المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المضاربة بالأسهم: متاجرة، أم مقامرة؟


إحسـان العتيـبي
02-04-08, 02:35 AM
المضاربة بالأسهم: متاجرة، أم مقامرة؟

د. يوسف بن أحمد القاسم

حدثني من أثق به: أن مساهماً في إحدى الشركات المتردية أو النطيحة، قد بلغه خبر مفاجئ لم يصدقه من أول وهلة، وهو أن الشركة التي ساهم فيها منذ سنين بطريق(الخطأ!!) قد أفاقت من سباتها، وسادت بين الشركات بعد ترديها في ظلمات ثلاث، فارتفع مؤشر قيمتها السوقية ـ بين عشية وضحاها ـ من (150) ريالاً إلى (2600) ريال، ودون سابق إنذار!! وكأن دعوة صالحة في آخر الليل قد وافقت ساعة استجابة، فانتشلتها من بين الركام، ومن الحضيض إلى القمة، فما كان من أخينا المساهم الذي لم يسدد باقي القيمة الاسمية لأسهمه ـ لعدم قناعته المسبقة بجدواها الربحي ـ لم يكن منه إلا أن امتطى سيارته، متجهاً إلى المقر العام لتلك الشركة، وحين وصل إلى المقر كانت المفاجأة الأخرى، وهي أن هذه الشركة المجدولة في قائمة الشركات المتداولة لا يديرها إلا موظف واحد، من جنسية عربية، ومن قارة أفريقية، وهذا وحده هو المدير، وهو المسؤول، وهو موظف الصادر والوارد...الخ.
وحين سأله أخونا عن باقي الموظفين، أفاده الموظف المسؤول بأن الباقي هم أعضاء مجلس الإدارة، الذين يجتمعون مرة ـ أو أكثر ـ في كل عام!
وأما واقع نشاطها، فحدث ولا حرج، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه!
سدَّد المساهم باقي القيمة الاسمية لأسهمه، ثم قفل راجعاً، وهو عاجز عن حل هذه المعادلة؛ إذ كيف تبلغ القيمة السوقية لأسهم هذه الشركة أكثر من ألفي ريال، وهي بهذه الحال من الضعف والخور، وقلة ذات اليد.!! فما كان جوابه لنفسه إلا أن قال: ربما كان بفعل خارج عن العادة وقانون الطبيعة، كعصا موسى الذي انقلب إلى حية، أو كالحجر الذي انبجست منه اثنتا عشرة عيناً.
فأجابته نفسه اللوامة: بأن هناك فارقاً بين واقع هذا الحجر، وواقع تلك الشركة، والفارق بينهما هو الفارق بين الحقيقة والخيال (أو السراب)، فالحجر قد أصبح بقدرة الله تعالى اثنتا عشرة عيناً، قد علم كل أناس مشربهم، ولهذا قال الله تعالى عقب ذلك: " كلوا واشربوا من رزق الله".
وأما الواقع الآخر، فهو أشبه بسراب (بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) وأنى للظمآن أن يروى من السراب!! وبذلك انتهت فصول القصة، ولكن لم تقف آثارها عند هذا الحد.

