المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [ الجامع ] لأحكام الشيخ المحدث [ حاتم الشريف ] على الأحاديث


خليل بن محمد
16-04-02, 09:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وبعد :

وبعد أن وفقني الله تعالى في نشر الجزء الأول من (( الجامع لأحكام بعض العلماء على الأحاديث )) ، وكان للشيخ سليمان العلوان حفظه الله تعالى .
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=646

أحببت أن أنشر الجزء الثاني وهو للشيخ حاتم بن عارف الشريف حفظه الله تعالى .



( تنبيه ) غالب أحكام الشيخ حاتم على الأحاديث قد تمّ نشرها في موقع (( الإسلام اليوم )) فجزاهم الله خيراً .

خليل بن محمد
16-04-02, 09:25 PM
وجـدت الحديث التالي وأريد أن أعرف معناه ومدى صحته من إحدى المنتديات عن أبي هريرة رفعه قال : ((كلم الله هذا البحر الغربي ، وكلم البحر الشرقي ، فقال للغربي : إني حامل فيك عباداً من عبادي ، فكيف أنت صانع بهم ؟ )) قال أغرقهم قال : بأسك في نواحيك ،وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي ، فقال : إني حامل فيك عباداً من عبادي ، فمـا أنت صانع بهم ؟ (( قال : أحملهم على يدي ، وأكون لهم كالوالدة لولدها ، فأثابه الحلية والصيد . ثم قال لا تعلم أحداً )) جزاكم الله خيراً .

الجواب :

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه . أما بعد :
أولاً : الحديث موضوع مكذوبٌ على النبي -صلى الله عليه وسلم- ، لا تجوز نسبته إليه -صلى الله عليه وسلم- بحالٍ من الأحوال .
وبيان ذلك أن الحديث باللفظ الذي ذكره السائل أخرجه البزار في مسنده (كما في كشف الأستار عن زوائد البزّار : 2/265 – 266 رقم 1669) ، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال البزّار عقبه : "تفرّد به عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة : عبدُ الرحمن ، وهو منكر الحديث وقد رواه سهيل ، عن النعمان بن أبي عياش ، عن عبد الله بن عمرو موقوفاً)) .
فهنا قد بيَّنَ البزار سببَ ردِّ الحديث :
فهو من جهة : يرويه رجلٌ متهم بالكذب هو عبد الرحمن بن عبد الله العمري حتى قال الإمام أحمد (كما في العلل ومعرفة الرجال : رقم 4364) : "أحاديثه مناكير ، كان كذّاباً" ، وكفى بمن كذّبه الإمام أحمد – على ورعه وإنصافه – سوءاً .
ولذلك أنكر هذا الحديث عليه عامّة أهل العلم : كالعقيلي في الضعفاء (2/748)، وابن حبـّان في المجروحين (2/53-54) ، وابن عدي في الكـامل في معرفة ضعفاء المحدّثين (4/277) ، وابن
الجوزي في العلل المتناهية (رقم 33) . بل إن ابن عدي لما أورده ، قال بعد إيراده : "هو أفـظعُ
حديثٍ أُنكر عليه" .
ثم هو من جهةٍ أخرى إنما يُروى من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص عن كعب الأحبار ، أو من حديث عبد الله بن عَمرو من كلامه لا يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- . (كما تراه في
المصادر الأتيه : السنن لسعيد بن منصور (رقم 2389) ، وتـاريخ بغداد للخطيب (10/ 233
235) ، والعلل المتناهية لابن الجوزي (رقم 35، 36) .
وهذا يعني أن الحديث من الإسرائيليات ، إمّا أن عبد الله بن عَمرو بن العاص أخذه عن كعب الأحبار ، وهو من علماء اليهود الذين أسلموا وحَسُنَ إسلامهم ، فكانت تُنقل عنه بعضُ أخبار كُتُب أهل الكتاب .
وإما أن عبد الله بن عَمرو أخذ هذا الخبر عن كتب بني إسرائيل مباشرة ، وإلى ذلك مال ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية1/52) وبهذا نعلم أن هذا الحديث إنما هو من الإسرائيليات، وهي الأخبار عن التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب اليهود والنصارى. والمسلمون يؤمنون بأن الله ـ عز وجل ـ أنزل التوراة على موسى عليه السلام والإنجيل على عيسى عليه السلام وأنزل كُتباً أخرى على أنبيائه عليهم السلام ، بل هذا أحد أركان الإيمان عند المسلمين ، كما قال تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رسله"، وقال -صلى الله عليه وسلم- لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه" أخرجه مسلم (8) من حديث عمر ، لكن كما يؤمن المسلمون بذلك، ولا يصح إيمانهم إلا به، فإنهم يؤمنون كذلك أن هذه الكتب قد حُرّفت وبُدِّلت ، وأعظم ما حُرِّف فيها عقيدة التوحيد ، كما قال تعالى: "وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" وقال سبحانه : "فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون" وقال عز وجل: " من الذين هادوا يُحرّفون الكلم عن مواضعه"
ومع ذلك كُلِّه فلأن هذا الدين دين الله عز وجل ، فقد جعل الله تعالى العَدْل واحداً من أعظم خصائصه "وتمّت كلمةُ ربِّك صدقاً وعدلاً لا مُبدّل لكلماته وهو السميع العليم " وقياماً بفريضة العدل والإنصاف وبناءً على الأدلـة التي جاءت في موضوع الإسرائيليات، وبملاحظة واقع هـذه
الإسرائيليات فقد قسم العلماء الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام :

الأول : ما نؤمن بمضمونه ونصدّق به ، وهو ما وافق القرآن والسنة ونحن في هذا القسم مُستغنون بما لدينا عمّا لديهم .
الثاني : ما نكذُبه ونقطع بتحريفه ، وهو ما خالف الكتاب والسنة .
الثالث : ما قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" أخرجه
البخاري (4485) ، وهو مالم نجد في الكتاب والسنة دليلاً على صدقه أو على كذبه، وهذا القسم هو الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- :" حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"أخرجه أبو داود (3662) من حديث أبي هريرة .
وغالب الإسرائيليات الثابتة عن السلف ، أو المذكورة في كتب أئمة السنة (كتفسير الطبري وابن كثير) هي من القسم الأول والثالث . أمّا القسم الثاني فلا يذكرونها غالباً إلا مع بيان بطلانها ، ومخالفتها للحق الوارد في الكتاب والسنة والحديث الذي يسأل عنه السائل هو من القسم الثالث ، ولذلك حدّث به عبد الله بن عمرو (رضى الله عنه) فليس لدينا دليلٌ بصدقه ، ولا دليل بكذبه وهو إن كان قد رُفع الحرج عن التحديث به، إلا أن الانشغال بغيره مما قد يقع الحرج بسبب الجهل به أَوْلَى وأحقّ ، كفرائض الإسلام وسننه والله ينفعنا وإياكم بالعلم النافع ، وييسر لنا جميعاً العمل المتقبَّل الصالح . والله أعلم .

خليل بن محمد
17-04-02, 10:03 AM
ما صحة الحديث الآتي : ما رواه أحمد - رحمه الله - عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من توضأ فأسبغ الوضوء ، ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلاً ، أو مؤخراً " ؟

أخرج الإمام أحمد ( 6/442) ، والدارقطني ، في الأفراد ( كما في أطرافه رقم 4617) الحديث
المسؤول عنه ، فقال الإمام أحمد : " حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا ميمون ( يعني أبا محمد المرَئي التميمي ) قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عـن يوسف بن عبد الله بن سلام ، قال صحبت أباالدرداء أتعلم منه ، فلما حضره الموت ، قال : آذِن الناس بموتي ، فآذنت الناس بموته ، فجئت وقد مُلئ الدار وما سواه قال : فقلت : قد آذنت الناس بموتك ، وقد مُلئ الدار وما سواه ، قال :
أخرجوني ، فأخرجناه ، قال أجلسوني ،فقال : أجلسناه فقال : أيها الناس ،إني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : من توضأ فأسبغ الوضوء ، ثم صلى ركعتين يُتِمَّهُما ،أعطاه الله ما
سأل مُعَجَّلاً أو مؤجَّلاً .
قال أبو الدرداء : يا أيها الناس ، إياكم والإلتفات في الصلاة ، فإنه لا صلاة لملتفت ، فإن غُلبتم في التطوع ، فلا تُغْلَبُنّ في الفريضة ".
وإسناده حسن ، وقد حكم الدارقطني بتفرّد محمد بن بكر البُرْساني به . لكن أخرجه المحاملي في أماليه ( رقم 71) ، من طريق محمد بن بكر البرساني ، لكن بتسمية الراوي ، من يوسف بن عبد الله بن سلام ، يحيى بن أبي هيثم - وهو العطار - أحدُ الثقات ، وهو المعروف بالرواية عن يوسف بن عبد الله ، كما في تهذيب الكمال ( 32/436).
فالحديث على أيًّ من الوجهين حسنُ الإسناد .
وللحديث وَجْهٌ آخر حسن الإسناد أيضاً ، من طـريق صدقة بن أبي سهل، عن كثير بن يسار ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبي الدرداء ، قال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : " من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قام فصلى ركعتين أو أربع ركعات [ شكّ سهل ] يُحسن
فيهن الركوع والسجود والخشوع ، ثم استغفر الله ، غفر له " أخرجه الإمام أحمد وابنه عبد الله في زوائده ( 6 / 220 ) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ( رقم 2040) والطبراني في الدعاء ( رقم (1448 )لكن الإسناد الأول أشهرُ رجالاً ، ومتنه أضبط لفظاً . والله أعلم .

خليل بن محمد
18-04-02, 12:27 PM
هل مقولة: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل " هو حديث صحيح ، أوقاعدة فقهية تتبع ، أم ماذا ؟ وما معناها ؟ .

لجواب :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد فالمقولة المذكورة حديثٌ صحيح : باللفظ المذكور في (صحيح ابن حبّان رقم 1183) ، وفي ( صحيح مسلم رقم
349 ) بلفظ : "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومسَّ الختانُ الختانَ ، فقد وجب الغُسل" . وأصل
الحديث متفق عليه بمعناه . (صحيح البخاري رقم 291) .
والمعنى : أن وُجُوبَ الغُسْل من الجنابة لا يُشترط فيه إنزالُ ماء الرجل أو المرأة ، وإنما يجب الغُسْل
بمجرّد الإيلاج ، ويكفي في الإيلاج الموجب للغُسْل إدخال حشفة ذكر الرجل في فَرْج المرأة .
فالمقصود بالختانين: ختان الرجل وختان المرأة ، أي موضع الختان من كل واحدٍ منهما ، والله
أعلم ، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

خليل بن محمد
21-04-02, 01:08 PM
ما صحة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبي جهل "إنه فرعون هذه الأمة " عندما أخبره ابن مسعود عن قتله إياه ، فإن كان صحيحاً كيف يكون أبو جهل من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد مات كافراً ، ومن المعلوم أنه إذا أطلق لفظ "أمة محمد " قصد به المسلمون دون غيرهم ؟

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده . أما بعد .
فجواباً عن سؤال القائل : " ما صحة قول النبي – صلى الله عليه وسلم – عن أبي جهل " إنه فرعون هذه الأمة .. " يعني السائل : هل ثبت ذلك عن النبي – صلى الله عليه وسلم- ثم يسأل عن وجه وصف أبي جهل بأنه فرعون هذه الأمة ، مع أن أمة محمد هم المسلمون فقط دون غيرهم . فأقول وبالله التوفيق :

أولاً : الحديث المذكور أخرجه الإمام أحمد ( رقم 3824، 3825، 4246، 4247) وأبو داود مختصراً ليس فيه موطن الشاهد ( رقم 2716) ، والنسائي في السنن الكبرى مختصراً ( رقم 8617) وغيرهم من طريق أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه – رضي الله عنه – بقصة مقتل أبي جهل يوم بدر ، وفيه قول النبي – صلى الله عليه وسلم – " هذا فرعون هذه الأمة " . غير أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه كما عليه عامة من تكلم في هذا الإسناد من أهل العلم ، وانظر البحث القوي للشيخ أبي إسحاق الحويني في هذه المسألة الإسنادية المذكورة في كتابه ( النافلة في الأحـاديث الضعيفـة والباطلة 1/26 31 رقم 6) ولذلك قال ابن حزم في المحلى (9/389) عن هذا الحديث " إسناده متكلم فيه " وللحديث متابعات كلها لا تصح ، ومرجعها إلى أن تكون وهماً عن الرواية السابقة كما بين ذلك النسائي في الكبرى ( رقم 5961)والدارقطني في العلل (5/294-295 رقم 893) والبيهقي في الكبرى (9/92-93) مع أن أصل قصة مقتل أبي جهل ثابت صحيح لكن دون ذكر الكلمة المسؤول عنها – فانظر صحيح البخاري ( رقم3141،3964،3963،3962،3961 ) وصحيح مسلم ( رقم 1800).
ومع ما ذكرناه من الكلام في إسناد هذا الخبر إلا أنه قابل للتحسين لعلم أبي عبيدة بأبيه وتقصيه لأحواله ، ولذلك كان الترمذي غالباً ما يُحَسَّن أحاديث أبي عبيدة عن أبيه.

الخلاصة : أن هذه اللفظة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ثانياً : أما ما استشكله السائل من وصف أبي جهل بكونه من هذه الأمة ، فجوابه أن الأمة في اللغة تطلق على كل جماعة يجمعها أمرٌ ، ما إما دين واحد ، أو زمان واحد ، أو مكان واحد ، أو نسب واحد ، وغير ذلك . أما أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – فيقول الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات (3/11) : " لفظة الأمة تطلق على معانٍ منها : من صَدَّق النبي – صلى الله عليه وسلم – وآمن بما جاء به واتبعه فيه ، وهذا هو الذي جاء مدحه في الكتاب والسنة كقوله – تعالى- : "
وكذلك جعلناكم أمة وسطاً " و " كنتم خير أمة " وكقوله - صلى الله عليه وسلم - : " شفاعتي
لأمتي " وقوله : " تأتي أمتي غُراً محجلين " وغير ذلك ، ومنها من بُعِِثَ إليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – من مسلم وكافر، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة : يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من
أصحاب النار " رواه مسلم في صحيحه ( رقم 153) في كتاب الإيمان .
وهذان القسمان من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – هما اللذان اصطلح العلماء على تسميتهما بأمة الإجابة ( وهم المسلمون ) وأمة الدعوة ( وهم كل أهل الملل ممن أدرك بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – أو جاء بعدها إلى قيام الساعة ) .
ومن العلماء من يقسم أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى ثلاثة أقسام : أمة الاتباع (وهم أهل العمل الصالح من المسلمين ) وأمة الإجابة ( وهم مطلق المسلمين ) وأمة الدعوة ( وهم من عداهم ممن بُعث النبي – صلى الله عليه وسلم – إليهم ) كما تراه في فتح الباري لابن حجر ( 11/411) .
وعلى هذا فإنما وصف أبو جهل بأنه فرعون هذه الأمة لأنه من أمة الدعوة أي من الأمة المطالبة
بالإيمان بدين الإسلام الذي بعث به النبي – صلى الله عليه وسلم – وليس في هذه الإضافة إلى أمة
محمد – صلى الله عليه وسلم – أي تشريف ، إنما التشريف يكون لمن كان من أمة الإجابة والاتباع فقط دون أمة الدعوة . والله الهادي إلى سواء السبيل ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والله أعلم . والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

خليل بن محمد
22-04-02, 01:45 PM
ما مدى صحة الحديث الذي يستشهد بوجوده في الدارقطني : عن محمد بن علي قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – " إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق السموات والأرض، ينخسف القمر لأول ليلة من رمضان وتنكسف الشمس لنصف منه . وهل صحيح أن الأمر تحقق في رمضان 1984م، وما هو اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما يخص المهدي ورفع عيسى - عليه السلام – أمات أم رفع، خصوصاً أن من يعتقد أنـه توفي يستشهد بأن ذلك قول ابن مسعـود – رضي الله عنه –، وشيخ الأزهر، ومحمد عبده، وابن حزم، وغيرهم؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : أقول، وبالله التوفيق :
أولاً الأثر المنسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( وهو الملقب بالباقر ) باطل النسبة إليه ؛ لأنه من رواية عَمرو بن شِمْر عن جابر بن يزيد الجُعفي، عن أبي جعفر الباقر ، كما في سنن الدارقطني (2/65)، وعمرو بن شِمْر رجل رافضي متروك الحديث مُتهم بالكذب كما تجده في ترجمته في (لسان الميزان) لابن حجـر (4/366-367)، وجابر بن يزيد الجعفي، قال عنه الحافظ : " ضعيف رافضي " (التقريب : رقم 878)، وبذلك تبين أن هذا الأثر لا يصح عن محمد بن علي ، بل هو شديد الضعف عنه، أضف إلى ذلك أنه غير منسوب في سنن الدارقطني إلى النبي – صلى الله عليه وسلم –، وإنما هو منسوب إلى أبي جعفر الباقر نفسه من كلامه هو ، لا من روايته فلو كان – افتراضاً – صحيح النسبة إلى أبي جعفر الباقر فإنه لا يكون حجة، ولا يلزم تصديق خبره، ولا يصح الجزم بصحته .
ثانياً : أما سؤاله عما لو أن القمر انخسف في أول ليلة من رمضان، وأن الشمس انكسفت للنصف منه عام 1984م ( وهي الموافقة لسنة 1404هـ كما ينبغي علينا أن نؤرخ )، فهذا لم يقع لا في هذا العام ولا في غيره من الأعوام ؛ لأن الخسوف القمري لا يكون إلا في وقت الإبدار، وهو الليالي البيض من الشهر القمري، وهي: ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، والكسوف الشمسي لا يكون إلا وقت الاستسرار وهو آخر الشهر القمري ، وهما يوما 28/29 من الشهر ، وعلى ذلك علم الفلك قديماً وحديثاً، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في (مجموع الفتاوى 24/257)، وما ذُكر من وُقُوع خلاف ذلك في حادثتي موت إبراهيم ابن نبينا – صلى الله عليه وسلم –، وموت الحسين بن علي – رضي الله عنهما – فمما لا يصح من جهة النقل ومن جهة مخالفته للسنن الكونية .
ثالثاً : أما معتقد أهل السنة والجماعة في المهدي ، فهو معتقد مبني على الأحاديث الثابتة في شأنه من النبي – صلى الله عليه وسلم – من كونه سيظهر عند امتلاء الأرض بالظلم رجل من ذرية الحسن أو الحسين ابني علي – رضي الله عنهم – ( وهم عترة النبي – صلى الله عليه وسلم – وذريته ) يوافق اسمه اسم النبي – صلى الله عليه وسلم- ومن صفته أنه أجْلى الجبهة ( أي: أن شعر رأسه منحسر عن جبهته منكشفٌ عنها ) أقنى الأنف ( أي: في أنفه طول مع رقة أرنبته – وهي قمة الأنف – مع حدب وبروز في وسط الأنف ) ،فيبايع بالخلافة ويحكم سبع سنين أو نحوها ، فيكثر الخير والمال في زمنه ، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويخرج الدجال في زمنه، وينـزل عيسى – عليه السلام – في فترة حكمه .
هذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في المهدي ، من زمن الصحابة – رضي الله عنهم – والتابعين وأتباعهم إلى يوم الناس هذا، ولم يخالف أحد ممن يعتد بخلافه في أصل ظهور المهدي حتى لقد صنف العلماء في جمع أحاديثه مصنفات عديدة، ووصفوا أحاديث المهدي بالتواتر .
أما عيسى – عليه السلام – رسول الله وعبده ، فإن الله – تعالى – قد قص علينا من شأنه أصدق القصص وأحسنها ، فقال – تعالى - : " فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا أمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون " إلى آخر الآيات من سورة آل عمران [ 52 إلى 55 فما بعدها ]، وقال – تعالى- في عده لمخازي اليهود وافتراءاتهم على الله ورسله : " وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبَّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكٍ منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً " [ سورة النساء : 157-159] فقد بين الله – عز وجل – في هذه الآيات أوضح البيان أن عيسى – عليه السلام – لم يُسلط عليه أعداؤه من اليهود وغيرهم بالقتل أو الصلب، بل نجاه الله منهم فلم يصلوا إليه ، وإنما صلبوا شبيهاً له ظنوه أنه هو ، وعندها كان عيسى – عليه السلام - قد طهره الله من ذلك كله ورفعه إليه، وهـذا كله مما أجمع المسلمون عليه .
وإنما وقع الخلاف بينهم في تفسير قوله – تعالى- : " إني متوفيك " هل المقصود بالتوفي هنا الموت أم النوم كما قال – تعالى- : " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها" [الزمر : 42]، وكقوله – تعالى- : " وهو الذي يتوفاكم بالليل "[الأنعام :60]، أم أن المقصود بالتوفي الاستيفاء بمعنى أن الله – عز وجل – رفعه وافياً تاماً من غير أن يُنال بشيءٍ من السوء المراد به، ومع كون القول الأول وهو تفسير وفاته بموته قولاً مرجوحاً، وأن القولين الآخرين أقوى منه وأرجح عند عامة المحققين من المفسرين وغيرهم ، كابن جريرالطبري ( جامع البيان : 6/458)، والواحدي ( الوجيز :1/213)، وابن كثير ( تفسير القرآن العظيم : 2/44) ، إلا أن تفسير الآية به لا يُناقض الإيمان بنـزول عيسى – عليه السلام – آخر الزمان في زمن المهدي وقتاله وقتله الدجال، فالله على كل شيء قدير وما إحياؤه وإنزاله إلى الأرض بعد هذه الأزمنة البعيدة بأغرب ولا أعجب من إبقائه حياً إلى زمن نزوله !! فلا علاقة بين تفسير الآية بأي واحدٍ من الأقوال السابقة والإيمان بنـزول عيسى – عليه السلام – في آخر الزمان ، فقد دل على نزول عيسى – عليه السلام – ثلاث آيات في كتاب الله – تعالى – :
الأولى : قوله – تعالى- كما في الآيات السابقة : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً"[ النساء:159] ، ومعنى الآية : وما من أحد من أهل الكتاب – اليهود والنصارى – إلا سيؤمن قطعاً وجزماً بعيسى نبياً ورسولاً قبل موت عيسى – عليه السلام – ويوم القيامة يكون شاهداً عليهم أنه قد بَلَّغ الرسالة وأقر بالعبودية على نفسه .
الثانية : قوله – تعالى- : - بعد ذكره عيسى – عليه السلام - : " وإنه لعلم للساعة فلا تَمْتَرُنَّ بها واتبعونِ هذا صراط مستقيم " [ الزخرف : 61]، ومعنى الآية : إن عيسى – عليه السلام – شرطٌ وعلامة من علامات الساعة تُعْلم به ، فسُمَّي الشرط علماً لحصول العلم به .
الثالثة : قوله – تعالى- عن عيسى – عليه السلام - :" يُكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين " [ آل عمران : 46] .
فالله – سبحانه وتعالى – يُعدد خصائص هذا النبي الكريم ألا وهو عيسى – عليه السلام- فذكر من عجائبه كلامه في المهد، ولا شك أنه من الخوارق أن يتكلم الوليد الذي في المهد، ثم ذكر كلامه في سن الكهولة، وسن الكهولة هو: بداية سن ظهور الشيب وقيل هو: ما بعد ثلاث وثلاثين، والكلام في سن الكهولة، لا غرابة فيه ولا يختص ذلك بعيسى – عليه السلام- فدل هذا المساق أن كلامه في الكهولة المقصود في الآية هو عند نُزُوله - عليه السلام-،كما ذهب إلى ذلك بعض السلف وأهل اللغة (تفسير الطبري 6/420) ، و(تهذيب اللغة )للأزهري (6/18)، (وزاد المسير) لابن الجوزي ( 1/390)، وأحاديث نزول عيسى – عليه السلام – من أصح الأحاديث وأثبتها، منها: ما هو في صحيحي البخاري ومسلم اللذين تلقتهما الأمة بالقبول ، وفي غيرهما من صحيح السنة ومشهورها حتى لقد أجمعت الأمة عليه، فلا خلاف في ذلك بين أهل السنة والجماعة بل بين عامة المسلمين .
تنبيه : ذكر السائل أن ابن مسعود – رضي الله عنه – كان يرى أن عيسى – عليه السلام- قد مات قبل رفعه، والصواب: أن الذي فسر قوله – تعالى- : " إني متوفيك " بالموت هو ابن عباس – رضي الله عنهما - ، أخرجه الطبري في تفسيره ( رقم 7141) ،وابن حاتم ( رقم 637). وأسأل الله – تعالى – لي وللمسلمين علماً نافعاً وعملاً صالحاً متقبلاً ، والله أعلم ، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

