المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : - (( فقه الكبائر ))-


رأفت الحامد العدني
07-10-08, 03:59 PM

رأفت الحامد العدني
07-10-08, 04:01 PM

رأفت الحامد العدني
07-10-08, 04:02 PM
- (( فقه الكبائر ))-
المقدمة :
إن الحمد لله , نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
فإن هذا البحث محاولة متواضعة أضعها بين يدي إخواني طلبة العلم، أردت من خلالها تقديم مادة علمية لم يسبق جمعها في مكان واحد – حسب علمي القليل – لتكون عوناً لطلبة العلم الشرعي في فهم هذا الموضوع ،وكذلك لتكون مقدمة جيدة لكل من أراد أن يَدرس أو يُدرس أي كتاب من كتب الكبائر المنشورة ،ولم أشترط على نفسي ذكر كل ما هو متعلق بالكبائر بل ذكرت المشهور والمتيسر لي في هذا الوقت ، وقد أزيد ذكر بعض المسائل في وقت أخر ...
هذا وأرجو من الله أن يوفقني للصواب ،وأن يؤيدني بإخواني طلبة العلم في إثراء هذا الموضوع والإحاطة به إن أرادوا ذلك ..
والحمد لله رب العالمين ....
رأفت بن حامد بن عبدالخالق
عدن - يمن الفقه والحكمة والإيمان – 22رمضان 1429 هـ

مسألة : هل المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر ؟
الجواب : " ذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وهو مروى أيضا عن بن عباس رضي الله عنهما وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة واستعمال سلف الأمة وخلفها قال الإمام أبو حامد الغزالى في كتابه البسيط في المذهب إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقه وقد فهما من مدارك الشرع " . شرح النووي على مسلم (2 / 85)
ومنعه جماعة منهم الإسفرايينى، ونقله عن ابن عباس ، وحكاه القاضي عياض عن المحققين ، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية ، وحجتهم أن المخالفة بالنسبة إلى جلال اللَّه كبيرة على كل حال .
أما الجمهور فحجتهم قوله تعالى { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } النساء : 31 ، وقوله تعالى { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } النجم : 32، وحديث تكفير الذنوب الوارد في الصلاة والوضوء مقيد باجتناب الكبائر. وبهذا ثبت أن من الذنوب ما يكفر بالطاعات العامة ومنها ما لا يكفر بها .
ورد الجمهور على المانعين :
1- " لا شك في كون المخالفة قبيحة جدا بالنسبة إلى جلال الله تعالى ولكن بعضها أعظم من بعض وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة والى ما لا يكفره ذلك كما ثبت في الصحيح ما لم يغش كبيرة فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر وما لا تكفره كبائر ولا شك في حسن هذا ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها لكونها أقل قبحا ولكونها متيسرة التكفير والله أعلم ". شرح النووي على مسلم (2 / 85)
2- أن إنكار هذا التقسيم فاسد، لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر . شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (2 / 395)
ومع هذا اتفقوا على أن منها ما يوجب العقوبة والذم أكثر من غيره ، فالخلاف لفظي في جواز التسمية لا في المعنى ،قال الهيتمي في الزواجر : " وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْإِطْلَاقِ لِإِجْمَاعِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ مِنْ الْمَعَاصِي مَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ وَمِنْهَا مَا لَا يَقْدَحُ فِيهَا ، وَإِنَّمَا الْأَوَّلُونَ فَرُّوا مِنْ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ فَكَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَغِيرَةً نَظَرًا إلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشِدَّةِ عِقَابِهِ وَإِجْلَالًا لَهُ عَزَّ " . الزواجر عن اقتراف الكبائر (1 / 5)
راجع : تفسير القرطبي (5 / 158), مقدمة "الزواجر عن اقتراف الكبائر" لابن حجر الهيتمي (1 / 5), هامش "الفروق للقرافي" (1 /133), مدارج السالكين (1/ 342), عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام الصابوني ( ص 71 - 72 ), فتح الباري لابن حجر (10 / 409)
, الفواكه الدواني (1 / 282), حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني (1 / 234), إعانة الطالبين (4 / 322) .

مسألة: ماهية الكبيرة .
فقد اختلفوا في ضبطها اختلافا كثيرا منتشرا جدا ( شرح النووي على مسلم 2 / 85)، حتى قال ابن عبد السلام : لم أقف لها على ضابط يعني سالما من اعتراض.الأشباه والنظائر للسيوطي (2 / 212)، ومن أحب الاطلاع على ذلك فليراجع كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي . ويتلخص ما ذكره الجمهور في تعريف الكبيرة بالتالي :
1. المعاصي الموجبة للحد.
2. ما يلحق صاحبها وعيد شديد.
3. ما يشعر بقلة اكتراث مرتكبها بالدين.نسبه ابن حجر للعز بن عبدالسلام فتح الباري (10 / 411)
4. ما نص الكتاب أو وجب في حقه حد.
5. ما ورد الوعيد عليه مع الحد أو لفظ يفيد الكِبَر .
وقال الحافظ ابن حجر بعد استعراضه لعدد من الأقوال، قال: ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المفهم: "كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد، أو شدد النكير عليه فهو كبيرة" .فتح الباري ( 12 / 184)،المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2 / 46)
وزاد شيخ الإسلام فقال : العقوبات المقدرة كالغضب واللعنة والنار .... وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة علي غيره فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة كالشرك والقتل والزنا والسحر وقذف المحصنات وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة مشروعة وكالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور فإن هذه الذنوب وأمثالها فيها وعيد خاص وكذلك كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة أو لا يشم رائحتها أو قيل فيه من فعله فليس منا .
مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية (1 / 459) ،و مجموع الفتاوى (11 / 651) ، تفسير القرآن للعثيمين (5 / 44) .
راجع : بدائع الصنائع (14 / 313)، فتح القدير (17 / 138)، المحلى (4 / 55)، نيل الأوطار (9 / 165) ،الأشباه والنظائر للسيوطي (1 / 609)، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (45 / 72)، فتاوى دار الإفتاء المصرية (10 / 116)، شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (1 / 437) .

فائدة : الحكمة في عدم بيان حد الكبيرة في الشرع .
قال الإمام أبو الحسن الواحدى المفسر وغيره الصحيح أن حد الكبيرة غير معروف بل ورد الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر وأنواعها بأنها صغائر وأنواع لم توصف وهى مشتملة على صغائر وكبائر والحكمة في عدم بيانه أن يكون العبد ممتنعا من جميعها مخافة أن يكون من الكبائر قالوا وهذا شبيه بإخفاء ليلة القدر وساعة يوم الجمعة وساعة إجابة الدعاء من الليل واسم الله الأعظم ونحو ذلك مما أخفى والله أعلم . شرح النووي على مسلم (2 / 86)

مسألة : عدد الكبائر .
اختلف العلماء في تحديد عدد الكبائر، فمن اقتصر على أنها ما جاء النص على أنه كبيرة قال إنها سبع، أو تسع، كما جاء ذلك في الأحاديث الواردة في الكبائر «اجتنبوا السبع الموبقات» .
ومنهم من قال هي سبعون -يعني من جهة العدد-. فقد أخرج عبد الرزاق في تفسيره301 - أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، قيل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ قال : « هي إلى السبعين أقرب » .
ومنهم من قال كل معصية كبيرة.وهو قول آخر لابن عباس : هِيَ إلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى سَبْعٍ. يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ أَنْوَاعِهَا .الزواجر عن اقتراف الكبائر (1 / 15) ، قال ابن القيم : وصدق ابن عباس رضي الله عنهما .مدارج السالكين (1 / 327)
والصحيح أن لا يُحَدُّ العدد بِحَدْ لعدم النص عليه، وليست كل معصية كبيرة للفَرْقِ في القرآن ، وكذلك ليست هي سبعين؛ يعني لم يثبت في العدد ولا في أنَّ كل معصية كبيرة شيء يمكن أن يُستَدَلَ به على ذلك.شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (1 / 437)
قال الحافظ: وعلى هذا فينبغي تتبع ما ورد فيه الوعيد أو اللعن أو الفسق، من القرآن، أو الأحاديث الصحيحة والحسنة، ويُضم إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عُرف منه تحرير عددها. فتح الباري (12 / 184)



مسألة: الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ .
اتفقوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعبد صنماً قط والأنبياء قبل النبوة معصومون من الكفر واختلفوا في العصمة من المعاصي وأما بعد النبوة فمعصومون من الكفر ومن كل ما يخل بالتبليغ وما يزري بالمروءة ومن الكبائر .
واختلفوا في الصغائر فجوزها الأكثرون ومنعها الباقون ( الحنفية بدائع الصنائع (6 / 255) ،والشافعية روضة الطالبين (3 / 498) ، نيل الأوطار (2 / 333))وقطعوا بالعصمة منها وتأولوا الظواهر الواردة فيها،والصحيح قول أكثر أهل العلم وأنه قد تقع منهم الصغائر، لكن لا يقرون عليها، وأما الكبائر فلا تقع منهم البتة .
راجع : التمهيد (3 / 266) ، مجموع الفتاوى ( 4 / 319 ) و(10 / 293)، منهاج السنة النبوية (2 / 426)،الدرر السنية في الكتب النجدية (16 / 11) ،" فتاوى اللجنة الدائمة " برقم 6290 ( 3 / 194 ).

