المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إعترافات أشعرية


فيصل
02-09-03, 11:27 PM
http://www.muslm.cc/showthread.php?s=&threadid=88291

هيثم حمدان
02-09-03, 11:39 PM
بارك الله فيك أخي فيصل.

بحث مفيد ومهمّ.

وليتك تكتبه هنا، أو ترفقه في ملف وورد.

وفقك الله لكلّ خير.

أبو خالد السلمي
03-09-03, 12:08 AM
فضيلة الشيخ الكريم فيصل _ حفظه الله ونفعنا بعلومه _
بحثٌ رائع ، ونقولات موفقة ، وجودة الانتقاء تدل على فضل منتقيها .
وقد نسخت ما في الرابط المشار إليه ، لأن لي سوابق مع ملتقى أنا المسلم حيث احتفظت بروابط لموضوعات مهمة وعندما أردت فتحها بعد مدة إذا بالروابط لا تعمل وإذا بمحرك البحث لا يعثر على الموضوع !
فرأيت أن الأسلم أن يحتفظ الإنسان بنسخة على الوورد مما يعجبه .
وهاكم ما في الرابط مع حذف مشاركات الاستحسان التي ليس فيها إضافة إلى الموضوع :

اعترافات أشعرية
بسم الله الرحمن الرحيم.
الكاتب: فيصل... المشاركات: 450
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

فهذه مجموعه من النقولات عن أساطين وأئمة المذهب الأشعري في نقض المذهب الأشعري !

[ التفويض يجب أن ننزه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم عنه والمفوضه مبتدعه!! ]

التفويض الذي رمي الأشاعرة به السلف قد نقضه بعض أساطين الأشاعرة ، فقد إنتشر القول به في مطلع القرن الرابع والسلف منه براء وذاعت في النصف الأخير من القرن الرابع مما دعا ابن فورك الإمام الأشعري المعروف والذي كان من أخص تلاميذ أبي الحسن الباهلي وهذا الاخير من أخص أصحاب أبي الحسن الأشعري

أقول: مما دعا ابن فورك إلى التشديد في إنكار هذه المقالة وسوق الحجج لدحضها...

يقول ابن فورك :
((فصل آخر في الكلام على من قال: إن ما روينا من هذه الأخبار ، وذكرنا في أمثال السنن والآثار ، مما لا يجب الاشتغال بتأويله وتخريجه وتبيين معانيه وتفسيره.

اعلم أن أول ما في ذلك أنا قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خاطبنا بذلك ليفيدنا أنه خاطبنا على لغة العرب ، بألفاظه المعقولة فيما بينها ، المتداولة عندهم في خطابها فلا يخلو أن يكون قد أشار بهذه الألفاظ إلى معانٍ صحيحة مفيدة ، أو لم يشر بذلك إلى معنى.
وهذا مما يجل عنه أن يكون كلامه يخلو من فائدة صحيحة ومعنى معقول فإذا كان كذلك فلا بد أن يكون لهذه الألفاظ معانٍ صحيحة ، ولا يخلو أن يكون إلى معرفتها طريق ، أو لا يكون إلى معرفتها طريق.
فإن لم يكن إلى معرفتها طريق وجب أن يكون تعذر ذلك لأجل اللغة التي خاطبنا بها غير مفهومه المعنى ، ولا معقولة المراد والأمر بخلاف ذلك.
فعلم أنه لم يُعم على المخاطبين من حيث أراد بهذه الألفاظ غير ما وضعت لها ، أو ما يقارب معانيها مما لا يخرج عن مفهوم خطابها ، وإذا كان كذلك كان تعرف معانيها ممكناً والتوصل إلى المراد غير متعذر. فعلم انه مما لا يمتنع الوقوف على معناه ومغزاه ، وأن لا معنى لقول من قال: إن ذلك مما لا يفهم معناه. إذا لو كان كذلك لكان خطابه خلوا من الفائدة وكلامه معرى عن مراد صحيح وذلك مما لا يليق به صلى الله عليه وسلم ))مشكل الحديث ص243-244 طبعة دار الوعي تحقيق د.عبد المعطي أمين


وقد صدق ابن فورك فهذا لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وتجهيل الرسول صلى الله عليه وسلم لازم لا محيد لأهل التفويض عنه إذ هو مقتضى مذهبهم... حيث يستدلون بقوله ((وما يعلم تأويله إلا الله))

فحين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((يطوي الله السموات ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك..)) قال هذا الكلام وهو لا يعقله !!!ولا يفهم معناه وكذلك الصحابة الذين استمعوا إليه ونقلوا كلامه والتابعين الذين تلقوا هذا الكلام كل منهم ينقل هذا الكلام وهي مجرد ألفاظ وطلاسم لا تدل على شيء عنده!!! سبحان الله!!

أعود لابن فورك رحمه الله فأقول: قوله هذا لا يعني انه يرى الإثبات مع التنزيه كما هو منهج السلف بل كان رحمه الله يرى التأويل في بعض الصفات ...

ثم هاهو ذا يعدد المذاهب في هذا المقام ويذكر التفويض مذهباً مستقلاً باطلاً !! فيقول:

((واعلم أنه إذا كان لابد من قبول أخبار العدول ، ولا بد أيضاً من أن يكون لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الأثر والفائدة ، وكان التوقف فيما يمكن معرفة معناه لا وجه له
وكان بعضهم ممن توهم أن لا سبيل إلى تخريجها يذهب إلى إبطالها
وبعضهم يذهب إلى إيجاب التشبيه بها ، وبعضهم
يذهب إلى إخلائها من معانٍ صحيحة

وجب أن يكون الأمر فيها على ما قلنا ورتبنا وأن يكون أوهام المعطلين من الملحدة والمبتدعة والمشبهة لله بخلقه فاسدة باطلة وان يكون معاني هذه الآثار صحيحة معقولة على الوجه الذي رتبناه وبيناه ، وبطل توهم من يدعي أن ذلك مما لا يجوز تأويله ، ولا يصح تفسيره)) مشكل الحديث ص245

فالمذاهب عنده أربعة:

1- المبتدعة ممن يذهب إلى إبطال هذه الأخبار وهم النفاة .
2- المبتدعة ممن يذهب إلى إيجاب التشبيه بها وهم المشبهة
3- المبتدعة ممن يذهب إلى إخلائها من المعاني الصحيحة وهم المفوضة!!.
4- من يذهب إلى تأويلها على معان لائقة وهم المؤولة وهم المذهب الحق عنده

فإن كان ابن فورك رحمه الله انعتق من رمي السلف بالتفويض والتجهيل فأين هم من هذه القسمة ؟

لا ريب أنه يرى أنهم يؤولونها على معانٍ صحيحة (في نظره) وهو ما أشار له في مقدمه كتابه ..

مع إن الجهـمية هم من فعل هذا كما قال ذلك الإمام الترمذي في سننه :

((فتأولت الـجـهـمـية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم))

((وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده وقالوا: معنى اليد هنا القوة))!!


[ التفويض محذور ويجر إلى اللبس والإيهام واستزلال العوام وتطرق الشبهات في أصول الدين وتعرض كتاب الله لرجم الظنون ... ]

وهو إمام الحرمين الجويني المؤسس الحقيقي لمذهب الأشاعرة قد أوجب التأويل وحذر من ((التفويض)) ! في جوابه على سائل قال له:

((هلا أجريتم الآية يعني قوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)) على ظاهرها من غير تعرض للتأويل ومصيراً إلى أنها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله؟؟))

فأجاب عن هذه التساؤل بأن الاكتفاء بإزالة ظاهر الآية (أي تفويضها) محذور !! :

((وإذا أزيل الظاهر قطعاً فلا بد بعده في حمل الآية على محمل مستقيم في العقول مستقر في موجب الشرع
والإعراض عن التأويل حذارا من مواقعه محذور في الاعتقاد يجر إلى اللبس والإيهام و إستزلال العوام وتطرق الشبهات إلى أصول الدين ، وتعريض بعض كتاب الله تعالى لرجم الظنون..))الإرشاد ص41-42

وفي النص السابق يتضح ما يلي:

(1) إيجابه للتأويل وكونه حتماً

(2) منعه للتفويض إذ لابد من تحديد معنى للآية بما يتفق مع العقل.

(3) إن عدم التأويل وترك الآية بدون تحديد معنى أي التفويض يجر إلى محاذير كثيرة في العقيدة !
إذ التفويض يؤدي إلى استزلال العوام! وتطرق الشبهات إلى أصول الدين! وتعريض القرآن للظنون ! وهذه أمور خطيرة كما نرى !!

قلت: وهل يتصور أن يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة الناس عرضة لهذه المخاطر فلا يبينون المحاذير التي التفت إليها المتكلمون !!!؟

ولكن يتنبه إلى أنه في آخر عمر هذا الإمام منع التأويل لكونه بدعه ومخالفاً لإجماع السلف! ؟

وسنأتي لهذه في ما بعد إن شاء الله تعالى

يتبع...
________

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 22-4-1424 هـ 08:25 م

[التفويض من أعظم القدح في النبوات ويلزم منه تكذيب الله وتجهيل الرسول ]

وهاهو القشيري العالم الأشعري المعروف تلميذ ابن فورك يرد كما في التذكرة الشرقية(1) على المفوضة قائلاً :

" وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله الا الله ؟

أليس هذا من أعظم القدح في النبوات وأن النبي صلي الله عليه وسلم ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالي ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم ؟

أليس الله يقول ( بلسان عربي مبين ) ؟

فإذن : على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال " بلسان عربي مبين " إذ لم يكن معلوماً عندهم ، وإلا : فأين هذا البيان ؟

وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعي أنه مما لا تعلمه العرب ؟

ونسبة النبي صلي الله عليه وسلم إلى إنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل : أمر عظيم لا يتخيله مسلم فأن الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف .

وقول من يقول : استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل .

وإن قال الخصم بأن هذه الظواهر لا معني لها أصلاً فهو حكم بأنها ملغاة وما كان في إبلاغها إلينا فائدة وهي هدر . وهذا محال 00

وهذا مخالف لمذهب السلف القائلين بإمرارها على ظواهرها " .انتهي

فهذا كلام القشيري وفيه اتهام للمفوضة بأنهم :
1- نسبوا النبي إلى الجهل
2-نسبوا الله إلى الكذب
2- وأنهم واقعون في التكييف والتشبيه
4- وانهم ملزمون بالغاء الوحي لأنهم الغوا معانيه .

وهي اتهامات أي واحد منها يعني الكفر!!! فكيف بها مجتمعه ، نسأل الله العافية.

يتبع قريباً
========================
(1) النص منقول من موقع الشيخ دمشقية .

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 24-4-1424 هـ 06:58 م
[التأويل بدعه ومخالف لإجماع السلف ]

عرفنا من كلام ثلاثة من أكابر علماء الأشاعرة أن التفويض يجب أن ننزه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم عنه وأن المفوضه مبتدعه وأن التفويض محذور ويجر إلى اللبس والإيهام واستزلال العوام وتطرق الشبهات في أصول الدين وتعرض كتاب الله لرجم الظنون وأن التفويض من أعظم القدح في النبوات ويلزم منه تكذيب الله وتجهيل الرسول...الخ

نأتي الآن للتأويل ونحن مرة اخرى مع الجويني العالم الأشعري الكبير

ففي آخر كتب الجويني منع التأويل لكونه بدعه ومخالفاً لإجماع السلف! ؟

فقال: ((اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة ، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها وإجراؤها على موجب أفهام أرباب اللسان منها فرأى بعضهم تأويلها والتزم هذا المنهج في آي الكتاب وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى.

والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقلاً: اتباع سلف الأمة. فالأولى الاتباع و ترك الابتداع.

والدليل السمعي القاطع في ذلك : أن إجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة. ، وقد درج صحب رسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها ، وهم صفوة الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة ، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ، فلو كان تأويل هذه الآي والظاهر مسوغاً ومحتوماً ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.
فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعاً بأنه الوجه المتبع ، فحق على ذي دين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تبارك وتعالى
...فلتجر آية الاستواء والمجيء وقوله تعالى: ((لما خلقت بيدي)) على ما ذكرناه. فهذا بيان ما يجب لله تعالى)) العقيدة النظامية ص32-34


وفي النص السابق يتضح ما يلي:


1- التأويل بدعه ومخالف لإجماع السلف.
2- يرى السلف فوضوا وقد تبين لنا نقض هذا بأوجه كثيرة من كلامه هو وكلام غيره.
3- بعد أن نقل الإجماع على عدم التأويل ضرب أمثلة بآية الاستواء والمجيء واليد.

فإن كان التفويض باطلاً والتأويل بدعه مخالف لإجماع السلف فما الحل؟

الحل هو إثبات الصفات مع التنزيه وهو مذهب السلف الصالح .

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 3-5-1424 هـ 02:45 ص
[الأشاعرة جبرية متوسطة ]

يقول الأيجي الأشعري: ((والجبرية ، متوسطة تثبت للعبد كسباً كالأشعرية ، وخالصة: لا تثبته كالجهمية)) المواقف ص428
الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 8-5-1424 هـ 08:58 م
[مذهب الأشاعرة في كلام الله عين الإبتداع وخرق للإجماع ]

كان السلف يقولون أن القرآن العربي العظيم حروفه وألفاظه ومعانيه كلام الله غير مخلوق وكان المعتزلة يقولون بخلقه وقد اشتد نكير السلف عليهم كما هو مشهور معروف ، ولم يكن هناك قول ثالث حتى جاء الأشاعرة فأبتدعوا قولاً عجيباً تبعاً لابن كلاب:

قالوا بان القرآن غير مخلوق ولكن القرآن المقصود ليس هو هذا الذي نقرأه بل هو كلام نفسي ليس حروف ولا ألفاظ !! أما هذا القرآن العربي فلم يتكلم به الله حقيقة بل هو عبارة عن كلام الله النفسي !!
فأبتدعوا قولاً لم يسبقهم إليه أحد.

