المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التحذير من كذبة المؤرِّخين


أبو عمر السمرقندي
09-10-04, 02:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

(1) : المسعودي (صاحب مروج الذهب وغيرها من الكتب) :
ننن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المنهاج (4/84) : (( ... وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلاَّ الله تعالى ، فكيف يوثقُ بحكايةٍ منقطعةِ الإسناد ، في كتابٍ قد عرِفَ بكثرة الكذِب ... )).

_______________________________________

(2) : يوسف بن قز أوغلي ، سبط ابن الجوزي ، (صاحب مرآة الزمان وغيرها من الكتب) :
ننن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المنهاج (4/97-98) : (( ... فهذا الرجل يذكر في مصنَّفاته أنواعاً من الغثِّ والسمين ، ويحتجُّ في أغراضه بأحاديث كثيرةٍ ضعيفةٍ وموضوعة.
وكان يصنِّفُ بحسبِ مقاصد الناس ، يصنِّف للشيعة ما يناسبهم ، ليعوِّضوه بذلك .
ويصنِّف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك ، لينال بذلك أغراضه .
فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له : ما مذهبك ؟
قال : في أي مدينةٍ ؟
ولهذا يوجدُ في كتبه ثلبُ الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم ؛ لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة .
ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم )).
________________________________________

ننن وبالله تعالى التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
@‌ يتبع إن شاء الله تعالى الكلام على الرحَّالة ابن بطوطة ...

حارث همام
09-10-04, 06:33 PM
جزاكم الله خيراً، وأذكر كذلك كلاماً لشيخ الإسلام في أبي الفرج الأصبهاني الأموي الشيعي!! صاحب الأغاني ذكره إن لم تخني الذاكرة الذهبي في التاريخ وعلق عليه فهلا بسطموه أحسن الله إليكم.

أبو عمر السمرقندي
09-10-04, 06:49 PM
ننن الأخ الكريم حارث همام .. وفقه الله
قد تقدم نقاش محموم حول ذي النقطة :
في موضوع : توضيح مختصر حول كتاب (( الأغاني )) .. اضغط هنا . (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=11412&highlight=%C7%E1%C3%DB%C7%E4%ED)

ننن وذلك بعد أن أغلق أصل الموضوع ، وهو :
احذر كتاب"الأغاني"ومؤلفه الأصبهاني! (للشيخ خالد الردادي) . اضغط هنا (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=11308&highlight=%C7%E1%C3%DB%C7%E4%ED)

حارث همام
10-10-04, 05:34 PM
جزاكم الله خيراً قرأت المقالتين والنفس قد مالت نحو ما ذهب إليه الأخ عبدالعزيز السني وخاصة عند التعويل على الأخبار من أجل الحكم الشرعي على الرجال أو غيرهم، أما القيمة الأدبية للكتاب فكما ذكرتم وذكر آل ظافر حفظكم الله، والله أعلم.

أبو عمر السمرقندي
10-10-04, 05:49 PM
ننن فاحذر روايات الأصبهاني إذن .
وعليك بكتاب الأغاني .

ابن دحيان
11-10-04, 02:02 PM
ثالثاً: كتاب الامامة والسياسة لا تصح نسبته إلى ابن قتيبة.

ويجزم المحققون بأن الكتاب باطل ومنسوب لابن قتيبة وذلك للأسباب التالية :

1ـ أن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألّف كتاباً في التاريخ يُدعى الإمامة والسياسة، ولا نعرف من مؤلفاته التاريخية إلا كتاب المعارف، والكتاب الذي ذكره صاحب كشف الظنون باسم (تاريخ ابن قتيبة) والذي توجد نسخة منه بالخزانة الظاهرية بدمشق رقم (80) تاريخ.

2ـ أن المتصفح للكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام في دمشق والمغرب في حين أنه لم يخرج من بغداد إلا إلى دينور.

3ـ يخالف أموراً متفقاً عليها وكمثال على ذلك ما ذكره تحت عنوان ( إباية على كرم الله وجهه بيعة أبي بكر رضي الله عنه) يقول: (ثم إن علياً كرم الله وحهه أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول أنا عبد الله وأخو رسوله فقيل له بايع أبا بكر فقال أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي).