فذلك السراب وإن وجده بعض المضاربين شيئاًَ، إلا أنه قد وجده كثيرون لا شيء، وجدوه كذلك وجرَّبوه. ولذا ترى هؤلاء العارفين بالسراب، يصفون أسهم هذه الشركة ـ وأمثالها ـ مما لا تتفق قيمتها السوقية، مع واقع ربحها وقوة استثمارها، بأن هذه الأسهم لها بطن من دون أرجل! حيث قد وصلت أسعارها إلى أرقام فلكية من دون سند اقتصادي حقيقي, حتى قرأت لغير واحد من خبراء المال والاقتصاد، من يصف المضاربة بهذه الأسهم بأنه ضرب من القمار! فهل هي قمار حقاً؟ أم هي مجرد مخاطرة؟ وهل كل مخاطرة قمار، أم لا؟ وإذا لم تكن قماراً، فهل يتجه القول بتحريمها لأنها نوع من أنواع الغرر، أو لما تشتمل عليه من المفاسد الراجحة؟
هذه التساؤلات أضعها بين يدي أهل العلم والبصيرة ليمعنوا النظر في هذه المسألة الشائكة، والتي أصبحت محل جدل وخلاف بين المعاصرين، وما هذا البحث المتواضع إلا مساهمة في إثراء هذا الموضوع, ولو بإثارة تساؤل ليس إلا، فأقول:
قبل الدخول في الموضوع، أنبه هنا بأن مقصودي من المضاربة: المتاجرة، كما هو المفهوم الشائع، لا المضاربة المصطلح عليها بين الفقهاء.
ثم إنه لا ريب أن الأصل في المعاملات الحل، ولهذا فإن الذي يطالب بالدليل، هو مدعي التحريم، لا العكس، وهذا أمر معلوم لدى أهل العلم، ومقرر في كتبهم.
وتعليقاً على التساؤل أقول:
لا يخفى على كل مراقب للسوق ـ ولمؤشر الشركات المساهمة تحديداً ـ أن القيمة السوقية لأسهم العديد من الشركات يرتفع ويهوي في غمضه عين، وربما يستمر هذا الارتفاع أو الانخفاض الحاد لفترة أسبوع، أو أقل أو أكثر، وبعد هذه المدة قد يصبح المضارب ثرياً في لمحة بصر، وقد يكون الواقع عكسياً فينحدر إلى مستوى تحت خط الفقر، لا سيما إن كان حاصلا على مال المضاربة بطريق القرض، ونحو ذلك، ولهذا حذر كثير من الاقتصاديين من المجازفة في الدخول بكل ما يملكه المضارب، لئلا تقع الكارثة. وهنا أقول: هل هذه المخاطرة قمار، كما سماها بعض الكتَّاب المهتمين بالسوق السعودية؟
الواقع أن المخاطرة أعم من القمار، فكل قمار مخاطرة، وليس كل مخاطرة قماراً.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس حول المخاطرة والقمار، فإنه اعتبر المخاطرة من المظاهر الطبيعية في المعاملات، ومن ثَمَّ فهي جائزة شرعاً، واعتبرها في موضع آخر من القمار المحرم، والحقيقة أن هذا الاختلاف في كلامه إنما هو من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد؛ لأنه يمكن الجمع بين كلامه في الموضعين، فأما الموضع الأول الذي صرح فيه بالجواز، فهو في مختصر الفتاوى المصرية (ص532) حيث قال: "أما المخاطرة، فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة، بل قد عُلِم أن الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة" ثم قال في (ص533)" "وكذلك كل من المتبايعين لسلعة، فإن كلاً يرجو أن يربح فيها، ويخاف أن يخسر، فمثل هذه المخاطرة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، والتاجر مخاطر" أهـ.

وأما الموضع الثاني الذي صرح فيه بالمنع، فهو في كتابه العقود (ص229) حيث قال:"فإذا قيل: فهل يصح بيع المعدوم، والمجهول، والذي لا يقدر على تسليمه؟ قيل: إن كان في شيء من هذه البيوع أكل مال بالباطل لم يصح، وإلا جازت، وإذا كان فيها معنى القمار، ففيها أكل مال بالباطل، وإذا كان فيها أخذ أحدهما المال بيقين، والآخر (على خطر) بالأخذ والفوات، فهو مقامر، فهذا هو الأصل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهو المعقول الذي تبين به أن الله أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وشرع للعباد ما يصلحهم في المعاش والمعاد. فإذا باعه ثمر الشجر سنين، فهذا قمار؛ لأن البائع يأخذ الثمن، والمشتري (على الخطر)، وكذلك بيع الحمل، وحبل الحبلة، ونحو ذلك" أ هـ

