكيف لخص شقه الثاني حياة الصعلوك!!

4-أميل إلى جعل المقطوعة من مشطور المديد..فما رأي شيخنا عصام؟

مهنَّد المعتبي
10-12-07, 05:56 PM
بوركتَ أبا عبد المعزِّ ..
للتثبيت .

محمود آل زيد
10-12-07, 06:30 PM
الشيخ الفاضل ( أبا عبد المعز ) : أعزك الله ،،،

عصام البشير
10-12-07, 07:15 PM
أحسن الله إليكم شيخنا الكريم أبا عبد المعز.


4-أميل إلى جعل المقطوعة من مشطور المديد..فما رأي عصام؟

في ذلك خلاف بين العروضيين، تجده ملخصه على هذا الرابط:
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=60157&scholar_id=1224&series_id=3209

من الدقيقة 31 تقريبا إلى الدقيقة 40

الأبيات من:
- مشطور المديد
- أو من مجزوء الرمل
- أو من المديد التام المصرع.

والأول أولى، والثالث مرجوح.
والله أعلم.

أبو محمد الرشيدي الأزهري
11-12-07, 04:48 PM
بارك الله فيكم

أبو يوسف العامري
12-12-07, 12:00 AM
جزاكم الله خيرا

تصفحت في منتدانا هذا باقة زاهية من اختيار الأفاضل من بديع الشعر وبليغ الكلام ..

قد مر بي عند بعض اللغويين المحدثين ان اطلاق (الباقة) على مجموعة الورود والأزهار من اللحن الشائع بين اهل العصر.
لكونها تستعمل في البقل خاصة !

فماذا يرى الشيوخ الفضلاء ؟!

أبو عبد المعز
12-12-07, 01:56 AM
بارك الله فيك..وشكرا على قراءة الموضوع..

على فرض أن الباقة تقال عن حزمة البقل ..فلا مانع من التوسع لتشمل الكلمة ما هو من جنس النبات كالزهور...
قال الناشيء الأصغر:
وليلٍ تَوارى النجمُ من طُولِ مُكثهِ ... كما ازْوَرَ محبوبٌ لخوف رقيبهِ
كأنّ الثريا فيه باقةُ نرجسٍ ... يُحيّى بها ذُو صبوةٍ لحبيبهِ

وقال ابن حمديس:
وكأَنَّ الغَرْبَ منها نَاشِقٌ ... باقَةً من ياسمينٍ أو أقاحْ

ثم هل لحزمة الزهور اسم خاص أم لا؟
فإن لم يكن ،كان التعبير بالباقة قريبا من الضرورة ..مثل قولنا "رجل الطاولة " و"يد الفنجان" و"أسنان المشط" وغيرها....وما شابه هذه التعابير ليست من التوسع بقدر ما هي من الضرورة.. لذلك اعتبرها عبد القاهر الجرجاني من باب الاستعارة غير المفيدة، لأنها اضطرارية ولا تكون البلاغة إلا مع الاختيار ولا اختيار هنا..
والله أعلم.

أبو يوسف العامري
12-12-07, 09:30 PM
اجابة حسنة .. جزاكم الله خيرا

ولا اريد قطع مشاركاتكم في الموضوع، لكنْ لدي سؤالٌ آخر: ما الضبط الصحيح للـ(سلكة) أم السليك ؟ أبإسكان اللام أم بتحريكها؟ ولو كانت محرّكة، فبم تحرّك؟

أبو عبد المعز
13-12-07, 01:01 AM
السُّلَكَة .. مثل همزة
ومعناها أنثى فرخ القطا أو الحجل كما في تاج العروس ...الذكر منها سلك بضم الأول وفتح الثاني..
مع التحية الطيبة.

ابن عبد الغنى
15-12-07, 01:54 AM
شيخنا المبجل

ما أفصحَك

زدنا زادك الله علما وفضلا

أبو عبد المعز
15-12-07, 03:26 AM
3-هل تذوقت شعرا عن فلسطين؟
من قصيدة "القدس" لأحمد المجاطي-شاعر من المغرب-

تحُزُّ خناجرُ الثُّعبان
ضوء عيونكِ
الأشيَبْ
وتشمخُ في شقوقِ التِّيه
تشمخُ لسعةُ العقربْ..


1-القصيدة عن فلسطين، والقدس هي المخاطبة..
للشاعر مهارة كبري في اختيار الكلمة وتوظيفها...وللكلمة عنده ظلال وإيحاء..
أنظر مثلا إلى كلمة "خناجر" ..
إن الشاعر كان في حاجة لأن يضع للثعبان آلة قاطعة لتقوم بوظيفة "حز الضوء"..فاختارمن عائلة القواطع الخنجر دون السكين أو السيف..
فالسكين له حياد دلالي..والسيف يوحي بالبطولة والشجاعة...فلا يليق بالثعبان الصهيوني إلا آلة صهيونية:الخنجر.
الخنجر مرتبط بإيحاء الختل والغدر ...
الطعن بالرمح فروسية وشرف...لكن الطعن بالخنجر خسة وجبن..
السيف يشهر فهو إعلان للبطولة..أما الخنجر فهو يخفى في الثياب فهو دس للحقد والضغينة..
الخنجر هو آلة اليهودي بامتياز...