بينما الثابـت في كتـاب ابن قتيبـة المتفق على نسبته إليه وهو كتاب (الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة) على أنه يرمي الرافضة بالكفر وذلك لطعنهم بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ((… وقد رأيت هؤلاء أيضاً حين رأوا غلو الرافضة في حب عليّ وتقديمه على من قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته عليه وادعاءهم له شركة النبي صلى الله عليه وسلم في نبوّته وعلم الغيب للأئمة من ولده وتلك الأقاويل والأمور السرية التي جمعت إلى الكذب والكفر إفراط الجهل والغباوة ورأوا شتمهم خيار السلف وبغضهم وتبرّؤهم منهم)) فكيف ينسب إليه بعد ذلك كتاب مشحونٌ بالطعن في الصحابة الكرام ؟!!!!

4ـ أن المنهج والأسلوب الذي سار عليه مؤلف الإمامة والسياسة يختلف تماماً عن منهج وأسلوب ابن قتيبة في كتبه التي بين أيدينا، ومن الخصائص البارزة في منهج ابن قتيبة أنه يقدم لمؤلفاته بمقدمات طويلة يبين فيها منهجه والغرض من مؤلفه، وعلى خلاف ذلك يسير صاحب الإمامة والسياسة، فمقدمته قصيرة جداً لا تزيد على ثلاثة أسطر هذا إلى جانب الاختلاف في الأسلوب، ومثل هذا النهج لم نعهده في مؤلفات ابن قتيبة.

5ـ يروي مؤلف الكتاب عن ابن أبي ليلى بشكل يشعر بالتلقي عنه، وابن أبي ليلى هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قاضي الكوفة توفى سنة 148، والمعروف أن ابن قتيبة لم يولد إلا سنة 213 أي بعد وفاة ابن أبي ليلى بخمسة وستين عاماً !!!

6ـ حتى أن المستشرقين اهتموا بالتحقيق في نسبة الكتاب وأول من اهتم بذلك المستشرق (دي جاينجوس) في كتابه (تاريخ الحكم الإسلامي في أسبانيا) ومن ثم أيده الدكتور (ر. دوزي) في كتابه (التاريخ السياسي والأدبي لأسبانيا)، وذكر الكتاب كل من بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، والبارون دي سلان في فهرست المخطوطات العربية بمكتبة باريس باسم أحـاديث الإمامـة والسياسة، ومـارغوليوس في كتابه دراسات عن المؤرخـين العرب، وقـرروا جميعـاً أن الكتاب منسوب إلى ابن قتيبة ولا يمكن أن يكون له.

7ـ أن الرواة والشيوخ الذين يروي عنهم ابن قتيبة عادة في كتبه لم يرد لهم ذكر في أي موضع من مواضع الكتاب.

8ـ يبدو من الكتاب أن المؤلف يروي أخبار فتح الأندلس مشافهة من أناس عاصروا حركة الفتح من مثل (حدثتني مولاة لعبد الله بن موسى حاصر حصنها التي كانت من أهله) والمعروف أن فتح الأندلس كان سنة 92 أي قبل مولد ابن قتيبة بنحو مائة وواحد وعشرين عاماً !!!!!

9ـ أن كتاب الإمامة والسياسة يشتمل على أخطاء تاريخية واضحة، مثل جعله أبا العباس والسفاح شخصيتين مختلفتين !!! وجعل هارون الرشيد الخلف المباشر للمهدي !!! واعتباره أن هارون الرشيد أسند ولاية العهد لابنه المأمون ومن ثـم لابنه الأمين !!! وإذا رجعنـا إلى كتـاب المعـارف لابن قتيبة نجده يمـدنا بمعلومـات صحيحـة عن السفـاح والرشيد تخالف ما ذكره صاحب الإمامة والسياسة.

10ـ أن في الكتـاب رواة لم يرو عنهم ابن قتيبة في كتاب من كتبه من مثل (أبي مريم وابن عفير).

