المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث لهيئة كبار العلماء في مسألة اعتبار كلام علماء النجوموالحساب في إثبات الأهلة


أبو الحسن الأثري
20-10-08, 10:25 PM
أقوال العلماء


في اعتبار كلام علماء النجوم والحساب في إثبات الأهلة

1 - اتفق الفقهاء على أنه لا يعتبر في ابتداء الشهر القمري مجرد ولادة القمر بمفارقته للشمس نهارًا أو ليلا ، وإنما يعتبر في ابتدائه غروب الشمس إذا رئي بعد غروبها بالفعل على رأي الجمهور، أو أمكنت رؤيته لولا المانع عند بعض الفقهاء؛ خلافا للمنجمين والحساب، حيث اعتبروا ولادته ليلا أو نهارًا ابتداءً للشهر، وقال بعض المعاصرين: أول الشهر الحقيقي الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس ولو بلحظة واحدة، فيجب إثبات الأهلة عنده بالحساب في كل الأحوال إلا لمن استعصى عليه العلم به.

2 - ذهب جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب منهم : مالك ، والثوري ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وعامة أهل الحديث ـ إلى اعتبار رؤية الهلال بالشهور القمرية ابتداء أو انتهاء في الصحو أو كمال العدة ثلاثين يومًا، فإن حال دون رؤيته سحاب وجب إكمال العدة ثلاثين أيضًا، إلا في رواية عن أحمد بجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، واعتبار ليلة الثلاثين منه أول رمضان؛ احتياطًا للصوم، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين.

ومنشأ الخلاف بينهم في ذلك : احتياطهم في الغيم خاصة للصيام واختلافهم في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684). فإن غم عليكم فاقدروا له ، ففسره

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 12)

الجمهور بما ورد في الرواية الأخرى من قوله صلى الله عليه وسلم صحيح البخاري الصوم (1907). فأكملوا العدة ثلاثين ، وقال أحمد : معناه : فضيقوا ؛ أخذًا من قوله تعالى : سورة الأنبياء الآية 87 وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ومن قوله تعالى : سورة الطلاق الآية 7 وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ فيقدر وجود الهلال وراء السحاب ، وبذلك يعتبر شعبان ثلاثين يومًا، ولم ير هؤلاء جميعا الاعتماد في ثبوت الشهور القمرية على علم النجوم والحساب ، وألغوا قولهم بالكلية ، فلو قال المنجمون والحساب: إن الهلال لا تمكن رؤيته، أو رئي قبل طلوع شمس اليوم التاسع والعشرين، أو غاب ليلة الثالث من تاريخ الرؤية قبل دخول وقت العشاء ـ لم يعول على قولهم في ذلك، ولا يعتد به معارضًا لما ثبت بالرؤية.

وذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وابن قتيبة وأبو العباس بن سريج والقفال والقاضي أبو الطيب ومحمد بن مقاتل الرازي والقشيري والسبكي ـ إلى اعتبار قول علماء النجوم والحساب في جواز الصوم أو وجوبه على خلاف بينهم إذا كان هناك غيم أو نحوه ليلة الثلاثين، وعلم بالحساب تأخر الهلال عن الشمس عند غروبها مقدارًا تمكن معه رؤيته لولا المانع .

ثم اختلفوا : هل يجوز لمن علم ذلك فقط بالحساب أن يصوم أو يجوز له ولمن صدقه وقلده، أو يجب عليه وحده الصوم، أو يجب عليه وعلى من قلده؟ إلى غير هذا من الخلاف في فروع المسألة.

وقالوا : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684). فاقدروا له قدروا له منازل القمر وسيره، أو

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 13)

سير الكواكب؛ لتعرفوا وجوده أو عدمه، وإمكان رؤيته لولا المانع أو عدم إمكان رؤيته. قال النووي في [ المجموع ] ـ بعد أن ذكر خلاف العلماء في اعتبار الحساب وإثبات الأهلة وعدم اعتباره وجواز الصوم بذلك أو وجوبه أو منعه، وما يترتب على ذلك من إجزاء صوم من صام بالحساب عن الفريضة وعدم إجزائه ـ ما نصه :

( فحصل في المسألة خمسة أوجه:

أصحها: لا يلزم المنجم ولا الحاسب ولا غيرهما بذلك، لكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.

والثاني : يجوز لهما ويجزئهما.

والثالث : يجوز للحاسب ، ولا يجوز للمنجم.

والرابع: يجوز لهما ولغيرهما تقليدهما.

والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم ) ا هـ .