لكن أي حيوان سيمثل دور اليهودي؟
ليس إلا الثعبان...
حيوان صامت بارد كالخنجر نفسه...ملتصق بالأرض يزحف بين العشب والرمل خفيا...منظره تتقزز منه نفس الآدمي...يعض في غفلة كما الخنجر يطعن في غفلة...وافق شن المكر طبقة الختل..
يتحرك الثعبان ممتشقا خنجره...نحو القدس.

نلاحظ الكلمات التي جعلها الشاعر في حيز القدس:
ضوء
عيون
أشيب..
علامات النقاء والطهر ...
ثم انظر كيف جمعت صفة" أشيب" بين أصالة التاريخ، ووقار الدين، ونصاعة المظهر...
كل هذا سيحزه اليهودي الثعبان...

انظر كيف فضل الشاعر" الحز" على القطع...لتستحضر صورة اللحم وتستشعر الألم!!

وتشمخُ في شقوقِ التِّيه
تشمخُ لسعةُ العقربْ..

هذه ضربة شاعر بليغ!!
ظلال الكلمات تهمس تاريخا بأكمله...والفضل كله يرجع إلى كلمة سحرية هي "التيه" فلله در الشاعر!!
"التيه" تذكير بضياع بني إسرائيل في سيناء أربعين عاما....
إلى أين كانوا يسيرون؟
إلى القدس...
أرض موعودة أم محرمة عليهم؟
واليوم هاهم يخرجون من الشتات ومن تيههم العصري يزحفون نحو القدس....
كانوا في اختفاء حضاري مثل اختفاء العقارب في الشقوق...
لكن آن اليوم للثعابين والعقارب أن تظهر على أديم الأرض...وتزحف نحو المرأة العجوز!!


2-كلمة عن الشعر الحر:

-ليس عندنا عداء خاص للشعر الحر وشعرائه ،ولكننا نرى أن انسلاخه من الوزن والقافية أفقده الوقع والإيقاع... غير أن أنصار الشعر الحر لا يسمعون !فيحسبون أن النقد الموجه إلى شعرهم محسوب على المذهبية والصراع الفكري بين السلفية والحداثة...الأمر أهون بكثير من ذلك .. وما أرى إثارة الجعجعة الفكرية والمصطلحية إلا سترا للحقيقة الواضحة :إن الشعر الحر لا موسيقى فيه وشاهدنا موضوعي علمي هو :الأذن نفسها....

ولو ألقيت قصيدتان على مسمع صيني لا يعرف العربية، فإن أذنه ستميز الشعر الحر والشعر العمودي..وسيحكم للثاني قطعا..فلا داعي للمزايدات المذهبية...
ليس في الشعر الحر إيقاع...وما زعمه أهله من الموسيقى الداخلية ادعاء لا تحقيق فيه وعلى فرض تحققه فإن الشعر العمودي أعلى دائما..لأنه يمكن إدخال هذا الإيقاع الداخلي في البيت فيتساوى مع الشعر الحر من هذه الجهة مع احتفاظه بإيقاع البحر والقافية الذي زهد فيه أهل الشعر الحر..
هذا،وإن للشعر الحر جمالا في الفكرة والصورة...وقد يتفق لبعض الشعراء منهم إشراقات رائعة وضربات بلاغية مدوية..لكن هذا قليل فالشعراء الحقيقيون من أمثال نازك والسياب وحجازي والمجاطي قلة ..وجل القوم متلاعبون بالكلمات ومتسترون تحت الغموض البئيس ..

توبة
15-12-07, 01:08 PM
ولو أُلقيت قصيدتان على مسمع صيني لا يعرف العربية، فإن أذنه ستميز الشعر الحر والشعر العمودي..وسيحكم للثاني قطعا..فلا داعي للمزايدات المذهبية...
صدقتم..و من الملاحظ على أكثرهم، هو التكلف في مجازية الألفاظ و الإغراب في المعاني،

عودة إلى الشعر الجاهلي ،و قبس من "جماليات عكاظ"
كان النابغة الذبياني تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ ، يجتمع فيها الشعراء ،
فدخل عليه حسان بن ثابت والخنساء والأعشى .
فأنشدت الخنساء ( رضي الله عنها ) قولها :
قذى بعينك أم بالعين عوّار **** أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدار
حتى انتهت إلى قولها :
وإن صخراً لتأتم الهداة به **** كأنه علم في رأسه نار
وإن صخراً لمولانا وسيدنا **** وإن صخراً إذا نشتوا لنحّار
فأعجب النابغة بشعرها ، فقال حسان ( رضي الله عنه ): أنا والله أشعر منها .
فقال النابغة : حيث تقول ماذا ؟ قال حسان : حيث أقول :
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى **** وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما
ولدْنا بني العنقاء وابني محرّق **** فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنما

فقال النابغة : إنك شاعر لولا أنك :
قلت " الجفنات " فقللت العدد ، ولو قلت " الجفان " لكان أكثر .
وقلت " يلمعن بالضحى " ولو قلت " يبرقن بالدجى " لكان أبلغ في المديح ،
لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً.
وقلت " يقطرن من نجدةٍ دما" فدللت على قلة القتل ، ولو قلت " يجرين "
لكان أكثر لانصباب الدم .
وفخرت بما ولدتَ ، ولم تفخر بمن ولدك .