وهذه شهادة أحد علماء الأشاعرة الكبار في هذه المسألة وهو أبو الفتح محمد الشهرستاني الأشعري المعروف صاحب كتاب الملل والنحل ونهاية الأقدام وغيرها وهو وإن لم يحرر مذهب السلف جيداً ولكنه قارب الحقيقة جداً

يقول : ((قالت السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله ، وأن ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله ...))نهاية الأقدام ص313

ثم إنه بين خرق الأشعري للإجماع بأن الأمر كان أولاً على قولين قول السلف وقول المعتزلة فقال ثم خرق الأشعري الإجماع فقال:

((فأبدع الأشعري قولاً ثالثاً وقضى بحدوث الحروف ، وخرق الإجماع ، وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازاً لا حقيقة وهو عين الابتداع ...)) نهاية الأقدام ص313

ثم قال عن السلف والحنابلة:

((وحققوا زيادة تحقيق فقالوا: قد ورد في التنزيل أظهر مما ذكرناه من الأمر وهو التعريض لإثبات كلمات الله...)) ص315

ثم ساق الآيات الدالة عليه ، ثم قال:

((وهم يسلمون الفرق بين القراءة والمقروء ، والكتابة والمكتوب ، ويحكمون بأن القراءة التي هي صفتنا وفعلنا غير المقروء والذي ليس له صفة لنا ولا فعلنا...)) ص316

وفي النصوص السابقة يتضح ما يلي:


1- نقل إجماع السلف على أن مابين الدفتين كلام الله.
2- مذهب الأشاعرة في هذا عين الإبتداع وخرق للإجماع نسأل الله السلامه.

والله أعلم.
الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 1-6-1424 هـ 09:16 م

[قول من قال أن الله يتكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته وباختياره أصح الأقوال عقلاً ونقلاً ]

قال الحافظ ابن حجر: ((ذكر الفخر الرازي في (المطالب العالية) أن قول من قال : إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته ، وبمشيئته واختياره ، هو أصح الأقوال نقلاً وعقلاً ، وأطال في تقرير ذلك ، والمحفوظ عن جمهور السلف ترك الخوض في ذلك والتعمق فيه ، والاقتصار على القول بأن القرآن كلام الله ، وأنه غير مخلوق ، ثم السكوت عما وراء ذلك))الفتح 13/454

وهذا القول ليس من أي أحد !! بل من كبيرهم ومقدمهم الفخر الرازي !!

((بحر ليس للبحر ما عنده من الجواهر، وحَبْرٌ سما على السماء وأين للسماء مثل ما له من الزواهر،... وله شعار أوى الأشعري من سننه إلى ركن شديد، واعتزل المعتزلي علما أنه ما يلفط من قول إلا لديه رقيب عتيد!!))الخ كلام السبكي في طبقاته

وهو المقدم الأول وقد أثنى عليه الكوثري ونصح بكتبه وعده الكوثري مع التفتازاني والجرجاني هم((أئمة في أصول الدين يميزون بين الحق والباطل والتوحيد والإشراك حق التمييز))الخ


وهذا الاعتراف من الرازي كالصاعقة على رؤوسهم كيف لا ومعتقد هذا عندهم قد قال بحلول الحوادث والقول بهذا كفر، ليس عندهم له قول ثاني!!

وقد ذٌكر هذا النقل عند أحد أذناب الأشاعرة المعاصرين فأتهم الحافظ(1) بالتدليس والكذب!!

وأن الرازي لم يقل هذا واستشهد بقول الكوثري عن ابن حجر أنه ممن ((يسعون في إرضاء الطوائف بكلام معقد متشابه يفتح باب التقول لمن بعدهم من الزائغين في المتشابهات!!))

وجزم (ذنب الكوثري )هذا بأن الحافظ لم يطالع المطالب العالية بحال!

وقد دلس الحافظ بالنقل ثم أحال على ابن تيميه كالعادة وأنه هو صاحب القول!!

فنعوذ بالله من الهوى ولا حول ولا قوة إلا بالله

أما قول الحافظ أن جمهور السلف تركوا الخوض في هذه المسألة فلأن النزاع فيه لم يكن معروفاً عن عهد الصحابة وإنما عرف به الفرق المبتدعة بعد عهد الصحابة كالجهمية والمعتزلة ومن شاكلهم وقد انبرى علماء أهل السنة فردوا باطلهم وبينوا الحق وقد قال الإمام احمد ((كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء ، فلما أظهروه لم نجد بداً من مخالفتهم ، والرد عليهم))رد الإمام الدارمي ص467


(1) إن كان كل هذا من أجل الرازي فماذا سيقول عن قول الحافظ بأن الإمام أحمد مذهبه أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء الفتح 13/493 وكذلك أن الله تكلم بصوت 13/460 ؟؟


الكاتب: التميري المشاركات: 39 3-6-1424 هـ 12:08 ص
رفع الله قدرك

قال الإمام احمد ((كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء ، فلما أظهروه لم نجد بداً من مخالفتهم ، والرد عليهم))رد الإمام الدارمي ص467
قال ابن تيمية :
وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول إن السموات تقل الله أوتظله...
فمن قال إنه في استوائه محتاج إلى العرش فإنه كافر...
ومن قال بقدم العالم فهو كافر... الفتاوى ج2/188
وقال:غلط الفلاسفةوالمتكلمون بأنهم لم يفرقوابين كون الفعل المعين قديما
وبين كون نوع الفعل المعين قديما كالفلك محدث مخلوق مسبوق بالعدم وكذالك
كل ماسواه ((مجموع فتاواه)):240/18

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 7-6-1424 هـ 01:27 م
بارك الله فيكم وجزاكم الله خير مع التحفظ الشديد جداً على كلمه "شيخنا" وليتك تمسحها أخي ابو حسن
نكمل الموضوع بعد العوده للبلد والمنزل بعد إسبوعين إن شاء الله من الآن حيث لا يوجد عندي في الغربة ما يلزم من كتب!

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 16-6-1424 هـ 03:31 م





أشتهر بين كثير من طلبة العلم أن المتكلمين أو من يسمون علماء أصول الدين عند الأشاعرة -وهم من يقرر العقيدة عندهم - أنهم قليلي الخبرة بالسنة وبما كان عليه السلف بالاعتقاد من أمثال الرازي والغزالي والجويني وغيرهم ، وهذا صحيح بلا ريب

فالجويني مثلاً نجده في كتابه الإرشاد ص152-153 يقول: ((ومما تتمسك به الحشوية مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله خلق آدم على صورته" وهذا الحديث غير مدون بالصحاح))

مع العلم بأنه متفق عليه !!

لذا صرح غير واحد من الحفاظ بقلة بضاعته في الحديث منهم الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير

قال الحافظ: ((ونقل الرافعي عن إمام الحرمين في النهاية أنه قال: (في قلبي من الطمأنينة في الأعتدال شيء) وهو من المواضع العجيبة التي تقضي على هذا الإمام بأنه كان قليل المراجعة لكتب الحديث المشهورة فضلاً عن غيرها)) التلخيص 1/256 وقال نحو هذه العبارة في موضع آخر 2/50

فإن كان قليل المراجعة لكلام رسول رب العالمين!! (المشهور!!!) فكيف بمن هم دونه!!

وقال عن الجويني والغزالي: ((قال إمام الحرمين (رأيت في كتاب معتمد أن عائشة روت ذلك)، وتبعه الغزالي فقال: (قيل: إن عائشة روت ذلك) وهذا دليل عدم اعتنائهما بالحديث، فكيف يقال ذلك في حديث في سنن أبي داود التي هي أم الأحكام!!!)) التلخيص 2/19 وله عبارة فيهما نحو هذا في موضع أخر أيضاً 1/275

بل إن الغزالي نفسه قد حكم على نفسه بذلك

فقال: ((وبضاعتي في الحديث مزجاة)) قانون التأويل للغزالي ص16

هذا بالنسبة لبعض المتكلمين

و لكن بعض المتكلمين قد اطلع على (بعض) كلام السلف في العقيدة فماذا كان موقفهم يا ترى!؟

المفاجأة أن منهم من اعترف بأن السلف يثبتون صفات هم لا يثبتونها !! ومنهم من زعم بأن بعض السلف (مجسمة) !!

يتبع...

الكاتب: أبو البركات المشاركات: 934 16-6-1424 هـ 08:13 م
بارك الله فيك ياشيخ فيصل على هذا الموضوع القيّم ..... وعندي تعليق صغير
أما بخصوص أهل الكلام فجهلهم بالآثار معروف كأبي المعالي و أبي حامد الغزالي و ورفيق دربهم الرازي والذي يعد من أكبر خصوم أهل السنة .... فقد قال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى :
[[ فإن فرض أن أحدا نقل مذهب السلف كما يذكره فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف كأبي المعالي وأبي حامد الغزالي و ابن الخطيب (الرازي) وأمثالهم ، ممن لم يكن لهم المعرفة بالحديث مايعدون به من عوام أهل الصناعة ، فضلا عن خواصها ، ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلم وأحاديثهما إلا بالسماع ، كما يذكر ذلك العامة ، ولا يميزون بين الحديث المفتري المكذوب ، وكتبهم أصدق شاهد ففيها عجائب ]] [ مجموع الفتاوى 4/71-72]
الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 20-6-1424 هـ 12:28 م




في صفات اختلف فيها!!

وأياك أخي الشيخ أبو البركات.

[ السلف أثبتوا صفات نحن نختلف حولها!! ]

عقد الايجي-وهو من كبار علمائهم المتأخرين- في كتابه (المواقف في علم الكلام) مقصداً بقوله : ((في صفات اختلف فيها))

قال عن صفة الوجه: ((أثبته الشيخ [أي الأشعري]- في أحد قوليه- وأبو إسحاق الإسفراييني ، و(((السلف))) : صفة زائدة)) ص298

وقال عن صفة اليدين: ((فأثبت الشيخ [أي الأشعري] صفتين ثبوتيتين زائدتين ، وعليه (((السلف))) ، وإليه مال القاضي [أي الباقلاني] في بعض كتبه))ص 298


في النصوص السابقة يتضح ما يلي:

1- السلف رضي الله عنهم يثبتون صفة الوجة واليدين

2- وكذلك شيخ الأشاعرة أبو الحسن الأشعري أثبت صفة اليدين.

3- أنه لا يكفي إثبات (((السلف))) للصفات ليثبتها الأشاعرة ! بل هي محل خلاف حتى يثبتها أباطرة الأشاعرة المتأخرين !!.

4- يعرف كل أشعري قول صاحب جوهرتهم ((وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف)) ولكن حين يأتي الدور على أباطرتهم يصبح البيت((ولا بأس بابتداع من خلف)) بل هو المذهب الاعلم والأحكم!!!

نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 24-6-1424 هـ 12:04 ص
جزاكم الله خيراً...والله لا أستحق هذا الثناء والله يعلم بالحال...

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 26-6-1424 هـ 01:46 ص
[جماعه من السلف وقعت في التشبيه ]

قال أبو الفتح محمد الشهرستاني الأشعري المعروف أحد كبار علماء الأشاعرة صاحب كتاب الملل والنحل ونهاية الأقدام وغيرها

قال : ((وتخطت جماعه من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه)) الملل والنحل1/147

وهذا نص صريح جداً من الشهرستاني بأن جماعه من السلف وقعت في التشبيه ولا ينفعهم ذلك التأويل البارد المتكلف في أنه يقصد ب((جماعه من السلف)) أي من((في عصر السلف)) وهذا باطل لأنه:

1- إذا أطلق لفظ السلف أنصرف الكلام للأئمة لا من في عصرهم من المشبهة والجهمية وهذا معلوم لك أحد.

2- والشهرستاني في كل مواضع كتابه يقول(السلف) ويعني به سلف السنة مثلاً قال عن الجهمية : ((وكان السلف كلهم من اشد الرادين عليه‏.‏)) وفي حواره مع المعتزلة: ((والسلف عن اخرهم اجمعوا على هذه العبارة)) والمواضع بهذا كثيرة جداً لا سبيل لدفعها ، ولو جاء هذا المعترض بمثال واحد في إطلاقه لفظ السلف على غير سلف السنة لسلمت له تنزلاً !! ولكني لم أقف له على ذلك.


والخلاصة: أن الشهرستاني يصرح بأن ((جماعه من السلف)) وقعت في التشبيه وما ذلك إلا لأن الشهرستاني وأمثاله وقعوا في بعض التجهم فأصبحوا يرون من يثبت الصفات التي لا يثبتونها مشبهة!.

والله أعلم.

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 1-7-1424 هـ 04:38 م
بالتأكيد هناك المزيد.
[علم توحيد رب العالمين عند الأشاعرة مصدره غير إسلامي!! ]
قال مسعود التفتازاني(1) عن علم الكلام -أو علم التوحيد كما يسمونه- كما في الدر النضيد لمجموعة ابن حفيد-دار الكتاب العربي- ص145:
((اعلم أن تلك المباديء ليست مخالفة للشرع أو العقل ، لكنها مما استخرجها الفلاسفة أولاً ودونوها في علومهم التي بعض مسائلها لا تطابق الشرع وإن لم يقصدوا المخالفة ثم تبعهم المتكلمون ، ودعوى أن المتكلمين استخرجوها من عند أنفسهم بلا أخذ مكابرة))!!

والنص ليس بحاجة لتعليق كثير مني

فأي عار على الأشاعرة أن يكون علم توحيد رب العالمين (علم الكلام) أشرف العلوم وأجلها عندهم مصدره الفلاسفة !! !!

هل يستطيعون أن يعلنوها صريحة أمام عوامهم : علم التوحيد عندنا مصدره غير إسلامي !! مصدره الفلاسفة!!؟


(1)ماتريدي من أئمتهم الكبار تتلمذ على الأيجي الأشعري ولد سنة 712 وتوفى سنة 791








الكاتب: محمد الأمين المشاركات: 1620 1-7-1424 هـ 07:00 م





جاء في فتح الباري:

وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حُكِيَ عَنْ الْمُبْتَدِعَة رَدّ هَذِهِ الْأَحَادِيث , وَعَنْ السَّلَف إِمْرَارهَا , وَعَنْ قَوْم تَأْوِيلهَا وَبِهِ أَقُول . انتهى.


