المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما الفرق بين الأشعريّة و الطحاويّة ؟


طالبة
30-04-02, 06:59 AM
سألت طالبة في الجامعة (طالبة اخرى):


س : ما الفرق بين الأشعريّة و الطحاويّة ؟



جواب : بسم الله الرحمن الرحيم ، و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف الأنبياء و المرسلين نبينا محمد و آله و صحبه و بعد ؛ فإن هذا السؤال يحتاج قبل الجواب عنه إلى تصحيحه حيث لا توجد مقابلة بين الطحاوية و الأشعريّة حتى تذكر الفروق بينهما ! و لكن إن كان السؤال عن الفرق بين العقيدة الطحاوية و العقيدة الأشعريّة فإنه أيضاً لا توجد بينهما مقابلة لأن العقيدة الطحاوية هي متن (كتاب) في العقيدة و الأشعرية فرقة من فرق أهل الكلام من متكلمة الصفاتية كما سيأتي بيانه إن شاء الله . و تفصيل الجواب باختصار :

§ العقيدة الطحاويّة : هي متن أو كتاب مختصر في العقيدة كتبه الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي . و الأزدي نسبة إلى الأزد من قبائل العرب من قحطان و الطجاوي نسبة إلى "طحا" قرية في صعيد مصر . ولد سنة 239 هـ و توفي 321 هـ . قال عنه الحافظ ابن كثير : " الفقيه الحنفي صاحب التصانيف المفيدة و الفوائد الغزيرة و هو أحد الثقات الأثبات و الحفاظ الجهابذة ". و من هذه المصنفات رسالة مختصرة في العقيدة و قد نسبت هذه الرسالة إلى مؤلفها فقيل : العقيدة الطحاويّة . و هذه الرسالة تحرّى فيها مؤلّفها ذكر مذهب أهل السنّة و الجماعة كما قال في مطلعها :"هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنّة و الجماعة على مذهب فقهاء الملّة .." . و قد تضمّنت بالفعل أكثر مسائل الاعتقاد و أهمها و إن خلت من ذكر مسائل توحيد الإلهيّة و مباحث الشرك و هو من أهم مباحث العقيدة و كذلك مسألة البدعة و أحكامها و حجيّة أخبار الآحاد في العقيدة و غير ذلك من المسائل و مع ذلك فهي بحق من أجمع ما كتب في هذا الباب . و لا تخلو الرسالة من بعض الملاحظات و التي لم يوفق فيها المؤلف إلى إصابة الحق في تقريرها و هي قليلة –و لله الحمد- في بعض مسائل الإيمان و إطلاق بعض الاصطلاحات المحدثة في حق الله نفياً أو إثباتاً ، و على كل حال فالرسالة نافعة و قد جعل الله لها قبولاً عند العلماء و شرحها عدد كبير من الشرّاح أو علّق عليها و أحسن هذه الشروح و أوسعها انتشاراً شرح الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله . و قد شرحها عدد من علماء الكلام شرحاً على خلاف مذهب أهل السنّة فليحذر من هذا !

و المراد أن العقيدة الطحاوية رسالة تضمّنت ذكر عقيدة أهل السنّة و الجماعة في أبواب الصفات و القدر و الإيمان و الغيبيّات من الملائكة و حياة البرزخ و علامات الساعة و اليوم الآخر و الشفاعة و الرؤية و العرش و الجنّة و النار و مباحث الإمامة و الجماعة و لزوم السنة و ذم الكلام و أهله و غير ذلك من مباحث مهمة و نافعة جزى الله خيراً كاتبها و شارحها و دارسها .

فهذا ما يتعلّق بالعقيدة الطحاوية و بيانها .