وليس يعنينا هنا ما ترتب على أصل الخلاف من تفريغ إجزاء صوم من صام عن فريضته أو عدم إجزائه عنها وإنما يعنينا هنا أصل الخلاف في اعتبار الحساب في إثبات الأهلة وعدم اعتباره، وأدلة كل قول، ثم بالتفريع والتطبيق يعرف حكم الجزيئات والفروع؛ لذا اكتفينا بذكر أصل الخلاف .


أدلة الأقوال ومناقشتها

أولا: أدلة من يقول بإثبات الشهور القمرية برؤية الهلال فقط :

أ - استدل الجمهور بأحاديث إثبات الهلال بالرؤية، ففيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصوم للرؤية والإفطار لها في قوله : صحيح البخاري الصوم (1909) ، صحيح مسلم الصيام (1081) ، سنن الترمذي الصوم (684) ، سنن النسائي الصيام (2117) ، سنن ابن ماجه الصيام (1655) ، مسند أحمد بن حنبل (2/497) ، سنن الدارمي الصوم (1685). صوموا لرؤيته، وأفطروا

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 14)

لرؤيته ، ونهى عن كل منهما عند عدمها في قوله: صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2122) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684). لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه ، وأمرهم إذا كان غيم أو نحوه ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة ثلاثين، ولم يأمرهم بالحساب، ولا بالرجوع إلى الحساب، بل حصر بطريق النفي والإثبات الشهر بالرؤية، فدل على أنه لا اعتبار شرعًا لما سواها في إثبات الأهلة، وهذا تشريع من الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عام للحاضر والباد، أبدا إلى يوم القيامة، ولو كان هناك أصل آخر للتوقيت لأوضحه لعباده؛ رحمة بهم، وما كان ربك نسيا.

واعترض عليه : بأن تعليق الحكم بثبوت رمضان والخروج منه بالرؤية معلل بوصف الأمة بأنها أمة أمية لا تحسب ولا تكتب، وقد زال عنها وصف الأمية بكثرة علماء النجوم وحساب منازل القمر، فيزول تعليق الحكم بالرؤية أو بخصوص الرؤية، ويعتبر الحساب وحده أصلا أو يعتبر أصلا آخر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

وأجيب أولا : بأن وصف الأمة بأنها أمية لا يزال قائما اليوم بالنسبة لعلم النجوم ومنازل القمر في الأغلب والكثير منها، كما كان قائما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والقرون الأولى في الأغلب منها بالنسبة لعلم النجوم ومنازل القمر، فقد كان العلم بذلك معروفًا عند العرب، لكن العارفون به قلة، كما أن العارفين به اليوم قلة بالنسبة لغيرهم، ومع ذلك لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب أن يكون أمر المسلمين اليوم في هذا الحكم على ما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وأجيب ثانيًا : بأن الرؤية أمر عام؛ لتيسرها لسواد الأمة ومعظمها، فكان تعليق حكم صوم الشهر والإفطار منه بها أيسر للأمة، وأوفق بمقاصد

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 15)

الشريعة، فإنها الحنيفية السمحة، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب، والعلماء به قليل بالنسبة لسواد الأمة، فإنه يلزمهم ما لا يخفى من الحرج الذي يتنافى مع مقاصد الشريعة.

واعترض عليها أيضًا : بأن لفظ الرؤية وإن كان خاصا حسب ظاهره بما يكون بالبصر فإن معناه عام، إذا القصد العلم أو غلبة الظن بوجود الهلال مفارقًا للشمس بعد اجتماعه بها وتأخره عنها بعد الغروب أو بوجوده مع إمكان رؤيته، لا خصوص الرؤية بالبصر، فإن الرؤية اعتبرت لكونها وسيلة للعلم أو غلبة الظن، وهذا لا يمنع من أن تكون هناك وسيلة أخرى في معناها يعرف بها وجود الهلال فقط، أو وجوده مع إمكان رؤيته، فإذا وجدت اعتبرت، وقد تحقق هذا في علم النجوم ومنازل القمر.

ويمكن أن يجاب : بأن الرؤية في الحديث بصرية؛ لتعديها لمفعول واحد، ولأن الصحابة فهموا ذلك، وجرى عليه العمل في عهدهم، ولو كان معنى الرؤية أوسع من لفظها لكان الصحابة أفهم له منا، ولرجعوا عند الحاجة إلى الحساب؛ لوجودهم بين أظهرهم، وإن كانوا قلة.

قال ابن بزيزة : نهت الشريعة عن الخوض في علوم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع، ولا ظن غالب، مع أنها لو ارتبط الأمر بها لضاق الأمر، إذ لا يعرفها إلا القليل.

وقال ابن بطال وغيره: معنى الحديث: إننا لم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحسّاب وغيرهم.