خليل بن محمد
23-04-02, 02:04 PM
سمعت أن هناك حديثاً يقول: بأن الطفل إذا مات دون السنتين، أو دون سن البلوغ يكون في الجنة طيراً، فهل هذا صحيح ؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، أما بعد :
أجمع أهل السنة والجماعة من علماء هذه الأمة أن أطفال المسلمين الذين ماتوا قبل البلوغ أنهم جميعهم في الجنة، هذا ما لا خلاف فيه، وقد دل على ذلك صراحة أحاديث صحيحة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، منها : حديث أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في أطفال المسلمين أنه قال عنهم : " صغارهم دعاميص الجنة" يتلقى أحدهم أبه، أو قال : أبويه فيأخذ بثوبه، كما آخذ أنا بِصَنِفَةِ ثوبك هذا، فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة " أخرجه مسلم في صحيحه ( رقم 2635)، والدعموص : دُويبة لا تُفارق الماء، والمقصود أن أطفال المسلمين في الجنة لا يُفارقونها، والصَّنِفَة : طرف الثوب، وفي حديث قُرة بن إياس – رضي لله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لأحد الصحابة لما توفي ابنه : " أما يسرك أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك ؟! " فقال رجل: أله خاصة أو لكُلَّنا ؟ قال – صلى الله عليه وسلم - : " بل لكلكم " أخرجه النسائي في (المجتبى رقم 2088،1870)، وابن حبان في صحيحه ( رقم 2947)، والحاكم وصححه ( 1/384)، فدل هذان الحديثان وغيرهما أن أطفال المسلمين في الجنة، ولذلك أجمع علماء الأمة على ذلك .
أما أنهم يكونون من طيور الجنة، فلم أجده إلا في حديث عائشة – رضي الله عنها- فقد أخرج الإمام مسلم (رقم 2662) من طريق طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: "دعي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى جنازة صبي من الأنصار.فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: "أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" وأخرج هذا الوجه الإمام أحمد (6/41، 208) وأبو داود (رقم 4680)، والنسائي في المجتبى (رقم 1947)، وابن ماجة (رقم 82)، وابن حبان في صحيحه (رقم 6173).
وقد حكم الإمام أحمد بتفرُّد طلحة بن يحيى بهذا الحديث، حيث قال في العلل (138) "طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بردة، بُريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدَّث بحديث عصفور من عصافير الجنة" (قال عبد الله بن أحمد)حدثني أبي قال: حدثنا ابن فضيل عن العلاء أو حبيب بن أبي عَمر، قال أبي: وما أراه سمعه إلا من طلحة يعني ابن فضيل" .
ولذلك أورد العقيلي هذا الحديث في الضعفاء في ترجمة طلحة بن يحيى، ثم قال (2/615 – 616): " آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس بأسانيد جياد، وأوله لا يُحفَظ إلا من هذا الوجه".
وتعقَّب ابن عبد البر هذا الحديث في التمهيد (6/350 – 351) بقوله: "وهذا الحديث ساقط ضعيف مردود بما ذكرنا من الآثار والإجماع، وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به، فلا يُعَرّج عليه"، وقال في موطن آخر من التمهيد (18/90): "حديث ضعيف، انفرد به طلحة بن يحيى، فأنكروه عليه، وضعَّفوه من أجله".
وقد صَرَّح الإمام أحمد بتضعيف هذا الحديث، كما في كتاب الجامع للخلاَّل، كتاب أهل الملل (1/67 – 68 رقم 16) وعنه ابن قدامة في منتخب علل الخلاَّل (53، رقم 10)، وابن قيم الجوزية في أحكام أهل الذمة (2/612 – 613) فقد روى الخلاَّل عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، أن الإمام أحمد ذكر له حديث عائشة – رضي الله عنها – هذا في أطفال المسلمين، فقال: "هذا حديث ضعيف، وذكر فيه رجلاً ضعَّفه، هو طلحة. وسمعته يقول غير مرة وأحدٌ يشك أنهم في الجنة؟! ثم أملى علينا الأحاديث فيه وسمعته يقول هو يرجى لأبويه، كيف يُشَكُّ فيه؟!!"
وعلى هذا: فتضعيف الحديث قائم على أن طلحة بن يحيى تفرَّد بالحديث، وأن مثله - في ضبطه وإتقانه – لا يحتمل التفرُّد بمثل ما تفرَّد به، ومن رجع إلى ترجمة طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبد الله التيمي سيترجح لديه أنه خفيف الضبط، فانظر تهذيب التهذيب (5/27 – 28) ومثله ما أقل ما يقبل منه التفرُّد خاصة إذا تفرَّد بأصل، وبالأخص إذا كان ما تفرَّد به يخالف النصوص الثابتة والثابت من الدين، بل لقد أطلق ابن عبد البر القول في مفاريد طلحة بن يحيى، ونقل الإجماع على ذلك، عندما قال في التمهيد (12/79): "ما انفرد به ليس بحجة عند جميعهم لضعفه" .
لكن يعارض ذلك كله أن طلحة بن يحيى متابع (في الظاهر) متابعتين :
لأولى : ما أخرجه مسلم (2662) من طريق العلاء بن المسيب، عن فضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفَّى صبي، فقلت طوبى له، عصفور من - عصافير الجنة -، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:"أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً" .
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (138)، والطبراني في الأوسط (4512)، وقال عقبة: "لم يرو هذا الحديث عن الفضيل بن عمرو إلا العلاء بن المسيب"
وهذه المتابعة ظاهرها الصحة، وقد قدمها الإمام مسلم في صحيحه على رواية طلحة بن يحيى.
وللعلماء والباحثين تجاهها ثلاثة مواقف:
الأول : قبولها وتصحيحها، باعتبارها متابعة لحديث طلحة بن يحيى. وهذا هو ظاهر موقف ابن حبان (بلا خلاف أعلمه)، وهو ظاهر موقف مسلم (على خلافٍ يأتي ذكره).
الثاني : تصحيحها وتقديمها على رواية طلحة بن يحيى، وهو ما فسر به أبو معاذ طارق بن عوض الله (محقق منتخب علل الخلال) تصرُّف مسلم، من تقديمه لرواية العلاء بن المسيب على رواية طلحة بن يحيى، مبتنياً حسب نظره الفرق في المعنى بين الروايتين، وأن رواية العلاء بن المسيب ليس فيها استدراك من النبي – صلى الله عليه وسلم - على عائشة، أي: ليس فيها ما قد يتمسك به من أن أولاد المسلمين متوقف فيهم، أو أن دخولهم النار محتمل. وعليه فليس في رواية العلاء بن المسيب النكارة التي في رواية طلحة بن يحيى.
الثالث : توهيم العلاء بن المسيب في ذكره لهذه المتابعة، اعتماداً على انفراده بها، كما نصَّ الطبراني عليه (أي على انفراده ) ولعل هذا هو موقف الإمام أحمد، الذي سبق وأن ذكرنا كلامه في (العلل)، وأنه ذكر رواية محمد بن فضيل بن غزوان عن العلاء (وهو ابن المسيب) أو عن حبيب بن أبي عمرة (وهو ممن روى عن عائشة بنت طلحة)، ورأى أن هذا الحديث مرجعه إلى حديث طلحة بن يحيى.
ولعل هذا هو موقف ابن عبد البر أيضاً، فإنه مع جزمه بتفرُّد طلحة بن يحيى، ومع حكمه القاطع بضعف الحديث وردَّه في موطنين من (التمهيد) - كما سبق - إلا أنه عاد ليقول التمهيد (18/106)، في سياق ذكره لِحُجَج من تَوقَفَ في أطفال المسلمين : "وزعم قوم أن طلحة بن يحيى انفرد بهذا الحديث، وليس كما زعموا، وقد رواه فضيل بن عمرو ..." ثم أورده، والذي يدل على عدم اعتداده بهذه المتابعة تضعيفه الصريح وحكمه الواضح على رواية طلحة بن يحيى - كما سبق -، مع ترجيحه الأخير في هذه المسألة أيضاً (كما تراه في التمهيد) ويشهد لذلك قوله في الاستذكار (8/393 رقم 12066): "وهو حديث رواه طلحة بن يحيى وفضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة، وليس ممن يعتمد عليه عند بعض أهل الحديث" ويشهد لذلك أيضاً ما نقله ابن قيم الجوزية عن ابن عبد البر في أحكام أهل الذمة (2/612)، حيث قال: "أما حديث عائشة – رضي الله عنها -، وإن كان مسلم رواه في صحيحه، فقد ضعَّفه الإمام أحمد وغيره، وذكر ابن عبد البر علته، بأن طلحة بن يحيى انفرد به عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، وطلحة ضعيف، وقد قيل إن فضيل بن عمرو رواه عن عائشة بنت طلحة، كما رواه طلحة بن يحيى سواء هذا كلامه".
والمتابعة الثانية : ما أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (رقم 1679)، عن قيس بن الربيع، عن يحيى بن إسحاق ، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة – رضي الله عنها - وقد تعقب هذا الإسناد محقق مسند الطيالسي، د.محمد التركي قائلاً: "في إسناد المصنف قيس بن الربيع، وهو ضعيف ويحيى بن إسحاق: لم أعرفه، وقد يكون مقلوباً من إسحاق بن يحيى بن طلحة".
قلت: بل أحسبه مقلوباً عن طلحة بن يحيى!!.
وخلاصة القول: أن الحديث مختلف فيه هذا الاختلاف الطويل، وثمرة الخلاف في قريبة! فمن صحَّح الحديث وجهه بما لا يخالف الصحيح الثابت في أولاد المسلمين، ومن قبل إحدى روايتيه قبلها؛ لأنها لا تخالف الصحيح الثابت فيهم أيضاً، ومن ردَّ الحديث وماله من متابعة ردِّه لمخالفته الظاهرة للصحيح الثابت كذلك، مع ما لاح له من علة صناعية فيه. والذي يترجح عندي إعلال الحديث.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد. والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