مسألة : من هم أهل الكبائر ؟
يُسَمَّى من ارتكب الكبيرة أنه من أهل الكبائر، أو يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر إذا اجتمع فيه وصفان:
الأول: العلم.
والثاني : عدم التوبة.
فإذا عَلِمْ أنَّ هذا الفعل معصية واقتَحَمَهُ وكان مَنْصُوصَاً عليه أنَّهُ من الكبائر فيكون من أهل الكبائر.
والثاني أن لا يكونَ أَحْدَثَ توبة فإذا أحدث توبة فلا يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر. شرح العقيدة الطحاوية للشيخ صالح آل الشيخ (1 / 437)

مسألة : مرتكب الكبيرة فاسق ساقط العدالة .
فمذهب الحنفية : مَنْ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكَبَائِرِ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ ، إلَّا أَنْ يَتُوبَ . بدائع الصنائع (14 / 326)، لَكِنَّ بُطْلَانَ الْعَدَالَةِ لَا يَتَوَقَّفُ فِي الْكَبَائِرِ عَلَى الْإِصْرَارِ ، بَلْ أَنْ يَأْتِيَهَا وَيَعْلَمَ ذَلِكَ. فتح القدير (17 / 137)
ومذهب المالكية : الْعَدَالَةُ الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْكَبَائِر .ِمواهب الجليل (17 / 202) الفواكه الدواني (7 / 279)
ومذهب الشافعية : إذا تقرر هذا فقال الأصحاب يشترط في العدالة اجتناب الكبائر فمن ارتكب كبيرة واحدة فسق وردت شهادته. روضة الطالبين (4 / 164)
ومذهب الحنابلة : ويعتبر في العدالة شيئان : أحدهما : اجتناب الكبائر والإدمان على الصغائر والكبائر كل ما فيه حد أو وعيد فمن فعل كبيرة أو أكثر من الصغائر فلا تقبل شهادته لأنه لا يؤمن من مثله شهادة الزور ولأن الله تعالى نص على القاذف فقسنا عليه مرتكب الكبائر . الكافي في فقه ابن حنبل (4 / 271)
فلا خلاف بين الفقهاء في تفسيق مرتكب الكبائر كالزّاني ، واللّائط ، والقاتل ، ونحوهم ، لأنّ تفسيق القاذف وردّ شهادته ثبت بنصّ القرآن فيقاس عليه كلّ مرتكب كبيرة . أمّا الصّغائر فلا يفسّق بها ،لقوله تعالى :{ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ }. المحلى (9 / 393)
عقيدة أهل السنة في مرتكب الكبيرة .
مرتكب الكبيرة إذا لم يستحلها، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الإيمان وإن ماتَ ولم يتب فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه برحمته، وإن شاء عذبه بعدله بقدر ذنوبه ثم يخرجه .
أدلة أهل السنة على حكم مرتكب الكبيرة :
استدل أهل السنة لذلك بأدلة كثيرة جداً، ونحن سنذكر هنا ما يمكن أن يسمى " أدلة كلية " وكل دليل يندرج تحته عدد من الأدلة التفصيلية
1- ققال الله سبحانه : {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48].
2- قوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية أبي هريرة:"... أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة "رواه مسلم
3- وروى مسلم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ".. ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بقرابها مغفرة "
قال الإمام ابن رجب " فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة " . جامع العلوم والحكم
4- حديث أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أتاني جبريل عليه السلام فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة قلت: وإن زنى وإن سرق قال: وإن زنى وإن سرق " متفق عليه.
قال النووي رحمه الله: " وأما قوله صلى الله عليه - وإن زنى وإن سرق فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها وختم لهم بالخلود بالجنة) شرح النووي على مسلم (2 / 97).
5- حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: " تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه " رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم " ومن أصاب شيئاً من ذلك " إلى آخره المراد به ما سوى الشرك وإلا فالشرك لا يغفر له " شرح مسلم (11 / 223)، ثم ذكر من فوائد الحديث (الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها، بل هو بمشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) شرح مسلم (11 / 224)
وقال الإمام الصابوني رحمه الله: (ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، إن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله - عز وجل - إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإن عذبه لم يخلد فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار) (عقيدة السلف أصحاب الحديث) ص 276 تحقيق د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع.
وقال الإمام البغوي رحمه الله: اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئاً منها، فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته. شرح السنة ( 1/ 103 ) .
وقال الإمام ابن بطة رحمه الله: وقد أجمعت العلماء - لا خلاف بينهم - أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسنين، ونخاف على المسيء . الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة) المسمى بـ (الإبانة الصغرى) ص 292
وقال الإمام الطحاوي رحمه الله: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ، وأهل الكبائر في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون . شرح الطحاوية في العقيدة السلفية (1 / 393)
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي في تعليقه على كلام الإمام الطحاوي : إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين .. شرح الطحاوية في العقيدة السلفية (2 /255).راجع نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف (1 / 95)

مسألة :التوبة من الكبائر واجبة .
وَالتَّوْبَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ مِنْ الْكَبَائِرِ اتِّفَاقًا وَمِنْ الصَّغَائِرِ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّنْبُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ، لَكِنَّ الْمَعْلُومَ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ تَفْصِيلًا وَالْمَجْهُولُ إجْمَالًا ، وَقِيلَ : إنَّ الصَّغَائِرَ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَوْبَةٍ ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ حَيْثُ قَالَ : ثُمَّ الذُّنُوبُ عِنْدَنَا قِسْمَانِ صَغِيرَةٌ كَبِيرَةٌ فَالثَّانِي مِنْهُ الْمَتَابُ وَاجِبٌ فِي الْحَالِ وَلَا انْتِقَاضَ إنْ يَعُدْ لِلْحَالِ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَهَا مُكَفِّرَاتٌ كَثِيرَةٌ ، مِنْهَا : اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ ، وَبِالصَّلَوَاتِ وَالْحَسَنَاتِ وَبِالْأَمْرَاضِ وَالْمَصَائِبِ .
راجع : تفسير القرطبي (5 / 90)،الفواكه الدواني (8 / 171)،و أسنى المطالب (22 / 487)،و جامع العلوم والحكم (45)فتح الباري لابن حجر (6 / 517)، التحرير والتنوير (15 / 188) .

مسألة : التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ .
التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .
راجع : شرح النووي على مسلم (13 / 173)، الدر المختار (2 / 685)، الاستذكار (1 / 197)، الفواكه الدواني (1 / 280)، المجموع (6 / 382)، طرح التثريب (8 / 228)

مسألة :تكفير التوبة للكبائر ظني أم قطعي ؟
هَلْ تَكْفِيرُهَا قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ أَمَّا فِي التَّوْبَةِ مِنْ الْكُفْرِ فَهُوَ قَطْعِيٌّ وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَلِلْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيهِ خِلَافٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْأَقْوَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَقْلًا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي تَحْكِيمِهِمْ الْعَقْلَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَاَلَّذِي أَقُولُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ قُرْآنًا وَسَنَةً وَتَتَبَّعَ مَا فِيهِمَا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى عَلِمَ عَلَى الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الصَّادِقِينَ .
قال أبو عبدالله القرطبي : وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف، لان من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم، والمكلف لهم، فلا يصح أن يوصف بوجوب شئ عليه، تعالى عن ذلك، غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى: (وهو الذيى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات).
راجع : المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (17 / 10)، وتفسير القرطبي( 5/90 وما بعدها )، طرح التثريب (8 / 228), و فتح الباري لابن حجر (10 / 33) ، روح المعاني (12 / 159).