2 - واستدلوا أيضا : بقوله تعالى سورة البقرة الآية 189 يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ


(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 16)

قال ابن تيمية رحمه الله : فجعل الله تعالى الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة في الشرع ابتداء أو سببًا من العبادة، وللأحكام التي تثبت بشروط العبد، فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه الصيام والحج ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة، وخص الحج بالذكر؛ تمييزًا له، ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم، ولأنه يكون في آخر شهور الحول، فيكون علما على الحول، كما كان الهلال علما على الشهر، ولهذا يسمون الحول حجة. ا هـ . بتصرف.

لكن توجيه الاستدلال بالآية مجمل؛ ولذلك يمكن للمخالف أن يقول: الأهلة مواقيت للناس والحج عن طريق معرفة وجود الهلال بحساب النجوم ومنازل القمر، كما يحتمل أن تكون مواقيت عن طريق رؤية الهلال بالبصر، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، وإذًا لا بد من الرجوع في الاستدلال بالآية إلى الأحاديث التي أوضحت أن ثبوت الشهر القمري إنما هو برؤية الهلال وألغت اعتبار ما سواه، كما تقدم في الدليل الأول.

3 - واستدلوا أيضًا : بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإكمال العدة ثلاثين، إذا كان غيم أو نحوه مما يمنع عادة من رؤية الهلال، ولم يأمرهم بالحساب ولا بالرجوع إلى الحساب، ولو كان علم النجوم أو حساب سير القمر معتبرًا شرعا وأصلا يرجع إليه ـ لعرفهم به، وأرشدهم إليه، إذ لا يجوز تأخير

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 17)

البيان عن وقت الحاجة.

واعترض عليه : بأن في الحديث أمرًا بالرجوع إلى الحساب إذا كان غيم ليلة الثلاثين ، فإن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684). فإن غم عليكم فاقدروا له : فإن حال دون الهلال سحاب أو نحوه فاقدروا منازل القمر وسير الكواكب، واعرفوا لحساب ذلك مفارقته الشمس بعد اجتماعه بها، وتأخره عنها بعد غروبها هذه الليلة.

وأجيب أولا : بأن تفسير هذه الرواية بما ورد في الرواية الأخرى من قوله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الصوم (1907). فأكملوا العدة الثلاثين يرد تفسيره بما ذكره المعترض.

وثانيًا : بأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وخطابه للأمة يحمل على معهود العرب في كلامهم وخطابهم، ولم يعهد من الصحابة الرجوع إلى الحساب، ولا كان من عادتهم ذلك، فحمل كلامه على الأمر بتقدير سير الكواكب أو القمر بعيد عما ألف لديهم، وعما جرى به العمل عندهم.

4 - واستدلوا أيضًا : بقوله صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري الصوم (1913) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2140) ، سنن أبو داود الصوم (2319) ، مسند أحمد بن حنبل (2/43). إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب . . . الحديث.

قالوا : فلو جعل علم النجوم وحساب سير القمر ومعرفة منازله أصلا، يرجع إليه في بدء شهر الصوم ونهايته، وبدء شهر الحج ـ لكان فيه حرج ومشقة، والشريعة الإسلامية شريعة سمحة بنيت على التيسير ورفع الحرج، فلا تعلق أحكامها بما يشق على المسلمين معرفته؛ كعلم النجوم والحساب.

واعترض عليه بما تقدم في الاعتراض على الدليل الأول : من أن وصف الأمية قد زال؛ لكثرة علماء النجوم، وحساب منازل القمر، والحكم يدور

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 18)

مع علته وجودًا وعدما، فوجب اعتبار علم النجوم والحساب فقط، أو اعتباره أصلا آخر في معرفة الشهور والسنين القمرية.

وأجيب عنه بما تقدم : قال ابن تيمية بعد أن ذكر أحاديث الاعتماد على الرؤية فقط في إثبات الشهور القمرية: ( فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور:

أحدها : أن قوله: صحيح البخاري الصوم (1913) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2140) ، سنن أبو داود الصوم (2319) ، مسند أحمد بن حنبل (2/43). إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب هو خبر تضمن نهيا، فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط، أمية لا تكتب ولا تحسب، فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة، فيكون قد فعل ما ليس من دينها، والخروج عنها محرم منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيا عنهما، وهذا كقوله صحيح البخاري الإيمان (10) ، صحيح مسلم الإيمان (40) ، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (4996) ، سنن أبو داود الجهاد (2481) ، مسند أحمد بن حنبل (2/192) ، سنن الدارمي الرقاق (2716). المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده أي : هذه صفة المسلم، فمن خرج عنها خرج عن الإسلام ، ومن خرج عن بعضها خرج عن الإسلام في ذلك البعض ) انظر [ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ] ( 25\164، 165 ) .