لاحظ إقراره الصريح بمخالفته لأقوال السلف
____________
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

”فالله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم وأوله وآخره أسه ورأسه وهو شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال ما علي منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، بل كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانه وأولاده، فالله الله تمسكوا بأصل دينكم لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئا.. اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين“

(الدرر السنية: الجزء الأول: ص78)

الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 4-7-1424 هـ 10:29 ص

بارك الله فيك ، إضافة رائعه ، نضعها على طريقتنا

[مذهب السلف إمرارها وقوم تأويلها!! ]

قال الحافظ ابن حجر:

قال ابن العربي : حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث , وعن (((السلف ))) إمرارها , وعن (((قوم))) تأويلها وبه أقول .

فتح الباري بشرح صحيح البخاري شرح حديث النزول

ومن خلال هذا النص

1- نعرف أن مذهب السلف(( الإمرار)) ليس لهم مذهب غيره أما مذهب التأويل فهو ل(قوم) غير السلف .

قد يأتي أشعري ويقول: مذهبهم الإمرار أي ((تفويض ظواهر النصوص مع القطع بأن الظاهر غير مراد ))

فنقول له: كن شجاعاً وأقر أولاً كما أقر هذا الإمام بأن التأويل ليس مذهبهم في هذه الاحاديث

فإن لم يقر فليأتي بتأويلهم المزعوم وهيهات.

فإن أقر نقول له: لا يمكن أن تكون ظواهر هذه النصوص كفر -كما تدعي - ويكون مذهب السلف فقط الإمرار دون التحذير الشديد من إعتقاد ظواهرها !!

فإن زعمت أنهم حذروا من ظواهرها فأسند زعمك ؟

وإن نسبت للسلف السكوت على الكفر دون بيان فقد أزريت بهم.

فمذهب السلف الإمرار بعد الإقرار و الإيمان والتسليم مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء في صفاته وذاته.

2- قد يستغرب كيف يستظهر ابن العربي رحمه الله مذهب السلف ويختار غيره ولكن لا يستغرب مع وجود مقولتهم المشهورة : مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم!! فمن لا يريد الأعلم والأحكم !؟

والله أعلم

الكاتب: محمد الأمين المشاركات: 1620 5-7-1424 هـ 07:22 م

أخي الفاضل فيصل

لا تستغرب مقولة ابن العربي فإن الذي أدخل مذهب الأشاعرة إلى الأندلس هما الباجي وابن العربي. لكنه إنما انتشر أثناء حكم الموحدين (كما يسمون أنفسهم!) الذين نشروه بالحديد والنار. ولذلك في زمن ابن العربي كان الفرق معروفا بين مذهب السلف وبين مذهب الأشاعرة. ثم لما طال الزمن وأرغم الناس على دخول مذهب الأشاعرة، خلط بعض الناس بين المذهبين.
الكاتب: فيصل... المشاركات: 450 6-7-1424 هـ 03:11 ص
بارك الله فيك وأحسنت.

[ لا يجوز الأستدلال بأخبار الآحاد لأن أحاديث الصفات غير قابلة للتأويل !!]

لماذا لم يقبل الأشاعرة بالاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة كما يقول الرازي: ((أما التمسك بخبر الواحد في معرفه الله تعالى فغير جائز))أساس التقديس ص168

من الأسباب التي ذكروها هو شعورهم العميق بأن أحاديث الصفات لا يمكن تأويلها!!!

قال الرازي عند تعداده للأوجه الموجبة لترك الأستدلال بأخبار الآحاد -كما زعم- فقال:

((إن الأخبار المذكورة في باب التشبيه بلغت مبلغاً كثيراً في العدد ، وبلغت مبلغاً عظيماً في تقوية التشبيه ، وإثبات أن إله العالم يجري مجرى إنسان كبير الجثة عظيم الأعضاء ! ، وخرجت عن ان تكون قابلة للتأويل )) المطالب العالية 9/213

وأنا أجزم أن هذا السبب -وهو أن أحاديث الصفات خرجت عن ان تكون قابلة للتأويل-هو السبب الرئيسي لرد أحاديث الآحاد في العقيدة ، وتفريقهم في الاحتجاج فيها بين الأحكام والعقائد.

وإلا فليخبرني أي أشعري لماذا يستدلون في أسماء الله الحسنى بالسنة الصحيحة بل و الحسنة أما صفات الله تعالى فلا!؟

لماذا ؟

قال في تحفة المريد عن أسماء الله الحسنى : ((ويتوقف جواز إطلاقها عليه تعالى على ورودها في كتاب أو سنة صحيحة أو حسنة أو إجماع- لأنه غير خارج عنها)) ص90

أتحدى أن يجد الأشعري كلاماً مقنعاً يجيب فيه عن سؤالي: لماذا يستدلون في أسماء الله الحسنى بالسنة الصحيحة بل و الحسنة أما صفات الله تعالى فلا!؟

وكلام الرازي السابق يؤكد حقيقة كبرى وهي ان كل معطل ممثل فهو قد عطل صفات الله بعد أن أعتقد مشابهتها لصفات الخلق. ولا حول ولا قوة إلا بالله.


اهـ

فيصل
03-09-03, 10:12 PM
لست بشيخ بارك الله فيكم بل طويلب علم صغير يستفيد منكم كل ما جاء لهذا المنتدى

Ahmed Salem
04-09-03, 02:21 AM
جزاكم الله خيرا وللفائدة أرسل هذا البحث القيم لفضيلة الدكتور محمود عبد الرازق


بحث بعنوان
المحكم والمتشابه
وقضية التفويض



إعداد
د/ محمود عبد الرازق



الأستاذ المساعد
بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
كلية الشريعة وأصول الدين جامعة الملك خالد












إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله S .
أما بعـد ..
فقد اشتبه على كثير من إخواننا الذين نحسبهم على خير فى كل ما يبذلونه لخدمة دينهم ورفعة إسلامهم حقيقة مذهب السلف فى قضية التفويض ، حيث ظنوا أن مذهب السلف فى نصوص الصفات ــ أو ما يطلقون عليه الصفات الخبرية أو النصوص الموهمة للتشبيه ــ هو تفويض معـانى النصوص والكف عن طلب العلم بها .
ويجعلون دليلهم فى ذلك ما ثبت عن الإمام مالك بن أنس رحمه اللَّه أن رجلا جاءه وقال له : يا أبا عبـد اللَّه  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  [طه/5] كيف استوى ؟!
فقال : الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان بـه واجب والسؤال عنه بدعة فإنى أخاف أن تكون ضالا وأمر به فأخرج (1) .
والحقيقة أننا إذا دققنا النظر فى قول مالك رحمه اللَّه علمنا أنه فرق فى جوابه بين أمرين أساسيين هما أصل الفهم الذى امتاز به السلف الصالح فى باب الصفات :
الأمر الأول : معنى الاستواء على العرش أو معنى الصفات بوجه عام .
والأمر الثانى : كيفية الاستواء على العرش أو كيفية الصفات بوجه عام .
فالمعنى الوارد فى نصوص الكتاب والسنة يستوعبه الذهن من خلال الألفاظ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر الأسماء والصفات للبيهقى ص408 ، والعلو للذهبي ص141 ، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائى ص664 .
العربية التى نزل بها الوحى ، أما الكيفية فهـى المدلول الحقيقى الذى ينطبق عليه اللفظ ، فلفظ الاستواء فـى الآيـة لفـظ ينطـبق على صفة لله لها كيفية تليق بجلاله ، ونحن ما رأيناها لقـولـه S:
( تَعَلَّمُـوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَـزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ ) (1) .
وما رأينا لها مثيلا نصفها من خلاله لقوله تعالى :
 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  [الشورى/11] .
فاللفظ دل على إثبات مدلول حقيقى وهو وصف الله الذى أمرنا بالإيمان به والتصديق بوجوده .
ولما غضب الإمام مالك على السائل غضب لأنه جاء يسأل عن كيفية الاستواء الغيبية التى تخرج عن إدراك أجهزة الحواس البشرية ، ولا يمكن للإمام مالك أن يخترع له جوابا يصف فيه الكيفية التى عليها استواء اللَّه على العرش لعلمه أن ذلك قول على اللَّه بلا علم ، وهو محرم بل جرم كبير لقوله تعالى :
 وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا  [الإسراء/36] .
وقال أيضا :  قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ  [الأعراف/33] .
فالإنسان محاسب مسئول على قول الباطل وشهادة الزور لا سيما إذا كان القول على الله بلا علم .
أما لو جاء السائل مالكا يسأله عن معنى الاستـواء فى لغة العـرب التى خاطبنا اللَّه بها أو سأله عن الآية :  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  [طه/5] ما الذى تضيفه للمسلم فى موضوع الإيمان باللَّه ؟ لما غضب عليه مالك ، إذ أن حق السائل على أهل العلم أن يفهم معانى آيات القرآن ونصوص السنة ، وقد أمره اللَّه بذلك فقال :
 فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  [النحل/43] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم فى كتاب الفتن وأشراط الساعة برقم (2931) .
والجواب عند ذلك بيِّن واضح مفهوم ، ولن يعجز الإمام مالك عن جوابه إذ أن استواء اللَّه على عرشه له وجود حقيقى ويعنى فى اللغة العلو والارتفاع ، تماما مثلما يسأل صاحب اللسان الأعجمى عن ترجمة هذه الآية ، فإن المترجم لن يترجم له وصف كيفية الاستواء ولا يمكنه ذلك بحال من الأحوال ، لأنه كما سبق لم يره ولم ير له مثيلا ، وإنما سيشرح له بلغته معنى العلو والارتفاع على العرش وأن اللَّه ليس كمثله شئ فى استوائه ، ويبين له ضرورة الإيمان بوجـود الاستواء وأن له كيفية معينة تليق بجلال اللَّه يعلمها الله ولا نعلمها نحن .
فالآية أوجبت الإيمان بوجود استواء حقيقى لا نعلم كيفيته ويجب أن نسلم لله به ، وعلى ذلك فإن معتقد الإمام مالك الذى يمثل مذهب السلف الصالح هو تفويض العلم بالكيفية فقط إلى اللَّه ، أما المعنى فهو معلوم ظاهر من لغة العرب ومراد من مفهوم الآية ، وهذا واضح بيِّن فى كلامه حيث قال : الاستواء غير مجهول أى معلوم المعنى ، والكيف غير معقول أى مجهول للعقل البشرى بسبب عجزه عن إدراكه .
ومن ثم لو قلنا كما قال الخلف من الأشعرية بأن مالكا فوض العلم بالمعنى لا الكيفية فإن هذا يماثل قول القائل : إن كلام اللَّه بلا معنى ، وهذا اللازم لم يتنبه له من زعم أن مذهب السلف هو تفويض معانى النصوص لجهلهم بحقيقة المذهب السلفى فلا نظن أن أحدهم يعتقد ذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه معقبا على قول مالك فى الاستواء :
( وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبـول فليس فى أهل السنة من ينكره وقد بين أن الاستواء معلوم كما أن سائر ما أخبر به معلوم ولكن الكيفية لا تعلم ولا يجوز السؤال عنها ، لا يقال : كيف استـوى ؟ ولم يقـل مالك رحمه الله الكيف معدوم وإنما قال الكيف مجهول ) (1) .
وإلحاقا بالموضوع يأتى هذا البحث الذى يتناول العلاقة بين فهم المحكم والمتشابه وأثر ذلك على قضية التفويض ، وقد قسمته بعد المقدمة إلى مبحثين وخاتمة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجموعة الرسائل الكبرى لشيخ الإسـلام ابن تيمـيه حـ2 ، رسالة الإكليل ص33 .
المبحث الأول عن المحكم والمتشابه بين السلف والخلف ، والمبحث الثانى عن العلاقة بين فهم المحكم والمتشابه وقضية التفويض .
وفى ختام هذه المقدمة فإننا نحسن الظن بمن قال بالتفويض فى صدق نيتهم ورغبتهم فى الدفاع عن دين اللَّه ولهم العذر إن شاء اللَّه ، فهم على الأغلب لم يطالعوا مذهب السلف ابتداء ولا درسوه دراسة علمية متأنية ، فالأشعرية اليوم يمثلون الأغلبية فى العالم الإسلامى ، ليس عن رغبة معتنقيه من أهل العلم فى هذا المذهب ، ولكن لكونه واقعا مفروضا فى المؤسسات التعليمية فى مرحلة التلقى والتعليم منذ الصغر ، فهذا المذهب الذى يطلق عليه معتنقوه مذهب أهل السنة مازال مقررا فى المدارس والجامعات فى أغلب البلاد الإسلامية .
وطالب العلم يدخل منذ نعومة أظفاره إلى المدارس والمعاهد وهو خالى الذهن فيجد مقررا غريبا فى مادة التوحيد ، ويجد المدرسين يلقنونه ويحفظونه أنواعا من التوحيد مبنية على أدلة عقلية بعيدة عن الطريقة السلفية المعتمدة على الكتاب والسنة ، ويستمر الطالب فى دراسته حتى يصبح أستاذا جامعيا وهو يجهل حقيقة مذهب السلف .
ولو نوقش فى ذلك إما أن يستنكف عن الخضوع للحق لأنه أستاذ صاحب هيبة ومكانة ، وقبول الحق عنده يعنى إقراره بلوازم يصعب تصورها أو الالتزام بها وإما يزداد إصرارا على صدق الطريقة الأشعرية ويتمادى فى الدفاع عنها بحجج عقلية حتى يستحيل معه النقاش .
والحق يقال أن بعض من يقوم على التدريس للطلاب أو يلخص لهم بعض ما جاء فى المقررات أو الكتاب ، ربما يشعر بشئ من المسئولية عند فهمه للطريقة السلفية ، فينبه طلابه على أن ما يدرسونه يجب أن يكون للنجاح فى الامتحان وليس للاعتقاد والإيمان الذى يقابل به رب العزة والجلال يوم القيامة ، وقد رأيت ذلك بعينى فى بعض الملخصات الخارجية مما أثلج صدرى وأثار فى نفسى العجب والاستغراب .

