المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يصح أن يُقال بأن في القرآن سجع؟


أنس الشهري
11-05-08, 05:14 PM
آمل التكرم بإيفادتي عن بحث (معاصر)تناول هذه المسألة بتوسع
وشكراً

بن حمد آل سيف
12-05-08, 01:21 AM
بارك الله فيك

لم يختلف قول من تقدم من العلماء ومن تأخر منهم (المعاصرون)، في عدم وصف كلام الله تعالى بالسجع.

لأن السجع في لغة العرب لا يقع إلا عن تكلف، وكلام الله تبارك وتعالى منزهٌ عن ذلك.
ولذا نسب السجع صلى الله عليه وسلم للكهان ، فهو سمةٌ من سمات حديثهم.

ونصَّ علماء البلاغة .. في أبواب البديع منها: على أن الإطلاق الصواب في آيات الكتاب هو (فواصل الآي).
لذلك عليك -إن أردت البحث عن دراسات معاصرة- أن تبحث عن الفاصلة في القرآن.

فهو التسمية الدارجة في الأبحاث المعاصرة للمسألة.
بالتوفيق يا أخي.

ابن وهب
12-05-08, 02:28 AM
أخي الحبيب نقل الاتفاق على المنع محل بحث

وانظر على سبيل المثال
المثل السائر
وأيضا ما كتبه الشهاب الخفاجي
وكذا غيره من العلماء

قال الحموي
(
قلت السجع مأخوذ من سجع الحمام واختلف فيه هل يقال في فواصل القرآن أسجاع أم لا
فمنهم من منعه ومنهم من أجازه والذي منع تمسك بقوله تعالى كتاب فصلت آياته فقال قد
سماه فواصل فليس لنا أن نتجاوز ذلك )

وفي سر الفصاحة
، وأما الفواصل التي في القرآن فإنهم
سموها فواصل ولم يسموها أسجاعاً وفرقوا فقالوا: إن السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم
يحمل المعنى عليه، والفواصل التي تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في أنفسها، وقال على بن
عيسى الرماني: إن الفواصل بلاغة، والسجع عيب، وعلل ذلك بما ذكرناه من أن السجع
تتبعه المعاني والفواصل تتبع المعاني، وهذا غير صحيح والذي يجب أن يحرر في ذلك أن
يقال: إن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفصول على ما ذكرناه، والفواصل على
ضربين؛ ضرب يكون سجعاً وهو ما تماثلت حروفه في المقاطع، وضرب لا يكون سجعاً
وهو ما تقابلت حروفه في المقاطع ولم تتماثل، ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين أعني
المتماثل والمتقارب من أن يكون يأتى طوعا سهلا وتابعا للمعاني وبالضد من ذلك؛ حتى
يكون متكلفاً يتبعه المعنى، فإن كان من القسم الأول فهو المحمود الدال على الفصاحة
وحسن البيان، وإن كان من الثاني فهو مذموم مرفوض.

فأما القرآن فلم يرد فيه إلا ما هو من القسم المحمود لعلوه في الفصاحة وقد وردت فواصله
متماثلة ومتقاربة؛ فمثال المتماثلة قوله تعالى: "والطور وكتاب مسطور، في رق منشور،
والبيت المعمور" وقوله عز اسمه " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة لمن يخشى،
تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى، الرحمن على العرش استوى" وقوله تبارك وتعالى:
"والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحاً، فأثرن به نقعاً، فوسطن به جمعاً"
وقوله تبارك وتعالى: "والفجر وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، هل في ذلك قسم
لذي حجر" وقوله تبارك وتعالى: "ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد التي لم يخلق
مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد،
فأكثروا فيها الفساد" وحذفوا الياء من يسرى والوادي طلبا للموافقة في الفواصل. وقوله