مسألة : يستحب لمن ارتكب كبيرة توجب الحد أن يستر على نفسه .
قام النبي صلى الله عليه و سلم على المنبر فقال :" اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عز وجل عنها فمن ألم فليستتر بستر الله عز وجل ؛ ( فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ) ", (أخرجه الديلمى (1/1/40 - مختصره) عن أبى هريرة كما في الصحيحة للشيخ الألباني (2/272 ، رقم 663)) وفي هذا الحديث من الفقه أن ستر المسلم على نفسه ما وقع فيه من الكبائر الموجبة للحدود والتوبة منها والندم عليها والإقلاع عنها أولى به من الإقرار بذلك على نفسه ألا ترى أن أبا بكر أشار بذلك على الرجل الذي اعترف عنده بالزنا وكذلك فعل عمر رضي الله عنهما وهو ماعز الاسلمي لا خلاف في ذلك بين أهل العلم وذلك مشهور في الآثار وكذلك إعراض رسول الله صلى الله عليه و سلم عنه حين اقر على نفسه بالزنا حتى أكثر عليه كان - والله اعلم - رجاء ألا يتمادى في الإقرار وان ينتبه ويرعوي ثم ينصرف فيعقد التوبة مما وقع فيه .
راجع : الاستذكار (7 / 466)،شرح النووي على مسلم (17 / 81)، شرح البهجة الوردية (18 / 186)، روضة الطالبين (3 / 454)

مسألة : يجب الإنكار على المجاهرين بالكبائر .
قال ابن عبد البر : الحمد لله كثيرا إن الله عز و جل عفو غفور يحب العفو عن أصحاب العثرات والزلات من ذوي السيئات دون المهاجرين المعروفين بفعل المنكرات والمداومة على ارتكاب الكبائر الموبقات فهؤلاء واجب ردعهم وزجرهم بالعقوبات. الاستذكار (8 / 13)،الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (8 / 147)،الفقه الإسلامي وأدلته (8 / 379)، الموسوعة الفقهية الكويتية (7 / 315)


مسألة : هجر مرتكب الكبائر .
وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ زَجْرِهِ عَنْ مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ بِعُقُوبَتِهِ بِيَدِهِ إنْ كَانَ حَاكِمًا أَوْ فِي وِلَايَتِهِ أَوْ يَرْفَعُهُ لِلْحَاكِمِ أَوْ بِمُجَرَّدِ وَعْظِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ زَجْرُهُ وَإِبْعَادُهُ عَنْ فِعْلِ الْكَبَائِرِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ بِهَجْرِهِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَجَاهِرَ بِالْكَبَائِرِ لَا يَجِبُ هِجْرَانُهُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ زَجْرِهِ وَبَقِيَ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ هِجْرَانَهُ لِخَوْفِهِ مِنْهُ بِعَدَمِ مَوَدَّتِهِ وَمُخَالَطَتِهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مُدَاهَنَتُهُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ قَوْمٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ ، يُرِيدُ بِهِمْ الظَّلَمَةَ وَالْفَسَقَةَ الَّذِينَ يُتَّقَى شَرُّهُمْ ، يَتَبَسَّمُ فِي وُجُوهِهِمْ وَيُشْكَرُونَ بِكَلِمَاتٍ مُحِقَّةٍ .. الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (8 / ص 148) ، مجموع الفتاوى (24 / 286)
وفي مجموع فتاوى ابن باز (5/ 400) لما تكلم عن هجر أصحاب الكبائر
قال رحمه الله : ..أما من أظهرها وجاهر بها فالواجب أن يقام عليه حدها, وأن يرفع أمره إلى ولاة الأمور , ولا تجوز صحبتهم ولا مجالستهم, بل يجب هجرهم لعل الله يهديهم ويمن عليهم بالتوبة إلا أن يكون الهجر يزيدهم شرا , فالواجب الإنكار عليهم دائما بالأسلوب الحسن والنصائح المستمرة حتى يهديهم الله . ولا يجوز اتخاذهم أصحابا , بل يجب أن يستمر في الإنكار عليهم وتحذيرهم من أعمالهم القبيحة ...

مسألة : لعن مرتكب الكبيرة .
يجوز لعن غير المعيّنين من أهل الكبائر لما ورد : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لعن الواصلة والمستوصلة , ولعن آكل الرّبا , ولعن المصوّر , وقال : « لعن اللّه من غيّر منار الأرض » , لأنّ المراد : الجنس لا الأفراد. ويكون اللّعن لبيان أنّ تلك الأوصاف : للتّنفير عنه , والتّحذير منه , لا لقصد اللّعن على كلّ فردٍ من هذه الأجناس , لأنّ لعن الواحد المعيّن كهذا الظّالم لا يجوز , فكيف كل فردٍ من أفراد هذه الأجناس , وإذا كان المراد الجنس لما قلنا من التّنفير والتّحذير , لا يلزم أن تكون تلك المعاصي من الكبائر خلافاً لمن ناط اللّعن بالكبائر , لأنّه ورد اللّعن في غيرها .
راجع :التمهيد (13 / 144)، الفواكه الدواني (8 / 231)، رد المحتار (12 / 25)، حاشية الجمل على المنهج (2 / 345)، إعانة الطالبين (4 / 323)
أمّا المعيّن من أهل الكبائر فقد اختلفت فيه أقوال الفقهاء :
فالمذهب عند الحنفيّة والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة وهو قول ابن العربيّ من المالكيّة , أنّه لا يجوز لعنه لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أنّه أتى بشارب خمرٍ مراراً فقال بعض من حضره : اللّهمّ العنه ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النّبي صلى الله عليه وسلم : فواللّه ما علمت أنّه يحب اللّه ورسوله » . رد المحتار (12 / 25)، حاشية الجمل على المنهج (2 / 345)
وذهب شيخ الإسلام إلى أن لعن المعين ينهى عنه وفيه نزاع وتركه أولى . مختصر الفتاوي المصرية لابن تيمية (1 / 476)، مجموع الفتاوى (6 / 511)
وفي قولٍ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه يجوز لعن الفاسق المعيّن لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو لأحد قنت بعد الركوع,كان يقول في بعض صلاة الفجر:« اللّهمّ العن فلاناً وفلاناً لأحياء من العرب ».طرح التثريب (2 / 494)، نيل الأوطار (6/ 262)، الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 37 / ص 277)
وقال القرطبي وابن حجرٍ : إنّه لا يجوز لعن من أقيم عليه الحد لأنّ الحدّ قد كفّر عنه الذّنب , ومن لم يقم عليه الحد فيجوز لعنه سواء سمّي أو عيّن أم لا , لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من تجب عليه اللّعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للّعن , فإذا تاب منها وأقلع وطهّره الحد فلا لعنة تتوجّه عليه .تفسير القرطبي - (ج 2 / ص 189) فتح الباري (12 / 76)
وسبب الخلاف :هو أن الذي منع اللعن أراد به المعنى اللغوي وهو الإبعاد من الرحمة وهذا لا يليق أن يدعي به على المسلم بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية والذي أجازه أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب قال ولا يخفى أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر . نيل الأوطار (6 / 262)

رأفت الحامد العدني
07-10-08, 04:03 PM
مسألة :مستحل الكبيرة كافر .
الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ يَسْتَوِيَانِ فِي التَّحْرِيمِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي التَّكْفِيرِ ، فَيُكَفَّرُ بِاسْتِحْلَالِ الْكَبَائِرِ وَلَا يُكَفَّرُ بِاسْتِحْلَالِ الصَّغَائِرِ ، كَذَلِكَ الْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ لَا يَمْنَعُ افْتِرَاقُهُمَا فِي التَّكْفِيرِ اسْتِوَاءَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ .الحاوى الكبير ـ للماوردى (13 / 859)،و الموسوعة الفقهية الكويتية (7 / 363)
ويكفر مستحل الكبيرة بهذين القيدين:
1 - أن تكون الكبيرة مما أُجْمِعَ على تحريمه.
2 - وكان المُسْتَحِلُّ لها غير متأول. شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (1 / 442)
راجع : الإبانة - الأشعري (1 / 20)، تبيين كذب المفتري (1 / 160) ، معارج القبول (3 / 1173) .

