المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آراء للشيخ : محمد بن علي فركوس حفظه الله


محمد بن سحنون
27-03-08, 10:34 PM
الفتوى رقم: 11
الصنف: فتاوى متنوعة
العمل في شركة الطيران مع وجود بعض المنكرات


السؤال الأول: هل يعتبر عامل في شركة النقل الجوي، سواء كان ممن يقدمون الخدمات في الطائرة أو قائدها وعلى متنها المسافرون و قد يشربون الخمر أو ما يشابهها من المحرمات كما هو معلوم في مصلحة خدمة المسافرين في الطائرة، أو هم ممن يهيئون ذلك، كالمهندس مثلا في مصلحة صيانة الطائرات فهل يعتبرون ممن تعاونوا على الإثم؟
السؤال الثاني: نفس مضمون السؤال الأول ولكن لرجل يعمل مع فريق النقل البحري فبعضهم يشرب الخمر ثم هو ينهاهم ثم لا يستجيبون، فهل يعتبر ممن قال فيهم سبحانه: ﴿...كَانُوْا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُوْنَ ﴾ [المائدة: 79] وهي اللعنة التي لحقت بني إسرائيل الكافرين منهم - فهو ينهاهم ثم يتعامل معهم - بحكم تقديم الخدمات للفريق، وهل يعتبر كذلك ممن قال فيهم سبحانه: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَالَكُم مِّن دُونِ الله ِمِنْ أَوْلِِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113] أو هو ممن اتبع هواه؟ وكذلك إذا ما حمل شيء من الخمر في الباخرة فمن تلحقه اللعنة، نرجو البيان والتوضيح.

الجواب: الحمد لله وصلى الله على محمّد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فاعلم أنّ المسلم ما دام قادرًا على أداء واجباته و تحمل تبعات عمله يجوز له أن يكسب رزقه عن طريق الوظيفة التي أسندت إليه أو العمل الذي أوكل إليه إذا كان أهلاً له، شريطة أن لا تتضمن الوظيفة أو العمل ضررًا على المسلمين أو ظلمًا كالعمل الربوي أو حرامًا كالعمل في ملهى يشتمل على محرمات كالرقص و الرهان و بيع الخمر و نحو ذلك، سواء باشره العامل أو شارك فيه بجهد مادي أو أدبي عملي أو قولي فإنه يعتبر معينًا على المعصية شريكًا في الإثم على ما تقرّر من أن "ما أدى إلى حرام فهو حرام" على أنّ الإثم تختلف درجاته على الجميع باختلاف قدر مشاركته، و لذلك لما حرم الشرع الزنا حرم كلّ ما يفضي إليه من وسائل وسد الذرائع والمقدمات والدواعي الموصلة إليه من صور خليعة وتبرج جاهلي واختلاط مذموم وخلوة غير آمنة وآثمة وغناء فاحش يحرك الشهوات ونحوه وكذلك لعن النبي صلى الله عليه وسلم المشاركين لآكل الربا من كاتب وشاهديه، والمشاركين في الرشوة من الراشي والمرتشي والرائش، ومن هذا القبيل وردت اللعنة على عاصر الخمر ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة إليه والكلّ تلحقه اللعنة على قدر مشاركته إذ كلّ إعانة على الإثم إثم و قد قال تعالى: ﴿وَ تَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَ التَّقْوَى وَ لاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَ العُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
هذا كله فيما إذا لم تقتض الضرورة الملحة إلى اللجوء إلى هذا الأمر، فإن اقتضت فقد قرر العلماء اللجوء إلى ذلك إذا طرأت ضرورة حقيقية أو حاجة تنزل منزلتها بحيث لا يسعه الاستغناء عن حوائجه الأصلية من مأكل وملبس وعلاج يقيه الهلاك من غير أن يكون باغ للذة طالب لها، ولا عاد حد الضرورة مع كراهيته لذلك العمل واستمراره في البحث عن غيره حتى يفتح الله عليه بكسب حلال طيب يغنيه عن خبائث الحرام.
هذا، وفيما يظهر لي أنّ الأصل في شركتي النقل الجوي والبحري عدم التحريم وإنما اعترى الأصل بعض المحرمات، والحرام لا يحرم الحلال والفرع لا يلغي الأصل، ولذلك فمن اشتغل بعيدا عن أوزار الحرام في كلتا الشركتين فلا بأس به و إن لم يرض عن الوضع الكلي فعليه أن ينهى عن ارتكاب المآثم والمحرمات التي تفعل جهارا على درجات الإنكار لئلا يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فضلا عن هجرة أهل الفجور والعصيان والابتعاد عن الفسقة خشية الميل إليهم إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه عملا بالآيتين المذكورتين في السؤال، قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّّكُمُ النَّارُ ﴾ [هود:113]: وأنّها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة، وقد قال حكيم:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ---- فكل قرين بالمقارن يقتدي
وصحبة الظالم على التقية فمستثناة من النهي بحال الاضطرار(۱).