تعالى: "اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" وجميع
هذه السورة على هذا الازدواج، وهذا جائز أن يسمى سجعاً لأن فيه معنى السجع ولا
مانع في الشرع يمنع من ذلك. ومثال المتقارب في الحروف قوله تبارك وتعالى: "الرحمن
الرحيم ملك يوم الدين" وقوله تبارك وتعالى: "ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر
منهم فقال الكافرون هذا شئ عجيب" وهذا لا يسمى سجعاً لأنا قد بينا أن السجع ما
كانت حروفه متماثلة.
فأما قول الرماني: أن السجع عيب والفواصل بلاغة على الاطلاق فغلط؛ لأنه إن أراد
بالسجع ما يكون تابعاً للمعنى وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة والفواصل مثله، وإن كان يريد
بالسجع ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله. وكما
يعرض التكلف في السجع عند طلب تماثل الحروف، كذلك يعرض في الفواصل عند طلب
تقارب الحروف، وأظن أن الذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم
يسموا ما تماثلت حروفه سجعاً رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام
المروى عن الكهنة وغيرهم، وهذا غرض في التسمية قريب. فأما الحقيقة فما ذكرناه لأنه لا
فرق بين مشاركة بعض القرآن لغيره من الكلام في كونه مسجوعاً، وبين مشاركة جميعه في
كونه عرضاً وصوتاً وحروفاً وعربياً ومؤلفاً، وهذا مما لا يخفى فيحتاج إلى زيادة في البيان.
ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين السجع. فإن قال قائل: إذا كان
عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعاً وما الوجه في ورود بعضه
مسجوعاً وبعضه غير مسجوع. قيل: إن القرآن أنزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم،

وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعاً لما في ذلك من أمارات التكلف والاستكراه
والتصنع؛ لا سيما فيما يطول من الكلام فلم يرد مسجوعاً جرياً به على عرفهم في الطبقة
العالية من كلامهم. ولم يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدمناها
وعليها ورد في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عالياً في الفصاحة وقد أخل فيه بشرط من
شروطهاً، فهذا هو السبب في ورود القرآن مسجوعاً وغير مسجوع والله أعلم.
)

أنس الشهري
12-05-08, 09:22 AM
رائع يا ابن وهب
بارك الله فيك

بن حمد آل سيف
14-05-08, 01:36 AM
ما شاء الله.. هذه إطلالةٌ من الشيخ (ابن وهب) ..

أخانا الحِبُّ الحبَّاب الحبيب .. مداخلتك تسرني، فكيف أنتم ؟

الشيخ الكريم.. الأمر كما أفضلتم وتفضّلتم ليس محلاً اتفاقياً، ولعل عبارتي ليست لحسم مادة النزاع بقدر ما انصبت النية على عدم الاعتداد بالمخالف !
وحيث إنه لا عبرة بالنوايا .. فالتعبير غير دقيق.

لكني أستشكل: أليست الاصطلاحات التي يلزم عنها لوازم مخالفة ومحاذير شرعية يجب نفيها وكذلك ما حملته من مدلولات باطلة ؟

وبعض من نقلتَ عنهم ثبوت السجع في كلام الله، ذوو ميل اعتزالي [الخفاجي] مثلاً .. ولهذا دلائل عقدية في كلام الله، يجدر بنا الوقوف عندها.

فمثلاً:
1- البلاغة القرآنية عندهم (بلاغة نظمية) وإعجاز الكتاب لديهم في ألفاظه دون معانيه.
2-أن القرآن العظيم -عندهم-: مخلوق ! والعياذ بالله.

فلا يمنتع عند من تأصّل بمثل تلك الآراء أنَّ يسم القرآن بصفات كلام المخلوقين من السجع وغيره .
طبعاً هذا لا ينسحب على جميع المعتزلة لأن (الرماني) مثلاً من المانعين من إطلاق السجع على القرآن، وهو معتزلي.

أقوله مذاكرةً لإخواني طلبة العلم، ولم أراجع المسألة بعد.

تنبيه: الخفاجي صاحب (سرِّ الفصاحة) هو: ابن سنان، وهو متقدم على الشهاب الخفاجي -المتأخر-صاحب الحاشية على تفسير البيضاوي والحاشية على الشفا وغيرها من المؤلفات.