ثم رد احتمال أن تكون هذه الجملة خبرا أريد به الإنشاء مجازا، وأن تكون خبرًا محضًا، واختار أن تكون خبرا حقيقة استلزم نهيا عن الاعتماد على كتابة الجداول وعلى حساب سير الكواكب؛ لمعرفة مواقيت العبادات ونحوها، وبين متى تكون الأمية محمودة ومتى تكون مذمومة.

ثم قال : ( إذا تبين هذا فكتاب أيام الشهر وحسابه من هذا الباب ، كما

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 19)

قدمناه، فإن من كتب مسير الشمس والقمر بحروف ( أبجد) ونحوها، وحسب كم مضى من مسيرها، ومتى يلتقيان ليلة الاستسرار، ومتى يتقابلان ليلة الإبدار ونحو ذلك، فليس في هذا الكتاب والحساب من الفائدة إلا ضبط المواقيت التي يحتاج إليها الناس في تحديد الحوادث والأعمال، ونحو ذلك، كما فعل ذلك غيرنا من الأمم، فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب - كما يفعلونه بالجداول، أو بحروف الجمل، وكما يحسبون مسير الشمس والقمر، ويعدلون ذلك ويقومونه بالسير الأوسط، حتى يتبين لهم وقت الاستسرار والإبدار، وغير ذلك، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنا أيتها الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب، ولا نحسب هذا الحساب، فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه.

وقد قدمنا فيما تقدم: أن النفي وإن كان على إطلاقه يكون عاما، فإذا كان في سياق الكلام ما يبين المقصود علم به المقصود أخاص هو أم عام؟ فلما قرن ذلك بقوله: "الشهر ثلاثون" و"الشهر تسعة وعشرون" بين أن المراد به: أنا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو تارة كذلك، وتارة كذلك، والفارق بينهما هو الرؤية فقط، ليس بينهما فرق آخر من كتاب ولا حساب كما سنبينه، فإن أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر، وإنما يقربون ذلك، فيصيبون تارة، ويخطئون أخرى ) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\ 173، 174). .


(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 20)

5 - واستدلوا أيضا : بإجماع الأمة قبل وجود المخالفين على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور دون الحساب، فلم يعرف أن أحدًا منهم رجع إليه في ذلك عند الغيم ونحوه، وأما في الصحو فلم يعرف عن مسلم أنه قال باتباع الحساب في إثبات الأهلة، أو بتعليق عموم الحكم العام به [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\133) من (رسالة الهلال). .
- استدل من اعتبر الحساب في إثبات الشهر : بأن الله تعالى جعل الشمس والقمر والنجوم آيات للناس، وامتن بذلك على عباده، ولفت النظر إلى الاعتبار بها والانتفاع بأحوالها وبجريانها بحساب لا خلل فيه ولا اضطراب، قال تعالى: سورة يونس الآية 5 هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وقال: سورة الإسراء الآية 12 وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا وقال: سورة الرحمن الآية 5 الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ فإذا علم جماعة بالحساب وجود الهلال يقينًا بعد غروب شمس التاسع والعشرين وتأخره عنها أو وجوده مع إمكان رؤيته لولا المانع، وأخبرنا عدد منهم يبلغ مبلغ التواتر- وجب قبول خبرهم؛ لبناء علمهم على الحس والمشاهدة، ولأنهم لا يمكنهم التواطؤ على

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 21)

الكذب؛ لبلوغ المخبرين منهم عدد التواتر، وعلى تقدير أن عددهم لم يبلغ مبلغ التواتر فخبرهم يفيد غلبة الظن بوجود الهلال، أو وجوده مع إمكان رؤيته بعد غروب الشمس، وغلبة الظن كافية لبناء العمل عليها، فوجب قبول قولهم، والتسليم لهم في التوقيت في العبادات والمعاملات.

وأجيب : بأنا نسلم أن الشمس والقمر والنجوم آيات للناس، وأن الاعتبار بها والانتفاع بالتفكير في أحوالها وفي جريانها بنظام واجب؛ لنجدَ في ذلك من الدلائل ما ينير القلوب، ويثبت العقيدة الصحيحة، ويبعث في النفوس الطمأنينة إلى ربها، ونعتبر بما نراه من مشاهد الكون وعجائبه، لكنه سبحانه لم يكلفنا بمعرفة حساب سيرها؛ لنعرف منه مواقيت عباداتنا ومعاملاتنا، وليكون علمًا على تجديدها؛ رحمة منه تعالى بعباده، فإن حساب سيرها خفي لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، ومع ذلك يكثر فيه الغلط والاضطراب، فأناط الشارع التكاليف بعلامات أخرى؛ كرؤية الهلال، وطلوع الشمس وغروبها، ومغيب الشفق، وانفلاق الفجر ونحوها مما يظهر لعامة الناس ويضبطون به مواقيت عباداتهم، وآجال معاملاتهم ومواعيدهم، وبذلك يعرف عدد السنين والشهور والأيام، لا بحساب سير الكواكب.

