المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المقامةالحديثية في منهج المتقدّمين


ابن عدي
06-06-02, 10:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

نقلاً عن الأخ "الفاضل" ، والمقال مرفق على ملف مضغوط
المقامة الحديثيّة

لمّا رأيتُ كثيرًا من المستشعرين للسنّة ، والمتسمّين بالحديث (والمشدّد الميم دون التّاء) ، ناكصينَ عن سُنَّةِ من سلفَ إلى المهيَع الحديث ، ورأيتُهم استناموا إلى السَّلاسِل والتَّخاريج ، وبخلوا على المطوّلات بالتّعريج ، فرأينا مقالات لهم كالتّهريج ؛
- فهذا يقول : "ما هكذا تُعلُّ الأحاديث يا ابن المديني" ، فأشهدكم أنّ دينه في الحديث غير ديني.
- وذاك يقول : "عجبًا للبخاريِّ كيف أنكر حديث كذا؟!!" ، فليت القائل تأمّل قبل ما هذى.
- وثالثٌ ينادِي ويفاخر "كم ترك الأوّل للآخر" ، وجهِلَ أنّ المعوّل على الأوّل ، والآخِرُ عالةٌ عليه ولو تقوّل.

أولئك قوم أنسوا إلى النزهة والتّقريب ، واستبدلوا الإرخاء بالتقريب ، ووجدوا في مراجعة الأصول تعبًا ، وفي مخالفة المألوف حرْبًا وحَرَبًا ، وضاقت فهومهم عن التحقيق ، واتّسعت ذممهم للتّلفيق.

فاتّبعوا ما خُطَّ لهم من القواعد ، ورضوا بأن يكونوا مع القواعد.

وإذا كلّمته قال : لا حجّة عندنا بالرِّجال ، ولم يُغلق قطُّ للاجتهاد مجال ، وليس في العلم مُحال.

قلت باذلاً له المِقة : فما دليلك على ما تذهب إليه في زيادة الثِّقة؟ قال قاله الألباني ، الفرد الّذي ماله ثاني.

فإن وجدتَ من فاقه رتبه ، وعلا كعبُه في العلم كعبَه ، قال وقوله النّكبة : قرأتُه في النُّخبة ، قلت فهلاّ راجعت النُّكَت ، ولم تكن كالّذي قرأ أوَّلَ الماعُون ثمّ سكت؟

هذه مسألة من مسائل ، ودليلٌ تتبعه دلائل ، والقوم قد زاغوا عن سنّة الأوائل ، في دقيق الأمور قبل الجلائل.

رجعت إلى صاحبي فناديته وهو قريب ، وأسمعته لو كان يجيب :
إنّ أمارة صحّة دعواك ، وشرط التّسليم بمدّعاك : أن تطّرد أصولُك ، ولا تختلف نقولُك ، فهل أنت معطيَّ هذه الخصلة ، وموافقي عليها في الجملة؟
قال : نعم ونعمة عين ، فمتى اضطربت قواعدي وأين؟
قلت : على رسلِك ، فقد استعجلتَ أجَلَك بإجْلِك ، فأخبرني عن أصول ما ترجع إليه عند تخريج الحديث؟

فبادرني الجواب لا يريث :
أبحث في رجاله وإمكان اتّصاله ، فإن كان الراوي ثقة أو صدوقًا ، يرويه عمّن يستطيع له إدراكًا ولحوقًا ، صحّحته وإن لم أكن مسبوقًا ، ولم يردّني أن أجد الإجماع على ضعفه مسُوقًا.
ثمّ زاد جذلان طرِبا ، وقد بلغ السيل منّي الزُّبى :
البيّنة على المدّعي ، وبيّنتي في كلّ أمري معي ، وإن نقلتَ علّة الحديث عن أحد ، فاسأله البيّنة على ما وجد.

أمّا الدّعاوى المرسَلة ، والتعليلات المجملة ، بأنّ هذا يشبه حديث فلان ، ولعلّ فلانًا غلط فيه ولان ، وأنّ الثّقات يروونه على خلافه ، ولم يروِه أهل بلده ومخلافه ، فكلام سخيف وتافِه ، يغني عرضه عن نقضه وإتلافِه.
وقد ثبتت ثقة الراوي بيقين ، فلا تزول إلاّ بيقين.