محمد الشمالي
18-12-07, 02:42 AM
أستاذنا الفاضل أبو عبد االمعز أثابك الله من الخير على ماتفضلت به هنا ...والذي أمتعنا وأطربنا فزدنا منه بارك الله لك.

أبو عبد المعز
19-12-07, 03:35 AM
4-وقال " المسيب بن علس " :

فَلأَهْدِيَنَّ مع الرياحِ قصيدةً ... مني مُغَلْغَلةً إِلى القَعْقاعِ
تَرِدُ المِياهَ فما تزالُ غَريبةً ... في القومِ بين تَمثُّلٍ وسماع

مقصد الشاعر التنبيه على" انتشار" شعره، ولهذا الغرض وظف أدوات تعبيرية مختلفة، لكنها تلتقي جميعا في تحقيق ذلك المقصد، كل أداة بحسبها.
1-
استوفى الشاعر في البيت الأول كل عناصر الإرسالية:
المرسل/الشاعر:"مني"
المرسل إليه:القعقاع.
الرسالة :القصيدة.
القناة :الرياح.
الملاحظ أن الشاعر قدم ذكر الرياح التي هي القناة الحاملة للرسالة قبل العناصر الأخرى لتوقف مقصد الانتشار عليها..فليس المهم –هنا على الأقل-مضمون القصيدة، أو مبدعها، أو المعني بها ،بقدر ما يهم انتقالها في الآفاق بسرعة..فلا جرم أن وظف" المسيب " صيغة الجمع( الرياحِ) مستهدفا لاستغراق جميع الأمكنة فضلا عن السرعة في طي المسافات...
2-
مُغَلْغَلة
هذه الصفة -ذات التعددية الدلالية -تظهر وجوها ثلاثة للقصيدة المرسلة بناء على المعاني المعجمية التالية:
الغَلْغَلَة: دخول الشيء في الشيء حتى يخالطه. غلْغَلَ في الشيء، وتَغَلْغَلَ في الشجر، إذا دخل في أغصانه.
الغلغلة:الجلد إذا نَهِكَه الدِّباغ قيل أديمٌ مُغلْغَل..(كما في المخصص).
الغلغلة:رِسالَةٌ مُغَلْغَلَةٌ : مَحْمُولةٌ من بلدٍ إلى بلَدٍ...
فعلى الأول يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالمتلقي : تتغلغل في النفوس وتنفذ إلى القلوب.
وعلى الثاني يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالشاعر مبدعها:حبكها وأتقنها وثقفها مثلما يفعل الدباغ بالأديم ..
وعلى الثالث يكون الوصف للقصيدة على محور علاقتها بالقناة الحاملة:انتقال من بلد إلى بلد ..
والمعنى الأخير أظهر..لأنه المتسق مع السياق أولا، ولشيوع استعمال هذا الوصف- حتى أن الصفة قامت مقام الموصوف مع فعل البلاغ -ثانيا...
قال شاعر:
أَبْلِغْ أبا مِسْمَعٍ عنِّي مُغَلْغَلَةً ... وفي العِتابِ حَياةٌ بينَ أقوامِ.
قال غيره:
أَبْلِغْ بَني كاهِلٍ عَني مُغَلْغَلَةً ... والقَوْمُ مِنْ دونِهِمْ سَعْيا فمَرْكُوبُ
قال آخر:
ألا من مُبْلِغُ الحُرَّيْنِ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً وخُصَّ بها أَبِيَّا.
3-
تَرِدُ المِياهَ
تعبير جميل جدا من أربعة وجوه:
أولا:
تصعيد بلاغي في وصف حركية انتشار القصيدة...فالقصيدة الآن لها حركية ذاتية مستغنية عن الرياح وغيرها، ترد الماء من تلقاء نفسها كأي كائن عاقل حر!
ثانيا:
الماء هو المكان الذي لا بد أن يقصده الناس مرغمين...فكأن القصيدة "اهتدت بذكائها" إلى أن موارد الماء هو المكان الأنسب للشيوع والانتشار..
ثالثا:
تصعيد بلاغي مرة أخرى ففي البيت الأول كانت القصيدة هي التي تذهب إلى الناس محمولة على أجنحة الرياح..أما الآن فقد شرفت وتعززت فأصبح الناس هم الذين يأتون إليها- إلى موارد الماء-
رابعا:
تشخيص القصيدة وتعقيلها بحيث أصبحت فردا من الناس تعطش وتحتاج إلى الماء وترده مع من يرد منهم!!
4-
فما تزالُ غَريبةً ... في القومِ بين تَمثُّلٍ وسماع
حركية أخرى للقصيدة لكن من نوع آخر:
في البدء كانت الحركة طبيعية سماوية:" فَلأَهْدِيَنَّ مع الرياحِ قصيدةً.."
ثم كانت حركة طبيعية أرضية: "تَرِدُ المِياه...َ"
وهاهي الآن حركة ثقافية عقلية:من شفاه إلى آذان ومن آذان إلى أفئدة..
قصيدة غريبة..
لكن الغرابة هنا ليس بمعنى التوحش الذي يثير التوجس...-والإنسان يخشى بفطرته كل ما هو غريب غير مألوف-
بل بمعنى الندارة والعزة..فهي ليس لها مثيل، نسيج وحدها ،ومن ثم يجب التهافت عليها والتنافس في اقتنائها والمبادرة إلى حيازتها لأنها إن لم تقع في اليد فقد حرمها الإنسان إلى الأبد إذ لا ثاني لها .." فما تزالُ غَريبةً"

ملاحظة:
هدفنا من تحليل مثل هذه الأبيات وكشف جمالها هو.... بيان إعجاز القرآن!!
ولا غرابة...
فإن كان أمثال المسيب بن علس والسلكة أم السليك قد تفتقت عبقرياتهم عن مثل ذياكم الإبداع...
وإذا كان هؤلاء وأمثالهم أسكتهم القرآن وأعجزهم....فماذا يعني هذا!!!