أما علم جماعة من الحسّاب وجود الهلال يقينًا على الحال التي ذكر المستدل لبناء علمهم على الحس والمشاهدة - فممنوع؛ لوجود الاختلاف والاضطراب في حسابهم، وهذا مما يدل على غلطهم، وليس علمهم الحساب مبنيا على حس ومشاهدة، إذ المشاهد الذي أحسوه إنما هو أجرام الكواكب، أما تقدير سيرها فمن عمل العقل لا الحس، وكثيرًا ما يقع فيه

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 22)

الخطأ والاضطراب، وعلى ذلك يكون إخبار عدد منهم يبلغ مبلغ التواتر لا يفيد القطع واليقين بصحة ما أخبروا به؛ لأن من شرط إفادة المتواتر للقطع انتهاءه إلى الحس، وهؤلاء يستندون في خبرهم إلى تقدير سير الكواكب وحسابه، وهو عقلي لا يؤمن وقوع الغلط فيه، كما وقع في أخبار الفلاسفة بقدم العالم. ثم إعراض الشارع عنه دليل على إلغائه وعدم صلاحيته، وأنه لا يفيد ظنا غالبا، بل ينتهي بهم إلى خرص وتخمين في حسابهم وأحكامهم.

وإليكم جملة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في (رسالة الهلال) [مجموع الفتاوى] (25\181-186). .

قال رحمه الله بعد بيان رأي من يعتمد في معرفة أول رمضان على معرفة رابع رجب في السنة أو معرفة خامس رمضان في العام السابق، أو يعتمد على جدول حسابي يصنعه لنفسه أو يصنعه غيره:

( وأما الفريق الثاني فقوم من فقهاء البصريين ذهبوا إلى أن قوله: صحيح البخاري الصوم (1900) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2121) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684). فاقدروا له تقدير حساب بمنازل القمر، وقد روي عن محمد بن سيرين قال: خرجت في اليوم الذي شك فيه، فلم أدخل على أحد يؤخذ منه العلم إلا وجدته يأكل، إلا رجلا كان يحسب ويأخذ الحساب، ولو لم يعلمه كان خيرًا له، وقد قيل: إن الرجل: مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو رجل جليل القدر، إلا أن هذا إن صح عنه فهي من زلات العلماء.

وقد حكي هذا القول عن أبي العباس ابن سريج أيضا. وحكاه بعض المالكية عن الشافعي : أن من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 23)

ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة، وغُمَّ عليه - جاز له أن يعتقد الصيام - ويبيته ويجزئه ، وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه، بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة، وإنما كان قد حكي عن ابن سريج - وهو كان من أكابر أصحاب الشافعي - نسبة ذلك إليه إذ كان هو القائل بنصر مذهبه.

واحتجاج هؤلاء بحديث ابن عمر في غاية الفساد، مع أن ابن عمر هو الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري الصوم (1913) ، صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2140) ، سنن أبو داود الصوم (2319) ، مسند أحمد بن حنبل (2/43). إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب ، فكيف يكون موجب حديثه العمل بالحساب. وهؤلاء يحسبون مسيره في ذلك الشهر ولياليه. وليس لأحد منهم طريقة منضبطة أصلا، بل أية طريقة سلكوها فإن الخطأ واقع فيها أيضا، فإن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما، بل لا يمكن أن يكون إلى معرفته طريق مطرد إلا الرؤية، وقد سلكوا طرقا كما سلك الأولون منهم من لم يضبطوا سيره إلا بالتعديل الذي يتفق الحساب على أنه غير مطرد، وإنما هو تقريب، مثل أن يقال: إن رئي صبيحة ثمان وعشرين فهو تام، وإن لم ير صبيحة ثمان وعشرين فهو ناقص. وهذا بناء على أن الاستسرار لليلتين، وليس بصحيح، بل قد يستسر ليلة تارة، وثلاث ليال أخرى.

وهذا الذي قالوه إنما هو بناء على أنه كل ليلة لا يمكث في المنزلة إلا ستة أسباع ساعة لا أقل ولا أكثر، فيغيب ليلة السابع نصف الليل ويطلع ليلة أربعة عشر من أول الليل إلى طلوع الشمس، وليلة الحادي والعشرين يطلع من نصف الليل، وليلة الثامن والعشرين إن استسر فيها نقص وإلا كمل، وهذا غالب سيره، وإلا فقد يسرع ويبطئ.


