المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدفاع عن أهل الحديث للأخ فتحي العيساوي حوار مع الدكتور عمارة


منهاج السنة
02-10-03, 08:42 AM
الدفاع عن أهل الحديث للأخ فتحي العيساوي

بسم الله الرحمن الرحيم

الدفاع عن أهل الحديث

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين.
أما بعد، فهذا مقال جيد كتبه الأخ الفاضل:فتحي العيساوي ناقش فيه فضيلة الدكتور محمد عمارة في موضوع شديد الحساسية و بالغ الأهمية وهو مفهوم اتباع السلف الصالح، و ما يتعلق بذلك من مسائل علمية منهجية تتفرع عنه كمفهوم الوسطية و الاعتدال و الحرفية و العقلانية و غير ذلك.
وقد كثر في هذه الأيام ظهور فضيلة الدكتور على القنوات الفضائية، وهو يؤدي خدمة للإسلام و المسلمين يجب أن يشكر عليها، و أن يحمد ولا يذم، فإنه قد سخر لسانه للدفاع عن قضايا الإسلام، خاصة العصرية منها، ولا يخلو حديثه من فوائد جمة تنير الطريق و تبدد بعض الشبهات التي يثيرها أعداء الدين و يلغمون بها الساحة العلمية.
و بطبيعة الحال فإن مثله إذا اعتلى مثل هذا الكرسي فلابد أن يواجه بالنقد، فإنه لا يعدم أن يوجد من يخالفه كلية أو جزئيا في بعض ما يتقدم به من أفكار و تحليلات، وهذا أمر طبيعي أرجو من الدكتور أن لا يضيق به، كما أرجو ممن ينتقده أن ينتقده بعلم و عدل ولا يضيع حسناته.
ولولا أن فضيلة الدكتور قد يتعرض أحيانا إلى مسائل من الشرع يؤولها تأويلات باطلة تقع ضمن البدع الظاهرة لما كان يجب التعرض له، ومع ذلك فإن نقده بالدليل الصريح الصحيح لا ينقص من قدره ولا يعطل عمله، بل المرجو أن يزيده رونقا و سدادا.
و أنا و إن كنت شخصيا أخالف فضيلة الدكتور في بعض المسائل، و اعلم سبب توجهه و انتحائه نحو فكر معين و أصول معروفة، قد تجعل من بعض مقالاته امتدادا لفكر المعتزلة و العقلانيين، فإني أعمل معه و مع غيره من علماء و مفكرين بالقاعدة التالية، وهي قاعدة عملية استفدتها من بعض فضلاء أهل العلم المتحققين به، و ملخص هذه القاعدة أن مقالات بعض العلماء و المفكرين أقصد المتأخرين منهم، ومن لم يتحقق علميا بما كان عليه السلف الصالح في الاعتقاد و السلوك و المنهج العلمي، و ضعف بضاعته في الرواية و الآثار، قد تكون في الباطن مقالة اعتزالية أو جهمية أو غربية محضة، وهذا لا يمنع أن يكون صاحبها من حيث العموم صاحب فضيلة و تمييز و خدمة للدين، فمثل هؤلاء نعرفهم ونميزهم عن المعتزلة و الجهمية و المتأثرين بالغرب بنقطة أساسية في التحليل، هي كونهم يجمعون بين المتناقضات تقليدا و ظنا، ولهذا لا يكونون جاحدين للسنة لأنهم يثبتونها من وجه و ينفونها من وجه، فيجمعون بين النفي و الإثبات، فتجدهم في بعض مقالاتهم يثبتون السنة و يدافعون عنها، و في بعضها الآخر ينفونها و يثبتون نقيضها إما تقليدا لمذهبهم و أئمتهم، و إما ظنا بصحته و سلامته، فمثل هؤلاء لا يجب أن نقول عنهم: إنهم معتزلة أو جهمية لمجرد أن بعض مقالاتهم باطنها باطن الفكر الاعتزالي و الجهمي.
وعليه، يجب معاملتهم بالحسنى، و الرد عليهم بالتي هي أحسن، وعدم هضم فضلهم ولا حقوقهم وقد قام بذلك أخونا فتحي العيساوي أحسن القيام، فقام مع الحق الذي تشهد عليه الأدلة المعتبرة و نصره و دل عليه من يجهله، وشرح بعض القواعد العزيزة التي سطرها شيخ الإسلام ابن تيمية و تلميذه و صاحبه ابن القيم، ولم يبغ على الدكتور ولم يعتد عليه، و شهد له بفضله و جهده فأصاب حسنتين و خدم غرضين، وعلى هذا المنوال يجب أن تكون ردود أهل السنة خاصة طلبة العلم منهم، فإنهم الرائد و النموذج الذي يقتدي به غيرهم.
وإضافة إلى ما تفضل به أخونا من ملاحظات علمية صحيحة، فقد ذكرت بعض الاستدراكات على مقال الدكتور محمد عمارة في موضعها من هذا المقال، في هامش الصفحات.
وفقنا الله جميعا للدفاع عن دينه المنزل، و الدعوة إليه دون جور أو بغي على أحد، و أعاننا على جمع كلمة المسلمين على حق وهدى، و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرزيو، الجزائر بتاريخ 2003-09-17
مختار الأخضر الطيباوي





الحمد لله وحده و الصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
الحمد لله الذي بعث فينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا، الحمد لله الذي أنزل الكتاب تفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}[يوسف 111].
لقد كثرت الفرق وتطاحنت فيما بينها حتى أصاب أمتنا ما أصابها من الوهن، ولم يكن ذلك إلا بتركهم لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وامتطائهم مركب البغي والجهل، حتى إن فضلاء القوم من أمثال الدكتور البوطي والدكتور محمد عمارة وغيرهم ممن لهم مساع كبيرة في الدفاع عن الإسلام والمسلمين والوقوف في وجوه أعدائهم من المستشرقين والعلمانيين ودعاة الانحلال؛ يحتقرون ويعيبون أقرب الناس إلى الحق من أهل السنة والحديث، فيطعنون في طريقهم ويسمونهم بالجهل والتقليد أو الجمود والتحجر على النصوص أو حشو القول، وهم في ذلك مخطئون حائدون عن سبيل أئمة الهدى.
ولما كان يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، خصوصا أهل الحديث والسنة منهم كالإمام مالك والشافعي وأحمد والبخاري والدارمي وابن تيمية وابن القيم والشيخ الألباني في هذا العصر؛ ارتأينا كتابة هذه الورقات دفاعا عن أهل الحديث والسنة عموما؛ وردا للباطل المدسوس في كلام بعض المفكرين والدعاة ممن ينتسب إلى السلفية والأشعرية على حد السواء.
وحتى يكون كلامنا بعلم وعدل وإنصاف، لابد من سلوك سبيل الموضوعية والتعقل الخالية من الهوى والتعصب، ومن البغي والعدوان، ولا يتم ذلك إلا بتجريد التوحيد، وتحقيق قول السلف: كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس، ثم إنه لابد مع ذلك من معرفة سبيل المؤمنين على التفصيل، ومعرفة سبل أهل البدع والمنافقين والكفار والمشركين على التفصيل، فإنه من كان كذلك كان من أنفع الخلق للناس، وأنصحهم لهم، وأعلمهم بالحق، وأتبعهم للهدى والرشاد، وأبعدهم عن الغي والضلال، فكان من أحب الخلق إلى الله عز وجل.
وهذا الإمام ابن القيم –رحمه الله- يبين أنه من كان خبيرا بطريق الهدى وطريق الضلال، متبعا للرشاد مجانبا للغي كان من أفضل الخلق، إذ يقول في الفوائد ج: 1 ص: 1
قاعدة جليلة: قال الله تعالى: {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}، وقال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} الآية.
والله تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلا سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما وبينهما غاية البيان، حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام.
فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده، والطريق الموصل إلى الهلكة، فهؤلاء أعلم الخلق، وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم الأدلاء الهداة.
وبذلك برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة، فإنهم نشأوا في سبيل الظلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك وعرفوها مفصلة، ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم، فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الظلم إلى العدل، ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر، فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به، ومقدار ما كانوا فيه، فإن الضد يظهر حسنه الضد، وإنما تتبين الأشياء بأضدادها، فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه، ونفرة وبغضا لما انتقلوا عنه، وكانوا أحب الناس في التوحيد والإيمان والإسلام، وأبغض الناس في ضده، عالمين بالسبيل على التفصيل.
وأما من جاء بعد الصحابة، فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم تفصيل ضده، فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين، فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما، كما قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا من كمال علم عمر رضي الله عنه، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول فانه من الجاهلية؛ فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل.
فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل؛ أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفر من خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم، ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها.
والناس في هذا الموضع أربع فرق:
الأولى: من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علما وعملا وهؤلاء أعلم الخلق.
الفرقة الثانية: من عميت عنه السبيلان من أشباه الأنعام، وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضر ولها أسلك.
الفرقة الثالثة: من صرف عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها، فهو يعرف ضدها من حيث الجملة والمخالفة، وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطل وإن لم يتصوره على التفصيل، بل إذا سمع شيئا مما خالف سبيل المؤمنين صرف سمعه عنه، ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه، وهو بمنزلة من سلمت نفسه من إرادة الشهوات فلم تخطر بقلبه ولم تدعه إليها نفسه، بخلاف الفرقة الأولى فإنهم يعرفونها، وتميل إليها نفوسهم، ويجاهدونها على تركها لله.
وقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسألة أيما أفضل: رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله أو رجل نازعته إليها نفسه فتركها لله؟ فكتب عمر: إن الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله عز وجل من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم.
وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه، فأبغضها لله، وحذرها، وحذر منها، ودفعها عن نفسه، ولم يدعها تخدش وجه إيمانه، ولا تورثه شبهة، ولا شكا، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لها ونفرة عنها، أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه، فإنه كلما مرت بقلبه وتصورت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسرورا به، فيقوى إيمانه به...
الفرقة الرابعة: فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة، وسبيل المؤمنين مجملة، وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع فعرفها على التفصيل، ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك، بل عرفه معرفة مجملة وإن تفصلت له في بعض الأشياء، ومن تأمل كتبهم رأى ذلك عيانا، وكذلك من كان عارفا بطرق الشر والظلم والفساد على التفصيل، سالكا لها إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار يكون علمه بها مجملا غير عارف بها على التفصيل معرفة من أفنى عمره في تصرفها وسلوكها.
والمقصود أن الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتجتنب وتبغض، كما يحب أن تعرف سبيل أوليائه لتحب وتسلك، وفى هذه المعرفة من الفوائد والأسرار مالا يعلمه إلا الله: من معرفة عموم ربوبيته سبحانه، وحكمته، وكمال أسمائه وصفاته، وتعلقها بمتعلقاتها، واقتضائها لآثارها وموجباتها، وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه.. والله أعلم، (انتهى كلام ابن القيم).

الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصول الدين وفروعه غاية البيان:
لقد كثر الطعن في الدين قديما وحديثا، وخاصة في الآونة الأخيرة، وإن من أعظم مطاعن الزنادقة والمنافقين في الحنيفية السمحة أن يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها الدين فلم يبينها، أو أنه بينها لكن التقصير كان من الأمة التي لم تنقلها، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم، أو جاهل بالأمرين جميعا، ثم إن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه، وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات، وإنما هي جهليات، وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل التي يجب اعتقادها ويجب أن تذكر قولا أو تعمل عملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد، ومن الوسائل الباطلة من دلائل هذه المسائل، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك، كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم من مفكري هذه الأمة، فضلا عن عامتهم.
وعليه، فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا كافيا قاطعا للعذر، وهو من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، ومن أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده، وكتاب الله الذي هو القرآن الكريم الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول صلى الله عليه وسلم لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملان من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب، كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم قد علم هذه الأمة حتى آداب الأكل والشرب والوطء والخروج إلى الخلاء وغيرها من صغار المسائل، كيف لا وأصحابه قد نقلوا عنه دق المسائل من بصاقه وشعره الذي يحلقه وغيرها مما يطول ذكره كثير.
وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان أصول الدين من كان ناقصا في عقله وسمعه، ومن كان له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}[الملك10]، وهذا موجود في كثير من المتفلسفة والمتكلمة والمفكرين وجهال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية، وأما دلائل هذه المسائل الأصولية فإن طوائف من المتكلمين والمتفلسفة والمفكرين قد غلطوا غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، ومعلوم أن ذلك لا يوجب العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر، وهذا ما اضطرهم إلى أن يجعلوا العلوم العقلية أصلا كما يفعل أبو المعالي و أبو حامد و الرازي و غيرهم، وأن طريقهم هي الطريق البرهانية الدالة بواسطة العقل، وحقيقة الأمر ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في ذلك العلم مالا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ونهاية ما يذكره هؤلاء الطاعنون في كتبهم ومقالاتهم جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه، المتمثلة في الأقيسة العقلية باستعمال اللزوم العقلي.

الحياة الحقيقية لا تكون إلا بالكتاب والحكمة:
وقد ضرب الله تبارك وتعالى لعباده مثلين أحدهما مائي والآخر ناري في سورة البقرة وفي سورة الرعد وفي سورة النور، فجعل المؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه.
قال الله تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} الآية، وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات} فجعل من اهتدى بهداه واستنار بنوره بصيرا حيا في ظل يقيه من حر الشبهات والضلال والبدع والشرك مستنيرا بنوره، والآخر أعمى ميتا في حر الكفر والشرك والضلال منغمسا في الظلمات.
وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} الآية، فسمى وحيه روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة الحقيقية، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم في جنات الخلد هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن لم يحي به في الدنيا فهو ممن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا.
وأعظم الناس حياة في الدور الثلاث؛ دار الدنيا ودار البرزخ ودار الجزاء أعظمهم نصيبا من الحياة بهذه الروح، وسماه روحا في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: {رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق}، وقال تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن انذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون}، وسماه نورا لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها.
وكمال روح الإنسان بهاتين الصفتين بالحياة والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، باتباعهم والانقياد لهم انقيادا تاما، والاهتداء بما بعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، و إلا فالروح ميتة مظلمة وإن كان العبد رأسا في القوم، مشارا إليه بالزهد والفقه والفكر والفضيلة والكلام في البحوث وعلى الفضائيات، فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده، وراء ذلك كله.