أبو عبد المعز
21-12-07, 03:57 AM
5-..وقال مالك بن الريب يرثي نفسه- من الطويل-:

أَلا لَيتَ شِعـري هَـل أَبيتَـنَّ لَيلَـةً بِجَنبِ الغضى أُزجي القَلاصَ النَواجِيـا
فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضـه وَلَيتَ الغضى ماشـى الرِّكـابَ لَيالِيـا
لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى لَو دَنا الغَضـا مَـزارٌ وَلَكِـنَّ الغضى لَيـسَ دانِيـا


1-إن من الشعر ما لا ينبغي أن يحلل أو يشرح...حسب المتلقي أن يستكين لرقرقة القصيدة ويستعذب حفيف الأبيات وخرير الكلمات ..فكل كلام في هذا المقام قلة ذوق ،بل قلة حياء!
نعم،فرب تحليل يكون مثل إعمال المبضع البارد في الجسد الجميل!
والجسد هنا حي غض...
فعذرا يا مالك بن الريب، عذرا!!

2-الشاعر عن موطنه بعيد، ومن أجله قريب..
والأجل سابق للأمل..
والأمل مختزل في ليلة واحدة يبيتها المحتضر في البلدة ،لكن هيهات هيهات!
رمل وقلاص وغضا..هذا هو الوطن كله..ما أفقر الجغرافيا!
لكن الرمال والقلاص والغضا تملأ مسافات الشعور فلا تترك للشاعر أن يشتهي شيئا غيرها...ما أعجب قلب الإنسان!

-لكل محكوم عليه بالإعدام رغبة أخيرة..فما رغبتك الأخيرة يا مالك!
-أن أجري بوادي الغضا أسوق الإبل السريعة!!

" الغضى " : شجر ينبت في الرمل، ولا يكون غضى إلا في رمل.(قاله صاحب الخزانة)
الغضى- مثل الشاعر المحتضر- يستمد ماهيته من موطنه لا من ذاته..
أنت غضى... إذن أنت من الرمل في الرمل.
خارج الرمل أنت نبات فحسب لا اسم ولا مجد!!

3-الشاعر مريض محموم...يلهج بالغضا...
الغضى...في البيت الأول..
الغضى.. الغضى.. في البيت الثاني
الغضى.. الغضى.. الغضى..في البيت الثالث...

شوق..فحمى...ثم هذيان...

لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى لَو دَنا الغَضـا مَـزارٌ وَلَكِـنَّ الغضى لَيـسَ دانِيـا..
الغضى مذكور في تنوع أسلوبي بليغ :
-في موضع الإثبات: لَقَد كانَ في أَهلِ الغضى مَـزارٌ
-في موضع الشرط: لَو دَنا الغَضـا
-في موضع النفي: وَلَكِـنَّ الغضى لَيـسَ دانِيـا.
ولكل موضع أسلوبي ما يوازيه على صعيد الشعور:
استئناس بالماضي وحنين إليه،ثم أمل أو وهم أمل في الوصل به،ثم الرضوخ للواقع والانكسار تحت وطأة اليأس.

4-
فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضـه وَلَيتَ الغضى ماشـى الرِّكـابَ لَيالِيـا..
هي أمنية واحدة..لكن الشاعر المهووس بالغضا يخرجها بوجهين:
هما غضى وركب...ساكن ومتحرك.
فَلَيتَ الغضى لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضـه
ليت المتحرك سكن...!
وَلَيتَ الغضى ماشـى الرِّكـابَ لَيالِيـا..
ليت الساكن تحرك..!
الغضى ثابت في مكانه ..فكان على الركب المتحرك أن يتنازل عن حركته ليساكن الغضى.
الركب متحرك في أماكنه..فكان على الغضى أن يتخلى عن سكونه ويتعلم الحركة ليماشي الركب.
لكن أنى لهما المساكنة أو المماشاة!هل ينقلب الشيء إلى ضده!
هنا مكمن الفاجعة..
مرة أخرى عفوا يا مالك بن الريب...

يحيى ابن عبد الملك
27-12-07, 06:46 AM
الأستاذ الفاضل جزاك الله خيرا

أبو عبد المعز
30-12-07, 07:53 PM
6-هل تذوقت شعر الأمير شوقي قط؟

برز الثعلب يوما في شعار الواعظينا
فمشى في الأرض يهذي ويسب الماكرينا
ويقول :الحمد لله إله العالمينا
يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا
وازهدوا في الطير إن العيش عيش الزاهدينا
واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا
فأتى الديك رسول من إمام الناسكينا
عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا
فأجاب الديك :عذرا يا أضل المهتدينا
بلغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا
عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا
مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا..