(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 24)

وأما العقل معطوف على قوله قبل: أما السمع. : فاعلم أن المحققين من أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة، أو لا يرى البتة على وجه مطرد، وإنما قد يتفق ذلك، أو لا يمكن بعض الأوقات؛ ولهذا كان المعتنون بهذا الفن من الأمم: الروم، والهند، والفرس والعرب وغيرهم مثل بطليموس الذي هو مقدم هؤلاء، ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفًا واحدًا، ولا حدوه كما حدوا اجتماع القرصين، وإنما تكلم به قوم منهم في أبناء الإسلام: مثل: كوشيار الديلمي، وعليه وعلى مثله يعتمد من تكلم في الرؤية منهم. وقد أنكر ذلك عليه حذاقهم مثل أبي علي المروزي القطان وغيره، وقالوا: إنه تشوق بذلك عند المسلمين، وإلا فهذا لا يمكن ضبطه.

ولعل من دخل في ذلك منهم كان مرموقًا بنفاق، فما النفاق من هؤلاء ببعيد، أو يتقرب به إلى بعض الملوك الجهال، ممن يحسن ظنه بالحساب، مع انتسابه للإسلام.

وبيان امتناع ضبط ذلك: أن الحاسب إنما يقدره على ضبط شبح الشمس والقمر، وجريهما أنهما يتحاذيان في الساعة الفلانية في البرج الفلاني في السماء المحاذي للمكان الفلاني من الأرض، سواء كان الاجتماع من ليل أو نهار وهذا الاجتماع يكون بعد الاستسرار، وقبل الاستهلال، فإن القمر يجري في منازله الثمانية والعشرين، كما قدره الله منازل، ثم يقرب من الشمس فيستسر ليلة أو ليلتين؛ لمحاذاته لها، فإذا

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 25)

خرج من تحتها جعل الله فيه النور ثم يزداد النور، كلما بعد عنها إلى أن يقابلها ليلة الإبدار، ثم ينقص كلما قرب منها، إلى أن يجامعها؛ ولهذا يقولون: الاجتماع والاستقبال، ولا يقدرون أن يقولوا: الهلال وقت المفارقة على كذا. يقولون: الاجتماع وقت الاستسرار، والاستقبال وقت الإبدار.

ومن معرفة الحساب الاستسرار والإبدار الذي هو الاجتماع والاستقبال، فالناس يعبرون عن ذلك بالأمر الظاهر من الاستسرار الهلالي في آخر الشهر وظهوره في أوله، وكمال نوره في وسطه، والحساب يعبرون بالأمر الخفي من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار، ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الإبدار، فإن هذا يضبط بالحساب.

وأما الإهلال فلا له عندهم من جهة الحساب ضبط؛ لأنه لا يضبط بحساب يعرف كما يعرف وقت الكسوف والخسوف، فإن الشمس لا تكسف في سنة الله التي جعل لها إلا عند الاستسرار، إذا وقع القمر بينها وبين أبصار الناس على محاذاة مضبوطة؛ وكذلك القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار على محاذاة مضبوطة ؛ لتحول الأرض بينه وبين الشمس فمعرفة الكسوف والخسوف لمن صح حسابه مثل معرفة كل أحد أن ليلة الحادي والثلاثين من الشهر لا بد أن يطلع الهلال، وإنما يقع الشك ليلة الثلاثين.

فنقول : الحاسب غاية ما يمكنه إذا صح حسابه أن يعرف مثلا أن القرصين اجتمعا في الساعة الفلانية، وأنه عند غروب الشمس يكون قد فارقها القمر، إما بعشر درجات مثلا، أو أقل أو أكثر، والدرجة هي جزء من ثلاثمائة وستين جزءًا من الفلك.


(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 26)

فإنهم قسموه اثني عشر قسمًا سموها: (الداخل): كل برج اثنتا عشرة درجة، وهذا غاية معرفته، وهي بتحديد كم بينهما من البعد في وقت معين في مكان معين. هذا الذي يضبطه بالحساب.

أما كونه يرى أولا يرى فهذا أمر حسي طبيعي، ليس هو أمرًا حسابيًّا رياضيًّا، وإنما غايته أن يقول: استقرأنا: أنه إذا كان على كذا وكذا درجة يرى قطعا أو لا يرى قطعا - فهذا جهل وغلط، فإن هذا لا يجري على قانون واحد لا يزيد ولا ينقص في النفي والإثبات، بل إذا كان بعده مثلا عشرين درجة فهذا يرى ما لم يحل حائل، وإذا كان على درجة واحدة فهذا لا يرى، وأما ما حول العشرة فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية من وجوه .