§ أمّا الأشعريّة فهي فرقة من الفرق التي ظهرت في أواخر القرن الثالث الهجري و قد ظهرت في مقابل المعتزلة الذين شاع سوطهم في هذه الفترة و في حقيقة الأمر لقد كان ظهورهم في مقابل المعتزلة من باب ردِّ البدعة بالبدعة ، و لعل من أهم أسباب انتشار مذهبهم هو كونه ظهر كمذهب يعارض مذهب المعتزلة مما غرّ به كثير من الناس بل و المنتسبين للعلم . و الحديث عن مذهب الأشاعرة طويل و لكن أشير إلى ثلاثة مسائل فقط :

1. أسماء هذه الفرقة و نسبتهم :

هذه الفرقة اشتهرت باسم الأشاعرة نسبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري علي بن إسماعيل (250- 330 هـ)و لقد كان إماماّ فذّاً واسع الاطلاع و المعرفة متعدد الفنون و لهذا ادعت المالكية انه مالكي و الشافعية أنه شافعي و الحنفية أنه حنفي !و لقد كان في أول أمره على مذهب المعتزلة و لكنه رجع عنه و انتسب إلى مذهب ابن كلاّب (عبد الله بن سعيد ) و عقيدته هي مزيج من عقائد المعتزلة و أهل السنّة و لذا قال عنه الذهبي :" صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة و ربما وافقهم " ! و لكن الأمر لم يستقر بأبي الحسن الأشعري عند هذه المرحلة بل عقبتها مرحلة ثالثة في حياته و هي رجوعه إلى مذهب الإمام أحمد و دلّ على هذا ما تراه جليّا في كتاب "الإبانة عن أصول الديانة" و ترى مذهب أهل السنة جلياً أيضاً في رسالته "رسالة إلى أهل الثغر". و عند هذه الحقيقة يتبين أن انتساب هذه الفرقة إلى الأشعري انتساب باطل غير مقبول لنهم ينتسبون إلى المرحلة الثانية من حياته و لا يتابعون ما قرره في آخر حياته من مذهب السلف الصالح فانتسابهم إليه كنسبته إلى الاعتزال كلتاهما مرحلتان من حياته رجع عنها ، و مما يجب التنبيه عليه أن مذهب الأشعرية مرّ بمراحل كغيره من المذاهب و الفرق كان آخرها ما قرره الرازي و غيره من علماء الكلام و هو مذهب أقرب إلى مذهب المعتزلة و ليس حتى على طريقة ابن كلاب و الأشعري في المرحلة الثانية من حياته فمتأخري الأشاعرة من الغزالي و الرازي و أبو منصور البغدادي و الجويني و الآمدي فضلاً عن التفتزاني و غيرهم فهم ينكرون الصفات الخبرية و علو الله على خلقه بخلاف متقدّمي الأشاعرة كأبي الحسن في مرحلة متابعته لابن كلاّب و البيهقي و نحوهما ممن أثبت عامة الصفات الخبريّة و علو الله و استواءه على عرشه .

و يطلق عليهم أيضاً متكلّمة الصفاتية لكونهم أثبتوا بعض الصفات و تأولوا الأكثر منها و خاضوا فيها بالكلام المذموم على طريقة الفلاسفة . و يطلق عليهم أيضاً "السبعيّة " لكونهم أثبتوا سبع صفات و تأولوا الباقي من الصفات الإلهيّة . و قد أطلق عليهم الأئمة المتقدمون اسم الجهميّة أيضاً لأنهم سلكوا مذهب الجهم في نفي الصفات و وافقوه في قولهم في القدر و كذلك في الإيمان كما سيأتي الإشارة إليه .

2. أشهر رجالات هذه الفرقة و مصنفاتهم .