المبحث الأول
المحكم والمتشابه بين السلف والخلف
السَّلف لغة هو الماضى كقوله تعالى :
 فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ  [البقرة:275] ، وقوله :  وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ  [النساء:22] .
قال ابن منظور : ( سلف يسلف سلفا مثال طلب يطلب طلبا أي مضى ، والقوم السلاف المتقدمون ، سلف الرجل آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف سلاف ، وقال ابن بري سلاف : ليس بجمع لسلف وإنما هو جمع سالف للمتقدم ، وجمع سالف أيضا سلف ومثله خالف وخلف ، ويجيء السلف على معان القرض والسلم وكل عمل قدمه العبد ) (1) .
ولما كان كل ماض سلف فقد شاع إطلاقا هذا المصطلح معرفا ــ السلف ــ على الجيل المؤسس الذى أقام الدين وطبق منهاج الإسلام ، جيل الصحابة الذين تنزل الوحى فيهم وتلقوا عن المعصوم S البيان النبوى للبلاغ القرآنى ، وحولوا جميع ذلك إلى واقع حياتى معين فعدوا لذلك السلف الصالح بتعميم وإطلاق ، ثم انضم إليهم فى زمرة السلف من اهتدى بهديهم وعمل بسنتهم من التابعين وتابع التابعين والأئمة العظام للمذاهب الكبرى من تابعى التابعين .
ويمكن القول بصورة أكثر دقة : إن مصطلح السلف يتناول كل من أدرك عصر خير القرون وقدم كتاب الله على عقله وفلسفته وهواه ، فهنا عاملان فى بلورة الاصطلاح : عامل زمنى وآخر منهجى ، أما العامل الزمنى فيشير إليه حديث عبد الله بن مسعود  أَنَّ النَّبِيَّ S قَالَ :
( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لسان العرب لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري 9/158 ، نشر دار صادر بيروت الطبعة الأولى ، وانظر أيضا التوقيف على مهمات التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي 1/412 نشر دار الفكر المعاصر بيروت 1410هـ .
أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ) (1) .
فهذه الفترة فترة العصر الذهبى الذى يمثل نقاء الفهم والتطبيق للمرجعية الفكرية والدينية ، قبل ظهور المذاهب التى وفدت بعد الفتوحات وأدخلت الفلسفات غير الإسلامية على فهم السلف الصالح للإسلام .
كما يمكن القول إن عصر السلف الصالح يمتد من زمن النبوة إلى زمن المحنة عندما تولى المعتزلة إدارة الخلافة الإسلامية فى عهد الخليفة المأمون من خلفاء بنى العباس ، حيث فرض على الناس مذهبهم بقوة الدولة وامتحن علماء السلف فى قضية خلق القرآن وتعطيل الصفات الإلهية .
وأما العامل المنهجى فطريقة السلف طريقة الإيمان والتسليم ، لا يقدمون آراءهم على كتاب الله وسنة رسوله S، ويعلمون أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح بل يشهد له ويؤيده ، وكل من جاء بعدهم وسار على دربهم واعتقد صحة نهجهم فهو خير خلف لخير سلف وإن لم يدخل تحت الاصطلاح .
والخلف لغة : القرن بعد القرن ، يقال : هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم ، والخلف أيضا الرديء من القول ، يقال : سكت ألفا ونطق خلفا أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطإ ، والخلف أيضا ساكن اللام ومفتوحها ما جاء من بعد يقال : هو خلف سوء من أبيه وخلف صدق من أبيه إذا قام مقامه (2) .
قال ابن المطرز : ( خلف فلان فلانا جاء خلفه ، ومنها خلفة الشجر وهي ثمر يخرج بعد الثمر الكثير ، وخلفة النبات ما ينبت في الصيف بعدما يبس العشب وكذلك ما زرع من الحبوب بعد إدراك الأولى يسمى خلفة ، وخلفته خلافة كنت خليفته ) (3) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخارى فى كتاب المناقب برقم (3651) .
(2) انظر مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي بتصرف 1/78 ، نشر مكتبة لبنان بيروت 1415هـ .
(3) المغرب في ترتيب المعرب لأبى الفتح ناصر الدين بن المطرز 1/286 ، نشر مكتبة أسامة بن زيد ، حلب سنة 1979م .
أما الخلف فى الاصطلاح فقد أطلق على كل من أعقب السلف فى الزمن وقدم العقل والرأي على كتاب الله وسنة رسوله S ومزج كلام فلاسفة اليونان بأمور العقيدة ومسائل الديانة .
هذا الاتجاه هو ما عرف بمذهب الخلف قديما ويصدق عليه من سار على دربهم حديثا ، وقد كان المنطق الأرسطى اليونانى محاطا بهالة من التقديس والإعجاب لدى هؤلاء ، إذ جعلوه أصلا يسيرون على نهجه وميزانا لقياس الأمور العقائدية الثابتة بالوحى .
قال ابن حجر العسقلانى : ( وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم ، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان ، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون اليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل ، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل ، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف ) (2) .
• المحكم والمتشابه فى مفهوم السلف والخلف :
المحكم لغة :
الحكم العلم والفقه والقضاء بالعدل وهو مصدر حكم يحكم ، والمحكم الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب فعيل بمعنى مفعل أحكم فهو محكم ، وفي حديث ابن عباس : ( قرأت المحكم على عهد رسول الله S ) (3) يريد المفصل من القرآن لأنه لم ينسخ منه شيء ، وقيل : هو ما لم يكن متشابها لأنه أحكم بيانه بنفسه ولم يفتقر إلى غيره .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري 13/253 ، نشر دار المعرفة بيروت 1379هـ .
(2) رواه البخارى بسنده عن سعيد بن جبير قال : وقال ابن عباس : ( ثم توفي رسول الله S وأنا بن عشر سنين وقد قرأت المحكم ) (4748) 4/1922 .
(3) لسان العرب 12/141 .
والمتشابه لغة : أشبه الشىء الشىء ماثله ، وشابهه أشبه ، تشابه الشيئان أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا (1) .
والمتشابه اصطلاحا يراد به عدة إطلاقات عند العلماء :
أحدها : ما لم يأت فى القرآن بلفظه البتة مما يقصده علماء القرآن من وقوع النظم الواحد على صور شتى ، تتشابه فى أمور وتختلف فى أخرى ، ومن ثم يطلقون عليه متشابه النظم أو متشابه اللفظ (2) .
قال الزركشى فى البرهان : ( ويكثر فى إيراد القصص والأنباء ، وحكمته التصرف فى الكلام وإتيانه على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكرر ) (3) .
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :  وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ  [البقرة:48] ، مع قوله :  وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ  [البقرة:123] .
الثاني : أن يطلق المتشابه صفة مدح لجميع القرآن ، ولفظ المتشابه بهذا المعنى هو الوارد فى قوله تعالى :  اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّه ِ [الزمر:23] .
أما تبيان كيف أن المتشابه بهذا الإطلاق نعت كمال لجميع القرآن ، فإنه من الجلى أن صوغ مادة التشابه فى هذه الآية يقضى بأن الكتاب الكريم ذو أجزاء كلها يشبه بعضها بعضا من حيث الصحة والإحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعته الخلق ، وتناسب ألفاظه وتناسقهما فى التخير والإصابة ، وتجاوب نظمه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، دار المعارف ، ط3، 1 /490.
(2) الاتقان فى علوم القرآن تأليف جلال الدين السيوطى 3/390 ، طبعة مصطفى البابى الحلبى القاهرة سنة 1354هـ .
(3) البرهان فى علوم القرآن للإمام بدر الدين الزركشى 1/112، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة دار المعرفة ، بيروت سنة 1972م .
وتأليفه فى الإعجاز والتبكيت (1) .
والتشابه بهذا المعنى الذى يعم جميع القرآن على نحو ما رأينا لا يتنافى بحال مع وصف الإحكام المذكور فى قوله تعالى :  الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  [هود:1] ، والذى يعم هو الآخر القرآن الكريم بأسره ، بل يجب الأخد بكلا الوصفين جميعا فى كتاب الله عز وجل دون أن يأتى كلام الحق فى ذلك باطل من بين يديه أو من خلفه .
ذلك بأن التناقض إنما يلزم إذا كان بين المادتين فى هاتين الآيتين تقابل التضاد وكيف وكل منهم صفة مدح لا يمكن أن تدل على ما يضاد الأخرى ، وإنما على ما يؤيدهما ويشد من أزرهما ، وبانطوائهما معا فى صفته شاهد صدقه وآية تنزيل رب العالمين .
وأما الإحكام فمعناه أن آى القرآن كلها قد نظمت نظما محكما لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى ولا من جهة الهدف والغاية ، أو أنها أحكمت بالحجج والدلائل ، أو جعلت حكمة ، فنقول : حُكِم إذا صار محكما ، لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية ، وإذن فالقرآن بهذا المعنى محكم فى تشابهه ، متشابه فى إحكامه (2) .
الثالث : أن يرد لفظ المتشابه فى القرآن مقولا على بعض منه مخصوص ، مقابلا وقسيما للبعض الآخر الذى يقال عليه وصف المحكم ، وبحيث لا يجتمع هذان الوصفان المتقابلان فى شىء واحد ألبتة ، وذلك هو ما جاء فى قوله تعالى :
 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ 
[آل عمران:7] .
وهذا المعنى هو الذى ينصرف إليه لفظ المتشابه عند الإطلاق والتجرد من القرينة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكشاف للزمخشرى 4 /95.
(2) تفسير البيضاوى تحقيق عبد القادر عرفات العشا حسونة ص247 ، نشر دار الفكر بيروت
سنة 1416هـ .
وإن الناظر فى هذين الوصفين المتقابلين واللذين لا يصدق واحد منهما على ما يصدق عليه الآخر من الكتاب المجيد ليرى اختلافا عظيما بين العلماء فى تبيان هذا المعنى ، وهذا ما يهمنا فى هذا البحث .
ويذكر الشيخ أبو بكر الجصاص أن كلا من المحكم والمتشابه فى القرآن ينقسم إلى معنيين :
أحدهما يصح وصف القرآن بجميعه ، والآخر إنما يختص به بعض القرآن دون بعض قال الله تعالى :
 الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  [هود:1] ، فوصف جميع القرآن في هذه المواضع بالإحكام ، وقال تعالى :
 اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّه ِ [الزمر:23] ، فوصف جميعه بالمتشابه ، ثم قال في موضع آخر :
 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ 
[آل عمران:7] .
فوصف ههنا بعضه بأنه محكم وبعضه متشابه ، والإحكام الذي عم به الجميع هو الصواب والإتقان اللذان يفضل بهما القرآن كل قول ، وأما موضع الخصوص في قوله تعالى :  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ  فإن المراد به اللفظ الذي لا اشتراك فيه ولا يحتمل سامعه إلا معنى واحدا (1) .
ويرى الفخر الرازى من علماء الخلف أن اللفظ الذى جعل موضوعا لمعنى ، إما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى وإما أن لا يكون ، فإذا كان اللفظ موضوعا لمعنى ولا يكون محتملا لغيره فهذا هو النص .
وأما إن كان محتملا لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحا على الآخر وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء ، فإن كان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أحكام القرآن ، تحقيق محمد الصادق قمحاوي 2/286 ، نشر دار إحياء التراث العربي بيروت سنة 1405هـ .
احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمى ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرا وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا ، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا ، وبالنسبة لكل واحد منهما على التعيين مجملا .
فاللفظ إما أن يكون نصا أو ظاهرا أو مؤولا أو مشتركا أو مجملا ، أما النص والظاهر فيشتركان فى حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من الغير والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى عنده بالمحكم .
وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان فى أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة فالمجمل وإن لم يكن راجحا لكنه غير مرجوح ، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه ، إما لأن الذى لا يعلم يكون النفى فيه مشابها للإثبات فى الذهن ، وإما لأجل أن الذى يحصل فيه التشابه يصير غيرمعلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقا (1) .
ثم إن الناس اختلفت اختلافا عظيما كذلك فى قضية العلم بتأويل المتشابه بهذا الإطلاق هل مقصور على الله تعالى ، أو هو بحيث يتأتى للراسخين فى العلم أيضا ؟
ومن أبرز المتشابه بهذا الإطلاق فى القرآن ما يعرف لدى علماء الخلف بآيات الصفات الخبرية ، أو متشابه الصفات كالآيات التى جاء فيها ذكر الوجه واليد والجنب والروح والنفس والاستواء والفوقية والرضا والغضب وما إلى ذلك .
ويعلل الزمخشرى المعتزلى حكمة ورود المتشابه بهذا الإطلاق فى القرآن والسنة بأنه لو كان القرآن كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال ، ولما فى المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ، ولما فى تقادح العلماء وإتعاب القرائح فى استخراج معاينة ورده إلى المحكم من الفوائد الجلية والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله ، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة فى كلام الله ولا اختلاف إذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازى 7 /168.
رأى فيه ما يتناقض فى ظاهره وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه ، وتبين مطابقة المتشابه المحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوة فى إيقانه (1) .
ويمكن بالتتبع والاستقراء حصر الأراء التى فسرت معنى المحكم والمتشابه فى القرآن الكريم فى النقاط الآتية :
1- المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل .
2- المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا والمتشابه ما يحتمل وجوها فإذا ردت إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما .
3- المحكم ناسخه وحرامه وحلاله وفرائضه وما نؤمن به ونعمل عليه والمتشابه منسوخه وأمثاله وأقسامه وما نؤمن به ولا نعمل به .
4- المحكم الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له والمتشابه ما فيه تصريف وتحريف وتأويل .
5- المحكم ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره .
وجميع تلك الأراء فى معنى المحكم والمتشابه تكاد تتمثل فى أن المحكم هو المعلوم الواضح الذى يمكن تحديده وتمييزه كالصورة فى المرآة المصقولة عند تحديد معالمها وضبط ملامحها والتمكن من وصفها ، فما لا يحتمل إلا وجها واحدا يصبح معلوما مميزا ، وقد سميت آيات الأحكام بما تحويه من أحكام أحكاما لوضوح معناها والعلم بكيفية أدائها .
كما أن المتشابه عكس المحكم وهو المجهول الذى لا يعلم ، إما من التشابه والتماثل كقوله تعالى :
 كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ِ [البقرة:118] ، أى أشبهت قلوب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكشاف للزمخشرى 1/259 .
مشركى العرب قلوب من تقدمهم فى الكفر والعناد والعتو (1) ، وإما من الاختلاط وعدم التمييز بين الأشياء كقوله تعالى عن بنى إسرائيل :
 إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ِ [البقرة:70]
وعلى هذا المعنى السابق للمحكم والمتشابه سوف ننظر إلى تفسير الآية السابعة من آل عمران والتى هى محل بحثنا فى علاقة التفويض بالمحكم والمتشابه ، وهى قوله تعالى :  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ  [آل عمران:7] .
فكثير من الناس يعتبرون معانى نصوص الصفات من المتشابه الذى لا يعلمه إلا الله مستدلين بهذه الآية ، وفى هذا نظر حيث يترتب علي ذلك من اللوازم الباطلة ما لا يرضاه المسلم على كلام الله ، يقول أبو محمد بن قدامة المقدسي : ( وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل لفظا وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله ونجعل عهدته على ناقله اتباعا لطريق الراسخين في العلم ) (2) .
وقال أحمد الرفاعى فى المحكم والمتشابه : ( فعاملوا الله بحسن النيات واتقوه في الحركات والسكنات وصونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة لأن ذلك من أصول الكفر ، قال تعالى :  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه ِ  والواجب عليكم وعلى كل مكلف في المتشابه الإيمان بأنه من عند الله أنزله على عبده سيدنا رسول الله وما كلفنا سبحانه وتعالى تفصيل علم تأويله ، قال جلت عظمته :  وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/163 ، دار الفكر بيروت سنة 1401هـ .
(2) لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد ، تحقيق بدر بن عبد الله البدر ص 8:7 ، نشر الدار السلفية الكويت 1406هـ .
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  فسبيل المتقين من السلف تنزيه الله تعالى عما دل عليه ظاهره وتفويض معناه المراد منه إلى الحق تعالى وتقدس وبهذا سلامة الدين ) (1) .
فهؤلاء يدعون إلى ترك التأويل والبعد عن طريقة الخلف ، ويزعمون أن طريقة السلف هى الكف عن طلب معانى نصوص الصفات ، ويجعلون ذلك سبيل المتقين ظنا منهم أنها تدل على التشبيه وظاهرها باطل ، فلا هم فهموا طريقة السلف ولا صوبوا طريقة الخلف .
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هؤلاء الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هى مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم :
 وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ  [البقرة:78] .
وأن طريقة الخلف هى استخراج معانى النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ، فهذا الظن الفاسد أوجب قولهم : طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم ، تلك المقالة التى مضمونها نبذ الاسلام وراء الظهر وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا فى تصويب طريقة الخلف ، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف فى الكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف (2) .
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس فى نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة ، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات فى نفس الأمر ، وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى ، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهى التى يسمونها طريقة السلف ، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهى التى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البرهان المؤيد لأحمد بن علي بن ثابت الرفاعي الحسيني 1/15 ، تحقيق عبد الغني نكهمي نشر دار الكتاب النفيس بيروت 1408هـ .
(2) مجموع الفتاوى 5/9 بتصرف .
يسمونها طريقة الخلف ، فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل وتعطيل السمع فإن النفى إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهى شبهات ، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه ، فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم ، واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين ، بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا فى حقائق العلم بالله ، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهى ، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق فى هذا كله (1) .
والحقيقة أن الفهم السلفى لمسألة المحكم والمتشابه التى وردت فى آية آل عمران يتسم بالدقة ويتسق مع اعتقادهم فى التوحيد لا سيما توحيد الصفات ، فهم لما آمنوا بصفات حقيقية جاءت بها الأدلة السمعية وفرقوا بين فهم المعنى الذى حواه اللفظ العربى وفهم الكيفية وفقوا فى تفسير المحكم والمتشابه .
فإذا كان المحكم هو المعلوم الواضح المعنى وكان المتشابه عكس المحكم وهو المجهول الذى لا يعلم على نحو ما تقدم ، فإنهم يعتبرون معانى نصوص الصفات محكمات ، والكيفية من المتشابهات التى لا يعلمها إلا الله .
فإذا كان معنى النص معلوما والكيفية التى دل عليها معلومة أيضا كانت الآية محكمة لأهل العلم على تفاوتهم فى المعرفة والفهم كما هو الحال فى جميع آيات الأحكام .
وإن كان المعنى معلوما والكيف مجهولا كان النص محكم المعنى متشابه الكيف وإذا قيل فى عرفهم هذا النص متشابه فيحمل على هذا المعنى أى أنه متشابه باعتبار الكيف لا المعنى .
والنتيجة التى نصل إليها من هذا الفهم أن القرآن جميعه محكم المعنى لقوله تعالى عن جميع آيات القرآن :
 الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  [هود:1] .
أى أحكمت باعتبار المعنى فليس فى القرآن كلام بلا معنى ، أما من جهة الكيفية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السابق 5/9 بتصرف .
التى دلت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فبعضها محكم معلوم وبعضها متشابه مجهول ، وهذا المقصود بقول الإمام مالك رحمه الله : الاستواء معلوم والكيف مجهول ، وهو المعنى المشار إليه فى قوله تعالى :  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ  [آل عمران:7] .
فلو سأل سائل عن استواء الله الذى ورد فى قوله تعالى :  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  [طه/5] هل هو من المحكمات أم من المتشابهات ؟ قيل له الاستواء محكم المعنى متشابه الكيف .
فما عاينه الإنسان من الكيفيات التى تتعلق بالمخلوقات والتى دلت عليها ألفاظ الآيات ككيفية أداء الصلوات والزكاة والصيام وأفعال الحج وما شابه ذلك فهذا محكم المعنى والكيفية ، فلو سأل مسلم أعجمى لا يعرف العربية عن معنى الصلاة فى قوله تعالى :
 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  [البقرة/3] ؟
لقيل له بلسانه : الصلاة أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم ، فيسأل عن كيفية أدائها ؟ فيقال له : أمرنا رسول اللَّه S بأن نحاكيه تماما فى الكيفية فقال مبينا ذلك :
( وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ) (1) .
أما إذا كان المعنى معلوما والكيف الذى دل عليه المعنى مجهولا ، كانت الآية من المتشابه باعتبار الكيف لا المعنى ، كما فى جميع الأدلة التى وردت فى عالم الغيب ، فالجنة مثلا سمعنا عن وجود ألوان النعيم فيها ، وأخبرنا اللَّه بذلك فى كتابه وسنة نبيه S ، وعلى الرغم من ذلك قال رسول اللَّه S عن كيفية ألوان النعيم فيها :
( قَالَ اللَّهُ : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَـا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخارى فى كتاب الآذان برقم (631) .
خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ :
 فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ  [السجدة:17] ) (1) .
فتأمل قوله : لا عين رأت ولا أذن سمعت ماذا يعنى ؟ هل يعنى معنى الآيات أم الكيفية التى دلت عليها ؟ فإن قيل المعنى فخطأ لأننا سمعنا به فى الكتاب والسنة كما أن المعنى لا يرى بعين البصر وإنما يدرك بالبصيرة ، وإن قيل الكيف فصواب لأننا لم نره ولم نر له مثيلا .
فالمتشابه كيفية الموجودات فى الجنة لا المعنى الذى يدل عليها ، وعلى ذلك فجميع آيات الصفات محكمة المعنى متشابهة فى الكيفية فقط ، فلا يدخل فى المتشابه معانى الآيات التى وصف اللَّه بها نفسه كما اعتقد الخلف مذهب السلف وإلا كانت هذه الآيات بلا معنى ، فقوله تعالى :  وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ  أى باعتبار الكيف لا المعنى .
وجميع آيات القرآن لها معنى معلوم عند الراسخين فى العلم حسب اجتهادهم فى تحصيله ، وعليه جاء قول ابن عباس  فى آية آل عمران : ( أنا من الراسخين فى العلم ) (2) .
فالمتشابه هو الذى استأثر اللَّه بعلمه من الأمور الغيبية التى لا يعلمها إلا هو والتى أخبرنا بها فى كتابه ، ومن ثم فإن القرآن كله محكم باعتبار المعنى الذى دل عليه اللفظ وباعتبار الكيفية ففيه المحكم والمتشابه .
قال ابن تيميه رحمـه اللَّه معقبـا على قوله تعالى :  كِتَابٌ أَنزَلْنَـاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَـدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ  [ص:29] ، ( وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات وما لا يعقل له معنى لا يتدبر ) (3) .
وقال أيضا فـى قـوله تعالى :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخارى فى كتاب بدء الخلق برقم (3244) .
(2) انظر تفسير ابن جرير الطبرى 6/170 .
(3) انظر رسالة الإكليل ضمن مجموعة الرسائل 2/8 .
 أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  [محمد:24] .
( فلم يستثن شيئا منـه نهى عن تدبره ، واللَّه ورسوله S إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره اللَّه وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه اللَّه بل أمر بذلك ومدح عليه ) (1) .
وقد ذكر أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب اللَّه وقال هذه من المتشابه الذى لا يعلم معناه ، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين أن فى القرآن آيات لا تعلم معناها ولا يفهمها رسول اللَّه S ولا أهل العلم والإيمان جميعهم ، وإنما قد ينفون علم بعض الناس وهذا لا ريب فيه (2) .
ويذكر ابن القيم رحمه الله أننا لو قلنا كما قال الخلف إن قوله تعالى :  وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ  يتناول المعنى يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، بل يقرأون كلاما لا يعقلون معناه ، فهم متناقضون أفحش تناقض ، فإنهم يقولون النصوص تجري على ظاهرها وتأويلها باطل ثم يقولون لها تأويل لا يعلمه إلا الله (3) .
وقول هؤلاء باطل فإن الله سبحانه أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله ، وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور ، وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال ، واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان (4) .
وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ، فإن التأويل في عرف السلف المراد به التأويل في مثل قوله تعالى :  هَلْ يَنظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر السابق 2/8 .
(2) انظر السابق 2/15 بتصرف .
(3) انظر الصواعق المرسلة 3/921 بتصرف .
(4) انظر السابق 3/921 بتصرف .
يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ  [لأعراف:53] .
وقوله تعالى :  وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا  [يوسف:100] .
فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به والمنهي عنه كما قالت عائشة رضى الله عنها : ( كَانَ النَّبِيُّ S يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ ) (1) .
وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها ، وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره ، ولهذا قال مالك وربيعة الاستواء معلوم والكيف مجهول ) (2) .
وفى رده على الخلف فى زعمهم أن آيات الصفات من المتشابه الذى لا يعلم معناه إلا الله يذكر ابن القيم أن التشابه والإحكام نوعان ، تشابه وإحكام يعم الكتاب كله وتشابه وإحكام يخص بعضه دون بعض ، فإن أردتم بتشابه آيات الصفات النوع الأول فنعم هي متشابهة غير متناقضة يشبه بعضها بعضا وكذلك آيات الأحكام ، وإن أردتم أنه يشتبه المراد بها بغير المراد فهذا وإن كان يعرض لبعض الناس فهو أمر نسبي إضافي ، فيكون متشابها بالنسبة إليه دون غيره ولا فرق في هذا بين آيات الأحكام وآيات الصفات ، فإن المراد قد يشتبه فيهما بغيره على بعض الناس دون بعض ، وقد تنازع الناس في المحكم والمتشابه تنازعا كثيرا ولم يعرف عن أحد من الصحابة قط أن المتشابهات آيات الصفات ، بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك ، فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم وهم لا يتنازعون في شيء منها وآيات الأحكام هي المحكمة وقد وقع بينهم النزاع في بعضها ؟ (3) .
والمقصود أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاما لا معنى له ، و لا يجوز أن يكون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه البخارى فى كتاب الأذان (817) .
(2) الصواعق المرسلة 3/921 بتصرف .
(3) السابق 3/921 بتصرف .

