المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نتبرع بالدم لأهل غزة مع ظننا أنها قد لا تصل؟ جواب مفصل


سمير زمال
15-01-09, 12:58 AM
سوف نقوم في مسجدنا بحملة للتبرع بالدم لفائدة المصابين في غزة


هل نتبرع بالدم لأهل غزة مع ظنه بأنها قد لا تصل؟



الحمد لله ربّ العالمين, والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين, وبعد:
خير الناس أنفعهم للناس, وخير أنواع البر إحياء الأنفس, والجود والإيثار بالمهج وما كان في معناها, من أجل تحقيق هذا المقصود الأعظم.
وعليه فإنّ التبرّع بالدم, لأحياء الأنفس المؤمنة الجريحة المكلومة في أرض العزة والكرامة "غزّة" يعتبر من أعظم أنواع البر, وأسمى صور التضامن.
وتبيّن هذا الأمر من خلال التفصيل الآتي:
أولاً: الجانب التأصيلي للمسألة.

• المسألة الأولى: حكم التبرع بالدم ونقله, وشروط ذلك.

أ- حكم نقل الدمّ.- الأصل في الدم المسفوح أنّه نجس, وقد نقل ابن عبد البر في التمهيد 22/230 الاجماع في ذلك.
- والدم المسحوب بالحقن, ملحق بالدم المسفوح بجامع أنّ كلاً منهما دم مصبوب مراق (انظر: المسائل الطبية المستجدّ 2/329).
- والنجاسة لا يتداوى بها إلاّ حال الضرورة.
- ودم الإنسان جزء منه, لا يحلّ له التصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوها, واستثنيت الهبة والتبرّع لإنقاذ الأنفس, ولمداواة المرضى والجرحى.
- وقد ذهب أهل العلم المعاصرون - بل نقل إجماعهم على ذلك – إلى جواز نقل الدمّ, ولم أقف على خلاف بينهم في ذلك, وأنّه لا حرج فيه على المريض ولا على الأطباء ولا على المتبرِّع ]انظر: الدماء في الإسلام( 214), وحكم نقل الأعضاء (34), فقه النوازل (52), وأحكام الجراحة الطبية (548)[.
وفيما يلي نقل لبعض هذه الفتاوى:
1- فتوى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية:
"أولا: يجوز أن يتبرع الإنسان من دمه بما لا يضره عند الحاجة إلى ذلك لإسعاف من يحتاجه من المسلمين" (مشروعية نقل الدم للتويجري 40).
2- فتوى اللجنة الدائمة:
"إذا مرض إنسان واشتد ضعفه ولا سبيل لتقويته أو علاجه إلا بنقل دم غيره إليه وتعين ذلك طريقاً لإنقاذه ، وغلب على ظن أهل المعرفة انتفاعه بذلك فلا بأس بعلاجه بنقل دم غيره إليه ولو اختلف دينهما ، فينقل الدم من كافر ولو حربيا لمسلم ، وينقل من مسلم لكافر غير حربي" (فتاوى إسلامية 4/547).
3- فتوى لجنة الإفتاء الجزائرية:
"ثانياً: حيث إنّ هذا الإنقاذ يتمّ بتبرع الإنسان بجزء من دمه أو جزء من جسمه, يتطوع بذلك عن اختيار واحتساب, دون أن يخاف ضرراً أو هلاكاً.
كما هو الحال في نقل الدم أو زرع الكلية, فإنه يعتبر من باب الإحسان وعمل البر والإيثار على النفس" (لجنة الإفتاء التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر 6/3/1392 هـ الموافق 20/4/1972 م).
أدلة مشروعية نقل الدم والتبرع به: 1-