سنقوم بإعراب بعض جمل النص..إعرابا دلاليا وليس نحويا بطبيعة الحال والمقام.

برز الثعلب:

الجملة تعبير عن مفارقة :مفارقة بين الفعل والفاعل...والقصيدة كلها مؤسسة على مفارقات..فكأن شوقيا يسلم للقاريء مفتاح القصيدة من أول جملة..
برز الثعلب:والثعلب من شأنه الاختفاء .
برز الثعلب: انتقال من حيز اللاظهور إلى حيز الظهور...هذا وضع غير عادي فالمألوف أن ينتقل الثعلب من الظهور إلى اللاظهور...
هو تنبيه من الشاعر الكبير لقارئه:
انتبه..هنا أمر غير عادي...ترقب ما سوف يحدث!!

شعار الواعظينا:

الشعار:علامة (في الحرب)
الشعار:الموت.
الشعار:الثوب الذي يلي شعر الجسد.
هذا الغنى الدلالي للكلمة استثمره الشاعر ببراعة فائقة:
لا نعني أن الشاعر قد قصد هذه المعاني كلها-فالمعنى في بطن الشاعر كما يقال-لكن نقصد أن لكلمة شعار ظلال إيحائية تنم عن دلالات مقصودة أو غير مقصودة لكنها متسقة مع أجواء القصيدة..
فبروز الثعلب في شعار هو بروز للموت ،ما الاغتيال إلا الغاية المرادة.
والثعلب من جهة أخرى محارب قناص له خطة واستراتيجية وهدف ..
والثعلب مخادع يخفي حقيقته – أي شعر جلده-في ثوب ..والثوب لغة موجهة للناس مبنية على الإخفاء والستر والتمويه..
ومن هنا نلمس ذلك التشاكل الدلالي الجميل بين فعل برز واسم شعار..حيث جدلية الخفاء والتجلي متضمنة في الكلمتين.

فمشى في الأرض يهذي ويسب الماكرينا:

لم يحن بعد أوان الإشارة –عن بعد أو عن قرب- إلى المأرب والغرض...فالتعجيل بذلك قد يفسد الخطة كلها..فلا بد أولا من "تحسين الصورة" فليس من اليسير على الناس أن ينسوا في يوم واحد ما ترسب في أذهانهم عبر قرون من اقتران المكر بالثعلب..
لا بد من التجميل..
الثعلب الآن لا يتكلم مع أحد.. يتكلم مع نفسه فقط مشغول بها..ولايشعر بالآخرين :يهذي...يتمتم في عالمه الخاص..مثل ذلك الدرويش الصوفي(شوقي يستحضر هنا بقوة صورة الدرويش- وما كان أكثرهم بمصر-فالشعار هو الخرقة المقدسة والهذيان صورة عن التمتمة بالأوراد والأذكار والسب والشتم صور عن الشطحات المسموعة القوية بين الحين والحين )

يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا:

الهذيان أصبح الآن كلاما..
والتمتمة أصبحت نداء ودعوة....فبعد إصلاح النفس يتعين إصلاح المجتمع..
هذا الثعلب له منهج دعوي محكم..!!
بعد تسويق الصورة الحسنة ...يشرع في التخطيط..
هذا الثعلب له مكر منهجي مبدع!!
توبوا....أمر عام يمهد به ل:
ازهدوا في الطير...أمر خاص مشتق من التوبة يمهد به ل:
واطلبوا الديك....هذا هو بيت القصيد..!!
هل قدرتم النفس المنهجي للثعلب...والصبر أيضا:
هذيان فقط...أولا،سب بمناسبة وبغير مناسبة للماكرين...ثانيا،
دعوة عامة إلى التوبة ثالثا،دعوة خاصة إلى الزهد في التنعم بأكل لحم الطيور رابعا،دعوة إلى صلاة الفجر -ومن هو مؤهل للأذان أكثر من الديك-خامسا،


بلغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا
عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا..

لله در هذا الديك..!
ما نجاه من الموت المحقق إلا منهج المحدثين!!!
عني....عن جدودي....عن ذوي التيجان.....هذا هو السند.
سند كالشمس كما ترون..فالجدود صالحون..وجدودهم أمراء وملوك( ذوو تيجان)
والمتن ،ما تقولون فيه..إلا يقطر حكمة وعقلا وتجربة!
"مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا"
رحم الله شوقيا كأنه قال:
لا نجاة إلا بالاستماع إلى صوت السلف..
أيكون الديك سلفيا..والثعلب حداثيا!!
أما رأيتم الديك كيف يعتز بأجداده وحكمتهم..أما رأيتم الثعلب يتبرأ من ماضيه ويحاول أن يسدل عليه ستارا..قائلا:نحن أبناء اليوم!!!