وهذا الكلام النفيس، يمكن الجمع بينه وبين الذي قبله، بأن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أجاز مطلق المخاطرة، كما في الموضع الأول، ولم يجز المخاطرة المطلقة، كما في الموضع الثاني، ووجه ذلك: أن كل معاملة لا تخلو من مخاطرة، وهذا ما لا يمكن منعه؛ لأنه مما يشق التحرز منه، ولأن يؤدي إلى المنع من كثير من المعاملات الجائزة، ويمكن ضبط هذه المخاطرة الجائزة بما كان الغالب فيها السلامة، كما يفهم هذا من كلام شيخ الإسلام حيث قال بعد كلامه الآنف الذكر ما نصه: "وإذا أكراه عقاره سنين جاز ذلك، ولم يكن هذا مقامرة؛ لأن العادة جارية بسلامة المنافع، ولا يمكنه أن يؤجر إلا هكذا، ولا مخاطرة فيها، فإن سلمت العين استقرت عليه الأجرة، وإن تلفت المنافع سقط عنه من الأجرة بقدر ما تلف من المنفعة فليست الإجارة معقودة عقداً يأخذ به أحدهما مال الآخر مع بقاء الآخر على الخطر، بل لا يستحق أحدهما إلا ما يستحق الآخر بدله" أهـ . هذا بالنسبة لمطلق المخاطرة.
أما المخاطرة المطلقة، فهي التي اعتبرها مقامرة، ويمكن ضبطها بما كان الغالب فيها الخسارة أو العطب، ولهذا حرَّم الله تعالى بيع المعدوم وبيع المجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وبيع حبل الحبلة، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فالبائع يضمن الثمن، وأما المشتري فهو على خطر بالأخذ والفوات، وقد اصطلح كثير من الفقهاء على تسمية هذا النوع من البيوع غرراً، وسماه شيخ الإسلام غرراً وقماراً، كما في كتابه العقود (ص227), حيث قال: "إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن يكون الغرر مبيعاً، ونهى أن يباع ما هو غرر، كبيع السنين، وحبل الحبلة، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وعلل ذلك بما فيه من المخاطرة التي تتضمن أكل المال بالباطل، كما قال: (أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق) وهذا هو القمار، وهو المخاطرة التي تتضمن أكل المال بالباطل، فإنه متردد بين أن يحصل مقصوده بالبيع، وبين أن لا يحصل، مع أن ماله يؤخذ على التقديرين، فإذا لم يحصل كان قد أكل ماله بالباطل" أ هـ.
وبهذا تعلم أن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ يرى بأن مفهوم القمار أوسع من المفهوم الذي عليه كثير من أهل العلم، وهو أن القمار: التردد بين الغنم والغرم. فهذا عنده من القمار، وكذلك المخاطرة التجارية التي يتردد فيها حظ أحد المتعاقدين بين الأخذ والفوات، فهي عنده من القمار، وهو ما يعبِّر عنه بعض الفقهاء بالغرر.

بقي أن يقال: وهل في المضاربة بالأسهم مخاطرة مطلقة, بحيث يتردد فيها حظ المشتري بين الأخذ والفوات؟
وأترك الجواب لما نشر في جريدة الرياض في عددها رقم: (13752) الصادر يوم الجمعة (18/1/1427هـ ) تحت عنوان (سوق الأسهم يفقد 80.2 مليار ريال في دقائق): "... أدى الانخفاض السريع إلى إحداث حالة ذعر وخوف لدى المتداولين من حدوث نزول تصحيحي شامل جعلهم يتدافعون على البيع... الأمر الذي جعل القيمة السوقية للسوق تنخفض( 80.2 ) مليار ريال في دقائق..."

وكثيراً ما نقرأ مثل هذا الخبر في صحفنا المحلية، حتى إن كثيراً من المضاربين قد لا يدركه الوقت لبيع ما لديه من أسهم، بسبب الانهيار المفاجئ والسريع للأسهم، بل امتدت موجة هبوط أسعار الأسهم لتقضي على عدد من المواطنين الذين توفوا نتيجة تعرضهم لأزمات قلبية بعد انهيار رؤوس أموالهم بين عشية وضحاها، وأصبحنا نسمع عن تدافع بعض السعوديين نحو عيادات الأطباء، مصابين بارتفاع في ضغط الدم، وغير ذلك.