خليل بن محمد
29-04-02, 01:45 PM
هل ورد فضل خاص في ليلة النصف من شعبان ؟ وهل ورد لها عبادة خاصة بها ؟ نرجو الإفادة ببيان صحة ما ورد في ذلك .
الجواب :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين .
أما بعد : فجواباً عن سؤالكم عن ليلة النصف من شعبان ، وعن مدى صحة ما ورد في فضلها ، أقول ( وبالله التوفيق ) :
لقد رُويت أحاديث متعددة في فضيلة ليلة النصف من شعبان ، وأحاديث في فضل تخصيصها بصلاة أو عبادة معينة .
أما الثاني : ( وهو ما ورد في تخصيصها بصلاة أو عبادة ) فلم يصحّ فيها شيء ، بل كلها أحاديث موضوعة وباطلة ، وحَكَمَ ببطلانها جمعٌ من أهل العلم ، منهم ابن الجوزي في كتابه الموضوعات ( 2/440 – 440-445 رقم 1010-1014) ، والبيهقي في الشعب ( رقم 3841) ، وأبو الخطاب ابن دحية في أداء ما وجب ( 79-80) ، وابن قيم الجوزية في المنار المنيف ( رقم 174-177) وأبو شامة الشافعي في الباعث على إنكار البدع والحوادث ( 124-137) والعراقي في تخريج إحياء علوم الدين ( رقم 582) ، حتى نقل شيخُ الإسلام الاتفاق على بطلانها في اقتضاء الصراط المستقيم (28/138) .
وهذا أمرٌ لا يخفى على أحدٍ من أهل العلم : أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة لم يرد فيه حديثٌ صحيح ولا حسنٌ ولا ضعيف خفيفُ الضعف ، بل ما ورد فيه كله موضوع مكذوب على نبينا - صلى الله عليه وسلم - .
أمّا ما ورد في فضلها مطلقاً ، فقد ورد فيه أحاديث اختلف فيها أهلُ العلم قديماً وحديثاً ، وجَمَع كثيرٌ من الحفاظ طُرُقها ، وخصها بعضهم بالتصنيف كأبي عبد الله ابن الدُّبَيْثي ( ت637هـ) .
فقد ورد فيها الحديث من حديث معاذ بن جبل ، وعائشة ، وأبي ثعلبة الخشني وعثمان بن أبي العاص ، وأبي موسى الأشعري ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمر ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عَمرو ، وعوف بن مالك ، وأُبيّ بن كعب ، وأبيّ أمامة ، وأبي بكر الصديق – رضي الله عنهم أجمعين - ، ومراسيل لغيرهم .
واستيعاب الكلام عن طرقها وعللها لا يُناسبُ هذا المقام ، وتَرْكُ ذلك بالكلية لا يُوضَّح الحق ولا يُقربُ إلى الصواب ، لذلك رأيت أن أكتفي بالكلام عن أشهر طرقها باختصار ، ثم يُقاسُ عليها ما هو أشد ضعفاً منها .
أولاً : حديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه -، عن النبي – صلى الله عليه وسلم - ،قال: " يطّلعُ اللهُ ليلة النصف من شعبان إلى خلقه ، فيغفر لجميع خلقه ، إلا لمشرك أو مشاحن " . أخرجه ابــن حبان في صحيحه ( رقم 5665) ، وغيره فانظر تخريجه في حاشية تحقيقه ، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة ( رقم 1144) .
لكن الحديث وقع فيه اضطراب كثير في إسناده ، جعله من حديث أبي ثعلبة الخشني مَرّة (وانظر السلسة الصحيحة ) ، ومن حديث أبي إدريس الخولاني مرسلاً ،، وعن كثير بن مُرّة مرسلاً ، وعن مكحول مرسلاً .
وكلها مرجعها إلى إسناد واحد اضطُرب فيه هذا الاضطراب .
بيَّن ذلك ووضّحه غاية الوضوح الدارقطني في العلل ( 6/50-51 رقم 970)، وقال أثناء ذلك عن روايتيه من حديث معاذ بن جبل : " وكلاهما غير محفوظ " .
وقال عن الحديث بعد إيراده لطرقه السابقة :" والحديث غير ثابت " .
وخصَّ الدارقطني في موطن آخر من علله ( 6/323-324 رقم 1169) حديث أبي ثعلبة بالذكر ، ثم قال بعد عرْضِ طُرُقه : " والحديث مضطرب غير ثابت " .
بل لقد قال أبو حاتم الرازي - وحسبك به- عن حديث معاذ بن جبل : " هذا حديث منكر بهذا الإسناد " العلل لابن أبي حاتم ( رقم 2012).
وبذلك ظهر أن حديث معاذ وأبي ثعلبة حديثان شديدا الضعف ، لا ينفعان في باب الاعتبار ، أي لا يرتقيان بالمتابعات والشواهد .
ثانياً : حديث عائشة – رضي الله عنها – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال لها حين افتقدته فوجدته في البقيع – في حديث - : " إن الله – عز وجل – ينـزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ، فيغفر لأكثر من عدد شَعْرِ غنم كَلْب " . أخرجه الإمام أحمـد (6/238) ، والترمذي ( رقم 739) ، وابن ماجة ( رقم 1389) من طريق الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير ، عن عروة ، عن عائشة ..به
ثم قال الترمذي عقبه : " حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعتُ محمداً ( يعني : البخاري ) يُضعّفُ هذا الحديث ، وقال : يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة ، والحجاج لم يسمع من يحيى " فهو إسنادٌ ضعيفٌ ، بل ظاهر كلام البخاري أنه يُضعّف الحديث من كل وجوهه ؛ لأنه ضعّف الحديث لا الإسناد وحده .
ولمّا عَرَضَ الدارقطني لعلل حديث عائشة هذا في العلل – المخطوط – ( 5/51/أ-ب) ، وبيّن الاضطراب فيه ، وأنه رُوي من وجه آخر عن حجاج بن أرطاة عن كثير بن مُرّة الحضرمي مرسلاً ، ثم قال : " وإسناد الحديث مضطرب غير ثابت " .
لذلك فقد صرح أبو عبد الله الحاكم النيسابوري بالصواب في هذا الحديث بقوله : " إنما المحفوظ هذا الحديث من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً " شعب الإيمان للبيهقي ( رقم 3824،3825 ، 3830،3831) وللحديث عللٌ أخرى أبانها عَمرو عبد المنعم سليم في تحقيقه لكتاب ابن الدُّبَيْثي ( 54-66) .
بل لقد أشار الدارقطني إلى أن مرجع حديث عائشة إلى حديث مكحول الشامي السابق ذكره في حديث معاذ ، وهذا ما مال إليه البيهقي في الشعب ( 3/382،383 رقم 3383 ، 3835) وقد نقل ابن الجوزي في العلل المتناهية ( 2/561 رقم 921) عن الدارقطني أنه قال: " وقد رُوي من حديث معاذ ومن حديث عائشة ، وقيل إنه من قول مكحول ، والحديث غير ثابت " .
فعادت أحاديث معاذ وأبي ثعلبة وعائشة إلى أنها حديث واحد ، مآله إلى أنه كلام لمكحول الشامي !!! . وبذلك تعرفُ الخطأ الجسيم لمن اعتبر هذه الروايات روايات متعددة يَتَقَّوى بها الحديث.
ثالثاً : حديث عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-قال : " يطّلع الله عز وجل إلى خَلْقه ليلة النصف من شعبان ، فيغفر لعباده إلا لاثنين : مشاحنٍ وقاتل نفس " أخرجه الإمام أحمد ( رقم 6642) ، قال : " حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا حُيَي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيّ ، عن عبد الله بن عَمرو .. به .
ذكر هذا الإسناد الألباني – رحمه الله – في السلسة الصحيحة ( 3/136) ، وقال : " هذا إسنادٌ لا بأس به في المتابعات والشواهد " .
ولعل هذا من الألباني – رحمه الله – لاعتماده على أن الحافظ بن حجر قال عن حُيَيّ بن عبد الله : " صدوق ..... "
ومع أن حُييّ هذا ممن اختُلف فيه ، كما تجده في التهذيب ( 3/72) ، فالأهم من ذلك أن أحاديث ابن لهيعة عنه بالإسناد المذكور آنفاً مناكير ، كما بيّن ذلك ابنُ عدي في ترجمة حيي بن عبد الله في الكامل (2/450) ، حيث ذكر بضعة أحاديث لابن لهيعة عن حُيَيّ عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عَمرو ، ثم قال : " وبهذا الإسناد حدثناه الحسن عن يحيى عن ابن لهيعة بضعة عشر حديثاً عامتها مناكير " .
وابن عدي يُعلّق نكارة هذه الأحاديث بابن لهيعة ، لإحسانه الظن بحُيي بن عبد الله .
وقد ذكر الألباني لابن لهيعة متابعاً ، هو رشدين بن سعد ، فلو سلم الإسناد إليه ، فهو ضعيف ، ولا يحتمل ضَعْفُهُ مثل هذا الحديث ؛ هذا إن لم تكن نكارةُ الحديث من قِبَلِ شيخهما حُيي بن عبدالله ! ثم إن ابن لهيعة قد اضطرب في هذا الحديث ، فمرةً يرويه كما سبق ، ومَرّةً يرويه من حديث أبي موسى الأشعري ( سنن ابن ماجه رقم 1390 ، 1391) ومرّة يرويه عن عوف بن مالك ( مسند البزار 7/186 رقم 2754) وقد ذكر الألباني – رحمه الله – اضطراب ابن لهيعة هذا ، في السلسة الصحيحة ( رقم 1563) والغريب أن حديث ابن لهيعة المشار إليه أخيراً مرويٌّ من طريق كثير بن مُرّة الحضرمي ، وقد سبق بيانُ أنّ أحدَ طرق حديث مكحول ترجع إلى أنه من حديثه عن كثير بن مُرّة فهل نعود إلى أن حديث ابن لهيعة يعود إلى حديث مكحول أيضاً ؟! ( وانظر السلسلة الصحيحة 3/137-138) هذا مع ما في حديث أبي موسى وعوف بن مالك من العلـل الأخرى الإسنادية سوى اضطرابه المشار إليه .
وبهذا كله يتضح أنّ هذه الطرق شديدة الضعف غير صالحةٍ للتقوَّي .
رابعاً : حديث أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " ينـزل الله – عز وجل – ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل شيء إلا الإنسان في قلبه شحناء ، أو مشرك بالله " أخرجه البزار ( 1/157-158 ، 206-207 ورقم 80)، وابن خزيمة في التوحيد ( 1/325-327 رقم 200) ، من طريق ضعّفها جمعٌ من أهل العلم ، منهم البخاري ، وأبو حاتم الرازي ، والعقيلي ، وابن عدي ، والبزار ، وغيرهم – انظر التاريخ الكبير للبخاري ( 5/424-425) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (8/306-307) والضعفاء للعقيلي ( 3/788-789) ، والكامل لابن عدي ( 5/309).
ولا يظنّنّ أحدٌ أن ابن خزيمة قد صححه بإخراجه في ( التوحيد ) الذي اشترط فيه الصحة ، فإن ابن خزيمة قد أشار إلى ضعفه بتعليقه الإسناد أوّلاً ثم بتأخير ذكر إسناده عقب إيراده للمتن ، وهذا اصطلاحٌ له في كتابه الصحيح والتوحيد ذكره هو عن نفسه في التوحيد ( 2/637 ) ، ونص عليه الحافظ ابن حجر في مواضع من إتحاف المهرة (2/365 رقم 1905) ومن بين أحكام العلماء على هذا الإسناد حُكْمُ ابن عدي عليه بأنه منكر ، والمنكر من أقسام الحديث الشديد الضعف الذي لا يصلح للتَّقوَّي .
هذه أشهر أسانيد أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان الواردة في مشاهير كتب السنّة، ويبقى سواها أحاديث أخرى سبقت الإشارة إليها مقدمة هذا الجواب ، وبالإطلاع عليها لم أجد فيها ما ينفع للتقوَّي فضْلاً عن أن يوجد إسناد مقبول أو خفيف الضعف ، فهي بين إسناد منكر تفرد به ضعيف ، وإسناد شديد الضعف فيه متهم ، وحديث موضوع مختلق، لذلك فالراجح عندي أنه لم يصح في فضل ليلة النصف من شعبان حديث ، ولم يُصب – عندي – من صحّحه بمجموع الطرق ، فإن شرط التقوية ألا تكون الطرق أوهاماً أو مناكير أو بواطيل .
أما أحكام العلماء على أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان ،فقد سبق ذكر أحكامهم على أفرادِها ؛ ولكن سأذكر هنا مَنْ قَوَّى الحديث ومن ضعّفه على وجه العموم .
فممن قَوَّى الحديث : ابن حبان ، والمنذري في الترغيب والترهيب ، وللبيهقي كلامٌ ليس صريحاً في التصحيح ، ذكره أبو شامة في الباعث ( 132)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلامٌ يدل على تصحيح أو قبول ما ورد في فضائلها ، وذكر أنه نصُّ الإمام أحمد وأكثر الحنابلة ( اقتضاء الصراط المستقيم 2/136-137 ، واختيارات البعلي 65) ولشيخ الإسلام كلامٌ آخر يدل على توقفه عن تصحيح حديثها ( مجموع الفتاوى 3/388).
وصحح الحديث أخيراً : العلامة الألباني – رحمه الله – كما سبق . أمّا الذين ضعفوا الحديث من جميع وجوهه ، فسبق منهم الدارقطني والعقيلي في الضعفاء ( ترجمة : عبدالملك بن عبدالملك 3/789) ، وابن الجوزي كما في العلل المتناهية ( رقم 915-924) ، وأبو الخطاب ابن دحية ( أداء ما وجب 80) ، وأبو بكر ابن العربي ( أحكام القرآن 4/1690) وأقره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ( 16/128) . بل قال أبو الخطاب ابن دحية : " قال أهل التعديل والتجريح : ليس في حديث النصف من شعبان حديث يصح " . ( الباعث لأبي شامة : 127) .
وقال ابن رجب : " وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث متعددة ، وقد اختُلف فيها ، فضعّفها الأكثرون ، وصحّح ابن حبان بعضها " . ( لطائف المعارف : 261) بل صحّ عن جمع من السلف إنكار فضلها .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ( وهو من أتباع التابعين من أهل المدينة ) : " لم أدرك أحداً من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان ، ولم ندرك أحداً منهم يذكر حديث مكحول ولا يرى لها فضلاً على سواها من الليالي " ، أخرجه ابن وضاح بإسناد صحيح في ما جاء في البدع ( رقم 119) ، وقال ابن أبي مُليكة ( وهو من جِلّة التابعين وفقهائهم بالمدينة ) ، وقيل له : إن زياداً النميري يقول : إن ليلة النصف من شعبان أجْرُها كأجر ليلة القدر ، فقال : لو سمعته يقول ذلك وفي يدي عصاً لضربته بها " أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( رقم 7928) ، وابن وضاح في ما جاء في البدع ( رقم 120) بإسناد صحيح .
ولما سئل عبد الله بن المبارك عن النـزول الإلهي ليلة النصف من شعبان قال للسائل : " يا ضعيف ! ليلة النصف ؟! ينـزل في كل ليلة " أخرجه أبو عثمان الصابوني في اعتقاد أهل السنة ( رقم 92) .
وقال ابن رجب في لطائف المعارف ( 263) : " وليلةُ النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام ، كخالد بن معدان ، ومكحول ، ولقمان بن عامر وغيرهم يُعظّمونها ويجتهدون فيها في العبادة ، وعنهم يأخذ الناس فضلها وتعظيمها ، وقد قيل : إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية ، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك ، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها منهم طائفة من عُبّاد أهل البصرة وغيرهم ، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مُليكة ، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة ، وهو قول مالك وغيرهم ، وقالوا : ذلك كلّه بدعة " .
وأما قول ابن رجب من أن مرجع تعظيم هذه الليلة إلى الإسرائليات فقد وجدُت ما يشهد له ، من أن مكحولاً الشامي ( وهو مرجع أكثر طرق الحديث كما سبق ) قد رُوي هذا الحديث عنه في بعض الوجوه عن كعب الأحبار !! كما تراه في كتاب النـزول للدارقطني ( 162-164 ، 168 رقم 88) ، وانظر لطائف المعارف أيضاً ( 264) .
ومما نقله ابن رجب في لطائف المعارف (264) ويخالف ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ابن رجب :" ولا يُعرف للإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان ".
وأما تعظيم أهل الشام لهذه الليلة ، فقد خالفهم في ذلك فقيه الشام الإمام الأوزاعي ، فيما ذكره السبكي ، ونقله عنه الزبيدي في تخريج إحياء علوم الدين ( 1/521) ، وفيما ذكره ابن رجب أيضاً في لطائف المعارف ( 263) .
وأخيراً ، فعلى فرَض صحة حديث فضل ليلة النصف من شعبان ، فإن الذي أخبرنا بفضلها وهو النبي – صلى الله عليه وسلم -لم يخصها بعبادة معينة ، فلو كان ذلك مشروعاً لكان هو - صلى الله عليه وسلم - أحرص على فعله وبيانه للناس ، بل لو قيل : إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد شرع ما يتقرب به تلك الليلة ( على فرض الصحة ) لكان هذا وجيهاً ، وهو أن تنام تلك الليلة خالصاً قلبك من الشرك والشحناء على المسلمين !! .
وفي كتاب الورع للمَرُّوذي ( رقم 545) : " قلت لأبي عبد الله [ يعني الإمام أحمد بن حنبل]: إن رجلاً من أهل الخير قد تركتُ كلامه ، لأنه قذف رجلاً بما ليس فيه ، ولي قرابة يشربون المسكر ويسكرون ؟ وكان هذا قبل ليلة النصف من شعبان فقال : اذهب إلى ذلك الرجل حتى تكلمه ، فتخوّف عليَّ من أمر قرابتي أن آثم ، وإنما تركت كلامهم أني غضبت لنفسي، قال: اذهب كلَّم ذلك الرجل ، ودع هؤلاء ، ثم قال : أليس يسكرون ؟ وكان الرجل قد ندم ؟ " وتنبه أن الإمام أحمد لم يكن هو الذي ذكر ليلة النصف من شعبان ، ولا ذكر المروذي أنه ذكرها له أيضاً ، وإنما هو خبر ذكره المروذي ، ومراعاة ذلك ( ولو لم يصح فيه شيء ) مما لا يرى فيه بعض العلماء بأساً فهو عمل مشروع في كل ليلة ، ولم يخصه المروذي بليلة النصف .
أما ما يفعله كثير من الناس من الاجتماع ليلة النصف من شعبان على صلوات معينة وعبادات خاصة في كل عام فهذا من البدع التي اتفق على إنكارها من عامة العلماء ، وذكر ذلك جماعة من أهل العلم . فانظر الحوادث والبدع لأبي بكر الطرطوشي ( 266-267) ، والباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة (142) ، واقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ( 2/138، 256-257) ، ولطائف المعارف لابن رجب (263) ولم يخالف في تبديع هذا الفعل إلا قلة من أهل العلم ، منهم من ذكرهم ابن رجب من أهل الشام ، وإسحاق بن راهويه . أما الشافعي فاستحب إحياءَها ، كما في الأم (1/231) ، لكن لم يذكر أن ذلك يكون بالاجتماع لها ، ولم يذكر الشافعي دليل ذلك الاستحباب .
وما دامت المسألة متنازعاً فيها فالمرجع فيها إلى الكتاب والسنة ، كما قال –تعالى- : "فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا"[ النساء : 59] .
وقد صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ " أخرجه مسلم (1718) وليلة النصف من شعبان لم يثبت في فضلها حديث ، وكل ما ورد في فضل تخصيصها بعبادة باطلٌ موضوعٌ ، فليس في تعمُّد القيام فيها بعبادة ما ، على وجـه التعيين لها وتخصيصها بتلك العبادة إلا ابتداعاً في الدين ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:" كل بدعة ضلالة " أخرجه مسلم ( 867) .
فنسأل الله تعالى السلامة من كل بدعة ، وأن يُنْعِشَ قلوب العباد بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم - .
والله أعلم .
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

خليل بن محمد
02-06-02, 10:04 AM
ما معنى حديث: "خير المجالس ما استقبل القبلة"؟ آمل الجواب بالتفصيل.

الجواب :

حديث: "خير المجالس ما استقبل به القبلة"، من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ولذلك أورده السخاوي في كتابه المهم في بابه:(المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة) (رقم153) بلفظ: "أكرم المجالس...".
وللحديث طرق متعددة وشواهد:
وأشهر رواياته حديث ابن عباس –رضي الله عنهما-، لكن الإسناد إليه شديد الضعف، وحكم عليه بالبطلان، كما تراه في أحاديث الشيوخ الثقات لأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وحاشية تحقيقه (رقم173).
وخير أسانيده ما أخرجه الطبراني في (الأوسط رقم2375)، من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة".
فقد وصفه السخاوي بقوله: "سنده حسن"، وهو كما قال، فشيخ الطبراني الذي قد يتمسك من يضعف الحديث به لتضعيفه، وهو إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، الصواب فيه أنه مقبول الحديث، وباقي رجال الإسناد معروفون مقبولون.
لكن يبقى التفرد الذي في إسناده، أخشى أن يؤتى الإسناد من قِبَلِهِ.
وقد يشير إلى عدم صحة الحديث مرفوعاً من جميع وجوهه، ما نقله السخاوي عن ابن حبان أنه حكم على الحديث بالوضع، وقال: "وقد كانت أحواله –صلى الله عليه وسلم- في مواعظ الناس أن يخطب وهو مستدبر القبلة"، لكن السخاوي تعقبه بقوله: كذا قال! وما استدل به لا ينهض للحكم بالوضع، إذ استدباره –صلى الله عليه وسلم- القبله؛ ليكون مستقبلاً لمن يعلمه أو يعظه ممن بين يديه".
وإن كنت لا أجرؤ على الحكم على الحديث بالقبول، إلا أني لا أحكم بعدم صحة معناه، وأن استقبال القبلة في المجالس، وخاصة مجالس العبادة، مثل: عند الذكر والدعاء وقراءة القرآن والتعليم ونحو ذلك، أمر دلت النصوص المتفرقة على استحسانه، وجاءت آثار السلف على اتباعه.
فالقبلة هي اتجاه أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة حتى أطراف الأصابع تستقبل بها القبلة في السجود، وإشارة الإصبع في التشهد. (صحيح البخاري رقم828)
وفي الحج: يحج البيت (وهي القبلة)، ويطوف بها، ويهل حين يهل بالحج مستقبلاً لها (صحيح البخاري رقم1553)، ويستقبل القبلة على الصفا والمروة للذكر والدعاء، وكذلك في عرفة، وعند المشعر الحرام بمزدلفة (صحيح مسلم رقم1218)، ويوجه الهدي عند النحر إلى القبلة (موطأ مالك رقم1112)، وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى يتوجه البيت بالدعاء (صحيح البخاري رقم1751،1752،1753)
وفي الاستسقاء تستقبل القبلة عند الدعاء (صحيح البخاري رقم1005،1028، وصحيح مسلم رقم894).
وعند الابتهال بالدعاء، كما فعل النبي –صلى الله عليه وسلم- يوم بدر (صحيح مسلم رقم1763).
وحتى يدفن المسلم، يوجه إلى القبلة كما فُعِل بالنبي –صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه –رضي الله عنهما-، وكما هو حال جميع مقابر المسلمين قديماً وحديثاً، وهذا كله يدل على تكريم هذه الجهة حتى في غير الصلاة.
ويدل على أن تكريم هذه الجهة مقصد شرعي: النهي الصريح الصحيح عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة (صحيح البخاري رقم 144، وصحيح مسلم رقم264،265).
ولذلك فقد جاء عن جمع من السلف استحباب الجلوس مستقبل القبلة.
ففي المصنف لابن أبي شيبة (8/675) بإسناد صحيح: "أن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- جلس مستقبل القبلة"، وأورده ابن أبي شيبة مع آثار أخرى، تحت باب (من كان يستحب إذا جلس أن يجلس مستقبل القبلة).
وانظر أيضاً:(الأدب المفرد للبخاري (رقم1137)، وأدب الإملاء والاستملاء للسمعاني رقم119).
ويظهر من ذلك أن المقصود من هذا الحديث مطلب شرعي صحيح، وهو تكريم جهة القبلة، والحرص على الجلوس باستقبالها في حال المجالس الفاضلة.
وقد عبر المناوي في (فيض القدير 2/512) عن ذلك تعبيراً حسناً، فقال: "يشير إلى أن كل حركة وسكون من العبد على نظام العبودية، بحسب نيته، في يقظته ومنامه، وقعوده وقيامه، وشرابه وطعامه، تشرف حالته بذلك، فيتحرى القبلة في مجلسه، ويستشعر هيئتها، فلا يعبث، فيسن المحافظة على استقبالها"، والله أعلم.

خليل بن محمد
16-07-02, 03:33 AM
التوجيه لمعنى حديث : "لا يدخل الجنة ولد زنية"

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
حديث " لا يدخل الجنة ولد زنية " لا أعرف له إسناداً صحيحاً سالماً من العلل أو الشذوذ . وإن كان بعض أهل العلم قد صحح الحديث كابن حبان ( رقم 3384،3383) والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة : رقم (673) وبعض أهل العلم حكم عليه بالوضع كابن الجوزي ( رقم 1561-1566) وحكم أيضاً على حديث : " ولد الزنا شر الثلاثة " بشدة الضعف فأورده في العلل المتناهية ( رقم 1282-1283) في حين وصفه بعض أهل العلم بالاضطراب كالدارقطني ، وبالضعف كالحافظ ابن حجر كما في القول المسدد له ( 49-50 رقم 10) والكلام فيه طويل جداً .
ولو صح الحديث فقد اتفق أهل العلم أنه لا يُحمل على ظاهره؛ لأن الشريعة قد قررت حُكماً قطعياً ، وهو : أن أحداً لا يحمل من إثم غيره شيئاً ما دام أنه لم يكن له يدٌ في وقوع غيره فيه . فإن الله – تعالى – يقول : " ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى " [ النجم 38-39ٍ] وقال – سبحانه -: " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " [ البقرة : 286] وقال –عز وجل - : " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون " [ البقرة : 141،134].
ولذلك فقد صح عن عائشة – رضي الله عنها – أنها كانت تقول عن ولد الزنا : " ليس عليه من وزر أبويه ، قال الله : " لا تزر وازرة وزر أخرى " أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (13861،13860) وابن أبي شيبة ( رقم 12543) .
وصح عن علي بن أبي طلحة أن ابن عباس أنكر على من قال : إنه شرُ الثلاثة ، وقال : " لو كان شرَّ الثلاثة ما استُؤْني بأمَّه أن تُرجم حتى تضعه " أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ( 24/135-136) وانظره في الاستذكار (23/175) بل كان ابن عباس يقول : " هو خير الثلاثة " أخرجه عبد الرزاق ( رقم 13863) .
ولذلك فإن لمن صحح الحديث تفاسير عِدة تُخرج الحديث عن معارضته الظاهرية المقرر القطعي السابق ذكره . ومن أحسن هذه التوجيهات توجيه الإمام الطحاوي في بيان مشكل الأحاديث ( 2/372-373) حيث فسر كلمة ( ولد زنية) الواردة في الحديث بأن المقصود بها من وقع منه الزنى وغلب عليه حتى صار يُنسب إليه، وبيَّن أن هذا أسلوب عربي صحيح، كما يُقال للمشتغلين بالدنيا بنو الدنيا، وكما وُصف المسافر المنقطع ب ( ابن السبيل ) واستشهد الطحاوي لذلك ببيتين من الشعر تدل على هذا الاستخدام أيضاً .
هذا والله أعلم .
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