لقد انتسب إلى مذهب الأشاعرة جماعة من المشاهير من المنتسبين إلى العلم و هم متفاوتون فيما بينهم قرباً و بعدا من السنّة و لعلي أشير فقط إلى أساطين هذا المذهب و من كان لهم دور في تأسيسه و نشره و من هؤلاء : أبو بكر الباقلاني (403هـ) و أبو بكر محمد بن الطيب (423هـ) ، و أبو الحسن الطبري ، و أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (458هـ) و هؤلاء أثبتوا عامة الصفات ثم تلاهم جماعة من علماء الأشاعرة نَحَوْ بالمذهب إلى جهة الاعتزال كمثل سيف الدين الآمدي و أبو المعالي الجويني (478هـ) و أبو حامد الغزالي (505هـ) و أبو الفتح محمد بن أبي القاسم الشهرستاني (548هـ) و أبو عبد الله محمد الرازي الملقب بفخر الدين و البيضاوي صاحب التفسير (701هـ) و تاج الدين السبكي و الشريف الجرجاني (816هـ) و التفتزاني و السنوسي و غيرهم كثير من علماء الأشاعرة .

و من أشهر مصنفاتهم في هذا الباب : الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ، و العقائد النسفيّة و شرحها للنسفي و التفتزاني ، و لمع الأدلة للجويني ، و تمهيد الأوائل و تلخيص الدلائل للباقلاني ، و أساس التقديس و المسائل الخمسون للرازي ، و أصول الدين لأبي منصور البغدادي ، المواقف في علم الكلام للإيجي ، و جوهرة التوحيد للقاني و شرحها للباجوري و غير ذلك من المصنفات الكثيرة في تقرير عقائد الأشعريّة و لهم مصنفات كثيرة في التفسير و شروح الحديث و النحو مملوءة بعقائدهم .

3- أهم مسائل العقيدة التي خالفوا فيها أهل السنة :

1. اعتبروا أن غاية التوحيد و معنى شهادة أن لا إله إلا الله إثبات توحيد الربوبيّة !

2. اختلفوا في أول واجب على المكلّف هل هو النظر العقلي أو الشك في وجود الله !

3. لا يكاد يوجد لتوحيد العبادة و التحذير من الشرك ذكر في مصنفاتهم على كثرتها .

4. معنى الإله عندهم هو القادر على الاختراع كما قاله الأشعري أو من تحيرت فيه العقول !

5. إثبات سبع صفات لله و هي : الإرادة و القدرة و العلم و الحياة و السمع و البصر و الكلام النفسي ! و قاموا بتأويل سائر الصفات و نفيها عن الله .

6. نفوا علو الله على خلقه و استواءه على عرشه ، و قالوا ليس بداخل العالم و لا خارجه و لا فوقه و لا تحته و لا محايث له و لا متصل به و لا منفصل عنه !!

7. قالوا بأن القرآن لفظه من الرسول البشري (محمد صلى الله عليه و سلم) أو الملكي (جبريل) !

8. قالوا برد أخبار الآحاد في العقيدة .

9. قالوا بتقديم العقل على النصوص الشرعية و تأويلها أو نفيها إذا عارضت معقولهم.

10. قالوا بأن العبد في حقيقته مجبر على أفعاله غير مختار لها و إن كانت صورته صورة مختار فقالوا بقول الجهم في القدر و لكنهم أسموه بالكسب و لهم اكثر من مائة قول في تعريفه و قد قيل :



ممـا يقـال و لا حقيقة تحته معقـولة تدنوا إلى الأذهـان

الكسب عند الأشعري والحال عنـد البهشمي و طفرة النظّام

11. قالوا بنفي الأسباب و أن الأسباب غير مؤثرة بنفسها فالنار لا تحرق و السكين لا تقطع و لكن الإحراق و القطع يحصل عندهما !!!!

12. نفوا أن تكون أقدار الله و أفعاله عن حكمة بل عن محض مشيئة مجرّدة !

13. قالوا بأن الإيمان تصديق القلب و إقرار اللسان و أخرجوا العمل من مسمّاه كما هو قول الجهم و مذهب المرجئة .

14. خالفوا مذهب السلف في مسألة التحسين و التقبيح فنفوا أن يكون للعقل أو الفطر دور في هذا الباب بل محض الشرع و جوزوا أن يأتي الشرع بما تستقبحه الفطر و العقول !!

15. خالفوا مذهب السلف في باب النبوات و المعجزات و الفرق بينها و بين خوارق العادات و فعل السحرة و الكهان مما فتح الباب للملاحدة للطعن في الدين .