بارك الله فيكم

ابن وهب
14-05-08, 01:58 AM
رفع الله قدركم وبارك فيكم
وحياكم الله

وأنا مجرد مذاكر استفيد من مذاكرة أمثالكم
فائدة
الشهاب الخفاجي صاحب الحاشية واللغوي الشهير المتأخر له رسالة في الباب نقل فيه عن البقاعي وغيره من أهل العلم
وأنا لما ذكرت في البداية
المثل السائر فراجعوا فصل السجع في المثل السائر
وللشهاب الخفاجي صاحب الحاشية رسالة في الباب
وللموضوع تتمة

وحياكم الله وبياكم

ابن وهب
14-05-08, 02:15 AM
وهذا كلام البقاعي من كتابه
(ولما كان المؤمن يطلق مجازاً على من يمكن منه الإيمان فوصلته الآن ليست بالفعل بل الإمكان ، قال تعميماً لرحمته صلى الله عليه وسلم كما هو اللائق بشريف منصبه وعظيم خلقه : { رحيم* } ولأجل مثل هذه الأغراض النفسية رتب سبحانه هذين الوصفين هكذا ، ولكن المعاني المراده تارة يظهرها الله تعالى لعبده منحة له وإكراماً ، وتارة يخفيها إظهاراً لعجزه ونقصانه ثم يظهرها له في وقت آخر إن صدق في التضرع وإظهار الافتقار والتذلل وأدام الطلب ، أو لغيره ممن هو أقل منه علماً وأضعف نظراً وفهماً ، وإذا تأملت كتابي هذا ظهر لك أن كثيراً من الآيات فسرها على غير المراد منها قطعاً أكابر العلماء ، فعلى الأنسان - إذا خفي عليه أمر - أن يقول : لا أعلم ، ولا يظن أنه رتب شيء من هذا الكتاب العزيز لأجل الفواصل ، فلذلك أمر لا يليق بكلام الله تعالى ، وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم السجع ، لأن الساجع يكونُ محطَ نظره الألفاظ ، فيدير المعاني عليها ويتبعها إياها ، فربما عجز اللفظ عن توفية المعنى؛ روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه ومسلم في الديات وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة ، فقال الذي قضى عليه : كيف أغرم من لاشرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ، فمثل ذلك بطل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما هذا من إخوان الكهان » من أجل سجعه الذي سجع ، وفي رواية : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « سجع كسجع الأعراب » وذلك - والله أعلم - أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه لأغنى عن هذا السجع أن يقال : كيف أغرم من لاحياة له ، ولوقصد السجع وتهذيب المعنى لأتى مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن ما أتى به لا يستلزم نفيها ، ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال ، فصح بهذا أنه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا ، وينطبع في عقل عاقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يذم السجع وهو يأتي به ويقصده في القرآن أو في السنة ، ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه ، وذكر أصحاب فتوح البلاد في فتح مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها أرسل بالأخماس مع صحار العبدي ، فلما قدم على عمر رضي الله عنه سأله عن مكران وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال : يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جبل ، وماءها وشل وثمرها دقل ، وعدوها بطل ، وخيرها قليل ، وشرها طويل ، والكثير بها قليل ، والقليل بها ضائع ، وما وراءها شر منها؛ فقال ، أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال : لا بل مخبر ، قال : لاوالله! لا يغزوها جيش لي ما أطعت
فقد جعل الفاروق السجع قسيماً للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله بالفائدة أو بتمام الفائدة ، ولعله إنما جوز أن يكون مخبراً لنه انفك عن السجع في آخر كلامه وكرر لفظ « قليل » فكان ما ظنه ، لأنه لو أراد السجع لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل ، والقليل بها ضائع كليل ، وما وراءها شر منها بأقوم قيل؛ وقد نفى سبحانه عن هذا القرآن المجيد تصويب النظر إلى السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال { وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون } [ الحاقة : 41 ، 42 ] فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزوناً ، فكذلك قول الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعاً والقرآن ليس من هذا ولا من هذا . وإن وقع فيه كل من الأمرين فغير مقصود إليه ولا معول عليه ، بل لكون المعنى انتظم به على اتم الوجوه فيؤتي به لذلك ، ثم تبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام المعاني المرادة عندها فيعلم قطعاً أن ذلك غير مقصود أصلاً لأن مثل ذلك لا يرضى به أقل الساجعين ، بل يراه عجزاً وضيقاً عن تكميل المشاكلة ونقصاً - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، ومما يوجب لك القطع بأن ترتيب هذين الاسمين الشريفين هكذا لغير مراعاة الفواصل قوله تعالى في سورة الحديد { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة } [ الحديد : 27 ] وسيأتي إن شاء الله في سورة طه عن الفخر الرازي والقاضي أبي بكر الباقلاني مَنَع النظر إلى السجع في الكتاب العزيز نقلاً عن جميع الأشاعرة ، وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة ، وتارة تترك بالكلية ويؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى ، علمت أن هذا المذهب هو الصواب ولا سيما آخر سورة { اقرأ } وإذا تأملت كتب أهل العدد أتقنت علم هذا المستند ، وإذا تأملت ما قلته في هذا النحو من كتابي مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور لم يبق عندك شك في شيء من هذا ، فإياك ان تجنح لهذا القول فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر ، وأورد سبحانه هذه الآية إيراد المخاطب المتلطف المزيل لما عندهم من الريب بالقسم ، فكأنه قال : ما لكم تنصرفون عن حضرته الشماء وشمائله العلى! والله لقد جاءكم - إلى آخره ، ثم أقبل عليه مسلياً له مقابلاً لإعراضهم إن أعراضوا بالإعراض عنهم والبراءة منهم ملتفتاً إلى السورة الآمر بالبراءة من كل مخالف ، قائلاً مسبباً عن النصيحة بهذه الآية التي لا شك عاقل في مضمونها : { فإن تولوا } أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أو ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية )

ابن وهب
14-05-08, 02:18 AM
قال البقاعي
({ الر } قال الروماني : لم تعد الفواصل لأنها لا تشاكل رؤوس الآيات لأنها على حرفين ، فأجريت مجرى الأسماء الناقصة ، وإنما يؤم بالفواصل التمام ، وأما « طه » فيعد لأنه يشبه رؤوس آيها - انتهى .
وهذا قول من ذهب سهواً إلى أن السجع مقصود في القرآن ، وهو قول مردود غير معتد به كما مضى القول فيه في آخر سورة براءة ، فإنه لا فرق بين نسبته إلى أنه شعر وبين نسبته إلى أنه سجع ، لأن السجع صنع الكهان فيؤدي ذلك إلى ادعاء أنه كهانة وذلك كفر لا شك فيه ، وقد أطنبت فيه في كتابي مصاعد النظر ، وبينت مذاهب العادين للآيات وأن مرجعها التوقيف مثل نقل القراءات سواء - والله الهادي .
)

ابن وهب
14-05-08, 02:20 AM
قال البقاعي
(وهذه الآية في أمثالها من أي هذه السور وغيرها مما قدم فيه ما يتبادر أن حقه التأخير وبالعكس لأنحاء من المعاني دقيقة ، هي التي حملت بعض من لم يرسخ إلى أن يقول : إن القرآن يراعي الفواصل كما يتكلف بلغاء العرب السجع ، وتبعه جمع من المتأخرين تقليداً ، وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حين قال : « سجع كسجع الجاهلية أو قال : الكهان » وقد علم مما ذكرته أن المعنى الذي بنيت عليه السورة ما كان ينتظم إلا بتقديم هارون ، ويؤيد ذلك أنه قال هنا { إنا رسولا } وفي الشعراء { رسول } ، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي كما حكاه عنه الشيخ أبو حيان في سورة فاطر من النهر : لا يقال في شيء من القرآن : أنه قدم أو أخر لأجل السجع ، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ ، بل فيه وفي المعنى ، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن : ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه ، ثم رد على المخالف بأن قال : والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم ، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً لأن السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع . وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن ، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى ، وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ . ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره . ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلباً لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى ، ثم استدل على ذلك بأشياء نفيسة أطال فيها وأجاد - رحمه الله ، وقد تقدم في آخر سورة التوبة ما ينفع جداً في هذا المرام .
)