11ـ تـرد في الكتـاب عـبارات ليسـت في مـؤلفـات ابـن قتيـبة نحـو (وذكـروا عن بعض المشيخة) (حدثنا بعض المشيخة) ومثل هـذه التراكيب بعيدة كل البعد عن أسلوب وعبارات ابن قتيبة ولم ترد في كتاب من كتبه.

12ـ من الملاحظ أن مؤلف الإمامة والسياسة لا يهتم بالتنسيق والتنظيم فهو يورد الخبر ثم ينتقل منه إلى غيره ثم يعود ليتم الخبر الأول، وهذه الفوضى لا تتفق مع نهج ابن قتيبة الذي يستهدف التنسيق والتنظيم.

13ـ أن مؤلف الإمامة والسياسة يروي عن اثنين من كبار علماء مصر وابن قتيبة لم يدخل مصر ولا أخذ عن هذين العالمين.

14ـ أن ابن قتيبة يحتل منزلة عالية لدى العلماء فهو عندهم من أهل السنة وثقة في علمه ودينه، يقول السلفي (كان ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة) ويقول ابن حزم (كان ثقة في دينه وعلمه) وتبعه في ذلك الخطيب البغدادي ويقول عنه ابن تيمية (وإن ابن قتيبة من المنتسبين إلى أحمد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة) وهو خطيب السنة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة. ورجـل هذه منزلته لدى رجـال العلم المحققين هل من المعقول أن يكون مؤلـف كتـاب الإمامـة والسياسة الذي شـوّه التاريخ وألصق بالصحـابة الكرام ما ليس فيهم ؟؟!!

أبو عمر السمرقندي
22-10-04, 01:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
(3) : ابن بطُّوطة ( الرَّحَّالة المشهور ) :
ننن قال العلاَّمة ابن خلدون رحمه الله في مقدِّمة تأريخه ديوان المبتدأ والخبر (ص/227) : (( ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة كان رحل منذ عشرين سنة قبلهما إلى المشرق ، وتقلَّب في بلاد العراق واليمن والهند ، ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند وهو السلطان محمد شاه ، واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروزجوه ، وكان له منه مكان ، واستعمله في خطه القضاء بمذهب المالكية في عمله ، ثم انقلب إلى المغرب ، واتصل السلطان أبي عنان .
وكان يحدِّث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض .
وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند ، ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون !
مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل مدينته من الرجال والنساء والولدان وفرض لهم رزق ستة أشهر ، تدفع لهم من عطائه .
وأنه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافة إلى صحراء البلد ويطوفون به وينصب أمامه في ذلك الحقل منجنيقات على الظهر ترى بها شكائر الدراهم والدنانير على الناس إلى أن يدخل إيوانه ، وأمثال هذه الحكايات .
فتناحى الناس بتكذيبه .
ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن وردار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن ، وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل ، لما استفاض في الناس من تكذيبه ، ... الخ )) .
ننن وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى في شرحه لنونية ابن القيم (1/497-498) : (( وكذلك شيخ الاسلام ابن تيمية ، فلا يخفى ما افتروه عليه ورموه به من الإفك ، وجعلوه يقول بالتجسيم ، وحاشاه .
وذكر ابن بطوطة في رحلته المشهورة قال : ( وكان دخولي لبعلبك عشية النهار وخرجت منها بالغدو لفرط اشتياقي إلى دمشق ، وصلت يوم الخميس ( التاسع ) من شهر رمضان المعظم ، عام ( ست وعشرين وسبعمائة ) إلى مدينة دمشق الشام ، فنزلت فيها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابيشية ) .
- إلى أن قال [ يعني : ابن بطوطة ] : - ( وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون ) .
- إلى أن قال [ يعني : ابن بطوطة ] : - فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم ، فكان من جملة كلامه [ يعني ابن تيمية ] أن قال : إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ، ونزل درجة من المنبر ، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء ... - إلى آخر ما هذى به ابن بطوطة .
أقول [ يعني : الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى ] : واغوثاه بالله من هذا الكذب ، الذي لم يخف الله كاذبه ، ولم يستحي مفتريه ، وفي الحديث : ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت) .
ووضوح هذا الكذب أظهر من أن يحتاج الى الإطناب ، والله حسيب هذا المفتري الكذاب ، فإنه ذكر أنه دخل دمشق في 9 رمضان سنة 726 !
وشيخ الاسلام ابن تيمية إذ ذاك قد حبس في القلعة ، كما ذكر ذلك العلماء الثقات ، كتلميذه الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي ، والحافظ ابي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب في طبقات الحنابلة .
قال فى ترجمة الشيخ من طبقاته المذكورة : مكث الشيخ في القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذي القعدة سنة ثمان وعشرين .
وزاد ابن عبد الهادي : أنه دخلها في سادس شعبان .
فانظر إلى هذا المفتري ، يذكر أنه حضره وهو يعظ الناس على منبر الجامع !
فياليت شعري ! هل انتقل منبر الجامع إلى داخل قلعة دمشق ؟!
فانظر كلام تلامذته ، وغيرهم من العارفين بحاله - أهل الورع والامانة والديانة - يتَّضح لك كذب هذا المغربي ، عامله الله بما يستحق .
والله أعلم .
وكم كذبوا عليه وبهتوه ، وقوَّلوه أشياء هو بريء منها )) .
ننن انتهى المقصود منهما ...
وبالله تعالى التوفيق
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ابن دحيان
22-10-04, 04:05 PM
واصل وصلك الله بكل ما تحب ، أجدت فأفدت.