مسألة : الشرك الأصغر أعظم من الكبائر .
السؤال :هل الشرك الأصغر أعظم من الكبائر ، وهل هذا القول على إطلاقه ؟
الجواب : الحمد لله ، دلت النصوص على أن الشرك فيه أكبر وأصغر ، فالأكبر مناف لأصل الإيمان والتوحيد ، وموجب للردة عن الإسلام ، والخلود في النار ، ومحبط لجميع الأعمال ، والصحيح أنه هو الذي لا يغفر كما قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } ، وأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك ، فهو ذنب من الذنوب التي دون الشرك الأكبر فيدخل في عموم قوله تعالى : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء }
وهو أنواع :
شرك يكون بالقلب كيسير الرياء ، وهو المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم :" أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " فسئل عنه فقال: "الرياء ".
ومنه ما هو من قبيل الألفاظ كالحلف بغير الله كما قال صلى الله عليه وسلم :" من حلف بغير الله فقد أشرك ".
ومنه قول الرجل: لولا الله وأنت ، وهذا من الله ومنك ، ولولا كليبة هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص كما جاء في الأثر المروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
ومنه قول الرجل : ما شاء الله وشئت .
وقد ذكر بعض أهل العلم أن الشرك الأصغر عند السلف أكبر من الكبائر ، ويشهد له قول ابن مسعود رضي الله عنه :" لأنْ أحلف بالله كاذبا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقا".
ومعلوم أن الحلف بالله كذبا هي اليمين الغموس ، ومع ذلك رأى أنها أهون من الحلف بغير الله.
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن الشرك الأصغر ليس على مرتبة واحدة بل بعضه أعظم إثما ، وتحريما من بعض .
فالحلف بغير الله أعظم من قول الرجل: ما شاء الله وشئت ، لأنه جاء في حديث الطفيل الذي رواه أحمد وغيره أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون: ما شاء الله وشاء محمد ، ولم ينههم صلى الله عليه وسلم عن ذلك في أول الأمر حتى رأى الطفيل الرؤيا وقصها على النبي صلى الله عليه وسلم :" فخطبهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ونهاهم عن ذلك ، وقال: إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أنْ أنهاكم عنها لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ". وفي رواية "قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد".
والظاهر أيضا : أن قول السلف الشرك الأصغر أكبر من الكبائر يعني مما هو من جنسه كالحلفِ ، فالحلفُ بغير الله أكبر من الحلف بالله كذبا كما في أثر ابن مسعود ، وجنس الشرك أكبر من جنس الكبائر ، ولا يلزم من ذلك أن يكون كلما قيل : إنه شرك أصغر يكون أكبر من كل الكبائر ، ففي الكبائر ما جاء فيه من التغليظ ، والوعيد الشديد ما لم يأت مثلُه في بعض أنواع الشرك الأصغر ، كما تقدم في قول الرجل: ما شاء الله وشئت. والله أعلم.
المفتي الشيخ / عبد الرحمن بن ناصر البراك .رقم الفتوى 17618 تاريخ الفتوى 27/10/1427 هـ -- 2006-11-18 ،وانظر أيضاً التمهيد لشرح كتاب التوحيد صالح آل الشيخ (ج 2 / ص 360) .

مسألة : هل الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة أم لا؟
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول :أنَّ الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة، كما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كابن عباس وغيره.وهذا قول الحنفية (العناية شرح الهداية (10 / 461)،رد المحتار (22 / 165)، والشافعية ( حاشية البجيرمي على الخطيب (14 / 79)، كتاب الإبهاج في شرح المنهاج (2 / 179).
راجع لهذا القول : شرح النووي على مسلم (2 / 87)،فتح الباري لابن حجر (1 / 319)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (15/293)، إغاثة اللهفان (2 / 151) ،مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (15 / 75) ، الاعتصام للإمام الشاطبي (1/337 )،شعب الإيمان للبيهقي: 1/269؛ إحياء علوم الدين للغزالي: 4/32؛ الفروق للقرافي: 4/67؛ البحر المحيط للزركشي: 4/277؛ الفواكه الدواني للنفراوي: 1/92؛ بدائع الصنائع للكاساني: 5/405؛ حاشية قرَّة عيون الأخبار تكملة ردّ المحتار7/113.

القول الثاني:أنَّ الصغائر تختلف، وأنَّ الإصرار على الصغائر لِمَنْ تَرَكَ الكبائر لا يبقى معه صغيرة؛ لأنَّ الله - عز وجل - جعل الصلاة إلى الصلاة مُكَفِّرَات لما بينهن، إذا اجتُنِبَتْ الكبائر وجعل رمضان إلى رمضان مُكَفِّرَاً لما بينهما إذا اجتُنِبَتْ الكبائر، وهكذا العمرة إلى العمرة، وهكذا الحج ليس له جزاء إلا الجنة، الحج المبرور «ومن حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»(البخاري (1521))، ونحو ذلك من الأذكار التي يمحو الله بها السّيئات، كذلك إتباع السّيئة الحسنة، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الموحد الذي لم يفعل الكبائر فإنَّ هذه العبادات العظيمة بفضل الله - عز وجل - تمحو عنه الصغائر التي وقعت منه، فلا يُتَصَوَّرْ أنَّ الصغائر تجتمع في حقه فتتحول إلى كبيرة، وهذا النّظر ظاهر من حيث الاستدلال.
ومن قال: إنَّ المُدَاوَمَة على الصغائر تحولها إلى كبيرة. يحتاج إلى دليل واضح من الكتاب أو السنة، والأدلة كما ذكرت تدلُّ على أنَّ الصغيرة من الموحد تُكَفَّرْ، فلا تجتمع عليه؛ ولكن هذا بشرط اجتناب الكبائر كما قال - عز وجل - {إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفَّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا}[النساء:31].
راجع لهذا القول : شرح العقيدة الطحاوية للشيخ صالح آل الشيخ ، كتاب «تحرير المقال في موازنة الأعمال» لأبي طالب القضاعي ، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (1 / 111) للشوكاني ، قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز (1 / 36) ،البحر المحيط للزركشي: 4/277

مسألة : صلاة الجنازة على أهل الكبائر .
فمذهب الحنفية : يصل الإمام وغيره على أهل الكبائر إلا الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ ،فلا يصلى عليهم.. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (3 / 290)
ومذهب المالكية : لا يصل الإمام وأئمة الدين على الذي قتل نفسه ولا على من أقام عليه الحدود ليكون ذلك زاجرا لمن خلفهم ، ولكنهم لا يمنعون الصلاة عليهم بل يأمر بذلك غيرهم .الاستذكار (5 / 85)
ومذهب الشافعية : يصل الإمام وغيره على أهل الكبائر بدون استثناء . المجموع (5 / 267)
ومذهب الحنابلة : يصل الإمام على سائر المسلمين من أهل الكبائر ،ولا يصلي الإمام على الغال ولا من قتل نفسه .المغني (2 / 418)
قال شيخ الإسلام : وأما من كان مظهرا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر فهؤلاء لابد أن يصلى عليهم بعض المسلمين ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرا لأمثاله عن مثل ما فعله كما امتنع النبي عن الصلاة على قاتل نفسه وعلى الغال وعلى المدين الذي لا وفاء له وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع كان عمله بهذه السنة حسنا وقد قال لجندب بن عبد الله البجلى ابنه إني لم أنم البارحة بشما فقال أما انك لو مت لم أصل عليك كأنه يقول قتلت نفسك بكثرة الأكل وهذا من جنس هجر المظهرين للكبائر حتى يتوبوا فإذا كان في ذلك مثل هذه المصلحة الراجحة كان ذلك حسنا ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان ذلك حسنا ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت أحداهما وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك ويؤمر به كما قال تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وكل من أظهر الكبائر فإنه تسوغ عقوبته بالهجر وغيره حتى ممن في هجره مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب الإمكان والله أعلم. مجموع الفتاوى (24 / 286-287)