ابن وهب
14-05-08, 02:24 AM
قال الشهاب الخفاجي
( والعجب منه أنه ذكر كلام الباقلاني مع التصريح فيه
بأن من السلف من ذهب إليه والحق أنه وقع في القرآن من غير التزام له في الأكثر فكان من
نفاه نفى التزامه أو أكثريته ومن أثبته أراد وروده فيه على الجملة فاحفظه ولا تلتفت إلى ما
سواه وهذا مما ينفعك فيما سيأتي ولذا فصلنا هنا لتكون على ثبت منه والذي عليه
العلماء أنه تطلق الفواصل عليه دون السجع انتهى
)

ابن وهب
14-05-08, 03:03 AM
ويراجع كلام الباقلاني - رحمه الله - في كتابه اعجاز القرآن
وكذا مقدمة الأستاذ الكبير اللغوي النقاد السيد أحمد صقر - رحمه الله

ابن وهب
14-05-08, 03:09 AM
قال الأستاذ السيد أحمد صقر - رحمه الله بعد نقله كلام الباقلاني - رحمه الله

(هذا مجمل ما قاله الباقلانى في هذا الفصل الذى عقده لبيان نفى السجع من القرآن، وهو أخف فصول الكتاب وزنا، وأقلها قدرا، وأحفلها بالخطأ البين في أصل الفكرة، وفى كيفية نصرتها والدفاع عنها، والحجاج دونها، والرد على مخالفيها ومرد ذلك - فيما يلوح لى - إلى أن الباقلانى قد اندفع في كلامه بدافع المناصرة لمذهب الاشاعرة الذى كان يدين به.
والذى حدا شاعرنا إلى نفى السجع من القرآن أنهم ظنوا، بل تيقنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذم السجع في حديث الجنين.
ومن قصة هذا الحديث أن حمل بن مالك بن النابغة كان قد تزوج بامرأتين، يقال لاحداهما: مليكة بنت ساعدة، وللاخرى: أم عفيفة بنت مسروح، فتغايرتا كما هو الشأن دائما بين الضرتين، فضربت أم عفيفة مليكة بمسطح أو بعمود فسطاطها، وهى حامل فألقت جنينها، ورفعت قضيتها إلى النبي فقضى على عاقلة الضاربة بغرة: عبد أو أمة.
فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل، فمثل هذا يطل ؟ ! فقال عليه السلام: " أسجع كسجع الجاهلية ؟ " وقد روى قول النبي بعدة روايات، منها: " أسجع كسجع
الجاهلية وكهانتها ؟ ".
ومنها: " دعني من أراجيز الاعراب ".
ومنها: " أسجاعة بك ؟ ".
ومنها: " أسجع كسجع الجاهلية ؟ قيل: يا رسول الله، إنه شاعر.
ومنها: " لسنا من أساجيع الجاهلية في شئ " ومنها.
" إنما هذا من إخوان الكهان ".
ومنها: " إن هذا ليقول بقول شاعر، بل فيه - أي في الجنين - غرة " ومنها:
" أسجع كسجع الاعراب ؟ " وقد فهم كثير من العلماء أن هذا الحديث إنما ورد في ذم السجع، والتنفير منه.
ولا شك أنهم واهمون في ذلك.
ولو كان النبي أراد إلى ذمه لقال: " أسجعا " فقط.
وإنما أراد النبي بقوله هذا، كما يتضح من سياق الحديث، إنكار تشادق هذا الساجع في دفعه حقا وجب عليه وعلى عاقلته، وقعقعته بالسجع على طريقة الكهان في الجاهلية.
وقد أغرب الباقلانى في استنباطه من هذا الحديث ص 88: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن السجع مذموم، فلا يصح أن يكون في دلالته على نبوته ! وكيف يذم النبي السجع وكثير من كلامه مسجوع ؟ يقول: " أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ؟ " وقد أخطأ الباقلانى في قوله: إن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع.
فليس السجع كذلك على الاطلاق، وإنما هذا نوع من السجع ردئ لا يقع إلا في كلام الضعفاء.
ومنه نوع آخر يقع فيه اللفظ موقعه الرائع، وهو مع ذلك تابع للمعانى.