قاطعته وما كان لي السكوت ، وكدت أبخع نفسي وأموت:
مهلاً هداك الله ، وخلّص من أمثالك أولِياه:
لا يعيب الدّليل أنّك لم تفهم الدّلالة ، وذو الفم المريض يعاف من الماء زُلاله.
عِبت الدّعوى وعليها اعتمادك ، وأنكرت أرضًا فيها ضُرِبت أوتادك.
- أنّى لك معرفة الثِّفة من الرّجال؟
- وكيف تثبت ما تشترطه من إمكان سماع واتّصال؟
أليس حول هذين الركنين طوافُك ، وعندهما في التخريج رحلتك وإيلافك؟!

فأبِن لي أيها الفارس الطعّان ، واشرح وأنت على النقّاد المنتقدُ الطّعّان:
كيف استفدت ثقة الراوي؟ ومن أين حصلت لك معرفةُ الحافظ من الكذّاب الغاوي؟
هل في أصول شيوخِك تتبّعُ أحاديثِهِم؟ والفحص عن هناتهم وأنابيثهم؟
هل حصّلت من الصّناعة ، أم هل اشتغلتَ ولو ساعة ، بما يعينك على الحكم من استقراء المرويّات ، وعرض أحاديث الرّاوي على الثِّقات؟
أنّى ، وبُعدًا ، وهيهات ، وإنّما يعرف حديث الرّاوي بالمخالفة والزيادات ، وأنتم تصحّحون ذلك ، ولا ترون معنى للمخالفة هنالك.
فأجب الآن عن السؤال ، واختم بذلك المقال؟

فسكت ووجم ، واستبدل دعاوى البليغ ، بطمطمة العجم.

قلت : جوابي عنك قبل جوابِك ، ولسان حالك إن أكدى لسان خطابِك: أنّك قلّدتَهُم في الحكم على الرّجل ، واكتفيت بما قالوا وجاوزت على عجل.
فأنت تقلّدُهم في الحكم على الرّاوي ، وتخالفهم في الدّليل ، وتقبل بلا حجّة تجريحهم والتعديل ، لأنّك ما علمت أين يحومون ، ولم تدرِ عمَّ يصدرون.

فإذا وجدت كلامهم على الإسناد قلت محال وباطل ، وجرّأك عليه أنّك تعلم ظاهرًا من المصطلح وأنت عن العلل غافل.

فلمّا قالوا في شيء من حديث الثقة هذا من وهمه وتخليطه ، نازعتهم متحذلقًا بأنّه ثقة لا دليل على تغليطِه ، ولم تأتِ بتوثيقه من كيسِك ، ولم تنقله عن إمامك ورئيسِك ، وإنّما استبضعت دقل التمر إلى هجَر والقصيم ، وزوّرت الحليّ على صانعه العليم.

وكلّ ما في الأمْر ، وإن أعماك عنه السُّكر : أنّه وثّقه لغلبة صوابه بعد أن تتبّع ، وعلّل ما غلط فيه ممّا بان حال التتبُّع.

فتتبّعه دليل واحد دلّ على حكمين : ثقة الراوي ، وتغليطه ، قكذّبت بما لم تُحِط بعلمِه ، وقلّدته في نصف دعواه ، وشطر حُكمِه.

قال : قولك يشبه الصّواب ، وربّ سمٍّ في الشّهد مذاب ، فأزل ملتبس الأمر ، بحجّة تثلج وحرَ الصّدر.

0قلت : سألت نصَفًا ، وما قلت فنَدًا ولا خرفًا ، وحقٌّ لطالب الحجّة بتجرُّد ، أن يعطى سؤله ولا يُحرَد.

أرأيت قولك الّذي ردّدته وما فهمته ، ثمّ بالتّحقيق وسمتَه : لا نغلِّط الرّاوي إلاّ ببيّنة.

قاطعني فقال ، وهو يبري النِّصال : وآخر بدعِكُم يا منتحلي منهج المتقدّمين ، أنْ أنكرتم هذه القاعدة من قواعد الدين؟!

قلت : روَيدَكَ فما أنكرناها ، وإنّما اجتنبنا إهمالها وأعملناها ، وقيّدناها بقيدٍ متّفقٍ على أصلِه ، وإسنادٍ مجمعٍ على صحّته ووصله.