ثم ذكر اختلاف الرؤية باختلاف حدة البصر وكلاله، وباختلاف كثرة المترائين وقلتهم، وباختلاف مكان الترائي ارتفاعًا وانخفاضًا، وباختلاف وقت الترائي، وباختلاف صفاء الجو وكدره، ثم قال: ( فإذا كانت الرؤية حكما تشترك فيه هذه الأسباب التي ليس شيء منها داخلا في حساب الحاسب، فكيف يمكنه مع ذلك أن يخبر خبرًا عاما أنه لا يمكن أن يراه أحد حيث رآه على سبع أو ثمان درجات أو تسع، أم كيف يمكنه أن يخبر خبرًا جزمًا أنه يرى إذا كان على تسعة أو عشرة مثلا؟ !) [ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\186- 190). إلى أن قال: ( فتبين بهذا البيان: أن خبرهم بالرؤية من جنس خبرهم بالأحكام وأضعف ).

وبعد أن ذكر اعتراف حذاق المنجمين بأن أحكامهم مبناها على الحدس والوهم قال: ( فتبين لهم أن قولهم في رؤية الهلال وفي الأحكام من باب

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 27)

واحد يعلم بأدلة العقول امتناع ضبط ذلك، ويعلم بأدلة الشريعة تحريم ذلك والاستغناء عما نظن من منفعته بما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة؛ ولهذا قال من قال: إن كلام هؤلاء بين علوم صادقة لا منفعة فيها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وأن بعض الظن إثم ولقد صدق، فإن الإنسان الحاسب إذا قتل نفسه في حساب الدقائق والثواني كان غايته ما لا يفيد، وإنما تعبوا عليه؛ لأجل الأحكام، وهي ظنون كاذبة ) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\200- 201). ا هـ.

2 - واستدلوا ثانيًا : برجوع الفقهاء إلى أهل الخبرة في كثير من شئونهم، فنراهم يرجعون إلى الأطباء في جواز فطر المريض في رمضان، ويرجعون إلى علماء اللغة في فهم نصوص الكتاب والسنة، ورجعوا في تقدير مدة التأجيل في العنين والمعترض وتقدير سن اليأس- إلى الحساب، إلى غير هذا من أمور، فيجب عليهم أن يرجعوا في بدء الشهور القمرية ونهايتها إلى حساب النجوم ومنازل القمر.

وأجيب : بوجود الفرق بين الرجوع إلى علماء الحساب والرجوع إلى الأطباء وعلماء اللغة فيما يخصهم .

وبيانه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب في مسألتنا الرجوع إلى رؤية الأهلة ومنع الاعتماد على غيرها، فقال: صحيح مسلم الصيام (1080) ، سنن النسائي الصيام (2122) ، سنن أبو داود الصوم (2320) ، مسند أحمد بن حنبل (2/5) ، موطأ مالك الصيام (634) ، سنن الدارمي الصوم (1684). لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه ، ولم يمنع من الرجوع إلى الأطباء في تشخيص الأمراض وتقدير خطورتها وعلاجها، ولم يمنع من الرجوع إلى اللغة في فهم النصوص، بل

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 28)

أقر ذلك وجرى العمل عليه في عهده وعهد الصحابة، وكيف تفهم نصوص القرآن والسنة بدون اللغة العربية، وهي الوسيلة الوحيدة لذلك، أما ادعاء رجوع الفقهاء في تقدير مدة التأجيل فيما ذكر وفي تقدير سن اليأس إلى الحساب- فممنوع إن أريد به حساب النجوم ومنازل القمر وسيره، ومُسَلَّم إن أريد به الرجوع في تقدير ما ذكر إلى عد الشهور القمرية بناء على رؤية أهلتها، ويتبع هذا معرفة السنين، فإن السنة اثنا عشر شهرًا بنص القرآن، وأما معرفة الأيام فراجعة إلى أمر حسي هو طلوع الشمس وغروبها.

وبهذا يتبين : أن الشرع لم يدلهم في ضبط شئونهم على أمر خفي، كحساب سير النجوم، بل دلهم على أمر ظاهر عام؛ كالرؤية، وطلوع الشمس وغروبها ودلوكها.

3 - واستدلوا أيضا : بقياس التوقيت في ثبوت شهر الصوم ابتداء وانتهاء على توقيت الصلوات الخمس، فكما جاز الاعتماد في معرفة أوقات الصلوات الخمس على الحساب فليجز الاعتماد عليه في معرفة وقت ابتداء صوم رمضان والفطر منه جملة، بل يجب عليهم أن يرجعوا إلى علماء حساب النجوم ومنازل القمر في بدء الشهور القمرية ونهايتها، كما رجعوا إلى الساعات الفلكية واعتمدوا عليها في معرفة الأوقات في البلاد التي يكون الليل أو النهار فيها أكثر من أربع وعشرين ساعة.