وهذا هو النوع المحمود منه الذى جاء في المأثور الصحيح عن بلغاء الجاهلية، وفصحاء الاسلام، وورد في أحاديث الرسول على أكمل وجه وأتم نسق اتفق وجوده في كلام البشر، وإليه يريغ المثبتون للسجع في القرآن، القائلون بأن ما كان منه كذلك هو نهاية النهايات، وأبعد الغايات في البلاغة، وقد بان بطلاوته وصفاء لفظه وتمكن معناه - عن جميع ما جرى هذا المجرى من كلام الخلق.
ولو قد تدبر الباقلانى ما حكاه من قول المثبتين للسجع في القرآن: إنه مما يبين
به فضل الكلام، وإنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التى تعرف بها الفصاحة لو تدبر هذا القول، ولم يكن مدفوعا إلى معارضته لمخالفته مذهب أصحابه - لرآه قولا وجيها، ولما وجد بين السجع وبين أنواع البديع التى ذكرها من فرق، ولقال عنه مثل قوله عن البديع ص 170: " ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذى حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وإنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا أورد هذا المورد، ووضع هذا الموضع، كان جديرا " ولو صنع ذلك لاهتدى إلى سواء الصراط، ولما ذهب يتمحل العلل الواهية لنفى السجع من القرآن، كقوله: " لو كان الذى في القرآن على ما تقدرونه سجعا لكان مذموما مرذولا، لان السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه - كان قبيحا من الكلام ! وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة..فلو كان ما تلى عليهم من القرآن سجعا لقالوا، نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن ".
وفوق ما في كلامه هذا من خطأ وتهافت، فإن فيه هفوة أخرى، إذ حكم قواعد البلاغة في القرآن، مع أن القرآن هو الاساس الذى يجب أن تحاكم إليه قواعد البلاغة، وأن تجرى على سننه، ووفق أحكامه.
وكقوله: " ولا بد لمن جوز السجع في القرآن وسلك ما سلكوه، من أن يسلم ما ذهب إليه النظام وعباد وهشام، ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف ! ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة
ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها ! ويستهين ببديع نظمه، وعجيب تأليفه الذى وقع التحدي إليه " ! ! وهذه إلزامات عجيبة لا تلزم المثبتين للسجع في القرآن بحال من الاحوال،
لانهم يرون أن السجع الرائع مظهر من مظاهر الاقتدار على البلاغة، والامتلاك لزمام الفصاحة، وأن السجع الكثير في القرآن قد جاء في أرفع صور البيان، وباين كل أسجاع الساجعين، كما يؤمنون بأن سر إعجاز القرآن نظمه البديع، وبلاغته الرائعة المجاوزة لجميع بلاغات العرب.
وأى فارق بين مشاركة القرآن كله لغيره من الكلام في كونه كلاما عربيا مؤلفا من ألفاظ فصيحة بليغة، وبين مشاركة بعض آية في كونها جاءت مسجوعة ؟ وكيف يكون السجع المحمود من أمارات الفصاحة المعدودة، التى يقصد إليها أعلام البلغاء في بعض كلامهم لتوشيته وتزيينه، وتحسينه بعقد المناسبة بين ألفاظه ثم نجرد القرآن منه، وننفيه عنه بزعمنا، مع ادعائنا أنه قد اشتمل على أنواع البلاغة والفصاحة جميعا ؟ ولئن قال الباقلانى: " إن السجع عيب يجب تفيه عن القرآن، فإنى أقول: إن السجع من الميزات البلاغية التى يجدر بنا أن ننزه القرآن عن خلوه منها.
)

ابن وهب
14-05-08, 03:15 AM
فائدة
رجاء مهم : بخصوص المحقق الكبير السيد أحمد صقر رحمه الله
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?p=638360#post638360

بن حمد آل سيف
14-05-08, 08:50 PM
ومن الاتقان للسيوطي:

( وهل يجوز استعمال السجع في القرآن؟ خلافٌ.