الأدلة التي استثنت الضرورة من المحرمات, كقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة 173).
2- أدلة فضل إحياء الأنفس, والذي منه إنقاذها من أسباب الهلاك, وفي نقل الدم لمن يحتاجه إنقاذ له من الموت, قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} (المائدة 32).
3- قواعد الشريعة العامة تقتضي جواز التبرّع بالدم, إذ من قواعدها الضرورات تبيح المحظورات, والضرر يزال, والمشقة تجلب التيسير, والمريض مضطر وقد لحقته المشقة الموجبة للهلاك.
4- عن أنس رضي الله عنه: "أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا" (متفق عليه).
ووجه الدلالة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالشرب من أبوال الإبل وهي نجسة, وذلك لما تتعين الشفاء بها.
ونقل الدم كذلك إذا تعين الشفاء به.
5- وعن عبد الله بن الزبير قال: "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاني دمه قال اذهب لا يبحث عنه سبع أو كلب أو إنسان فتنحيت فشربته ثم أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ما صنعت قلت صنعت الذي أمرتني قال ما أراك إلا قد شربته قلت نعم قال ماذا تلقى أمتي منك" (أخرجه البيهقي (7/67 ، رقم 13185) ، وابن عساكر (28/164).
ووجه الدلالة: كون الصحابي شرب الدم بدون الحاجة إليه ولم ينهه النبي ولم يأمره بإخراجه, فكيف بمن يحقن فيه الدم, وهو بأشد الحاجة إليها لإنقاذ حياته ؟! فهذا أولى وأحرى.
ب- شروط مشروعية التبرّع بالدمّ:
1- أنّ تتحقق الحاجة أو الضرورة.
2- أن لا يكون هناك سبيل لتقويته أو علاجه إلاّ هذا السبيل.
3- أن يغلب على أهل المعرفة انتفاع المريض بذلك, لأنه لا يخالف الأصل المذكور لأمر مشكوك فيه
4- أن يكون التبرّع عن رضا المتبرِّع واختياره وطواعيته (انظر: الاجتهاد الفقهي للتبرع بالدم ونقله 44, فقه النوازل 2/52, وشفاء التباريح 106, والانتفاع بأجزاء الآدمي 164).
المسألة الثانية: بناء الأحكام الشرعية على الظن الراجح.
اتفق الفقهاء إجمالا على تنـزيل الظن الراجح منـزلة العلم أو منـزلة اليقين في الشرعيات, وهم متفقون أيضاً على عدم ارتقاء الشك إلى درجة العلم أو اليقين.
ساق شهاب الدين القرافي في فروقه ما يفيد هذا المعنى قائلا: »بل القاعدة أن كل مشكوك فيه ملغى«( الفروق: 1/125).
والظن: والظن : إدراك الطرف الراجح من أمرين جائزين.
والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر عند المجوز.

ثانياً: جانب التنـزيل

إنّ مسألة التبرّع بالدم لإخواننا المسلمين بأرض غزّة الجريحة, مبناه على المسألتين السابقتين.

1- فالتبرع جائز بشروطه المذكورة, وهنا يحذر من صنيع بعض الجهات – بدافع خيري- حينما تلزم منسوبيها بالتبرّع بالدم, وهذا مخالف لشروط التبرع كما أسلفنا.
أما من جهة حاجة إخواننا في غزة إلى الدم, فغير خاف لكثرة الجرحى, من جراء الاعتداء الغاشم, وبهذا تعيّنت الحاجة, واستبيح المحظور بهذه الحاجة والضرورة.
2- أما مسألة تيقن وصول هذه الدماء لمستحقيها, فإنّ الأمر في هذه النازلة غير متيقّن, وإنما مبناه على غلبة الظنّ.
والظن الغالب وصول هذه الدماء لمستحقيها في أرض غزّة, كما حدثني أحد الإخوة الفلسطينيين, حتى وإن تأخر وصولها, لأنّ بنوك الدم الآن تحفظ الدم لآجال طويلة.
وفي حالة عدم وصول هذه الدماء لمستحقيها من أهل غزّة, فلا شك أنّ مستشفيات البلد في حاجة دائمة لهذه الدماء لإنقاذ الأرواح, ومداواة الجراح.
وعليه فالأولى للمتبرّع أن يستصحب نيّة التبرع المطلق دون تعيين, حتى تصل إلى كلّ مستحق في أي مصر من أمصار المسلمين.
والله تعالى أعلم.




من أجوبة الشيخ : أبو يزيد سليم بن صفية