حقيقة العلم:
فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام والكتب والمقالات في الجرائد والمجلات وعلى شبكات الإنترنيت والفضائيات، ولكنه نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال وتنطع المتنطعين أو تهوك المتهوكين، ويميز بين ما عليه أتباع أنبياء الله تعالى من أهل الحديث والفقه والزهد من أهل مدينة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، والذي لا يقبل الله عز وجل ثمنا لجنته سواه، مما هو عليه الغرب ونوابه من الفلاسفة ودعاة العلمانية والانحلال، والجهمية، ومخانيثهم من المعتزلة، وكل من اتخذ لنفسه سلعة يروجها بين العالم، فإنها كلها زيف، لا يقبل الله سبحانه وتعالى في ثمن جنته شيئا منها، بل ترد على عاملها أحوج ما يكون إليها، وتكون من الأعمال التي قدم الله تعالى عليها فجعلها هباء منثورا، ولصاحبها نصيب وافر من قوله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}، وهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير الله عز وجل، أو على غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحال أرباب العلوم والأفكار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة، ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم، فاتعبوا قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال، والانتصار لهم، وفهم ما قالوه وبثه في المجالس والمحاضر والموائد المستديرة على الفضائيات، وأعرضوا عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم صفحا، ومن به رمق منهم يعير النبي صلى الله عليه وسلم أدنى إلتفات طلبا للفضيلة والعلو في الأرض بغير حق، أو خوفا من اندراس ذكره ومقته عند عامة المسلمين.
وأما تجريد اتباعه ونبذ اتباع من سواه أيا كان، وتحكيمه في كل صغيرة وكبيرة وعدم تحكيم من سواه وما اعتاده الناس وتقلدوه عن آبائهم وأسلافهم أو وضعوه من قوانين مما لم ينزل الله تعالى به سلطانه، ثم لابد من تفريغ قوى النفس في طلبه، والتفكر فيه، وفهمه، وعرض آراء الرجال عليه لا عرضه هو على آراء الرجال، ورد ما خالفه منها، وقبول ما وافقه، ولا يلتفت إلى شيء من آرائهم وأقوالهم إلا إذا أشرقت عليها شمس الوحي، وشهد لها بالصحة الكتاب والحكمة، فهذا الذي لا ينجي سواه، أمر لا تكاد ترى أحدا منهم يحدث به نفسه فضلا عن أن يكون مطلبه ومناه ومبتغاه، و إلا لظهر على صفحات كتبهم وفلتات ألسنتهم.
ولقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني الثالثة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها"، والبأس مشتق من البؤس، قال الله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض}، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله تعالى" {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال: "أعوذ بوجهك" {أو من تحت أرجلكم} قال: "أعوذ بوجهك" {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: "هاتان أهون"، فدل على أنه لابد أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض مع براءة الرسول في هذه الحال و هم فيها في جاهلية.
وقد روى مالك عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: ترك الناس العمل بهذه الآية تعنى قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}، فإن المسلمين إذا اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم وجبر الكسر، فإذا لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية واستفحل المرض، وهكذا مسائل النزاع التي تنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم ترد إلى الله والرسول لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضا ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم بعضا دون بغي ولا عدوان، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول مثل تكفيره ورميه بالزندقة و تفسيقه وتبديعه، وإما بالفعل مثل حبسه و ضربه و قتله و هذه حال أهل البدع و الظلم كالخوارج و أمثالهم يظلمون الأمة و يعتدون عليهم إذا نازعوهم في بعض مسائل الدين، وكما تفعل الرافضة و المعتزلة و الجهمية و غيرهم.
فالعبد إذا خفي عليه بعض ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم إما عادل يعمل بما و صل إليه من آثار الأنبياء و لا يظلم غيره، وإما ظالم يعتدي على غيره، و هو ظالم مع علمه بأنه يظلم، كما قال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم}، و إلا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر بعضهم بعضا، كالمقلدين لأئمة الفقه الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعى أن قول متبوعه هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من يخالفه مع أنه معذور، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه.

شبهات في طريق الدعوة إلى الله:
ثم إن الناس في نقدهم وردهم على خصومهم قد تسود نفوسهم وتسيطر على عقولهم شبه تعمي القلوب وتصم الآذان وتوهم السامع ما لا حقيقة له، فيضيع في سراديب الشك والحيرة، وتولد لهم من الاختلاف المذموم ما يوجب لهم من العداوة والبغضاء ما الله به عليم، وهي مبنية على مقدمات، نذكر منها لا على سبيل الحصر ما يلي:
الأولى: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه وتارك ما نهى عنه، واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأنه مقصر في دينه، وأنه تارك للمأمور مرتكب للمحظور، وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه، وأنه أعلى منزلة عند الله منه، وأنه أسد قولا وأصح عقلا وأقوم منهاجا من خصمه، وأنه القائم بأصول الدين وغيره غارق في فروع الدين، وأنه الناصح الأمين لهذه الأمة والفاعل في تفعيل طاقاتها للنهوض بها، وخصمه غير ناصح يحسب أنه كذلك، مثبط لهذه الأمة، محرف لغايتها ومطلبها من إقامة هذا الدين في الأرض والخروج بها من التخلف المطبق عليها، واعتقاده أنه هو المعتدل وأنه صاحب الوسطية، وخصمه هو المتطرف أو المتسيب حسب ما يحلو له وتهواه نفسه من إدانة الخصم دون بينة، فيتسلط على غيره بتهم كثير منها باطلة حتى يتسنى له تهميشه ثم نشر أفكاره ومعتقداته وتعميمها، نسأل الله العافية من هذا الظن الكاذب والغرض الفاسد، ونعوذ بالله من الغرور بالنفس، والله المستعان.
وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، وغيره هو الظالم المبطل من كل وجه، وحقيقة الأمر خلاف ذلك، بل يكون معه نوع من الحق ونوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل، والإنسان مجبول على حب نفسه فهو لا يرى إلا محاسنها، بل قد يشتد به حبه لنفسه حتى يرى مساوئها محاسن، كما قال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا}، وهو أيضا مبغض لخصمه فهو لا يرى إلا مساوئه، بل قد يشتد به بغض خصمه حتى يرى محاسنه مساوئ، كما قيل: نظروا بعين عداوة ولو أنها عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا.
ثم إن العبد وهو تحت سيطرة ذلك الغرور، كثيرا ما يترك واجبات لا يعلم بها ولا بوجوبها فيكون مقصرا في العلم، وكثيرا ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها إما كسلا وتهاونا، وإما لنوع تأويل باطل أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك، فتراه يتحرج من ترك واجب من واجبات الدين وقد ترك ما هو أهم وأعظم منه وأوكد، ويتحرج من فعل أدنى المحرمات وقد ارتكب من المحرمات ما هو أشد تحريما وأعظم إثما، بل ما أكثر من يتعبد لله عز وجل بترك ما أوجب عليه فيتخلى وينقطع عن الجماعة وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته عليه، ويزعم أنه متقرب إلى الله تعالى بذلك، مجتمع على ربه تارك ما لا يعنيه، فهذا من أمقت الخلق إلى الله تعالى وأبغضهم إليه -كما وصفه الإمام ابن القيم رحمه الله-، مع ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه، بل ما أكثر من يتعبد لله تعالى بما حرمه الله عليه، ويعتقد أنه طاعة وقربة، وحاله في ذلك شر من حال من يعتقد ذلك معصية وإثما، كمن يتقرب إلى الله تعالى بالغيبة والطعن في الناس وهو يظنها من باب الجرح والتعديل، وكمن يتقرب إلى الله تعالى بالسماع الشيطاني ويظن أنه من أولياء الرحمن وهو في الحقيقة من أولياء الشيطان.
الثانية: عدم تقديره الله حق قدره، واعتقاده أنه سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين الحق ويعزه وينصره في مناظراته ومجادلاته، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه، بل يعتقد أن الله يذل عبده القائم بدينه، فيعيش عمره مظلوما مقهورا مستبدا مستعبدا مع قيامه بما أمر به ظاهرا وباطنا، وانتهائه عما نهي عنه باطنا وظاهرا، فهو يرى نفسه قائما بشرائع الإسلام وحقائق الإيمان دون الإفراط وفوق التفريط، وهو مع استقامته تحت قهر أهل الظلم والفجور والعدوان، فيعطي الدنية في دينه ويجبن عن الصدع بالحق في وجه خصمه كائنا من كان، وهذا قدح بين في إيمان من هذا حاله وتوحيده، فلا إله إلا الله كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل، ومتدين لا بصيرة له، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين.
الثالثة: إن الدنيا مرقاة الآخرة، وإن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب في الدنيا لما لا بد له منه؛ من جلب النفع ودفع الضر بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح، فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى والاستقامة على التوحيد ومتابعة السنة ينافي ذلك بحيث يفوت عليه نصيبه من الدنيا، وأنه يعادي جميع أهل الأرض، ويتعرض لما لا يقدر عليه من البلاء وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة، لزم من ذلك كله ومن غيره مما يطول ذكره إعراضه عن الرغبة في كمال دينه، وتجرده لله ورسوله، فيعرض عن حال السابقين المقربين، بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين، بل قد لا يرضى لنفسه إلا أن يكون مع الظالمين أنفسهم المسيئين لها ولغيرهم، وقد يدخل مع المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من فروعه وأعماله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسى كافرا ويصبح مؤمنا يبيع دينه بعرض من الدنيا".
والمقصود أن الرجل إذا اعتقد الثنائية المتناسبة عكسا في نظره من أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه من حصول ضرر لا يحتمله وفوات منفعة لا بد له منها، لم يقدم على احتمال هذا الضرر ولا تفويت تلك المنفعة، فيترجح عنده إيثار دنياه التي لا تكون إلا بتفويت دينه، فسبحان الله يا له من ظن فاسد أصله ناشئ من جهل كبير، جهل بحقيقة الدين وعدم فهمه والفقه فيه، وجهل بحقيقة الدنيا وحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس وكمالها وبه ابتهاجها والتذاذها، ولأي شيء خلق الإنسان ولأي شيء خلقت الدنيا، ومن هو أحق بالدنيا وبالتمكين فيها أهو المسلم المؤمن بالله ورسوله أم الكافر والمنافق، فيا لها من فتنة قد صدت الكثير من الخلق، بل أكثرهم عن القيام بحقيقة الدين مرورا بالدنيا ، فتولد إعراض جماعي للمسلمين عن حقيقة دينهم ودنياهم.
الرابعة: الطائفية وهي التعصب المقيت للطائفة التي ينتمي إليها، وهي داء قد ساد وعم، فلا تكاد تجد داعيا إلى الله ولا عالما ولا فقيها ولا مفكرا ولا عابدا ولا متكلما ولا فاضلا من فضلاء الناس –إلا من رحم الله- ناهيك عن عوامهم في عصرنا هذا البعيد عن مشكاة النبوة، إلا وهو يدعو إلى طائفته وإلى أصولها، ويعادي ويوالي من أجلها، وإن ادعى الدعوة إلى الكتاب والسنة والموضوعية والعقلانية واتباع الدليل، فواقع حاله وحقيقة جداله أنه بعيد كل البعد عن المنهج العلمي في نقد ومناظرة الخصم، وفي تحقيق ومعالجة المسائل وفقا لما أوصله إليه الدليل، دون سابق ظن واعتقاد يصادر على المطلوب، ودون خوف من فوات منفعة وجلب مضرة .
وبيان هذه الجملة أن تعلم أن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب، ونال به العبد الرفعة والدرجات العالية في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان، ولهذا قرن بينهما سبحانه وتعالى في قوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}، ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان اللذين فيهما السيادة والرفعة، حتى إن كل طائفة تظن أن الحق وقف عليها، وأن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تنال السعادة الكاملة والنعيم التام، وليس كذلك، بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجي، ولا علم يرفع، بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعا إليهما الأمة، وكان عليهما هو وأصحابه من بعده، وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم من كل خلف عدوله، فكل طائفة اعتقدت أن العلم ما معها، وفرحت، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون، وأكثر ما عندهم كلام وآراء وخرص وظنون، ولكن العلم وراء الكلام، كما قال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟ فقال: الكلام اليوم أكثر والعلم فيما تقدم أكثر، ففرق هذا الراسخ في العلم بين العلم والكلام، فهذا واقع الحال في زمن حماد وأيوب القريب من مشكاة النبوة، فماذا عن زماننا هذا؟، زمان الفتن المضلة كقطع الليل المظلم، زمان الإعلام ووسائله السريعة، فالكتب كثيرة جدا تغزو المكتبات، والكلام والجدال والمقدرات الذهنية كثيرة طافحة بها المواقع على شبكات الإنترنيت، والعلم بمعزل عن أكثرها، وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، فلقد قال تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم}، وقال: {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم}، وقال في القرآن: {أنزله بعلمه}، أي: وفيه علمه.
فلما بعد العهد بالعلم النبوي، اتخذ كثير من الناس هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما، ووضعوا فيها الكتب وكدسوا فيها المقالات وأنفقوا فيها الأنفاس والأموال والأوقات، فضيعوا فيها الزمان، وملأوا بها الصحف مدادا والعقول فسادا والقلوب سوادا، حتى صرح كثير منهم أنه ليس في القرآن والسنة علم، وأن أدلتها لفظية لا تفيد يقينا ولا علما، وأنها إذا تعارضت مع العقل وجب تقديم العقل على النقل، و أن أحاديث الصفات أخبار آحاد لا تفيد إلى الظن والكلام في الصفات من المسائل العلمية فلا يجوز أن يحتج فيها بأخبار الآحاد، وأن الخلف أعلم من السلف من الصحابة والتابعين، وأن سبب تخلف المسلمين هو دينهم فنادوا بفصله عن حياتهم السياسية والاقتصادية ودعوا إلى العلمانية والانحلالية باسم التقدم والحرية، وصرخ الشيطان بهذه الكلمات فيهم، وأذن بها بين أظهرهم، حتى أسمعها دانيهم لقاصيهم، فانسلخت بها القلوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحية من قشرها والثوب عن لابسه .
الخامسة: إن الفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما في الأمة فهو أمر لا مناص عنه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أمته منه، لينجو من الوقوع فيه من رحمه الله وشاء له السلامة، كما روى الإمام مسلم عن النزال بن سبرة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رجلا قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال: "كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"، ومثل ذلك ما رواه مسلم أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال: "إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب" فعلل غضبه صلى الله عليه وسلم بأن الاختلاف في الكتاب هو كان سبب هلاك من قبلنا.
ومن هذه الأحاديث نستخلص ما يلي:
-نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق، لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه، وهذا النهي يفيد التحريم.
-تعليل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا، ولهذا قال حذيفة لعثمان –رضي الله عنهما-: أدرك هذه الأمة لا تختلف في الكتاب كما اختلفت فيه الأمم قبلهم، لما رأى أهل الشام وأهل العراق يختلفون في حروف القرآن الاختلاف الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه دعوة للاعتبار بمن كان قبلنا والحذر من مشابهتهم حتى لا نهلك كما هلك من قبلنا.
واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء تجده من هذا الضرب، وهو أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته أو في بعضه، مخطئا في نفي ما عليه الآخر، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف الذي علمه، مخطئا في نفي حرف غيره، فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب، لا في الإثبات، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه، ولهذا نهيت هذه الأمة أن تضرب آيات الله تعالى بعضها ببعض لأن مضمون الضرب -حين يعتقد أن بينهما تضادا وأن الضدان لا يجتمعان- الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى، وهذا شر عظيم.
والمقصود أن هذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون عن سببين: تارة عن فساد القصد لما في نفوس الناس من البغي والحسد وحب الرئاسة وإرادة العلو في الأرض بغير حق والفساد فيها ونحو ذلك، فيلزم من ذلك ذم قول الآخر أو فعله أو غلبته وقهره ليتميز عليه، أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب أو بلد أو صداقة ونحو ذلك لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة له، وما أكثر هذا في بني آدم، وهذا ظلم حرمه الله تعالى، وتارة أخرى عن فساد التصور، ومنه جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، أو الجهل بأن كل من القولين هما في الواقع قول واحد لكن العبارتين مختلفتين كاختلاف عبارات الحدود والتعاريف الدالة على شيء واحد، أو الجهل بأن المعنيين غيريين كلاهما صحيح لكن لا يتنافيان، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحق في الحكم أو في الدليل، وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا، أو الجهل بأن الطريقتين مشروعتين وكلاهما حسن في الدين، ولكن قد سلك رجل أو قوم هذه الطريقة وآخرون قد سلكوا الأخرى، ثم الجهل أو الظلم يحمل على ذم أحدهما أو تفضيله بلا قصد صالح أو بلا علم أو بلا نية، فالجهل والظلم هما أصل كل شر كما قال سبحانه وتعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}.
وعليه فأكثر ديانات الخلق إنما هي عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم، قد تقدست آراؤهم عبر التاريخ، وقلدوهم فيها في الإثبات والنفي، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة، والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر المتخاذلين عن دينه من أهل الباطل ولو اعتقد صاحبه أنه محق، قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}، وقال: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين}، وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، قال تعالى: {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}، وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}، فللعبد من النصر والتأييد والعزة والعلو بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فما فاته من العلو والعزة والنصر والتأييد ففي مقابلة ما فوته العبد من حقائق الإيمان علما وعملا وحالا ظاهرا وباطنا، وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}، فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه، وكذلك الكفاية والحسب هي بقدر إيمانه، قال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}، وكذلك معية الله تعالى الخاصة وولايته لعبده هي بحسب إيمانه، قال تعالى: {والله ولي المؤمنين}، وقال تعالى: {وإن الله لمع المؤمنين}.
قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}، أي أن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى، فالكامل من هذه الصفات هو لأصحاب الإيمان الكامل، وينقص من قدرها بقدر ما نقص من إيمان العبد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله أو تسلط عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه إما بترك واجب أو فعل محرم، وهو من نقص إيمانه، وبهذا تنحل شبه كثيرة حول تسلط الكفار على المسلمين عبر التاريخ إلى يومنا هذا، لطالما سيطرت على عقول الناس ونفوسهم.