في انتظار لاحق أمرك وباقي دررك.

عبيدالله
23-10-04, 04:45 AM
بارك الله فيك

أبو عمر السمرقندي
24-10-04, 05:41 PM
ننن الأخ الكريم ابن دحيَّان ..
جزاك الله خيراً على دعواتك الطيبة ..
الأخ عبيدالله .. وفيك بارك وبك أنعم

في انتظار لاحق أمرك .
أتنتظر وفاتي ؟
(: ابتسامة

حارث همام
24-10-04, 10:53 PM
شكر الله لكم وبمناسبة الموضوع الأخير أرجو مراجعة الرابط التالي فهو مفيد:

http://saaid.net/Minute/31.htm

وهنا تنبيهات على ما علقه الشيخ أبوعمر وعلى ما كتبه صاحب المقال المحال عليه:

أما كلام ابن خلدون فيجادل البعض ويقولون هو غير ظاهر في تأكيد رميه لمحمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم أبو عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة الجغرافي الرحالة بالكذب فإنه ساقه ليبين أن الصواب عدم إنكار الإنسان لما ليس في معهوده، فقد قال: "ولا تنكرن ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات‏.‏ فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الدول السالفة بادر باب بالإنكار وليس ذلك من الصواب فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة" ثم ذكر الكلام الذي أشار إليه الشيخ أبو عمر.

وتمامه بعدها: "وأريته [يعني وزير فارس] إنكار أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه‏.‏ فقال لي الوزير فارس‏:‏ إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره فتكون كابن الوزير الناشىء في السجن‏.‏ وذلك أن وزيراً اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربي فيها ابنه في ذلك المحبس فلما أدرك وعقل سأل عن اللحم الذي كان يتغذى به فقال أبوه هذا لحم الغنم فقال وما الغنم فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها فيقول يا أبت تراها مثل الفأر فينكر عليه ويقول أين الغنم من الفأر وكذا في لحم الإبل والبقرة إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر‏.‏ وهذا كثيراً ما يعتري الناس في الأخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عن قصد الإغراب كما قدمناه أول الكتاب‏.‏ فليرجع الإنسان إلى أصوله وليكن مهيمناً على نفسه ومميزاً بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته‏.‏ فما دخل في نطاق الإمكان قبله وما خرج عنه رفضه‏.‏ وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق فإن نطاقه أوسع شيء فلا يفرض حداً بين الواقعات وإنما مرادنا الإمكان بحسب المادة التي للشيء‏.‏ فإنا إذا نظرنا أصل الشيء وجنسه وصنفه ومقدار عظمه وقوته أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله وحكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه (وقل رب زدني علماً وأنت أرحم الراحمين)‏‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏".