وأجيب : بما حكاه السبكي عن المانعين:

أولا : أن الشارع أناط الحكم في الأوقات بوجودها، قال الله تعالى:

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 29)

سورة الإسراء الآية 78 أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ وفصلت السنة ذلك، وأناطه في الهلال برؤيته، فلم يعتبر وجوده في نفس الأمر.

وثانيا : أن مقدمات الهلال خفية، ويكثر الغلط فيها، بخلاف الأوقات، ولا محذور في أن الهلال يعرف بالحساب وجوده وإمكان رؤيته، ولا يكلفنا الشرع بحكمه، ولو عمل في الأوقات كذلك كان الحكم كذلك، لكنه أناطه بوجودها فاتبعنا في كل باب ما قرره الشرع فيه.

وأما من يستمر الليل أو النهار عندهم أربعا وعشرين ساعة فأكثر فالصوم والصلوات واجبة عليهم، وأوقاتها في هذه البلاد منوطة بأوقات الصوم والصلوات في أقرب البلاد التي تتميز فيها مواقيت العبادات إليهم، وكذا تقدير مدة الإيلاء والعدة والآجال ونحوها.

4 - واستدلوا أيضا : بقوله تعالى: سورة البقرة الآية 185 فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ إذ المعنى: فمن علم منكم دخول شهر رمضان بوجود الهلال بالأفق بعد غروب الشمس متأخرًا عنها - وجب عليه الصوم، سواء أكان علمه بذلك عن طريق الرؤية أم عن طريق الحساب، مع إمكان الرؤية لولا المانع، وسواء أكان علمه بنفسه أم بإخبار غيره ممن يثق بخبره، وسواء أبلغ ذلك حد اليقين أم كان غلبة ظن.

وأجيب : بأن الشهود بمعنى: الحضور لا العلم، بدليل ذكر مقابله بعده، وهو قوله تعالى: سورة البقرة الآية 185 وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ

(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 30)

وعلى تقدير تفسيره بالعلم - كما قيل- لم يكن في الآية حجة للمستدل؛ لأن المراد بالعلم: ما كان مستفادًا من طريق الرؤية لا الحساب؛ لتعليق الرسول صلى الله عليه وسلم الصوم والإفطار بالرؤية خاصة، ولجريان العمل على هذا خاصة، كما تقدم في أدلة من لا يعتبر علم الحساب في العبادات ونحوها.

5 - واستدلوا أيضًا : بأن علم الحساب مبني على مقدمات يقينية، فكان الاعتماد عليه في إثبات الأهلة ونحوها عند تيسره أقرب إلى الصواب في التوقيت، وأضمن لتحقيق الوحدة بين المسلمين في نسكهم وأعيادهم، وأبعد عن الخلاف في معاملاتهم.

ويجاب بما تقدم : من أن اليقين في رؤيتهم للكواكب في السماء أو سماعهم بذلك، أما تقدير سيرها فعقلي عسير بعيد المنال وعر المسلك لخفائه؛ لهذا لم يعرفه إلا القليل، ووقع فيه الغلط والاضطراب فليس أقرب إلى الصواب، بل إنه لا يصلح الاعتماد عليه في إثبات الأهلة، وما وقع ويتوقع من الغلط ومن الاختلاف والاضطراب يمنع من تحقيقه للوحدة بين المسلمين في نسكهم وأعيادهم ويبعد رفع الخلاف بينهم في المعاملات.

وأما ما ذهب إليه بعض المعاصرين من وجوب إثبات الأهلة بالحساب في كل الأحوال من صحو وغيم، إلا لمن استعصى عليه العلم به - فمردود بالإجماع، وبما تقدم من الأدلة.


(الجزء رقم : 3، الصفحة رقم: 31)

قال ابن تيمية : ( فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم ). [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (25\133). .

الجزء (3/11) وما بعدها من أبحاث هيئة كبار العلماء ..
أقوال العلماء في اعتبار كلام علماء النجوم والحساب في إثبات الأهلة (http://http://www.alifta.net/Fatawa/FatawaDetails.aspx?IndexItemID=3607&SecItemHitID=4032&ind=5&Type=Index&View=Page&PageID=248&PageNo=1&BookID=1#%d8%a3%d9%82%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%8 4%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1%d9%81%d9%8a%d8%a7% d8%b9%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%83%d9%84%d8%a7%d9 %85%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1%d8%a7%d9%84%d9%8 6%d8%ac%d9%88%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3% d8%a7%d8%a8%d9%81%d9%8a%d8%a5%d8%ab%d8%a8%d8%a7%d8 %aa%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%87%d9%84%d8%a9&Title=DisplayIndexAlpha.aspx)