16. جعلوا من أصول مذهب التأويل و هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى غير ظاهر و حرّفوا النصوص بتأويلها أو ادعاء المجاز فيها و هو صرف اللفظ عن حقيقته إلى معنى آخر غير مراد كل ذلك بدون دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته أو ظاهره .

17. قالوا بأن مذهب السلف أسلم و مذهب الخلف أعلم و أحكم !

و الحديث عن مخالفتهم لمذهب أهل السنة طويل و لا ريب أن هذه الفرقة من الفرق الضالة التي لا يجوز الانتساب إليها بما قد تقرر من ذكر هذه العقائد الفاسدة و قد قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله "قول الإمام مالك لا تجوز شهادة أهل البدع و أهل الأهواء . أهل الأهواء عند مالك و سائر أصحابنا هم أهل الكلام ، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء و البدع أشعرياً كان أو غير أشعري و لا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً و يهجر و يؤدّب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب ". (جامع بيان العلم و فضله 2/96) و قد استوعب أهل العلم قديماً و حديثاً الكلام عن عقائد القوم و بيان حقيقة مذهبهم و من أشهرهم الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في عامّة مصنفاته لا سيما "درء التعارض "و "الرسالة التدمرية" و "الصفديّة "و "شرح الأصفهانيّة" و "شرح حديث النزول" و غيرها من المصنفات النافعة و كذلك تلميذه ابن القيم لا سيما في كتابه "الصواعق المرسلة" و يمكن مراجعة "مختصر الصواعق" للموصلي و من أحسن المصنفات و أقربها في هذا الباب رسالة الشيخ د. سفر الحوالي "منهج الأشاعرة في العقيدة" ، و رسالة الشيخ د. عبد الرحمن المحمود " جهود شيخ الإسلام في الرد على الأشاعرة " رسالة دكتوراه مقدمة بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض . كما يمكن الرجوع إلى كتاب "فرق معاصرة تنتمي للإسلام" للشيخ د. غالب عواجي ، ....

و بهذا البيان المفصّل أرجو أن يتضح للسائل المراد بفرقة الأشاعرة و مخالفة عقيدتهم لما جاء في رسالة الإمام الطحاوي في العقيدة و المسمّاة بالعقيدة الطحاوية . و نسأل الله للجميع الهداية و التوفيق و أن يمسّكنا بالكتاب و السنّة و هدي سلف الأمّة حتى نلقاه و صلى الله و سلم على محمد .



(( كتبه محـاضر في الجامعة الأمريكية المفتـوحـة http://www.open-university.edu ))

هيثم حمدان
30-04-02, 06:20 PM
بارك الله فيكِ.

ووفّق الله القائمين على الجامعة المفتوحة لكلّ خير.

طالبة
04-05-02, 09:42 PM
نقـل الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله لقول الأشاعـرة في "أول واجب على المكلف" .