نقل كلام الدكتور عمارة:
قال الدكتور محمد عمارة -نقلا من برنامج موسوعة المفاهيم الإسلامية-الأزهر-:
السلفيون:
لغة: هم الذين يحتذون حذو السلف، الذين سلفوا، أي سبقوا ومضوا.
واصطلاحا: يدخل فى إطار السلفيين أغلب تيارات الفكر ومذاهبه ومدارسه بدرجات متفاوتة ومعان متمايزة، لأن لها ماضيا ومرجعية ونموذجا ترجع إليه وتنتسب له وتحتذيه وتستصحب ثوابته ومناهجه، وذلك إذا استثنينا تيار الحداثة بالمعنى الغربي، والتي يقيم أصحابه قطيعة معرفية مع الموروث.
وإذا كان السلف هو الماضي فكلنا سلفيون
لكن السلفيين أنواع:
فمن السلفيين من يقلد السلف، وهؤلاء هم أهل الجمود والتقليد.
ومن السلفيين من يرجع إلى السلف، فيجتهد في ميراثهم وتراثهم، مميزا فيه الثوابت عن المتغيرات والصالح للاستصحاب والاستلهام عن ما تجاوزته الوقائع المتغيرة، والعادات المتبدلة، والأعراف المختلفة، والمصالح المستجدة.
ومن السلفيين من يستلهم من فقه السلف ما يتطلبه فقه الواقع الجديد.
ومن السلفيين من يهاجر من واقعه المعيش إلى واقع السلف الذي تجاوزه الزمان، وإلى تجاربهم التي طوتها القرون.
ومن السلفيين من سلفه عصر الازدهار والإبداع فى تاريخنا الحضاري.
ومن السلفيين من سلفه عصر الركاكة والتراجع فى مسيرتنا الحضارية.
ومن السلفيين من سلفه تراثنا وحضارتنا وثقافتنا الوطنية والقومية والإسلامية.
ومن السلفيين من سلفه تراث الآخر الحضاري ومذاهبه وتياراته الفلسفية والاجتماعية، وبهذا المعنى يمكن إدخال الليبراليين الذين يحتذون حذو الليبرالية الغربية، والماركسيين اللذين يحتذون حذو الماركسية الغربية، وأمثالهم من المتغربين فى عداد السلفيين الذين أصبح الموروث والماضي الغربي سلفا لهم يحتذونه أحيانا مع قدر من التحوير، وأحيانا بجمود وتقليد.
ومن السلفيين من سلفه المذاهب والتيارات النصية الحرفية فى تراثنا.
ومن السلفيين من سلفه تيارات العقلانية فى تراثنا أو النزعات الصوفية فى موروثنا الحضاري.
ومن السلفيين من سلفه مذهب تراثي بعينه يتعصب له ولا يتعداه.
ومن السلفيين من مرجعيته تراث الأمة، على اختلاف مذاهبها، يحتضنها جميعا، ويعتز بها، ويتخير منها.
ولكن مع صدق وصلاحية إدخال أغلب تيارات الفكر تحت مصطلح السلفيين، إلا أن هذا المصطلح قد ادعاه واشتهر به وكاد يحتكره أولئك الذين غلبوا النص، وفى أحيان كثيرة ظاهر النص على الرأي والقياس وغيرهما من سبل وآليات النظر العقلي، فوقفوا عند الرواية أكثر من وقوفهم عند الدراية، وحرموا الاشتغال بعلم الكلام فضلا عن الفلسفات الوافدة على حضارة الإسلام، وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم أحيانا أهل الحديث، لاشتغالهم بصناعة المأثور وعلوم الرواية، ورفضهم علوم النظر العقلي.
وإمام هذه المدرسة هو أبو عبد الله أحمد ابن حنبل (164-241هـ /780-855م) وفيها نجد أبرز الأئمة الذين اشتغلوا بصناعة الرواية وعلومها، من أمثال: ابن راهويه (238هـ/852م) وإمام علم الجرح والتعديل، وأصحاب الصحاح والجوامع والمسانيد: البخاري (256هـ/870م)، وأبو داود (275هـ/888م)، والدارمي (280هـ/893م)، والطبراني (360هـ/971م)، والبيهقى (458هـ/1066م) إلخ...
ولقد تطورت هذه المدرسة فى مرحلة ابن تيمية (661-728هـ/1263-1328م) وابن قيم الجوزية (691-751هـ/1292-1350م) فضمت إلى المأثور بعضا من أدوات النظر العقلي، وإن ظلت الغلبة والأولوية عندها للنصوص والمأثورات.
وعن هذا المنهاج يعبر ابن القيم، فيقول: "إن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأى ولا قياس، وإن الشريعة لم تحوجنا إلى قياس قط، وإن فيها غنية عن كل رأى وقياس وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها".
فلقد ظل النص وحده هو المرجع عند هؤلاء السلفيين، لكن التطور قد أصاب هذا المنهاج النصي -فى مرحلة ابن تيمية وابن القيم- فحدث إعمال الفهم والعقل فى النصوص، دون الاكتفاء بالوقوف عند ظواهر هذه النصوص.
ولقد كان غلو هؤلاء السلفيين فى الانحياز إلى النص وحده، ثمرة لعوامل كثيرة، منها: مخافة غلو مضاد انحاز أهله -وهم فلاسفة العقلانية اليونانية من المشائيين- إلى عقلانية غير مضبوطة بالنص الديني، وأيضا النزعة الصوفية الباطنية الإشراقية، التي انحازت إلى الذوق والحدس، دونما ضابط من النص ولا من العقل.
ولأن هذه النزعات جميعها -النصية منها والعقلانية والباطنية- قد شابها قدر، كثير أو قليل، من الغلو، فلقد ظلت عاجزة عن استقطاب جمهور الأمة، وانحاز هذا الجمهور إلى النزعة الوسطية فى السلفية، تلك التي جمعت بين النقل والعقل ووازنت بينهما، وهى الأشعرية التي أسسها إمامها أبو الحسن الأشعرى: على بن إسماعيل (260-324هـ/874-936م) ففي هذه المدرسة من مدارس السلفيين اجتمع النقل والمأثور مع النظر العقلي والاشتغال بعلم الكلام -الذي حرم السلفيون النصيون الاشتغال به - مع علم أصول الفقه ، الذي يمثل فلسفة العقلانية الإسلامية فى التشريع.
ثم تطورت هذه المدرسة -بعد مرحلة التأسيس- على يد كوكبة من أئمتها، فى مقدمتهم الباقلاني: أبو بكر محمد بن أبى الطيب (453هـ-1013م) وإمام الحرمين الجويني: أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله ابن يوسف (419-478هـ/1028-1085م) وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450-505هـ/1058-1111م).
وعلى امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية، ظلت هذه الصورة وهذه الموازنة ملحوظة فى مدارس ومذاهب السلفيين، فالنزعة النصية تمثلها فى عصرنا الحديث وواقعنا المعاصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1115-1206هـ/1702-1792م) المسماة بالوهابية، بينما لا تزال الأشعرية، الممثلة للعقلانية، النصية، تستقطب جمهور المسلمين .
د/محمد عمارة.

تعليق مجمل على كلام الدكتور عمارة:
فهذا كلام لواحد من فضلاء الأمة، قد تكلم بما يعتقده وبما أداه إليه اجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد في هذه المسائل التي أثارها، لكنه جانب فيه الصواب، وتعدى على السنة وأئمتها، فالدكتور عمارة يزعم أن أهل السنة والحديث ليسوا هم السلفية الحقيقية، ولكنهم حرفيون ونصيون وأهل ظواهر وليس لهم فهم للنصوص، إلى أن جاء ابن تيمية وابن القيم فأعملوا العقل والفهم فيها على حد قوله، ثم إنهم هم و أهل النزعة العقلانية والباطنية الصوفية على طرفي الغلو؛ قد فشلوا في استقطاب جمهور الناس، وكأن الحق في نظر الدكتور يوزن بعدد الملتزمين به، ونسي أن الله تعالى غني عن العالمين وأنه يرضى عن عبده إذا كان على الحق ولو كان وحده، ثم يقرر الدكتور أن الأشعرية هم أهل الوسط الذين استطاعوا استقطاب الناس وفازوا بالعدد الكبير منهم، لأنهم في نظره هم الذين جمعوا بين العقل والنقل ووازنوا بينهما، وبعد هذا يزعم أن أئمة الدين هم أبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي، فهؤلاء في نظر الدكتور هم أئمة الطائفة الوسطية المتمثلة في الأشاعرة، لكن كلا المقدمتين خاطئتين، فلا الأشاعرة هم أهل الوسط ولا الجويني والغزالي هم أئمة الدين، وما يلي سيكون إن شاء الله تعالى تفصيلا لهذه الجملة.

قاعدة في التزكية والتفضيل:
إن التفضيل بين الأشخاص لا يتم إلا إذا حرر محل التفضيل، فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم، فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص، لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة، وإن أريد بالتفضيل التفضيل بالعلم، فلا ريب أن أئمة السنة كالإمام أحمد والإمام مالك والإمام الشافعي وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم أعلم وأنفع للأمة من الجويني والغزالي وغيرهما من الأشاعرة وغير الأشاعرة، فقد أدركوا من العلم ما لم يدركه غيرهم، وقد أدوا إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرهم، وقد احتاج إليهم خاص الأمة وعامتها، والواقع شاهد على ذلك، وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن هذا دين الرافضة ولا ريب أن الدكتور لا يعتبره في مفاضلته، وهو يعلم كسائر الأمة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم.
وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل، ولم يوازن بينهما، فيبخس الحق، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم، واعتدى على خصمه بما لا يجوز من القول والفعل.
قال الإمام ابن القيم –رحمه الله- في بدائع الفوائد ج: 3 ص: 684:
"فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل أولا، ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينها ثانيا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعا"، وفي جميع هذه المقامات ننازع الدكتور ولا نسلم له لا أسباب فضل من ذكرهم على غيرهم ولا نسبة ما فضلهم به إليهم.
ثم قال الإمام ابن القيم مبينا نكتة بديعة في الفرق بين التفضيل بين الأنواع والتفضيل بين الأشخاص، وأيهما عسر؟، ولماذا؟، وما هي الدوافع الخفية في تفضيل شخص على غيره أو طريقة ومذهب على غيره؟:
"فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد من الهوى والغرض، وهاهنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصره الله، وهي: أن كثيرا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو على بعد، ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل، والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المفضل، والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس، ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه غير سالم من هذا، وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها، ولا يرضي غيرها، ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل منهم لمذهبه وطريقته، أو شيخه، وكذلك الأنساب والقبائل والمدائن والحرف والصناعات، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى، وهو: أنه يشهد حظه نفعه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها، لأن نفعه مشاهد له، أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه، فهذه نكت جامعة مختصرة إذا تأملها المنصف عظم انتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته والله الموفق".
وبعد هذا نشرع في كشف وبيان تلبيسات الدكتور عمارة في مقاله عن السلفية، فنقول مستعينين بالله السميع العليم:

ذم أهل السنة للكلام:
إن أئمة الإسلام وجهابذة السنة لما عرفوا أن طرق المتكلمين إنما تنتهي إلى ما هو شر على سالكيها وعلى عوام المسلمين وعلى الدين، تنوعوا في ذمها والطعن فيها وعيب أهلها والتنفير منهم ومنها، والحكم بعقوبتهم بهجرانهم وإشهارهم والتحذير منهم، قال أبو القاسم بن عساكر: "وقد حفظ عن غير واحد من علماء الإسلام عيب المتكلمين وذم أهل الكلام، ولو لم يذمهم غير الشافعي لكفى، فإنه قد بالغ في ذمهم وأوضح حالهم وشفى"، ثم ذكر ابن عساكر عن الشافعي أنه قال: "لئن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خير له من أن يبتلى بالكلام، ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقوله"، وقال الإمام أحمد: "علماء الكلام زنادقة".
قال ابن القيم في الصواعق المرسلة ج: 4 ص: 1266
قال شيخنا: "والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وذم أصحابه والنهي عنه وتجهيل أربابه وتبديعهم وتضليلهم هو هذه الطرق الباطلة التي بنوا عليها نفي الصفات والعلو والاستواء على العرش، وجعلوا بها القرآن مخلوقا، ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة، وتكلمه بالقرآن وتكليمه لعباده، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، فإنهم سلكوا فيه طرقا غير مستقيمة، واستدلوا بقضايا متضمنة للكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة، وصريح المعقول، وكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ورسائلهم وأحكامهم ودلائلهم، وكلام السلف والأئمة في ذلك مشهور، وما من أحد قد شدا طرفا من العلم إلا وقد بلغه من ذلك بعضه، لكن كثيرا من الناس لم يحيطوا علما بكثير من أقوال السلف والأئمة، وقد أفرد الناس في ذلك مصنفات مثل أبي عبد الرحمن السلمي، ومثل شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، وسمى كتابه ذم الكلام وأهله، وممن ذكر اتفاق السلف على ذلك أبو حامد الغزالي في أجل كتبه الذي سماه إحياء علوم الدين، قال فيه: فإن قلت فعلم الكلام والجدل مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن الناس في هذا غلوا وإسرافا في الطرفين، فمن قائل إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه واجب فرض إما على الكفاية أو على الأعيان، وإنه أجل الأعمال وأعلى القربات، وإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله، قال: وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف، ثم ذكر بعض نصوص الشافعي التي تقدمت.
قال: وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل، قال: وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي، قال: وقال الإمام أحمد أيضا: علماء الكلام زنادقة، قال: وقال مالك: أرأيت إن جاء رجل أجدل من رجل يدع الرجل دينه كل يوم لدين جديد، قال: وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع، قال بعض أصحابه: أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا، وهذا الذي حكى عنه أبو حامد تأويل قول مالك هو محمد بن خويز منداد البصري المالكي، قال: إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام، قال: وكل متكلم هو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه أشعريا كان أو غير أشعري، هكذا ذكره عنه أبو عمر بن عبد البر في كتاب فضل العلم، ثم ذكر أبو حامد كلام أبي يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق، قال: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر عنهم ما نقل من التشديدات فيه، وقالوا: ما سكت عنه الصحابة رضي الله عنهم مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد عنه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون هلك المتنطعون" أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء، قال: واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به النبي ويعلم طريقه ويثني على أربابه، فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلى حفظ الفرائض ونهاهم عن الكلام في القدر، وعلى هذا استمر الصحابة، فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم، وهم الأستاذون والقدوة ونحن الأتباع والتلامذة، إلى أن قال: وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود.
قال: ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على سبيل الندور في أمور جليلة تكاد تفهم قبل التعمق في صناعة الكلام، قل بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإن العامي يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا، ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة، ثم قال: وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون صاحبه كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر أن لا يضعه إلا في موضعه، وعلى قدر الحاجة، وقال: إن فيه من المضرة من إثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وفيه مضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ويمكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجهل، (انتهى كلام أبي حامد).
قال ابن القيم معلقا: فهذا كلام أبي حامد مع معرفته بالكلام والفلسفة وتعمقه في ذلك، يذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام، ويذكر أنه ليس فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول أمته، وإذا لم يكن فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد امتنع أن يكون معارضا لها، فضلا عن أن يكون مقدما عليها، فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول معارضا للكتاب والسنة، وما كان معارضا لهما فهو من الكلام الباطل المردود المرذول، الذي لا ينازع في ذمه أحد من أهل الإسلام، لا من السلف ولا من أتباعهم من الخلف، هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من العقليات والجدل والكلام مبتدعا وإن قصد به نصر السنة، فكيف ذمهم لمن عارض السنة بالبدعة والوحي بالرأي وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق؟ وهذا الذم من أبي حامد للكلام وأهله ذم متوسط بحسب ما اطلع عليه من غوائله وآفاته وبحسب ما بلغه من السلف، ولم يكن جزمه بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول كجزمه بما سلكه من طريق الكلام والفلسفة، فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره، فإن ما ذكره من أن مضرته في إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يقال إذا كان الكلام في نفسه حقا بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة، بل معلوماته، فإذا كان مع ذلك قد يورث النظر فيه شبها وعداوة قيل فيه ذلك.
ثم قال: وأما السلف فلم يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك، ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة، ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله، بل كانوا أعلم الناس بذلك، ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي إلى علم نافع، ولا مناظرة في ذلك إما لهدى مسترشد وأما لقطع مبطل، بل هم أكمل الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها، فإن القوم كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه وأدله على الحق وأوصله إلى المقصود بأقرب الطرق وهو كلام الله، وكانوا ينظرون في آيات الله تعالى الأفقية والنفسية فيرون منها من الأدلة ما يبين أن القرآن حق، فيتطابق عندهم السمع والعقل ويتصادق الوحي والفطرة كما قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[فصلت53]، وقال: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق}[سبأ6]، (انتهى كلام ابن القيم).
فهذا أبو حامد الغزالي قد أخبر بما حصل له من التيه والسفسطة، حيث انحصرت فرق الطالبين عنده في أربع فرق وهي: المتكلمين والباطنية والفلاسفة والصوفية، ومعلوم أن هذه الفرق كلها إنما ظهرت وانتشرت بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم، ثم الفلاسفة والباطنية هم كفار كفرهم ظاهر عند المسلمين كما ذكر هو وغيره، وكفرهم ظاهر عند أقل من له علم وإيمان من المسلمين إذا عرفوا حقيقة قولهم، لكن لا يعرف كفرهم من لم يعرف حقيقة قولهم، وقد يكون قد تشبث ببعض أقوالهم من لم يعلم أنه كفر فيكون معذورا لجهلة، ولكن في المتكلمين والصوفية ممن له علم وإيمان طوائف كثيرون، وكلام السلف والأئمة في ذم البدع الكلامية في العلم والبدع المحدثة في طريقة الزهد والعبادة مشهور كثير مستفيض، ولم يتنازع أهل العلم والإيمان فيما استعاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم، وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم، ولم يكن في زمنهم أحد من هذه الصنوف الأربعة، ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوايه ومثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية وهم أهل الحديث والسنة، العالمون بطريقهم، المتبعون لها، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر.
فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهم أبو حامد، وذلك لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيرا بمعاني القرآن، خبيرا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خبيرا بآثار الصحابة، فقيها في ذلك، عاملا بذلك، وهؤلاء هم أفضل الخلق من المنتسبين إلى العلم والعبادة، وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولا تلقى عن هذه الطبقة، ولا كان خبيرا بطريقة الصحابة والتابعين فلم يكن منهم، بل كان يقول عن نفسه أنا مزجى البضاعة في الحديث، ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات المكذوبة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار، ولكن نفعه الله تعالى بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ذلك، وبما وجد في كتب أبي طالب ورسالة القشيري وغير ذلك، وبما وجده في كتب أصحاب الشافعي ونحو ذلك، فنور النبوة ولابد أن يضيء حتى لمن حام حوله، فخيار ما يأتي به ما يأخذ من هؤلاء وهؤلاء (من العقيدة الأصفهانية بتصرف).
وهذا إمام الحرمين أبو المعالي الجويني يذم الكلام ويحذر منه، وهو آخر ما مات عليه، إذ يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ج: 18 ص: 471:
"وقرأت (القارئ هو السمعاني) بخط أبي جعفر أيضا سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري ثم الرحيل على كلمة الإخلاص لا إله إلا الله؛ فالويل لابن الجويني".
ثم قال: "قال المازري في شرح البرهان، في قوله: إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، وددت لو محوتها بدمي، وقيل: لم يقل بهذه المسألة تصريحا، بل ألزم بها، لأنه قال بمسألة الاسترسال فيما ليس بمتناه من نعيم أهل الجنة فالله أعلم، قلت: هذه هفوة اعتزال هجر أبو المعالي عليها، وصله أبو القاسم القشيري لا يكلمه، ونفي بسببها، فجاور وتعبد وتاب ولله الحمد منها، كما أنه في الآخر رجح مذهب السلف تركها".
ثم قال: "قال الفقيه غانم الموشيلي: سمعت الإمام أبا المعالي يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام.
قال أبو المعالي في كتاب الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق فحواها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في القرآن وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا، وندين الله به عقدا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب، فليجر آية الاستواء، والمجيء، وقوله {لما خلقت بيدي} [ص]، {ويبقى وجه ربك} [الرحمن]، و {تجري بأعيننا} [القمر]، وما صح من أخبار الرسول، كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه، قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب، وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي في الكلام، فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به، وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور، قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمذاني في مجلس وعظ أبي المعالي فقال: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان عليه فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها ما قال قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ أو قال: فهل عندك هذه الضرورة التي نجدها؟ فقال: يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة، ولطم على رأسه، ونزل، وبقي وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهمذاني".

مراتب الناس في العلم بالنبوة ومعرفة قدرها:
قال شيخ الإسلام في العقيدة الأصفهانية ج: 1 ص: 166
"ومعلوم أن كل من سلك إلى الله جل وعز علما وعملا بطريق ليست مشروعة، موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فلابد أن يقع في بدعة قولية أو عملية".
فكل من سلك غير طريق الأنبياء في الدعوة والاستدلال، ولا نهج نهجهم في المسائل والدلائل، فإن ما يفعله الرجل من ذلك لا يخرج عن أن يكون مجتهدا فيه مخطئا مغفورا له خطؤه، وقد يكون ذنبا، وقد يكون فسقا، وقد يكون كفرا، بخلاف الطريقة المشروعة في العلم والعمل فإنها أقوم الطرق، ليس فيها عوج، وأوصلها للحقيقة، وأحقها بالسير عليها كما قال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، وقال عبد الله بن مسعود: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: "هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}، وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، ولهذا قيل: مثل السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وهو يروى عن مالك.
والمقصود هنا أن عامة الطرق التي سلكها الناس –متكلمين وعباد- في العلم بالنبوة هي طرق مفيدة نافعة، لكن تختلف مقادير فوائدها ومنافعها، وفيها ما يضر من وجه كما ينفع من وجه مما أدخلوه فيها من آراء الرجال وزبالة أذهانهم، وفيها ما ينتفع به من كان عديم الإيمان أو ضعيف الإيمان، فيحصل به له بعض الإيمان أو يقوي إيمانه، وإن كان ذلك يضر من كان قوي الإيمان، ويكون رجوعه إليه ردة في حقه، بمنزلة من كان معتصما بحبل قوي وعروة وثقى لا انفصام لها فاعتاض عن ذلك بحبل ضعيف يكاد ينقطع به، يحسب نفسه على شيء وهو في أوهن البيوت.


_____العقل شرط في العلم والعمل:
لما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف عن القرآن والإيمان بتقديمهم لما يسمونه عقليات من تلك الطرق التي ابتدعوها في الاستدلال على مسائل كثير منها مركوز في فطرهم لكنهم أضاعوها أو غفلوا عنها حين فسدت فطرهم ، وهذا كاستدلالهم على وجود الصانع مثلا بطريق حدوث العالم وإثبات حدوث العالم عن طريق حدوث الأجسام، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم والنقل المتواتر أنه دعا الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله ولم يدع الناس بهذه الطريق، وآمن بالرسول من آمن به من المهاجرين والأنصار ودخل الناس في دين الله أفواجا ولم يدع أحدا منهم بهذه الطريق، ولا ذكرها أحد منهم، ولا ذكرت في القرآن، ولا في حديث الرسول، ولا دعا بها أحد من الصحابة.
وهؤلاء من أرباب الحروف تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة، يجعلون العقل وحده أصل علمهم، فيعلون من شأنه ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن، كأصول الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم، ولكل طائفة من هذا الزيف والوهم نصيب.
ولما أعرض أيضا أرباب العمل والصوت عن القرآن والإيمان بتقديمهم لما يسمونه وجديات وذوقيات، تجد كثير من هؤلاء المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه، فيعادونه ويعزلونه، ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح العقل ويأبى أن يصدقه ذو مسكة من عقل من عوام الناس فضلا عن مفكيرهم وعلمائهم، ويمدحون السكر والغياب والجنون والوله، لما يجدونه من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز.
وكلا الطرفين من أرباب الحروف والأحوال مذموم، فإن العقل شرط في معرفة العلوم ودركها، وصلاح الأعمال وكمالها، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلا بذلك، ولا له السيادة المطلقة في العلم والعمل، فهو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإنه لا يدرك الحقيقة إلا بشمس الوحي من الكتاب والسنة، فلابد له منهما في صحته وسلامته، و إلا لازمه السقم حتى الموت، وإن انفرد بنفسه فقد يبصر ما لا ينفعه في الآخرة، وإن أبصر ما فيه منفعة فهي مقصورة على الدنيا، لكنه لا يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها والتي لابد له فيها من النبوة، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورا حيوانية، قد يكون فيها محبة ووجد وذوق كما قد يحصل للبهيمة والحيوان.
فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة وقد تكون فاسدة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة بائرة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم العقل امتناعه، فجاءت بمحارات العقول ولم تأت بمحالات العقول، لكن المسرفون في العقل من أرباب الكلام والحروف من المتكلمين قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم، اعتقدوها حقا وهي باطل معارض للعقل الصريح، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم، وكلما ابتعد العبد عن النبوة كان له نصيب إما من الإفراط في رفع العقل وأي عقل؟ عقل المتكلمين، وإما إلى التفريط فيقترب من حال من لا عقل له، وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض أهل الحديث تارة بعزل العقل عن محل ولايته، وتارة بمعارضة السنن به، وهذا مشاهد عيان فلا أحد يستطيع أن ينكره، وقد كانت لنا ولغيرنا من ذوو الفهم جولات وجولات معهم ولازالت.
ونظير هذا الإسراف لدى المتكلمين في العقل التمييزي، يوجد مثله لدى الصوفية في الوجد القلبي، فإنهم صدقوه وعظموه وأسرفوا فيه حتى جعلوه هو الميزان، وهو الغاية، مثلهم مثل أولئك في العقل تماما، ثم كان لهم جولات من الطعن والعيب فيما عند الآخر بإطلاق ودون تمييز، فالمتكلمين ذموا ما عند الصوفية من وجد وأحوال، والصوفية ذموا ما عند المتكلمين من عقل، وسبب ذلك أن أهل الحرف لما كان مطلبهم العلم وبابه هو العقل، وأهل الصوت لما كان مطلبهم العمل وبابه الحب، صار كل فريق يعظم ما يتعلق به هو، ويذم ما يتعلق به الآخر، فصار محجوبا بما عنده عما عند غيره، مع أنه لا بد من علم وعمل، ومن حب وتمييز وحركة وحال، فالحرف مرقاة العلم والصوت مرقاة العمل، وكلاهما إذا كان موزونا بالكتاب والسنة كان هو الصراط المستقيم والمنهج القويم، الذي يرفع العبد ويرفع الأمة إلى أعلى المقامات، فلا تكون أمة كلام دون عمل ولا تكون أمة خرافات وخزعبلات وتواكلات، بل أمة متمكنة من دينها ودنياها، قائمة بشرع الله سبحانه وتعالى ظاهرا وباطنا، ناصرة لكلمة الله عز وجل.
والمقصود أن على المسلمين أن يتخلصوا مما ورثوه من آراء الرجال ومنطق اليونان، ومن أحوال الشيطان وأعوانه، ويجددوا دينهم بتحقيق ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، واتبعه فيه صحابته الكرام رضوان الله عليهم، ثم التابعين لهم بإحسان، من الأولين والآخرين، ولا يتم ذلك إلا بتصفية ماء النبوة الزلال مما علق به ثم تراكم وترسب عند كثير من الناس من المفاهيم والأفكار الخاطئة، والتي لا تمت إلى الإسلام بشيء من الوصال، ولا حتى بشيء من العقلانية والموضوعية.
فلقد ورث المسلمون كما هائلا من أراء الرجال -متكلمين وصوفية ونظار ومفكرين وفقهاء-، وبجهلهم ودون تحقيق جعلوها هي الدين وهي منهج السلف الصالح، فجنوا على قائليها عند من لا يعرفهم ولا يقدرهم حق قدرهم، وجنوا على الرعيل الأول إذ نسبت إليهم وهم براء من كثير منها، ثم جنوا على هذه الشريعة، إذ أظهروها في أعين الغير ضعيفة عقيمة لا تصلح لمسايرة مستجدات العصر بكل مشاكله وأطروحاته، ولا لقيادة الأمة والنهوض بها من الأوحال الغارقة فيها منذ أن تركت الكتاب والسنة على هامش الحياة، فسلطوا عليها الفلاسفة والمستشرقين في هذا العصر وأفراخهم من العلمانيين واللبراليين والمدعون للمنهج العلمي والتحقيق والموضوعية من الغرب والشرق.
إن مما لابد منه حتى ترجع الأمور إلى نصابها، وحتى تعلو هذه الأمة على غيرها، أن تصير هذه الأمة أمة دليل ودليل فقط، وهذا هو التجديد الذي يجب على علمائها ودعاتها ومفكريها السعي وراءه وتحصيله، والتجديد إنما يكون بعد الدروس، وحتى يتم لنا ولهم ذلك؛ علينا تجديد هذا الدين بتنقية منهج السلف الصالح مما علق به من آراء شخصية قد قيلت تحت ملابسات وظروف عصر سالف قد لا تصلح في هذا العصر المغاير للعصور السالفة مغايرة كبيرة، وعليه فالملزم الوحيد للناس هو العلم الذي يقوم على الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما وراءه من أراء الناس ينبذ ويترك وإن قاله من قاله، إذ يجوز أن يكون للعالم والمفكر حجة في ترك العمل بالحديث الصحيح، لكننا لم نطلع على هذه الحجة، ثم إن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها أو لا يتسنى له ذلك، وإذا أبداها فقد تبلغنا كما أبداها وقد تبلغ محرفة وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه ووجه استدلاله وقد لا ندركه، سواء كانت الحجة صوابا في نفس الأمر أم لا، لكن وإن جاز هذا وكان صاحبه معذورا فيه مغفورا له خطؤه مأجورا على اجتهاده، فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح، ووافقه طائفة من أهل العلم، إلى قول آخر قاله عالم أو مفكر يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن علا شأنه وعظم قدره، إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء والمفكرين أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده، بخلاف رأي العالم والمفكر.