الحادرة
01-01-08, 09:46 PM
أعزك الله يا أخي، ما أجمل هذا الانتقاء و هل هو اسقاط على أهل زماننا؟ هذا مللمسته من قراءتك النقدية والله أعلم

أبو عبد المعز
01-01-08, 10:59 PM
أعزك الله يا أخي، ما أجمل هذا الانتقاء و هل هو اسقاط على أهل زماننا؟ هذا مللمسته من قراءتك النقدية والله أعلم

بارك الله فيك..
أفضل عبارة" تنزيل على أهل زماننا"بدل إسقاط..
فلا يخفى عليكم أن قصيدة شوقي من نوع شعر الحكمة والمثل..والمثل المضروب مثل العملة المسكوكة يمكن تداولها في كل مناسبة..فالثعلب والديك ليسا ممثلين بقدر ما هما دوران .. ويمكن أن يسندا إلى ممثلين مختلفين بشرط أن يكون هناك تلاؤم بين فكرة الدور وشخصية الممثل..
قد يكون في ذهني شوقي ثعلب بعينه وديك بعينه...لكنه من جهة أخرى يصيغ حكمة ويضرب مثلا ويرسلهما للتداول بين الناس ..فالتعميم هو مقصده الأول.
من جهة أخرى لا أرى مانعا أن يكون شوقي قد قصد بالثعلب الحداثي.. فلا تنزيل ولا إسقاط..فشوقي عاش قريبا من زمننا..وجذور جل الحداثيات المعاصرة نبتت في زمن شوقي...يكفي لفهم ذلك الرجوع إلى الكتاب القيم جيدا للدكتور محمد محمد حسين-رحمه الله تعالى-:الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر..حيث نجد شوقيا -رحمه الله-في المناخ الفكري والمنهجي العام...
بالمناسبة أنصح بقراءة هذا الكتاب..

أبو عبد المعز
08-01-08, 01:26 AM
7-هل تذوقت زهد النواسي..؟

أيا رُبّ وَجهٍ، في التّرابِ، عَتيقِ،
ويا رُبّ حُسنٍ، في التّرابِ، رَقيقِ
ويا رُبّ حزْمٍ، في التّرابِ، ونجدة ٍ،
ويا رُبّ رأيٍ، في التّرابِ، وَثيقِ
أرى كل حيٍّ هالِكاً وابنَ هالِكٍ،
وذا نَسَـبٍ في الهالكيـنَ عَـريـقِ
فقُلْ لقرِيبِ الدّارِ: إنّكَ ظاعِنٌ
إلى مَـنزِلٍ نـائي المَـحَـلّ سَحيـقِ
إذا امتَحَنَ الدّنيا لَبيبٌ تكَشّفَتْ
لهُ عَنْ عَدوٍّ في ثِيابِ صَديقِ

1-
عالم متضاد متنافر:
الدنيا تخفي العداوة وتظهر المودة..
الحي يأتي من الهالك..
وقريب الدار سيكون بعد حين بعيد الدار..
ثم هذا التراب الرخيص المداس بالأقدام..هو مصير كل نفيس من الإنسان:
-النفيس الجسمي:الوجه والحسن.
-النفيس الخلقي:الحزم والنجدة.
-النفيس العقلي:الرأي والحكمة.

القصيدة إعلان للمآل :
مآل الجمال إلى التراب..
ومآل الحي أن يلتحق بالهالكين من أسباب وجوده.
ومآل الجار أن يرحل..
ومآل هذا الجلد الوديع الحملي من الدنيا أن يبهت ويتلاشى ليكشف عن مخالب السبع وأنياب الذيب. .

أبو عبد المعز
13-01-08, 12:57 AM
8-هل تذوقت هذا المطلع!

ألا كلّ ماشية الخيزلي ... فدى كلّ ماشية الهيدبي

(الخيزلي والخوزلي: مشية النساء، وهي مشية فيها تثنى وتفكك، والهيدبي: مشية الإبل فيها سرعة).

مطلع لا كالمطالع...وأسلوب عجيب في ذكر النساء!
درج الشعراء في الطلليات على الحنين إلى" الثبات" والتألم من" الحركة":
-لو يثبت الطلل على حاله، فلا تنال منه عوادي الزمان..
-لو يثبت الزمن عند الماضي ،فلا غد ولا بعد غد..
-لو يثبت الحبيب في الدار، فلا ظعن ولا رحلة.
-لو يثبت الشاعر ،مع تلك الثوابت..
الحركة رحلة ،والرحلة فراق، والفراق موت..
وقدر الشاعر أن يبحث عن العنصر الإنساني التائه أبدا في مساحات البيداء..
أما أبو الطيب فيؤسس قيما مضادة:
-الثبات موت والحركة حياة...
(يأتي من مغرب الشمس صدى ابن دراج القسطلي:
ألم تعلمي أن الثواء هو التوى...وأن بيوت العاجزين قبور!)
...فتكون الرِّجل أهم ما في الكائن...وتكون المشية أهم الوظائف ...
ويكون تصنيف الكائنات بحسب مشيها...
هذه مشية فيها تثنى وتفكك....
وهذه مشية فيها قوة وسرعة...
ضعف وقوة...
تصنع وطبيعة...
إغراء بالمقام وحث على الرحيل..
خضوع للشهوة وركوب للمخاطر...
كيفما قلبت الأمور لا ترقى الخيزلى إلى الهيدبا..
والبقاء للمغامر الأقوى..
فلتكن صاحبة المشية الأضعف قربانا لصاحبة المشية الأقوى..
..(نيتشوية قبل نيتشه!!)
أوَ يكون نوع الإنسان أخس من نوع البعير..!
أبو الطيب نظره إلى المشية لا إلى الماشي...
فاعذروا أبا الطيب!
ماشية الخيزلي تعد بالثبات والقناعة والاستسلام للشهوات ..فأين وعود المجد!!
هي في خف البعير..
فاعذروا أبا الطيب مرة أخرى!!