وهذا الواقع المؤسف يقودنا إلى نقطة أخرى في الموضوع وهي أنه على القول بأن المضاربة بالأسهم ليست من المخاطرة المحرمة، فما هو مدى حجم المفاسد الناتجة عن المضاربة بالأسهم على الفرد والمجتمع؟ هل هي مفاسد راجحة فيمنع منها لهذه العلة، أو هي مرجوجة مغمورة في مصالحها الراجحة فتباح؟
والجواب على هذا السؤال لابد أن يكون ملامساً للواقع، فلا يصح أن يكون الجواب نظرياً مجرداً عن حقيقة ما يجري في هذا السوق.
والمتأمل للواقع، ـ كما يحكيه رأي الجريدة الاقتصادية الصادرة يوم الأربعاء (1/2/1427هـ) ـ يجده أشبه بمشهد مسرحي، حيث دفع سعار تداول الأسهم القاصي والداني للانخراط في مذبحة السوق، إذ باع راعي الغنم أغنامه، وراعي الإبل إبله، وصاحب الورشة ورشته، وصاحب البقالة بقالته (بل وباع صاحب المنزل منزله واستأجر لأهله وأولاده منزلاً أو شقة، وباع مالك السيارة سيارته، واستأجر له سيارة بأجر شهري) بادروا بذلك مدفوعين ببريق سوق منتعشة، تغريه ليل نهار بربح وفير، وحلم يلوح على البعد بالثراء أو اليسر على أقل تقدير. وكثير من هؤلاء من هجر عمله أو حقله أو حانوته، واختطف ما لديه من نقود، واستل حتى ما في جيبه، ثم ألقاه في فوهة فم السوق التي لا تشبع، وتقول: هل من مزيد؟! والنتيجة لهذا الواقع، ما يلي:
1- قيام المضاربين (البالغ عددهم مليونان تقريباً) بضخ السيولة في فوهة فم السوق، والنأي بها بعيداً عن القطاعات الإنتاجية والخدمية وغيرها، مما أدى إلى إحداث كساد في البلد لا يخفى على بصير.
2- أننا أصبحنا نقوم بعكس ما تفعله الأمم والشعوب، فعلى حين تستخدم هي أسواقها المالية من أجل توفير السيولة لتمويل المشاريع، قمنا نحن بضخ السيولة وجرفها بعيداً عن القطاعات الإنتاجية والخدمية وغيرها، كما صرح بذلك بعض خبراء الاقتصاد.
3-- أن هذه السيولة الكثيرة التي يضخها السوق، مع ما تعيشه الدولة من وفرة في الإيرادات النفطية ونحوها- بالإضافة إلى ذلك الكساد المشار إليه- ينذر بتضخم في النقد .
4- تعثر كثير من المضاربين الصغار، وهم الذين يمثلون الغالبية بين (الهوامير) مما أدى إلى انتكاسات خطيرة، كانت سبباً في تراكم الديون عليهم، وربما إلى وصولهم إلى مستوى تحت خط الفقر، وذلك في غمضة عين.
5- أن أسلوب المضاربة بالأسهم أفرز نقيض ما كان يحققه أسلوب الاستثمار بها، فالأسلوب الأول يقتصر على المضاربة على فروق الأسعار، أما الأسلوب الثاني ـ و هو الأصل ـ فهو الذي يعزِّز إنتاجية الشركة، ويعدو بها إلى مصاف الشركات المتقدمة، وحيث إن الأسلوب الأول يتحقق بدون عناء أو مشقة كان التركيز عليه، حتى أصبح تأثيره سلبياً على أسلوب الاستثمار، بل حتى أصبحت الشركات نفسها تراهن عليه، وتشغل ما لديها من سيولة فيه، بدلاً من استثمار هذه السيولة في مشاريع ترتقي بالشركة إلى الأمام.

لهذا وغيره ـ مما تشهده الأسواق المالية عموماً من تلاعب، وعدم التزام بأحكام الشريعة في تعاملاتها، ـ صرَّح بعض العلماء بتحريم المضاربة بالأسهم، لما تؤدي إليه من أضرار بالغة بالفرد والمجتمع، ومن هؤلاء العلماء الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، كما صرح في بحثه عن الاختيارات المقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي، في العدد السابع (1/270) حيث صرح فيه بأنه يميل إلى المنع. وهو رأي الشيخ الدكتور صالح الفوزان، وعلل تحريم المضاربة بها بأنها قمار محرم، كما شافه بذلك عدداً من طلابه.