بل إهمالها حقّ الإهمال ، ما تدعو إليه من أقوال ، وستزول الشُّبهة التي معَك ، إذا ناولتني وأنت شهيد مسمعَك.

قال : هاتِ وناول ، فكلامك بالحقِّ أشبه منه بالباطل.

قلت : هذه البيّنة التي تطلبها على تغليط الراوي ، هل لك أن تضرب لها مثلاً ، وسنضرب لك في طلبها أجلاً؟

قال : والله إنه لأمر عجب ، فإنّها ما خطرت ببالي على كثرة بحثي في الحديث واشتغالي بالكتب.

عاجلته الجواب ، وقد بدا غسق الصواب : أما رأيت كيف عطّلتم هذا الحكم وغرضكم تحرّيه ، كما عطّل الجهميّة الصفات بحجّة التنزيه؟

أتريدون في غلط الثقة شاهدين عدلينِ يشهدان أن فلان بن فلان غلط في هذا الحديث؟

أم تجتزئون بشاهدٍ ويمين؟!

أما استغربتم حين أصّلتم فأغربتم : أنّ الراوي الثقة لا يغلط عندكم أبدًا؟ هبه سلّم لكم في سفيان وشعبة؟ فكيف تطردون هذا الأصل حتّى في الصدوق ومن خفّ ضبطه؟

- أليس من سنّة الفقهاء أنّ بيِّنَةَ كُلِّ شَيءٍ بحسبه؟ والبيّنة كلّ ما يبيّن الحقَّ ويوضحه كما ذكر ابن القيم.

- ألم يعمل القضاة والحكّام في أصول الأحكام بالقرائن القويّة إذا عدموا البيّنة أو كانت خفيّة؟

- أليست تقبل شهادة القابلة في ثبوت الفراش والنسب؟

- وشهادةُ الصِّبْيَان في جراحاتهم إذا لم يتفرّقوا على الصّحيح الّذي ذهب إليه جمع من المحقّقين؟

ألا يكفيك من البيّنة على غلط الراوي أنّ أعرف النّاس به ، وهو الّذي قبلت توثيقه له دون سؤال عن سببه ، أخبرك أنّه غلِط؟

ألم ترَ البيّنة بيّنةً حين جاء الثّقة إلى شيخٍ حافظٍ له أصحابٌ حفَّاظ ، يلازمونه الليل والنهار لا يفترون ، ويضبطون حديثه كتابًا ويحفظون ، ثمّ روى عنه ما لم يروه غيره دون أن يشاركهم في حديثه المشهور؟

ألم ترَه روى الحديث بأصحّ إسناد وأشهر ، ورواه أصحاب الشيخ بإسناد غريب مستنكر؟

أتُراهم أعرضوا عن صحيح حديث شيخهم وتتّبعوا مناكيره؟ أم عرفوا نوادر مرويِّه وجهلوا مشاهيره؟

قاطعني فقال : حقٌّ ما تقُول ، وثابتٌ ثمّ مقبول ، فأنا راجع عمّا كُنتُ عليه ، قابلٌ ما دعوتني إليه ، فلا أفتأ مقلِّدًا للحفّاظ ، واقفًا عند معانيهم والألفاظ ، لا أحاول مخالفَتَهُم ، ولا أسألهم أدلَّتَهُم.

فقلت مهلاً مهلاً ، فقد بنيت أصلاً وهدمت أصلاً.

لسنا ندعوك إلى التقليد ، ولا نعود على الاجتهاد بالتقييد ؛ لكنّ في الأمر طريقةً وسطًا ، لا تقبل زيغًا ولا شططًا.

إنّ للحفّاظ طريقة يختطّونها ، ومنهجًا يحملون رحالهم فيه ويحطّونها ، يتبع آخرُهم الأُلّ ، ويجتمع عليه الكلّ.

وللطريق رواحلُ لا تقطع إلا بها ، ومراحلُ ترتحلُ في طلبِها ، فإن أصبتها فبها ، وإن كنت راجلاً فترجّل عن دربِها.

فحصِّل أوّل ما تحصّل راحلة الطريق ، واسع في تطلّبها سعي الغريق.
والعمدة في هذا الفنّ وليس بالسهل الطّيِّع ، ما قاله أبو عبد الله الحاكم ابن البيِّع :
"الحفظ والفهم والمعرفة لا غير" ، فحصّلها قبل أن تستدرك إن كان فيك خير.