غير أن كلام ابن خلدون ينبغي التنبه فيه إلى أمرين:

الأول: أنه ليس فيه تزكية لابن بطوطة كما يزعم البعض وإنما تعرض عجائبه على العقل وليكف عن إنكار ما حكم العقل بإمكانه قبل ومن ذلك أنه رأى امرأة وقد ذهب أحد ثدييها وكذلك بنتها فهذه وإن كانت عجيبة لكنها قد تكون، وقد ذهب صاحب المقال المحال عليه إلى التدليل بها على كذبه وهذا غير مسلم به (ولايجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا)، وأما ما حكم العقل بعدم إمكانه واستحالته فيخطأ فيه أو يكذب، ومن ذلك إخباره بما رآه عن شيخ الإسلام ابن تيمية في وقت اتفق المأرخون فيه أنه كان في السجن حينها، فهذا لايعدو كونه كذباً، ومنها ما ذكره حول الكعبة وأن الطير لا يعلوها وهذا خلاف لما نشهده فهو كذب أو خطأ، ومن جملة أخطائه ما ذكره في وصف الكعبة والميزاب ومازعمه من قبور حولها.
وبهذا فإن كلام ابن خلدون صحيح سليم بشرط أن لايفهم منه مخالفته لشيخه البلفيقي في علمه بما ذاع واشتهر من كذب ابن بطوطة[وقد كان ابن خلدون مجلاً معظماً له [قال في ابن حجر في الدرر: كان ابن خلدون عظيم الإجلال له لايقدم عليه أحداً] وليس ذلك سبب للحكم ببطلان كل أخباره. أما عند الأحكام الشرعية فلا يلتفت إلى نقله لكونه كما صرح ابن خلدون متهم بالكذب عند الناس والمتهم بالكذب لايعتد بخبره في ميزان أهل الحديث.


الثاني: ذكر صاحب المقال المحال عليه أن البلفيقي اتهم ابن جزي وهو الذي صاغ رحلة ابن بطوطة ونمقها بالكذب ولي مع هذا وقفات:
1- أخذ صاحب المقال قوله هذا كماهو ظاهر إحالته عن الدرر الكامنة لابن حجر. مع أنه في رحلة ابن بطوطة غنية لو تأملها! فقد صرح بذلك ابن جزي فيها إذ قال: "ونفذت الإشارة الكريمة بأن يملي ما شاهده في رحلته من الأمصار، وما علق بحفظه من نوادر الأخبار، ويذكر من لقيه من ملوك الأقطار، وعلمائها الأخيار، وأوليائها الأبرار، فأملى من ذلك ما فيه نزهة الخواطر، وبهجة المسامع والنواظر، من كل غريبة أفاد باجتلائها، وعجيبة أطرف بانتحائها. وصدر الأمر العالي لعبد مقامهم الكريم، المنقطع إلى بابهم المتشرف بخدمة جنابهم. محمد ابن محمد بن جزي الكلبي، أعانه الله على خدمتهم".

وهو ظاهر لمن تأمل صياغة الرحلة في غير موطن يستطرد فيه الأديب ابن جزي بسياق الأشعار والأخبار ثم يعيد الكلام لابن بطوطة. وابن جزي أديب ليس له من علم الشريعة مايؤهله للخوض في الرجال، بل له أشعار نسأل الله أن يتجاوز عن زلله فيها فإن فيها من شرك الألفاظ على أقل تقدير ومخالفات الشريعة ما فيها.

2- لم يكذب البلفيقي وهو العلامة المحدث أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف بن محمد بن سليمان بن سوار بن أحمد بن حرز الله بن عامر بن سعد الخير ابن أبي عتيق بن عباس بن محمد بن عنبسة بن حارثة بن عباس بن مرداس السلمي (664-774) لم يكذب ابن جزي [أبو عبدالله وهو محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن ابن يوسف بن جزي بن سعيد بن جزي الكلبي]، بل كذب ابن بطوطة نفسه، وأما من عارضه فهو ابن مرزوق وهو ممن أخذوا عن أبي البركات واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي من أهل تلمسان، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين. كان بالأندلس ثم رحل إلى المغرب وجرت له محن مشهورة قتل في آخرها.

