المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرات في تصحيح جوانب دعوات المصلحين الاجتماعيين


محمد رشيد
21-10-09, 10:24 AM
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد..
فقد بات من اليسير – إن شاء الله – أن يتلمس الرجل العادي – وأقصد به رجل الشارع – اختلاف مناهج الدعاة في الدعوة، ولو بالصورة العريضة دون التفصيلية على أقل تقدير، فرجل الشارع يمكنه التفريق بين من يدعو بدعوة الدعاة الجدد التي تركز على الإصلاحات الجزئية الاجتماعية، وبين من يدعو دعوة صوفية، ومن يدعو دعوة سلفية، ومن يدعو دعوة تنتسب لمنهج سياسي برلماني – على فرض أن الأخيرة لازال لها وجود في الساحة الدعوية - . فكان في هذا غناء عن ذكر تلك التوجهات بأعلامها خلال تلك الكلمات؛ ذلك أننا لا نقصد – حين تقييم مناهج الدعوة – إلى نقد هذه المناهج لذاتها أو (أعيانها) وإنما النقد يتوجه إلى (أنماط) ذلك أن دورنا كدعاة عاملين مع الله لفترة محدودة هي فترة أعمارنا هو الدعوة إلى التوحيد وتصحيح مناهج تلك الدعوة والقيام بالإسلام ذاته، فلا مجال في تلك الوظائف إلا للتقييم الرباني منفصلا عن الأفراد في ذواتهم وأعيانهم، وليس – إذا – من سمت المؤمن عامة، وداعية التوحيد خاصة أن تعلق بذهنه اية نتائج لعلاقات نفسية محلها الاعيان، لا ربانية محلها الأنماط والمناهج.
يقصد حديثي هنا إلى إلقاء الضوء على توجه من تلك التوجهات الدعوية التي تعج بها الساحة اليوم، وهو (توجه الإصلاحات الجزئية) كمحاربة الإدمان، ومحاربة الفقر والبطالة.. إلخ تلك الأمور التي هي ناتج – في اعتقادنا كمؤمنين – عن قاعدة أعظم هي فسادا وخرابا، وهي قاعدة الاعتقاد، بشموليتها، واستغراقها.. للعقيدة والعمل.. للتصور القلبي والواقع العملي.. لكافة فعاليات الإنسان في حياته الدنيا.. وهذه القاعدة العقيدية – وما يستتبعها ولا يسبقها من كافة صور الإصلاح – هي محل دعوتنا كدعاة إلى (الإسلام) الذي هو (الاستسلام) للخالق البارئ المدبر.
هذه هي دعوتنا كدعاة إلى (الإسلام).. ولا ننكر وجود دعوات أخرى إلى أمور أخرى كثيرة، ولا ننكر وجود نجاحات وثمار تحققها تلك الدعوات التي رسمت أهدافها بكل دقة، واتبعت استراتيجيات وقواعد التخطيط، من التخطيط الاستراتيجي، إلى وضع التكتيكات، إلى وضع ورقة العمل.. إلخ تلك الخطوات المنهجية التي يعرفها جيدا خبراء أو ممارسوا الإدارة والتخطيط، فيحققون بذلك (العمل) وتلك (المهارة) ثمارا حقيقية، وفق ما رسموه (هم) من أهداف لهم. تماما كما تحقق أية مؤسسة استثمارية أو غير ربحية أو خيرية أهدافها حين تخطط لها بدقة ووفق القواعد المنطقية السليمة، والتي هي تدخل في جملتها ضمن قانون الأسباب.
ولكن، يبقى كل هدف وهو يحمل نسبته الصحيحة من حيث هو، بقطع النظر عن الأسباب التي اتخذت لتحصيله، وبقطع النظر عن الدعاوى التي أحيطت بفعاليات التنفيذ.. فالمؤسسة التي تضع أهدافا ربحية في نهاية الأمر وتخطط لها، لا يغير ذلك الهدف الربحي أن تقوم المؤسسة بأعمال من التي تسمى في لغة رجال الأعمال والتسويق "أعمالا خيرية" فكلها تخدم المؤسسة في النهاية بصورة ربحية، وعلى العكس، فالمؤسسات غير الربحية ربما تستعمل في فعالياتها استثمارات وتجارات ربحية، لتحقق في النهاية أهدافها غير الربحية، ويظل هذا النشاط كله يوسم باللاربحية.. وهكذا.. الأهداف ونوعيتها هي التي تمنع النشاطات توصيفها الصحيح، وبذلك تبطل النظرية الميكافيللية في كون الغاية تبرر الوسيلة، وتتحدد كذلك الوسائل التي ينبغي استعمالها.
فهذه المنطقة.. منطقة العمل والتخطيط والتنفيذ ورؤية الثمار.. هي أمور مشتركة – بديهة – بين كافة الأهداف، فهي السمة التي تتحقق بها الأهداف، فلا يوجد توجه يسعى لأن يضع الأهداف أمامه في الذهن أو على الورق ليتملاها ويسعد بها، ثم يقعد عن تحقيقها، هذا مخالف لناموس الكون كله، ومنه قانون الحياة البشرية، الذي يقتضي حركة الإنسان لتحقيق أهدافه، أيا ما كانت هذه الأهداف من الخير أو الشر، فكلها لابد فيها من السعي والكد والتخطيط الاستراتيجي والتكتيكي ولابد فيها من وضع ورقة العمل.