1- الجمهور: على المنع.

لأن أصله من السجع الطير فشرف القرآن أن يستعار لشيء منه لفظ أصله مهمل.
ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في وصفه بذلك.
ولأن القرآن من صفاته تعالى فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها.

قال الرماني في إعجاز القرآن: ذهب الأشعرية إلى امتناع أن يقال في القرآن سجع، وفرقوا بأن السجع هو الذي في نفسه ثم يحال المعنى عليه، والفواصل التي تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في نفسها.
قال: ولذلك كانت الفواصل بلاغة واسجع عيباً.

وتبعه على ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني ونقله عن نص أبي الحسن الأشعري وأصحابنا كلهم

قال:
2- وذهب كثير من غير الأشاعرة إلى إثبات السجع في القرآن.
وزعموا أن ذلك مما يبين به فصل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالجناس والالتفات ونحوهما.
قال: وأقوى ما استدلوا به الاتفاق على أن موسى أفضل من هارون لمكان السجع، قيل في موضع هارون وموسى.
ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل موسى وهارون.
قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصوداً إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي نسميه شعراً، وذلك القدر مما يتفق وجوده من المفحم كما يتفق وجوده من الشاعر.

وأما ما جاء في القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق غير مقصود إليه، وبنوا الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع .
فقال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على حد واحد.
وقال ابن دريد: سجعت الحمامة معناه: رددت صوتها.
قال الاضي: وهاذا غير صحيح، ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم.

ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز ولو جاز أن يقال هو سجع معجز لجاز أن يقولوا شعر معجز، وكيف والسجع مما كان تألفه الكهان من العرب. ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النبوات بخلاف الشعر. وقد قال صلى الله عليه وسلم أسجع كسجع الكهان فجعله مذموماً.

وقال: وما توهموا أنه سجع باطل لأن مجيئه على صورته لا يقتضي كونه هو، لأن السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في معنى السجع من القرآن، لأن اللفظ وقع فيه تابعاً للمعنى.

وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود منه وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ، ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى انتظم في المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلباً لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى.

قال: وللسجع منهج محفوظ وطريق مضبوط، من أخلّ به وقع الخلل في كلامه ونسب إلى الخروج عن الفصاحة، كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئاً، وأنت ترى فواصل القرآن متفاوتة بعضها متداني المقاطع وبعضها يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة في ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير وهذا في السجع غير مرضي ولا محمود.

قال: وأما ذكر من تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوي مقاطع الكلام فليس بصحيح، بل القاعدة فيع إعادة القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحداً، وذلك الأمر الصعب تظهر فيه الفصاحة وتتبين فيه البلاغة، ولهذا أعيدت كثير من القصص على ترتيبات متفاوتة تنبيهاً بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومتكرراً ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لم تؤد إلى تلك المعاني ونحوها، فعلى هذا القصد بتقديم بعض الكلمات على بعض وتأخيرها إظهار الإعجاز دون السجع، إلى أن قال:

فبان بذلك أن الحروف الواقعة في الفواصل متناسبة مع النظائر التي تقع في الأسجاع لا تخرجها عن حدها ولا تدخلها في باب السجع، وقد بينا انهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء، فكان بعض مصاريعه كلمتين وبعضها أربع كلمات، ولا يرون ذلك فصاحة بل يرونه عجزاً.
فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع لقالوا نحن نعارضه بسجع معتدل يريد في الفصاحة على طريقة القرآن أه كلام القاضي في كتاب الإعجاز.

ونقل صاحب عروس الأفراح عنه أنه ذهب في الانتصار إلى جواز تسمية الفواصل سجعاً. )

أبو هاجر الغزي السلفي
22-04-13, 04:54 PM
أحسنتم وخاصة ابن وهب.