مسألة : هل الصلاة والطهارة والصيام والجمعة والعمرة تكفر الكبائر ؟
الجواب : اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين هما :
القول الأول : أن المذكورات تكفر الصغائر و الكبائر،واستدلوا بحديث ابن مسعود ، أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأنزل الله تعالى: { وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }[ هود: 114]. قال الرجل: يا رسول الله، إلي هذا؟ قال: (( لجميع أمتي كلهم )).متفق عليه ،وحديث عن أبي هريرة، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك يبقي من درنه؟)) قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً. قال: (( فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا)).متفق عليه ، حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ ،متفق عليه ، وحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الصَّلاَةُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ ».رواه مسلم
وهذا قول قومٌ من أهل الحديث وغيرهم،ومنهم : ابن المنذر و ابن حزم الظاهري ، وإيَّاه عنى ابنُ عبد البرّ في كتاب " التمهيد " بالردِّ عليه وقال : قد كنتُ أرغبُ بنفسي عن الكلام في هذا الباب ، لولا قولُ ذلك القائل ، وخشيتُ أنْ يغترَّ به جاهلٌ ، فينهمِكَ في الموبقاتِ ، اتِّكالاً على أنَّها تكفِّرُها الصلواتُ دونَ الندم والاستغفار والتوبة ، والله نسألُه العصمة والتوفيقَ ". جامع العلوم والحكم لابن رجب
راجع : مجموع الفتاوى (7 / 490) ، زاد المعاد (3 / 372) ،حاشية الجمل على المنهج (4 / 456) ، حاشيتا قليوبي وعميرة (2 / 427)، وهذا قول الشيخ الألباني كما في شرحه حديث: ( الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهن )شريط ،والتعليق على مشكاة المصابيح ( 1/94 رقم 286 )

القول الثاني : أن المذكورات إنما تكفر الصغائر دون الكبائر، واحتجوا بأن العموم في الأحاديث السابقة خص منه الكبائر بما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر)).وعنه - أيضا-: عن عثمان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله)).وفي السلسلة الصحيحة (4 / 419)1920
عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر و الجمعة إلى الجمعة و زيادة ثلاثة أيام " . أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 9 / 249 - 250 ).وقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح ، ما لم تصب المقتلة .صحيح الترغيب والترهيب (1 / 86) 360 ( صحيح لغيره موقوف ).وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك، وأن الكبائر لا تكفر بمجرد الصلوات الخمس، وإنما تكفر الصلوات الخمس الصغائر خاصة. فتح الباري لابن رجب (4 / 23)
وكيف يجوز لذي لب أن يحمل الآثار على عمومها وهو يسمع قول الله عز و جل يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا وقوله تبارك وتعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون في آي كثيرة من كتابه ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البر مكفرة للكبائر والمتطهر المصلى غير ذاكر لذنبه الموبق ولا قاصد إليه ( ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ) ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله عز و جل بالتوبة معنى ولكان كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة وأن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض والفروض لا يصح أداء شيء منها إلا بقصد ونية ( واعتقاد أن لا عودة ) فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر ولا نادم على ذلك فمحال...وهذا قول غَالِبُ الْمُحَدِّثِينَ وَ أكثر الْفُقَهَاء.
راجع : التمهيد (4 /44)،الفواكه الدواني (1 /281)،المجموع (6 / 382)، فتح الباري لابن رجب (4 /15)، فتح الباري لابن حجر (8 / 357)، نيل الأوطار (5 / 5)، شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (1 / 454).

مسألة: هل الحج يكفر الكبائر أم لابد من توبة؟
الجواب : اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين هما :
القول الأول : الحج المبرور يكفر الكبائر ،لظاهر قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ، ويؤيد هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ، واحتجوا أيضاً بما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: (حضرنا عمرو بن العاص في الوفاة فحول وجهه تجاه الجدار فأخذ يبكي ثم قال: إني كنت على أطباق ثلاثة ثم ذكر أنه أتى النبي يريد أن يبايعه فقال: يا رسول الله أبسط يدك لأبايعك! فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده فقبض عمرو يده فقال عليه الصلاة والسلام: مالك يا عمرو؟ قال: أردت أن اشترط! قال : تشترط بماذا؟ قال: اشترط أن يغفر الله لي. فقال: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الحج يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها).
وليس في هذا الحديث أن التوبة تهدم ما قبلها. بل لا يصح بهذا اللفظ حديث والشاهد أن الحج يهدم ما كان قبله ولا شك أن الصغائر تمحوها الصلاة والوضوء وما أشبه ذلك فلا يعبر بشيء أنه يهدم إلا بشيء قائم وهو الذنوب الكبار. والاستدلال بهذا ظاهر على أن الحج يكفر الذنوب الكبار.
راجع : رد المحتار (9 / 157)، والفواكه الدواني (1 / 287) ، والفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي (3 / 445)، والفروع لابن مفلح (11 / 366) فقد حكاه عن ابن هبيرة ، وفتاوى نور على الدرب للعثيمين .
القول الثاني : أن الحج لا يكفر الكبائر، إنما تكفرها التوبة النصوح ، واحتجوا بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم } التحريم : 8، وكما قال بعد ذكر صفات عباد الرحمن وأن من يفعل الكبائر يضاعف له العذاب { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات وكان اللَّه غفورا رحيما} الفرقان :70، أما الأعمال الصالحة غير التوبة فلا تكفر الكبائر، لأن هذه الأعمال الصالحة لا تؤثر في تكفير الذنوب الصغيرة إلا إذا اجتنيت الكبائر كما تقدم في حديث مسلم . وعلى هذا قالوا : إن النصوص العامة التي فيها تكفير الأعمال الصالحة لكل الذنوب - كحديث الحج المتقدم - مخصوصة بالذنوب الصغيرة ، أما الكبيرة فلا يكفرها إلا التوبة .
راجع : البحر الرائق شرح كنز الدقائق (6 / 477) عن الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (الجزء 11/ 13)السؤال الأول من الفتوى رقم ( 6614 )، وشرح سنن أبي داود لعبدالمحسن العباد.

وبالتالي فالحج أو غيره من الطاعات لا يكفر الذنب الذي فيه حق للعباد حتى تبرأ الذمة منه ويؤيد ذلك أن الشهادة في سبيل اللَّه ، وهى في قمة الأعمال الصالحة ، لا تكفِّر حقوق العباد، كما ورد في حديث مسلم " يغفر اللَّه للشهيد كل شيء إلا الديْن " .
أما الذنوب التي هي حق للَّه فهي قسمان ، قسم فيه بدل وعوض ، وقسم ليس فيه ذلك ، فالأول كمن أذنب بترك الصلاة أو الصيام فلا يكفر إلا بقضاء ما فاته من صلاة وصيام كما وردت بذلك النصوص الصحيحة ، والثاني كمن أذنب بشرب الخمر مثلا، فإن مجرد تركه والتوبة منه يكفره اللّه تعالى ، والتوبة تكون بإقامة الحد عليه إن كانت الحدود تقام ، وإلا فهي الإِقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العود .
هذا ، وقد وردت نصوص تدل على أن التبعات والمظالم يكفرها اللَّه بالحج ، لكن هذه النصوص غير قوية فلا تعارض ما هو أقوى منها ، فالتوبة لا تكفر التبعات والمظالم إلا ببراءة الذمة، وكذلك الحج لا يكفرها إلا بذلك .وكل ما تقدم محله إذا لم تتدخل مشيئة اللّه ، فإن تدخلت غفر اللّه كل شيء من الذنوب يقع من العبد ما عدا الإِشراك باللّه كَما قال سبحانه { إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } النساء : 116.
وعلى هذا ، فالرجل الذي يفعل المعاصي اعتمادا على أن الحج يكفرها - لا يجوز له أن يرتكن على الحديث المذكور ، ولا أن يرتكن على مشيئة اللّه الذي يغفر الذنوب جميعا ، فربما لا يكون هو ممن يشاء اللّه المغفرة لهم .فتاوى دار الإفتاء المصرية (9 / 308)