من هم أهل الحديث؟
وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجاذب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع يذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
نستخلص من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: وهم ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم حقا، وهم الذين فهموا الدين ومقاصده، فقاموا به علما وعملا ودعوة إلى الله عز وجل ورسوله وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وهم الذين قام الدين بهم، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها وزكا الناس بها، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين فأدركوا الحق وبين القوة على تبليغ الدعوة وتنفيذها، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {واذكروا عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار}، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين، والتفكير والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص واستنبطت منها ونهلت من علومها وكنوزها، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقد سئل هل خصكم رسول الله بشيء دون الناس؟ فقال: "لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه"، فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض، وهو ما تميزت به هذه الطبقة عن غيرها.
الطبقة الثانية: وهم قوم حفظوا النصوص، وكان همهم حفظها وضبطها ليردها الناس قصد الاستنباط منها واستخراج كنوزها، وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، مقدار ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ نحو العشرين حديثا الذي يقول فيه سمعت ورأيت، وسمع الكثير من الصحابة، وبورك في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها، فتفوق بما آتاه الله تعالى من فهم النصوص وتفجيرها على كثير من الناس، وقد سمع كما سمعوا وحفظ كما حفظوا، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، حتى فاق في ذلك أبو هريرة رضي الله عنهما مع أنه كان أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، وهكذا الناس بعدهما قسمان:
قسم الحفاظ الذين يعتنون بالضبط والحفظ والأداء الحرفي كما سمعوا، ولا يعملون عقولهم فيفجرون النصوص، فلا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه؛ كأبي زرعة وأبي حاتم وابن دارة وقبلهم كبندار محمد بن بشار وعمرو الناقد وعبد الرزاق وقبلهم كمحمد بن جعفر غندر وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم من أهل الحفظ والإتقان.
وقسم جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية، واعتنى بتفجير النصوص والتفقه فيها؛ كالليث بن سعد ومالك والشافعي والأوزاعي وإسحق والإمام أحمد بن حنبل والدارمي والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي.
فهاتان الطائفتان هم الذين قبلوا ما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين رفعوا به رأسا، وأما الطائفة الثالثة وهم أشقى الخلق الذين أعرضوا فلم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا، فلا حفظ ولا فهم، ولا رواية ولا دراية ولا رعاية، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا.
وهذا كلام اللالكائي –رحمه الله- ننقله بتمامه لما فيه من عظيم الفوائد: من تبيين فضل أصحاب الحديث على الناس وبما استحقوه ولو كره من كره، ثم تبيين فخرهم وعظم قدرهم وشرف ذكرهم وعلو اسمهم بانتسابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستنادهم على سنته والتعويل عليها في إصلاح الذات والرد على المبطل، ثم تبيين وجه تسميتهم بأهل الحديث من الكتاب والسنة، ثم تبيين صفاتهم وأخلاقهم ومكانتهم في الأمة بما حفظوه لها، إذ بهم حفظ الله تعالى الدين.
قال اللالكائي في اعتقاد أهل السنة ج: 1 ص: 23-26
"فضل أصحاب الحديث على الأمة: فهؤلاء الذين تعهدت بنقلهم الشريعة، وانحفظت بهم أصول السنة، فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة، والدعوة لهم من الله بالمغفرة، فهم حملة علمه ونقلة دينه وسفرته بينه وبين أمته وأمناؤه في تبليغ الوحي عنه، فحرى أن يكونوا أولى الناس به في حياته ووفاته، وكل طائفة من الأمم مرجعها إليهم في صحة حديثه وسقيمه، ومعولها عليهم فيما يختلف فيه من أموره.
انتساب أهل الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم كل من اعتقد مذهبا فإلى صاحب مقالته التي أحدثها ينتسب وإلى رأيه يستند، إلا أصحاب الحديث، فإن صاحب مقالتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم إليه ينتسبون، وإلى علمه يستندون، وبه يستدلون، وإليه يفزعون، وبرأيه يقتدون، وبذلك يفتخرون، وعلى أعداء سنته بقربهم منه يصولون، فمن يوازيهم في شرف الذكر، ويباهيهم في ساحة الفخر وعلو الاسم.
وجه تسميتهم بأهل الحديث: إذ اسمهم مأخوذ من معاني الكتاب والسنة، يشتمل عليهما لتحققهم بهما، أو لاختصاصهم بأخذهما، فهم مترددون في انتسابهم إلى الحديث بين ما ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه فقال تعالى ذكره: {الله أنزل أحسن الحديث}؛ فهو القرآن، فهم حملة القرآن وأهله وقراؤه وحفظته، وبين أن ينتموا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم نقلته وحملته، فلا شك أنهم يستحقون هذا الاسم لوجود المعنيين فيهم لمشاهدتنا أن اقتباس الناس الكتاب والسنة منهم، واعتماد البرية في تصحيحهما عليهم، لأنا ما سمعنا عن القرون التي قبلنا ولا رأينا نحن في بكذا مبتدعا رأسا في إقراء القرآن، وأخذ الناس عنه في زمن من الأزمان، ولا ارتفعت لأحد منهم راية في رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خلت من الأيام، ولا اقتدى بهم أحد في دين ولا شريعة من شرايع الإسلام، والحمد لله الذي كمل لهذه الطايفة سهام الإسلام، وشرفهم بجوامع هذه الأقسام، وميزهم من جميع الأنام، حيث أعزهم الله بدينه، ورفعهم بكتابه، وأعلى ذكرهم بسنته، وهداهم إلى طريقته وطريقة رسوله، فهي الطايفة المنصورة، والفرقة الناجية، والعصبة الهادية، والجماعة العادلة المتمسكة بالسنة، التي لا تريد برسول الله صلى الله عليه وسلم بديلا، ولا عن قوله تبديلا، ولا عن سنته تحويلا، ولا يثنيهم عنها تقلب الأعصار والزمان، ولا يلويهم عن سمتها تغير الحدثان، ولا يصرفهم عن سمتها ابتداع من كاد الإسلام، ليصد عن سبيل الله ويبغيها عوجا، ويصرف عن طرقها جدلا ولجاجا، ظنا منه كاذبا وتخمينا باطلا أنه يطفي نور الله، والله متم نوره ولوكره الكافرون.
مكانة أهل الحديث وصفاتهم: واغتاظ بهم الجاحدون الأعظم والجمهور الأضخم، فيهم العلم والحكم والعقل والحلم والخلافة والسيادة والملك والسياسة، وهم أصحاب الجمعات والمشاهد والجماعات والمساجد والمناسك والأعياد والحج والجهاد، وباذلي المعروف للصادر والوارد، وحماة الثغور والقناطر الذين جاهدوا في الله حق جهاده، واتبعوا رسوله على منهاجه، الذين أذكارهم في الزهد مشهورة، وأنفاسهم على الأوقات محفوظة، وآثارهم على الزمان متبوعة، ومواعظهم للخلق زاجرة، وإلى طرق الآخرة داعية، فحياتهم للخلق منبهة، ومسيرهم إلى مصيرهم لمن بعدهم عبرة، وقبورهم مزارة، ورسومهم على دارسة وعلى تطاول ناسية، يعرف الله إلى القلوب محبتهم، ويبعثهم على حفظ مودتهم، يزارون في قبورهم كأنهم أحياء في بيوتهم، لينشر الله لهم بعد موتهم الأعلام حتى لا تندرس أذكارهم على الأعوام، ولا تبلى أساميهم على مر الأيام، فرحمة الله عليهم ورضوانه وجمعنا وإياهم في دار السلام.
حفظ عقيدة أهل الحديث: ثم إنه لم يزل في كل عصر من الأعصار إمام من سلف أو عالم من خلف قايم لله بحقه، وناصح لدينه فيها، يصرف همته إلى جمع اعتقاد أهل الحديث على سنن كتاب الله ورسوله وآثار صحابته، ويجتهد في تصنيفه ويتعب نفسه في تهذيبه رغبة منه في إحياء سنته، وتجديد شريعته، وتطرية ذكرهما على أسماع المتمسكين بهما من أهل ملته، أو لزجر غال في بدعته، أو مستغرق يدعو إلى ضلالته، أو مفتتن بجهالته لقلة بصيرته"، (انتهى كلام اللالكائي).
وهذا الحاكم –رحمه الله- ينقل كلام الأئمة كالإمام أحمد وغيره في وسم من طعن في أهل الحديث وتسلط عليهم بالسب والشتم، بالزندقة والإلحاد، وعلى ما أعتقد في إمامة هؤلاء الأئمة وعدالتهم، قالوا ما قالوه لأنهم قد عرفوا منهم في طعنهم في أهل الحديث الطعن في السنة النبوية وبالتالي يتسنى لهم الطعن في الدين، وهو لا يبدر إلا من منافق زنديق.
قال الحاكم في معرفة علوم الحديث ج: 1 ص: 4
"سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد الحنظلي ببغداد يقول: سمعت أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي يقول: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي ثم أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي فتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه فقال: زنديق زنديق زنديق، ودخل البيت، سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ يقول: سمعت جعفر بن محمد بن سنان الواسطي يقول: سمعت أحمد بن سنان القطان يقول: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه، سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى يقول: سمعت أبا نصر أحمد بن سلام الفقيه يقول: ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد والبدع ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد، قال أبو عبد الله: وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة ويسميها الحشوية، سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن إسحاق الفقيه وهو يناظر رجلا فقال الشيخ: حدثنا فلان فقال له الرجل دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا؟ فقال له الشيخ: قم يا كافر ولا يحل لك أن تدخل داري بعد هذا، ثم التفت إلينا فقال: ما قلت قط لأحد لا تدخل داري إلا لهذا"، (انتهى كلام الحاكم).
وهذا الإمام الخطيب يبين أنه لما كان الناس صنفان: جاهل وفاهم، كان أهل الحديث كذلك، حيث أن الجاهل منهم هو الذي سلط على الحديث وأهله بعض الأغمار ممن تصدر للفتوى والكلام في العلم وهو ليس من أهله، وكانوا مطية أهل الأهواء ومركب أهل البدع للوقيعة في سلف العلماء والطعن عليهم والتجرؤ على ذم ما هم عليه من العلم والعمل، قد أعيتهم السنة أن يحفظوها، فجانبوا ما استثقلوا، وعادوا ما جهلوا، وخاضوا في الدين بالضعيف والموضوع والرأي الفاسد والكلام المذموم.
ثم بين هذا الإمام الواجب على كل من تصدر للكلام في الدين، وأن الفقهاء الفهماء من أهل الحديث كانوا أكثر الناس عناية بالسنة جمعا وضبطا واستنباطا ونظرا، وأنه لولاهم لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها، وأنه لو عرف للإسلام حقه وأوجب للدين حرمته أكبر أن يحتقر من عظم الله شأنه وأعلى مكانه وأظهر حجته وأبان فضيلته، ولم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول، وأتباع الوحي، وأوعية الدين، وخزنة العلم كما سماهم.
قال الخطيب في الكفاية في علم الرواية ج: 1 ص: 3
ولما كان ثابت السنن والآثار وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار ملجأ المسلمين في الأحوال، ومركز المؤمنين في الأعمال، إذ لا قوام للإسلام إلا باستعمالها، ولا ثبات للإيمان إلا بانتحالها، وجب الاجتهاد في علم أصولها، ولزم الحث على ما عاد بعمارة سبيلها، وقد استفرغت طائفة من أهل بكذا وسعها في كتب الأحاديث والمثابرة على جمعها، أن يسلكوا مسلك المتقدمين، وينظروا نظر السلف الماضين في حال الراوي والمروى، وتمييز سبيل المرذول والمرضى، واستنباط ما في السنن من الأحكام، وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام، بل قنعوا من الحديث باسمه، واقتصروا على كتبه في الصحف ورسمه، فهم أغمار وحملة أسفار، قد تحملوا المشاق الشديدة وسافروا إلى البلدان البعيدة وهان عليهم الدأب والكلال، واستوطئوا مركب الحل والارتحال، وبذلوا الأنفس والأموال، وركبوا المخاوف والأهوال، شعث الرؤوس شحب الألوان خمص البطون نواحل الأبدان، يقطعون أوقاتهم بالسير في البلاد طلبا لما علا من الإسناد، لا يريدون شيئا سواه، ولا يبتغون إلا إياه، يحملون عمن لا تثبت عدالته، ويأخذون ممن لا تجوز أمانته، ويروون عمن لا يعرفون صحة حديثه، ولا يتيقن ثبوت مسموعه، ويحتجون بمن لا يحسن قراءة صحيفته، ولا يقوم بشيء من شرائط الرواية، ولا يفرق بين السماع والإجازة، ولا يميز بين المسند والمرسل والمقطوع والمتصل، ولا يحفظ اسم شيخه الذي حدثه حتى يستثبته من غيره، ويكتبون عن الفاسق في فعله المذموم في مذهبه، وعن المبتدع في دينه المقطوع على فساد اعتقاده، ويرون ذلك جائزا، والعمل بروايته واجبا إذا كان السماع ثابتا والإسناد متقدما عاليا، فجر هذا الفعل منهم الوقيعة في سلف العلماء، وسهل طريق الطعن عليهم لأهل البدع والأهواء، حتى ذم الحديث وأهله بعض من ارتسم بالفتوى في الدين، ورأى ثم إعجابه بنفسه أنه أحد الأئمة المجتهدين، بصدوفه عن الآثار إلى الرأي المرذول، وتحكمه في الدين برأيه المعلول، وذلك منه غاية الجهل ونهاية التقصير عن مرتبة الفضل، ينتسب إلى قوم تهيبوا كد الطلب ومعاناة ما فيه من المشقة والنصب، وأعيتهم الأحاديث أن يحفظوها واختلفت عليهم الأسانيد فلم يضبطوها، فجانبوا ما استثقلوا، وعادوا ما جهلوا، وآثروا الدعة واستلذوا الراحة، ثم تصدروا في المجالس قبل الحين الذي يستحقونه، وأخذوا أنفسهم بالطعن على العلم الذي لا يحسنونه، إن تعاطى أحدهم رواية حديث فمن صحف ابتاعها، كفى مئونة جمعها سماع لها ولا معرفة بحال ناقلها، وان حفظ شيئا منها خلط الغث بالسمين، وألحق الصحيح بالسقيم، وإن قلب عليه إسناد خبر أو سئل عن علة تتعلق بأثر تحير واختلط وغيث بلحيته وامتخط تورية عن مستور جهالته، فهو كالحمار في طاحونته، ثم رأى ممن يحفظ الحديث ويعانيه ما ليس في وسعه الجريان فيه، فلجأ إلى الازدراء بفرسانه، واعتصم بالطعن على الراكضين في ميدانه، كما أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الخرقي أنا احمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن على الأبار قال: رأيت بالأهواز رجلا حف شاربه وأظنه قد اشترى كتبا وتعبأ للفتيا فذكروا أصحاب الحديث فقال: ليسوا بشيء وليس يسوون شيئا، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي، قال: أنا؟ قلت: نعم، قلت: أيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك فسكت، فقلت: وأيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت يديك على ركبتيك فسكت، قلت: أيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدت فسكت، قلت: مالك لا تكلم؟ ألم أقل لك أنك لا تحسن تصلي؟ أنت إنما قيل لك: تصلي الغداة ركعتين والظهر أربعا فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث، فلست بشيء، ولا تحسن شيئا، فهذا المذكور مثله في الفقهاء كمثل من تقدم ذكرنا له ممن انتسب إلى الحديث، ولم يعلق به سماعه وكتبه دون نظره في أنواع عمله، وأما المحققون فيه المتخصصون به فهم الأئمة العلماء والسادة الفهماء أهل الفضل والفضيلة والمرتبة الرفيعة، حفظوا على الأمة أحكام الرسول، وأخبروا على أنباء التنزيل، وأثبتوا ناسخه ومنسوخه، وميزوا محكمه ومتشابهه، ودونوا أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وضبطوا على اختلاف الأمور أحواله في يقظته ومنامه وقعوده وقيامه وملبسه ومركبه ومأكله ومشربه، حتى القلامة من ظفره ما كان يصنع بها والنخاعة من فيه كيف كان يلفظها، وقوله ثم كل فعل يحدثه، ولدى كل موقف يشهده، تعظيما لقدره صلى الله عليه وسلم، ومعرفة بشرف ما ذكر عنه وعزى إليه، وحفظوا مناقب صحابته، ومآثر عشيرته، وجاءوا بسير الأنبياء ومقامات الأولياء واختلاف الفقهاء، ولولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها، إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة، فمن عرف للإسلام حقه وأوجب للدين حرمته أكبر أن يحتقر من عظم الله شأنه وأعلى مكانه وأظهر حجته وأبان فضيلته، ولم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول، وأتباع الوحي، وأوعية الدين، وخزنة العلم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فقال: {والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه}، وكفى المحدث شرفا أن يكون اسمه مقرونا باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره متصلا بذكره، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
والواجب على من خصه الله تعالى بهذه الرتبة وبلغه إلى هذه المنزلة أن يبذل مجهوده في تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه، وطلبها من مظانها، وحملها عن أهلها، والتفقه بها، والنظر في أحكامها، والبحث عن معانيها، والتأدب بآدابها، ويصدف عما يقل نفعه وتبعد فائدته من طلب الشواذ والمنكرات، وتتبع الأباطيل والموضوعات، ويؤتى الحديث حقه من الدراسة والحفظ والتهذيب والضبط، ويتميز بما تقتضيه حاله ويعود عليه زينه وجماله، فقد أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي قال: قرئ على أبي أحمد الحسين بن على التميمي وأنا اسمع حدثني محمد بن المسيب قال: حدثنا أبو الخصيب المصيصي إملاء قال: سمعت سعيد بن المغيرة يقول: سمعت مخلد بن الحسين يقول: إن كان الرجل ليسمع العلم اليسير فيسود به أهل زمانه يعرف ذلك في صدقه وورعه وإنه ليروى اليوم خمسين ألف حديث لا تجوز شهادته على قلنسوته، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأشناني بنيسابور قال: حدثنا أبو العباس محمد بن قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال: أنبأ بن وهب وأخبرنا أبو الحسين علي بن القاسم بن الحسن الشاهد بالبصرة واللفظ له قال: ثنا أبو روق الهزاني قال: ثنا بحر بن نصر الخولاني قال: ثنا بن وهب قال: حدثني يحيى بن سلام عن عثمان بن مقسم عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه"، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن حماد الواعظ مولى بنى هاشم قال: ثنا أبو بكر يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول الأزرق إملاء قال: حدثني جدي أبو يعقوب إسحاق بن البهلول قال: ثنا سفيان ويعلى عن إسماعيل يعنى بن أبي خالد عن قيس عن عبد الله رفعه يعلى ووقفه سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله حكمة فهو يقول بها ورجل آتاه الله ما لا فهو ينفقه في حقه".