الرسول S و جميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ ، سواء كان مع هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون أو كان للتأويل معنيان يعلمون أحدهما و لا يعلمون الآخر (1) .
• تفسير آية آل عمران من منظور السلف :
وعلى هذا الفهم السلفى يمكن تفسير آية آل عمران بأن الله يخبر أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب ، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد سواء من جهة المعنى أو الكيفية ، وهى أصل الدين وقوام العبودية وتتمثل فى الأحكام الشرعية الدينية ، فلا بد من وضوحها وبيان معانيها ووصف كيفيتها لسائر الناس دون اشتباه أو التباس ، فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع خصوم الباطل ، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه كما روي عن السلف ، فعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به ) (2) .
وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنهم قالوا : المحكم الذي يعمل به (3) .
وأخر متشابهات كآيات الصفات من حيث اشتراك الألفاظ والكلمات عند تجردها عن الإضافة والتخصيص والتركيب لا من حيث المعنى المراد ، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق ، ولهذا قال الله تعالى :  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ  أي ضلال وخروج عن الحق ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السابق 3/922 بتصرف .
(2) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/347 ، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري 3/172 دار الفكر بيروت 1405هـ ، الدر المنثور لجلال الدين السيوطي 2/144 ، دار الفكر بيروت 1993م .
(3) معالم التنزيل لأبى محمد الحسين بن مسعود البغوي 1/279 ، دار المعرفة بيروت 1407هـ .
إلى الباطل  فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ِ  أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها  ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه ِ  أي تحريفه على ما يريدون (1) .
روى عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أنها قَالَتْ : ( تَلا رَسُولُ اللَّهِ S هَذِهِ الآيَةَ :
 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ  [آل عمران:7] .
قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ S فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ ) (2) .
وهؤلاء منهم الخوارج كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة ثم انبعث القدرية ثم الجهمية ثم المعتزلة والأشعرية وغير ذلك من الطوائف (3) .
وقوله تعالى  وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ  يجب الوقف هاهنا إذا كان المقصود العلم بكيفية الحقائق الغيبية وكيفية الصفات الإلهية فلا يعلم ذلك إلا الله ، ويجوز الوقف على قوله :  وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  إذا كان المقصود العلم بمعانى الآيات القرآنية سواء المتعلقة بالخالق أو المخلوق وكذلك كيفية أداء الأحكام الشرعية أو كيفية ما دلت عليه الآيات فى الإخبار عن سائر المخلوقات فى الدنيا .
قال ابن كثير : ( وأما إن أريد بالتأويل التفسير والبيان والتعبير عن الشيء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/347 بتصرف .
(2) أخرجه البخارى فى كتاب تفسير القرآن برقم (4547) .
(3) تفسير ابن كثير 1/347 بتصرف .