هذا جواب إجمالي على محتوى الأسئلة الثلاثة بالنظر إلى تقارب مضامينهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


١- الجامع لأحكام القرآن (9/ 72)، دار الكتب العلمية.

محمد بن سحنون
27-03-08, 10:38 PM
الفتوى رقم: 618
الصنف: فتاوى متنوعة

في نصيحة إلى متردّد بين الارتقاء في طلب العلم أو الزواج

السـؤال:
ما هي النصيحةُ التي توجِّهونها لطالب علمٍ فتحَ اللهُ عليه من فنون العلم شيئًا لا بأس به، من حفظ كتاب الله، وأخذ جملة طيّبة من علم الأصول، والحديث والنحو، وحبّب إليه طلب العلم، ولكنه في المدّة الأخيرة وقعت له أمور حالت دونه ودون طلب العلم، منها أنه تقدّم لخطبة أخت، والحمد لله تمَّ القَبول وتيسرت الأمور، ولكن شرطوا عليه أن يكون ذا عمل ومنـزل يأويه وأهله، وتحصيل هذه الأمور في هذا الوقت كما لا يخفى في بلدنا صعب المنال فبدأ يفكر في مثل هذه الأمور فشغلت ذهنه، وكانت همه، فبماذا تنصحونه؟ هل يتوجّه إلى طلب العلم ويعرض عن هذه الأمور؟ أو يحاول التوفيق مع تقليص أوقات الطلب؟
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فإذا كان طالب العلم اقترنت به مُميِّزاتٌ حباه الله بها من دقّة الفهم وقوّة الحفظ وحسن السيرة وطيبة السريرة، واحتاج أهلُ منطقته من العلم الشرعي ما يقيمون به دينهم على الوجه الأكمل الصحيح، تعيَّن وجوبُ طلبه للعلم تعيينًا شخصيًّا وأعرض عن كلّ ما يشغله عنه، وبَذْلُ الجهد في تحصيله والتفاني في سعيه، لأنّ العلم إذا أعطيته كلّك أعطاك بعضه، مع قيام الإخلاص في نفسه لرفع الجهل عنه والعمل بمقتضى العلم الذي يعلمه ورفع الجهل عن غيره، فإنّه من صفت نيّته إلى ذلك فتحت له أبواب الخير وأتته الدنيا راغمة، أمّا إذا لم يجد في نفسه القدرات التي خصّ الله تعالى بها بعض عباده وأحس بعدم القدرة في الارتقاء في مدارج العلم والكمال فإنه إن أصلح نفسه بالكفاية بالعلم المطلوب جاز له أن يعدل عنه إلى أمور يسعى إليها لتحقيق أسرة، وعليه أن يختار منها ما يساعده على الاحتفاظ بما حصّل والمزيد إن قدر على ما لم يحصّل، والسائل أعلم بحاله وهو موكول إلى دينه في اختيار النهجين، واللهَ أسأل أن يثبّته على الجادّة وأن يوفقه لما يحب ويرضى إنّه ولي ذلك والقادر عليه.
والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.

الجزائر في: 28 من ذي الحجة 1427ﻫ
الموافق ﻟ: 17 يناير 2007م