قاعدة في الفرقة الناجية:
إن الفرقة الناجية هي الفرقة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالنجاة حيث قال: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وقال أيضا: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة" .
فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ومن اتبعهم هم الجماعة وهم الفرقة الناجية، وليس كل من خالف في شيء مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجب أن يكون هالكا، فإنه قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة النبوية، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة لمن ارتكب جرما كأكل مال اليتيم مثلا، أو الجس، أو شرب الخمر، لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك، فكذلك من خالف في شيء من اعتقاد أهل السنة والجماعة.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- عن افتراق الأمة إلى ناجية وهالكة فقال في مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 345: "ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة، وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة".
وعليه فإن خصوصية الفرقة الناجية هي الجماعة وهي اتباع النبي صلى الله عليه وسلم حق الإتباع بالرجوع إلى الكتاب والسنة والإجماع، وخصوصية الفرق الهالكة هي الفرقة والاختلاف واتباع الهوى ومخالفة الكتاب والسنة والإجماع، وهذا لا يعني أن أفراد الفرقة الناجية لا يخطئون ولا يختلفون، بل قد كان ذلك في فضلاء الصحابة لكن دون اتباع الهوى، ولكن المقصود الكلام عن المخالفة التي تخرج صاحبها عن دائرة الفرقة الناجية، وتلقي به في أحضان الهالكة.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 348
"ومما ينبغي أيضا أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة، ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه؛ فيكون محمودا فيما رده من الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، ورد بالباطل باطلا بباطل أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين يوالون عليه ويعادون كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة، بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات".
قلت: فهذا شيخ الإسلام –رحمه الله- قد جعل من ابتدع قولا مخالفا للسنة؛ إن لم يتعصب له فيوالي عليه ويعادي عليه؛ من أهل الخطأ، ولم يخرجه عن دائرة أهل السنة، وجعله صنفا أخر مغايرا لمن كان من أهل الأهواء؛ فتعصب لبدعته بهواه؛ ممتحنا فيها الناس؛ حاكما عليهم بالتكفير أو التبديع أو التفسيق.
قال الشيخ الألباني نقلا عن الشيخ صالح المقبلي –رحمهم الله- في شرح الحديث المذكور أعلاه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم 2
"إن الناس عامة وخاصة، فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء والعبيد والفلاحين والسوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء؛ فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم.
وأما الخاصة؛ فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه، وبلغ في تقويتها كل مبلغ، وجعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه والتعصب، وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها وحملوه ما لم يتحمله، ولكنه إمامهم المقدم، وهؤلاء هم المبتدعة حقا، وهو شيء كبير {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا}؛ كنفي حكمة الله تعالى، ونفي إقداره المكلف، وككونه يكلف ما لا يطاق، ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه، وأخواتهن! ومنها ما هو دون ذلك، وحقائقها جميعا عند الله تعالى، ولا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة.
ومن الناس من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف، ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق، وقد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع، لكن على وجه خفي، ولعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه، وإيذاؤهم له في عرضه، وربما بلغت الأذية إلى نفسه، وعلى الجملة، فالرجل قد عرف الحق من الباطل وتخبط في تصرفاته، وحسابه على الله سبحانه، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، وما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم والله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، وذلك لأنه لم يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، وقد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه، والله المستعان.
ومن الناس من ليس من أهل التحقيق، ولا هيئ للهجوم على الحقائق، وقد تدرب في كلام الناس، وعرف أوائل الأبحاث، وحفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه، ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل، وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء والرضا عن السلف لوقعهم في النفوس، وهؤلاء هم الأكثرون عددا، والأرذلون قدرا؛ فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، ولا أدركوا سلامة العامة، فالقسم الأول من الخاصة مبتدعا قطعا والثاني ظاهره الابتداع والثالث له حكم الابتداع.
ومن الخاصة قسم رابع، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب والسنة وساروا بسيرها، وسكتوا عما سكتا عنه، وأقدموا وأحجموا بهما، وتركوا تكلف ما لا يعنيهم، وكان تهمهم السلامة، وحياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، وقرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، وفهم معانيه على السليقة العربية والتفسيرات المروية، ومعرفة ثبوت حديث نبوي لفظا وحكما؛ فهؤلاء هم السنة حقا، وهم الفرقة الناجية، وإليهم العامة بأسرهم، ومن شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم ونياتهم...".
والمقصود هنا أنه لما كان العامة هم الأكثر قديما وحديثا وكذلك الخاصة في القرون المتقدمة؛ كان أهل السنة هم الأكثر في الأمة، وهم السواد الأعظم، ومن عداهم كانوا هم الشواذ وهم أهل الفرقة والاختلاف، ثم إنه لابد من ذكر أصلين لاعتبارها في إنزال الأحكام:
الأصل الأول: أن أهل البدع فيهم المنافق الزنديق، فهذا كافر، ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان وتقوى باطنا وظاهرا لكن فيه جهل وظلم جره إلى الخطأ ومجانبة السنة؛ فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقا أو عاصيا، وقد يكون مخطئا متأولا مغفورا له خطأه، ومن هذا حاله فإنه يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه.
والأصل الثاني: أن المقالة تكون كفرا كجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكتحليل ما حرم الله تعالى؛ كالزنا والخمر والميسر والربا، ثم القائل بها لا يكفر إن كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه الشريعة فيها، أو كان في زمن الفترات، فهذا لا يحكم بكفره لما جحده عن جهل بما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج:6 ص:61:
"فإذا رأيت إماما قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها؛ فلا يعتبر هذا حكما عاما في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له، فان من جحد شيئا من الشرائع الظاهرة وكان حديث العهد بالإسلام أو ناشئا ببلد جهل؛ لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية.
وكذلك العكس إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له؛ فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم فتدبره فانه نافع.
وهو أن ينظر في شيئين في المقالة؛ هل هي حق أم باطل؟ أم تقبل التقسيم فتكون حقا باعتبار، باطلا باعتبار؟ وهو كثير وغالب، ثم النظر الثاني في حكمه إثباتا، أو نفيا، أو تفصيلا، واختلاف أحوال الناس فيه، فمن سلك هذا المسلك أصاب الحق قولا وعملا، وعرف إبطال القول وإحقاقه وحمده، فهذا هذا والله يهدينا ويرشدنا إنه ولي ذلك والقادر عليه".
قلت: وبهذا يتضح الفرق بين المقالة والقائل؛ فإنه لابد من رد المقالة إن كانت كلها باطلا، أو قبول ما فيها من حق ورد ما فيها من باطل؛ إن كانت تحتملهما معا، أما القائل فإن عرف بالبدعة وجب معاملته معاملة أهل السنة للمبتدعة؛ بحسب بدعته وحاله وحال الرادين عليه من أهل السنة؛ حسب ما تقتضيه الشريعة العظيمة من اعتبار المصالح والمفاسد والترجيح بينها، وهذا بخلاف ما زعمه بعض المعاصرين من عدم التفريق بين البدعة ومرتكبها، وأنه بارتكابه البدعة الواحدة فإنه يستحق اسم المبتدع وأنه من أهل الأهواء، وأن حكمها حكمه على حد السواء، فإنه باطل قطعا ولا يخفى تهافته عند العقلاء، إذ يلزم من هذا المذهب الشاذ تبديع جمع المسلمين إلا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
وأما الجهمية؛ فإن المأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة، الذين ينكرون الصفات، وحقيقية قولهم أن الله لا يتكلم ولا يرى ولا يباين الخلق، ولا له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة، ولا فوق العرش إله يعبد، بل القرآن مخلوق، وأهل الجنة لا يرونه كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات الضالة، ثم إن مقالات الجهمية هذه؛ وإن كانت من أعظم الجحد لأسماء الله تعالى وصفاته ولما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما كان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظن والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه؛ فهؤلاء الجهمية عمدوا إلى ما هو مشهور من الكتاب والسنة فخالفوه، وتسلطوا عليه بالتحريف، وحقيقة قولهم تعطيل الصانع والكفر بالنبوة، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع وعدم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، كما خالفوا ما اتفقت عليه الملل وأهل الفطر السليمة كلها، لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير ممن يكون من أهل الإيمان باطنا وظاهرا؛ فيروج ذلك بينهم، حتى يظن أن الحق معهم لما يوردونه من الشبهات والتلبيسات، -لأن هؤلاء الجهمية ينفون الصفات وهم في الحقيقة ينفون الأسماء أيضا لكن يحتاجون إلى إطلاقها في الظاهر لأجل تظاهرهم بالإسلام-، وإنما التبس على أهل الإيمان واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفارا قطعا، بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطئ المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يستحق به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه ، فهذا هذا والله أعلم.

رأي الأشعري مؤسس المذهب في الإمام أحمد مخالف للدكتور عمارة:
قال أبو الحسن الأشعري في الإبانة: فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون، قيل له قولنا الذي به نقول وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله عز وجل وبسنة نبينا صل الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولما خالف قوله مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلالة وأوضح به المناهج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين.

من هو الأشعري؟
هذا والأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبى المعالي وأتباعه، فان هؤلاء نفوا الصفات كالاستواء والوجه واليدين، ثم اختلفوا هل تتأول أو تفوض على قولين أو طريقين: فأول قولي أبي المعالي هو تأويلها كما ذكر ذلك في الإرشاد، وآخر قوليه تحريم التأويل كما ذكره في الرسالة النظامية، مستدلا بإجماع السلف على منع التأويل، وأما الأشعري نفسه وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية وفى الرد على من يتأولها، كمن يقول استوى بمعنى استولى، وهذا مذكور في كتبه كلها، كالموجز الكبير و المقالات الصغيرة والكبيرة و الإبانة وغير ذلك، وهكذا نقل عنه إثبات الصفات الخبرية سائر الناس، حتى المتأخرون كالرازي والآمدي ينقلون عنه ذلك، ولا يحكون عنه في ذلك قولين، فمن قال أن الأشعري كان ينفيها، وأن له في تأويلها قولين فقد افترى عليه، ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه كأبي المعالي ونحوه، فإن هؤلاء أدخلوا في مذهبه أشياء من أصول المعتزلة.
فالأشعري شخصية مركبة، قليل من الناس من يفهمها، وأحسن وأعدل ترجمة له تلك الكلمات المتفرقة لشيخ الإسلام في كتبه، وإليك بعضها:
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج: 12 ص: 204
والأشعري ابتلى بطائفتين: طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهارا لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم، وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردودة شرعا وعقلا، بل من تدبر كلامه في هذا الباب في مواضع تبين له قطعا أنه كان ينصر ما أظهره، ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفى ذلك عنه لئلا يقال: إنهم خالفوه مع كون ما ذهبوا إليه من السنة قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون وعليها يعتمدون، والفريق الآخر دفعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا خلاف هذا القول، ولكونهم اتهموه بالتقية، وليس كذلك، بل هو انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة، كمسألة الرؤية و الكلام واثبات الصفات ونحو ذلك، لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ذلك، والمخالفون له من أهل السنة والحديث ومن المعتزلة والفلاسفة يقولون إنه متناقض، وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة، كما أن المعتزلة يتناقضون فيما نصروا فيه دين الإسلام، فإنهم بنوا كثيرا من الحجج على أصول تناقض كثيرا من دين الإسلام، بل جمهور المخالفين للأشعري من المثبتة والنفاة يقولون: إنما قاله في مسألة الرؤية والكلام معلوم الفساد بضرورة العقل، ولهذا يقول أتباعه: إنه لم يوافقنا أحد من الطوائف على قولنا في مسألة الرؤية والكلام، فلما كان في كلامه شوب من هذا وشوب من هذا صار يقول من يقول: إن فيه نوعا من التجهم، وأما من قال: إن قوله قول جهم فقد قال الباطل، ومن قال: إنه ليس فيه شيء من قول جهم فقد قال الباطل، والله يحب الكلام بعلم وعدل، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيل الناس منازلهم، (انتهى).
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج: 16 ص: 307
وكثير من الكتب المصنفة في أصول الدين و الكلام يوجد فيها الأقوال المبتدعة، دون القول الذي جاء به الكتاب والسنة، فالشهرستاني مع تصنيفه في الملل والنحل يذكر في مسألة الكلام والإرادة وغيرهما أقوالا ليس فيها القول الذي دل عليه الكتاب و السنة، و إن كان بعضها أقرب، وقبله أبو الحسن كتابه في اختلاف المصلين من أجمع الكتب، وقد استقصى فيه أقاويل أهل البدع، ولما ذكر قول أهل السنة والحديث ذكره مجملا غير مفصل، وتصرف في بعضه، فذكره بما اعتقده هو أنه قولهم من غير أن يكون ذلك منقولا عن أحد منهم، وأقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب، فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية، وهو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية، وكذلك مذهب الأشعري في الصفات، وأما في القدر والإيمان فقوله قول جهم، وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث وقال: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، فهو أقرب ما ذكره، وبعضه ذكره عنهم على وجه، وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات والقدر، إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول، وهو يحب الانتصار لأهل السنة والحديث وموافقتهم، فأراد أن يجمع بين ما رآه من رأى أولئك و بين ما نقله عن هؤلاء، ولهذا يقول فيه طائفة إنه خرج من التصريح إلى التمويه، كما يقوله طائفة: إنهم الجهمية الإناث وأولئك الجهمية الذكور، وأتباعه الذين عرفوا رأيه فى تلك الأصول ووافقوه، أظهروا من مخالفة أهل السنة والحديث ما هو لازم لقولهم، ولم يهابوا أهل السنة والحديث، ويعظموا ويعتقدوا صحة مذاهبهم، كما كان هو يرى ذلك، والطائفتان أهل السنة والجهمية يقولون: إنه تناقض، لكن السني يحمد موافقته لأهل لحديث ويذم موافقته للجهمية، و الجهمي يذم موافقته لأهل الحديث ويحمد موافقته للجهمية، ولهذا كان متأخروا أصحابه كأبي المعالي ونحوه أظهر تجهما وتعطيلا من متقدميهم، وهي مواضع دقيقة يغفر الله لمن أخطأ فيها بعد اجتهاده، لكن الصواب ما أخبر به الرسول، فلا يكون الحق فى خلاف ذلك قط، و الله أعلم، (انتهى).
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج: 16 ص: 470
وأئمة المتكلمين يعترفون بأن القرآن بين الأدلة العقلية، كما يذكر ذلك الأشعري وغيره، وعبد الجبار بن أحمد وغيره من المعتزلة، ثم هؤلاء قد يذكرون أدلة يجعلونها أدلة القرآن ولا تكون هي إياها، كما فعل الأشعري في اللمع وغيره، حيث احتج بخلق الإنسان، وذكر قوله: {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون}، لكن هو يظن أن النطفة فيها جواهر باقية، وأن نقلها فى الأعراض يدل على حدوثها، فاستدل على حدوث جواهر النطفة، وليست هذه طريقة القرآن ولا جمهور العقلاء، بل يعرفون أن النطفة حادثة بعد أن لم تكن، مستحيلة عن دم الإنسان، وهي مستحيلة إلى المضغة، وأن الله يخلق هذا الجوهر الثاني من المادة الأولى بالاستحالة، ويعدم المادة الأولى، لا تبقى جواهرها بأعيانها دائما كما تقدم، فالنظار فى القرآن ثلاث درجات: منهم من يعرض عن دلائله العقلية، ومنهم من يقر بها لكن يغلط فى فهمها، ومنهم من يعرفها على وجهها، كما أنهم ثلاث طبقات في دلالته الخبرية: منهم من يقول لم يدل على الصفات الخبرية، ومنهم من يستدل على غير ما دل عليه، ومنهم من يستدل به على ما دل عليه، والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية، أخذوا من هؤلاء كلاما صحيحا، ومن هؤلاء أصولا عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة، فمن الناس من مال إليه من الجهة السلفية، ومن الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية كأبي المعالي وأتباعه، و منهم من سلك مسلكهم كأئمة أصحابهم، كما قد بسط فى مواضع، (انتهى).