فالوقف على قوله :  وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه ) (1) . ويمكن تلخيص موقف السلف والخلف من المحكم والمتشابه وأثره على آيات الصفت من خلال الشكل الآتى :


كيفية الصفة معنى الصفة آيات الصفات
متشابه محكم موقف السلف
غير موجودة متشابه موقف الخلف

وهذا الموقف لكل من السلف والخلف سوف يؤثر على فهم قضية التفويض فى الصفات لإلهية كما سنرى فى المبحث التالى .











ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السابق 1/348 .







المبحث الثانى
العلاقة بين فهم المحكم والمتشابه وقضية التفويض .
• مذهب الخلف فى نصوص الصفات :
يعتقد الخلف من الأشعرية والماتردية أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى وردت فى الصفات الخبرية موهمة للتشبيه والجسمية وظاهرها باطل غير مراد ، فإما أن تؤول وإما أنها من أخبار الآحاد التى لا تفيد اليقين فى أمور الاعتقاد (1) .
وقد بنو ذلك على أصول عقلية زعموا أنها أمور يقينية واعتبروها أصول الدين والفيصل المبين فى النظر إلى كتاب الله وسنة رسوله S ، فما وافق تلك الأصول من النصوص والآيات فهو دليل لهم ، وما خالف أصولهم وتقسيمهم للتوحيد فينبغى التعامل معه بأى وسيلة وأن يبذل المرء لها كل حيلة ، إما بادعاء مجاز أو تأويل أو تهوين وتعطيل أو تقبيحها فى نفس السامع حتى تبدو ضربا من المستحيل المهم أن يقر بأن ظاهرها الذى ورد فى التنزيل باطل ومستحيل ويجب صرفه إلى شئ آخر .
فالتوحيد عندهم مبنى على قولهم : إن الله واحد فى ذاته لا قسيم له ، وواحد فى صفاته لا شبيه له ، وواحد فى أفعاله لا شريك له ، وهم يدرجون تحت شعار أنه لا ينقسم نفي علو الله على خلقه ومباينته لمصنوعاته ونفى ما ينفونه من صفاته ويقولون : إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبا منقسما مشابها للحوادث (2) .
يقول الرازى وهو من أعمدة المذهب الأشعرى فى نفى علو الله على خلقه وتعطيل استوائه على عرشه : ( لو كان الله مختصا بالمكان لكان الجانب الذى فى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ــ انظر بتصرف رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ص 17 وما بعدها ، نشر مطابع دار الكتاب العربي 1966م ، وكتاب أصول الدين ص63 ، لجمال الدين أحمد بن محمد بن سعيد تحقيق عمر وفيق الداعوق ، نشر دار البشائر الإسلامية ، بيروت سنة 1998.
(2) ــ درء تعارض العقل والنقل 1/225 وما بعدها بتصرف .
يمينه يلى ما على يساره ، فيكون مركبا منقسما فلا يكون أحدا فى الحقيقة ، فيبطل قوله :  قل هو الله أحد  ) (1) .
وهم لما نفوا الاستواء وعطلوا علو الفوقية بهذه الحجج العقلية ساءت سمعتهم عند عامة المسلمين ، فالله يقول صراحة هو على العرش وهم يقولون صراحة ليس على العرش ، فما المخرج من هذه المأزق الذى وضعوا أنفسهم فيه ؟ والجواب فى قول أحدهم :
( لو سئلنا عن قوله تعالى :  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  ، لقلنا المراد بالاستواء القهر والغلبة والعلو ، ومنه قول العرب استوى فلان على المملكة أي استعلى عليها واطردت له ، ومنه قول الشاعر :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق ) (2) .
وهذا تحريف للكلم عن مواضعه فى ثوب التأويل ، فالتأويل يقبل إن كان بدليل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ــ انظر أساس التقديس الفخر الرازى ص 203 .
(2) ــ انظر لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة ص 108 بتصرف ، والشاعر هو الأخطل النصرانى الحاقد على الإسلام والمسلمين ، قال ابن كثير فى التعقيب على هذا البيت : (( هذا البيت تستدل به الجهمية على أن الاستواء بمعنى الاستيلاء ، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه وليس فى بيت هذا النصرانى حجة ولا دليل على ذلك ، ولا أراد الله عز وجل باستوائه على عرشه استيلاءه عليه ، ولا نجد أضعف من حجج الجهمية حتى أداهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصرانى المقبوح )) انظر البداية والنهاية 9/295 .
والعجب كل العجب أن قوة احتجاج الأشعرية بهذا البيت على نفى الاستواء أقوى من قوة الاحتجاج بكلام الله على إثباته ، مع أن الأخطل النصرانى المشرك هو القائل فى شعره مستهزءا بالصلاة والصيام والأضاحى :
ولست بصائم رمضان يوما : ولست بآكل لحم الأضاحى
ولست بزائر بيتا بعيدا : بمكة ابتغى فيه صلاحى
ولست بقائم كالعير أدعو : قبيل الصبح حى على الفلاح
انظر السابق 9/263 ، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم 7/36 لابن الجوزي ، تحقيق محمد ومصطفى عبد القادر عطا ، نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1412هـ .
صحيح ، لكن العرب لا تعرف أبدا استوى بمعنى استولى ، بل إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار ولم يجعلوه من لغة العرب .
روى الحسن بن محمد الطبري عن أبي عبد الله نفطويه النحوي ، قال أخبرني أبو سليمان ، قال : ( كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله ما معنى  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  ؟ قال : إنه مستو على عرشه كما أخبر ، فقال الرجل : إنما معنى استوى استولى ، فقال له ابن الأعرابي : ما يدريك ؟ العرب لا تقول استولى فلان على الشيء حتى يكون له فيه مضاد ، فأيهما غلب قيل قد استولى عليه ، والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر ) (1) .
وقال أبو سليمان الخطابى وهو من أئمة اللغة : ( وزعم بعضهم أن الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء ، ونزع فيه إلى بيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله ، ولو كان الاستواء ها هنا بمعنى الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة ، لأن الله تعالى قد أحاط علمه وقــدرته بكل شئ وكل بقعة من السمـاوات والأرضين وتحت العرش ، فما معنى تخصيصه العرش بالذكر؟!
ثم إن الاستيلاء إنما يتحقق معناه عند المنع من الشئ ، فإذا وقع الظفر به قيل استولى عليه فأى منع كان هناك حتى يوصف بالاستيلاء بعده ! ) (2) .
ومعلوم أن كل تأويل لا يحتمله اللفظ فى أصل وضعه وكما جرت به عـادة الخطـاب بين العرب هو نوع من التزوير والتدليس والخلط والتلبيس الذي يضيع ثوابت القول وقواعد الكلم ، فأهل العلم يعلمون أن إثبات الاستواء والنزول والوجه واليد والقبض والبسط وسائر صفات الذات والفعل لا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيبا ولا انقساما ولا تمثيلا ، وكان أولى بالصحابة والتابعين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ــ حاشية ابن القيم على سنن أبي داود 3/18 ، دار الكتب العلمية بيروت 1415هـ .
(2) ــ بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ، لابن تيمية 2/438 ، نشر مطبعة الحكومة مكة المكرمة سنة 1392 ، وانظر مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم الجوزية 1/37 وما بعدها حيث فند العلامة ابن القيم ادعاء الأشعرية بأن الاستواء بمعنى الاستيلاء من اثنين وأربعين وجها وبين ضلال من اعتقد ذلك .
وهم أئمة اللغة وأسياد الفهم أن يعترض واحد منهم على الأقل ويقول : كيف نؤمن بهذه الصفات التى تدل على التركيب والانقسام فى الذات ؟ (1) .
ولذلك فإن كثيرا ممن نشأ فى الأوساط التى يسودها مذهب الخلف أنكروا تأويلهم المتعسف للنصوص ، وادعوا أن السكوت وتفويض الأمر إلى الله هو المسلك المفضل ، ظنا منهم أنهم على عقيدة السلف الصالح ، فظهرت قضية التفويض التى وسم بها السلف متأثرة بعقيدة الخلف فى فهم المحكم والمتشابه وعدم التمييز بين كون معانى نصوص الصفات محكمات وأن الكيفيات الغيبية هى فقط المتشابهات ، وقد سرى هذا الاعتقاد فى نفوس كثيرة منذ ظهور المذهب الأشعرى حتى عصرنا هذا .
يقول أبو سعيد النيسابوري (ت:478) : ( لأصحابنا في ذلك طريقان ، أحدهما الإعراض عن التأويل والإيمان بها كما جاءت والإيمان بها صحيح وإن لم يعرف معناها ، وهذا الطريق أقرب إلى السلامة ، ومن أصحابنا من صار إلى التأويل والاختلاف صادر عن اختلاف القراءتين في قوله تعالى :  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  [آل عمران:7] .
فمن صار إلى الوقف على قوله وما يعلم تأويله إلا الله أعرض عن التأويل وجعل قوله والراسخون في العلم كلاما مبتدأ ، ومعناه أن العلماء يقولون آمنا به ومن صار إلى الوقف على قوله والراسخون في العلم ، فيكون معناه أن الله تعالى يعلم تأويله والراسخون في العلم أيضا يعلمون تأويله صار إلى التأويل ) (2) .
فعلى الرغم من كونه يذكر موقف السلف من المحكم والمتشابه إلا أنه نسب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر أنواع التأويلات الباطلة وأمثلتها من كلام الأشعرية فى مقدمة فى أصول التفسير لابن تيمية ص43 وما بعدها ، و درء تعارض العقل والنقل 1/226 وما بعدها بتصرف .
(2) الغنية فى أصول الدين ، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر ص 77 ، نشر مؤسسة الخدمات والأبحاث الثقافية ، بيروت سنة 1987م .
إليهم الإيمان بنصوص الصفات وإن لم يعرفوا معناها ، وجعلهم بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم :
 وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ  [البقرة:78] .
ويقول مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي (ت:1033) : ( ومن المتشابه الإستواء في قوله تعالى :  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  وهو مذكور في سبع آيات من القرآن ، فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به ) (1) .
ثم يستدل على ذلك بقول الإمام مالك : الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة (2) .
• أمثلة معاصرة على اعتقاد الخلف أن مذهب السلف هو التفويض .
[1] - قال صاحب جـوهرة التـوحيد رحمه اللَّه :
وكل نص أوهم التشبيه : أوله أو فوِّض ورم تنزيهـا
ويذكر شارح الجوهرة تحت هـذا البيت فى قوله تعالى :  وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  [الفجر:22] وحديث الصحيحين : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْـهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ S قَالَ : يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُـثُ اللَّيْلِ الآخِرُ ، يَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ) (3) ، يقول : فالسلف يقولون : مجيء ونزول لا نعلمه ) (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات ، تحقيق شعيب الأرناؤوط 1/120 ، مؤسسة الرسالة بيروت1406هـ .
(2) السابق1/120 .
(3) أخرجه البخارى فى كتاب الجمعة برقم (1145) .
(4) شرح البيجورى على الجوهرة ص109 طبعة المعاهد الأزهرية .