فإذا حصّلت الرّاحلة فاعرف طرائقهم ، واستهدِ بهم في طريقك ، وخذ منهم أصول الفنّ المطّردة ، وقواعده المتّفق عليها.

وستجد بعد مدّة ، أنّه صار لك نَفَسٌ في هذا العلم ، وفقه نفْسٍ يعينك على الفَهم ، وملَكةٌ حديثيّة ، تعرف بها مقولاتهم ، ولم قالوها ، وسُنَنهم ، وكيف استنّوها.
إذ ذاك يقال : للآخِر أن يستدرِكَ علََى الأوّل ، إذا نبغ وتأهّل ، وفهم كلام الأوّل ومراده ، وأسلم إليه في التأصيل قياده ، على أنْ لا يؤدّي استدراكه إلى محظور من محظورات علم الحديث ، ولا يخالف إجماعًا استقرّ قبل غرائب هذا العصر الحديث.

ومن محظورات الحديث : أن يوجد طريقٌ صحيح لا علّة له ، ولا يشتهر مع كونه في مظنّة الشهرة.

وأن يقول الحافظ المتتبّع المطّلع : لا يروى حديث كذا إلا من طريق كذا ، ثمّ يستدرك عليه العصريّ بأنّه وجده في فوائد تمّام ، أو في الثاني والثلاثين من حديث أسامة ، ونحو ذلك.

قال : أفلا ترى أنّ عسيرًا على بني العصر أن يحفظوا مائتي ألف حديثٍ بأسانيدها ، ويعرفوا الرجال وأحوالهم على تفاصيلها ، وهنا يحلّ للعصريِّ كما تزعم أن يتكلّم على الإسناد؟

قلت : هذا بيت القصيد ، والغاية التي ليس بعدها مزيد ، وهنا زلّت أقدام وتتابع على الغلط أقوام ، وليس هذا الموضع مختصًّا بعلم الحديث ، بل لكلّ علمٍ منه حظّ.
وذلك أنّ رتبة الاجتهاد على الاستقلال المحض ، لم يصلها أحد من الأمّة بعد الصّحابة ، والدّعوة إلى التّقليد لم يقل بها ذو فطنة ونجابة ، بل سار الأوّلون والآخرون على طريقةٍ وسطٍ ، جفا جافٍ وغلا غالٍ فيها فغلط.

قال : أبِنْ ليْ هُديت ، فقد جئت بما لم يطرق أذنيّ.

قلت : وما أخشى إلاّ نفرة الأذن من الغريب ، ودعوى استحداث قول لم يقل به عريب.

لكن بين يديَّ ابنُ القيّم حاكيًا : "وما من أحد من أئمّة الدّين إلا هو مقلّد في بعض المسائل من هو أعلم منه".

وهذا أحمد إمامنا يقول "إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها شيئًا أخذت فيها بقول الشافعي"

ومن تتبّع آثار السلف ، ومن سار سيرتهم من الخلف – علم أنّ هذه كانت طريقتهم.
فكان بالكوفة أصحاب ابن مسعود ، يتابعونه في أقواله ، ويتّبعونه في غالب أحواله ، ثمّ كان على ذلك أهل الكوفة.

وبالبصرة على قول أنس وابن سيرين والحسن.

وبالمدينة كان الناس على قول زيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر ، وكثر تمسّكهم بفتاوى الفاروق ، ثمّ أقوال فقهاء المدينة السّبعة.

وبمكّة كان الناس على قول ابن عبّاس في الغالب ، ثمّ على قول أصحابه كطاوس وعطاء ثمّ ابن دينار وابن جريج.

ومعاذ الله أن يفهم من هذا الدعوة إلى التقليد إلا من في قلبه مرض ، أو له من وراء ذلك غرض.

وإنّما نقول ، يجتهد الطالب قدر استطاعته ؛ فمتى كان الإسناد معروفًا لديه ، وحال الراوي ماثلاً بين يديه ، بما حصل له من دربة ، وما ادّخره في الجعبة ، أقدمَ فحكم.

وإن التبس الأمر عليه ، فليقلّد العارف ، وليسلم الأمر إليه ، وإن كان مقلّدًا ولا بدّ ، فعليه بالحفّاظ ذوي النّقد.