رأي الدكتور أبو زهرة في الإمام أحمد مخالف للدكتور عمارة:
مع العلم أنه إمام في المذهب الأشعري فقد قال فضيلة الدكتور أبو زهرة –رحمه الله- عن الإمام أحمد في "تاريخ المذاهب الإسلامية" ص:484:
"ذلكم الرجل هو إمام دار السلام، وشيخ الفقهاء والمحدثين في عصره أحمد بن حنبل رضي الله عنه...
وإن السنة التي كان يجمعها هي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتاوى أصحابه وأقضيتهم وفتاوى التابعين وأقضيتهم، وإن هذه الروايات فوق أنها سنن مأثورة هي فقه عميق دقيق، ولذلك لا نقول إنه في رواياته وانغماره فيها كان منقطعا عن الفقه والمسائل والفتاوى، بل كان متصلا بالفقه غير منقطع، فإذا كان قد تفرغ شطرا كبيرا من حياته للرواية، فإنه لم يكن فيها مقطوعا عن الفقه.
وإنه في دراسته الأولى اتجه إلى طلب الفقه على القاضي أبي يوسف، ولما بلغ أشده كان يتجه إلى فقه السنة، ولعل ذلك قد جذبه إلى علم الفقه، وخصوصا عندما التقى بالشافعي رضي الله عنه في مكة، فقد استرعاه عقل الشافعي، ووضعه موازين دقيقة للاستنباط الفقهي...
وبهذا التقى الحديث والسنة والآثار مع الفقه، وسواء أكان طلبه للفقه سابقا للحديث والسنة أم كان بعد أن اتجه إلى الآثار، وجمع منها الكثير، فإنه من المؤكد أنه اتجه إلى الفقه، والذي أراه في هذه القضية أنه اتجه إلى الفقه بدراسة عميقة عندما أخذ يدرس الفقه في المرويات التي آل إليه علمها، فإنه طلب فقه الصحابة، وخصص لكل صحابي سندا قائما بذاته في كتابه "المسند" وفي كل سند لصحابي من المجتهدين الذين اشتهروا بالإفتاء كعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، فلا بد أنه كان يعنى بدراسة فقه هؤلاء، وتعرف غاياته ومراميه، وأن دراسة فقه هؤلاء وغيرهم كعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص- يرهف عقل الراوي المستيقظ، ويعطيه ملكة فقهية عميقة؛ وإذا أضيف إلى ذلك أنه التقى بضابط علم الاستنباط الإمام الشافعي رضي الله عنه، فإنه بلا ريب يكون فقيها عريقا في فقه السنة، لا يمكن في آرائه أن يخرج عن سمت الشريعة المستقيم".

الحمد والذم إنما يكون بحسب موقع العبد من الحديث والسنة قربا وبعدا:
إن القاسم المشترك بين جميع المسلمين هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينال الكمال إلا من جهتهما، وكل كمال ناله أحدهم إلا وهو يشارك غيره في بعضه ويمتاز عليه بما اختص به من مزيد إتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم، وعليه، فأهل الحديث والأثر يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم من مزيد عنايتهم بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى، مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والفكر والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والحال والوجد والذوق ونحو ذلك، ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أكمل الخلق في هذه الطرق جميعها علما وعملا وحالا، ومن المعلوم أيضا أن أهل الحديث هم أقرب الناس إليهم، فهم قد نالوا من هذه الطرق صفوتها، وخلاصتها، فكانوا أكمل الناس عقلا، وأعدلهم قياسا، وأصوبهم رأيا، وأسدهم كلاما، وأصحهم فكرا ونظرا، وأهداهم استدلالا، وأقومهم جدلا، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهاما، وأحدهم بصرا ومكاشفة، وأصوبهم سمعا ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا وأشرفهم حالا وأعلاهم مقاما، وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل.
وهذا لا ينبع عن محض تقليد أو عصبية كما يدعيه كثيرون، ولكن لما كان اعتقاد الحق الثابت يقوى الإدراك ويصححه، قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى}، وقال: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما}، كان ما يناله الملتزمون بهذا الدين في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين، وهكذا كل من كان أقرب إلى الله تعالى فإنه هو المؤيد المنتصر.
واعلم أن كل من استحمد في الإسلام فبحسب ما معه من حسنات، وهي نوعان إما موافقة أهل السنة والحديث وإما الرد على من خالف السنة والحديث وبيان تناقض حججهم وتهافتها.
فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد، لكن المجاهد قد يكون عادلا وقد يكون فيه فجور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم"، والجهاد عمل مشكور لصاحبه في الظاهر لا محالة، وهو مع النية الحسنة مشكور باطنا وظاهرا، ووجه شكره نصره للسنة والدين، فهكذا المنتصر للإسلام والسنة يشكر على ذلك من هذا الوجه، وهذا لا يعني القول بعصمته واتباعه في كل ما قاله وإن خالف فيه السنة والحديث، فالحاكم هو الحديث وليس ذلك المنتصر له.
قال شيخ الإسلام في المجموع ج:4 ص:14:
"فحمد الرجال عند الله ورسوله وعباده المؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دين الله وسنة رسوله وشرعه من جميع الأصناف، إذ الحمد إنما يكون على الحسنات، والحسنات هي ما وافق طاعة الله ورسوله من التصديق بخبر الله والطاعة لأمره، وهذا هو السنة، فالخير كله باتفاق الأمة هو فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما يذم من يذم من المنحرفين عن السنة والشريعة وطاعة الله ورسوله إلا بمخالفة ذلك، ومن تكلم فيه من العلماء والأمراء وغيرهم إنما تكلم فيه أهل الإيمان بمخالفته السنة والشريعة، وبهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام والمتكلمين الصفاتية كابن كرام وابن كلاب والأشعري، وما تكلم فيه من تكلم من أعيان الأمة وأئمتها المقبولين فيها من جميع طوائف الفقهاء وأهل الحديث والصوفية إلا بما يقولون إنهم خالفوا فيه السنة والحديث، لخفائه عليهم، أو إعراضهم عنه، أو لاقتضاء أصل قياس مهدوه رد ذلك، كما يقع نحو ذلك في المسائل العلمية، فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان النص إنما يكون لعدم علمه به أو لاعتقاده صحة ما عارضه لكن هو فيما ظهر من السنة وعظم أمره يقع بتفريط من المخالف وعدوان فيستحق من الذم ما لا يستحقه في النص الخفي وكذلك فيما يوقع الفرقة والاختلاف يعظم فيه أمر المخالفة للسنة".
فكل من نبل في الإسلام وعظم قدره في الأمة وقبل قوله عند عامة الناس فإنما ذلك باتباع الحديث والسنة وفيما قاله مما وافق فيه الكتاب والحكمة، فأئمة الأمة كالشافعي وإسحق وغيرهما إنما نبلوا في الإسلام باتباع أهل الحديث والسنة، وكذلك البخاري ومسلم وأمثالهما إنما نبلوا بذلك، وكذلك مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم إنما نبلوا بذلك، وكل من تكلم فيه منهم فما هو إلا بسبب المواضع التي لم يتفق له متابعتها من الحديث والسنة، إما لعدم بلاغها إياه، أو لاعتقاده ضعف دلالتها، أو رجحان غيرها عليها أو لغيرها من الأسباب التي قد يكون بها معذورا مغفورا له خطأه مأجورا على اجتهاده، لكن مع ذلك فهو مردود عليه قوله، بل مضروب بعرض الحائط كما هي رغبتهم هم أنفسهم .
وكذلك المسائل الاعتقادية الخبرية، لم ينبل أحد من الطوائف ورءوسهم عند الأمة إلا بما معه من الإثبات والسنة، فالمعتزلة أولا وهم فرسان الكلام إنما يحمدون ويعظمون عند أتباعهم وعند من يغض الطرف عن مساوئهم لأجل محاسنهم عند المسلمين بما وافقوا فيه مذهب أهل الإثبات والسنة والحديث، وردهم على الرافضة بعض ما خرجوا فيه عن السنة والحديث من إمامة الخلفاء وعدالة الصحابة وقبول الأخبار وتحريف الكلم عن مواضعه والغلو في على والقول بالمعصوم ونحو ذلك، وكذلك كانوا يستحمدون بما خالفوا فيه الخوارج من تكفير علي وعثمان وغيرهما وتكفير المسلمين بالذنوب، وكذلك كانوا يستحمدون بما خالفوا فيه المرجئة بإدخال الواجبات في الإيمان، ولهذا قالوا بالمنزلة بين المنزلتين وإن لم يهتدوا إلى السنة المحضة من أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
وكذلك الشيعة المتقدمون كانوا يرجحون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات والقدر والشفاعة ونحو ذلك.
وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكلابية والكرامية والأشعرية إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان من إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة، و بما قاموا به من الجهاد بالرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب وبيان تناقض حججهم وتهافتها، وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة.
فاتباع السنة والدفاع عنها هو العامل الرئيسي والوحيد لعموم الأمة في تعظيم متبوعيها، فإنه لم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين أو كلاهما، وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنما يحبه وينتصر له بذلك، كما فعل البيهقي وأبي القاسم القشيري وابن عساكر الدمشقي، فإنهم إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل السنة والحديث أو بما رده من أقوال مخالفيهم، ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه إلى ذلك لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك كشيوخه المعتزلة أبي علي الجبائي وولده أبي هاشم، لكن كان للأشعري من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات والقدر والإمامة والفضائل والشفاعة والحوض والصراط والميزان، وله من الردود على المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية وبيان تناقضهم ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك ويعرف له حقه وقدره، وبما وافق فيه السنة والحديث صار له من القبول والأتباع ما صار، فقطب رحى ذيوع صيته وشهرته وكثرة أتباعه كان له بما وافق فيه أهل السنة والحديث وبدفاعه عنها، قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج: 4 ص: 17: "ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو دونه، فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم أعظم من أتباعه، والقاضي أبو بكر بن الباقلاني لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره، وأما مثل الأستاذ أبي المعالي وأبي حامد ونحوهما ممن خالفوا أصوله في مواضع فلا تجدهم يعظمون إلا بما وافقوا فيه السنة والحديث، وأكثر ذلك تقلدوه من مذهب الشافعي في الفقه الموافق للسنة والحديث، ومما ذكروه في الأصول مما يوافق السنة والحديث، وما ردوه مما يخالف السنة والحديث، وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها و إلا لم يصح ذلك".
فهذا شيخ الإسلام يبين أن ذيوع المذهب الأشعري لم يكن إلا باتباعه لمذهب الإمام أحمد في المسائل العلمية ولنصرته لمذهب أهل السنة والحديث لا للكلام، ولدفاعه عن هذا المذهب، ولانتحال أتباعه مثل الأستاذ أبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي لمذهب الشافعي في الفقه صار له من الأتباع ما صار.

ما فضل به أهل الحديث على سائر الطوائف:
وحتى نستكمل ما فضل به أهل الحديث على سائر الطوائف نذكر أمورا منها إقرار أئمة الكلام والفلسفة وشهادتهم على أنفسهم وعلى بني جنسهم بالضلال، بينما أهل الحديث لا يشهد أحد على نفسه بذلك، وكذلك رجوع أئمة الكلام إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم كثير، بينما أئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد، لأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وكذلك شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال، بينما أهل الحديث لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال، وكذلك تجد أهل الكلام إذا ما ظفروا من سنة رسول الله بما يؤيد مذهبهم أشادوا به وعظموه، بينما أهل الحديث لا تجدهم يعظمون الكلام وإن وافق ما ذهبوا إليه، وكذلك كون جميع الطوائف المتقابلة من أهل الأهواء تشهد لهم بأنهم أصلح من الآخرين وأقرب إلى الحق، فتجد كلام أهل النحل فيهم وحالهم معهم بمنزلة كلام أهل الملل مع المسلمين وحالهم معهم.
وأما ما عاب به المتكلمون أهل الحديث من حشو القول فمرجعه لأمرين:
-قلة المعرفة: كأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة أو بآثار لا تصلح للاحتجاج.
-قلة الفهم: كأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة، أو كأن يقولون القولين المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك.
والأمر راجع إلى شيئين: إما زيادة أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة، كالأحاديث الموضوعة، وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمونها أو يفهمونها على غير مراد الله ورسوله، إذ كان اتباع الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث وهو العلم بالرواية، وثانيا إلى فهم معناه وهو العلم بالدراية، والخلل قد يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين أو الإخلال بهما جميعا، ومن عابهم من الناس فإنما يعيبهم بهذا، ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم لا يستطيع أحد أن يجحده وهو كثير ومشاهد عيانا، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الأصول والفروع، وآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة، ويذكرون من القرآن والحديث الصحيح ما لا يفهمون معناه، وربما تأولوه على غير تأويله، ووضعوه على غير موضعه.
ومع إخلالهم بالمقدمتين قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة، ويجهلونهم، ففي بعضهم من البغي والعدوان ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا، وقد يكون منكرا من القول وزورا، وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات، فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم، لكنهم وإن كان فيهم ما فيهم من العيوب إلا أنه في غيرهم أكثر، فهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل، ولا ريب كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر، وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.
ثم إن ما ذكر من فضول الكلام وزيادته التي لا تفيد مع اعتقاد أنه طريق إلى العلم لتحقيق التصور والتصديق هو في أهل الكلام والمنطق بما لا مجال للمقارنة بينهم وبين أهل الحديث، فأهل الكلام هم أحق بالحشو وفضول الكلام من أهل الحديث، وإذا قابلنا بينهم وجدنا ما عند أهل الكلام شر مما عند أهل الحديث، فبإزاء احتجاج أولئك بالحديث الضعيف، احتجاج هؤلاء بالحدود المتوهة والأقيسة الكثيرة العقيمة، والتي لا تفيد معرفة ولا تنتج علما، بل تفيد جهلا وتلد ضلالا، وبإزاء قلة الفهم وعدم الفقه عند أهل الحديث، تكلف أهل الكلام من القول على الله بغير علم والتكلم من غير دليل شرعي أو عقلي وإن زعموا أنه كذلك؛ ما هو أعظم من ذلك وأكثر سوءا، وما أحسن قول الإمام أحمد: ضعيف الحديث خير من رأي فلان.
ثم إن ما يتكلم به أهل الحديث وإن لم يفهم معناه ولم يدرك مغزاه بعضهم هو كلام في نفسه حق، وقد آمنوا بذلك، فهذا الإيمان يحسب لهم وليس عليهم، وأما المتكلمة فيتكلفون من القول ما لا يفهمونه ولا يعلمون أنه حق، بل قد يكون باطلا فيحسب عليهم، وكذلك أهل الحديث لا يستدلون بحديث ضعيف في نقض أصل عظيم من أصول الشريعة، بل يستعملونه في تأييد ذلك الأصل أو في تأييد فرع من الفروع، بل عند التقرير لا يستدلون إلا بالصحيح، بينما أهل الكلام يحتجون بالحدود والمقاييس الفاسدة في نقض الأصول الحقة الثابتة، كما فعلوا في نفي صفات الله سبحانه وتعالى الثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة، وكما فعلوا في تأويلها على غير مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهم يحسبون أنهم على شيء.