ابو العلا
13-01-08, 10:27 AM
ما شاء الله لا قوة الا بالله
الله يزيدك من علمه
وارجو منك أن تشرح اكثر عن الشعر الحر او شعر الحداثة "" ان كان لديك وقت""

أبو عبد المعز
23-01-08, 12:26 AM
9-قال أمل دنقل -قصيدة زهور-:
وسلالٌ منَ الورِد,
ألمحُها بينَ إغفاءةٍ وإفاقه
وعلى كلِّ باقةٍ
اسمُ حامِلِها في بِطاقه
***
تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ
أن أَعيُنَها اتَّسَعَتْ - دهشةً -
َلحظةَ القَطْف,
َلحظةَ القَصْف,
لحظة إعدامها في الخميلهْ!
تَتَحدثُ لي..
أَنها سَقَطتْ منْ على عرشِها في البسَاتين
ثم أَفَاقَتْ على عَرْضِها في زُجاجِ الدكاكينِ, أو بينَ
أيدي المُنادين,
حتى اشترَتْها اليدُ المتَفضِّلةُ العابِرهْ
تَتَحدثُ لي..
كيف جاءتْ إليّ..
(وأحزانُها الملَكيةُ ترفع أعناقَها الخضْرَ)
كي تَتَمني ليَ العُمرَ!
وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرهْ!!
***
كلُّ باقهْ..
بينَ إغماءة وإفاقهْ
تتنفسُ مِثلِىَ - بالكادِ - ثانيةً.. ثانيهْ
وعلى صدرِها حمَلتْ - راضيهْ...
اسمَ قاتِلها في بطاقهْ!

قصيدة رائقة..استطاع الشاعر أن يحول فيها لقطة عادية إلى لحظة شعرية عميقة :
اللقطة العادية:
زوار يعودون مريضا لهم في المستشفى،يقدمون له باقات ورد كما يقتضي ذلك العرف وأدب المجاملة...
اللحظة الشعرية:
-الشاعر يصرف النظر عن الزوار...ويصرف النظر عن الدلالة الاجتماعية لإهداء الزهور....ويتعلق نظره فقط بهذه الزهور وحدها...كاشفا عن معناها الوجودي بعيدا عن الترسيم الاجتماعي..من خلال حوار صامت عميق بين الشاعر والباقة..
-شتان بين رؤية الإنسان العادي ورؤية الشاعر:
الزهور عند الأول نبات ملون يشترى لمجاملة اقتضاها العرف..وعند الثاني كائنات حية لها حس وشعور وفكر وكلام....
الزهور تقطف عند الأول ..وتقطع رؤوسها عند الثاني..
فعل نفعي عادي عند الأول....جريمة بشعة عند الثاني..
البطاقة تدل على صاحب الباقة المجامل عند الأول...هي إجرام ووقاحة عند الثاني..فهذا المجرم قتل الزهرة ..وكانت وقاحته من الخسة أن أعلن ببطاقته عن جريمته..افتخارا وزهوا..
-تاريخ الزهور بئيس حقا:
قتل بدون سبب:
"أَعيُنَها اتَّسَعَتْ - دهشةً -
َلحظةَ القَطْف"
إهانة وذلة:
"أَنها سَقَطتْ منْ على عرشِها في البسَاتين
ثم أَفَاقَتْ على عَرْضِها في زُجاجِ الدكاكينِ, أو بينَ
أيدي المُنادين"
تبذل وسفسفة:
حتى اشترَتْها اليدُ المتَفضِّلةُ العابِرهْ

-الزهور هي الشاعر نفسه...
والمفارقة رهيبة:
الناس يقتلون الشاعر ...ويأتون إليه وهو على فراش الموت ليتمنوا له الشفاء نفاقا واستهتارا...!!!
لا يكون عمق الصدق وحس التضحية ونكران الذات عند الناس بل عند الزهور..أما تراها تَتَمني ليَ العُمرَ!
وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرهْ!!
قصيدة سهلة ..لكنها عميقة.

أبو عبد المعز
11-02-08, 02:40 PM
10-مقطع من سينية البحتري..


وَإِذا ما رَأَيتَ صورَةَ أَنطـــــاكِيَّة
اِرتَعـــتَ بَينَ رومٍ وَفُـــــــــرسِ

وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشَــــــــروان
يُزجي الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفــــــسِ

في اِخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عـــــَلى
أَصفَرَ يَختالُ في صَبيـــــغَةِ وَرسِ

وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَــدَيهِ
في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغمـاضِ جَرسِ

مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمـــــحٍ
وَمُليحٍ مِــنَ السِنانِ بِتُـــرسِ

تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحـــياءٍ
لَـــــهُم بَينَهُم إِشـــــــارَةُ خُــــرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتيِابي حَــــتّى
تَتَقَرّاهُــمُ يَدايَ بِلَــــــمسِ