والشاهد أن البلفيقي إنما كذب ابن بطوطة ولم يكذب ابن جزي، وقد أخذ بعض دعاة التحقيق! [أعني به محقق دفع شبه من شبه وتمرد] من معارضة ابن مرزوق للبلفيقي أن ابن بطوطة صدوق! وهذا باطل فابن مرزوق لايقارن في الرجال بلبلفيقي، كما أن لابن مرزوق تصوف حكوا عنه فيه أقاصيص ليست بأعجب من بعض أقاصيص ابن خلدون من عينة التطير في الهواء والحط في الأرض. كما أنه كان شديد التعصب لأصحابه وإخوانه [ذكره ابن حجر في الدرر] وابن بطوطة من جملة أصحابه عند السلطان أبي عنان. كما أن ابن خلدون وصفه في غير موضع [أعني ابن مرزوق] باتباع هواه. وقد أرسل له لسان الدين ابن الخطيب نصيحة في تجنب الأمراء يرى فيه إنكاره مسائل على صاحبنا هذا [ذكرها في الإحاطة في أخبار رناطة]، وفوق ذلك كله لم يصرح ابن مرزوق بأن ابن بطوطة صدوق بل غاية مافي النقل نفي اتهامه بتعمد الكذب وأنه فاضل جواد.


وأخيراً ما دام الكلام عن ابن بطوطة فمن الأولى والأحرى نقل ما ذكره لسان الدين ابن الخطيب في الإحاطة في أخبار غرناطة عن شيخه أبي البركات وهو البلفيقي حيث قال: "حاله من خط شيخنا أبي البركات، قال، هذا رجل لديه مشاركة يسيرة في الطلب، رحل من بلاده إلى بلاد المشرق يوم الخميس الثاني من رجب عام خمسة وعشرين وسبعماية، فدخل بلاد مصر والشام والعراق، وعراق العدم، وبلاد الهند والسند، والصين، وصين الصين، وبلاد اليمن. وحج عام ستة وعشرين وسبعماية. ولقي من الملوك والمشايخ عالماً، وجاور بمكة. واستقر عند ملك الهند، فحظي لديه، وولاه القاضاء، وأفاده مالاً جسيماً. وكانت رحلته على رسم الصوفية زيا وسجية، ثم قفل إلى بلاد المغرب، ودخل جزيرة الأندلس، فحكمى بها أحوال المشرق، وما استفاد من أهله، فكذب، وقال، لقيته بغرناطة، وبتنا معه ببستان أبي القاسم ابن عاصم بقرية نبلة، وحدثنا في تلك الليلة، وفي اليوم قبلها عن البلاد المشرقية وغيرها، فأخبر أنه دخل الكنيسة العظمى بالقسطنطنية العظمى، وهي على قدر مدينة مسقفة كلها، وفيها اثني عشر ألف أسقف. قلت، وأحاديثه في الغرابة أبعد من هذا. وانتقل إلى العدوة، فدخل بلاد السودان، ثم تعرف أن ملك المغرب استدعاه، فلحق ببابه. وأمر بتدوين رحلته".

وقد كان تدوينه لرحلته هذه بعد سبع وعشرين سنة منها على ما أفاده الزركلي في الأعلام، وبضع وعشرين سنة على ما أفاده ابن خلدون في مقدمته.

هذه حال ابن بطوطة رحمه الله بشيء من التفصيل رقمتها على عجالة بغرض إثراء الموضوع ولعل لبسط الكلام في الرد على من اعتضد بخبره عن شيخ الإسلام مع غيره من الواهيات مجال آخر أسأل الله أن ييسر وقتاً لبيانه. والله المستعان.