إلا أن غياب هذا العنصر – من الناحية العملية لا النظرية – عن بعض توجهات الدعوة، أو عن قطاعات أو جيوب في بعض التوجهات، أو عدم الوعي بثقافة التنفيذ لذلك العنصر لدى كثير من الأفراد داخل بعض التوجهات.. قد أدى إلى تحويل هذا العنصر – الذي هو عنصر مساعد لأهداف الخير والشر والحياد جميعا – إلى عنصر مدح. فصرنا نجد بعض الذين نشأوا في توجهات حالها هو التقصير في الجوانب التنفيذية، فقد انبهروا – ولو نسبيا – بدعوات أناس آخرين تميزوا بالفعالية والواقعية والعملية، وهو ليس تميزا في الحقيقة، وإنما هو برز كتميز لما قصرت التوجهات الأخرى في الجوانب العملية التي تؤدي إلى تحقيق أهدافها.
نقول: إنه لو اقتصر الانبهار أو المدح على مجرد التزام الفعالية والعملية والواقعية لكن الأمر أهون؛ حيث سيكون دورنا هو إفهام المنبهرين أن العملية والواقعية ليست محلا للتميّز، بل هي القناة بديهية الوجود التي تتحقق من خلال الأهداف المرسومة، فكيف يضع أحدهم أهدافا ثم يقعد يشاهدها ويتملاها؟!
إلا أن الانبهار لم يتوقف عند هذا الحد؛ بل تعداه إلى النتائج؛ حيث صحح المنبهرون - أو المصححون عموما - ما وصل إليه أصحاب الدعوات الجزئية من النتائج، فيقال مثلا: انظروا إلى هذا الداعية، قام بحملة لمكافحة الإدمان وقد حقق من النتائج ما لم يحققه الدعاة الآخرون من الذين لم يكونوا عمليين مثله، فلم ينزلوا للناس، ولم يستغلوا القنوات الفضائية، ولم يخططوا للحملات الواقعية.. إلخ، فلم يحققوا النتائج المطلوبة مثل ما حقق هذا الداعية.
هنا نقول: ومن قال إن هذه النتائج – في ميزان الدعوة الإسلامية – مطلوبة بذاتها؟
إن هذه النتائج التي حققها هذا الداعية، سواء كانت تقليل نسبة الإدمان، أو كانت تقليل نسبة البطالة، لو فرض تحقيقها بالفعل، هي - في ميزان الدعوة الإسلامية - نتائج لاغية إلا أن توضع في إطارها العقيدي التسليمي لرب الأرض والسماء. هذه هي الدعوة الإسلامية، وهذا ما عليه الداعية – الحق - إلى الإسلام.
أما لو قلنا إن الخير هو خير في ذاته، والشر هو شر في ذاته، ومن الخير عموما أن نزيد من الخير ونقلل من الشر، كحملات محاربة الإدمان والتدخين والبطالة .. إلخ، فهنا نقول: نعم ربما، ولكن قل إنك مصلح اجتماعي، قل إنك مصلح اقتصادي، فهذا لك واختياره متروك لك، أما أن تقول إنني داعية إسلامي، فهنا ينبغي أن تنطبق عليك طبيعة الدعوة الإسلامية، لا أية دعوة إصلاحية أخرى؛ إنها دعوة – أولا – إلى القاعدة العقيدية التي تقوم عليها الإصلاحات الجزئية من بعد كلها.
وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما ما نقل إلينا من حديث صحيح أو ضعيف أو موضوع أنه أمر بمعروف جزئي أو نهى عن منكر جزئي، من المنكرات التي كانت تعج بها مكة طيلة هذه الحقبة التاريخية للدعوة؛ كان صلى الله عليه وسلم – كأي نبي – يقول لقومه قولوا لا إله إلا الله. كان يمر على البغايا الواضعات رايات حمر على بيوتهن علامة عليهم، وكان يعيش اختلاط الأنساب والدياثة في أنواع الأنكحة، وكان يعيش التظالم العظيم بين الشرفاء والمستضعفين، وكان يعيش الربا الذي تعج به تجاراتهم، وكان يعيش أكل حقوق النساء ومنعهن من الإرث، ومنعهن من الزواج لو طلقن ... إلخ إلخ مما كان يعج به المجتمع المكي حينها.. ولكنه كان كذلك يعيش المنكر الأكبر، وهو الكفر بالله تعالى، يعيش ذلك المانع الذي يمنع أن تحسب أية إصلاحات جزئية في ميزان الإسلام، فكان واجبه – كما كان واجب كل نبي وواجب الدعاة من بعده – أن يقرر الميزان الذي توزن به كل تلك الإصلاحات، والتي لا وزن لها خارجه، إلا في ميزان البشر العام.
فمن أراد أن يقرر لهذه الأمور وزنا فله ذلك، وهو حر بعقله الذي هو مناط تكليفه، وسيحاسب هو على نتاج هذا العقل المكلّف، ولكنه – حينئذ – ينبغي عليه أن يعطي دعوته توصيفها الصحيح من كونها إصلاحية أو أخلاقية أو اجتماعية.. إلخ.. وليرفع عنها صفة الدعوة (الإسلامية).
إن الخطأ إذا لدى المصححين أو المنبهرين المادحين، ليس هو في ذات قضية العمل الواقعي الجاد والتفاعل مع المجتمع، كما قد يظهر لأول وهلة؛ إنه في عدم فهم أصول الدعوة الإسلامية ذاتها، وفي عدم تصور مكان الجزئيات الإصلاحية من الإسلام، ومتى يكون – أو لا يكون - لها اعتبار. والحمد لله على نعمة التوحيد.