فادعى الناظم والشارح معا أن مذهب السلف الصالح هو تفويض المعنى ، وهذا باطـل لأنه جعل كلام اللَّه بلا معنى ، وجعل السلف بمنـزلة الجهلة الذين خاطبهم اللَّه بالألغاز والأحاجي وما لا يفهم معناه ، ولا يعقل أن نسمع رجلا أجنبيا يتحدث بلغة لا نفهمها ولا نعلم لسان أهلها ثم نقول بعد سماعنا له : كلامك جيد ووصفك سليم وكلامك ليس فيه باطل ونحن نصدق كل ما تقول !
وإذا كان هذا مستقبحا بين البشر فكيف نقبله فى كلام اللَّه عز وجل ؟! فالسلف لم يقولوا : مجيء ونزول لا نعلمه كما ادعى شارح الجوهرة ، وإنما قالوا : مجيء ونزول لا نعلم كيفيته وفرق بينهما عظيم .
[2] - قال الشيخ أمين محمود خطاب عن نصوص الصفات : ( إن السلف فوضوا علم المراد منهـا إلى اللَّه تعالى . فقوله :  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  يقول فيه السلف هو مصروف عن ظاهره ويفوضـون علم المراد منـه إلى اللَّه ) (1) .
والسلف الصالح ما قالوا هذا ، وإنما قالوا فى الآية : هى على ظاهرها والمعنى معلوم واضح ، والمجهول هو الكيف فقط ، ولكن الأشعرية ظنوا أن الظاهر منها يتحتم أن يكون هو الظاهر من استواء بلقيس على عرشها ، ولو سألت أحدهم : هل رأيت استواء بلقيس ؟ فيقول : لا ، يقال له : وهل رأيت له مثيلا ؟ فيقول : نعم ، فيقال عند ذلك : معنى استواء بلقيس معلوم وكيفية استوائها معلومة أيضا من رؤيتك للمثيل ، لكن إذا سألناه : هل رأيت استواء اللَّه ؟ فيقول : لا ، فيقال : وهل رأيت له مثيلا ؟ فيقول  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  [الشورى:11] ، فيقال له : كيف حكمت أن الظاهـر فى استـواء اللَّه يماثل الظاهر فى استواء بلقيس ؟ أليس هذا قول على اللَّه بلا علم ؟ إنما يكفى أن القول إن معنى استواء اللَّه معلوم وهو العلو والارتفاع وكيفية استوائه معلومة لله مجهولة لنا .
[3] - ما ذكره الشيخ إبراهيم الدسوقى فى مقالته عن قوله تعالى :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفتاوى الأمينية ص97 .
 الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  وآراء العلماء فى المتشابه إذ يقول :
( فذهب السلف إلى التفويض فى المعنى الذى أراده اللَّه تعالى بعد الإيمان به والتنزيه عن الظاهر المستحيل ) ثم ينسب ذلك إلى الأئمة الأربعة وأنهم يدينون لله بهذه العقيدة (1) .
فهؤلاء جميعا مع فضلهم وحسن ظننا بهم ظنوا أن اعتقاد السلف الصالح هو التفويض ، وفى الحقيقة نجد مفتاح الأمر يمكن فى إثبات الاستواء هل هو موجود وله كيفية أم أنهم لا يؤمنون بهذه الحقيقة الغيبية ؟
فلا خلاف بين السلف فى وجود كيفية حقيقية للاستواء ، وإنما الخلاف بين السلف ومخالفيهم من الأشعرية وغيرهم فى ادعائهم جهل السلف بمعنى الاستواء وتفويض العلم به إلى الله ، فالكيفية لها وجود حقيقى معلوم لله ومجهول لنا .
ومن ثم فالقول بأن الاستواء غير معلوم أو لا نعلمه أو نجهله قول باطل وكذلك القول بأن معنى الاستواء غير معلوم قول باطل أيضا ، أما القول بأن كيفية الاستواء فقط غير معلومة أو مجهولة لنا فهو الحق الذي دلت عليه الأدلة .
وهنا مسألة تتطلب الشرح والتفصيل وهى مسألة الظاهر هل هو مراد أو غير مراد ؟ فإذا قال القائل ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد ، فإنه يقال لفظ الظاهر فيه إجمال وإشتراك ، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد ، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها ، ولا يرتضون أن يكون ظاهرالقرآن والحديث كفرا وباطلا ، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذى وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال ، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين :
1- تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل يخالف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر مجلة الأزهر عدد محرم سنة 1414 هـ ص28 ، وانظر أيضا مجموعة الرسائل للشيخ الفاضل حسن البنا ص330 .
الظاهر ولا يكون كذلك .
2- وتارة يردون المعنى الحق الذى هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل (1) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وأعلم أن من المتأخرين من يقول مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد ، وهذا اللفظ مجمل ، فان قوله ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين ، مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلى أنه مستقر فى الحائط الذى يصلى إليه ، وأن الله معنا ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك فلا شك أن هذا غير مراد ، ومن قال من السلف إن هذا غير مراد فقد أصاب فى المعنى لكن أخطأ باطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث ، فان هذا المحال ليس هو الظاهر إلا أن يكون هذا المعنى ممتنع وصار يظهر لبعض الناس فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار معذورا فى هذا الإطلاق ) (2) .
• عقيدة التفويض والدعوة إلى عدم الكلام فى نصوص الصفات عند العوام :

نظرا لأن بعض المنتسبين لمذهب الخلف قد يواجهون بقوة عند قولهم بتأويل نصوص الصفات لا سيما إذا كان التأويل أقرب إلى التحريف ، فإنهم يتملصون من مواجهة الحق بدعوى السكوت وعدم الخوض فى المتشابه كما هو حال السلف أو زعمهم أن مسائل الصفات لا يترتب عليها عمل ولا سلوك ، فيكفينا المحكم من القرآن والسنة وما يدعوا إلى تأليف القلوب .
وهذه دعوة قديمة منذ ظهور عقيدة التفويض وعدم إدراك ما عليه السلف ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قول القائل : لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها ، إما أن يريد بذلك أنه لا تتلى هذه الآيات وهذه الأحاديث عند عوام المؤمنين ، فهذا مما يعلم بطلانه بالاضطرار من دين المسلمين ، بل هذا القول إن أخذ على إطلاقه فهو كفر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر مجموع الفتاوى 3/43 ، درء التعارض بين العقل والنقل 7/128 بتصرف .
(2) السابق 5/108 .
صريح ، فإن الأمة مجمعة على ما علموه بالاضطرار من تلاوة هذه الآيات في الصلوات فرضها ونفلها واستماع جميع المؤمنين لذلك ، وكذلك تلاوتها وإقرائها واستماعها خارج الصلاة هو من الدين الذي لا نزاع فيه بين المسلمين ، وكذلك تبليغ الأحاديث في الجملة هو مما اتفق عليه المسلمون ، وهو معلوم بالاضطرار من دين المسلمين ، إذ ما من طائفة من السلف والخلف إلا ولا بد أن تروي عن النبي S شيئا من صفات الإثبات أو النفي ، فإن الله يوصف بالإثبات وهو إثبات محامده بالثناء عليه وتمجيده ، ويوصف بالنفي وهو نفي العيوب والنقائص عنه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا .
وأما أن يريد أنه لا يقال حكمها كذا وكذا إما إقرار وتأويل أو غير ذلك فإن أراد هذا فينبغي لقائل ذلك أن يلتزم ما ألزم به غيره فلا ينطق في حكم هذه الآيات والأحاديث بشيء ، ولا يقول الظاهر مراد أو غير مراد ولا التأويل سائغ ولا هذه النصوص لها معان أخر ونحو ذلك ، إذ هذا تعرض لآيات الصفات وأحاديثها على هذا التقدير وإذا التزم هو ذلك وقال لغيره التزم ما التزمته ولا تزد عليها ولا تنقص منها فإن هذا عدل ، بخلاف ما إذا نهى غيره عن الكلام عليها مع تكلمه هو عليها كما هو الواقع .
وكذلك قوله ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها إن أراد أنها أنفسها لا تكتب ولا يفتى بها ، فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام كما تقدم ، وإن أراد لا يكتب بحكمها ولا يفتي المستفتي عن حكمها ، فيقال له فعليك أيضا أن تلتزم ذلك ، ولا تفتي أحدا فيها بشيء من الأمور النافية ، وحينئذ يكون أمرك لغيرك بمثل ما فعلته عدلا ، أما أن يجيء الرجل إلى هذه النصوص فيتصرف فيها بأنواع التحريفات والتأويلات جملة أو تفصيلا ويقول لأهل العلم والإيمان أنتم لا تعارضوا ولا تكلموا فيها ، فهذا من أعظم الجهل والظلم والإلحاد في أسماء الله وآياته .
كما أن سلف الأمة وأئمتها ما زالوا يتكلمون ويفتون ويحدثون العامة والخاصة بما في الكتاب والسنة من الصفات ، وهذا في كتب التفسير والحديث والسنن أكثر من أن يحصيه إلا الله .
وقد قيل إن مالكا لما صنف الموطأ قال : جمعت هذا خوفا من الجهمية أن يضلوا الناس لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل (1) .
• لوازم القول بالتفويض .
فوجب على العقلاء من المسلمين التنبه إلى خطورة القول بالتفويض وسلب كـلام اللَّه عن معناه ، أو محاولة تقبيـح إثبات الصفات فى نفس السامع تحت مسمى التجسيم وإثبات الأعضاء والجوارح لله ، لأن القول بالتفويض يؤدى إلى الزامات قبيحة يتمثل أبرزها فيما يلى :
[1] - أن القرآن ملئ بالحشـو الذى لا فائدة منه ، مما يحتم حذفه ليوصـف بالكمـال وهذا باطل لقـوله تعالى :
 لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  [فصلت:42] .
[2] – أن اللَّه خاطب عباده بالألغاز والأحاجى وهو قادر على عكس ذلك ، وهذا باطل لأنه يؤدى إلى القول بأن كلام اللَّه بلا معنى ، فقال تعالى :
 وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ  [النحل:103] .
وقال سبحانه :  اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْـرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  [الزمر:23] فوصف كلامه بأنه أحسن الحديث .
[3] - أن الرسول S بلغ ما لا يعلم ولم يفهم ما جاء فى التنزيل وهذا باطل لقوله تعالى :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفتاوى الكبرى 5/14 بتصرف .
 وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [إبراهيم:4] .
[4] - أن الصحابة خدعوا أنفسهم بادعائهم الفهم وموافقة النبى S فى إيمان لا يعلمون حقيقته ، وهذا باطل لقوله تعالى عنهم :  أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّـا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  [الأنفال/74] ولقوله :  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِـرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  [الأنفال:2] فكيف يزدادون إيمانا بتلاوة ما ليس له معنى له .
[5] - أن القـول بالتفويض يلزم منه أن ظاهر النصوص يحمل معنى مستهجن يخاف المفوض من مواجهته وهذا باطـل لأن اللَّه عز وجل أمرنا بتـدبر آياته وفهمها فى حدود مدركـاتنا ، فقـال جل ذكره :  أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِـلافًا كَثِيرًا  [النساء:82] .
وفى الحقيقة إن القول بالتفويض ما هو إلا محاولة للهروب من مواجهة الأدلة لقوة ما ورد فيها من إثبات الصفات .

• أسباب القول بالتفويض .

أولا : الجهل بمذهب السلف من ناحية والرفض الداخلى للمذهب الأشعرى من ناحية أخرى ، إذ أن الخلف من الأشعرية وغيرهم قاموا بلىّ أعناق النصوص وذبحها بصورة لا تخفى على عاقل ، فأغلبهم لا يقر فى نفسه تفسير الاستواء بالاستيلاء والقهر والغلبة ، وإذا أقر به على مضض أقر به ليتملص من إثبات صفة الاستواء الذى ظاهرها عنده باطل قبيح ، فإذا خـلا بنفسة تردد على ذهنه سؤال لا يفارقه ومن الذى نازع اللَّه على العـرش حتى قهره واستـولى عليه ؟! فلا يجد جوابا شافيا ، فيُرضى نفسه بالسكوت والتفويض وترك الأمر برمته مدعيا أن هذا مذهب السلف .
ثانيـا : تقليد بعض المشاهير الذين تبنوا القول بالتفويض عن حسن نية ، وتبنى بعض المؤسسات العلمية لهذا الأمركما قال صاحب جوهرة التوحيد :
وكل نص أوهم التشبيه : أوّله أو فوِّض ورم تنزيهـا
فيدعى أن مذهب السلف الصالح هو التفويض ومن ثم يشب طالب العلم من مهده على ذلك ، وهو لا يعرف غير هذا الاعتقاد ، حتى يصبح أستاذا كبيرا فى الجامعة ، أو مدرسا مخضرما فى المادة يدافع عما درسه بقوة ظنا منه أنه على شئ ، وإذا ظهر لهم الحق فى هذا الموضوع فقل من لا تأخذه عزة المكانة فيتراجع أمام مذهب السلف .



































الخاتمة

سبق أن علمنا أن موقف السلف والخلف من المحكم والمتشابه وأثره على آيات الصفات يتضح من خلال الشكل الآتى :


كيفية الصفة معنى الصفة آيات الصفات
متشابه محكم موقف السلف
غير موجودة متشابه موقف الخلف

كذلك يمكن أن نرى موقف السلف والخلف من قضية التفويض وعلاقتها بفهم المحكم والمتشابه من خلال الشكل الآتى :




كيفية الصفة معنى الصفة آيات الصفات
غير معلوم معلوم موقف السلف
غير موجودة غير معلوم موقف الخلف

وبالمقارنة بين هذين الشكلين يضح لنا أثر الفهم الصحيح لمعنى المحكم والمتشابه على قضية تفويض الصفات الإلهية .
فنحن إذا نظرنا إلى كتاب الله واستقرأنا جميع الأدلة النقلية التى تتعلق بالأمور الغيبية على وجه العموم وبذات الله وصفاته على وجه الخصوص ، لا نجد آية واحدة أو حديثا يتحدث عن كيفية الذات وصفاتها أو كيفية الموجودات التى فى عالم الغيب ، وكل ما ورد كان الهدف منه إثبـات وجود ذات الله وصفاته وأفعاله على التفصيـل الوارد فى الكتاب والسنة وبكيفية تليق بالله يعلمها هو ولا نعلمها نحن ، وهذا يتطلبا كلاما يحمل معنى مفهوما .
وعلى هذا المفهوم جاءت أقوال السلف الصالح فى نصوص الصفات وسائر الغيبيات : ( أمروها كما جاءت بـلا كيـف ) (1) .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله معقبا : ( قولهم أمروها كما جاءت يقتضى إبقاء دلالتها على مـا هى عليه فإنها جاءت ألفاظ دالـة على معـان ، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال : أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم غير مراد أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة وحينئذ فـلا تكـون قد أمـرت كما جاءت ولا يقـال حينئذ : بلا كيف ، إذ نفى الكيف عما ليس بثابت لغو من القول ) (2) .
وعلى ذلك أيضا جاء قول مالك رحمه الله : ( الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ) (3) .
وربما زعم بعضهم أن قول السلف فى الاستواء معلوم يعنى أن آية الاستواء موجودة فى القرآن وقد رد شيخ الإسلام مجيبا عن هذه الشبهة فقال : ( فإن قيـل معنى قوله : الاستواء معلوم أن ورود هذا اللفظ فى القرآن معلـوم كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذى استأثر الله بعلمه !!
قيل : هذا ضعيف ، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل فإن السائل قد علم أن هـذا موجود فـى القرآن وقد تلا الآية ، وأيضا لم يقل ـ يعنى الإمام مالك ـ ذكر الاستـواء فى القـرآن ـ يعنى معلوم ـ ولا إخبار الله بالاستواء ـ يعنى معلوم ـ وإنما قال الاستواء معلوم .. وأيضا فإنه قال : والكيف مجهـول ولو أراد ذلك لقال : معنى الاستواء مجهول ، أو تفسير الاستواء مجهول أو بيان الاستواء غير معلوم ، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس الاستواء ، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه ) (4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفتوى الحموية ص28 .
(2) السابق ص28 .
(3) تقدم تخريجه .
(4) رسالة الإكليل ضمن مجموعة الرسائل الكبرى 2/33 .
وختاما أدعو إخواننا الذين يظنون أن مذهب السلف هو تفويض معانى النصوص التى خاطبنا اللَّه بها إلى إعادة النظر فى الأمر حتى لا يظلم المذهب السلفى من ناحية ولا يدعون إلى غير الحق من ناحية أخرى ، وقد قال العلامة ابن القيم : ( فلا سعادة للعباد ولا صلاح لهم ولا نعيم إلا بأن يعرفـوا ربهم ويكون هو وحده غاية مطلوبهم والتقرب إليه قرة عيونهم ) (1) ، فكيف تتم هذه السعادة فى ظل عقيدة التفويض ؟
وإذا كان قبول العمل عند الله يعود إلى صدق النية وقوله S :( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) (2) ، فالنية وحدها لا تكفى إذ لا بد من شرط المتابعة لمن سلف واجتناب بدعة من خلف .














ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة 1/47 .
(2) أخرجه البخارى فى كتاب بدء الوحى برقم (1) .

أهم المراجع


• أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص ، تحقيق محمد الصادق قمحاوي ، نشر دار إحياء التراث العربي بيروت سنة 1405هـ .
• أصول الدين ، لجمال الدين أحمد بن محمد بن سعيد ، تحقيق عمر وفيق الداعوق نشر دار البشائر الإسلامية ، بيروت سنة 1998.
• أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات تأليف مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي ، تحقيق شعيب الأرناؤوط ، نشر مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1406هـ .
• الاتقان فى علوم القرآن تأليف جلال الدين السيوطى ، طبعة مصطفى البابى الحلبى القاهرة سنة 1354هـ .
• البداية والنهاية ، لأبى الفداء إسماعيل بن عمرو بن كثير القرشى الدمشقى طبعة المطبعة السلفية ، القاهرة سنة 1351 هـ .
• البرهان المؤيد لأحمد بن علي بن ثابت الرفاعي الحسيني ، تحقيق عبد الغني نكهمي نشر دار الكتاب النفيس بيروت 1408هـ .
• البرهان فى علوم القرآن للإمام بدر الدين الزركشى ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة دار المعرفة ، بيروت سنة 1972م .
• بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لابن تيمية ، نشر مطبعة الحكومة مكة المكرمة سنة 1392هـ .
• تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة ، تحقيق عبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية ، نشر دار عالم الكتب الرياض سنة 1990م .
• تفسير ابن جرير الطبرى ، جامع البيان عن تأويل آى القرآن ، لأبى جعفر محمد ابن جرير الطبرى ، تحقيق الأستاذ محمود محمد شاكر ، مراجعة الشيخ أحمد محمد شاكر ، طبعة دار المعارف ، القاهرة ، بدون تاريخ .
• تفسير البيضاوي ، عبد القادر عرفات العشا حسونة ، نشر دار الفكر ، بيروت سنة 1416هـ .
• تفسير القرآن العظيم ، لأبى الفداء إسماعيل بن كثير القرشى الدمشقى طبعة دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة بدون تاريخ .
• التوقيف على مهمات التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي ، نشر دار الفكر المعاصر بيروت 1410هـ .
• الجامع الصحيح المختصر ، لمحمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي تحقيق د. مصطفى ديب البغا نشر دار ابن كثير , اليمامة بيروت سنة 1407 هـ .
• الجامع لأحكام القرآن لأبى عبد الله القرطبي ، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني نشر دار الشعب القاهرة سنة 1372 هـ .
• حاشية ابن القيم على سنن أبي داود 3/18 ، دار الكتب العلمية بيروت 1415هـ .
• الدر المنثور لجلال الدين السيوطي ، دار الفكر بيروت 1993م .
• درء تعارض العقل والنقل لأبى العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني تحقيق د. محمد رشاد سالم نشر دار الكنوز الأدبية ، الرياض سنة 1391هـ .
• دقائق التفسير الجامع لتفسير شيخ الإسلام ابن تيمية ، تحقيق الدكتور محمد السيد الجليند ، نشر مؤسسة علوم القرآن ، دمشق سنة 1404هـ .
• شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة تأليف أبى القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبرى اللالكائى ، تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان طبعة دار طيبة ، الرياض سنة 1409هـ .
• شرح السنة ، لأبى محمد البربهاري تحقيق د. محمد سعيد سالم القحطاني نشر دار ابن القيم الدمام سنة 1408هـ .
• شرح السيوطي على سنن النسائي ، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة نشر مكتب المطبوعات الإسلامية حلب سنة 1406هـ .
• الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ، لابن قيم الجوزية تحقيق د. علي بن محمد الدخيل الله نشر دار العاصمة ، الرياض سنة 1418هـ .
• العلو للعلي الغفار لأبى عبد الله محمد بن عثمان بن قايماز الذهبي ، تحقيق أبو محمد أشرف بن عبد المقصود ، نشر مكتبة أضواء السلف الرياض 1995م .
• غاية المرام في علم الكلام لعلي بن سالم الآمدي ، تحقيق د . حسن الشافعى نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، القاهرة سنة 1391هـ .
• الغنية فى أصول الدين ، لأبى سعيد عبد الرحمن بن محمد ، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر نشر مؤسسة الخدمات والأبحاث الثقافية ، بيروت سنة 1987م .
• الفتاوى الكبرى ، لأبى العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني تحقيق حسنين محمد مخلوف ، نشر دار المعرفة ، بيروت سنة 1386 هـ .
• فتح البارى شرح صحيح البخارى للإمام أحمد بن على بن حجر العسقلانى تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى ، طبعة دار الريان للتراث القاهرة سنة 1407 هـ .
• فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية من علم التفسير ، للإمام محمد بن على بن محمد الشوكانى طبعة مصطفى البابى الحلبى القاهرة 1383 هـ .
• الفتوى الحموية الكبرى ، تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية ، طبعة روضة الفسطاط القاهرة سنة 1398 هـ .
• كتاب العين لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي ، تحقيق د.مهدي المخزومي ود.إبراهيم السامرائي ، نشر دار ومكتبة الهلال .
• لسان العرب ، لمحمد بن المكرم بن منظور الإفريقى طبعة دار المعارف القاهرة سنة 1307 هـ .
• لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة ، لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف تحقيق د. فوقية حسين ، نشر عالم الكتب بيروت 1987م .
• مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد طبعة دار الإفتاء بالسعودية الرياض سنة 1381 هـ .
• مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ، تأليف شمس الدين بن القيم الجوزية ، طبعة مكتبة المتنبى القاهرة سنة 1981م .
• معالم التنزيل لأبى محمد الحسين البغوي دار المعرفة بيروت 1407هـ .
• المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية ، دار المعارف .
• الملل والنحل لمحمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني ، تحقيق محمد سيد كيلاني نشر دار المعرفة ، بيروت سنة 1404 هـ .
• المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي ، تحقيق محمد ومصطفى عبد القادر عطا ، نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1412هـ .

فيصل
11-09-03, 09:39 AM
الأخ أحمد : هل هذا البحث القيم يوجد في ملف وورد

Ahmed Salem
11-09-03, 07:45 PM
وجزاكم وها هو ملف الورد

السفاريني
11-09-03, 09:10 PM
أشكركم على هذا البحث

ولكن يشكل علينا أمر وهو

إذا قلنا أن اليد معلومة

فماذا تعني اليد غير ( الجارحة ) والله تبارك وتعالى كما وصف نفسه ( ليس كمثله شيء )

فهل يتطوع أحد ويرفع عنا هذا الإشكال وله منا خالص الدعاء

فيصل
11-09-03, 11:29 PM
ماذا تعني بالجارحة؟

الموحد99
12-09-03, 12:34 AM
اليد في اللغة : -

هي التي يقبض بها ويبسط ويبطش بها

بن حمد آل سيف
07-02-07, 03:13 AM
أخي سميح، القضية سهلة بإذن الله متى ما أرجعناها إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

هل يمكن أن تتصور وجود ( روح ) يحيا بها جسدك ؟!
الجواب : نعم.
هل عرفتَها مشخّصةً، أو أدركت شيئاً من أشخاص عينها.
الجواب : لا .
فإذا كانت هذه الروح التي تتردد بين جنبيك (و هي قريبة إليك) لا تعرف كيفتها و لا تستطيع تخيلها مشخّصة (و أنت تجزم بوجودها قطعا)، تفهم أن الله جل و علا أولى بأن تؤمن به و بأسمائه و صفاته (و الإيمان لابد فيه من المعرفة لا الجهل !)
إذاً فكيفيات صفاته من الغيب الذي استأثر الله بعلمه،و معانيها نفهمها و نؤمن بها.
و إلا لزمنا ألا نؤمن به لأننا لم نره ! فكما آمنا به ( مع جهلنا بالكيفية ) نؤمن بصفاته ( مع جهلنا بالكيفية ).

===========
مثال آخر :
الجنة التي وعد الله تعالى المؤمنين :
نفهم معناها بأنها بساتين و بها أنهار من خمر و لبن و عسل، فالأسماء متشابهة ( لبن الدنيا x لبن الجنة ) و الكيفيات مختلفة، لكي يميز الله من يؤمن بالغيب عن غيره.

فقد ورد الدليل الشرعي بـ( أن الكيفية للجنة لم تخطر قلب بشر ) .
فنؤمن بها و أوصافها مع جهلنا التام بالكيفية.

فالجنة و الروح مخلوقتان، و نحن نؤمن بهما من غير اشتباه أو استشكال !
فأحرى و أولى أن نؤمن بالخالق و أسمائه و صفاته من غير تذمر !
و إذا ثبت بالوقوع الضروري عجز أهل العقول عن إدراك كيفيات هذه المخلوقات مع قطعهم بوجودها، فالله تعالى أولى بأن نثبت وجوده وأسماءه و صفاته،و أن نكون مؤمنين بمعانيها ( مع إقرارنا بالجهل بالكيفية).

و الواجب شرعاً -كما قال العلماء- هو في قطع الطمع عن طلب إدارك الكيفية.

فكلما تطلبت النفس ذلك لحيرتها، صرفناها عن ذلك، لأن المخلوق لا يمكن أن يدرك الخالق،و الناقص لا يحيط بالكامل .

أبو مالك العوضي
07-02-07, 08:56 AM
أما إذا عرفنا اليد بآثارها الظاهرة من القبض والبسط والبطش.. كما قال الأخ الموحد، فهل ذلك تعريف لحقيقتها أو للوازم تأثيراتها الخارجة عن حقيقتها؟ وبالتالي ليست اليد إلا واسطة، والمؤثر الحقيقي يمكن أن يكون القدرة؟؟

عكس ما قلتَ ما قال ابن بدران في (المدخل):
(( ومثل هذا يقال في تأويل اليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء، فإن القدرة صفة مشتركة بين الخالق والمخلوق، فإذا قلت بها لزمك أن تقول: قدرة تليق بذاته تعالى، فاطرح هذا وقل: يد تليق بذاته تعالى، وأيضا فالقدرة عرض تحتاج إلى أن تقوم بالجوهر، ويلزم في ذلك ما لزم في صفة الكلام من الحدوث لله تعالى .... ))

أبو مالك العوضي
07-02-07, 11:07 AM
أخي الكريم

لا يظهر لي أنك متثبت، ولعل ذلك من قصور نظري، ###.

لأن الأشاعرة فرقوا بين (القدرة) و(اليد) كما هو معروف، فإذا كان عندك الجميع من بابة واحدة فيبدو أن النزاع لفظي، وإن كان بينهما فرق فبينه لأن كلامك لا يظهر فيه فرق بينهما.

وأما أن معرفة اليد غير ممكنة إلا باللوازم، فهذا الكلام يظهر لي منه بنظري القاصر أن الخلاف فيه لفظي؛ فإن كلامنا ليس عن كمال المعرفة، وإنما كلامنا عن معرفة الكمال.

فالأعرابي الجلف الذي لم ير غير خيمته التي يعيش فيها منذ ولد إلى أن يموت، لا يمكنه أن يتصور بوجه من الوجوه قصر أعظم ملك من ملوك الدنيا، ومع ذلك فلو قلنا له (إن الملك يعيش في قصر، وهذا القصر هو بيت الملك، كما أن هذه الخيمة هي بيتك)، لما كان في الكلام تناقض أو تضارب، أو دعوى بجهل معنى كلمة ( بيت )

والله عز وجل عاب على من يعبدون الأصنام بقوله: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها }
وعاب على اليهود عبادة العجل بقوله: { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا }
وقال سبحانه { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه }
فمن المحال قطعا على رب العالمين أن يتمدح ويعيب على اليهود ويضرب لنا الأمثال بما لا يمكننا فهمه ولو بوجه من الوجوه.

ونحن لا يمكننا أن نحيط به سبحانه علما كما قال: { ولا يحيطون به علما } خلافا لبعض الغلاة الذين يقولون إن الله عز وجل لا يعلم عن نفسه إلا ما نعلم !!

وإذا كان عدم الخوض في الصفة عندك أسلم، فإن التسليم لكلام رب العالمين أحرى أن يكون أسلم؛ لأننا متفقون على أن عقولنا قاصرة عن إدراكه سبحانه، وهو خاطبنا بصفاته وتمدح بها وأوجب علينا التقرب إليه بذكر هذه الصفات، وهو يعلم قصور عقولنا، فلو كان في مدحه سبحانه بهذه الصفات محظور ما ترك تنبيهنا عليه.

ومن المحال المقطوع به أن تكون هذه الصفات توهم التشبيه أو يكون ظاهرها كفرا، ثم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بيان ذلك، ثم يتبعه الصحابة رضوان الله عليهم في غفلة لا تتصور في عقل عاقل سالم من الشبهات، ويكون التحذير من هذه الظواهر واجبا والإيمان بظواهرها كفرا، ولا يعلم ذلك أحد إلا بعد القرون الفاضلة وانقراض خيار الأمة، وأن يكون التحذير من ذلك ونفي الظواهر أعظم فرائض الدين وأكبر قواعد الإسلام.
إن الذي يتصور إمكان حدوث ذلك لا يستحق أن يوصف بالعقل فضلا عن العلم.