الرد على الدكتور عمارة في اتهامه لأهل الحديث بالنصية والحرفية:
وأما ما عاب به الدكتور عمارة وغيره أهل الحديث من كونهم حرفيين ونصيين، فإن من ورائه خلفية فكرية تتمثل في كون ظاهر النصوص هل هو مراد لله ورسوله أو غير مراد، وهؤلاء مخطئون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلونه محتاجا إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك، وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل.
وحتى يستبين الأمر نذكر على سبيل المثال قوله في الحديث: عبدي جعت فلم تطعمني، الحديث وفى الأثر الآخر: الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه، وقوله: قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق، أما قوله: الحجر الأسود يمين الله فى الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه، فهو صريح فى أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: يمين الله فى الأرض، فإضافة في الأرض تبين المعنى، وقال فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه، ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرا، حتى يحتاج إلى التأويل، مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس، وأما الحديث الآخر فهو فى الصحيح مفسرا، يقول الله: عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين، فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده، وهذا صريح فى أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده فجعل جوعه جوعه ومرضه مرضه، مفسرا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ولو عدته لوجدتني عنده، فلم يبق فى ظاهر الحديث ما يعاب حتى يحتاج إلى تأويل.
وأما قوله قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، فإنه ليس فى ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها فى جوفه، ولا في قول القائل هذا بين يدي ما يقتضى مباشرته ليديه، وإذا قيل السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتض أن يكون مماسا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة.
وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع فى معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها والظاهر هو المراد فى الجميع فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأنه هو المراد، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا، وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة عالم حقيقة قادر حقيقة لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير، فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى: يحبهم ويحبونه، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وقوله: ثم استوى على العرش، أنه على ظاهره، لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره إستواءا كاستواء المخلوق، ولا حبا كحبه، ولا رضا كرضاه.
فإذا ظن العبد أن ظاهر الصفات مماثل لصفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر، ولا ينفى إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل فضلا عن السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفى به سائر الصفات، فيكون الكلام فى الجميع واحدا.
وبيان هذا أن صفاتنا إما أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليد، وإما معان وأعراض وهي قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة، ومن المعلوم أن الله تعالى لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غير مراد بحجة أن مفهوم ذلك فى حقه مثل مفهومه فى حقنا، وهيهات أن يأتوا بواحد من الصحابة الكرام يقول بذلك، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد بحجة أن مفهوم ذلك فى حقه كمفهومه فى حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه، فإذا كانت ذاته المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، فشبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه المرئي بالمرئي، ثم إنه لما كان إثبات الذات هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، والله أعلم.

رد تهمة الجمود والتقليد عن أهل الحديث والسنة:
ومن العجب أن أهل الكلام ويوافقهم الدكتور عمارة وغيره كالدكتور أبو زهرة، يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل جمود وتقليد، ليسوا أهل نظر واستدلال، وأنهم ينكرون حجة العقل وربما حكى إنكار النظر عن بعض أئمة السنة، وهذا مما ينكرونه عليهم، فيقال لهم: ليس هذا بحق، وهو وليد عن الظلم والجهل الذي سيطر على عقول هؤلاء المتكلمين، فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصل متفق عليه بينهم، وهو المقدمة الإيمانية التي ينطلقون منها، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بذلك، ولكن وقع اشتراك في لفظ النظر والاستدلال ولفظ الكلام، فإن أهل السنة والحديث أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم، فاعتقد أهل الكلام أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال، فأخذوا يشنعون على أهل السنة والحديث بأنهم معادون للعقل والنظر والفكر، وهم في الحقيقة لم يعادوا إلا نظر هؤلاء المتكلمين واستدلالهم، ونظير هذا تسمية أهل الكلام لأصولهم التي وضعوها بأصول الدين، وهذا اسم عظيم والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم، فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك، قال المبطل قد أنكروا أصول الدين، وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين، وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين، وهي مسميات ما أنزل الله بها من سلطان، فالدين ما شرعه الله ورسوله، وهكذا لفظ النظر والاعتبار والاستدلال، وعامة هذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة، كما كان الزهري يقول: كان علماؤنا يقولون الاعتصام بالسنة هو النجاة، وقال الإمام مالك: السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وذلك أن السنة والشريعة والمنهاج هو الصراط المستقيم الذي يوصل العباد إلى الله، والرسول هو الدليل الهادي في هذا الصراط كما قال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا}، وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور}، وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}، وقال عبد الله بن مسعود: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: "هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}، وإذا تأمل العاقل هذا المثال وتأمل سائر الطوائف من الخوارج ثم المعتزلة ثم الجهمية والرافضة ومن أقرب منهم إلى السنة من أهل الكلام مثل الكرامية والكلابية والأشعرية وغيرهم وأن كلا منهم له سبيل يخرج به عما عليه الصحابة وأهل الحديث ويدعى أن سبيله هو الصواب وجدت أنهم المراد بهذا المثال الذي ضربه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ووجدت أن أهل السنة والحديث هم حقا ورثة الأنبياء والمرسلين الناصرين لهذا الدين.
قال الله تعالى عن أتباع الأئمة من أهل الملل المخالفين للرسل: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم}، وقال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} إلى قوله {والعنهم لعنا كبيرا}.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج: 4 ص: 26:
"وإذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك هم أعلمهم بآثار المرسلين، وأتبعهم لذلك، فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول، مما يجهله غيرهم أو يكذب به، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ عليهم البلاغ المبين، وقد بلغوا البلاغ المبين، وخاتم الرسل محمد أنزل الله كتابه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فهو الأمين على جميع الكتب، وقد بلغ أبين البلاغ وأتمه وأكمله، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين".
فإذا انطلقنا من آخر ما ذكره شيخ الإسلام في هذه الفقرة، وهي المقدمة الإيمانية من كون النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين وأن الله تعالى قد أتم وأكمل لنا الدين، فهذا يعني أننا لا نحتاج إلى غير ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن السعادة كل السعادة والنعيم كل النعيم هو في إتباعه وموافقته علما وعملا وحالا، وأما غير ذلك من أقيسة أهل الكلام والمفكرين التي هي حججهم وبراهينهم على معارفهم وعلومهم فهي لا تقود إلا إلى البوار، وهذا يدخل فيه كل من خالف شيئا من السنة والحديث مما عند المتكلمين والفلاسفة، إذ هؤلاء من أعظم بني آدم حشوا وقولا للباطل وتكذيبا للحق في مسائلهم ودلائلهم، لا يكاد والله أعلم يتكلم الواحد منهم إلا ويفسد أكثر مما يصلح.
وكذلك تجد أهل الكلام والفلسفة من أعظم الناس شكا واضطرابا، وأضعف الناس علما ويقينا، كما قال الغزالي: أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام، ولهذا تجد غالب حججهم تتكافأ إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر، وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل والمغالطة ورد الخصم بدون علم وإن سموا ما عندهم علما وحكمة، كما هو معلوم عن أبي عبد الله الرازي من أنه له نهمة في التشكيك دون التحقيق، ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح ليس بعلم، ولا فيه منفعة، وأحسن أحوال صاحبه أن يكون بمنزلة العامي، فهو لا يرفع صاحبه إلا عند جاهل أو أحمق، وإنما العلم في جواب السؤال، وحل الإشكال، بتقرير الحق ورد الشبهات.
وبهذا وبغيره مما يطول ذكره يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم المختصون بالعلم بأقواله وأحواله مميزين بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، وإتباعا لها تصديقا وعملا وحبا وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها، الذين يرجعون فيما تنازعوا فيه -من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك- إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، ويقدمونها على الدين المنزل، بل يجعلون ما بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه، ويفصلون في ما تنازع فيه الناس من الألفاظ المجملة؛ فما كان من معانيها موافقا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، إذ هما عين الجهل والظلم ومنبعه، قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}.
ومما ينبغي أيضا أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام من المعتزلة والأشاعرة والمرجئة على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، كما هو الحال عند الأشاعرة في الإيمان مثلا، إذ يقولون بأن الإيمان هو المعرفة فقط، فوافقوا الجهمية الزنادقة وخالفوا أهل السنة والجماعة الذين يقولون بأن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة، ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه كما فعلت ذلك الأشاعرة مع المعتزلة، فيكون محمودا فيما رده من الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين يوالون عليه ويعادون كما فعلت الخوارج، كان من نوع الخطأ الذي قد يكون مغفورا، وقد وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والإجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات المذمومين شرعا وعقلا.

الأحق بعلم أصول الفقه أئمة السلف وليس المتكلمين:
وأما ما يزعمه هؤلاء المتكلمة وكذلك الدكتور عمارة من أن علم أصول الفقه يمثل فلسفة العقلانية الإسلامية في التشريع، وأن أئمته هم الباقلاني والجويني والغزالي، فهذا من قلة خبرته بعلوم السلف كالإمام مالك والإمام أحمد والإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة.
فان الكلام في أصول الفقه، وتقسيمها إلى الكتاب والسنة والإجماع واجتهاد الرأي، والكلام في وجه دلالة الأدلة الشرعية على الأحكام أمر معروف من زمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وهم كانوا أقعد بهذا الفن وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم، فلقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شريح: "اقض بما في كتاب الله، فان لم يكن فبما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان لم يكن فبما اجتمع عليه الناس، وفى لفظ فبما قضى به الصالحون، فان لم تجد فان شئت أن تجتهد رأيك"، وكذلك قال ابن مسعود وابن عباس، وحديث معاذ من أشهر الأحاديث عند الأصوليين.
فما من نازلة نزلت على العبد إلا وفي كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الدليل على سبيل الهدى فيها، قال الله تبارك وتعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}، وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}، وقال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وبشرى للمسلمين}.
وهذا الإمام الشافعي -رحمه الله- وهو أول من جرد الكلام في أصول الفقه، يقول في الرسالة ج:1ص:19: "فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصا واستدلالا ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه فاز بالفضيلة في دينه ودنياه وانتفت عنه الريب ونورت في قلبه الحكمة"، فالرعيل الأول من سلف الأمة وأئمتها كانوا هم الأسبق إلى هذه الفضيلة، والأكثر نورا بهذه الحكمة.
وأحق الناس بمعرفة أصول الفقه هم الأئمة المجتهدون؛ كمالك والشافعي والأوزاعي وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل، وأتباعهم، بل هؤلاء ونحوهم كانوا يعرفون الأدلة بأعيانها، ويستعملون الأصول في الاستدلال على الأحكام، بخلاف غيرهم من الذين يجردون الكلام في أصول مقدرة أنتجها التخمين، بعضها وجد وبعضها لا يوجد، من غير معرفة بأعيانها، فإن هؤلاء لو كان ما يقولونه حقا فمنفعته إما قليلة أو معدومة، كمن يتكلم في الفقه فيما يقدره من أفعال العباد؛ وهو لا يعرف حكم الأفعال المحققة منه، فكيف وأكثر ما يتكلمون به من هذه المقدرات هو كلام باطل.

شيخ الإسلام ابن تيمية ليس حنبليا:
وأما ما زعمه كثير من المتأخرين من أمثال الدكتور عمارة والدكتور أبو زهرة وغيرهم، من أن شيخ الإسلام كان حنبليا متعصبا للمذهب الحنبلي، فهذا جواب شيخ الإسلام عنهم:
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 227
والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفا لقلوب المسلمين، وطلبا لاتفاق كلمتهم، واتباعا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان فى النفوس من الوحشة، وبينت لهم أن الأشعرى كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد رحمه الله ونحوه، المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعرى ذلك فى كتبه، وكما قال أبو إسحاق الشيرازي: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة، وكان أئمة الحنابلة المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز وأبى الحسن التميمي ونحوهما يذكرون كلامه فى كتبهم، بل كان عند متقدميهم كابن عقيل عند المتأخرين، لكن ابن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقه وأصوله، وأما الأشعرى فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل، وأتبع لها، فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول، وكنت أقرر هذا للحنبلية، وأبين أن الأشعرى وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب فإنه تلميذ الجبائي ومال إلى طريقة ابن كلاب وأخذ عن زكريا الساجى أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورا أخرى، وذلك آخر أمره، كما ذكره هو وأصحابه فى كتبهم، وكذلك ابن عقيل كان تلميذ ابن الوليد وابن التبان المعتزليين ثم تاب من ذلك، وتوبته مشهورة بحضرة الشريف أبي جعفر، وكما أن فى أصحاب أحمد من يبغض ابن عقيل ويذمه فالذين يذمون الأشعرى ليسوا مختصين بأصحاب أحمد، بل فى جميع الطوائف من هو كذلك، ولما أظهرت كلام الأشعرى ورآه الحنبلية قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق، وفرح المسلمون باتفاق الكلمة، وأظهرت ما ذكره ابن عساكر فى مناقبه: أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيري، فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة، ومعلوم أن فى جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم، مع أني فى عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحدا قط فى أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره فى كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد قلت لهم غير مرة أنا أمهل من يخالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته فأنا أقر بذلك، وأما ما أذكره فأذكره عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم، وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف، (انتهى).

الخاتمة:
قد ذم الله في كتابه الذين يكتمون ما أنزله من البينات والهدى، وكل من اختار كتمان ما أنزل الله فلا لشيء إلا لأنه يخالف ما يقوله هو وطائفته، ويعارض ما حكمت به عقولهم وآراؤهم، وهؤلاء فيهم جاء الأثر المعروف عن عمر –رضي الله عنه- قال: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم السنن أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها وسئلوا فقالوا في الدين برأيهم.
ثم إن كل من أبغض شيئا من نصوص الوحي ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك، ومن أحب نصوص الوحي ففيه من ولاية الله ورسوله بحسب ذلك، وأصل العداوة البغض، كما أن أصل الولاية الحب، قال عبد الله بن مسعود: لا يسأل أحدكم عن نفسه غير القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله.
قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}، سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.

آرزيو يوم ‏10‏/09‏/2003
كتبه فتحي خليفة عيساوي
_____________