فقال : وفقك الله ، وجزاك خيرًا ، ولك عليَّ أن أتمسّك بمنهج السلف والمحققين ، في الدقيق والجليل من أمور الدين.

قلت : مجلسي هذا مثالٌ تقيس عليه ، وأصلٌ تردّ المسائل إليه ، وإنما مثّلنا بزيادة الثقة والمخالفة لشهرتها وكثرة طرقها بين الفريقين ، ولأنّها أمارةٌ ظاهرة تميّز الطريقين ، فامشِ رعاك الله في درب العلم ، ولا تأتمّ إلاّ بمن به مؤتمّ.
هذا ، والله أعلم ، ورد العلم إليه أحكم وأسلم ، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

يحيى العدل
06-06-02, 10:23 PM
شكر الله للكاتب .. والناقل .. هذه الدرر .. في بيان مذهب المتقدمين .. وبشرى لأهل هذا المنهج .. بهذا (الحريري المعاصر) .. الذي ينافح عن مذهبهم .. وطريقتهم.

أبو حازم المسالم
01-02-04, 03:58 AM
رائعة .. من أجمل ما كتب !

زادك الله من فضله .

ابن مسـعود
06-03-05, 07:24 PM
للرفع

عبد القادر المحمدي
07-03-05, 08:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الحبيب : لي كتاب طبع يبين منهج الأئمة المتقدمين أذكر لك ههنا جزءا من مقدمته :
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين ، وصحابته الغر الميامين ، وبعد :
فإنّ الجهد العظيم الذي بذله الأئمة المتقدمون من علماء الحديث النبوي الشريف في غربلة المرويات، وتفتيش الأسانيد ، وبيان أحوال الرواة في مصنفاتهم ومسانيدهم، وفي كتب العلل والتواريخ وما خلفوه لنا من تراث ضخم، يعد مفخرة لهذه الأمة المحمدية، وتتجلى العناية الربانية لها في تهيئة رجال حُفِظَت بهم السنة النبوية كالإمام مالك ،وأحمد ،والشافعي، والبخاري،ومسلم ،وأبي حاتم ، وغيرهم رحمهم الله أجمعين.
ولما كان في الأغلب من صنيعهم عدم التصريح بالأسباب التي ارتأوا من خلال ترجيح رواية راوٍ على آخر أو تضعيف حديث فلان في مكان، وتصحيحه في مكان أخر، إذ لم يبينوا لنا أسباب ذلك إلا في بعض الأحاديث التي تعد قليلة الى جنب ما سكتوا عنه، وإنما كانت تلك القرائن والأسباب قد وقرت في نفس الناقد حسب.
ولما انقضـى عهد الأئمة الجهابذة المتقـدمين نحو نهاية المائة الثالثة جاء المتأخرون فحاولوا استقراء صنيع الأئمة المتقدمين من خلال مصنفاتهم، وحاولوا وضع قواعد في علم مصطلح الحديث يسيرون عليها، فظهر أول كتاب في مصطلح الحديث هو كتاب: "المحدث الفاصل" للرامهرمزي (ت360هـ)، ثم كتاب "معرفة علوم الحديث " لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت405هـ)،ثم تلاه كتاب "الكفاية في علم الرواية "للخطيب البغدادي (ت 463هـ)، وهلمّ جراً.
ولما كان منهج الأئمة المتقدمين منهج عملياً تطبيقياً، إذ لم يصرحوا دائماً بمنهجهم في اختيار الأحاديث أو في انتقاء الأسانيد، ولم يبينوا لنا الأسس التي بموجبها اختاروا أحاديث مصنفاتهم كان استقراء الأئمة المتأخرين ظنياً اجتهادياً في الأعم الأغلب ؛ودلالة ذلك هو اختلافهم في كثير من أبواب المصطلح وتعريفاته، كاختلافهم في تعريف الحديث الحسن حتى قال ابن الصلاح معقباً على أقوال أهل العلم :
" كل هذه مُستبهم لا يشفي الغليل ، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح " ( ).
وكاختلافهم في تعريف المنكر والشاذ ،فبعضهم سوى بينهما ،وبعضهم غَفّلَ من سوى بينهما.
وكاختلافهم في قبول زيادة الثقة ، أو ردها ، فبعضهم قبلها مطلقاً،وبعضهم ردها مطلقاً ، وبعضهم فصل في ذلك ، وهلمّ جرا.
وهذا الاختلاف يدلل على كون الاستقراء لم يكن تاماً، وأنه كان اجتهادياً تختلف فيه مناظير العلماء وآراؤهم ، ولو كان تاماً ثابتاً قائماً على أسسٍ بينةٍ واضحةٍ لا تقبل الشك والجدل لما اختلفت الأقوال إلى هذا الحد فنرى واحداً يثبت والأخر ينفي ، من نحو تعارض الوصل والإرسال مثلاً،فبعضهم قدم الوصل مطلقاً والآخر قدم الإرسال مطلقاً فأيهما هو صنيع الأئمة المتقدمين؟!
إذن: "القواعد المقررة في مصطلح الحديث منها ما يذكر فيه خلاف ، ولا يحقق الحق فيه تحقيقاً واضحاً ، وكثيراً ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيراً ،وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجـال والعلل مع حسن الفهم وصـلاح النية " ( ).
ولما كانت الحقيقة واحدة لا تتجزأ ، ثم تختلف فيها الآراء فهذا يعني أن يكون أحد هذه الآراء صواباً ، أو تكون كلها خطأً لان الحقيقة لا تكون اثنين!!