وهذا الموضوع جدير بأن يعاد فيه النظر من قبل المجامع العلمية، وما يكتنف هذه المعاملات من مصالح ومفاسد، ومدى شبه هذه المضاربات بالقمار، حتى يصدر الناس عن رأي موثوق به، يدرس الموضوع من كل جوانبه، ويحدد مواقع الزلل، ويضع الحلول الشرعية المناسبة، والله تعالى أعلم، وأحكم.
http://www.saaid.net/fatwa/sahm/56.htm

إحسـان العتيـبي
02-04-08, 03:31 PM
" المضاربة في الأسهم عمل باطل ، وكسبها من الربا "

بسم الله الرحمن الرحيم

أتقدّم بين يدي هذه الرسالة بكلام علمائنا، وإن كان هذا الكلام يتناول الأمر من منظور مختلف ولكنه يصبّ في نفس الاتجاه، وهذه المقدمة جاءت بعد عامين من كتابة هذه الرسالة، والحمد لله.

فقرار مجمع الفقه الإسلامي حول سوق الأوراق المالية والبضائع (البورصة) برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، جاء فيه ذكر منافع البورصة ومضارها وذكر منها:

خامسًا: أنَّ خطورة السوق المالية هذه تأتي من اتخاذها وسيلة للتأثير في الأسواق بصفة عامة، لأنَّ الأسعار فيها لا تعتمد كلّياً على العرض والطلب الفعليين من قبل المحتاجين إلى البيع أو إلى الشراء، وإنما تتأثر بأشياء كثيرة، بعضها مفتعل من المهيمنين على السوق أو من المحتكرين للسلع أو الأوراق المالية فيها كإشاعة كاذبة أو نحوها، وهنا تكمن الخطورة المحظورة شرعًا، لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى تقلّبات غير طبيعية في الأسعار، مما يُؤثّر على الحياة الاقتصادية تأثيرًا سيّئًا.

وعلى سبيل المثال لا الحصر: يعمد كبار المُموِّلين إلى طرح مجموعة من الأوراق من أسهم أو سندات قروض، فيهبط سعرها لكثرة العرض، فيُسارع صغار حملة هذه الأوراق إلى بيعها بسعر أقل خشية هبوط سعرها أكثر من ذلك وزيادة خسارتهم، فيهبط سعرها مجددًا بزيادة عرضهم، فيعود الكبار إلى شراء هذه الأوراق بسعر أقل بغية رفع سعرها بكثرة الطلب، وينتهي الأمر بتحقيق مكاسب للكبار، وإلحاق خسائر فادحة بالكثرة الغالبة وهم صغار حملة الأوراق المالية، نتيجة خداعهم بطرح غير حقيقي لأوراق مماثلة، ويجري مثل ذلك أيضًا في سوق البضائع، ولذلك قد أثارت سوق البورصة جدلاً كبيراً بين الاقتصاديين، والسبب في ذلك: أنها سبَّبت في فترات معيَّنة من تاريخ العالم الاقتصادي ضياع ثروات ضخمة في وقت قصير، بينما سبَّبت غنى الآخرين دون جُهد، حتى إنهم في الأزمات الكبيرة التي اجتاحت العالم طالبَ الكثيرون بإلغائها، إذ تذهب بسببها ثروات وتنهار أوضاع اقتصادية في هاوية، وبوقت سريع، كما يحصل في الزلازل والانخسافات الأرضية... مجلة البحوث ج 52/367- 377

وفوائد البورصة المشار إليها في هذا القرار يقصد بها الذين وصفهم بالمحتاجين للبيع والشراء، فالهدف (الشرعي) من إقامة البورصة هو تيسير الاتصال بينهم وحمايتهم من الغش والخداع، ولكن هذه المصلحة المقصودة تحولت إلى مفسدة غالبة بسبب المضاربين، وهو ما أكده هذا القرار، وهو الواقع؛ فالمضاربون هم سبب الخسائر والمصائب التي أصابت الكثيرين، فلو توقّفت المضاربات على فرق السعر وكانت عمليات البيع والشراء مقصورة على المحتاجين لها لعادت أسعار الأسهم لقيمتها الواقعية المرتبطة بقوة الشركة وحصة السهم من رأس مالها.