أبو عمر السمرقندي
24-10-04, 11:29 PM
• الأخ الكريم المفضال .. حارث همام .. وفقه الله
جزاكم الله خيراً على إثرائكم الموضوع بالتعقيبات النافعة ، ولعلَّكم تواصلون إفاداتكم المباركة . .
ننن تنبيه ننن • ليس المقصود من ذكر كذَبة المؤرِّخين أنَّ كلَّ أو أكثر ما أرَّخوه كذبٌ .
• بل المراد الحذر من نقولهم المنكرة وما يتفرَّدون به من الغرائب ، ومنها : ما أشار إليه العلاَّمة ابن خلدون رحمه الله .
• وإلاّ‍َ فهذا الواقدي وما يُروى من جهته ، وحاله حاله ‍!
• أما أنهم كذَبة لأجل أنه ثبت كذبهم مستفيضاً من وجوهٍ متعددة وفي أخبار متغايرة أولم يثبت ذلك =فليس ذلك طلبنا .
• إنما من ثبت كذبه مرَّةً فقد أبان لنا عورته فوجب الحذرُ منه ( كما قيل عن المدلِّس ) .
ثم لا يعنينا كثيراً كونه كذب في كلِّ خبره صريحاً أو ( بالمبالغات والتهويلات ) ، أو كان يكذب الشيء بعد الشيء .
ننن وبالله تعالى التوفيق ...

ابن دحيان
27-10-04, 08:08 PM
اضحك الله سنك

نحن ندعوا لك بطول العمر في طاعة الله ونفع الناس فأنت عزيز في ذا الزمان .

شيخنا الحبيب

ما تنمقه وتجمعه هنا فيه خير عظيم، خاصة أن الغالب في كتب المبتدعة اصحاب الأهواء المعوجة يتركزون على هذه الكتب وهي عندهم اصل اصيل في تمرير كذبهم وعقائده وما الرافضة والأحباش عنا ببعيد.

حارث همام
28-10-04, 11:56 AM
الشيخ الفاضل أبو عمر ..

لعل باقي الكلام وهو المتعلق بالقصة المرقعة على شيخ الإسلام، يسحبنا للحديث عن خبر قريب منه رواه التقي الحصني -عفا الله عنه- في دفع شبه من شبه عن مجهولين، وقد عزمت على الوقوف مع الكتاب ومؤلفه منذ زمن ولكن الصوراف تشغل، وأرجو أن يتيسر لي بعد رمضان تعليق موضوع مستقل في حلقات على السعة عن الشيخ الإمام وبعض مخالفيه من الشيوخ والأقزام وأعني بهؤلاء الأقزام بعض أقزام العلم من المعاصرين الذين عدو قدرهم وفوقوا سهامهم ثالبين، فمنهم من خبى ذكره ودرس رسمه، ومنهم من مضى وألسنة الأجيال تلعنه، ومنهم من ينتظر حلول المثلات. نسأل الله لنا ولهم الهداية والرشاد.

ابن دحيان
12-06-05, 03:05 PM
نأمل من شيخنا الكريم والكريم حقا وصدقا أن يكمل سبكه هذا

وهناك كتب مهمة ارى من الأهمية التطرق لها مثل كتاب العقد الفريد والمستطرف و تاريخ اليعقوبي وغيرها

وارى حقيقة اعدم الاكتفاء بكلام العلماء كشيخ الإسلام رحمه الله وإن كان مهما، بل لابد من عضد الكلام بنماذج واضحة تصيب الهدف من النقد ، كذكر الأمثلة أو عقيدة المؤلف أو نسبة الكتاب إلى غيرها من الركائز المهمة في النقد.

مع تمنياتي لك بالتوفيق شيخي الغالي

أبو عمر السمرقندي
26-07-05, 05:03 PM
ننن الأخ الكريم الفاضل ... ابن دحيان ... باركه الرحمن
ما دللت عليه صواب ، ولكن يعوزه وقتٌ ، قد يملكه بعض الأخوة الأفاضل .
وجزاك الله خيراً على اهتمامك

ننن مما له صلة بالموضوع ( وإن لم يكن مثله تماماً ) :
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=17483&highlight=%C7%E1%DD%C7%DF%E5%ED

محمد الأمين
12-11-06, 09:18 PM
لسبب ما لا يفتح الرابط الأخير معي.

محب البويحياوي
23-11-06, 04:38 AM
و لا معي يبدو ان الرابط لموضوع ضاع أو حذف
موضوع رائع و نتسائل عن البقية هل سيكمل الشيخ أبو عمر بحثه أم توقف هنا؟

و الله أعلم بالحال و المآل