مسألة : دخول أَهْلُ الكَبَائِرِ في النَّارِ تحت مشيئة الله تعالى .
دخول أَهْلُ الكَبَائِرِ في النَّارِ، هذا وعيد، وهذا الوعيد يجوز إخلافُهُ من الرب - جل جلاله -؛ وذلك أنَّ مرتكب الكبيرة إذا تابَ في الدنيا تابَ الله عليه، وإذا طُهِّرَ بِحَدٍ أو نحوه كتعزير فإنه تكون كَفَّارَةْ له.
فإذاً يكون مرتكب الكبيرة من أهل الوعيد إلا في حالات ( وهي ما تسمى موانع نفوذ الوعيد ):
الحال الأولى:
أن يكون تائباً كما ذكرنا لك ؛ لأنَّ التوبة تَجُبُّ ما قبلها، قال الله - عز وجل - في آخر سورة الزمر {قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[الزمر:53] أجمَعَ أهل التأويل والتفسير-: أنها نزلت في التّائبين، فمن تَابْ تابَ الله - عز وجل - عليه، فلا يلحق التائب وعيد لأنه قد مُحِيَتْ عنه زلته وخطيئته بالتّوبة.
2- الحال الثانية:
أن يُطَهَّرَ من تلك الكبيرة إما بِحَدْ كمن شرب الخمر مثلاً فأُقيمَ عليه الحد فهو طهَّارَةْ وكفَّارة له، وكذلك من قَتَلَ مسلماً فقُتِلَ، أو من قَتَلَ مسلماً خطأً فَدَفَعَ الدّية، فإنَّ هذا كفارةٌ له، أو سرق فقُطِعَتْ يده فهو كفارة له، أو قَذَفْ فأقيم عليه حد القذف(1) فهو كفارة له، أو زنى إلى أخره، أو كان تعزيراً أيضاً فإنه طهارة.يعني أنَّ ما يُقَامُ على المسلم من حد أو تعزير من عقوبة في الدنيا فإنها من جنس العقوبة في الآخرة تُطَهِّرُهُ من هذا الذنب.
3- الحال الثالثة:
بعض الذنوب الكبائر تكون لها حسنات ماحية، مثلاً الصدقة في حق القاتل قال - عز وجل - {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}[المائدة:45]، ومثل الجهاد العظيم فإنه يُنْجِي من العذاب الأليم، قال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}[الصف:10-11]، والعذاب الأليم هو لمن فعل الكبيرة؛ لأنه وعيد شديد.
4- الحال الرابعة:
أن يكون الله - عز وجل - يغفر له ذلك لأسباب متعددة، ذكرنا لكم شيئا منها فيما مضى في العشرة أسباب المشهورة وقد يدخُلُ بعضها فيما ذكرنا لكم آنفا.
5- الحال الخامسة:
أن يغفر الله - عز وجل - له بعد أن صار تحت المشيئة.
يعني يوم القيامة، لا يكون عنده حسنات، ولا يكون أتى بشيء؛ ولكن يغفر له الله - عز وجل - مِنَّةً منه وتَكَرُّماً.
وهؤلاء هم الذين يقال عنهم تحت المشيئة؛ يعني إذا لم يتوبوا ولم يُقَم عليهم الحد أو طُهِّرُوا ولم يأتوا بشيءٍ من أسباب تكفير الذنب، فإنهم تحت المشيئة إن شاء الله - عز وجل - غفر لهم وإن شاء عذّبهم في النار ثم يخرجون لا يخلدون. شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (1 / 441)

فائدة : إخلاف الوعيد في حق أهل الكبائر – وأهل المعاصي عموماً – جائز عند أهل السنة .
قال شيخ الإسلام : ومن حكمته - سبحانه - إنفاذ وعيد الكفار، بخلاف وعيد المؤمنين فيجوز إخلافه كما قال تعالى: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48، 116] أي ما دون الشرك من المعاصي، وقد أوجب الله على نفسه إنفاذ الوعيد في حق الكفار كما قال تعالى: { قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [ق~: 28 - 29] .
راجع مجموع الفتاوى (12 / 482 وما بعدها)، دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية (1 / 455)، أضواء البيان (7 / 425) .

مسألة : المؤمنون أهل الكبائر يعطون كتبهم وراء ظهورهم .
قال ابن حزم : وان الناس يعطون كتبهم يوم القيامة، فالمؤمنون الفائزون الذين لا يعذبون يعطونها بأيمانهم والكفار بأشملهم والمؤمنون أهل الكبائر وراء ظهورهم قال الله عز وجل: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا. المحلى 35 (1 / 17)
ولكن ردت اللجنة الدائمة على كلامه بما يلي :
س: يقول السائل إنه وجد ابن حزم يقول: إن المؤمنين يأخذون كتابهم بأيمانهم والكفار يأخذون كتابهم بشمالهم، والمؤمنين من أهل الكبائر يأخذون كتابهم من وراء ظهورهم فبينوا لنا.
ج: مذهب أهل السنة والجماعة أنه من مات على الإيمان يتناول كتابه بيمينه ولو كان مرتكبا للكبائر، وأن من مات على الكفر والعياذ بالله يتناول كتابه بشماله من وراء ظهره، وهو بذلك يمثل هيئة الفاتر المتألم الكاره لما يتناوله، ولكن لا بد من تناوله، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص فإنها لم يذكر فيها بالنسبة لتناول الكتاب إلا مؤمن ولو مطلق الإيمان، وكافر وإن اختلف نوع كفره أو تفاوتت درجته، وقوله تعالى: سورة الانشقاق الآية 10 وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ سورة الانشقاق الآية 11 فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا الآيات.. هي في الكافر كفرا يخرج عن ملة الإسلام لخبر الله عنه بأنه لا يؤمن بالآخرة في قوله سبحانه آخر هده الآيات سورة الانشقاق الآية 14 إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي: يرجع إلى ربه للحساب والجزاء، ولا منافاة بين خبر الله تعالى عن الكافر مرة بأنه يؤتى كتابه من وراء ظهره وأخرى بأنه يؤتى كتابه بشماله لإمكان الجمع بينهما بأخذه كتاب عمله بشماله من وراء ظهره كما تقدم، فإحدى الآيتين في بيان العضو الذي يتناول صحيفة العمل والأخرى في صفة التناول وهيئته، وما ذكرته عن ابن حزم من تناول مرتكبي الكبائر من المؤمنين كتاب أعمالهم من وراء ظهورهم فنقلك عنه صحيح؛ لكن قوله رحمه الله في ذلك غير صحيح؛ لما تقدم، فالصحيح ما تقدم، وهو مذهب أهل السنة . وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
المجلد الأول (العقيدة 1) > العقائد > الكبائر > من مات على الإيمان يتناول كتابه بيمينه الكبائر (/ 1/ 726 -727)فتوى رقم ( 1759 )

تم بحمد الله

رأفت الحامد العدني
07-10-08, 04:19 PM
ملف ورد من البحث

علي الفضلي
07-10-08, 04:22 PM
جزاك الله خيرا.
جمع طيب.

علي الفضلي
07-10-08, 04:56 PM
اتفقوا أن..... الأنبياء قبل النبوة معصومون من الكفر
الظاهر أن هذا الاتفاق فيه نظر ،
في مجموع الفتاوى ج15 ص29،ص30-31:
[وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ :
{ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا } ظَاهِرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شُعَيْبًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ قَوْمِهِمْ ؛ لِقَوْلِهِمْ : { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } وَلِقَوْلِ شُعَيْبٍ : ( أ نَعُودُ فِيهَا { أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } وَلِقَوْلِهِ : { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِيهَا . وَلِقَوْلِهِ : { بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا } . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَنْجَاهُمْ مِنْهَا بَعْدَ التَّلَوُّثِ بِهَا ؛ وَلِقَوْلِهِ : { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا } وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى قَوْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِقَوْلِهِ : { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ } وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُحَاوِرُ لَهُ بِقَوْلِهِ : { أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } إلَى آخِرِهَا وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الْمُتَكَلِّمُ وَمِثْلُ هَذَا فِي سُورَةِ إبْرَاهِيمَ { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } الْآيَةُ .
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا تَفْسِيرُ آيَاتٍ أَشْكَلَتْ حَتَّى لَا يُوجَدَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ إلَّا مَا هُوَ خَطَأٌ . [ فِيهَا ] وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا } الْآيَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا . التَّحْقِيقُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا يَصْطَفِي لِرِسَالَتِهِ مَنْ كَانَ خِيَارَ قَوْمِهِ حَتَّى فِي النَّسَبِ كَمَا فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ . وَمَنْ نَشَأَ بَيْنَ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ جُهَّالٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَقْصٌ إذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ دِينِهِمْ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَفِعْلِ مَا يَعْرِفُونَ وُجُوبَهُ وَتَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ قُبْحَهُ . قَالَ تَعَالَى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } فَلَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مُسْتَوْجِبِينَ الْعَذَابَ وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُنَفِّرُ عَنْ الْقَبُولِ مِنْهُمْ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَادِحًا . وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ بَعْثَةِ رَسُولٍ لَا يَعْرِفُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ مِنْ النُّبُوَّةِ وَالشَّرَائِعِ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ الرِّسَالَةِ فَهُوَ كَافِرٌ وَالرُّسُلُ قَبْلَ الْوَحْيِ لَا تَعْلَمُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تُقِرَّ بِهِ . قَالَ تَعَالَى : { يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } الْآيَةُ . وَقَالَ : { يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ } فَجَعَلَ إنْذَارَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ كَالْإِنْذَارِ بِيَوْمِ التلاق وَكِلَاهُمَا عَرَفُوهُ بِالْوَحْيِ . وَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُغِّضَتْ إلَيْهِ الْأَوْثَانُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَبِيٍّ فَإِنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَالرَّسُولُ الَّذِي يَنْشَأُ بَيْنَ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ لَا نُبُوَّةَ لَهُمْ يَكُونُ أَكْمَلَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ تَأْيِيدِ اللَّهِ لَهُ بِالْعِلْمِ وَالْهُدَى وَبِالنَّصْرِ وَالْقَهْرِ كَمَا كَانَ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ . وَلِهَذَا يُضِيفُ اللَّهُ الْأَمْرَ إلَيْهِمَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ } الْآيَةُ . { إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إبْرَاهِيمَ } الْآيَةُ . وَذَلِكَ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ مَبْدَأُ شِرْكِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَوْتَى الصَّالِحِينَ . وَقَوْمُ إبْرَاهِيمَ مَبْدَؤُهُ مِنْ عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ ذَاكَ الشِّرْكُ الْأَرْضِيُّ وَهَذَا السَّمَاوِيُّ ؛ وَلِهَذَا سَدَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَرِيعَةَ هَذَا وَهَذَا ]اهـ.