وقال سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله نائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في خلاصة كتاب البورصة:

وبذلك يُعلم ما في أنواع البورصة من غرر فاحش ومخاطرة بالغة وأضرار فادحة قد تنتهي بمن يخوض غمارها من التجار العاديين ومن في حكمهم إلى الإفلاس, وهذا ما لا تقرّه شريعة الإسلام ولا ترضاه, فإنّها شريعة العدل والرحمة والإحسان. ا.هـ

وهذا الكتاب مطبوع لدى دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض

وتجده أيضًا في موقع الشيخ على هذا الرابط:

http://www.afifyy.com/book/borsa.zip

ولكن فيه أخطاء إملائية كثيرة

------------------------

هذا رأي علمائنا الكبار رحمهم الله
وقد كان فيه سلامة مما حدث من مصائب ومفاسد
لو أنّ بعض العلماء اعتبروا به وأفتوا الناس بما تقتضيه المصلحة

------------------------

ومما ذكر الدكتور عبد اللطيف بن عبد الله الوابل في مقاله (سوق الأسهم بين المصالح والمفاسد) أنّ الفقهاء رحمهم الله بينهم خلاف أصلاً في جواز بيع الغائب وهي الصفة التي يتصف بها البيع في هذه السوق، ولذلك فإن جواز انتقال وبيع الحقوق داخل سوق الأسهم هو من باب المصلحة الراجحة في أهمية هذه الأسواق، وإلاّ فإنّ هناك إشكالات فقهية من حيث إن هذه السوق تشتمل على بيع غائب وأنها بيع حقوق، والحاجة والمصلحة كما يقول الفقهاء رحمهم الله تقدر بقدرها وتضبط بضوابطها لتتحقق المصلحة التي من أجلها احتمل بعض ما فيها من إشكالات ولئلا يفتح الباب على مصراعيه فتنقلب المصالح إلى مفاسد ويتحقق ضرر عام لا يدركه إلا أهل الخبرة المتخصصين في هذا الشأن.

ومحل العقد في أسواق الأوراق المالية (الأسهم وغيرها) على اختلاف درجات كفاءاتها يشوبها غرر فاحش فالبيانات المنشورة لا ترفع عنه الغرر الفاحش ولا تدرأ عنه الخطر وليس باستطاعة أحد أن يزعم تطابق العلم بالصفة مع العلم بالحس في هذه البيوع، إذ الغرر فيها غرر مؤثر لا تدعوا إليه حاجة... وقد انقلبت المصالح المرجوة في هذه الأسواق إلى مفاسد ظاهرة أشبه ما تكون بمنتديات القمار المبنية على الحظ والغرر والغش والاحتيال، علماً بأنه يمكن تنظيمها وضبطها وفق الضوابط الشرعية بما يمنع ذلك الغرر الفاحش.

وتجد هذا المقال في هذا الموقع www.islamtoday.net

-------------------------------

بماذا يأخذ المسلم في المسائل الخلافية
الفتوى رقم 2171 في 28/10/1398هـ

السؤال: ما الحكم في المسائل الخلافية، هل نتبع القول الأرجح والدليل الأقوى، أو نتبع الأسهل والأيسر، انطلاقاً من مبدأ التيسير لا التعسير؟

الجواب: إذا كان في المسألة دليلٌ شرعي بالتخيير كان المكلَّف في سعة فله أن يختار الأيسر، انطلاقاً من مبدأ التيسير في الشريعة مثل الخصال الثلاث في كفارة اليمين: الإطعام والكسوة والعتق، لِما ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه : ((ما خُيِّرَ بين أمرينِ إلا اختارَ أيسَرَهُمَا ما لَم يكن إثْماً, فإن كان إثْماً كان أبعدَ الناس منه)).

أمَّا إن كانت مجرَّد أقوالٍ لمجتهدينَ فعليه أن يتَّبع القول الذي يشهدُ له الدليل أو الأرجح دليلاً، إن كان عنده معرفة بالأدلة صحة ودلالة، وإن كان لا خبرة له بذلك فعليه أن يسأل أهل العلم الموثوق بهم، لقوله تعالى : ((فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) (الأنبياء:7).

فإن اختلفوا عليه أخذ بالأحوط له في دينه، وليس له أن يتبع الأسهل من أقوال العلماء فيعمل به، فإنَّ تتبع الرخص لا يجوز.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

-------------------------------

بسم الله وبحمده

الأسهم والأرزاق

قد عَلِم الخلْق أنّ الخالق الرزّاق ضمن لهم أرزاقهم، وجاءت النصوص من القرآن والسنّة الصحيحة مؤكّدة لهذه الحقيقة؛ قال الله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {الرزق أشدّ طلباً للعبد من أجَلِه} صحيح الجامع، غير أنّ الله عزّ وجلّ أخبرنا أنّ أكثر الناس لا يعلمون فقال سبحانه: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} هذا مع إقرارهم بهذه الحقيقة إلاّ أنّهم لم يستفيدوا منها ولم تؤثّر في إيمانهم وتفكيرهم وهمومهم وتصرّفاتهم فوصفهم الله بأنّهم لا يعلمون.