خالد بن عمر
31-10-02, 11:04 PM
بارك الله فيك أخي خليل

وجزاك خيرا على هذا الجهد المبارك

خليل بن محمد
31-01-03, 03:57 PM
ما تحقيق القول في مرويات الرايات السود الواردة في أحاديث الفتن المرفوعة والموقوفة، وكذا الأحاديث التي ورد فيها ذكر السفياني؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن أحاديث وروايات ظهور (الرايات السود) و(السفياني) من الأحاديث التي تعددت طرقها وألفاظها في كتب الملاحم وأشراط الساعة، حتى إن طرقها لتكاد تملأ مصنفاً كاملاً، وقد فرح بها فرق وطوائف، فزادوا فيها، وما زالوا!!
ومن طالع تلك الأحاديث تذكر قول الإمام أحمد:"ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير" (الجامع) للخطيب رقم (1536)، وهو يعني بذلك: كثرة الكذب والروايات المردودة في هذه الأبواب الثلاثة، وقلة ما يصح فيها من الأحاديث.
فحديث (الرايات السود) له طرق وألفاظ بالغة الكثرة، وقد امتلأ بها كتاب (الفتن) لنعيم بن حماد.
لكني لم أجد فيها حديثاً صالحاً للاحتجاج، لا مرفوعاً، ولا موقوفاً على أحد الصحابة.
وأقوى ما ورد فيها من المرفوع –وليس فيها قوي-، الأحاديث التالية:
أولاً: حديث ثوبان –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:"إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من خراسان فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي"، وله ألفاظ أخرى مطولة.
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد (5/277) من طريق شريك بن عبد الله، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي قلابة، عن ثوبان به.
وهذا إسناد منقطع، حيث إن أبا قلابة لم يسمع من ثوبان شيئاً، كما قال العجلي رقم (888).
وقد ذكره ابن الجوزي من هذا الوجه في (العلل المتناهية رقم 1445)، وأعله بعلي بن زيد بن جدعان.
وأخرجه ابن ماجة رقم (4084)، والبزار في مسنده (المخطوط –النسخة الكتانية- 223)، من طرق صحيحة عن عبد الرزاق الصنعاني، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، بنحوه مطولاً مرفوعاً.
وقال البزار عقبه:"إسناده إسناد صحيح".
وقال البيهقي عقبه في (الدلائل 6/515):"تفرد به عبد الرزاق عن الثوري".
قلت: إسناده أقل أحواله الحُسن في الظاهر، وحتى التفرد الذي ذكره البيهقي منتقض بما أخرجه الحاكم في (المستدرك 4/463-464)، قال:"أخبرنا أبو عبد الله الصفار: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أورمة: حدثنا الحسين بن حفص: حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان..."، وقال الحاكم عقبه:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
وقد نقل هذا الإسناد –كما ذكرته- الحافظ ابن حجر في (إتحاف المهرة 3/53 رقم 2513)، مما يُبعد احتمال وقوع خطأ مطبعي فيه.
وإسناد الحاكم رجاله ثقات، إلا محمد بن إبراهيم بن أورمة، فلم أجد له ذكراً، إلا في هذا الإسناد الذي صححه الحاكم.
لكن للحديث وجه آخر أخرجه الحاكم (4/502)، وعنه البيهقي في (الدلائل 6/516)، من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان موقوفاً عليه غير مرفوع إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-.
قلت: فمع هذا الاضطراب في إسناده، مع نكارة متنه، وعدم قيام إسناد من أسانيده، بتحمل هذا الحد من التفرد لا أستطيع أن أطمئن إلى قبول هذا الحديث، خاصة مع عبارات لبعض أئمة النقد، تدل على تضعيف الحديث من جميع وجوهه.
بل قد وقفت على إعلالٍ خاصّ واستنكار خاص لهذا الحديث على خالد الحذاء (مع ثقته) فقد جاء في العلل للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله رقم (2443): "حدثني أبي، قال: قيل لابن عُليّة في هذا الحديث: كان خالد يرويه، فلم يلتفت إليه، ضعف ابن عليّه أمره. يعني حديث خالد عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في الرايات" وانظر الضعفاء للعقيلي – ترجمة خالد بن مهران الحذاء – (2/351 رقم 403) والمنتخب من علل الخلال لابن قدامة (رقم 170).
ثانياً: حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:"إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق، معهم رايات سود، فيسألون الخير، فلا يُعطونه، فيقاتلون فيُنصرون، فيُعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً، كما ملؤوها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبواً على الثلج".
أخرجه ابن ماجة (رقم 4082)، والبزار في مسنده (رقم 1556-1557)، والعقيلي في (الضعفاء) ترجمة يزيد بن أبي زياد (4/1494)، وابن عدي، ترجمة يزيد بن أبي زياد (7/276)، من طريق يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس النخعي، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعاً.
وقال عنه ابن كثير في (البداية والنهاية 9/278):"إسناده حسن"، وحسنه الألباني أيضاً في (سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم 85).
قلت: وهو كما قالا عن إسناده، في الظاهر قابل للتحسين.
لكن أول ما يلفت الانتباه إلى ما في هذا الإسناد من النكارة هو ما قاله البزار عقب الحديث، حيث قال:"وهذا الحديث رواه غير واحد عن يزيد بن أبي زياد، ولا نعلم روى يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود إلا هذا الحديث".
ومع هذا التفرد الذي صرح به ابن عدي أيضاً عقب الحديث، فإن المتفرد به –وهو يزيد بن أبي زياد- لئن رجحنا حسن حديثه، فإن مثله لا يحتمل التفرد بمثل هذا الإسناد والمتن.
ولذلك ضعف هذا الحديث جماعة، وعدوه في مناكير يزيد بن أبي زياد.
فقد قال وكيع بن الجراح –وذكر هذا الحديث-:"ليس بشيء".
وقال الإمام أحمد:"ليس بشيء" أيضاً.
وبلغ إنكار أبي أسامة حماد بن أسامة لهذا الحديث أن قال عن يزيد بن أبي زياد بخصوص روايته لهذا الحديث:"لو حلف عندي خمسين يميناً قسامة ما صدقته!! أهذا مذهب إبراهيم؟! أهذا مذهب علقمة؟! أهذا مذهب عبد الله؟!" (الضعفاء) للعقيلي (4/1493-1495).
ولما أنكر الإمام الذهبي هذا الحديث في (السير 6/131-132)، قال بعد كلام أبي أسامة:"قلت: معذور والله أبو أسامة! وأنا قائل كذلك، فإن من قبله ومن بعده أئمة أثبات، فالآفة منه: عمداً، أو خطأ".
لذلك فإن الراجح ضعف هذا الحديث بل إنه منكر.
ومع هذه الأحكام من هؤلاء النقاد، لا يصح الاعتماد على المتابعة التي أوردها الدارقطني في (العلل) معلقة (5/185 رقم 808)، وأنه قد رواه ، عمارة بن القعقاع عن إبراهيم، موافقاً يزيد بن أبي زياد.
وللحديث أوجه أخرى عن ابن مسعود –رضي الله عنه-، كلها ضعيفة، ومرجعها إلى حديث يزيد بن أبي زياد، كما يدل عليه كلام الدارقطني في العلل –الموطن السابق-.
وانظر: الأحاديث الواردة في المهدي للدكتور: عبد العليم البستوي (قسم الصحيحة: 158-162، وقسم الضعيفة: 30-39).
ثالثاً: حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:"تخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء، حتى تنصب بإيلياء" أخرجه الإمام أحمد (رقم 8775) والترمذي (رقم 2269) والطبراني في (الأوسط رقم 3560)، والبيهقي في (الدلائل 6/516)، كلهم من طريق رشدين بن سعد، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة به.
وأشار الترمذي إلى ضعفه بقوله عقبه:"غريب".
وقال الطبراني:"لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، تفرد به رشدين".
قلت: ورشدين بن سعد اختلف فيه بين الضعف والترك، وانفراده بهذا الحديث يقتضي نكارة حديثه.
ولذلك تعقبه البيهقي بقوله:"ويروى قريب من هذا اللفظ عن كعب الأحبار، ولعله أشبه" ثم أسند رواية كعب الأحبار موقوفة عليه.
وبهذا تبين أن أصل هذا الحديث من الإسرائيليات.
وللحديث بعد ذلك روايات أشد ضعفاً من التي سبقت فإني اخترت أمثل الروايات، ليقاس عليها ما هو دونها.
وبذلك يُعلم أنه لم يصح في الرايات السود حديث مرفوع، ولا حديث موقوف على الصحابة –رضي الله عنهم-.
وأما أحاديث السفياني:
فلم أجد فيه حديثاً ظاهر إسناده القبول، إلا حديثاً واحداً، أخرجه الحاكم في (المستدرك 4/520) من طريق الوليد بن مسلم الدمشقي، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة –رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:" يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس، فيقتلها، حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة، فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده، فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صار ببيداء من الأرض، خُسف بهم، حتى لا ينجو منهم إلا المخبر عنهم".
وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي.
ولكن تدليس الوليد بن مسلم تدليس التسوية، مع نكارة حديثه هذا الذي لم أجده إلا من طريقه، يجعلني أتوقف في حديثه، إذ لعله أسقط ضعيفاً بين الأوزاعي ويحيي بن أبي كثير، وهذا هو تدليس التسوية.
وهناك حديثان آخران فيهما ذكر السفياني، أخرجهما الحاكم وصححهما (4/468-469-501-502)، لكن تعقبه الذهبي فيهما، فانظر: مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن، مع حاشية تحقيقه (7/3325-3326 رقم 1109) (7/3387 رقم 1127).
هذه أقوى أحاديث السفياني، وأنت ترى أنه لم يصح منها شيء، والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

خليل بن محمد
06-06-03, 08:56 PM
ما صحة الحديث الآتي : ما رواه أحمد – رحمه الله – عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " من توضأ فأسبغ الوضوء ، ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلاً ، أو مؤخراً " ؟

الجواب
أخرج الإمام أحمد ( 6/442) ، والدارقطني ، في الأفراد ( كما في أطرافه رقم 4617) الحديث المسؤول عنه ، فقال الإمام أحمد : " حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا ميمون ( يعني أبا محمد المرَئي التميمي ) قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عـن يوسف بن عبد الله بن سلام ، قال صحبت أبا الدرداء أتعلم منه ، فلما حضره الموت ، قال : آذِن الناس بموتي ، فآذنت الناس بموته ، فجئت وقد مُلئ الدار وما سواه قال : فقلت : قد آذنت الناس بموتك ، وقد مُلئ الدار وما سواه ، قال : أخرجوني ، فأخرجناه ، قال أجلسوني ،فقال : أجلسناه فقال : أيها الناس ،إني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : من توضأ فأسبغ الوضوء ، ثم صلى ركعتين يُتِمَّهُما ،أعطاه الله ما سأل مُعَجَّلاً أو مؤجَّلاً . قال أبو الدرداء : يا أيها الناس ، إياكم والإلتفات في الصلاة ، فإنه لا صلاة لملتفت ، فإن غُلبتم في التطوع ، فلا تُغْلَبُنّ في الفريضة ".
وإسناده حسن ، وقد حكم الدارقطني بتفرّد محمد بن بكر البُرْساني به . لكن أخرجه المحاملي في أماليه ( رقم 71) ، من طريق محمد بن بكر البرساني ، لكن بتسمية الراوي ، من يوسف بن عبد الله بن سلام ، يحيى بن أبي هيثم - وهو العطار - أحدُ الثقات ، وهو المعروف بالرواية عن يوسف بن عبد الله ، كما في تهذيب الكمال ( 32/436).
فالحديث على أيًّ من الوجهين حسنُ الإسناد .
وللحديث وَجْهٌ آخر حسن الإسناد أيضاً ، من طـريق صدقة بن أبي سهل، عن كثير بن يسار ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبي الدرداء ، قال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : " من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قام فصلى ركعتين أو أربع ركعات [ شكّ سهل ] يُحسن فيهن الركوع والسجود والخشوع ، ثم استغفر الله ، غفر له " أخرجه الإمام أحمد وابنه عبد الله في زوائده ( 6/420) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ( رقم 2040) والطبراني في الدعاء ( رقم 1848) لكن الإسناد الأول أشهرُ رجالاً ، ومتنه أضبط لفظاً . والله أعلم .


http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=8983

خليل بن محمد
10-07-03, 02:23 AM
هل صحيح أن من شرب خمراً وسكر لا تقبل الصلاة منه لمدة أربعين يوماً ، وأنه إن مات خلال الأربعين يوماً يكون كعابد وثن ، وردت تلك الأحاديث في كتاب (الكبائر) للذهبي في موقع الوراق؟.

جواباً عن سؤال من سأل عن صحة حديث فيه أن من شرب خمراً وسكر لا تقبل منه صلاة لمدة أربعين يوماً ، وأنه إن مات خلال الأربعين يوماً يكون كعابد وثن، وعزاه السائل إلى كتاب (الكبائر) للذهبي ، أقول وبالله التوفيق :
صح من حديث عبد الله بن عَمرو – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " من شرب الخمر فسكر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً ، فإن مات دخل النار ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد فشرب فسكر ، لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً فإن مات دخل النا ر ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد فشرب فسكر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً ، فإن مات دخل النار ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخَبال يوم القيامة " قالوا : يا رسول الله ما طينة الخبال ؟ قال : " عُصارة أهل النار " ـ أخرجه الإمام أحمد ( رقم 6644، 6659، 6773،6854)، والنسائي (رقم 5664، 5670) ،وابن ماجة ( رقم 3377) ، وابن خزيمة (رقم 939)، وابن حبان ( رقم 5357) ، والحاكم وصححه (1/30-31، 257) ( 4/146) ، وأما حديث :" مدمن الخمر كعابد وثن " فقد اختلف فيه تصحيحاً وتضعيفاً، والراجح ضَعْفُه من جميع وجوهه ، فانظر (العلل) لابن أبي حاتم ( رقم 1553 ، 1591) ، و(التاريخ الكبير) للبخاري (1/129) (3/515) ، و( شعب الإيمان) للبيهقي ( 5/12-13رقم 5597 – 5598) ، (والعلل المتناهية) لابن الجوزي ( رقم 1116-1121) ، وأما من صححه كابن حبان ( رقم 5347) ، والضياء ( 10/330) فتأولوا الحديث وفسروه بأقوال :
منها : أن المشبه بعابد الوثن هو المستحل له المعتقد أنه حلال مع علمه بتحريم الله تعالى له ( وهو تفسير ابن حبان له ) .
ومنها : أن وجه الشبه ، هو : حبوط عمله كحبوط عمل الكافر، أي أنه لا يُثاب على القربات ( وهو تفسير طاووس بن كيسان أحد علماء التابعين ، كما في (المجتبي) للنسائي رقم 5665) .
ومنها: أن المدمن والكافر سواءٌ في مطلق التعذيب بالنار ، ولا يلزم استواؤهما في كل شيء ، فإن الكافر مخلّد في النار ، وأما عُصاة المؤمنين فلا يخلدون ، ثم هم مُعرضون لعفو الله ورحمته .
ومنها : أن مدمن الخمر في اتباعه لهواه ومخالفته أمر الله –تعالى- كعابد الوثن ، وقد قرن الله – تعالى- بين الخمر وعبادة الأوثان ، فقال – تعالى- : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " [ المائدة : 90].
ومنها: أن تعلق قلب مدمن الخمر بالخمر يشبه تعلق قلب عابد الوثن بالوثن ، كما قال – تعالى- عن اليهود: " وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم" [البقرة: 93].
وعلى هذه المعاني يُحمل قول عبد الله بن عمر – رضي الله عنه - : " من شرب الخمر فلم يِنْتشِ لم تقبل له صلاةٌُ ما دام في جوفه أو عروقه منها شيءٌُُ ، وإن مات مات كافراً، وإن انتشى لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ، وإن مات فيها مات كافراً " أخرجه النسائي ( رقم 5668) ، وأما عزو السائل للحديث إلى كتاب (الكبائر) للذهبي، فهذه فرصة للتنبيه على أمر مهم بخصوص هذا الكتاب ، فإن كتاب (الكبائر) طبع عدة طبعات، ومنه نسخة طبعت بتحقيق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة – رحمه الله – ، وبتحقيق عبد الرحمن فاخوري ، وطُبع بتحقيق غيرهما وهي طبعات لا تُمثل كتاب الذهبي في (الكبائر) ففي نسبة تلك الطبعات للإمام الذهبي شكٌ كبير ، وبيَّن ذلك واستدل له الأستاذ محي الدين مستو في الطبعة التي بتحقيقه لكتاب (الكبائر) للذهبي ، وطبعته هذه هي التي تمثل كتاب الذهبي فعلاً .
وقد نظرت في كتاب (الكبائر) للذهبي بتحقيق محيي الدين مستو، فلم أجد فيها الحديث المسؤول عنه ! ، وليس هذا بأول حديث ضعيف أو باطلٍ يوجد في الطبعة المنسوبة خطاً للذهبي ، ففيها - غيره- كثير!!. والله أعلم.

خليل بن محمد
17-07-03, 09:54 PM
أود أن أسأل فضيلتكم عن توجيهكم لهذا الحديث:
قال الإمام مسلم -رحمه الله-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا حدثنا وكيع ح وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق جميعاً عن فضيل بن غزوان ح وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء واللفظ له حدثنا ابن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض". ورواه الترمذي -رحمه الله- قال: حدثنا عبد بن حميد حدثنا يعلى بن عبيد عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الآية، الدجال والدابة وطلوع الشمس من المغرب أو من مغربها" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وأبو حازم هو الأشجعي الكوفي واسمه سلمان مولى عزة الأشجعية. حيث نجد الحديث رواه أحمد بنفس إسناد مسلم، ولكن بلفظ آخر: حدثنا وكيع قال حدثنا فضيل بن غزوان الضبي عن أبي حازم عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا؛ طلوع الشمس من مغربها والدخان ودابة الأرض" وهذا الحديث الظاهر من خلال السند أنه صحيح الإسناد وهو موافق للأحاديث الصحيحة التي تدل على أن التوبة تقبل بعد خروج الدجال، حيث يخرج المسيح -عليه السلام- بعد خروج الدجال ويقتل الدجال ولا يقبل من أهل الكتاب إلا الإيمان، فدل على أن التوبة تقبل بعد خروج الدجال، وهذا يتعارض مع رواية مسلم والترمذي أن التوبة لا تقبل بعد خروج الدجال. فما توجيهكم لهذا؟ حفظكم الله ورعاكم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
بعد النظر في ألفاظ الحديث، وما جاء عند الإمام أحمد في مسنده من استبدال لفظ (الدخان) بـ (الدجال) ترجح عندي أن لفظ (الدجال) أصح من جهة الرواية؛ لاتفاق مصادر متعددة على ذكره، دون لفظ (الدخان)، وتوجيه هذا الاختلاف أنه ربما كان من قبل راوي المسند عن عبد الله بن الإمام أحمد، وهو القطيعي، فقد ذكرت له أخطاء في روايته للمسند لعل هذا أحدها، خاصة أن احتمال تصحيف (الدجال) إلى (الدخان) احتمال وارد، لتشابه الكلمتين في الخط.
أما الإشكال في المعنى، من جهة أن باب التوبة لا يُغلق بعد خروج الدجال، فحله يظهر من حديث صحيح آخر، وهو حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"بادروا بالأعمال ستاً: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم" أخرجه مسلم رقم (2947). والمقصود بأمر العامة: قيام الساعة، وأما خويصة أحدنا: فهو الموت، أما المراد بالمبادرة بالأعمال، أي: المسابقة بالأعمال الصالحة، والمسارعة باغتنام الوقت قبل هذه الأمور الستة التي هي دواه ومصائب عظام، تُلهي الإنسان عن العمل الصالح وتشغله، أو لا يوفق إليه من لم يسبق له قدم ثبات على الهدى والحق، فيفتن عن التوبة والعمل الصالح، لا لمانع، ولكن لضعف إيمانه الذي لا يصمد أمام هذه الدواهي، ومن هذه الأمور الستة ما لا تقبل بعدها التوبة، لو حاولها أحد من شاهدها، وهي: طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وغرغرة الموت.
وانظر: المفهم للقرطبي (7/308 رقم 2842) وشرح الطيبي على المشكاة (11/3448-3449 رقم 4565).
وعليه فيكون معنى الحديث المسؤول عنه: أن تلك الأمور الثلاثة، إذا وقعت بهتت الناس وحيرتهم، فلم يقو على التوبة والثبات إلا من حسن عمله وصح توكله على الله تعالى، ولا يعارض ذلك أن من هذه الأمور الثلاثة ما ضم إلى ذلك أنه لا تقبل معه التوبة، كطلوع الشمس من مغربها، ولا يعارض ذلك أيضاً أن من هذه الأمور ما إذا زال وانتهى وجوده، لم تبق حيرته وفتنته بعد زواله، فيمكن الناس بعدها التوبة والعمل الصالح، إذا قدر لهم ألا يموتوا في زمن الفتنة والتحير، كما قد يحصل في فتنة الدجال.
هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده.

خليل بن محمد
27-08-03, 06:13 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالي بالنسبة للثلاث آيات التي في آخر سورة الحشر.
سمعت أن من حافظ عليها في الصباح والمساء مات شهيداً، وقد جاء هذا الكلام عن الشيخ أبي بكر الجزائري في الراديو، وقد وجد هذا في كتاب ابن كثير، علماً أن الألباني قد ضعف الأحاديث التي وردت في ذلك، نرجو التوضيح منكم، وهل المحافظة عليها إذا كانت الأحاديث ضعيفة فيها إثم؟


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: أقول وبالله التوفيق:
إنه قد ورد غير ما حديث في فضل سورة الحشر على الخصوص، أو في فضل خواتمها، ولم يصح من هذه الأحاديث شيء، بل كلها ضعيفة أو واهية. وهناك أقوال لأهل العلم في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، والقول الوسط الصحيح أنه لا يعمل بالحديث الضعيف إلا بشرطين:
الأول: أن لا يكون شديد الضعف.
الثاني: أن لا يكون الحديث الضعيف مؤسساً لحكم تكليفي (كالاستحباب أو الكراهة) غير وارد في النصوص الثابتة من الكتاب وثابت السنة.
وبهذين الشرطين يتبين أن العمل بالحديث الضعيف بتحققهما ليس عملاً بالحديث الضعيف اعتماداً عليه، بل لا يتجاوز العمل به أن يكون بمعنى الاعتبار به والاستئناس، واستحضاراً للثواب الوارد فيه أو للعقاب المتوعَّد به.
وبناءًَ على ذلك: فإن المحافظة على قراءة خواتيم سورة الحشر ستكون من باب اعتقاد سنيتها، ولم يأت دليل على هذه السنية؛ لأن الأحاديث في ذلك كلها ضعيفة كما سبق. ولهذا فلا يجوز أن يحافظ على قراءتها، ولا العمل بها باستحضار هذا الثواب المخصوص لهذه الآيات الخاصة. هذا والله أعلم.

خليل بن محمد
30-08-03, 08:59 AM
الرجاء التفضل بتعليق فضيلتكم بيان المقصود بقوله: "فصلى ركعتين" في حديث أبي أمامة الذي أخرجه الطبراني في الكبير:
عن أبي أمامة عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:"من توضأ ثم أتى المسجد فصلى ركعتين قبل الفجر ثم جلس حتى يصلي الفجر كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار وكتب في وفد الرحمن"‏.
قوله:"فصلى ركعتين قبل الفجر" هل سنة الفجر أو قيام الليل أو تحية المسجد أو ركعتين لهما ثواب معين؟.
حديث عثمان مرفوعا "من توضأ مثل هذا الوضوء ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه و لا تغتروا". (صحيح) انظر صحيح الجامع.
الظاهر في هذا أن المراد بقوله:"فصلى ركعتين" هي سنة الفجر.
أن أكثر الأحاديث الواردة في قوله:"ركعتين قبل الفجر" المراد بها سنة الفجر.
كما في مسند أحمد: عن عائشة –رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلى ركعتين قبل الفجر ربما اضطجع.
وكما روى النسائي في سننه عن مالك بن ربيعة السلولي، قال: كنا مع رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح، نزل رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم-، فنام، ونام الناس، فلم يستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- المؤذن، فأذن، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ثم أمره، فأقام، ثم صلى بالناس، ثم حدثنا ما هو كائن، حتى تقوم الساعة. وعند النسائي من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- الذي فيه "ثم أتيته فقمت عن يساره فتناولني بيده فأقامني عن يمينه فصلى ثلاث عشرة ركعة ثم اضطجع حتى جاءه بلال –رضي الله عنه- فأذن بالصلاة فقام فصلى ركعتين قبل الفجر".
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي في (باب ما جاء في الوتر بركعة 2/454) قوله:"أطيل في ركعتي الفجر" المراد بركعتي الفجر سنة الفجر، وفي رواية البخاري: قلت لابن عمر أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أطيل فيهما القراءة.
وأما معنى قوله صلاة الأبرار: فقال المناوي في فيض القدير الجزء الرابع في حديث (صلاة الأبرار ركعتان إذا دخلت بيتك و ركعتان إذا خرجت (عن عثمان بن أبي سودة مرسلا. (ضعيف) انظر حديث رقم: 3508 في ضعيف الجامع).
(صلاة الأبرار) لفظ هذه الرواية كما حكاه المؤلف (أي السيوطي) في مختصر الموضوعات، وكذا غيره صلاة الأوابين وصلاة الأبرار (ركعتان إذا دخلت بيتك وركعتان إذا خرجت من بيتك) أي: من محل إقامتك بيتاً أو غيره، فهاتان الركعتان سنة للدخول والخروج.
على أنه صححه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب (1/240-241) وبيَّن أحاديث أفضلية صلاة السنة الراتبة في البيت؛ لأن لكل منهما أجراً خاصاً به.

الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حدّه. أما بعد:
فجواباً على السؤال أقول وبالله التوفيق:
الحديث المسؤول عنه منكر سنداً ومتناً.
فقد أخرجه الطبراني في الكبير (رقم 7766)، ومسند الشاميين (رقم 525-1229) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن هود، عن محمد بن يزيد الكلاعي الواسطي، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن عروة بن رُويم، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة... به مرفوعاً.
قلت: فيه إسماعيل بن إبراهيم بن هود –وينسب إلى جده- الواسطي، مولى قريش أبو إبراهيم الضرير، (ت 243هـ) مختلف فيه، لكن الأرجح أنه ضعيف، فانظر (لسان الميزان 1/101-102 رقمه 1125).
ثم هو مخالف في إسناده: فقد أخرجه عبد الرزاق (رقم 4783) عن الأوزاعي، عن عروة بن رُويم، قال:"من صلى ركعتي الفجر، وصلى الصبح في جماعة، كُتبت صلاته يومئذ في صلاة الأوابين، وكُتب يومئذ في وفد المتقين".
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (6/122) من وجه آخر عن الأوزاعي بمثله، ثم تعقبه بالإشارة إلى مخالفته لحديث عاصم بن رجاء بن حيوة.
ولا شك أن الأوزاعي وحديثه أرجح وأصح إسناداً.
ثم هو يختلف في متنه عن متن الحديث المرفوع، مما يدل على نكارة متن الحديث المسؤول عنه أيضاً، حيث إن هذا الحديث يدل على أن الركعتين الأولى هي سنة الفجر، وليس فيه أنها كانت في المسجد، وأن الركعتين الثانية هي فريضة الفجر في جماعة، ولو صح الحديث المسؤول عنه، فيحمل على تحية المسجد بعد أداء راتبته في البيت.
وأما فقه المسألة: فقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز صلاة النافلة غير راتبة الفجر قبل فريضة، بشرط ألا يتخذ ذلك سنة، كما في مجموع الفتاوى (23/205).
وأما ما نقله السائل من تصحيح الألباني –عليه رحمة الله- للحديث، في صحيح الترغيب والترهيب، فلم أجده فيه، بل وجدت نقيضه، فقد أورده في ضعيف الترغيب والترهيب (1/125-126 رقم 228), مشيراً في الحاشية إلى أنه كان قد حسنه، ثم رجع عن ذلك إلى الحكم بنكارته.
هذا والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.

خليل بن محمد
16-10-03, 09:46 PM
ما حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان بشيء من العبادات؟ وهل ورد بفضلها حديث صحيح ؟
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد: فجواباً عن سؤالكم عن ليلة النصف من شعبان، وعن مدى صحة ما ورد في فضلها، أقول وبالله التوفيق:
لقد رُويت أحاديث متعددة في فضيلة ليلة النصف من شعبان ، وأحاديث في فضل تخصيصها بصلاة أو عبادة معينة.
أما الثاني: (وهو ما ورد في تخصيصها بصلاة أو عبادة) فلم يصحّ فيها شيء ، بل كلها أحاديث موضوعة وباطلة، وحَكَمَ ببطلانها جمعٌ من أهل العلم، منهم ابن الجوزي في كتابه الموضوعات (2/440 – 440-445 رقم 1010-1014)، والبيهقي في الشعب (3841)، وأبو الخطاب ابن دحية في أداء ما وجب (79-80)، وابن قيم الجوزية في المنار المنيف (174-177)، وأبو شامة الشافعي في الباعث على إنكار البدع والحوادث (124-137)، والعراقي في تخريج إحياء علوم الدين (582)، ونقل شيخُ الإسلام الاتفاق على بطلان الصلاة المسماة بالألفية كما في اقتضاء الصراط المستقيم (2/138).
وهذا أمرٌ لا يخفى على أحدٍ من أهل العلم : أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة لم يرد فيه حديثٌ صحيح ولا حسنٌ ولا ضعيف خفيفُ الضعف، بل ما ورد فيه كله موضوع مكذوب على نبينا - صلى الله عليه وسلم-.
أمّا ما ورد في فضلها مطلقاً، فقد ورد فيه أحاديث اختلف فيها أهلُ العلم قديماً وحديثاً، وجَمَع كثيرٌ من الحفاظ طُرُقها، وخصها بعضهم بالتصنيف كأبي عبد الله ابن الدُّبَيْثي (ت637هـ) .
فقد ورد فيها الحديث من حديث معاذ بن جبل، وعائشة، وأبي ثعلبة الخشني، وعثمان بن أبي العاص ، وأبي موسى الأشعري، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عَمرو، وعوف بن مالك، وأُبيّ بن كعب، وأبيّ أمامة، وأبيّ بكر الصديق – رضي الله عنهم أجمعين -، ومراسيل لغيرهم.
واستيعاب الكلام عن طرقها وعللها لا يُناسبُ هذا المقام ، وتَرْكُ ذلك بالكلية لا يُوضَّح الحق ولا يُقربُ إلى الصواب ، لذلك رأيت أن أكتفي بالكلام عن أشهر طرقها باختصار، ثم يُقاسُ عليها ما هو أشد ضعفاً منها .
أولاً : حديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه -، عن النبي –صلى الله عليه وسلم-، قال: يطّلعُ اللهُ ليلة النصف من شعبان إلى خلقه، فيغفر لجميع خلقه ، إلا لمشرك أو مشاحن" . أخرجه ابن حبان في صحيحه (5665)، وغيره فانظر تخريجه في حاشية تحقيقه، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (1144).
لكن الحديث وقع فيه اضطراب كثير في إسناده، جعله من حديث أبي ثعلبة الخشني مَرّة (وانظر السلسة الصحيحة)، ومن حديث أبي إدريس الخولاني مرسلاً، وعن كثير بن مُرّة مرسلاً، وعن مكحول مرسلاً.
وكلها مرجعها إلى إسناد واحد اضطُرب فيه هذا الاضطراب .
بيَّن ذلك ووضّحه غاية الوضوح الدارقطني في العلل (6/50-51 رقم 970)، وقال أثناء ذلك عن روايتيه من حديث معاذ بن جبل: "وكلاهما غير محفوظ".
وقال عن الحديث بعد إيراده لطرقه السابقة: "والحديث غير ثابت".
وخصَّ الدارقطني في موطن آخر من علله (6/323-324 رقم 1169) حديث أبي ثعلبة بالذكر، ثم قال بعد عرْضِ طُرُقه: "والحديث مضطرب غير ثابت".
بل لقد قال أبو حاتم الرازي - وحسبك به- عن حديث معاذ بن جبل: "هذا حديث منكر بهذا الإسناد " العلل لابن أبي حاتم (2012).
وبذلك ظهر أن حديث معاذ وأبي ثعلبة حديثان شديدا الضعف ، لا ينفعان في باب الاعتبار، أي لا يرتقيان بالمتابعات والشواهد .
ثانياً: حديث عائشة – رضي الله عنها – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال لها حين افتقدته فوجدته في البقيع – في حديث -: "إن الله – عز وجل – ينـزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ، فيغفر لأكثر من عدد شَعْرِ غنم كَلْب " . أخرجه الإمام أحمـد (26018)، والترمذي (739)، وابن ماجة (1389) من طريق الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة به
ثم قال الترمذي عقبه: "حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعتُ محمداً (يعني: البخاري) يُضعّفُ هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج لم يسمع من يحيى "فهو إسنادٌ ضعيفٌ، ويشير كلام البخاري إلى ضعف الحديث من جميع وجوهه؛ لأنه ضعّف الحديث لا الإسناد وحده.
ولمّا عَرَضَ الدارقطني لعلل حديث عائشة هذا في العلل – المخطوط – (5/ق51/أ-ب)، وبيّن الاضطراب فيه، وأنه رُوي من وجه آخر عن حجاج بن أرطاة عن كثير بن مُرّة الحضرمي مرسلاً، ثم قال: "وإسناد الحديث مضطرب غير ثابت".
لذلك فقد صرح أبو عبد الله الحاكم النيسابوري بالصواب في هذا الحديث بقوله: "إنما المحفوظ هذا الحديث من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً" شعب الإيمان للبيهقي (3824 ، 3825 ، 3830 ، 3831) وللحديث عللٌ أخرى أبانها عَمرو عبد المنعم سليم في تحقيقه لكتاب ابن الدُّبَيْثي (54-66) .
بل لقد أشار الدارقطني إلى أن مرجع حديث عائشة إلى حديث مكحول الشامي السابق ذكره في حديث معاذ، وهذا ما مال إليه البيهقي في الشعب (3/382،383 رقم 3383 ، 3835)، وقد نقل ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/561 رقم 921) عن الدارقطني أنه قال: "وقد رُوي من حديث معاذ ومن حديث عائشة، وقيل إنه من قول مكحول، والحديث غير ثابت".
فعادت أحاديث معاذ وأبي ثعلبة وعائشة إلى أنها حديث واحد، مآله إلى أنه كلام لمكحول الشامي!!! .وبذلك تعرفُ الخطأ الجسيم لمن اعتبر هذه الروايات روايات متعددة يَتَقَّوى بها الحديث.
ثالثاً : حديث عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-قال: "يطّلع الله عز وجل إلى خَلْقه ليلة النصف من شعبان ، فيغفر لعباده إلا لاثنين: مشاحنٍ وقاتل نفس" أخرجه الإمام أحمد (6642)، قال: "حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة: حدثنا حُيَي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيّ، عن عبد الله بن عَمرو به.
ذكر هذا الإسناد الألباني – رحمه الله – في السلسة الصحيحة (3/136)، وقال: "هذا إسنادٌ لا بأس به في المتابعات والشواهد".
ولعل هذا من الألباني – رحمه الله – لاعتماده على أن الحافظ ابن حجر قال عن حُيَيّ بن عبد الله: "صدوق .....".
ومع أن حُييّ هذا ممن اختُلف فيه، كما تجده في التهذيب (3/72)، فالأهم من ذلك أن أحاديث ابن لهيعة عنه بالإسناد المذكور آنفاً مناكير، كما بيّن ذلك ابنُ عدي في ترجمة حيي بن عبد الله في الكامل (2/450)، حيث ذكر بضعة أحاديث لابن لهيعة عن حُيَيّ عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عَمرو، ثم قال: "وبهذا الإسناد حدثناه الحسن عن يحيى عن ابن لهيعة بضعة عشر حديثاً عامتها مناكير".
وابن عدي يُعلّق نكارة هذه الأحاديث بابن لهيعة ، لإحسانه الظن بحُيي بن عبد الله.
وقد ذكر الألباني لابن لهيعة متابعاً، هو رشدين بن سعد، فلو سلم الإسناد إليه، فهو ضعيف، ولا يحتمل ضَعْفُهُ مثل هذا الحديث؛ هذا إن لم تكن نكارةُ الحديث من قِبَلِ شيخهما حُيي بن عبدالله! ثم إن ابن لهيعة قد اضطرب في هذا الحديث، فمرةً يرويه كما سبق، ومَرّةً يرويه من حديث أبي موسى الأشعري (سنن ابن ماجة 1390، 1391) ومرّة يرويه عن عوف بن مالك (مسند البزار 7/186 رقم 2754) وقد ذكر الألباني – رحمه الله – اضطراب ابن لهيعة هذا، في السلسة الصحيحة (1563) والغريب أن حديث ابن لهيعة المشار إليه أخيراً مرويٌّ من طريق كثير بن مُرّة الحضرمي ، وقد سبق بيانُ أنّ أحدَ طرق حديث مكحول ترجع إلى أنه من حديثه عن كثير بن مُرّة فهل نعود إلى أن حديث ابن لهيعة يعود إلى حديث مكحول أيضاً؟! (وانظر السلسلة الصحيحة 3/137-138) هذا مع ما في حديث أبي موسى وعوف بن مالك من العلـل الأخرى الإسنادية سوى اضطرابه المشار إليه.
وبهذا كله يتضح أنّ هذه الطرق شديدة الضعف غير صالحةٍ للتقوَّي .
رابعاً: حديث أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " ينـزل الله – عز وجل – ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل شيء إلا الإنسان في قلبه شحناء ، أو مشرك بالله " أخرجه البزار ( 1/157-158، 206-207 رقم 80) وابن خزيمة في التوحيد (1/325-327 رقم 200)، من طريق ضعّفها جمعٌ من أهل العلم ، منهم البخاري، وأبو حاتم الرازي، والعقيلي، وابن عدي، والبزار، وغيرهم – انظر التاريخ الكبير للبخاري (5/424-425) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (8/306-307) والضعفاء للعقيلي (3/788-789)، والكامل لابن عدي (5/309).
ولا يظنّنّ أحدٌ أن ابن خزيمة قد صححه بإخراجه في (التوحيد) الذي اشترط فيه الصحة، فإن ابن خزيمة قد أشار إلى ضعفه بتعليقه الإسناد أوّلاً ثم بتأخير ذكر إسناده عقب إيراده للمتن، وهذا اصطلاحٌ له في كتابه الصحيح والتوحيد ذكره هو عن نفسه في التوحيد (2/637)، ونص عليه الحافظ ابن حجر في مواضع من إتحاف المهرة (2/365 رقم 1905) ومن بين أحكام العلماء على هذا الإسناد حُكْمُ ابن عدي عليه بأنه منكر، والمنكر من أقسام الحديث الشديد الضعف الذي لا يصلح للتَّقوَّي .
هذه أشهر أسانيد أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان الواردة في مشاهير كتب السنّة، ويبقى سواها أحاديث أخرى سبقت الإشارة إليها مقدمة هذا الجواب، وبالاطلاع عليها لم أجد فيها ما ينفع للتقوَّي فضْلاً عن أن يوجد إسناد مقبول أو خفيف الضعف، فهي بين إسناد منكر تفرد به ضعيف، وإسناد شديد الضعف فيه متهم، وحديث موضوع مختلق، لذلك فالراجح عندي أنه لم يصح في فضل ليلة النصف من شعبان حديث، ولم يُصب – عندي – من صحّحه بمجموع الطرق، فإن شرط التقوية ألا تكون الطرق أوهاماً أو مناكير أو بواطيل.
أما أحكام العلماء على أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان، فقد سبق ذكر أحكامهم على أفرادِها؛ ولكن سأذكر هنا مَنْ قَوَّى الحديث ومن ضعّفه على وجه العموم.
فممن قَوَّى الحديث: ابن حبان، والمنذري في الترغيب والترهيب، وللبيهقي كلامٌ ليس صريحاً في التصحيح، ذكره أبو شامة في الباعث (132)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلامٌ يدل على تصحيح أو قبول ماورد في فضائلها ، وذكر أنه نصُّ الإمام أحمد وأكثر الحنابلة (اقتضاء الصراط المستقيم 2/136-137، واختيارات البعلي 65) ولشيخ الإسلام كلامٌ آخر يدل على توقُّفه عن تصحيح حديثها (مجموع الفتاوى 3/388).
وصحح الحديث أخيراً: العلامة الألباني – رحمه الله – كما سبق.
أمّا الذين ضعفوا الحديث من جميع وجوهه، فسبق منهم الدارقطني والعقيلي في الضعفاء (ترجمة عبد الملك بن عبد الملك 3/789)، وابن الجوزي كما في العلل المتناهية (915-924)، وأبو الخطاب ابن دحية في أداء ما وجب (80)، وأبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن (4/1690) وأقره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (16/128). بل قال أبو الخطاب ابن دحية: "قال أهل التعديل والتجريح: ليس في حديث النصف من شعبان حديث يصح". الباعث لأبي شامة: (127).
وقال ابن رجب: "وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث متعدِّدة، وقد اختُلف فيها، فضعّفها الأكثرون، وصحّح ابن حبان بعضها". لطائف المعارف (261).
بل صحّ عن جمع من السلف إنكار فضلها .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (وهو من أتباع التابعين من أهل المدينة): "لم أدرك أحداً من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحداً منهم يذكر حديث مكحول ولا يرى لها فضلاً على سواها من الليالي". أخرجه ابن وضاح بإسناد صحيح في ما جاء في البدع (119).
وقال ابن أبي مُليكة (وهو من جِلّة التابعين وفقهائهم بالمدينة)، وقيل له: إن زياداً النميري يقول: إن ليلة النصف من شعبان أجْرُها كأجر ليلة القدر، فقال: لو سمعته يقول ذلك وفي يدي عصاً لضربته بها". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (7928)، وابن وضاح في ما جاء في البدع (120) بإسناد صحيح.
ولما سئل عبد الله بن المبارك عن النـزول الإلهي ليلة النصف من شعبان قال للسائل: "يا ضعيف! ليلة النصف؟! ينـزل في كل ليلة". أخرجه أبو عثمان الصابوني في اعتقاد أهل السنة (92) .
وقال ابن رجب في لطائف المعارف (263): "وليلةُ النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام، كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم يُعظّمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم يأخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها منهم طائفة من عُبّاد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مُليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كلّه بدعة".
وأما قول ابن رجب من أن مرجع تعظيم هذه الليلة إلى الإسرائليات فقد وجدت ما يشهد له، من أن مكحولاً الشامي (وهو مرجع أكثر طرق الحديث كما سبق) قد رُوي هذا الحديث عنه في بعض الوجوه عن كعب الأحبار!! كما تراه في كتاب النـزول للدارقطني (162-164 ، 168 رقم 88)، وانظر لطائف المعارف أيضاً (264).
ومما نقله ابن رجب في لطائف المعارف (264) ويخالف ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ابن رجب :" ولا يُعرف للإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان ".
وأما تعظيم أهل الشام لهذه الليلة ، فقد خالفهم في ذلك فقيه الشام الإمام الأوزاعي، فيما ذكره السبكي، ونقله عنه الزبيدي في تخريج إحياء علوم الدين (1/521)، وفيما ذكره ابن رجب أيضاً في لطائف المعارف (263) .
وأخيراً، فعلى فرَض صحة حديث فضل ليلة النصف من شعبان ، فإن الذي أخبرنا بفضلها وهو النبي – صلى الله عليه وسلم -لم يخصها بعبادة معينة، فلو كان ذلك مشروعاً لكان هو - صلى الله عليه وسلم - أحرص على فعله وبيانه للناس، بل لو قيل: إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد شرع ما يتقرب به تلك الليلة (على فرض الصحة) لكان هذا وجيهاً، وهو أن تنام تلك الليلة خالصاً قلبك من الشرك والشحناء على المسلمين!! .
وفي كتاب الورع للمَرُّوذي (545): "قلت لأبي عبد الله [يعني الإمام أحمد بن حنبل]: إن رجلاً من أهل الخير قد تركتُ كلامه، لأنه قذف رجلاً بما ليس فيه ، ولي قرابة يشربون المسكر ويسكرون؟ وكان هذا قبل ليلة النصف من شعبان. فقال: اذهب إلى ذلك الرجل حتى تكلمه، فتخوّف عليَّ من أمر قرابتي أن آثم، وإنما تركت كلامهم أني غضبت لنفسي، قال: اذهب كلَّم ذلك الرجل، ودع هؤلاء، ثم قال: أليس يسكرون؟ وكان الرجل قد ندم؟".
وتنبه أن الإمام أحمد لم يكن هو الذي ذكر ليلة النصف من شعبان، ولا ذكر المروذي أنه ذكرها له أيضاً، وإنما هو خبر ذكره المروذي، ومراعاة ذلك (ولو لم يصح فيه شيء) مما لا يرى فيه بعض العلماء بأساً فهو عمل مشروع في كل ليلة، ولم يخصه المروذي بليلة النصف.
أما ما يفعله كثير من الناس من الاجتماع ليلة النصف من شعبان على صلوات معيَّنة وعبادات خاصة في كل عام فهذا من البدع التي اتفق على إنكارها من عامة العلماء ، وذكر ذلك جماعة من أهل العلم . فانظر الحوادث والبدع لأبي بكر الطرطوشي (266-267)، والباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة (142)، واقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (2/138، 256-257)، ولطائف المعارف لابن رجب (263) ولم يخالف في تبديع هذا الفعل إلا قلة من أهل العلم، منهم من ذكرهم ابن رجب من أهل الشام، وإسحاق بن راهويه. أما الشافعي فاستحب إحياءَها، كما في الأم (1/231)، لكن لم يذكر أن ذلك يكون بالاجتماع لها، ولم يذكر الشافعي دليل ذلك الاستحباب.
وما دامت المسألة متنازعاً فيها فالمرجع فيها إلى الكتاب والسنة، كما قال الله –تعالى-: "فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" [النساء: 59].
وقد صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" أخرجه مسلم (1718) وليلة النصف من شعبان لم يثبت في فضلها حديث، وكل ما ورد في فضل تخصيصها بعبادة باطلٌ موضوعٌ، فليس في تعمُّد القيام فيها بعبادة ما، على وجـه التعيين لها، وتخصيصها بتلك العبادة إلا ابتداعاً في الدين، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:" كل بدعة ضلالة " أخرجه مسلم ( 867) .
فنسأل الله تعالى السلامة من كل بدعة ، وأن يُنْعِشَ قلوب العباد بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم -.
والله أعلم .والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