فإذا كانت كتب المصطلح قد كُتبت على وفق استقراء ظني اجتهادي ثم ما برحت أن تحولت تلك الآراء الظنية إلى قواعد يُحاكم عليها الأئمة المتقدمون، فنجد حينئذٍ من يقول :إن الإمام أحمد يُسوّي بين الفرد المطلق والمنكر؟! وكذا الحافظ أبي بكر البرديجي؟! وهو – عندهم – يناقض صنيع الأئمة الآخرين من أقرانه كالإمام البخاري وأبي حاتم ، وغيرهما الذين يفرقون بينهم !! ثم أسهبوا في هذا الأمر وطولوا .
ولما كان هذا المنهج استقرائياً ظنياً اجتهادياً تجد – مثلاً- في الكتاب المتأخر من كتب المصطلح زيادة أبواب أو مصطلحات على ما تقدمه ،من ذلك مثلاً: مصطلح "منكر": فالحاكم لم يبوبه في كتاب "معرفة علوم الحديث" ؟ أو الخطيب البغدادي وإنما أول من عده نوعاً مستقلاً هو "ابن الصلاح".
ومصطلح "شاذ" تجد أن أبا عبد الله الحاكم قد بوب له باباً،وعده نوعاً من أنواع علوم الحديث، وعرّفه، في حين لا تجد ذلك عند من سبقه كالحافظ الرامهرمزي .
ثم من يتأمل في تعريفه يجده يختلف تماماً عن تعريفه عند علماء المصطلح من بعده.
ولا أريد أن ألج في تفصيلات هذه المسائل،وإنما قصدي : أنّ كتب مصطلح الحديث ُبنيت على الاستقراء الظني الاجتهادي، وليست هي قواعد متفق عليها يعد مخالفها شاذاً مخالفاً، إذ الاختلاف بين علماء المصطلح يدلل على ذلك .
يقول الشيخان الفاضلان الدكتور بشار عواد وشعيب الأرنؤوط : " إن القواعد التي وضعها مؤلفو كتب المصطلح اجتهادية ، منها ما هو مبني على استقراء تام ، ومنها - وهو في أغلبها – ما هو مبني على استقراء غير تام .
وكذلك الحكم على الرواة في الغالب ، لم يبن على الاستقراء التام ، فالأحكام الصادرة عن الأئمة النقاد تختلف باختلاف ثقافاتهم ، وقدراتهم العلمية والذهنية ، والمؤثرات التي أحاطت بهم ، وبحسب ما يتراءى لهم من حال الراوي تبعاً لمعرفتهم بأحاديثه ونقدهم مروياته ، وتبيّنهم فيه قوة العدالة أو الضبط أو الضعف فيهما ، وقد رأينا منهم من ضعف محدثاً بسب غلط يسير وقع فيه لا وزن له بجانب العدد الكثير من الأحاديث الصحيحة التي رواها، ووجدنا منهم من يوثق محدثاً مع كثرة أوهامه وأخطائه ، قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب " سبل السلام " في رسالته : " إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد " : " قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث في الراوي الواحد ، وفي الحديث الواحد ، فيضعف هذا حديثاً ، وهذا يصححه ، ويرمي هذا رجلاً من الرواة بالجرح ، وآخر يعدّله ، وذلك مما يشعر أن التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد التي اختلفت فيها الآراء " ( ).
ومن هنا تأتي أهمية البحوث الحديثة فكل شيء فيه اختلاف ينبغي أن تعاد دراسته بموجب مناهج البحث العلمي الحديثة ، التي وفرتها الوسائل الحديثة، والتي لم تكن دائما متوفرة عندهم ؛كالطباعة، والفهارس ، ووسائل الاتصال المتطورة، والحاسوب الذي بإمكانه اختصار الزمن على الباحث فهو قد يدلك، او يعينك على الوصول الى طريق يكلفك شهراً دونه!
وهذه البحوث التي تقوم على الاستقراء التام لصنيع أئمة النقد لا تعني بداهة إنكار جهود العلماء من المتأخرين، إنما هو استمرار في خدمة هذا العلم الشريف ؛فلو قدر للحافظ ابن حجر العسقلاني أو السخاوي مثلا الحياة في مثل هذه الظروف وأتيحت لهم مثل هذه الوسائل فإنهم بالتأكيد سيتعلمونها ويستخدمونها في خدمة علم الحديث أعظم استعمال ، ويخرجون بنتائج عظيمة ؛وإلا فانهم رغم صعوبة الوسائل آنذاك وعسرها كانوا يتناقشون الآراء ويرجحون ما يرونه صواباً على وفق القرائن التي بين أيديهم ، ويخالفون سالفيهم.
وهذا كله ليس بمقدور أي أحد الخوض فيه ألا من سلك جادة العلم الشرعي، وشمر عن ساعديه، وأفنى عمره في خدمة هذا العلم الشريف ومارسه، وتعرف على طرائق الأئمة المتقدمين وعلى أقوالهم وصنيعهم في كتب الراوية والعلل.
ثم ارتأيت بعد استخارة الله تعالى أن اختار أهم هذه الموضوعات في نظري ،وهو "الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين " ، وهو دراسة لتطور مفهوم هذه المصطلحات الثلاثة ثم تغير معانيها عند المتأخرين ،موازناً بها مع أقوال الأئمة المتقدمين وتطبيقاتهم في مصنفاتهم".
والله تعالى أعلم