وقد ربط الشرع أمر الرزق بالموت لتقريبه إلى الأفهام؛ فلو قلتَ لأحد الناس إنّ الموت لا يأتي إلاّ لمن طلَبه لربما وصفك بالجهل، فكيف يُقال إنّ الرزق لا يأتي إلاّ لمن طلَبه؟! أليس قائل ذلك أشدّ جهلاً؟ فالرزق أشدّ طلباً للعبد من أجَله، وهو قد يستكمل رزقه من الطعام مثلاً قبل موته بزمان فيموت لذلك جوعًا أو عطشًا، ولكن لا يمكن أبدًا أن يموت قبل أن يستوفي رزقه الذي كتَبه الله له في الدنيا، وهكذا وكما أنّه لا يمكن لأحد أن يهرب من الموت إذا حان وقته، فكذلك لا يمكنه أن يهرب من رزقه الذي كتَبه الله له إذا حان وقته، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون؛ فقال بعضهم إنّ الرزق لا يأتي لمن جلس ينتظره بلا طلب! والواقع يكذّبهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لو أنّ ابن آدم هرَب من رزقه كما يهرب من الموت لأدرَكَه رزقه كما يدركه الموت} صحيح الجامع. انظر (حقيقة الأرزاق المتدفقة).

إذًا لماذا حثّ الشرع على السعي والتكسّب؟ وذلك في نصوص عديدة، ونحن نعلم أنّ الشرع لا يستحبّ شيئًا إلاّ لمصلحة راجحة فيه، والمصلحة هنا ظاهرة وهي قيام مصالح الناس بالزراعة والصناعة والتجارة وغيرها، فالحاجة وحبّ المال والغنى والجاه هي من أقوى الدوافع المحرّكة للإنسان، هذا مع حاجته للأسباب المادّية المحسوسة سواء في حصول الرزق أو القوّة أو الشفاء من المرض وغير ذلك، وشرعنا الكامل الشامل لم يهمل هذا الجانب بل أحاطه بما يستحقّه من التوجيه والضبط، انظر موضوع (الأرزاق والأعمال) في كتاب (الفوائد الجامعة).

والمضاربة بشراء وبيع الأسهم والعملات وأمثالها لا تقدّم أيّ فائدة للمجتمع ولا تقوم بها أيّ مصلحة للناس؛ فلا هي زراعة ولا صناعة ولا هي تجارة بالمعنى المعروف الذي يقوم على توفير السلع والبضائع النافعة للناس، ولقد دلّت النصوص على أنّ هذا النوع من الأعمال لهوٌ ولعبٌ باطل؛ قال الله تعالى في الحديث الإلهي: {يا ابن آدم تفَرّغ لعبادتِي أملأ صدرك غِنًى وأسدّ فقرك، وإن لا تفعل مَلأتُ يديك شُغْلاً ولم أسدّ فقرك} صحيح الجامع والعبادة هنا تشمل العبادة بمعناها العام وهي كلّ عمل صالح بنيّة صالحة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {كلّ شيءٍ ليس من ذِكْر الله لهوٌ ولَعِبٌ إلاّ أن يكون أربعة؛ ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فَرَسَه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة} صحيح الجامع، وذكر الله هنا يشمل كلّ عمل صالح بنية صالحة، وهذه الأربعة تشمل أمثالها كما ذكرت في موضوع (النفساء والرياضة) في كتاب (طريق العافية)، وقال صلى الله عليه وسلم: {كلّ ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلاّ رميةً بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله} صحّحه الترمذي والألباني، {إنّ الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلاّ ذِكْر الله وما والاه وعالِمًا أو متعلّما} صحيح الجامع، وذكر الله هنا هو العبادات التي لا يُراد بها إلاّ وجه الله تعالى والدار الآخرة كالصلاة والحج، وما والاه هو كلّ ما وافق الشرع وحقّق مقاصده.