علي الفضلي
07-10-08, 05:25 PM
وهذا جواب قيم حول مسألة عصمة الأنبياء قبل البعثة ، لأحد علماء الدعوة النجدية الفحول وهو الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ :
في (عيون الرسائل والأجوبة على المسائل) ، وهو ضمن (الدرر السنية) :
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن عن قوله تعالى: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } [سورة الأعراف آية : 88] وهم لم يدخلوا فيها ؟ ! .
فأجاب: اعلم أن هذه المسألة شاعت وذاعت، واشتهرت وانتشرت، والخلاف فيها قديم بين أهل السنة والمعتزلة، وبين أهل السنة بعضهم لبعض، والذي روى ابن أبي حاتم عن عطية عن ابن عباس: "كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرونهم، ويدعونهم إلى العودة في ملتهم، فأبى الله لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملتهم ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا عليه" .
وقد رواه السدي عن أشياخه، وتأوله عطية على أنه العود إلى السكوت، كما كانت الرسل قبل الرسالة، وأنهم كانوا أغفالا قبل النبوة، أي: لا علم لهم بما جاءهم من عند الله ; قال: وذلك عند الكفار عود في ملتهم، وهذا الذي رأيته منصوصا عن مفسري السلف.
وأما من بعدهم كابن الأنباري والزجاج، وابن الجوزي والثعلبي والبغوي، فهؤلاء يؤولون ذلك على معنى: لتصيرن ولتدخلن، وجعلوه بمعنى الابتداء لا بمعنى الرجوع إلى شيء قد كان، وأنشدوا على ذلك ما اشتهر عنهم في تفاسيرهم، كقول الشاعر: .
فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي لقد عادت لهن ذنوب
وكقوله:
وماالمرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحوررمادا بعد ما كان ساطعا
وقول أمية: .
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وأمثال ذلك مما يدل على الابتداء، وبعضهم أبقاه على معناه ; وقال: هو للتغليب; لأن قومهم كانوا في ملة الكفر، فغلب الجمع على الواحد، لكن تعقب ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال: وأما التغليب فلا يتأتى في سورة إبراهيم.
وأما جعلها بمعنى الابتداء والصيرورة، فالذي في الآيات الكريمة، عود مقيد بالعود في ملتهم، فهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" وقوله: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه" وقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} فالعود في مثل هذا الموضع عود مقيد صريح بالعود إلى أمر كان عليه الرسل وأتباعهم لا يحتمل غير ذلك.
ولا يقال: إن العود في مثل هذا يكون عودا مبتدأ، وما ذكر من الشواهد أفعال مطلقة، ليس فيها أنه عاد لكذا، ولا عاد فيه ; قال: ولهذا يسمى المرتد عن الإسلام مرتدا، وإن كان ولد على الإسلام، ولم يكن كافرا عند عامة العلماء.
قال: وأما قولهم: إن شعيبا والرسل ما كانوا في ملتهم قط وهي ملة الكفر، فهذا فيه نزاع مشهور، وبكل حال: فهو خبر يحتاج إلى دليل عقلي، وليس في أدلة الكتاب والسنة والإجماع ما يخبر بذلك؛ وأما العقل ففيه نزاع، والذي تظاهرت عليه السنة أنه ليس في العقل ما يمنع ذلك.
قال: وقال أبو بكر الخطيب البغدادي: وقال كثير منهم ومن أصحابنا وأهل الحق: إنه لا يمتنع بعثة من كان كافرا، أو مصيبا الكبائر قبل بعثته، قال: ولا شيء عندنا يمنع من ذلك، على ما نبين القول فيه، ثم ذكر الخطيب الخلاف في إصابته الذنوب بعد البعثة، وأطال الكلام، ثم قال .
فصل [في حكم بعثة من كان مصيبا للكفر والكبائر قبل الرسالة]
في جواز بعثة من كان مصيبا للكفر والكبائر قبل الرسالة، قال: والذي يدل على ذلك أمور: أحدها: أن إرسال الرسول، وظهور الأعلام عليه، اقتضى ودل لا محالة على إيمانه وصدقه، وطهارة سريرته وكمال علمه، ومعرفته بالله، وأنه مؤد عنه دون غيره; لأنه إنما يظهر الأعلام ليستدل بها على صدقه فيما يدعيه من الرسالة، فإذا كان بدلالة ظهورها عليه إلى هذه الحال، من الطهارة والنّزاهة والإقلاع عما كان عليه لا يمنع بعثته، والتزام توقيره وتعظيمه، وإن وجد منه ضد ذلك قبل الرسالة، وأطال الكلام.
ثم قال شيخ الإسلام: تحقيق القول في ذلك: أن الله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان خيار قومه، كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [سورة الأنعام آية : 124] ، وقال الله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ } [سورة الحج آية : 75] . وقال: ومن نشأ بين قوم مشركين جهالا لم يكن عليه نقص ولا غضاضة إذا كان على مثل دينهم، إذا كان عندهم معروفا بالصدق والأمانة، وفعل ما يعرفون وجوبه واجتناب ما يعرفون قبحه.
وقد قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [سورة الإسراء آية : 15] ولم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب قبل الرسالة، إذا كان لا هو ولا هم يعلمون ما أرسل به، وفرق بين من يرتكب ما لم يعلم قبحه، وبين من يفعل ما لا يعرف، فإن هذا الثاني لا يذمونه ولا يعيبونه عليه ولا يكون ما فعله مما هم عليه منفرا عنه، بخلاف الأول؛ ولهذا لم يكن في أنبياء بني إسرائيل من كان معروفا بشرك، فإنهم نشؤوا على شريعة التوراة، إنما ذكر هذا فيمن كان قبلهم.
وأما ما ذكره سبحانه في قصة شعيب والأنبياء، فليس في هذا ما ينفر أحدا عن القبول منهم؛ وكذلك الصحابة الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد جاهليتهم، وكان فيهم من كان محمود الطريقة قبل الإسلام، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه لم يزل معروفا بالصدق والأمانة، ومكارم الأخلاق، لم يكن فيه قبل الإسلام ما يعيبونه به، والجاهلية كانت مشتركة فيهم كلهم.
وقد تبين أن ما أخبر عنه قبل النبوة في القرآن من أمر الأنبياء، ليس فيه ما ينفر أحدا عن تصديقهم، ولا يوجب طعن قومهم ; ولهذا لم يكن يذكر عن أحد من المشركين عد هذا قادحا في نبوته، ولو كانوا يرونه عيبا لعابوه، ولقالوا: كنتم أنتم أيضا على الحالة المذمومة، ولو ذكروا للرسل هذا، لقالوا: كنا كغيرنا لم نعرف إلا ما أوحي به إلينا .
ولكنهم قالوا: { إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا }، فقالت الرسل:{ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } [سورة إبراهيم آية : 11] .
قال: وقد اتفقوا كلهم على جواز بعثة رسول لم يعرف ما جاءت به الرسل قبله، من أمور النبوة والشرائع؛ ومن لم يقر بهذا الرسول بعد الرسالة فهو كافر، والرسل قبل الوحي قد كانت لا تعلم هذا فضلا عن أن تقر به; فعلم أن عدم هذا العلم والإيمان لا يقدح في نبوتهم ; بل الله إذا نبأهم علمهم ما لم يكونوا يعلمون.
قلت: وقوله: وقد اتفقوا كلهم يعني أهل السنة والمعتزلة. ثم قال: قال تعالى: { يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } [سورة غافر آية : 15] ، وقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [سورة النحل آية : 2] فجعل إنذارهم بعبادته وحده كإنذار يوم التلاق، كلاهما عرفوه بالوحي؛ واستدل على هذا بآيات إلى أن قال:
وقد تنازع الناس في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وفي معاني بعض هذه الآيات في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [سورة يوسف آية : 3] ، وفي قوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ } [سورة الشورى آية : 52] ، وقوله: {وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى} [سورة الضحى آية : 7] .
وما تنازعوا في معنى آية الأعراف، وآية إبراهيم، فقال قوم: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على دين قومه، ولا كان يأكل ذبائحهم؛ وهذا هو المنقول عن أحمد قال: من زعم أنه على دين قومه فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب ؟
ثم قال الشيخ: ولعل أحمد قال: أليس كان لا يعبد الأصنام ؟ فغلط الناقل عنه، فإن هذا قد جاء في الآثار أنه كان لا يعبد الأصنام.
وأما كونه لايأكل ذبائحهم، فهذا لا يعلم أنه جاء به أثر ; وأحمد من أعلم الناس بالآثار، قال: والشرك حرم من حين أرسل الرسل ; وأما تحريم ما ذبح على النصب، فإنه ما ذكر إلا في سورة المائدة ; وقد ذكر في السور المكية كالأنعام والنحل تحريم ما أهل به لغير الله، وتحريم هذا إنما عرف من القرآن.
وقبل القرآن لم يكن يعرف تحريم هذا بخلاف الشرك. ثم ذكر الفرق بين ما ذبحوه للحم، وبين ما ذبحوه للنصب على جهة القربة للأوثان، قال: فهذا من جنس الشرك، لا يقال قط في شريعة بحلها، كما كانوا يتزوجون المشركات أولا.
قال: والقول الثاني: إطلاق القول بأنه صلى الله عليه وسلم كان على دين قومه، وفسر ذلك بما كان عليه من بقايا دين إبراهيم، لا بالموافقة لهم على شركهم، وذكروا أشياء مما كانوا عليه من بقايا الحنيفية، كالحج والختان وتحريم الأمهات والبنات، والأخوات والعمات والخالات.
قال الشيخ: وهؤلاء إن أرادوا أن هذا الجنس مختص بالحنفاء، لا يحج يهودي ولا نصراني، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فهو من لوازم الحنيفية، كما أنه لم يكن مسلما إلا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما قبل محمد صلى الله عليه وسلم فكان بنو إسرائيل على ملة إبراهيم، وكان الحج مستحبا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن مفروضا، ولهذا حج موسى ويونس وغيرهما من الأنبياء.
ثم قال: ولكن تحريم المحرمات لا يشاركهم فيه أهل الكتاب، والختان يشاركهم فيه اليهود، وأطال في الرد والنقل عن ابن قتيبة، وذكر كلام ابن عطية في قوله:{ وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى} [سورة الضحى آية : 7] أنه أعانه وأقامه على غير الطريق التي كان عليها، هذا قول الحسن والضحاك.
قال: والضلال يختلف، فمنه القريب ومنه البعيد، وكون الإنسان واقفا لا يميز، بين المهيع، ضلال قريب; لأنه لم يتمسك بطريقة ضالة، بل كان يرتاد وينظر.
قال: والمنقول أنه كان عليه السلام قبل النبوة يبغض عبادة الأصنام، ولكن لم يكن ينهى عنها نهيا عاما، وإنما كان ينهى خواصه، وساق ما رواه أبو يعلى الموصلي، وفيه: فأتى النبي فطاف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وكان عند الصفا والمروة صنمان من نحاس، أحدهما إساف والآخر نائلة.
وكان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: "لا تمسحهما فإنهما رجس فقلت في نفسي: لأمسنهما حتى أنظر ما يقول، فمسستهما، فقال: يا زيد ألم تنه ؟" وقال أبو عبد الله المقدسي: هذا حديث حسن له شاهد في الصحيح، والحديث معروف قد اختصره البيهقي وزاد فيه.
قال زيد بن حارثة: "والذي أكره وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنما قط، حتى أكرمه الله بالذي أكرمه"، وفي قصة بحيرا الراهب حين حلف باللات والعزى، فقال النبي: "لاتسألن باللات والعزى، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قط". وكان الله قد نزهه عن أعمال الجاهلية، فلم يكن يشهد مجامع لهوهم، وكان إذا هموا بشيء من ذلك، ضرب الله على أذنه فأنامه.
وقد روى البيهقي وغيره في ذلك آثارا، وقد كانت قريش يكشفون عوراتهم لحمل حجر ونحوه، فينزهه الله عن ذلك، كما في الصحيحين من قول جابر، وفي مسند أحمد زيادة: "فنودي لا تكشفن عورتك، فألقى الحجر ولبس ثوبه"، وكانوا يسمونه الصادق الأمين، وكان الله عز وجل قد صانه عن قبائحهم، ولم يعرف منه قط كذبة ولا خيانة، ولا فاحشة، ولا ظلم قبل النبوة، بل شهد مع عمومته حلف المطيبين على نصرة المظلومين.
وأما الإقرار بالصانع وعبادته، والإقرار بأن السماوات والأرض مخلوقة له محدثة بعد أن لم تكن، وأنه لا خالق غيره، فهذا كان عامتهم يعرفونه ويقرون به ; فكيف لا يعرفه هو ويقر به ؟ وذكر الشيخ بعض علامات النبوة وتغير العالم بمولده.
ثم قال: لكن هذا لا يجب أن يكون مثله لكل نبي، فإنه أفضل الأنبياء، وهو سيد ولد آدم; والله سبحانه إذا أهل عبدا لأعلى المنازل والمراتب رباه على قدر تلك المرتبة; فلا يلزم إذا عصم نبيا أن يكون معصوما قبل النبوة من كبائر الإثم والفواحش، صغيرها وكبيرها; ولا يكون كل نبي كذلك.
ولا يلزم إذا كان الله بغض إليه شرك قومه قبل النبوة، أن يكون كل نبي كذلك، كما عرف من حال نبينا صلى الله عليه وسلم؛ وفضائله لا تناقض ما روي من أخبار غيره إذا كان كذلك، ولا يمنع كونه نبيا، لأن الله فضل بعض النبيين على بعض، كما فضلهم بالشرائع والكتب والأمم؛ وهذا أصل يجب اعتباره.
وقد أخبر الله أن لوطا كان من أمة إبراهيم، وممن آمن له أن الله أرسله; والرسول الذي نشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم، ثم يبعثه الله فيهم، يكون أكمل وأعظم ممن كان من قوم لا يعرفونه; فإنه يكون بتأييد الله له أعظم من جهة تأييده بالعلم والهدى، ومن جهة تأييده بالنصر والقهر.
قلت: وبهذا يظهر اختلاف درجات الأنبياء والرسل، وعدم الاحتجاج إلى التكلف في الجواب عن مثل آية إبراهيم ونحوها، وأن قصارى ما يقال في مثل قوله لنبينا:{ وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى} [سورة الضحى آية : 7] ، وقوله:{ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ } [سورة الشورى آية : 52] هو عدم العلم بما جاء من النبوة والرسالة، وتفاصيل ما تضمن من الأحكام الشرعية والأصول الإيمانية.
وهذا غاية ما تيسر لنا في هذا المقام الضنك الذي أحجم عنه فحول الرجال وأهل الفضائل والكمال، ونستغفر الله من التجاسر والوثوب على الكلام في مثل هذا المبحث الذي زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام واضطربت فيه أقوال الأئمة الأعلام ]اهـ.

رأفت الحامد العدني
09-10-08, 11:46 AM
جزاك الله خيرا أخي علي الفضلي على هذه المشاركة

ودائما أستفيد منك

أخوك المحب
رأفت الحامد

خادم الإسلام
14-10-08, 12:44 PM
للرفع

جزاكم الله خيراً

رأفت الحامد العدني
01-01-14, 05:30 PM
للرفع

خادم الإسلام
30-04-14, 04:08 PM
للرفع