خليل بن محمد
13-03-04, 04:29 PM
صرَّح إمام مسجدنا لصحيفة البلد:"نحن نؤمن أن كلنا أبناء الله". تعالى الله عما قال، ذهبت أنا وأخ للإمام ظانين أن المحرر كتب ما لم يقل، ولكن فوجئنا أنه قالها مستدلاً بحديث:"الخلق عيال الله".
ما صحة هذا الحديث ؟ و ما حكم التفوه بهذا القول؟ فحديثو العهد بالإسلام والراغبون بالتعرف على الإسلام سوف يأخذون عقيدة خاطئة بمجرد هذا اللفظ، وذكرنا له قوله تعالى في سورة المائدة (آية 18) فكان الرد أن أبناءه لا تعني أبناءه معتمداً على تفسير الطبري، وكذلك أبدى عدم قبوله بالتراجع عن هذا القول " نحن نؤمن أن كلنا أبناء الله " .
أيضاً سمى اليهود والنصارى إخوة، هل يجوز ذلك مستدلاً بنية أنهم إخوة في الإنسانية؟

الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد :
فجواباً عن سؤال الأخ الذي ذكر أن أحد الناس يقول:"نحن نؤمن أننا كُلّنا أبناء الله"، محتجاً بحديث : " الخلق عيال الله "، ويسأل أيضاً عن قول القائل عن اليهود والنصارى: إنهم إخوة للمسلمين ، يعني ما سمّاه بأخوة الإنسانية .
أقول، وبالله التوفيق :
أما العبارة المذكورة:"نحن نؤمن أننا كلنا أبناء الله". فهي عبارة باطلة لفظاً ومعنى ، فلفظُها لفظٌ شنيع، يوهم معنى هو أبطل الباطل، ومعناها -بأيّ توجيه- لا يصح، بل هي دعوى كاذبة .
وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ يقول:"لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم" أخرجه البخاري (7320) ومسلم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-، فهذه المقالة هي مقالة اليهود والنصارى التي كذَّبهم الله تعالى عليها ، وردَّ عليهم لهذه الدعوى الباطلة منهم، فقال تعالى:"وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر مـمّن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير"[المائدة : 18].
قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها ( 2/529) : " قال تعالى رادّاً على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه " أي نحن المنتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبّنا " وفسَّر جمعٌ من السلف وأهل العلم قوله تعالى:" ألم تر إلى الذين يزكّون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً" [ النساء : 49-50] أن هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى، لـمّا قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، فرد الله تعالى عليهم هذا الثناء منهم لأنفسهم ، ثم وصف هذه المقالة منهم بأنها افتراء للكذب على الله ، وأنه كفى بمثل هذا الكذب إثماً واضحاً عظيماً .
وأما الحديث الذي احتجَّ به صاحب تلك المقالة، فهو حديث شديد الضعف، كما بين ذلك ابن عدي في الكامل ( 5/162)، ( 6/341-342)، (7/153-154)، وابن حبان في المجروحين (2/238)، والنووي في فتاويه (251) رقم (10) ، والهيثمي في مجمع الزوائد ( 8/191) والألباني في السلسلة الضعيفة رقم (1900).
على أن لفظ هذا الحديث –أيضاً- يختلف عن العبارة التي ذكرها ذلك القائل؛ لأن العيال في اللغة مأخوذةٌ من عال يعول، بمعنى قام بالكفاية والمؤونة، فمعنى : " الخلق عيال الله ": أي أن الله –تعالى- هو الذي يقوم بأرزاقهم وما يُصلح شأنهم . هذا هو معناها اللغوي ، دون تأويل، وإن كان هذا المعنى قد يخفى على بعض الناس اليوم؛ لاستعمالهم لفظ العيال عُرفاً بمعنى الأبناء .
وأمّا إطلاق القائل عن اليهود والنصارى بأنهم إخوة لنا في الإنسانية، فهي عبارةٌ خطيرةٌ تُخالف النصوص الكثيرة الصريحة في القرآن والسنة الدالة على البراءة من الكفار ، كقوله تعالى " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم " [ المجادلة : 22] ، وقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" [ المائدة : 51] .
أضف إلى ذلك أن لفظ الأخوة إنما يُطلق في اللغة على أخوة النسب القريب ( الأخوة الأشقاء أو لأب واحد أو أم واحدة)، أو على الصديق والصاحب ، وكل هذه لا تنطبق على اليهود والنصارى لمن لا يمتُّ لهم بقربى النسب ( كأن يكون أحد أبويه يهودياً أو نصرانياً أو كلاهما).
ويطلق لفظ الإخوة في الشرع على أُخوّة الدين ، كقوله تعالى : " إنما المؤمنون إخوة" [الحجرات: 10] ، وقوله –سبحانه- : " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين " [ التوبة : 11] بل جاء الإسلام بإلغاء أخوة النسب التي تعني: النصرة والولاية مع اختلاف الدين ، كما في الآية السابقة في سورة المجادلة ، وكما في قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون " [ التوبة : 23].
وعلى هذا فلفظ الأُخوة (الشرعي) لا يجوز إطلاقه على اليهود والنصارى، ولا على جميع أصناف الكفار ، ولا يصح إطلاقه عليهم لغةً أيضاً .
ومَثَلُ هذا القائل: إن اليهود والنصارى إخواننا في الإنسانية ، مَثَلُه مَثَل القائل : إن القرود والخنازير إخواننا في الحيوانية !!! فهل هذا يقوله أحد ، أو يقبله أحد ؟!! .
والله الهادي إلى سواء السبيل ، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه .

خليل بن محمد
13-03-04, 04:32 PM
ما صحة الحديث : " رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً ".

الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
حديث : " رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً" من الأحاديث التي اختلف فيها، والحكم عليه فيه دقة بالغة , والذي أميل إليه التوقف فيه . فقد أخرجه الإمام أحمـد (5980)، وأبو داود (1265)، والترمذي(430) وقال: حديث غريب حسن (430)، وابن خزيمة في صحيحه (1193)، وابن حبان في صحيحه (2453)،كهلم من طريق أبي داود الطيالسي عن محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى عن جدَّه أبي المثنى مسلم بن المثنى ، عن ابن عمر – رضي الله عنهما- ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم -. وسبب الخلاف هو شيخ أبي داود الطيالسي : محمد بن إبراهيم بن مسلم فإنه تفرد بأحاديث عن جدَّه ، منها هذا الحديث، والتفرد يُلزم التثبت في الرواية، بل ربما في الراوي نفسه ، خاصة مع قلة حديث مثل هذا الراوي، ويُنظر هل يقع في ضبطه وإتقانه ما يجبر تفرده؟ وهل طبقته تحتمل أن يتفرد بما تفرد به ؟ فذهب الترمذي وابن خزيمة وابن حبان إلى قبول حديثه، وهذا يقتضي أنهم قد قبلوا روايته ورأوه أهلاً لضبط ما نقل، في حين قال الفلاس: أنه ذكر لعبد الرحمن بن مهدي حديثاً تفرد به هذا الراوي عن جده عن ابن عمر في الوتر ، قال : " فأنكره ، ولم يرض الشيخ " وتابعه الفلاس فقال عنه :" روى عنه أبو داود الطيالسي أحاديث منكرة في السواك وغيره ". وسُئل أبو زرعة الرازي عنه، مُعرَّفاً في السؤال بأنه الذي روى عن جده عن ابن عمر – رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- :" من صلى قبل العصر" فقال أبو زرعة : " واهي الحديث " ولم يرد شيء من هذه الأقوال في هذا الراوي في ترجمته في تهذيب التهذيب ( 9/16-17) وإنما ورد في الجرح والتعديل (8/78) والكامل لابن عدي (6/243) وقد أورد ابن عدي كلمة ابن مهدي في ترجمة هذا الراوي، وأخرج له ثلاثة أحاديث وكان منها حديثه هذا ثم قال : " ومحمد بن مسلم بن مهران " هذا ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ماله من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه " وهذا الذي ذهب إليه ابن عدي هو ما أرجحه، وهو التوقف عن الحكم على الراوي وعلى حديثه .
والله أعلم بالصواب. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين .

خليل بن محمد
16-03-04, 06:15 PM
السلام عليكم .
هذه شبهة يتداولها بعض الشباب؛ شبهة محاولة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الانتحار في صحيح البخاري (6982) هل هي صحيحة؟ وإذا كانت صحيحة ما الذي منعه من الانتحار؟ أرجو التفصيل في هذا مع ذكر أقوال العلماء .


الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فجواباً عن السؤال أقول - وبالله التوفيق -:
الحديث المذكور في صحيح البخاري (6982) هو حديث طويل في قصة بدء الوحي، من رواية الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة –رضي الله عنهما-. وقصة الانتحار جاءت في آخر متن الحديث، مقدمة بعبارة: "وفتر الوحي فترةً حتى حزن النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه، تبدَّى له جبريل، فقال: يا محمد: إنك رسول الله حقًّا. فيسكن لذلك جأشه وتقرَّ نفسه، فيرجع...".
فواضحٌ من قوله في أول هذا الخبر: "حزن النبي – صلى الله عليه وسلم- فيما بلغنا.."، ومن قوله: "فيما بلغنا" خاصة أنه خبر ممن لم يسمع النبي –صلى الله عليه وسلم-، وأنه خبر بلغ هذا الذي قال هذه العبارة دون سماع أو مشاهدة. ومثل هذه العبارة لا يقولها غالباً إلا رجل من التابعين أو من جاء بعدهم، ولا يقولها الصحابة –رضي الله عنهم- غالباً.
ولذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الكلام من كلام الزهري، يرويه مرسلاً. وهذا هو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في كتابه: فتح الباري (12/376). وعليه فهذا الخبر مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، وخاصة مرسل الزهري؛ لكونه من صغار التابعين، ولغير ذلك.
وإخراج البخاري لهذه اللفظة لا يلزم منه أنه ُيحكم بصحتها؛ لأنه إذا أخرج الحديث، وأظهر علته (كما حصل هنا)، فإنه يكون قد أبرز ما يدل على عدم صحته، كما نبَّه على ذلك أهل العلم، في مواطن متعددة من صحيح البخاري. وبذلك يزول الإشكال بأن القصة لا تصح أصلاً.
والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

خليل بن محمد
07-04-04, 04:53 AM
وردت علينا هذه الشبهة من رافضي وحيث إنها تحتاج إلى متخصص في علم الحديث فأرجو التكرم بالإجابة عنها من متخصص.
يقول الرافضي:" عندما يقول الشيعة بأن رسول الله -صلى الله عليه وآله- أوصى الأمة بالتمسك بعترته مع القرآن يصر البعض دون خجل وخشية لله تعالى أن يحرف الحقائق، ويصر على الكذب والتشويه، ويتمسك بخبر غير صحيح موضوع على لسان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو: "إني تارك لكم كتاب الله وسنتي" وما ذلك إلا محاربة لله تعالى، ولرسوله –عليه الصلاة والسلام-، ولأهل بيت رسوله الأطهار.
ولنناقش تلك الكذبة المفضوحة:
أي سنة تركها رسول الله - صلى الله عليه وآله - بعد وفاته؟ هل كانت سنته مكتوبة مدونة حتى يتسنى للمسلمين التمسك بها، لاسيما وأن كتابة الحديث كان منهيا عنها حتى سنيين طويلة بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وآله-، وكان لعمر بن الخطاب مقولة شهيرة يمنع فيها تدوين السنة حتى لا تختلط بالقرآن.
أسأل الجميع سؤالاً واضحاً ومحدداً: هل ورد هذا الحديث الموضوع في واحد من الكتب الستة المشهورة عندكم؟
* ففي (الموطأ) جاء فيه ما نصه:"وحدّثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله -صلى الله عليه [ وآله ] وسلم- قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه" (1).(الموطأ 2: 899 حديث 3).
وها أنت ترى بأن الحديث لا سند له: وقد قال السيوطي بشرحه: « وصله ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه ، عن جده » (تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك 3: 93)
وقال الحاكم: حدث عن أبيه عن جده نسخة فيها مناكير.
*وأما في المستدرك فقد أخرجه من طريق ابن أبي أويس عن عكرمة عن ابن عباس –رضي الله عنهما-، ثم قال : "وقد وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة" فأخرجه عنه من طريق صالح بن موسى الطلحي (المستدرك على الصحيحين 1: 93).
هكذا رأيتم أيها الإخوة حال هذا الحديث الموضوع، والذي وضع قبالة الحديث الصحيح الوارد عن رسول الله -صلى الله عليه وآله-، وهو:"ألا أيها الناس إنَّما أنا بشر يوشك أنْ يأتي رسول ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: أوَّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي".
وفي لفظ آخر: إنِّي تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله عزَّ وجلَّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.
(انظر: سنن الترمذي 5: 662 و 663 صحيح مسلم 4 : 1873, 2408 مسند أحمد 3: 17 و5: 181 ، مستدرك الحاكم 3: 109، أُسد الغابة 2: 12 ، السيرة الحلبية 3: 336، مجمع الزوائد 9: 163 الصواعق المحرقة : 230)
وهو حديث تواتر نقله عن الصحابة والتابعين، حتى إن ابن حجر المكي مثلاً قال: «إنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرةً وردت عن نيف وعشرين صحابّياً".
رغم أن التتبع يظهر بأنها بلغت نيفاً وثلاثين صحابيًّا، ولكن لا يهم.
انتهى كلام الرافضي.


الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حدّه. أما بعد:
فجواباً على السؤال أقول وبالله التوفيق:
إن الحديث المذكور أورده الإمام مالك في الموطأ بلاغاً (معلقاً) غير متصل، رقم (2618)، ووصله بعض أهل العلم من طرق لا تصح، وليس في طرقه ما يُقوي بعضها، هذا ما يترجح لديّ وإن كان من أهل العلم من صحح أو قبل بعضها، بل منهم من اعتبره مستغنياً بشهرته عن الإسناد، كابن عبد البر في التمهيد (24/331).
لكن لي مع كلام ذلك الرافضي وقفات، لن أستوعب فيها إلا أهم ضلالاته وتلبيساته:
الأولى: اعتباره الحديث موضوعاً، هذا لا يُقبل منه ولا من غيره، بل الحديث ضعيف فقط، فبلاغات الإمام مالك، وإن كانت ضعيفة حتى نقف على إسنادها، فهي من أقوى المنقطعات.
ومع ذلك: فمعنى الحديث ثابت بالكتاب وصحيح السنة، فالآيات الآمرة بطاعة النبي –صلى الله عليه وسلم- والمحذرة من معصيته والحاثة على الاقتداء به والرجوع إلى سنته أكثر من أن تحصى، وكذلك أحاديث النبي –صلى الله عليه وسلم- الثابتة عنه.
الثانية: أن هذا الرافضي لبِس لباس المكتشف لأمر خفي على أهل السنة، وكأنه قد عرف ما لم يعرفوه!
ألم يكفِه أن الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب أمهات كتب السنة عند أهل السنة كما ذكر هو، ليعلم أن أهل السنة كانوا أدرى بضعفه منه؟!
ولئن صحح الحاكم (وكان فيه تشيع) بعض طرقه (1/93)، فإن الحاكم عند أهل السنة لا يُقلد في أحكامه ما دام قد بان لنا ما يدل على خلاف حكمه، مع إمامته، هذا ما نص عليه أهل السنة في كتب علوم الحديث.
على أن ابن عدي، وهو من أئمة السنة، وقد توفي قبل هذا الرافضي بألف سنة (حيث توفي سنة 365هـ)، قد أورد إحدى طريقي الحديث عند الحاكم في كتابه (الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الحديث 4/69)، مبيناً ضعف روايته ونكارة إسناده.
ولئن خالف بعض أهل السنة في تضعيف هذا الحديث، فصححه، أو احتج به، فلم يكن ذلك منهم لأنهم يريدون رد حديث الوصية بالعترة!! بل هذه الدعوى هي الكذبة المفضوحة!!! فهذا الحاكم الذي صحح الحديث المسؤول عنه، قد صحح أيضاً حديث العترة (3/109-110)، وهذا الإمام مسلم يخرج حديث العترة في صحيحه (رقم 2408)، دون الحديث المسؤول عنه، وأخرج حديث العترة جماعة من أهل السنة وصححوه.
فلماذا يدعي هذا الرافضي ما ليس له، ويتشبع بما لم يُعطَ؟!
بل هذه بضاعتنا ردت إلينا، وهو دخيل فيها دعي عليها!
وهذا يبين أن تصحيح من صحح الحديث المسؤول عنه أو احتجاجه به من أهل السنة لم يكن بقصد تضعيف ورد حديث الوصية بالعترة، كما ادعاه ذلك الرافضي، بل هو راجع إلى أحد سببين: الأول: اختلاف الاجتهاد، حيث إن في الحديث خلافاً –كما تقدم-، وهذا أمر غير مستنكر. الثاني: أنه ناشئ عن عدم اطلاع على علم الحديث عند بعض المحتجين به، ممن ليس تخصصه الحديث ولا علم له به من أتباع السنة، ومثل هذا يوجد في كل الملل والفرق.
وإن كان الواجب –حينها- على هذا الذي لا علم عنده بالسنة من أهل السنة أن يسأل أهل العلم بها، كما فعل هذا السائل الذي طلب الإجابة لهذا الرافضي –وفقه الله تعالى-.
الثالثة: أن هذا الرافضي قد اعتاد أن يلبس ثوبي زور!! فكما حاول أن يوهم أنه عرف ما لم يعرفه أهل السنة بالنسبة للحديث المسؤول عنه، فإنه أخذ يوهم نحو ذلك في حديث الوصية بالعترة، وكأنه هو وأمثاله من الرافضة أول من عرف صحته!!!
فحديث العترة صححه وحسنه من أئمة السنة –كما سبق- عدد منهم، ومنهم الإمام مسلم (رقم 2408)، والترمذي (رقم 3786-3788)، وابن خزيمة (رقم 2357)، والحاكم (3/109-110-148) وغيرهم.
لكن الفرق بين أهل السنة والرافضة في حديث العترة، أن الرافضة يعتبرونه دليلاً على عصمة أهل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم- (وهو معتقد باطل يصادم الكتاب والسنة والإجماع)، وأما أهل السنة فيعتبرونه دليلاً على حق آل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم- بالإكرام والمحبة والتقدير واحتمال الخطأ منهم والعفو عن إساءتهم وعلى عدم إهانتهم أو إيذائهم أو إنكار حقوقهم، حيث إن أصح ألفاظ حديث العترة، وهو لفظ صحيح مسلم (8408)، ليس فيه أكثر من هذه المعاني الصحيحة، فلفظه:"وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال:"وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" ثم بيّن زيد بن أرقم –رضي الله عنه- وهو راوي الحديث- أن أهل بيته هم: أزواجه أمهات المؤمنين، وآل علي وآل عقيل وآل جعفر أبناء أبي طالب، وآل العباس بن عبد المطلب، -رضي الله عنهم أجمعين-.
وأهل السنة هم أعرف الناس بحق آل البيت، وأن تحقيق هذا الحق من جليل شعب الإيمان، وهذا إمام أهل السنة قاطبة، خليفة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- يقول –كما في صحيح البخاري رقم (3712-4036-4241)-:"والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أحب إلي أن أصل من قرابتي"، ويقول –رضي الله عنه- كما في صحيح البخاري رقم (3713):"ارقبوا محمداً –صلى الله عليه وسلم- في أهل بيته" ويُفدي الحسن بن علي –رضي الله عنهما- بأبيه، فيقول –رضي الله عنه- كما في صحيح البخاري رقم (3542-3750) وهو حامل للحسن على عاتقه:"بأبي شبيه بالنبي، لا شبيه بعلي" وعلي –رضي الله عنه- يضحك.
ولا ينكر أهل السنة أن آل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم- قد بُغي عليهم وظلموا، كما لا يجهلون أنه قد أُفرط في محبتهم، وغُلي في شأنهم، وأن الناس فيهم بين إفراط وتفريط، إلا ما كان من أهل السنة، الذين عرفوا لهم حقهم، وحققوه قولاً وعملاً –لا قولاً بغير عمل- بغير غلو ولا جفاء.
فما لهذا الرافضي أن يدخل بين آل البيت وأنصارهم حقاً من أهل السنة؟!!
فما خان آل البيت إلا أنتم!! وكما رفضكم أَوَّلوُنا يرفضكم آخِرونا!!!
والله الهادي إلى سواء السبيل. والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن ولاه.

خليل بن محمد
22-04-04, 10:39 PM
السلام عليكم.
بعض الفئات الضالة يستندون في أعمالهم الشركية على هذين الحديثين وأريد معرفة صحتهما، ورد في الموارد المواهب للزرقاني برواية ابن عمر -رضي الله عنهما-: (إن الله وضع كل الأرض أمامي فأنا أرى الأرض، وكل ما سيحدث عليها إلى يوم القيامة كأني أنظر إلى يدي).
في مسند الإمام أحمد رواية أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "تركنا وما من طائر يضرب بجناحيه إلا وأخبرنا عنه".

الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أقول وبالله التوفيق:
أما الحديث الأول: وهو الذي ذكره القسطلاني (ت923هـ) في كتابه (المواهب اللدنية)، وشرحه الزرقاني (ت 1122هـ)، فقد ذكره القسطلاني فيه (3/559)، ناسباً -الحديث إلى الطبراني. وهو حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير- كما في مجمع الزوائد للهيثمي (8/287)، وعنه أبو نعيم في حلية الأولياء(6/101)؛ وأخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن (1/27رقم2)، كلهم من طريق سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إن الله – عز وجل- قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها، وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه. جليانا من الله جلاه لنبيه، كما جلا للنبيين قبله" "وجليان" بكسر الجيم واللام المشددة المكسورة: أي إظهاراً وكشفاً،وفي إسناده سعيد بن سنان الحمصي، أبو مهدي (ت 163هـ أو 168هـ). قال عنه الحافظ بن حجر في التقريب رقم: (2333): (متروك، ورماه الدار قطني، وغيره بالموضع)، ولذلك فقد تعقب الهيثمي هذا الحديث ببيان شدة ضعف سعيد بن سنان، كما في مجمع الزوائد (8/287). وعليه: فهذا الحديث شديد الضعف، لا تجوز نسبته إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- فضلاً عن الاحتجاج به!.
أما الحديث الآخر: وهو قول أبي ذر – رضي الله عنه-: "لقد تركنا محمد –صلى الله عليه وسلم- وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علماً"، فأخرجه الإمام أحمد رقم: (21361-21439-21440)، والطبراني في المعجم الكبير (2/155-156رقم 1647)، وابن حبان في صحيحه رقم (65)، وغيرهم.
وفي الحديث اختلاف في إسناده، ورجح الدارقطني في كتابه العلل (6/290) رقم: (1148)، أنه من حديث منذر الثوري مرسلاً عن أبي ذر –رضي الله عنه- ومع كون المرسل من أقسام الحديث الضعيف، لكن للحديث شواهد لمعناه، تنهض بقبول معناه. لكن المهم ما هو معناه؟ لقد شرحه الإمام الخطابي(ت388هـ) في كتابه غريب الحديث(2/287) بقوله: معناه: أنه – صلى الله عليه وسلم- قد استوفى بيان الشريعة، حتى لم يغادر منها شيئاً مشكلاً، وبين لهم أحكام الطير، وما يحل ويحرم، وكيف يذبح الطير ويذكى، وما الذي يفدى إذا أصابه المحرم مما لا يفدى منها، إلى ما أشبه هذا من أمرها. ولم يرد أن في الطير علماً سوى هذا علمه إياهم ورخص لهم أن يعاطوا زجر الطير الذي كان أهل الجاهلية يعدونه علماً، سوى هذا علمه إياهم ورخص لهم أن يعاطوا زجر الطير الذي كان أهل الجاهلية يعدونه علماً ويظنونه حقاً، بل أبطله وزجر عنه).
ويقطع بأن هذا هو مقصود أبي ذر – رضي الله عنه- أن الطبراني أخرج الحديث باللفظ التالي: قال أبو ذر –رضي الله عنه-: تركنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما، قال: فقال: - صلى الله عليه وسلم- : "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم" (المعجم الكبير 2/155-156).وهذا اللفظ يدل أن العلم الذي كان عند الصحابة –رضي الله عنهم- في الطير هو ما يخص أحكامها الشرعية، كما فصله الخطابي سابقاً. وليس العلم بأنواعها فصلا، ولا ما سيقع لها، ومنها من الحوادث إلى يوم القيامة!! فهذا لا يقول به عاقل، ولا يتصور أحد أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يعلمه، ولا أنه علمه أصحابه – رضي الله عنهم- وانشغل بتعليمهم إياه،ولا أنهم –رضي الله عنهم- حفظوه عنه –صلى الله عليه وسلم-!! هذا كله لا يقول به عاقل، ولا يتصوره.
ولا شك أن الله – عز وجل- قد اختص بعلم الغيب وحده – سبحانه وتعالى-، كما قال جل ذكره: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" [الأنعام: 59]!! وقال –سبحانه-: "قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون" [النمل: 65] غير أن الله – عز وجل- يطلع من يشاء من عباده (كملائكته ورسله) على بعض الغيب، لا كله؛ لأنه ليس في قدرة البشر الإحاطة بالغيب كله، كيف... والله –تعالى- أعظم الغيوب؟! فهل يحيط أحداً به – سبحانه- علماً؟!.
فالنبي – صلى الله عليه وسلم- وإن أطلعه الله –تعالى- على بعض الغيوب، فهو لا يعرف الغيب كله، كما قال –تعالى- مخاطباً نبيه – صلى الله عليه وسلم-: "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم غيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي" [الأنعام: 50]. بل إنه – صلى الله عليه وسلم- لا يعرف كل ما سيحدث له في المستقبل، وإن عرف بعضه بتعليم الله –تعالى له إياه، ولذلك أمره الله –عز وجل- أن يبلغ أمته هذا الأمر، فقال –تعالى-: "قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون" [الأعراف: 188].
وكل سيرته – صلى الله عليه وسلم- تدل على بشريته في هذا الجانب، وأنه لم يكن يعلم من الغيب إلا ما علمه الله –تعالى- إياه، فكم أوذي – صلى الله عليه وسلم-، وكم وقع له ولأصحابه –رضي الله عنهم- مما لا يحبه، ولو كان يعلم الغيب لدفعه عن نفسه وعن أصحابه –رضي الله عنهم-. ولو أراد أحد أن يجمع شواهد ذلك من سيرته –صلى الله عليه وسلم- لوجد السيرة كلها ناطقة به، قاطعة في الدلالة عليه.
فهل يصح بعد هاتين المحكمات من الآيات البينات والأخبار القطعيات أن يحتج محتج لخلافها بالواهيات أو المشتبهات؟! هذا فعل الذين في قلوبهم زيغ "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب" [آل عمران: 7]. والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه.

خليل بن محمد
26-10-04, 10:02 PM
وردت بعض الأحاديث في كتاب(هرمجدون) التي تتحدث عن موافقة يوم الجمعة للنصف من رمضان، فإنه ستحدث صيحة في رمضان، ومعمعة في شوال، وأشياء كثيرة، فما مدى صحة هذه الأحاديث؟ وما الموقف الصحيح تجاهها؟.

الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
لهذا الحديث ألفاظٌ متعدّدة، وروايات عِدّة، وكلّها لا يصحّ منها شيء.
1- فمنها حديث ابن مسعود – رضي الله عنه-: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (رقم 638)، ومن طريقه الشاشي في مسنده (رقم 837)، وأبو الشيخ في الفتن (كما في اللآلئ المصنوعة للسيوطي 2/386).
وفي إسنادهم محمد بن ثابت بن أسلم البناني، وهو مختلفٌ فيه بين الضعف والضعف الشديد، وفي الإسناد إليه أيضًا من لا يُعتمد.
2- حديث فيروز الديلمي (وفي صحبته خلاف): أخرجه الطبراني في الكبير (18/332)، وأبو عَمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (رقم 518)، والجورقاني في الأباطيل والمناكير (رقم 468، 469)، وابن الجوزي في الموضوعات (رقم 1687).
وبيّن الجورقاني وابن الجوزي شدّة ضعفه، بل حكم عليه ابن الجوزي بالوضع.
3- حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-، وله عنه طُرق:
أ- أخرجه نعيم بن حماد (رقم 628)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (4/517-518)، والجورقاني في الأباطيل (رقم 470).
وفيه مسلمة بن علي، وبه ضعّفه الحاكم، وأنكره الجورقاني، وكذّبه ابن الجوزي-(3/461-462)، وتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك بقوله عن مسلمة: "بل هو ساقطٌ متروك".
ب- أخرجه العقيلي في الضعفاء – في ترجمعة عبد الواحد بن قيس- (3/807 رقم 1014)، وابن الجوزي في الموضوعات (رقم 1686)؛ من طريق عنبسة بن أبي صغيرة، عن الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن أبي هريرة.
وعنبسة اتّهمه الذهبي، ودافع عنه ابن حجر (اللسان 6/242)، وعبد الواحد لم يسمع من أبي هريرة، وهو مختلفٌ فيه بين تضعيف شديد وتوثيق.
ونكارة هذا الحديث لا تعدو أحدهما، وأظن المتّهم به عنبسة، كما مال إليه الذهبي.
ج- أخرجه الطبراني في الأوسط (رقم 516) من طريق نوح بن قيس عن البختري بن عبدالحميد عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة. وقال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن شهر إلا البختري، تفرّد به نوح بن قيس".
والبختري- بالخاء المعجمة، أو المهملة- مجهول، وقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/210): "لم أعرفه".
د- ورُوي موقوفًا على أبي هريرة: أخرجه نعيم بن حماد (رقم 645)، عن شيخ من الكوفيين عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة.
وعلّقه الجورقاني في الأباطيل والمناكير (رقم 471)، وابن الجوزي في الموضوعات (3/461)، من طريق إسماعيل بن عياش عن ليث بن أبي سليم به.
وفي الإسناد الأول إبهامُ شيخ نُعَيم بن حماد، وما في ليث من ضعف الحفظ.
وفي الإسناد الثاني: فوق التعليق، أن حديث إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين ضعيف، وليثٌ ليس شاميًّا.
مع نكارة المتن في كليهما.
4- حديث عبد الله بن عَمرو (وفيه جزء مرفوع وجزء موقوف عليه): أخرجه نعيم بن حماد (رقم 631، 632، 986، 987)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك ساكتًا عليه دون تصحيح (4/502).
فتعقّبه الذهبي بقوله عن رجال أحد طريقيه: "سنده ساقط، ومحمد أظنّه المصلوب".
قلت: وفي إسناده أبو يوسف الكوفي ثم المقدسي (انظر: الفتن لنعيم بن حماد رقم 599)، لم أستطع تمييزه، ففيه جهالة عندي، مع نكارة حديثه.
وقد رُوي الحديث مرسلاً مقطوعًا على بعض التابعين، وهم:
1- سعيد بن المسيب مقطوعاً: أخرجه نعيم بن حماد (رقم 629)، ولا يصحّ عنه.
2- شهر بن حوشب: أخرجه نعيم بن حماد (رقم 630)، وأبو عَمرو الداني في السنن الواردة في الفتن(رقم 519) مرسلاً، وفي إسناده عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة القرشي، وهو متروك متّهم بالوضع.
وأخرجه نعيم من حماد (رقم 652) مقطوعاً، ولا يصح عنه أيضاً.
3- مكحول الشامي مرسلاً: أخرجه نعيم بن حماد (رقم 626) عن رشدين بن سعد، عن ابن لهيعة، عن عبد الوهاب بن بخت، عن مكحول. ورشدين بن سعد وابن لهيعة فيهما ضعف مشهور، مع ضعف الإرسال من مكحول أيضاً.
4- وكثير بن مُرّة: أخرجه نعيم بن حماد (رقم 637، 647، 650، 653).
5- وكعب الأحبار: أخرجه نعيم بن حماد (رقم 622، 643).
فيبدو أن مرجع هذا الخبر أنه من الإسرائيليّات، بدليل ذكر كعب الأحبار له. ثم أخذه عنه الكذّابون والمغفّلون وركّبوا له الأسانيد السابقة.
ولذلك فقد تتابع العلماء على الحكم على هذا الحديث بالوضع، وأنه مكذوبٌ على رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، ومن هؤلاء العلماء:
1- العقيلي في الضعفاء، حيث قال عقب أحد طرقه السابقة:
"ليس لهذا الحديث أصل من حديث ثقة، ولا من وجه يثبت".
2- والجورقاني في الأباطيل والمناكير.
3- وابن الجوزي حيث أورده في الموضوعات.
4- والذهبي (كما سبق عنه)، وكما في الميزان (2/675) في ترجمة عبد الواحد بن قيس.
5- وابن القيّم في المنار المنيف (رقم 212).
6- وعمر بن بدر الموصلي في المغني عن الحفظ والكتاب، كما في جُنّة المرتاب (رقم 95).
7- وملا علي القاري في الأسرار المرفوعة (450).
8- والعجلوني في كشف الخفاء (2/569).
أمّا السيوطي فخالف في الحكم عليه بالوضع، ولم يُصرّح بقبوله، كما في اللآلئ المصنوعة (2/386-389)، والنكت البديعات (رقم 271)، وتابعه على ذلك ابن عراق- كعادته- في تنزيه الشريعة المرفوعة (2/347-348).
والحديث واضح البطلان، ولذلك ضرب ابن القيم به وبأمثاله المثل على الأحاديث الظاهرة الكذب.
وما أحسن ما تعقِّب به الجورقاني بعض الطرق السابقة، حيث بيَّن عللها الإسناديّة، ثم أورد حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال:
"إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنّة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين"، وهو حديث متفق على صحّته. ثم قال عقب هذا الحديث وحديثٍ آخر بمعناه: "وهذا الشهر شهر رمضان مخصوصٌ بالبركة والخير والرحمة، بَشّرَ النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- أُمته بهذه الفضائل التي ذكرها في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصِّحاح. فلا يجوز الذّهاب عن الحديث الصحيح إلى حديثٍ واهٍ باطل، ليس لسنده قِوام ولا لحقيقته نظام". (الأباطيل للجورقاني 2/88).
وصدق (رحمه الله) وبَرَّ.
هذا والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

صغير المحدثين
28-10-04, 03:42 AM
هل للدكتور أشرطة كاسيت شروح لبعض المتون ؟


إذا كان نعم فماهي وأين نجدها ؟

محمد أبو عمر
01-12-04, 08:46 PM
جزاكم الله خيرا ، هذا الرابط أخي تجد فيه بعض الشروح
http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=lessons&scholar_id=331

أبو أسامة الحنبلي
02-12-04, 06:37 AM
لا تملك الصلاحيات للدخول إلى هذه الصفحة .
هذا ما يظهر لي إذا أردت الدخول لصفحة الجزء الأول من (( الجامع لأحكام بعض العلماء على الأحاديث )) التي للشيخ العلوان.
فهلا جمعتها في ملف مرفق جزاك الله خيراً

الرايه
07-12-04, 09:28 PM
حال المستظل بن حصين الأزدي

روى الحاكم في مستدركه أثرًا عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه- رجاله ثقات إلا المستظل بن الحصين أبو الميثا،
فما حاله؟
خصوصًا أنه ليس من رجال كتب السنة، ولا من رجال (تعجيل المنفعة) أو (لسان الميزان).

الجواب

هذا الراوي هو: المستظل بن حصين الأزدي البارقي، أبو ميثاء الكوفي، وهو تابعي قديم، حتى ذُكر في الصحابة خطأ، وعُدَّ من المخضرمين،
كما تجده في الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصاحبة لملغطاي (رقم:9506)، والإصابة لابن حجر (6/290)، وتذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم لبرهان الدين الحلبي (26).

سمع عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحـذيفة بن اليمان، وجرير بن عبد الله البجلي، ويقال: عن أبي ذرّ أيضًا.

وروى عنه شبيب بن غردقة البارقي [وهو تابعي ثقة من رجال الجماعة] ذكره البخاري في التاريخ الكبير (8/62)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (8/429)، ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلاً.
لكن ترجم له ابن سعد في الطبقات (8/250)، وقال عنه: "كان ثقة قليل الحديث".
وقال عنه العجلي (رقم:1706): "كوفي تابعي ثقة".
وذكره ابن حبان في الثقات (5/463-462).
وأخرج له الحاكم في المستدرك (4/428)، وصحح إسناد حديثه.

وقد قال الذهبي في الموقظة (78) عمن لم نجد فيه جرحًا أو تعديلاً: "إن صحح له كالدار قطني والحاكم، فأقل أحواله حُسن حديثه". فكيف بمن وجدنا فيه توثيقًا دون جرح؟!
وأخرج له أيضًا الضياء في المختارة مصححًا له بذلك (1/398رقم281).

فرجل من طبقة هذا التابعي الكبير المخضر، في جلالة هذه الطبقة وفضلها، ويوثقه أولئك الأئمة بالقول الصريح، وبالفعل المقتضي للتوثيق، ولم يجرحه أحد لا شك أنه ثقة.

وانظر لتكملة مصادر عناصر ترجمته وضبط كنيته الكتب التالية:
الجعديات لأبي قاسم البغوي (رقم:2385-2386)، ومسند البزار (7/340-341رقم2938)، والكنى لمسلم (110)، والمعجم الكبير للطبراني (2/347-348رقم2457، 3/44رقم2631)، والمعجم الوسيط (رقم371)، والمؤتلف والمختلف للدارقطني (4/7-21)، والإكمال لابن ماكولا (7/307)، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين (8/322-323)، وتاج العروس للزبيدي (ميث 5/366).


25/10/1425هـ
http://www.islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=6224

الرايه
10-12-04, 06:56 PM
شبهة في تجويز البدعة
السؤال

قرأت في فتح الباري تعليقًا لابن حجر- رحمه الله- على حديث: (‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن مسلمة، ‏عن ‏ ‏مالك، ‏‏عن ‏ ‏نعيم بن عبد الله المجمر، ‏‏عن ‏‏علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، ‏‏عن ‏ ‏أبيه، ‏‏عن ‏‏ رفاعة بن رافع الزرقي،‏ عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم؛‏ ‏فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده". قال رجل وراءه: (ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه).
فلما انصرف قال: "من المتكلم؟". قال: أنا. قال: "رأيت ‏ ‏بضعة ‏ ‏وثلاثين ملكًا ‏ ‏يبتدرونها ‏ ‏أيهم يكتبها أول". قول استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور).

وسؤالي هو: ألا يخالف قول ابن حجر هذا- أومن نقل عنه هذا القول- حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل محدثة بدعة"؟
وعلى قوله فهل يجوز لي أن أحدث دعاءً جديدًا في الصلاة؟

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
أقول، وبالله التوفيق والسداد:
حديث رفاعة بن رافع، رضي الله عنه، في صحيح البخاري (799).

وأمّا قول الحافظ ابن حجر في الفتح (2/335): (واستدلّ به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالفٍ للمأثور).
فليس فيه مخالفةٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ". لأنّ الحافظ لم يُجوّز المداومة على هذا الذكر دون توقيف من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما نقل جواز الذكر بغير المأثور في الصلاة دون تعرُّضٍ لكون هذا الذكر داومَ عليه المصلّي أو لم يداوم عليه.

والذي يُرجِّحُ أن الحافظ إنما نقل الجواز بناءً على أنه كان ذكرًا عارضًا من غير مداومة عليه ولا كان بقصد المداومة عليه، أنه رجّح أن قصّة هذا الحديث قد وقعت للصحابي الذي رواه، وهو رفاعة بن رافع، رضي الله عنه، وأنه قال هذا الذكر بعد أن عطس في صلاته، كما جاء مصرّحًا به عند أبي داود (773)، والترمذي (404)، والنسائي (931)، وجمع الحافظ بين حديث البخاري وحديث هؤلاء بقوله: (والجواب أنه لا تعارض بينهما، بل يُحمل على أن عطاسه قد وقع عند رفع رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وبناءً على ذلك: فالحافظ إنما نقل جواز ذكرٍ غيرِ مأثور على وَجْه العُرُوض والندرة، لا على وجه التكرار أو المداومة.

وهذا ليس من الابتداع في شيء، وهو يتخرّج على قول من يُجيز الذكر بغير المأثور، في صلاة الفرض، إذا كان من دعاء الآخرة، وهو قول عامّة أهل العلم:
[انظر: بداية المجتهد لابن رشد(1/92)، والمغني لابن قدامة (2/237- 239)، والشرح الكبير للحفيد مع الإنصـاف في حاشيته (3/553- 560، 626- 633).

بل ظاهر الحديث يدل على أكثر من ذلك، كما قال ابن عبد البر في التمهيد (16/199): (وفي حديث هذا الباب لمالكٍ أيضًا دليل على أن الذكر كله والتحميد والتمجيد ليس بكلام تفسد به الصلاة، وأنه كله محمود في الصلاة المكتوبة والنافلة، مستحبٌّ مرغوب فيه).

ولذلك فليس في كلام الحافظ ابن حجر مؤاخذة عندي، لا من جهة أنه نقله عن غيره فقط، وإنما من جهة أنه لا يدل على أن ابتداعَ ذكر في الصلاة جائز؛ لأن الذكر بغير المأثور، إذا لم يكن على جهة المداومة والاعتياد عليه، ولا على وجه الحثّ عليه، وأمر الناس به حتى يتوهَم الناس أنه مأثور أو أنه مستحبٌّ على التخصيص- لا وَجْهَ للقول ببدعيّته.

والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.