والمضارب بشراء وبيع الأسهم وما شابه ذلك لا يقدّم أيّ فائدة من هذا العمل مقابل الفائدة التي يحصل عليها، وهو بذلك أشبه بآكل الربا الذي لم يقدّم أيّ فائدة حقيقية مقابل ما يأخذه، بينما نرى في كلّ صور الكسب المشروع أنّ العامل يقدّم بعمله نفعًا لغيره مقابل كسبه {وخير الناس أنفعهم للناس} صحيح الجامع. وكل صور الكسب المشروع تقوم على مبدأ أَربح تربح؛ أي النفع المتبادل للعامل وغيره بما فيها التجارة المعروفة، بينما تقوم المضاربة في الأسهم على مبدأ أربح تخسر؛ فما يربحه بعض المضاربين هو خسارة لمضاربين آخرين أو مساهمين، وقد حرّم الإسلام المعاملات القائمة على هذا المبدأ كالربا وبيع العينة.

أما الذين أجازوا المضاربة في الأسهم فقد نظروا إلى أصل جواز البيع، ولم ينظروا إلى علّة الربا ومفسدته الظاهرة في هذه المضاربة، ولم ينظروا إلى مقاصد الشريعة في الكسب المشروع، ولا شك أنّ هذا قصور في النظر، فالمضاربة تشبه بيع العينة في كل هذه الجوانب؛ فكلاهما بيع، وكلاهما فيه مفسدة الربا، ولا تقوم بهما أيّ مصلحة للناس.

وعليه فإنّ المضارب في الأسهم وأمثالها هو آكل للربا إذا ربح وموكل للربا إذا خسر، ولكنه يُعذر بجهله السابق فلا يأثم لو كان حريصًا على اجتناب الحرام ولم يقدّم هوى نفسه على مرضاة ربه، وبعض الناس يعلم بكلام العلماء على هذا العمل أنه ربا وغرَر، ولكنه قدّم هوى نفسه على مرضاة ربه {أوَليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟}.

ومن المعلوم أنّ شراء أسهم الشركات بقصد المشاركة فيها والحصول على نسبة من أرباحها السنوية أو نصف السنوية يختلف تمامًا عن المضاربة بشراء وبيع الأسهم، فهو شراكة في هذه الشركات لها أحكام الشراكة ويتأثّر حكمها بعمل هذه الشركات إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا عُمِلت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكَرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرَضيها كان كمن شهدها} صحيح الجامع، فمن اشترك في شركةٍ فيها ربًا فهو كمن رضي به وإن كان كارهًا له في قلبه فالإنكار الصادق هو ما ظهر أثره على الوجه والتصرّفات نفورًا مما يبغضه الله سبحانه وتعالى، وكذلك الشركات التي يكون ضررها أكثر من نفعها فانتبه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{إنك لن تدَعَ شيئًا اتقاء الله عزَّ وجلَّ ألاَّ أعطاك الله خيرًا منه}
رواه أحمد وصحّحه الأرنؤوط والألباني.

وبالله التوفيق
والحمد لله ربّ العالَمين

كتَبه/ محمّد بن أحمد التركي
mhmdahmd.jeeran.com
8 - 8 - 1426

http://mhmdahmd.jeeran.com/r-s.html

ابو سليمان الوهبي
02-04-08, 04:37 PM
بعض المقالات والنقولات قديمة العهد ولا تطابق الواقع الآن وفيها شيء من المبالغة أو عدم التصور الصحيح للواقع الآن كما أن في الكلام شيء من التعميم أعني تعميم الوضع في السوق السعودي في مرحلة سابقة على أصل المسألة ، ولذا يسحن التنبيه على ما اقتراحه هذا الفاضل وما دونه فنبغي أن يترك :

وهذا الموضوع جدير بأن يعاد فيه النظر من قبل المجامع العلمية، وما يكتنف هذه المعاملات من مصالح ومفاسد، ومدى شبه هذه المضاربات بالقمار، حتى يصدر الناس عن رأي موثوق به، يدرس الموضوع من كل جوانبه، ويحدد مواقع الزلل، ويضع الحلول الشرعية المناسبة، والله تعالى أعلم، وأحكم.