1-موضوع في غاية الطرافة والإبداع...
صحيح إن وصف المعارك غرض مأثور عتيق، لكن المعركة التي ينقلها الشاعر البحتري هنا معركة متميزة جدا ف"ساحة" الوغى ليست ساحة بل هي جدار!
2-توظيف هذا المقطع الحماسي في السينية باهر ومفاجيء:
فالشاعر يصف إيوان كسرى المتهدم المهجور ثم يقف أمام جدارية تمثل معركة انطاكية فينقل البحتري تفاصيلها مدمجا بذلك الحماسة في الطللية!!
3-هي صورة عن صورة ،ووصف لوصف ،وقصيدة عن لوحة..
4-هل كان البحتري يتذوق فن التصوير؟
هذا المقطع يشهد على خبرة عين البحتري وتمرسها في التذوق الفني :
-عين الشاعر ابتدأت بالإحاطة باللوحة كلها في موضوعها العام:
"وَإِذا ما رَأَيتَ صورَةَ أَنطـاكِيَّة
اِرتَعــتَ بَينَ رومٍ وَفُــرسِ"
ثم حدد الإحساس النفسي الذي تثيره اللوحة في مجملها..وهو الاحساس بالعنف والموت:
"وَالمَنايا مَواثِلٌ.."

-ثم تتجول العين بين تفاصيل اللوحة في خطة جمالية جديرة بكبار النقاد:
فهي تقف عند أبرز موضوع في اللوحة وهو صورة كسرى..وتلتقطها عين البحتري في حركة نازلة مقسمة هذا الجزء من الصورة إلى ثلاثة أقسام:
الدرفس في الأعلى
الفرس في الأسفل
وأنو شروان في الوسط..
وتلتقط العين معها التباين اللوني :
الأخضر في ثياب كسرى والأصفر في الفرس..

"................ وَأَنوشَـروان
يُزجي الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفـسِ

في اِخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عـــــَلى
أَصفَرَ يَختالُ في صَبيـــــغَةِ وَرسِ"

-بعد هذه الجولة العمودية لعين البحتري تشرع في جولة أفقية :
لقد تتبعت شخص كسرى من أعلى إلى أسفل..وحان الوقت لاستكشاف اللوحة أفقيا من خلال تتبع الجنود :

"وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَــدَيهِ"

(أفضل أن تكون كلمة الرجال من الترجل لا من الرجولة..لأن الرسام يريد إظهار كسرى فهو وحده الفارس وغيره الراجلون )
اللوحة في هذا القسم مبنية على الثنائية الحادة:
فجند كسرى في مقابل جند الروم،
المشيح/المليح،
المهاجم/المدافع،
الرمح/الترس..،
"مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمـحٍ
وَمُليحٍ مِــنَ السِنانِ بِتُــرسِ"


بعد استظهار اللوحة كلها تعود العين إلى ذاتها...فننتقل من الصورة إلى الإحساس بالصورة:

"تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحــــــــياءٍ
لَـــــهُم بَينَهُم إِشـــــــارَةُ خُــــرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتيِابي حَــــتّى
تَتَقَرّاهُـــــــــــمُ يَدايَ بِلَــــمسِ"

الصورة واضحة للعين حتى تكاد تكون حقيقة "ملموسة"....ويشك الشاعر في بصره حتى إنه ليستعين بلمسه..
ونحن بدورنا نشك:
من الرسام الحقيقي..الرسام المجهول الذي رسم المعركة لكسرى في قصره أم البحترى الذي نقل ذلك الرسم وخلده!

أبو عبد المعز
23-02-08, 11:44 PM
11-حكمة لم يقل مثلها شاعر..

أَلاَ أَيُّهاذا اللائِمي أَشهَدُ الوَغَى
وَأَنْ أَنْهَل اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
فإنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيْعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي
فَدَعْنِي أُبَادِرهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي

كم هي دامغة حجة هذا الشاب الجاهلي!
دع عنك الباطل الذي يدافع عنه من الشرب والحرب والحب..ولكن تأمل منهج الاحتجاج!
واستفد منه للدفاع عن الحق الذي تعتنقه!
هذا اللائم يريد أن تتخلى عن نهجك ..ولعله يقترح عليك نهجا آخر ومذهبا ثانيا..
يقول طرفة بن العبد:
لو اتبعتك أتضمن لي الخلود على هذه الأرض...؟
-لا..
لو عشت على فلسفتك أتدفع عني الموت؟
-لا..

إذن:

فَدَعْنِي أُبَادِرهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي...
حكمة قصيرة لكنها تهدم كل الفلسفات وكل النظريات..
كلمة صغيرة لكنها تدفع عنك كل المضلين وتردهم خاسئين...
موتي حتمي...لا تستطيعون دفعه عني..فدعوني أواجهه حسب مذهبي.
حكمة كماء الصخرة...
صفاء وشدة..

محمد الشمالي
02-01-09, 12:35 PM
نرفع لننهل الخير العميم .

ابومصعب الرازي
08-03-13, 01:09 AM
موضوع اكثر من رائع ينم عن ذوق صاحبه وسعة علمه واتساع افقه
بارك الله فيكم

أحمد بن شاهد
13-03-13, 08:10 PM
جزاكم الله خيرا

أمـ خديجة
17-06-13, 09:59 AM
جزاكم الله خيرا.