( فَائِدَة ) : قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى وُجُوب مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى , وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّل وَاجِب فَقِيلَ : الْمَعْرِفَة , وَقِيلَ النَّظَر , وَقَالَ الْمُقْتَرِح : لَا اِخْتِلَاف فِي أَنَّ أَوَّل وَاجِب خِطَابًا وَمَقْصُودًا الْمَعْرِفَة , وَأَوَّل وَاجِب اِشْتِغَالًا وَأَدَاء الْقَصْد إِلَى النَّظَر . وَفِي نَقْل الْإِجْمَاع نَظَر كَبِير وَمُنَازَعَة طَوِيلَة , حَتَّى نَقَلَ جَمَاعَة الْإِجْمَاع فِي نَقِيضه , وَاسْتَدَلُّوا بِإِطْبَاقِ أَهْل الْعَصْر الْأَوَّل عَلَى قَبُول الْإِسْلَام مِمَّنْ دَخَلَ فِيهِ مِنْ غَيْر تَنْقِيب , وَالْآثَار فِي ذَلِكَ كَثِيرَة جِدًّا . وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْكُفَّار كَانُوا يَذُبُّونَ عَنْ دِينهمْ وَيُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ , فَرُجُوعهمْ عَنْهُ دَلِيل عَلَى ظُهُور الْحَقّ لَهُمْ . وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْمَعْرِفَة الْمَذْكُورَة يُكْتَفَى فِيهَا بِأَدْنَى نَظَر , بِخِلَافِ مَا قَرَّرُوهُ . وَمَعَ ذَلِكَ فَقَوْل اللَّه تَعَالَى ( فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا ) . وَحَدِيث " كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة " ظَاهِر أَنَّ فِي دَفْع هَذِهِ الْمَسْأَلَة مِنْ أَصْلهَا , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِهَذَا فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ نَقَلَ الْقُدْوَة أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة عَنْ أَبِي الْوَلِيد الْبَاجِيّ عَنْ أَبِي جَعْفَر السِّمْنَانِيّ - وَهُوَ مِنْ كِبَار الْأَشَاعِرَة - أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول : إِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة مِنْ مَسَائِل الْمُعْتَزِلَة بَقِيَتْ فِي الْمَذْهَب , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان .


(( فتح الباري شرح صحيح البخاري = بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ))


===========

قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام إِلَّا مَسْأَلَتَانِ هُمَا مِنْ مَبَادِئِهِ لَكَانَ حَقِيقًا بِالذَّمِّ : إِحْدَاهُمَا قَوْل بَعْضهمْ إِنَّ أَوَّل وَاجِب الشَّكّ إِذْ هُوَ اللَّازِم عَنْ وُجُوب النَّظَر أَوْ الْقَصْد إِلَى النَّظَر , وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَام بِقَوْلِهِ : رَكِبْت الْبَحْر . ثَانِيَتهمَا قَوْل جَمَاعَة مِنْهُمْ إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف اللَّه بِالطُّرُقِ الَّتِي رَتَّبُوهَا وَالْأَبْحَاث الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحّ إِيمَانه , حَتَّى لَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا يَلْزَم مِنْهُ تَكْفِير أَبِيك وَأَسْلَافك وَجِيرَانك , فَقَالَ لَا تُشَنِّعُ عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْل النَّار , قَالَ وَقَدْ رَدَّ بَعْض مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِمَا عَلَى مَنْ قَالَ بِهِمَا بِطَرِيقٍ مِنْ الرَّدّ النَّظَرِيّ وَهُوَ خَطَأ مِنْهُ , فَإِنَّ الْقَائِل بِالْمَسْأَلَتَيْن كَافِر شَرْعًا , لِجَعْلِهِ الشَّكّ فِي اللَّه وَاجِبًا , وَمُعْظَم الْمُسْلِمِينَ كُفَّارًا حَتَّى يَدْخُل فِي عُمُوم كَلَامه السَّلَف الصَّالِح مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَهَذَا مَعْلُوم الْفَسَاد مِنْ الدِّين بِالضَّرُورَةِ , وَإِلَّا فَلَا يُوجَد فِي الشَّرْعِيَّات ضَرُورِيّ , وَخَتَمَ الْقُرْطُبِيّ كَلَامه بِالِاعْتِذَارِ عَنْ إِطَالَة النَّفَس فِي هَذَا الْمَوْضِع لِمَا شَاعَ بَيْن النَّاس مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَة حَتَّى اِغْتَرَّ بِهَا كَثِير مِنْ الْأَغْمَار فَوَجَبَ بَذْل النَّصِيحَة , وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء اِنْتَهَى .


(( فتح الباري = شرح حديث :

"لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ
(إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ) ،
وللمزيد راجع شرح هذا الحـديث ))

أم عبد الله ش م
01-12-10, 11:35 AM
نفع الله بالشيخ
وجزاه خيرًا