د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى

26/10/1425هـ

http://www.islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=52423

راشد عبدالله القحطاني
12-10-05, 09:19 PM
هل ثمة من يجمعها في ملف وروود
؟؟؟؟

الرايه
01-03-06, 02:10 PM
السؤال
هل يصح كون سبب نزول آية الكرسي الحديث الآتي: (سأل بنو إسرائيل رسولهم موسى: هل ينام ربك؟ فقال موسى: اتقوا الله، فناداه ربه عز و جل: يا موسى سألوك هل ينام ربك؟ فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث، نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال الله تعالى: يا موسى لو كُنت أنام لسقطت السماوات والأرض، فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك)؟. ولهذا السبب أنزلت آية الكرسي. أرجو الرد.
الجواب
الحمد لله ذي المحامد العليّهْ، والصلاة والسلام على هادي البشريّهْ، وعلى أزواجه والذريّهْ، أما بعد:
فلهذا الحديث -الذي فيه قصةٌ لموسى مع ربّه عز وجل، عن تنزيه الله تعالى عن النوم- رواياتٌ:
الأولى: رواية أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-:
أخرجها أبو يعلى في المسند (6669)، وابن جرير في تفسيره (4/534)، وابن أبي حاتم في التفسير (18015)، والدار قطني في الغرائب -كما في أطرافه- (5229)، والبيهقي في الأسماء والصفات (79)، والخطيب في تاريخ بغداد (1/268)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (23،22)، كلهم من طريق أميّة بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، به.
لكن جاء فيه أن موسى -عليه السلام- هو الذي وقع في نفسه السؤال عن الله عز وجل: هل ينام؟!!
وأميّة بن شبل اليماني لمّا ترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال (1/276)، لم يذكر فيه توثيقاً، بل قال: "له حديث منكر، رواه عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعاً، قال: وقع في نفس موسى: هل ينام الله... الحديث، رواه عنه هشام بن يوسف. وخالفه معمر، عن الحكم، عن عكرمة قوله، وهو أقرب، ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى، وإنما رُوي أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك".
فأضاف ابن حجر في اللسان (2/219) أن ابن حبان ذكره في الثقات.
قلت: وفاتهما أن يحيى بن معين قال عنه: "ثقة"، كما في الجرح والتعديل (2/302)، والثقات لابن شاهين (109)، وتاريخ الإسلام للذهبي (4/583).
وفاتهما أيضاً أن علي بن المديني قال عنه في سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة له (202): "ما بحديثه بأس".
إذن فأميّة بن شبل مقبول الحديث حَسَنُه، لكن تبقى العلّتان اللتان أشار الذهبي إليهما.
- مخالفته لمعمر بن راشد، وتأتي.
- والنكارة في متنه، والتي أشار إليها البيهقي أيضاً في الأسماء والصفات، ثم ابن كثير في تفسيره.
أما رواية معمر بن راشد عن الحكم بن أبان عن عكرمة موقوفاً عليه، ليس فيه ذكر أبي هريرة ولا النبي –صلى الله عليه وسلم- فأخرجها عبد الرزاق في تفسيره (1/102)، ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (4/533)، والخطيب في تاريخ بغداد (1/268-269).
ونبّه الخطيب إلى مخالفة رواية أميّة بن شبل لرواية معمر، وكذلك ابن عساكر في تاريخ دمشق.
ولا شك أن معمر بن راشد أحفظ وأتقن بمراتب من أميّة بن شبل، فحديثه أولى، ولذلك أورد ابن الجوزي هذا الحديث في العلل المتناهية، أي أنه يعدّه من الأحاديث الشديدة الضعف.
وبذلك لا يصحّ هذا الخبر من هذا الوجه إلا عن عكرمة مولى ابن عباس موقوفاً عليه.
الثانية: رواية ابن عباس عن النبي –صلى الله عليه وسلم- مرفوعة:
أخرجها ابن مردويه في تفسيره، ومن طريقة الضياء في المختارة (10/113-114) (111)، قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم: حدثنا محمد بن الفضل بن موسى: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي: حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن نبيَّ الله –صلى الله عليه وسلم- قال: إن بني إسرائيل سألوا موسى –عليه السلام- هل ينام ربُّك؟..."الحديث.
فمحمد بن عبد الله بن إبراهيم هو أبو بكر الشافعي صاحب الفوائد الشهيرة بالغيلانيات (ت354هـ)، وهو أحد الحفَّاظ المتقنين.
ومحمد بن الفضل بن موسى الرازي القُسْطاني (توفي بين 281هـ و290هـ)، قال عنه ابن أبي حاتم: كتبت عنه وهو صدوق. الجرح والتعديل (8/60) وانظر له: تاريخ بغداد للخطيب (3/152-153)، وتاريخ الإسلام للذهبي (6/821).
وأحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان الدَّشتكي، هو وأبوه، وجدّه من رجال التهذيب، وكلّهم مقبول، وأقلّهم هو الجدّ: عبد الله بن سعد بن عثمان، فمع أن الحافظ قال عنه: "صدوق"، إلا أنه لم يذكر عنه في التهذيب، إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات، وأنه من رجال أبي داود والترمذي والنسائي، ويضاف إليهم أنه أخرج له أبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم، كما في إتحاف المهرة لابن حجر (2/554رقم 2236)، وهذا يرفع (مع ما سبق) من شأنه.
وأشعث بن إسحاق بن سعد القُمي: صدوق مقبول الرواية.
وجعفر بن أبي مغيرة دينار الخزاعي القُمي: صدوق مقبول الرواية، لكنه ليس من أقوى الرواة عن سعيد بن جبير، حتى قال ابن منده في الردّ على الجهمية (15): "ليس بالقوي في سعيد بن جبير"، ومع أن الإمام أحمد هو أجل، وعبارته أجل عبارة في توثيقه، إلا أنه قدَّم أسلم المنقري عليه، وقال في هذا السياق: "جعفر ليس بالمشهور" العلل (5256)، وهو يعني أنه ليس بتامّ الشهرة؛ وكذلك ابن منده: إنما يعني (فيما يظهر) أنه ليس بأقوى ما يكون في سعيد بن جبير.
قلت: فهذا إسنادٌ ظاهره الحُسن عن ابن عباس –رضي الله عنهما- لكن له علّة، فقد خولف بوجهين:
الأول: أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (2580)، قال: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي... بالحديث، لكنه جعله موقوفاً على ابن عباس، ليس مرفوعاً إلى النبيّ –صلى الله عليه وسلم-
وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (138)، عن ابن أبي حاتم بمثله تماماً.
وأحمد بن القاسم بن عطية الرازي أبو بكر: حافظ، وثقه ابن أبي حاتم. الجرح والتعديل (2/67-68)، وتاريخ الإسلام للذهبي (6/275).
فخالف أحمد بن القاسم: محمد بن الفضل بن موسى، في شيخهما أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، فالأول رواه موقوفاً، والثاني رواه عنه مرفوعاً.
فإن لم تكن الرواية الموقوفة هي الأشبه بالصواب، فلن تكون المرفوعة إلا مساويةً لها، وعليه لا يُحكم للرفع على الوقف.
وقد رجّح ابن كثير في تفسيره الرواية الموقوفة.
الوجه الثاني من المخالفة: يجعل الحديث موقوفاً على سعيد بن جبير، ليس فيه ذكر ابن عباس أصلاً.
أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب السنّة (1028) من طريق يحيى بن يمان، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، موقوفاً عليه.
وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (4/276-277) من طريق جرير بن عبد الحميد عن أشعث بن إسحاق وابن عمّه يعقوب بن عبد الله، كليهما عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير موقوفاً عليه.
وبذلك يتابعُ جرير بن عبد الحميد يحيى بن يمان على رواية هذا الحديث عن أشعث بن إسحاق موقوفاً على سيعد بن جبير، خلافاً لراو واحد هو عبد الله بن سعد الدشتكي الذي ذكر فيه (ابن عباس) مرفوعاً أو موقوفاً (كما سبق). وواحدٌ من ذينك الراويين أولى بالصواب من عبد الله بن سعد، فكيف وقد اتفقا على مخالفته.
ولذلك فإن الأصوب في هذا الإسناد أن يكون من كلام سعيد بن جبير.
أما ما جاء عند أبي نعيم في الحلية (4/302)، والضياء في المختارة (10/295-296) من رواية بعض أطراف هذا الحديث من رواية زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعاً إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فهو مع ما في زياد البكائي من ضعف، فهو معدود في أفراده عن عطاء بن السائب ومن مناكيره. كما تراه في الكامل لابن عدي (3/192)، وميزان الاعتدال للذهبي (2/91-92). كما أن عطاءً اختلط، ولم أجد ما يدل على وقت سماع زياد البكائي منه، لا أنه قبل الاختلاط، ولا أنه بعده.
ومن ثَمَّ ليس في هذه الرواية ما يقوّي رفع الحديث.
الثالثة: رواية عبد الله بن سلام –رضي الله عنه- موقوفاً عليه.
أخرجها الآجري في الشريعة (764)، والخطابي في غريب الحديث معلقة (2/375-376)، كلاهما من طريق منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِراش، عن خرشة بن الحرّ، قال: دخلت على عبد الله بن سلام فانقبض مني، حتى انتسبت له، فعرفني، فقال: والله لا أحدّثُ بشيءٍ إلا وهو في كتاب الله -عز وجل-: إن موسى –عليه السلام- دنا من ربه –عز وجل- حتى سمع صريف الأقلام، فقال:يا جبريل، هل ينام ربّك؟ قال جبريل : يا رب يسألك هل تنام؟ قال: يا جبريل، أعطه قارورتين، فليمسكهما الليلة لا ينام، فأعطاه، فنام، فاصطدمت القارورتان، فانكسرتا، فقال: يا ربّ، قد انكسرت القارورتان، فقال: يا جبريل، إنه لا ينبغي لي أن أنام، ولو نمت لزالت السماوات والأرض".
وإسناده صحيح، وهو نص على أن هذا الخبر من الإسرائيليات؛ لأن عبد الله بن سلام يذكر أنه في كتاب الله تعالى، وهو ليس في القرآن فهو يعني التوراة. ومن المعلوم أن عبد الله بن سلام –رضي الله عنه- كان أحد أحبار اليهود قبل إسلامه. ثم إن هذا الخبر لو كان عند عبد الله بن سلام عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أو سمعه عنه، لكان أوثق له أن يرويه عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فعُدُوله عن روايته عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- يدل على أنه لا يعرفه إلا عن كتب أهل الكتاب.
الرابعة: رواية أبي بردة بن أبي موسى (وهو تابعي) مقطوعاً:
أخرجها البيهقي في الأسماء والصفات (78) من طريق عاصم بن علي عن المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال: إن موسى عليه السلام قال له قومه: أينام ربّك؟ ...الحديث.
وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (119) من هذا الوجه، لكن وقع فيه من رواية أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري موقوفاً عليه. ولكن يبدو أنه خطأ، حيث إن السيوطي ذكر الأثر في الدر المنثور (12/305)، مَعْزُوًّا إلى أبي الشيخ والبيهقي، أنهما روياه عن أبي بردة موقوفاً عليه، ليس فيه ذكر أبي موسى الأشعري.
ثم إن هذا الإسناد فيه ضعف، حيث إن المسعودي (عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة) أحد المختلطين، وسماع عاصم بن علي منه بعد الاختلاط، كما تراه في تاريخ بغداد للخطيب (10/220).
هذا ما وقفت عليه من روايات هذا الخبر، وأصحّها وأقواها ما جاء عن عبد الله بن سلام –رضي الله عنه- موقوفاً عليه، وهو مما نقله من كتب أهل الكتاب والغالب أن من ذكره من التابعين، وصحّ عنهم، كعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير = قد تلقّاه عن أهل الكتاب أيضاً.
وهو من الإسرائيليّات التي ليس عندنا ما يكذّبها، ولا ما يصدّقها، فلا يجوز أن نردها ولا أن نقبلها، ويجوز أن تُروى معزوة إليهم، لقوله –صلى الله عليه وسلم-: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". صحيح البخاري (3461).
أمّا أن هذا الخبر هو سبب نزول آية الكرسي بالمعنى المعروف لأسباب النزول فلا وجه له، وإنما المقصود أنّ هذه الآية نزّهت الله –عز وجل- عن نقص كان قد وقع السؤال عنه في الأمم التي قبلنا، فجاء الجواب عنه في آية الكرسي: "لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم". هذا.. والله أعلم.
والحمد لله على أفضاله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله.

http://www.islamtoday.net/questions/...t.cfm?id=81731

خليل بن محمد
20-09-06, 08:15 AM
حديث شيبتني هود وأخواتها. هل هو حديث صحيح؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد:
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "شيبتني هود وأخواتها" له طرق عديدة، وأقواها إسناداً حديث عقبة بن عامر –رضي الله عنه-: أن رجلاً قال: يا رسول الله، شِبْتَ! قال: "شيبتني هودٌ وأخواتها". أخرجه الطبراني في الكبير (17/286-287)، وإسناده حسن.
وأمّا قول الدارقطني في سؤالات السهمي (رقم9): "شيبتني هود والواقعة" معتلة كلها. فيُحمل على وجوه رواية الحديث المشهورة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والتي أطال الدارقطني في ذكر اضطراب رواتها في العلل (1/193-211) (رقم 17)، (4/347-348).
وهذا الوجه المضطرب إن كان لا يصح إلا مرسلاً: كما ذهب إليه أبو حاتم الرازي في العلل (1394 ،1326)، فيبقى أنه نافع في المتابعات والشواهد.
وللحديث أكثر من وجه مرسل تؤيّد ثبوته (طبقات ابن سعد: 1/374-376). ولذلك حسّن الترمذي الحديث، مع كونه عرض لذكر علله والاختلاف فيه (رقم3297).
ومما يستأنس به ما صحّ عن العالم الزاهد الثقة أبي علي محمد بن عمر بن شَبُّوْيَه الشَبُّوْيِيّ (المتوفى بين 370هـ إلى 380هـ) أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام، فقال: "يا رسول الله رُوي عنك أنك قلت: "شيبتني هود"؟ قال: نعم. فقال: ما الذي شيبك منها: قصص الأنبياء، وهلاك الأمم؟ قال: "لا، ولكنه قوله تعالى: "فاستقم كما أمرت" [هود:112] شعب الإيمان للبيهقي (2215)، وتاريخ الإسلام للذهبي (8/497). والله أعلم. والحمد لله رب البرية والصلاة والسلام على هادي البشرية وعلى أزواجه والذريّة.

خليل بن محمد
20-09-06, 08:18 AM
هل هناك حديثٌ معناه: سيظل المؤمن ألف سنة في الجنة قبل أن يرى كل ما أُعِدَّ له من النِعَم؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فلا أعرف حديثاً صحيحاً بهذا المعنى، ولكن في الكتاب والسنة الصحيحة ما يدل على عظم نعيم الجنّة، وأنه فوق ما يظنّه الظانون، وأجل مما يتمنّاه المتمنون، كما قال تعالى: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون" [السجدة:17]، وقال صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". أخرجه الشيخان [صحيح البخاري (3244)، وصحيح مسلم (2824)].
كما أن أهل الجنّة يُزاد في نعيمهم وفي لذتهم، كما صحّ عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن في الجنة سوقاً، يأتونها كُلَّ جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً. فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً". أخرجه مسلم (2833).
ومع هذا النعيم المقيم الأبدي، والذي هو شاملٌ لكل نعيم معنوي وحسِّي، فعلى المسلم أن لا يخشى من سأم النعيم في الجنة، لأنّ السأم يناقض التلذّذ بالنعيم، فهو يناقض أبدّية نعيم الجنّة الثابت في آيات كثيرة وأحاديث جمّة. ولذلك كان من دعاء أهل الجنة في الجنة: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب" [فاطر:34-35]، فقد نزَّههم ربُّهم -عز وجل- عن كل صنوف الحزن، والتي منها الملل.
نسأل الله لنا وللسائل الفوز بالجنة والنجاة من النار.
والله أعلم والحمد لله على إفضاله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله.

خليل بن محمد
20-09-06, 08:20 AM
لماذا لا نرفع أيدينا أثناء السجود، مع أن ذلك ثابت في أحاديث صحيحة؟
منها حديث عن النضر بن كثير أنه صلى بجانب عبد الله بن طاوس في مسجد الخيف، فكان إذا رفع من السجدة الأولى رفع يديه تلقاء وجهه، قال النضر: فأنكرت أنا ذلك، وقيل له: تصنع شيئا لم نر أحدا يصنعه؟! فقال عبد الله بن طاوس: رأيت أبي يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس يصنعه. وقال عبد الله بن عباس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه.
وقال أيوب: رأيت نافعاً وطاووساً يرفعان أيديهما بين السجدتين.
وروى يزيد بن هارون عن الأشعث أن الحسن وابن سيرين كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين.
وروى ابن علية أنه رأى أيوب يرفع يديه بين السجدتين.
الجواب
الحمد لله على إفضاله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، أما بعد:
فأقول وبالله التوفيق:
حديث النضر بن كثير السعدي ليس صحيحاً، تفرّد به النضر بن كثير، وفيه ضعف. ولذلك استنكر حديثه هذا جماعةٌ من أهل العلم، كالبخاري (التاريخ الكبير (8/91)، والضعفاء الصغير له، رقم (374)، والتاريخ الأوسط، رقم (1244).
والعقيلي في الضعفاء (4/292)، وابن حبان في المجروحين (3/49). وابن عدي في الكامل (7/27).
وأما حكم الرفع في هذا الموطن، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وهو قول في مذهب الإمام أحمد والشافعي ومالك.
ولا بأس إذا فعل ذلك قليلاً، لحديث ابن عمر –رضي الله عنهما-: "أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك... وكان لا يفعل ذلك في السجود [حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود]. أخرجه البخاري (735، 736، 738، 739) ومسلم (390). والله أعلم.
والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

خليل بن محمد
20-09-06, 08:21 AM
روي أن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- أخبر بأنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : "من قرأ سورة الفاتحة في الليل لن يرى الفقر أبداً"، فما مدى صحة هذه الرواية؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذا حديث لا يصح في فضل سورة الفاتحة، مع أنه قد صحّ في فضل هذه السورة أحاديث عدة، بل صحّ عنه –صلى الله عليه وسلم- أنها أفضل سورة في القرآن.
والمرويُّ عن ابن مسعود –رضي الله عنه- بنحو هذا المعنى إنما ورد في سورة الواقعة، لا في سورة الفاتحة، وهو مع ذلك حديث لا يصح أيضاً، كما بين ذلك الإمام أحمد، حيث حكم على حديث ابن مسعود –رضي الله عنه- في سورة الواقعة أنه حديث منكر. المنتخب من العلل للخلال (ص116-117) رقم (49). والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

السلفي الأكاديري
20-09-06, 04:26 PM
بارك الله فيك أخي

حسن باحكيم
09-10-06, 10:31 PM
بارك الله فيك

خليل بن محمد
06-12-06, 04:04 AM
أرجو بيان صحة الحديث التالي والكلام على الراوي عيسى بن جارية هل هو ثقة؟ وهل الجرح يغلب على التعديل في حال مثل هذا الراوي الذي اختلف العلماء في توثيقه؟
"عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بنا في رمضان ثمان ركعات والوتر"
ورد الحديث في صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
أقول (وبالله التوفيق) الراوي المسؤول عنه، وهو عيسى بن جارية الأنصاري من رجال سنن ابن ماجه، ولذلك فهو مترجمٌ (في تهذيب الكمال) للمزّي وتكميلاته وتهاذيبه ومختصراته.
وبالنظر في ترجمته وكلام أهل العلم فيه وفي مجموعة من أحاديثه التي رواها، يترجح عندي في شأنه أنه صالح الحديث، أي هو في آخر مراتب القبول، آخذاً هذا الترجيح من قول أبي زرعة عنه: "لا بأس به"، ومن النظر في أحاديثه، مع تصحيح ابن خزيمة وابن حبان له.
ولكني أُنبّه أن الراوي إذا كان في مثل هذه المنزلة، وهي أضعف منازل القبول، لا يُقبل منه أن يتفرّد بحديث تتوافر الدواعي على نقله، فضلاً عن أن يُخالف من هو أوثق منه، بل لابُد من النظر في حديثه: هل يقع في ضبط الراوي ما يجبر تفرّده به؟
ومن ثم: ليس في الحكم عليه بأنه صالح الحديث ما يلزم بقبول كل أحاديثه التي تفرد بها.
فإذا نظرنا بعد هذا التقرير في حديثه المسؤول عنه، وهو حديثه عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- قال: "صلى بنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر ...(إلى أن قال –صلى الله عليه وسلم-" إني خشيتُ. أو كرهتُ أن يُكتب عليكم الوتر".
وهو حديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (رقم 1070)، وابن حبان في صحيحه (رقم 2409، 2415).
نجد أنه حديثٌ فردٌ غريب، تفرّد به هذا الراوي عن جابر –رضي الله عنه- وجابر –رضي الله عنه- له تلامذة كثيرون مشهورون بالعلم والحفظ وبملازمة جابر، فأين هم عن هذا الحديث؟!! ثم الحديث في الأحكام التي تتواتر الدواعي على نقلها، وفيه مخالفة لقصة امتناع النبي –صلى الله عليه وسلم- عن التهجد جماعةً خشية أن يُفْرض، الواردة في الصحيحين (صحيح البخاري رقم 729، 730،924، 1129، 2011، 2012، 5861) وصحيح مسلم (رقم 761)
فحديث الصحيحين أن الامتناع كان عن التهجّد كله -شفعه ووتره- خشية أن يفرض، وأما حديث جابر ففيه الامتناع خشية أن يُفرض الوتر خاصة، حتى إن ابن حبان عدّهما قصتين مختلفتين، كما تراه في صحيحه (6/170). وفي البدر المنير لابن الملقن (4/351-352).
وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان مستبعد، بل الظاهر أنها قصةٌ واحدة، خاصة أن راويها ليس بالمتانة الكافية التي يُمكن الاعتماد معها على تفرّده بهذا الخبر.
لذلك فإني أرجح ردَّ هذا الحديث، كما مال إليه ابن عدي في الكامل (5/349)، حيث ذكر هذا الحديث وأحاديث أخر لعيسى بن جارية، ثم قال: "وكلّها غير محفوظة".
هذا ... والله أعلم.
والحمد لله على جميع أفضاله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وآله.

محمد علي قنديل
25-01-07, 11:14 PM
جزاكم الله خيرا

آل عامر
26-01-07, 04:42 PM
زادك الله علماً، وتوفيقا .

أبومالك المصرى
15-06-10, 12:24 AM
زادك الله علماً، وتوفيقا .
آمين
جزاكم الله خيرا وحفظ الله الشيخ حاتم الشريف ونفع الله به

أبو عبدالله السعيدي
06-08-10, 09:12 PM
بوركت يا شيخنا، ليتك تجمعها في ملف ورد وترتبها حتى يتم الانتفاع بها على أكمل وجه...

محمد سلمان حسن
07-02-13, 01:39 PM
واحبذا لو يرتبها أحد ثم يجعلها في ملف ورد

عبدالله بدر
07-02-13, 03:06 PM
بارك الله فيكم.
لو جعلتموه في ملف وورد لكان ذلك جيدا...

رياض العاني
08-02-13, 11:44 PM
بارك الله بالشيخ حاتم الشريف ورف قدرة في الدار الاخرة وكل من نشر علمنا نافعنا