أخوكم الدكتور عبد القادر المحمدي

المستشار
08-03-05, 06:49 PM
الدكتور عبد القادر المحمدي نفع الله بكم:
هل كتابكم المشار إليه موجودٌ على هذا الموقع؟

خليل بن محمد
08-03-05, 07:36 PM
الدكتور عبد القادر المحمدي وفقه الله ..
ما عنوان كتابكم ؟

عبد القادر المحمدي
09-03-05, 06:11 AM
أخي الفاضل :نعم الكتاب مطبوع في دار الكتب العلمية وعنوانه " الشاذ والمنكر وزيادة الثقة،موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" وهو في حقيقته رسالة علمية قدمت الى الجامعة الإسلامية ببغداد عام 2002م .
أ الدكتور :عبد القادر المحمدي

عبد القادر المحمدي
09-03-05, 06:21 AM
الدكتور عبد القادر المحمدي نفع الله بكم:
هل كتابكم المشار إليه موجودٌ على هذا الموقع؟

أخي الفاضل :الكتاب غير موجود على هذا الموقع ،بيد أنه طبع الطبعة الأولى في دار الكتب العلمية،في بيروت،مع الود.

طالب علوم الحديث
19-05-05, 12:32 AM
الدكتور عبد القادر الفاضل // هل كتابكم موجود على النت بشكل خارج هذا الموقع ؟؟

عبد القادر المحمدي
06-06-05, 02:55 PM
الأخ الفاضل :
الكتاب ليس على النت ،ولا مانع لدي من الإجابة على أي سؤال يتعلق بالموضوع.

أخوك الدكتور عبد القادر المحمدي
مدير مركز الأفق للدراسات والبحوث -بغداد

خليل بن محمد
06-06-05, 03:27 PM
الأخ الفاضل :
الكتاب ليس على النت ،ولا مانع لدي من الإجابة على أي سؤال يتعلق بالموضوع.

أخوك الدكتور عبد القادر المحمدي
مدير مركز الأفق للدراسات والبحوث -بغداد
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=30875